منهج السلف في صفات الله عزوجل
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فقد سبق أن ذكرنا منهج السلف في العقيدة وارتكازهم على الكتاب والسنة لا يقدمون عليهما رأيًا ولا هوىً ولا كشفًا، ولا يسومونهما بالتحريف والتلاعب عسفًا وخسفًا، وإنما التسليم والإيمان والاقرار مع الفهم والالتزام والتعقل.
منهج السلف في صفات الله ﷿:
السلف ﵏ التزموا بما ألزمهم الله ﷿ به وألزمهم به رسوله ﷺ، من الاعتماد على كتابه وسنة نبيه ﷺ في سائر شؤونهم ومما التزموا به في ذلك ما يتعلق بصفات الله ﷿.
فمن نظر في كتبهم المصنفة في هذا مثل: كتاب "السنة" للإمام أحمد و"خلق أفعال العباد" للبخاري، و"الشريعة" للآجري، و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي، و"السنة" لابن أبي عاصم النبيل، و"السنة" للطبري، و"النزول" و"الصفات" و"الرؤية" للدارقطني، و"الرد على الجهمية" لابن منده، و"الرد على الجهمية" و"الرد على بشر المريسي" للدارمي، و"عقيدة أصحاب الحديث" للصابوني، و"الحجة في بيان المحجة" لأبي إسماعيل التيمي الأصبهاني، وغيرها كثير، يرى الناظر فيها أن السلف ﵏ أثبتوا كل ما ورد في كتاب
[ ٢ / ١ ]
الله ﷿ من صفاته وما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ، كما ثبت عنهم الكثير من الروايات التي تحدد موقفهم ومنهجهم في صفات الله ﷿.
من ذلك ما روي عن الإمام أحمد أنه قال: "يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول" وقال: "المشبهة تقول بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه".
وقال نعيم بن حماد: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه" ١
وعن الأوزاعي أنه قال: "سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها على ما جاءت".
وقال الوليد بن مسلم: "سألت الأوزاعي ومالكا وسفيان وليثا عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا: أمروها بلا كيف".
وعن عباد بن العوام قال: "قدم علينا شريك بواسط فقلنا له: إن عندنا قومًا ينكرون هذه الأحاديث، الصفات، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فقال شريك: إنما جاءنا بهذه الأحاديث من جاءنا بالسنة عن رسول الله ﷺ، الصلاة والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث".
وقيل لسفيان بن عيينة: هذه الأحاديث التي تروى في الصفات فقال: "حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه نمرها كما جاءت بلا كيف" ٢.
وقال الصابوني في عقيدته: "أصحاب الحديث - حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم - يشهدون لله بالوحدانية وللرسول ﷺ بالرسالة ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون له ﷻ ما أثبت
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص ٦٦. ٢ انظر هذه النصوص في إبطال التأويلات ١/٤٧-٥٥.
[ ٢ / ٢ ]
لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه " ١.
وقال الخطابي: "إن مذهب السلف إثباتها - يقصد الصفات - وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه" ٢.
فمن هنا يمكن لنا أن نحدد أن للسلف ﵏ في إثبات الصفات ثلاث قواعد هي:
القاعدة الأولى: "الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى نفيًا وإثباتًا".
القاعدة الثانية: "نفي الممثالة بين الخالق والمخلوق في الصفات".
القاعدة الثالثة: "قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الباري جل وعلا بالصفات" ٣.
وسنذكر بإيجاز ما يتعلق بكل قاعدة من القواعد السابقة بذكر أدلتها وما يتعلق بها من المعاني الواجب التزامها فيها.
_________________
(١) ١ عقيدة أصحاب الحديث ضمن المجموعة المنيرية ١/١٠٦. ٢ نقلها عنه شيخ الإسلام في مجمع الفتاوى ٥/٥٨. ٣ انظر هذه القواعد الثلاث في الحجة في بيان المحجة ١/٩٤-٩٧، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني ١/١٠٦-١٠٧،إبطال التأويلات لأخبار الصفات للقاضي أبي يعلى ١/٤٣، ذم التأويل لابن قدامة ص ١١، الرسالة التدمرية ص ٤، منهج ودراسات لآيات الصفات للشنقيطي ص ٦،٤٤، معتقد أهل السنة والجماعة للتميمي ص ٩٥.
[ ٢ / ٣ ]
القاعدة الأولى
الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله ﷿ نفيًا وإثباتًا.
قد دلت الأدلة الكثيرة الموجبة للالتزام والأخذ بكل ما ورد في الكتاب والسنة في هذا الباب وغيره من أبواب التوحيد والدين ومن هذه الأدلة العامة:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر٧]،وقوله ﷿: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف٣]، وقال ﷿: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام١٥٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء٥٩] .
ومما يؤكد وجوب الالتزام بما ورد في الكتاب والسنة في هذا الباب خصوصًا وغيره من أبواب الدين عمومًا عدة أمور:
١ - أن الله ﷿ غيب عنا فلم نره ولم نر شبيهًا له ﷾ ولا مماثل فبالتالي سبيل معرفته سبحانه المعرفة الصحيحة التامة مسدودة إلا من طريق الوحي، فحاجتنا للوحي في هذا الباب من أعظم الحاجات، وقصور عقل الإنسان في الوصول إلى العلم التام الصحيح في هذا الباب ظاهر واضح، ويكفي أن ينظر الإنسان ويطلع على شيء من أقوال الفلاسفة١ في هذا فيجد كيف ضلوا في هذا الباب وأتوا بكلام هو غاية في السفه والتناقض، وصدق الله القائل: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه١١٠] .
٢ - أنه لا يخبر عن الله ﷿ أصدق من الله ﷿ ولا أعلم وأحكم. قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء٨٧] .
_________________
(١) ١ سبق أن ذكرنا قولهم ومن ذلك زعمهم أن الله عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك.
[ ٢ / ٤ ]
كما ولا يخبر عن الله ﷿ أصدق من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وقد أوتي ﷺ جوامع الكلم كما قال ﷺ: "وأوتيت جوامع الكلم" ١، فلا يمكن بالتالي أن يعبر أحد من الناس أصح من عبارته ﷺ ولا أدل على المراد بأكمل وجه وأقرب طريق.
٣ - أن دلالة الألفاظ الشرعية على المعاني دلالة قطعية لأن الله ﷿ قد أقام الحجة بها على العباد، قال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان١]، وقال سبحانه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء١٦٥]، وقال أيضًا: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام٩٢] .
فهذه النصوص، وغيرها كثير فيه دلالة واضحة على أن نصوص القرآن والسنة قطعية الدلالة لأنها لو لم تكن كذلك لما قامت بها الحجة على الناس ولو كانت نصوص الوحي لا تفيد العلم واليقين وغير قطعية الدلالة كما يزعم المتكلمون، لكان هذا الوصف غير متحقق فيها، وكانت الحجة غير قائمة على الخلق، وحاشا كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ عن التناقض والبطلان.
٤ - أن الإيمان بالصفات وفق ما ورد بالكتاب والسنة هو من لوازم الإقرار بالشهادتين، فمن أقر لله بالألوهية والربوبية، وأقر للنبي ﷺ بالرسالة لزمه التسليم لكلام الله وخبره وخبر رسوله ﷺ عن صفاته جل وعلا وأفعاله، وإلا كان واقعًا فيما حذر الله ﷿ من الوقوع فيه وذلك في قوله ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب٣٦] .
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة ١/٣٧٢ عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٥ ]
٥ - أن الالتزام بمدلول الآيات والنصوص الشرعية لا يتوقف على موافقة العقل، فإن الله ﷿ قد أمر أمرًا جازمًا غير مشروط بموافقة العقل فمن ادعى موافقة العقل فقد افترى على الله ﷿ وفرَّغ النصوص من معانيها وأبطل دلالتها وقيدها بقيد من عنده، وهذا حال المتكلمين الذين زعموا أن دلالة النصوص على الصفات لا تقبل إلا إذا وافقت العقل.
وفي هذا يقول الغزالي: "وكل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزًا له وجب التصديق به وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب تأويل ما ورد السمع به "١.
ويقول السنوسي في شرح أم البراهين: "وأصول الكفر ستة، ثم قال: سادسًا: التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية والقواطع الشرعية "٢.
فلا شك أن هذه الدعاوى باطلة ظالمة فيها افتراء على الله، وتقييد لكلامه بغير ما لم يشرعه الله ولم يقله، وإبطال لمعنى ودلالة النصوص الشرعية مما يفقدها قيمتها الدينية، ويجعلها كلمات جوفاء لا معنى تحتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قواعد متعلقة بالصفات وفق القاعدة الأولى:
١ - إثبات جميع ما ثبت في الكتاب والسنة من صفات الله ﷿ سواء ما كان مثبت أو منفي عن الله ﷿ وكل ذلك صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
والصفات المثبتة لله ﷿ كثيرة منها الوجه واليدان والعلو والعلم والكلام والسمع والبصر والقدرة والإرادة والرضى والغضب والرحمة وغير ذلك.
والله ﷿ موصوف بها على صفة الكمال الذي لا يلحقه فيها نقص بوجه من الوجوه لأنه سبحانه الكامل من كل وجه وقد دلت الآيات الكثيرة على ذلك فمن ذلك قوله ﷿: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات١٥٩] التي تدل على تنزيه الله
_________________
(١) ١ المستصفى للغزالي ٢/١٣٧-١٣٨، الاقتصاد في الاعتقاد ص ١٣٢. ٢ شرح أم البراهين الكبرى للسنوسي ص ٥٠٢.
[ ٢ / ٦ ]
﷿ عن كل نقص وعيب، وقوله ﷿: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة٢٥٥] فهذا في كمال العلو له سبحانه، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة٢٨٢] وهذا في كمال العلم، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك١٩] وهذا في كمال البصر ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة٢٨٤] ويكفي في الدلالة على ذلك قوله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل٦٠] .
كما ينفى عن الله ﷿ كل ما نفاه عن نفسه سبحانه أو نفاه عنه رسوله ﷺ مثل قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر٤٤]، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة٢٥٥]، ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن٣]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص٤] ونحو ذلك. وكل صفة منفية عن الله ﷿ فهي دليل من وجه آخر على الكمال فنفي العجز دليل على كمال القدرة ونفي السنة والنوم دليل على كمال الحياة والقيومية ونفي الصاحبة والولد دليل على كمال الغنى وكمال الوحدانية ونفي المكافئ والمماثل دليل على وحدانيته في الصفات سبحانه.
ومن الصفات الثابتة في القرآن ما يكون كمالًا في حال دون حال فلا تنسب لله بإطلاق ولا تنفى بإطلاق وإنما تثبت في الحال الذي تكون كمالًا كما في الكيد والمكر والخداع والاستهزاء، فهذه الصفات لم يثبتها الله ﷿ لنفسه إلا في مقابل فعل أعدائه فيكون معاملتهم بجنس فعلهم من الكمال في الانتقام منهم وعقوبتهم وذلك في مثل قوله ﷿: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران٥٤]، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء١٤٢]، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق١٥، ١٦] .
٢_ ما لم يرد إثباته ولا نفيه في الكتاب والسنة فلا يجوز إطلاق القول به لأنه من باب القول على الله بلا علم وقد حرم ذلك كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا
[ ٢ / ٧ ]
بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف٣٣] .وإنما الواجب في مثل ذلك التوقف ومعرفة المعنى المراد فإن أراد به معنى حقًا قبل وغير اللفظ إلى ما يتفق مع الشرع حتى يؤمن اللبس وإن أريد معنى باطل رد لفظه ومعناه وهذا مثل ما ينفيه المتكلمون من الجهة والمكان والجسم ونحوها، فإن أريد بالجهة والمكان جهة السفل أو مكان يحوي الله ﷿ فهذا معنى باطل مردود، وإن أريد بالجهة العلو أو المكان فوق العرش فهذا معنى ثابت لله ﷿ ولكن يغير اللفظ إلى العلو والاستواء على العرش ليؤمن اللبس، وكذلك الجسم إن قصد به جسم مركب من الأعضاء فهذا معنى باطل وإن أريد به الذات الموصوفة بالصفات فهذا حق ثابت لله ﷿ بالأدلة فيثبت المعنى وينفى اللفظ حتى يؤمن اللبس١.
٣ - أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فلا يفرق بين صفات الله ﷿ فيثبت منها شيء وينفى منها شيء كما هو الحال بالنسبة للمتكلمين يثبتون ما يتفق مع قواعدهم المبتدعة وينفون ما عداها، بل الواجب إثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة بأجمعها ومن أثبت شيئًا ونفى شيئًا آخر فقد آمن ببعض الكتاب وكفر بالبعض الآخر والحجة قائمة عليه فيما أثبت على ما نفى.
٤ - أن الواجب في نصوص القرآن والسنة خاصة في الصفات إجراؤها على ظاهرها اللائق بالله ﷿ وعدم تحريف معناها بما يمنع وصفه بها سبحانه لأنه لا مجال للرأي فيها.
وقد سبق أن بينا أن الله غيب عنا فمعرفته سبحانه متوسطة بالوحي، والوحي من هذا قد أتى بأكمل العلم وأتمه فقد ورد فيه من التعريف بالله من ناحية صفاته وأفعاله الشيء الكثير جدًا مما لم يحوجنا إلى قول أحد بعد قوله سبحانه وقول رسوله ﷺ، وهذا الوحي جاء للتعليم والبيان والإيمان ومن صفاته اللازمة له الوضوح والظهور فليس فيه ألغاز ولا تعمية إلى ما نحن نحتاج إليه من ديننا قال جل
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣/٤١-٤٢، القواعد المثلى ص ٣٠.
[ ٢ / ٨ ]
وعلا: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود١]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] .
فعلى هذا كل صفة لله ﷿ في القرآن أو السنة تثبت لله سبحانه على ظاهر النص اللائق بالله ولا يحرف معناها أو تفهم خطأ ثم تحرف كما هو حال أهل الضلالة من المتكلمين.
[ ٢ / ٩ ]
القاعدة الثانية:
نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق في الصفات.
مما يجب اعتقاده في هذا أن الله ﵎ موصوف بالصفات على صفة تليق بجلاله وعظمته وأن المخلوق موصوف بالصفات على صفة تليق بضعفه وعجزه وحاجته فلا تماثل صفات الخالق صفات المخلوق بل إن الله ﷿ لا يماثله سبحانه شيء في صفاته.
وقد دلت الأدلة على ذلك وهي قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١]، وقوله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص٤]، وقوله ﷿: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم٦٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل٧٤] .
فهذه الأدلة دالة على أن الله سبحانه لا يماثله ولا يشابهه ولا يكون مساويًا له بحال من الأحوال أحد من خلقه وهذه هي وحدانيته سبحانه في الصفات فلا يماثله فيها أحد.
ولأهمية هذه القاعدة نفصل القول فيها في نقاط:
١- أن القول في الصفات كالقول في الذات، وذلك أن ذات الله تعالى لا يماثلها ذات من ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين.
٢- أن كل موصوف بصفة فصفاته تلائم ذاته.
وذلك أن الموجودات كلها موصوفة بالصفات، ولكن كل موصوف صفاته نلائم ذاته، فالدواب والطير والشجر والإنسان توصف كلها بأن لها ذاتًا وحياة وسمعًا وبصرا، ولكن كل منها صفاته تختلف عن الآخر بما يتناسب مع ذاته، فإذا كانت صفات المخلوقين غير متماثلة ومتباينة ومتفاوتة، فإذًا صفات الخالق أولى أن
[ ٢ / ١٠ ]
تتباين فيما بينها وبين صفات المخلوق ولا تتماثل، وأن صفاته جل وعلا تليق بذاته العلية.
٣ - أن التماثل في الأسماء لا يلزم منه التماثل في المسميات.
وذلك أن الله تعالى قد وصف نفسه بصفات وصف بها المخلوقين وجعلها من صفاتهم، مثل السمع والبصر والعلم والحلم ونحو ذلك، ولكن لا يلزم من هذا التماثل في الأسماء التماثل في المسميات. وهذا ظاهر يدل عليه أن في الجنة عسلًا وخمرًا ولبنًا وماءً، وفي الدنيا مثل ذلك، ولكن خمر الدنيا وعسلها ولبنها وماءها يختلف عن خمر الآخرة ولبنها وعسلها ومائها، بل قال ابن عباس: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء" ١. فإذًا كان هذا في المخلوقات فلا شك أن عدم التماثل بين الخالق والمخلوق أعظم وأكبر.
٤ - أن كل موصوفين بصفة بينهما قدر مشترك من الصفة،فمثلًا الإنسان موصوف بالبصر والنملة والفيل موصوف بالبصر، فبينهما قدر مشترك من أجله وصف كل منهم بالبصر.
ولله المثل الأعلى فالله ﵎ موصوف بالقدرة والإنسان موصوف بالقدرة فهناك قدر مشترك من أجله صح وصف الإنسان بذلك، وإلا لما صح اتصافه به، إلا أن قدرة الخالق تليق بكماله وجلاله وعظمته، والمخلوق قدرته وسائر صفاته تليق به، وليس في هذا شيء من التمثيل أو التشبيه، لأن التماثل والتشابه إنما يصح لو كان هناك تماثل وتشابه في مقدارالصفة وهيئتها، فإذا لم يكن هناك تشابه في هذا، فالقدر المشترك الذي من أجله صح الوصف بالصفة
لا يلزم منه تشابه ولا تماثل، إنما يفيد فقط صحة الوصف بالصفة.
_________________
(١) ١ ذكره ابن جرير الطبري ١/٣٩١-٣٩٢ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة٢٥]، وانظر: الدر المنثور ١/٣٨.
[ ٢ / ١١ ]
٥ - أن الغلو في نفي التشبيه تعطيل.
مما يجب أن يحذر في هذا الباب ما عليه أهل التعطيل من الفلاسفة والمتكلمين، الذين غلوا في نفي التشبيه، حتى اعتبروا أن إثبات الصفات لله تعالى وهي موجودة في الإنسان أن ذلك تشبيه، ولاشك أن هذا من أبطل الباطل، ومن الاعتداء والغلو الممقوت، وبناءً عليه عطلوا النصوص وأبطلوا دلالتها، وزعموا أن الله تعالى لا يوصف بالصفات على تفاوت منهم في ذلك.
مع أن الحق أن الواجب الشرعي في ذلك هو القصد والتوسط، فلا غلو في الإثبات يوصل إلى التمثيل والتشبيه، ولا غلو في التنزيه يوصل إلى التعطيل والتحريف، وإنما إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.
[ ٢ / ١٢ ]
القاعدة الثالثة:
قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الباري جل وعلا بالصفات
مما يؤمن به السلف في باب صفات الله ﷿ أنهم يثبتونها ويؤمنون بها وهم في نفس الوقت يجهلون كيف يتصف الباري بها.
وذلك لأن الله ﷿ قد أخبرنا بالصفات ولكنه جل وعلا لم يخبرنا بالكيفية كما أخبرنا جل وعلا بأنه سبحانه لا يمكن أن يحاط به علما فقال جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه١١٠] وقال جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام١٠٣] .
فمن هنا كثر كلام السلف في أن الواجب على المسلم أن يؤمن بصفات الله ﷿ بلا كيف كما سبق أن ذكرنا ذلك عن العديد منهم وكما هو مشهور عن الإمام مالك ﵀ أنه قال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة".١
وعن شيخه ربيعة أنه قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول".٢ فذهبت هذه المقولة أصلا من أصول أهل السنة وهي أن الاستواء معلوم معنىً لأن الاستواء في اللغة العلو والارتفاع، أما كيفية استواء الخالق على العرش فهي مجهولة ولا نعقل كيف يكون ذلك، والإيمان بالاستواء واجب شرعا لورود النصوص العديدة به.
ونزيد هذه القاعدة المهمة توضيحا بما يلي:
١_ أن العقل قاصر عن إدراك ومعرفة كيفية صفات الله ﷿ وذلك أن العقل لا يمكن أن يتخيل ولا أن يتصور إلا ما رآه أو رأى شبيها له، والله ﷿ غيب عنا فلم نره ولم نر شبيها له فلا يمكن أن نكيف صفاته كما أنه جل وعلا لم يخبرنا بذلك فبالتالي لا سبيل لنا إلى معرفة ذلك في هذه الحياة الدنيا.
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٣٩٨، الأسماء والصفات للبيهقي ص٤٠٨. ٢ المصدران السابقان.
[ ٢ / ١٣ ]
٢ - أن عدم العلم بكيفية الصفات لا ينفي الصفات ولا يقدح في الإيمان بها وإثباتها. لأن الله ﷿ أخبرنا بالصفة ولم يخبرنا بالكيفية وطلب منا الإيمان بها ولا تنافي في ذلك لأن هناك أشياء عديدة نؤمن بها من مخلوقات الله ونحن لا نعرف كيفيتها، منها الروح التي في الإنسان فإن الإنسان عاجز عن معرفة كنهها وحقيقتها مع أن الإنسان يحس بها ويشعر بها وقد أخبرنا الله بها في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء٨٥] فأخبرنا عن الروح ولم يعطنا عن كيفيتها علما فنحن نؤمن بها بدون أن نعرف كيفيتها وهذا لا يقدح في إيماننا بها. فكذلك ولله المثل الأعلى صفات الله ﷿ فجهلنا بكيفيتها لا ينفيها ولا يقدح في إيماننا بها.
٣ - أن من تكلم في الكيفية فقد افترى على الله ﷿. وذلك أن الله أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها فبالتالي من كيّف صفات الله فقد افترى على الله ﷿ وقفا ما ليس له به علم، قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء٣٦] .
٤ - أن من زعم أن السلف فوضوا علم المعنى فقد أخطأ عليهم.
من النصوص السابقة يتبين لنا أن السلف أثبتوا الصفات إثباتا تاما وفوضوا علم الكيفية ونهوا عن الكلام في الكيفية فمن زعم أنهم مفوضة في الصفات بمعنى أنهم فوضوا علم معنى الصفة فقد كذب عليهم وافترى عليهم كما هو دعوى كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة الذين ينسبون إلى السلف تفويض معنى الصفات بمعنى أن تكون الآية والحديث الواردة في ذكر صفة من الصفات من الكلام الذي لا يعرفون معناه بل يفوضون علمه إلى الله ﷿، وهذا خطأ عليهم وكلامهم السابق والكتب المصنفة في ذلك ظاهرة الدلالة على أن التفويض إنما هو في الكيفية وليس المعنى.
[ ٢ / ١٤ ]
مناهج المخالفين للسلف في الصفات
أولا: الممثلة
مناهج المخالفين للسلف في الصفات
خالف السلف في الصفات فرقتان: الممثلة والمعطلة.
وسنفرد الحديث عن كل واحدة منهما:
أولا: الممثلة
الممثلة هم كل من قاس صفات الله ﷿ بصفات خلقه ﷿ بأن جعل ذات الله ﷿ أو صفاته مثل صفات المخلوقين أو نص على التشبيه بأن يقول بصر كبصري وسمع كسمعي ونحو ذلك.
هذا هو مراد السلف في إطلاق هذا الوصف وهو التمثيل. قال الإمام أحمد ﵀: "المشبهة تقول بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه" ١.
وقال نعيم بن حماد الخزاعي ﵀: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه" ٢.
وقال إسحاق بن راهويه: "من وصف الله، فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم".وقال: "علامة جهم وأصحابه: دعواهم على أهل السنة والجماعة ما ألهموا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة" ٣، فعلى هذا يكون مراد السلف بالممثلة والمشبهة هم من نص على التشبيه والتمثيل.
وهذا لا يعرف مذهب لمشهورين بعلم وديانة، وليس عليه فرقة معلومة، وإنما يعزى لأناس من غلاة الشيعة أو من المغمورين المجهولين، وممن يعزى إليهم ذلك:
_________________
(١) ١ إبطال التأويلات /٤٥. ٢ العلو للذهبي ص١١٦، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ص٩٣٦. ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص٩٣٧، وانظر شرح الطحاوية ص٨٥.
[ ٢ / ١٥ ]
هشام بن الحكم وهو من الرافضة الإمامية: فيعزى إليه أنه قال: إن الله جسم ذو أبعاض، وله مقدار هو سبعة أشبار بأشبار نفسه.
وهشام بن سالم الجواليقي وهو من الرافضة ويعزى إليه القول: بأن الله ﵎ جسم على صورة الإنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت١.
كما يعزى التشبيه والتمثيل إلى الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني. ولا يتضح في قوله التشبيه، وإنما يظهر فيما نقل عنه من الأقوال خطأ لا يصل إلى حد التشبيه والتمثيل. ومن ذلك أنه نسب إليه القول: بأن الله جسم كالأجسام وليس ذلك ممتنعا دائما، وإنما الممتنع أن يشابه المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتنع.
كما يعزى إليه وصف الله ﷿ بالصفات الفعلية التي تتعلق بها المشيئة والإرادة إلا أنه يزعم أن الله يوصف بها بعد أن لم يكن موصوفا بها وفي هذا يقولون: إن الله تكلم بعد أن لم يكن متكلما٢.
هؤلاء هم الممثلة على العموم في عرف السلف وهم من أطلقوا وصف التشبيه ونصوا عليه.
وهذا خلاف مراد المعطلة من هذا الوصف: فإن المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية يطلقون هذا الوصف على كل من خالفهم في إثبات ما ينكرونه من الصفات.
فالمعتزلة يصفون كل من أثبت شيئا من الصفات أو أثبت الرؤية أو لم يقل بخلق القرآن أنه مشبه ٣، فيدخل في ذلك السلف الذين يثبتون سائر الصفات، كما يدخل فيه أيضا الأشعرية الذين يثبتون بعض الصفات.
_________________
(١) ١ الفرق بين الفرق، ص٢٢٧، الملل والنحل ١/١٠٥. ٢ مجموع الفتاوى ٦/٣٦، ٥٢٤. ٣ انظر شرح الأصول الخمسة ص١٨٣ حيث وصف أبا الحسن الأشعري بأنه وقح وغير مبال بالإسلام والمسلمين لأنه أثبت بعض الصفات وهو العلم والقدرة والإرادة، وانظر كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه ص١٣٣ ضمن رسائل العدل والتوحيد.
[ ٢ / ١٦ ]
أما الأشعرية والماتريدية فيطلقون هذا الوصف على كل من أثبت شيئا من الصفات الذاتية التي ينكرونها مثل الوجه واليد والقدم. وكذلك الصفات الفعلية التي ينكرونها أيضا جملة وتفصيلا وذلك مثل العلو والاستواء والإتيان والغضب والرضى ونحو ذلك، ويزعمون أن من وصف الله بشيء من ذلك فقد جسم الله ومثله وشبهه ووصفه بصفات الحدوث والنقص١.
ولا شك أن كل ذلك من الضلال والانحراف: لأن الله ﷿ قد أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ، ونفى الله عن نفسه التمثيل في مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١] فعلم أن المثبت إنما وافق القرآن ثم إنه إذا صرح بنفي التمثيل والتشبيه بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فبأي وجه يطلق عليه أنه مشبه أو ممثل وهو ينفيه ويرده ويبطله، كما نفاه الله وأبطله. لا شك أن ذلك من الكذب على مثبتة الصفات من السلف ومن وافقهم ومن الاعتداء والظلم لهم بوصفهم بهذه الصفات الشنيعة، وهذا إنما هو من التشنيع عليهم بالباطل والمعطلة أحق بهذا التشنيع والوصف كما قال
أبو حاتم الرازي ﵀: "وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الأثر وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة" ثم قال: "ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء" ٢.
منهج الممثلة:
يتضح من منهج الممثلة على العموم أنهم يرون أن ما ورد عن الله ﷿ أو عن رسوله ﷺ من النصوص الدالة على الصفات إنما هو على ظاهرها الذي يعرف عن المخلوقات. فاعتبروا الصفات من جنس صفات المخلوقين فقالوا
_________________
(١) ١ انظر الإرشاد للجويني ص٥٨. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/١٧٩.
[ ٢ / ١٧ ]
بالتمثيل. وبطلان هذا ظاهر واضح فإن الله ﷿ قد نص على إثبات الصفات ونفي التمثيل، فلا يسع المسلم غير ذلك. كما أن المخلوق صفاته ناقصة فتشبيه الخالق ﵎ بالمخلوق هو تنقص للخالق وطعن فيه سبحانه وتعالى عما يصفون.
[ ٢ / ١٨ ]
ثانيا المعطلة:
المعطلة هم كل من ينفي عن الله ﷿ صفاته كلها أو بعضها فهم معطلة بحسب ما ينفون من صفات الله ﷿.
وهذا يصدق على الجهمية والفلاسفة والمعتزلة والأشعرية والماتريدية ومن أخذ بقولهم مثل الرافضة والزيدية والإباضية، لأن كل فرقة من هؤلاء عطلوا صفات الله ﷿ وأبطلوا دلالة النصوص على الصفات إما مطلقًا أو أثبتوا بعضًا وأنكروا بعضًا كما سيأتي:
وقبل أن ندخل في تفصيل أقوال المعطلة نشير إلى أن منهجهم العام الذي التزموه في صفات الله ﷿.
وهو: اعتقادهم أن الله ﵎ ليس له صفة في حقيقة الأمر، أو اعتقاد بعضهم عدم اتصافه ببعض الصفات، وهي التي لايثبتونها، ثم هم بناء على ذلك نفوا المعاني الصحيحة لنصوص الصفات كلها، عند من ينفي كل الصفات، أو بعضها عند من ينفي بعض الصفات.١
بمعنى أن المعطلة اعتمدوا نفي صفات الله ﷿ كلها أو بعضها ثم جاءوا على نصوص الصفات الواردة في الشرع فأبطلوا دلالتها على الصفات.
المعطلة أصناف:
الصنف الأول:غلاة المعطلة.
وهم: نفاة الصفات، وهم الفلاسفة والجهمية والمعتزلة.
أما الفلاسفة فهم على قولين:
١ - الفارابي وابن سينا ونحوهم:
_________________
(١) ١ انظر الصواعق المرسلة ١/١٦٤.
[ ٢ / ١٩ ]
هؤلاء ينفون صفات الله ﷿ ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا خال عن كل وصف١
يقول الفارابي: "وإذا وصف بوصف من الصفات فإنها لا تدل على المعاني التي جرت العادة أنها تدل عليها وإنما هي صفات مجازية لا يدرك كنهها إلا بالتمثيل وليس هو شيئًا من الأشياء بعده" ٢.
ومثله ابن سينا يقول عن الله ﷿: "إنه لا جنس له ولا ماهية ٣ ولا كيفية ولا كمية ولا أين، وهو يوصف بسلب المشابهات عنه وبإيجاب المضافات كلها إليه وليس هو شيئًا من الأشياء بعده"٤.
٢ - ومن الفلاسفة أيضًا: الباطنية كالإسماعيلية والقرامطة، الذين ينفون سائر الصفات إلا أنهم يزيدون عن الفلاسفة الآخرين فسادًا بزعمهم نفي النقيضين عن الله ﷿ فيقولون: لا نقول موجود ولا ليس موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا موصوف ولا ليس بموصوف٥.
أما الجهمية فالمنقول عنهم نفي صفات الله ﷿، فجهم يرى أن الله تعالى: لا يجوز أن يوصف بصفة عليها خلقه٦.كما يقول: إن الله لا يقال إنه شيء لأن الشيء هو المخلوق الذي له مثل. وهو ينفي سائر أسماء الله ﷿ ولا يثبت إلا الخالق
_________________
(١) ١ من المعلوم أن الوجود المطلق الخالي عن كل وصف هو وجود ذهني بمعنى أنه موجود فقط في الخيال ولا وجود له في الحقيقة والخارج بمعنى أنه لا ذات له يمكن أن يطلق عليها أنها موجودة. ٢ انظر تاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٢٠٩. ٣ الماهية هو ما يقال في جواب ما هو؟ وبمعنى آخر يقصد بها الذات. ٤ الشفا لابن سينا ١/٣٦٨. ٥ الكافية ضمن ثلاث رسائل إسماعيلية لعارف ثامر ص ٤٥، راحة العقل للكرماني الإسماعيلي ص ١٣١،١٤٧،نهاية الإقدام للشهرستاني ص ١٢٨. ٦ الملل والنحل للشهرستاني ص ٧٣.
[ ٢ / ٢٠ ]
والقادر لأن المخلوق عنده لا يوصف بالقدرة إلا مجازًا لأنه كان جبريًا يعتقد أن الإنسان لا قدرة له على الحقيقة ١.
أما المعتزلة فيثبتون الأسماء لله ﷿ كما أنهم يثبتون لله ﷿ الذات وينفون عنه سائر الصفات فيقولون إن الله يسمى عالمًا لا بعلم وقادرًا لا بقدرة وسميعًا لا بسمع.
وعلى هذا إجماعهم ويصفونه ﷿ بصفات السلوب فيقولون ليس بجسم ولا صورة ولا شخص ولا جوهر ولا يتحرك وليس بذي جهات ولا يحيط به مكان وهو شيء لا كالأشياء٢.
فهذه الفرق الثلاث هي أهم فرق غلاة المعطلة الذين ينكرون وصف الباري ﵎ بالصفات،ومنهم من ينفي الذات بما يدعونه من وصفه ﷿ بالوجود المطلق،الذي هو الوجود الذهني فقط، وهؤلاء هم الفلاسفة والجهمية، ومنهم من يثبت الذات وينفي الصفات وهم المعتزلة.
وغالبهم على قولين فيما ينسبونه إلى الله ﷿ وهما:
١ - السلب: وهو نفي ضد الصفة عنه مثل قولهم: ليس بجاهل ولا عاجز ولا طويل ولا جسم وليس له مكان ونحوها، وهذا هو الذي عليه جل الفلاسفة وجل المعتزلة.
٢ - الإضافة: بمعنى أن ما يضاف إلى الله ليس على اعتبار أنه صفة وإنما على اعتبار أن الله علة وجوده وسبب وجوده مثل أن يقال إن الله علة العالم أي سبب جوده ٣، وهو مثل قولك هذا ولدك فلا يعني أنه صفة لك وإنما يعني أنك سبب
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ١/٢٥٩، منهاج السنة النبوية ٢/٥٢٦-٥٢٧. ٢ انظر مقالات الإسلاميين ١/٢٣٥، شرح الأصول الخمسة ص ١٨٢،١٩٦،٢٠٠-٢٠١.وانظر المعتزلة وأصولهم الخمسة ص ٨٤. ٣ نهاية الإقدام للشهرستاني ص ١٢٧.
[ ٢ / ٢١ ]
وجوده، ومن هذا الباب عندهم إذا قيل: علم الله فيعني، أن الله سبب وجود العلم وليس بمعنى أن الله موصوف بالعلم، وهذا القول مما يقول به بعض الفلاسفة.
الصنف الثاني: الأشاعرة والماتريدية.
الذين يثبتون بعض الصفات وينفون البعض الآخر وهم: الأشاعرة والماتريدية: حيث يثبتون سبع صفات هي العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام النفسي١.
ويسمونها الصفات العقلية نسبة إلى مصدر ثبوتها وهو العقل عندهم أما بقية الصفات وهي الصفات الخبرية والصفات الفعلية فينفونها عن الله ﷿ ويوجبون فيها إما: التأويل أو التفويض، وسنبين المراد بهما في الفقرات التالية:
_________________
(١) ١ انظر اللمع للأشعري ص ١٠-١٥، الإرشاد للجويني ص ٧٧-١٠٥، الاقتصاد من الاعتقاد للغزالي ص ٨٥-٨٨، نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١٨١، شرح جوهرة التوحيد ص ١٠٥-١٣١، شرح أم البراهين على السنوسية ص ١٦-٢٢.
[ ٢ / ٢٢ ]
مسلك المعطلة في نصوص الصفات.
إن كل من نظر في القرآن الكريم أو السنة النبوية يجد أنهما يزخران بالنصوص الدالة على الصفات مما لا يدع للمسلم عذرًا في الإعراض عنها أو تجاهلها وذلك من كثرتها ووضوحها.
ولكن الشيطان قد تمكن من أهل الكلام حتى أعرضوا عن النصوص في هذا الباب ولم يحفلوا بها لأن بدعة التعطيل التي تمكنت من نفوسهم جعلتهم يظنون أن الله ﵎ لا يصح أن يوصف بالصفات١،بل اعتقدوا انحراف بل كفر من وصف الله ﷿ بالصفات التي ينكرونها مع ورودها في القرآن والسنة.
يقول الرازي: إن من يثبت كونه تعالى جسمًا متحيزًا مختصًا بجهة هل يحكم بكفره أم لا؟ للعلماء فيه قولان: أحدهما أنه كافر وهو الأظهر، هذا لأن
_________________
(١) ١ الفتوى الحموية ص ٦.
[ ٢ / ٢٢ ]
مذهبنا أن كل شيء يكون مختصًا بجهة وحيز فإنه مخلوق محدث، وله إله أحدثه وخلقه.١
وصار العقل هو مصدرهم في إثبات الصفات ومعرفة الله ﷿ وقد سبق ذكر قول عبد لجبار المعتزلي: "إن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل "٢، وقول الغزالي: "وكل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزًا له وجب التصديق به وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب تأويل السمع به "٣ وغيرهما.
كما سبق بيان بطلان دعوى التعارض بين العقل الصحيح والنقل الصحيح دعوى تقديم العقل على النقل.
ولأن مقصد المعطلة عمومًا من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية بالبراهين العقلية هي التخيلات العقلية والتصورات الذهنية التي وضعها فلاسفة اليونان الوثنيين وزعموا بناءً عليها أن الله ﷿ لا يصح أن يوصف بصفة ثبوتية،صار معتقد المتكلمين أن الله ﷿ لا يوصف بالصفات، أو يوصف ببعض الصفات وينفى عنه البعض الآخر إلا أن المأخذ في ذلك واحد وهو العقل غير المؤسس على الشرع.
وبناءً عليه صار لهم في نصوص الشرع الكتاب والسنة إذا تعارضت مع أدلتهم ونتائجهم مسلكان هما:
١ - رد المعنى وذلك بالتأويل أو التفويض. ٢ - رد النص وعدم قبوله.
_________________
(١) ١ أساس التقديس ص ٢٥٧. وقد سبق ذكر قول السنوسي إن أصول الكفر ستة وذكر منها: التمسك في أصول العقائد بظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية والقواطع الشرعية. شرح أم البراهين الكبرى ص ٥٠٢. فهذا الكلام لا شك لم يصدر إلا لتغلغل البدعة في نفوسهم، واعتقادهم أن الله لا يصح أن يوصف بالصفات، فبناء عليه أن من أثبت الصفات فهو مجسم ومن جسم كفر، ونحو ذلك من الهذيان الذي لم يدل عليه دليل لا شرعي ولا حتى عقلي صحيح، ولكن الشبه إذا تعلقت بالقلوب قلبت موازين النظر ومنعته من رؤية الحق مع وضوحه وظهوره. ٢ شرح الأصول الخمسة ص ٨٨. ٣ الاقتصاد في الاعتقاد ص ١٣٢، المستصفى ٢/١٣٧-١٣٨.
[ ٢ / ٢٣ ]
قال الرازي: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك:
إما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها؛ ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى "١، وسيأتي زيادة إيضاح لذلك.
فهذا هو موقف عموم الفلاسفة المنتسبين للإسلام والمتكلمين من جهمية ومعتزلة وأشعرية وماتريدية من نصوص الصفات، فإن كانت من القرآن الكريم مما لا يستطيعون الطعن في ثبوته أولوه وغيروا معناه ليتفق مع مقصدهم وهو نفي دلالته على الصفة،أو توقفوا عن التأويل، وفوضوا علم المعنى إلى الله مع القطع بعدم دلالة النص على الصفة.
وإن كانت الصفات واردة في شيء من الأحاديث النبوية زعموا كذبًا وزورًا أنها مردودة بدعوى أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد أو أن العقائد لا تثبت بأحاديث الآحاد.
المسلك الأول: رد المعنى: يرد المعطلة معنى النص بطريقتين: إما التأويل أو التفويض وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: التأويل.
التأويل في اللغة يتردد بين معنيين: الأول: مرجع الشيء ومصيره وعاقبته، الثاني: التفسير والبيان.
وأضاف المتأخرون معنى آخر وهو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى محتمل مرجوح لعلة٢.
_________________
(١) ١ أساس التقديس ص ٢٢٠-٢٢١. ٢ انظر معجم مقاييس اللغة ١/١٦٠، تهذيب اللغة للأزهري ١٥/٤٣٧،مختصر الصواعق ١/١٠.
[ ٢ / ٢٤ ]
أما في القرآن والسنة واستخدام السلف فلم يرد لفظ التأويل إلا على المعنيين الأولين وذلك مثل قوله ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف٥٣] والمراد بتأويله هنا ظهور حقيقته وذلك يوم يأتيهم الجزاء يوم القيامة، ومن ذلك قوله ﷺ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ١ فعلم التأويل هو علم التفسير.
ومن ذلك قول ابن جرير في تفسيره: "القول في تأويل الآية " ومراده تفسير الآية وبيان معنى ألفاظها وأحكامها ٢.
فهذان المعنيان هما الاستخدام الصحيح لكلمة التأويل ولكنها صارت في عرف المتأخرين خاصة بالمعنى الأخير وهو تحريف المعنى من معناه إلى معنى غير ظاهر لعلة وهذه العلة لا تعود في الغالب لمعنى شرعي؛ وإنما تعود إلى رأي وهوى، وهذا حقيقته تحريف كما يقول شيخ الإسلام: "فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل "٣، وقال ابن القيم: "والتأويل الذي يخالف ما دلت النصوص، وما جاءت به السنة هو التأويل الفاسد" ٤.
أمثلة من التأويل الفاسد لدى المتكلمين:
من الأمثلة التي استخدم المتكلمون التأويل فيها: تأويل الآيات المتضمنة للصفات.
فالمعتزلة يؤولون سائر الصفات ويمنعون اتصاف الله ﷿ بصف ثبوتية، ويقولون إن اتصاف الله ﷿ بصفة من الصفات يؤدي إلى إثبات آلهة معه وإثبات الجسمية له وما إلى ذلك من الدعاوى فكل صفة من الصفات يؤولونها حتى لا
_________________
(١) ١ المسند ١/٢٦٦-٣١٤-٣٢٨-٣٣٥. ٢ انظر درء تعرض العقل والنقل ١/١٤، الإمام ابن تيمية وقضية التأويل ص ٣٤/٣٥، جناية التأويل الفاسد، محمد أحمد لوح ص ١-١٢. ٣ مجموع الفتاوى ١٣/٢٩٦. ٤ الصواعق المرسلة ١/١٨٧.
[ ٢ / ٢٥ ]
يقعون في التشبيه أو نحو ذلك، فيقولون إن المراد بالآيات الدالة على الصفات مثل الاستواء هو الاستيلاء،والرحمة هي إرادة الثواب،واليد القدرة، والعلم الإدراك والسمع والبصر هو الإدراك وهكذا سائر الصفات.
أما الأشاعرة والماتريدية فاستخدموا التأويل أيضًا بنفس الطريقة التي استخدمها به المعتزلة إلا أنهم أكثر إثباتًا للصفات من المعتزلة، إلا أن ما يخالف قواعدهم فإنهم يؤولونه مثل قولهم في الاستواء الاستيلاء، واليد القدرة، والرحمة إرادة الثواب، والغضب إرادة العقاب، والوجه الذات، ونحو ذلك من التأويلات التي هي في الأصل تأويلات المعتزلة نفسها.
بيان بطلان التأويل عند المتكلمين:
المتكلمون عمومًا تصوروا في أنفسهم تصورًا بالنسبة لله ﷿ ثم بناءً عليه أرادوا تطبيق هذا التصور على كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ الذي لا يشك عاقل أنه لا ينطبق على تصور المتكلمين وآرائهم وإنما هم في وادِ والشرع في واد آخر، فأرادوا أن يجمعوا بين الثرى والثريا ويطبقوا تصوراتهم على الشرع بتأويلاتهم الفاسدة، وقد نهى السلف ﵏ عن تأويل نصوص الصفات بل قد أجمعوا على إثباتها من غير تأويل وتحريف ومن ذلك قول الترمذي ﵀ في كلامه عن حديث: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" ١ قال: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات في الصفات ونزول الرب ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: نثبت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف، هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعن ابن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ١٣/٤١٥.
[ ٢ / ٢٦ ]
الروايات وقالوا هذا تشبيه وقد ذكر الله ﷿ في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة، وقال إسحاق بن إبراهيم راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع لا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١] ١.
وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر: "وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن فما ذكره الله تعالى في القرآن من الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة،وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" ٢.
ونقل الإجماع على عدم التأويل ابن عبد البر ﵀ حيث قال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز "٣.
فهذا دليل على بطلان التأويل وضلال المؤولة ومخالفتهم لمنهج السلف.
كما أن للتأويل الذي هو التحريف لوازم كثيرة باطلة تتضح لكل من تأمل تأويل هؤلاء المعطلة.
ومن هذه اللوازم:
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ٣/٤١. ٢ الفقه الأكبر مع شرحه لملا علي القاري ص ٣٣-٣٤ وقد نقل عن فخر الإسلام وعن السرخسي ما يوافق ذلك أيضًا. ٣ التمهيد ٧/١٤٥.
[ ٢ / ٢٧ ]
١ - أن القرآن والسنة ليسا كتابي هداية بل ضلال على زعمهم وذلك أنهم زعموا أن جميع ما فيها من الصفات ليس على ظاهره مما يؤدي إلى انحراف الخلق لعدم إدراك كثير من الناس للتأويل الذي يصرف الكلام عن ظاهره، حتى أتى المتكلمون فبينوا لهم أوجه التأويل التي تبطل دلالة اللفظ الظاهر.
٢ - يلزم من قولهم بالتأويل عجز الله ﵎ ورسوله ﷺ عن التعبير الصحيح حيث تكلم بما ظاهره خلاف الحق.
وذلك أن آيات وأحاديث الصفات لا تكاد تحصر كثرة وعلى زعم المتكلمين أنها ليست على ظاهرها، فكان الأولى عدم تركها بدون بيان، وتركها هكذا بدون بيان وتحذير من الأخذ بظواهرها إما دليل على العجز عن التعبير الصحيح أو عدم الرغبة في الهداية وكلاهما منتف عن الله ﷿ ورسوله ﷺ.
٣ - أن دعوى أن نصوص الصفات ظاهرها باطل، وأن الحق هو في تأويلات المتكلمين وتخرصاتهم مؤد إلى أن ترك الناس بدون وحي في هذا أسلم لهم من أن يكون الوحي مضلًا لهم ومبعدًا لهم عن الحق.
٤ - يلزم من دعواهم في التأويل أن يكون الصحابة وأهل القرون الفاضلة إما جهلوا تلك التأويلات أو كتموها وذلك أنه لم يرد عن أحد منهم تلك التأويلات التي زعمها المتكلمون.
ويلزم من هذا إما أنهم جهلوا تلك التأويلات ولم يعلموها ولازم هذا أن يكونوا اعتقدوا بظاهر تلك الصفات فاعتقدوا في الله الباطل، وإما أنهم علموا بها ولكنهم كتموها ولم يبينوها للأمة فيكونوا بذلك قد خانوا الأمة وكتموا علمًا يحرم عليهم كتمانه خاصة أنه يتعلق بالتعريف بالله ﷿ وصفاته وأفعاله، وكل ذلك لا شك منتف عن خير الأمة وأئمتها وأفضل قرون أهل الإسلام.
٥ - أن المتأول من هؤلاء المتكلمين لا يمكنه أن يبين الفرق بين ما يسوغ تأويله وما لا يسوغ تأويله من الآيات والأحاديث.
[ ٢ / ٢٨ ]
وذلك أن التأويل مبني على قواعد عقلية مخالفة للشرع، ولكل من المتكلمين من المعتزلة والأشعرية والماتريدية فضلًا عن الفلاسفة رأيهم ومنهجهم، فاختلفوا بناء على ذلك فيما يؤولونه ويحرفونه، فأول المعتزلة الصفات كلها وأول الأشعرية والماتريدية بعضها وأول الفلاسفة والباطنية الصفات والأفعال وحتى المعاد وأسماء الملائكة فبالتالي لا يستطيع أحد منهم أن يبين الفرق بين ما يسوغ تأويله وما لا يسوغ تأويله.
٦ - أن المؤول لا يمكنه الرد على منكري البعث ولا على منكري الربوبية من الملاحدة الباطنية وذلك لأن آيات وأحاديث الصفات التي تسلط عليها المتكلم الضال بالتحريف الذي يسميه تأويلًا أكثر وأظهر من آيات البعث وآيات الربوبية،كما أن المتكلم لا يرجع في تأويله إلى دليل شرعي إنما إلى نظر عقلي يعود إلى مشركي اليونان الوثنيين، فبالتالي لا يستطيع أن يقيم الحجة على منكري البعث ومنكري الربوبية الذين يرجعون في دعاويهم إلى القوم نفسهم.
٧ - أن المتكلمين لم يرجعوا فيما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة وإنما رجعوا إلى قوانين الصابئة والمشركين من الفلاسفة الوثنيين وجعلوا القرآن والسنة وراءهم ظهريًا وزعموا أنهم يريدون أن يوفقوا بين العقل والقرآن وصدق فيهم قول الله ﷿: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء٦٠ - ٦٢]
٨ - أن التأويل الذي يزعمه المتكلمون للصفات مراعاة لما يسمونه التقديس أو التنزيه يلزم منه لازم مثله في الضلالة أو ربما أكثر منه،وذلك أن المتكلمين إنما أولوا الصفات التي يلزم منها عندهم الجسمية أو نحو ذلك، إلا أنه يلزمهم من
[ ٢ / ٢٩ ]
الباطل فيما أولوا أشد وأعظم مما فروا منه، فصفة العلو مثلًا نفوها فرارًا من التجسيم، وقالوا: هو لا داخل العالم ولا خارجه، فإذا بهم ينفون وجود الله ﷿ لأن كل ما لم يكن داخل العالم ولا خارجه فلا وجود له أو يلزمهم أن يقولوا هو في كل مكان، فيلزم لذلك عدم تنزيهه عن مكان من الأماكن القبيحة والمستقذرة، وكذلك نفيهم للكلام، وزعم الأشاعرة أنه الكلام النفسي، فإن لازم ذلك وصفة سبحانه بالخرس الذي هو صفة نقص أما الكلام فهو صفة كمال،ولاشك أن هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة بأن يبتلى بضد ما قصد،،وماذا بعد الحق إلا الضلال١.
_________________
(١) ١ انظر الفتوى الحموية ص ٨-١٥، ومختصر الصواعق ١/١٠-١٢٩، وجناية التأويل الفاسد ص ٣٠-٣٩.
[ ٢ / ٣٠ ]
ثانيا: التفويض:
يقصد به: اعتقاد عدم صحة دلالة ظاهر النص على الصفة وتفويض علم معنى النص إلى الله ﷿. مثال ذلك:اليد والوجه والقدم ونحوها من الصفات فهي ألفاظ ليس لها معنى معلوم عندهم، وإنما الله ﵎ هو الذي يعلم مراده منها، مع الحذر من اعتقاد أنها تتضمن إثبات صفة اليد أو الوجه أو القدم، ويضيفون أيضًا أن هذا هو مذهب السلف.
وهذا الذي رجع إليه الجويني في كتابه "العقيدة النظامية" وأوجبه١، مع أنه في كتابه "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" يوجب تأويل الصفات حذرًا من اللبس ووقوع الشبهات في الدين٢.
والغزالي جعل التفويض هو الذي يصار إليه مع العوام،فيزجروا عن تعلم معاني الصفات ويفهموا فقط أن الله ليس كمثله شيء٣، وزعم أن هذا الموقف من العوام هو مذهب السلف وأنهم كانوا لا يطلعون العوام على علم معاني الصفات مع أنهم كانوا يعلمون ذلك، وبنى على ذلك كتابه "إلجام العوام عن علم الكلام"٤.
_________________
(١) ١ العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية ص ٣٢. ٢ الإرشاد إلى قواطع الأدلة ص ٦٠. ٣ انظر الاقتصاد في الاعتقاد ص ٣٦. ٤ انظر إلجام العوام عن علم الكلام ص ٥٤، ٨٤.
[ ٢ / ٣١ ]
أما المتأخرون من الأشاعرة فصاروا إلى أن كل نص فيه إثبات صفة لا يثبتونها، فعلى المسلم أ، يعتقد عدم ثبوتها أولًا، ثم بعد ذلك إما أن يؤول وإما أن يفوض إلى الله ﷿ علم المعنى ١.
الرد عليهم في دعوى التفويض.
الأشاعرة والماتريدية الذين يدعون التفويض وينسبون ذلك إلى السلف جمعوا بين تجهيل السلف والكذب عليهم كما أنهم متناقضون في هذه الدعوى وهذا يتبين مما يلي:
١ - إن ادعاء أن السلف كان مذهبهم تفويض المعنى تجهيل لهم وذم، لأن معنى ذلك أنهم كانوا كالأعاجم والأميين الذين لا يفهمون معاني الصفات، وإنما يقرؤون آيات القرآن ولا يدرون ماذا تعني، وهذا خلاف الحق الظاهر المشهود، فإن الثابت أن الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا لفظ القرآن وتفسيره ونقلوه إلى من بعدهم. قال عبد الله بن مسعود ﵁: "والذي لا إله إلا غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته".
وعنه ﵁ أيضًا أنه قال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن".
وعن مجاهد قال: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها "٢.
_________________
(١) ١ انظر: أساس التقديس للرازي ص ٢٢١، حيث جعل النصوص المعارضة للعقل إما غير صحيحة فترد وإما صحيحة فيقطع بأن ظاهرها غير مراد ثم تؤول على سبيل التبرع، وإما يفوض علمها إلى الله ﷿، وانظر شرح جوهرة التوحيد ص ١٥٣-١٥٤، وجاء فيها: وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها ٢ ذكر هذه الروايات الثلاث ابن كثير في مقدمة تفسيره ١/٤-٥.
[ ٢ / ٣٢ ]
فهذه النصوص تدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا أميين جهلاء لا بالنسبة لنصوص القرآن ولا بالنسبة لآيات الصفات ومن ادعى أنهم يجهلون معاني النصوص فقد افترى عليهم.
٢ - إن ادعاء أن السلف كانوا مفوضة للمعنى كذب عليهم أيضًا لأن كل من اطلع على النصوص عنهم أدرك أنهم اثبتوا معاني الصفات على الوجه اللائق بالله ﷿ ومن ذلك ما رواه مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت في أمر الإفك: "لشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله ﷿ فيَّ بأمر يتلى "١.
وكذلك قولها ﵂ الذي رواه البخاري: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" ٢.
وكذلك قول زينب بنت جحش ﵂ تفخر على أزواج النبي ﷺ الأخريات: "زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات" ٣.
وقول ابن عباس ﵁ لما دخل على عائشة ﵂ وهي في الموت: "كنت أحب نساء رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبًا وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات" ٤.
وقال الأوزاعي إمام أهل الشام: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته "٥.
وقال الإمام الشافعي ﵀: "السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين رأيتهم عليها فأحلف عنهم مثل سفيان الثوري ومالك وغيرهما
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢١٣٥. ٢ أخرجه البخاري في التوحيد ١٣/٣٨٤. ٣ أخرجه البخاري في التوحيد ١٣/٤١٥. ٤ المسند ١/٢٧٦، الرد على الجهمية للدارمي ص ٢٧٥. ٥ تذكرة الحفاظ للذهبي صحيح الرواية ١/١٨١.
[ ٢ / ٣٣ ]
الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف يشاء وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء" ١.
فهذا غيض من فيض في الدلالة على أن السلف كانوا يثبتون معنى الصفة ويفوضون في الكيفية وهذا ظاهر بحمد الله.
٣ - إن المفوضة يستدلون لقولهم بالوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران٧] .ويزعمون أن الصفات من المتشابه، وفي ذلك خطأ من أربعة أوجه:
أولًا: أن نسبة التفويض إلى الشرع خطأ ظاهر لما سبق بيانه.
ثانيًا: ادعائهم أن الصفات من المتشابه وهذا لم يقل به أحد من السلف٢.
ثالثًا: أنهم يجعلون التفويض أحد الموقفين من النصوص،والموقف الآخر والذي عليه جلهم هو التأويل، فكيف ادعوا إسناد العلم إلى الله في هذا ثم يؤولون.
رابعًا: أنهم يمنعون إطلاق الصفة الواردة في الآية وهذا معنى متعلق بالآية وهو عدم القول بالمعنى الظاهر، فادعاء أن هذا تفويض وتوقف في معنى الآية تناقض،لأنهم حددوا المراد إجمالًا إلا أنهم لم يحددوه تعيينًا بمعنى أنهم نفوا المراد ثم لم يحددوا المراد، وهذا تناقض.
ولو نظرنا في موقف العلماء من فواتح السور ممن لم يفسرها قالوا الله أعلم بمراده منها، فهم لم يحددوا أي مفهوم لها لا إجمالي ولا تفصيلي فهذا هو التفويض الصحيح للمعنى أما المتكلمون فدعوى التفويض عندهم متناقضة في نفس الصفة لما ذكرنا.
٤ - إن ادعاء تفويض علم معنى الصفة إلى الله ﷿ فيه تفريغ لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والسنة عن معانيها الظاهرة وإبطال لدلالتها على المعاني،وفي هذا
_________________
(١) ١ عون المعبود ١٣/٤١، طبقات الحنابلة ١/٢٨٣. ٢ انظر: تفسير ابن جرير ٣/١٧٢ فقد ذكر أن الأقوال في المتشابه إما أنه المنسوخ أو ما تشابهت معانيه واختلفت ألفاظه أو ما تشابهت فيه المعاني في القصص واختلفت ألفاظه، أو ما استأثر الله بعلمه من وقت نزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها ومنهم من قال المقطع من أوائل السور.
[ ٢ / ٣٤ ]
من الطعن في القرآن والسنة ما فيه، لأن معناه أن الله ﷿ خاطبنا بكلام لا معنى له عندنا،ولا فائدة لنا فيه،بل هو كلام خال من أي فائدة،بل في زعمهم مضر لنا في ديننا، وحاشا كلام الله ﷿ وكلام رسول الله ﷺ أن يكون كذلك بل الأولى بهذه الأوصاف كلام المتكلمين وأضرابهم.
ثانيا: ردهم للأحاديث النبوية في الصفات
المعطلة لما اعتدوا على آيات الكتاب العزيز بالتحريف والتعطيل تسلطوا على أحاديث النبي ﷺ بالإلغاء والرد والإبطال فزعموا أنها أحاديث آحاد لا تقبل في العقائد، وفي هذا يقول عبد الجبار المعتزلي عن خبر الواحد: "يجوز العمل به إذا ورد بشرائطه، فأما قبوله فيما طريقته الاعتقادات فلا" ١.
ويقول الرازي: "أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز "٢.
وهذا لاشك من الظلم والاعتداء والبغي والضلال ورد الحق لشبه عقلية وتصورات ذهنية ليست بشيء ولا على شيء، وقد رد ذلك علماء الإسلام وبينوا بطلانه وبينوا أن حديث الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملًا به وتصديقًا له يفيد اليقين عند جماهير الأمة٣.
ومما يبين بطلان دعوى المتكلمين أشياء عديدة منها:
١ - أن الصحابة ﵁ وكذلك التابعين وأئمة الإسلام لم يفرقوا بين الأحاديث كما فعل المتكلمون،إنما كانوا إذا صح الحديث أخذوا به في العقائد والأحكام وإذا لم يصح ردوه في العقائد والأحكام، فعلى من زعم التفريق أن يثبت أن الصحابة أو التابعين كانوا يفرقون بين ذلك.
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص ٧٦٩. ٢ أساس التقديس ص ٢١٥. ٣ انظر مختصر الصواعق ٢/٣٦٢-٤٣٣، شرح الطحاوية ص ٥٠١، خبر الواحد وحجيته ص ١٢٥-١٤٤.
[ ٢ / ٣٥ ]
٢ - أن الله أرسل للناس رسلًا أفرادًا فلو كان التواتر مشروطًا في إقامة الحجة ما قامت الحجة على الناس بإرسال أفراد من الرسل.
٣- أن الله ﷿ قال: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]،فعلل الرد بالفسق ومفهوم ذلك أنه إذا جاء العدل قبل قوله.
٤- أن النبي ﷺ أرسل رسله بكتبه إلى الملوك حول الجزيرة وهم أفراد،وقد قامت الحجة على أولئك بتلك الرسائل،كما أرسل أصحابه معلمين وولاة وقضاة مثل أبي موسى الأشعري ثم معاذ بن جبل ثم علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن، كما أرسل قبل ذلك مصعب بن عمير إلى المدينة فدخل بدعوته كثير من أهلها، كما أرسل أبو عبيدة بن الجراح إلى نجران، فلو كانت العقائد لا تثبت بأخبار الآحاد لما صح ذلك من النبي ﷺ ولما أقره الله ﷿ عليه.
٥- قول النبي ﷺ: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" ١ فدعا للنفر الواحد بنقل الرواية ولم يفرق في ذلك بين عقيدة وشريعة وفي هذا كفاية والله أعلم.
_________________
(١) ٢ أخرجه د. في العلم من حديث زيد بن ثابت ٢/١٢٦، ت. في العلم من حديث زيد وعبد الله بن مسعود. وقال عن حديث زيد: حسن، وقال عن حديث عبد الله: حسن صحيح ٥/٣٤.
[ ٢ / ٣٦ ]
الأصول التي بنى عليها المتكلمون نفيهم للصفات
المتكلمون عمومًا كما سبق بيانه اعتمدوا على أصول وقواعد سموها أدلة وبراهين عقلية زورًا وبهتانًا، وإنما هي تصورات ذهنية وخيالات وأوهام مستوردة من فلاسفة اليونان الوثنيين، ألبسها المتكلمون لباس الإسلام، وأدخلوها في صلب طريقتهم في معرفة الله ﷿ فأثمرت لهم نتائج فاسدة باطلة مخالفة لكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ بل مخالفة للعقل السليم.
ومن أهم القواعد التي قعدوها في باب معرفة الله ﷿ هو: اعتمادهم على العقل في معرفة الله ﷿ وبناء عليه جعلوا الشرع تابعًا له لا متبوعًا، وهذا منهم التزام بمسلك الفلاسفة الذين راموا التعرف على الله ﷿ بالعقل، فتوصلوا بناءً على النظر في المخلوقات إلى أن الكون مكون من مادة وصورة، وأنها قديمة أزلية وأن هناك موجودا أعلى هو الذي تولى ترتيبها وانبثاق المخلوقات منها وهذا الموجود يزعمون بأنه: "عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك" وهو أزلي لا بداية لوجوده.
فدرج المتكلمون على هذا المدرج فراموا إثبات وجود الله ﷿ من خلال النظر في مخلوقاته بالطريقة التي سلكها الفلاسفة، وقالوا بما قال به الفلاسفة من تقسيم المخلوقات إلى مادة وصورة إلا أنهم جعلوا بدل المادة الجوهر أو الجسم وبدل الصورة العرض، وخالفوهم بأن قالوا: بحدوث الجواهر والأعراض، بخلاف دعوى الفلاسفة الذين قالوا بقدمها.
وحتى يثبت المتكلمون وجود الله ﷿ استخدموا مايسمونه: دليل حدوث الجواهر والأجسام والأعراض، وحتى يقرروا ذلك قدموا بست مقدمات - وقد سبق ذكرها في الفصل الأول - توصلوا من خلالها إلى إثبات حدوث الأجسام،ثم قرروا بناء على ذلك أن لها محدثا هو الله ﷿، إلا أن هذا الطريق أوصلهم إلى أن نفوا عن الله ﷿ كل ما جعلوه دليلا على حدوث الأجسام أو الأعراض فأداهم ذلك إلى أن قالوا بمثل دعوى الفلاسفة في الله من أنه: عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك، وهم وإن لم يعبروا بهذا التعبير نفسه فإنهم التزموا مدلوله وهو أن الله لا يمكن أن يكون جسمًا.
[ ٢ / ٣٧ ]
وهذا يتفق مع قول الفلاسفة: إنه عقل، كما أنه لا يمكن أن يفعل الشيء متى شاء، وهذا يتفق مع قول الفلاسفة: إنه لا يتغير ولا يتحرك، كما أن المعتزلة منهم أنكروا صفاته بناءً على أنه واحد وهو قول الفلاسفة إنه أوحد، وهذا كله حتى يسلم لهم الدليل الذي استدلوا به على وجود الله ﷿ وحدوث العالم١، فالتزموا حيال هذا الدليل التزامات صارت من أهم شبههم في نفي صفات الله ﷿، نذكر بعضًا منها وهي:
١ - أن إثبات الصفات يلزم منه التعدد أو ينافي الوحدانية.
٢ – أن إثبات الصفات يلزم منه التجسيم.
٣ – أن إثبات الصفات يلزم منه وصف الله بالحدوث أو حلول الحوادث في ذاته ﵎.
٤ - أن إثبات الصفات يلزم منه المماثلة بين الخالق والمخلوق.
وسنشير بإ شارات مختصرة إلى هذه الشبه ونبين بطلانها:
الشبهة الأولى: أن إثبات الصفات ينافي الوحدانية ويلزم منه التعدد.
هذا الشبهة أخذ بها المعتزلة،حيث زعموا أن وحدانية الله تعني أنه واحد في ذاته وحدانية مطلقة، وهذه الوحدانية عندهم تتنافى مع إثبات الصفات، يعني أن كل صفة ذات مستقلة، فيلزم من ذلك وجود ذوات بعدد الصفات، وهذا منتف عن الله ﷿،فبالتالي لابد من نفي الصفات حتى لا تتعدد الذوات بتعدد الصفات٢.
الرد عليهم:
هذا قول باطل وتصور باطل من عدة أوجه وهي:
١ - أن هذه الدعوى باطلة،لأن من البديهي أن كل ذات لابد لها من الصفات وأنه ما من موجود إلا وله صفات والذي ليس له صفة هو ما ليس بموجود وهو المعدوم.
_________________
(١) ١ قد سبق أن بينا بطلان هذا الطريق وهذا الدليل. ٢ انظر كلام عبد الجبار المعتزلي في شرح الأصول الخمسة ص ١٩٥.
[ ٢ / ٣٨ ]
٢ - أن المعتزلة أثبتوا صفة الوجود لله ﷿ فيلزمهم في ذلك إثبات ذات معه تسمى الوجود.
٣ - أن الوحدانية التي ذكروها وهي الذات الخالية من الصفات هو توحيد الفلاسفة، الذين زعموا أن الله لا يصح أن يوصف بأي صفة لأنه واحد من كل وجه، لا عقلي ولا شرعي وإنما هو قول مبني على وهم وخيال.
٤ - أن الله ﷿ أثبت الوحدانية وأثبت الصفات في آياته المنزلة ووحيه إلى رسوله ﷺ، كما أن آيات الله في الكون تلجئ اضطرارًا إلى إثبات خالق موصوف بصفات الكمال حتى يتأتى إيجاد هذا الكون وإلا امتنع وجود الكون، وهذا ظاهر واضح فكل دعوى تنفي ذلك فهي وهمية باطلة.
الشبهة الثانية: نفي الجسمية.
المتكلمون عمومًا ردوا كثيرًا من الصفات الذاتية مثل العلو والوجه واليد والقدم وغيرها،وزعموا أن إثبات هذه الصفات إما دليل على الجسمية أو من خصائص الأجسام فبالتالي لا يمكن إثباتها لله ﵎ لأن الله عندهم ليس بجسم ولا يقوم به ما هو من خصائص الأجسام١.
الرد عليهم:
١ - أن دعوى أن الله ﷿ ليس بجسم هو وصف لله ﷿ أو هو قاعدة أساسية عندهم في صفات الله لأنه بني عليها اعتقادات عديدة متعلقة بصفات الله ﷿، ومع ذلك
_________________
(١) ١ انظر الإرشاد للجويني ص ١٥٠: حيث جعل المانع من وصفه بالنزول أن ذلك من صفات الأجسام، وانظر الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص ٣٠: حيث نفى العلو بناءً على أن الجهة من صفات الجواهر، وانظر إلجام العوام عن علم الكلام ص ٥٤: حيث جعل أول الواجبات تجاه أحاديث الصفات اعتقاد تنزيه الله ﷿ عن الجسمية وتوابعها، والرازي في أساس التقديس ص ١٥ وما بعدها، بنى الكتاب كله في نفي صفات الله ﷿ بناءً على نفي الجسمية.
[ ٢ / ٣٩ ]
فلم ترد في الكتاب ولا في السنة، حيث لا يوجد فيهما نص واحد ينفي عن الله ﷿ الجسمية، واستدلال الرازي لنفي الجسم عن الله بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص١]، وزعمه بأن لفظة "أحد" تعني ليس بجسم١،هو استدلال سخيف يتنافى مع اللغة والشرع فإن "أحد" في اللغة هو: الواحد وهو الأول في العدد وهو المنفرد، وبالنسبة لله ﷿ فالواحد والأحد ذو الوحدانية٢.
ووحدانية الله ﷿ ثابتة له جل وعلا،كما أثبتها الشرع من جميع النواحي فهو واحد في ذاته ﵎ وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا معين له وواحد في عبادته لا شريك له.
٢ - أن نفي الجسم عن الله هو دعوى الفلاسفة الذين زعموا أن الله ﵎ "عقل" ومرادهم بذلك أنه لا ذات له سبحانه، لأن مرادهم بالعقل هو الفكر أو الشيء المعقول، وهذا إذا تمعن فيه العاقل أدرك أنه حديث خرافة لا شرع ولا عقل، فأخذ المتكلمون بهذا وجعلوه قاعدة أساسية وكأنما هو تنزيل من حكيم حميد، وحقيقته دعوى فلسفية ظنية وهمية تخرصية.
٣ - أن التجسيم إثباتا أو نفيا لم يرد في الكتاب ولا في السنة وإنما هو لفظ مبتدع فأول من ابتدعه إثباتا هشام بن الحكم الرافضي بقوله إن الله جسم، وأول من نفاه عن الله ﷿ الجهم ابن صفوان٣ الترمذي، أما السلف فلا يثبتونه ولا ينفونه، فليس لأحد أن يتهمهم به كما أنه ليس لأحد من الناس أن ينفي ما ثبت بالشرع من الصفات بلفظ مبتدع مختلف في معناه إلى ثلاث عشرة مقالة كما ذكر أبو الحسن الأشعري٤.
_________________
(١) ١ أساس التقديس ص ٣٠. ٢ اللسان ٢/٤٥٠. ٣ مجموع الفتاوى ٦/٤٠-٤٣. ٤ مقالات الإسلاميين ٢/٤-٨.
[ ٢ / ٤٠ ]
٤ - أن نفي التجسيم على الكيفية التي يطلقها المتكلمون أدى إلى نفيهم سائر صفات الله ﷿ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة،وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على كذب هذه الدعوى وبطلانها لأنها معارضة لما ثبت في القرآن والسنة، فإما أن نثبت دعوى المتكلمين بنفي الجسم فننفي صفات الله ﷿ وهذا أعظم الضلال، وأما أن نثبت ما في القرآن والسنة من الصفات وننفي تلك الدعوى ونبطل الكلام فيها نفيا وإثباتا، وهذا هو الحق.
الشبهة الثالثة: نفي حلول الحوادث.
المتكلمون عمومًا نفوا الصفات الفعلية عن الله ﷿، وذلك مثل الكلام والنزول والاستواء والإتيان والضحك والرضى والغضب، وغير ذلك من الصفات المتعلقة بمشيئة الله وإرادته وأنه يفعلها ﷿ متى شاء، وحجتهم في ذلك أن هذا يؤدي إلى حلول الحوادث بمعنى أنه فعل فعلًا بعد فعل وهذا حدوث وتغير عندهم وكل متغير حادث والله منزه عن الحوادث كما أنه مؤد إلى أن الله تحل به الحوادث والله منزه عن ذلك١، هكذا على العموم زعموا.
الرد عليهم:
١ - إن دعوى أن الله ﷿ لا يفعل الشيء بعد الشيء أو لا يفعل متى شاء وهو ما يسمونه نفي الحوادث دعوى لا دليل عليها من الكتاب ولا من السنة بل الأدلة كلها على خلافها، واستدلال بعض المتكلمين بقصة إبراهيم الخليل ﵇ وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام٧٦]- فزعموا أن الأفول معناه: التغير والتحرك وهو منفي عن الله ﷿ بدلالة هذه الآية - هو استدلال خاطئ ظاهر البطلان، لأن الأفول في اللغة الاحتجاب والمغيب٢، وليس التغير
_________________
(١) ١ انظر الغنية في أصول الدين ص ٨١، والاقتصاد في الاعتقاد ص ٧٤-٧٥ عند كلامه على صفة الكلام وإيجابه الكلام النفسي ومنعه أن يكون الله يتكلم بمشيئته، وانظر ص ٩١ في كلامه على أن صفات الله قديمة، وانظر المواقف للإيجي ص ٢٧٥، والماتريدية دراسة وتقويما ص ٣٠٠-٣٠٣. ٢ انظر معجم مقاييس اللغة ١/١١٩، تهذيب اللغة للأزهري ١٥/٣٧٨.
[ ٢ / ٤١ ]
والحركة، وإبراهيم ﵇ كان يحاجهم في الألوهية وليس في صفات الله ﷿ ولا في وجوده.
٢ - أن دعوى المتكلمين نفي حلول الحوادث هو عين دعوى الفلاسفة في أن الله: "لا يتغير ولا يتحرك" أخذها المتكلمون وسموها: نفي حلول الحوادث، وهي دعوى باطلة شرعًا كما أنها باطلة عقلًا، إذ لازمها أن الله ﷿ جماد أو ميت فإن الجماد والميت هو الذي لا يتأتى منه الفعل أو الحركة.
٣ - أن إثبات أن الله ﷿ هو الخالق والمتصرف في هذا الكون ينفي تمامًا هذه الدعوى ويبطلها لأن لازم ذلك أنه يفعل ما يشاء وقت ما يشاء وهذا حدوث، فمن نفى الأفعال المتعلقة بالمشيئة والاختيار، على اعتبار أنها حوادث فعليه أن ينفي الخلق والتدبير، ومن قال بذلك فقد كفر.
٤ - إن دعوى المتكلمين إن حدوث الحوادث تغير والتغير على الله محال تلاعب بالألفاظ غير صحيح، لأن التغير هو أن ينقلب حال الإنسان من حال إلى حال بأن يكون صحيحًا فيصبح مريضًا أو يكون صالحًا فيصبح عاصيًا أو يكون عاصيًا فيصبح صالحًا.
هذا غالب ما يطلق عليه التغير في اللغة والشرع، أما إذا كان الإنسان مصليًا فصلى الصبح ثم صلى الظهر لا يقال تغير أو كان متكلمًا ثم سكت ثم تكلم لا يقال لهذا تغير١.
فيثبت من هذا أن دعوى المتكلمين بأن حلول الحوادث تغير كلام باطل وتحميل للألفاظ فوق ما تحتمل.
٥ - إن دعوى نفي الحوادث دعوى لم ترد في الكتاب ولا في السنة فهي مبتدعة بل إن الكتاب والسنة على خلافها، ومن يدعي نفي حلول الحوادث عن الله ﷿ ينفي عنه بذلك سائر صفاته الفعلية الاختيارية مثل الاستواء والنزول والرضى والفرح والمجيء ونحو ذلك فكيف يصح لمسلم أن ينفي ما ثبت قطعًا في الكتاب والسنة بألفاظ مبتدعة.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٦-٢٤٩.
[ ٢ / ٤٢ ]
الشبهة الرابعة: نفي مشابهة المخلوقات.
المعطلة تصوروا أن إثبات صفات الله ﷿ يلزم منه مشابهة الخالق للمخلوق فأداهم هذا التصور إلى نفيها زاعمين أن إثباتها تشبيه.
الرد عليهم:
١ - أن إثبات الصفات ليس فيه مماثلة ولا مشابهة وقد سبق أن بينا ذلك عند ذكر قواعد السلف في الصفات.
٢ - أن ما أثبته المعتزلة من الوجود والذات وما أثبته الأشاعرة والماتريدية من الصفات مثل السمع والبصر ونحوها، يلزمهم فيه مثل ما نفوا لأن المخلوقات توصف بتلك الصفات فيلزمهم نفي ما أثبتوا،فإذا قالوا إن وصف الله ﷿ بتلك الصفات على صفة لا تشبه المخلوق،فكذلك ما يتعلق بتلك الصفات التي نفوها فإن إثباتها على صفة لا تشبه صفة المخلوق.
٣ - أن الله ﵎ هو الذي ذكر الأمرين عن نفسه، وهما الإثبات ونفي التمثيل والمشابهة في قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١] . فلا يسع المسلم إلا إثبات الصفات ونفي التمثيل، ومن أخذ بجزء من الآية ونفى الجزء الآخر بلا دليل شرعي كان هذا إيمانا ببعض الكتاب وكفرا بالبعض الآخر.
٤ - أن دعوى نفي المشابهة بين الخالق والمخلوق،مع الغلو فيها هي دعوى الفلاسفة الذين نفوا عن الله ﵎ كل الصفات حتى الوجود الحقيقي من أجل نفي المماثلة وهي دعوى وهمية تخرصية كما أنهم متناقضون فيها لأنهم زعموا: أن العقل الأول وجد على شبه الموجود الأول الذي هو الله وأن الشيء لا يوجد إلا شبيهه وهذا تناقض واضح، فنفي وجود الله من أجل نفي المشابهة ثم إثبات التشابه التام بين الله وما يسمونه: العقل الأول،كلام متناقض تافه.
[ ٢ / ٤٣ ]
حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة
مدخل
حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة
الذنوب عند أهل السنة صغائر وكبائر.
والكبيرة عند أهل السنة: هي كل ذنب ختم بعذاب أو لعن أو عقوبة في الدنيا.
وقيل: إنها ما أوجبت حدًا في الدنيا أو حدًا في الآخرة.
والصغائر: ما لم يكن فيها ذلك.
وعند أهل السنة أن الكبائر لا تنقض الإيمان ولا تنافيه فعليه فمرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، وقد سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن تعريف الإيمان عند السلف.
أما حكمه في الآخرة فإن مرتكب الكبيرة إذا مات وهو مصر على شيء من الكبائر فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، ولا يخلد في النار أحد من أهل الإسلام.
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨]، فجعل الله ما دون الشرك تحت المشيئة.
وكذلك حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا،ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له" ١.
فهذه النصوص تدل على أن مرتكب الكبيرة إذا لم يتب فهو تحت المشيئة وقد وردت كذلك النصوص العديدة تبين أن الله ﵎ يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري مع الفتح ١/١٤.
[ ٢ / ٤٤ ]
منها حديث أنس بن مالك ﵁ قال،قال رسول الله ﷺ: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " ١. وفي رواية إيمان بدل خير.
وكذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فيخرجوا منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية" ٢.
فهذه النصوص وغيرها كثير تدل على أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار في الآخرة.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري مع الفتح ١/١٠٣. ٢ خرجه البخاري مع الفتح ١/٧٢.
[ ٢ / ٤٥ ]
التكفير عند أهل السنة
تعريف الكفر والتكفير:
الكفر لغة: مأخوذ من الستر والتغطية. والكفر شرعًا: ضد الإيمان.١
والتكفير: هو الحكم على أحد من الناس بأنه قد خرج من الإسلام، ووصفه بوصف الكفر، لإتيانه بما يوجب كفره.
خطورة التكفير:
والتكفير أمره عظيم وخطره جسيم، وهو بغي شديد. يقول ابن أبي العز الحنفي: "فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار".٢
فالحكم على معين بالكفر يترتب عليه أمور في الدنيا وأمور في الآخرة:
أما أمور الدنيا فيترتب عليه قطع الأخوة الدينية بينه وبين إخوانه المسلمين، وفسخ نكاحه، ومنع التوارث بينه وبين قرابته المسلمين، كما يوجب شرعًا قتله للردة، لقوله ﵊: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".٣
أما أمور الآخرة فهي أخطر وأعظم، وهي حرمان الإنسان من رحمة الله تعالى والخلود في النار، وقطع رجائه من الخروج منها، وعدم استحقاقه للشفاعة.
كما قد ورد الوعيد الشديد لمن وصف أحدًا من المسلمين بالكفر، وهو ليس بكافر، وذلك كما في حديث ابن عمر ﵁: "أيما امريء قال لأخيه يا كافر فقد
_________________
(١) ١ انظر: الكليات ص٧٦٣، المعجم الوسيط ٢/٧٩٢. ٢ شرح الطحاوية ٢/٤٣٦. ٣ مسلم. القسامة ٣/١٣٠٢ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٢ / ٤٦ ]
باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت إليه". وفي حديث آخر: "من قال لأخيه كافر أو عدو الله ثم لم يكن كذلك إلا حار عليه".١
فهذا وعيد شديد لمن وصف أحدًا من الناس بالكفر وليس بكافر. ومذهب أهل السنة في ذلك أنهم لا يكفرون بالذنوب، فقد روي أن رجلًا سأل جابر بن عبد الله:هل كنتم تدعون أحدًا من أهل القبلة مشركًا؟ قال: معاذ الله. ففزع من ذلك. قال: هل كنتم تدعون أحدًا منهم كافرًا؟ قال: لا ". ٢
كما قال الطحاوي ﵀:"ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله".٣
بمعنى أن الذنوب التي هي الوقوع فيما حرم الله من شرب الخمر أو القذف أو الزنا لا توجب الكفر إلا في حالة أن يستحله الإنسان، فيرى أنه حلال له ذلك، فهذا يخرج من الإسلام، لأن استحلاله يعني تكذيبه لكلام الله ورسوله ﷺ في تحريمه، وهو أعظم جرمًا من الفعل نفسه.
_________________
(١) ١ مسلم في الإيمان ١/٧٩. ٢ عزاه في المجمع إلى أبي يعلى والطبراني، وقال رجاله رجال الصحيح.مجمع الزوائد ١/١٠٧. ٣ شرح العقيدة الطحاوية ٣١٦.
[ ٢ / ٤٧ ]
أقسام الكفر الوارد في الكتاب والسنة:
الكفر الوارد ذكره في الكتاب والسنة على قسمين: كفر أكبر، وكفر أصغر.
أنواع الكفر الأكبر:
يمكن تقسيم مواقف الناس الكفرية من الدين الحق إلى خمسة أنواع من الكفر:
١ - كفر التكذيب والجحود. وذلك يعم كل من كذب الرسل في الباطن، وهو حقيقة المكذب. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام٢١] .
[ ٢ / ٤٧ ]
أما من كذب الرسل في الظاهر، وهو يعلم صدقهم في الباطن، فهذا هو الجاحد، وهذا حال كثير من المكذبين للرسل، خاصة ممن عاينوا آيات الأنبياء.قال تعالى عن فرعون وملائه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل١٤] .وقال عن مشركي مكة: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣] .
٢ - كفر الإباء والاستكبار. وذلك بأن يعلم الحق ويعرفه، ويتكبر عن الانقياد والاذعان. وذلك مثل كفر إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَر﴾ [البقرة٣٤] .
٣ - كفر الشك. الذي يناقض التصديق واليقين، ومن هذا الجنس كفر صاحب الجنة. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف٣٥]، وقد جعل الله الريب، وهو الظن والشك ١من الكفر الموجب دخول النار. قال تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق٢٤، ٢٥]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ٥٤] .
٤ - كفر الإعراض. وهو أن يعرض عن الحق فلا يسمعه ولايقبله. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة٢٢] .
٥- كفر النفاق. وهو أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون ١ - ٣] .
_________________
(١) ١ انظر: المعجم الوسيط ص٣٨٤.
[ ٢ / ٤٨ ]
فهذه الأقسام الخمسة التي ينقسم إليها كفر الكفار من ناحية موقفهم من الشرع والدين الحق.
أما كفرهم من ناحية انتماءاتهم الدينية،فكل من دان بدين غير الإسلام فهو كافر، ويمكننا أن نقسمهم من ناحية مذاهبهم إلى ثلاثة أقسام:
١ - مشركون: وهم كل من عبد غير الله تعالى من الأصنام والأوثان وغيرها.
٢ - أصحاب ملة: وهم كل من انتمى إلى ملة غير ملة الإسلام، كاليهودية والنصرانية أو المجوسية أو البوذية بعد بعثة نبينا محمد ﷺ
٣ - ملاحدة: وهم كل من لم يؤمن بدين، وإنما يعتقد الإلحاد.
فهؤلاء كلهم كفار، والواجب تكفيرهم. وهذا من المعلوم المجمع عليه، لدلالة الآيات في ذلك وصراحتها. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران١٩] .
نواقض الإسلام:
ما سبق ذكره هو في الكفار الأصليين، أما من كان مسلمًا فإن إسلامه ينتقض بكل فعل أو اعتقاد أو قول أطلق الله تعالى أو رسوله ﵊ على من صدر منه الكفر، مع أن حقيقة الفعل يناقض أصل الدين أو يضاده، أو يتضمن تكذيب الله تعالى أو تكذيب رسوله ﷺ، أو الاستهزاء أو السب لله تعالى أو رسوله ﵊ ونحو ذلك. وجل ذلك مجتمع في نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها كثير من العلماء. وهي:
[ ٢ / ٤٩ ]
١ - الشرك بالله.
الشرك بالله ناقض من نواقض الإسلام، سواء كان شركًا في الربوبية بادعاء أن أحدًا يتصرف في الكون، أو ادعاء علم الغيب، وما إلى ذلك. أو شركًا في الأسماء والصفات باعتقاد أن الله تعالى له مثيل أو شبيه، أو شركًا في الألوهية بصرف شيء من العبادة لغير الله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر٦٥] .
٢ - من جعل بينه وبين الله وسائط.
وذلك بأن يجعل بينه وبين الله واسطة في الدعاء، أو الاستغاثة من ملك أو قبر ونحوه. فهذا شرك مخرج من الملة، لأنه من جنس شرك المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر٣] .
٣ - من لم يكفر الكافرين أو شك في كفرهم.
هذا ناقض للإسلام، من ناحية أنه تكذيب لخبر الله فيهم، ورد لحكمه في كفرهم.
٤ - من اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه أو أحسن من هديه.
وهذا ناقض للإسلام لاعتقاده نقص الشريعة، وكمال غيرها، والله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] . وقال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة ١٣٨] .وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] .
[ ٢ / ٥٠ ]
٥ - من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فقد كفر.
البغض لشرع الله ناقض للدين،لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد ٩] .والكره يتنافى مع المحبة المطلوبة شرعًا لله ولدينه.
٦ - من استهزأ بالله أو رسوله أو يشيء من دينه أو ثوابه أو عقابه.
الاستهزاء بالله أو رسوله كفر مخرج من الملة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة٥٥، ٦٦]
وأشد منه من سب الله تعالى أو رسوله ﷺ أو دينه، فمن قال ذلك فهو كافر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب ٥٧] .
٧ - السحر.
السحر كفر مخرج من الملة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة ١٠٢] .
٨ - مظاهرة المشركين وموالاتهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة ٥١] وقال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران ٢٨] .
قال الطبري في معنى الموالاة هنا: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم،
[ ٢ / ٥١ ]
فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك، فقد برىء الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر. ١
فالموالاة التامة المتضمنة للمحبة والتعظيم والنصرة، هي التي يكفر بها الإنسان. قال شيخ الإسلام: ومن تولى أمواتهم وأحياءهم بالمحبة والتعظيم والموافقة فهو منهم".٢
٩ - من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ.
الرسول ﷺ مبعوث لعموم البشر. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨] .
فمن اعتقد أن إنسانًا يسعه الخروج عن الشريعة، أو أنه تسقط عنه التكاليف في وقت من الأوقات فهو كافر خارج من الإ سلام. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران٨٥] .
١٠ - الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به.
وذلك بأن يعرض عما يجب عليه ويفترض عليه أداؤه لله، فلا يهتم بذلك، ولا يعرفه ولا يتعلمه، فيعرض عن التوحيد وعن العبادات، فلا يعرف ذلك إعراضًا، فذلك مخرج من الملة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة٢٢] .
فمن فعل شيئا من هذه الأمور فقد خرج من الإسلام ومن كان دون ذلك فلا يخرج من الإسلام كما سيأتي إلا أن يكون ترك الصلاة.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٦/٣١٣. ٢ الفتاوى ٢٨/٢٠١.
[ ٢ / ٥٢ ]
حكم تارك الصلاة
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وقد ورد من الوعيد فيها والتأكيد عليها ما لم يرد في غيرها وقد توعد الله ﷿ غير المحافظين عليها بالعذاب الشديد.
وذلك في قوله ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون٤، ٥]، وقال ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم٥٩]، وسئل ابن مسعود عن هذه الآية: "ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها، فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارا".١
وبهذا المعنى جاء في حديث عبادة الصامت أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله ﷿، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه" ٢
فإذا كان هذا فيمن تهاون بها وترك بعضها أو بعض واجباتها فكيف بمن تركها بالكلية، وقد وردت نصوص تدل على كفره،منها قول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر٤٢، ٤٣] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة١١] وقال ﷺ: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" ٣ وحديث "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".٤
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن جرير ١٦/٦٦، وابن كثير ٣/١٢٥. ٢ أخرجه أحمد ٥/٣١٩، وأبو داود في كتاب الصلاة حديث رقم ٣٢٥. ٣ أخرجه أحمد ٥/٣٤٦، والترمذي في الإيمان حديث رقم ٢٦٢١ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/٢٢٦. ٤ أخرجه مسلم في الإيمان ١/٨٨،والترمذي في الإيمان ٥/١٣.وانظر طرقه في تعظيم قدر الصلاة للمروزي ٢/٨٧٣.
[ ٢ / ٥٣ ]
وكذلك ما روي عن عبد الله بن شقيق أنه قال: ما كانوا –يقصد الصحابة- يرون عملا تركه كفر إلا الصلاة".١
فهذا يدل على إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة.
وقد عزا تكفير تارك الصلاة شيخ الإسلام إلى جمهور السلف والتابعين وهو رواية عن الإمام أحمد وطائفة من أصحابه وأصحاب مالك والشافعي٢.
ما سبق ذكره هو في القسم الأول من أقسام الكفر الوارد في الكتاب والسنة، وهو الكفر الأكبر.
أما الكفر الأصغر
فهو ما أطلق الشارع عليه اسم الكفر من الذنوب مما لا يتناقض مع أصل الدين الذي هو التوحيد.
وذلك مثل قوله ﵊: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٣ وقوله ﵊: "ثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة" ٤وقوله ﵊: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ" ٥ وغير ذلك من الأحاديث.
فهذا الكفر الوارد في هذه النصوص ليس من الكفر الأكبر المخرج من الملة، لوجود أدلة أخرى تدل على عدم خروجه من الدين،وهي أن الله وصف المتقاتلين بالإيمان في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩] .
فسماهم مؤمنين مع وجود الاقتتال، كما أنهم لو كانوا بتلك الذنوب كفارا لوجب قتلهم للردة، ولما لم يوجب ذلك تبين أن المراد بذلك ليس كفرا مخرجا من الملة.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في الإيمان حديث رقم ٣٦٢٢، وانظر تعظيم قدر الصلاة للمروزي ٢/٩٠٥. ٢ مجموع الفتاوى ٢٠/٩٧ ٢٨/٣٠٨ ٣ أخرجه مسلم في صحيحة ١/٨١. ٤ أخرجه أحمد ٢/٤٤١. ٥ أخرجه أحمد ٢/٤٠٨.
[ ٢ / ٥٤ ]
وقد دلت الأدلة الشرعية على أن هذه الألفاظ الشرعية، وهي الشرك والكفر والظلم والنفاق تأتي على معنيين أكبر وأصغر. الأكبر مخرج من الملة وأما الأصغر فلا يخرج من الملة.
ومن هذه الأدلة قوله ﷺ: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال "الرياء" ١.
أما الظلم فيدل عليه ما رواه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهفما أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ [الأنعام٨٢] شق ذلك على أصحاب الرسول ﷺ، فقالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا وهو يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: "ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " ٢.
أما النفاق، فحديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان وإذا خصم فجر" ٣
أما الكفر فحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار تكفرن، قيل يكفرن بالله، قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر قالت ما رأيت منك خيرا قط" ٤
وكذلك ما ورد عن عبد الله بن عباس ﵁ في قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] قال: هي به كفر، وليس كفرا
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٥/٤٢٨–٤٢٩ قال ابن حجر إسناده حسن، بلوغ المرام ص ١٨٧ ٢ أخرجه البخاري انظر الفتح ١/٨٧ مسلم ١/١١٥ عن عبد الله بن مسعود ﵁. ٣ أخرجه البخاري في الإيمان رقم٣٤، ومسلم في الإيمان ١/٢٣٤، وأحمد في مسنده ٢/١٨٩. ٤ أخرجه البخاري في الزكاة ٣/٣٨١.
[ ٢ / ٥٥ ]
بالله وملائكته وكتبه ورسله: وفي رواية أنه قال: كفر دون كفر،ومثله ورد عن عطاء وطاووس وغيره١.
فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن هذه الألفاظ في كلام الشارع تأتي على معنين،وهذا ما عليه أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان خلاف ما عليه أهل البدع من الخوارج ونحوهم.
فعليه من أتى بفعل كفري مما سبق ذكره فهو كافر خارج من الإسلام مستوجب لعقوبة الكفرة من اليهود والنصارى والوثنيين.
أما من كان ما آتاه من الذنوب والخطايا دون ذلك فليس فعله كفرا إلا أن يكون ترك الصلاة كما سبق ذكره، أو يكون مستحلا لما فعل.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١٠/٣٥٤ بتحقيق أحمد شاكر.
[ ٢ / ٥٦ ]
ضوابط التكفير
لخطورة التكفير وما يترتب عليه من الأمور الخطيرة في الدنيا والآخرة فقد جعل الشارع له ضوابط يجب مراعاتها، حفاظًا على أواصر الأخوة الدينية بين المسلمين، فلا يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا إلا وفق الضوابط المبيحة لذلك، وهي:
أولا: أن لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله
إن الكفر والتكفير حكم شرعي مثل الإسلام والإيمان أحكام شرعية لا يجوز إطلاقها على أحد إلا من استحقها من خلال الشرع، فمن كفره الله ورسوله فهو كافر ومن لم يكفره الله ورسوله فلا يكفر.
ومن كفر بعقله أو قياسه فهو مخطئ متجاوز للحدود الشرعية وهو كمن شهد لأحد بالصلاح والإيمان لمجرد أنه رآه يحسن الحساب أو الهندسة أو الطب، أو شهد لنصراني بالإسلام لأنه ذو خلق حسن ومعشر حسن.
كما أن أهل السنة لا يكفرون من كفرهم،لأن التكفير حكم شرعي وليس داخلا في العقوبة بالمثل وذلك كمن كذب عليك أو سرق مالك أو زنى بأحد
[ ٢ / ٥٦ ]
محارمك ليس لك أن تفعل ذلك به،لأن هذه الأعمال محرمة في حق كل أحد لحق الله تعالى، كذلك التكفير هو حق لله تعالى.ومما يدل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكفروا الخوارج مع أن الخوارج كانوا يكفرون عليا وعسكره، بل كانوا يرون أنهم ضلال انحرفوا عن الحق١.
ثانيا: التفريق بين التكفير المعين والتكفير المطلق
التكفير عند أهل السنة على نوعين معين ومطلق.
أما تكفير المعين: فهو وصف شخص ما لعمل قام به أو قول قاله بأنه كافر، وهذا لا يجوز إلا بشروط وانتفاء موانع وسنذكر ذلك.
أما التكفير المطلق: فهو إطلاق الكفر على الفعل أو القول أو الاعتقاد وعلى فاعل ذلك على سبيل الإطلاق، وهذا النوع قد ورد في الشرع إطلاقه فنطلق كما أطلقه الشارع فيقال مثلا: من اعتقد أن الله ليس فوق السماء كافر، أو آكل الربا ملعون، وشارب الخمر ملعون ونحو ذلك مما أطلقه الشارع.
ومن هذا الجنس ما يطلقه العلماء والأئمة من تكفير أصحاب البدع مثل القدرية والجهمية والرافضة ونحوهم فيتعلق الحكم بالعموم أو بالفعل، ولا يتعلق بالشخص المعين، إذ الشخص المعين لا يحكم بكفره إلا بشروط وانتفاء موانع.
الدليل على الفرق بين الحكم المطلق والمعين:
ما روى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك النبي ﷺ وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما، فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: "اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به"، فقال النبي ﷺ: "لا تلعنوه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".٢
_________________
(١) ١ انظر منهاج السنة النبوية ٥/٩٢-٩٣الرد على البكري ص٢٥٦-٢٥٨، مسألة التكفير ١/٤٤٣٧. ٢ البخاري ٨/ ٢٨٤
[ ٢ / ٥٧ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فنهى النبي ﷺ عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه ﷺ لعن في الخمر عشرة، لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها" ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع من لحوق اللعنة به، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع"١.
وقد ورد عن إبراهيم النخعي أنه قيل له: ما ترى في لعن الحجاج؟ فقال: "لا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
وسئل الإمام أحمد قيل له: الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره فيلعنه، قال: "لا يعجبني، لو عبر فقال: ألا لعنة الله على الظالمين".
ومثله ورد عن الحسن البصري وابن سيرين كما ذكر الخلال٢.
فهذه الأدلة والروايات تدل على أن التكفير المطلق لا يستلزم التكفير المعين.
ثالثا: تكفير المعين
المعين من الناس ممن ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه بالشك والظن، وإنما يكفر بعد أن تقوم عليه الحجة وتنتفي عنه الشبهة، لهذا حدد العلماء لإطلاق الكفر على المعين شروطا إذا وجدت فيه وانتفت الموانع المانعة من إطلاق الكفر فإنه يكفر ويحكم عليه به ويقام عليه به حد الكفر إذا لم يتب ويرجع.
وهذه الشروط والموانع قد استنبطها العلماء من الشرع وكلام السلف ﵏.
أولا: الشروط
قد يقع المسلم في فعل كفري أو يقول قولا كفريا أو يعتقد اعتقادا كفريا إلا أننا لا نحكم بكفره إلا إذا تحققت فيه الشروط التالية:
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٢٩ – ٣٣٠. ٢ انظر السنن للخلال ١/٥٢٢-٥٢٣.
[ ٢ / ٥٨ ]
١ - أن يظهر من قوله أو فعله ما يدل على المعنى الكفري ويلتزمه.
إن الإسلام إذا ثبت بالنسبة لإنسان لا يجوز إخراجه منه بالظن والتهمة أو تحميل كلامه فوق ما يحتمل لأن ذلك كله مما لا يجوز به الحكم بالكفر على الشخص المعين، وهو في ذلك مثل الحدود الشرعية لا تثبت على الإنسان إلا بالاعتراف أو الشهود.
كما أن لازم المذهب ليس بمذهب فإذا قال إنسان قولا وكان يلزم منه الكفر كمن أنكر: أن الله فوق السماء أو نفى الصفات عن الله ﷿، فإن لازم ذلك تكذيب الله ورسوله، بل لازم ذلك نفي وجوده ﵎ وهذا كفر بين، ولكن لا يحكم على الشخص بالكفر ما لم يبين له ذلك ويلتزمه،لأن الإنسان قد يقول المقالة وهو ذاهل عن لازمها بل لا يقصده بل ربما يكون يقصد نقيضه كمن أراد أن ينزه الله في زعمه عن المكان فيقول: هو في كل مكان،فإن لازم ذلك أنه لا ينزهه عن مكان طيب أو خبيث، وهذا كفر، لكن من قال هذه المقالة فإنه لا يقصد ذلك. واستدل لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة١٠٤] .
فإن المسلمين كانوا يقولون للنبي ﷺ "راعنا" يقصدون بذلك التفت إلينا وارعنا انتباهك، وكان اليهود يستغلون ذلك ويقولونها للنبي ﷺ وهم يقصدون بذلك سب النبي ﷺ لأن معناها عندهم من الرعونة وهي الحمق والطيش، فنهى الله المسلمين عن هذه المقالة لما تضمنت من المعنى الفاسد الذي لا يقصدونه، حتى لا يتخذها اليهود وسيلة لسب النبي ﷺ جهارا"١.
هذا في حالة أن يكون القول أو الفعل محتملا للكفر وغيره أما إذا كان القول أو الفعل غير محتمل إلا الكفر كمن سب الله ورسوله أو استهزأ بهما أو سجد لصنم، فهذه الأفعال لا تحتمل إلا الكفر فيحكم على المعين به كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة٦٥، ٦٦] فجعل الله ﷿ سبب الكفر هو الاستهزاء بالله ﷿ ولم يعتبر العذر وهو
_________________
(١) ١ الرد على البكري ص ٣٤١ – ٣٤٢، وانظر فتنة التكفير ص: ١١١.
[ ٢ / ٥٩ ]
أنهم إنما كانوا يخوضون ويلعبون بل بين أنهم كفروا بذلك الفعل وأن العذر في هذا ليس عذرا مقبولا١.
٢ - قيام الحجة ووضوحها لمن قال أو عمل بالكفر.
الكفر لا يثبت على المعين ما لم تقم عليه الحجة التي إن خالفها كفر، يدل على ذلك قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء١١٥] . وقال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة١١٥] .
قال قوام السنة الأصبهاني على هذه الآية: "فكل من هداه الله ﷿ ودخل في عقد الإسلام، فإنه لا يخرج إلى الكفر إلا بعد البيان"٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء١٥] .
فهذه الآيات بعمومها تدل على أنه لا يكفر من المسلمين إلا من بلغته الحجة ووضحت له بحيث خالفها عنادا وتكبرا أو رفضا للحق وردا له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة"٣.
وهذا مثل من أنكر ما ثبت بالإجماع أو التواتر أو أنكر صفة من صفات الله ﷿، هذا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ويفهمها ثم يردها عنادا وتكبرا وردا للحق وعدم قبول له.
_________________
(١) ١ انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول، ص٥١٦ – ٥١٧، ضوابط التكفير ص: ٢١٣. ٢ الحجة في بيان المحجة ٢/٥١١. ٣ الرد على البكري، ص ٢٥٩.
[ ٢ / ٦٠ ]
ثانيا: موانع التكفير
مما يدرأ عن المسلم التكفير إذا التبس فعله أو قوله أو اعتقاده الكفري بمانع من الموانع التالية:
١ - الجهل
جهل المسلم بالحكم الشرعي في الأمر الكفري الذي قارفه مما يدفع عنه الكفر. ويستدلون لذلك بما رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ من حديث الرجل الذي قال لأبنائه: "إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فو الله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا"، قال: ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: "أدي ما أخذت"، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت، فقال: خشيتك يا رب فغفر له بذلك" ١.
فهذا الرجل جهل عظيم قدرة الله ﷿ وفعل ما فعل من خشية الله ﷿ فغفر الله له جهله.
وكذلك حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ: "سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم " ٢.
فحداثة إسلامهم وجهلهم منعت من تكفيرهم ولم تمنع من الحكم على القول بأنه من جنس قول قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها.
وكذلك حديث حذيفة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: "يدرس الإسلام كما يدرس وَشيُ الثوب ٣،حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسري على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف
_________________
(١) ١ البخاري في التوحيد ١٣/٤٦٦، ومسلم في التوبة ٨/٩٨ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ٢ أخرجه الترمذي في الفتن ٢١٨١ وقال حديث حسن صحيح. ٣ وشي الثوب يعني ألوانه التي يحسن بها. اللسان ١٥/٣٩٢.
[ ٢ / ٦١ ]
من الناس، الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها" فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة: فقال: يا صلة تنجيهم من النار، ثلاثا" ١.
فهذا فيه دليل على أن الإنسان يعذر بالجهل٢.ولكن العلماء يفرقون هنا في مسألة الجهل بين ما يعذر بجهله الإنسان وما لا يعذر، والحالات التي يعذر الإنسان فيها بالجهل.
فأما ما كان معلوما من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة وفرائض الإسلام وتحريم الزنا والخمر ونحوها فهذا لا يعذر الإنسان بجهلها فمن أنكرها فقد كفر إلا أن يكون بعيدا عن الأمصار يعيش في البوادي مما يدل على أنه لم يبلغه العلم، أو يكون حديث عهد بإسلام لم يعلمه أحد شرائع الإسلام فهذا يعذر بجهله ولا يكفر حتى تبين له الحجة ويعلم الحق٣.
أما ما خفي من المسائل والأحكام الشرعية فإن الإنسان لو أنكرها جهلا فإنه يعذر بذلك ولا يكفر حتى تقام عليه الحجة مثل رؤية الله ﵎ يوم القيامة، أو حوض النبي ﷺ أو نحو ذلك مما قد يخفي على الإنسان.
٢ - المتأول لشبهة عرضت له:
مما يدرأ التكفير عن المعين أن يكون متأولا فيما وقع فيه من كفر لشبهة عرضت له، فهذا لا يكفر حتى يبين له خطأه حتى ترتفع شبهته في المسألة فهو كالمجتهد المخطئ وذلك مثل أهل البدع من الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم فإن أعيانهم لا يكفرون لوجود الشبهة المانعة لهم من قبول الحق فإن الخوارج استباحوا
_________________
(١) ١ ابن ماجه، الفتن، رقم ٤٠٤٩ وقال البوصيري هذا إسناد صحيح. ٢ انظر مجموع الفتاوى ٣/٢٣١، مدارج السالكين ١/٣٣٨،٣٣٩. ٣ انظر مجموع الفتاوى ٦/٦١ ١١/٤٠٧
[ ٢ / ٦٢ ]
دماء المسلمين ظنا منهم أنهم كفار لارتكابهم الذنوب، والجهمية والمعتزلة أنكروا صفات الله ﷿ بشبهة عرضت لهم في ذلك وهو ظنهم أن ذلك ينافي تنزيه الله ﷿.فلهذه الشبهة في التأويل لا يكفر أعيانهم. فإن علي بن أبي طالب ﵁ لم يكفر الخوارج بل قال: إخواننا بغوا علينا، وقال لما قيل له إنهم كفار قال: من الكفر فروا، وقد وافقه الصحابة على ذلك فصار إجماعا١، وهذا مع ما ورد من الحديث الذي يصفهم بأنهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية.
ومما يستدل لذلك أيضا أن قدامة بن مظعون ﵁ شهد عليه شهود بشرب الخمر، فقال له عمر: إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون، ما كان لكم أن تجلدوني، فقال عمر ﵁: لم؟ قال قدامة: قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة٩٣] الآية، قال عمر ﵁: أخطأت التأويل إن اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك "٢.
قال شيخ الإسلام: "إن عمر بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على استحلالها قتلوا"٣.
فقدامة ﵁ استحل الخمر لشبهة عرضت له فيما فعل، وذلك أنه ظن أن الخمر ليست محرمة على من كان تقيا وهذا فهمه من الآية التي استدل بها، حتى أبان له عمر ﵁ خطأه في الفهم فارتفعت بذلك شبهته.
ومثله في ذلك ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم من الاقتتال الذي كانوا فيه متأولين لشبهة وقعت لهم.
فعلى هذا إذا وقع الإنسان في أمر كفري،وهو متأول لشبهة عرضت له فلا يكفر حتى يبين له وترتفع شبهته. قال شيخ الإسلام عن علماء الجهمية: "ولهذا
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٣/٢٨٢ ٢ سنن البيهقي ٨/٣١٦ ٣ مجموع الفتاوى ١١/٤٠٣
[ ٢ / ٦٣ ]
كنت أقول للجهمية من الحلولية١،والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش،لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال. وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم مع قصور عن معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له"٢.
هذا في التأويل لشبهة وقعت للمؤول منعته من قبول الحق ولا يلتحق بذلك من تستر بالتأويل وجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة،كتأويل الملاحدة ما لا يمكن تأويله من الشرائع والمعاد الأخروي والجنة والنار، فهذا كفر لا شك فيه ومن وقع في ذلك فهو كافر خارج من الإسلام، وإنما الحديث هنا في الذي يقوم بشرائع الإسلام ولم يكن مقصده تكذيب الله ورسوله فيما تأوله مما يخالف الحق٣.
ولا يعني عدم تكفير من هذا حاله أنه ليس مخطئا ولا يعني أنه غير مذنب، بل هو على خطر عظيم في بدعته، وذنبه في ذلك على قدر بعده عن الحق، وإعراضه عن وسائل معرفة الحق من الكتاب والسنة التي أمر المسلمون بالالتزام بهما والأخذ بمضمونهما والإعراض عما يخالفهما،ولهذا يذم أهل البدع والانحراف من الخوارج والجهمية والمعتزلة والقدرية والأشعرية وغيرهم.
٣ - الإكراه
الإكراه على القول أو الفعل الكفري لا يكون كفرا على الصحيح لقول الله ﷿: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل١٠٦] .
_________________
(١) ١ يقصد بالحلولية الذين يقولون إن الله في كل مكان. ٢ الرد على البكري، ص:٢٥٩. ٣ انظر مجموع الفتاوى ٣/ ٢٨٢-٢٨٨، إيثار الحق على الخلق، ص: ٤١٥.
[ ٢ / ٦٤ ]
فمن أكره على قول كفري من سب الله أو رسوله أو دينه أو نحو ذلك أو فعل كفري كالسجود لمخلوق أو نحوه فإنه لا يكفر بذلك.
قال شيخ الإسلام: "وإما إذا أكره الرجل على ذلك -يعني السجود لمخلوق- بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه أو حبسه أو أخذ ماله،الذي يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثر العلماء، فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه وهو المشهور عن أحمد وغيره،ولكن عليه مع ذلك أن يكرهه بقلبه،ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان، ومن علم منه الصدق أعانه الله تعالى. وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك. وذهب طائفة إلى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال، ويروى ذلك عن ابن عباس، ونحوه قالوا: إنما التقية باللسان، وهي الرواية الأخرى عن أحمد"١.
فمن هنا يتبين لنا أن تكفير المعين من الأشخاص لا يتم إلا بعد أن تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة وتنتفي الموانع المانعة من تكفيره، فعندها يحكم عليه بالكفر ويعامل بما يستحق ذلك وهذا كله احتياطات شرعية من أن يقصد المعين بهذا الحكم الخطير وهو لا يستحق ذلك أو ذاهل عنه.
مسألة: موقف المسلم من الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ﷿
سبق أن بينا ضوابط التكفير لدى أهل السنة، وهي ضوابط عامة يدخل فيها الحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، فمن كان من حكام المسلمين مسلمًا فلا يجوز تكفيره بعينه إلا وفق الضوابط التي ذكرناها من تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
ومن كان منهم كافرًا أصليًا فالواجب الحكم بكفره كأن يكون يهوديًا أو نصرانيًا أو من هو في حكمهم من الباطنيين ونحوهم.
وكذلك القول فيهم فيما يتعلق فيما يتعاطونه من الحكم بغير ما أنزل الله ﷿
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى المصرية ١/٥٦ وانظر منهج ابن تيمية في مسألة التكفير ١/٢٦٩.
[ ٢ / ٦٥ ]
واستقدام قوانين اليهود والنصارى وإلزام المسلمين بالتحاكم إليها.
فالقول فيه وفق الضوابط السابقة بأن من حكم بغير ما أنزل الله وذلك بالقوانين الوضعية ونحوها ويرى أنه يجوز له ذلك أو أنها أفضل من شرع الله أو أن شرع الله لا يصلح لهذا الزمان فهذا لا شك أنه كفر مخرج من الملة،وهذا حكم مطلق على من فعل ذلك بهذه النية،لكن الشخص المعين سواء كان الحاكم أو القاضي أو أحد أفراد الهيئة التشريعية أو نحو ذلك فإننا لا نحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة وتتضح له المحجة وتنتفي عنه الموانع من الجهل والإكراه والتأويل، فعندها يمكن الحكم بكفره. وما لم يكن كذلك فإننا لا نحكم بكفره، وهنا مسائل:
أولًا: هل يجوز الخروج على الحكام إذا حكموا بغير ما أنزل الله؟
أما إذا لم نحكم بكفر الحاكم فلا يجوز الخروج عليه، قال النووي ﵀: وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ١.
قال الطحاوي ﵀: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدًا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ٢.
وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة بناءً على ما ورد من الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك منها رواية ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية" ٣.
وعن عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم"، فقالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم
_________________
(١) ١ شرح النووي على مسلم ١٢/٢٢٩. ٢ شرح الطحاوية ص ٣٧٩. ٣ أخرجه البخاري، انظر: فتح الباري ١٣/١٢١، مسلم بشرح النووي ١٢/٢٤٠.
[ ٢ / ٦٦ ]
عند ذلك؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة" ١.
وحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وإن بغوا علينا وأن نقول الحق حيثما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم.٢
فهذه الأحاديث وغيرها كثير إنما أمر بها النبي ﷺ بالسمع والطاعة والصبر على أذى الأمير وفساده،كما فيها تحريم الخروج عليه لحدث أحدثه أو جرم ارتكبه، وما ذلك إلا لما في الخروج من المفاسد التي هي أعظم مما ارتكبه الأمير من الجرم من سفك الدماء وانتهاك الأعراض وانتهاب الأموال وذهاب قوة المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي السلطان إلا وكان في خروجها من الفساد أعظم من الفساد الذي أزالته" ٣.
ثانيًا: إذا ارتكب الحاكم ما هو كفر فما الحكم؟
لقد أباح الرسول ﷺ الخروج على الحاكم إذا كان كافرًا أو كفر بعد إسلامه كما ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي يرويه عبادة بن الصامت ﵁ قال: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا،وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلاأن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان ٤.
فهذا الحديث فيه دلالة صريحة على جواز الخروج على الحاكم، وإزالته في حالة كفره وتولية رجل مسلم.
ولا شك أن هذا مشروط بالقدرة على ذلك من ناحية المكنة بأن يكون لدى
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في الإمارة ١٢/٤٤٧. ٢ أخرجه مسلم في الإمارة ١٢/٤٣٢. ٣ منهاج السنة النبوية ٢/٨٧. ٤ فتح الباري ٦/١١٦.
[ ٢ / ٦٧ ]
الإنسان القوة التي يغلب على ظنه بها الغلبة، أما إذا لم يكن لديه القوة التي يتمكن بها من ذلك فإنه لا يخرج،لأنه بخروجه يستعدي الحاكم بما معه من قوة عليه وعلى أهل دينه،فيكون ذلك سببًا في الهلاك والدمار بدون فائدة، وذلك لأن إزالة الحاكم الكافر هو من إزالة المنكر وإزالة المنكر منوطة بالقدرة والاستطاعة وأن لا يترتب على ذلك منكر أكبر منه فإن ذلك لا يجوز.
فيجب عند ذلك الصبر عليه حتى يريح الله منه، أو يجد المسلمون القوة التي يزيلونه بها.
ومما يدل على وجوب الصبر على الحاكم إذا كان كافرًا وليس عند المسلمين قدرة يزيلونه بها أدلة عديدة منها:
١ - أن النبي ﷺ عاش في مكة بعد البعثة ثلاثة عشر عامًا أذاقه فيها المشركون ألوان العذاب،كما أذاقوا أصحابه أصنافًا من العذاب بل قتلوا بعض أصحابه وخرج آخرون منهم من بلادهم فرارًا بدينهم، وكل ذلك ورسول الله ﷺ صابر محتسب حتى انتقل إلى المدينة وتكونت لديه القوة فعندها قاتل الكفرة.
٢ - قصة موسى مع الطاغية فرعون فإن موسى ﵇ بعد أن أظهر الآيات الدالة على نبوته أبى فرعون قبول ذلك بل توعد موسى ﵇ وقومه بما حكاه الله ﷿ بقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف١٢٧] فكان جواب موسى ﵇ وتوجيهه لقومه بالصبر قال ﷿: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف١٢٨] . فبناءً على ذلك جعل الله لهم العاقبة بصبرهم على الأذى في الله ﷿ قال ﷿: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف١٣٧] .
[ ٢ / ٦٨ ]
فهذه ظاهرة الدلالة على وجوب الصبر على الحاكم الكافر فليس للناس وسيلة إلا ذلك حتى يريحهم الله ﷿ منه أو يقضي الله ما يشاء والعاقبة للمتقين.
٣ - قول النبي ﷺ: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١فالحاكم الكافر وتصرفاته مع المسلمين من المنكر الذي يجب إزالته إلا أن إزالته مقترنة بالقدرة على ذلك والاستطاعة، فإذا لم يكن للإنسان قدرة فإنه غير مؤاخذ على ذلك ولا آثم،وكذلك لو ترتب على تغيير المنكر منكر أكبر منه فإنه لا يجوز تغييره،لأن المراد من تغيير المنكر تقليل الشر وتكثير الخير،فإذا أدى تغييره إلى زيادة المنكر وتكثير الشر وتقليل الخير فلا شك أن بعض الشر أهون من بعض فيتوقف المسلم عن ذلك،لأن الغاية من تغيير المنكر وهي تقليل الشر غير متحققة.
٤ - موقف الإمام أحمد ﵀ من الخليفة العباسي الواثق فبعد أن سجن وضرب وأخرج من السجن جاءه بعض فقهاء بغداد وشاوروه في عدم الرضا بخلافة الواثق والخروج عليه فنهاهم عن ذلك وقال لهم: "لا تخلعوا يدًا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم انظروا في عاقبة أمركم ولا تعجلوا" ٢.
فالإمام أحمد ﵀ قد حذر أولئك الفقهاء مغبة ما عزموا عليه ونهاهم عن ذلك وأمرهم بالصبر إلا أنهم لم يستمعوا إلى قوله فأخذوا كلهم وقتلوا.
وإن من نظر في حال المسلمين الماضين الذين خرجوا على الحكام كيف أنهم سفكوا دماءهم وأشاعوا الفتن والشر يدرك خطورة هذا الأمر، فالخوارج على كثرة خروجهم لم يحققوا لأنفسهم ما كانوا يقصدونه،وكذلك من ابتلي بالخروج من أهل السنة لم يدركوا ما قصدوا ولم يسلموا من القتل والتنكيل وسفك الدماء
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في الإيمان ٢/٢١٢. ٢ وجوب طاعة السلطان في غير معصية الرحمن ص ٢٢.
[ ٢ / ٦٩ ]
وإشاعة الخوف والفتن،فهذا الحسين ﵁ خرج على يزيد فكاد بفعلته أن تستأصل شأفة أهل البيت،وخرج أهل المدينة على يزيد فأدى ذلك إلى قتلهم والقضاء على بقية الصحابة الذين في المدينة ولم يسلم منها إلا من اعتزلهم كابن عمر وزين العابدين علي بن الحسين ومحمد بن الحنفية وقلائل آخرين.
ومحمد بن الأشعت خرج على الحجاج فقتل من جيشه وجيش الحجاج الآلاف من المسلمين ثم شرد هو ثم قتل طريدًا، ولم يتوصل إلى ما قصد وهكذا سائر الحوادث من هذا الجنس.
وما حدث في هذه العصور دليل وبرهان فما حدث للمسلمين في سوريا أو في مصر وفي الجزائر، وغيرها من سائر البلدان من سفك الدماء وإشاعة الخوف والفتن مما كان الناس منه في عافية، لولا تلك التصرفات الرعناء ممن لم يعرفوا حقيقة معتقد أهل السنة وما فيه من الرحمة في هذا الباب،وصدق الحسن البصري ﵀ حيث قال لما جاءه جماعة أيام يزيد ابن المهلب، فأمرهم الحسن أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلوا إليه، ووالله ما جاءوا بيوم خير قط، ثم تلا قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ١.
فلهذه الأمور كلها فإن الواجب على المسلمين إذا كان الحاكم كافرًا وليس لهم القدرة التي يغلب على ظنهم بها الغلبة فإنهم لا يجوز لهم الخروج على ذلك الحاكم.
وفي هذا المعنى جاء كلام مشايخنا الفضلاء منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حيث سئل عن الموقف من الحكام العصاة فأجاب بتحريم الخروج
_________________
(١) ١ أخرجه الآجري في الشريعة ١/١٥٨.
[ ٢ / ٧٠ ]
عليهم وذكر الأدلة في ذلك، ثم قال: "فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كثير إلا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان،فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يجوز،أو كان الخروج يسبب شرًا أكثر فليس لهم الخروج رعاية للمصالح العامة.والقاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو شر منه،بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه،وأما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذا الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفرًا بواحًا وعندها قدرة تزيله بها وتضع إمامًا صالحًا طيبًا من دون أن يترتب على هذا فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحق الاغتيال،إلى غير هذا من الفساد العظيم فهذا لا يجوز بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف ومناصحة ولاة الأمر والدعوة لهم بالخير والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير.هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يسلك، لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير،ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر. نسأل الله للجميع التوفيق والهداية" ١.
ومثله أجاب فضيلة الشيخ صالح الفوزان عن سؤال في كيفية التعامل مع الحاكم المسلم وغير المسلم.قال بعد أن أجاب عن التعامل مع الحاكم المسلم: "وأما التعامل مع الحاكم الكافر فهذا يختلف باختلاف الأحوال فإذا كان في المسلمين قوة وفيهم استطاعة لمقاتلته وتنحيته عن الحكم وإيجاد حاكم مسلم، فإنه يجب عليهم ذلك وهذا من الجهاد في سبيل الله، أما إذا كانوا لا يستطيعون إزالته فلا يجوز لهم أن يتحرشوا في الظلمة والكفرة،لأن هذا يعود على المسلمين بالضرر والإبادة والنبي ﷺ عاش في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة،
_________________
(١) ١ نقلا عن وجوب طاعة السلطان في غير معصية الرحمن ص ٣١.
[ ٢ / ٧١ ]
والولاية فيها للكفار ومعه من أسلم من أصحابه لم ينازلوا الكفار بل كانوا منهيين عن قتال الكفار في هذه الحقبة ولم يؤمروا بالقتال إلا بعدما هاجر النبي ﷺ وصار له دولة وجماعة يستطيع بهم أن يقاتل الكفار.
هذا هو منهج الإسلام فإذا كان المسلمون تحت ولاية كافرة ولا يستطيعون إزالتها فإنهم يتمسكون بإسلامهم وبعقيدتهم، ولكن لا يخاطرون بأنفسهم ويغامرون في مجابهة الكفار لأن ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاء على الدعوة،أما إذا كانت لهم قوة يستطيعون بها الجهاد فإنهم يجاهدون في سبيل الله على الضوابط الشرعية المعروفة"١.
فهذا فيه دلالة واضحة على المنهج الذي يجب أن يسلكه المسلم في مثل هذه الحالات.
ومما أنصح به إخواني في هذا أن يعلموا أن الواجب عليهم تجاه إخوانهم المسلمين في دعوتهم وتوجيههم بعد العلم أمران:
الأول: النصح وذلك أن يدعوا إلى الله ﷿ نصيحة لإخوانهم رغبة في إيصال الخير لهم،واستفراغ الوسع في ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
والثاني: القدرة، بمعنى أن تنصح لإخوانك وفق قدرتك التي أعطاك الله ﵎ سواءً قدرة مالية أو بدنية أو جاه أو علم، فتنطلق في دعوتك من القدرات المتاحة لك في العلم، وذلك في الخطب أو الإمامة أو التدريس أو التوجيه والتعليم في الإذاعة أو التلفاز أو نحو ذلك ما يمكنك به تبليغ دين الله والدعوة إليه بالفرص المتاحة لذلك، ولا يتعدى الإنسان ما هو في قدرته وطاقته فإن الله لا يسألك إلا عما مكنك فيه،كما لا يفعل الإنسان في هذا الباب - أعني في باب الدعوة - ما يعود على دعوته والمسلمين بشر يؤدي إلى قطع هذا العمل والإضرار به،بل يستعمل عقله وحكمته وينطلق من قدراته وإمكاناته، فبهذا يسلم وتسلم دعوته
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ٢٧.
[ ٢ / ٧٢ ]
خاصة في مثل هذه الأزمان ويؤدي للناس الحق الواجب عليه من تبليغ دين الله.
وفي هذه الأزمان على الداعية أن يكون حذرًا ويقظًا،لأن كثيرًا من الدعاة أصلحهم الله قد أولعوا بالحكام فكفروهم وحملوا عليهم وألبوا الناس عليهم واجتهدوا في الخروج عليهم،كما أن الحكام تسلطوا على أولئك الدعاة بدوافع عديدة منها أنهم شعروا أنهم خطر ماحق على حكمهم ورئاستهم،فهذا كله أورث المسلمين شرورًا عظيمة متواصلة خص بها أهل التدين وخاصة من الشباب بالنصيب الأوفى.
وهذا شر وبلاء، فعلى الداعية أن يكون واعيًا يقظًا لأن الدعوة إلى الخروج مبنية على التكفير فليحتاط لنفسه ولو توقف عن الجواب عن مثل هذه المسائل والإعراض عنها أقصد الأسئلة، مثل: ما حكم من حكم بغير ما أنزل الله؟ ما حكم من جعل الربا في بلاده؟ ما حكم الحاكم الفلاني؟ ونحو ذلك. فلو أعرض المسلم عن الجواب عن مثل هذه الأسئلة لما يترتب على الجواب عنها من فهمها الفهم الخاطئ من قبل الجهلة المتحمسين على غير علم،لكان إعراضه عن الجواب حكمة وتعقل،ويكون أثناء ذلك دافعًا للناس للاشتغال بإصلاح أنفسهم وأهليهم،فإن لهم في ذلك شغلًا كافيًا عن الحكام وأمورهم مما ليس لهم في الحديث عنه مصلحة سوى إغراء السفهاء أو ملء قلوب المسلمين على الحكام وكرههم وبغضهم المؤدي إلى شر عظيم.
والله نسأل أن يهدي المسلمين ويصلح شؤونهم وأحوالهم.
[ ٢ / ٧٣ ]
مناهج المخالفين في التكفير
أولا: الخوارج
مناهج المخالفين في التكفير
ما سبق ذكره هو موقف أهل السنة من التكفير ويخالفهم في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والرافضة، وسنذكر مذهب كل فرقة من هؤلاء في هذا الموضوع.
أولا: الخوارج
الخوارج هم كل من كفر المسلمين وخرج على إمامهم.
وقد ابتلي المسلمون بهذه الفتنة وهذه الفرقة في عصر مبكر من تاريخ المسلمين حيث كان أوائلهم ظهر في عهد عثمان ﵁، وهم الذين قتلوه رضوان الله عليه ثم خرجوا على علي ﵁ وقاتلهم وقتلهم إلا أنهم قتلوه غيلة بعد، ثم خرجوا على حكام المسلمين تباعا إلى أزماننا هذه، ويعتبر الخوارج من أشد بلايا المسلمين عبر تاريخهم الطويل حيث نشروا القتل والدمار في كل مكان وجدوا فيه، بل صاروا من أكبر العقبات في انتشار الإسلام وانطلاقه إلى أمم الأرض بسبب إشغالهم الدول الإسلامية والخلفاء واستنزافهم لطاقات الدول وجهودها ومجهودها.
موقف الخوارج من التكفير:
الخوارج يكفرون المسلمين بالذنوب فيرون أن من ارتكب كبيرة من الكبائر فقد كفر بذلك وخرج من الإسلام وهو في الآخرة مخلد في النار لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.
ومنهم من يرى ذلك في الكبائر والصغائر ١.
_________________
(١) ١ انظر مقالات الإسلاميين ١/١٧٤-١٩٨، الفرق بين الفرق ص ٨٢-٩٠، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار ٣/٦٦٨.
[ ٢ / ٧٤ ]
وهم يغلون في هذا غلوا شديدا حتى قد يعدون ما ليس ذنب ذنبًا، كما فعلوا مع عثمان ﵁ فكفروه بأمور أخذوها عليه وعلى ولاته هي في حقيقتها ليست ذنبا فضلا عن أن تكون كفرا، وكذلك فعلوا مع علي ﵁ فكفروه في مسألة التحكيم وخرجوا عليه مع أن الحق كان معه فيما فعل، وليس عليه فيما فعل ذنب فضلا عن أن يكون كفرًا.
ومنهم من يكفر من لا يخرج معهم ولا يكون في معسكرهم وهم يرون أن من كفروه فهو في النار خالدا مخلدا فيها أبدا١.
والإباضية من الخوارج يسمون مرتكب الكبيرة كافر نعمة وكافر نفاق ويجرون عليه أحكام الموحدين في الدنيا أما في الآخرة فحكمه الخلود في نار جهنم لا يخرج منها أبدًا ولا تقبل فيه شفاعة٢.
واحتج الخوارج لقولهم بالتكفير بأدلة منها:
قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن٢]، فزعموا أن الله ذكر أن الناس فريقان كافر ومؤمن.
واستدلوا أيضا بقوله ﷿: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون١٠٢، ١٠٣]، فدل ذلك على أن كل من يدخل النار لا بد أن يكون كافرا ٣.
وكذلك قوله – ﷺ - "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٤ ونحوهما ويستدلون لذلك أيضا بأن الإيمان كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب
_________________
(١) ١ انظر مقالات الإسلاميين ١/١٦٧-١٧٠، الخوارج في العصر الأموي ص ١٩٥ ٢ الإباضية عقيدة ومذهبا ص ١٢١، الحق الدامغ لأحمد الخليلي ص ١٩١، مختصر تاريخ الإباضية لأبي الريع الباروني ص ٦٥. ٣ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٣٧. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان عن ابن مسعود ﵁ ١/١٣٥.
[ ٢ / ٧٥ ]
كله. وعندهم أن الإيمان قول واعتقاد وعمل فإذا نقص شيء من القول أو العمل انهدم الإيمان كله وبطل.
الرد عليهم:
ما سبق ذكره هو من أهم أدلتهم في تكفير أصحاب الذنوب.
والرد عليهم من شقين:
الشق الأول: أنه ثبت بالشرع أن الفاسق من أهل الإسلام لا يكفر وذلك بأدلة كثيرة منها:
أولا: أدلة تدل على عدم تكفيره:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩]، فسماهم مؤمنين مع وجود القتال.
وقال ﷿ عن القاتل ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة١٧٨]
فسمى القاتل أخا لولي المقتول، فهذا دليل على عدم تكفيره، كما أن الشارع لم يعامل مرتكب الذنوب معاملة الكافر حيث أوجب في شارب الخمر الجلد والتغريب وفي السارق القطع، وقد أقام النبي ﷺ هذه الحدود على من وقع منه شيء من تلك المنكرات ولو كانوا بذلك كفارًا لوجب قتلهم لردتهم.
ثانيًا: أدلة دلت على أنه في الآخرة تحت المشيئة، ومن دخل النار يخرج منها، فقد دلت الأدلة العديدة على أن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة من ذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨] .
كما دلت الأدلة على أن من دخل النار من أهل الإيمان فإنه يخرج منها وقد سبق ذكر ذلك.
فهذا كله يدل على عدم تكفير مرتكب الكبيرة.
[ ٢ / ٧٦ ]
الشق الثاني: بيان بطلان استدلالهم بما استدلوا به.
الرد على استدلالهم بالآية الأولى، بأن يقال: إن الآية نصت على أن الناس صنفان مؤمنون وكفار، ومرتكب الكبيرة لا نعده من الكفار بل هو من المؤمنين وإن كان ناقص الإيمان فإنه لم يخرج عن دائرة الإيمان بما سبق ذكره من الأدلة.
أما الآية الثانية، فإن من خفت موازينه بالكفر بدليل أن الله ﵎ ذكر في آخر الآية علة خفة موازينهم ودخولهم النار بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون١٠٥]، وأهل الكبائر ليسوا من المكذبين لآيات الله ﷿.
أما الأحاديث الوارد فيها إطلاق لفظ الكفر على بعض الأعمال فليس المراد به الكفر المخرج من الملة وإنما هو كفر دون كفر، وقد سبق ذكر الدليل على أن الشارع أطلق مثل هذه الألفاظ على بعض الأعمال، ولم يقصد بها الكفر المخرج من الملة.
أما قولهم: بأن الإيمان كل لا يتجزأ فإذا ذهب بعضه ذهب كله: فهذه حجة غير صحيحة لأن الإيمان مركب من أجزاء وشعب، وزوال الاسم في المركبات على وجهين:
منها ما يكون التركيب شرطًا في إطلاق الاسم، مثل اسم العشرة، شرط في إطلاق الاسم على ما يتكون من عشرة أجزاء،إذا نقصت عن العشرة زال عنها اسم العشرة وصارت تسعة أو ثمانية.
ومنها ما يكون التركيب ليس شرطا في إطلاق الاسم بل يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وأكثر المركبات من هذا النوع مثل المكيلات والموزونات فالحنطة وهي بعد النقص حنطة وكذلك التراب والماء لا يتغير اسمه بالنقص.
واسم الإيمان من هذا النوع، فلا يلزم من زوال بعض شعبه زوال الاسم بالكلية وذلك مثل الصلاة والحج فإنه إذا نقص يعض أعمالها لا يلزم بطلانها وإنما
[ ٢ / ٧٧ ]
تكون ناقصة، ما لم يكن النقص أتى على ما يكون بقاء الاسم شرطا فيه مثل الركوع والسجود بالنسبة للصلاة فتبطل بذلك، وكذلك الإيمان يبطل لو كان النقص أتى على أصل من أصوله مثل الشهادتين أو أحد أركان الإيمان، وما لم يكن كذلك فإنه لا يزول الاسم به،وإنما يزول عنه اسم الكمال فيكون إيمانه ناقصا بارتكابه لشيء من المنهيات لكن لا يزول عنه اسم الإيمان١.
_________________
(١) ١ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص ٣٨٢، مجمع الفتاوى ٧/٥١٤-٥٢٠.
[ ٢ / ٧٨ ]
ثانيا: المعتزلة
المعتزلة هم أصحاب الأصول الخمسة وهي:
التوحيد: الذي هو عندهم نفي الصفات، والوعيد: الذي هو نفي القدر، والوعد والوعيد: ويقصدون به أن الله لا يغفر لمرتكب الكبيرة بل هو مخلد في النار، والمنزلة بين المنزلتين: وهو أن مرتكب الكبيرة لا يسمى في الدنيا مؤمنا ولا كافرًا بل هو في منزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ويقصدون به الخروج على الحكام إذا جاروا وظلموا١.
فالمعتزلة كما هو الأصل الرابع عندهم فإن مرتكب الكبيرة قد من الإسلام ولم يدخل في الكفر ويقولون هو في منزلة بين المنزلتين أي بين الإيمان والكفر، وفي الأصل الثالث عندهم، فإن مرتكب الكبيرة في الآخرة مخلد في النار لا يخرج منها أبدا، ويرون أن عذابه دون عذاب الكفار إلا أنه مخلد في النار مثله مثل الكفار وأول من ابتدع بدعة المنزلة بين المنزلتين واصل بن عطاء الغزال، الذي كان من ضمن حلقة الحسن البصري، فجاء سائل يسأل الحسن عن مرتكب الكبيرة فقبل أن يجيب الحسن أجاب واصل بن عطاء بأنه في منزلة بين المنزلتين، ثم اعتزل في ناحية المسجد يقرر ذلك فقال الحسن اعتزلنا واصل فسموا لذلك معتزلة.
أما دعواهم في الحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار فقد أخذوا ذلك عن الخوارج.
أدلة المعتزلة على دعواهم في مرتكب الكبيرة:
استدل المعتزلة بالأدلة الدالة على أن الله مدح المؤمنين ووصفهم بالصفات الحسنة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون١] ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس٢] ونحوها من الآيات.
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص ١٢٨-١٤١.
[ ٢ / ٧٩ ]
ووصف الفاسقين بالصفات الدالة على ذمهم وعقوبتهم مثل قوله تعالى في قاطع الطريق ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة٣٣]، وقوله عن السارق والسارقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨] .
كما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد" ١.
وقالوا إن الرسول ﷺ نفي عنه اسم الإيمان. فهذا يدل على أنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.
الرد عليهم:
من سمات المبتدعة عموما أنهم إذا استدلوا بشيء من النصوص على بدعتهم فتراهم يستدلون ببعض النصوص ويعرضون عن البعض الآخر الذي لا يتفق مع بدعتهم التي ابتدعوها من دون نظر للشرع وإنما لأهواء وآراء.
والمعتزلة في استدلالهم الأول نظروا للنصوص التي ذمت الفساق وذكرت عذابهم ولم ينظروا إلى النصوص التي أدخلتهم في عداد المؤمنين مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩]،وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة١٧٨] .
وكذلك النصوص الدالة على إقامة أحكام الإسلام على الفاسق، وأن الشارع لم يوجب على من ارتكب شيئا من المنكرات أن يعاود إسلامه،ويجدده بناءً على خروجه منه.
كما لم ينظروا إلى النصوص التي جعلت الفساق تحت المشيئة والنصوص التي دلت على خروج الموحدين من النار بما كان عندهم من إيمان مما يدل على أنهم لم يخرجوا من الإيمان بارتكابهم شيئا من المنكرات.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المظالم ٣/١١٨، ومسلم في كتاب الإيمان ١/٧٦.
[ ٢ / ٨٠ ]
أما الآيات التي استدلوا بها: فإن ما ورد فيه مدح المؤمنين والثناء عليهم فهذا وصف أهل الكمال منهم.
أما ما ورد فيه ذمهم فهذا وصفهم في حال نقص إيمانهم بالمعاصي ولا يعني ذلك خروجهم من الإيمان بذلك.
أما استدلالهم بحديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فللعلماء في ذلك عدة أجوبة من أظهرها:
أن المراد أن الإيمان يرتفع عنه حال مقارفته المنكر فإذا تاب وأقلع رجع إليه إيمانه، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظلة فإذا انقطع رجع إليه الإيمان" ١، وبهذا قال أبو هريرة ﵁ كما روى الآجري أنه قال: "الإيمان نَزِهْ فمن زنا فارقه الإيمان فإن لام نفسه وراجع رجع إليه الإيمان "٢، وبهذا قال أيضا ابن عباس ﵁ وعطاء وطاووس والحسن وهو قول الإمام أحمد.
ولا يعني هذا القول أن مفارقة الإيمان له خروجه من الإسلام لأن جل العلماء يرون أن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام فلو خرج من الإيمان فهو يخرج إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام إلا بأمر كفري.
وقول آخر: أن الإيمان المنفي هنا هو الإيمان الكامل، وهو الكمال الواجب الذي يعاقب على تركه صاحبه لأن الكمال نوعان:
كمال واجب وهو سائر ما أوجب الله على العباد، ويدخل فيه الانتهاء عما نهى الله ﵎ عنه.
وكمال مستحب: وهو سائر ما رغب الله ﵎ به من الفضائل والأعمال الصالحة. وذلك زيادة على القيام بالواجب والانتهاء عن المحرم.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في السنة ٢/٢٧٠، والحاكم في المستدرك ١/٢٢، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٢ الشريعة للآجري ص ١١٥.
[ ٢ / ٨١ ]
فنقص الكمال الواجب يعرض الإنسان للعقوبة،أما نقص الكمال المستحب فلا يعرض الإنسان للعقوبة وإنما هو أنقص من غيره ممن أتى بذلك.
والعرب قد تنفي الشيء إذا كان غير متقن، ويقصدون بذلك عدم إتقانه وعدم كماله وعدم الإتيان به على الوجه المطلوب، كقولهم لمن صنع شيئًا ولم يتقنه: أنت لم تصنع شيئًا، ويقصدون نفي تجويده وإتقانه وكمن يرى ابنا يعق أباه يقال عنه: هذا ليس بولد له، وهم يعلمون أنه من صلبه. أو كمن يرى طالبًا يأت من الأخلاق ما لا يليق بالطلاب فيقال هذا ليس طالبًا، وإنما المراد من كل ذلك نفي كمال الشيء وإتقانه وحقيقة أخلاقه.
فكذلك الإيمان المنفي في هذا الحديث وغيره من الأحاديث مثل: "لا إيمان لمن لا أمانة له" ١، وحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢، ونحوها إنما هي على نفي كمال الإيمان٣ والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند ٣/١٣٥ عن أنس ﵁ وقال الألباني في التعليق على المشكاة ١/١٤ حديث جيد وأحد أسانيده حسن وله شواهد. ٢ أخرجه البخاري في الإيمان ١/٩، ومسلم في الإيمان١/٦٧ من حديث أنس ﵁. ٣ انظر فتح الباري ١٢/٦١، الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٨٩، مسائل الإيمان لأبي يعلى ص ٣٢٠،٣٧٧.
[ ٢ / ٨٢ ]
ثالثا: موقف المرجئة من التكفير، والرد عليهم:
المرجئة كما سبق بيانه عرفوا الإيمان: بأنه التصديق أو القول أو القول مع التصديق أو المعرفة.
فبناءً عليه حصروا الكفر في الجهل والتكذيب.
قال الباقلاني في تعريف الكفر هو: ضد الإيمان وهو الجهل بالله ﷿ والتكذيب به الساتر لقلب الإنسان عن العلم به١.
_________________
(١) ١ التمهيد للباقلاني ص ٣٩٤.
[ ٢ / ٨٢ ]
وقال النسفي: الكفر هو التكذيب والجحود وهما يكونان في القلب١.
وهذا القول منهم مبني على قولهم في الإيمان، وقد سبق بيان بطلان قولهم في الإيمان. وأن الأدلة الشرعية دلت على أن الإيمان: قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وعلى ذلك إجماع السلف.
أما قولهم في التكفير فيكفي في نقضه الإجماع على أن من سبَّ الله ورسوله فهو كافر بهذا السب، وكذلك من استهزأ بالله ورسوله ﷺ فهو كافر بذلك كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة٦٥، ٦٦]، فدل ذلك على أن الاستهزاء مجردًا وكذلك السب وهو أكبر منه كفر مخرج من الملة.
كما أن من أبغض شرع الله أو أعرض عنه وكذلك السحر كل هذا مما هو كفر بالله.
كما دلت الأدلة السابقة في نواقض الإيمان وإن لم تكن هذه الأفعال تكذيبًا ولا يظهر منها ذلك. ٢
_________________
(١) ١ التمهيد في أصول الدين للنسفي ص ١٠٠. ٢ انظر: الإيمان الأوسط لشيخ الإسلام ٩٩-١٠٢، نواقض الإيمان الاعتقادية ١/١٩٢
[ ٢ / ٨٣ ]
رابعا: الرافضة
الرافضة من الشيعة الذين يغلون في حب علي وآل بيته ويقدمونهم على سائر الصحابة ويعتقدون الإمامة في اثنى عشر إماما من أولاد علي ويطعنون الصحابة الكرام ويكفرونهم.
والرافضة كما هو معلوم فرقة من شر أهل البدع وأسفههم مقالا، فلا عقل لهم يعتمدون عليه ولا شرع،حيث يزعمون الإمامة لإثنى عشر رجلا من آل البيت لم يتول منهم الإمامة فعلا إلا علي ﵁، والحسن مدة ستة أشهر ثم تركها وتنازل عنها، يزعمون عصمة أولئك الأئمة وأنهم مشرعون ويوحى إليهم إلى غير ذلك من ترهاتهم وأكاذيبهم.
[ ٢ / ٨٣ ]
ويطعنون في القرآن ويردون السنة كلها ويبغضون أصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته وسائر أئمة الدين، ولهم بدع ومقالات لا تكاد تلتقي مع المسلمين، وهم في توحيد الألوهية مشركون يعبدون القبور ويدعون أصحابها ويستغيثون بهم ويطوفون بقبورهم.١
وهم في الصفات والقدر مثل المعتزلة ينفون الصفات وينفون القدر.٢
قولهم في التكفير:
الرافضة ابتدعوا بدعا كثيرة افتروها ثم جعلوها أصولا يوالون عليها ويعادون، ويشهدون وفقها بالإيمان أو يكفرون،ومن أخطر بدعهم ما يسمونه بالإمامة. وهي اعتقادهم بأن الأئمة هم علي ثم الحسن ثم الحسين إلى اثنى عشر إماما من ذرية الحسين.
وقد غلو في هؤلاء الأئمة غلوا شديدا فتجاوزوا بهم مقام النبوة فزعموا أنهم معصومون وأنهم يوحى إليهم، ويشرعون ويعلمون الغيب وما كان وما سيكون وأنهم أفضل من جميع الأنبياء ما عدا النبي محمد ﷺ وليس عندهم فرق بين النبي والإمام إلا من ناحية المسمى فقط، وبعضهم يقول: إن الإمام لم يسم نبيا مراعاة لموضوع ختم النبوة بل يجعلونهم هم الوسائط بينهم وبين الله فيطلبون منهم ما يطلبون من الله من تفريج الهموم وكشف الغموم ورفع الكربات ودفع البليات، وزعموا أن الإمامة وصية من الله ورسوله، بل هي منصب إلهي كالنبوة.
يقول محمد حسين الكاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأصولها: "الشيعة زادوا ركنا سادسا وهو الاعتقاد بالإمامة يعني: يعتقدون أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، فكما أن الله يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة ويؤيده بالمعجزة
_________________
(١) ١ انظر كشف الأسرار للخميني ص: ٤٩ ٢ حق اليقين في معرفة أصول الدين لعبد الله شبر الرافضي ١/٥٨
[ ٢ / ٨٤ ]
التي هي كنص من الله عليه، فكذلك يختار للإمامة من يشاء،ويأمر نبيه بالنص عليه وأن ينصبه إماما للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان على النبي أن يقوم بها"١.
فجعلوا الإمامة أصلا من أصول الدين الذي لا يصح الإسلام إلا به بل يجعلونه أعظم أصول الدين وفي هذا يروون عن أبي جعفر الباقر أنه قال: بني الإسلام على خمس على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية"٢
وفي رواية أخرى للكليني عن جعفر الصادق أنه قال: "أثافي الإسلام ثلاثة الصلاة والزكاة والولاية ولا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتها".٣ وعن زرارة عن أبي جعفر أنه قال: بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: قلت وأي دلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل.٤
فهذه الافتراءات التي افتروها في موضوع الإمامة جعلت نظرتهم للناس من ناحية الإيمان والكفر مبنية على هذه المقالة المكذوبة، فلذا زعموا كفر كل من أنكر ذلك وخلوده في النار.
قال الشيخ المفيد من الرافضة: "اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار"٥
_________________
(١) ١ أصل الشيعة وأصولها: ص: ٥٨ ٢ الكافي ٢/١٨ وهو من كتب الروافضوجله رواية من جعفر الصادق وأبيه الباقر وقليل منه عن علي والأقل هو المرفوع إلى النبي ﷺ مع أن جله من الموضوع ومما لا أصل له. ٣ الكافي ٢/١٨ ٤ الكافي ٢/١٨ ٥ حق اليقين في معرفة أصول الدين، عبد الله شبر ٢/٢٧٦
[ ٢ / ٨٥ ]
وقال ابن بابويه الفخر: واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر بنبوة محمد ﷺ"١
بل زادوا بالتبرؤ من الإله الذي خليفة نبيه هو أبو بكر ﵁ وفي هذا يقول نعمة الله الجزائري: لم نجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه وخليفته من بعده أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا" ٢.
ويروون عن الصادق قوله: من شك في كفر أعدائنا والظالمين فهو كافر. وقالوا: واعتقادنا في البراءة أنها من الأوثان الأربعة والإناث الأربع ومن جميع أشياعهم وأتباعهم وأنهم شر خلق الله ولا يتم الإقرار بالله وبرسوله والأئمة إلا بالبراءة من أعدائهم.٣ومرادهم بالأوثان الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية٤ ﵃ وأرضاهم والإناث الأربع هن عائشة وحفصة ﵄ وكذلك هند بنت عتبة أم معاوية ﵁ وأم الحكم أخته ٥.
هذا موقف الرافضة من أمة محمد ﷺ من لدن الصحابة إلى آخر رجل أو امرأة في هذه الأمة ممن لا يؤمن بخرافاتهم وأساطيرهم،فهم بين غلو وكذب وافتراء
_________________
(١) ١ نقلا عن أصولا مذهب الشيعة الإمامية ٢/٧١٤ ٢ نقلا عن أصول مذهب الشيعة الإمامية ٢/٧١٤ ٣ أصول الدين لعبد الله شبر ٢/٢٧٦ ٤ جاء في تفسير العياشي رواية: من أعداء الله أصلحك الله: قال الأوثان الأربعة – قال قلت من هم؟ قال أبو الفصيل ورمع ونعثل ومعاوية ومن دان دينه" وأبو فصيل هو أبو بكر ﵁ لأن البكر والفصيل متقاربان في المعنى، ورمع عكس كلمة عمر، ونعثل مسبة يسبونها لعثمان ﵁. هكذا قال شيخهم المجلسي عليه من الله ما يستحق. ٥ انظر أصول مذهب الشيعة ٢/٧٢٥،٧٣٠.
[ ٢ / ٨٦ ]
في دين الله بادعاء الإمامة وما يتبعها من غلو وانحراف،وبين ظلم واعتداء وبغي بتكفير الأمة وساداتها والطعن فيهم ولعنهم وليس من سبب إلا أنهم لم يؤمنوا بأكاذيبهم وسخافاتهم.
الرد عليهم:
الرد على الروافض في هذا من شقين:
الشق الأول: في إبطال دعوى الإمامة وأنها من أصول الدين.
الشق الثاني: في إبطال تكفير منكرها.
أما الشق الأول فهو الرد على دعوى الإمامة أنها أصل من أصول الدين،فهو قول باطل من عدة أوجه:
أولا: أنه كيف يمكن أن يكون أصلا من أصول الإسلام ولم يرد في القرآن الكريم له ذكر كما لم يرد في السنة الصحيحة عن النبي ﷺ له ذكر وقد عد ﵊ في أحاديث كثيرة أركان الإيمان والإسلام ولم يذكر من ضمنها الولاية أو الإمامة فيما يزعمون.
ثانيا: أن الإمامة كما يزعمون منصب إلهي مثل النبوة فكان يجب التنصيص عليها في القرآن الكريم كما ينص على الأنبياء ﵈.
ثالثا: إن من نظر في أركان الإسلام يجدها عبادات محضة لله ﷿، أما الإمامة التي يزعمون فهي منصب دنيوي وليس ديني وتعلقها بالدين من ناحية أنها تتضمن حماية الدين والدفاع عنه وإقامة الحدود والعدل بين الناس وهي في هذا مثل قائد الجند الذي يطبق على جنوده أوامر رؤسائه، فالإمامة وسيلة لإقامة الدين وليست من أصل الدين في شيء.
رابعا: أن الوصاية لعلي والإمامة له بالكيفية التي يدعيها الروافض أو ل من ادعاها في الإسلام عبد الله بن سبأ اليهودي حيث كان يشيع: إنه كان لكل نبي
[ ٢ / ٨٧ ]
وصي وإن عليا وصي محمد ﷺ ومحمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء.١ فتلقفها عنه الحاقدون على الإسلام من أصحاب الملل فنشروها وأشاعوها بين المسلمين، وكل من عرف تاريخ علي ﵁ وسيرته يتيقن أنه ما كان يعتقد أنه وصيا ولا إماما ولا شيعيا كما يدعيه الرافضة بل روي عنه ﵁ أنه قام خطيبا على منبر الكوفة لما علم بقوم من أهل الكوفة يتناولون أبا بكر وعمر ﵄ وينتقصونهما فقام خطيبا فأثنى على أبي بكر وعمر وذكر جميل خصالهما ثم قالِ: فمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا أشد العقوبة، ألا فمن أوتيت به يقول بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ﵄".٢
بل ثبت في البخاري أن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية قال: قلت لأبي يعنى عليا: أي الناس خير بعد رسوله الله ﷺ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إ لا رجل من المسلمين".٣
فهذا قول علي ﵁ في نفسه ومذهبه في الخلفاء قبله وفيه دلالة على كذب الروافض.
خامسا: أن الإمامة التي يزعمون هي دعوى وهمية خرافية حيث لم يتول الإمامة من أئمتهم سوى علي بعد ثلاثة خلفاء ثم الحسن بن علي لمدة ستة أشهر ثم تنازل
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري ٣/١٦٩ ٢ أخرجه بطوله ابن الجوزي في تلبيس إبليس ١٣٨-١٤٠ بسنده عن سويد بن غفلة وذكره شيخ الإسلام في منهاج السنة ١/٣٠٨ وروى نحوه الإصبهاني عن علقمة، انظر الحجة في بيان المحجة ٢/٣٤٥ ٣ أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ٧/٢٤، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا.
[ ٢ / ٨٨ ]
عنها أما من عداهم فلم يتول أحد منهم شيئا من أمور الدنيا فضلا عن الإمامة الكبرى، فتكون دعواهم في الإمامة من باب الكذب والتخرص فقط.
سادسا: أن عليا تولى باختيار المسلمين له،ليس بنص ولا بطلب منه وكذلك الحسن ولاه المسلمون الذين كانوا مع أبيه في العراق بعد مقتل علي ﵁ ليس بنص ولا طلب منه، ثم تنازل عنها،فلو كان فيها نص لما احتاج الأمر إلى اختيار المسلمين ولا جاز للحسن التنازل عنها. وهذا من أقوى الأدلة عليهم لأنه لو كان إماما من قبل الله ﷿ لما جاز له التنازل كما لا يجوز لنبي أن يتنازل عن النبوة التي كلف بها.
سابعا: أن الروافض يزعمون الإمامة لاثنى عشر رجلا من آل البيت. ومن قرأ في كتب الروافض يراهم يختلفون عند موت كل واحد من أولئك إلى فرق كثيرة كل جماعة منهم تقول بإمامة من يهوون وهذا يدل على كذب ما يزعمونه من النص على أئمتهم.
ثامنا: إن الأدلة الدالة على استحقاق أبي بكر للخلافة بعد رسوله الله ﷺ ظاهرة واضحة – وليس هذا مكان استقصائها – وإنما يكفي أن يذكر دليل واحد وهو استخلاف النبي ﷺ لأبي بكر للإمامة في الصلاة في مرضه الذي مات فيه فبل موته ﵊، وهو كاف في الدلالة، لأن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولو كان عليا كما يزعم الروافض هو وصي رسوله الله ﷺ لجعله إمام المسلمين في حياته فلما لم يجعله كذلك دل على كذب الروافض في دعواهم الإمامة وأن المستحق للخلافة هو أبو بكر ﵁.
تاسعا: إن كل ما يدعيه الروافض من الأدلة في استحقاق علي للإمامة إما أدلة عامة ليس لهم فيها دليل مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة٥٥]
[ ٢ / ٨٩ ]
وإما أدلة فيها فضيلة لعلي ﵁ وليس فيها دلالة على الخلافة وذلك مثل قول النبي ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه" ١
فليس معناها إلا أنه من كنت محبوبه وواجب عليه نصرتي فعلي محبوبه وواجب عليه نصرته. وهو من جنس قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة٧١] لأن الولي في اللغة هو الناصر والمحب.
ومثلها حديث: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".٢
فهذا فيه بيان أن يكون علي بمنزلة هارون لما استخلفه موسى على أهله وبني إسرائيل فعلي كذلك لأن هذا القول قاله النبي ﷺ لما استخلف عليا على المدينة في غزوة تبوك ولم يكن في المدينة إلا النساء والصبيان فخرج علي يبكي قال تخلفني على النساء والصبيان فطيب خاطره النبي ﷺ بذلك، فهذه فضيلة له وليس فيها دلالة على الإمامة المزعومة.
أما الرد عليهم في تكفير منكر الإمامة فمن عدة أوجه:
١ – أن الله كفر منكر نبوة أحد من الأنبياء ولم يرد دليل على كفر من أنكر الإمامة.
٢ - أن تكفير منكر الإمامة اعتداء وبغي،إذ ليس في القرآن ولا في السنة النص على إمامة علي ﵁ فضلا عن أحد من أهل بيته وأبنائه فمن أنكرها فهو منكر لشيء لم يرد في الشرع له دليل صريح.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في كتاب المناقب ٥/٦٣٣ من حديث أبي الطفيل، وقال: حسن صحيح. وللحديث طرق أخرى كثيرة. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٣٠-٣٤٤. ٢ أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب محمد ﷺ ٥/١٧، باب مناقب علي ﵁، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة ٤/١٨٧٠، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ٢ / ٩٠ ]
٣ - أن تكفير منكر الإمامة فيه تكفير للأمة من أولها إلى آخرها سوى شرذمة قليلة من الروافض وهذا مؤد إلى إبطال الدين كله وما أدى إلى إبطال الدين فهو باطل.
٤ – أن تكفير منكر الإمامة فيه تكفير للحسن بن علي الذي تنازل لمعاوية وتكفير الإمام وهو الحسن كتكفير نبي من الأنبياء عندهم فيكون تكفير منكر الإمامة باطل لأنه مؤد إلى تكفير الحسن.
٥ - أن تكفير منكر الإمامة فيه تكفير لمن أقر لمعاوية بالإمامة فيدخل فيه الحسن والحسين وسائر آل البيت ومن كان مع علي في العراق لأنهم اصطلحوا على إمامة معاوية وبايعوه فمن زعم كفر من أنكر الإمامة فقد كفر جميع هؤلاء ومنهم أئمة آل البيت وتكفيرهم كفر، فمن كفرهم فلا شك في كفره عند الروافض فهذا دليل ظاهر على بطلان دعوى الروافض في منكر الإمامة.
فيتبين من هذا كله كذب الروافض في دعاويهم التي ادعوها في الإمامة، وكذلك بغيهم وظلمهم في تكفيرهم المسلمين بتلك الدعاوى المكذوبة.
[ ٢ / ٩١ ]
بيان بطلان قول الرافضة في الإمامة على التفصيل، والرد عليهم:
أ - دعوى الرافضة بأن الإمامة ركن من أركان الدين باطلة من عدة أوجه منها:
١ - إن زعمهم أنها ركن من أركان الإسلام كذب منهم فلم يرد عن الله ولا عن رسوله ﷺ ذكر ذلك، بل جميع رواياتهم في هذا إنما يروونها عن جعفر بن محمد بن علي الملقب بالصادق، وليس هو مشرع وليس لقوله اعتبار إلا في حالة موافقته لكلام الله ﷿ أو كلام رسوله ﷺ.
٢ - إن رواياتهم عن جعفر الصادق مسلسلة بالمجاهيل،وهم يكذبون على آل البيت وينسبون إليهم ما لم يقولوه.
٣ - إن هذا القول مخالف لما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج".١
كما أنا إذا نظرنا في أركان الإسلام نجد أنها كلها عبادات محضة لله ﷿ إما عبادة بدنية كالصلاة والصيام أو عبادة مالية كالزكاة أو عبادة بدنية مالية كالحج، وليست الولاية من جنسها بل تتعلق بسياسة الأمة المسلمة وإدارة شؤونها وتنفيذ حدود الله ﷿ وأوامره التي تتعلق بولي الأمر، فهي وسيلة إلى الخير والعبادة وليست غاية مطلوبة بحد ذاتها مثل قائد الجيش أو مدير الإدارة، فالهدف من تنصيبه هو سياسة العمل الموكل إليه وإدارته وفق ما لديه من تعليمات.
٤ - إن كلامهم مضطرب وهكذا الباطل دائمًا، فمرة جعلوا الأركان خمسة، ومرة ثلاثة، ومرة ستة، فهذا دليل الاضطراب والكذب.
٥ - زعمهم أن الإمامة أعظم أركان الإسلام، ثم زعمهم أنها منصب إلهي كالنبوة بمعنى أن الله هو الذي يختار الأئمة، فهذا من الباطل لأن فيه دلالة على أن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان ١/٩ من عدة أوجه عن ابن عمر ﵄، باب دعاؤكم إيمانكم، ومسلم في كتاب الإيمان ١/٤٥، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
[ ٢ / ٩٢ ]
الأنبياء غير كافين في تبليغ الدين وبيانه، فاحتاج الأمر عندهم إلى تنصيب الأئمة لإقامة الحجة على الناس، وذلك باطل يكذبهم ظاهر القرآن، فقد قال ﷿: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء١٦٥
فالأنبياء ﵈ مبلغون عن الله ﷿ ثم العلماء والدعاة يبلغون دعوة الأنبياء إلى الناس، فلا حاجة للأئمة المزعومين.
ب - أن الخليفة بعد رسوله الله ﷺ هو علي بن أبي طالب ثم الأئمة من آل البيت على ترتيبهم لديهم، وأن النبي ﷺ نص على ذلك.
هذه أهم دعاوى الروافض،وأهم ما يتميزون به وهو اعتقاد أن عليًا هو وصي رسول الله ﷺ.
ويستدل الروافض لهذا بأدلة من القرآن والسنة منها:
١ - قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة٥٥] .
وقالوا: إن المراد بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية علي بن أبي طالب ﵁، وذلك أن الآية نزلت فيه حيث تصدق بخاتمه على مسكين وهو يصلي، وزعموا أن ذلك مروي في الصحاح الستة١.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة١١٩] .
وزعموا أن المراد بـ "الصادقين" هنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه٢.
ويستدلون من السنة بحديث غدير "خم" الذي ورد فيه قوله ﵊: "من كنت مولاه فعلي مولاه".٣
_________________
(١) ١ انظر حق اليقين في أصول الدين ١/٢٦٢ لعبد الله شبر وهو من الرافضة. ٢ انظر حق اليقين في أصول الدين ١/٢٦٣. ٣ سبق تخريجه ص٩٠.
[ ٢ / ٩٣ ]
وحديث أن النبي ﷺ لما نزل عليه قوله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء١٢٤] جمع من أهل بيته ثلاثين فأكلوا وشربوا ثم قال لهم: "من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون خليفتي، ويكون معي في الجنة" فقال علي: أنا.
ومنها حديث أن النبي ﷺ لما أراد الخروج لغزوة تبوك خلف عليًا على النساء والصبيان فقال: يا رسول الله أتخلفني على النساء والصبيان؟ فقال النبي ﷺ: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" ١.
هذه أهم أدلتهم من السنة على ما زعموا، وهو أن النبي ﷺ قد نص على أن الخليفة بعده هو علي ولهم أدلة أخرى أكثرها غير صحيحة.
الرد عليهم وبيان بطلان استدلالهم:
الروافض يستدلون بأدلة عامة ويكذبون في بيان وجه الاستدلال بها.
- فأما الآية الأولى وهي قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة٥٥] .
فالرد على استدلالهم بها ما يلي:
١ - أن الآية عامة فمن ناحية لفظها ليس فيها تخصيص لأحد.
٢ - أن سبب نزول الآية ذكر فيه العلماء ثلاثة أقوال:
فقيل: إنها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁ لما جاء إلى النبي ﷺ، وتبرأ من يهود بني قينقاع فقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنون، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم، فأنزل الله هذه الآية٢.
والقول الثاني: أن الآية عامة في كل من أسلم، وهذا قول ابن عباس والسدي وأبو جعفر محمد الباقر٣.
_________________
(١) ١ انظر: المرجع السابق ١/٢٧٥. ٢ روي ذلك ابن جرير في تفسيره عن إسحاق بن يسار ٦/٢٨٨. ٣ تفسير ابن جرير ٦/٢٨٨.
[ ٢ / ٩٤ ]
القول الثالث: أنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ حيث تصدق بخاتمه على مسكين وهو راكع، وروي ذلك عن مجاهد وعتبة بن أبي حكيم وغيرهم، إلا أن هذه الروايات لا يصح منها شيء، قال ابن كثير عنها: "وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف إسنادها وجهالة رجالها" ١.
فهذه الأقوال تبين أن الآية ليست خاصة بعلي ﵁، وأن الروايات الواردة في أنها نزلت في علي ضعيفة، وكذلك يتبين كذب الرافضة حين يدعون أن الروايات واردة لدى أهل السنة في الصحاح الستة حيث لم ترد في أي من الصحاح.
٣ - أن حمل الآية على الخلافة غير صحيح لأن التولي من معانيه النصرة والتأييد والمحبة فحملها على الخلافة يحتاج إلى دليل خاص وليس عندهم دليل خاص.
أما الآية الثانية وهي قوله ﷿: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة١١٩] .
فالرد على استدلالهم بها:
١ - أن الآية عامة فلا تعين أحدًا بلفظها، وإنما فيها الأمر بأن يكون المسلم مع الصادقين، والآية من ضمن الآيات التي نزلت في شأن كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك، فأمرهم الله ﷿ بعد التوبة عليهم أن يتقوا الله ويكونوا مع الصادقين.
٢ - أنه ورد عن العلماء ثلاثة أقوال في الآية:
أولها: أن المراد بالصادقين رسوله الله ﷺ وأصحابه، وبهذا قال عبد الله بن عمرو ﵁.
وثانيها: أن المقصود بذلك أبو بكر وعمر وأصحابهما ﵃، وبهذا قال الضحاك٢.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢/٦٧. ٢ انظر: تفسير ابن كثير ٢/٣٦٣.
[ ٢ / ٩٥ ]
وثالثها: أن المقصود بذلك علي بن أبي طالب ﵁، وبهذا قال ابن عباس رضي الله عنه١.
وليس في هذه الأقوال تعارض ولا تنافي لأن كل هؤلاء من الصادقين الذين أمر المسلم بأن يكون معهم ويلزم طرائقهم في الصدق والاستقامة.
- أما استدلالهم من السنة فالحديث الأول وهو قوله ﵊: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فالرد عليهم هو أن النبي ﷺ ذكر الموالاة، والموالاة تأتي على معان منها المحبة والنصرة وهذا هو المقصود هنا فيكون معناه من كنت محبوبه وواجب عليه نصرتي فعلي أيضًا يجب أن يكون محبوبه وواجب عليه نصرته، فهذا غاية ما يدل عليه الحديث، وهو من جنس ما ذكر الله ﷿ عن المؤمنين في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١]، أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الحديث الصحيح "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ٢. فلا يكون الحديث دليلًا للرافضة على النص على ولاية علي ﵁.
وذكر البيهقي في كتابه "الاعتقاد" أن الحديث له سبب وهو أن النبي ﷺ لما بعث عليًا إلى اليمن كثرت الشكاة منه وأظهروا بغضه، فأراد النبي ﷺ أن يذكر اختصاصه به ومحبته إياه ويحثهم على محبته وموالاته وترك معاداته٣.
والرافضة هنا يزيدون من عند أنفسهم أشياء حتى يوهموا الناس المعنى الذي يقصدون، فيذكر "عبد الله شبر" الرافضي أن النبي ﷺ لما نزل عليه في حجة الوداع ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة٦٧] الآية، قام في غدير "خم" ٤ ثم بعد أن ذكر ما ذكر في علي ﵁ نزل عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ
_________________
(١) ١ الدر المنثور للسيوطي ٤/٣١٦. ٢ انظر: تفسير ابن كثير ٢/٣٣٦. ٣ الاعتقاد للبيهقي ص ١٨١. البداية والنهاية لابن كثير ٧/٣١٧. ٤ غدير خم: موضع بين مكة والمدينة تصب فيه عين، وقد مر عليه النبي ﷺ في طريق عودته من حجة الوداع. انظر: النهاية لابن الأثير ٢/٨١.
[ ٢ / ٩٦ ]
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة٣] الآية، ثم زعم الرافضي أن حديث الموالاة مروي في البخاري١.
وهذا من افتراءات الروافض.
أما الآية الأولى قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ فلم يذكر أحد من العلماء أنها نزلت في الحج.
أما الآية الثانية وهي ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فبالاتفاق أنها نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة كما روى ذلك البخاري ومسلم،وليس في غدير خم كما زعم الرافضي، فإن غدير خم مر به النبي ﷺ بعد عودته من الحج وهو في طريقه إلى المدينة.
ومن كذب الرافضي أنه ادعى أن الحديث في البخاري وهو غير صحيح وإنما هو مروي عند الترمذي والإمام أحمد ولم يروه البخاري ولا مسلم.
- أما الحديث الثاني فقد رواه الإمام أحمد بسنده عن شريك بن عبد الله عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: جمع النبي ﷺ من أهل بيته ثلاثين
فأكلوا وشربوا قال: فقال لهم من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة وخليفتي في أهلي؟ فقال رجل لم يسمه شريك: أنت كنت بحرًا من يقوم بهذا قال: ثم قال الآخر قال: فعرض ذلك على أهل بيته فقال علي: أنا٢.
هكذا روى الحديث الإمام أحمد في المسند وهو حديث ضعيف، فإن عباد
ابن عبد الله الأسدي قال عنه في التقريب: ضعيف.
وقال عن المنهال بن عمرو: صدوق ربما وهم.
أما الأعمش فهو مدلس وفد عنعن الحديث.
وشريك بن عبد الله صدوق يخطيء كثيرًا وتغير حفظه منذ ولي القضاء.
_________________
(١) ١ انظر: حق اليقين في معرفة أصول الدين ١/٢٧٤. ٢ المسند ١/١١١.
[ ٢ / ٩٧ ]
فالحديث بهذا الإسناد ضعيف.
كما أن الحديث ليس فيه دليل على الخلافة، وذلك أن النبي ﷺ ذكر ذلك لما أمر بالجهر بالدعوة فكان يريد رجلًا من أهل بيته يضمن عنه أداء الحقوق إلى الناس ويرعى شؤون أهله لاحتمال أن يقتله المشركون إذا جهر بالدعوة فأراد ﵊ أن يطمأن على إيصال الأمانات إلى أصحابها لأن قريشًا كانوا يأتمنونه على أموالهم١.
والرافضة حرفوا في الحديث حيث قالوا: "خليفتي" يوهمون الناس أن المقصود الخلافة ونص الرواية "خليفتي في أهلي" ومعناه يخلفني في أهلي يرعى شؤونهم.
كما أن في الحديث ما يشير إلى بطلانه وهو أن عليًا كان عمره وقت الجهر بالدعوة ثلاث عشرة سنة لأنه كان حين أسلم له عشر سنوات والدعوة السرية ثلاث سنوات فيكون عمره ثلاث عشرة سنة وقت ذلك، فهل يعقل أن يتصدى لهذا الأمر غلام دون البلوغ ويعزف عنه كبار بني هاشم وبني عبد المطلب وفيهم مثل حمزة بن عبد المطلب ﵁؟
أما الحديث الثالث وهو "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".
فالرد عليهم في استدلالهم به هو أن يقال:
ليس في الحديث دلالة على الخلافة لأن الحديث إنما قاله الرسول ﷺ تطييبًا لخاطر علي ﵁ وذلك أن النبي ﷺ لما خرج لغزوة تبوك خَلَّفَ عليًا على المدينة، فخرج علي يبكي ويقول: أتخلفني على النساء والصبيان؟ فقال له النبي ﷺ مطيبًا لخاطره "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"،أي حين استخلف موسى أخاه هارون على قومه لما ذهب لموعده مع رب ﷿، فالمراد هنا تشبيه الاستخلاف بالاستخلاف وقد كان من عادة النبي ﷺ أنه كلما خرج في سفر أو غزوة استخلف على المدينة وقد استخلف عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وغيره من
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ٣/٩.
[ ٢ / ٩٨ ]
الصحابة فلم يكن استخلافه لهؤلاء دليلًا على استحقاقهم للخلافة بعد موته عليه الصلاة والسلام١.
هذه أهم أدلتهم فيما يدعون من الوصية لعلي وعندهم روايات كثيرة مكذوبة وروايات أخرى وإن كانت صحيحة فإنها لا تدل على المعنى الذي يقصدون مثل قول النبي ﷺ: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله" ٢، يعني عليًا، فهذا من فضائل علي ﵁ وليس فيه دلالة على الخلافة.
أما من عدا علي ﵁ من أئمتهم مثل الحسن والحسين ومن بعدهم فليس في ذلك شيء يصح البتة سوى الكذب من الروافض والبهتان، ومما يدل دلالة واضحة على كذب الروافض: أنه لم يتول ممن يدعون لهم الإمامة إلا علي ﵁ ثم الحسن تولى قرابة ستة أشهر ثم تنازل لمعاوية ﵁، فلو كان عند الحسن بن علي ﵁ نص من النبي ﷺ في ولايته لكان مرتكبًا لمحرم في تنازله ولكان آثمًا في ذلك، وخاصة أنه كان معه أهل العراق وجنود أبيه كلهم كانوا معه في ذلك الوقت، ومع هذا تنازل ﵁ وترك الأمر، وهذه منقبة عظيمة له وصدق فيه قول رسول الله ﷺ "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٣، ويقصد في ذلك الحسن، وقد وقع مصداق ذلك بتنازله ﵁ بالخلافة لمعاوية عام ٤١ من الهجرة.
ومما يبين كذب الروافض والشيعة عمومًا في دعوى الإمامة،أنك إذا قرأت في كتب الفرق وخاصة كتبهم مثل كتاب فرق الشيعة للنوبختي وهو شيعي، تجد أنهم يختلفون بعد موت كل واحد من أئمتهم إلى فرق عديدة أي يختلفون في الذي بعده، وما ذلك إلا لأن دعواهم بالنص على أئمتهم كذب وافتراء، ولما مات الحسن العسكري وهو الإمام الحادي عشر لديهم ولم يكن له ولد تحيروا في هذا
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٧/٣٢٥. ٢ أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ٤/١٨٧١، باب فضل علي ﵁، والترمذي في كتاب المناقب ٥/٦٣٨، باب مناقب علي ﵁. ٣ صحيح البخاري مع الفتح ٩/٤٨.
[ ٢ / ٩٩ ]
الأمر لأن ذلك يعني انقطاع حبل الكذب عندهم فاخترعوا له ولدًا وسموه محمد وزعموا أنه دخل السرداب وبقي فيه سبعين سنة ثم زعموا أنه اختفى وغاب غيبة لن يخرج منها إلا آخر الزمان فهل في العقول أسخف من تلك العقول التي تصدق بهذا الهراء والكذب.
والرافضة مع كذبهم وافتراءاتهم وتصديقهم للروايات المكذوبة يٌكَذِّبون بالحق ويردونه.
فهنا أدلة عديدة تدل على خلافة أبي بكر ﵁ وخلافة عمر أيضًا يردها الروافض ويكذبون بها مع صراحتها وصحتها ووضوحها وأدلة أخرى تدل على مكانة أبي بكر ﵁ من رسول الله ﷺ لم يرد لعلي ﵁ مثلها منها.
أن الله ﷿ قال ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة٤٠] .
فهذه خصيصة لأبي بكر لا يشاركه فيها أحد وقد عاب الله ﷿ أهل الأرض كلهم لعدم نصرتهم لنبيه ولم يخرج من ذلك إلا أبو بكر الصديق ﵁ وأثبت الله له في هذه الآية الصحبة وأن الله ثالثهم بمعيته وحفظه ولطفه ونصره.
وما أسخف قول الرافضي حين يزعم أن النبي ﷺ إنما أخذ أبا بكر معه لأنه كان خائفًا منه.
فهذا قول فاسد فإن الإنسان إذا خاف من شيء فإنه يفر منه، ولا يأخذه معه.
وهنا أدلة من السنة تدل على خلافة أبي بكر ﵁ دلالة واضحة منها:
١ - أن النبي ﷺ قال في مرض موته "مروا أبا بكر فليصل بالناس" ١.
ولما سمع صوت عمر يصلي بالناس قال ﵊ "أين أبو بكر يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح ١/١١٣. ٢ أخرجه أبو داود ٢/٢٦٦، والإمام أحمد في المسند ٤/٣٢٢.
[ ٢ / ١٠٠ ]
فكان أبو بكر ﵁ يصلي بالناس إلى أن توفي رسول الله فهذا فيه إشارة واضحة إلى أن النبي ﷺ قد رشحه لخلافته حيث كلفه بالقيام والإمامة في أعظم أركان الإسلام وهي الصلاة وقد كان علي أمام ناظري النبي ﷺ،فلو كان على ما زعم الروافض من الوصية له بالخلافة لأنابه عنه في الصلاة، ولكنه لم يفعل لأن جميع ما يدعيه الرافضة من الوصية هي من باب الكذب على النبي ﷺ.
٢ - وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال: "أن امرأة سألت النبي ﷺ شيئًا فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك، قال أبي: كأنها تعني الموت، قال رسول الله ﷺ: "إن لم تجديني فأت أبا بكر" ١.
فهذا فيه إشارة واضحة إلى أن ولي الأمر بعده أبو بكر ﵁.
٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبًا ٢ أو ذنوبين وفي نزعه – والله يغفر له - ضعف ثم استحالت غربًا٣ فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريًا ٤ من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن ٥" ٦.
فهذا فيه إشارة واضحة لخلافة أبي بكر وخلافة عمر ﵄.
٤ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" ٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصحيح مع الفتح ٥/٥، ومسلم ٤/١٨٥٦. ٢ الذنوب: الدلو المملوء ماءًا وفي الحديث إشارة إلى قصر ولاية أبي بكر وهي سنتان وقليل. ٣ الغرب: هو الدلو العظيمة. ٤ العبقري: السيد. ٥ يعني أن الناس روو إبلهم وآووها إلى أماكن راحتها. ٦ أخرج الحديث مسلم ٤/١٨٦٠. ٧ أخرجه الترمذي ٥/٦٠٩، والإمام أحمد في المسند ٥/٣٨٥، ٤٠٢، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة ٣/٢٣٣.
[ ٢ / ١٠١ ]
٥ - وروى سفينة أن النبي ﷺ قال: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" ١.
وهذا الذي كان فإن أبا بكر ﵁ تولى سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال وكانت خلافة عمر ﵁ عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان ﵁ اثنا عشرة سنة إلا اثنا عشرة يومًا وكانت خلافة علي ﵁ خمس سنين إلا شهرين وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي ﵁ نحوًا من ستة أشهر حتى نزل لمعاوية عام أربعين من الهجرة٢، ومعاوية هو أول ملوك المسلمين.
فهذا فيه دلالة واضحة على خلافة الخلفاء الأربعة أو الخمسة وأنها كانت حق على الترتيب بخلاف دعوى الروافض من أن أبا بكر وعمر وعثمان اغتصبوا الخلافة من علي ﵃ جمعيًا.
كما أن هنا أدلة كثيرة تدل على مكانة أبي بكر ﵁ من رسوله الله ﷺ يجحدها الروافض ويردونها أو يتعامون عنها منها:
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسوله الله ﷺ: "إن أَمَنَّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام لا تبقين في المسجد خوخة ٣ إلا خوخة أبي بكر".
ومن حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا. ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله ﷿ صاحبكم خليلًا".
٢ - وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: بعثني رسوله الله ﷺ على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالًا٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٤/٥٠٣، وأبو داود ٢/٥٦٤، وأحمد ٥/٢٢٠، ٢٢١. ٢ انظر: البداية والنهاية ٦/١٩٥. ٣ الخوخة: هي الباب الصغير بين البيتين أو الجدارين وهي فتحات كانت مفتوحة من بيوت الصحابة يدخلون منها على مسجد رسول الله صلى عليه وسلم مباشرة فأمر النبي ﷺ بسدها كلها إلا خوخة أبي بكر. ٤ أخرج هذه الأحاديث مسلم ٤/١٨٥٤-١٨٥٦.
[ ٢ / ١٠٢ ]
٣ - عن ابن عباس ﵁ قال: "وضع عمر بن الخطاب ﵁ على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه ١ قبل أن يرفع قال: فلم يرُعْني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي ﵁ فترحم على عمر وقال: ما خَلَّفْتَ أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذاك أن كنت أكثر ما أسمع رسوله الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبا بكر وعمر، ودخلت أنا وأبا بكر وعمر وخرجت أنا وأبا بكر وعمر، إن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما"٢.
٤ - وعن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية قال: "قلت لأبي - يعني أباه عليًا ﵁ - أي الناس خير بعد رسوله الله ﷺ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" ٣.
فهذه الأدلة وغيرها كثير فيها دلالة واضحة على كذب الروافض فيما ادعوا من مسألة الإمامة ورد عليهم فيما كذبوا فيه من إمامة أبي بكر ﵁ أو فيما طعنوا فيه في أبي بكر ﵁ وهي ظاهرة واضحة ولكن الهوى يعمي ويصم.
_________________
(١) ١ يقصد بذلك لما طعن عمر ﵁ ومات فجاء الناس وهو على السرير قبل أن يحمل إلى قبره. ٢ صحيح مسلم ٤/١٨٥٩. ٣ أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح ٧/٢٠.
[ ٢ / ١٠٣ ]
منهج السلف في الصحابة رضوان الله عليهم
مدخل
منهج السلف في الصحابة رضوان الله عليهم
الصحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام ١
الصحابة رضوان الله عليهم: هم أصحاب رسول الله ﷺ وأصهاره ووزراؤه وأنصاره وأعوانه وهم أنصار دينه وحاملو لوائه ودعاة دينه ومبلغوه، وهم تلاميذه وأتباعه ولهم فيه القدوة الحسنة وله فيهم التربية الناجحة والنبتة الصالحة.
ومن اطلع على شيء من تاريخ المسلمين في صدر الإسلام أدرك ما لأصحاب النبي ﷺ من صدق الإسلام والإخلاص وعميق الحب والولاء لرسول الله ﷺ ولدينه والتفانى في بذل النفس والأهل والولد والمال في سبيل الله، قال ابن حجر: "واتفق أهل السنة على أن الصحابة كلهم عدول،ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة" ٢
وعلى العموم فأصحاب النبي ﷺ قد عدلهم الله ﷿ وعدلهم رسوله ﷺ فلا يحتاجون مع تعديل الله وتعديل رسوله تزكية أحد ولا تعديله فهم الذين قال الله ﷿ فيهم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر٨، ٩] وقال ﷿ مبينا رضاه عنهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح١٨]
_________________
(١) ١ الإصابة ١/٧ ٢ الإصابة ١/١٠
[ ٢ / ١٠٤ ]
وقد كانوا كما روى عن جابر بن عبد الله ﵁ ألفا وأربعمائة أو ألفا وخمسمائة١
وقال ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة١٠٠] وقال ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد١٠] .
قال ابن حزم عن هذه الآية الصحابة كلهم في الجنة وذلك أن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء١٠١]،فتبين أن الجميع في الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون في الآية السابقة.٢
وقال ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح٢٩]
فهذه بعض ما ورد في القرآن الكريم من فضلهم والثناء عليهم وإثبات رضي الله ﵎ عنهم.
وقد ورد في السنة من ذلك أيضا شيء كثير،فمن ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٣
_________________
(١) ١ الاستيعاب بهامش الإصابة ١/ ١١ ٢ الإصابة ١/١٢ ٣ أخرجه البخاري ٣٦٧٣ ومسلم ٢٥٤١
[ ٢ / ١٠٥ ]
وعن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ١ وأخرج الترمذي وغيره عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد أذاني ومن آذاني فقد أذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه".٢
وقال عبد الله بن مسعود: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ. وقد رأى أصحاب محمد ﷺ جميعا أن يستخلفوا أبا بكر"٣.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ أيضا: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وفضلهم فقد كانوا على الهدى المستقيم".٤
فهذه بعض النصوص الدالة على فضلهم على العموم وهي مبينة أن أصحاب نبينا محمد ﷺ لهم المقام الأعلى والشرف الأسمى بما تميزوا به من الهدى والتقى وما اختصوا به من بين سائر أفراد الأمة بصحبة نبينا الكريم ﷺ، ومن أن الإسلام إنما قام بجهادهم وبذلهم وتفانيهم في دعوة الناس إلى الخير فلولا ذلك لما وصل الإسلام إلينا فلهم حق على كل مسلم جاء بعدهم أن يعرف لهم فضلهم ومكانهم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢٦٥١ مسلم ٢٥٣٥ ٢ الترمذي ٣٨٦٢ أحمد ٤/٨٧ وحسنه الترمذي ٣ أخرجه أحمد ١/٣٧٩ ٤ أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٣٦٨.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وهنا أمران يجب التنبه لهما:
الأول: أن مراتبهم في الفضل كمراتبهم في الخلافة فأعلاهم مكانة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين.
وهذا قول الجمهور وقد كان بعض أهل السنة يقدم عليا على عثمان ﵄ وهم أهل الكوفة،إلا أن أهل السنة بعدهم أجمعوا على أن ترتيب الصحابة في الفضل كترتيبهم في الخلافة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وقد كان ابن عمر ﵁ يقول: "كنا نخير بين الناس في زمن الرسول ﷺ أبا بكر ثم عمر ثم عثمان".١
وفي رواية عنه أنه قال: "كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أفضل أمة رسول الله ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان".٢
أما أفضلية علي ﵁ فيستدل لها بما ورد من الأحاديث التي دلت على فضله وأنه الذي تولى الخلافة بعد عثمان ﵁ فيدخل في قول النبي ﷺ الذي يرويه سفينة عن النبي ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة" ٣ وبخلافة علي ثم من بعده الحسن تكتمل الثلاثون سنة. ثم من بعد الخلفاء بقية العشرة المبشرون بالجنة ٤ ثم بقية الصحابة رضوان الله عليهم جميعا ولا يعدل بأصحاب النبي ﷺ أحد ولا يقاس بهم.
قيل لابن المبارك ﵀: "معاوية خير أو عمر بن عبد العزيز قال: تراب دخل في أنف معاوية ﵀ مع رسول الله ﷺ خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز".
وسئل أبو أسامة حماد بن أسامة: "أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاس بهم أحد".٥
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢/٤٣٠ أبو داود برقم ٤٦٢٧ ٢ أخرجه أبو داود ٤٦٢٨ وابن أبي عاصم في السنة ٢/٥٥٢ وقال الألباني إسناده صحيح ٣ أخرجه الآجري في الشريعة ٢/٤٣١ حم ٥/٢٢٣ الترمذي ٢٢٢٧ وقال حديث حسن ٤ شرح الطحاوية ص: ٧٢٨ ٥ أخرجهما الآجري في الشريعة ٣/٥٢٠
[ ٢ / ١٠٧ ]
الثاني: أننا لا نغلوا في حبهم كما يغلوا الروافض في دعوى حبهم لآل البيت ولا نعتقد عصمة الصحابة ولا أحد بعد رسول الله ﷺ، بل هم مثل غيرهم من البشر يخطئون ويذنبون إلا أننا نعتقد أن الله ﵎ يتجاوز عنهم بما سبق لهم من الفضل والعمل والطاعة لله والنصح لدين الله، وقد ذكرنا النصوص الدالة على رضى الله ﷿ عنهم وهو سبحانه لا يسخط عليهم بعد أن أعلن رضاه تعالى عنهم.١
ثالثا: الكف عما شجر بينهم فلا نذكر مساويهم ولا أخطاءهم وإنما ننشر محاسنهم وفضائلهم ونستغفر لهم كما قال الله ﷿ بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر١٠] قال ابن عباس ﵁: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله ﷿ قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون".٢
فنستغفر لهم ونترضى عنهم جميعا ولا نذكرهم إلا بالجميل ولا ندخل بينهم فيما وقع منهم حكاما ومحكوما فقد روى ابن سعد في طبقاته أن عمر بن عبد العزيز ﵀ سئل عن قتال يوم الجمل ويوم صفين وقيل له لو قلت فيها برأيك: قال: دماء لم أغمس فيها يدي أغمس فيها لساني؟ "٣
ونكف عن مساوئهم ولا نتنقص أحدا منهم البتة ومن تنقص أحدا منهم، فإنه متهم بالزندقة، قال عبد الملك الميموني سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: ما لهم
_________________
(١) ١ انظر إتحاف ذوي النجابة بما في القرآن والسنة من فضائل الصحابة، ص: ٤٩ ٢ أخرجه اللالكائي في السنة ٧/١٢٥٠ ٣ طبقات ابن سعد ٦/٢٤٨ عبد الله بن الإمام أحمد في السنة رقم ١٣٠٦ والحجة في باب المحجة ١/٥٢١
[ ٢ / ١٠٨ ]
ولمعاوية؟ أسأل الله العافية ثم قال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب محمد ﷺ بسوء فاتهمه على الإسلام".١
وروى الخطيب في الكفاية بسنده عن أبي زرعة ﵀ أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله ﷺ. وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى، وهم زنادقة" ٢
هذا على العموم منهج السلف ﵏ من أصحاب النبي ﷺ وموقفهم منهم ألحقنا الله بهم وغفر لنا بحبهم إنه جواد كريم.
_________________
(١) ١ اللالكائي في السنة ٧/١٢٥٢ الحجة في بيان المحجة ١/٣٧١ ٢ الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص: ٩٧ وانظر صب العذاب على من سب الأصحاب لأبي العالي الألوسي ص: ٣٩١ وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠/٦٩٧
[ ٢ / ١٠٩ ]
موقف الرافضة من الصحابة رضوان الله عليهم
لقد امتلأت قلوب الروافض غيظا وكمدا على أصحاب محمد ﷺ فقالوا فيهم أخبث قول وأفسده، وفاقوا بذلك اليهود والنصارى خبثا فقد قيل لليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى ﵇ وقيل للنصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى ﵇ وقيل للرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب محمد ﷺ".١
_________________
(١) ١ ذكر هذا الشعبي ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ١/٣٣ وانظر بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود ص: ١٣٩
[ ٢ / ١٠٩ ]
فالروافض يزعمون أن الصحابة كفروا جميعا إلا نفر قليل منهم فروى الكشى عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ قال: المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.."١
كما أن للروافض - عليهم من الله ما يستحقون – ولع شديد إلى حد الهوس بلعن وسب شيخي الإسلام وسيدا كهول أهل الجنة وصاحبي الرسول ﷺ أبي بكر وعمر ﵄ وأرضاهما.
ففي كتاب "مفتاح الجنان" عندهم وهو من كتب الأدعية قولهم: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وابنتيهما".٢
ويريدون بالصنمين والجبتين أبي بكر وعمر ﵄ وبالبنتين أمهات المؤمنين عائشة وحفصة ﵄.
ويقول الكليني – صاحب الكافي – عليه من الله ما يستحق: الأول والثاني أبو بكر وعمر في كتب الشيعة: رجسان ملعونان هما الجبت والطاغوت وهما فرعون هذه الأمة وهامانها، هما أشد أهل النفاق نفاقا وعداء للنبي وضررا للإسلام"٣.
ويقول صاحب كتاب الوشيعة: لله وراء هذا العالم سبعون ألف عالم في كل عالم سبعون ألف أمة، كل أمة أكثر من الإنس والجن لا هم لهم إلا اللعن على أبي بكر وعمر".٤
وهذا المذهب وهو تكفير الصحابة والطعن فيهم هو مذهب وقول عبد الله بن سبأ اليهودي وورثه عنه الروافض إلى زماننا هذا،فهذا الخميني الهالك ينسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم تحريف القرآن فيقول: "أولئك الصحابة الذين لم
_________________
(١) ١ رجال الكشي ص: ١٢ نقلا عن الشيعة الإمامية في ميزان الإسلام ص: ٨٩ ٢ مفتاح الجنان ص: ١١٤ نقلا عن الشيعة في ميزان الإسلام ص: ٨٩ ٣ الكافي ١/٤٤ نقلا عن الشيعة في ميزان الإسلام ص: ٨٩ ٤ نقلا عن الشيعة في ميزان الإسلام ص: ٩٤
[ ٢ / ١١٠ ]
يكن لهم هم إلا الدنيا والحصول على الحكم دون الإسلام والقرآن ثم يقول: "إن تهمة التحريف التي يوجهونها إلى اليهود والنصارى ثابتة عليهم".١
هكذا يزعم المجرم الهالك، وهذا غره حتى فضل أهل إيران من جنوده الروافض على أصحاب الرسول ﷺ فقال: "إنني أقولها بجرأة إن شعب إيران بجماهيره المليونية في العصر الحاضر هو أفضل من شعب الحجاز في عهد رسول الله ﷺ وشعب الكوفة والعراق على عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي".٢
هكذا يزعم أن أصحابه أفضل من أصحاب النبي ﷺ ومن أصحاب علي ﵁. وما هذا في الحقيقة إلا تفضيل لنفسه على رسول الله ﷺ وعلى علي بن أبي طالب أيضا لأنه فيما يدعي استطاع أن يربي جيلا أفضل من تربية الرسول ﷺ.
ولكن الله بحمده وفضله أذله وأظهر خزيه وكذبه فلم يستطع بملايينه أن ينتصر على بعثي علماني وهو حاكم العراق، ثم مات بحسرته بعد أن أعلن استسلامه ولله الحمد والمنة.
هذه النصوص وغيرها كثير لدى الروافض وعندهم ما هو أقبح منها وأشنع ومما لا يليق قوله ولا ذكره – تطفح به كتب الروافض، كما تشكل تلك الروايات معتقدهم في خير أمة ظهرت على وجه الأرض وأطهر من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين.
إن الإنسان ليدهش أشد الدهشة من هذا الحقد الدفين والقلوب السوداء الممتلئة غيظا وكمدا على حواري رسول الله ﷺ وأصحابه وأزواجه وأهل بيته الذين عدلهم رب السماء والأرض،وأثنى عليهم،وشهد لهم بالخيرية والفضل. وشهد لهم رسوله ﷺ وأمر بمحبتهم، لقد أمر الله ﷿ المسلمين أن يترحموا على سلفهم بقوله
_________________
(١) ١ كشف الأسرار للخميني، ص: ١١٤ ٢ الوصية الإلهية، ص: ١٦ للخميني – نقلا عن فرق معاصرة ١/١٩٢
[ ٢ / ١١١ ]
﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر١٠]
فخالف ذلك الرافضة فلعنوا أصحاب رسول الله ﷺ وامتلأت قلوبهم غلا عليهم.
وإن كل ناظر منصف في تاريخ أولئك الأبرار الأخيار الأطهار أصحاب محمد ﷺ يدرك أنه لم يأت على وجه الأرض مثلهم، فقد قاموا بدين الله حق القيام وبذلوا في سبيل نشره دماءهم وأموالهم وأولادهم ووقتهم،ونحن في هذه الأزمان، بما عندنا من دين وإيمان، وكذلك جميع المسلمين من بعد الصحابة إنما ذلك حسنة من حسنات أولئك الأبرار.
إن الصحابة رضوان الله عليهم جميعا وحشرنا في زمرتهم لا يحتاجون مع ثناء الله ﷿ عليهم وثناء رسوله ﷺ إلى ثناء أحد وتعديله ويكفيهم ذلك فخرا وذلك مثل قول الله ﷿: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا..﴾ [الحشر٨]
وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفتح١٨]
وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة١٠٠]
فهذه النصوص وغيرها كثير مما سبق ذكره تبين كفر الروافض وخروجهم من الإسلام بدعواهم أن الصحابة رضوان الله عليهم كفروا، لأن من قال ذلك فقد كذب القرآن ورد كلام الله ولم يقبل تعديله وثناءه جل وعلا على أولئك الأبرار.
وليس من جناية ارتكبها الصحابة ولا جرم لهم عند هؤلاء الروافض في الحقيقة إلا أنهم نصروا الله ورسوله ونشروا الإسلام في أصقاع الأرض وأذلوا دولة الكفر فارس والروم واستولوا على أراضيهما ودخل الناس من أتباعهما في دين الله أفواجا.
[ ٢ / ١١٢ ]
وإذا نظرنا في تاريخ الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ نجد أنهم نشروا الإسلام في أقصى الأرض فبلغت جيوش المسلمين في زمانهم خراسان ودخلت في غرب أفريقيا فتعدت ما يعرف بتونس إلى المحيط الأطلسي وكان لهم في هذا الباب في نشر الإسلام أكثر بكثير مما كان لعلي بن أبي طالب ﵁، ففي عهد علي ﵁ لم يقتل كافر في سبيل الله ولم تفتح بلد واحد بل قتل المسلمون بعضهم بعضا وسفكوا دماءهم وكثر بذلك الغم والبلاء على المسلمين مما يبين الفرق العظيم بين عهد أبي بكر وعمر وعثمان وبين عهد علي ﵃ جميعا. ولكن الروافض قوم بهت.
كما أن كل إنسان يطلع على قول الروافض في أصحاب رسول الله ﷺ يشعره ذلك القول والبهتان أن الرسول ﵊ كان يعيش بين جماعة كبيرة من المنافقين والكذبة والأفاكين، كما كان في بيته بين زوجاته يعيش بين مجموعة من النساء الكذابات المحتالات – وحاشا الجميع من ذلك. فأصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته هم الطاهرون الأبرار والروافض هم الكذبة الفجار.
كما أن الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته طعن فيه ﵊ لأن من المعلوم أنه إذا كان رجل يطعن في أهلك وأصحابك فذلك طعن فيك أيضا.
وغاية الروافض أخزاهم الله وأذلهم في الدنيا والآخرة من هذا الطعن في الصحابة إنما هو الطعن في دين الإسلام عموما وإبطاله لأن الصحابة وزوجات الرسول ﷺ هم الذين نقلوا إلينا هذا القرآن ونقلوا إلينا كلام رسول الله ﷺ وأخباره وأحواله فإذا كانوا غير صادقين ولا صالحين فبالتالي يكون كل ما عندنا من شرع ودين باطل وفاسد. هذا غاية ما يقصد إليه الرافضة من هذه الحملة الشعواء الكاذبة على أصحاب الرسول ﷺ.
[ ٢ / ١١٣ ]
الإيمان بالقضاء والقدر
فصل: معنى القضاء والقدر وحكمه
الإيمان بالقضاء والقدر
مما يجمع عليه علماء السلف الإيمان بالقضاء والقدر، وسنبين مايتعلق بهذا الركن من أركان الإيمان وفق النقاط التالية:
معنى القضاء والقدر:
المعنى اللغوي:
القضاء في اللغة له معان عديدة منها: الحكم، والأمر، والأداء، والخلق، وإنفاد الأمر وبلوغ منتهاه.١
والقدر في اللغة: من القدر بسكون الدال، ومن القدر بفتح الدال، وتأتي على معان منها: القوة، ومقدار الشيء، والتمكن من الأمر، والغنى، وقياس الشيء. والقضاء من الله.
والقدر تأتي من قدر بتشديد الدال، وتعني تمهل في تسوية الأمر وفكر فيه، وبيّن مقداره، وقاسه به، ونوى الأمر وقضاه وحكم به.٢
المعنى الشرعي:
القضاء والقدر في الشرع قد يردان على معنى واحد، وهو: ما سبق به العلم وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد ووقوعه في وقته وكيفيته.
وقد يراد بالقدر ما سبق به العلم وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، أما القضاء فيراد به وقوع الأمر وإنفاذ الحكم وفق القدر السابق ٣. فيكون بذلك القدر كالمخطط الذي يخططه الإنسان لبناء بيت مثلًا، والقضاء كالبناء للبيت إذا بناه وفق سابق التخطيط.
_________________
(١) ١ انظر معجم مقاييس اللغة ٥/٩٩ والمعجم الوسيط ٢/٧٤٢ ٢ انظر لسان العرب ٥/٧٤ والمعجم الوسيط ٢/٧١٨ ومعجم مقاييس اللغة ٥/٦٢ ٣ انظر فتح الباري ١١/٤٧٧ والنهاية في غريب الحديث ٤/٧٨
[ ٢ / ١١٤ ]
حكم الإيمان بالقضاء والقدر.
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لحديث جبريل ﵇ حيث جاء فيه: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" ١
فمعنى قوله: "وبالقدر خيره وشره" أي تؤمن بأن ما يصيبك من خير أو شر هو بقدر سابق من الله ﷿.
وأخرج الإمام احمد بسنده عن عبادة بن الصامت أنه قال - وهو في الموت-: ادع لي ابني لعلي أخبره بما سمعت من رسوله الله ﷺ يقول: "إن أول شيء خلقه الله من خلقه القلم" - وفي رواية: "إن أول ما خلق الله القلم - فقال له: اكتب، فقال: يارب ماذا أكتب؟ قال: القدر". قال رسوله الله ﷺ: "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" ٢
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم انظره بشرح النووي ١/١٥٧ ٢ مسند الامام احمد ٥/٣١٧ والسنة لابن أبي عاصم ١/٤٨ـ٥٠
[ ٢ / ١١٥ ]
مراتب الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر لا يتم ولا يكمل إلا بالإيمان بأربع مراتب وهي:
المرتبة الأولى: العلم.
والمراد بالعلم: هو اعتقاد أن الله ﷿ علم أعمال العباد دقيقها وجليلها كما علم مصائرهم إلى الجنة أو إلى النار قبل وجودهم.
والأدلة على ذلك كثيرة منها الآيات التي تثبت عموم علم الله ﷿ بكل شيء.
من ذلك قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢]
وقوله ﷿: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر ١١]
[ ٢ / ١١٥ ]
وقال ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وغير ذلك من الآيات.
ومن السنة حديث عمران بن حصين ﵁ قال قال رجل: يارسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: "نعم، قال: فلم يعملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له، أو يسر له" ١
المرتبة الثانية: الكتابة:
والمراد بها: اعتقاد أن الله ﷿ قد كتب جميع أعمال العباد صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، ومن الأدلة على ذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]
وقوله ﷿: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]
وقال ﷿: ﴿الِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٣]
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسوله الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" ٢
وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة"، قال: فقال رجل يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب القدر ٤/٢٠٤٠-٢٠٤١، باب كيفية خلق الآدمي. ٢ أخرجه مسلم ٤/٢٠٤٤ رقم ٢٦٥٣
[ ٢ / ١١٦ ]
العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ١
المرتبة الثالثة: المشيئة:
والمراد بالمشيئة؛ الإيمان بمشيئة الله النافذة في كل شيء، فلم يقع في هذا الكون شيء إلا بمشيئته، ولم يقع إلا لأن الله قد شاء وقوعه، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله لم يشأ وقوعه، وهذا شامل لكل شيء مما هو طاعة ومعصية وهداية وضلال وخير وشر، فمشيئة الله هي الموجبة لوقوع الأمر، وذلك معنى قول المسلمين: ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والأدلة الدالة على إثبات هذه المرتبة كثيرة، منها:
قوله ﷿: ﴿وما تشاؤن إلا أن يشاء الله﴾ [التكوير ٣٩]
وقوله ﷿: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر ٥٦]
وقوله ﷿: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام ٣٩]
وقوله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٥٣]
وقوله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس ٩٩]
فهذه النصوص أثبتت أن كل شيء إنما هو بمشيئة الله ﷿.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢٠٣٩ برقم ٢٦٤٧
[ ٢ / ١١٧ ]
المرتبة الرابعة: خلق الأعمال:
والمراد بخلق الأعمال أن الله ﷿ كما أنه هو الخالق جل وعلا لذوات العباد وأجسادهم، فهو كذلك خالق لأعمالهم وأفعالهم، بل كل ما في الوجود من حركة وسكون وقول وفعل إنما هو خلق الله ﷿، والدليل على ذلك قوله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر ٦٢]
فهذه الآية عامة في خلق الله لكل شيء، وقال ﷿: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]
وقال جل وعلا: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٣، ١٤]
فهذه الآية صريحة أيضًا في أن الله خالق لأقوال العباد التي يسرون بها والتي يجهرون بها، كما أنه خالق لما في الصدور من الإرادات والحب والبغض وغير ذلك، حيث علل الله ﷿ علمه بكل ذلك بأنه خالقه، فكيف لا يعلمه.
ومن الأدلة في ذلك قوله ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم ٢٢]
واختلاف الألسن المراد به اللغات، وقد نص الله ﷿ على أنه خالقها، حيث عطفها على خلق السموات والأرض.
وقوله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم ٤٣]
فالله ﷿ هو الذي أضحك الإنسان، والإنسان هو الضاحك، والله ﷿ أبكاه، والإنسان هو الباكي.
وقوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس ٢٢]
فالتسيير خلق الله ﷿، والسير فعل العبد، فالله ﷿ المسّير والعبد هو السائر.
[ ٢ / ١١٨ ]
ومن السنة حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" ١
_________________
(١) ١ السنة لابن ابي عاصم ١/١٥٨.
[ ٢ / ١١٩ ]
مسائل تتعلق بالإيمان بالقدر:
١ - إثبات الحكمة لله ﷿.
مما يجب إعتقاده أن الله ﷿ حكيم في فعله وأمره، فلا يفعل ولا يخلق إلا لحكمة، كما أنه لا يأمر ويشرع إلا لحكمة بالغة، وهذا مقتضى وصفه بالحكمة جل وعلا في آيات كثيرة مثل قوله ﷿ وهو الحكيم الخبير وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء١١]
فبناءً عليه يجب اعتقاد أن جميع ما يقدره الله ﷿ له فيه حكمة بالغة قد تعلم وقد لا تعلم، كما أن جميع أوامره ونواهيه هي وفق حكمة بالغة قد تعلم وقد لا تعلم.
٢ - أن الإيمان بالقدر من الإيمان بالغيب.
مما يجب معرفته أن إيماننا بأن الله ﷿ قد قدر علينا ما هو واقع بنا وأن الله سبحانه قد شاء جميع أفعالنا منا قبل وقوعها منا، وكذلك خلقها فينا وقت فعلنا لها، كل ذلك آمنا به واعتقدناه بناءً على الأدلة الشرعية المثبتة لذلك من القرآن والسنة، فهو إيمان بالغيب وفق خبر الله ﷿ وخبر رسوله ﷺ، كما أننا نؤمن بالجنة والنار وما أعد الله لأهل كل دار منهما بالغيب من غير مشاهدة منا للجنة أو النار في هذه الحياة الدنيا، فكذلك الإيمان بالقدر إنما نؤمن به بناءً على الأدلة الشرعية التي وضحت ذلك وبينته، وعليه فلا يجوز لأحد أن يعارض ذلك أو يرده بناءً على نظر عقليّ قاصر أو قياس على المخلوق، لأن الأدلة الشرعية لا يجوز معارضتها بشيء من ذلك، بل الواجب التسليم لها ثم ما عقلته عقولنا فلنحمد الله
[ ٢ / ١١٩ ]
على ذلك، وما لم تعقله عقولنا فلنعلم أن القصور في عقولنا وليس في شرع الله وأمره، وحقيقة الأمر أنه لا يوجد في إثبات القدر ما يتعارض مع العقل السليم، لأن إثبات القدر هو إثبات لكمال الربوبية والملك والتصرف للخالق جل وعلا في عباده وخلقه. ولا يجوز الاعتراض على المالك إذا تصرف في ملكه، كما أن الله ﷿ في جميع تدبيراته وتصرفه في خلقه وكذا شرعه وأمره صادر عن حكمة بالغة، كما ذكرنا.
٣ - أن الإرادة في القرآن الكريم على نوعين.
إن الإرادة المضافة لله ﷿ في القرآن الكريم على نوعين:
أ - إرادة كونية قدرية: وهي تعني إرادة إيجاد الشيء وخلقه، وهذا النوع من الإرادة لابد من وقوعه، فإنه لا يتخلف، إلا أنه لا يتعلق بالمحبة والرضا، فقد يكون مما يحب الله ﷿ مثل طاعة المؤمنين وعباداتهم التي أراد الله وقوعها منهم، وقد تكون الإرادة مما لا يحب الله ﷿ مثل كفر الكافرين ومعصية العصاة الواقعة منهم، فإنها لم تقع منهم إلا بعد إرادة الله وقوعها، لكن الله ﷿ لا يحبها بل يبغضها ويكرهها، وإن كانت واقعة بإرادته الكونية القدرية.
ومن الأدلة على الإرادة الكونية القدرية قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٣٥]
وقال تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود ٣٤]
فهذه الآيات وردت فيها الإرادة المضافة إلى الله ﷿ ومنها مايحبه الله ﷿ مثل الهداية بشرح الصدور، ومنها ما لا يحبه مثل الضلال والقتل والغواية. ولكن
[ ٢ / ١٢٠ ]
الجميع واقع بإرادته جل وعلا التي هي بمعنى المشيئة قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر ٧]
ب - إرادة دينية شرعية:
وهي النوع الثاني من أنواع الإرادة الواردة في القرآن الكريم، وهي مستلزمة للمحبة والرضا ولا يلزم أن تقع، وذلك مثل محبة الله ﷿ طاعة العباد وإيمانهم وهدايتهم.
ومن الأدلة الدالة على ذلك قوله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]
وقوله ﷿: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٦]
وقوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٧]
فالإرادة في هذه الآيات تسمى الإرادة الدينية الشرعية المستلزمة للمحبة والرضا، ولكنها قد تقع إذا تعلق بها النوع الآخر من الإرادة وهي الإرادة الكونية القدرية، وقد لا تقع إذا لم يتعلق بإيجادها إرادته الكونية القدرية.
ويفيدنا ذلك معرفة أن جميع الطاعات يريدها الله دينًا وشرعًا ويحبها ويرضاها، أما المعاصي فإنه لا يريدها دينًا ولا شرعًا، وأنه جل وعلا يبغضها ويكرهها، وأنه قد يريد وجودها كونًا وقدرًا فتوجد من عباده وهو في نفس الوقت يبغضها ويكرهها وقد توعدهم بالعقوبة عليها. ١
٤ - احتجاج بعض العصاة بالقدر والرد عليهم.
بعض العصاة المنحرفين عن دين الله قد يفعل الفعل المحرم المنهي عنه، ثم إذا اعترض عليه أحد ونبهه على تحريم فعله وأنه ارتكب جرمًا فعليه التوبة والإقلاع
_________________
(١) ١ انظر في ذلك شرح الطحاوية ص ١١٦ ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٨/١٨٨
[ ٢ / ١٢١ ]
عما هو عليه من ارتكاب المحرم، فإن هذا العاصي يحتج بالقدر ويدّعي أن الله هو الذي قدّر عليه ذلك، أو قد يدّعي حين يدعى إلى الصلاة - مثلًا - بأنه إذا أراد الله له أن يصلي سيصلي. فكيف جواب ذلك؟
الجواب عن ذلك أن يقال: إن احتجاج العاصي بالقدر وهو مقيم على المعصية من جنس احتجاج المشركين بالقدر في دعوة الأنبياء، وذلك كما حكى الله ﷿ في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]
فالمشركون هنا احتجوا بالقدر على رد الشرع ودعوة الأنبياء، والعاصي المقيم على المعصية يحتج بالقدر على معصيته، والمشركون كاذبون، وكذلك العاصي كاذب لعدة أسباب:
أ - لأن القدر ليس حجة لعاص، ونحن إنما أمرنا أن نؤمن بالقدر، لا أن نحتج به
ب - أن القدر لا يعلم حتى يقع فإذا وقع علمنا بأن الأمر كان مقدرًا، فكيف يجوز للإنسان أن يحتج بشيء غاب عنه، ولا يدري ما قدر له فيه.
ج - إن الله ﷿ قد خلق للإنسان الإرادة والقدرة، وأرسل له الرسل، وأنزل الكتب ليعلموه شرع الله، ويحذروه من معصية الله، فعليه فإنه ليس للعاصي أي حجة على الله، فاحتجاجه بالقدر غير صحيح وليس فيه حجة.
د - إن مما يبين كذب المحتج بالقدر على المعصية، أنه لو اعتدى أحد على ماله أو عرضه فاحتج ذلك المعتدي بالقدر فإن المعتدى عليه لا يقبل ذلك الاحتجاج، وسيسعى إلى إنزال العقوبة به، فكذلك لا يقبل احتجاج العاصي بالقدر.
[ ٢ / ١٢٢ ]
٥ - احتجاج بعض العصاة بالقدر بقولهم: بأنه إذا كان الله قد قدّر لي دخول الجنة فإني سأدخلها.
والرد على هذه الوسوسة الشيطانية بأن يقال:
أ - إن الجنة لا يحصلها الإنسان ولا يدخلها إلا بعمل، كما قال ﷺ: في الحديث الذي سبق ذكره لما سئل: أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: "نعم". قال: فلم يعملون؟ قال: "كل يعمل لما خلق له أو يسر له".
فعليه إن ما قدر لك لا يأتيك إلا بعمل، فلابد من العمل، وذلك مثل من قدر له أن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو طيارًا أو عالمًا في الشرع، فلا يمكن أن يكون كذلك إلا بالتعلم والاجتهاد، فكذلك ما قدر للإنسان من جنة أو نار مثل ذلك، ويخشى على من استمر في الوسوسة لنفسه بأنه إذا كان من أهل الجنة، فإنه سيدخلها فيترك طاعة الله، والشيطان يمنّيه حتى يموت على ذلك فيكون من أهل النار، لأن من ترك طاعة الله وعبادته دخل النار.
ب - أن قائل هذا الكلام غير صادق في دعواه هذه، والذي يدل على ذلك ويؤكده بأن يقال له: فلتعلم أن كل شيء بقدر حتى رزقك وطعامك ونومك وحركتك، فإذا كنت صادقًا في دعواك فاجلس في بيتك ولا تسعى لرزقك، لأن ما قدر لك سيأتيك، كما يقال له: لا تذهب تحضر الطعام ولا تصنعه لأنه إذا كان مقدرًا لك سيأتيك، فهل سيقبل ذلك؟ لاشك أنه لن يقبل ذلك، فكذلك دعواه هذه غير مقبولة، وإنما هي من إتباع النفس هواها وتمني الأماني على الله، أما لو قبل ذلك وقال: أبقى في البيت حتى يأتيني رزقي بدون سعي، أو أمكث في مكاني حتى يأتيني طعامي فهو لاشك بعدها مجنون لا فائدة من الكلام معه.
[ ٢ / ١٢٣ ]
٦ - أثر الإيمان بالقدر وفوائده:
لا يشرع الله ﷿ شرعًا ولا يأمر بأمر إلا وله حكمة بالغة، وللإيمان بالقدر آثار وفوائد عديدة نذكر منها:
أ - أن الإيمان بالقدر - وفق ما أمر الله ﷿ وبيّن ووفق ما بيّنه رسوله الله ﷺ - يصحح للمسلم إيمانه ويكمله له، ويكون بذلك مستجيبًا لأمر الله ﷿ بالإيمان بالقدر ويحصل بذلك أجر المؤمنين بالغيب.
ب - إن اعتقاد المسلم أن ما قدر له سيصيبه، وأن أجله ورزقه مكتوب مقدر يجعله شجاعًا مقدامًا لا يخاف، لأن ما قدر له سيأتيه، فمن أي شيء يخاف؟ أمن شيء لم يكتب عليه فلن يصيبه، أم من شيء كتب عليه فلن يفر منه وهذا يدفعه إلى الإقدام والشجاعة إذا كان الأمر فيه رضى لله ﷿.
ج - أن الإيمان بالقدر فيه الإيمان بأن جميع ما يصيبك بقدر من الله لا مفرّ منه، فعندها تخف المصيبة على الإنسان إذا وقعت، فلو مات له قريب أو ذهب له مال فإنه يصبر ويحتسب لأن ما وقع لايمكن دفعه فإذا صبر حصل له أجر الصابرين الذي ذكره الله ﷿ في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة ١٥٥ - ١٥٧]
كما أنه إذا أصابته نعمة علم أنها من عند الله فلا يبطر ولا يختال بل يشكر الله ﷿ حتى يزيد، كما قال ﷿: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم ٧]
د - أن المؤمن بالقدر يعلم "أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، فما شاء من قلب أقامه وما شاء من قلب أزاغه" ١ ويعلم أن الأعمال بالخواتيم، فذلك يدفعه إلى الاستمرار في الطاعة حتى الموت، كما أن علم الإنسان بأن الخير كله بيد الله ﷿ فلا يأتيك خير إلا من الله، كما أنه لا يصرف عنك الشر إلا الله
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٢/١٦٨.
[ ٢ / ١٢٤ ]
﷿، فهذا يجعل الإنسان يرتبط بالله ﷿ ارتباطا قويًا ويكثر من دعائه وسؤاله فيحصل بذلك الخير الذي يريد بإذن الله، ويندفع عنه الشر الذي يخاف بإذن الله، ويكون في نفس الوقت قد عبد الله ﷿ عبادة يحبها الله من عباده وهي الدعاء والسؤال، وفي هذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يسأل الله يغضب عليه" ١، وفيها استجابة لأمر الله ﷿ لقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]
هـ -أن قول النبي ﷺ: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة"
هذا الحديث فيه بشارة للمسلم إذا كان على عمل صالح لعله يكون خلق للجنة، فيزداد تمسكًا واجتهادًا ليحصل على أعلى المراتب، كما أن فيه تحذيرًا للمسلم فيما لو كان على عمل غير صالح، فلا يصلي أو يشرب الخمر ونحو ذلك، بأن في ذلك علامة وتخويف له من أن يكون خلق للنار، لأن علامة ذلك الاستمرار في معصية الله ﷿، فينتبه ويحذر ويرجع عن فساده حتى لا يكون من أهل النار، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تمت في ٥/١/١٤٢١هـ تصحيحًا.
وكتبه: سعود بن عبد العزيز الخلف.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٢/٤٤٣.
[ ٢ / ١٢٥ ]