إن توحيد الأسماء والصفات جزء من توحيد الله ﷿، وهو متعلق بالإيمان بالله تعالى، فالإيمان بالله تعالى لا يتم بدون الإيمان بالأسماء والصفات، ويتعلق بهذا التوحيد جملة من القواعد، منها أن أسماء الله ﷿ بلغت الغاية في الكمال والجمال، ودلالة كل اسم من أسماء الله تعالى على صفة من صفاته سبحانه، وثبوتها بالدليل العقلي والسمعي، وثبوت الدليل السمعي على اللفظ الاصطلاحي للاسم والصفة.
[ ٦ / ١ ]
قواعد في الأسماء والصفات
[ ٦ / ٢ ]
بلوغ أسماء الله وصفاته الغاية في الجمال والكمال وانتفاء النقص عنها من كل وجه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي الدرس الماضي انتهينا من قواعد في توحيد الألوهية، وفي هذا الدرس بإذن الله تعالى سنتحدث عن قواعد في توحيد الأسماء والصفات، وقد سبق أن أشرنا إلى أن توحيد الأسماء والصفات هو جزء من توحيد الله تعالى، وهو متعلق بالإيمان بالله، فإن الإيمان بالله لا يتم إلا بهذا التوحيد، وإذا أنكر أحد أسماء الله ﷿ مطلقًا أو أنكر أسماءه أو صفاته فإنه يكون كافرًا خارجًا عن دائرة الإسلام، والله ﷿ يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهذه الآية العظيمة تشتمل على قواعد متعددة وكثيرة: القاعدة الأولى: أن أسماء الله ﷿ بلغت الغاية في الكمال والجمال، وأنه لا نقص فيها بأي وجه من الوجوه، وهذا مأخوذ من وصف أسماء الله ﷿؛ لأنها حسنى، والحسنى على وزن فعلى، وهي تأنيث الأحسن، كقولهم: كبرى وصغرى تأنيث الأكبر والأصغر، وحسنى يعني: التي بلغت الغاية في الحسن والجمال والكمال.
ومن مقتضيات كمال أسماء الله تعالى: أن كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على صفة من هذه الصفات، وكل اسم من أسماء الله تعالى فإنه يدل على صفة من صفاته ﷾، وهذا يدل على كمال أسمائه تعالى، يقول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، والمثل الأعلى هو الكمال والجمال الذي لا يدانيه ولا يشابهه كمال.
والله ﷾ سمى نفسه (الرحيم) فنأخذ منه صفة الرحمة، و(الغفور) فنأخذ منه صفة المغفرة، و(الجبار) فنأخذ منه صفة الجبروت، و(الغني) فنأخذ منه صفة الغنى، و(العزيز) فنأخذ منه صفة العزة وهكذا، كل اسم من أسماء الله تعالى فإنه يتضمن صفة من صفاته ﷾، فأسماء الله ﷿ ليست جامدة لا تدل على معان، بل هي تدل على معان عظيمة، ولهذا استدل أهل العلم على أن الدهر ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد ليس له معنى في المدح والكمال، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، فظن بعض العلماء أن هذا الحديث يدل على أن الدهر اسم من أسماء الله تعالى؛ لأنه قال: (وأنا الدهر)، لكن الصحيح أن الدهر ليس اسمًا من أسماء الله تعالى؛ لأن الدهر هو الأيام والليالي، والأيام والليالي ليس فيها مدح ولا كمال ولا جمال، فلا يصح أن يقال: إن من أسماء الله تعالى الدهر، ولهذا يبين الحديث نفسه بنفسه، فإنه قال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: أن الله ﷿ خالق الدهر وهو مالكه، وهذا يدل على بطلان عقيدة الدَهرية أو الدُهرية يصح بالفتح والضم الذين يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فأسماء الله ﷾ كلها تدل على معان وتتضمن معاني، والعقل يدل على ذلك أيضًا، فإنه لا يسمى العليم إلا لمن كان لديه علم، ولا يسمى البصير إلا لمن كان لديه بصر، ولا يسمى السميع إلا لمن كان لديه سمع، ولا يسمى الجبار إلا لمن كان لديه جبروت، فمن كانت لديه هذه المعاني سمي بهذه الأسماء، ومن لم تكن لديه هذه المعاني فإنه لا يسمى بها؛ فإن للأسماء أسبابًا.
[ ٦ / ٣ ]
الفرق بين أسماء الله وصفاته
أحب أن أشير إلى قاعدة مهمة جدًا في التفريق بين الأسماء والصفات؛ لأن كثيرًا من طلاب العلم يشكل عليه الفرق بين الاسم والصفة، والفرق بين الاسم والصفة هو: أن الأسماء أعلام والصفات معان، فأنت تفرق بين الأسماء التالية: الرحمن، الرحيم، العزيز، الجبار، المتكبر، الغفور، الودود، وهكذا، والمعاني الأخرى مثل: الرحمة، المغفرة، العزة، اليد، القدم، العينين، العلم، الإرادة فهذه صفات، وبهذا يتبين أن الأسماء أعلام، وأن الصفات معان، قد تؤخذ هذه المعاني من الأسماء، وهذا هو أحد مصادر الصفات، وقد تؤخذ من الأفعال أحيانًا، وقد تدل عليها النصوص دلالة صريحة في كونها صفة، كما قال الله ﷿: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف:٥٨] يعني: صاحب الرحمة، ولهذا فإن الفرق بين الاسم والصفة هو أن الاسم علم، والصفة معنى، والنحاة يسمون هذه المعاني مصادر، فالاسم (العزيز) والصفة العزة، والاسم (الرحيم) والصفة الرحمة، والاسم (الكبير) والصفة الكبر، والاسم (اللطيف) والصفة اللطف وهكذا، فكل اسم من أسماء الله ﷿ فإنه يدل على صفة من صفاته ﷾، وهذا من معاني الحسن الوارد في قول الله ﷾: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].
[ ٦ / ٤ ]
دلالة أسماء الله ﷿ على الذات والصفات والمعاني المتعلقة بها في حقه تعالى
من القواعد التي تتعلق بالأسماء الحسنى: أن الأسماء الحسنى تدل على ثلاثة أمور: الأمر الأول: تدل على ذات الله ﷿.
الأمر الثاني: تدل على صفاته؛ لأنه كما سبق أن قلنا: إن كل اسم يتضمن صفة من الصفات.
الأمر الثالث: إذا كان معناها متعديًا فإنها يكون لها أحكام تخصها.
فالقدير يدل على ذات الله ﷾، ويدل على صفة القدرة، ويدل أيضًا على ملكه ﷾ للعباد، وقدرته على التأثير فيهم وعلى تبديل أحوالهم وشئونهم، ولهذا أخذ بعض العلماء مسائل فقهية من بعض نصوص الأسماء الحسنى، يقول الله ﷿: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤]، فالذين يكونون من قطاع الطرق تكون عليهم حدود، لكن إن تابوا قبل أن يضبطوا فإنهم لا يطالبون بالحدود السابقة، أخذ ذلك الحكم من وصف الغفور الرحيم، الذي يدل على مغفرة الله ﷿ لسابق أحوالهم، ورحمته ﷾ فيما سبق من أعمالهم، وهذا يدل على أن من أحكام الأسماء الحسنى بعض المسائل العقدية أو الفقهية، فإن أسماء الله ﷿ لها أحكام، وأسماء الله ﷿ تدل بمفردها على معنى، وتدل إذا اقترنت على معنى آخر، مثلًا: نجد الاقتران الكثير بين اسم الله ﷿ العزيز والحكيم، فهذا له مدلول خاص وهو أن عزة الله ﷿ مرتبطة بحكمته، فإنه لا يظلم ﷾، وهكذا السميع البصير، وهكذا بقية أسماء الله ﷾ وصفاته.
أما ما يتعلق بقواعد الصفات فإن الصفات كما سبق أن أشرنا لها ثلاثة مصادر: المصدر الأول: أن تكون الآيات صريحة في الدلالة على الصفة.
المصدر الثاني: أسماء الله ﷿، فكل أسماء الله تدل على صفاته.
المصدر الثالث: أفعال الله ﷾، فإن أفعال الله ﷿ جزء من الصفات كما سيأتي الإشارة إليه بإذن الله تعالى.
[ ٦ / ٥ ]
تنوع صفات الله تعالى باعتبار أدلتها العقلية والسمعية
القاعدة الثانية: هي أن صفات الله ﷿ تنقسم باعتبارين: باعتبار الأدلة عليها، وباعتبار ذاتها، فباعتبار الأدلة عليها تنقسم إلى عقلية وسمعية، وباعتبار ذاتها تنقسم إلى ذاتية وفعلية.
باعتبار الأدلة على صفات الله ﷿ سبق أن أشرنا إلى قاعدة مهمة جدًا عمومًا، وهي: أن مسائل العقيدة يدل عليها العقل كما يدل عليها السمع، ولا يصح أن نجعل الدليل العقلي قسيمًا للدليل الشرعي؛ لأن بعض الناس عند عرضه للأدلة يقول: الأدلة الشرعية، ثم يستعرض الأدلة من الكتاب والسنة ثم يقول: الأدلة العقلية، فهذه المقابلة بين الدليل الشرعي والدليل العقلي بهذه الطريقة مقابلة غير صحيحة؛ لأنه يفهم منها أن الأدلة الشرعية لا تتضمن أدلة عقلية برهانية مقنعة، وهذا فهم خاطئ، فإن النصوص الشرعية في ذاتها فيها أدلة عقلية برهانية مقنعة على كافة مسائل العقيدة، سواء على مسائل الربوبية، أو الألوهية، أو الأسماء والصفات، أو المعاد، أو النبوات، كل هذه المسائل التي هي أصول العقيدة هناك أدلة عقلية تدل عليها، وقد أكثر منها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) وفي كتابه الآخر (نقض التأسيس) فإن أهل الكلام ظنوا أن الأدلة الشرعية لا تتضمن أدلة برهانية عقلية، فأخذوا في اختراع الأدلة التي يتوقعون أنها تقنع الملاحدة أو تقنع الخصوم؛ لأن الخصم كما يقول التفتازاني: لا يذعن للنصوص الشرعية، فأنت عندما تأتي إلى خصم مثلًا من النصارى أو من الملحدين أو من أي ملة من ملل المشركين وتقول له: قال الله تعالى، يقول: أنا أصلًا لا أعترف بنبوة محمد حتى تستدل علي بما جاء به من الأخبار عن الله تعالى، فأرادوا مواجهة أصحاب الزندقة وأصحاب أهل الشرك فاخترعوا أدلة عقلية، يتصورون أن هذه الأدلة العقلية كافية في إقناع الآخرين، فصارت هذه الأدلة العقلية لها لوازم التزموها أثرت على مسائل العقيدة في فهمهم، فنفوا من أجلها الصفات، وانحرفوا في دلائل النبوات، وانحرفوا أيضًا في الاستدلال على قضايا البعث والمعاد، مع أن هذه من أساسيات العقيدة، ومن الأمور التي يجب أن يكون توضيح القرآن لها بشكل واسع وكبير، ولهذا ينبغي دائمًا أن نجعل في أنفسنا أن القرآن والسنة مليئان بالأدلة العقلية، فهذا حصين أبو عمران الذي جاء إلى النبي ﷺ فأقنعه بطريقة برهانية بسيطة وسهلة يفهمها أي أحد، ليس فيها تعقيد، وليس فيها تطويل، وليس فيها مراحل حتى تصل إلى المقتضى، وليس فيها غموض، بل هي قضية بسيطة سهلة جدًا قال: (كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة: واحد في السماء وستة في الأرض.
قال: فمن لحاجتك وضرك ونفعك وما تريد؟ قال: الذي في السماء، قال: إذًا اعبد الذي في السماء واترك الذي في الأرض) فاقتنع الرجل فأسلم مباشرة، وهكذا تجد أن القرآن عندما يستدل على الذين ينكرون البعث يستدل عليهم بالخلق الأول، يعني: أن القادر على الخلق الأول قادر على الإعادة مرة أخرى، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]، وذلك عندما جاء بالعظم وفته وقال: هل يحيي الله ﷿ هذه العظام بعد أن صارت رميمًا؟! فقال الله ﷿: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] يعني: نسي أنه لم يكن هناك عظم أصلًا، وأن هذا العظم تكون ولم يكن هناك لحم، فتكون هذا اللحم ولم تكن هناك روح في هذا العظم واللحم، فتكون هذه الروح في العظم واللحم فصار إنسانًا حيًا، فهل إذا طرأ عليه طارئ جديد وهو الموت، وأصبحت عظامه بهذه الصورة بحيث يمكن للإنسان أن يفته، هل يعني هذا أن الذي أنشأه أول مرة غير قادر على إعادته مرة أخرى؟ هذا في أي منطق يكون؟ هذا أمر غير مقبول عقلًا، وقد سبق معكم في أدلة توحيد الألوهية أن الله ﷿ بين توحيد الألوهية بيانًا برهانيًا واضحًا بينًا، وأن هذا الاستدلال كان عقليًا منطقيًا ليس فيه أي إشكال، بل إنه سهل وقريب من الأشخاص.
الشاهد: أن من صفات الله ﷿ ما يدل العقل عليها ويمكن معرفتها بالعقل، وهناك من الصفات ما لا يمكن معرفتها إلا بالشرع، فمن الصفات التي يمكن للإنسان أن يعرفها بالعقل حتى لو لم يكن هناك أدلة شرعية عليها، مع أن الأدلة الشرعية دلت عليها أيضًا: صفة الحياة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو الحي، والصفة التي تؤخذ منه الحياة؛ لأنه يستحيل أن يكون إلهًا إلا ويكون حيًا؛ لأن الميت أو الذي لا يقبل الحياة والموت مثل: الجدار لا يصح أن يكون إلهًا، وقد ذكر الله ﷿ بطلان عبادة الأصنام بكونها لا تخلق، وبكونها أمواتًا غير أحياء، وبكونها لا تسمع، يقول الله ﷿ حكاية عن إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] هذه أدلة عقلية، ولهذا عندما حطم إبراهيم أصنامهم وعلق الفأس ع
[ ٦ / ٦ ]
تنوع صفات الله تعالى باعتبارها ذاتية وفعلية
أما من حيث المسائل فإن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.
سبق أن أشرت إلى أن هذه التقسيمات هي تقسيمات فنية علمية، الهدف منها تقريب المسائل العلمية، وإلا فإن هذه التقسيمات لم تحصل إلا عند المتأخرين، في جيل الصحابة والتابعين ومن بعدهم لا توجد هذه التقسيمات: ذاتية وفعلية بهذه الألفاظ، وإنما الموجود هو المعنى، لكن التقسيمات هي عملية فنية اصطلاحية، وقد سبق أن ذكرت لكم قاعدة مهمة في الاصطلاح، وقلت: إن الاصطلاح: هو عبارة عن استخدام كلمات لغوية قريبة من المعنى الاصطلاحي الذي ستنتقل إليه، وأن هذا المعنى الاصطلاحي يكون في حد ذاته معنى صحيحًا، حينئذ يكون الاصطلاح صحيحًا، أما إذا كان هناك تعاند بين المعنى الاصطلاحي واللغوي بحيث يكون المعنى الاصطلاحي مختلفًا على المعنى اللغوي، فهذا اصطلاح فاسد، أو كان هذا الاصطلاح على معنى فاسد، فإنه حينئذ يكون اصطلاحًا فاسدًا، ولهذا لم ينكر السلف على مصطلحات اللغويين، وعلى مصطلحات الأصوليين، وعلى مصطلحات سائر العلوم، لم ينكروا عليها لكونها مصطلحات، وإنما أنكروا على مصطلحات أهل الكلام؛ لأنها تتضمن معاني باطلة أو اختلافًا كبيرًا جدًا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، مثال الاختلاف الكبير بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: التوحيد، التوحيد عند أهل الكلام ليس له وجود في لغة العرب، التوحيد عند أهل الكلام هو: أن يكون الشيء لا ينقسم، فيقولون: الواحد هو الجزء الذي لا ينقسم، وقد يسمونه بالجوهر، وهذا المعنى أصلًا في لغة العرب غير متصور؛ لأن في لغة العرب لم يكونوا يعرفون معنى غير منقسم، بل كانوا يسمون واحدًا للشيء المنقسم، فيقولون: فرس واحد، وثوب واحد، مع أنه يمكن تقسيمه، ويمكن وصفه بمجموعة من الصفات، ويقولون مثلًا: بيت واحد، ويقول الله ﷿: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١]، وهو رجل له صفات متعددة، له أيدي، وله أرجل، وله أعين، وله لون، وله أوصاف متعددة، فهم يقولون: إن الواحد هو الذي لا يمكن وصفه، بل هو معنى لا يمكن انقسامه باعتبار الحقيقة وباعتبار الوهم أيضًا، يعني: لا يمكن أن تتوهم انقسامه، وهذا المعنى لا يعرفه العرب أصلًا، وهذا التوحيد عند أهل الكلام صار له معنى غريب عن لغة العرب، وغريب عن ثقافتهم؛ لأنه معنى فاسد، وهكذا ما يتعلق بالمصطلحات الموجودة الأخرى، المصطلحات الصوفية المشهورة.
أما بالنسبة لصفات الله ﷿ فقد سبق أن أشرنا إلى أنها تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية: وهي التي لا تنفك عن الله ﷿ بأي وجه من الوجوه، ولا تعلق لها بالإرادة.
وصفات فعلية: وهي الصفات المتعلقة بإرادة الله ﷿، وقد تسمى الصفات الاختيارية، وقد تسمى الصفات الإرادية، وقد تسمى الصفات الفعلية.
وهذه الصفات الذاتية والصفات الاختيارية والفعلية أثبتها أهل السنة والجماعة، كما وردت في النصوص، ويمكن أن نمثل للصفات الذاتية بالعلم، والحياة، والإرادة، ويمكن أن نمثل للصفات الفعلية بالضحك، والنزول، والاستواء، والغضب ونحو ذلك.
من الصفات الذاتية أيضًا: صفة العينين، واليدين، والقدم ونحو ذلك أما الصفات الاختيارية فإنهم يقسمونها إلى قسمين: صفات لازمة، وصفات متعدية.
الصفات اللازمة: هي الصفات الخاصة بالله ﷾، وليس لها تعد على بقية المخلوقات، مثل: الاستواء، ومثل: الضحك.
والصفات المتعدية مثل: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والانتقام ونحو ذلك من الصفات التي يكون لها أثر على المخلوق، لكن الحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن الصفات الذاتية والصفات الفعلية لا بد أن يكون هناك ارتباط بينها وبين المخلوقات، ولهذا سبق أن أشرنا إلى أن لقيط بن صبرة في الحديث الطويل: (جاء إلى النبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال: يا رسول الله أو يضحك الرب؟! قال: نعم.
قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا).
فأخذ منها فائدة سلوكية وتربوية إيمانية عظيمة: وهي الرجاء، وهي من أعظم أعمال الإيمان كما هو معلوم؛ لأن الخوف والرجاء لا يتم إيمان الإنسان إلا بهما مع المحبة، ولهذا قال مكحول: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والحب فهو المؤمن الموحد.
رواه أبو نعيم في الحلية، وإسناده حسن.
إذًا: هذا التقسيم لصفات الله ﷿ يجعلنا نحدد كل صفة من صفات الله ﷿، وأنها داخلة تحت هذا التقسيم، فصفة العلم غير داخلة تحت الإرادة، وصفة الاستواء داخلة تحت الإرادة، وقد أنكر أهل الكلام الضالين من الأشعرية والماتريدية الصفات الذاتية، بالذات المتأخرين منهم أنكروا الصفات الذاتية، باعتبار أن هذه الصفات تستلزم التركيب، وأنكروا الصفات الاختيارية؛ لأنها تستلزم الحدود، والتركيب والحدود مصطلحات جديدة ذات معان خاصة جاءوا بها،
[ ٦ / ٧ ]
ثبوت اللفظ الاصطلاحي للاسم والصفة
من القواعد المتعلقة بالأسماء والصفات: أن الأسماء كلفظ اصطلاحي وارد في القرآن والسنة، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وأن الصفات جمع صفة، وهي عبارة اصطلاحية واردة أيضًا في النصوص الشرعية، فقد روى البخاري في كتاب التوحيد في قصة الرجل الذي كان يقرأ في كل ركعة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فسأل النبي ﷺ ذلك الرجل عن سبب هذه القراءة فقال: (إنها صفة الرحمن أحب أن أقرأ بها، فقال: أعلموه أن الله يحبه).
فقال: (إنها صفة الرحمن) ولم ينكر النبي ﷺ هذه العبارة ذات المدلول الاصطلاحي المتعلق بتوحيد الله ﷾.
[ ٦ / ٨ ]
كتب ومراجع في الأسماء والصفات
هذه جملة من القواعد في هذا الباب، ويمكن أن يراجع كتب العقيدة عمومًا وبالذات كتاب (القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى) للشيخ المحقق ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
وهناك كتاب كبير اسمه (القواعد الكلية للأسماء والصفات) تأليف الدكتور إبراهيم البريكان، والكتاب في الجملة على منهج السلف وكتاب طيب ومفيد، إلا أنه استخدم عبارات أهل الكلام في مواطن، وأخذ تقسيماتهم في مواطن، فقد كان يرجع إلى شرح الجوهرة مثلًا أو غيرها، وأحيانًا قد يعبر عن القاعدة بتعبير فيه تعقيد، فالكتاب في الجملة لا بأس به، لكن ينبغي ملاحظة هذه الأشياء أثناء قراءة هذه الكتب.
أيضًا من الكتب المفيدة في تفصيل أسماء الله الحسنى: كتاب (النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى) للشيخ محمد الحمود، وهو من أفضل الكتب في هذا الباب؛ لأن الكثير من علماء الأشاعرة كتبوا في شرح أسماء الله الحسنى، فهذا الغزالي له كتاب اسمه (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)، والحليمي له (المنهاج في شعب الإيمان) وقد تحدث عن موضوع أسماء الله الحسنى كثيرًا، وأيضًا الرازي له (الآيات البينات في شرح أسماء الله الحسنى والصفات)، وأيضًا البيهقي له كتاب (الأسماء والصفات) و(شرح الأسماء الحسنى) لـ أبي القاسم القشيري، هذه الكتب كلها فيها فوائد، لكنها شرحت بالطريقة الأشعرية في تناول صفات الله تعالى، فمثلًا: إذا جاءوا إلى اسم العلي والأعلى يثبتون علو القدر، وعلو المكانة، لكنهم لا يثبتون علو الذات وينفونه، فهم يقولون: هو عال في مكانته وقدره ومنزلته، فإذا جاءوا إلى علو المكان فإنهم ينفونه عن الله تعالى ولا يثبتونه، ويقولون: إن هذا يستلزم الجهة، والجهة مصطلح من المصطلحات التي تدخل في سياق المصطلحات التي أشرنا إلى القاعدة فيها.
ومن الكتب المناسبة في الصفات كتاب للأستاذ علوي عبد القادر السقاف اسمه " صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة " في مجلد، رتب الصفات على حروف المعجم، ويأتي بالصفة ثم يأتي بالدليل عليها من القرآن والدليل من السنة، وينقل نصًا واحدًا من نصوص السلف فيها، والكتاب قيم إلى درجة كبيرة ومفيد، فينبغي الرجوع إليه.
في اللقاء القادم بإذن الله سنتحدث عن الإيمان من حيث حقيقة الإيمان، ومن حيث زيادة الإيمان ونقصانه، ومن حيث نواقض الإيمان بإذن الله تعالى.
[ ٦ / ٩ ]
حقيقة دليل التمانع
سبق أن بينت معنى دليل التمانع، وسموه التمانع؛ لأن الافتراض الوارد في الدليل هو أنه لو وجد إلهان متكافئان في الصفات والأفعال فإنهما سيتمانعان، يعني: سيمنع أحدهما الآخر، أو سيغلب أحدهما الآخر، ففي حال التمانع، فإن هذا أمر في غاية الاستحالة، وفي حال أن يغلب أحدهما الآخر فالغالب هو الإله، والمغلوب لا يستحق أن يكون إلهًا.
إذًا: مقتضى دليل التمانع ونتيجته هي نفي وجود إلهين متكافئين في الصفات والأفعال، ولا توجد أمة أصلًا في الدنيا تثبت أن هناك إلهين يتكافآن في الصفات والأفعال، وإنما يوجد عند بعض الأمم شرك في الربوبية، فالثانوية من المجوس يقولون بالأصلين: النور والظلمة، ويقولون: النور والظلمة قديمان، وليسا بمخلوقين محدثين، لكنهم يقولون: إن النور أفضل من الظلمة، وبعضهم يقول: إن النور قديم والظلمة محدثة، وأيضًا يتفقون على أن النور هو مصدر الخير، وهو الذي ينبغي التوجه له، وأن الظلمة مصدر الشر، وأنه ينبغي الحذر منها، وهكذا الصابئة الذين كانوا يعبدون النجوم قوم إبراهيم ﵇، فإنهم كانوا على نوعين: نوع يرون أن هذه النجوم التي في السماء ليست أجرامًا سماوية محسوسة، وإنما هي عبارة عن نفس وروح مجتمعة نورانية، وأن هذه النفس والروح لها تأثير على المخلوقات، فبعضهم يقول: نحن نعبدها مباشرة، وهم أصحاب الهياكل، ولهذا هم من أعلم الناس بالنجوم؛ لأنهم يبنون هياكل ويعرفون أوقاتها وأنواعها وتصنيفاتها، ولها بخور خاص يتبخرون لها، ويتعبدون لهذه الكواكب، لكن يعتقدون أن هذه الأجرام التي هي عندهم عبارة عن أرواح وعقول تحت تدبير الإله الكبير، الذي لا يمكن أن يعبد مباشرة حسب زعمهم، وبعضهم يسمون أصحاب الأصنام، وهم الذي يقولون: إنه لا يمكن أن نعبد هذه الأجرام مباشرة، بل لابد أن نصنع أصنامًا يمكن أن تقدم هذه المعبودات لهذه الهياكل أو هذه الأفلاك كما يسمونها.
وقد ناظر إبراهيم ﵇ كلا الطائفتين، فأما طائفة عباد النجوم فأنتم تعرفون قصته عندما رأى كوكبًا قال: هذا ربي، ثم لما رأى القمر بازغًا قال: هذا ربي، ثم لما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧] كما ورد في سورة الأنعام.
أيضًا عندما قال ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وذلك لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم تؤثر في الناس فتمرض من تشاء، وتعافي من تشاء، وتغني من تشاء، وتفقر من تشاء، وهذا شرك في الربوبية، لكنه ليس شركًا باعتقاد أن هذه الأفلاك مشاركة لله ﷿ ومساوية له في الصفات والأفعال، كما هو مقتضى دليل التمانع الذي سبق أن أشرنا إليه.
وناظر أيضًا إبراهيم أصحاب الأصنام، وكان أبوه من الذين يصنعون الأصنام كما هو معلوم، وقد جاء إبراهيم في يوم عيدهم وهم منشغلون فحطم هذه الأصنام، وتعرفون القصة الواردة في هذا الموضوع.
[ ٦ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٦ / ١١ ]
حقيقة المدرسة العصرية وأفكارها
السؤال
ظهر في الآونة الأخير المدرسة العصرانية أو العقلانية، وانضم بعض الدعاة إلى هذه المدرسة أو الفرقة، نتمنى إعطاء نبذة عن هذه الفرقة؟ وهل هم من أهل السنة والجماعة؟
الجواب
العصريون اسم لطائفة متعددة الأفكار، مختلفة التوجهات، يجمعهم رابط واحد هو تأويل وتحريف النصوص الشرعية؛ لتوافق الواقع المعاصر، فهم يرون أن الواقع المعاصر له مقتضيات وله خصائص تختلف عن بقية الأزمان الماضية، وأن هذا الواقع المعاصر وهذا الوضع الموجود لا يتلاءم أن نطبق فيه النصوص الشرعية الواردة بصورتها الواضحة في الكتاب والسنة، بل لا بد أن نتعامل معها بطريقة جديدة، تلاحظون أن هذا الكلام عام جدًا، ولهذا تجد من يحرف النصوص تحريفًا يوصل إلى الكفر، ومنهم من لا يصل إلى هذه المرحلة، بل يأتي مثلًا لبعض المسائل فيما يتعلق باسترقاق الأسرى، ونحن في زمن حقوق الإنسان، فيقول: لو أننا وافقنا على أن الدين يسمح بالأسرى وأن يكون هناك رق، وأن يكون هناك بيع وشراء لهم؛ فإن هذا سيحرجنا عند زملائنا أو أصدقائنا الغربيين، وحينئذ يأتي هؤلاء العصريون ويتأولون هذه النصوص ويحرفونها، فمثلًا يقولون: إن الشريعة الإسلامية أصلًا لا تقر الرق، ولا تقر الأسر، لكن الشريعة الإسلامية لما كانت في وسط يقر هذه الأشياء وافقت عليه، لكن الآن نحن في وسط لا يعترف بها، وبناء على هذا فإن الشريعة لا تعترف بها أيضًا.
كذلك موضوع المرأة، وهو من الموضوعات العصرية؛ لأن العالم الغربي هو العالم المسيطر إعلاميًا وعسكريًا وثقافيًا، فصار كثير من الناس يؤول النصوص الشرعية ويحاول أن يأتي بفتاوى وأفكار توافق الوضع العالمي.
نقول: حتى لو كان العالم الغربي هو العالم المهيمن سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا فلا يعني هذا أني أبدل ديني من أجله، ديني كما هو ومنهجي كما هو لا يمكن أن أغيره، ولا يمكن أن أبدله حتى يوافق ما عندهم، وهذا الوضع العالمي يمكن أن أغير فيه ما أستطيع، أما محاولة تغيير النصوص فلا، فمثلًا من قضايا الواقع الصعبة الآن: قضية المرأة، أنتم تعرفون مذهب الغربيين في المرأة، المرأة عند الغربيين تعطى الحرية المطلقة، وأنه يمكن للمرأة أن تكون حاكمة، وأن تكون قائدة جيش، والآن وزيرة الدفاع الفرنسي امرأة، والمتحدثة الرسمية باسم البنتاجون امرأة، وهناك نساء طيارات يشتغلن في الجيش، ونساء يشتغلن في المدرعات في الجيش الأمريكي، ونساء يشتغلن سواء صف أول أو صف ثان فيما يتعلق بالحروب العسكرية سواء في المارينز أو في البحرية الأمريكية أو في غيرها، مذهب الغربيين في المرأة مذهب انفلاتي تام، المرأة عندهم لها الحرية المطلقة، ولهذا ينتشر عندهم مثلًا دور البغاء وأفلام الجنس وقنوات الجنس.
والغربيون تجاوزوا هذه المرحلة إلى تشريع الشذوذ الجنسي وتشريع الانحراف، فيجوزون مثلًا في قوانينهم: إباحة أن يتزوج الرجل رجلًا، يعني: الأسرة صورتها أن يتزوج رجل امرأة، ويكون هناك أولاد بينهما، لكن عندهم من الصور الجديدة أنه يصح للرجل أن يتزوج مخنثًا من المخنثين ويعيش معه، ويعتبرون هذه أسرة لها حقوق الأسرة، ويمنحها النظام كامل صلاحيات الأسرة المعروفة، وإذا تبنوا طفلًا بينهما فإنه يكون منسوبًا إليهما جميعًا، بل في بعض الدول الغربية وصل بموضوع المرأة عندهم إلى درجة أنهم ينسبون الأطفال للنساء ولا ينسبونهم للرجال، ففي السويد يصبح الطفل ابن فلانة لا يصبح ابن فلان، ولو حصلت مشكلة بين شخص وبين زوجته فلها أن تطرده من البيت ويعيش في الشارع، وتذهب إلى الأحوال المدنية وتنسب الأولاد إليها وانتهى الموضوع، يصير الرجل بغير أولاد ولا بيت! فهذا الوضع العالمي أثر على كثير من المنتسبين إلى الإسلام، فجاءوا يقولون: إن المرأة يجوز لها أن تكون رئيسة دولة، وماذا في هذا؟ وأن المرأة يجوز أن تكون قاضية، وأن المرأة يجوز أن تتولى كافة المناصب في البلاد الإسلامية، مع أن الحديث في صحيح البخاري نص صريح في الموضوع لا يوجد فيه إشكال: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وكلمة (قوم) تطلق على المجموعة القليلة والكبيرة، ولا خير فيهم إذا ولوا أمرهم امرأة؛ لأن النساء أضعف من الرجال في طبيعة الحال، ومع هذا قالوا: هذا الحديث غير صحيح، يعني: أبطلوا دلالة الحديث في صحيح البخاري؛ بسبب الضغط العصري الموجود، ولهذا يا إخواني! المدرسة العصرية مدرسة كبيرة، والآراء الموجودة فيها آراء متباينة بعضها تصل إلى الكفر، وبعضها تصل إلى حد البدعة، وبعضها شذوذات في الأقوال، وبعضها اجتهادات، يعني: كل رأي يقوم بحسب الرأي الذي قاله وحسب صاحبه وحسب الدليل الذي استدل به، لكن أصولهم عمومًا ترجع إلى أهل الكلام والمعتزلة بشكل خاص، الذين يعظمون العقل ويؤولون النصوص الشرعية من أجله، وبسبب أيضًا ضغط الواقع الذي أثر عليهم تأثيرًا كبيرًا، لكن هذه المدرسة العقلية أو المدرسة العصرية هي مدرسة فوضوية، ليست لها أصول محددة منضبطة يمكن للإنسان أن يناقشها شرعًا وعقلًا، وإنما هي أمور نفس
[ ٦ / ١٢ ]
حكم اشتقاق الأسماء من صفات الله تعالى
السؤال
هل يؤخذ من كل صفة اسم؟
الجواب
لا، الأسماء توقيفية، وهي أخبار أخبرنا الله ﷿ بها، لكن نحن لا نشتق من الصفات أسماء، بينما العكس وهو اشتقاق الصفات من الأسماء وارد، وهناك شيء آخر وهو الإخبار عن الله، يعني: عندنا اسم وصفة وخبر، فالإخبار هو أن تخبر عن الله بالمعنى الصحيح، يعني: نفترض أنك التقيت بمسلم جديد تريد أن تذكر له صفات الله ﷿، فتخبره عن رحمة الله وعظمة الله ومكانة الله ﷿، فيجوز التعبير بأي نوع من أنواع التعبير، لكن بشرط أن يكون المعنى صحيحًا، تحت اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله ﷾.
[ ٦ / ١٣ ]
الرد على من يؤول صفة الضحك
السؤال
كيف نستطيع أن نثبت صفة الضحك لله تعالى، مع أن بعض الجماعات يؤولون الضحك إلى التعجب، فما هو ردك على هؤلاء؟
الجواب
أصلًا الذين ينفون صفة الضحك ينفون أيضًا صفة التعجب، ويقولون: إن هذه كلها مستحيلة على الله ﷾، وهم يثبتون لله من الصفات صفات أخرى نظير هذه الصفات.
[ ٦ / ١٤ ]
ضوابط الاستدلال بالأدلة العقلية
السؤال
بعض الناس يستدلون على جواز استخدام الأدلة العقلية، بأن الله استخدم الأدلة العقلية في القرآن، كما استخدمها النبي ﵊ في أحاديث وأساليب دعوته إلى توحيد الله، فهل هذا الاستدلال صحيح أم لا؟
الجواب
الاستدلال العقلي ممدوح ليس مذمومًا، وينبغي ألا تكون هناك حساسية من الاستدلال العقلي؛ لأن الاستدلال العقلي في حد ذاته ممدوح، لكن أهم شيء أن يكون الاستدلال العقلي استدلالًا منضبطًا مع النصوص، لا يأتي إنسان ويركب دليلًا عقليًا قد اخترعه ثم يؤول النصوص الشرعية حتى توافق هذا الدليل، لا، هذا هو الانحراف الذي حصل عند علماء الكلام.
ويمكن أن تستدل بأي دليل عقلي صحيح يوصل إلى المطلوب، والأدلة العقلية الموجودة في النصوص هي أولى الأدلة في الاستدلال، لكن أن تأتي وتركب دليلًا عقليًا ثم تأتي إلى نصوص الشرع المطهر وتؤول معانيها وتغيرها وتحرفها بحجة الدليل العقلي، هذا هو الباطل وهذا هو الهوى، ولهذا سماه السلف أهواء، يعني: هذه ما هي أدلة عقلية هذه أهواء، كونك تضع لنفسك هوى معينًا ثم تأتي بالنصوص وتغير معانيها، لماذا تغير المعنى من أجل هذا الدليل العقلي؟ سبحان الله! هل يجب علينا أن نتبع هذا الدليل الذي جئت به؟ هات دليلًا موافقًا للنصوص نقبله، أما أن تأتي بدليل مخالف للنصوص بحجة العقل فلا؛ ولهذا قال ابن تيمية ﵀ في كثير من كتبه: إنه ما جاء هؤلاء بدليل ينسبونه إلى العقل إلا وكان العقل يدل على بطلانه.
فنحن لا ننكر الاستدلال العقلي، الاستدلال العقلي مطلوب وهو ممدوح، وأهل العقل والعقلاء ممدوحون في الشرع، لكن أهم شيء هو ألا تؤول النصوص، إذا سألك سائل: ما هو الفارق والفاصل بين الدليل العقلي الصحيح وبين الأهواء؟ تقول: موافقة الكتاب والسنة يعتبر دليلًا عقليًا، ومخالفة الكتاب والسنة يعتبر هوى ولا شك.
[ ٦ / ١٥ ]
أقسام الصفات وما يصح وصف الله تعالى به منها
السؤال
ما هو مكر الله في قول الرسول ﷺ: (من أكبر الكبائر الأمن من مكر الله)؟
الجواب
لا أعرف هذا الحديث، لكن من القواعد التي يمكن أن تضيفوها: أن هناك صفات كاملة كمالًا محضًا مثل: العلم والقدرة، وهذه يصح أن يوصف الله ﷿ بها، وهناك صفات منقسمة، وهذه الصفات المنقسمة لا يصح أن يؤخذ منها أسماء لله ﷿، مثل: الإرادة، قد تكون إرادة صحيحة وإرادة غير صحيحة، ومثل: الكلام، قد يكون كلامًا صحيحًا وكلامًا غير صحيح، فلا يصح أن يقال: المريد أو المتكلم، هذه ليست من صفات الله وليست من أسماء الله ﷿، وإن كانت من صفاته.
أيضًا هناك صفات مقيدة مثل: المكر والكيد، فإن المكر هو من أفعال الله ﷿ عقوبة لأهل المكر، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، ولهذا دائمًا تأتي مقيدة بفعل العبد، وقال ﷿: ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، هذه تسمى الصفات المرتبطة بشرط، فهذه الصفات يمكن أن يوصف الله ﷿ بها لكن بشرطها، فيقال: الله ﷿ يمكر بالكافرين، ويقال: يزيغ الله من زاغ عن الدين، وهكذا كل صفة من هذه الصفات يربط بما ربط الله ﷿ به هذه الصفة.
[ ٦ / ١٦ ]
نصيحة عامة لطلبة العلم
السؤال
نحن مجموعة نحفظ القرآن ونطلب العلم فماذا تنصحنا؟
الجواب
أنصحكم بحفظ كتاب الله ﷿ بإتقان، والعناية بحفظ سنة النبي ﷺ، والعناية بالعلم الشرعي اهتمامًا كبيرًا، والعناية أيضًا بالدعوة إلى الله ﷿ والإصلاح؛ لأن الإنسان لا يصح أن ينفع نفسه ويترك المجتمع من حوله، نحن بإمكاننا أن نقدم كثيرًا من الإصلاح لمجتمعنا، سواء على مستوى زملائنا في المدرسة، أو على مستوى أقربائنا، أو على مستوى حينا، فإنكار المنكر من أعظم شعائر الدين، ومع هذا كثير من الناس اليوم مفرط فيه تفريطًا كبيرًا، أنت تخرج الآن من الدرس فتجد إنسانًا مثلًا مشغل الموسيقى، أو تجد مثلًا شابًا يغازل امرأة، وعندما تأتي السياحة في الصيف نرى منكرات كبيرة، فلماذا لا نتبرع كل اثنين من الشباب يذهبان إلى محل من المحلات، وينصحان هؤلاء الأشخاص بالرفق وبالتي هي أحسن وبأطيب أسلوب وبذكاء؟ لماذا لا تكون عندنا شجاعة أدبية، بحيث ننصح الآخرين ونقوم بتذكيرهم ووعظهم وإرشادهم وإقامة الحجة عليهم؟ أما أن يظن الإنسان أنه لا يستطيع أن ينكر المنكر، وغير قادر على مواجهة الآخرين، فلا شك أن هذا ضعف في الإنسان، وأنه ينبغي أن يتجاوزه، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الطاعات الشرعية؛ لأنها طاعة متعدية لمصلحة الخلق، فبالإضافة إلى حفظ الإنسان لكتاب الله، ودراسته للعلم وعنايته به، وحضوره لمجالس الذكر، لابد من التركيز على الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينبغي أن يكون من برنامج الإنسان اليومي أن ينكر منكرًا، يعني: لا تنام في يوم من الأيام إلا وتكون قد أنكرت منكرًا، والمنكرات كثيرة في حياة المسلمين مع الأسف، لكن المشكلة أن دور كثير من المسلمين اليوم سلبي وليس إيجابيًا، حتى لو كانت عندك أخطاء فلا يعني هذا أنك لا تنكر، إذا وجدت إنسانًا لا يصلي حتى لو كنت حليقًا، حتى لو كانت عندك معاص؛ لأن الصلاة عمود الدين، والذي لا يصلي يكون من الكافرين، ولهذا يجب أن تنصحه، وأن تذكره بالله.
كذلك المحافظة على الأعراض مقصد من مقاصد الشريعة، فإن حفظ الأنساب والأعراض مقصد شرعي، والآن الزنا منتشر انتشارًا كبيرًا جدًا بشكل منظم، ودور البغاء أصبحت منتشرة انتشارًا كبيرًا جدًا، وكثير من الناس يدركون هذا الأمر، فلماذا لا يكون لدينا حملة تطهير للبلد من هؤلاء الفاسدين والفاسدات؟ بعض الاستراحات تتحول إلى مراقص، يأتي شخص فيستأجرها ويأتي بنساء ويرقصن ويغنين ويشربون الخمور والعياذ بالله، فالواجب هو أن يكون لنا موقف حازم من هذا الأمر، فإن المنكر إذا انتشر في أمة من الأمم، فإنه مؤذن بالهلاك العام والعياذ بالله، والله ﷿ يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] يعني: ستصيب الظالمين وتصيبنا نحن، هذه وسفينة المجتمع إذا خرقها هؤلاء ولم نأخذ على أيديهم ولم نمنعهم فإننا سنغرق معهم، فلا يصح أن يقول الإنسان: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]؛ لأن من لوازم الاهتداء أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
أكتفي بهذا، وأسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٦ / ١٧ ]