الثامن: «مُظاهرةُ المشْركينَ، ومُعاوَنتُهم على المسْلِمينَ، والدَّلِيلُ قولُه تعَالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾».
معنى هذا الناقض
* قوله ﵀: «مُظاهرةُ المشْركينَ …»:
تعني: مناصرتُهم، ومعاونتُهم على المسلمين، فهذا مِنْ نواقض الإسلامِ، والدليلُ ما استدل به المؤلفُ رحمه الله تعالى (^١).
قسما مظاهرة المشركين
مظاهرةُ المشركين تنقسمُ إلى قسمين:
١ - القسم الأول: مناصرة المشركين على المسلمين، محبةً لهم وبغضًا للمسلمين، ومِن باب أوْلى محبةً لدينهم، ورغبةً في ظهورهم على المسلمين، فهذا «كفرٌ، مُخرِجٌ مِنْ الملة».
وعليه، فإذا كانت المناصرة محبةً لهؤلاء وبُغضًا للمسلمين، ومِن باب أوْلى إذا كان هذا حبًا لدينهم، فإنَّ هذا «كفرٌ، مُخرجٌ مِنْ الملة»، ويدل لذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، فجعله اللهُ ﷿ بعضًا منهم، مما يدل على أنه خرج مِنْ دِين الإسلام.
٢ - القسم الثاني: ألا يكون ذلك حبًا للمشركين، وبُغضًا للمسلمين، وإنما حمَله على ذلك مصالحُ دنيوية كما قال بعضُ العلماء، أو كونِه مُكرهًا، فنقول بأنَّ هذا «ليس كُفرًا»، فلم يحمله على ذلك بُغضُه للمسلمين، ولا حبُّه للمشركين، وليس رغبةً في ظهور أهل الكفر على أهل الإسلام، ولا حبًا لدينهم، ونحو ذلك، وإنما حمله على ذلك مصالح شخصية، أو مصالح دنيوية، ونحو ذلك، فهذا «ليس كُفرًا».
_________________
(١) الآية (٥١) من سورة (المائدة).
[ ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويدل لذلك قصةُ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ (^١)، فإنه كتبَ إلى المشركين لما سمع بخروج النبي ﷺ، إليهم في فتح مكة، ومع ذلك لم يحكم عليه النبيُّ ﷺ بالكفرِ عندما جاءَه الوحيُ بما فعلَ حاطبُ ﵁ (^٢).
ويدل لذلك أيضًا ما نُقل الإجماع عليه، فالعلماء كالطحاوي (^٣) وغيرِه ينقلون الإجماعَ على أنَّ الجاسوس المسلمَ لا يَكْفر، وإنَّ كانت عقوبتُه القتلَ، يعني لو أنَّ مسلمًا تجسَّسَ على المسلمين لصالح الكفار، فالعلماءُ ينقلون الإجماعَ أنه لا يَكفُر، وبهذا تتبين لنا هذه المسألة.
وسُئِل الشيخُ عبدُ الله بنُ عبد اللطيف رحمه الله تعالى عن الفرق بين الموالاة
_________________
(١) روى البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس، برقم (٣٠٠٧)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب مِنْ فضائل أهل بدر ﵁، برقم (٢٤٩٤) حديثَ عليٍّ ﵁، وفيه: بعثني رسولُ الله ﷺ أنا، والزبير، والمقداد بن الأسود، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ، فإنَّ بها ظعينةً ومعها كتابٌ، فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتُخرِجنَّ الكتابَ، أو لنُلقين الثيابَ، فأخرجته مِنْ عقاصها، فأتينا به رسولَ الله ﷺ، فإذا فيه: مِنْ حاطب بن أبي بلتعة إلى أناسٍ مِنْ المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمرِ رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يا حاطبُ، ما هذا؟» قال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إني كنت أمرًا مُلصقًا في قريش، ولم أكن مِنْ أنفُسِها، وكان مَنْ معك مِنْ المهاجرين لهم قرابات بمكة؛ يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك مِنْ النسب فيهم أنْ أتخذَ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كفرًا، ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفرِ بعد الإسلام. فقال رسولُ الله ﷺ: لقد صَدقَكُم، قال عمر: يا رسول الله، دعني أضْرِب عنقَ هذا المنافق. قال: إنَّه قد شهِدَ بدرًا، وما يدريك لعلَّ اللهَ أنْ يكونَ قد اطَّلعَ على أهلِ بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرتُ لكم.
(٢) دلَّ اعتذارُ حاطب ﵁ عما فعل بالغرض الدنيوي، ونفيُه عن نفسِه الرضى بالكفر والرِّدة عن نفسه، وقبولُ النبيِّ ﷺ قولَه واعتذارَه، وعدمُ إقرارِه ﷺ لعُمرَ ﵁ على حُكمِه بالنفاق لحاطبٍ ﵁ فضلا عن إجابتِه إلى قتلِه؛ دليلٌ على أنَّ مُظاهرةِ الكفار لمجرد غرضٍ دنيوي ليست لذاتها كُفرًا. [مناط الكفر بموالاة الكفار، (ص ١٠٠ - ١٠١)، مختصرا بتصرفٍ يسير]
(٣) قال الحافظُ ابن حجر ﵀: نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يُباح دمُه، فتح الباري (١٢/ ٣٨٧).
[ ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتولي؟ (^١)
حكم التَّولي
فقال: «التَّولي: «كُفرٌ، مُخرِجٌ مِنْ الملَّةِ»، وهو كالذَّبِّ عنهم، وإعانتِهم بالمالِ والبدنِ والرأي» (^٢).
الفرق بين الولاء والتَّولي
* واختلف أهلُ العلم هل هناك فرقٌ بين الولاء والتَّولي؟
على قولين:
• القول الأول: أنهما بمعنىً واحد، وهو قولُ جمْعٍ مِنْ المفسرين.
• القول الثاني: أنَّ بينهما فرقًا، فالولاءُ أعمُّ مِنْ التولي، والتَّولي «كُفرٌ، مُخرِجٌ مِنْ الملَّةِ»، وهو ظاهرُ قولِ ابن جريرٍ، وشيخِ الإسلام ابنِ تيمية رحمهما الله؛ لأنَّ الآيات فرَّقت بين وعيدِ الولاءِ، ووعيدِ التَّولي، فالأولُ جاء فيه مطلقُ النَّهي (^٣)، والثاني جاء فيه وعيدٌ زائدٌ على أنَّه منهم (^٤).
* أما فيما يتعلق بالولاء، فموالاة الكفار لها صورٌ كثيرة، منها ما هو كُفرٌ، ومنها
_________________
(١) قال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ نظمًافي الفرق بين الموالاة والتولي: وأصلُ بَلاءِ القومِ حيثُ تورَّطُوا … هو الجهلُ في حُكمِ الموالاةِ عن زَللْ فمَا فرَّقُوا بين التَّولِّي وحُكْمِه … وبينَ المُوالاةِ التي هي في العمَلْ أخفُّ، ومنها ما يُكفِّر فعلُه … ومنها يكونُ دونَ ذلك في الخَلَلْ ينظر: ديوان: عقود الجواهر المنضدة الحسان، (ص: ٢١٣).
(٢) الدرر السنية (٨/ ٤٢٢).
(٣) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال جلَّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١].
(٤) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
[ ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من صور موالاة الكفار
ما هو فِسقٌ، ومن صور تلك الموالاة للكفار:
أ- محبة الكفار: وهي «محرمةٌ، لا تجوز»، وإنْ كان الدافعُ لمحبتهم هو الإعجابُ بدينهم، وما هُمْ عليه مِنْ الشِّركِ بالله ﷿ والكفرِ والفِسقِ، … الخ، فتكون هذه المحبةُ «خروجًا عن دين الإسلام».
أما إذا لم يكن ذلك، وإنما هي مجردُ محبةٍ لهؤلاء الكفار، فنقول بأنَّ هذا «محرمٌ، ولا يجوز»، لأنَّ الواجبَ على المسلم أنْ يبغض هؤلاء الكفار، كما قال الله ﷿: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] الآيةَ.
حُكم محبةِ المشركين حبًا لدينهم، وما هُمْ عليه مِنْ الكفر
ويُستثنى مِنْ ذلك ما يتعلق بالمحبةِ الطبيعيةِ، فإنه لا يُلام عليها الإنسانُ، مثلًا: أحبَّ المسلمُ كافِرًا، ووصلَه وأحسنَ إليه؛ لكونه ابنًا له، أو لكونه زوجة أو أمًّا (^١)، أو لحُسن خلقه، … الخ.
أما إذا أحبه لذاته، فهذا «مُحرَّم، لا يجوز»، وإنْ أحبَّه لدينه، وما هو عليه مِنْ الكفرِ والشركِ بالله ﷿، فنقول بأنَّ هذا «كفرٌ، مُخرِجٌ مِنْ الملة».
* ومن صور موالاة المشركين:
ب- اتخاذُهم بطانةً مِنْ دونِ المسلمين:
_________________
(١) روى البخاري في الأدب، باب صلة الوالد المشرك، برقم (٥٩٧٨)، ومسلم في الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين .. ولو كانوا مشركين، برقم (١٠٠٣)، كلاهما عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أتتْنِي أمِّي راغِبةً في عهدِ النَّبيِّ ﷺ، فسألْتُ النَّبيَّ ﷺ: آصِلُهَا؟ قال: «نعم»، وفي رواية: قَدِمَتْ أمِّي وهي مُشرِكةٌ. قال الإمامُ النووي ﵀: وفيه جوازُ صلةِ القريبِ المشرك، (شرح مسلم ٧/ ٨٩).
[ ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، يعني: مِنْ غيركم، فكوْنهم يُتخذونَ بطانةً، يعني: موضعَ سِرٍ يؤْتمنون عليه، نقول بأنَّ هذا مِنْ «الموالاة المحرمة؛ التي لا تجوز» (^١)، والواجبُ ترْكُ ذلك.
لا يحوز التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم
ج- التَّشبهُ بهم فيما هو مِنْ خصائصهم، سواء كان ذلك في العادات، أو في الأخلاق، والسلوكيات: فهذا «مُحرَّم، ولا يجوز»، وفي مسند أحمد يقول النبيُّ ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^٢).
أما فيما يتعلق بالتَّشبهِ، فإذا كان هذا مِنْ خصائصِ الكفار، بمعنى أنهم يختصون بهذا الشيء، فهو مِنْ «التَّشبه المحرَّم»، أما إذا لم يكن مِنْ خصائصهم (^٣)، وإنما انتشر بين المسلمين، فإنَّ هذا لا يدخلُ في التشبه بهم، ما لم يتضمن محذورًا شرعيًا.
حكم بدء غير المسلمين بالسلام
د- بُداءتهم بالسَّلام:
قال النبيُّ ﷺ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِى
_________________
(١) ويدل لذلك ما رواه مسلم [رقم: (١٨١٧)]، من حديث عائشة ﵂ قالت: خرج رسولُ الله ﷺ قِبل بدر، فلما كان بحرَّة الوبرة أدركه رجلٌ قد كان يُذكر منه جرأةٌ ونجدةٌ ففرحِ أصحابُ رسول الله ﷺ حين رأوْه، فلما أدركه قال لرسولِ الله ﷺ: جئتُ لأتبعكَ، وأصيبُ معك، قال له رسولُ الله ﷺ: «تؤمِنُ باللهِ ورسولِه؟»، قال: لا، قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك»، الحديثَ.
(٢) حديث ابن عمر ﵄: رواه أحمد: (٥١١٤)، وأبو داود في كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، برقم (٤٠٣١)، قال الشيخ الألباني: «حسن صحيح». قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: «وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]». وقال أيضًا: «فقد يُحمل هذا على التشبه المطلق؛ فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريمَ أبعاضَ ذلك، وقد يُحمل على أنه منِهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها، كان حكمه كذلك»، [اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٧٠ - ٢٧١)].
(٣) قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: «فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد يفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي»، [اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٥٥٣)].
[ ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» (^١) الحديثَ.
فبداءتهم بالسَّلامِ «مُحرَّمةٌ، ولا تجوز»، لأنَّ السَّلامَ دعاءٌ له بالسَّلامةِ والحفظِ، وهو لا يستحقُ ذلك، وقرر شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ أنَّه لا بأسَ أنْ يُبدَأ ب: كيف أصبحت؟، وكيف أمسيت؟، وأهلًا وسهلًا، ومرحبًا؛ لأنَّ هذا لا يتضمنُ الدُّعاءَ لهم بالسَّلامةِ والحِفظِ (^٢).
تهنئة الكفار بأعيادهم: محرمة، لا تجوز
هـ- تهنئتهم بما يتعلق بمناسبتهم الدينية:
نقول بأنَّ هذا «مُحرَّمٌ، ولا يجوز»، كأعيادِ الميلادِ عند النصارى الكريسماس وغير ذلك، بل يُخشى على صاحبه مِنْ الكفر؛ لأنَّ هذا رضًا بهذا الدِّين.
أما التهنئة فيما يتعلق بالمناسبات الدنيوية، كما لو حصل له رِبحُ تجارة، أو قدومُ غائب، أو نيْلُ وظيفة، أو نحو ذلك، فهذا «يجوز» في حالتين:
١ - الحالة الأولى: إذا كان ذلك على سبيل المكافأة، بمعنى أنه يُهنئ المسلمين في مثل هذه الأمور، فهذا «يجوز» على سبيل المكافأة.
٢ - الحالة الثانية: إذا كان يترتب عليه مصلحةٌ شرعيةٌ، كتأليفِهم ودعوتِهم إلى الإسلام، فنقول بأنَّ هذا مشروع، ويدل لذلك أنَّ النبي ﷺ كافأ اليهوديَّ الذي كان يخدمه، لما مرِضَ، عَادَه النبيُّ ﷺ (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب السَّلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم، برقم (٢١٦٧)، مِنْ حديث ابن عمر ﵄.
(٢) ينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ٢٤١)، قال في الفروع (١٠/ ٣٣٦): «وجوَّزه شيخُنا» يعني شيخَ الإسلام ابنَ تيمية ﵀، وكذا في الإنصاف (١٠/ ٤٥٣). وفي الشرح الكبير (١٠/ ٤٥٣ - ٤٥٤) وغيره، عن أبي داود قلت لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد: «تكره أن يقولَ الرجلُ للذمي: كيف أصبحت؟ أو كيف حالك؟ أو كيف أنت؟ أو نحو هذا؟ قال: نعم، هذا عندي أكثر مِنْ السَّلام».
(٣) روى البخاري [في كتاب المرضى، باب عيادة المشرك، برقم (٥٦٥٧)]، عن أنسٍ ﵁ أنَّ غلامًا ليهود كان يخدم النبيَّ ﷺ، فمرِض، فأتاه النبي ﷺ يعودُه، فقال: «أسْلِم»، فأسْلَم.
[ ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* كذلك أيضًا مِنْ صور موالاتهم المحرمة (^١):
حكم الخدمة الذاتية للكفار
و- جعلُهم رؤساءَ على المسلمين، وخدمتُهم الخدمةَ الذاتية:
كأنْ يخدمهم في غسل ملابسهم، وطبخ طعامهم، وتنظيف بيوتهم، فنقول بأنَّ هذا «لا يجوز»، وكذلك جعلهم رؤساءَ على المسلمين في الأعمال، فنقول بأنَّ هذا «لا يجوز»؛ لقول الله ﷿: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، والإسلامُ يعلو، ولا يُعلى عليه.
ز- تركُهم يُظهِرون شعائرَ دينهم، مِنْ شُرب الخمر، أو أكْل الخنزير، أو ضرْب النَّاقوس، ونحو ذلك.
صور لا تدخل في موالاة الكفار
* وهناك صور لا تدخل في موالاة الكفار، ومن ذلك:
١ - التهنئة فيما يتعلق بمناسباتهم الدنيوية كما تقدَّم.
حالات الإهداء وعيادة غير المسلمين، وحكمها
٢ - ما يتعلق بعيادتِهم، والإهداءِ إليهم، أي زيارتُهم إذا مرِضُوا، ومبادلتُهم الهدايا، ونحو ذلك، نقول بأنَّ هذا كما سلف يجوز في حالتين:
= الحالة الأولى: إذا كان هذا عن طريق المكافأة، بمعنى أنهم أهْدوا إلى المسلمين، فلا بأس بأنَّ يُهدَى لهم، ويدل لذلك أنَّ النبي ﷺ، قَبِل هدايا المشركين، وقبِلَ هديةَ اليهوديةِ في الشَّاةِ المصْلِية (^٢)، وكما أسلفنا أنَّ النبيَّ ﷺ، عادَ الغلامَ اليهوديَّ الذي
_________________
(١) ومن مظاهر موالاتهم أيضًا: («الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين؛ لأجل الفرار بالدين»، و«السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس»، و«التأريخ بتأريخهم، خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم»، و«مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد»، و«التسمي بأسمائهم»، و«الاستغفار لهم والترحم عليهم»). ا. هـ. مختصرا مِنْ كتاب الإرشاد إلى تصحيح الاعتقاد، والرَّدُ على أهل الشِّرك والإلحاد، (ص: ٤٢٤ - ٤٣٠).
(٢) روى البخاري في كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين، برقم (٢٦١٧)، ومسلم في كتاب السلام، باب السُّم، رقم (٢١٩٠)، عن أنسٍ ﵁ قال: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا»، وعند البخاري (٤٢٤٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: «أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ».
[ ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان يخدمُه، على سبيل المكافأة.
الحالة الثانية: إذا كان فيه مصلحةٌ شرعيةٌ تترتب على هذه الهدية، كتأليفهم على الإسلام، ودعوتهم إليه، فإنَّ هذا «جائزٌ، ولا بأسَ به»، ويدل لذلك أنَّ عمر ﵁ كسا أخًا له مشركًا حُلَّة (^١).
حالات ردِّ السلام على غير المسلمين
* أما بالنسبة لمِا يتعلق بالسَّلام عليهم، فلا يبدأهم المسلمُ بالسلام، لكن فيما يتعلق بردِّ السِّلام عليهم، فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - القسم الأول: أنْ يلْحنوا في السَّلام، فإنك تقول: «وعليكم»، كما جاء في الصحيح أنَّ اليهودَ كانوا إذا جاءوا للنبيِّ ﷺ يقولون: «السَّامُ عَلَيْكُمْ»، يقصدون بذلك الموتَ، فيُجيبهم النبيُّ ﷺ بقوله: «وعليْكُم» (^٢).
_________________
(١) قال عبد الله بن عمر ﵄ في تلك الحُلة: «فأرسلَ بها عمرُ إلى أخٍ له مِنْ أهلِ مكةَ قبْل أنْ يُسْلِم»، رواه البخاري في كتاب الهبة، في باب الهديةِ للمشركين، رقم (٢٦١٩)، ومسلم في كتاب اللباس، في باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة، رقم (٢٠٦٨)، وفيه: فكساها عمرُ أخًا له مشركًا بمكة.
(٢) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، رقم (٦٠٢٤)، ومسلم في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، رقم (٢١٦٥). من حديث عائشة ﵂. وعند مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إنَّ اليهودَ إذا سلَّمُوا عليكم يقولُ أحدُهم: السَّامُ عليكُم، فقُل: عَلَيْكَ»، رقم (٢١٦٤). فائدة: قال الإمام ابنُ دقيق العيد ﵀: «ظاهره يقتضي أنَّ العلةَ في هذا الرَّد قولهم: «السَّامُ عليكُم»، إما على سبيل التحقق، وإما على سبيل الظن مِنْ السامع؛ لشدة عداوتهم للمسلمين. فلو تحقق السَّامع أنَّه قال: «السَّلامُ عليكُم»، مِنْ غير شك، فهل يُقال: إنه لا يمتنع الردُّ بالسلام الحقيقي كما يردُّ على المسلم، أو يُقال بظاهر الأمر، وحصر جوابهم في: «وعليْكُم»؟ ويترجح الثاني بظاهر اللفظ، ويترجح الأول بالنظر إلى المعنى، فإنَّ (الفاء) في قوله ﷺ: «فقُل: عَلَيْكَ» تقتضي التعليل، وأنَّ علةَ هذا القول: أنهم يقولون: «السَّامُ عليكُم»، إذا دلَّ اللفظ على التعليل، فعند تحقق السَّلام زالتِ العلة، والحكمُ يزولُ بزوالِ علته، والله اعلم. ا. هـ (شرح الإلمام ٢/ ٢٩٦).
[ ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - القسم الثاني: إذا سلَّموا تسليمًا صريحًا، دون أنْ يلحنوا، فالمكافأةُ أنْ تردَّ عليهم ردًا صريحًا، فإذا قال: «السَّلام عليكم»، فالمكافأةُ أنْ تقولَ: «وعليكم السَّلام» (^١).
٣ - القسم الثالث: فيما يتعلق ببقية ألفاظ التحايا، «أهلًا وسهلًا»، و«مرحبًا»، ونحو ذلك، فكما أسلفنا أنَّ شيخَ الإسلامِ ابنَ تيمية (^٢) ﵀ قال بأنَّه لا بأس أنْ يُبدأ اليهودُ والنصارى بهذه الألفاظ، ونحو ذلك؛ لأنها لا تتضمنُ الدُّعاءَ لهم بالحفظِ والسَّلامةِ والكلاءة، ونحو ذلك.
حقوق غير المسلمين
ومما يجب لغير المسلمين:
* العدْل معهم في المعاملات في البيع والشراء، ولا يجوز أنْ يُغشُّوا، أو يُبخسوا حقوقهم؛ لِقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، والنبي ﷺ يقول: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (^٣)، ولأنَّ اللهَ جل وعلا أمرَ بالقِسطِ إليهم: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
* وكذلك أيضًا فيما يتعلق بحقوقِهم الماليةِ، فهي كلُّها ثابتةٌ لهم، كحقِّ
_________________
(١) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. قال العلامةُ ابنُ القيم ﵀: «واختلفوا (أي: أهل العلم من السَّلف والخلف) في وجوب الرد عليهم، فالجمهورُ على وجوبه، وهو الصوابُ، وقالت طائفة: لا يجبُ الردُّ عليهم، كما لا يجبُ على أهل البدع وأوْلى، والصواب الأول، والفرق أنَّا مأمورون بهجر أهلِ البدع تعزيرًا لهم، وتحذيرًا منهم، بخلاف أهل الذِّمة» ا. هـ. (زاد المعاد ٢/ ٣٨٩).
(٢) ينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ٢٤١).
(٣) رواه البخاري في كتاب المظالم والغصب، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، رقم (٢٤٤٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم (١٩).
[ ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشُّفعةِ، وحقِّ الخيار (خيارِ الشرط، وخيارِ البيع) …، الخ، فكلُّ هذه الحقوقِ ثابتةٌ لهم.
* كذلك أيضًا مِنْ حقوقهم «دعوتُهم إلى الإسلام»، وترغيبُهم فيه، ويدل لذلك عموم أدلة الدعوة، كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
الاعتداء على غير المسلمين: لا يجوز
* ويجب «الوفاءُ لهم بعهدهم»، ولا يجوز الاعتداءُ على المعَاهَدِين منهم في أبدانِهم، أو أعراضِهم، أو أموالِهم، فإنَّ هذا «مُحرَّمٌ، ولا يجوز»، مالم تخش منهم خيانة لقولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، فإنْ خاف منهم خيانةً، نبذَ إليهم عهدَهم، وأخبرَهم أنه لا عهدَ بينه وبينهم، ولقولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وترْكُ هذا التَّعدي لا يكون مِنَ الموالاة المنهي عنها.
* * *
[ ٩٤ ]