٥٦٦ - أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن أبي هريرة -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ-: "ثَلَاثَة يُبْغِضُهُم اللهُ: عَائِل مُسْتَكْبر، وغَني بَخيل، وذَكَرَ الثَّالث" (^١).
وروى أبو بكر الصبغي: عن أبي الدَّرداء أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "إنَّ اللهَ يُبغضُ الفَاحِشَ البذيء" (^٢).
اعلم أنَّه غيرُ ممتنع وَصْفه بالبُغْضِ، كما جاز وصفه بالإرَادة والغَضَب على أصْلنا.
وقد تأَوَّلُوا البُغْض على الكراهة! ومعناه: كراهة الفَضْلِ عليه، والإحسان إليه والرحمة (^٣).
_________________
(١) سنده حسن، أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٤٤١) قال: حدثنا عبد الله بن زيدان بن يزيد البجلي نا محمد بن عمر الهياجي أنا يحيى بن عبد الرحمن الأَرحبي نا عبيدة بن الأسود عن القاسم بن الوليد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول -ﷺ-: "ثلاثة يبغضهم الله: ملك كذاب، وعائل مستكبر، وغني بخيل". قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن الوليد إلا عبيده بن الأسود، تفرد به يحيى ابن عبد الرحمن اهـ. وذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٤٨) وقال: فيه يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، وبقية رجاله ثقات. ويشهد له حديث أبي هريرة -﵁- عند مسلم (١/ ١٠٢ - ١٠٣) انظر الجزء الثاني (ص ٣٥٦).
(٢) لم أجده بهذا اللفظ. وإنما أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٣١١) من حديث عائشة ﵂ بلفظ: "إن الله لا يحب الفاحشَ المتفحِّش". والحديث أصله في الصحيحين، رواه البخاري في الأدب (١٠/ ٤٥٢) ومسلم في البر والصلة (٤/ ٢٠٠٢) بلفظ مقارب.
(٣) يجب إثبات هذه الصفة دون تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف أو تمثيل، بل هو بغضٌ حقيقي يليق بالله تعالى شأنه.
[ ٦١٢ ]
وهذا غَلَط لأنَّ الكراهة قد تحصل فيما لا يقتضي البغض، ولأنَّهم لا يُثبتون لله تعالى كراهة، فلا معنى لحمل الخبر على ما لا يقولون به.
فأمَّا وَصْفُه تعالى بالرِّضا، فقد وَرَدَ به الكتابُ، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقد تأوَّلُوا الرِّضَا على معنى إرادته التَّنعيم والتفضيل!! لمن علم أنَّه أَهل لذلك! وهذا غلط، لما بينَّا أن إرادَته قد تَتَضَمَّنُ ما يقتضي السُّخْط والغَضَب، فلا يجوز حَمل الرِّضَا عليها.
* * *
[ ٦١٣ ]
حَدِيث آخَر في الإعَراضِ
٥٦٨ - أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن جابر -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ-: "والَّذي نَفْسِي بيَده إنَّ العَبْدَ لَيَدْعُوا (الله) (^١) وهُوَ عَليه غَضْبَان فَيُعْرض عنه، ثُمَ يَدْعُوا فَيُعْرضُ عنه، ثمَّ يَدْعُوا فَيُعْرضُ، فيقول لملَائكتِهِ: أَبَى عَبْدي أنْ يَدْعُو غيري، فقد اسْتَحْيَتُ منِه يَدْعوني فَاُعْرضُ عنه، أُشْهِدُكُم أَنِّي قَدْ اسْتَجَبْتُ له" (^٢).
٥٦٩ - وروى أبو بكر الصِّبغي: عن ابن (^٣) وائل بن حجر: اخْتَصمَ رَجُل من حَضْرموت ورجل من كِنْدَة إلى رسول الله، فذكر الحديث، وقال: قال رسول الله -ﷺ-: "أمَا إنَّه إنْ حَلَف على مَالٍ لَيأْكُلَه ظُلْمًا، لقي اللهَ وهو عنه معرض" (^٤).
٥٧٠ - وروى عطاء عن أبي أيوب -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ-: "هجْرَةُ المؤْمِنِ ثلاث، فإنْ تَكَلَّما وإلا أَعْرَضَ اللهُ عَنْهما حتَّى يَتَكَلَّما" (^٥).
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) ضعيف جدًا، أخرجه الطبراني في الدعاء (٢١) عن الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المذكور عن جابر به. وسنده ضعيف، فيه الفضل بن عيسى الرقاشى، ضعفه أحمد وابن معين، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث.
(٣) في الأصل: عن أبي وائل! وهو خطأ والصواب أنه: ابن وائل وهو علقمة كما في صحيح مسلم.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان (١/ ١٢٣ - ١٢٤) من حديث علقمة بن وائل عن أبيه. وأخرجه البخاري في الإيمان (١١/ ٥٥٨) من حديث ابن مسعود -﵁- بنحوه، لكن فيه: "لقى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان".
(٥) ذكره الديلمي في "الفردوس" (٧٠٠٣). والحديث في الصحيحين عنه بلفظ: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". =
[ ٦١٤ ]
اعلم أنَّه غيرُ ممتنعٍ وصفه بالإعْرَاضِ، كما لم يَمتنعْ وَصفه بالغَضَبِ والكَرَاهة (^١).
وكذلك يصح وصفه بالإقْبَالِ على العَبْدِ، على نحو ما جاء به الخبر، رواه أبو ذَرٍّ -﵁- عن النبي -ﷺ-: "لا يَزَالُ اللهُ جَلَّ اسْمُهُ مُقْبِلًا على العَبْدِ مَا لَم يَلْتَفتْ، فإذَا الْتَفَتَ انَصَرفَ عنه" (^٢).
لأنَّه ليس في ذلك ما يُحيل صِفاته، لأنَّا لا نُثبت إقْبالًا على وجه الانتقال، ولا إعْراضًا بمعنى الإنصراف.
كما حملنا تَجَلِّيه للجبل على ظاهره، ولم يُوجب ذلك حمله على الانتقال وكما جازَ وصفه بالرِّضَا والرحمة، كذلك ها هنا.
ولأنَّا لا نَصِفُ إعْرَاضَه وإقْبَاله على حسب الإعراض عن الأجسام والإقبال عليها، من جهة المحاذاة، وبوجه المقابلة، لاستحالة كونه جِسْمًا أو جوهرًا، بل نَصِفُه بذلك كما جاءَ به الشرَّع، وكما جاز وصفه بالإرادة والكراهة.
وقد تأُولوا وصفه بالإعراض عن العَبد على أنَّه يرجع إلى تركه توفيقه
_________________
(١) = رواه البخاري في الأدب (١٠/ ٤٩٢) وفي الإستئذان (١١/ ٢١) ومسلم في البر والصلة والأداب (٤/ ١٩٨٤) من حديث أبي أيوب -﵁-.
(٢) وقد ثبت وصفه بـ "الإعراض" في غير ما حديث، فيجب إثبات هذه الصفة دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف. وقد ثبت أيضًا في حديث أبي واقد الليثي -﵁-: أن رسول -ﷺ- بينما هو جالس في المسجد والناس معه. إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول -ﷺ- وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول -﵁-، فأما أحدهما فرأي فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الأخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول -ﷺ- قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الاخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه". رواه البخاري في العلم (١/ ١٥٦) وفي الصلاة (١/ ٥٦٢) ومسلم في السلام (٤/ ١٧١٣).
(٣) ضعيف بهذا اللفظ، وقد تقدم تخريجه في الجزء الأول.
[ ٦١٥ ]
للخير، ومعونته على العمل، أو عن إثابَتِهِ وإكَرامه!
وتأَوَّلوا قول "أقبل الله" معناه: بالمعونة للعبد على الخير وتيسيره له، وإذا وُصِفَ العَبد بالإقبال على الله، فالمرادُ اشتغاله بالطَّاعة والعباده، وإذَا وُصِفَ بالإعراضِ عنه، فالمرادُ به ترك ذلك (^١)!
وهذا غلط، لأنَّ عدمَ التوفيق للخير والثواب لا يختصُّ بالهِجْرة وباليمين الكاذبة، لأنَّ غيرَ الحَالِفِ وغير الهجرة من أنواع المعاصي يقتضي ذلك.
وكذلك ثوابه وتوفيقه للخير لا يختص بالمصلي، فوجب أنْ يكون لهذا التخصيص فائدة.
وقد تقدَّم الكلام على معنى هذا الحديث في العبد إذَا قَام يصلي فالتَفَتَ، بما فيه كفاية (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر هذه التأويلات في مشكل الحديث لابن فورك (ص ١٠٨ - ١٠٩)، وفتح الباري (١/ ١٥٧).
(٢) انظر ما سبق.
[ ٦١٦ ]
حَدِيث آخر في المُبَالاة
٥٧١ - أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الأَوَّل فالأوَّل، حتَّى تَبْقَى حُثَالة كحُثَالةِ الشَّعِيرِ، لا يُبَالي اللهُ بهم" (^١).
٥٧٢ - وروى أبو بكر الصِّبْغي: عن نافع عن ابن عمر -﵄- عن -ﷺ- قال: "مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، كَفَاهُ اللهُ هُمُومَ دُنْياهُ وآخِرته، ومَنْ تَشَعَّبَتْ عَليه الهُمُومُ، لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أَوْدِيَةِ الدُّنيا هَلَكَ" (^٢).
٥٧٣ - وروى حماد عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
_________________
(١) صحيح، رواه البخاري في المغازي (٧/ ٤٤٤) وفي الرقاق (١١/ ٢٥١) ولفظه في الموضع الثاني "يذهب الصالحون الأول … ".
(٢) حديث حسن لغيره، رواه الحاكم (٢/ ٤٤٣) و(٤/ ٣٢٩). عن سعيد بن سليمان ثنا أبو عقيل يحيى بن المتوكل ثنا عمر بن محمد القمري عن نافع عن ابن عمر ﵄ به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فتعقبه الذهبي بقوله: يحيى ضعفوه. قلت: وهو ضعيف عند الجمهور. لكن للحديث شواهد: فمنها حديث ابن مسعود -﵁-: رواه ابن ماجه (٢٥٧ - ٤١٠٦) وفيه نهشل بن سعيد، متروك. وشاهد ثان: من حديث زيد بن ثابت -﵁-: رواه ابن ماجه (٤١٠٥) بلفظ: "من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره" قال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وهو كما قال. وشاهد ثالث: من حديث أنس -﵁-: رواه الترمذي (٢٤٦٥) وفيه: يزيد بن أبان الرقاشي الزاهد، وهو ضعيف، والراوى عنه: الربيع بن صبيح وهو سيء الحفظ. فالحديث حسن بهذه الشواهد. وانظر صحيح الترغيب (٣١٦٨ - ٣١٧١) للألباني -﵀-.
[ ٦١٧ ]
جَميعًا ولا يُبالي" (^١).
٥٧٤ - وروى خالد بن عبدالله عن بيان عن قيس عن مِرْدَاس الأسْلَمي قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّل فالأَوَّل، ويَبْقَى حُثَالة كحثالة التَّمْرِ، لا يُبَالي بهم" (^٢).
٥٧٥ - وروى شهر بن حوشب عن مَعْدِي كرب عن أَبي ذر: عن النبي -ﷺ- "يرويه عن رَبَّه: يا ابن آدم، إنْ تُذنب حَتَّى تُبْلُغَ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّماءِ (ثم) (^٣) تَسْتغْفِرُني، غَفَرْتُ لكَ ولا أُبَالي" (^٤).
وروي أنَّ النبي -ﷺ- قال في القَبْضَتين اللَّتين أَحَدْهما مِنْ صُلْبِ آدم: "للنَّار
_________________
(١) ضعيف، رواه الإمام أحمد (٦/ ٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠) والترمذي (٣٢٣٧) وعبد بن حميد (١٥٧٥ - المنتخب) والحاكم (٢/ ٢٤٩) من حديث ثابت عن شهر بن حوشب وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٦٧٦) لابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب. قلت: وشهر ضعيف الحديث. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (٦٣٧). والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، انظر مختصر الشواهد لابن خالوية (ص ١٣٢).
(٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق (١١/ ٢٥١) من حديث مرداس الأسلمي بنحوه.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) حسن بشواهده، رواه أحمد (٥/ ١٧٢) والدارمي (٢/ ٣٢٢) من حديث غيلان عن شهر بن حوشب عن عمرو بن معد يكرب به. ورواه أحمد (٥/ ١٥٤) عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر عن ابن غنم أن أبا ذر حدثه به. والطريق الأولى أقوى، لأن غيلان أوثق من ابن بهرام. وللحديث شاهد: من حديث أنس -﵁-: رواه الترمذي (٣٥٤٠) عن كثير بن فائد حدثنا سعيد بن عبيد سمعت بكر بن عبد الله المزني حدثنا أنس ابن مالك سمعت رسول -ﷺ- فذكره بنحوه مع زيادة. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قلت: وفيه كثير بين فائد البصري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر: مقبول. والحديث ذكره العلامة الألباني في الصحيحة (١٢٧).
[ ٦١٨ ]
ولا أُبالي" (^١).
اعلم أنَّ إطلاقَ هذه الأخبار يقتضي نفي كون المبالاة صِفَةً له، لأنَّ جميعها نَفْي وليس فيها إثبات.
وإن: قيل إنَّ دليلٌ الخطاب يقتضي إثباتَ المبالاة صِفَةً له في أفعال الطاعات، وأنَّه يُبَالي بها، لم يمتنع، كما جازَ وصفه بالمحَبَّةَ والرِّضا، وكذلك قوله تعالى ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان: ٧٧] (^٢) غير ممتنع حمله على ظاهره، لأنه ليس في ذلك ما يُحيل صفاته.
وقد تأَوَّلوا على أَنَّ معناه: أَنَّه لا ينتقص عباده بشيءٍ منْ فَضلِهِ وعَدْله لأجْل أفعالهم، وكذلك لا يزداد في ذلك لأجل الفعل، بل يفعل العدل من تعذيبهم ابتداءً من غير جُرْمٍ، والفضل غير عمل (^٣).
وهذا غلط، لأنَّ الزِّيادةَ والنُّقصان إنَّما تُستعمل فيما طريقه الجزاء، ومن أصلنا وأَصْلهِم أنَّ ما يُنْعِمُ به على عَبده على وجه التفضل، لا على وجه الجزاء.
* * *
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) قال الإمام ابن كثير رحمة الله: ثم قال تعالى ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ أي: لا يبالي ولا يكترث بكم، إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ويسبحوه بكرة وأصيلًا. حسن التحرير (٣/ ٢٩٩).
(٣) انظر "مشكل الحديث" لابن فورك (ص ٢٣٩).
[ ٦١٩ ]
حَدِيث آخَر في المُبَاهَاةِ
٢٧٧ - [*] أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنَّه قال: "إِنَّ اللهَ تَعالى يُبَاهي المَلَائكة بأَهْلِ عَرَفَات، يقول: انْظُرُوا إلى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا" (^١).
٢٧٨ - كذا وروى أيضًا بإسناده: عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنَّ نَوْفًا البِكالي وعبد الله بن عمرو اجتمعا فقال عبد الله بن عمرو -﵄-: أَنَا أُخْبِرُكَ عن رسول الله -ﷺ-: صلينا مَعَه صَلاةَ المغْربِ ذاتَ لَيلةٍ، فرَجَعَ مَنْ رَجَع، وعقب من عقب، فجاءَ رسول الله -ﷺ- من قبل أن يَثُورَ النَّاسُ لِصَلاةِ العشاء وقد حَفَزَهُ النَّفَسُ، وهو رَافع إصبعه إلى السماء، وهو يقول: "ابْشِرُوا يا مَعَاشِرَ المسْلمينَ، هذا رَبُّكم فَتَح بَابًا من أبوابِ السَّماء يُبَاهي بِكُم المَلَاِئكَة، فيقولُ: انظُروا إلى عِبَادِي قد أَدُّوا فَرِيضَةً، وهُم يَنتَظِرُونَ أُخْرَى" (^٢).
٢٧٩ - وروى أَيضًا بإسناده: عن أبي سعيد: أنَّ معاوية خَرَجَ على حَلقةٍ في المسْجِدِ فقال: ما أجْلَسَكُم؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذكُرُ اللهَ ﷿، قال: الله ما أَجْلَسَكُم إلا ذلك؟ قالوا: الله ما أَجْلَسَنا إلا ذَاك، قال: أَمَا إنِّي لم أَسْتَحلَفَكُم تُهْمَةً لكم، وما كان أَحَد بمنزلتي مِنْ رَسُول الله أَقَل عنه
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٥) وابن خزيمة (٢٨٣٩) وابن حبان (٣٨٥٢) والحاكم (١/ ٤٦٥) والبيهقي (٥/ ٥٨) من طريق عن يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن أبي -﵁- به. وللحديث شاهد من حديث ابن عمرو وجابر ﵄.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ١٨٦) وابن ماجه (٨١) عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمر -﵁-. وله طريقان آخران عند أحمد (٢/ ١٩٧) و(٢/ ٢٠٨) عن ابن عمر به: انظر الصحيحة (٦٦١). [*] تعليق الشاملة: كذا رجع الترقيم في المطبوع بعد ٥٧٥ (الحديث السابق) واستمر إلى آخر الكتاب، فيُراعى رقم الصفحة عند العزو
[ ٦٢٠ ]
حديثًا مِنِّي، وإنَّ رسول الله خَرجَ على حلقة من أصْحابه فقال: "ما أجلسكم؟ " قالوا: جَلَسْنَا نذْكُر اللهَ ونَحمْده على ما هَدَانَا للإسلام، ومَنَّ علينا بك، قال: "الله ما أَجْلَسَكُم إلا ذلك؟ " قالو: الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: "أما إنَّي لم أَسْتَحلِفَكُم تُهْمَةً لكم، وإنَّه أَتَاني جبريل فَأَخبرني أنَّ اللهَ يُبَاهي الملائكةَ بكم" (^١).
اعلم أنَّه غَيرُ ممتنعِ حَمْلُ الخبر على ظاهره، في وصفه تعالى بالمباهاة، كما جازَ وصفه بالرحمة والمغفرة.
وقد قيل: إنَّ المُبَاهاة، أنَّ الله يُظْهِرُ مِنْ فضله لملائكته ما يَحْقِرونَ طَاعتهم في طاعتهم، وعباداتهم في عباداتهم، لأنَّ المباهاة هي مُفَاعلة من البَهَاء، والبهاء هو العَظَمةُ، فكأنَّه أرادَ: أنَّ اللهَ ﷿ يُظهر من عظمة هؤلاء المطيعين ويَهْدِيهم فيها، ما يَزيد على بهاء الملائكة، والغَرَضُ بالخبر تعريف الخلق من الآدميين مواقع الفضل في طاعتهم وعبادتهم (^٢).
وهذا التفسير لا يمنع إطلاق صِفَةُ المُبَاهاة عليه سبحانه، لكنْ يكون معناها في حَقَّه، ما ذكره من إظهارِ فضله لأهل عَرَفات، ما يحَقرون الملائكة، طاعتَهم في جنبه.
وفي هذا الخبر دلالة على أنَّ أَفَاضل الآدميين، أَفْضَلُ من الملائكة، لأنَّه لا يباهي إلا بالأفضل.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم في الذكر والدعاء (٤/ ٢٠٧٥) عن مرحوم بن عبد العزيز عن أبى نعامة السعدي عن أبي عثمان عن أبي سعيد مرفوعًا به.
(٢) انظر هذا التأويل في مشكل الحديث لابن فورك (ص ٢٤٠).
[ ٦٢١ ]
حَدِيث آخَر
٢٨٠ - أخرجه أبو بكر بإسناده: عن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله -ﷺ- رَأَىَ نُخَامَةً في قبْلةِ المسجد، فأَقْبَلَ على النَّاس فقال: "ما بَالُ أَحَدُكم يَقُومُ مُسْتَقْبلَ رَبَّه فَيَتَنَخَّعَ أمَامَه، أَيُحبُّ أَحَدُكم أنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجهه، إذا تَنَخَّعَ أحَدُكم فَلْيَتَنَخَّعَ عن يَسَارِه تَحتَ قَدَمِهِ، فإنْ لم يَجدْ فَلْيَقُل هكذا في في ثوبه" (^١).
٢٨١ - وروى أبو بكر الصِّبْغي: عن أحمد عن حميد الطويل عن أنس -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- رأى نُخَامَةً في قبْلَةِ المسْجِدِ، فَشَقَّ عليه حَتَّى عَرَفْنَا ذلك في وجهه، فحَكَّهُ، وقال: "إنَّ أحَدَكمَ إذَا قَامَ إلى الصَّلاةِ، فإنَّه يُنَاجي رَبَّه" (^٢).
٢٨٢ - وروى عن أبي هريرة -﵁- قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- فلمَّا سَلَّمَ فإذا رَجُل في آخرِ الصُّفوفِ قال: "يا فُلان، ألا تَتَّقي اللهَ! ألا تَنْظُرْ كيفَ تُصَلِّيَ؟ فإنَّ أَحَدَكُم إذا قَامَ يُصَلِّي يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّه، فَلْيَنْظُرْ كيف يُنَاجِيه" (^٣).
٢٨٣ - وروي عن صفوان بن محرز قال: بَينما أنَا أَسِيرُ مع عبد الله بن عُمر وآخذ بيده، إذْ عَرَضَ له رجل فقال: كَيفَ سمعتَ رسول الله -ﷺ- يقول في النَّجْوى يَومَ القيامة؟ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- في
_________________
(١) رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٨٩) من حديث أبي -﵁-.
(٢) رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٢/ ١٤، ١٥) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٩٠) من حديث أنس -﵁-.
(٣) رواه مسلم في الصلاة (١/ ٣١٩) بنحوه من حديث أبي -﵁-، وهو عند الإمام أحمد وغيره بألفاظ متقاربة.
[ ٦٢٢ ]
النَّجوى يقول: "يُدْني المؤْمِنَ فيقول: أَتَعْرِف ذَنْب كَذَا؟ أَتَعْرفُ ذَنْبَ كَذا؟ " (^١).
اعلم أنَّه غيرُ ممتنعٍ حمل الخبرِ على ظَاهِره، في إثبات وَصْفِهِ تَعَالى بالمنَاجَاة، كما جاز إطلاق وَصفه بالكلام.
وقد قيل: إنَّ المناجَاةَ هي مُخَاطبة المخاطب على الوجه الذي يَختَصُّ به الإنسان في سَمَاعِ الخطاب، فإذا وُصفَ اللهُ به، فالمراد به إسْمَاعُ اللهِ ﷿ مَنْ أرادَ مِنْ خَلْقهِ، من غير أنْ يَتَشَاركوا في استماع ما يستمعون (^٢).
وهكذا معنى النَّجوى يومَ القيامة. لأنَّه يُسْمِعُ من يشاء مِنْ خَلْقِهِ خطابه على التخصيص بالخطَاب، من غير أنْ يشركه في سماع ذلك غيره.
٢٨٤ - وهو نحو ما روي: عن النبي -ﷺ- أنَّه قال: "مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إلا وسَيَخْلُوا اللهُ به يَومَ القِيَامَة، ليس بَيْنه وبَيْنَه تُرْجُمان" (^٣).
والمراد به هو أَخْفَى الخِطاب من غير أنْ يسمع من غيره.
* * *
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٥): المناجي المخاطب للإنسان والمحدَّث له، يقال: ناجاه يناجيه مناجاة، فهو مناج والنجي: فعيل منه. ومنه الحديث: "لا يتناجى اثنان دون الثالث": أي لا يتساران منفردين عنه، لأن ذلك يسوؤه انتهى. قلت: هذا دال على قرب العبد المؤمن من ربه يوم القيامة.
(٣) رواه البخاري في الرقاق (١١/ ٤٠٠) ومسلم في الزكاة (٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤) من حديث عدي بن حاتم -﵁-.
[ ٦٢٣ ]
حَدِيث آخَر
٢٨٥ - أخرجه أبو القاسم وأبو بكر الصِّبغي: عن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ-: "يَجْتَمِعُ النَّاس فَيَأتُونَ آدمَ، فَيَقُولُونَ: يا آدمَ، أَنْتَ الذِي خَلَقَكَ اللهُ بيدِه، ونَفَخَ فيكَ مِنْ رُوحِهِ" (^١).
٢٨٦ - وروى أبو هريرة -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- قال: "لَقي آدمُ مُوسى فَقَال موسى: أَنْتَ الذي خَلَقَكَ اللهُ بيدِهِ: وأَسْكَنَكَ جَنَّتةَ، وأسْجَدَ لَكَ مَلَائكتَه، وَنَفَخَ فيكَ مِنْ رُوحِه، لم فعلتَ ما فعلت" وذكر الخبر (^٢).
اعلم أنَّ مَا وَصَفَ الله تعالى به نفسه، من نفخ الرُّوح في آدم في كتابه بقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وَوَصفه به أنبياؤه صلى الله عليهم، فالمرادُ به الخَلْق، وأَضَافَ ذلك إليه وخَصَّه به على طريق التشريف، كما قيل: بَيتُ اللهِ وناقة الله، خُصَّ بذلك مِنْ جُملة المُسَمَّيات لفضله على ما سواه، وعلى هذا أضاف عيسى -﵇- فقال "روح الله" (^٣).
وأفعاله تعالى غير واقعة على طريق المباشرة والتَوَلُّد، بل كلها ابتداءُ اختراع من قِبَلِ اللهِ، لا يقتضي حُدُوث شيء منها، لاسْتِحَالَة أنْ يكون جسمًا أو جَوهرًا فيتغير بما يُحْدُثُ فيه، أو يُجاوره مجاورة الأجسام.
وقد نَصَّ أحمد -رحمة الله عليه- على معنى هذا فيما خَرَّجه في "الرَّدُّ على الزَّنَادِقَةِ والجَهْميَّة" فقال: وأمَّا قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يقول: من أَمْره كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
_________________
(١) رواه البخاري في التوحيد (١٣/ ٤٧٧ - ٤٧٩) ومسلم في الإيمان (١/ ١٨٠ - ١٨١) وغيرهما.
(٢) رواه البخاري في القدر (١١/ ٥٠٥) ومسلم في القدر (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) الرد على الزنادقة (ص ٢٥٢ ط غراس).
[ ٦٢٤ ]
مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي: من أمره.
قال وتفسير "روح الله" إنَّما معناها: أنَّها رُوحٌ خَلَقَها الله، كما يقال: عبدُ الله، وسماء الله، وأرض الله.
فقد صَرَّح أحمد بمعنى ما ذكرناه، وقد تقدَّم الكلام في ذلك على قوله "لما خلق آدم عطس".
* * *
[ ٦٢٥ ]
حَدِيث آخر ذَكَرهُ البُخارِي
٢٨٧ - بإسناده: عن أبي هريره -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- "إنَّ اللهَ ﷿ قال: مَنْ عَادَى لي وَليًّا فقد آذَنْتُه بالحَرْبِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حتَّى أُحِبَّه، فإذَا أحَبْبَتُه كنتُ سَمعه الذي يَسْمعُ به، وبصَرَهُ الذِي يُبْصرُ به ويَدَه التي يَبْطشُ بها، ورجْلَه التي يَمْشي بها، وَمَا تَرَدَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُه، تَرَدُّدِي عَنْ نفْسِ المؤْمِنِ، بكرهُ الموتَ وأنا أكْرَهُ إساءته" (^١).
٢٨٩ - وناه أبو القاسم بإسناده: عن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- عن جبريل عن الله تعالى قال: "مَنْ أَهَانَ لي وَليًّا فقدْ بَارَزَني بالمُحَاربَة، وَمَا تَرَدَّدتُّ عن شَيءٍ أَنَا فاعِلُه ما تَرَدَّدتُ في قَبْضِ نَفسِ المؤْمِنِ، الذي يَكْرَهُ الموتَ وأَكْره مساءته، ولا بُدَّ لَه مِنْه، وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدِي بمثل أَداء ما افْتَرَضْتُّ عليه، ولا يَزَالُ عَبْدِي يَتَنَفَّلُ لي حتَّى أُحبَّه، ومَنْ أحْبَبْتُه كُنْتُ (^٢) له سمعًا وبصرًا ولسَانًا ويدًا" وذكر الخبر (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الرقاق (١١/ ٣٤٠ - ٣٤١). وللحديث شاهد من حديث عائشة ﵄: أخرجه أحمد (٦/ ٢٥٦) وغيره بلفظ: "من أذلَّ لي وليًا فقد استحل محاربتي .. ". وأخرجه الطبراني (٥٥٢، ٤٩٥٣) كما في مجمع البحرين. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٤٧): وفيه عبد الواحد بن قيس، وثقه أبو زرعة والعجلي وابن معين في إحدى الرواتين وضعفه غيره، وبقية رجاله رحل الصحيح.
(٢) في الأصل: كتبت! وهو خطأ.
(٣) سنده ضعيف، رواه الطبراني في الأوسط - كما في مجمع البحرين (٤٩٥٢) فقال: حدثنا أحمد يعني ابن علي الأبار ثنا عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي ثنا صدقة بن عبد الله أبو معاوية أخبرني عبد الكريم الجزري عن أنس به. وهذا إسناد ضعيف، صدقة ضعيف، وأبو حفص الدمشقي ضعفه غير واحد، وقال النسائي: ليس بثقة.
[ ٦٢٦ ]
أَمَّا قوله "كنت سمعه وبصره ويده ورجله"معناه: كنت له في العَوْنِ والنُّصْرة، كبصره ويده ورجله التي هي عون له على البَطش، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] بالنُّصرة والعَون.
والذي يدل عليه ما تقَدمَّ في أَوَّلِ الخبر من قوله "من عَادىَ لي وليًا فقد آذنته بالحرب" فاقْتَضىَ ذلك أنَّ من أَطَاعه بكثرةِ النَّوافل، كنتُ له عَونًا وناصرًا (^١).
وأَمَّا قوله "ما تَرَددت عَنْ شيئٍ ترددي عنْ نَفْسِ المؤْمنِ" لا يمتنع حمله على ظاهره، وأنَّه صِفَة له، لا على معنى التَّردُّدِ الذي هو الفِكْرِ والتَّأمل، بل نُطلق القول فيه كما أطلقنا القولَ في الغضب، لا على معنى نُفُور الطَّبع، والرِّضَا لا على معنى مَيْلِ الطَّبع، بل أطلقنا صفته بذلك، كذلك ها هنا (^٢).
_________________
(١) ومن المعاني الصحيحة في قوله "كنت سمعة الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به .. " أن كُليَّته مشغولة بي، فلا يصغي بسمعه إلا ما يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به. وقال ابن هبيرة: هو فيما يظهر لي أنه على حذف مضاف والتقدير: كنت حافظ سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع إلا ما يحلّ استماعه، وحافظ بصره كذلك إلخ، وبنحوه قال الخطابي، انظر الفتح (١١/ ٣٤٤). وأما الاتحادية الملاحدة فزعموا أنه على حقيقته!! وأن الحق سبحانه عين العبد!! واحتجوا بمجي جبريل في صورة دحية، قالوا: فهو روحاني خلع صورته وظهر بمظهر البشر!! قالوا: فالله أَقْدر على أن يظهر في صورة الوجود الكلي أو بعضه!! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا!
(٢) وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن معني "تردد الله" في الحديث، فقال: "هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردّ هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد! إنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب. وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد. والتحقيق: أن كلام رسول -ﷺ- حق، وليس أحدٌ أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك، كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام =
[ ٦٢٧ ]
" حَدِيث آخَر"
٢٩٠ - قرأَه علّي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن عبيد … المعروف … -﵀- قال قريء على أبي عبد الله الحسين بن أحمد البغدادي الزاهد وأنا أسمع قيل له: قرأت على أبي الحسين محمد بن عبيد الله بن جعفر بن أحمد بن حمدان قال نا أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النَّجَّاد قال نا إبراهيم بن عبد الله قال نا محمد بن بشير قال نا ابن المبارك قال نا أبو عبيدة عن الحسن قال: قال علي ابن أبي طالب: يا رسول الله! مَنْ أول من يُحاسَبُ يَومَ القِيَامَةِ؟ قال: "أبو بكر الصِّدِّيق" قال: ثم من؟ قال: "ثم عُمَر" قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: "أَنْتَ يا علي" قلت: يا رسول الله، أينَ عثمانَ بن عَفَّان؟
_________________
(١) = رسول -ﷺ- عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة. ولكن المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبه الأمور، ولا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ثم هذا باطل، فان الواحد منّا يتردد لعدم العلم بالعواقب، وتاره لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه. قال: وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس، هو من هذا الباب، وفي الصحيح: "حفت النار بالشهوات وحفت الجنْة بالمكاره" وقال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية. قال: "الله ﷾ قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق من قضائه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادا للحق من وجه، مكروها له من وجه وهذا حقيقة التردد، وهو: أن يكون الشيئ الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين … إلى آخر كلامه -﵀- في مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩ - ١٣١).
[ ٦٢٨ ]
قال "إنِّي سَألت عَثمانَ حَاجَةً سِرًّا فَقَضاها سِرًا، فَسَألتُ اللَه أنْ لا يحاسبَ عُثمان، ثم يُنادي مُنَادي: أينَ السَّابقونَ الأولون. أينَ أبو بكر الصديق؟ فَيتَجلَّى الله تعالى لأبي بكرِ خاصَّة، وللنَّاس عَامَّة، ثم يَقول: قَد غَفَرتُ لك يا أبا بكر، فيقول: ولمحبيني، فيقول: إنَّهم قد اختَرعُوا ذُنوبًا، فيقول: هبهم لي، فيقول: قد أَمَرتُ بهم إلى النَّار يروعون بها رَوْعةً. أكَفرُ بها عنهم سَيئاتِهم، ثم آمُرُ الملائكة أنْ يدفعوهم إليك فيأخذونهم، ولم يدخل في آنافهم حَرُّ النَّار، ولا نَالَ أجسادهم ولا وُجُوهَهَم من حَرِّها، فَيأَخُذُونهم وقد بَيَّضَ الله وُجُوههم فَيُسلِّمونهم إلى أبي بكر، ثم يخلص لي الشَّفَاعة، فأدخل على ربِّي -﷿- فاسْجدُ له فيقول: ارفع رأَسْكَ محمد، قُل يُسْمع، واشْفَع تُشَفَّع، فأقول: أُمتي أُمتي، فيحدُّ لي حَدًّا فأخرجهم" وذكر الحديث بطوله "فأقول: يا رب شفعني فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: يا محمد هذا إليّ خاصة، فيأخذ الجبَّار ماءً بيده فَيَنْضَحه، فيقع كل نقطةٍ على من قال: لا إله إلا الله، فَيَلْتقِطهم الملائكة كلهم من النَّار فَتُخرجَهم من النَّار، ويَبْقَى المخلَّدونَ" وذكر باقيه (^١).
_________________
(١) لم أجد من أخرجه! وإسناده ضعيف مرسل، وفيه نكارة. الحسن لم يسمع من علي -﵁-. قاله الترمذي وغيره كما في التهذيب (٢/ ٢٦٨). وأبو الحسين محمد بن عبيد الله بن حمدان، ذكره الخطيب في التاريخ (٢/ ٣٣٦) وقال: سمعت حمزة بن محمد الدقاق فذكره ذكرًا جميلًا وأثنى عليه ثناءً حسنًا. والحسين بن أحمد أبو عبد الله البغدادي، ذكره الخطيب أيضًا (٨/ ١٥). وقال: وكان صدوقًا دينًا عابدًا زاهدًا ورعًا.
[ ٦٢٩ ]
اعلم أنَّ هذا الخبر قد دلَّ على فوائد:
منها فضيلة لأبي بكر، وأنَّه أَول من يُحاسب، وأنَّه يَشْفعُ، وهذه طبقة الأنبياء.
وفيه دلالة على أنَّ أهل الذُّنُوبِ لا يخلدون، خلاف المعتزلة، والكلام في ذلك مُستوفى في "كِتاب المعتمد" (^١).
وفيه دلالة على إثبات اليد، وقد ذكرناها في غير موضع من هذا الكتاب.
وفيه إثباتُ أخذ الماء بيده ونضحه عليهم، وهذا غير ممتنع حمله على ظاهره، لأنَّ أخذ الماء بيده كخلق آدم بيده، وكمسح ظهره بيده، واستخراج الذُّرية من ظهره، وكعجن طينته، وكل ذلك أخبار قد تقدم ذكرها، وبَينَّا الأخذ بظاهرها، على وجهٍ لا يُفضي إلى مُلاقَاة المُحْدَثِ للقديم.
كذلك في هذا الحديث، إذْ الطَّريقة في جميع ذلك طريقة واحدة، ونَضْحه للماء عليهم يجري مجرى كلامه لهم، ووضع كنفه عليهم.
٢٩١ - وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب "غَريب الحَديث" ما يعضد هذا الحديث بإسناده: عن لقيط بن عامر خرج وَافِدًا على النبي -ﷺ-، وذكر الحديث بطوله إلى أنْ قال: يا رسول الله! فما يفعل رَبُّنَا إذا لَقِيناهُ؟ قال: "تُعْرَضُونَ عليه، بَادِيًا له صفَحَاتِكُم لا يَخْفَى عليه مِنكُم خافية، فيأخُذُ رَبُّكَ بيده غُرْفَةً من الماءِ فَيَنْضَحُ عَليكم، فأمَّا المُسْلم فَيَدَعُ وَجْهَه مثلَ الرَّيطَةِ البَيْضَاء، وأما الكَافِر فَتَخْطُمُه بمثلِ الحُمم الأسْود" وذكر الخبر بطوله (^٢).
_________________
(١) وهو كتاب للمصنف في أصول الدين، انظر المقدمة لكتابنا هذا (ص ١٧).
(٢) غريب الحديث (١/ ٥٣٠ - ٥٣١) طبعة وزارة الأوقاف العراقية، تحقيق د. عبد الله الجبوري. والحديث إسناده ضعيف، رواه ابن قتيبة وعبد الله بن أحمد (٤/ ١٣ - ١٤) عن عبد الرحمن ابن عياش السمعي الأنصاري عن دلهم بن الأسود عن عاصم بن لقيط: أن لقيط بن عامر =
[ ٦٣٠ ]
إثباتُ الحَثَيات لله تعالى بيديه
٢٩٢ - رواه الحسن الدارقطني في أَخْبَارِ الصِّفَاتِ" بإسناده: عن أبي أُمامة قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "وَعَدَني رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الجنَّة مِنْ أُمتي سَبْعين أَلْفًا بغيرِ حِسَابٍ ولا عَذَاب، مع كُلِّ ألفٍ سَبْعينَ أَلْفًا، وثَلَاث حَثَيَاتٍ مَنْ حَثَيَاتِ رَبِّي ﷿" (^١).
اعلم أنَّه غير ممتنع حمل هذا الصِّفة على ظاهرها، كما حملنا "القَبْضَ" بقوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وعجن طينة آدم، وغير ذلك.
٢٩٣ - وفي معناه ذكر ابن منيع في كتاب "المعجم" بإسناده: عن أبي سعيد الأنماري (^٢): أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "وَعَدَني رَبِّي أنْ يُدْخِلَ من أمتي سبعين ألفًا بغير حِسَابٍ، ويشفع كُلُّ أَلْفٍ بسبعين أَلف، ثُمَّ يَحْثي لي ثَلاثَ حَثَيَات بكَفِّه" (^٣).
_________________
(١) = خرج وافدًا إلى رسول -ﷺ- وفيه: عبد الرحمن بن عياش ودلهم بن الأسود مجهولان. لكن للحديث طرق أخرى لا يقل بها عن مرتبة الحسن، انظر الجزء الأول من كتابنا هذا والصحيحة للألباني (٢٨١٠).
(٢) حديث صحيح، كتاب الصفات للدارقطني برقم (٥٢، ٥١، ٥٠) تحقيق الشيخ عبد الله الغنيمان وقد رواه أحمد (٥/ ٢٦٨) وابن أبي عاصم في السنة (٥٨٩) عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد قال سمعت أبا أمامة. وقد رواه أحمد أيضًا (٥/ ٢٥٠) وابن أبي عاصم (٥٨٨) عن صفوان ابن عمرو عن سليم بن عامر الخبائري وأبي اليمان الهوزني عن أبي أمامة الباهلي مرفوعا: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب ". ورواه الترمذي (٢٤٣٧) وابن ماجه (٤٢٨٦) عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني قال سمعت أبا أمامة به. وإسناده صحيح. الحديث ذكره الألباني -﵀- في الصحيحة (٢١٧٩).
(٣) في الأصل: الأنصاري! والتصويب من المصادر.
(٤) حديث صحيح، رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٥١) وفي الأوسط كما في مجمع البحرين (٤٩٠٥) قال حدثنا أحمد بن خليد ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أن أبا =
[ ٦٣١ ]