٣ - باب قولِ اللَّه تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]
[قبض اللَّه سبحانه الأرض وطي السماء بيمينه]
٣٠ - عن أبي هريرة - ﵁- قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:
«يقْبِض اللَّه الأرض، ويطوي السماء بيمينِهِ ثم يقول: أنا الملك؛ أين ملوك الأرضِ؟» رواه البخاري.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب التوحيد (١٣ / ٣٦٧) (رقم: ٧٣٨٢) . ورواه مسلم كتاب صفة الجَنَّة والنَّار (٤ / ٢١٤٨) (رقم: ٢٧٨٧) . يثبت هذا الحديث أن اللَّه ﷾ يقبض الأرض بإحدى يديه وطيه السماء بالأخرى وهما يمينان لربنا سبحانه، لا شمال له، تعالى ربنا عن صفات المخلوقين علوا كبيرا.
(٢) وله عن ابنِ عمر - ﵄- عن رسول اللَّهِ ﷺ قال:
[ ٦٣ ]
«إِن اللَّه يقْبِض يوم القيامةِ الأرضِين وتكون السماوات بيمينِهِ ثم يقول:
أنا الملك» .
_________________
(١) رواه البخاري كتاب التوحيد (١٣ / ٣٩٣) (رقم: ٧٤١٢) من طريق القاسم بن يحيى عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابنِ عمر. ورواه مسلم صفات المنافقين (١ / ٢١٤٨) (رقم: ٢٧٨٨) .
[ ٦٤ ]
٣٢ - وفي روايةٍ عنه «أن رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) ورسول اللَّه ﷺ يقول هكذا بيدهِ يحركها ويقبِل بها ويدْبِر: " يمجِّد الربّ نفسه أنا الجبار أنا المتكبِّر أنا العزيز أنا الكريم "- فرجف برسولِ اللَّهِ ﷺ المنبر حتى قلنا ليخرّنّ به» -. رواه أحمد.
ــ
٣٢ - رواه أحمد في " المسند" (٢ / ٧٢) وابن أبي عاصم في "السنّة" (١ / ٢٤٠) (رقم ٥٤٦) وابن خزيمة في "التوحيد" (١ / ١٧٠) (رقم: ٩٥، ٩٦) من طريق حماد بن سلمة أخبرنا إسحاق بن عبد اللَّه عن عبيد اللَّه بن مقسم عن ابن عمر. قال الشيخ ناصر: صحيح على شرط مسلم.
_________________
(١) سورة الزمر: ٦٧.
[ ٦٤ ]
٣٣ - ورواه مسلم عن عبيدِ اللَّه بن مقسمٍ أنه نظر إلى عبد اللَّهِ بن عمر - ﵄- كيف يحْكي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال:
«يأخذ اللَّه سماواتهِ وأرضِيهِ بيديهِ فيقبِضهما، فيقول: أنا الملك ويقبض أصابِعه ويبسطها فيقول: أنا الملك" حتى نظرت إِلى المنبرِ يتحرك من أسفلِ شيء منه، حتى إِني لأقول: أساقِط هو برسول اللَّه ﷺ؟!» .
_________________
(١) رواه مسلم كتاب صفات المنافقين (٤ / ٢١٤٨) وابن ماجه (١ / ٧١) (رقم: ١٩٨) من طريق أبي حازم عن عبيد اللَّه بن مقسم أنه نظر إِلى عبد اللَّه بن عمر كيف يحكي. . . الحديث.
[ ٦٤ ]
[ما هو أول هذا الأمر]
٣٤ - وفي " الصّحيحيِن " عن عِمران بن حصينٍ - ﵁ - قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ:
«اقْبلوا البشْرى يا بني تميمٍ ".
قالوا: قد بشرتنا فأعطِنا.
قال: " اقبلوا البشرى يا أهل اليمنِ ".
قالوا: قد قبِلنا فأخْبِرنا عن أول هذا الأمر.
قال: " كان اللَّه قبل كلِّ شيءٍ وكان عرشه على الماءِ وكتب في اللوحِ المحفوظِ ذِكر كل شيء ".
قال: فأتاني آتٍ فقال: يا عِمران! انْحلتْ ناقتك من عِقالِها.
قال: فخرجت في أثرِها فلا أدري ما كان بعدي.»
ــ
٣٤ - رواه البخاري بدء الخلق (٦ / ٢٨٦) (رقم ٣١٩٠، ٣١٩١) والتوحيد (١٣ / ٤٠٣) (رقم: ٧٤١٨) .
أورد الحديث ابن كثير في " تفسيره " (٢ / ٤٣٧)، وقال: " هذا حديث مخرج في " الصحيحين ": البخاري، ومسلم بألفاظ كثيرة. . . ".
قلت: لم أجده في " صحيح مسلم ".
اقبلوا البشرى: أي: اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا إذا أخذتم به الجَنَّة كالفقه في الدين والعمل به. . " الفتح" (٦ / ٢٨٨) .
وفي الحديث دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما؛ لأن كل ذلك غير اللَّه ﷾.
وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ معناه: أنه خلق الماء سابقا ثم خلق العرش على الماء، وروى مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعا: «إِن اللَّه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ إشارة إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل السماوات والأرض ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إِلا الماء. . .
وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعا: «أن الماء خلق قبل العرش» (٢) وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: «أول ما خلق اللَّه القلم ثم قال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٣) فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إِلى ما عدا الماء والعريق أو بالنسبة إِلى ما منه صدر من الكتابة أي: قيل له: اكتب أول ما خلق. . . " الفتح " (٦ / ٢٨٩) .
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٥٣) .
(٢) رواه أحمد (٤ / ١١ و١٢)، وابن ماجه (١٨٢)، والترمذي (٣١٠٩) . وسنده ضعيف؛ لجهالة وكيع بن عدس.
(٣) رواه الترمذي (٢١٥٥) و(٣٣١٩)، وأحمد (٥ / ٣١٧)، والطيالسي (٥٧٧) وابن أبي عاصم (١٠٧)، والآجريّ (ص: ١٧٧) مِن طريقين يقوّي أحدهما الآخر.
[ ٦٥ ]
[لا يستشفع باللَّه على أحد]
٣٥ - وعن جبيرِ بنِ محمّد بن جبير بن مطْعِمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «جاء أعرابي إِلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّهِ جهِدتِ الأنفس، وضاعت العيال، ونهِكتِ الأموال، وهلكتِ الأنعام، فاسْتسقِ لنا ربك فإِنّا نستشْفِع بك على اللَّهِ وباللَّهِ عليك.
فقال رسول اللَّهِ ﷺ:
" ويْحك أتدري ما تقول؟ "، وسبّح رسول اللَّهِ فما زال يسبح حتى عرفِ ذلك في وجوهِ أصحابِهِ، ثم قال: " ويحك إِنه لا يستشْفع باللَّهِ على أحدٍ من خلْقِهِ شأْن اللَّهِ أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللَّه؟ إِن عرشه على سماواتِهِ لهكذا وقال بأصابِعِهِ مثل القبةِ عليه وِإنه ليئِطّ به أطِيط الرحلِ بالراكبِ» .
رواه أحمد وأبو داود.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٧٢٦) وابن خزيمة في " التوحيد " (ص: ٦٩) والآجري في "الشريعة " (٢٩٣)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٥٧٥) بسند ضعيف، فيه عنعنة ابن إِسحاق، وهو مدلِّس. (تنبيه): لم أجد الحديث في " المسند ".
[ ٦٧ ]
[صبر اللَّه ﷿ على تكذيب ابن آدم]
٣٦ - وعن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ:
«قال اللَّه ﷿: كذّبني ابن آدم ولم يكنْ له ذلك وشتمني ولم يكنْ له ذلك؛ أما تكْذِيبه إِياي فقوله: لنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلْقِ بِأهون علي منْ إِعادتِهِ، وأما شتْمه إِياي فقوله: اتخذ اللَّه ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ له كفوا أحد» .
_________________
(١) رواه البخاري كتاب التفسير (٨ / ٧٣٩) (رقم: ٤٩٧٤) . الصمد من أسماء اللَّه ﷾، هو: السيد الذي انتهى إليه السؤدد، وقيل: هو الدائم الباقي، وقيل: هو الذي لا جوف له، وقيل: الذي يصمد في الحوائج إليه، أي: يقصد. . " النهاية " (٣ / ٥٢) . وقال البخاري في " صحيحه ": والعرب تسمي أشرافها الصمد.
[ ٦٨ ]
٣٧ - وفي روايةٍ عن ابنِ عباسٍ - ﵄-:
«وأمَّا شتمه إِيَّاي فقوله: لي ولدٌ، وسبحاني أنْ أتخِذ صاحِبة أو ولدا» .
رواه البخاريّ.
_________________
(١) رواه البخاري في التفسير (٨ / ١٦٨) (رقم: ٤٤٨٢): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن عبد اللَّه بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير عن ابن عباس. قال الحافظ في " الفتح " (٨ / ١٦٨): وإنما سماه شتما لما فيه من التنقيص، لأن الولد إنما يكون عن والدة تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك سبق النكاح، والناكح يستدعي باعثا له على ذلك واللَّه سبحانه منزّه عن جميع ذلك. وقال الحافظ (٨ / ٧٤٠): ولما كان الرب سبحانه واجب الوجود لذاته قديما موجودا قبل وجود الأشياء، وكان كل مولود محدثا انتفت عنه الوالدية، ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجالسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فتتوالد، انتفت عنه الولدية، ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾
[ ٦٨ ]
[تحريم سب الدهر]
٣٨ - ولهما عن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«قال اللَّه تعالى: يؤذْيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدهر بِيدِي الأمر أقلِّب الليل والنهار» .
_________________
(١) رواه البخاري في التفسير (٨ / ٥٧٤) (رقم: ٤٨٢٦)، والتوحيد (١٣ / ٤٦٤) (رقم: ٧٤٩١)، ومسلم الأدب (٤ / ١٧٦٢) (رقم: ٢٢٤٦) . معنى: " أنا الدهر": قال الحافظ في "الفتح " (٨ / ٥٧٥): قال الخطابي: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إِلى الدهر فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إِلى ربه الذي هو فاعلها. قال النووي (١٥ / ٣): كانت العرب تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من مرت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون: يا خيبة الدهر ونحو هذا، أي: لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السبّ على اللَّه تعالى لأنّه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق اللَّه تعالى. ومعنى: " فإن اللَّه هو الدهر " أي: فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات واللَّه أعلم.
[ ٦٩ ]