توسط أهل السنة والجماعة مأخوذ من توسط الأمة بين سائر الأمم، فإن الله سبحانه أكرمنا بنعمتين عظيمتين: نعمة الهداية إلى الإسلام، ونعمة العصمة من سبل أهل البدع والأهواء، فأهل السنة والجماعة وسط بين سائر الفرق الأخرى، كما أن الأمة الإسلامية في مجموعها ومعتقدها وأحكامها وتوحيدها وسط بين سائر الأمم الأخرى.
[ ٤ / ١ ]
وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة كوسطية الأمة بين سائر الأمم
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فموعدنا بمشيئة الله تعالى في هذه المحاضرة مع مواصلة الكلام عن خصائص أهل السنة والجماعة، وبعد أن مرت بنا محاضرات في بيان هذا الشأن، فموعدنا اليوم مع توسط أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة، فإن هذه خاصية عظيمة جدًا، وهي من أهم ما يميز أهل السنة والجماعة عن غيرهم من أصحاب الأهواء والبدع، لكن قبل الدخول في المطلوب لابد أن نقول: إن توسط أهل السنة والجماعة مأخوذ من توسط الأمة، فكما أن الأمة وسط بين سائر الملل والشرائع السابقة، فكذلك أهل السنة وسط في فرق الأمة؛ ولذلك قال أبو الأسود الدؤلي وميمون بن مهران وغير واحد من السلف: لا ندري أي النعمتين علينا أعظم: أن هدانا الله للإسلام أو عصمنا بالإسلام إلى سنة وسبيل، وحفظنا من اتباع الهوى.
هذا كلام في غاية النور، فإن السلف ﵃ تحيروا في نعم الله ﷿ عليهم: أيها أعظم؟ فبعضهم يقول: أعظم نعمة هي الإسلام، والأمر كذلك ولاشك، ولكن الأقوى من ذلك: أن يعصمك الله تعالى في إسلامك من اتباع الهوى وركوب البدع، وأن يوفقك إلى الاستقامة على الصراط المستقيم والنهج القويم، هذه سعادة ما بعدها سعادة، وتوفيق وسداد ما بعده توفيق ولا سداد؛ ولذلك وجه سؤال إلى شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في بيان توسط الأمة، وبيان توسط أهل السنة والجماعة في سائر الفرق الضالة، المأخوذ من قوله ﵊: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة -أي: أمة النبي محمد ﵊- إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، في رواية: (وهي الجماعة)، وفي رواية: (من كانوا مثل ما أنا عليه وأصحابي).
[ ٤ / ٢ ]
توسط أمة محمد بين سائر الأمم
فهذه الفرقة الناجية -وأخص منها الطائفة المنصورة- هم أهل السنة والجماعة، أما غيرهم فأهل الأهواء والبدع والضلال أعاذنا الله وإياكم، فالأمة في مجموعها وفي أصل معتقدها وفي أصل أحكامها وفي أصل توحيدها هي وسط بين أكثر من سبعين أمة سبقتها، فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله بعد مقدمة لطيفة لبيان ما كانت عليه الأمم من قبل، وذلك في المجلد الثالث من مجموع الفتاوى.
حيث قال: (فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله ﷿، وجعلهم -أي: جعل الأمة في مجموعها- أمة وسطًا -أي: عدلًا خيارًا- ولذلك جعلهم شهداء على الناس).
كما في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، قال الله ﷿ هذا الكلام بعد أن اعترض اليهود والمنافقون والسفهاء على تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، فقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٤٢].
ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
قال: (ولذلك جعلهم شهداء على الناس، هداهم لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، ثم خصهم بعد ذلك بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم).
ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، فاختلاف الشرائع باختلاف الأنبياء، ومع كل نبي شريعة تخصه، أما الدين فهو واحد لا تبديل ولا تغيير فيه بين نبي وآخر.
قال: (مثل أصول الإيمان، وأعلاها وأفضلها هو توحيد الله ﷿، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله).
الإيمان بها إيمانًا جازمًا، والقول بها قولًا بينًا، والعمل بمقتضاها على النحو الذي أمر الله ﷿، وأمر به رسوله ﵊.
قال: (كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]].
هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولًا كما جاء في تفسير النبي ﵊ لما سئل عن الوسط قال: العدل، فهذه الأمة في مجموعها أمة عدل، ولذلك ارتضى الله ﷿ لها -أي: كلفها- أن تشهد على الأمم من قبلها، ثم يكون الرسول ﵊ شهيدًا على هذه الأمة.
قال: (ومثل الإيمان بجميع كتب الله وجميع رسل الله، كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى:١٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
ومثل الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، كما أخبر عن إيمان من تقدم م
[ ٤ / ٣ ]
الشرائع التي شرعها الله لأمة محمد وميزها بها عن غيرها
قال: (ومثل أصول الشرائع كما ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وسبحان وغيرهن من السور المكية، من أمر الله تعالى لعباده بعبادته وحده لا شريك له، وأمره ببر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والعدل في المقال، وتوفية الميزان والمكيال، وإعطاء السائل والمحروم، وتحريم قتل النفس بغير الحق، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الإثم والبغي بغير الحق، وتحريم الكلام في الدين بغير علم مع ما يدخل في التوحيد من إخلاص الدين لله تعالى، والتوكل على الله، والرجاء لرحمة الله، والخوف من الله، والصبر لحكم الله، والقيام لأمر الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل الله ذكرها في مواضع من القرآن كالسور المكية وبعض السور المدنية.
وكذلك ما أنزل الله ﷿ في السور المدنية من شرائع دينه، وما سنه الرسول ﵊ لأمته، فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وامتن على المؤمنين بذلك، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك، فقال: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]-أي: يا محمد- وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤]، وقال تعالى آمرًا أزواج نبيه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٣٤]-أي: القرآن- ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] أي: السنة النبوية؛ ولذلك قال حسان بن عطية: كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن.
وقال النبي ﵊: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه».
إجماع أهل السنة والجماعة أن المثلية هنا هي مثلية الوحي كتابًا وسنة، وهذه الشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته، مثل التوجه إلى القبلة والمنسك والمنهاج أي: الشريعة، وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها والقراءة والركوع والسجود واستقبال القبلة، كل ذلك أمرنا الله ﷿ به في كتابه، كما أمرنا بذلك نبيه ﷺ.
قال: (ومثل فرائض الزكاة وأنصبتها التي فرضها الله في أموال المسلمين من الماشية والحبوب والثمار والتجارة والذهب والفضة، ومن جعلت له، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة:٦٠] أي: الزكوات: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠].
ومثل صيام شهر رمضان، ومثل حج بيت الله الحرام، والحدود التي حدها الله تعالى لهم: في المناكح، والمواريث، والعقوبات، والمبايعات، ومثل السنن التي سنها الله تعالى لهم من الأعياد والجمعات والجماعات في المكتوبات، والجماعات في الكسوف والاستسقاء وصلاة الجنازة والتراويح).
كل هذا شرع الله تعالى تميزت به هذه الأمة عن غيرها من سائر الأمم.
قال: (وما سن لهم الرسول ﷺ في العادات، مثل: المطاعم، والملابس، والولادة، والموت، ونحو ذلك من السنن والآداب، والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم: في الدماء، والأموال، والأبضاع، والأعراض، والمنافع، والأبشار، وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ.
وحبب الله تعالى إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فجعلهم متبعين لرسوله ﷺ، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم من قبلهم) -وهذه كذلك خاصية أخرى سنتعرض لها بإذن الله تعالى؛ أن الأمة في مجموعها معصومة، أما أفرادًا أفرادًا فليس أحد معصومًا إلا النبي ﷺ- إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى إليهم رسولًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]-أي: رسول- ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فعصم الله تعالى أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة على سائر الخلق، ولهذا كان إجماعهم -أي: إجماع الأمة- حجة كما كان الكتاب والسنة حجة؛ ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب، ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما م
[ ٤ / ٤ ]
المؤمنون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين
قال شيخ الإسلام ﵀: (والمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ﷿، كما اتخذوا المسيح ابن مريم إلهًا من دون الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]-يعني: لم يغالوا في الأنبياء فيبلغوا مرتبة الإلهية- كما أن المسلمين لم يجفوا عنهم جفاء اليهود، الذين قتلوا الأنبياء بغير حق، والذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا فقتلوا فريقًا وكذبوا آخر من أنبياء الله ورسله).
فالأمة وسط بين الغلاة -أي: بين الغلو والجفاء- فيما يتعلق بمعتقدهم في الأنبياء؛ يعتقدون أنهم بشر، وأن الله تعالى إله واحد لا إله غير ولا رب سواه.
كما زعمت النصارى أن عيسى إله، وزعموا أنه ابن الإله، وزعموا أنه ثالث ثلاثة، وكذلك قالت اليهود: عزير ابن الله، تعالى الله ﷿ عن قولهم علوًا كبيرًا.
ولذلك: (أتى آت فهم بالسجود للنبي ﷺ وكان قد أتى من اليمن، فقال النبي ﷺ: ماذا تصنع؟ قال: يا رسول الله! أنت أحق بذلك، إنما رأيت الناس هناك يسجدون لبطارقتهم، فقال النبي ﵊: لا تفعل)، وقال ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، فهذا تقرير لعبودية النبي ﵊ لربه، وأنه ليس إلهًا، كما أن الله ﵎ أمر بإجلاله وتعظيمه وتوقيره وتعزيره، وألا نناديه كما ينادي أحدنا أخاه، بل أمر الله ﷿ في أول الأمر أن من أراد أن ينادي رسول الله، فليقدم بين يديه صدقة، ثم نسخ الله تعالى ذلك، وأمرنا إذا ناديناه أن نقول: يا رسول الله! ولا نقول: يا محمد!
[ ٤ / ٥ ]
المؤمنون وسط فيما يتعلق بشرائع دين الله
قال شيخ الإسلام ﵀: (وكذلك المؤمنون وسط فيما يتعلق بشرائع دين الله، فلم يحرموا على الله ﷿ أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء ويثبت كما قالته اليهود، وكما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢]).
لو كانوا مسلمين حقًا لآمنوا بالتحويل، وما جعلها الله ﷿ إلا ابتلاء لينظر من يؤمن ويسمع ويطيع، ممن ينقلب على عقبيه، وكان المنافقون واليهود أول من انقلب على عقبيه وأظهر الاعتراض على الله ﷿، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١].
قال: (ولا جوز المؤمنون لعلمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله كما فعلت النصارى).
ولذلك (دخل عدي بن حاتم على النبي ﷺ وهو يتلو: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، فقال عدي: يا رسول الله! ما عبدوهم؟ قال النبي ﵊: يا عدي! ألم يحرموا لهم الحلال ويحلوا لهم الحرام فاتبعوهم؟ قال: نعم.
قال: فتلك عبادتهم إياهم)، وهذا فيما يتعلق بالأحبار والرهبان، أي: علماء كل شرعة ومنهاج.
فلما أحلوا لهم ما لم يحله لهم الله تعالى ولا رسوله الذي بعث فيهم، وكذا فعلوا في الحلال أو في الحرام، فاتبعت الأمة علماءها ولم تتبع أنبياءها؛ فكان هذا ضرب من ضروب العبادة والربوبية لغير الله ﷿، أما أمتنا فإنها ترد على أعلم أهل الأرض من أبناء المسلمين إذا حاد عن الطريق وإذا أخطأ.
لو أن أبا بكر الصديق ﵁ وهو أعظم رجل في الأمة بعد نبيها ﷺ قال قولًا لم يوافق الحق لوجب على الأمة أن ترد عليه، لا تعبده من دون الله، فهذه الأمة محروسة معصومة محفوظة بحفظ الله ﵎ لها، وهذا في مجموعها، ولا يمنع أن يخطئ مجتهد في اجتهاده، وهو مأجور أجرًا واحدًا، ومن أصاب فهو الأصل وله أجران.
[ ٤ / ٦ ]
المؤمنون وسط في باب الخلق والأمر والصفات
قال شيخ الإسلام ﵀: (والمؤمنون قالوا: (لله الخلق والأمر)، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره).
أي: ليس لأحد حق الأمر إلا من كان له حق الخلق، فلما أجمعت الأمة أنه لا خالق إلا الله، فكذلك ليس لأحد أن يأمر وينهى إلا بأمر الله وأمر رسوله.
قال: (وقالوا: سمعنا وأطعنا فأطاعوا كل أمرٍ أمر الله به، وقالوا: إن الله يحكم ما يريد، أما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيمًا.
وكذلك الأمة في صفات الله ﷿وسط بين الأمم السابقة- فإن اليهود -عليهم لعنة الله- وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت!).
أي: تعب من خلق الكون فاستراح في اليوم السابع! تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، فإن الله لا يمسه نصب ولا تعب.
قال: (والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به ﷾).
أما المؤمنون المسلمون فهم وسط بين هذا وذاك، فلم يصفوا الله تعالى بصفات النقص، بل أثبتوا له صفات الكمال والجلال على المعنى اللائق بالله تعالى، كما أنهم كذلك لم يعطوا أحدًا من البشر ولو كان رسولًا أرسل من عند ربه أو نبيًا شيئًا مما يجب صرفه لله ﷿، كما أنهم كذلك لا يعطون لآحاد الأمة حقًا هو حق للرسول ﵊، فلكل حقه عند مجموع الأمة وعند أهل السنة والجماعة على جهة الخصوص.
قال: (والمؤمنون آمنوا بالله ﷾ ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفوًا أحد، وليس كمثله شيء، فإنه رب العالمين وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]].
[ ٤ / ٧ ]
المؤمنون وسط في باب الحلال والحرام
وكذلك في باب الحلال والحرام، فإن اليهود تنكبوا طريق الحلال والحرام، فارتكبوا الحرام وتركوا الحلال، وعلى العكس منهم فعل النصارى، ولكن هذه الأمة توسطوا في باب الحلال والحرام، فإنهم لم يحلوا شيئًا إلا أحله الله، ولم يحرموا شيئًا إلا حرمه الله؛ ولذلك أنزل الله تعالى عقوبته على اليهود والنصارى، ولم ينزلها على المؤمنين الموحدين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (فإن اليهود كما قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]-كانت حلالًا، وبسبب ظلمهم حرمها الله تعالى عليهم- فلا يأكلون ذوات الظفر مثل: الإبل والبط، ولا شحم الثرب والكليتين ولا الجدي في لبن أمه إلى غير ذلك مما حرم الله تعالى عليهم من الطعام واللباس، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعًا، والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمرًا).
وكذلك شدد الله ﷿ عليهم في النجاسات، فإذا أصاب ثوب أحدهم بول فلا يطهره الماء ولا التراب، إنما يلزمه أن يقرضه بالمقاريض، ويرميه ويلقيه على المزابل.
قال: (أما النصارى فاستحلوا الخبائث والمحرمات، وباشروا جميع النجاسات).
فالواحد منهم يصيب ثوبه البول والنجاسة، فيدخل الكنيسة فيصلي على هذا النحو.
أما نحن فإننا وسط في باب الحلال والحرام وفي باب النجاسات بين اليهود والنصارى، إذا أصاب ثوب أحدنا نجس أو خبث أزاله وغسله بالماء، ثم دخل في الوقوف بين يدي ربه لا حرج عليه، لم يؤمر بقرض الثوب بالمقراض، كما أننا كذلك لا تصح عبادتنا بهذه النجاسة، فإننا أمة طاهرة مطهرة بتطهير الله ﷿ لها من الأرجاس والأدران.
[ ٤ / ٨ ]
المؤمنون وسط في باب القصاص
وكذلك القصاص شرط على اليهود لابد أن يفعلوه، لا يحل لصاحب المظلمة أن يتنازل، والتسامح شرط على النصارى لا يحل لأحدهم أن يأخذ قصاصًا ولا دية.
وأما نحن أمة الإسلام في مجموعها وفي كتاب ربها وسنة نبيها، فإنها مخيرة بين القصاص وبين الدية وبين العفو: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، وأما المؤمنون فكما نعتهم الله ﷿ في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فذنبك يا عبد الله مهما عظم شيء، ورحمة ربك وسعت كل شيء: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها، ووهبهم الله تعالى من العلم والحلم والعدل والإحسان ما لم يهبه لأمة من الأمم، فلذلك كانوا أمة وسطًا، وهذا بيان لوسطية الأمة في مجموع الأمم السبعين من قبلها، وقد رأيتم محاسن الدين فيما ذكرنا.
أسأل الله تعالى أن يغفر لي ولكم.
[ ٤ / ٩ ]
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد: في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم؛ ولتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل.
جميع الأمم يعترفون لأمة النبي ﷺ يوم القيامة بالفضل، ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: اصطفاكم من بين الخلق: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨].
قال الإمام أحمد: عن أبي سعيد الخدري: قال النبي ﷺ: (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته.
قال: فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، قال النبي ﷺ: والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم) وكذلك رواه البخاري.
ومن طريق أبي سعيد: قال النبي ﵊: (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم.
فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم.
يا رب! فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قول الله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، قال: عدلًا).
عن جابر بن عبد الله الأنصاري: (شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني مسلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: والله يا رسول الله! لنعم المرء كان -يعني: هذا الميت كان نعم المرء- لقد كان عفيفًا مسلمًا وكان وكان وكان، وأثنوا عليه خيرًا، فقال رسول الله ﷺ: أنت بم تقول -يعني: احذر أيها القائل! لأنك مرهون بقولك يوم القيامة- فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك يا رسول الله! فقال النبي ﷺ: وجبت، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: يا رسول الله! بئس المرء كان، إن كان لفظًا غليظًا، فأثنوا عليه شرًا، فقال النبي ﵊ لبعضهم: أنت بالذي تقول، فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: وجبت).
قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
وفي مسند أحمد من طريق أبي الأسود الدؤلي أنه قال: (أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا -أي: سريعًا كثيرًا- فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيرًا فقال: وجبت، ثم مر بأخرى فأثني عليها شرًا، فقال عمر: وجبت، فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين! ما وجبت؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة.
قال: فقلنا: وثلاثة؟ فقال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد)، وكذلك رواه البخاري والترمذي والنسائي.
وعن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم، قالوا: يا رسول الله! بم؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض).
وعند مسلم من حديث أنس بنصه، وعند البخاري بمعناه: (
[ ٤ / ١٠ ]