الخامس: «مَنْ أبْغضَ شَيئًا ممَّا جاءَ به الرَّسولُ ﷺ، ولوْ عَمِلَ به؛ كَفَرَ إجْماعًا، والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾» (^١).
هذا هو الناقض الخامس مِنْ نواقض الإسلام، التي ذكرها الشيخ ﵀.
* قوله ﵀: «مَنْ أبْغضَ شَيئًا …»:
نقل العلامةُ شرف الدِّين موسى الحجاوي (^٢) ﵀ الاتفاقَ على أنَّ مَنْ أبغضَ شيئًا مما جاء به النبيُّ ﷺ، ولو عمل به، فهذا «يَكْفُر»، وهو نوعٌ مِنْ أنواعِ النفاقِ الاعتقادي الذي يَكفُر صاحِبُه، ويخلد في النَّار، ويكون في الدَّرْكِ الأسفلِ منها، سواء كان بغضُه في شيءٍ مِنْ الأقوالِ، أو الأفعالِ، أو مِنْ الواجباتِ، أو مِنْ المستحباتِ، أو مِنْ الأوامرِ، أو مِنْ النواهي.
والدليلُ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٨ - ٩]، ولا يكون إحباطُ العملِ إلا بالكفرِ والشركِ، واللهُ ﷿ يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨].
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: «فمِن النفاق ماهو أكبرُ، يكون صاحبُه في الدَّركِ الأسفل من النار، كنفاقِ عبدِ الله بنِ أُبَي وغيره، بأنْ يُظهِرَ تكذيبَ الرسولِ، أو جحودَ بعضِ ما جاء به، أو بغضَه، أو عدمَ اعتقادِ وجوبِ اتِّباعِه، أو
_________________
(١) قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى (٥/ ٥٣٥): «والمرتدُ مَنْ كان مبغِضًا للرسول، ولِمَا جاء به».
(٢) الإقناع لطالب الانتفاع (٤/ ٢٨٥).
[ ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَسَرَّةَ بانخفاضِ دينِه، أو المُسَاءةِ بظهورِ دينِه، ونحو ذلك، مما لا يكون صاحبُه إلا عدوًا للهِ ورسولِه» (^١).
أنواع النفاق الاعتقادي
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: «فأما النفاقُ الاعتقادي فهو ستةُ أنواعٍ: تكذيبُ الرَّسولِ، أو تكذيبُ بعضِ ما جاء به الرسولُ، أو بغضُ الرَّسولِ، أو بغضُ ما جاء به الرسولُ، أو المَسرَّةُ بانخفاضِ دِين الرَّسولِ، أو الكراهيةُ بانتصارِ دِينِ الرسولِ، فهذه السِّتُّ صاحبُها مِنْ أهلِ الدَّركِ الأسفلِ مِنْ النَّارِ» (^٢).
* وكراهة بعض ما جاء به الرسول ﷺ ينقسم إلى قسمين:
بُغضُ شيءٍ مما جاء في الكتاب أو السُّنة لذاته: (كُفرٌ مُخرجٌ مِنْ الملة)
الأول: أن يبغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ مع اعتقاد أن ما جاء به وشرعه ليس فيه فلاح ولا نجاة، هذا «كفرٌ، مُخرجٌ مِنْ الملة»، ودليلُ ذلك ما أورده المؤلفُ مِنْ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ولا يكون حبوط العمل، إلا مع الكفر الناقضِ للإسلام، والمخرجِ من الملة، إذ أنَّ الكفرَ الأصغَر لا يحبط معه العمل.
بُغضُ شيءٍ مما جاء في الكتاب أو السُّنة لا لذاته: (فسقٌ)
الثاني: أن يبغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ مع اعتقاد أنه الحق والصواب فهذا ليس المقصود هنا، بل هذا «فِسْقٌ»، ونوعٌ مِنْ اتبِّاع الهوى.
ضابط البغض الكفري
وضابط البغض الكفري: أنَّ مَنْ أبغض شيئًا وكرِهَه؛ لأنه مِنْ دِين الله فهو كَافرٌ بالإجماع، أما مَنْ كرهه لغير ذلك فليس كافرًا، وعلامةُ الكره غير الكفري: أنَّ هذا الكره موجودٌ، سواء عَلِم أنَّ الشريعةَ جاءت به أو لا، وذلك يعود إما إلى مشقة، أو غير ذلك من الطبع المجرد.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٣٤).
(٢) ينظر: مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١٢/ ٨).
[ ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلى هذا من يبغض الحجاب أو يبغض تحريم الزنا أو الخمر أو إعفاء اللحية أو غير ذلك من الأشياء التي جاء بها الشرع لكونه من الدين فهذا كفر حتى ولو عمل به. وكذا من أبغض عدم اختلاط الرجال مع النساء لكونه من الدين، والشرع جاء بعدم الاختلاط حتى في الصلاة قال النبي ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (^١)، وكذا مَنْ أبغض تحريمَ حلقِ اللحى؛ لكونه مِنْ الدين، فنقول: إنَّ «هذا رِدَّةٌ»، نسأل اللهَ العافية.
الواجب على المسلم هو التصديق والتسليم بكل ما جاء في الكتاب والسُّنة
والواجب على المسلم أنْ يرضى بما جاء في كتاب الله، وسُنة رسوله ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فالواجب على المسلم أنْ يقول: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥].
* * *
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، وإقامتها، وفضل الأول فالأول، رقم (٤٤٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦٧ ]