[مقدمة]
القواعد الأربع
بسم الله الرحمن الرحيم
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.
اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في
_________________
(١) سورة الذاريات آية: ٥٦ قال ابن كثير في تفسيره: أي إنما خلقتهم لأمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. أقول: ولا شك أن العالم خُلق على حالة صالحة للعبادة مستعدة لها حيث ركب سبحانه فيهم عقولا وجعل لهم حواس ظاهرة وباطنة إلى غير ذلك من وجود الاستعداد. علقه الشيخ محمد منير الدمشقى.
[ ٢٦ ]
الطهارة (١) كما قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] (٢) فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك لعل الله أن يخلصك وينجيك من هذه الشبكة، وهي الشرك بالله الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] (٣) وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه.
[القاعدة الأولى إقرار الكفار الذين قاتلهم رسول الله بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر]
القاعدة الأولى أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر وإن ذلك لم يدخلهم في الإسلام [أي وأن مجرد الإقرار لم يدخلهم في الإسلام حتى يضيفوا إلى ذلك إفراد الله بالعبادة] (٤) والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] (٥)
_________________
(١) وكالخل إذا خالط العسل أو السم إذا دخل في الجسم نعوذ بالله من ذلك. علقه الشيخ محمد منير الدمشقي.
(٢) سورة التوبة آية: ١٧.
(٣) سورة النساء آية: ١١٦.
(٤) من زيادة الناشر السابق.
(٥) سورة يونس آية: ٣١.
[ ٢٧ ]
[القاعدة الثانية قول المشركين ما دعوناهم إلا لطلب القربة والشفاعة]
القاعدة الثانية أنهم: أي المشركين يقولون: ما دعوناهم [أي الأولياء] (١) وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة، فدليل القربة [أي فدليل أن دعاء الأولياء لقصد أن يقربوهم إلى الله شرك] (٢) قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] (٣) ودليل الشفاعة [أي ودليل أن دعاء الأولياء والتوسل بهم لقضاء الحاجات وتفريج الكربات واتخاذهم شفعاء عند الله شرك] (٤) قوله تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (٥) والشفاعة شفاعتان، شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة، فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]
_________________
(١) من زيادة الناشر السابق.
(٢) من زيادة الناشر السابق.
(٣) سورة الزمر آية: ٣.
(٤) من زيادة الناشر السابق.
(٥) سورة يونس آية: ١٨.
[ ٢٨ ]
(١) والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن [وهذه الشفاعة لا تطلب إلا من الله وحده لأنها ملك لله وحده فمن طلبها من غير الله فقد أشرك وأتى بما يناقض طلبه ويمتنع عليه حصوله لأن الله لا يرضى إلا التوحيد ولا يأذن للشفاعة إلا للموحدين] (٢) قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣)
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٢٥٤. قال الحافظ عماد الدين المشهور بابن كثير في تفسير هذه الآية: يأمر الله تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا من قبل أن يأتي يوم - يعني يوم القيامة - لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، أي لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خلة أحد - يعنى صداقته - بل ولا نسابته كما قال تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) ولا شفاعة أي ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، وقوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) مبتدأ محصور في خبر، أي ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرًا، وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال (والكافرون هم الظالمون) ولم يقل والظالمون هم الكافرون، والله أعلم. علقه الشيح محمد منير الدمشقي.
(٢) من زيادة الناشر السابق.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٥٥. أي لا يتجاسر أحد على أحد يشفع لأحد عند الله إلا بإذنه له في الشفاعة لعظمته تعالى وجبروت كبريائه كما في حديث الشفاعة (آتي تحت العرش فأخر ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة) والله أعلم. علقه الشيخ محمد منير الدمشقي.
[ ٢٩ ]
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (١) و﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] (٢) .
[القاعدة الثالثة ظهور النبي ﷺ في أناس متفرقين في عبادتهم]
القاعدة الثالثة أن النبي ﷺ ظهر في أناس متفرقين في عبادتهم، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار ومنهم من يعبد الشمس والقمر. وقاتلهم رسول الله ﷺ، ولم يفرق بينهم، والدليل قوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٣) ودليل الشمس والقمر [أي دليل أن عبادة الشمس والقمر وسائر الكواكب واعتقاد أن لها تأثيرًا وتصرفات في حوادث العالم السفلي شرك] (٤) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] (٥) ودليل الملائكة [أي ودليل أن عبادة الملائكة شرك] (٦) قوله تعالى:
_________________
(١) سورة الأنبياء الآية ٢٨.
(٢) سورة الزمر الآية ٤٤.
(٣) سورة الأنفال آية: ٣٩.
(٤) من زيادة الناشر السابق.
(٥) سورة فصلت آية: ٣٧.
(٦) من زيادة الناشر السابق.
[ ٣٠ ]
﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] (١) ودليل الأنبياء [أي ودليل أن عبادة الأنبياء ودعاءهم شرك] (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] (٣) ودليل الصالحين [أي ودليل أن عبادة الأولياء والصالحين بدعائهم والاستغاثة بهم والتوسل بهم شرك بالله تعالى سبحان الله وتعالى عما يشركون] (٤) قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] (٥) ودليل الأشجار والأحجار [أي
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ٨٠. قال الحافظ ابن كثر في تفسيره أي ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله لا نبي مرسل ولا ملك مقرب أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله، فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) وقوله أربابًا أي آلهة من دون الله، والله أعلم.
(٢) من زيادة الناشر السابق.
(٣) سورة المائدة آية: ١١٦.
(٤) من زيادة الناشر السابق.
(٥) سورة الإسراء آية: ٥٧. روى البخاري بسنده عن عبد الله في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ) الآية، قال ناس من الجن كانوا يعبَدُون فأسلموا وعنه أيضَاَ قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، والله أعلم. علقه الشيخ محمد منير الدمشقي.
[ ٣١ ]
ودليل أن التبرك بالأشجار والأحجار وبقبور الأولياء والنذر والذبح لها لقضاء الحاجات وتفريج الكربات والتبرك بالعكوف والتعبد عندها والتبرك بأستارها وأترابها شرك] (١) قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] (٢) .
_________________
(١) من زيادة الناشر السابق.
(٢) سورة النجم آية: ١٩. يقول الله تعالى ذلك مقرعا المشركين في عبادتهم الأصنام والأوثان والأنداد واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن ﵇، وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف له أستار وخدمة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، والعزى كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف وكانت قريش تعظمها، ولذلك قال أبو سفيان يوم وقعه أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: " قولوا الله مولانا ولا مولى لكم "، ومناة كانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتهم يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة، فبعث النبي ﷺ أناسا من الصحابة ﵃ إلى هدمها، فأرسل خالد بن الوليد سيف الله على المشركين إلى العزى فهدمها وجعل يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك وأرسل المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب إلى اللات فهدماها، وجعلا مكانها مسجدًا بالطائف، وبعث رسول الله ﷺ إلى مناة أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها، ويقال هدمها علي بن أبي طالب. فالنبي ﷺ جاء بالدين الحق، وإخلاص العبودية، وإفراد المعبود بالحق، وإبطال العادات القبيحة، وكل ما يشوبه شيء من الشرك، وجرى على ذلك أصحابه العظام وتابعوه الكرام من بعده إلى أن اختلط الحابل بالنابل واستحوذ الشيطان وغواة الباطل على عقول كثير من المسلمين، فجددوا عبادة الأوثان لا سيما في عصرنا الحاضر عصر الجهل المركب والصور المزخرفة، فلقد طم البلاء وعم، والعلماء ساكتون إلا من شاء الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون. علقه الشيخ محمد منير الدمشقى.
[ ٣٢ ]
وحديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع النبي ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى:
[ ٣٣ ]
﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لتركبَنّ سنن من كان قبلكم، أي النصارى واليهود» (١) رواه الترمذي.
[القاعدة الرابعة مشركو زماننا أغلظ شركًا من الأولين]
القاعدة الرابعة أن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركوا زماننا شركهم دائمًا في الرخاء والشدة والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (٢) .
[لذا نرى كثيرًا ممن يعبدون الأولياء وأضرحة المشايخ والسادة يخلصون في الشرك بدعائهم والاستغاثة بهم في
_________________
(١) الحديث أخرجه الترمذي وصححه، وقوله حدثاء عهد بكفر " أي قريب عهدهم بالكفر والخروج منه والدخول في دين الإسلام، فلم يتمكن الإسلام من قلوبهم، وقوله ينوطون أي يعلقون بها أسلحتهم تبركًا بها وتعظيمًا لها، وقوله " ذات أنواط " هو جمع نوط مصدر سمي به المنوط، أي المعلق، ظنوا أن هذا الأمر محبوب عند الله فقصدوا التقرب به إليه سبحانه وإلا فهم أجل قدرًا من أن يقصدوا مخالفة النبي ﷺ، وباقي الحديث مع شرحه لنا مذكور في كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، فارجع إليه فإنك تجد ما يسرك، والله أعلم. وعلقه الشيخ محمد منير الدمشقي.
(٢) سورة العنكبوت آية: ٦٥.
[ ٣٤ ]
حال الشدة والرخاء، بل ربما أن بعضهم ليزداد في الشرك كلما اشتد بهم البلاء، بخلاف المشركين الأولين فإنهم كانوا يشركون بالله في حال الرخاء والسرور، وفي حال الشدة كانوا يخلصون الدعاء والتضرع إلى الله نطق بذلك القرآن الكريم، ومشركو زماننا شركهم في الرخاء والشدة دائم يدعون الأولياء ويستغيثون بهم في كل وقت، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ويقول ﷿ ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] (١) ويقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] (٢) ويقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]
_________________
(١) سورة الزمر آية: ٣٨.
(٢) سورة النمل آية: ٦٢.
[ ٣٥ ]
(١) ويقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ - وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] (٢) .
والله الموفق وهو الهادي إلى الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله (٣)
_________________
(١) سورة فاطر آية: ١٣ - ١٤.
(٢) سورة الأحقاف آية: ٥ - ٦.
(٣) من زيادة الناشر السابق.
[ ٣٦ ]