سمات وقواعد منهج السلف في العقيدة
مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فإن عقيدة السلف تتميز عن غيرها من العقائد المخالفة لها بانتمائها في دقيق المسائل وجليلها إلى الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتتميز بأنها تجمع المسلمين ولا تفرقهم كما أنها لا تختلف فيها الأهواء ولا يتنازعها أصحاب الآراء لأنه لا مجال للعقل ولا للهوى لمخالفتها لتميزها بالتسليم لمدلول النصوص والوقوف عند حدودها، فما أدركه وفهمه المسلم حمد الله عليه وما لم يدركه يكل علمه إلى عالمه ويقول ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ .
سمات وقواعد منهج السلف في العقيدة:-
قبل الشروع في بيان السمات والقواعد لمنهج السلف في العقيدة نبين المراد بمفردات العنوان:
السمات: جمع سمة وهي العلامة المميزة، والمراد هنا علامات ومميزات.
والقواعد: جمع قاعدة وهي من البناء أساسه، وهي أيضا الضابط أو الأمر الكلي ينطبق على جزئيات١.
_________________
(١) ١ المعجم الوسيط ٢/٧٤٨.
[ ١ / ٢ ]
والمنهج: هو الطريق الواضح١.
والسلف: جمع سالف وهو كل من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك في السن أو الفضل٢.
والمراد هنا بالسلف أصحاب النبي ﷺ ثم التابعين لهم بإحسان ومن تبعهم من أئمة الدين وأعلام الهدى بخلاف من رمي ببدعة من الخوارج والروافض أو الجهمية أو المعتزلة ونحوهم٣.
والعقيدة: من عقد قلبه على الشيء ولزمه٤.
والمراد بالعقيدة في الاصطلاح: هي الأمور التي يجب على المسلم اعتقادها بقلبه مما يتعلق بالله ﷿ وأركان الإيمان الأخرى ومسائل تلحق بذلك مثل مسائل الإيمان والخلافة ونحوها.
أما قواعد السلف وسمات منهجهم في تقرير مسائل العقيدة فيمكن استخلاصها من كلام الأئمة المتقدمين. قال الأجري ﵀ في كتابه الشريعة: "باب الحث على التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وسنة أصحابه ﵃ وترك البدع وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة وقول الصحابة ﵃"٥ ونحوه قال ابن بطة في الإبانة٦.
_________________
(١) ١ المعجم الوسيط ١/٩٥٧. ٢ القاموس المحيط ص ١٠٦٠. ٣ لوامع الأنوار البهية ١/٢٠. ٤ لسان العرب ٤/٣٠٣٢. ٥ الشريعة ١/١٧٠. ٦ الإبانة الصغرى ص: ١٠٢.
[ ١ / ٣ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار الرسول ﷺ باطنا وظاهرا واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ١ ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد"٢.
فهذه الأصول ظاهرة واضحة في كل كتاب من كتب عقيدة السلف، وبعضهم ينص عليها ثم يفصل في مفردات مسائل عقيدة السلف والبعض يبدأ يذكر مفردات العقيدة لكن وفق القواعد المتفق عليها بينهم وهي:
١ الاعتماد على الكتاب والسنة في أصول المسائل وتفريعاتها.
٢ اتباع سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
٣ عدم عرض شيء من ذلك على الآراء والأهواء.
الحذر من البدع وأهلها.
وسنذكر هذه القواعد بأدلتها حتى يتبين أن السلف ﵏ إنما يعتمدون في سائر الأمور الدينية على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وهو الحق الذي لا تشوبه شائبة،وهو ما يجب على كل مسلم التزامه وطرح ما سواه.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في السنة ٤/٢٠١، باب لزوم السنة. ٢ العقيدة الواسطية ص: ٢٨.
[ ١ / ٤ ]
القاعدة الأولى: الاعتماد على الكتاب والسنة في أصول المسائل وتفريعاتها.
هذه القاعدة تعني أنه يجب على المسلم أن يربط عقيدته وسائر أمور دينه بكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ. فيكون مصدره في كل ذلك القرآن والسنة لأنهما مصدر الدين، فما كان فيهما فهو الدين وما ليس فيهما فهو ليس من الدين عظم شأنه أو حقر، كما أن العقيدة جلها أمور غيبية لا يستقل العقل بمعرفتها وإدراكها، فوجب الرجوع في ذلك إلى خبر العليم الحكيم وإلى خبر من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والوقوف عند ذلك وعدم تجاوزه إلى غيره.
وقد أمر الله ﷿ بالتزام كتابه فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة ٤، ٥] . وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام١٩] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء٩] وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف٣] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ١-٢] وغيرها كثير.
أما الأدلة الموجبة للالتزام بالسنة فكثيرة، منها قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور٦٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
[ ١ / ٥ ]
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء٦٥، وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب٢١] .
أما الأحاديث عن النبي ﷺ فكثيرة منها:
حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" ١.
وحديث العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا "وفي رواية: فما تعهد إلينا" قال: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " وفي رواية: "أوصيكم بتقوى الله والطاعة والسمع وإن كان عبدا حبشيّا، فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٢.
وحديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: "نحمد الله بما هو أهله"، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب الله ﷿، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب الانتهاء عما نهى عنه النبي ﷺ. ٢ أخرجه الآجري في الشريعة ١/١٧١، كما أخرجه حم ٤/١٢٦،١٢٧، والترمذي رقم ٢٦٧٨ وقال: حسن صحيح.
[ ١ / ٦ ]
الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ١.
وهنا يحسن التنبيه على أمرين:
أحدهما: أن الكتاب والسنة حويا أصول الدين وفروعه.
من المعلوم أن علماء الأمة يلتزمون في مسائل الفقه كلها بالنصوص الشرعية ويجعلون أدلة الأحكام الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس. ولكن الذين وقعوا في الكلام المذموم أو البدع والأهواء إذا أتوا على باب الاعتقاد أعرضوا عن الكتاب والسنة، مع أن مسائل الاعتقاد من الغيب الذي لا يمكن أن تستقل العقول بمعرفتها، كما أننا نجد أن الله ﷿ قد علمنا فيه بأخبار الأولين بل ذكر لنا فيه ما يتعلق ببعض الحشرات كالنحل في قوله ﷿: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل٦٨، ٦٩] .
كما ذكر النمل والطير والدواب، بل ذكر جل وعلا دقائق مما يتعلق بالإنسان من ناحية خلقه في بطن أمه وتكوينه. فكيف يمكن مع هذا أن لا يعرف القرآن به جل وعلا من ناحية صفاته وأسمائه ومن ناحية أفعاله، هذا لا يمكن أن يكون مع قوله ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨] .
مع أن الوحي لم ينزل والرسل لم ترسل إلا لتعريف الخلق بربهم جل وعلا وحقوقه وجزائه للمطيعين والعاصين قال عزمن قائل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق١٢]،بل أول أية من القرآن نزلت تضمنت التعريف بالله ﷿ قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/١٧٠ ومسلم حديث رقم ٨٦٧.
[ ١ / ٧ ]
خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق١-٥] .
وكذلك رسوله ﷺ لايمكن أن يكون علمنا آداب قضاء الحاجة وآداب الأكل والشرب والجماع وعلاقة الإنسان بوالديه وإخوانه وأهله ثم يغفل المعلومات المعرفة لنا بربنا جل وعلا من ناحية صفاته وأسمائه وأفعاله. إن من يدعي هذا أو يظنه فقد طعن في الرسول ﷺ ونسبه إلى التقصير في أهم واجباته التي لا يمكن أن تعرف إلا عن طريقه ﵊ وحاشاه من ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور،وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة فمحال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله، والعلم به ملتبسا مشتبها، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز عليه وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس وأدركته العقول. فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين – وإن دقت – أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف،وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام "١.
_________________
(١) ١ الفتاوى: ٥/٦-٧.
[ ١ / ٨ ]
ثانيهما: عدم معارضة القرآن والسنة بعضها ببعض.
القرآن الكريم وحي الله وكلامه جل وعلا، وهو أنزل على نبينا محمد ﷺ هداية للناس ونورا فلا يمكن أن يكون فيه ما هو متعارض أو متناقض، فهو تنزيل الحكيم العليم، قال ﷿: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء٨٢.
فمن أدرك ما فيه من المعاني حمد الله على ذلك ومن لم يستطع فهم شيء منه فليتهم نظره وليقف حيث فهم وعلم ولا يتكلف ما لا علم له به. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء٣٦] .
وإذا كان القرآن وحيا من عند الله فكذلك السنة من وحي الله ﷿، قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم٣، ٤] . فلا تعارض بينهما ولا تناقض فإن السنة تفسر القرآن وتشرحه كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] .
ومن زعم أن بين السنة والقرآن تعارضًا فقد ضل وأخطأ، من زعم أنه يأخذ بالقرآن دون السنة فقد ضل ضلالا مبينا. وقد روى الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" ١.
وروى الآجري عن عمران بن الحصين ﵁ أنه قال لرجل: "إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله تعالى الظهر أربعا لا تجهر بها في القراءة"، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ثم قال: "أتجد هذا في كتاب الله تعالى مفسرا؟ إن كتاب الله أحكم
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٤/١٣١.
[ ١ / ٩ ]
ذلك وإن السنة تفسر ذلك"١.
وروي عن سعيد بن جبير ﵀ أنه حدث عن النبي ﷺ حديثًا فقال رجل: إن الله تعالى قال في كتابه كذا وكذا فقال: "ألا أراك تعارض حديث رسول الله ﷺ بكتاب الله تعالى، رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله تعالى" ٢.
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/١٧٨. ٢ الآجري في الشريعة ١/١٨٠.
[ ١ / ١٠ ]
القاعدة الثانية: اتباع سلف الأمة من الصحابة والتابعين والذين اتبعوهم بإحسان.
والمراد بهم العلماء والأئمة الذين سلكوا نهج الصحابة ولم يبتدعوا في دينهم. فقد دلت الأدلة أيضا على وجوب التزام طريقتهم ونهجهم. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة١٠٠] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء١١٥] .
فهذه الآيات فيها الدلالة الواضحة على اقتفاء أثر الصحابة إذ هم أعدل هذه الأمة وأفضلها وأعلمها بدين الله، ثم من سلك نهجهم من أئمة الإسلام وأعلام الهدى.
أما الأحاديث الدالة على سلوك منهجهم فكثيرة، فمن ذلك حديث العرباض السابق وجاء فيه: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". فقد أخبر رسول الله ﷺ في هذا الحديث بوقوع الاختلاف، وأمر عند الاختلاف بلزوم منهج خلفائه الراشدين. ولا شك أن الخلفاء الراشدين هم أفضل الأمة بعد نبيها ﵇. ثم يدخل فيهم غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم لورود الإشارة على لزوم منهجهم وطريقتهم عموما في الآيات السابقة ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء١١٥]، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة١٠٠] .
وكذلك حديث افتراق الأمة، وجاء فيه من رواية عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل: تفرق بنو إسرائيل على اثنين
[ ١ / ١١ ]
وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين تزيد عليهم كلها في النار إلا ملة واحدة"، فقالوا: من هذه الملة الواحدة؟ قال: "ما أنا عليها وأصحابي"، وفي رواية "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" وفي رواية" الجماعة "وفي رواية "إلا السواد الأعظم" ١.
فهذا النص يدل على أن المخرج عند الاختلاف هو في لزوم منهج الصحابة أو الجماعة ولا شك أن الصحابة هم رأس الجماعة.
وهذا بحمد الله ظاهر، إذ أن القرآن والسنة قد تعرضا في آخر زمن الصحابة ﵃ بعدهم لفهوم كثيرة وبعض تلك الفهوم كان نابعا من الهوى، أو التأثر بالأفكار الواردة من اليهود والنصارى والوثنيين من الفلاسفة ونحوهم. فالقرآن موجود والسنة موجودة، لكن الإشكال عند كثير من الناس أتى من فهم مدلول النصوص فمثلا: آيات الصفات وأحاديثها موجودة، فدخلت على المسلمين فهوم خارجية وهو اعتقاد أن الله لا يوصف بصفة ثبوتية، أو أن التنزيه يعني نفي جميع الصفات عن الله ﷿. فهنا آيات فهمت بفهوم مختلفة متباينة، فنظرنا في فهم الصحابة فوجدنا أن الصحابة ﵃ لم يختلفوا في إثبات شيء من الصفات الواردة في القرآن والسنة، فالتزم ذلك التابعون لهم بإحسان، وصرحوا عنه وأبانوه ودانوا الله به في مقابل الذين جاءوا بكلام في هذا الباب خارج عن منهج الصحابة وطريقتهم وإنما هو على منهج الفلاسفة واليهود والنصارى وغيرهم.
وهكذا سائر المسائل العقدية التي ابتدعها أهل البدع، وخالفوا فيها منهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فخالفوا بذلك أمر الله ﷿ وأمر رسوله ﷺ في لزوم منهج الصحابة وطريقتهم عند الاختلاف.
كما قد جاء الحض على التزام منهج الصحابة رضوان الله عليهم عن العديد من العلماء والأئمة ومن ذلك:
_________________
(١) ١ أخرجها الآجري في الشريعة ١/١٢٧ وهي مخرجة في السنن عند الترمذي وأبي داود وغيرهم.
[ ١ / ١٢ ]
ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وفضلهم فقد كانوا على الهدى المستقيم".١
وقال ﵁ هو أو حذيفة أيضا: "يا معشر القراء اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم".٢
وقال عمر بن عبد العزيز كما روى مالك عنه بأنه إذا ذكر عنده الزائغون في الدين قال، قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله تعالى وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو المهتدي، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ".
وقال أبو العالية: "عليكم بالصراط المستقيم ولا تحرفوا الصراط يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم ﷺ والذي عليها أصحابه " ثم قال: "وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة". قال الحسن البصري لما بلغه: "صدق ونصح"٣.
_________________
(١) ١ انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٩٧ وروي نحوه أيضًا عن الحسن البصري. ٢ انظر: الإبانة الصغرى ١٣٦، الإبانة الكبرى ١/٣٣٦. ٣ الآجري في الشريعة ١/١٢٤.
[ ١ / ١٣ ]
القاعدة الثالثة: عدم عرض شيء من ذلك على الآراء والأهواء
ما جاء عن الله ﷿ أو عن رسوله ﷺ فهو حق لا شك فيه، والواجب فيه الإيمان والتسليم وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ. فلا يقوم الإيمان الصحيح الصادق إلا بالتسليم للشارع والانقياد له في الأمور العقائدية العلمية والأمور العملية، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء٦٥]، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام١٥٣] .
وروى الآجري وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فخط خطا فقال: "هذا الصراط"، ثم خط حوله خططا فقال: "وهذه السبل فما منها من سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه" ١.
وحديث العرباض بن سارية السابق وهو قوله ﷺ: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٢. وكذلك حديث جابر وفيه "وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".٣
وروى الآجري عن عمر ﵁ قال: "القرآن كلام الله فلا تصرفوه
_________________
(١) ١ المسند ١/٤٣٥. ٢ سبق تخريجه ص٦. ٣ سبق تخريجه ص٦.
[ ١ / ١٤ ]
على آرائكم" ١. وفي رواية أخرى قال: "إن هذا القرآن كلام الله فلا أعرفن ما عطفتموه على أهوائكم" ٢. وقال محققه: إنه حسن.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: "إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ" ٣.
وقال رجل لإبراهيم بن يزيد النخعي: "يا أبا عمران أي هذه الأهواء أعجب إليك؟ فإني أحب أن آخذ برأيك وأقتدي بك"، قال: "ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير وما هي إلا زينة الشيطان، وما الأمر إلا الأمر الأول" ٤.
وقال الأوزاعي ﵀: "عليك بأثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول" ٥.
فهذه النصوص وغيرها كثير فيه دلالة واضحة على عدم عرض القرآن أو السنة على شيء من الأهواء والآراء، وإنما الواجب التسليم والإيمان. على هذا درج الأئمة، فأنت لا ترى مسألة في العقائد إلا ويرجعونها إلى أصولها من الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة.
والواقع أن جمهور المسلمين يرجعون إلى ذلك في الفقه، ويتميز السلف برجوعهم إلى ذلك في العقائد والأحكام لا يفرقون بين ذلك، ولكن أهل البدع يفرقون بينهما وذلك لدخول الأهواء عليهم في باب العقائد.
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري ١/٢١٦. ٢ الشريعة ١/٢١٦. ٣ الشريعة ١/١٨٢. ٤ الشريعة ١/١٩٢. ٥ الشريعة ١/١٩٣.
[ ١ / ١٥ ]
القاعدة الرابعة: الحذر من البدع وأهلها
البدعة في اللغة: هي الشيء المخترع على غير مثال سابق.
وهي في الشرع كما عرفها بعض العلماء: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى ١.
والبدع قد حذرنا الله ﷿ منها وحذرنا منهارسوله ﷺ، فمن الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام١٥٩] . وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ إلى قوله – ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران١٠٣ - ١٠٦] . وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام١٥٣] .
ومن الأحاديث الدالة على تحريم البدع الحديث المشهور حديث عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٢، وكذلك حديث عبد الله بن مسعود في تفسير النبي ﷺ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ ٣ وحديث العرباض بن سارية، وحديث جابر بن عبد
_________________
(١) ١ الاعتصام ١/٣٧. ٢ أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ٥/٣٥٥. ٣ سبق تخريجه ص ١٣
[ ١ / ١٦ ]
الله وفيه: "وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". ١
كما كثر عن الأئمة من علماء السلف التحذير من البدع، فمن ذلك:
ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال لما رأى جماعة في المسجد متحلقين وبين أيديهم حصى ورجل يقول: هللوا مائة فيهللون، ويقول: سبحوا مائة فيسبحون، فقال لهم ﵁: "والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحوا باب ضلالة".٢
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: "أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور.٣
وروي عن حذيفة أنه قال: "اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم، فلعمري لئن اتبعتموه فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا".٤
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: "أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعدما جرت به سنته"٥
ومن نظر في البدع علم أنها من أقبح الأعمال وأفسدها وأشدها خطرًا على دين المرء، لما تتضمن من المعاني الفاسدة التي منها:
١ - أن الله تعالى قد أكمل الدين وأتم النعمة، فمن ابتدع بدعة فقد زعم أن الله تعالى لم يكمل الدين وانه ناقص وأنه يحتاج إلى بدعة المبتدع لتكميله
قال الإمام مالك ﵀: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد
زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص٦. ٢ سنن الدارمي ١/٦٨. باب كراهية أخذ الرأي. ٣ سنن البيهقي ٤/٣١٦، باب الاعتكاف في المسجد. ٤ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٩٧. ٥ الشريعة ١/١٧٤.
[ ١ / ١٧ ]
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة٣] ١.
٢ - أن المبتدع مستدرك على الشارع ببدعته، فكأنه يرى أن ثمة طرق أخرى موصلة للحق لم يذكرها الشارع.
قال ابن مسعود ﵁ لمن كانوا متحلقين يسبحون: "والذي نفسي بيده إنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحوا باب ضلالة".٢
قال عمر بن عبد العزيز: "فعليك بلزوم السنة فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق".٣
٣ - أن التشريع حق الله تعالى وحده، والمبتدع قد أنزل نفسه منزلة المشرع، وذلك بتشريعه شريعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ﷺ، وفي هذا تشبه بالمشركين قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٢١] .
كما أن من منهج السلف البعد عن أهل البدع والحذر منهم وعدم مجالستهم ومجادلتهم. يدل على ذلك ما روى الآجري بسنده عن ابن عباس ﵁ قال:
"لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب"٤.
وعن أبي قلابة ٥ ﵀ قال: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإنني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما لبس عليهم"٦.
فتجنب أهل البدع والحذر منهم منهج سلفي لما لهم من الخطورة على أغلى ما
_________________
(١) ١ نقلها الشاطبي في الاعتصام ١/٤٩، ٢/١٨ وعزاها إلى ابن حبيب عن ابن الماجشون عن مالك وانظر: منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة ص ٩٩. ٢ سبق تخريجه ص ١٦. ٣ الشريعة للآجري ١/٤٤٤. ٤ الشريعة ١/١٩٦، وابن بطة في الإبانة ٢/٤٣٨. ٥ أبو قلابة، عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر، البصري، ثقة فاضل. مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومائة وقيل بعدها. انظر: التقريب ١/٤١٧. ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/٣٤.
[ ١ / ١٨ ]
يملكه المسلم وهو دينه، كما أن فيه تصغيرا لشأنهم وتحقيرا لهم وهذا فيه مصالح منها:
١ - لعلهم يرتدعون عما هم فيه من غواية وضلالة.
٢ - يعرفهم الناس الذين يجهلون حالهم فيحذرونهم ويتجنبونهم.
٣ - في الحذر منهم وعدم مجادلتهم تحجيم لبدعتهم وعدم إظهارها وانتشارها.
[ ١ / ١٩ ]
منهج المبتدعة في العقيدة
أولا: المتكلمون
منهج المبتدعة في العقيدة
المبتدعة خالفوا السلف وانحرفوا عنهم في العقيدة وما ذلك إلا لمخالفتهم لهم في المنهج الذي اعتمدوه في تقرير العقيدة.
ويمكن تلخيص منهج المبتدعة عموما في أصل واحد وهو: تقديم الآراء والأهواء والكشف ونحو ذلك على النقل والشرع في تقرير مسائل العقيدة. بيان ذلك:
أن المبتدعة بسبب اختلاف مشاربهم ومقاصدهم ولما لم يأتلفوا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ صاروا أقوالا شتى متفرقة قد يجمعها بعض الأصول كما يجمع المتكلمين بعض الأصول ولكنهم يتفرقون كثيرا عند التفريعات.
وهكذا سائر المبتدعة من الخوارج والرافضة والصوفية لأن الأصول التي يلتقون عليها تصطدم دائما بالمقاصد والأهواء، فيتفرقون وينقسمون بسبب ذلك انقسامات داخلية وانشطارات متعددة تجعل الفرقة الواحدة لها مسمى واحد كبير لكنه يضم تحت مسماه فرقًا كثيرة متناحرة مختلفة.
وسنذكر منهج بعض المخالفين ونبين بطلانه.
أولا: المتكلمون
المتكلمون هم الذين يقررون مسائل العقيدة أو بعضها عن طريق الأدلة العقلية ومنهجهم في ذلك هو: تقديم العقل على النقل.
فتقديم العقل على النقل سمة ومنهج واضح ظاهر لدى الفلاسفة والمتكلمين، سواء كانوا جهمية أو معتزلة أو أشعرية أو ماتريدية، فكل هؤلاء في أبواب ضلالهم وانحرافهم عن الحق قدموا العقل على النقل بل كثير منهم لا يعتبر إمكانية الوصول إلى الحق إلا عن طريق العقل.
[ ١ / ٢٠ ]
ومن الأمثلة على ذلك قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه "شرح الأصول الخمسة" ص ٨٨: "الدلالة أربعة: حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع، ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل".
وقال الآيجي في المواقف وهو من الأشاعرة: "ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة النبي محمد ﷺ فهذا لا يثبت إلا بالعقل ثم قال: الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ قيل لا. ثم قال بعد أن ذكر أن الدليل النقلي أي الشرعي يفيد الظن قال: لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي قطعا"١.
وقال الجويني الأشعري: "إنه إذا ورد الدليل السمعي مخالفا لقضية العقل فهو مردود قطعا: "٢.
وقال الرازي وهو أشعري: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال إنها غير صحيحة أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها" ٣.
فهذا شأن أهل البدع من المتكلمين والفلاسفة تقديم العقل على النقل واعتبار العقل الأصل والشرع فرع له، لهذا عند التعارض لا يقيمون للنقل والشرع وزنا.
دليلهم:
المتكلمون عمومًا قدموا العقل على النقل بدون أن يكون لهم أدنى دليل شرعي أو حتى دليل عقلي إنما قعدوا قاعدة فقالوا: إن العقل هو أصل الشرع
_________________
(١) ١ المواقف ص: ٤٠١٢٩. ٢ الإرشاد، ص: ٣٥٩-٣٦٠. ٣ أساس التقديس ص:٢١٠.
[ ١ / ٢١ ]
فلهذا لا يستدل بالفرع على الأصل. وفي هذا يقول عبد الجبار المعتزلي في تعليله الاستدلال بالعقل دون الشرع في معرفة الله: "إن معرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل فلأن ما عداها فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله والحال هذه، كنا مستدلين بفرع الشيء على أصله وذلك لا يجوز". ١
وكذلك قال الرازي بعد أن أوهم نفسه أنه يوجد تعارض بين العقل والنقل فجعل للخروج من هذا الإشكال أن يعتقد أن النص الشرعي غير صحيح أو يعتقد أن معناه غير صحيح وعلل ذلك بأن العقل هو الذي دلنا على صحة الشرع فبالتالي لا يمكن أن نقدم الشرع على العقل، لأن الشرع عنده صار بذلك فرعًا والعقل أصلًا".٢
الرد عليهم:
لا شك أن المتكلمين قد اضطربت أفهامهم وفسد حسهم الديني، حتى زعموا أن العقل ٣ مقدم على الشرع بدون أن يكون لهم أدنى دليل شرعي أو عقلي صحيح سوى الدعوى بأن العقل أصل والشرع فرع. وفساد هذه الدعاوي وبطلانها ظاهر من أوجه عدة:
أولًا – الرد عليهم في دعواهم أن العقل أصل والشرع فرع:
١ - نسأل المتكلمين: ما هو العقل الذي يجعلونه مقدمًا على الشرع؛ هل هو عقل الفلاسفة اليونانيين الوثنيين أم عقول الجهمية، أم عقول المعتزلة أم عقول
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص٨٨. ٢ انظر ما سبق ص وانظر أساس التقديس ص٢٢٠. ٣ إن مراد المتكلمين ب "العقل" هو الأدلة العقلية التي زعموا أنهم يثبتون بها وجود الله تعالى، وهي أدلة فاسدة مأخوذة من الفلاسفة سيأتي ذكرها وبيان فسادها، وتلك الأدلة جعلوها أصلًا وحاكمًا فما خالفها فهو مردود سواء من القرآن أو السنة، وما وافقها فهو المقبول، مع اختلافهم واضطرابهم فيها وفي لوازمها حتى صاروا مختلفين إلى جهمي ومعتزلي وأشعري.
[ ١ / ٢٢ ]
الأشاعرة؟ فهؤلاء جميعا يدعون العقل وهم مختلفون.فأي عقل من تلك العقول يزعم هؤلاء المتكلمون أنه مقدم على الشرع.
والواقع أنهم يقدمون عقل اليونانيين الوثنيين المشركين على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ. فأي فساد في الدين أعظم من هذا وأي انحراف أكبر من هذا نعوذ بالله من الخذلان.
٢ - إن معرفة الله تعالى والإيمان به ليس منوطًا بالأدلة العقلية كما يتوهم المتكلمون، لأن معرفة الله والإقرار به قد جعله الله في فطر بني آدم، كما أن جل الذين آمنوا من بني آدم إن لم يكن كلهم قد اهتدوا إلى الإيمان بدون أن يعرفوا تلك الأدلة، كما أن الهداية هي من الله تعالى فليست منوطة بالعقل أو بالأدلة العقلية، بل هي نور من الله يقذفه في قلب من شاء من عباده. فعلى هذا تكون دعوى المتكلمين إن الأدلة العقلية هي التي استدلوا بها على الله تعالى كاذبة خاطئة.
٣ - إذا كان العقل دل المتكلمين على صحة الشرع وصدق الرسول ﷺ، فإن الواجب عليهم هنا أن يسلموا للشارع وينقادوا لكلامه، لأنه أمرهم بذلك، وهم قد أقروا لله بالألوهية وللرسول ﵊ بالرسالة. فيلزمهم بناء على ذلك أن لا يقدموا على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ رأيًا ولا هوى ولا قول أحد من الناس، لأن الله أمرهم بذلك. وهذا مثل ما لو أن إنسانًا كان في صحراء فتاه عن الطريق وهو يريد الذهاب إلى منطقة معينة، فلم يهتد للطريق فوجد رجلًا عرف من حاله وكلامه أنه خبير بالطريق الموصلة إلى البلدة التي يريد الذهاب إليها، فطلب منه أن يرشده الطريق. فهل يليق بعد ذلك أن يعترض عليه ويأبى أن ينقاد إليه؟ إنه إن فعل ذلك فهذا دليل على أنه لم يقر للرجل بأنه خبير بالطريق، وفي ذلك طعن في حكمه على الشخص من قبل بأنه خبير بالطريق. فكذلك من لم
[ ١ / ٢٣ ]
يسلم لله ولرسوله بعد أن استدل على صحة وصدق الشارع، فإن ذلك قدح في دلالة العقل وقدح في إيمانه ويقينه بأن الشارع صادق ناصح.
ثانيًا – الرد عليهم بادعاء التعارض بين العقل والنقل:
المتكلمون يزعمون وجود تعارض بين العقل والنقل في المسائل التي خالفوا فيها الحق، وهذه دعوى غير صحيحة بنفسها، ولا وجود لها إلا في عقولهم المريضة، أما الواقع فإن العقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح. والدليل على ذلك أمور:
أ - أن الذي خلق العقل هو الذي أنزل الشرع فكيف يمكن أن يكون بينهما تعارض.
ب - أن الله تعالى في القرآن الكريم قد دعا في مواطن عديدة إلى استخدام العقل والنظر من خلاله إلى آياته وبيناته ليصل الإنسان إلى الإيمان بالله ورسله قال جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد٢٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ٤٦] .
ج - أن الله ﷿ قد أبان في مواطن عدة من كتابه أن سبب هلاك من هلك من أهل النار أنهم لم يستخدموا عقولهم الاستخدام الصحيح قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك١٠] وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف١٧٩] . فلهذا لا يمكن أن يكون بين العقل الصحيح والنقل الصحيح تعارض بحال من الأحوال.
[ ١ / ٢٤ ]
ثالثًا – الرد عليهم في تقديم العقل على النقل في حال التعارض:
إن تقديم العقل على النقل في حال التعارض انحراف عن دين الله وفساد وهو باطل من عدة وجوه:
١ - أن الله تعالى أمرنا باتباع كتابه وسنة نبيه ولم يأمرنا باتباع العقل كما لم يجعل اتباع الكتاب والسنة مشروطا بموافقة العقل وقبوله للأمر، فمن قدم العقل على الشرع أو قيد قبوله للشرع بموافقة العقل فقد افترى على الله ﷿ وقيد كلام الله وأمره بقيد من عند نفسه.
٢ - أن تقديم العقل على النقل يؤدي إلى إبطال الشرع، وذلك أن العقول متفاوتة متباينة، وأصحابها أكثر الناس اختلافا، فيؤدي ذلك إلى أن كل صاحب مذهب منحرف وهدف سيئ يدعي أن الشرع مخالف لعقله فيبطل الشرع وتندرس معالمه.
٣ - أن من زعم أنه لا يقبل الشرع إلا إذا وافقه العقل فيه شبه من إبليس حيث رد الأمر بما يرى أنه حجة عقلية، فقد أمره الله تعالى بالسجود، فاحتج على ذلك بأنه خير من المسجود له لأنه خلق من نار وآدم خلق من طين فعارض الأمر بعقله فاستحق اللعن والإبعاد من رحمة الله.
٤ – إن الإيمان لا يثبت في القلب إلا بالتسليم والاستسلام للشرع، أما معارضته بالشبه العقلية وعرضه عليها فإن ذلك مورث للشك والحيرة، وهذا أمر معلوم مجرب، وقد صرح به كبار أئمة الكلام، حيث أكدوا أنهم قد أوقعوا أنفسهم في الحيرة والشك، الذي نسأل الله العافية لا مخرج منه، وذلك لأنهم قد هدموا يقينهم، وخلخلوا عقيدتهم بالشبه العقلية والمناهج الفلسفية.
[ ١ / ٢٥ ]
وفي هذا يقول محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي صنفه: "أقسام اللذات":
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعى العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ . ثم قال: "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"١.
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه "نهاية الأقدام في علم الكلام"
لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم "٢
وقال شمس الدين الخسر وشاهي وقد دخل عليه بعض الفضلاء يوما فقال: "ما تعتقد؟ قال: "ما يعتقده المسلمون" فقال شمس الدين: "وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ فقال الرجل: نعم. فقال شمس الدين: "اشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى اخضل لحيته".٣
فهذا فيه كفاية ومقنع لمن أراد الله هدايته.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية، ص: ١٩٢. ٢ نهاية الأقدام، ص: ٣. ٣ شرح الطحاوية ص١٩٢.
[ ١ / ٢٦ ]
ثانيًا – الصوفية.
الصوفية من الفرق البدعية التي تتفاوت بدع منتحليها، فمنهم من بدعته في الأوراد والأذكار، وقد يتعدون ذلك إلى الغلو في المشايخ ومن يسمون الأولياء، وقد يرفعونهم إلى مقام الربوبية والألوهية والعياذ بالله، وقد يزيدون على ذلك بما هو أشد كفرًا من ادعاء الحلول أو وحدة الوجود.
وقد اختلف أرباب هذه النحلة في تعريفها اختلافات كثيرة متفاوتة. والذي يظهر لي أن الصوفية جمعت أوضاعًا وأحوالًا متباينة يصعب معها إدراجها كلها تحت تعريف واحد بصفات متقاربة، لأنها نحلة تضم في أتباعها من لهم إنتماء صحيح إلى الإسلام مع البدعة، وفيهم من هو أشد كفرًا من اليهود والنصارى، وكلهم تحت هذا المسمى وهو التصوف. لهذا أرى أن يذكر تعريفًا يشمل ذلك كله بأن نقول: إن التصوف "مذهب أوله البدعة في الزهد والرياضات النفسية والأوراد والأذكار، ثم غلا المنتسبون إليه فيه حتى صار غايته لديهم المكاشفات ودعاوى الحلول ووحدة الوجود.
منهج الصوفية في الاستدلال لمسائل العقيدة:
الصوفية على الضد من المتكلمين، أولئك قدموا العقل، وهؤلاء لا يقيمون للعقل وزنًا، وإنما مصدرهم فيما ابتدعوه تقديمهم لما يسمونه الكشف ونحوه على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.
ومرادهم بالكشف: الإطلاع على مايغيب عن علمهم أو مايحتاجون إليه من الأمور الدينية أو حتى الدنيوية عيانًا أو سماعًا من قبل النبي ﷺ أو الخضر أو الهواتف أو الملائكة ونحو ذلك.١
_________________
(١) ١ مصادر التلقي عند الصوفية ص٢٠٧ بتصرف.
[ ١ / ٢٧ ]
فهذه الدعاوى التي يدعونها نأت وشطت بهم عن الكتاب والسنة، حيث لا يقيمون لا للكتاب ولا للسنة وزنًا في مقابل تلك الدعاوى الفارغة.
قال داود الكبير بن ماخلا: "لا تقنع قط بسمعت ورويت بل شهدت ورأيت".
وقال أبو الحسن الشاذلي: "علوم النظر أوهام إذا قرنت بعلوم الإلهام".
وقال إبراهيم الدسوقي: "ومقصودي لجميع أولادي أن يكونوا ذائقين لا واصفين، وأن يأخذوا العلوم من معادنها الربانية، لا من الصدور والطروس، فإن القوم إنما تكلموا عما ذاقوا"١
ومن هذا الجنس كلام الغزالي في الإحياء عن علوم الأنبياء والأولياء فيقول:"فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ".٢
الرد على الصوفية
الصوفية يستدلون على دعاويهم المخالفة للشرع بما يسمونه بالكشف.
وقد سبق أن بينا أن مرادهم بالكشف هو دعواهم أنهم يستندون على ما يؤيدون به دعاويهم المخالفة للشرع بما يبلغهم عن النبي ﷺ شفاها يقظة أو مناما أو الخضر ونحو ذلك.
وسنبين بطلان دعواهم فيما يزعمون في النقاط التالية:
_________________
(١) ١ مصادر التلقي عند الصوفية ص٢١٢. ٢ إحياء علوم الدين ٣/٢١.
[ ١ / ٢٨ ]
أولا: دعواهم رؤية النبي ﷺ يقظة.
دعوى رؤية النبي ﷺ يقظة دعوى مشتهرة عند الصوفية حيث يزعم كثير منهم الاجتماع به ﷺ يقظة، فمن ذلك قول الغزالي عن أرباب الأحوال: "حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا يقبسون منها فوائد".
وقال محمد العربي التجاني: "رؤيته ﷺ بعين الرأس في عالم الحس وما يتبعها من الأخذ عنه وسؤاله عما يعرض ومشاورته في الأمر ونحو ذلك كل ذلك ممكن عقلا ثابت نقلا"
وقال الشعراني: "سمعت عليا الخواص يقول: لا يكمل العبد في مقام العرفان حتى يجتمع برسول الله ﷺ.."
وقال الدباغ: "الذي هو أفضل وأعز من دخول الجنة فهو رؤية سيد الوجود ﷺ في اليقظة فهي أفضل من الجنة"١.
ومن ذلك أيضا ما ذكره علي حرازم عن شيخه أحمد التجاني أنه قال: "أخبرني سيد الوجود ﷺ يقظة لا مناما، قال لي: أنت من الآمنين وكل من رآك من الآمنين إن مات على الإيمان وكل من أحسن إليك بخدمة أو غيرها وكل من أطعمك يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب" ثم أجاز له ورده وضمن له أن من أخذ ذلك الورد التزمه وأحب التجاني ولم يسبه ولم يبغضه أنه في عليين. ٢.وغير ذلك.
ويدل على بطلان دعواهم رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته ما يلي:
_________________
(١) ١ مصادر التلقي عند الصوفية، ص: ٢٢٥-٢٢٧. ٢ جواهر المعاني في فيض التجاني ١/١٢٩.
[ ١ / ٢٩ ]
١ - أن ذلك يتعارض مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر٣٠] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران١٤٤]، كما يتعارض مع إجماع الصحابة على موته ﵊ وخاصة بعد خطبة أبي بكر ﵁ المشهورة: "من كان يعبد محمدا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"١.
٢ - أنها تتعارض مع الأحاديث التي تثبت بعثه ﵊ يوم القيامة وهي قوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع".٢ فمن ادعى أنه يراه يقظة فقد ادعى أنه بعث قبل يوم القيامة.
٣ - أن ذلك يؤدي إلى أنه ﵊ يحيا ويبعث من قبره مرات عديدة.
أما الاحتجاج بحديث "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" ٣، فهو احتجاج باطل لعدة أوجه:
أ- أن هذه حياة برزخية لا يعرف كنهها ولا كيفيتها فدعوى أنهم يلقونه ويجتمعون به يجعل ذلك من جنس الحياة العادية وذلك باطل.
ب - أن الوارد في الحديث أنه قال: في قبورهم فقيدها بذلك، فالحياة البرزخية تتقيد بذلك فدعوى أنهم أحياء بأجسادهم خارج قبورهم خلاف ما دل عليه الدليل.
_________________
(١) ١ مختصر سيرة ابن هشام، ص:٣١١ ٢ أخرجه مسلم في الفضائل: ١٥/٣٧ ٣ ابن عدي في الكامل ٢/٧٩٢ والبيهقي في حياة الأنبياء،ص: ١٥ وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/١٨٧، مصادر التلقي عند الصوفية، ص: ٣٤٦
[ ١ / ٣٠ ]
ج - أن هذه الحياة من جنس الحياة التي ذكرها الله ﷿ للشهداء ولا أحد يقول أن الشهيد يلقاه الناس بجسده خارجا عن قبره بناءًا على الحياة التي خص بها.
د - أنه لم يؤثر عن أحد من الصحابة ﵁ الالتقاء بالنبي ﷺ بعد موته مع شدة حاجتهم لذلك بسبب ما وقع بين بعضهم من الاختلاف وهم أصحابه وأنصاره وأصهاره ﵊.
٤ - استدلال الصوفية بأحاديث غير صحيحة في هذا مردود غير مقبول، وذلك مثل: "أنا أكرم على ربي أن يتركني في قبري بعد ثلاث" حديث غير صحيح قال عنه ابن حجر: "لا أصل له".١ أو رواية "إن الله لا يترك نبيا في قبره أكثر من نصف يوم" قال ابن عبد الهادي: "حديث منكر غير صحيح"٢ وكذلك سائر الروايات من هذا الجنس كلها أحاديث غير صحيحة كما صرح بذلك العديد من الأئمة فلا تقوم بها حجة.
ثانيا: رؤية النبي ﷺ مناما.
رؤية النبي ﷺ مناما أمر مشتهر عند الصوفية وهو مما يلصقون به كثيرا من دعاويهم وافتراءاتهم، ومن ذلك دعوى ابن عربي في مقدمة كتابه "فصوص الحكم" الذي ضمنه وحدة الوجود بأوضح صورها قال: "فإني رأيت رسول الله ﷺ في مبشرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرون ٣ وستمائة بمحروسة دمشق وبيده ﷺ كتاب فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت السمع والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمرمنا، فحققت
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٢٩٦ ٢ الصارم المنكى، ص: ٢٧١، مصادر التلقي ص: ٤١٤ ٣ هكذا كتبت في الكتاب.
[ ١ / ٣١ ]
الأمنية وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله ﷺ من غير زيادة ولا نقصان"١.
وكثيرا ما يعجز الصوفية عن إقامة الدليل على صحة دعوى من الدعاوى فيصححونها بالرؤى المنامية وهذا كثير جدا لديهم، فمن ذلك ما ذكر الصيادي أحد كبار الرفاعية في الاستدلال على صحة المولد أنه قال: "رأى أحد الصالحين النبي ﷺ فسأله عن قراءة المولد الذي يصنع من أجله فقال له: "من فرح بنا فرحنا به"٢.
وكذلك إذا أرادوا تعظيم أحد أو بقعة زعموا ذلك أيضا فمن ذلك ما ورد عن الشيخ محمد البجلي أنه قال: "رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: "وقوفك بين يدي ولي الله كحلب شاة أو استواء بيضة خير لك من أن تعبد الله حتى تتقطع إربا إربا" ٣.
ومن ذلك أن أحد مشايخ الرفاعية رأى في المنام خياما عظيمة على الطريق فسأل لمن هذه الخيام فقالوا: هذه لرسول الله ﷺ فدخل إليه وسلم عليه وقال: يا رسول الله إلى أين هذه الرحلة المباركة. فقال: "إلى قرية أم عبيدة ٤ لزيارة أحمد بن أبي الحسن الرفاعي"، ثم ذكر أيضا أن الكعبة أيضا جاءت تزور قبر الرفاعي فقام الرجل من نومه وهب ينادي في الناس ويحثهم على المبادرة إلى المسير إلى قرية الرفاعي حيث الرسول ﷺ والكعبة زائرون" ٥.
فهذه الدعاوى وغيرها كثير مما هو ديدن الصوفية يدل على أنهم اتخذوا دعاوى المنامات وسيلة للتشريع أو إباحة ما حرم الله ﷿.
_________________
(١) ١ فصوص الحكم، ص: ٤٧. ٢ الرفاعية لعبد الرحمن، ص: ٢٠٤. ٣ الرفاعية، ص: ٢٠٨. ٤ وهي قرية في العراق بين واسط والبصرة دفن فيها أحمد الرفاعي. ٥ الرفاعية ص١٢٣.
[ ١ / ٣٢ ]
بيان بطلان دعاوى الصوفية في المنامات
رؤية النبي ﷺ قد ورد فيها أحاديث صحيحة منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي" قال ابن سيرين: "إذ رآه في صورته". وعند مسلم زيادة: "أو فكأنما رآني في اليقظة". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني" ١.
فرؤية النبي ﷺ هي من ضمن المبشرات التي ذكر الرسول ﷺ كما في البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة" ٢.
فرؤيته ﷺ على حالة تسر المسلم أو يأمره بخير مما شرعه أو ينهاه عن شر مما نهى عنه فهذا حق يجب اتباعه اتباعا للشرع. ويكون الرؤيا المنامية دعوة خاصة أو بشارة خاصة. أما دعاوى الصوفية في الرؤيا والمنامات المخالفة للشرع فإنها باطلة مردودة على أصحابها لعدة أمور:
١ أن الرؤى والمنامات ليست حجة شرعية يمكن أن يثبت بها أمر شرعي فلم يرد في الكتاب ولا في السنة اعتبارها حجة وإنما هي تبشير وتنبيه، قال المعلمي في "التنكيل": "اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية" ٣.
٢ لا يمكن أن يأمر النبي ﷺ بخلاف شرعه الذي شرع، فمن ادعى أنه رأى رؤيا فيها خلاف شرع النبي ﷺ إما أن يكون كاذبا أو مخطئا في دعواه أن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ١٢/٤٠٠. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١٢/٣٩١. ٣ التنكيل ٢/٢٤٣.
[ ١ / ٣٣ ]
من رآه هو النبي ﵊.
٣ أن النائم ليس في حالة من يمكن تثبته من القول الذي يقال له فبا لتالي لا يمكن أن يعتبر قوله في مقابل الشرع الثابت ومساوي له، قال النووي ﵀: "حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون مستيقظا لا مغفلا ولا سيئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه" ١.
٤ إثبات أذكار وأوراد وأمور متعلقة بالشرع بالمنامات والرؤى فيه طعن في الشرع بوصفه بالنقص وأنه احتاج إلى التكميل بتلك الدعاوى المرتبطة بالرؤى.
٥ أن جل الرؤى والمنامات المتضمنة لدعاوى مخالفة للشرع هي من باب تفصيل أوراد الطرق أو مشايخهم، وهذا كله يظهر أن للنفوس من وراء ذلك حظوظا ومقاصد خاصة برفعة الرائي لنفسه أو رفعة شيخه أو طريقته أو ما إلى ذلك، وهذا كاف في إبطال وردّ الدعاوى المتضمنة لذلك.
رؤية الخضر عند الصوفية ودعاويهم في ذلك:
يدعي كثير من الصوفية وغيرهم أن الخضر حي، وأنه يلقى بعض الناس من مشايخهم فيستفيدون منه فوائد شرعية جلها فيما يزعمون من جنس ما يعزونه إلى قول النبي ﷺ لهم يقظة بعد موته أو منامًا.
ومن تلك الدعاوي ما ذكر عبد الخالق الغجدواني النقشبندي: أن الخضر لقنه الوقوف العددي، وعلمه الذكر الخفي، وهو أنه أمره أن ينغمس في الماء ويذكر
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي ١/١١٥.
[ ١ / ٣٤ ]
الله بقلبه لا إله إلا الله محمد رسول الله ففعل كما أمر وداوم عليه فحصل له من الفتح القويم والجذبة القيومية".
وذكر أبو العباس المرسي: بأنه اكتسب من الخضر معرفة أرواح المؤمنين بالغيب هل هي معذبة أو منعمة؟! .
ومنهم من يروي عن الخضر عن النبي ﷺ، فمن ذلك ماروى الأيوبي المتوفى سنة١٣٦٤هـ بسنده عن الخضر قال، قال رسول الله ﷺ: "إذا رأيت الرجل لجوجًا معجبًا برأيه فقد تمت خسارته".
وهذا كله مبني على ثلاثة أشياء: أن الخضر حي، وأنه يتصل بالناس، وأن من اتصل بهم هو الخضر.
أما أن الخضر حي فلم يدل دليل صحيح على حياته عن النبي ﷺ. هكذا قال ابن حجر وابن كثير وغيرهم ١.
كما أن مايروى من الأخبار والآثار في لقائه لبعض الصحابة أو الأخيار فهي آثار ضعيفة وواهية ولا يسلم واحد منها من الطعن.
قال ابن المنادي: "وجميع الأخبار في ذكر الخضر واهية الصدور والأعجاز، ثم قال: وأكثر المغفلين مغرور بأن الخضر باق والتخليد لا يكون لبشر. قال ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ .٢
ودعوى حياة الخضر منقوضة بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء٣٤] . وكذلك قوله ﷺ - كما في حديث ابن عمر وجابر رضي الله
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١/٣٠٨، فتح الباري ٦/٤٣٤، وقد أطال عنه في الإصابة. والذي يظهر توقف ابن حجر فيه ٤/١٠٠. ٢ الموضوعات لابن الجوزي ١/١٩٩.
[ ١ / ٣٥ ]
عنهما: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد".١، وقوله ﵇: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض".٢ ولو احتج محتج بأن هذا العموم مخصوص بإبليس والدجال وكذلك عيسى بن مريم، فإن الرد عليه بأن يقال هؤلاء خصصهم النص الصحيح، أما الخضر فلم يرد فيه نص صحيح عن المعصوم ﵊.
٢ - أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمرن٨١] .قال ابن عباس ﵁: "مابعث الله نبيًا إلا أخذ الله عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه". أخرجه البخاري.ولم يثبت أنه لقي النبي ﷺ ولا جاء إليه كما سبق ذكره عن العديد من علماء الحديث.
٣ - إن الخضر اختلف في اسمه إلى ما يقرب من ثلاثة عشر قولا، وفي اسم أبيه كذلك، واختلفوا هل هو ملك أم إنسان وهل هو نبي أم ولي وهل هو حي مخلد أم أنه مات، كما اختلف الصوفية فيه هل هو شخص حقيقي أم مثال يتمثل لهم أم أنه مقام، بمعنى أن أحد الناس يرتقي في الولاية حتى يبلغ هذا المقام فيصبح يظهر للناس على أنه الخضر.
٤ - إن رؤية الخضر ليست متحققة لكل أحد، وإنما يظهر للبعض ولا يظهر للبعض، فلو كان إنسانًا فما الذي حجبه عن الناس، وجعل رؤيته خاصة بمن ادعى ذلك أو ادعي له ذلك؟! فهذا يدل على أن مايتراءى للناس في هذا إنما هو شيطان كذب عليهم في هذا وادعى ما ادعى تلاعبًا واحتيالًا. وهذا كله يدل على
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/٢٥٥ باب السمر في العلم. ٢ صحيح مسلم مع شرح النووي ١٢/٨٤ كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر.
[ ١ / ٣٦ ]
أن الخضر ليس حيًا، وادعاء ذلك ليس مبنيًا على شيء ثابت في الشرع، بل في الشرع مايرده ويبطله.
كما أنا لو سلمنا جدلًا بحياته، فإن كل دعوى يدعيها الصوفية فيه، أو أنها أخذت عنه مما يخالف الشرع مردود على مدعيه، ولو كان الخضر بما يلي:
١ - أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يأمرا بالرجوع إلى الخضر أو غيره سوى كلامه جل وعلا، وسنة نبيه ﵇، وسنة خلفائه الراشدين وإجماع المسلمين.
ولانجد في شيء من الشرع الرجوع إلى كلام الخضر والاستفادة منه بشيء مما يخالف الشرع. حتى المسيح ﵇ حين منع الجزية إنما ذكر ذلك النبي ﷺ، وكأنه إنما حرمها بإباحة الشارع له ذلك.
٢ - أنه لوكان حيًا فإنه سيكون فردًا من أفراد أمة محمد ﷺ، ولايسعه الخروج عن شريعة النبي ﵇، لعموم رسالة النبي ﷺ للجن والإنس. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨] .وقوله ﷺ: "لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي". ١
كما أن من ادعى حياته إنما كما روي عنهم أنهم تراءى لهم شخص، فإما قال لهم أنه الخضر، أو وقع في خلدهم أنه الخضر.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده ٣/٣٨٧، وابن أبي عاصم في السنة مختصرًا، وقال الألباني في التعليق عليه: حديث حسن. انظر السنة ١/٢٧.
[ ١ / ٣٧ ]
وكل ذلك لا يصلح مستندًا لإثبات أنه الخضر. فادعاء شخص أنه الخضر لا يثبت ذلك مع الموانع المذكورة سابقًا، وما وقع في الخلد والظن لا يعدو أن يكون حدسًا وظنًا، وذلك لا يمكن أن يعارض به الأمور المتيقنة والمعاني الشرعية العامة.١
_________________
(١) ١ ينظر في ذلك كله: البداية والنهاية ١/٣٠٨،وابن الجوزي في كتابه الموضوعات ١/، فتح الباري ٦/٤٣٤، والزهر النضر في نبأ الخضر ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، الإصابة، مصادر التلقي عند الصوفية ص٢٥١.
[ ١ / ٣٨ ]
ثالثًا: الرافضة
الرافضة من الشيعة الذين يغلون في حب علي وآل بيته، ويقدمونهم على سائر الصحابة ويعتقدون الإمامة في اثني عشر إماما من أولاد علي،ويطعنون في الصحابة، بل يكفرونهم.
والرافضة كما هو معلوم فرقة من شر أهل البدع وأسفههم مقالًا، فلا عقل لهم يعتمدون عليه ولا شرع، حيث يزعمون الإمامة لإثنى عشر رجلا من آل البيت لم يتول منهم الإمامة فعلا إلا علي ﵁ والحسن مدة ستة أشهر، ثم تركها وتنازل عنها، كما يزعمون عصمة أولئك الأئمة، وأنهم مشرعون يوحى إليهم، إلى غير ذلك من ترهاتهم وأكاذيبهم.
كما يطعنون في القرآن الكريم ويردون السنة كلها، ويبغضون أصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته وسائر أئمة الدين، ولهم بدع ومقالات لا تكاد تلتقي مع المسلمين. وهم في توحيد الألوهية مشركون يعبدون القبور ويدعون أصحابها ويستغيثون بهم ويطوفون بقبورهم. ١
وهم في الصفات والقدر مثل المعتزلة ينفون الصفات وينفون القدر.٢
منهج الرافضة في الاستدلال
الرافضة أصحاب هوى فقد ادعوا دعاوى ليس لها أصل في الكتاب أو السنة، وبنوا عليها مذهبهم الذي يعود في أصله إلى دعوى الإمامة وتكفير الصحابة، فاخترعوا لذلك الأكاذيب الطويلة العريضة يدعمون فيها دعواهم.
وعمدة مذهبهم على الروايات المكذوبة المنسوبة إلى علي ﵁ وآل
_________________
(١) ١ انظر كشف الأسرار للخميني ص: ٤٩ ٢ حق اليقين في معرفة أصول الدين لعبد الله شبر الرافضي ١/٥٨
[ ١ / ٣٩ ]
البيت الذين يزعمون إمامتهم، وحتى يحيطوا تلك الروايات بالتعظيم والقبول والإجلال ادعوا عصمة أئمتهم وأوليائهم.
قال المفيد من علماء الروافض المتقدمين: "إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء وأنهم لا يجوز منهم صغيرة – إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء وأنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين ولا ينسون شيئا من الأحكام"١.
وقال محمد المهدي الحسين: "وأقل ما يجب اعتقاده في الإمام وأحواله وصفاته أنه إمام مفترض من الله طاعته وحجيته وأنه جامع لصفات الإمامة وأنه أفضل الخلق إيمانا".
ويقول الزنجاني في كتابه "عقائد الإمامية الإثنى عشرية": "ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولة إلى الموت عمدا وسهوا كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي ﷺ والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق"٢.
نقض دعوى الروافض في عصمة أئمتهم:
الروافض يستقون ديانتهم ممن يزعمون عصمتهم من الأئمة الإثنى عشر لديهم، وهذه دعوى منقوضة بأدلة عديدة:
١ - أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يأمرا إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فليس فيه نص صحيح بالرجوع إلى الأئمة الاثنى عشر.
_________________
(١) ١ أوائل المقالات ص: ٧٦-٧٧. ٢ إبراهيم الموسوي الانجاني، عقائد الإمامية الإثنى عشرية، ص: ١٧٩.
[ ١ / ٤٠ ]
٢ - أن دعوى الإمامة وإمامة الإثنى عشر تحتاج إلى أدلة صريحة لإثباتها، وليس في ذلك أدلة في هذا سوى دعاوى لا دليل عليهم، أو روايات مكذوبة على النبي ﷺ أو على أئمتهم.
٣ - أن دعوى عصمتهم منقوضة بروايات عديدة وأحوال كثيرة مما ورد عن علي ﵁ والحسن والحسين، يكفي منها تمني علي ﵁ الموت لما رأى الناس تتقاتل يوم الجمل، وقال لابنه الحسن: "يا ليت أباك مات قبل عشرين عامًا. وقد تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، فلو كان إمامًا حقًا فكيف يتنازل، وليس جيشه وقتها بأقل من جيش معاوية، فإما أن يكون تنازله حقًا فتنتقض دعوى الإمامة، وإما أن يكون تنازله باطلًا فتنتقض دعوى العصمة.
والحسين بن علي لما أحاطت به جيوش الأمويين طلب منهم أحد أمور ثلاثة: إما أن يترك يعود من حيث خرج، أو يذهب إلى ثغر من ثغور المسلمين يقاتل حتى يقضي الله فيه ما شاء، وإما أن يتركوه يذهب إلى يزيد حتى يضع يده في يده ويرى فيه رأيه، فأبوا عليه ذلك فقاتل حتى قتل ﵁.
فكل هذه الأمور ليس فيها ما يشير إلى الإمامة أو الاستمرار في طلبها، فإن كان محقًا في الخروج؟ فطلب الإقالة يكون خطأً يتنافى مع العصمة،وإن كان مخطئًا في الخروج فذلك يتنافى مع دعوى الأحقية بالإمامة.
٤-أن أئمتهم المزعومين لم يتحقق بهم لا خير ولا شر،ولا حاجة لدعوى العصمة فيهم، لإنهم لم يتول منهم سوى علي ﵁ لمدة خمس سنوات،كلها حروب وفتن منذ توليه إلى قتله ﵁. والحسن تولى لمدة ستة شهور فقط، أما البقية فلم يتول أحد منهم شيئًا من الولاية، لا الإمامة العظمى ولا ما دونها ولا حتى الإمامة في الدين، بحيث كان مرجعًا للمسلمين في الفتوى والعلم، بل العديد منهم لا يعرف بشيء من العلم والبروز فيه،فبالتالي دعاوى العصمة التي يدعيها الرافضة لأئمتهم حتى يقيموا للناس الدين والملة دعاوى لا وجود لها في الواقع ولا قيمة لها.
[ ١ / ٤١ ]
٥- أن ما يدعون من الإمامة والعصمة للأئمة متحقق بالنبي ﷺ وذلك كاف للأمة، وليس للأمة حاجة في عصمة أحد غير الرسول ﷺ وسلامة كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فدعوى العصمة لكل أحد بعد ذلك لا حاجة إليها.
وبهذا كله يتبين بطلان دعاوى أهل الباطل بتقديم آرائهم وأهوائهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وأن هذا التقديم مجرد اعتداء وافتراء على الله ورسوله، وهو الذي أورث أصحاب تلك المقالات ذلك الانحراف والبعد عن دين الله جل وعلا.
[ ١ / ٤٢ ]
منهج السلف
منهج السلف في الإيمان
سبق بيان أن السلف ينطلقون في عقيدتهم من الشرع يؤصلون ويفرعون عليه، فليس لهم التفات إلى غيره.
ومن المسائل التي ستكون ضمن البيان في هذه الدروس مسائل في الإيمان منها مسألة تعريف الإيمان وحقيقته، وزيادته ونقصانه وتفاوت أهله فيه:
أولا: تعريف الإيمان وحقيقته:
الإيمان هو مسمى ديني شرعي ورد تكراره كثيرا في القرآن سواء من ناحية اسم المصدر مما يحدد حقيقته أو من ناحية أهله الذين يطلق عليهم فيحدد حكمهم ومآلهم.
والسلف نظروا هذا اسم الإيمان فوجدوا أن اسم الإيمان أطلق على أمور عديدة في الشرع،بل إنهم رأوا من خلال استخدام الشارع لهذا الاسم أنه أدخل ضمنه جميع أعمال الدين التعبدية سواء ما كان منها متعلق بالقلب أو اللسان أو الجوارح لا فرق في ذلك، فلهذا قالوا إن اسم الإيمان يشمل جميع الطاعات الباطنة والظاهرة الواجبة والمندوبة،وأن كل طاعة مما أمر الله ﷿ به فهي إيمان.
قال ابن عبد البر في "التمهيد": "أجمع أهل الحديث والفقه على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانا".١
_________________
(١) ١ التمهيد ٩/٢٣٨.
[ ١ / ٤٣ ]
وقال القاضي أبو يعلى: "وأما حده في الشرع فهو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة".١
وهذا هو ما عبر عنه السلف في تعريفهم للإيمان بقولهم: الإيمان قول واعتقاد وعمل. فالمراد بالقول قول اللسان وأعمال اللسان وما يقوم به من الطاعات من ذكر الله تعالى وقراءة القرآن والدعوة إلى الله ونحوه. والمراد بالاعتقاد ما يقوم بالقلب من تصديق الله ﷿ ورسوله فيما أخبر واليقين بذلك ويدخل فيه أعمال القلوب من الحب والخوف والرجاء وسائر أنواع الطاعات المتعلقة بالقلب. والعمل يراد به أعمال الجوارح التي يتعلق بها الأعمال الدينية كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك. وقد يراد بالعمل عمل القلب فيشمل جميع الطاعات المتعلقة بالقلب، وعمل الجوارح والمقصود بها الأعمال المتعلقة بالجوارح.
والأدلة على ما قرره السلف كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة١٤٣] والمراد بالإيمان هنا هو الصلاة إلى بيت المقدس، لأن سبب نزول الآية أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة كان هناك أناس من الصحابة ماتوا قبل تحويلها فلم يدروا ما يقولوا فيهم فأنزل الله ﷿ هذه الآية.٢
ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [.الحجرات١٥]
_________________
(١) ١ مسائل الإيمان ص١٥٢. ٢ صحيح البخاري، كتاب الإيمان ١/١٣
[ ١ / ٤٤ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [.الأنفال٢، ٣] .
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون١ - ٤]
أما الأدلة من السنة فهي كثيرة جدا منها:
حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان".١
وحديث وفد عبد القيس وجاء فيه قوله ﷺ: "آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم".٢
وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا".٣
وقال عمار بن ياسر ﵁: "ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان، الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار".٤
_________________
(١) ١ البخاري، الإيمان ١/٦٨، ومسلم، الإيمان ١/٤٦. ٢ البخاري، الإيمان ١/١٦ ومسلم، الإيمان ١/٤٦ ٣ حم ٢/٣٥٠ والترمذي في الرضاع ٣/١٦٦ وقال حسن صحيح. ٤ ذكره البخاري تعليقا، الإيمان ١/٧٧
[ ١ / ٤٥ ]
ثانيا: زيادة الإيمان ونقصانه
أجمع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [.الأنفال٢]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [.التوبة١٢٤]
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [.الفتح٤
وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [.المدثر٣١]
ومن السنة حديث معاذ بن أنس الجهني عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه".١
وحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال عن النساء: "وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن"، قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلى، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين".٢
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٣/٤٣٨ والترمذي في صفة القيامة وقال حديث حسن ٤/٦٧٠ ٢ مسلم، الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات ١/٨٦
[ ١ / ٤٦ ]
وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵊ قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".١
ومن الآثار عن الصحابة في هذا شيء كثير منها:
ما روي عن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه".٢
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: "قم بنا نزداد إيمانا". وروى نحوه عن معاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة.٣
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم زدني إيمانا ويقينا وفقها".
وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: "إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم يننتقص، وأن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه".
والروايات في هذا كثيرة عن سائر الأئمة من كل طبقة، قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله تعالى: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص "٤
_________________
(١) ١ مسلم، الإيمان، رقم ٤٩ ٢ الشريعة ١/٢٦١ والإيمان لابن أبي شيبة ص:٧ ٣ انظر الإيمان لابن أبي شيبة ص: ٣٥ ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/١٧٦
[ ١ / ٤٧ ]
فهذه النصوص وغيرها كثير تدل على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة ونقصه بالمعصية وتقع الزيادة والنقصان على ما في القلب والجوارح.
فالإيمان المتعلق بالقلب من اليقين والحب والتعظيم والخوف من الله ﷿ وكذلك سائر الأعمال القلبية تزداد وتنقص. وكذلك الإيمان المتعلق بالجوارح من الصلاة والزكاة والحج وسائر الأعمال كلما زادت زاد الإيمان وإن نقصت نقص الإيمان.
وإن ارتكب المسلم شيئا من المحرمات نقص إيمانه الذي في قلبه من حب الله واليقين بلقائه وتعظيمه والخوف منه كما أنه نقص إيمانه بارتكابه ما حرم الله ﷿ عليه، والنقص للإيمان القلبي وكذلك الزيادة شيء طردي بمعنى أن الطاعة تزيد في إيمان القلب، وإيمان القلب يبعث الجوارح على العمل.
وكذلك المعصية تضعف إيمان القلب والقلب يضعف عمل الجوارح، وهذا شيء يدركه الإنسان المسلم المنتبه لآثار أعماله، فإنه إذا أطاع الله تعالى فإنه يشعر بقوة الرغبة فيما عند الله والحب له وانشراح الصدر للازدياد من الطاعات وكذلك إذا أخل بواجب أو عصى الله ﷿ فإنه يشعر بضعف إيمانه ويقينه وضعف رغبته فيما عند الله تعالى، كما يؤثر ذلك أيضا على انبعاثه للطاعات فلا يجد نفسه مقبلا عليها راغبا فيها بسبب معصيته، كما أنه سيشعر بضعف في مقاومة المفاسد والمعاصي وقد يقع فيها مرة بعد مرة إذا لم يتداركه الله برحمته وهدايته. وهذا مصداق ما روي عن عبد الله مسعود ﵁ قال: "إن الرجل ليذنب الذنب فينكت في قلبه نكتة سوداء ثم يذنب الذنب فتنكت أخرى حتى يصير لون قلبه لون الشاة الربداء".١،وما روي عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى قال: "ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله".٢
_________________
(١) ١ الربداء لون بين السواد والغبرة. وأخرج الأثر ابن أبي شيبة في الإيمان ص: ٦، وقال الألباني صحيح الإسناد.٦ ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٩٥٦
[ ١ / ٤٨ ]
ثالثًا: أن إيمان المؤمنين متفاوت.
بما سبق ذكره من الأدلة يتبين أن الإيمان شعب وأجزاء وأنه يزداد بالطاعة وينقص بالمعصية فبالتالي أهله فيه متفاوتون، منهم من هو في أعلى المقامات تصديقا ويقينا وعملا وهؤلاء هم الأنبياء ﵈، هم أعلى بني أدم إيمانا وخشية وتقى وعملا، قال ﷺ: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا".١ ثم من بعد النبيين ﵈ يأتي الصديقون ثم الأمثل فالأمثل من الأمة.
ومن الأدلة الدالة على تفاوت المؤمنين في الإيمان ما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: "بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين".٢
وعن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا".٣
وعن عمرو بن شرحبيل عن النبي ﷺ قال: "إن عمار ملئ إيمانا إلى مشاشه".٤
وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب الرسول ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل".٥
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ١/٨٩. ٢ صحيح البخاري ١/٧٤ ٣ ابن أبي شيبة في الإيمان، ص:٨، وصححه الألباني. ٤ مشاشه هي رأس العظام كالمرفقين والكفين والكتفين، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان وصححه الألباني ص: ٣١ ٥ البخاري ١/٨٧
[ ١ / ٤٩ ]
وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: "إن الإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أنا مت قبل ذلك فما أنا على صحبتكم بحريص".١
فهذه النصوص تبين أن أهل الإيمان والتقوى متفاوتون في إيمانهم، سواء فيما وقر في قلوبهم أو بما يقومون به من أعمال الإيمان.
كما أن الإيمان ينقص لدى أهل المعاصي، حتى ما يبقى منه إلا مثل حبة خردل كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياة أو الحياء – شك مالك- فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية".٢
وروى ابن أبي عاصم عن ميمون بن مهران أنه رأى جارية تغني فقال: "من زعم أن هذه على إيمان مريم بنت عمران فقد كذب".٣
وقال سفيان بن عيينة عن الإيمان: "قول وعمل وقال: يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار بيده ثم قال بعد أن ذكر خصال الإيمان والدين: فمن ترك خلة من خلل الإيمان جاحدا كان بها عندنا كافرا ومن تركها كسلا وتهاونا أدبناه، وكان بها عندنا ناقصا، هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس".٤
_________________
(١) ١ البخاري ١/٦٦، ابن أبي شيبة ص: ٤٥ ٢ البخاري ١/٧٤ ٣ الإيمان لابن أبي عاصم ٧٠ ٤ الشريعة للآجري ١/٢٤٩
[ ١ / ٥٠ ]
الآثار المترتبة على منهج السلف في الإيمان وثمراته
إن التزام الكتاب والسنة يوصل المسلم إلى بر السلامة وشاطئ الأمان في جميع شؤونه،لأن الخير منوط بهما والشر بالإعراض عنهما وابتغاء الهدى في غيرهما.
وإن لالتزام السلف بالكتاب والسنة ثمرات وأثار عظيمة دنيوية وأخروية وسنشير في عجالة مختصرة إلى أثار وثمرات منهج السلف في الإيمان وهي:
١ - الالتزام بالتحديدات الشرعية في المسألة.
من آثار منهج السلف في الإيمان هو الارتباط بكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ في هذه المسألة العظيمة. وهذا له أهمية كبرى من ناحية تعظيم كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وابتغاء الهدى منهما، كما أن في الوقوف على مراد الشارع في المسألة عصمة من الوقوع في مناقضة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ في الأمور المترتبة على المسميات الشرعية في العقائد والأحكام. وأيضا فإن الوقوف على مراد الشارع في ذلك فيه أجر عظيم لأن ذلك من تدبر كلام الله والتفقه في دين الله الذي أُمر به المسلم.
٢ - فتح باب التنافس في ارتقاء درجات الإيمان للوصول إلى أعلى الجنان.
إن اعتقاد السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية يفتح الباب واسعا للتنافس المحمود بين أهل الإيمان لأنه كلما ازداد طاعة كلما ازداد إيمانا وكلما ازداد إيمانا ازداد إقبالا على الخير والطاعة وبالتالي ازداد رفعة وقربا من خالقه جل وعلا وهذا ما وصف الله ﷿ به عباده الصالحين، قال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء٥٧] وقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
[ ١ / ٥١ ]
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر٢٢] .
٣ - تنزيل الناس منازلهم وعدم التسوية بين المؤمنين والفجار.
إن من الآثار المترتبة على قول السلف في الإيمان عدم المساواة بين الناس في الإيمان، فلا يساوى العبد الصالح التقي بالعبد الفاجر الفاسق. فعدم المساواة بينهما من العدل الذي يحبه الله ﷿، أما المساواة بينهما فهو من الظلم الذي نفاه الله تعالى عن نفسه، قال جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية٢١] وقال جل وعلا: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص٢٨]
٤ - عدم فتح باب التمني والرجاء الكاذب للعصاة بظنهم أنهم أهل الإيمان الداخلون فيما وُعد به المؤمنون.
إن العصاة لا يصح أن يقال عنهم بإطلاق إنهم مؤمنون، لأن وصف الإيمان اسم مدح رتب الله ﷿ عليه دخول الجنة.قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة٧٢] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد١٢] والعصاة ليسوا من أهل هذا الوعد بل هم تحت المشيئة.
والسلف يمنعون أن يوصف العصاة بالإيمان المطلق فلا يقال عنهم مؤمنون بإطلاق وإنما يقال عن العاصي مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أومؤمن عاص. وذلك حتى لا يظن في نفسه أو يغرر به الشيطان أنه من أهل الوعد مع أن حقيقته أقرب إلى الوعيد بسبب عصيانه وانحرافه، وهذا له دور كبير في تنبيه العاصي وتخويفه لعله يقلع عن ذنبه ويثوب إلى رشده ويستقيم على أمر ربه.
[ ١ / ٥٢ ]
٥ - إثبات أصل الإيمان للعصاة وتصحيح إسلامهم وعدم تكفيرهم.
العصاة لهم إيمان وهم مسلمون، وفسقهم لا ينافي إسلامهم، وقول السلف في
الإيمان يثبت لهم ذلك، وذلك أمر مهم جدا حتى يندرجوا في عداد المسلمين وتصح أيضا عباداتهم وقرباتهم التي أتوا بها على وجه صحيح لأن فسقهم بناء على قول السلف لم يخرجهم من الإيمان ولا يصح أن يحكم عليهم بالكفر بسببه.
٦ - فتح باب الرجاء للعصاة وعدم تقنيطهم من رحمة الله ﷿ لوجود أصل الإيمان معهم.
من آثار مذهب السلف أنه يفتح باب الرجاء في رحمة الله تعالى للعصاة،وأنه لا يقنطهم من رحمة الله ﷿، وهذا له دور كبير في أن الفاسق يشعر بأنه غير مطرود وأن حباله ممدودة وأن سبل نجاته متيسرة وما عليه إلا أن يحطم أغلال هواه وينتشل نفسه من أسر شيطانه فيسلك سبيل الصالحين، ويدرج على خطى المؤمنين ليكون من عباد الله المتقين الفالحين.
[ ١ / ٥٣ ]
مناهج المخالفين في الإيمان
اولًا: المرجئة
مناهج المخالفين في الإيمان
خالف السلف في الإيمان فرقتان: المرجئة والوعيدية. وسنبين ما يتعلق بكل فرقة منها:
أولا: المرجئة
المرجئة: وصف أطلق على كل من آخر العمل عن الإيمان ولم يدخله في مسماه.
وكلمة المرجئة مشتقة من الإرجاء وهو على معنيين:
المعنى الأول: الإرجاء بمعنى التأخير.
المعنى الثاني: الإرجاء بمعنى إعطاء الرجاء.
ويصدق هذا الوصف على المرجئة بكلا المعنيين، لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، كما أنهم يعطون الرجاء للفاسق، وفي هذا الأخير يتفق من لم يكن غاليا منهم مع السلف الذين يقولون إن الفاسق تحت المشيئة كما سنبين.
والمرجئة فرق عديدة ينقسم قولهم في الإيمان إلى قسمين:
القسم الأول: قولهم في مسمى الإيمان وتعريفه وهل العمل داخل في مسماه أم لا؟
القسم الثاني: قولهم في وجوب العمل.
وسنذكر موقفهم من كل قسم فيما يلي:
[ ١ / ٥٤ ]
أولا: قول المرجئة في مسمى الإيمان وتعريفه:
المرجئة عموما أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان ولهم في تعريف الإيمان أقوال هي:
١ - الجهمية: أتباع الجهم بن صفوان الذي كان يزعم أن الإيمان هو معرفة القلب، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فيه أهله.١
٢ - الأشاعرة والماتريدية: قالوا إن الإيمان هو التصديق القلبي،ومنهم من قال إنه لا يزيد ولا ينقص كالباقلاني والجويني والرازي وعليه أكثر الماتريدية.٢
ومنهم من قال: إن التصديق القلبي يقبل الزيادة والنقصان من حيث القوة والضعف لوضوح الأدلة والبراهين عليه وقال بهذا الأيجي والغزالي.٣
٣ - أبو حنيفة وأصحابه: قالوا الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان وهو لايزيد ولا ينقص. ووافقهم في هذا بعض الماتريدية.٤
٤ - الكرامية: قالوا إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب. ٥
فهذه الأقوال المشهورة في الإيمان وزيادته ونقصانه.
فجميع هذه الطوائف أخرجت العمل من مسمى الإيمان،فبالتالي أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه، ومن قال بالزيادة والنقصان فإنما نظر إلى أن تصديق القلب يقوى ويضعف بقوة الأدلة ووضوح البراهين،وهذا وإن كان وجها في الزيادة
_________________
(١) ١ مقالات الإسلامين ١/٢١٤ ٢ التمهيد للباقلاني، ص: ٣٨٨، الماتريدية ص: ٤٥٣، الإرشاد للجويني، ص:٣٣٥، المحصل للرازي، ص: ٥٧٠ ٣ الملل والنحل للشهرستاني ١/٨٨، أصول الدين للبغدادي، ص: ٢٥٢، الاقتصاد في الاعتقاد ص:١٤١، قواعد العقائد ص: ٢٣٦، ٢٦٣، المواقف للأيجي ص:٣٨٨، مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص:٣٩٩ ٤ الفقه الأكبر ص:٧٠، أصول الدين عند أبي حنيفة ص: ٣٥٤ ٥ مقالات الإسلامين ١/٢٢٣
[ ١ / ٥٥ ]
والنقصان في الإيمان إلا أنه ليس هو المقصود فقط في كلام السلف بل الزيادة والنقصان في كلامهم تقع على ما في القلب والجوارح.
أدلة المرجئة على إخراج العمل عن مسمى الإيمان.
يجمع المرجئة القول بعدم دخول الأعمال في الإيمان، لهذا أدلتهم منصبة على ما يدل على أن الإيمان في القلب دون الجوارح ومن أهم أدلتهم:
١ - أن الإيمان في اللغة هو التصديق، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف١٩] أي بمصدق لنا، وما دام الإيمان في اللغة التصديق فهو كذلك في الشرع. وهذا أهم أدلتهم، وهو عمدتهم في عدم دخول العمل في الإيمان.١
٢ - أن الله فرق بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة مثل: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر١، ٢] وقالوا: العطف يقتضي المغايرة.٢
٣ - أن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان قبل أن يوجب عليهم الإعمال في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة١٨٣] .
الرد على استدلالات المرجئة:
١ - الرد على استدلال المرجئة باللغة:
إن الاستدلال باللغة غير صحيح لعدة أسباب:
أ - أن لفظ التصديق ليس مرادفا للفظ الإيمان لما يلي:
_________________
(١) ١ انظر: التمهيد للباقلاني ص٣٤٦، أصول الدين للبغدادي ص٢٤٧، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص٤٦. ٢ انظر: شرح الفقه الأكبر ص٧٢، والأيجي في المواقف ص٣٨٥، تحفة المريد ص٤٦.
[ ١ / ٥٦ ]
١ - أن لفظ الإيمان يتعدى باللام مثل "بمؤمن لنا" و"آمن له لوط" ويتعدى بالباء مثل "آمنا بالله"، أما لفظ التصديق فلا يتعدى باللام إلا نادرا وإنما يتعدى بنفسه مثل "صدقه" أو بالباء مثل "صدق به".
٢ - أن لفظ الإيمان يقابله لفظ الكفر فيقال "أمن به وكفر به" بخلاف لفظ التصديق فإنه يقابله لفظ التكذيب فيقال "صدقه وكذبه".
٣ - أن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، فيقال "آمن بالله وآمن بالملائكة"، وذلك لما في لفظ الإيمان من الائتمان. أما التصديق فيستعمل في الخبر عن الغائب والمشاهد فيقال لمن قال: الله موجود أو السماء فوقنا: صدق.
ب - أن لفظ التصديق ليس خاصا بالقلب وإنما ورد أيضا في العمل وذلك في قول النبي ﷺ: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه" ١.
وقال الحسن البصري ﵀: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال".٢
فقد أطلق لفظ التصديق على العمل في كلا الروايتين.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ١١/٥١١، كتاب القدر، حديث رقم: ٦٦١٢ ٢ أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان ص: ٣١ حديث رقم: ٩٣، والخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل ص: ١٧٧ حديث رقم: ٥٦
[ ١ / ٥٧ ]
ج - إن الاستدلال باللغة هنا غير صحيح، لأن الخلاف بين المرجئة والسلف ليس في معنى الإيمان اللغوي، وإنما الخلاف في معناه الشرعي ومن المعلوم أن الشارع له اصطلاحات في الألفاظ خاصة به مثل لفظ الصلاة والزكاة والحج لها معان في اللغة، ولكن الشارع أضاف عليها قيودا واستخدمها استخداما خاصا، فإذا أطلقت في كلام الشارع فلا يراد بها إلا المعنى الشرعي، فكذلك لفظ الإيمان إذا كان معناه في اللغة التصديق، فلا يلزم أن يكون هو معناه في الشرع، بل إنا وجدنا الشارع قد أضاف إلى التصديق الأعمال والأقوال،وسمى الكل إيمانا فيكون الشارع أراد بلفظ الإيمان معنى خاص به كما أراد بلفظ الصلاة معنى خاص.١
٢ - الرد على استدلالهم بأن الإعمال الصالحة عطفت على الإيمان في آيات عديدة والعطف يقتضي المغايرة.
الجواب عن هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك وغيره حيث قال: إن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراك بينهما في الحكم الذي ذكر لهما في سائر الكلام".
ثم ذكر أن المغايرة على مراتب:
١ - أن يكون المعطوف والمعطوف عليه متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزأه مثل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام١] و﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾ [آل عمران٣] وهو الغالب.
٢ - أن يكون بينهما لزوم كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه﴾ [النساء١٣٦] فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله فالمعطوف لازم للمعطوف عليه.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/٢٨٩-٢٩٦
[ ١ / ٥٨ ]
٣ - عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى١ – ٣] فعطف "الذي قدر فهدى" على "الذي خلق فسوى" وهو واحد وهو الله ﷿، وإنما عطفه لاختلاف الصفتين.
٤ - عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة٢٣٨] فالصلاة الوسطى بعض الصلوات. وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر٤] والروح هو جبريل وهو من الملائكة،وإنما ذكر بالتخصيص للاعتناء به والتنبيه على قدره وعطف العمل الصالح على الإيمان من هذا الجنس إنما عطفه على الإيمان وهو جزء منه للتنبيه عليه والعناية به.١
٣ - الرد على استدلالهم بأن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان قبل أن يفرض عليهم الأعمال.
والجواب عن ذلك: أن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان، الذي كان واجبا عليهم وآمنوا به من قبل لأن فرائض الإسلام وشرائعه نزلت مفرقة فأول ما أوجب على عباده الشهادتين فآمنوا بها وأقروا فزادهم الشرائع الأخرى الصلاة ثم الصيام والزكاة وكلما نزلت شريعة خاطبهم باسم الإيمان الذي كانوا عليه من قبل، لأنهم لو لم يؤمنوا بما نزل من الشرائع متأخرا كالحج ونحوه لكفروا ولم ينفعهم إيمانهم السابق فإنما خاطبهم الله باسم الإيمان السابقة على نزول الفريضة.٢
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/١٧٢ بتصرف وانظر مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص: ٢٤٣ ٢ الإيمان لأبي عبيد ص: ٥٤ وما بعدها، مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص:٢٣٩
[ ١ / ٥٩ ]
ثانيا: قول المرجئة في وجوب العمل.
العمل والمراد به الطاعات الواجبة والمندوبة،ويدخل هنا الانتهاء عن المحرمات والمحظورات.
والمرجئة في هذا على قولين:
١ - غلاة المرجئة: وهم الذين يزعمون أن العمل غير واجب ويدعون أن المؤمن مهما ترتكب من المعاصي أو أخل بالواجبات فالنجاة متحققة له ويقولون: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة وعزي هذا القول إلى اليونسية والعبيدية.١
٢ - غير الغلاة من المرجئة: وهم من عدا من ذكر من المرجئة فإنهم يرون أن العمل واجب وأن العاصي تحت المشيئة يوم القيامة فإن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له٢. وهذا القول منهم خفف الخلاف بينهم وبين السلف وجعل الخلاف في مسمى الإيمان فقط.
أما المرجئة الذين أنكروا وجوب العمل، فهذا قول لا يعرف لأحد له شهرة في العلم ولا قدم راسخة في الدين، وقولهم مناقض لدعوة النبي ﷺ وجهاده والتشريع الإسلامي على العموم، فلسقوطه وفساده نعرض عن ذكر ما يستندون إليه من شبه وتصورات هي بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين والإسلام.
_________________
(١) ١ الملل والنحل للشهرستاني ١/١٣٨ ٢ مقالات الإسلامين ١/٢٢٩، الإرشاد للجويني ص: ٣٢٩، أصول الدين للبغدادي ص: ٢٤٢، مجموع الفتاوى ٧/٢٩٧
[ ١ / ٦٠ ]
أدلة غلاة المرجئة:
قد يستدل غلاة المرجئة بالأحاديث التي يسميها العلماء أحاديث الوعد ١، وذلك مثل حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة".٢
وحديث عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة".٣
وحديث عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه". ٤
الرد على الغلاة من المرجئة:
الأحاديث التي ذكرت في أدلة غلاة المرجئة يقابلها أحاديث كثيرة وردت في دخول أناس من أهل التوحيد النار، كما في حديث حذيفة ﵁ "لا يدخل الجنة نمام" ٥،وحديث معقل بن يسار ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة". ٦
وحديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار". ٧. وغير ذلك من الأحاديث
_________________
(١) ١ انظر شرح مسلم للنووي ١/٢١٨. ٢ أخرجه مسلم في الإيمان رقم٤٤،١/٥٦. ٣ أخرجه مسلم في الإيمان رقم ٤٣،١/٥٥. ٤ أخرجه مسلم في الإيمان رقم ٥٤، ١/٦٢. ٥ أخرجه مسلم في الإيمان رقم١٠٥، ١/١٠١. ٦ أخرجه مسلم في الإيمان رقم ٢٢٧،١/١٢٥. ٧ أخرجه مسلم في الإيمان رقم ٢١٨، ١/١٢٢.
[ ١ / ٦١ ]
وأهل البدع يتميزون بالأخذ ببعض النصوص، ويتركون البعض الآخر. فقد أخذ المرجئة بأحاديث الوعد، وتركوا أحاديث الوعيد. والخوارج والمعتزلة أخذوا بأحاديث الوعيد وتركوا أحاديث الوعد.
ومنهج أهل السنة وما يميزهم أنهم يأخذون بجميع النصوص ما أمكن الجمع بينها، فلهذا صار مذهبهم بناءً على هذه النصوص جميعها، أن من مات من أهل الإسلام وهو على شيء من الذنوب فهو تحت المشيئة إن شاء غفر له وإن شاء عذبه،ويرجون للمحسن ويخافون على المسيء.
واختلف جوابهم ﵏ في الروايات التي يستند إليها المرجئة إلى عدة أجوبة، منها:
١ - أن هذه الفضيلة في تلك الأحاديث هي لمن قالها عند الندم والتوية، ومات على ذلك، وبهذا قال البخاري. ١
٢ - أن المراد بدخول الجنة في هذه ألأحاديث هو دخولها بعد مجازاته بما يستحق من العقوبة إن لم يغفر الله له. ٢
٣ - أن المراد من تحريم دخول النار، أي عدم دخول النار التي أعدت للكافرين التي من دخلها لا يخرج منها، بخلاف النار التي يدخلها عصاة الموحدين ممن شاء الله عقابه.
٤ - أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتضى لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، وقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، وبهذا قال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم العدة، ولكن لا إله إلا الله
_________________
(١) ١ انظر كلام البخاري في كتاب اللباس. صحيح البخاري مع فتح الباري ١٠/٢٩٥. ٢ انظر شرح النووي على مسلم ١/٢١٩.
[ ١ / ٦٢ ]
شروطًا، فإياك وقذف المحصنات. وقيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
قال وهب من منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.
وهذا ظاهر كلام القاضي عياض، وما رجحه النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن حجر، وكثير من الأئمة، وهو أنه لابد مع لا إله إلا الله من عمل الصالحات وتجنب السيآت، الذي هو تحقيق لمعناها ومقتضاها، ودليل على الصدق فيها. ١
آثار قول المرجئة في مسمى الإيمان:
إن قول المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان له آثار ولوازم فاسدة من أهمها:
١ - مخالفة كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ في تحديد الإيمان ووصفه.
المرجئة زعموا أن الإيمان هو التصديق فقط أو التصديق مع القول على قول بعضهم، وهذا أخذ ببعض الكتاب وترك للبعض الآخر إذ هو آخذ للنصوص التي ذكرت أن الإيمان هو ما في القلوب، مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ [المجادلة٢٢] أو الآيات التي تضمنت ذكر قول اللسان وذلك في مثل قوله
_________________
(١) ١ انظر الآثار السابقة وأقوال العلماء في شرح النووي على مسلم ١/٢١٩، الإنتصار في الرد على المعتزلة القدرية ٣/٧٥٧، فتح الباري ١/٢٢٦، معارج القبول ١/٣٤٣، الدين الخالص ٣/١٣٧-١٤٧، تيسير العزيز الحميد ٨٧-٩١.
[ ١ / ٦٣ ]
ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" ١ وتركوا النصوص التي تجعل الإعمال من ضمن الإيمان مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات١٥]، وقوله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ٢، ونحوه من الأحاديث التي أدخلت العمل في الإيمان.
كما خالفوا كلام الشارع في وصف الإيمان بأنه يزيد وينقص حيث وردت آيات وأحاديث عديدة في وصف الإيمان بأنه يزيد وينقص فخالفها المرجئة فزعموا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وليس لهم في ذلك مستند شرعي.
٢- زعمهم أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان ومنهم من يدخل النار يوم القيامة.
المرجئة زعموا أن الفاسق لما أتى بالتصديق فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن ارتكب من المعاصي ما ارتكب وعندهم كما سبق أن العصاة يوم القيامة تحت المشيئة، ومنهم من يدخل النار كما ثبت بالأحاديث، وهذا يلزم منه أن يدخل العصاة أو بعضهم النار مع أنهم مؤمنون كاملوا الإيمان، وهذا خلاف ما وعد الله به المؤمنين في مثل قوله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة٧٢] .
_________________
(١) ١ البخاري في الزكاة رقم ١٣٩٩، ومسلم في الإيمان رقم ١٢٤،١/١٥٠ من حديث عمر ﵁. ٢ البخاري في الإيمان ١/٦٨، ومسلم في الإيمان ١/٤٦.
[ ١ / ٦٤ ]
٣ - وصفهم الفساق بصفة المدح والثناء وهي الإيمان.
المرجئة زعموا أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان ووصف الإيمان وصف مدح وثناء رتب الله عليه الجنة وهو مثل بر وتقي وصالح، مع أن الفساق ليسوا كذلك بل ورد في الشرع ذمهم لتلبسهم بالأعمال المحرمة،فكيف يستقيم أن يكون ممدوحا على جهة الكمال والتمام وهو في نفس الوقت مذموم.
٤ - مساواتهم بين أفسق الناس وأتقى الناس في الإيمان.
المرجئة جعلوا الإيمان شيئا واحدا أو من شيئين لا يتفاوت أهله فيه، فبالتالي من أنفق ساعاته وحياته كلها في معاصي الله ﷿، والوقوع فيما حرمه الله، وهو مقر لله بالربوببة والألوهية ومصدق للنبي ﷺ في الرسالة مثل جبريل وميكائيل وسائر الأنبياء ﵈ في الإيمان. ولاشك أن المساواة بين أفسق الناس وأتقى الناس في الإيمان قول باطل.
٥ - تهاونهم بأعظم الأصول الدينية وهو توحيد الألوهية.
لما زعم المرجئة أن العمل ليس داخلا في أصل الإيمان أخرجوا في كلامهم عن التوحيد ما له علاقة بالعمل وهو توحيد الألوهية فتراهم في تعريفهم وذكرهم للتوحيد لا يذكرون سوى الربوبية والأسماء والصفات لتعلقهما بالاعتقاد ويهملون ذكر توحيد الألوهية ويبدو أن هذا من آثار تعريفهم للإيمان.
وتوحيد الألوهية هو الغاية التي من أجلها خلق الإنسان وهو أعظم المطالب الشريعة مع ذلك أهمله المرجئة وكفى بهذا أثرا فاسدا لقولهم في الإيمان أنه التصديق دون العمل.
[ ١ / ٦٥ ]
ثانيًا: الوعيدية
المراد بالوعيدية: هم من قطع بإنفاذ الوعيد في أهل الإيمان والإسلام،ولم ير لأهل الفسق في الرحمة نصيب ولا رجاء.
والمراد بهم هنا: المعتزلة والخوارج.
وسنذكر قول الخوارج والمعتزلة في تعريف الإيمان في زيادته ونقصانه.
أولًا: قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان:
الخوارج والمعتزلة قالوا: إن الإيمان هو جميع الطاعات الواجبة وهو لا يزيد ولا ينقص.١
ومن أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب شيئًا من المنهيات، فقد خرج من الإسلام ودخل في الكفر عند الخوارج، أما المعتزلة فعندهم أنه خرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر فهو في منزلة بين المنزلتين
الفرق بين قول الخوارج والمعتزلة وقول السلف:
الخوارج والمعتزلة وافقوا السلف في تعريف الإيمان بإدخال الأعمال في مسمى الإيمان إلا أنهم خالفوا السلف بأن جعلوا الأعمال شرطًا في صحة الإيمان، فمن أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب شيئًا من المنهيات عند الخوارج خرج من الإيمان ودخل في الكفر، وعند المعتزلة هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.
_________________
(١) ١ انظر أصول الدين للبغدادي ص٢٤٩، مقالات الإسلاميين ١/١٦٨، شرح الأصول الخمسة ص١٣٩، مسائل الإيمان ص٣٩٧.وانظر أيضًا قول الخوارج في الإيمان لأبي عبيد ص١٠١.
[ ١ / ٦٦ ]
أما عند السلف فإن الأعمال من الإيمان، فمن أخل بش من الواجبات أو ارتكب شيئًا من المنهيات نقص إيمانه عن القدر الواجب، وعرض نفسه للعقوبة ولم يستحق اسم الإيمان المطلق إلا أنه لا يخرج من الإيمان إلا بارتكاب عمل كفري أو ترك الصلاة على قول كثير من العلماء.
أدلة الخوارج والمعتزلة:
الخوارج والمعتزلة خالفوا السلف في مسمى وحكم من أخل بشيء من الواجبات، أو ارتكب شيئًا من المحرمات، فسماه الخوارج كافرًا، وحكموا عليه به، أما المعتزلة فقد أخرجوه من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر. وقد استدل كل منهم بأدلة.
أولًا: أدلة الخوارج والمعتزلة.
استدل الخوارج على قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة بالأدلة التي ورد فيها إطلاق الكفر على مرتكب بعض المعاصي مثل قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] . ومثل قوله ﷺ: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر".١ أو قوله ﷺ: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر" ٢.
واستدل المعتزلة بالنصوص التي تسلب الإيمان عن العاصي وتصفه بالفسق، مثل قول النبي ﷺ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.." ٣، أو حديث "لا إيمان
_________________
(١) ١ مختصر صحيح مسلم ص٣٧ ح ٥٧، باب إذا أبق العبد فهو كفر. ٢ مختصر صحيح مسلم ص٣٤ ح ٥٠، باب من قال لأخيه كافر. ٣ مختصر صحيح مسلم ص٣١، باب لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.
[ ١ / ٦٧ ]
لمن لا أمانة له" ١، أو حديث "والله لا يؤمن الذي لا يأمن جاره بوائقه" ٢ ونحو ذلك من الأحاديث.
الرد على الوعيدية:
الرد على الخوارج والمعتزلة يكون من وجهين:
الوجه الأول: في بيان معنى النصوص التي استدل بها كل من الخوارج والمعتزلة.
أولًا: أدلة الخوارج:
الأدلة التي استدل بها الخوارج وفيها وصف عامل بعض الأعمال بالكفر للعلماء فيها عدة أجوبة، منها:
١ - أن المقصود بذلك المستحل للفعل المذكور، لأن المستحل لذلك مكذب لنص القرآن أو السنة في تحريم الفعل المنهي عنه، فيكون بذلك كافرًا.
٢ - أن المراد أن ذلك الفعل مؤد إلى الكفر، لأنه كما قيل: المعاصي بريد الكفر.٣
٣ - أن المراد به كفر النعمة وكفر الإحسان.
٤ - أن المراد التغليظ، وليس الكفر بالله.٤
٥ - أن ذلك الفعل من أخلاق الكفار وأعمالهم، ولا يعني أن صاحبه كافر خارج
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده ٣/٤٣٨-٤٤٠. ٢ أخرجه البخاري ١٠/٤٥٧، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه. ٣ شرح النووي على مسلم ٢/٥٠. ٤ تحفة الأحوذي ١/٤١٩.
[ ١ / ٦٨ ]
من الإسلام.١
٦ أن المراد ليس الكفر الأكبر، وإنما هو كفر دون كفر.
ومما يدل على صحة هذا، أن الشارع ورد عنه تقسيم بعض هذه التسميات إلى قسمين، وذلك مثل قوله ﵊: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر..". فدل هذا على أن الشرك شركان أكبر وأصغر.
وكذلك ما ورد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام٨٢] شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك،ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان١٣] ٢
فهذا دليل على أن الظلم ظلمان، ظلم دون ظلم، وهو ظلم العبد لنفسه بالذنوب، وظلم عظيم وهو الشرك.
ومن هذا قوله ﵊ من حديث ابن عمر ﵄: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا،ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أئتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". ٣
_________________
(١) ١ بهذا قال البخاري ﵀، حيث بوب في الصحيح: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك. انظر فتح الباري ١/٨٤. وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان ص٩٦. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء. انظر صحيح البخاري مع الفتح ٦/٥٣٧. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان. انظره مع الفتح ١/٨٩
[ ١ / ٦٩ ]
فهذا دليل على أن النفاق منه ما يكون أكبر، وهو النفاق في الإيمان بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، ومنه ما هو دون ذلك، وهو أن يكون فيه من أخلاق المنافقين.
ومن هذا الباب لفظ الكفر، فقد أطلق النبي ﷺ لفظ الكفر على بعض الأعمال، وفسره بغير الكفر بالله، وذلك في قوله ﵊ فيما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" ١ ومما يدل على هذا المعنى ماروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله. وروي عنه أنه قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.
وروي عن عطاء أنه قال في الآية كفر دون كفر، فسق دون فسق، وظلم دون ظلم. ومثله قال طاووس، وهو ما رجحه ابن جرير.٢
وهو ما يشير إليه صنيع النووي في تبويبه لصحيح مسلم، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وما رجحه شارح الطحاوية،وهو أرجح الأقوال في جواب الأحاديث التي وصفت بعض الذنوب بالكفر ٣.والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الإيمان. انظره مع الفتح ١/٨٣. ٢ تفسير ابن جرير ١/٣٥٥ - ٣٥٨. ٣ شرح النووي على مسلم ٢/٥٧، مجموع الفتاوى ٧/٥٢٤، شرح الطحاوية ص٤٤٤.
[ ١ / ٧٠ ]
ثانيًا: أدلة المعتزلة.
الأدلة التي استدل بها المعتزلة وفيها نفي الإيمان عن مرتكبي بعض الأعمال، فليس المراد بنفي الإيمان أنه لم يبق معه شيء من الإيمان، وإنما هو نفي لكماله الواجب الذي يعرض تاركه للعقوبة، فقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له" يعني أنه فاقد للجزء المهم من الإيمان الذي بفقده يصبح صاحبه كأنه خال منه، وهو مثل صانع يصنع عملًا لأحد،إلا أنه لم يحسنه فيقال له: ما صنعت شيئًا، أو مثل طالب العلم يذهب ليتعلم العلم ثم لم يحسن التعلم فجاء علمه قليلًا ضعيفا فيقال عنه إنه لم يتعلم شيئًا، ولا يعني ذلك نفي الصفة ولا نفي العلم بتاتًا، وإنما يعني نفي حقيقته، ونفي الشيء الذي به يستحق أن يوصف به.
فكذلك الإيمان إذا وقع صاحبه في تلك الذنوب، إنما ينفي عنه حقيقته وإخلاصه، الذي لو كان موجودًا عنده لعصمه وأبعده عن تلك الموبقات والمحرمات.١ والله أعلم.
الوجه الثاني: وهو في بيان أن المعاصي لا تزيل الإيمان ولا توجب كفر فاعلها:
أجمع أهل السنة على أن المعاصي لا توجب الكفر واستدلوا لذلك بعدة أدلة:
١ - أنه لو كان كفرًا مخرجًا من الملة لكانوا بذلك مرتدين،ووجب قطع نكاحهم وتوارثهم، ولوجب قتلهم لردتهم. وهذا كله لم يقع من النبي ﷺ، ولم يحكم الله بذلك
_________________
(١) ١ انظر الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص٩٠ - ٩٨، مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٧٧، شرح مسلم للنووي ٢/٤١، فتح الباري ١٢/٦١
[ ١ / ٧١ ]
فنجد أن الله حد الحدود في الزاني البكر الجلد، وفي الثيب الرجم، وفي شارب الخمر الجلد، وفي السارق القطع. والنبي ﷺ نفذ هذه الحدود فيمن ارتكب شيئًا من المنهيات، ولم يقتل إلا من كان حده القتل، وكذلك فعل أصحابه رضوان الله عليهم. فهذا دليل واضح على أنه لا يخرج من الإسلام ولا يكفر.
٢أن الله جل وعلا قد أثبت الإيمان لبعض العصاة في مثل قوله ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات٩] .
فوصفهم بالإيمان في حال القتال، وهذا يدل على أنهم لا يخرجون بذلك من الدين. وكذلك قال ﷺ في كلامه عن الحسن بن علي ﵁: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".١
فوصفهم بالإسلام مع وقوع القتال بينهم، مما يدل على عدم خروجهم من الإسلام.
٣أنهم في الآخرة تحت المشيئة داخلون تحت عموم قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨] .
كما ثبت في أحاديث كثيرة خروج أناس كثير من العصاة من النار، كما أن أحاديث الشفاعة تدل على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، فلو كان مرتكبو الكبائر كفارًا كفرًا أكبر لكانوا من الخالدين في النار، وفي هذا كفاية ومقنع لمن هداه الله.
وقبل أن نختم الكلام في هذه المسألة نشير إلى أمر مهم اشترك فيه سائر المخالفين للسلف في الإيمان وهو:
أنهم زعموا أن الإيمان كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٥/٣٦١ح٢٧٠٤ كتاب الصلح.
[ ١ / ٧٢ ]
فالمرجئة زعموا أن الإيمان شيء واحد وهو التصديق أو القول والتصديق أو القول، وهذا عندهم شيء واحد لا يتجزأ، فلو زال بعضه لزال كله، فلو زال بعض الإيمان وهو التصديق لصار شكًا وذلك كفر.
وكذلك قال المعتزلة والخوارج أن الإيمان كل لا يتجزأ فهو قول واعتقاد وعمل، ولو زال جزء منه سواء من القول أو الاعتقاد أو العمل زال المسمى كله فلا يسمى إيمانًا، وإنما يسمى كفرًا، كما هو عند الخوارج،أو منزلة بين المنزلتين كما هو عند المعتزلة.
والحق خلاف قولهم جميعا، فإن الإيمان مركب من ثلاثة أشياء، وهو القول والاعتقاد والعمل، وزوال جزء منه لا يزيل مسماه ما لم يكن في ذلك الجزء هو الأصل الذي يبنى عليه الدين كله. وذلك مثل الشجرة فإنها مكونة من جذور وساق وأغصان أوراق فلو زال جزء من الأغصان أو الأوراق فإنها تبقى على اسمها ولا يزول عنها الاسم بزوال الجزء، ولكنها توصف بالنقص.
وكذلك سائر المركبات من المكيلات والموزونات لو زال منها جزء فإنها لا تفقد مسماها، وإنما تفقد كمالها، فكذلك الإيمان زوال جزء منه لا يزيل مسماه، وإنما يزيل عنه وصف الكمال فقط ١. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٦٥، جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٤٣
[ ١ / ٧٣ ]
منهج السلف الصالح في التوحيد
اولا: توحيد الربوبية
منهج السلف الصالح في التوحيد
التوحيد: مصدر وحد يوحد توحيدا فهو موحد، والواحد والأحديدور معناه على الانفراد.
وشرعًا: هو اعتقاد أن الله تعالى واحد في ذاته وواحد في ريوبيته وواحد في صفاته لا مثيل له وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له.
فهذا التعريف تضمن اعتقاد وحدانية الله ﷿ من جميع الوجوه فهو واحد في ذاته لا ولد له ولا والد، وليس ثلاثة كما يدعي النصارى، تعالى الله عن ذلك كما يبطل دعوى من زعم وحدة الوجود، وأن الله هو هذا الكون من حولنا متوزع في ذراته تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهو سبحانه واحد في ربوبيته لا معاون له ولا ظهير ولا مساند ولا معين لا في الخلق ولا في التدبير.
وهو سبحانه واحد في صفاته لا مثيل له في شيء من صفاته فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
كما يتضمن التعريف وجوب إخلاص العبادة له وحده لا شريك له، إذ لا معبود بحق سواه.
أنواع التوحيد الثلاثة:
يصرح السلف ﵏ بأن الواجب على العباد إخلاص التوحيد لله تعالى، والتوحيد عندهم ثلاثة أنواع، هي:
أولا: توحيد الربوبية.
هو توحيد الله بأفعاله مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير ونحوها مما هو من خصائص الربوبية.
[ ١ / ٧٤ ]
وهذا النوع من التوحيد، وهو الإقرار بربوبية الله جملة وأنه الخالق والرازق ليس فيه كبير خلاف بين بني البشر، فقد ذكر الله تعالى إقرار المشركين بذلك. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت ٦١] وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت٦٣] وقال ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون٨٤ – ٨٩] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل٦٠ – ٦٤] .
فهذه الآيات وغيرها كثير تقرر أن المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ كانوا يقرون بربوبية الله تعالى ولكنهم يكفرون بالألوهية.
قال ابن جرير في تفسيره لآية العنكبوت: "ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السموات والأرض فسواهن ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله فأنى يؤفكون يقول جل ثناؤه، فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له".١
وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف١٠٦] قال: "من إيمانهم إذا قيل
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير الطبري ٢١/١١
[ ١ / ٧٥ ]
لهم من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا الله وهم مشركون.
وروى نحوه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء وابن زيد، ونذكر رواية ابن زيد لما فيها من التفصيل حيث جاء فيها أنه قال: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله يعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم "أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا".
وقال ابن جرير مفسرا للآية السابقة: "وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف ﷿ صفتهمبالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام واتخاذهم من دونه أربابا وزعمهم أن له ولدا تعالى الله عما يقولون"١
كما روى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت٦٥] عن قتادة أنه قال:"فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك".٢
فهذه النصوص تثبت أن المشركين كانوا يقرون بالربوبية لله ﷿ ولكنهم يشركون في العبادة والألوهية وهذا ما كانوا أنكروه على النبي ﷺ كما ذكر الله ﷿ في قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص٥] وهو الذي استنكره أيضا المشركون قبل مشركي مكة، كما
_________________
(١) ١تفسير ابن جرير ١٣/٧٧-٧٩ ٢ تفسير ابن جرير ٢١/١٣
[ ١ / ٧٦ ]
ذكر الله تعالى عن قوم هود أنهم قالوا له ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِين﴾ [الأعراف٧٠] .
وهذا أمر معلوم ظاهر لكل من نظر إلى النصوص الشرعية،أدرك أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون الله ويقرون له بالربوبية يقرون له بأمور أكثر من الخلق والرزق كما قال زهير بن أبي سلمى:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما تكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم١
وكما قال عنترة:
يا عبل أنى من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها٢
بل كانوا يعبدونه بأنواع من العبادة كالحج والدعاء والاستغاثة به في حال الشدائد إلا أنهم كانوا يشركون معه آلهتهم ويزعمون أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده، قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر٣] .
أدلة توحيد الربوبية:
إن الأدلة على توحيد الربوبية ظاهرة واضحة وكثيرة عديدة، نذكر منها:
أولًا: دليل الفطرة:
الفطرة لغة: هي الخلقة. ٣
والمراد بدليل الفطرة أن الله تعالى خلق العباد مفطورين على الإقرار به، واعتقاد أنه خالقهم وربهم. وهذا هو المروي عن كثير من السلف، فقد روى ابن جرير الطبري
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد ص٣٤. ٢ تيسير العزيز الحميد ص٣٤. ٣ اللسان ٥/٣٤٣٣.
[ ١ / ٧٧ ]
بسنده أن عمر ﵁ مر بمعاذ بن جبل فقال: "ما قوام هذا الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم٣٠]، والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
وروى عن مجاهد أنه قال: فطرة الله الإسلام ". ١ وهو قول أكثر السلف.٢ وقد دل على ذلك أدلة عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف١٧٢] .
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ مرفوعا قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان –يعني عرفه- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال: "ألست بربكم"قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين".٣
وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء".٤
وحديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٢١/٤٠. ٢ انظر شفاء العليل ٢/٢٩٧-٣١٥، وانظر القائد إلى تصحيح العقائد ص١٨. ٣ حم ١/٢٧٢ وذكر ابن كثير في تفسيره ٢/٢٤١ روايات عديدة في هذا المعنى ورجح وقفها على ابن عباس ﵁. ٤ أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، فتح الباري ٣/٢٤٦
[ ١ / ٧٨ ]
سلطانا " ١ الحديث.
فهذه الأدلة تدل على أن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق وأنه ربهم وخالقهم وأنهم تتغير فطرهم تلك بما يحرفهم إليه آباؤهم من اليهودية والنصرانية وغيرهما.
ثانيًا: دليل الآيات
المراد بدليل الآيات، هي العلامات الدالة على ربوبية الله تعالى، وهي كثيرة:
١ - الآيات الكونية: وهي جميع ما يحيط بالإنسان ويصل إليه بنظره وفكره من مخلوقات الله، كالسماء والأرض والشجر والجبال والدواب والبحار والإنسان ففي كل ذلك آيات باهرات واضحات على ربوبية الله تعالى.
وقد لفت الله تعالى نظر الإنسان إلى ذلك. قال عز من قائل ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران١٩٠]، و﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات٢٠.
ولما سأل فرعون موسى ﵇ عن رب العالمين، أجابه موسى ﵇ بما يقطع حجته ويفضح كذبه. قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء ٢٣ – ٢٦] .
فهذه آيات ظاهرة ألجمت إمام الملاحدة وأخرسته وأظهرت خزيه وفجوره.
والآيات الكونية ظاهرة لكل إنسان لا تحتاج إلى كبير عناء في إدراك أن لها موجدًا أوجدها له كل صفات الكمال والجلال، وقد حدد الله تعالى وحصر الأوجه
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم كتاب الجنة، باب ١٦ ٤/٢١٩٧، وأحمد ٤/١٦٢.
[ ١ / ٧٩ ]
الممكنة في إيجاد الخلق وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور ٣٥] .
فلا يخرج الأمر عن واحد من هذه الثلاثة، إما أن تكون الأشياء مخلوقة هكذا صدفة بدون موجد وخالق، وذلك باطل ببديهة العقول، وإما أن يكون الإنسان أوجد نفسه وأوجد غيره، وهذا باطل يعلمه كل إنسان من نفسه ويتيقنه. فإذا لم يكن واحدًا من هذين فلا يبقى إلا الأمر الثالث، وهو أن لها خالقًا وهو الله تعالى الذي أوجدها ودبرها وهو المتصرف وحده فيها.
٢ - الآيات التي أظهرها الله تعالى على أيدي أنبيائه.
الآيات والمعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي أنبيائه، هي دلائل عظيمة دالة على ربوبية الله وألوهيته،وصدق أنبيائه تعالى فيما دعوا إليه أقوامهم من التوحيد وقد سماها الله تعالى آيات.قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة ٢١١] .وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠١ – ١٠٢] .
قال ابن القيم ﵀: "وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات". ١
_________________
(١) ١ الصواعق المرسلة ٣/١١٩٧.
[ ١ / ٨٠ ]
٣ - الآيات المتلوة.
المراد بالآيات المتلوة كلام الله المنزل على أنبيائه، ومن أعظم ذلك القرآن الكريم، فهو آية مستقلة كافية من جميع الوجوه في الدلالة على الخالق ﵎ أصرح دلالة وأوضحها وأصدقها وأكملها. قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ، وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٤٩ – ٥١] .
فمن رام إثبات وجود الخالق ﵎ وربوبيته وألوهيته من خلال النص على ذلك فهو متوفر في القرآن، ومن رام إثبات ذلك من خلال إعجاز النص المنزل فذلك متوفر، فيكون من جنس آيات الأنبياء المحسوسة، بل هو أعظمها. وقد قال ﵊: "ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما أمن على مثله البشر وأوتيت روحًا فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".١
ومن هذه الناحية الأخيرة فإن كل إنسان يستطيع أن يجد في القرآن الدلالة على أن القرآن تنزيل من حكيم حميد،فالعالم بالتاريخ أو الجغرافيا أو الأحياء أو الطب أو الفلك أو غير ذلك من العلوم لو نظروا في القرآن لوجدوا فيه الآيات البينات التي ترشدهم إلى أنه حق نزل بالحق،ويدعوا إلى الحق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت ٥٣] .
_________________
(١) ١انظر مسلم كتاب الإيمان رقم ٣٨٣،١/٣٦٣ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٨١ ]
ولأهمية هذا النوع من التوحيد إذ يرتبط به الغاية التي من أجلها خلق الإنسان وهي عبادة الله ﷿ جعله الله سبحانه مستقرا في الفطر،وجعل الإقرار به بين بني البشر عاما كما جعل دلائله من أوضح الدلائل والبراهين حتى تقوم الحجة على الإنسان بأكمل صورها وأوضح مبانيها. وهذا من عظيم لطف الله بخلقه ورحمته بهم، إذ علق نجاتهم وفلاحهم على مطلب دليله مستقر في فطرهم ودلائله غير ذلك من أوضح الدلائل والبراهين بل هي في كل شيء، كما قيل:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد١
ولذا نجد أن الله ﷿ قد استدل في القرآن الكريم بآيات ربوبيته على ألوهيته واستحقاقه للعبادة دون ما سواه،وهذا ظاهر في الآيات السابقة من سورة يونس والنمل والعنكبوت والروم وغيرها.
_________________
(١) ١ اختلف في نسبته، فنسبه الصفدي إلى أبي فراس. انظر: الوفيات ٧/١٣٨، وأما أبو الفرج فقد نسبه إلى أبي العتاهية. انظر ألأغاني ٤/٣٥.
[ ١ / ٨٢ ]
النوع الثاني: توحيد الألوهية
وهو: توحيد الله بأفعال العباد، أو هو: إفراد الله ﷿ بالعبادة لا شريك له، وهذا النوع من التوحيد هو الذي خلق الله ﷿ الإنسان من أجله، قال جل وعلا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات٥٦] قال ابن عباس: "إلا ليوحدون" وهو الذي بعثت الرسل في الدعوة إليه وتقريره. قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء٢٥] .
وهو الذي وقعت الخصومة فيه بين الرسل ﵈ وأقوامهم، قال جل وعلا عن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا
[ ١ / ٨٢ ]
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون٢٣] . وهكذا قال هود وصالح ولوط وشعيب وهكذا سائر الأنبياء ﵈ إلى آخرهم نبينا محمد ﷺ.
وهو أول أمر في القرآن الكريم. قال جلا وعلا في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [.البقرة٢١]
وهو الذي أباح الله بسبب إنكاره دماء الكفار كما قال ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" ١
وأهمية هذا النوع من التوحيد وخطورته تتضح وضوحا بينا بخطورة الوقوع في ضده وهو الشرك في العبادة حيث هو- نسأل الله العافية -الموجب لغضب الرب وانتقامه وعذابه السرمدي الذي لا نهاية له في نار جهنم لمن مات على ذلك ولم يتب. قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . [المائدة٧٢]
وهذا النوع من التوحيد هو معنى لا إله إلا الله إذ معناها لا معبود بحق إلا الله ﷿.
وهو توحيد العبادة الذي يعني إخلاص العبادة لله ﷿ وحده لا شريك له.
والعبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع،ومنه طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء٢.
_________________
(١) ١ البخاري في الزكاة رقم ١٣٩٩، ومسلم في الإيمان رقم ١٢٤،١/١٥٠ من حديث عمر ﵁. ٢ اللسان: ٣/٢٧٣
[ ١ / ٨٣ ]
والعبادة في الشرع: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. أو هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
وفي هذا يدخل جميع أنواع الطاعات الباطنة بالقلب والظاهرة على الجوارح. فمن صرف شيئا منها لغير الله ﷿ فقد أشرك. ومن أهم أنواع العبادة الصلاة والزكاة والصيام والحج والدعاء والخوف والرجاء والتوكل والنذر والاستغاثة والاستعانة.
شرطا قبول العبادة:
لقبول العبادة شرطان: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا بد في عبادته من أصلين: أحدهما: إخلاص الدين لله. والثاني موافقة أمر الله الذي بعث به رسله" ١.
والمراد بالإخلاص: أن يكون العمل مرادا به وجه الله ﷿.
أما موافقة أمره الذي بعث به رسله: فهو أن لا يعبد الله إلا بما شرع".
قال الفضيل بن عياض في قوله ﷿: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود٧]
قال: "أخلصه وأصوبه"، قيل يا أبا علي: "ما أخلصه وأصوبه؟ " قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل
_________________
(١) ١ التدمرية ص ٢٣٣
[ ١ / ٨٤ ]
حتى يكون خالصا صوابا، والخالص إذا كان لله ﷿ والصواب إذا كان على السنة". ١
فهذان الشرطان هما معنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. ولأهميتهما نبين شيئًا مما يتعلق بهما:
أولًا: الإخلاص:-
الإخلاص في اللغة: تنقية الشيء مما يشوبه،وكل شيء خالص فهو منقىمن الشوائب.٢
والإخلاص في العبادة: هو أن يقصد بها وجه الله ﷿، فلا يشرك معه غيره، لا شركًا أكبر ولا أصغر، كالرياء ونحوه.
والأدلة الشرعية على هذا الشرط كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥] . ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر٢]، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر١١]، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر٢، ١١، ١٤] ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف٩]، وقال ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر١٤]، وقال ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر٦٥] .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو من نفسه".٣
وضد الإخلاص الشرك.
_________________
(١) ١ التدمرية ص ٢٣٢. ٢ اللسان ٧/٢٦. ٣ البخاري. انظره مع فتح الباري ١/٢٣٣.
[ ١ / ٨٥ ]
والشرك نوعان: أكبر وأصغر.
أما الأكبر: فهو صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى من شجر أو حجر أو ملك أو نبي أو أي كائنا من كان، فمن دعا غير الله أو استغاث به أو رجاه أو ذبح أو نذر له أو سجد له أو صرف شيئًا من العبادة لغير الله فقد أشرك الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [.فاطر١٣، ١٤]
فدل كلام الله ﷿ هنا على أن كل من دعا غيره فإنه لا يملك شيئًا، حتى ما يكون على نواة التمر من القشرة الرقيقة، كما دل أيضًا على أن ذلك الدعاء شرك، وذلك في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر١٤] .وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف٥، ٦] .
فجعل الله تعالى دعاء غيره عبادة للمدعو، وجعل ذلك كفرًا.
والشرك الأكبر محبط للعمل من أصله، كما أنه يفسد الإيمان ولا يقبل الله معه صرفًا ولا عدلا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر٦٥]، وقال جل وعلا بعد ذكره للعديد من الأنبياء ﵈ ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام٨٨] .
وهو الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه.قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء١١٦] .
[ ١ / ٨٦ ]
وصاحبه مخلد في النار أبد الآباد. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة٧٢] .
أما الأصغر، فمنه الرياء: وهو أن يعمل العمل مما يقصد به وجه الله ﷿ يقصد به رياء الناس.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف١١٠] .
فقوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ فسرها ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم بأن المقصود بها الرياء. ١
وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ "قال الله ﵎ أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".٢
وعن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء".٣
والرياء يحبط من العمل بقدره، فإذا دخل على العمل من أوله أحبطه وأبطل أجره وإذا دخل على العبد أثناء العمل نقص من الأجر بحسبه.
وإذا كان الرياء في الإيمان فهو النفاق الأكبر المخرج من الملة.٤
_________________
(١) ١ الدر المنثور ٤/٤٥٨. ٢ مسلم في الزهد رقم ٢٩٨٥. ٣ المسند ٥/٤٢٨. ٤ معارج القبول ١/٣٢٦-٣٢٧.
[ ١ / ٨٧ ]
ثانيًا: المتابعة.
والمقصود بها: تجريد متابعة النبي ﷺ، فلا يعبد الله تعالى إلا بما شرع رسوله ﷺ لأن ذلك هي العبادة التي يحبها الله تعالى، فإنما أرسل رسله ليعبد سبحانه بما شرع على ألسنة رسله ﵈. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء٦٤] .
ونبينا محمد ﷺ هو حظنا من الأنبياء، فلا تصح عبادة المسلم إلا إذا كانت وفق شرعه ﷺ. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٣١] .
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر٧] إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب التزام السنة وتحريم البدعة، وقد سبق ذكرها عند الحديث على منهج السلف في تقرير العقيدة.
[ ١ / ٨٨ ]
النوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
وهو اعتقاد أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى الكاملة،التي ليس فيها نقص بوجه من الوجوه، ولا يماثله فيها أحد من خلقه، ولا يماثل فيها سبحانه أحدًا من خلقه. وسيأتي مزيد بيان لذلك في فقرة مستقلة.
العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة:
أنواع التوحيد الثلاثة التي سبق ذكرها بينها علاقة تضمن والتزام، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، بمعنى أن من أقر بتوحيد الربوبية فإنه يلزمه أن يقر بتوحيد الألوهية.
[ ١ / ٨٨ ]
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن من عبد الله فإن ذلك متضمن لإقراره بأن الله ربه وخالقه ورازقه.
وتوحيد الألوهية والربوبية متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، فإن الإله المعبود والرب الخالق لابد أن يكون له الصفات العلى الكاملة الدالة على استحقاقه للربوبية والألوهية.
ومن اعتقد أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فيلزم من ذلك أن يعتقد أنه الرب،وأن لا يعبد إلا هو ﷾.فبين أنواع التوحيد علاقة التزام وتضمن.
ومن العلماء من يقول: إن توحيد الأسماء والصفات شامل لتوحيد الربوبية والألوهية، من ناحية أن الإقرار بأسمائه وصفاته يتضمن الإقرار بأن الله هو الرب والإله، وذلك توحيد الربوبية والألوهية.١
جواب من أنكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
من الناس من ينكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، ويزعم أن هذا التقسيم اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة، وأن أول من اخترعه شيخ الإسلام ابن تيمية. والجواب عن ذلك من وجوه:
١ - أن هذا التقسيم لأنواع التوحيد مستفاد من النصوص الشرعية،فكل نوع من أنواعه له مميزاته وخصائصه، وإن كان بينهما ترابط من وجه آخر، فتوحيد الربوبية تعلقه بإثبات الخلق والسيادة والتدبير، وتوحيد الألوهية تعلقه بعبادة الرب جل وعلا، وتوحيد الأسماء والصفات تعلقه بإثبات الأسماء والصفات لله ﷿.
_________________
(١) ١ انظر: درء التعارض ٩/٣٤٤، شرح الطحاوية ١/٤١، معارج القبول ١/٢٥٥. وقد جعل الأنواع الثلاثة متلازمة، وانظر: الكواشف الجلية ص٤٢١، معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص٤٧، حيث جعلا توحيد ألسماء والصفات شاملًا لتوحيد الربوبية والألوهية.
[ ١ / ٨٩ ]
كما أن اعتقاد الربوبية لا يتحقق للعبد به النجاة، ولا الدخول في الإسلام، أما توحيد الألوهية فهو الذي يتحقق به للعبد النجاة، ويدخل به الإسلام،وهذا لا يكون إلا مع الإيمان بالربوبية. أما الأسماء والصفات فتتعلق بالعلم والإثبات،فلو جهل شيئًا منها، فإنه لا يخرج من الإسلام أما الربوبية والألوهية فلو جهلها فإنه لا يكون مسلمًا، فإن ذلك ينقض إسلامه.
٢ - أن هذا التقسيم هو من جنس تقسيمات العلماء الأخرى المتعلقة بالأمور الشرعية، مثل تقسيم العلماء الأمر الشرعي إلى: واجب ومندوب، أو تقسيمهم النواحي الشرعية إلى محرم ومكروه. أو قولهم إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، أو تقسيمهم الصفات إلى ذاتية وفعلية.
فسائر هذه التقسيمات وغيرها كثير لم ترد في كلام الشارع منصوصًا عليها، وإنما استنبطها العلماء من خلال استقراء كلام الشارع. والتقسيم إنما يرد عليه ويبطل إذا كان الاستقراء غير صحيح أو غير كامل، كأن يقول: إن الإيمان هو الاعتقاد فقط أو القول فقط، أو يقول إن المطلوب من العباد هو توحيد الربوبية والأسماء والصفات فقط، أو يقول: إن الأوامر الشرعية كلها أركان أو واجبات في مستوى واحد من حيث الطلب أو نحو ذلك. أما إذا كان الاصطلاح صحيحًا فلا يعاب من قال به، لأن ذلك من تدبر كلام الشارع والاستنباط منه حتى يعلم عن الشارع مراده.
[ ١ / ٩٠ ]
٣ - أن هذا التقسيم قد ثبت عن كثير من السلف المتقدم ذكرهم ١،خلافًا لدعوى من أنكر ذلك، فقد سبق النقل عن ابن عباس وتلاميذه في إثباتهم لإقرار المشركين بالربوبية وإنكارهم للألوهية، ومثله ورد عن ابن جرير الطبري.
كما أورد العديد من السلف ذلك في كتبهم، فهذا الإمام الطحاوي المتوفى سنة ٣٢١هـ أبان في مقدمة عقيدته أنه إنما يذكر عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة وتلميذيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وقال: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له ولاشيء مثله ولاشيء يعجزه ولا إله غيره".
فقوله "واحد لا شريك له" شامل لأنواع التوحيد الثلاثة، ثم فصلها بقوله: "لاشيء مثله"، وهذا في أسمائه وصفاته.وقوله "ولاشيء يعجزه" هذا في قدرته ومقدوراته، وهو من توحيد الربوبية، وقوله" ولا إله غيره "هذا في توحيد الألوهية، فلا إله غيره يعني معبودًا يستحق العبادة
وهذا ابن بطة العكبري المتوفى سنة ٣٨٧هـ يقول في كتابه الإبانة: "إن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره. والثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها".
وممن أثبت ذلك أيضا ابن منده المتوفي سنة ٣٩٥هـ في كتابه "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد"، فعقد فيه أبوابًا في توحيد
[ ١ / ٩١ ]
الربوبية، مثل: بدء الخلق، وخلق العرش، وتقدير المقادير، وخلق السموات والأرض، وغير ذلك مما هو دليل على توحيد الربوبية. ثم ذكر أبوابًا متعلقة بتوحيد الألوهية، مثل: الدعاء والذكر واسم الله الأعظم، وهو لفظ الجلالة، ثم ذكر أبوابًا متعلقة بتوحيد الأسماء والصفات،وغيرهم كثير.١
٤ - أن سبب ظهور التقسيم بشكل واضح في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم من جاء بعده من تلاميذه وغيرهم، وخاصة الكلام في توحيد الألوهية يعود إلى ظهور الخلل في الأمة والانحراف في هذا النوع من التوحيد متأخرًا، فقد صار كثير من المتأخرين من المسلمين يجهلون الغاية من دعوة الرسول ﷺ، ألا وهي دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، كما جهلوا ما يناقض هذه الدعوة أو يقدح فيها من الشرك والأسباب الموصلة إليه، بسبب عوامل كثيرة منها:
إعراض المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية فضلًا عن الجهمية والمعتزلة عن توحيد العبادة، ومعنى لا إله إلا الله، فلم يذكروها في كتبهم التي رمزوا إليها بأنها في أصول الدين أو قواعد العقائد،أو ما يجب على المسلم اعتقاده جملة وتفصيلا، فصار عند المسلمين عدم إحساس وانتباه لهذا الأصل الأصيل، فانتشر الشرك وعم وطم أكثر البلاد الإسلامية، وهم يظنون أن الشرك الذي حاربه الرسول ﷺ إنما هو أن يصنع تمثالًا على شكل من الأشكال فيصلي له ويسجد، ولم يشعروا أن دعاء غير الله والإستغاثة به أو النذر والذبح عند القبور أو الطواف حولها، سواء كانت قبور أنبياء أو من يسمون أولياء؛ أن كل ذلك شرك أكبر مخرج من الملة، وما ذلك إلا لجهلهم بتوحيد الألوهية وبدعوة النبي ﷺ وما قاتل عليه المشركين.
_________________
(١) ١ من أراد الاستزادة فليرجع إلى الكتاب القيم في هذا، كتاب أخينا عبدا لرزاق بن عبدا لمحسن العباد "القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد" فقد أجاد فيه وأفاد جزاه الله خيرا.
[ ١ / ٩٢ ]
فلما ظهرت هذه البدع في وقت شيخ الإسلام ابن تيمية بذل طاقته ﵀ وجهده في نصح المسلمين وتحذيرهم من خطورة ما عليه كثير من المسلمين من الانحراف والضلال بوقوعهم في الشرك وهم لا يشعرون، فظهر في كلامه الدعوة إلى توحيد الألوهية، وأبان عن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أنواع،وأن تلك الأنواع الثلاثة مطلوبة من العبد لا يغني واحد منها عن الآخر، كما أنا نقول إن الله موصوف بصفة السمع والبصر والقدرة والحياة ونحو ذلك. والمطلوب من العبد الإيمان بكل ذلك أنه من صفات الله تعالى، كذلك
التوحيد المطلوب من العباد أن يؤمنوا به هو أن الله ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العلى،وأن لا رب غيره، وأن لا يعبد إلا هو، فلا يشرك معه في العبادة غيره.
وهو في تقسيمه ﵀ إنما هو متبع لمن سبق من العلماء لا مبتدع في تقسيم التوحيد.
ونشير هنا إلى أن دأب السلف ﵏ أنه كلما ظهرت بدعة من البدع تكلم فيها ونصح للأمة فيها من عاصرها من العلماء والأئمة، ويكون من تقدم منهم على تلك البدعة فلم تظهر في زمانه لا يوجد له كلام فيها، مع أن الحق الواضح والراد على كل بدعة موجود ضمن الشرع في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وإنما يستنبطه من الشرع أهله.
فلو نظرنا في بدعة نفي الصفات فإنا لا نجد أحدًا من الصحابة تكلم فيها، وذلك لأنها لم تظهر في زمانهم،وإنما ظهرت في زمن التابعين فكثر كلام التابعين فيها بخلاف بدعة الخوارج فإنا نجد للصحابة كلامًا كثيرًا فيها، وذلك لأنهم أدركوها. وكذلك بدعة نفي القدر أدركها صغار الصحابة فظهرت في كلامهم،وأبانوا عن بطلانها وردوا على دعاتها.
[ ١ / ٩٣ ]
وهكذا سائر البدع إنما تظهر في كلام العلماء الذين أدركوها فيجتهدون في دعوة الخلق إلى الحق نصحًا لله ولرسوله ولكتابه وللمسلمين لا أنهم مبتدعون في ذلك.
كذلك الأمر بالنسبة لتقسيم التوحيد وإبراز توحيد الألوهية الذي وقع عند المتأخرين من المسلمين الخلل في فهمه وتطبيقه، فظهر في كلام من أدرك ذلك،كشيخ الإسلام ابن تيمية ومن جاء بعده ﵀ من تلاميذه، وغيرهم من العلماء الداعين إلى الله على نهج القرآن والسنة وسلف الأمة.
[ ١ / ٩٤ ]
مناهج المخالفين للسلف في التوحيد
أولًا: - الفلاسفة
الفلاسفة: هم الذين ينظرون إلى طبائع الأشياء بفكرهم لمعرفة عللها وأسبابها الخفية وراء ظواهرها.
والفلاسفة لم يتوقفوا في النظر والتفكر فيما هو ظاهر أمام أعينهم من المخلوقات، وإنما راحوا يبحثون فيما وراء ذلك وهو الخالق جل وعلا، ويسمون ذلك ما وراء الطبيعة أو يسمونه الإلهيات. ١
وقبل أن نبين ما في كلام الفلاسفة في التوحيد من الخلل والخطل نشير إلى أن الفلاسفة دخلوا في هذا العلم بعقولهم المحدودة ونظرهم القاصر، وقد أدركوا أن كلامهم هو في أمر لا سبيل إلى التحقق منه بالعقول المجردة، وإنما هي محاولات لن يصلوا منها إلى نتيجة حاسمة أبدًا، فتبقى هكذا محاولات بلا نتائج لهذا قالوا: "إن عالم ما بعد الطبيعة عالم درج في غير عشه ببحثه عن شيء فوق الحقائق، فإذا هو شاعر". ٢
ومرادهم بقولهم "فإذا هو شاعر" أي يعبر عن خيالاته وأحاسيس نفسه بالعبارات المنمقة التي لا تعتمد على عرض الحقائق على ما هي عليه.
مدار المنهج الفلسفي في التوحيد:
إن الفلاسفة المتقدمين وخاصة من كان لهم دور في المتأخرين من فلاسفة اليهود والنصارى والمسلمين وهم فلاسفة اليونان ممن كانوا قبل المسيح ﵇ في حدود
_________________
(١) ١ مبادئ الفلسفة ص٢٤،٢٥. ٢ المرجع السابق ص٢٦.
[ ١ / ٩٥ ]
خمسمائة عام نظروا إلى الألوهية والربوبية نظرهم إلى سائر ما يحيط بهم من المخلوقات فكانوا على قولين في إثبات الخالق وإثبات وجوده:-
القول الأول: الملاحدة – وهم المنكرون لوجود الخالق ﵎. وهم فرقتان:
الأولى: الدهريون. القائلون بالجوهر١ الفرد، وهم جماعة من الفلاسفة يعتقدون أن الكون تكون من جواهر مفردة، أي ذرات صغيرة كانت موجودة تتحرك في الفضاء، ثم بسبب الحركة الوقتية تتجمع فتحدث مظاهر الحياة والوجود. وعلى هذا المذهب ديمقريطس وهيرقليطس وأبيقور فيما يبدو. ٢
الثانية: الوجوديون – وهم الذين يزعمون بأن الله تعالى عما يقولون هو هذا الكون كله، وليس له ذات قائم بنفسه، بل هو حال في كل شيء. وعلى هذا المذهب الرواقية ومنهم "زينون ٣وسبينوزا" اليهودي. ٤
وهذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله ﷿ وجودًا متميزًا عن سائر مخلوقاته، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلا، أما هؤلاء فقد زعموا أن هذا الكون هو وجوده وهو ذاته، ولم يميزوه عن شيء من المخلوقات – تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرا -.
_________________
(١) ١ الجوهر كلمة ليست عربية ألأصل، بل معربة من الفارسية. انظر: اللسان ٤/١٥٣، فكرة الجوهر ص٢٦. ومعنى الجوهر هو عين الشيء، ومنهم من يقول: هو الحامل للأعراض المختفي خلف الظواهر، أو القائم بنفسه، إلى غير ذلك. انظر فكرة الجوهر ص٥٣. ٢ مبادئ الفلسفة ص١٦٤. ٣ موسوعة الفلسفة ١/٥٣٩. ٤ الموسوعة الفلسفية ص٢٤٠.
[ ١ / ٩٦ ]
القول الثاني: المؤلهة ١ - وهم القائلون بوجود موجود أعلى يسمونه الإله. وهم كثير من الفلاسفة منهم: سقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، إلا أنهم يختلفون في كلامهم عن هذا الإله بالنسبة لصفاته وأفعاله إلى أقوال تعود في جملتها إلى ادعاء أن الله ﵎ عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك، وهو محرك للأشياء كتحريك المعشوق لعاشقه، وهو علة وجود الأشياء.
وقالوا في إيجاد هذا الكون: إن المادة٢ والصورة٣ للأشياء أزلية غير مخلوقة، ثم إن الله ﵎ في زعمهم أوجد ما يسمونه النفس الكلية، ثم النفس الكلية صنعت نفوس الكواكب وجعلتها آلهة مثلها، ثم إن هذه النفوس تعاونت مع الله تعالى في صنع بقية العالم وتدبيره. ٤
فهذا القول مما يعزى إلى أكبر الفلاسفة وأعظمهم عند أتباعهم كسقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم. وهو قول في غاية السقوط والانحراف، ولا يقاربه في الانحراف والسخف إلا قول الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق جل وعلا ويتضح بطلانه من وجوه:
١ - أن كلامهم عن الخالق ﵎ كله من باب الظن والتخمين، لأنهم لم يروا الباري ﵎، ولم يروا شبيهًا له، ولم يشهدوا خلق السماوات
_________________
(١) ١ لا يعني قولنا: "المؤلهة" سوى أنهم يثبتون وجود موجود أعلى قد يعزون إليه ترتيب الموجودات الأخرى أو إيجاده منه آلهة أخرى، أو يعزون إليه التصرف في الموجودات وتدبير شؤونها. ٢ المادة: المراد بها عندهم جرم الشيء وجسمه قبل تصويره وإعطائه هيئة محددة. ٣ الصورة: المراد بها الهيئة والشكل الذي يكون عليه الشيء. ٤انظر هذا في كلام سقراط في موسوعة الفلسفة ١/٥٧٩، وفي كلام أفلاطون في موسوعة الفلسفة ١/١٠٤، وفي كلام أرسطو في الموسوعة الفلسفية ص٣٨.
[ ١ / ٩٧ ]
والأرض ولا خلق أنفسهم، كما لم يأخذوا قولهم هذا عن مخبر صادق، فبالتالي لا يعدو أن يكون ظنًا وتخمينا.
٢ - إن ما ذكروه في وصفهم لله ﵎ كلام فاسد لا يعدو أن يكون إثبات شيء ليس هو بشيء. وذلك يتضح من وجوه:
أولًا – قولهم إن الله تعالى عقل، وذلك يعني أن الله فكر أو فكرة أو شيء معقول ويعقل ويعقل. وهذا كله إثبات معنى بدون ذات، وهو أمر لا يعقل ولا يفهم، إنما المفهوم منه أنه لا ذات له جل وعلا، وكل مالا ذات له في الحقيقة لا وجود له أو لا وجود له بنفسه، بل يكون قائمًا في غيره، أو صادرًا عن غيره، مثل الأفكار والكلام، فهذه معاني تقوم بغيرها ولا تقوم بنفسها.
ثانيًا – قولهم بأنه واحد أو أوحد إنما مرادهم بذلك نفي صفاته، وهذا تعطيل له ونفي لوجوده، لأن كل موجود لابد أن يوصف بالصفات، فإذا نفيت عنه الصفات فذلك نفي لوجوده.
ثالثًا – قولهم إنه لا يتغير معناه نفي لفعله وتشبيه له بالمعدوم أو الجماد، فإن الذي لا يتغير هو الذي لا يفعل، لأن الفعل يلزم منه التغير، بمعنى أنه يريد ويأمر وينهى إلى غير ذلك. أما إذا كان لا يتغير فمعنى ذلك أنه جماد أو معدوم وحاشاه تعالى من ذلك.
رابعًا – قولهم إنه لا يتحرك فيه نفي لحياته، لأن فرق مابين الحي والميت الحركة، فالشيء الذي لا يتحرك هو الميت.
خامسًا – قولهم إنه محرك لغيره بدون أن يتحرك كلام غير صحيح، ولا يمكن وجوده مع دعاويهم السابقة التي تضمنت نفي ذاته ونفي فعله ونفي حياته، فكيف يمكن أن يقال عنه إنه محرك لغيره وهو لا ذات ولا صفات ولا فعل ولا حياة. ولو دقق الإنسان في هذا لبان له وظهر أنهم ينفون وجوده فالمعدوم كاسمه لا يمكن أن يوجد شيئًا ولا أن يؤثر في شيء.
[ ١ / ٩٨ ]
فكل هذه الدعاوى التي ذكرها الفلاسفة في الله ﵎ دعاوى فاسدة معلوم فسادها ببداهة العقول، فإن أي عاقل نظر في المخلوقات المحيطة به أو نظر في نفسه أدنى نظرة أدرك أن خالقه لابد أن يكون ذا صفات عظيمة وجلال وكمال من جميع الوجوه، لأنه ما لم يكن كذلك فإنه لا يمكن أن يوجد هذا الخلق وهذا الكون، فإذا لم يكن له ذات فكيف يوجد ماله ذوات، وإذا لم يكن موصوفًا بصفات الكمال من السمع والبصر والعلم والحكمة والإرادة وغيرها فكيف يوجد الموصوفين بهذه الصفات، وما لم يكن فاعلًا مختارًا كيف يوجد الفاعلين المختارين، وما لم يكن حيًا كيف يوجد الحياة، ففاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن لجاهل أن يعلم الناس القرآن أو الشرع أو الدين لأنه فاقد للعلم، وغير البصير لا يمكن أن يرشد الناس إلى الطريق، والميت لا يمكن أن يفعل ولا يحي الموتى ولا يبعث الحياة في الموجودات ففاقد الشيء لا يعطيه. ولكن هؤلاء الفلاسفة لم ينظروا إلى المخلوقات ليستدلوا بها على الخالق بعين صحيحة، وإنما نظروا إليها بعقول قد لوثتها الوثنية والإلحاد فأثمرت هذه المقولات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على إفلاسهم من النظر الصحيح والرأي السديد الذي يتوصل إليه أقل الناس حظا من العلم. فهذه المخلوقات المحكمة الصنع والعظيمة في خلقها وهيئتها والعظيمة في دورها وعملها تدل على حكيم عليم بصير خبير، لابد أن يكون موصوفًا بكل صفات الكمال ألا وهو الله جل وعلا.
أما قولهم في إيجاد المخلوقات فمتضمن للفساد من وجوه عديدة:
أولًا – إن قولهم إن المادة والصورة أزليتان وغير مخلوقتين قول فاسد، لأنه يلزم منه وجود المادة والصورة من غير شيء، وهذا معلوم الفساد ببداهة العقول، فإن كل موجود لابد له من موجد حتى ينتهي الأمر إلى الموجد الأول والخالق ﵎، وإلا لزم التسلسل إلى ما لانهاية.
[ ١ / ٩٩ ]
ثانيًا – قولهم بأنه أوجد النفس الكلية ثم أوجد نفوس الكواكب الأخرى، كل هذا ضرب من الظن والتخمين، كما أنه مبني على ما ألفوه في مجتمعاتهم من الوثنية وعبادة الكواكب. ودعاوى أن لها تصرفًا في الكون بالإيجاد والخلق والتصرف، فصاغوا من كل ذلك تلك الدعاوى التي ظاهرها أنها مبنية على النظر والعقل وهي مبنية على الوثنية الجاهلة السخيفة.
وقبل أن ننهي الكلام عن قول الفلاسفة ودعاويهم في صفات الله ﵎ وفعله وإيجاده لهذا الكون لابد أن نشير إلى أمر مهم، وهو:
أن الفلاسفة قد يكونوا أجادوا بعض الإجادة في الكلام عن بعض المخلوقات أو الأمور المعنوية المتعلقة بالسياسة أو التربية ونحو ذلك، وكلامهم هذا مهما بلغوا فيه من حسن القول والإجادة لا يلزم أن يكونوا أهلًا لأن يتكلموا فيما وراء طاقة الإنسان وقدرته، سواء فيما يتعلق بالله ﷿، أو المخلوقات غير الظاهرة للعيان، فإن ذلك غيب عن الإنسان، وعقل الإنسان وقدراته متعلقة بما يراه أو يرى شبيهًا له فيقيس عليه.
فبالتالي حديثهم عن الله جل وعلا وحديثهم عن تكوين الكون ومادته وأصله كله غير داخل تحت طاقتهم وقدرتهم، وكلامهم فيه لا يعدو أن يكون ككلام المتطفل على علم لا يحسنه. وهم في هذا مثل طبيب من أمهر الناس في الطب مثلًا هل يليق أن يذهب إليه بناءً على حذقه في الطب فيسأله عن مسألة شرعية أو مسألة متعلقة بالسياسة أو مسألة متعلقة بالهندسة، فلا شك أن هذا لا يليق ولا يصح.
ومن رام أن يأخذ من الطبيب جواب مسألة شرعية دقيقة أو مسألة متعلقة بالهندسة أو المحاسبة فهو مخطئ. فكذلك من رام أن يجد عند هؤلاء الفلاسفة علم ما يتعلق بالله ﷿ فقد أخطأ الطريق وأخطأ الهدف.
[ ١ / ١٠٠ ]
ثم إنه من رحمة الله ﷿ لما كانت وسائل البشر إلى معرفته المعرفة الصحيحة مسدودة إلا من خلال الوحي أنزل الله في ذلك كتبه وأرسل رسله لتعليم الناس وتعريفهم به، وهذا من أعظم الرحمة وأعظم المنة من الله ﷿ على خلقه، لأنه بذلك يهيئ من شاء الله منهم إلى رحمته العظمى ورضوانه الأكبر في جنات عدن.
[ ١ / ١٠١ ]
ثانيا: - المتكلمون
المتكلمون لما عزلوا الشرع الشريف عن أن يكون مصدرهم في توحيد الله ﷿، وجعلوا مصدرهم في ذلك العقل أو المسائل العقلية المقررة في علم الكلام المستوردة من فلاسفة اليونان الوثنيين، ضلوا في هذا الباب ضلالًا بعيدا.
فمن يقرأ الكتب الموسومة بأنها أصول الدين أو قواعد العقائد أو المطالب العالية من العلم الإلهي، ونحو ذلك من كتب المتكلمين يرى أنها تقرر نوعين من التوحيد فقط، وهما:
توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أما توحيد الألوهية فتهمله تمام الإهمال، فلا يذكرونه جملة وتفصيلا، مع أنهم في تقريرهم لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات أخطأوا أخطاءً بليغة، أثمرت لهم الانحراف الذي هم عليه في تلك العقائد. وهذا منهج عام سلكه سائر المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.
فمن أقوالهم في بيان المراد بالتوحيد وما يدخل فيه من الأنواع:
قول عبد الجبار الهمذاني المعتزلي، المتوفى سنة٤١٥هـ يقول عن التوحيد في اصطلاح المتكلمين: "هو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به".١
وقال الجويني الأشعري المتوفى سنة٤٧٨هـ: "وإذا أحاط العاقل بحدث العالم واستبان أن له صانعًا، فيتعين عليه بعد ذلك النظر في ثلاثة أصول يحتوي أحدها على ذكر ما يجب لله تعالى من الصفات، والثاني يشتمل على ذكر ما يستحيل عليه، والثالث ينطوي على ذكر ما يجوز من أحكامه، وتنصرم بذكر هذه الأصول قواعد العقائد". ٢
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص١٢٨. ٢ الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص٥٠.
[ ١ / ١٠٢ ]
وقال الغزالي وهو أشعري توفي سنة٥٠٥هـ بعد أن ذكر أن الله ميز عصابة السنة بأنوار اليقين حتى اعتصموا من مقتضيات العقول بالحبل المتين، ومن سير الأولين وعقائدهم بالمنهج المبين، فجمعوا بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول، وتحققوا أن النطق بما تعبدوا به من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ليس له طائل ولا محصول، إن لم يتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول ﷺ، وعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة".١
فيظهر من هذه النصوص أن التوحيد لدى المتكلمين يتعلق بإثبات، أولًا: ربوبية الله تعالى، وثانيًا: إثبات أسمائه وصفاته.
أما توحيد الألوهية فلم يذكروه ولا بكلمة واحدة، وأغفلوا الحديث عنه تمامًا، فلا ذكر له في كتبهم. وسنبين موقفهم منه، بعد أن نبين كلامهم وموقفهم من توحيد الربوبية.
أولًا: توحيد الربوبية.
توحيد الربوبية لدى المتكلمين هو الغاية من أنواع التوحيد عندهم، وقد أجهدوا أنفسهم وكدوا أذهانهم في تقريره بالعبارات المطولة والمقدمات المنطقية والفلسفية والنتائج، حتى توصلوا في النهاية إلى إقرار هذا النوع من التوحيد.
والملاحظ في كلامهم في هذا النوع من التوحيد أنهم يقررونه من ناحيتين:
الناحية الأولى: إثبات وجود الله تعالى، والناحية الثانية: إثبات خلقه لهذا العالم.
_________________
(١) ١ قواعد العقائد للغزالي ص١٤٤.
[ ١ / ١٠٣ ]
قولهم في إثبات وجود الله ﷿.
المتكلمون عمومًا من المعتزلة والأشعرية بدأوا كتبهم في العقيدة والتوحيد بإثبات وجود الله تعالى، باعتبار أن أول ما يجب على الإنسان قبل أن يدخل في هذا الدين أن يعرف الله ﷿، وقبل أن يعرفه فعليه إثباته والإقرار بوجوده.
وقد جعلوا عمدتهم في الاستدلال لإثبات الربوبية الاستدلال بحدوث العالم. وسلكوا في إثبات ذلك مسلكًا وعرًا ومنهجًا عسرا، لا يتناسب مع خطورة المسألة وأهميتها ألا وهي وجود الله ﷿، وإضافة إلى ذلك فإن المتكلمين جعلوا أول واجب على المكلف النظر في معرفة الله تعالى، وهذه المعرفة مبنية على إثبات حدوث العالم، فإذا كان حادثًا فلابد له من محدث، وهو الله تعالى.
ولإثبات ذلك سلكوا طرقًا منها:
الطريقة الأولى: الاستدلال بحدوث الأجسام أو الجواهر أو الأعراض، ولإثبات ذلك مقدمات:
أولها: إثبات الأجسام أو الجواهر أو الأعراض، وثانيها: إثبات حدوثها، وثالثها: إثبات استحالة تعري الجواهر أو الأجسام عن الأعراض، ورابعها: إثبات استحالة حوادث لاأول لها، خامسها: أن الجواهر لا تسبق الحوادث، سادسها: أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث. وكل حادث لابد له من محدث، وهذا المحدث هو الله ﷿. وقد قال بهذه الطريقة عبد الجبار المعتزلي ١والجويني ٢.
_________________
(١) ١ انظر شرح الأصول الخمسة ص٩٢-٩٦. ٢ الإرشاد ص٣٩-٤٠. واستدل بحدوث الجواهر من ناحية إثبات ألأعراض، وإثبات عدم خلو الجواهر عنها.
[ ١ / ١٠٤ ]
الطريقة الأخرى: الاستدلال عليه بالإمكان والوجوب. ومعنى هذه الطريقة أن الموجودات منقسمة إلى قسمين، إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته.
وهذا الدليل مبني على مقدمات:
أولها: أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح.
ثانيها: بيان أن هذه الحاجة حاصلة في حال الحدوث أو في حال البقاء.
ثالثها: أن ذلك المرجح يجب أن يكون موجودًا.
رابعها: أنه يجب أن يكون موجودًا حال حصول الأثر.
خامسها: أن الدور ١باطل.
سادسها: أن التسلسل ٢ باطل.
ثم عند تمام الكلام في تقرير هذه المقدمات الست يحصل الجزم بأنه لابد من الاعتراف بوجود موجود واجب الوجود لذاته. ثم إذا تبين أن هذا العالم المحسوس يمتنع أن يكون واجب الوجود لذاته، فعند ذلك نعلم أن هذا العالم المحسوس يحتاج في وجوده إلى وجود موجود واجب الوجود لذاته، وهو الله تعالى.
وقد قال بهذه الطريقة الرازي ٣. وهاتان الطريقتان هما من أهم الطرق عند هؤلاء المتكلمين في إثبات وجود الله تعالى.
_________________
(١) ١ الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، مثل: لا يوجد هذا إلا مع هذا، ويسمى الدور المعي أو الإقتراني، وقد يراد به أنه لا يوجد هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا وهو الدور البعدي. انظر درء التعارض ٣/١٤٣، التعريفات ص١٤٠. ١ هو ترتيب أمور غير متناهية، وهو على أنواع تسلسل في الآثار والشروط، والتسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة، والأخيران ممتنعان. انظر درء التعارض ٣/١٤٤، التعريفات ص٨٠. ٢ المطالب العالية من العلم الإلهي ١/٧٢-٧٣.
[ ١ / ١٠٥ ]
الرد على المتكلمين في مسلكهم لإثبات وجود الله ﷿:-
إن المسلك الذي سلكه المتكلمون لإثبات وجود الله ﷿ لاشك مسلك باطل، بل محرم. والدليل على بطلانه وتحريمه ما يلي:
أولًا - إن وجود الله ﷿ يثبته جل بني آدم، ولم ينكره إلا طائفة قليلة من الملاحدة١، الذين هم أتباع فرعون إمام الملاحدة ومن أخذ بقوله وقولهم من السابقين واللاحقين، وهؤلاء لا يشكلون إلا نسبة قليلة من مجموع بني آدم، أما الغالبية العظمى من بني آدم من أصحاب الأديان كاليهود والنصارى والهنود ومشركي العرب فضلًا عن المسلمين فيثبتون وجود الله ﷿.
كما أن الله حكى عن فرعون أنه كان في قرارة نفسه مقرًا بوجود الله ﷿ وربوبيته، وإنما جحد ذلك تكبرًا وعلوًا. قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل١٣، ١٤] .
وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء١٠٢] . فإذا كان الأمر كذلك فهل يسوغ الاشتغال بتلك الطرائق التي يزعم المتكلمون أنهم يريدون أن يثبتوا بها وجود الله ﷿ وإرغام أنوف الملاحدة؟! .
ثانيًا - إن أعظم الدعاة إلى الله ﷿ وأشدهم نصحًا للخلق هم الأنبياء ﵈، وقد جادلهم أقوامهم فأقاموا الحجة عليهم بأوضح عبارة وأبين مقال، وما رأيناهم دعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله ﷿، وإنما دعوهم إلى عبادة الله ﷿ وحده، مما يدل على أن من جاء إليهم الأنبياء ودعوهم كانوا يقرون بوجود
_________________
(١) ٣ ذكر الشهرستاني أن الملاحدة قلة وشرذمة من طوائف مجهولين. انظر: الشهرستاني في نهاية الاقدام في علم الكلام ص ١٢٨، والآمدي في غاية المرام ص٩.
[ ١ / ١٠٦ ]
الخالق، بل يقرون أنهم مربوبون له ومخلوقون، وإنما نازعوا في عبادة الله وحده لاشريك له. فإذا كان أنبياء الله ﷿ لم يدعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله ﷿ فمعنى ذلك أن وجود الله ﷿ أمر مسلم لا خلاف فيه.
ثالثًا - إن الإقرار بوجود الله ﷿ أمر فطري فطر الله عليه الناس. قال ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف ١٧٢] . بل إن المشركين كانوا يقرون بربوبية الله فضلًا عن وجوده، كما قال الله ﷿ عن المشركين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]
فعلى ذلك فلا حاجة إلى إتعاب النفس في أمر قد فطر عليه بنو آدم.
رابعًا - إن من أنبياء الله ﵈ من واجه الملحدين وأقام عليهم الحجة، إلا أنهم لم يستدلوا بتلك الأدلة التي استدل بها المتكلمون، فهذا إبراهيم ﵇ فيما حكى الله لنا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة٢٥٨] .
وهذا نبي الله موسى ﵇ واجه زعيم الملاحدة وإمامهم فرعون حين أنكر وجود رب العالمين، ورد عليه وأفحمه كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ
[ ١ / ١٠٧ ]
اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء٢٣ – ٢٩] فلم يستطع فرعون أن يدفع الدليل وتحير في الإجابة، حتى اضطر إلى إخفاء خزيه وفضيحته بالتهديد بالسجن.
فلا شك أن الدليل الذي استخدمه كل من إبراهيم وموسى ﵉ كان كافيًا بدليل أن الطغاة لم يستطيعوا أن يردوه.
خامسًا - إنا نعلم قطعًا ويقينا أن النبي ﷺ لم يدع الناس إلى الاستدلال على وجود الله ﷿ بدليل حدوث الأجسام أو دليل الإمكان، بل ولا أثر عن أحد من الصحابة حرف واحد في ذلك. وهذا فيه واحد من أمرين:
- إما أنه دليل باطل غير صحيح.
- أو أنه دليل ضعيف لا يوصل إلى الغاية منه بالدرجة والسرعة المطلوبة.
سادسًا - إن الأجسام والجواهر والأعراض وكذلك الإمكان مصطلحات فلسفية مختلف في إثباتها وتعريفها وتحديدها إلى أقوال عديدة ١، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأصل الذي أراد المتكلمون أن يجعلوه دليلًا على وجود الله ﷿ مختلف فيه، فكيف يستدل بشيء مختلف فيه على شيء المقصود من إثباته الوصول إلى اليقين.
_________________
(١) ١ انظر في ذلك مقالات الإسلاميين ٢/٥-٥٧، والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى ص٣٥-٣٧.
[ ١ / ١٠٨ ]
سابعًا – إن لتلك المقدمات التي استدل بها المتكلمون، -والتي سبق ذكرها- لإثبات حدوث العالم مقدمات طويلة مختلف فيها، فقد عارضها معارضون وأنكرها منكرون، فقد ذكر الرازي في "الأربعين" إثبات حدوث العالم وذكر له ست حجج، وذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض"، ثم ذكر معارضات أبي الثناء الأرموي في كتابه "لباب الأربعين" عليها فاستغرقت أكثر من خمسين صفحة في كتابه "درء التعارض" ١، ثم ذكر الحجج الأخرى والاعتراضات عليها فاستغرقت قرابة الثلاثين صفحة ٢. وبعد أن ذكر شيخ الإسلام قدح المتكلمين بعضهم في بعض في استدلالهم بتلك المقدمات على حدوث الأجسام قال: " وإنما المقصود القدح في هذه المسالك التي يسمونها براهين عقلية، ويعارضون بها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، ثم إن نفس حذاقهم قدحوا فيها".٣
أما الاستدلال بالإمكان فقد ذكره الرازي في كتابه "المطالب العالية من العلم الإلهي" كما سبق ذكر ذلك إلا أنه حين أراد تقرير ذلك الدليل ذكر الاعتراضات والشبه حول الدليل، واستغرق ذلك حوالي مائة صفحة في كتابه المذكور ٤.
فهل من المقبول عقلًا أو شرعًا أن يكون إثبات وجود الله ﷿ بهذا العسر الشديد، وهل يمكن أن يحصل القطع واليقين بوجود الله تعالى بمثل تلك الحجج الضعيفة؟
لاشك أن المعتمد على مثل تلك الحجج لن يجد في قلبه سوى الحيرة والشك وتخلخل اليقين، وهي الحالة التي وصل إليها كثير من أهل الكلام،فظهرت حسرة
_________________
(١) ١ درء التعارض بين العقل والنقل ٢/٣٤٤-٣٩٩. ٢ درء التعارض ٣/٣-٣٠. ٣ درء التعارض ٣/٣١. ٤ انظر المطالب العالية ١/٧٤-١٧٥.
[ ١ / ١٠٩ ]
جرت على ألسنتهم لفوات ما فوتوا من برد اليقين، ورسوخ الاعتقاد، استعاضوا عنه بقيل وقال، كما هو ظاهر في كلام الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
وكذلك قول أبي المعالي الجويني: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أنه يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به". وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وهاأنذا أموت على عقيدة أمي. أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور". ١
ويظهر لنا من ذلك كله عظيم نصح أئمة الإسلام حين نهوا عن الكلام وحذروا منه، فهذا أبو يوسف ﵀ يقول: "من طلب العلم بالكلام تزندق" ٢. وقال الشافعي ﵀: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" ٣.
وقال الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب الكلام" ٤. وقال: "لا يكاد أحد نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" ٥. وغيرهم كثير.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ٢٠٨. ٢ انظر الإبانة لابن بطة ٢/٥٣٨. ٣ انظر قول الشافعي في شرف أصحاب الحديث للخطيب ص١٦٨، الذهبي في السير ١٠/٢٩. ٤ الإبانة الكبرى لابن بطة ٢/٥٣٩. ٥ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٩٥.
[ ١ / ١١٠ ]
ثامنًا –إن الاستدلال بحدوث الأجسام وحدوث الأعراض ونحوها من الأدلة هي أدلة محرمة، لأن المتكلمين لما استدلوا بها جعلوها قواعد مطردة ليست خاصة بالمخلوق، بل عمموها فأدخلوا فيها الخالق والمخلوق، فما جعلوه دليلًا لحدوث المخلوق وإيجاده من العدم جعلوه من وجه آخر دليلًا على وجود الخالق وإيجاده لهذا الكون، وقطعوا بأن ما ثبت به الخلق والحدوث لا يصح أن يوصف به الخالق بوجه من الوجوه، فأداهم هذا إلى إنكار أمور مقطوع بها شرعًا ونصوصها وأدلتها من أوضح الأدلة والبراهين، ومع ذلك فقد أنكروها وردوها حتى يسلم لهم الاستدلال بتلك البراهين على وجود الله ﷿، وخلقه لهذا العالم.
فقد أنكر المعتزلة سائر الصفات بدعوى أن إثباتها يدل على الحدوث والجسمية، وأنكر الأشاعرة والماتريدية الصفات الذاتية مثل الوجه واليد والعلو وغيرها بدعوى أن ذلك يدل على الجسمية، ونفوا أيضًا الصفات الفعلية مثل الاستواء والنزول والمجيء والإتيان والكلام بحرف وصوت بدعوى أن ذلك يدل على الحدوث، وليس لهم حجة على نفي ذلك إلا هذه المسالك التي استدلوا بها على إثبات وجود الله.
فهذا يدل على أنه مسلك محرم إذ أوصل القائلين به إلى تعطيل الباري جل وعلا، وإبطال النصوص الشرعية أو ردها وعدم قبولها. وكفى بهذا دليلًا على التحريم.
[ ١ / ١١١ ]
منهج المتكلمين في إثبات الوحدانية في الربوبية:
بعد أن ذكرنا موقف المتكلمين من إثبات وجود الله ﷿ يجدر أن نذكر دليلهم على وحدانية الخالق.
[ ١ / ١١١ ]
دليل التمانع:
المتكلمون أثبتوا وحدانية الخالق جل وعلا بما يسمونه دليل التمانع، وهو أنه لا يمكن وجود خالقين، وذلك لأنا لو فرضنا وجود خالقين، ثم أراد أحدهما تحريك شيء وأراد الآخر تسكينه، فإن الأمر لا يخرج عن واحد من ثلاثة أمور: إما أن يتم ما أرادا جميعا، وهذا مستحيل، لأن الضدين لا يجتمعان، وإما أن لا يتم مرادهما، وهذا دليل على عجزهما، أو يتم مراد أحدهما ويمتنع مراد الآخر، فيكون من تم مراده هو الإله، والآخر ليس إلهًا لأنه عاجز، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا.
وزعموا أن الله ﷿ أشار الى هذا الدليل وذلك في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ . [.الأنبياء٢٢]
وهذا الدليل الذي استدل به المتكلمون هو من جنس أدلتهم السابقة في إثبات وجود الخالق حيث أنها قد توصل للمراد ولكن بعسر وصعوبة، مع أن ما استدلوا له وأتعبوا أنفسهم في إقامة الحجة عليه مستقر في فطر بني آدم، كما أنه من المعلوم أنه لم يقل أحد أنه رب العالمين وأنه موجد لهذا الكون وخالقه سوى الله ﷿، وقد قامت الأدلة في الأنفس والآفاق، وكذلك الآيات المنزلة في الكتب، وعلى ألسنة أنبياء الله على صدق ذلك، بل لا يوجد ما يعارض ذلك معارضة صحيحة، بل لا يوجد إلا ما يتفق مع ذلك.
فإذا لم يكن هناك معارض أصلًا في هذا، فلا حاجة لإقامة الدليل. ومن المعلوم أن من ادعى أنه رب وهو فرعون، فدعواه تلك خاصة بقومه ومن أظهر الدعوى بينهم، وليست عامة، ولم يقل أنه رب العالمين أو خالق هذا الكون أو موجده، مع أن دعواه السابقة بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات٢٤] دعوى ظاهر لكل عاقل بطلانها.
أما من عدا فرعون فإنه لم يدع أحد أنه الرب الأعلى، ولا خالق السموات والأرض ولا خالق الناس، وإنما قد يرد ذلك على ألسنة الناس اعتقادًا في بعض من
[ ١ / ١١٢ ]
يعبدونه، كما يدعي النصارى شيئًا من ذلك للمسيح ﵇ بقولهم: "إن الأب خلق السموات والأرض بواسطة الابن الذي عندهم هو المسيح". فهذه دعوى يدعيها النصارى بدون أن يكون المسيح ﵇ ادعاها لنفسه، ولا وردت على لسانه ﵇.
فبان بذلك كله أن رب العالمين وخالق السموات والأرض والكون كله هو الله ﷿، ولا معارض له في هذا، ولا حتى بالباطل من بني آدم. فإقامة الحجة على أن الخالق واحد لا ثاني له هو إقامة للحجة والدليل في شيء غير مختلف فيه ولا معارض فيه.
كما أن الآية التي زعموا أنها شاهد لدليل التمانع الذي ذكروه ليست صريحة فيما قالوا، لأن الآية في نفي الألوهية عن غير الله ﷿.
ومعنى الآية كما ذكر ابن جرير ﵀: لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد مع الله حقيقة لفسدت السموات والأرض، وعدم فسادهما واتساق خلقهما ونظامهما دليل على أنه لا يوجد فيهما معبود بحق إلا هو ﷾.١
ويوضح معناها قول الله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون٩١]
وذلك يعني أنه لو كان يوجد آلهة مع الله لكان لكل إله خلق وعبيد، ولذهب كل إله معبود بعبيده وخلقه، ولاجتهد كل معبود أن يعلو على غيره، ولما لم يحصل شيء من ذلك دل ذلك على أنه لا يوجد آلهة مع الله ﷿.٢
ولو كان ما استدل به المتكلمون متفقًا مع الآية لوجب أن تكون الآية واردة في نفي الربوبية، وذلك بأن يقول: "لو كان فيهما أرباب". ولما لم يقل الله تعالى ذلك،
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن جرير الطبري ١٧/١٣ حيث نص على أن المنفي في الآية ألوهية غير الله عزو جل. ٢ انظر تفسير ابن كثير ٣/١٦٧.
[ ١ / ١١٣ ]
تبين أنه يدلل على نفي الألوهية عن غيره سبحانه. والذي يدخل ضمن ذلك نفي الربوبية عن غيره وإثباتها لنفسه ﷾.
موقف المتكلمين من توحيد الألوهية:
إذا بحثت في كتب المتكلمين عن التوحيد ستقف على ثلاثة أنواع من التوحيد:
أولها: توحيد الذات، وثانيها: توحيد الصفات، وثالثها: توحيد الأفعال، أو اعتقاد أن الله واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله وستجد الأدلة على ذلك. وقد سبق النقل عن المتكلمين في ذلك.
ومما يؤسف له أن كتبهم التي زعموا أنها قواعد العقائد والإرشاد إلى قواطع الأدلة وأصول الدين، إلى غير ذلك من المسميات لا يوجد فيها ولا كلمة واحدة عن توحيد الألوهية أو توحيد العبادة،وهو التوحيد الذي شغل الحيز الأكبر من أدلة آيات القرآن الكريم، حيث أقام الله عليه الحجة تلو الحجة،واستدل بتوحيد الربوبية عليه،وكل دليل أقامه بشأن التوحيد في القرآن إنما هو دليل صريح لتوحيد الألوهية،أما الربوبية والأسماء والصفات فإنها قد تكون عرضا أو ضمنا أو تكون مستدلا بها على توحيد الألوهية ٠
كما أن دعوة الأنبياء وجدالهم لأقوامهم كان منصبا على هذا النوع من التوحيد، الذي خلق الناس من أجله وانحرف الناس عنه وأخلوا به، وهو التوحيد المتعلق بالعمل وهو العبادة التي تتضح بها عبودية الإنسان لربه ﷿ وهو أول أمر في القرآن الكريم حيث أمر بتوحيد العبادة مستدلا عليه بتوحيد الربوبية وذلك في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة٢١]
[ ١ / ١١٤ ]
وهو ظاهر في سورة الفاتحة التي يكررها المسلم كل يوم سبع عشرة مرة، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة٥] .
فكيف غفل المتكلمون عن هذا الأصل الأصيل والمنار المنيف في الشرع الشريف؟! هذا أمر يحار له المسلم وينذهل له ويدهش أشد الدهش، مع دعوى هؤلاء المتكلمين أنهم حماة العقيدة وناصروها ومقيموا الحجة على أعدائها ومخالفيها، فإذا بهم يهملون الغاية التي من أجلها خلق الإنسان،والأمر الذي نزلت الكتب وأرسلت الرسل وقام سوق الجهاد من أجل الالتزام به والدعوة إليه وإخلاصه لله وحده لا شريك له، وهو الذي كان ديدن أنبياء الله ورسله من أولهم إلى آخرهم، ويستبدل به المتكلمون الكلام عن أصول لم يكن فيها كبير خلاف، مع أنهم في نفس الوقت سلكوا في تقريرها مسالك صعبة وعرة عسرة، وهم في ذلك كما قيل: "لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولاسمين فينتقل". فتلك المسالك على قلة الحاجة إليها صعبة عسرة، لم توصل إلى المراد إلا بأرتال من الضلالات والانحرافات الدينية.
فعلى هذا نقول: إن المتكلمين لم يعرفوا توحيد الألوهية ولم يعرجوا عليه في قليل ولا كثير، وحينما أشاروا إلى شيء من ذلك فإنهم أخطأوا في تلك الإشارات على ندرتها وقلتها. ويتضح ذلك من خلال بيان ما يلي:
أولًا: معنى الإله:-
الإله في اللغة: هو المعبود.
والله: اسم علم على الإله المعبود بحق، أصله إله، دخلت عليه أل، فصار الإله، ثم حذفت همزته وأدغم اللامان فصار "الله".١
هذا ما ذكره أهل اللغة في معنى الإله، وأصل كلمة الله عند من يرى أنها مشتقة.
_________________
(١) ١ المعجم الوسيط ص٢٥.
[ ١ / ١١٥ ]
إلا أن المتكلمين خالفوا ذلك لهوى في نفوسهم، فزعموا أن الإله هو القادر على الاختراع.
قال الشهرستاني: "إن أخص وصف الإله هو القدرة على الاختراع فلا يشاركه فيه غيره، ومن أثبت فيه شركة فقد أثبت إلهين". ١
وقال البغدادي: "واختلف أصحابنا – يعني الأشاعرة – في معنى الإله، فمنهم من قال: إنه مشتق من الإلهية وهي قدرته على اختراع الأعيان. وهو اختيار أبي الحسن الأشعري.٢
فهذا ما أوردوه في معنى ألإله، حيث فسروا معنى الإله بما يدل عليه معنى الرب، وتركوا ما دلت عليه اللغة من أن الإله هو المعبود والرب هو الخالق.
ثانيًا: معنى "لا إله إلا الله":-
"لا إله إلا الله" كلمة التوحيد ورأس الإسلام،ومع ذلك لا يجد الناظر للمتكلمين فيها كلام ولا بيان إلا النزر اليسير، وقد أخطأوا في هذا النزر اليسير.
فأبو حامد الغزالي يقول: "أن كلمتي الشهادة – يعني لا إله إلا الله محمدًا رسول الله – على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله، وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول ﷺ" ٣
وفسر السنوسي الشهادة بأحد معنيين:
أحدهما: أن المراد بالإله المعبود الحق، وعلى هذا يكون معنى الشهادة: لا مستحق للعبودية في الوجود إلا الفرد الذي هو خالق العالم جل وعلا.
_________________
(١) ١ نهاية الأقدام في علم الكلام ص٩١. ٢ أصول الدين ص١٢٣. ٣ قواعد العقائد ص١٤٤.
[ ١ / ١١٦ ]
وإن شئت قلت في معنى "الإله" هو المستغني عن كل ما سواه، والمفتقر إليه كل ما عداه، وعلى هذا يكون معنى "لا إله إلا الله" لا مستغني عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه إلا الله تعالى.
وهو أظهر من المعنى الأول وأقرب منه، وهو أصل له، لأنه لا يستحق أن يعبد أي يذل له كل شيء إلا من كان مستغنيًا عن كل ما سواه مفتقرًا إليه كل ما عداه، فظهر أن العبارة الثانية أحسن من الأولى.١
بهذا فسر السنوسي كلمة "لا إله إلا الله" وهو وإن كان أحسن في القول الأول بأن "لا إله إلا الله" لا مستحق للعبودية إلا الله، فإنه أخطأ في تفسير معنى الله بأنه خالق العالم.
كما أخطأ في القول الذي رجحه وحسنه وهو أن "لا إله إلا الله" تعني لا مستغني في الوجود عما سواه إلا الله، وهذا معنى الربوبية الذي كان يقر به المشركون، فلو كان هذا معنى لا إله إلا الله لما أنكرها المشركون، ولا رضوا بأن تسفك دماؤهم وتسبى نساؤهم في الوقت الذي كانوا يقرون بما طلب منهم ودعوا إليه.
ولاشك أن هذا من الخلل في فهم نصوص الشرع وسوء الأصول التي بنوا عليها أقوالهم في العقيدة، فأعرضوا عن المعنى الشرعي في تفسير الإله، وتفسير لا إله إلا الله حتى يستقيم لهم الدعاوى التي ادعوها وجادلوا عنها من إثبات وجود الله تعالى وإثبات ربوبيته، بدعوى أنهم شرحوا بما قالوا أصل الدين ورأس الإسلام وهو شهادة التوحيد.
_________________
(١) ١ شرح أم البراهين ص٧٤. وانظر منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل ١/٥٨٣.
[ ١ / ١١٧ ]
موقف المتكلمين من الشرك:
كما سبق أن ذكرنا أن موقف المتكلمين من توحيد الألوهية هو الإهمال والإعراض، فذلك موقفهم من الشرك أيضًا، فلا تجد في كتبهم ذكرًا للشرك في الألوهية بدعاء غير الله أو الاستغاثة به أو الطواف بالقبور أو اللجوء لأصحابها والذبح أو النذر عندها، إلى غير ذلك من أنواع الشرك التي حذر الله منها، وحذر الرسول ﷺ منها ومن الطرق الموصلة إليها، فكان في ذلك وقاية وحماية للمسلمين من الوقوع في هذا الانحراف، إلى أن جاء المتكلمون فأهملوا بيان توحيد الألوهية، كما أهملوا التحذير من ضده وهو الشرك، فجهل المسلمون توحيد الألوهية ووقعوا في ضده وهو الشرك، حتى صار لدى كثير من المسلمين في بلدانهم قبورًا أوثانًا يعكفون عندها، ويدعون عندها وينذرون ويذبحون لها، وهم يظنون أن ذلك قربة إلى الله ﷿، وأن هؤلاء الموتى واسطة شرعية ووسيلة مقبولة عند الله ﷿.
وما ذلك إلا لإعراض المتكلمين عن بيان الشرك والتحذير منه. مما جعل المسلمين يجهلونه فيقعون فيه، ظنًا منهم أن ذلك ليس شركًا، وأن الشرك إنما هو في اعتقاد أن خالقًا مع الله أوجد هذا الكون كما أوعز إلى ذلك المتكلمون بتركيزهم على إثبات الوحدانية في الذات، والوحدانية في الأفعال.
أما الوحدانية في العبادة فقد أهملوها، ولم يذكروها، فصار المسلم يظن أن لا شرك فيها، مع أن الشرك الذي حذر منه الله ﷿ إنما كان في هذا النوع، وهو بلية بني آدم ومصيبتهم التي حذرهم منها رسل الله عليهم الصلاة والسلام.
[ ١ / ١١٨ ]