٥٥٩ - أخرجه أبو بكر بإسناده: عن مَعْقِل بن يَسَار قال قال رسول الله -ﷺ-: "مَنْ اسْتُرْعيَ رعيةً فَغَشَّهَا، لَقي رَبَّه ﷿ وهُوَ عليه غَضْبَان" (^٢).
٥٦٠ - وروى أيضًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "مَنْ لم يَدْع اللهَ تعالى، غَضبَ اللهُ عليه" (^٣).
٥٦١ - وروى أبو بكر الصِّبْغي: عن أبي هريره -﵁- عن النبي -ﷺ- أنَّه قالَ يَومَ أُحُد: "اشْتَد غَضَب اللهِ على قَوْمٍ هَشَمُوا البَيْضَةَ على رَأسِ نبيِّهِم، وهُو يَدْعُوُهم إلى الله" (^٤).
_________________
(١) كتب بمحاذاته: بلغ مقابلة.
(٢) رواه البخاري في الأحكام (١٣/ ٧١٥٠، ٧١٥١) ومسلم في الإيمان (١/ ١٢٥، ١٢٦) وفي الإمارة (٣/ ١٤٦٠) من طرق عن معقل بن يسار -﵁-، لكن بلفظ: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحة، لم يجد رائحة الجنة" وفي رواية: "إلا حرّم الله عليه الجنة".
(٣) حديث حسن، أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٥٨) والترمذي (٣٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٢٧) وأحمد (٢/ ٤٤، ٤٧٧) والطبراني في الدعاء (٢/ ٢٣) من طرق عن أبي المليح عن أبي صالح عن أبي -﵁- مرفوعًا به. وأبو صالح هو الخوزي، لينه بعضهم، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن كثير: وهذا إسناد لا بأس به. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٥٤).
(٤) حديث صحيح، أخرجه بهذا اللفظ البزار (١٧٩٣) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١١٧) وإسناده حسن، وهو كما قال. وأخرجه البخاري في المغازي (٧/ ٣٧٢) ومسلم في الجهاد والسير (٣/ ١٤١٧) بنحوه من حديث عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة به، ولفظه عندهما: "اشتد غضبُ الله على قوم فعلوا بنبيه" -يشير إلى رباعيته- وقال"اشتد غضب الله على رجل يقتله رسولُ -ﷺ- في سبيل الله".
[ ٦٠٨ ]
٥٦٢ - وروى سالم عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ على امرأَةٍ أَلْحَقَتْ وَلَدًا بقَومٍ ليسَ منْهُم، يَشْرُكهُم في أَمْوَالهِمِ، ويَطَّلِعُ على عَوْرَاتهِمِ" (^١).
٥٦٣ - وروى جابر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلى مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا" (^٢).
٥٦٤ - وروى أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "تَدْنوا الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الكَرْبِ والغَمِّ مَا لا يُطيقُون" وذكر الحديث، وقال فيه "فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيقولَون: اشفَعْ لنا إلى ربِّك، فيقول: إنَّ ربِّي قد غَضبَ اليَومَ غَضَبًا لم يَغْضَبْ مِثْلَه قَبْله، ولا يَعْضَب بَعده مِثْلَه" (^٣).
اعلم أنه غير ممتنع وَصْفُه بالغضب.
وقد وَرَدَ بذلك الكتاب، قال تعالى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ [الفتح: ٦] وقال ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] وقال ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وذلك أننا لا نُثْبت غَضَبًا هو بفوار الطَّبْعِ، ولا ضِيقُ الصَّدْرِ،
_________________
(١) ضعيف، رواه الطبراني في الأوسط (٤٦٩٤) والبزار (١٣٨٦) من طريق إبراهيم بن يزيد عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا به. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن موسى إلا إبراهيم بن يزيد .. وقال الهيثمي: وفيه إبراهيم بن يزيد، وهو ضعيف. قلت: وهو الخوزي ضعيف جدًا. والحديث ذكره الألباني -﵀- في الضعيفة (٢٧٨٠).
(٢) لم أجده الآن!
(٣) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦) والبخاري في التفسير (٨/ ٣٩٥ - ٣٩٦) ومسلم في الإيمان (١/ ١٨٤ - ١٨٦). وانظر شرحه في شرح الطحاوية (ص ٢٤١) وما بعدها بشرحنا.
[ ٦٠٩ ]
بل نُطلق هذه الصِّفة كما أطْلَقْنَا وصْفَه بالإرادة، كذلك ها هنا (^١).
فإنْ قيل: معنى الغَضب هو إرادته العُقُوبة لأهلها! (^٢).
قيل: هذا غلط لما بَيَّنَا، وهو أنَّ إرادته قد تَتَضمَّن ما يَقْتَضي الغَضب، وما يَقتضي الرِّضَا، فلا يصح حمله على ذلك.
فأمَّا قوله "اشتد غضبه" فلا يمتنع وصفه بذلك على وجه لا يفضي إلى التَّزايد، لأنَّ صفات الذَّات لا توُصف بالتَّزايد كما قال ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] وقد وصف نفسه بالقوة الشديدة، وإنْ كانت القُوة من صِفَات الذات، وكذلك قوله ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ [البروج: ١٢] فوصفه بالشِّدة.
وقد تأولوا ذلك على أنَّ التَّزايد يرجع إلى الأفعال الصَّادرة عن الإرادة.
وهذا غلط، لما بينَّا أنَّها من صِفات ذَاته.
وكذلك يجوز وصفه بالسُّخْطِ، قال تعالى ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠] وقد تأولوا السُّخْط على نحو تأويلهم الغضب.
* * *
_________________
(١) غضب الله ﵎ من صفات فعله، التي تتعلق بها مشيئته، وهي ثابتة كما قال المصنف بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
(٢) نعم هذا تأويل فاسد! وتفسير للصفة بلازمها، فإن إنزال العقوبة من لوازم غضبه، وليس هو غضبه.
[ ٦١٠ ]
" حَدِيث آخَر يَتَعلَّقُ بالغَضِبِ"
٥٦٥ - أناه أبو محمد الحسن بن محمد قال نا محمد بن عبدالرحمن النصيبي قال نا محمد بن عبد الله الماسرجسي بالموْصِل قال نا محمد بن المسيب قال نا عمار بن محمد قال نا سعيد بن منصور قال نا ابن المبارك عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله ﷿ ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] قال: أَغّضَبُوه حتى عضَّ أنامله (^١).
والذي يدل على أنَّ الغَضَبَ والرِّضَا غير الإرادة، أنَّ الغَضَب معنى يتعلق بالموجود وكذلك الرضا، فأمَّا الإرادة فأنَّها تتعلق بما لم يكن ليكون.
ولأنه لو كان الغضب بمعنى الإرادة، لكان الله يُبْغض أَفعاله! لأنَّ المعاصي خلقه من صفات الفعل، ولأنَّنا نُفَرِّقُ بين كوننا مُبغضين الشيء، وبين كوننا مريدين.
* * *
_________________
(١) لم أجده! والأثر فيه نكارة. أما الآية ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]. فتدل على أن الله تعالى يَغضَب ويُغضَب، فذكر عن فرعون وقومه أنهم أغضبوا الله تعالى فغضب عليهم، ومثلها قوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] وقوله ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]. ففرق سبحانه بين سخطه وإسخاط العباد إياه. وانظر نقض الدارمي (٢/ ٨٦٥ - ٨٦٦).
[ ٦١١ ]