الثاني: «مَنْ جَعلَ بينَه وبينَ اللهِ وسائطَ؛ يدعُوهُم، ويسألهُم الشَّفاعةَ، ويتَوكَّلُ عليهِم؛ كَفرَ إجمَاعًا» (^١).
هذا الناقض داخلٌ في الناقضِ الأولِ، وإنما أفردَه المؤلفُ ﵀ لأهميتِه وكثرةِ وقوعِه.
معنى هذا الناقض
* قوله: «مَنْ جَعلَ بينَه وبينَ اللهِ وسائطَ»: يعني: شفعاء، والوسائط جمع «واسِطة» (^٢)، وهو ما يُصار إليه للتَّوسُط في جَلبِ نفعٍ، أو دفعِ ضُرٍ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ﵀: «فمن جعل الملائكةَ والأنبياءَ وسائطَ، يدعوهم ويتوكلُ عليهم، ويسألُهم جلبَ المنافعِ ودفعَ المضار، مثل أنْ يسألَهم غفرانَ الذنوبِ، وهدايةَ القلوبِ، وتفريجَ الكروبِ، وسدَّ الفاقاتِ، فهو كافر بإجماع المسلمين» (^٣).
وقال أيضًا: «مَنْ أثبتَ وسائطَ بين اللهِ وبين خلقِه، كالوسائطِ التي تكون بين الملوكِ والرَّعيةِ، فهو مشركٌ، بل هذا دِينُ المشركين عُبَّادِ الأوثان، …» (^٤).
* قوله: «يدعُوهم، ويسألهُم الشَّفاعةَ»
أي: يدعو هؤلاء الوسائط دعاءَ عبادةٍ، كأصحابِ القبور، وأصحابِ الأضرحة، الذين يذهبون إلى هذه القبور، وهذه الأضرحة، … الخ.
قال اللهُ ﷾: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ
_________________
(١) ينظر هذا الناقض: في الفتاوى الكبرى (٥/ ٥٣٥)، والإقناع لطالب الانتفاع (٤/ ٢٨٥).
(٢) الواسطة: ما يتوصل به إلى الشيء، المعجم الوسيط، (ص: ١٠٣١).
(٣) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٤).
(٤) المصدر السابق (١/ ١٣٤ - ١٣٥).
[ ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧].
الدعاء هو العبادة
والدعاءُ عبادةٌ مِنْ أجلِّ العبادات، ويدل لذلك قولُ الله ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وفي السُّننِ يقول النبي ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (^١)، فالدعاءُ عبادةٌ، وصرْفُ هذه العبادة لغير الله ﷿ شركٌ، ودعاءُ المخلوق قد يكون شركًا، وقد لا يكون شركًا، وعلى هذا لكي يتضح الدعاءُ الذي يكون شركًا، والدعاءُ الذي لا يكون شركًا.
ودعاء المسألة قد يكون «عبادة» كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقد يكون «غير عبادة» كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١].
أقسام الدعاء
* دعاء غير الله ﷿ ينقسم إلى أقسام:
١ - دعاء الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله
الأول: دعاء المخلوق في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله، مثل: أن يطلبَ مِنْ أحدٍ إنزالَ الغيث، أو إجراءَ السحاب، أو رزقَ الولد، ونحو ذلك، فهذا «شرك أكبر»؛ لأنه جعله مساويًا لله ﷿ في شيء من خصائص الربوبية.
الثاني: دعاء المخلوق الحي في أمرٍ يقدِر عليه، فهذا ليس شركًا، قال رسول الله
_________________
(١) رواه أحمد: (١٨٤٣٢)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء، برقم: (١٤٧٩)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء، برقم: (٣٣٧٢)، من حديث النعمان بن بشير، وصحَّحه الألباني.
[ ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - دعاء المخلوق الحي فيما يقدر عليه
﵊: «مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» (^١)، «وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» (^٢)، إلخ، كأن تقولَ للمخلوق الحي: «أعطني هذا الماء»، «أعطني هذا الكأس»، … الخ، فهذا «ليس شركًا».
٣ - دعاء المخلوق بذلٍ ورغبة
الثالث: أن يسأل غيرَ الله ﷿ بكمالِ الذُّلِ والحبِّ والرَّغبةِ والرَّهبةِ، فهذا «شركٌ أكبر»؛ إذ كمالُ الذُّلِ والحبِّ والرَّغبةِ والرَّهبةِ عباداتٌ، يجب أن تكون خالصةً لله ﷾، فلا تكون إلا له جلَّ وعلا.
٤ - دعاء الغائبين
الرابع: أن يكون المدعو بعيدًا عن الداعي، كأن يقول: «يا بدوي فرِّج كربتي، اشفِ مريضي»، «يا جيلاني»، «يا علي»، «يا حسين»، … الخ، فهذا «شركٌ أكبر»؛ لأنَّ اتساعَ السَّمع لسماع البعيد خاصٌ بالله سبحانه، وهو جلَّ وعلا الذي يسمعُ السرَّ والنَّجوى، ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]؛ ولأنه يعتقد في مثل هذا المدعو أنه يعلم الغيب، وأن له تصرفًا في الكون، وعليه فدعاءُ الأولياء الغائبين لتفريج الكروب، وقضاء الحاجات، هذا «شركٌ أكبر».
٥ - دعاء غير الله، واعتقاد استقلالهم بالأمور
الخامس: أن يدعو غير الله، مع اعتقاد أنه يستقلُّ في إيجادِ المطلوب مِنْ دون الله ﷿ فهذا «شركٌ أكبر».
٦ - دعاء الأموات وسؤالهم
السادس: دعاءُ الأموات بتفريج كربة أو قضاءِ حاجةٍ، ونحو ذلك، فهذا «شركٌ أكبر»؛ لأنَّه صَرْفُ خصيصةٍ مِنْ خصائصِ الخالق للمخلوق، ولأنَّ الميتَ لا يمكن أن يقوم بمثل هذا، فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون.
السابع: الدعاءُ بجاه النبي ﷺ أو بجاه غيره، فهذا مِنْ الدعاء البدعي، الذي
_________________
(١) رواه أحمد: (٥٣٦٥)، وأبو داود في كتاب الزكاة، باب عطية من سأل بالله ﷿، رقم (١٦٧٢)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وصحَّحه الشيخ الألباني.
(٢) رواه مسلم في كتاب السلام، من حقِّ المسلمِ للمسلم ردُّ السلام، رقم (٢١٦٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٧ - الدعاء البدعي
يتضمن شيئًا من التوسلات التي لم ترِد في الكتابِ ولا في السُّنة، وهذا «دعاءٌ بدعيٌّ».
أما إذا أراد الإنسانُ أن يتوسلَ، فعليه بالتوسلات الشرعية، بأن يتوسلَ بأسماءِ الله الحسنى، وصفاتِه العلا (^١)، وأنْ يتوسلَ بأعمالِه الصالحة (^٢)، ونحو ذلك مِنْ التوسلات الشرعية.
* مسألة: طلب الحي من الميت أن يدعو له عند الله:
حكم طلب الحي الدعاء من الميت
ذهب بعض أهل العلم إلى كونه «شركًا أكبر»، كالشيخ عبد الرحمن ابن حسن في كتاب «كشف ما ألقاه إبليس»، وابنه عبد اللطيف في كتاب «مصباح الظلام»، وذهب آخرون إلى بدعيته، وعدم كونه شركًا أكبر (^٣).
* مسألة في: الاستغاثة والنذر.
الفرق بين الاستغاثة والدعاء
الاستغاثة: هي «طلب الغوث، وهو إزالة الشِّدة» (^٤)، والدعاءُ أعمَّ من الاستغاثة؛ لأن الدعاءَ لما فيه مكروب، وما ليس فيه مكروب، أما الاستغاثةُ فتختص بما كان فيه مكروب.
والاستغاثة عبادة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، والاستغاثة بالمخلوق الحي فيما يقدر عليه من الأمور جائزة بغير خلاف.
_________________
(١) كما في الحديث الذي رواه أحمد (٢٣٠٤١)، وابن ماجه (٣٨٥٧) وغيرهما: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ، …» الحديثَ، ونحو ذلك من التوسل بأسماء الله وصفاته.
(٢) كما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم صخرة الغار، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالٍ صالحةٍ عمِلوها، ففرَّج الله عنهم ما هم فيهم، فخرجوامن الغار يمشون. رواه البخاري (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٣) ينظر ما يأتي عند قول المؤلف ﵀: «ويسألُهم الشفاعةَ».
(٤) ينظر: المعجم الوسيط، (ص: ٦٦٥).
[ ٤٥ ]
«ويسْألُهم الشَّفاعةَ» [١]
ومن الاستغاثة ما هو شرك، ومنها ما ليس بشرك، فالأقسام السابقة في الدعاء تأتي هنا.
تعريف النذر لغة واصطلاحا
النذر: في اللغة «الإيجاب» (^١).
وفي الاصطلاح: «إيجابُ مُكَلَّفٍ على نفسِه عبادةً غيرِ واجبةٍ».
والنذر لغير الله مِنْ أنواع الشرك؛ لأنَّ النذرَ عبادةٌ لا تكون إلا لله، بدليل قوله تعالى (^٢): ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، فاللهُ ﷿ أثنى على الموفين بالنذر، وجعله مِنْ أسبابِ دخول الجنة، ولا يكون سببًا لدخول الجنة إلا وهو عبادةٌ، وصرْفُ العبادة لغير الله «شركٌ»، مثل أن يقول: لفلانٍ عليَّ نذرٌ، أو لهذا القبر عليَّ نذرٌ … الخ.
[١] قوله ﵀: «ويسْألُهم الشَّفاعةَ»:
تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا
الشفاعة لغةً: شفعت الشيء إذا ضممته إلى الفرد.
وفي الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
أنواع الشفاعة
وللشفاعة أنواع (^٣):
١ - شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف
* النوع الأول: الشفاعةُ لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ الطويل في الصحيحين (^٤)، وكذا حديث أنس ﵁ المتفق
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق، (ص: ٩١٢).
(٢) وقوله تعالى عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، وعن أمها قولَها: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران: ٣٥].
(٣) ينظر: تهذيب سنن أبي داود (٥/ ٢٢٦٩)، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (العقيدة الواسطية) في مبحث الشفاعة.
(٤) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، رقم (٣٣٤٠)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم (١٩٤).
[ ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه (^١)، وهذه الشفاعة خاصة بالرسول ﷺ.
٢ - شفاعة النبي ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوها
* النوع الثاني: شفاعتُه ﷺ في أهلِ الجنةِ أنْ يدخلوها، والدليلُ ما رواه مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِى الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» (^٢).
٣ - شفاعة النبي ﷺ في عمه أبي طالب
* النوع الثالث: شفاعةُ الرسولِ ﷺ في عمِّه أبي طالب أنْ يُخفَّف عنه العذابُ، ففي الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَىْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ، وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، هُوَ فِى ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (^٣).
٤ - شفاعة النبي ﷺ فيمَن لا حساب عليه في دخول الجنة من الباب الأيمن
* النوع الرابع: شفاعته ﷺ في دخول مَنْ لا حساب عليه الجنةَ من الباب الأيمن، فعن أبي هريرة ﵁ قال: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ … فذكر الحديثَ إلى أن قال فيُقال: «يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» (^٤)، والظاهر أنها خاصة برسول الله ﷺ (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٦٥)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم (١٩٣).
(٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: «أنا أولُ الناس يشفع في الجنة، …»، رقم (١٩٦).
(٣) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم (٣٨٨٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب، والتخفيف عنه بسببه، رقم (٢٠٩). ولهما: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لما ذُكِر عنده عمُه أبو طالب: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَيُجْعَلُ فِى ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِى مِنْهُ دِمَاغُهُ». [البخاري (٣٨٨٥)، مسلم (٢١٠)]
(٤) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]، رقم (٤٧١٢)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب حديث الشفاعة، رقم (١٩٤).
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩٩ - ٤٠٠).
[ ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٥ - الشفاعة في المستحقين للنار ألا يدخلوها
* النوع الخامس: الشفاعة في المستحقين للنار أن لا يدخلوها، ويُستدل له بما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ …» (^١)، ووجه الدلالة: أنَّ ما شفعوا فيه لم يُذكَر، فيدخل فيهم هؤلاء، وقد يدل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» (^٢).
وجه الدلالة: أنَّ هذا الحديثَ عامٌ، يدخل فيه كلُّ رجلٍ صلَّى عليه هذا العددُ، بهذه الصفة، ويدخل في هذا العموم مَنْ استوجبَ النارَ فلم يدخلها؛ لشفاعةِ هؤلاءِ المؤمنين فيه.
٦ - الشفاعة لمن دخل النار أن يخرج منها
* النوع السادس: الشفاعةُ لمن دخلَ النارَ أن يخرجَ منها، لما روى البخاري عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ» (^٣)، والأحاديث في هذا كثيرة.
المعتزلة والخوارج ينكرون الشفاعة، والرد عليهم
وهذه الشفاعةُ تكون للنبي ﷺ، وغيرِه مِنْ الأنبياءِ، والملائكةِ والمؤمنين، وهذه الشفاعةُ والتي قبلها، يُنكرها المعتزلةُ والخوارجُ، بناءً على مذهبهم أنَّ فاعلَ الكبيرةِ مُخلَّدٌ في النارِ، فلا تنفعه الشفاعة. ونرد عليهم بما يأتي:
١ - أنَّ ذلك مخالفٌ للمتواتر مِنْ الأحاديثِ عن النبي ﷺ.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، رقم (٧٤٣٩)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم (١٨٣).
(٢) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب مَنْ صلى عليه أربعون شفعوا فيه، رقم (٩٤٨).
(٣) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٦٦).
[ ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - أنَّه مخالفٌ لإجماعِ السَّلف.
شرطا الشفاعة
ويشترط لهذه الشفاعة شرطان:
إِذن الله للشافع
الأول: إِذنُ الله في الشفاعةِ، لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
رضا الله عن الشافع والمشفوع له
الثاني: رضا اللهِ عن الشافعِ والمشفوعِ له، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فأما الكافرُ فلا شفاعةَ له، لقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، أي لو فُرِضَ أنَّ أحدًا شفعَ لهم، لم تنفعْهم الشفاعةُ.
٧ - الشفاعة في رفع منزلة أهل الجنة
* النوع السابع: الشفاعةُ في رفعِ منزلةِ أهل الجنة، قال الإمام ابنُ القيم (^١) ﵀: وقد يُستدَل عليه بدعاءِ رسولِ الله ﷺ لأبي سلمة، وقوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِى الْمَهْدِيِّينَ، …»، الحديثَ، رواه مسلم (^٢)، وما استُدلَّ به على النوع الخامس يُستدل به على هذا النوع.
حكم طلب الشفاعة من الأولياء والموات عند الله ﷿-
* مسألة: طلبُ الشفاعةِ مِنْ الأولياءِ والأموات عند اللهِ ﷿:
فيه خلاف:
الرأي الأول: أنه شرك أكبر
الرأي الأول: ذهب بعض العلماء إلى أنه «شركٌ أكبر»؛ لأنَّ الأصلَ في الأمواتِ أنهم لا يسمعون نداءَ مَنْ ناداهُم، ولا يستجيبون دُعاءَ مَنْ دعاهم، قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي
_________________
(١) تهذيب سنن أبي داود (٥/ ٢٢٧٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت، والدعاء له إذا حُضِر، رقم (٩٢٠).
[ ٤٩ ]
«ويتوكلُ عليهِم» [٢]
الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
قال ﷺ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ …» (^١).
الرأي الثاني: أنه بدعة، وليس شركا
الرأي الثاني: أنَّ هذا ليس شركًا، وأنه مِنْ قبيل البِدع، وهو قولُ شيخِ الإسلام ابنِ تيمية ﵀، وهو الصواب، إذ إنه وسيلةٌ إلى الشركِ الأكبرِ؛ لأنه لم يتضمن صرفَ نوعٍ مِنْ أنواعِ العبادةِ لغير الله، وإنما مجردُ سؤالِهم أنِ يشفعوا لهم عند اللهِ ﷿، وهذا هو رأي الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وعبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله
تعريف التوكل لغة واصطلاحا
[٢] قوله ﵀: «ويتوكلُ عليهِم»:
• التَّوكل لغة: «الاعتماد».
• واصطلاحًا: «صدق الاعتمادُ على الله ﷿ في جلب النَّفعِ، ودفعِ الضُّر، مع فِعل الأسباب» (^٢).
التوكل عبادة، لا يجوز صرفُها لغير الله
والتَّوكل: عبادةٌ قلبيةٌ مِنْ أجلِّ العبادات، وصرفها لغير الله ﷿: «شِركٌ أكبرٌ»، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، فجعل اللهُ ﷾ التوكلَ شرطًا في الإيمان، وقولُه ﷿: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ تقديمُ الجار والمجرور يدلُ على الحصر، أي: اجعلوا توكلكم خاصًا بالله ﷾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الوصايا، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم (١٦٣١)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم، (ص: ٨١٢).
[ ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، فجعل توحيدَ اللهِ بالتوكلِ «شرطًا في الإيمان» في الآية الأولى، و«شرطًا في الإسلامِ» في الآية الثانية.
أقسام التوكل
* والتَّوكلُ له أقسام:
١ - التوكل الشرعي
الأول: أنِ يتوكلَ على اللهِ ﷿ دون سواه، في جلبِ المنافع، ودرءِ المفاسد في أمور الدِّين والدنيا، مع فعل الأسباب، وهذا هو «التوكلُ الشرعيُّ».
واتخاذ السبب لا يقدح في التوكل، لكن لا يتعلقِ القلبُ بالسببِ؛ لأنَّ التفاتَ القلوب إلى الأسباب، ونسيانَ المُسبِّب، وهو اللهُ ﷾، شركٌ في التوحيد.
٢ - التوكل الشركي
الثاني: «التوكلُ الشركيُّ»: وهو أن يتوكلَ على المخلوق فيما لا يقدرُ عليه إلا اللهُ ﷿ مثل: حصولِ الولد، ونزولِ الغيث، ومغفرةِ الذنوب، وشفاءِ المريض دون فعلِ الأسبابِ، فهذا «شِركٌ أكبرٌ».
ومن «التوكلِ الشركيِّ» أن يتوكلَ على أصحابِ القبورِ في تفريجِ الكروب، وقضاء الحاجات، فهذا «شِركٌ أكبرٌ»؛ لأنَّ كونه يتوكل عليهم، ويعتمد عليهم في ذلك، ويجعلهم مساويين لله ﷿ في شيء من خصائصه، وفي القدرة على الفعل، دون مباشرة السبب، كما أنَّه يعتقد أنَّ لهم تصرفًا خفيًا في الكون، والأمواتُ لا يمكن أن يقوموا بمثل هذا؛ لأنَّهم لا يستطيعون مباشرة الأسباب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
٣ - التوكل على المخلوق فيما يقدر عليه
الثالث: أنْ يتوكل على المخلوق فيما أقدرَه اللهُ عليه، كالذي يتوكلُ على السلطان في الرزق، أو يتوكلُ على الطبيبِ في الشفاء، وكالذي يتوكلُ على الأسباب، فهذا «شركٌ أصغرٌ»؛ لأنَّ كونَ الإنسانِ يتوكلُ على هذا الشخص فيما يقدر عليه، جعَلَه أكثرَ مِنْ السببِ، والتفاتُ القلوبِ إلى الأسبابِ شِركٌ في التوحيد، إذ إنَّ
[ ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإنسانَ يُعلِّق قلبَه في السببِ، وينسى المسبِّب، وهو اللهُ ﷿، فإذا كان التَّوكلُ في أمرٍ لا يقدر عليه المخلوق، فهذا «شركٌ أكبرٌ».
الوكالة ليست من التوكل المنهي عنه
وأما الوكالة (^١): فهي «إنابةُ الغيرِ في ما تدخلُه النيابةُ»، وهذا جائزٌ، فالنبيُّ ﷺ وكَّلَ عروةَ بن الجعد ﵁ أن يشتري له أضحية (^٢)، وهي ليست داخلةٌ في أقسامِ التَّوكل.
* * *
_________________
(١) (الوِكَالة) بفتح الواو، وكسرها لغة: «التفويض، يُقال: وكَّله في الأمر: فوَّضه إليه» [تاج العروس (٣١/ ٩٧)]، وشرعا: «استنابة جائز التصرف مثلَه فيما تدخله النيابة» [الإقناع (٢/ ٤١٩)]، وقيل: «تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة ليفعله في حياته» [حاشية الجمل (٥/ ٢٨٣)].
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب، رقم (٣٦٤٢).
[ ٥٢ ]