[اسمه ونسبه ومولده ونشأته وطلبه للعلم]
اسمه ونسبه ومولده ونشأته هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أَحمد بن راشد التميمي.
ولد سنة ١١١٥ هـ الموافقة سنة ١٧٠٣ م في بلدة العيَينة الواقعة شمال الرياض، ونشأ في حِجْر أبيه في تلك البلدة.
وقد ظهرت عليه علامات النَّجابة والفطنة في صغره؛ فقد حفظ القرآن الكريم قبل بلوغ العاشرة وبلغ الاحتلام قبل إتمام الاثنتي عشرة سنة، قال أبوه: رأيته أهلا للصلاة بالجماعة، وزوَّجته في ذلك العام.
طلبه للعلم درس على والده الفقهَ الحنبلي والتفسيرَ والحديثَ، وكان في صغره مكِبًّا على كتب التفسير والحديث والعقائد، وكان كثير الاعتناء والمطالعة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذهِ العلَّامة ابن القَيِّم.
[رحلاته]
رحل إِلى مكة قاصدًا حج بيت اللَّه الحرام، ثم زار مسجدَ رسول اللَّه
[ ٨ ]
ﷺ، والتقى هناك بعلماءِ المدينة النّبويَّة، واستفاد منهم، ثم رحل إِلى البصرة فأقام فيها مدة درَس العلم فيها على جماعة من العلماء، ثم رحل إِلى نجد مرورا بالأحساء، وفي رحلته الطويلة هذه رأى الشيخ بثاقب نظره ما بنجد والأقطار التي زارها من العقائد الضالّة والعادات الفاسدة، فصمّم على القيام بالدعوة إِلى التوحيد ونبذ الخرافات والشِّركِيات، فعندما زار المدينة كان يسمع الاستغاثات الشركيَّةَ برسول اللَّه ﷺ، ودعاءه من درن اللَّه.
وقد كانت نجد مرتعا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتناقض وأصول الدين الصحيحة، فقد كان فيها بعض القبور التي تنسب إِلى بعض الصحابة؛ يحج الناس إِليها، ويطلبون منها حاجاتهم، ويستغيثون بها لدفع كروبهم.
وأَغرب من ذلك توسلهم في بلدة منفوحة بفحل النخل واعتقادهم أَن من تؤمّه من العَوَانِسِ تتزوج!! فكانت من تقصده تقول: " يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول "!!
ورأَى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة وأَهل البيت رضوان اللَّه عليهم أَجمعين والرسول ﷺ ما لا ينبغي إلا مع رب الأَرباب.
كما رأَى في البصرة - وسمع عن العراق والشام ومصر واليمن - من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل ولا يقره الشرع، ووزن تلك الأفكار المنكرة بميزان الوحيين، كتاب اللَّه وسنّة الرسول الأمين ﷺ، وسيرة أصحابه المتقين؛ فراها بعيدة عن منهج الدين وروحه، ورأى فاعليها لم
[ ٩ ]
يعرفوا لماذا بعث اللَّه الرسل؟ ولماذا بعث اللَّه محمدا ﷺ للناس كافة؟ ورأى أنهم لم يعرفوا حالة الجاهلية وما كان فيها من الوثنية الممقوتة، رآهم غيروا وبدلوا أصول الدين وفروعَه إلا القليل.
[بدء دعوة الشيخ الإصلاحية]
بعد أَن ثبت وتحقَّق لديه حالتهم السيئة في دينهم ودنياهم، وأيقن أنهم قد أَدخلوا في أصول الإسلام العليا ما يأباه القرآن وتأباه السنة، قوى عقيدتَه بخطئهم وركونهم إِلى البدع ما جاء في السنة بأن المسلمين لا بد أن يغيروا، وأن يسلكوا مسالك الذين قبلهم كالحديث الصحيح (١) «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه. . .»، وحديث «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» (٢) .
حينئذٍ صمّم الشيخ أَن يعلن لقومه بأنهم قد ضلوا الطريق السوي، وزاغوا عن منهج الصواب.
وقد ابتدأ الشيخ ﵀ دعوته، يبين لهم أن لا يدعى إِلَّا اللَّه، ولا يذبح ولا ينذر إلا له.
ومن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار الاستغاثة بها وصرف النذور إليها، واعتقاد النفع والضر، فبين أَن ذلك كله ضلال وزور، وبأنهم في حالة لا ترضي اللَّه، فلا بد من نبذ ذلك وردِّه.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩) عن أَبي سعيد الخدْري.
(٢) رواه مسلم (١٤٥) عن أَبي هريرة.
[ ١٠ ]
وعزز كلامه بالآيات من كتاب اللَّه، وأقوال الرسول ﷺ وأَفعاله، وسيرة أَصحابه رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
[عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة اللَّه عليه ومقتطفات من رسائله وعقائده]
عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة اللَّه عليه عقيدة الشيخ هي كعقيدة السلف الصالح، وهي ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المهتدون؛ كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسفيان الثوري وسفيان بن عيَيْنة وابن المبارك والبخاريِّ ومسلم وأَبي داود وسائر أهل " السنَنِ " وأمثالهم ممن تبعهم من أهل الفقه والأثر كالأشعري وابن خزيمة وتقي الدين بن تيمية وابن القيم والذهبي - وغيرهم- رحمهم اللَّه تعالى جميعا.
نقول من رسائله وعقائده فمن تلك الرسائل ما كتبه لأهل القصيم:
قال ﵀ بعد البسملة:
" أشهد اللَّه ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أَني أَعتقد ما يعتقده أهل السنَّة والجماعة من الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره.
ومن الإيمان باللَّه؛ الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أَعتقد أن اللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف ولا أمثّل صفاته
[ ١١ ]
بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سَمي له ولا كيف ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فإنه ﷾ أعلم بنفسه وبغيره، وأَصدق قيلا، وأحسن حديثا، منزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، ففال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
فالفرقة النَّاجِيَة وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم وسط في باب وعيد اللَّه، بين المرجئة والوعيدية.
وهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.
وهم وسط في باب أصحاب رسول اللَّه ﷺ بين الروافض والخوارج.
وأعتقد أن القرآن كلام اللَّه، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، نبينا محمد ﷺ.
وأومن بأن اللَّه فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته شيءٌ، وليس شيءٌ في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.
وأعتقد بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
وأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم النَّاس
[ ١٢ ]
لرب العالمين، حفاة، عراة، غرلا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
وتنشر الدواوين، فآخِذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.
وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.
وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدْرِ أَعمالهم.
وأومن بشفاعة النبي ﷺ، وأنه أول شافعٍ وأول مشفع.
ولا ينكر شفاعةَ النبي إِلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله.
وأما المشركون فليس لهم في الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾
وأومن بأن الجَنَّة والنَّار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا
[ ١٣ ]
تفنيان.
وأن المؤمنين يرون ربَّهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.
وأومن بأن نبينا محمَّدا ﷺ خاتم النَّبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهدَ بنبوته.
وأفضل أمَّته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة - أهل بيعة الرضوان - ثم سائر الصحابة ﵃.
وأتولَّى أَصحابَ رسول اللِّه، وأَذكر محاسنَهم وأَستغفر لهم وأَكف عن مساوئهم، وأَسكت عمَّا شجر بينهم، وأَعتقد فضلَهم، عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وأترضّى عن أمَّهات المؤمنين المطهرات من كل سوء.
وأقرّ بكرامات الأولياء إلا أنهم لا يستحقون من حق اللَّه شيئا كالاستغاثةِ، والنذر، والمَدَد، والاستعانة، والذبح. ولا أَشهد لأَحد من المسلمين بجنَّة ولا نار إلّا من شهد له رسول اللَّه ﷺ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء.
ولا أكفّر أحدا من المسلمين بذنبه، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
[ ١٤ ]
وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أم فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة.
والجهاد ماضٍ منذ بعث اللَّه محمدا ﷺ إِلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجالَ؛ لا يبطله جور جائرٍ ولا عدل عادلٍ.
وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين؛ برهم وفاجرهم مما لم يأمروا بمعصية اللَّه.
ومَنْ ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحَرمَ الخروج عليه.
وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأَحكم عليهم بالظاهر وأَكل سرائرهم إلى اللَّه.
وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.
وأعتقد أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توحيه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدةٌ وجيزة حررّتها وأنا مشتغل البال لتطَّلعوا على ما عندي.
واللَّه على ما نقول وكيل ".
[ ١٥ ]
قلت: فهذه عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذه الرسالة نقلتها بكاملها؛ لأنها عقيدة أهل السنّة والجماعة دون نقص أَو زيادة، وفيها مِن الفوائدِ العظيمةِ الشيء الكثير.
ويجب على كل مسلم أن يعتقد هذه العقيدة، ومن لم يعتقد هذا المعتقد الصحيح السليم فهو ليس من أهل السنَّة والجماعة، بل نخشى عليه من الضلال والزيغ.
[الأسباب والدوافع التي أدت إلى عداء ومناهضة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب السلفية الإصلاحية]
١ - لعلَّ من أبرز الأسباب التي أدّت إلى تشنيع الخصوم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب أثناء ظهور الدعوة السلفية- تأْليفا وواقعا- هو ما كان عليه أولئك الخصوم وكثير من المنتسبين إلى الإسلام من الضلال والغي، والبعد عن الصراط المستقيم.
ولقد وصل حال كثيرٍ من المسلمين- قبيل ظهور دعوة الشيخ الإمام- إِلى أَحط الدركات في الضلال وفساد الاعتقاد؛ حيث عمّ الجهل وطغى، فعبد غالب المسلمين ربّهم بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير، فظهرت البدع والشركيات بمختلف أنواعها، وصارت هذه الأمور الشركية والمحدثات البدعية من العوائد والمألوفات التي هرم عليها الكبير وشبَّ عليها الصغير، فانعكست الموازين وانقلبت الحقائق وأصبح الحق باطلا والباطل حقا.
٢ - وهناك سببٌ ثان لهذا التحامل والمعاداة للدعوة السلفية، وهو ما
[ ١٦ ]
ألصِق بهذه الدعوة ومجددها وأنصارها من التهم الباطلة والأكاذيب والمفتريات، فقد أصاب هذه الدعوةَ منذ بدء ظهورها حملة مكثفة شنيعة عمّت البلاد والعباد، فلقد أَلصَقَ بعض أدعياء العلم في هذه الدعوة السلفية ما ليس منها! فزعموا أنها مذهب خامس! وأنهم خوارج يستحلّون دماء وأموال المسلمين! وأن صاحبها يدعي النبوة وينتقد الرسول ﷺ!!!
إِلى آخر تلك المفتريات.
ومما يؤسَف له أن الكثير من العوام يتلقّف هذا الإفك والبهتان عن أولئك المفترين والوضاعين دون أَدْنى تثبتٍ أو تحرٍّ في النقل، بل عمدته في ذلك مجرد التقليد الأعمى!
ومما يجدر ذكره- هاهنا- أن بعض الخصوم قد استغلّ ما وقع فيه شرذمة من الأعراب المتحمّسين، - وفي فترةٍ محدودةٍ - ممن تابع هذه الدعوة من التشدد والجفاء، فحكموا بغيا وعدوانا على جميع أَتباع هذه الدعوة، وعلى مر الأزمان بهذا الحكم الجائر، فرموهم أيضا بالتشددِ والجفاء.
٣ - وسببٌ ثالث أدى إِلى عداء الدعوة السلفية هو النزعات السياسية والحروب التي قامت بين أتباع هذه الدعوة وبين الأتراك من جهة، وبين أتباع هذه الدعوة والأشراف (!) من جهة أخرى:
يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر سياسي محض كان لتنفير المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز، وخوف الترك مِن أن يقيموا دولة عربية، ولذلك كان الناس يَهِيجون
[ ١٧ ]
عليهم تبعا لسخط الدولة، ويسكتون عنهم إذا سكنت ريح السياسة.
ويوضح الشيخ محمد رشيد رضا آثار العداء السياسي بين بعض كبار أهل مكة وساستها وأنصار هذه الدعوة، فكان مما أشار إليه أن هؤلاء قد أصدروا عدة منشورات في جريدة القبلة سنة ١٣٣٦ هـ وسنة ١٣٣٧ هـ، تضمّنت رَمْيَ الوهابيين بالكفر وقذفَهم بتكفير أَهل السنة والطعن بالرسول وغير ذلك من الأكاذيب والافتراءات.
وكان بعض أهل دمشق وبيروت يتقربون إِلى هؤلاء الكبار- وهم من العلمانيين والقوميين- بطبع الرسائل في تكفيرهم ورميهم بالأكاذيب، ثم سرى ذلك إلى مصر، وظهر له أثرٌ في بعض الجرائد.
٤ - وهناك سبب رابع أدى إِلى تراكم المؤلفات المعادية للدعوة السلفية؛ وهو دفاع هؤلاء الخصوم- وبالأخص الصوفية والرافضة - عن معتقداتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة؛ فإنه لما غلب على حال كثير من المسلمين ظهور الشركيات، وانتشار البدع، واستفحال الخرافات، والغلوّ في الأموات، والاستغاثة بهم، وظهور تشييد المشاهد، وإقامة المزارات على القبور، وزخرفتها وتزيينها وصرف الأموال الطائلة عليها: قامت ضدَّ ذلك كله دعوة الشيخ ﵀.
ولقد وجد هؤلاء المتصوفة والرافضة في هذا الواقع مرتعا خصبا لبثِّ سمومهم العقدية، فلمَّا بدت أنوار هذه الدعوة تكشف غياهب الظلام، وتزيل أدران الشرك ونجاساته، وتدعو الناس إِلى تحقيق التوحيد بصفائه ونقائه
[ ١٨ ]
أدرك الخصوم أن ظهور هذه الدعوة السلفية نذير بزوال عقائدهم الباطلة، فحشد أولئك الخصوم قواهم، وانبروا في التشنيع بهذه الدعوة وأنصارها، وهم أثناء تشنيعهم يذكرون معتقدهم الصوفي أو الرافضي وغيرهما، ويزيِّنونه للناس ويزعمون أنه الحق!
فنجد هؤلاء الصوفية أثناء ردهم على الدعوة السلفية يتبجَّحون بصوفيتهم، ويفتخرون بانتسابهم إِلى الطرق الصوفية، ويدافعون عن التصوف وأدعيائه.
والرافضة أثناء مناهضتهم للدعوةِ السلفية يدافعون بكل ما عرف عنهم من كذب وقلب للحقائق عن معتقدهم.
ونوضح ذلك بما حدث منهم لما كتب علماء المدينة النَّبويَّة سنة ١٣٤٤ هـ الفتوى حول تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وأجابوا بالحق الذي تعضده الأدلة، فلما ظهرت هذه الفتوى وتم العمل بموجبها وأزيلت القباب والأبنية على القبور، عندئذ قام علماء الرافضة وضجوا وسودوا الصحائف والأوراق في الطعن على هذه الفتوى، والنعيِ للمسلمين على زوال تلك القباب والمزارات!!
هذه بعض الأسباب الظاهرة لشدة عداوة الخصوم للدعوة السَّلفيَّة- أَيَّام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - وكثرة المؤلَّفات المناوئة لهذه الدعوة الصادقة الحقة.
[ ١٩ ]
[تسمية الدعوة بالوهابية]
أَمَّا بالنسبة إِلى كلمة الوهابية؛ فإِنَّ الكثير من الخصوم أطلقوا هذا اللقب على أتباع الدعوة السلفية ويريدون بذلك توهيم الناس أَن الوهابية مذهب جديد أو مستقل عن سائر المذاهب الإسلامية، لذا فإِنَّ الأَصلَ التحاشي من هذا اللّقَبِ، واجتناب ذكرهِ.
ومن معاملة اللَّه لهم- أي: خصوم الدعوة- بنقيض قصدهم: أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمَّهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول ﷺ كما زعموا! فلقد صار هذا اللقب الآن- بحمد اللَّه- عَلَما على كلِّ من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإِلى الأخذ بالدليل وإِلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة البدع والخرافات والتمسك بمنهج السلف الصالح ﵃.
[مفتريات ألصقت بدعوة الشيخ مع الدحض لها]
وَلقد ألصقت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة اللَّه عليه مفتريات كثيرة، وصدَّقها كثير من الناس، حتى شوّهت هذه الدعوة المباركة فأصبح معنى الوهابي عند الناس الجهلة أنه يكره رسول اللَّه ﷺ!! وأنه مذهب خامس!! وأنه ينكر كرامات الأولياء!! وأنه يكفر المسلمين ويستبيح دماءَهم وغير ذلك من المفتريات. . .
وسأورد هاهنا عددا منها مع الردِّ عليه.
[ ٢٠ ]
الفرية الأولى: الافتراء على الشيخ بأَنه ينتقص الرسول ﷺ! أَو يكرهه! أَو لا يحب الصلاةَ عليه!!
قلت: إِن الكتب التي بين أيدينا من مؤلفات هذا العالم تثبت أن هذا افتراء مبين على الشيخ، بل هو مِن أكثر الناس في عصره تعظما وحبا وإجلالا لرسول اللَّه ﷺ.
يقول الشيخ في أحد كتبه التي أرسلها إِلى عبد الرحمن السويدي - أحد علماء العراق - مجيبا عن هذه الافتراءات:
" يا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟ "
. ومما كتبه ابن الشيخ عبد اللَّه ذاكرا هذه المفتريات ثم معقبا عليها:
" ومَن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق معنا علم قطعا أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين؛ تنفيرا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك ".
ثم قال: " والذي نعتقده أن مرتبَة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه.
وتسَن زيارته إلا أنه لا يشَدّ الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإِذا
[ ٢١ ]
قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومَن أنفق أوقاته بالاشتغالِ بالصلاة عليه ﷺ الواردةِ عنه فقد فاز بسعادة الدارين.
قلت: هذه عقيدة الشيخ وأتباعه في سيدنا محمد ﷺ سيد ولد آدم، وكل من يقول غير ذلك فهو كاذب مفْترٍ.
الفرية الثانية: فرية إنكار كرامات الأولياء!
ومن الافتراءات التي ألصقت بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه ينكر كرامات الأولياء.
قلت: إِن الشيخ ﵀ لا ينكر كرامات الأولياء كما زعموا، بل يثبت هذه الكرامات بشرط أن يكون وليّا حقيقيّا صحيحا- والولي هو المتبع للكتاب والسنة- مبتعدا عن البدع والخرافات، والشرط الثاني أن كرامة الأولياء هي في حياتهم وليس بعد مماتهم، وأن الميت يَحْتاج بعد موته إِلى دعاء الأحياء، وليس العكس.
وهذه العقيدة في الأولياء هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ولم يخالفهم الشيخ في ذلك.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحد كتبه في إثبات كرامات الأولياء: " وأقرّ بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلّا أنهم لا يستحقون من حق اللَّه تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلَّا اللَّه ".
[ ٢٢ ]
ويقول أيضا: " والواجب علينا حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين اللَّه وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالين، وحق بين باطلين".
ويؤكد أَتباع الدعوة من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الاعتقاد ويقِرونه:
يقول أحد أتباع الشيخ ﵀: وكذلك حق أوليائه محبتهم والترضي عنهم والإيمان بكرامتهم لا دعاؤهم ليجلبوا لمن دعاهم خيرا لا يقدر على جلبه إلا اللَّه تعالى، أو ليدفعوا عنهم سؤالا يقدر على دفعه إلا هو ﷿؛ فإن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس، هذا إذا تحققت الولاية أو رجيت لشخص معين؛ كظهور اتباع سنة وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان مَن أطال سبحَتَه، ووسع كمه، وأسبل إزاره، ومد يده للتقبيل ولَبِسَ شكلاَ مخصوصا، وجمع الطْبولَ والبيارق وأكل أموالَ عباد اللَّه ظلما وادعاء، ورغب عن سنة المصطفى ﷺ وأحكام شرعه!!! ".
ويقول ابن الشيخ محمد - واسمه عبد اللَّه -: " ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أَنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم ".
[ ٢٣ ]
هذه نصوص من كلام الشيخ وأتباعه تثبت أن الشيخ يقِر بكرامات الأولياء، ولا ينكرها، ولكنَّه﵀- ينكر الاستغاثة بهم وطلب الحاجة منهم وصرف العبادة لهم من دون اللَّه ﷾.
وهذه عقيدة أهل السنَّة والجماعة ولم يخالفهم الشيخ في ذلك.
الفرية الثالثة: إن من أَشدِّ الشبهات التي أثيرت على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ شبهة تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وجواز قتالهم!
لقد بلغت هذه الفرية الخاطئة الشيخَ الإمامَ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فتعددت ردوده وأجوبته عليها؛ لأن فرية تكفير المسلمين واستباحة دمائهم قد شاعت وذاعت في غالب بلاد المسلمين وانتشرت انتشار النَّار في الهشيم، فقد حرص الشيخ ﵀ على تأكيد هذه الردود، وإعلان براءته مما ألحق به، فأرسل هذه الردود إِلى مختلف البلاد:
فقال في إِحدى رسائله: " وأما ما ذكره الأعداء عن أنّي أكفّر بالظن وبالموالاة أو أكفِّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين اللَّه ورسوله ".
ويقول في رسالة أخرى ردّا على بعض المفتَرين: " وكذلك تمويهه على الطَّغَام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر.
نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! بل نشهد اللَّه على ما يعلمه من قلوبنا بأنَّ من
[ ٢٤ ]
عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفّر من أشرك باللَّه في ألوهيته بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك ".
يقول أحد تلاميذ الشيخ رحمة اللَّه عليه: " والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفا وإِحجاما عن إطلاق الكفر حتى إِنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير اللَّه من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها ".
ويقول أيضا في مكان آخر عن معتقد الشيخ في مسألة التكفير:
". . . فإنه لا يكفّر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات اللَّه ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير مَنْ عبد الصالحين ودعاهم مع اللَّه، وجعلهم أَندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإِلهيَّة ".
ويقول أيضا: " كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يعلم أنَّه من أعظم الناس إجلالا للعلم والعلماء، ومن أشدّ الناس نهيا عن تكفيرهم وتنقيصهم وأذيّتهم، بل هو ممّن يدِينون بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم.
والشيخ ﵀ لم يكفّر إلا من كفَّره اللَّه ورسوله، وأجمعت الأمَّة على كفره، كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين ".
هذه بعض النقولِ عن الشيخ وأتباعه في مسألة تكفير المسلمين.
[ ٢٥ ]
ويظهر من هذه النقولِ الجليةِ براءة الشيخ وكذا أَتباعه وأنصار دعوته من مفتريات وأكاذيب الخصوم في مسألة التكفير.
ومَن طالع كتبهم وقرأ رسائلهم تبين له صحّة معتقدهم وسلامة فهمهم لمسألة التكفير، وأَن اعتقادهم فيها هو عين اعتقاد السلف الصالح.
[وفاته]
- ﵀- وبعد حياةٍ مليئةٍ بالعلمِ، والجهادِ، والدعوةِ إِلى اللَّه سبحانه، توفّي الشيخ﵀- في بلدة الدرعيّة سنة (١٢٠٦ هـ) .
نسأَل اللَّهَ له الرحمةَ والرضوان، وأن يجمَعنا وإيَّاه في غرف الجِنانِ، برحمةِ ربِّنا العظيمِ المنَّان (١) .
_________________
(١) أَخذْت هذه المقدمة باختصار من كتاب " الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه " بقلم الشيخ أحمد بن حجر آل أَبو طامي. وكتاب " دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد " للشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف.
[ ٢٦ ]