حول أم المؤمنين عائشة - ﵂ -
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:
«إن أهل السُّنَّة قائمون بالقسط شهداء لله، وقولهم حق وعدل لا يتناقض، أما الرافضة وغيرهم من أهل البدع ففي أقوالهم الباطل والتناقض، وذلك أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين: عائشة وغيرها، وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء.
وأهل السُّنة يقولون: إن أهل الجنة ليس من شرطهم سلامتهم عن الخطأ، بل ولا عن الذنب، بل يجوز أن يُذنب الرجل منهم ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا ويتوب منه. وهذا مُتّفق عليه بين المسلمين، ولو لم يتب منه فالصغائر مغفورة
[ ٤٧ ]
باجتناب الكبائر عند جماهيرهم، بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر قد تُمحى بالحسنات التي هي أعظم منها، وبالمصائب المُكفِّرة وغير ذلك.
وإذا كان هذا أصلهم فيقولون: ما يُذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه، ولكن لم يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم، وما قُدِّر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم: إما بتوبة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفّرة، وإما بغير ذلك، فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه: أنهم من أهل الجنة، فامتنع أن يفعلوا ما يُوجب النار لا محالة، وإذا لم يمُتْ أحد منهم على موجب النار لم يقدح ما سوى ذلك في استحقاقهم للجنة.
ونحن قد علمنا أنهم من أهل الجنة، ولو لم يُعلم أن أولئك المعينين في الجنة لم يَجُزْ لنا أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا نعلم أنها تُوجب النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يُعلم أنهم يدخلون الجنة، ليس لنا أن
[ ٤٨ ]
نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل على ذلك، فكيف يجوز مثل ذلك في خيار المؤمنين، والعلم بتفصيل أحوال كل واحد منهم باطنًا وظاهرًا، وحسناته وسيئاته واجتهاداته، أمر يتعذر علينا معرفته؟ فكان كلامنا في ذلك كلامًا فيما لا نعلمه، والكلام بلا علم حرام، فلهذا كان الإمساك عمّا شجر بين الصحابة خيرًا من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير من الخوض في ذلك - أو أكثره - كلامًا بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه هوى ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلامًا بهوى يُطلب فيه دفع الحق المعلوم؟
فمن تكلم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم من الحق كان مستوجبًا للوعيد، ولو تكلم بحق لقصد اتباع الهوى لا لوجه الله تعالى، أو يُعارض به حقًا آخر، لكان أيضًا مستوجبًا للذم والعقاب ومن عَلِمَ ما دلَّ عليه القرآن والسُّنة من الثناء على القوم، ورضا الله عنهم، واستحقاقهم الجنة، وأنهم خير هذه الأمة التي هي أخرجت
[ ٤٩ ]
للناس - لم يعارض هذا المتيقن المعلوم بأمور مشتبهة: منها ما لا يُعلم صحته، ومنها ما يتبين كذبه، ومنها ما لا يُعلم كيف وقع، ومنها ما يُعلم عذر القوم فيها، ومنها ما يُعلم توبتهم منه، ومنها ما يُعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره، فمن سلك سبل أهل السُّنة استقام قوله، وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وإلا حصل في جهل وكذب وتناقض كحال هؤلاء الضُلّال» (١).
افتراؤهم أن أم المؤمنين سَقَت النبي - ﵌ -:
الجواب:
هذا من الكذب المفضوح، فإذا كانت قد سقت النبي - ﵌ - السم كما يزعم هؤلاء الكذابون فلماذا لم يطالب بنو هاشم بالقصاص، ولماذا لم يقتص منها عليٌّ - ﵁ - عندما تولى الخلافة، إن هذا طعن في علي - ﵁ - لو كانوا يفقهون.
_________________
(١) باختصار من منهاج السنة النبوية (٤/ ٣٠٩ - ٣١٢) ومعظم الردود من هذا الكتاب القيم.
[ ٥٠ ]
افتراؤهم عليها المجون والفسق والتسكع بالطرقات:
الجواب:
أم المؤمنين عائشة - ﵂ - قد برأها الله - ﷿ - فوق من سبع سموات، وهذا الاتهام تكذيب للقرآن وكفر بالله - ﷿ -.
زعمهم أن عائشة آذت فاطمة - ﵄ - وأبكَتْها، وأنها فرحت حين علمت بوفاة فاطمة - ﵂ -:
الجواب:
هذا كلام بدون دليل أو سند صحيح أو مصدر معتمد، وليس بغريب أن يصدر هذا الكذب عن الشيعة الذين قال عنهم الإمام الشافعي - ﵀ - أنهم أكذب الطوائف.
ثم كيف تكره أم المؤمنين عائشة فاطمة - ﵄ - وهي التي تروي فضائلها!!؟ فقد روت عائشة - ﵂ - حديث الكساء في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين - ﵃ - (رواه مسلم).
[ ٥١ ]
وقد قَالَتْ عَائِشَةَ - ﵂ -:كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ - ﵌ - عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِى مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - شَيْئًا فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِى».
ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ. فَقُلْتُ لَهَا خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - سَأَلْتُهَا: «مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -»، قَالَتْ: «مَا كُنْتُ أُفْشِى عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - سِرَّهُ».
قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - قُلْتُ: «عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِى عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِى مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -».
فَقَالَتْ: «أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِى فِى الْمَرَّةِ الأُولَى فَأَخْبَرَنِى «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِى كُلِّ سَنَةٍ
[ ٥٢ ]
مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ وَإِنِّى لاَ أُرَى الأَجَلَ إِلاَّ قَدِ اقْتَرَبَ فَاتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ».
قَالَتْ: «فَبَكَيْتُ بُكَائِى الَّذِى رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِى سَارَّنِى الثَّانِيَةَ فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَىْ أَنْ تَكُونِى سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ». قَالَتْ فَضَحِكْتُ ضَحِكِى الَّذِى رَأَيْتِ». (رواه البخاري ومسلم).
افتراؤهم أنها كانت تكره عليًّا - ﵁ - وأنها سجدت يوم قُتِل، وأنها رمَتْ سهمًا في جنازة الحسن - ﵁ -:
الجواب:
هذا من الكذب الواضح.
كيف تكره أم المؤمنين عائشة - ﵂ - علي بن أبي طالب - ﵁ - وأبناءه وهي تروي فضائلهم!!؟
• فقد روت حديث الكساء في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين - ﵃ - (رواه مسلم).
[ ٥٣ ]
• وأخبرت عن محبة الرسول - ﵌ - للحسن بن علي - ﵁ - (رواه مسلم).
• وكانت تحيل السائل على علي بن أبي طالب ليجيبه عندما سُئِلَتْ عن المسح على الخفين. (رواه مسلم).
• وطلبت من الناس بعد استشهاد عثمان - ﵁ - أن يلزموا عليًا - ﵁ - بالبيعة فقد أخرج أخرج ابن أبي شيبة، أن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي سأل عائشة من يبايع؟ فقالت له: إلزم عليًّا (١).
تنبيه:
لا يصح ما ورد عن ابن عباس - ﵁ - أن عائشة لا تطيب لعلي نفسًا بخير»، فهذه زيادة شاذة لا تصح.
_________________
(١) انظر (فتح الباري) للحافظ ابن حجر العسقلاني (١٣/ ٢٩، ٤٨).
[ ٥٤ ]
زعموا أن خروجها على علي - ﵁ - تسبب في قتل ثلاثين ألفًا من المسلمين:
الجواب:
هذا من الكذب الصريح.
زعم الشيعة أن النبي - ﵌ - قال لها: «تقاتلين عليًا وأنت ظالمة له»:
الجواب:
هذا لا يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هو كذب قطعًا، فإن عائشة - ﵂ - لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تَبلّ خِمارها.
وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليّ - ﵃ -، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير
[ ٥٥ ]
اختيارهم، فإنه لما تراسل عليّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، فخشي القَتَلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظن طلحة والزبير أن عليًّا حمل عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظن عليّ أنهم حملوا عليه، فحمل دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم.
وعائشة - ﵂ - راكبة: لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال
زعموا أنها خالفت أمر الله في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣): الجواب:
عائشة - ﵂ - لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى.
والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لو خرجت للحج والعمرة، أو خرجت مع زوجها في سفرة، فإن هذه الآية قد نزلت في حياة النبي - ﵌ -، وقد سافر بهن رسول الله - ﵌ - بعد ذلك، كما سافر في
[ ٥٦ ]
حجة الوداع بعائشة - ﵂ - وغيرها، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم.
وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي ﷺ بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي - ﵌ - يحججن كما كُنَّ يحججن معه في خلافة عمر - ﵁ - وغيره.
وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزًا فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأولت في ذلك.
أما زعمهم أنها خرجت في ملأٍ من الناس تقاتل عليًا على غير ذنب فهذا كذب عليها. فإنها لم تخرج لقصد القتال، ولا كان أيضًا طلحة والزبير قصدهما قتال عليّ.
فخروج عائشة يوم الجمل كان بقصد الإصلاح بين المسلمين وليس القتال فعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: «لَمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلًا نَبَحَتِ الْكِلَابُ، قَالَتْ: «أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟»، قَالُوا: «مَاءُ الْحَوْأَبِ»، قَالَتْ: «مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ»، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا: «بَلْ
[ ٥٧ ]
تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْمُسْلِمُونَ، فَيُصْلِحُ اللهُ ﷿ ذَاتَ بَيْنِهِمْ»، قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: «كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟».
وفي رواية: عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - لَمَّا أَتَتْ عَلَى الْحَوْأَبِ سَمِعَتْ نُبَاحَ الْكِلَابِ، فَقَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ لَنَا: «أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟»، فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: «تَرْجِعِينَ؟ عَسَى الله ﷿ أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ» (١).
فعائشة - ﵂ - لما تذكرت هذا الحديث وهمت بالرجوع، أشار عليها الزبير بالمضي في مسيرها، للإصلاح بين الناس، فترجحت لديها هذه المصلحة اجتهادًا منها، وهي غير معصومة من الخطأ في الاجتهاد (٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني والأرنؤوط، والحوأب: ماء قريب من البصرة على طريق مكة.
(٢) باختصار من (الاختلاط بين الرجال والنساء، أحكام وفتاوى، ثمار مرة وقصص مخزية، كشف ١٣٦ شبهة لدعاة الاختلاط) للمؤلف، تحت الطبع.
[ ٥٨ ]
وعائشة - ﵂ - لم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها، بل كان في العسكر من محارمها، مثل عبد الله بن الزبير ابن أختها، وخلوة ابن الزبير بها ومسُّه لها جائز بالكتاب والسُّنّة والإجماع - وكذلك سفر المرأة مع ذي محرمها جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
وهي لم تسافر إلا مع ذي محرم منها.
تنبيه:
نبه الشيخ الألباني على كذب رواية «فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب .. فكانت أول شهادة زور في الإسلام» (١).
تنبيه:
وأيضًا لم يصح ما رواه الحاكم في (المستدرك) عن أم سلمة - ﵂ - قالت: ذكر النبي - ﵌ - خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال: «انظري يا حميراء أن لا
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٢٧)، عند حديث رقم٤٧٥).
[ ٥٩ ]
تكوني أنت»، ثم التفت إلى علي فقال: «إن وليت من أمرها شيئًا فارفق بها».
فالحديث ضعيف كما أشار إليه محقق المستدرك الشيخ سعد الحميد (٣/ ١٣٤٥).
زعمهم أنها كانت تأمر بقتل عثمان، وتقول: «اقتلوا نعثلًا (١)، قتل الله نعثلًا»، ولما بلغها قتله فرحت بذلك:
الجواب:
أولًا: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك؟
ثانيًا: المنقول الثابت عنها يُكذِّب ذلك، ويُبيّن أنها أنكرت قتله، وذمَّت من قتله.
ثالثًا: هَبْ أن أحدًا من الصحابة - عائشة أو غيرها - قال ذلك على وجه الغضب، لإنكاره بعض ما يُنكر، فليس قوله حجة، ولا يقدح ذلك في إيمان القائل ولا المقول له،
_________________
(١) النَّعْثَل: الشيخ الأحْمَقُ، وقيل: كان أعداءُ عثمانَ - ﵁ - يقولون له نَعْثَل شَبَّهُوه بِرَجُلٍ من مصرَ طويلُ اللحيةِ.
[ ٦٠ ]
بل قد يكون كلاهما وليًا لله تعالى من أهل الجنة، ويظن أحدهما جواز قتل الآخر، بل يظن كفره، وهو مخطئ في هذا الظن.
رابعًا: إن هذا المنقول عن عائشة من القدح في عثمان: إن كان صحيحًا فإما أن يكون صوابًا أو خطأ، فإن كان صوابًا لم يذكر في مساوئ عائشة، وإن كان خطأ لم يُذكر في مساوئ عثمان، والجمع بين نقص عائشة وعثمان باطل قطعًا.
وأيضًا فعائشة ظهر منها من التألم لقتل عثمان، والذم لقتلته، وطلب الانتقام منهم ما يقتضي الندم على ما ينافي ذلك، كما ظهر منها الندم على مسيرها إلى الجمل، فإن كان ندمها على ذلك يدل على فضيلة عليّ واعترافها له بالحق، فكذلك هذا يدل على فضيلة عثمان واعترافها له بالحق، وإلا فلا.
[ ٦١ ]
زعمهم أنها سألت: من تولى الخلافة؟ فقالوا: عليّ. فخرجت لقتاله على دم عثمان:
الجواب:
أولًا: قول القائل: إن عائشة وطلحة والزبير اتهموا عليًّا بأنه قتل عثمان وقاتَلوه على ذلك - كذب بيِّن، بل إنما طلبوا القَتَلة الذين كانوا تحيّزوا إلى عليّ، وهم يعلمون أن براءة عليّ من دم عثمان كبراءتهم وأعظم، لكن القَتَلة كانوا قد أووا إليه، فطلبوا قتل القتلة، ولكن كانوا عاجزين عن ذلك هم وعليّ، لأن القوم كانت لهم قبائل يذبُّون عنهم.
والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر - ﵂ - عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها. وهذا شأن الفتن كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥) وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله.
[ ٦٢ ]
افتراؤهم أنها وضعت حديثًا فيه أن النبي - ﵌ - سَحَره لبيد بن الأعصم اليهودي:
وقالوا كيف يمكن أن يُسحر النبي - ﵌ - ويُخَيَّلُ اليه أنه يفعل الشيء وما فعله، وهو معصوم؟
الجواب:
١ - الحديث رواه البخاري، وقد جاء الحديث من رواية عدة من الصحابة كابن عباس وزيد ابن أرقم فلم تنفرد عائشة - ﵂ - بروايته.
وقد ذكر القاضي عياض أن بعض المبتدعة طعنوا في حديث عائشة - ﵂ - وقد جمع الردود على هؤلاء الشيخ مقبل الوادعي ﵀ في كتاب (ردود اهل العلم على الطاعنين في حديث السحر).
٢ - قد ورد في القرآن الكريم أن موسى - ﵇ - خُيِّل إليه أن عصي وحبال السحرة انقلبت الى حيات تسعى فهل يُعَدُّ هذا طعنًا في موسى - ﵇ -؟
[ ٦٣ ]
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (طه: ٦٥ - ٦٦).
٣ - السحر الذي أصابه - ﵌ - لم يكن ليمس عقله الشريف ولا يؤثر على تبليغ الرسالة بل كان عارضًا كعوارض الأمراض المختلفة التي تصيب الصالح والطالح والكبير والصغير، والنبي - ﵌ - مشرع لذا تحدث هذه الحوادث معه لبيان جواز حدوثها مع غيره - ﵌ - مهما بلغ قدرًا عاليًا في العبادة، وهو أمر جائز عقلا ونقلا.
فهو كحديث نسيان النبي - ﵌ - في الصلاة، وهو الذي ينزل عليه الوحي، وهو أخشع الخلق في الصلاة - ﵌ - وذلك لتعليم الأمة الإسلامية من خلال هذا الحدث.
[ ٦٤ ]
٤ - ورد ما في كتب الشيعة نفس القصة التي رواها الإمام البخاري عن عائشة - ﵂ - حول سحر الرسول - ﵌ - (١).
زعمهم أن عائشة اتهمت مارية القبطية - ﵄ - بالزنا:
في تفسير القمي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١١) فإن العامة (يقصد أهل السنة) روت أنها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة وأما الخاصة (يقصد الشيعة) فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة.
_________________
(١) انظر: تفسير القمي (٢: ٤٤٩)، (الأصفى في تفسير القرآن (ج٢) للفيض الكاشاني)، (الميزان في تفسير القرآن مجمع البيان سورة الفلق) (بحار الأنوار للمجلسي).
[ ٦٥ ]
الجواب:
هذا كذب مفضوح فآيات الإفك يعرف القاصى والدانى أنها نزلت تبرئةً للسيدة عائشة - ﵂ - مما بُهِتَتْ به فى قصة ضياع العِقْد الذى فقدته فى الصحراء مَرْجِعَها هى والنبى والمسلمين من غزوة بنى المصطلق.
والقمى - وأمثاله من ضُلّال الشيعة - يصرفون القصة عن حقيقتها حتى لا يُضْطَرّوا إلى الإقرار بأى فضل لها.
وأى فضل أعظم من أن الله - ﷾ - قد أنزل تبرئتها من فوق سبع سماوات؟
تنبيه:
لا يصح ما رواه الحاكم في (المستدرك) عن سليمان بن الأرقم (المتفق على ضعفه) عن الزهري عن عروة عن عائشة - ﵂ - قالت: «أهديت مارية إلى رسول الله - ﵌ - ومعها ابن عم لها قالت: فوقع عليها وقعة فاستمرت حاملًا، قالت: فعزلها عند ابن عمها، قالت: فقال أهل الإفك والزور: «من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره»،
و
[ ٦٦ ]
كانت أمه قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها فحسن عليه لحمه.
قالت عائشة - ﵂ -: «فدخل به على النبي - ﵌ - ذات يوم فقال: «كيف ترين»، فقلت: «من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه» قال: «ولا الشبه؟».
قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أن قلت: «ما أرى شبها»، قالت: وبلغ رسول الله - ﵌ - ما يقول الناس فقال لعلي: «خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته»، قالت: «فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطبًا، فلما نظر إلى علي ومعه السيف استقبلته رعْدة قال: فسقطت الخرفة فإذا هو لم يخلق الله ﷿ له ما للرجال، شيء ممسوح».
(وهذه القصة لا تصح؛ فإن سليمان بن الأرقم متفق بين الأئمة على تضعيفه، بل هو ضعيف جدًا، انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة للألباني رقم ٤٩٦٤).
[ ٦٧ ]
والصحيح ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ الله - ﵌ - فَقَالَ رَسُولُ الله - ﵌ - لِعَلِىٍّ: «اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ». فَأَتَاهُ عَلِىٌّ فَإِذَا هُوَ فِى رَكِىٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَلِىٌّ: «اخْرُجْ». فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ؛ فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِىَّ - ﵌ - فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ». (رواه مسلم، والرَكِىٍّ: البئر).
زعموا أنها يوم زُفت أسماء بنت النعمان عروسًا إلى النبي - ﵌ - فقالت لها: «إن النبي ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك»:
الجواب:
روى الحاكم في المستدرك عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه قال: تزوج رسول الله - ﵌ - أسماء بنت النعمان الجونية فأرسلني فجئت بها فقالت حفصة لعائشة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها ففعلتا، ثم قالت لها إحداهما: إن النبي - ﵌ - يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول
[ ٦٨ ]
:أعوذ بالله منك، فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مدَّ يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك فقال رسول الله - ﵌ - بكمه على وجهه فاستتر به وقال: «عذت بمعاذ ثلاث مرات».
هذه القصة المزعومة إسنادها واهٍ كما قال الذهبي في تلخيصه، فهو من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال الدارقطني: «متروك)، وقال ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة»، وقال الذهبي: «لا يوثق به».
وفي هذه القصة المزعومة أن القائلة هي إما عائشة أو حفصة؟ فمن أين قطعوا أنه قول عائشة؟ وفي إسناد آخر عند ابن سعد أن القائلة بذلك إحدى نساء النبي - ﵌ - ولم يتعين مَن هي، ولكن إسنادها واهٍ أيضًا فهي من طريق الكلبي عن أبيه، وأبوه متهم بالكذب، فهذه القصة مكذوبة من أساسها فلا حجة فيها.
والقصة الصحيحة رواها البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: ذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - ﵌ - امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ
[ ٦٩ ]
أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِىَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِى أُجُمِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ - ﵌ - حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِىُّ - ﵌ - قَالَتْ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ».
فَقَالَ «قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى».
فَقَالُوا لَهَا: «أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟».
قَالَتْ: «لاَ».
قَالُوا: «هَذَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - جَاءَ لِيَخْطُبَكِ».
قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ».
وليس في هذه القصة الصحيحة أيُّ ذِكْرٍ لحفصة ولا لعائشة - ﵄ -، ولا ما يفيد علمهما بهذا الأمر من أساسه.
أذاعت سرّ رسول الله - ﵌ -:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ
[ ٧٠ ]
فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ (التحريم: ١ - ٤).
وقد ثبت في الصحيحين عن عمر - ﵁ - أنهما عائشة وحفصة - ﵄ -.
الجواب:
أولًا: هؤلاء الشيعة يعمدون إلى نصوص القرآن التي فيها ذكر ذنوب ومعاص بيِّنة لمن نصت عنه من المتقدمين يتأولون النصوص بأنواع التأويلات، وأهل السُّنة يقولون: بل أصحاب الذنوب تابوا منها ورفع الله درجاتهم بالتوبة.
وهذه الآية ليست بأولى في دلالتها على الذنوب من تلك الآيات، فإن كان تأويل تلك سائغًا كان تأويل هذه كذلك، وإن كان تأويل هذه باطلًا فتأويل تلك أبطل.
[ ٧١ ]
ثانيًا: بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة، فيكونان قد تابتا منه، وهذا ظاهر لقوله قال تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: ٤).
فدعاهما الله تعالى إلى التوبة، فلا يُظن بهما أنهما لم تتوبا، مع ما ثبت من علو درجتهما، وأنهما زوجتا نبيّنا - ﵌ - في الجنة، وأن الله خيَّرهُنَّ بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك حرّم الله عليه أن يتبدّل بهن غيرهن، وحرم عليه أن يتزوج عليهن،، ومات عنهن وهنّ أمهات المؤمنين بنص القرآن. ثم قد تقدّم أن الذنب يُغفر ويُعفى عنه بالتوبة وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة.
وهذا زيغ في هذه المسألة ليس زيغا عن الاسلام إلى الكفر.
ثالثًا: الرسول - ﵌ - لم يطلقهما بعدما علم ذلك منهما بل أقر زواجهما منه، وحاشاه أن يقر ببقائهما ولا يطلقهما إن
[ ٧٢ ]
كان الأمر يستحق ما ينفخ فيه الرافضة؛ لأنه يلزم من هذا الطعن بالنبوة وأن الرسول لم يطلق من تستحق الطلاق.
رابعًا: لم يمنع الحق عمر أن يقول «هما عائشة وحفصة» وذلك عندما سئل عن معنى هذه الآية.
خامسًا: المذكور عن أزواجه كالمذكور عمن شهد له بالجنة من أهل بيته وغيرهم من الصحابة - ﵃ - فعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ - ﵁ - قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِنَّ بَنِى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِى أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ فَلاَ آذَنُ، ثُمَّ لاَ آذَنُ، ثُمَّ لاَ آذَنُ، إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِى طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِى وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِىَ بَضْعَةٌ مِنِّى، يُرِيبُنِى مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِى مَا آذَاهَا» (رواه البخاري ومسلم).
فإن عليًا - ﵁ - لما خطب ابنة أبي جهل على فاطمة - ﵂ -، فلا يُظنّ بعليٍّ - ﵁ - أنه ترك الخطبة في الظاهر فقط، بل تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه.
[ ٧٣ ]
روايتها حديث إرضاع الكبير:
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِى حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِى بَيْتِهِمْ فَأَتَتْ - تَعْنِى ابْنَةَ سُهَيْلٍ - النَّبِىَّ - ﵌ - فَقَالَتْ: «إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّى أَظُنُّ أَنَّ فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا». فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ - ﵌ -: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِى عَلَيْهِ وَيَذْهَبِ الَّذِى فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ». فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ إِنِّى قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِى فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ. (رواه مسلم).
وفي رواية البخاري عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِىِّ - ﵌ - تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهْوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، كَمَا تَبَنَّى النَّبِىُّ - ﵌ - زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿ادْعُوهُمْ
[ ٧٤ ]
لِآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١) فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِى الدِّينِ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِىِّ ثُمَّ الْعَامِرِىِّ - وَهْىَ امْرَأَةُ أَبِى حُذَيْفَةَ - النَّبِىَّ - ﵌ - فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ».
وفي رواية لأبي داود صححها الألباني: «فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ يَدْخُلَ عَلَيْهَا، وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ - ﵌ - أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فِى الْمَهْدِ، وَقُلْنَ
_________________
(١) قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (الأحزاب: ٥).
[ ٧٥ ]
لِعَائِشَةَ: «وَاللهِ مَا نَدْرِى لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النَّبِىِّ - ﵌ - لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ».
الجواب:
أولًا: قَال شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ إِرْضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ. وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وذكر الحديث ثم قال: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخَذَتْ بِهِ عَائِشَةُ، وَأَبَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنْ يَأْخُذْنَ بِهِ، مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ عَنْهُ قَال: «الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (١) لَكِنَّهَا رَأَتِ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ رَضَاعَةً أَوْ تَغْذِيَةً، فَمَتَى كَانَ الْمَقْصُودُ الثَّانِيَ لَمْ يُحَرِّمْ إِلاَّ مَا كَانَ قَبْل الْفِطَامِ، وَهَذَا هُوَ إِرْضَاعُ عَامَّةِ النَّاسِ.
وَأَمَّا الأَْوَّل فَيَجُوزُ إِنِ احْتِيجَ إِلَى جَعْلِهِ ذَا مَحْرَمٍ.
وَقَدْ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ مَا لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلٌ مُتَوَجِّهٌ.
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
[ ٧٦ ]
وَقَال: رَضَاعُ الْكَبِيرِ تَنْتَشِرُ بِهِ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّ الدُّخُول وَالْخَلْوَةِ إِذَا كَانَ قَدْ تَرَبَّى فِي الْبَيْتِ بِحَيْثُ لاَ يَحْتَشِمُونَ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَاللَّيْثِ (١).
ثانيًا: النص لم يصرح بأن الإرضاع كان بملامسة الثدي. سياق الحديث متعلق بالحرج من الدخول على بيت أبي حذيفة فكيف يرضى بالرضاع المباشر بزعمكم؟
هل نسي هؤلاء أن النبي - ﵌ - حرم المصافحة؟ فكيف يجيز لمس الثدي بينما يحرم لمس اليد لليد؟
الحجة لا تقوم على الخصم بما فهمه خصمه وإنما تقوم بنص صريح يكون هو الحجة.
هل الطفل الذي يشرب الحليب من غير رضعه من الثدي مباشرة يثبت له حكم الرضاعة أم لا؟
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٦٠)، الموسوعة الفقهية الكويتية (٢٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
[ ٧٧ ]
ذكر الفقهاء أن المقصود بالرضاعة هنا أن تفرغ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ لبنها فى إناء وترسله لسَالِمٍ ليشربه وتكرر ذلك خمس مرات وبذلك تحرم عليه (١).
روى ابن سعد في (طبقاته) عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن أبيه قال: «كانت سهلة تحلب في مسعط أو إناء قدر رضعته فيشربه سالم في كل يوم حتى مضت خمسة أيام، فكان بعد ذلك يدخل عليها وهي حاسر رخصة من رسول الله - ﵌ - لسهلة» (٢).
ثالثًا: من المشروع عند الشيعة حتى إرضاع الذكور للذكور، والذين لا يخرج منهم الحليب عادة.
ألم يقولوا بأن أبا طالب كان يرضع النبي - ﵌ -.
ألم يقولوا بأن النبي - ﵌ - كان يعطي أصبعه للحسين فيمصه الحسين ويخرج منه حليب مشبع يكفيه يومه كله؟؟؟
_________________
(١) انظر: (شرح الزرقاني٣/ ٣١٦).
(٢) انظر: الطبقات الكبرى (٨/ ٢٧١)، الإصابة لابن حجر٧ (/٧١٦).
[ ٧٨ ]
اقرءوا هذه الروايات إن شئتم:
١ - عن أبي عبد الله قال: «لم يرضع الحسين من فاطمة ﵍ ولا من أنثى. كان يؤتى به النبي - ﵌ - فيضع إبهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاث» (الكافي ١/ ٣٨٦).
٢ - عن أبي عبد الله قال» لما ولد النبي - ﵌ - مكث أياما ليس له لبن. فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه. فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه أياما حتى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه إليها» (الكافي ١/ ٣٧٣).
٣ - عن أبي الحسن أن النبي - ﵌ - كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصه فيجتزئ به. ولم يرتضع من أنثى» (الكافي ١/ ٣٨٧).
رابعًا: ماذا عن رضاع الصغير عند الخميني، بالطبع الخميني لم يكن يتكلم عن رضاع الطفلة الصغيرة ولكن مفاخذتها وضمها وتقبيلها جنسيًّا.
[ ٧٩ ]
وهذا من عجائب الشيعة الذين ينظرون بدقة بالغة في نصوصنا ثم يصابون فجأة بعمى في أبصارهم عند مطالبتهم بالنظر في كتبهم وكلام مراجعهم الملقبين بآيات الله.
يقول الخميني: «وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة» (تحرير الوسيلة٢/ ٢١٦).
قليلًا من الإنصاف. هل أنتم مبصرون لكتب مخالفيكم عمي في شأن كتبكم؟
أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ:
عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: وَكَانَ مَتَاعِي فِيهِ خَفٌّ، وَكَانَ عَلَى جَمَلٍ نَاجٍ، وَكَانَ مَتَاعُ صَفِيَّةَ فِيهِ ثِقَلٌ، وَكَانَ عَلَى جَمَلٍ ثَقَالٍ بَطِيءٍ يَتَبَطَّأُ بِالرَّكْبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «حَوِّلُوا مَتَاعَ عَائِشَةَ عَلَى جَمَلِ صَفِيَّةَ، وَحَوِّلُوا مَتَاعَ صَفِيَّةَ عَلَى جَمَلِ عَائِشَةَ حَتَّى يَمْضِيَ الرَّكْبُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: يَا لَعِبَادِ اللهِ، غَلَبَتْنَا هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ -، قَالَتْ
[ ٨٠ ]
: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنَّ مَتَاعَكِ كَانَ فِيهِ خَفٌّ وَكَانَ مَتَاعُ صَفِيَّةَ فِيهِ ثِقَلٌ، فَأَبْطَأَ بِالرَّكْبِ، فَحَوَّلْنَا مَتَاعَهَا عَلَى بَعِيرِكِ، وَحَوَّلْنَا مَتَاعَكِ عَلَى بَعِيرِهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: «أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟».
قَالَتْ: فَتَبَسَّمَ، قَالَ: أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتِ يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: «أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟، أَفَهلا عَدَلْتَ؟» وَسَمِعَنِي أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ فِيهِ غَرْبٌ، أَيْ حِدَّةٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَلَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: مَهْلا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «إِنَّ الْغَيْرَى لا تُبْصِرُ أَسْفَلَ الْوَادِي مِنْ أعْلَاه». (رواه أبو يعلى في مسنده).
الجواب:
هذا الحديث لا يصح، قال الهيتمي في مجمع الزوائد: «رواه أبو يعلى وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس. وسلمة بن الفضل وقد وثقه جماعة ابن معين وابن حبان وأبو حاتم وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح».
[ ٨١ ]
وأشار الحافظ العراقي في تخريج إحياء علوم الدين إلى تدليس محمد بن إسحق.
فالحديث معلول بالعنعنة. والمدلس تقبل روايته إذا كانت بلفظ (حدثني) ولا تقبل إذا قال (عن عن).
عائشة أرَتْ مولاها سالم كيف كان رسول الله - ﵌ - يتوضأ:
هل توضأت عائشة - ﵂ - أمام سَالِمٌ سَبَلَانُ؟
قال الإمام النَسائى: «أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ جُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِى ذُبَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ سَالِمٌ سَبَلَانُ، قَالَ: «ـ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَعْجِبُ بِأَمَانَتِهِ وَتَسْتَأْجِرُهُ - فَأَرَتْنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يَتَوَضَّأُ فَتَمَضْمَضَتْ وَاسْتَنْثَرَتْ ثَلَاثًا وَغَسَلَتْ وَجْهَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَتْ يَدَهَا الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَالْيُسْرَى ثَلَاثًا وَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ مَسَحَتْ رَأْسَهَا مَسْحَةً وَاحِدَةً إِلَى مُؤَخِّرِهِ ثُمَّ أَمَرَّتْ يَدَهَا بِأُذُنَيْهَا، ثُمَّ
[ ٨٢ ]
مَرَّتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ، قَالَ سَالِمٌ: «كُنْتُ آتِيهَا مُكَاتَبًا مَا تَخْتَفِي مِنِّي فَتَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَتَتَحَدَّثُ مَعِي حَتَّى جِئْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلْتُ: «ادْعِي لِي بِالْبَرَكَةِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ»، قَالَتْ: «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: «أَعْتَقَنِي اللهُ»، قَالَتْ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ»، وَأَرْخَتْ الْحِجَابَ دُونِي فَلَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ».
الجواب:
أولًا: هذا الأثر رواه الإمام النسائي، وقال عنه الشيخ الألباني: «صحيح الإسناد».
وهذا القول ليس تصحيحًا للحديث؛ فهناك فرق بين قول أحد علماء الحديث: «هذا الحديث صحيح» وبين قوله: «إسناده صحيح»؛ فالأول جَزْمٌ بصحته، والثاني شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علة أو شذوذ، فيكون سنده صحيحًا ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه.
[ ٨٣ ]
ثانيًا: في إسناد هذا الأثر عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب قال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: «مقبول من السادسة» (١).
ومعناه عنده أنه (لين الحديث) حيث تفرد، ولم يتابع، حيث قال في مقدمة التقريب: «السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث».
وعبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب لم يتابع، فلم يَرْوِ عنه غير جعيد بن عبد الرحمن.
_________________
(١) تقريب التهذيب، (ترجمة رقم ٤٢١٢).
[ ٨٤ ]
معنى اصطلاح الحافظ ابن حجر:
قال الدكتور ماهر الفحل:
«الحافظ ابن حجر يضع ثلاثة شروط للمقبول عنده وهي:
١ - قلة الحديث.
٢ - عدم ثبوت ما يترك حديث الراوي من أجله.
٣ - المتابعة.
فالأصل في المقبول عند الحافظ أنه ضعيف، إذ (ليِّن الحديث) من ألفاظ التجريح، فإذا توبع الراوي رفعته المتابعة إلى مرتبة القبول، فالمتابعة شرط لارتقاء الراوي من الضعف إلى القبول عند الحافظ ابن حجر، و(المقبولية) أول درجات سلّم القبول بمعناه الأعم» (١).
يتضح مما سبق أن عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب ضعيف عند الحافظ ابن حجر؛ أما ذِكْرُ ابن حبان
_________________
(١) بحوث في المصطلح (ص ٢٧٩).
[ ٨٥ ]
له في (الثقات) (١)، فلا يُعتد به، فابن حبان لا يُعتمد على توثيقه. وقد أشار الشيخ الألباني نفسه كثيرًا إلى تساهل ابن حبان في التوثيق (٢).
وإذا طبقنا كلام الشيخ الألباني - ﵀ - فلن نتردد في الحكم على الأثر بالضعف (٣).
ثالثًا: يدل هذا الأثر - إن صح - على أن سالم سبلان راوي الحديث كان مكاتَبًا، والمكاتَب هو العبد إذا اشترى نفسه من سيده بمال يؤديه إليه، وكانت عائشة - ﵂ - لا تحتجب عنه، وكان يرى شعرها وأطرافها، ولما أخبرها بأن
_________________
(١) الثقات لابن حبان، (ترجمة رقم ٩٢١٥).
(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (٥١٧٣)، (١١٣٣)، (١٩٣)، (٨٩٦)، (٩٧١)، (١٠٦٨)، وانظر أيضًا القاعدة الخامسة من مقدمة كتابه (تمام المنة في التعليق على فقه السُنة).
(٣) باختصار من (الاختلاط بين الرجال والنساء، أحكام وفتاوى، ثمار مرة وقصص مخزية، كشف ١٣٦ شبهة لدعاة الاختلاط) للمؤلف، تحت الطبع.
[ ٨٦ ]
الله قد منَّ عليه بالحرية أرْخَتْ الحجاب دونه فلم يرها بعد ذلك.
ومكاتَب المرأة يجوز له أن يرى منها ما لا يجوز لغيره، فإذا أدى ما عليه وجب عليها أن تحتجب عنه.
رابعًا: الشيعة في كتبهم ومروياتهم أجازوا للمملوك أن يرى شعر مولاته وساقها؟ (١).
فليقرأ الرافضة قول علمائهم بأن المرأة لا يجب أن تحجب من العبد إلا أن يؤدي ما يعتقه.
إنا لم نُرِدْ هذا، إنا لم نُرِد هذا:
روى الديلمي عن عائشة - ﵂ - أنها خاصمت النبي - ﵌ - إلى أبي بكر فقالت: «يا رسول الله اقصد»، فلطم أبو بكر خدها وقال: «تقولين لرسول الله - ﵌ - اقصد»، وجعل الدم يسيل من أنفها على ثيابها ورسول الله - ﵌ - يغسل الدم من ثيابها بيده ويقول: «إنا لم نُرِدْ هذا إنا لم نُرِدْ هذا».
_________________
(١) انظر: الحدائق الناضرة (٢٣/ ٦٩)، مستند الشيعة (١٦/ ٥٣)، والكافي للكليني (٥/ ٥٣١) وسائل الشيعة (٢٠/ ٢٢٣) للحر العاملي.
[ ٨٧ ]
الجواب:
هذا الحديث صرح الحافظ العراقي بضعفه في تخريج الإحياء ٢/ ٤٠).وكذلك ضعفه الألباني في (سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم ٤٩٦٦).
وروى ابن سعد أن عائشة - ﵂ - قالت: «كنت أسْتَبُّ أنا وصفية فسبَبْتُ أباها فسبَّتْ أبي وسمعه رسول الله - ﵌ -، فقال: «يا صفية تسبين أبا بكر، يا صفية تسبين أبا بكر».
وروى عن ابن المسيب قال قال رسول الله - ﵌ - لأبي بكر: «يا أبا بكر ألا تعذرني من عائشة»، فرفع أبو بكر يده فضرب صدرها ضربة شديدة فجعل رسول الله - ﵌ - يقول: «غفر الله لك يا أبا بكر ما أردت هذا».
وهذا فيه محمد بن عمر وهو الواقدي. والواقدي كذاب مشهور.
وفيه محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة؛ قال الحافظ: «رموه بالوضع» «وكان ممن يروي الموضوعات
[ ٨٨ ]
عن الأثبات، لا يحل كتابة حديثه ولا الاحتجاج به بحال، كان أحمد بن حنبل يكذبه» (١).
أَشَارَ - ﵌ - نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «هُنَا الْفِتْنَةُ ــ ثَلاَثًا ــ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»:
عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الله بن عمر - ﵄ - قَالَ: «قَامَ النَّبِىُّ - ﵌ - خَطِيبًا فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «هُنَا الْفِتْنَةُ - ثَلاَثًا - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». (رواه البخاري).
الجواب:
هذا الحديث له روايات أخرى كثيرة تبين المقصود الحقيقي منه قد أخرجها البخاري نفسه وغيره، والواجب علينا جمعها وضمها كلها فإنها كلها صحيحة ثم نفهم بعد ذلك مراد النبي - ﵌ - من قوله.
ليس المراد من الحديث عائشة - ﵂ - بل جهة المشرق، فقد كان بيت عائشة جهة المشرق، فلو كانت عائشة
_________________
(١) انظر: (تقريب التهذيب١/ ٦٢٣). (المجروحين٣/ ١٤٧).
[ ٨٩ ]
المقصودة بذلك لطلقها النبي - ﵌ - بل - على العكس - كانت - ﵂ - أحب الناس إليه.
ويدل على أن الجهة هي المقصودة قال رسول الله - ﷺ -: «رَأْسُ الكُفْرِ قِبَل الْمَشْرِقِ» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: «الْفِتْنَةُ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا. (رواه مسلم).
وفي رواية عنه: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يُشِيرُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ: «هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا» - ثَلاَثًا - «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ». (رواه مسلم).
فليس المقصود بيت حفصة أو بيت عائشة، إنما المقصود جهة المشرق التي كان فيها بيتاهما.
وقال سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أَبِى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِىءُ مِنْ هَا هُنَا». وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ «مِنْ حَيْثُ
[ ٩٠ ]
يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ». وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». (رواه مسلم).
فيستفاد إذن من مجموع هذه الروايات الصحيحة بأن مقصود النبي - ﵌ - بمطلع الفتنة إنما هو جهة المشرق وهي قرن الشيطان ولأن بيت عائشة - ﵂ - كان إلى شرقي مسجده - ﵌ -.
أراد راوي الحديث وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر - ﵄ - أن يحدد الجهة التي أشار إليها رسول الله - ﵌ - فذكر أنه أشار إلى هذه الناحية، حتى أنه لم يقل (أشار إلى مسكن عائشة) بل قال: (فأشار نحو مسكن عائشة) مما يبين أنه عنى الجهة فقط بخلاف كل الروايات الأخرى والتي فيها قوله (وأشار إلى المشرق) لأن فيها تحديد المقصود تماما، وهذا لا يخفى على من له علم باللغة.
ثانيًا: كلام الشيعة لا يعني إلا أحد شيئين: إما أن يقولوا أن النبي - ﵌ - عنى بتلك الإشارة عائشة نفسها، أو يقول أنه - ﵌ - قصد مسكنها نفسه، فإن قالوا الأول فبطلانه
[ ٩١ ]
واضح من معرفة التراكيب اللغوية التي في الحديث وإنها لا تستعمل إلا للإشارة لمكان معين لا لشخص، كقوله (مِنْ حَيْثُ) وقوله (هَاهُنَا الْفِتْنَة) يشير إلى مكان تستوطن فيه الفتنة.
وإن قالوا الثاني - وهو أنه - ﵌ - أراد مسكنها نفسه - فلا يمكن أن يكون كذلك طيلة حياة النبي - ﵌ - وهو مقّر السكن فيه ويتردد إليه كل يوم فيه نوبة عائشة - ﵂ -، بل كان يتردد إليه أكثر من بيوت زوجاته الأخريات بمقدار الضعف فإن لعائشة - ﵂ - في القسم يومان: يومها ويوم سودة بنت زعمة - ﵂ - التي وهبته لها لعلمها بمحبة النبي - ﵌ - لها.
وأكثر من ذلك أنه - ﵌ - كان في سكرات موته يحب أن يمرّض في بيت عائشة - ﵂ - دون بيوت سائر زوجاته، وبقي هناك حتى توفي - ﵌ - في بيت عائشة - ﵂ - ودفن فيه رغم أنوف الرافضة.
[ ٩٢ ]
ولم يبقَ من القول مجال إلا أن يقولوا إنما عنى به مسكن عائشة - ﵂ - بعد وفاة رسول الله - ﵌ -، وهذا إن قالوه فإنما ينادوا على أنفسهم بالويل والثبور، إذ إن مسكن عائشة - ﵂ - تحول بوفاة رسول الله - ﵌ - إلى قبره الشريف ولم يعد بيتا لها حتى ينسب إليها، وكيف يستجيز عاقل على أن يرضى الله تعالى لحبيبه وعبده محمد - ﵌ - أن يدفن في مكان هو مطلع الفتنة على حدّ زعم الرافضة؟
وإن المرء ليتعجب من آيات الله تعالى أن جعل مسكن عائشة - ﵂ - مكانا يمرض فيه عبده وحبيبه محمد - ﵌ -، ثم يجعله مدفنا له وقبرا، ثم يتم ذلك بأن دفن إلى جواره صاحباه ووزيراه أبو بكر وعمر - ﵄ -.
ثالثًا: أن هذا القول المفترى من قبل الشيعة لو كان له أي وجه أو احتمال لعلمنا بأحد قاله أو ذكره أو احتج به ممن خالف أم المؤمنين - ﵂ - ممن هو من طبقة التابعين أو بعدهم، أما الصحابة فلا يظن بأحد منهم اعتقاد مثل هذا قطعًا.
[ ٩٣ ]
فلما لم نجد أحدا قاله علمنا بأنه محض افتراء وبهتان لأم المؤمنين - ﵂ - من قبل الشيعة، نظير ما فعله أسلافهم من أصحاب الإفك.
لقد رأيت خالًا بخدها؛ اقشعرت كل شعرة منك:
أخرج ابن سعد في (الطبقات) عن عبد الرحمن بن سابط قال: خطب رسول الله - ﵌ - امرأة من كلب، فبعث عائشة تنظر إليها، فذهبت ثم رجعت. فقال لها رسول الله - ﵌ -: «ما رأيت؟». فقالت: ما رأيت طائلًا. فقال لها رسول الله - ﵌ -: «لقد رأيت خالًا بخدها؛ اقشعرت كل شعرة منك». فقالت: «يا رسول الله! ما دونك سر».
الجواب:
هذا الحديث موضوع (انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني رقم ٤٩٦٥). وقد استغل الشيعة هذا الحديث الباطل استغلالًا غير شريف؛ فطعنوا به على السيدة عائشة - ﵂ -، فنسبوها إلى الكذب.
[ ٩٤ ]