الثالث: «مَنْ لمْ يُكفِّر المشْركِينَ، أو شَكَّ في كفْرِهِم، أو صحَّحَ مذهبَهم؛ كَفَرَ إجمَاعًا» (^١).
ثلاث مسائل في هذا الناقض
هذا هو الناقض الثالث مِنْ نواقضِ الإسلامِ، وقد اشتمل على ثلاث مسائل:
الأولى: «مَنْ لمْ يُكفِّر المشْركِينَ»: يعني إذا اعتقدوا أنَّ المشركين ليسوا كفارًا، أو اعتقد أنَّ اليهود ليسوا كفارًا، أو أنَّ النصارى ليسوا كفارًا، أو أنَّ البوذيين أوالدَّهريين أو نحو ذلك ليسوا كفارًا.
الثانية: «أو شَكَّ في كفْرِهِم»: أي شكَّ في كفرِ النصارى، أو شكَّ في كُفرِ اليهود، أو في كُفرِ البوذيين، ونحو ذلك، … إلخ.
الثالثة: «أو صحَّحَ مذهبَهم»: مثلًا، صحَّح مذهبَ الرأسمالية، أو صحَّحَ مذهبَ الشيوعية، أو نحو ذلك مِنْ هذه المذاهبِ الباطلة، وهذا أعظم.
فمقتضى كلمة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أنْ يُكفَرَ بكلِّ ما يُعبَدُ مِنْ دونِ اللهِ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فلابدَّ مِنْ الكفرِ بالطاغوتِ، ولا شك أنَّ اليهوديةَ والنصرانيةَ، وكلَّ ما سِوى دينِ الإسلام طاغوتٌ يجبُ الكفرُ به.
أدلة تكفير مَنْ لم يُكفِّر المشركين أو شكَّ في كفرهم، من القرآن الكريم
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فحصرَ الدِّين كلَّه بالإسلامِ، ويقول وتعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤]، فالشاهد قولُه تعالى: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾.
_________________
(١) ذكر العلامة الحجاوي هذا الناقض في كتاب الإقناع (٤/ ٢٨٦)، حيث يقول: «فمَن لم يكفِّر مَنْ دانَ بغير الإسلام، كالنصارى، أو شكَّ في كفرِهم، أو صحَّح مذهبَهم، … فهو كافر».
[ ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، فَنصَّ اللهُ ﷾ على كفرهم، وأنهم أصحابُ النار، فيجب على المسلمِ أنْ يعتقدَ بأنَّ هؤلاء كفَّار، وأنهم مِنْ أصحابِ النار.
وفي صحيح مسلم، قال ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ» (^١).
وفي صحيح مسلم قولُه ﷺ: «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِىٌّ، وَلَا نَصْرَانِىٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ، إلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^٢).
أقوال أهل العلم في كُفْر مَنْ شك في كُفْرِ اليهود والنصارى وغيرهم
وقد ذكر الشيخُ محمدُ بنُ عبد الوهاب ﵀ صفةَ الكفرِ بالطاغوتِ، فقال: «أن تعتقدَ بطلانِ عبادةِ غير اللهِ، وتتركَها، وتكفِّرَ أهلَها، وتعاديَهم» (^٣)، وعلى هذا الذين لا يُكفِّرون اليهودَ أو النصارى، أو يشُكُّون في كفرِهم، أو يُصححِّون مذهبَهم، وأنَّ أديانَهم صحيحةٌ، وأنهم مِنْ أهلِ الجنةِ، فهذا كلُّه «رِدّةٌ وكُفرٌ».
وقد نقل شيخُ الإسلام (^٤) ابنُ تيمية ﵀ الإجماعَ على أنَّ مَنْ شكَّ في كُفرِ اليهودِ والنصارى أنَّه كافرٌ، وبهذا نعرِف خطورةَ القولِ أنَّ اليهودَ والنصارى
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله …، رقم (٢٣)، من حديث أبي مالك عن أبيه.
(٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، رقم (١٥٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) الدرر السنية (١/ ١٦١).
(٤) ينظر: جامع الرسائل (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٦٨)، و(١٢/ ٤٩٦).
[ ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إخوانٌ لنا، وأنهم مسلمون، وهذا رِدّة؛ لأنه تكذيبٌ للكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، وتقدَّمت الأدلةُ عليه.
بطلان دعوى تقارب الأديان، والملة الإبراهمية
ونعرف أيضًا خطورةَ الدَّعوةِ إلى توحيدِ الأديانِ، كالدعوةِ إلى توحيدِ الإسلامِ واليهوديةِ والنصرانيةِ تحت مسمى «الملة الإبراهيمية» (^١)، وهذه الدعوى باطلةٌ؛ لأنَّه لا بمكن أنْ يكون هناك إلا «الإسلام»، فلا يمكن أنْ يكون هناك دينٌ خليطٌ مِنْ الإسلامِ واليهوديةِ والنصرانيةِ، أو دعوةٌ إلى تقاربِ الأديان، ويُقرِّب بين الإسلامِ واليهوديةِ والنصرانيةِ، واللهُ تعالى يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقد ذكر العلماء أنَّ الكفارَ على مرتبتينِ:
١ - كفار مُجمَعٌ على كفرِهم
• الأولى: مَنْ أجمع المسلمون على كُفرِهم، ممن ليس مِنْ أهلِ القبلةِ، كاليهود، والنصارى، والمجوس، والوثنيين، فهؤلاء يجبُ تكفيرُهم، بل لا يجوز الشَّكُ في كفرِهم، وشيخُ الإسلامِ
ابنُ تيمية ﵀ نقل الإجماعَ على أنَّ مَنْ شَكَّ في كُفرِ اليهود والنصارى
_________________
(١) وحدة الأديان: هي دعوة ماسونية، تنادي بالتوفيق بين الإسلام والنصرانية واليهودية، وتُعرف ب (الدعوة إلى الإيمان الإبراهيمي)، وتحت مُسمى (حوار الأديان، أو وحدة الأديان)، وتزعم أنَّ هناك قواعد مشتركة بين الإسلام والنصرانية، وبدأت هذه الدعوى مِنْ جانب النصارى، وتبنتها الصهيونية العالمية، وتقوم بتمويلها المنظمات الصهيونية في أمريكا وإسرائيل، ومن أهم مؤلفات أصحاب هذه الدعوة: (نحن جميعًا أبناء إبراهيم). ا. هـ ملخصًا من الموسوعة الميسرة في المذاهب والأحزاب المعاصرة، (٢/ ١١٦٥ - ١١٦٨). وفي جوابٍ حول هذه الدعوة في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١٢/ ٢٨١): إنَّ الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ﷿، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعا، محرمة قطعا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع. ا. هـ
[ ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنه «كافرٌ»؛ لأنَّ اللهَ كفَّرَ اليهودَ والنصارى، كما تقدم.
٢ - مَنْ لم يُحكَم بكفرِهم
• الثانية: مَنْ يدَّعي الإسلامَ، وقام به مُكفِّرٌ، اختلف العلماءُ فيه: هل هو مِنْ المكفِّرات، أو لا، كتارك الصلاة؟، فمَن توقَّف في تكفيرِهم، ولم يُكفِّرهم، «لا يُحكم بكفرِه».
* * *
[ ٥٦ ]