من ذلك إثبات "الصُّورة" بقوله ﵇ "خَلَقَ آدمَ على صورته" (^١) وقوله "رأيتُ ربي في أحسن صورة" (^٢).
"ونَفْسي" بقوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقوله ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] وقوله ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١] وقول -ﷺ- "مَنْ ذَكَرَني في نَفْسِه ذَكَرْتُه في نَفسي" (^٣).
و"وَجْهٌ" بقوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] وقول النبي -ﷺ- في دعائه "أَعوذُ بِوَجهِ اللهِ الكريم" (^٤).
وقوله "لما فُتِحتِ الجَنَّة نَظَرْتُ إلى وَجْهِ ربي". وقوله "أَسألكَ لَذَّةَ النَّظر إلى وَجّهِكَ" وقوله "حِجابه النُّور لو كشفها عن وجهه" (^٥).
_________________
(١) = سلام حدثني عبد الله بن عمار أن قيسًا الكندي حدثه أن أبا سعيد الأنماري -ويقال: أبا سعد- حدثه أن رسول -ﷺ- فذكره. ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٠٩) وقال: ورجاله ثقات. وأورده الحافظ في الإصابة وقال: سنده صحيح. وله طريق آخر عند الطبراني في الكبير، وانظر التعليق عليه (٢٢/ ٢٥١)، ويشهد للحديث ما قبله.
(٢) سبق تخريجه. وسيأتي المصنف بالأحاديث التي ذكرها فيما مضى من كتابه، وسنشير إليها إشارة.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) حديث حسن، رواه أبو داود في الصلاة (٤٦٦) عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو: عن -ﷺ- أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهة الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" فإذا قال ذلك: قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم.
(٦) تقدمت هذه الأحاديث، ص ٢٨٠ وما بعدها.
[ ٦٣٢ ]
و"العَينان" بقوله تعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقوله ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] وقول النبي -ﷺ- "إذا سَجَدَ العَبْدُ فإنه بين عيني الرحمن".
و"السَّمْع" بقوله تعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقوله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] وقوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
وقول النبي -ﷺ- "إنَّ اللهَ سَمِيع" وَوَضَعَ إصْبعه على أُذُنه، إشَارة إلى إثبات السَّمع له (^١).
و"الفي" لحديث: وكيع عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب أنَّه قال: "إذَا سَمِع النَّاس القرآن مِنْ في الرحمن، فكأنهم ما سمعوه" (^٢).
و"الضَّحِك" بقول -ﷺ- "يَتَجَلَّى ضَاحِكًا" و"النَّواجذ" لأنَّهُ مذكور في الخبر (^٣).
و"الفَرَح" وبقوله "اللهُ أفرحُ بتَوبَةِ عبده" (^٤).
و"العجب" بقوله "عَجِبَ رَبُّكم من قُنُوطِ عبادِه".
و"الحَيَاء" بقوله "يستحي أن يُعذِّب" (^٥).
و"الجَمَال" بقوله "جَميل يُحبُّ الجَمال" (^٦).
_________________
(١) تقدم الحديث سابقا في هذا الكتاب.
(٢) أثر مقطوع وإسناده ضعيف. موسى بن عبيدة ضعيف. ولا تثبت هذه الصفة لله تعالى لعدم صحة الخبر فيها.
(٣) تقدم الحديث. أما "النواجذ" فلم يثبت به حديث صحيح.
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.
(٦) تقدم.
[ ٦٣٣ ]
و"اليدان" بقوله تعالى ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقوله ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] وقول النبي -ﷺ- "خَلَقَ آدمَ بيده" "وكتب التَّوارةَ بيده، وغَرسَ شجرة طوبى بيده" وقوله "يَدُ اللهِ على الجَمَاعة" و"يَدُ اللهِ فوق يد المعطي" وقوله "تَقَعُ الصَّدَقة في كَفَّ الرحَمن" (^١).
و"القَبْض والبَسْط" بقول النبي -ﷺ- "قَبَضَ قَبْضَةً في يمينه، فقال للجنَّة ولا أُبالي، وقال للتي في كَفَّه الأُخْرى: في النَّار ولا أُبالي" (^٢).
"واليمين" بقوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] و"الشِّمال" بقول النبي -ﷺ- "إنَّ اللهَ يَطْوي السَّماواتِ بمينه، والأرْضَ بشماله" وقوله "كلْتَا يَديه يمَين" وقوله "لمَّا خَلَقَ آدمَ" وقوله "المقْسِطُونَ يَومَ القيامة عَنْ يمينِ الرَّحْمن" (^٣).
و"الذراع" بقوله في جلد الكافر "بذراع الجبار" وقول ابن عمرو "خلق الملائكة من نور الذراعين" (^٤).
و"السَّاعِدِ" بقوله "سَاعد اللهُ أَشَدُ مِنْ سَاعِدِك".
و"الكَفُّ" بقوله "وضع كفه بين كتفي" (^٥).
وقوله "ما السَّماوات والأرض في كَفِّ الرحمنِ إلا كالخردلة".
_________________
(١) تقدمت هذه الأحاديث، انظر الجزء الأول.
(٢) تقدم.
(٣) تقدمت في أول الكتاب.
(٤) تقدم في.
(٥) تقدم. وانظر فيما سبق حديث "ما التقى صفان قط .. ".
[ ٦٣٤ ]
"والأَنامل" بقوله "فَوَجدتُّ بَرْدَ أَنامله".
و"الأصَابع" بقوله "قَلْبُ العَبد بين إصُبعين" وقوله "يَضَعُ السَّماواتِ على إصُبعِ" (^١).
و"الخنصر" بقوله "لما تجلَّى للجَبَلِ أَظْهرَ طرف الخُنْصر".
و"الصَّدر" بقوله "خَلَقَ الملائكة من نْور الذراعين والصَّدر" (^٢).
و"الاستلقاء" بقوله "لما خلق الخلق استلقى" (^٣).
و"الرجل والقدم" بقوله "يَضَعُ قدمه في النار" وروي "يَضَعُ رجله" وقوله "لما قضَى خلقه استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخُرى" وقوله لداود: "خُذْ بقدمي" وقوله "الكرسي مَوضع القَدَمين" (^٤).
و"الساق" بقوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وقول النبي -ﷺ- "يكشف عن سَاقه" (^٥).
و"الِحقْو" بقوله "تأخُذُ الرحم بحقو الرحمن" (^٦).
و"النُّزُول" بقوله "يَنْزلُ ربُّنا إلى السَّماء الدنيا" (^٧).
و"المشي" بقوله "إذا فَزَعَ من أهلِ الجنَّة والنَّار أقبل يمشي في ظَللٍ من الغمام" (^٨).
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم في أول الكتاب وهو مرسل ضعيف.
(٣) تقدم سابقا وسيكرر ذكره المصنف.
(٤) تقدم سابقا.
(٥) تقدم الحديث.
(٦) تقدم الحديث سابقا.
(٧) تقدم سابقا.
(٨) تقدم سابقا وهو أثر مقطوع.
[ ٦٣٥ ]
و"الحجاب" بقوله "حجابه النُّور" (^١).
و"النَّظر" بقوله تعالى ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] وغير ذلك من الأخبار في إثبات النَّظر.
و"الوطي" بقوله "آخر وطئةٍ وطئها بوجّ" (^٢).
و"القراءة" بقوله "قَرأ طَه ويس" (^٣).
وبما روى في حديث أم الطُّفيل وابن عباس من الصفات التي رآه عليها في ليلة الإسراء.
و"الاستواء على العرش" بقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٤) [يونس: ٣].
و"التَّجلِّي" بقوله "يَتَجَلَّى لَهُم ضَاحِكًا".
و"الفرح والإستبشار" بقوله "الله أَفرحُ بتوبةِ العَبد" وقوله "لاسْتَبْشَارُ اللهِ بتَوبةِ أَحَدِكم أَفْضَل منْ استبشاركم" (^٥).
و"الاسْتْحيَاء" بقوله "إنَّ رَبَّكم حَييّ كريم" (^٦).
و"الصَّبر" بقوله "لا أَحَدَ أَصْبرُ على أذىً يسمعه من الله" (^٧).
_________________
(١) تقدم سابقا.
(٢) تقدم سابقا وهو حديث ضعيف.
(٣) تقدم سابقا وهو حديث ضعيف جدًا.
(٤) انظر (ص ١١٥) وما بعدها.
(٥) تقدمت سابقا.
(٦) تقدم الحديث.
(٧) رواه البخاري في الأدب (١٠/ ٥٥١) وفي التوحيد (١٣/ ٣٦٠). ومسلم في صفات المنافقين (٤/ ٢١٦٠) في حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.
[ ٦٣٦ ]
و"الغَضَب والبُغْض" بقوله "اشتدَّ غَضَبُ اللهِ على قَومٍ هَشَموا البَيْضَةَ على رأس نبيهم" (^١).
و"الإعراض" بقوله "لَقيَ اللهَ وهُو عَنه مُعْرِض" (^٢).
و"المبالاة" بقوله "مَنْ تَشَعَّبتْ عليه الهُمُوم، لم يُبَال اللهِ في أيِّ أَودية الدنيا (^٣) هلك" (^٤).
و"المباهاة" بقوله "يُبَاهي بأهل عرفات".
و"المنَاجَاة" بقوله "إنَّ أحَدَكم إذا قَام يُصلي يُناجي ربَّه" (^٥).
* * *
_________________
(١) حديث حسن، رواه البزار (١٧٩٣ - زوائد) عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا به، وتمامه "وهو يدعوهم إلى الله". ذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ١١٧) وقال: رواه البزار وإسناده حسن. وهو كما قال، من أجل محمد بن عمرو. والحديث أصله في البخاري في الجهاد (٦/ ٩٧، ٩٣) من حديث سهل بن سعد -﵁-.
(٢) تقدم في هذا الجزء.
(٣) سقطت كلمة "الدنيا" من الأصل.
(٤) تقدم قريبا.
(٥) تقدم (ص ٣٩٥).
[ ٦٣٧ ]
فصل
فلما انتهيتُ إلى هذا الموضع من كتابنا، رأيتُ أنْ أذكر من الأسماء والصِّفات التي ذكرها الله تعالى في كتابه، ووصفه بها نبيه.
٢٩٣ - وقد ذَكَرَها أبو بكر أحمد بن محمد الخَلَّال في كتاب "السُّنَّة" بإسناده: عن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "لله تَسْعَة وتُسْعُونَ اسْمًا، مائة اسم إلا وَاحَدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة" (^١).
قال داود بن عمر (^٢): سألنا سفيان بن عيينه أنْ يُملي علينا التِّسعة وتسعين، التي لله ﷿ في القُرآن، فَوَعَدنا أنْ يُخرجها لنا، فلما أبْطَأ علينا أتينا أبا زيد فأملى علينا هذه الأسماء، فأتينا سفيان فَعَرضْناها عليه، فنظر فيها أربع مرات، قال: نعم، هي هذه، فقلنا له: اقرأها علينا، فقرأها سفيان: في "فاتحة الكتاب" خمسة أسماء: يا الله، يا ربِّ، يا رَحمَن، يا رَحيم، يا مَلك.
وفي "البقرة" ستة وعشرون اسمًا: يا مُحِيط، يا قَدِير، يا عَلِيم، يا حَكيم، يا تَوَّاب، يا بَصِير، يا وَاسع، يا بَديع، يا سَمِيع، يا كَافي، يا رؤُف، يا شَاكر، يا إله، يا وَاحِد، يا غَفُور، يا حَليم، يا قَابض، يا بَاسِط، يا لا إله إلا هو!! يا حَيّ، يا قَيُّوم، يا علي، يا عَظيم، يا وَلي، يا غَنِي، يا حَمِيد.
وفي "آل عمران" أربعة أسْماء: يا قَائم، يا واهب، يا سَريع، يا خَبِير.
_________________
(١) رواه البخاري في الشروط (٥/ ٣٥٤) وفي الدعوات (١١/ ٢١٤) وفي التوحيد (١٣/ ٣٧٧) ومسلم في الذكر والدعاء (٤/ ٢٠٦٢) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١٧) وقال: روينا في فوائد تمام من طريق أبي الطاهر ابن السرح عن حبان بن نافع عن سفيان بن عيينة به، لكن ذكره دون حرف النداء في أولها "يا" وفيه اختلاف أيضًا. وهو في الفوائد المطبوع برقم (٦٠٩) بتحقيق الأخ الشيخ حمدي السلفي كما ساقه المؤلف.
[ ٦٣٨ ]
وفي "النِّساء" ستة أَسْماء: يا رَقيب، يا حَسِيب، يا شَهِيد، يا عَفُو، يا مُقِيت، يا وَكيل.
وفي "الأَنْعَام" خمسة أسَّماء: يا فاطر، يا ظاهر، يا قَادر، يا لَطِيف، يا خبير.
وفي "الأعراف" اسمان: يا مُحْي، يا مُمِيت.
وفي "الأنفال" اسمان: يا نِعْم المَوْلىَ، ويا نِعْم النَّصِير.
وفي "هود" سَبْعة أسماء: يا حَفيظ، يا قَرِيب، يا مَجِيد، يا قَويّ، يا مجيب، يا وَدُود، يا فعَّال.
وفي "الرَّعْد" اسْمان: يا كبير، يا متعال.
وفي "إبراهيم" يا منَّان.
وفي "الحجر" يا خلاق.
وفي "الحَج" اسم: يا بَاعِث.
وفي "مَرْيم" اسمان: يا صَادِق، يا وَارِث.
وفي "المؤمنين": يا كريم.
وفي "النُّور" ثلاثة أسماء: يا حَق، يا مُبِين، يا نُور.
وفي "الفُرْقان" يا هادي.
وفي "سَبَأ" يا فتاح.
وفي "المُؤْمِن" أربعة أسماء: يا غَافِر، يا قَابِل، يا شَدِيد، يا ذا الطَّول.
وفي "الذَارِيَات" ثلاثة أسماء: يا رَزَّاق، يا ذا القوة، يا مَتين.
وفي "الطُّوُر" يا بَار.
وفي "اقْتَربَت": يا مقتدر.
وفي "الرحمن" ثلاثة أسماء: يا باقي، يا ذَا الجَلَال، يا ذَا الإكْرَام.
[ ٦٣٩ ]
وفي "الحديد" أربعة أسماء: يا أول، يا آخر، يا ظَاهِر، يا بَاطِن.
وفي "الحَشْر" يا مُتكَبِّر، يا خَالِق، يا بَارئ، يا مُصَوِّر.
وفي "البُروُج" يا مُبْدِئ، يا مُعِيد.
وفي "قل هُوَ اللهُ أَحَد": يا صمد (^١).
ثُمَّ ذكَرَ أبو بكر الخلَّال: ما جَمَعه عبد الله بن أحمد في الأسماء. فنظرتُ فيه فكان فيه زيادة لم تكن فيما رواه سفيان، وهو: يا أول، يا آخر (^٢)، يا مجيب، يا قاهر، يا فاصل، يا فالق، يا رفيع، يا ماجد، يا جواد، يا مدبر، يا أحكم الحاكمين.
٢٩٥ - وقد ذكر أبو بكر النَّقَّاش في كتاب "تفسير الأَسْمَاء والصِّفَات": عن جعفر بن محمد رضوان الله عليه: إنَّ للهِ ثَلثُمائة وسِتِّينَ اسمًا.
وروي عن غيره: مائة وأربع عشرة اسمًا.
فإنْ صَحَّ ذلك عنهم، فإنَّما وَجَدوا في القرآن أسماءً متكررة فعدُّوها على تكريرها، والمعول في ذلك على ما ورد به الخبر الصحيح عن النبي -﵇- (^٣).
_________________
(١) وفي بعض ما تقدم من الأسماء نظر! لأنه إنما ورد في الكتاب الكريم صفة وليس إسمًا فتنبه! وقد وفقنا الله الكريم بفضله لكتابة بحث موسع في الأسماء الحسنى باسم "النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى" وطبع بمكتبة الإمام الذهبي - الكويت. وقد ذكرنا فيه ما ثبت من الأسماء الحسنى في الكتاب والسنة الصحيحة، فراجعه إن شئت.
(٢) كذا! مع أن الأول والآخر، ذكرا في الرواية عن سفيان.
(٣) ليس المراد من قوله -﵁-: "لله تسعة وتسعون اسمًا" حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد، لكن المراد أن من أحصى لله تعالى هذا العدد، دخل به الجنة. وعلى هذا عامة أهل العلم، بل نقل النووي -﵀- اتفاق العلماء عليه. والذي يدل على صحة ذلك، حديث ابن مسعود -﵁- عن -ﷺ-: " … أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك … " رواه أحمد (١/ ٣٩١، ٤٥٢) وغيره. =
[ ٦٤٠ ]
فأمَّا وَصْفه تعالى "يا الله" فهو اسم من أسمائه، وهو اسم عَلَم لم يجب لأَمرِ اقتضاه الفعل، كالخَالِقِ والرَّازِق (^١)، ولا هو مُشْتَق من صِفَةٍ كالعالم والقادر، وهو اسم موضع غير مُشتّقٍ ولا مُشْتَرَك، لم يَتَسَمَّ به أَحَد، وهو كأسماء الأَعْلَام في الآدميين كزيد وعمر (^٢).
وهو أشْرفُ الأسماء وأعظمها، لأنَّ سائر الأسماء (^٣) تابعة له، قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقال النبي -ﷺ- "لله تسعة وتسعون اسمًا" وقوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] قيل في التفسير: لم يَتَسمَّ به أحد (^٤).
وافتتح بهذا الاسم الأذَان والإقامة والصَّلَوات والاسْتعاذة والتَّكبيرات والشهادات، وكلُّ الطَّاعَات.
ولأنَّ الإشارة إليه في الإقرار بالتوحيد، لقوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ
_________________
(١) = وقوله -﵁-: " … لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" رواه مسلم (٤٨٦). وغير ذلك من الأدلة، انظر مقدمة كتابنا "النهج الأسمى" (١/ ٤٩ - ٥٢).
(٢) أي هو من أسماء الذات، لا من أسماء الأفعال.
(٣) الصحيح أن اسم "الله" تعالى مشتق من "الإله" وهو المعبود، وهو ما اختاره الإمام ابن القيم وغيره من اللغوين. وهو اسم الله الأعظم على الصحيح، ولم ينتحلة أحد، ولم يطلق على غير الله ﷾. انظر كتابنا السابق (١/ ٦٣ - ٧٢) سيأتي تقرير المصنف لذلك.
(٤) "قوله: الأشياء رسمه في الأصل محتمل لما هنا، ولأن يكون الأسماء وهو أولى" علقه الناسخ، والصواب هو الأسماء لا غير.
(٥) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (هل تعلم له سميا) هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا. وقال عكرمة عنه: ليس أحد يسمى الرحمن غيره ﵎، كما في تفسير ابن كثير (التهذيب ٣/ ١١٠).
[ ٦٤١ ]
الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] وقوله ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (^١) أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧] ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩] (^٢).
٢٩٧ - وحكى أبو بكر النَّقَّاش: عن وكيع بن الجراح: رأَيتُ رجلًا في المنام له جَنَاحان، فقلت من أنت؟ قال: مَلَك، قلت: ما اسم الله الأعظم؟ قال: الله، قلت: وما بَيَان ذلك؟ قال: قوله لموسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] ولو كان له اسم أعظم منه، قاله ﵎.
٢٩٨ - ورأيتُ في جُزء عَتيقٍ حديثًا مُسْنَدًا: عن الحسن عن جابر بن زيد قال: اسمُ اللهِ ﷿ الأعظم، هو "الله" ألَمْ تَرَ أنَّ الله ﷿ يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
٢٩٩ - وقد قال أحمد في رواية عبد الله فيما خَرَّجَه في "الرَّدُّ على الجهمية": الله هو الله، ليس باسم إنَّما الأسماء كلّ شيءٍ سوى الله، لأنَّ الله
_________________
(١) سقط من الأصل: من.
(٢) في الأصل (سيقولون الله) في الآيتين وهي قراءة أبي عمرو، وقرأهما الباقون "لله" انظر الكشف عن وجود القراءات لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٣٠).
[ ٦٤٢ ]
يقول ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] (^١).
وظاهر هذا أنَّ أحمد منع أنْ تكون هذه الصفة اسمًا، وليس هذا على ظاهره، ومعناه ليس باسمٍ يرجع إلى الصفات، كالعَالم والقادر والحي، وإنما هو اسم يرجع إلى مُجَرَّد الذَّات، لا إلى معنى، فهو كقولنا: موجود وذات ونفس وقديم، لأنَّه قد روي عنه في موضع آخر أنه اسم (^٢).
٣٠٠ - فقال في رواية الميمون: من قال أسماء اللهِ مُحْدَثَة فهو كافر، ثم قال: اللُه من أسمائه، فمن قال: إنَّها مُحْدَثه، فقد زَعَمَ أنَّ الله مخلوق.
فقد صرَّح بأنَّه اسم.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "رَبُّ" فقيل معناه: سَيِّد، وقيل معناه: أنَّه المَالِكُ، ولذلك يُقال: ربُّ العَبْدِ وربُّ الربع، بمعنى أنَّه مالك لهما (^٣).
وهو تعالى لم يَزَلْ رَبًّا مالكًا، وإنَّما لم نقل في غير الله سبحانه بأنَّه رَبّ على الإطلاق، لأنَّ عُرْفَ الشَّرعِ واللغَةِ غَلَبَ في الاستعمال أنَّه المالك لجميع الأعيان والأَجناس، دون مالك بَعضها، فلا يُقال: زيد ربّ، حتى يُقَيَّد فيقول: رب العَبْدِ والثَّوب (^٤).
وأما وصفه تعالى "بالرَّحْمن الرحيم" فقيل: هي النِّعْمة والإحسان، وقيل هي: إرادةُ الإنْعام بالنفع! ألا تَرَى أنْك تَقول: رحمت زيدًا، إذا أردت نفعه
_________________
(١) الرد على الجهمية (٣١٦) ط - غراس. وتمام كلامه: ولا يجوز أن يكون اسم لإسم. وهذا من الإمام أحمد -﵀- إنكار على الجهمية الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة، ويقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق! وانظر كتابنا النهج (١/ ٢٤ - ٣٢).
(٢) وهذا بناء على اختيار المصنف أن "الله" اسم غير مشتق بل اسم علم!
(٣) ويأتي بمعنى المصلح للشيء. انظر كتابنا النهج (١/ ٤٠٦).
(٤) انظر المصدر السابق.
[ ٦٤٣ ]
والدفع عنه، وإنْ لم تتمكن من ذلك، وقد يفعل الإنعام كارهًا ولا يُسَمَّى رحيمًا، فعلم أنَّ ذلك إرادة الإنعام، وحمله على النعمة والإحسان أولى، لأنه هو أظهر فى اللغة.
ومن قولهم في المطر: رحمة، وكذلك كل نعمة (^١).
وأما وصفه تعالى بأنَّه مَلِك ومالك وسُلْطان، معناه: أنَه ذو مُلْكٍ وسلطان وقُدرة يُقَدِّر بها على الأشياء، وعلى هذا وصفه نفسه سبحانه بأنه مَلِك ومَالكُ يومِ الدِّين، وإنْ كان ذلك اليوم مَعْدومًا في الأزل، وإنَّما المراد به قادر عليه وعلى إقامته (^٢).
ويجب على هذا الأصل أنَّه لا يملك المالك منّا، ويوصف بأنَّه يملك الشيء إلا في حال حُدُوثه، لأنَّها حال قدرته عليه، ويجب على هذا أنْ يقال: إنَّ القديم قادر على العَالَم والأجسام الباقية، وإنْ اسْتَحَال حُدُوثها، على معنى أنَّه قَادِر على تَحريكها وتسكينها، وجمعها وتفريقها، وتغيير هيئاتها وصفاتها، لا على معنى صحة إحداثه لها في حال بقائها.
ويجب على هذا أنْ يكون معنى قولنا: إنَّ الإنسان يملك الدار والعبد والأَمَة مجازًا، ومعناه أنَّه يملك التَّصرف في ذلك، والاستمتاع والإنتفاع
_________________
(١) هذا التأويل غريب وعجيب من المصنف! وعلى خلاف عادته! لأنه قول المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأشباههم، ممن انحرف في صفات الله تعالى وحرّف معانيها! والحق: أن "الرحمة" من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة وهي صفة كمال لائقة بذاته كسائر صفاته العليا. انظر تفصيل الرد على ذلك في كتابنا النهج (١/ ٨٠) وما بعدها.
(٢) أما اسمه "الملك" و"المالك" فقد ثبتا في الكتاب والسنة النبوية. والملك بالضم هو السلطان والقدرة على التصرف به، أما "السلطان" فليس من الأسماء الثابتة، إنما هو معنى الملك كما ذكرنا. انظر كتابنا (١/ ٩٥).
[ ٦٤٤ ]
به، دون ذات الجسم الذي لا يقدر عليه (^١).
وإنَّما مَنَعَ من وَصْفِ البهائم بأنها مالكة، وانْ كانت قادرة على التصرف، لأجل السَّمع، وإلا فاللغة لا تمنع من ذلك، لأنَّ معناه في اللغة: القَادر على الشيء، ولا يمتنع أن يُقصرَ على قادرٍ دون قادر، كما قَصَرُوا: أبْلَق وأَدْهَم على بعض من له الصفة المُستفادة بهذا القول دون بعض.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مُحِيط ومُحْصي" بمعنى أنَّه عالم، فيقال: لم يَزَلْ مُحيطًا مُحْصِيًا، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٧] وقوله ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩] وقوله ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٤] وقد تكون الإحاطة بمعنى الإحتواء على الشيء مِنْ جِهَاتِهِ، وذلك ممتنع في صفاته (^٢).
وأما وصفه تعالى بأنه "قَدير" فمعناه المبالغة في القدرة، وكذلك قولنا "مُقْتَدِر" وأصل هذا أنَّه: قادر، ومعناه: أنَّه قادر على الفِعل، ومُتَمكِّن من
_________________
(١) الملك الحقيقي لله وحده، لا يشركه فيه أحد، وكل من ملك شيئًا فإنما هو بتمليك الله تعالى له، قال -ﷺ-: "لا مالك إلا الله" وفي رواية: "لا ملك إلا الله" رواه مسلم (٢١٤٣) من حديث أبي هريرة -﵁-. والمالك هو من يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه. وإنما أضاف الملك ليوم الدين، لأن في ذلك اليوم يظهر للخلق تمام ملكه وعدله، وتنقطع أملاك الخلائق فيه، ويخضعون فيه لربهم ويذعنون.
(٢) أما أسمه تعالى "المحيط" فثابت في القرآن الكريم، كما ساق المصنف بعض الآيات التي ورد فيها الاسم. ومعناه: المحيط بكل شيء من خلقه، علمًا وقدرة ورحمة وقهرًا، وأما "المحصي" فلم يثبت في القرآن ولا السنة الصحيحة بصيغه الإسم، وإنما ورد فعلًا، ومعلوم أن القاعدة عند أهل السنة: ألا يشتق لله تعالى الأسماء من الصفات.
[ ٦٤٥ ]
إيقاعِهِ، وأَنَّه لم يزلْ قادرًا بقدرةٍ قديمة، صفة قائمة به، يَقْدرُ بها على المَقْدُورَات، ويخترع المخترعات، وهي شَاملة كل مقدور (^١).
وكذلك وصفه بأنه: قَاهِر ومُقْتَدر وجَبَّار ومُتَجبَّر وعَزِيز وكَريم، لأنَّ العَزيز مَأْخُوذ من العلوِ، ومنه قولهم: خَيَل عَزيز، وفَرَس عزيز، إذا كان عاليًا ممتنعًا (^٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "عليم وعالم" فمعناه أنَّه ذو علم، فكل عالم فهو ذُو عِلمٍ، وكل ذي علمٍ فهو عَالِم، وقد يُوصف تعالى بأنَّه عَارِف ومتبين! وخبير (^٣).
وقد وصف نفسه بذلك في كثير من الآيات، لأنَّ ذلك يعود إلى معنى واحد، وهو عالم، وقد يوصف بأنَّه دَرَى وداري، لأنَّه بمعنى عالم، وقد قال الشاعر:
اللَّهُمَّ لا أَدْري وأَنْتَ الدَّارِي
وأمَّا وَصفُه تعالى بأنَّه "حكيم" فقد قيل فيه المراد به: عَالِم، ومن قوله تعالى ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] وقولهم: فلان قد أحكم الفِقْه والصَّنعة، إذا عَلِم ذلك، وقيل معناه: محكم الفعل، وإحكَامِه له هو: إيقاعه له بحسب قصده وإرادته من غير تفاوت، ومنه قولهم: أحكَمَ مُراده وما قَصَدَ له، وأحكم فلان بِنَاءه، إذا فعله مُحْكَمًا مُتْقَنًا، وهذا أَشبه بظاهر اللغة (^٤).
_________________
(١) وقد ورد اسم القدير في القرآن خمسًا وأربعين مرة، وأما "القادر" فقد ورد اثنتي عشرة مرة. ومعنى هذه الأسماء يرجع إلى كمال القدرة، التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
(٢) راجع معاني هذه الأسماء في كتابنا مفصلًا إلا "المتجبر" فلم يثبت!
(٣) العليم والعالم ﷾ الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والعالم العلوي والسفلي والماضي والحاضر والمستقبل، لا يخفى عليه شيء. انظر النهج (١/ ٢١٣ - ٢٢٣). أما العارف والمتبين، ففي ثبوتهما نظر!
(٤) "الحكيم" سبحانه الذي يضع الأشياء في مواضعها بحكمته، ويكون في القول والفعل. ولا تكون الحكمة إلا عن علم وخبرة. انظر النهج (١/ ٢١٤ - ٢٥٨).
[ ٦٤٦ ]
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "تَوَّاب" فهو مأخوذ من كَثْرةِ التَّوبة، التي هي الصَّفح عن الذُّنُوب والرحمة، ومن قوله تعالى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] (^١).
وأمَّا وَصْفه تعالى بأنه "بَصِير" معناه: أنَّه رائي مُدْرِك للمدْرَكات، وسائر الموجودات، بإدراكٍ يزيد على الصِّفة التي هي "العلم" وأنَّ له بَصرًا لو كانت المدركات موجودة، لكان مُدْرِكًا مُبْصِرًا لها به (^٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "وَاسِع" فمعناه موسع على خلقه في العطاء والإحسان، وسعة الرحمة (^٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "بَدِيع" فالمراد به: الخَلْق، ومعناه: ابْتَدَعَ الخَلْقَ، كما قالوا: سميع، ومعناه مُسْمِع، ومنه قوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٠١] معناه: خالقها ومبتديها، والإبْداع معناه: إخراج الشيء من العَدَم إلى الوُجُود بلا مثال (^٤).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "سميع" فقيل معناه: العِلْمُ بالمُدْرَكِ، وطريق إلى العلم بالمدرك.
وكذلك "البَصِير" لا يَغيب عنه شيء (^٥).
_________________
(١) انظر النهج (٢/ ١٨١).
(٢) "البصير" سبحانه الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر. والبصير أيضًا: ذو البصيرة والخبرة. انظر النهج (١/ ٢٣٥).
(٣) ومن معاني "الواسع": والواسع الصفات، بحيث لا يحصي أحد الثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. وهو أيضًا: واسع الملك والسلطان. انظر النهج (١/ ٤٠١).
(٤) انظر النهج (٢/ ٢٧٩).
(٥) تفسير السمع بالعلم، تأويل غير مقبول عند أهل السنة، بل هو قول المعتزلة! ولعل ذلك سبب تصدير المؤلف له بقوله: فقيل، والصواب أن "السميع" من السمع، فهو سبحانه =
[ ٦٤٧ ]
وأمَّا وَصفُه تعالى بأنَّه "كافي" فمعناه: يكفي عباده، بمعنى يُغِيثُهم إذَا اسْتَغَاثُوا به (^١).
وكذلك "النصَّير" ينصر عباده، ومنه قوله تعالى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (^٢).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "رؤوف" فهو راجع إلى معنى رحيم، وهو مأخوذ من الرَّأفة والرحمة.
قال جرير:
نَرىَ للمُسْلِمينَ عَليكَ حَقًّا … كَفِعل الوَالِدِ الرَّؤوف الرحيم (^٣)
وفي معناه: الحَنَان، معناه الرحمة (^٤) قال تعالى ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] أيْ: رحمة (^٥).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "شَاكر وشَكُوْر"، فقيل معناه: يُجازي عباده على شكرهم له، فيسمى جزاءه للشِّكر شكرًا، لأنَّ جَزاء الشيء قد يسمى بإسمه، كما قال ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وقيل: لما جَازَى على القليل من الطَّاعة، بكثير من الثَّواب، سُمِّيَ شَكُورًا، ومنه قولهم: دَابَّة شكُور، إذَا كانت تُظْهر مِنَ السَّمَنِ فوق ما تُعطى من العَلَف (^٦).
_________________
(١) = الذي يسمع السر والنجوى من أقوال عباده، وأصواتهم وحركاتهم، ويأتي السميع بمعنى: المجيب لعباده إذا توجهوا له بالدعاء. انظر النهج (١/ ٢٢٥ - ٢٣٣).
(٢) "الكافي" سبحانه الذي يكفي عبادة رزقًا وقوتًا وحفظًا ونصرًا. انظر النهج (٢/ ٣٦١ - ٣٦٤).
(٣) انظر النهج (٢/ ٢٣٢).
(٤) الرأفة أشد الرحمة. وانظر بعض الفروق بينها وبين الرحمة، النهج (٢/ ٢١٥).
(٥) لعله: ذو الرحمة، علقه الناسخ.
(٦) اسم "الحنان" من الحنان والرحمة. انظر النهج (٣/ ٧٥) وما بعدها.
(٧) الشكور سبحانه هو الذي يشكر القليل من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، ويضاعف لعباده العمل. =
[ ٦٤٨ ]
وأمَّا وَصْف بأنَّه "وَاحِد" فمعناه: الذي لا شريكَ له، القهار ويقهر كل جَبَّارٍ، والأَحَد والواحد بمعنى واحد، وقيل: معناه شيء، وكل شيءٍ واحد، وكل واحدٍ شيء، فإذا قيل للجملة إنَّها واحدة، فإنه يُقَّدر فيها حكم الواحد الذي لا ينقسم (^١).
وقيل: المراد به نفي النَّظير، كقولهم فلان واحد زمانه.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "غَفُور" فمعناه: أنَّه لم يَفعل بالعُصَاةِ من عباده ما يَسْتَحقُون باجْرَامِهِم. وكذلك وَصْفُه بأنَّه "غَافِر وغَفَّار ومُحْيِط ومُكَفِّر للعِقَاب وحَلَيم" معناه ما ذكرنا.
وقيل أصل الغَفْر: السِّتر، ولهذا سُمِّيَ جُنَّةُ الرأسِ مِغْفَرًا، لأنَّها تَغفر الرأسَ، أي تَستره (^٢).
ولا يجوز وصفه بالكفِّ عن العِقاب، لأنَّ ذلك إنَّما يُستعمل فيمن يكفُّ نَفْسه عما تدعوه إليه وتشتهيه، وذلك مُحَال في صفته، ولكن يُوصفُ بالتَّرك (^٣).
وقيل: معنى "غفور" أنَّه يَستر الذُّنوب على عبَاده ولا يكشفها.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "حَلِيم" أنَّه لم يَفعل المستحق من العِقاب، أوْ مَا يليق ذلك عنده من الأفعال التي قد أَجْرَى العَادَة بأنْ يفعل عندها الالآم. ولا خلاف أنه حليم عن الكُفار والعُصاه في الدنيا، وإنْ لم يَفْعل فيهم ما
_________________
(١) = انظر النهج (١/ ٢٨٩ - ٢٩٤).
(٢) قال الزجاج: الواحد: وضع الكلمة في اللغة إنما هو للشيء الذي ليس باثنين ولا أكثر منهما. وقال: الأحد، قال أهل العربية: أصله وحد. انظر النهج (٢/ ٨٣ - ٨٤).
(٣) وغفر الله له ذنوبه: أي سترها كما سيأتي، وقد سمى الله تعالى نفسه بالغفور في إحدى وتسعين آية. انظر النهج (١/ ١٧٥) وما بعدها.
(٤) هذا اللازم فيه نظر! وقد ورد في الحديث: "إني حرمت الظلم على نفسي" والتحريم هو المنع.
[ ٦٤٩ ]
يُضَاد عِقابه لهم، وانتقامه منهم، وليس يمتنع وصفه بأنَّه حليم عمن يُعاقبه في الآخرة، على معنى أنَّه أخَّرَ ما كان له تقديمه من العقاب، كما يقال ذلك فيه لو تركه جملة (^١).
وقد قيل: لا يجوز وصفه بأنَّه "صَبُور" كما جاز وصفه بأنَّه حليم، لأنَّ صَبور هو الذي يَصبر لما يَلْحَقه ويناله من المكارهِ والمَضَار المؤلمة، فيصبر لها ولا يجزع عند نزولها، وقد جاء في الحديث ما يدل على جواز وصفه بذلك فقال: "لا أَحَدَ أَصْبَرُ على أذىً يَسمعه من الله" (^٢).
وأمَّا وصفه بأنه "قابض" قيل معناه: المُضَيِّق على من يشاء أنْ يُضيق عليه في رِزْقٍ وغيره، والمانع له، ومنه قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (^٣) ويحتمل أنْ يكون معناه: قابضُ الأَرْواح، ومنه قوله تعالى ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾ [الفرقان: ٤٦].
وأما وصفه بأنَّه "بَاسِط"معناه: الموسع عطاياه، والبسط هو التوسيع (^٤)، ومنه قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦] (^٥).
_________________
(١) الحليم سبحانه الذي يحلم عن عقوبة العاصين، ويمهلهم كي يتوبوا، وينعم عليهم مع كثرة ذنوبهم. انظر النهج (١/ ٢٧٣ - ٢٧٦).
(٢) لم يثبت الحديث الوارد باسمه "الصبور". لكن وصف الله تعالى بالصبر ثابت بالحديث الذي ذكره المصنف، وهو في البخاري وغيره.
(٣) ورد اسمه "القابض الباسط" في الحديث الصحيح: "إن الله هو الخالق القابض الباسط، الرازق المسعر … " رواه أحمد (٣/ ١٥٦، ٢٨٦) وأبو داود (٣٤٥١) والترمذي (١٣١٤) وابن ماجه (٢٢٠٠) وغيرهم من حديث أنس -﵁-. انظر النهج (٣/ ١٢١) وما بعدها.
(٤) في الأصل: التوسع، علقه الناسخ.
(٥) انظر ما سبق.
[ ٦٥٠ ]
وأما وصفه تعالى بأنه "لَا إلهَ إلَّا هو" فمعناه: نفي الإلهية لغيره، وقد قيل في الإله: أنَّه الغالبُ الذي ليس بمغلوبٍ، والقَاهر الذي ليس بمقهور، النافذ الإرادة في جميع مُرَاداتِهِ، حتى لا يُريد شيئًا إلا كان، ولا يكون إلا بإرادته الذي لا ضِدّ لَه يغالبه، وهو الذي عَنَاه بقوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي مُتَغَالِبَين ومختلفين (^١).
وقيل: إنَّه مأخوذ من التَّوحيد والتَّفرد في الأَزَل بصفاته التي بَانَ بها، وكونه في القِدَم بصفاته لا مُشَارَكَ له فيها، مِنْ قولهم: فلان قد تألَّه، إذا كان مُنفردًا بالعبادة، ومنقطعًا بها عن الخلق (^٢).
وقيل: هو مأخُوذ من الإحتجاب، ومنه قول الشَّاعِر:
لاهَتْ فما عُرِفَتْ يَومًا بخارجة … يَا لَيْتَها خَرَجَتْ حتَّى رأَيْنَاهَا
وقيل: معنى "إله" مأخوذ من وَله العِبَادُ إليه في الحَوَائج والنَّوازل إليه، منه قول -ﷺ-: "لا تُولَّهُ وَالدِة عَلى وَلَدِها" (^٣) أي: لا يُفرق بينهما فتخرج الوالدة
_________________
(١) هذا كله من دلائل الإله الحق، الذي لا يمانع ولا يغالب، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾. أما معنى "الإله" فهو ما سيسوقه المصنف الآن.
(٢) نظر النهج (١/ ٧١ - ٧٢).
(٣) حديث ضعيف، رواه البيهقي (٨/ ٥) عن ابن شعيب أخبرني ابن لهيعة الحضرمي عن عمر ابن عبد الله مولى غفرة أنه أخبره عن زيد بن إسحاق بن جارية الأنصاري أنه أخبره أن عمر ابن الخطاب -﵁- حين خاصم إلى أبي بكر -﵁- في ابنه فقضى به أبو بكر -﵁- لأمه، ثم قال سمعت رسول -ﷺ- يقول فذكره. وهذا إسناد ضعيف، عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال أحمد: ليس به بأس لكن أكثر حديثه مراسيل. وضعفه ابن معين والنسائي. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف وكان كثير الإرسال. وفيه أيضًا: ابن لهيعة مختلط، والراوي عنه غير العبادلة وأشباههم. =
[ ٦٥١ ]
لفِرَاق ولدها.
وإذا كان مَأخوذًا من هذا، كان موصوفًا بأنَّه إله بعد أَنْ لم يُوصف بذلك ومُستَحقًا له عند وَلَهِ العِبادِ إليه (^١).
وأَمَّا وَصْفُه تعالى بأنه "حَيّ" معناه: أنَّ له حياة، وهو الذي: يَصح أنْ يَعْلَم ويَقْدِر.
ولا يجوز تفسيره بأنَّه ليس بميتٍ، لأنَّه قد يَشْترك الحيَّ في نفي الموتِ عنه ما ليس بحي، وهي الجَمَاَدَات ليست بأموات، كما أنَّ الحي ليس بميت.
وقد وَصَفَ الله تعالى نفسه بالحياة فقال ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر: ٦٥] وقيل معناه: الدائم الذي لا يفنى (^٢).
وأمَّا وصفه بأنه "قَيُّوم وقَيَّام" فيحتمل أنْ يكونَ معناه: دائم الوُجُود والبقاء، ويحتمل أنْ يكون معنى قيوم وقيام بمصَالح خَلْقِهِ وما يحتاجون إليه، كما يُقال: فلان قائم بهذا الأمر، أيْ مُدَبِّر له، ولا يجوز أنْ يُوصَفَ بالقيام الذي هو الانتصاب وضد القُعُود، والتحرك في جهةٍ مخصوصة (^٣).
وأما وَصفُه تعالى بأنه "عَليّ ومُتَعال" قيل معناه: الرفيع فوق كلِّ شيء، ولا
_________________
(١) = وللحديث طريق آخر عن أنس -﵁-: أخرجها الديلمي. وفيها: مبشر بن عبيد، قال الحافظ: متروك، ورماه أحمد بالوضع، كما في الضعيفة للألباني (٤٧٩٧).
(٢) هذا القول ليس بصحيح!! فإن الله تعالى موصوف بصفاته منذ الأزل، كما قال أهل السنة والجماعة قال الإمام الطحاوي ﵀: "ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليًا، كذلك لا يزال عليها أبديًا .. " وقد سبق التنبيه عليه. وانظر الطحاوية (ص ٧٨ - ٨٩) بشرحنا، ومقالات الإسلاميين (ص ١٨٦ - ١٨٧).
(٣) انظر النهج الأسمى (٢/ ٦٧ - ٧١).
(٤) انظر النهج (٢/ ٧٣ - ٨٢). وأما قوله: ولا يجوز وصفه بالقيام الذي هو الانتصاب … إلخ فينبغي الإعراض عنه، لأنه نفي لم ترد به النصوص الشرعية.
[ ٦٥٢ ]
يعلوه شيء، لا على وَجْه المساحة والمكان، لأنَّ ذلك يُفضي إلى تحديد، والمحدُود يقتضي حَادًّا هو حدّه.
وقيل: معناه مُتَعال عن الأدْناس والعَيوب والدناءة.
وقيل: استحقاقه لصفات الكمال، من العلم الشَّامل، والقُدرة الكاملة، والإرادة النافذة، والمشيئة الجارية، لا يعجزه شيء (^١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "عَظِيم ومُتَعَظِّم" فمعناه كل شيءٍ دُونه، وقد يُستعمل ذلك فيمن تَعظَّم شأنه بالقَدْرِ والمنزلة، كما يقال: عظيم المنزلة، لشرفه وعلوه، ونفاذ أَمره، وهذه صفاته سبحانه، وقد يكون معناه: عَظيم عن الأَدْناس والتناقص (^٢).
وأما وصفه تعالى "بأنَّه "وَليّ" فقيل معناه: النَّاصر، فهو ولي المؤْمِنينَ بمعنى ناصرهم بفعل أَنواع اللطفِ والتَّوفيق.
وقيل معناه: القيام بأمور الخلق، المدبر لها، فعلى هذا هو ولي جميع الخلق، مُؤمنهم وكافرهم (^٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "غَني" فقيل معناه: انتفاء الحاجة عنه التي هي ضد الغنى، وقيل معناه: القادر على كل شيء مقدور، النافذ لإرادته في كلِّ مُراد، والأول أولى، لأنه قد يقدر على تنفيذ مُراده من هو محتاج إليه،
_________________
(١) العلي الأعلى سبحانه، هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر للمخلوقات. قال ابن القيم في النونية (٢/ ٢١٤): وهو العلي فكل أنواع العلو … له فثابتة له بلا نكران وأما قوله: "لا على وجه المساحة والمكان … " فقد أعرض عنه السلف، لأنه لم تأت به النصوص، فالواجب الإعراض عنه.
(٢) انظر النهج (١/ ٢٨١ - ٢٨٧).
(٣) و"الولي" سبحانه أيضًا: هو المحب، والقريب. انظر النهج (٢/ ٤٣ - ٤٧).
[ ٦٥٣ ]
غير مُسْتغنٍ عنه (^١).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "حميد" قيل معناه: المحمود، كما يُقال: قتيل بمعنى مَقتول، وحمْدُ الله هو الثَّنَاء عليه بصفَاتِهِ الحُسْنَى، والثناء عليه بنعمه (^٢).
وفي معناه "مَجِيد" والمجْدُ الجَلَالة والعَظَمة والشَّرف، وقيل معناه: حمده وثناؤه على نفسه بصفاته العُلَى، وعلى أوليائِهِ من المؤمنين (^٣).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "وَاهِب وَوَهَّاب" معناه: يَهَبُ حقْه، ويترك على عباده ما وَجَبَ له، وينعم عليهم، وهو الغالب في الاستعمال.
ويحتمل أن يكون بمعنى الحاكم للعبد بملك الشيء وجعله له، فيكون مخبرًا بذلك (^٤).
وأما وصفه تعالى بأنه "سريع" فيحتمل أن يكون معناه: أنَّه لا تَعْسر عليه الأشياء، ولا يحتاج فيها إلى تَكلف، ومنه قوله تعالى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] (^٥).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "خبير" فقيل: إنَّه بمعنى عليم، وهو الأظهر في الاستعمال من قولهم: الله أخْبَرُ بعباده، أي: أعلم بهم، وفلان خبير بأمري، وقولهم: سألت خبيرًا، يعنون: سألت عليمًا، وذلك يعود إلى عالم.
_________________
(١) انظر النهج (٢/ ٢٢٨ - ٢٣١). والقول الثاني قال بنحوه الزجاج.
(٢) الحميد سبحانه في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرعه وقدره. انظر النهج (٢/ ٥٦ - ٥٨).
(٣) أصل المجد: الكثرة والسعة. "والمجيد" سبحانه: الواسع المد والثناء، على جميع أسمائه وصفاته وأقواله وأفعاله. انظر النهج (/ ٤٣١ - ٤٣٣).
(٤) "الوهاب" سبحانه الكثير المواهب، المنعم على خلقه بأنواع النعم والهبات. انظر النهج (١/ ١٨٧ - ١٨٩).
(٥) قال البغوي في تفسيره (١/ ٢٣٣): ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يعني: إذا حاسب فحسابه سريع، لا يحتاج إلى عقد يدٍ، ولا وعي صدر، ولا إلى روية ولا فكر.
[ ٦٥٤ ]
وقيل المرادُ به: مخبر فيكون بمعنى خَابر، كما يقولون. فقيل بمعنى فاعل فيفيد الخبر منه (^١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "رقيب" فقيل معناه: هو الحافظ، و"الحَفيظ" مثله، وقيل في الحفيظ: المُحَاسِب.
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأَنَّه "حَسيب" فقيل فيه: أنَّه محاسب لخلقه، وحسابه لهم على وجهين:
أحدهما: أَنْ يكون بالكلام وتعريفهم قدر أعمالهم.
والثاني: أنْ تكون المحاسبة لهم نفس الجزاء على قدر أعمالهم، بضَرب من أفعال وأقوال الملائكة، وقد قال تعالى ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦] يعني جَزَاء (^٢).
وقد يكون "محاسبًا" بمعنى مُحْصِي وعاد، وذلك رجع إلى كونه عالمًا، وهذا قوله تعالى ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٤].
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "شَهيد" معناه: يشهد كل شيءٍ، لا يَغيب عنه، ونشهد أنَّه الواحد، وأنَّ محمدًا رسوله، كما قال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] ولأنَ معناه عالم، وإنْ كانَ في أصل الوَضْع لإفَادة الرُؤْية للشيء، وقد قال تعالى ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] وقال ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] معناه: يَعْلم كذبهم، فكأنَّه يَسْتُر دونهم (^٣).
_________________
(١) انظر النهج الأسمى (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٢) في "الحسيب" معنيان: أنه الكافي، من قولك: حسبي الله. والثاني: أنه المحاسب والمحصي. انظر النهج (١/ ٣٦٤ - ٣٦٧).
(٣) انظر النهج (١/ ٤٤٠ - ٤٤٢).
[ ٦٥٥ ]
وأما وَصْفُه تعالى بأنَّه "عَفُوّ" قيل معناه: السِّتْرُ والدَرْسُ، قال لبيد:
عفتِ الديارُ محلُّها فمُقامُهَا … بمنَى تأبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا
معناه: دَرَسَتْ (^١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مُقيت" في قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] فقيل معناه: القادر على كل شيء، قال الشاعر:
وَذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النفس عنه … وكُنْتُ عَلى مَسَاءته مُقيتًا
أي: قادرًا، وقيل معناه: الشَّاهد بمعنى رائي وعالم، وقيل: معناه القائم بأقواتِ الخلق، والمُنشئ لها (^٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "وكيل" معناه: الحافظ القائم بالأمر، ومن قوله تعالى ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] معناه: الكافي، وقيل معناه: موكول إليه، لأنَّ فعيل بمعنى مفعول (^٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "فاطر" فهو الخالق المبتدئ، لقوله ﴿فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] ومنه قولهم: أَنَا فَاطِرُ هذه البئر، أي: ابتدأ حَفْرها.
وقال ابن عباس: كنتُ لا أدري ما فاطر، حتى أتاني أَعْرَابيَّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما، أَنَا فَطَرْتُها، أَنَا ابتدائتها.
وقال الأصمعي عن أبي عمرو: الفاطر هو المبتدئ بالشيء (^٤).
_________________
(١) "العفو" سبحانه عن ذنوب عباده، الذي يترك عقوبتهم، ويصفح عنهم. انظر النهج (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٢) انظر هذه الأقوال: في النهج (١/ ٣٥٦ - ٣٦٠).
(٣) في "الوكيل" سبحانه ثلاثة معان:
(٤) الكفيل. … ٢ - الكافي. … ٣ - الحفيظ. انظر النهج. (٢/ ٢٥ - ٢٧).
(٥) انظر النهج (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).
[ ٦٥٦ ]
وأمَّا وصفه بأنَّه "قَادِر" معناه: أنَّ له قُدْرَةً، كما قلنا في وصفه بأنه "حي" معناه: أنَّ له حياة، ولا يجوز أنْ يقال إن معناه: أنَّه على حال يصح منه الفعل، لأنَّه لم يزل قادرًا، ولا يجوز أنْ يقال: لم يزل فيصح كونه قادرًا، لأنَّ ذلك يُخرج الفعل عن كونه فِعْلًا ومَقْدُورًا (^١).
وفي معنى ذلك وصفه تعالى بأنه "قدير" لأنَّه من أَلْفاظِ المبالغة، مثل قولنا: حكيم وقدير وعليم.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "لطيف" فمعناه: ملطف بعباده بفعل التوفيق، وقد يُراد باللطيف: أنَّه العالم الخبير بسرائر خلقه، والخفي من ضَمَائِرِهِم (^٢).
وكذلك يقال في الدعاء: يا لطيف يا خبير، يصف علمه بما دَقَّ وخفي ولا يجوز أنْ يقال إن معناه: صَغُر ودق، فإنه يتعالى عن ذلك.
وأَمَّا وَصفه تعالى بأنه "يحيي ويميت" معناه: المتفَرِّد بهذه الصِّفة، وفي ذلك مدحة، لأنَّه لا يقدر على فعل ذلك في الذَّوات سواه (^٣).
وأَمَّا وصفه تعالى بأنه "نِعْم الموْلَى ونِعْم النَّصِير" فهو خارج مخرج المدح وأنَّه أكرمُ مولى، وأعزُّ ناصر (^٤).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "حفيظ وحافظ" فقيل معناه: عليم وعالم، وهو المراد بقوله تعالى ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] وقيل بمعنى مانع
_________________
(١) "القادر" تعالى الذي لا يعجزه شيئ ولا يفوته، الذي له القدرة الشاملة، وهي صفة ذاتية لا تنفك عنه بحال. انظر النهج (٢/ ١١٢ - ١١٣).
(٢) انظر النهج (١/ ٢٦٠ - ٢٦٢).
(٣) جاءت هاتان الصفتان في عدة آيات كقوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وقوله ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦] وغيرها من الآيات.
(٤) اسمه "المولى" يعنى: الناصر والمعين. وكذلك "النصير" فعيل بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر. انظر النهج (٢/ ٤٦ - ٤٧) وكذا (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
[ ٦٥٧ ]
الآفات، ومنه قولهم: فلان يحفظ داره، أيْ: يمنع عنها، ومنه قولهم: يا حافظ السَّماوات والأرضين، أي: مانع من عدمها وتغيرها، ومنه قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] (^١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه: "قَرِيب" فمعناه: غير مُمتنعٍ على مَنْ سَأَله ودَعَاه وتَقَرَّبَ إليه، ومن قوله تعالى ﴿قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ويحتمل أن يكون معناه: يسمع السر والجهر، فيرجع إلى معنى العلم.
وأمَّا وَصْفُه بأنه "مَجِيد" فمعناه: الرَّفيع الكريم، يقال: مجد فهوَ ماجِد، والمجد هو الجَلَالة والعَظَمَة والشَّرف (^٢).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "قويّ" فمعناه: القُدرة على الفعل والتمكن منه، وقد يُوصف الجبل والنخلة والأرض والخشبة بالقوة، ومعناه: صلابة ذلك، وقد قال تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وقال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] (^٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مجيب" معناه: المجيب لما سُئِلَ ورغب إليه، وفي هذا مِدْحة له، وأنَّه مُتَعَطِّف مُتكرِّم على خَلقْه، ومنه قوله تعالى ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (^٤).
_________________
(١) انظر النهج (١/ ٢٤٠ - ٢٤٢).
(٢) "المجيد" سبحانه الممجد المحمود في صفاته وذاته. انظر النهج (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣).
(٣) قال ابن جرير: "إن الله قوي لا يغلبه غالب". انظر النهج (٢/ ٣٦ - ٣٨).
(٤) وفي قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]. قال السعدي: أي قريب ممن دعاه دعاء مسألة أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤاله وقبول عبادته وإثابته عليها، أجل الثواب. و"المجيب" لم نذكره في النهج، ولعلنا نضيفه بطبعة قادمة إن شاء الله تعالى.
[ ٦٥٨ ]
وأما وصفه تعالى بأنَّه "وَدُود" فقيل: يحتمل أنْ يكون بمعنى مُحِبُّ للمؤْمنين، ومحبته لهم إرادته لمصالحهم وإكرامهم (^١)، وقيل معناه: مَحْبُوب مودود عندهم، وترجع محبتهم له إلى إنعامه وكرمه إلى أفعاله، لأنَّه إنَّما يَصير مَودُودًا بمودَّةٍ يفعلها في خلقه.
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "فَعَّال" فمعناه وجود الأفعال الكثيرة من جهته من غير تَكَلُّفٍ ولا مشقة، ومثله "وهَّاب".
وأَمَّا وَصفه تعالى بأنَّه "كَبير ومُتكبِّر" فالمراد به مُتعالٍ عن شبه الخَلْق، ولحُوق النَّقائص والآفات بذاته (^٢).
وكذلك وصفه بأنَّه: عَظيم وجَلِيل ورَفِيع ومُتَعال ومَاجِد ومَجِيد.
وأمَّا وصفه بأنه "مَنَّان ومَان" فمعناه: كثرة إنعامه وإحسانه وسعة جوده (^٣) وعطائه، وذلك من ألفاظ المبالغة (^٤)، وهذه الصِّفة في حقنا معناه: كثرة الذِكر والاعْتداد بعطائه، ومنه قوله تعالى ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] والمراد به: كثرة ذِكْرِها، والاعتداد بها.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "خَلَّاق وخَالِق" فمعناه: الاخْتِرَاع والإبْداع والإيجاد للأشياء بعد أنْ لم تكن، وهو المراد بقوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]
_________________
(١) بل يجب إثبات صفة المحبة لله تعالى كما أثبتها لنفسه، دون تأويل أو تبديل. والمعنى الثاني الذي ذكره المصنف هو قول أهل التأويل من الأشاعرة، وأشباههم فيجب الإعراض عنه. وقد ذكرنا معنى الأسم الحق، والرد على من خالف فيه، في كتابنا النهج (١/ ٤٢٠ - ٤٢٢) فراجعه إن شئت.
(٢) انظر النهج (١/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٣) في الأصل: وسعة وجوده، علقه الناسخ.
(٤) أما اسم "المنان" فقد ورد في الحديث الصحيح. وأما "المان" فلم يثبت في الأسماء فيما نعلم. انظر النهج (٣/ ٨١ - ٨٥).
[ ٦٥٩ ]
وقول الأمة: لا خالق إلا الله، يعني لا مُحْدِثَ ولا مخترع سواه (^١).
وقيل معناه: مُقَدِّرُ الأشياء على مَقَادِيرها، لأنَّ الخَلْقَ في اللُّغة: التقدير، قال الشاعر:
ولأَنتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ … وبَعضُ الَقوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
وأما وَصْفُه تعالى بأنه "بَاعِث" فمعناه: يَبعث الخَلائق يوم القيامة، ولهذا يُسَمَّى يوم القيامه: يَومُ البَعْث، لأنَّ الخلائق يُبعثون فيه، أي يُنَادَونَ فيه من قُبُورهم، والبَاعِث هو المُنْهض والمُحَرِّك، وأصل البَعث: التحريك (^٢).
وأَمَّا وصفه تعالى بأنَّه "وَارِث" فمعناه يبقى بعد فَنَاءِ خلقه، لأنَّه موجود لم يزلْ ولا يَزَال، الوَارث مُشْتق من الإرث، وإرْثُ كل شيء بَقيمته، ويقال للميراث: إرث، لأنَّه بقيةُ مَنْ سلَفَ على من خَلَفَ (^٣).
وأمَّا وصفه بأنه "كَرِيم والأكرمُ" واحد، ومعناه: إثباتُ كمال الصِّفات الواجبة له، من كونه حَيًّا موجودًا، على جميع الصفات النافية للنَّقائص (^٤).
وقيل معناه: مُكْرِم مُتَفَضِّل مُنْعِم بما لا يستحق عليه من الإفضال، كما تقول: سميع معناه مُسْمِع، وبديع بمعنى مُبدع، كذلك قولنا: كريم بمعنى مُكرم (^٥).
_________________
(١) الخلق يراد به الإيجاد والإبداع تارة، والتقدير تارة. انظر النهج (١/ ١٦٠ - ١٦٢).
(٢) لم يثبت في الأسماء، وقد ذكره بعض العلماء كالقرطبي والحليمي والبيهقي وغيرهم واستدلوا له بقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [المجادلة: ١٨] وهو فعل وليس باسم. انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله (ص ٢٧٦ - ٢٧٧) للشيخ د. محمد التميمي.
(٣) انظر النهج (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٤) قاله القرطبي بنحوه وغيره، وقال: "الأكرم" الوصف الذاتي و"الكريم": الوصف الفعلي. انظر النهج (١/ ٣٨٨).
(٥) قاله ابن العربي في الأقوال التي قيلت في معنى الكريم فقال: "وأما إن قلنا إن الكريم بمعنى الُمكْرم فمن المكرم إلا الله تعالى، فمن أكرمه الله أكرم، ومن أهانه أهين". انظر النهج (١/ ٣٨١).
[ ٦٦٠ ]
وأما وَصْفه بأنَّه "مُبين" فهو المُظْهِر لإبانَاتِهِ ودلائله الدالة على وَحدَانيته، وهو المُظهر لأحكام الذين وشرائعه، يقال بَيَنْتُه وأَبَنْتُه إبَانَةً وتَبْينًا وتبْيَانًا (^١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "نُور" فقيل معناه: مُنَوِّرُ السَّمَاوات والأرض بالنَيِّرين، أو مُنَوِّر قُلُوبِ أهل السَّماوَات والأرض بالهُدَى والتَّوفيق، لأنه لا يجوز أنْ يكون جِسْمًا مُضِيئًا ولا شُعاعًا وَضِيئا كبعض الأجسام!، فكان معناه ما ذكرنا (^٢).
وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في كتاب "التفسير" عن ابن عباس في قوله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] يقول الله سبحانه: هادي أهل السّماوات وأهل الأرض.
وقيل: هو نُوُر لا كالأنوار، ليس بذي شُعِاع ولا جسم مضيئ، على ظاهر القُرآن.
وهو أشبه بكلام أحمد فيما خَرَّجه في الرَّد على الجَهْمية لأنَّه قال: قلنا للجهمية الله نُور، فقالوا: هو نُور كُلُّه، فقلنا لهم: قال الله ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] فقد أَخْبرَ جَلَّ ثَناؤه أنَّ له نورًا، وقلنا لهم: لما زعمتم أنَّ الله في كلِّ مكان وهو نور، فلم لا يضيء البيت المُظْلم من النُّور الذي هو فيه، إذْ زعمتم أنَّ الله في كُلَّ مكان؟ (^٣).
_________________
(١) انظر النهج (٢/ ١٧ - ٢٠).
(٢) وصف الله تعالى بأنه منور السماوات والأرض، أو منور قلوب المؤمنين بالهدى والعلم، لا يمنعنا من وصفه بأنه نور سبحانه، ومن صفاته النور. انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره في النهج (٣٤٥ - ٣٥١). أما قول المصنف: "ولا يجوز أن يكون جسمًا مضيئًا ولا شعاعًا … " فالواجب الإعراض عن مثل هذا النفي الذي لم ترد به النصوص.
(٣) الرد على الزنادقة (ص ٣٢٩) وتمامه: "وما بال السراج إذا دخل البيت المظلم يضيء؟ فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله. فرحم الله من عقل عن الله، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، وقال بقول العلماء، وهو قول المهاجرين والأنصار، وترك دين الشياطين، ودين جهم وشيعته انتهى.
[ ٦٦١ ]
وظاهر هذا الكلام من أحمد، أن أثبت له هذه الصِّفة.
وأمَّا وَصفُه تعالى بأنَّه "هَادي" معناه: فاعل في غيره ما يَصِيرُ به مهتديًا وكذلك وصفه بأنَّه مُضِل ومُوَفِق ونَاصر وخَاذِل، معناه فاعل في غيره ما يَضل به، ويُوَفَّقُ به ويَنتْصرُ به ويَنْخَذِلُ به (^١).
وأمَّا وصفه بأنَّه "فَتَّاح" معناه يفتح على الخلق أرزاقهم، ويُفَرِّجُ عنهم مضائقهم وشدائدهم، قال تعالى ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] وقيل: فَتَّاح بمعنى حَاكم فَاصِل بين الخصوم يوم القيامة (^٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "قابل" معناه: مُتَعَطِّف على خلقه بقبول التَّوبة والتَّجاوز عنهم، ويتكرم عليهم وفي ذلك مِدْحة له (^٣).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "شديد" معناه: قادر لأنَّهم فيقولون: رجل شَديد، إذا كان قَويًا، وقد تستعمل الشِّدة بمعنى: الصَّلابة، فيقولون: حَجَر شَديد، وخَشَب شديد، يَعنون الصَّلابة، وذلك مستحيل وصفه به سبحانه (^٤).
_________________
(١) "الهادي" سبحانه الذي يهدي عباده ويرشدهم إلى ما فيه خير لهم ومنفعة، في دينهم ودنياهم، ويعلمهم ما لا يعلمون. انظر النهج (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١).
(٢) للفتاح في أسماء الله معان عدة:
(٣) أنه الحاكم الذي يقضي بين عباده بالحق.
(٤) أنه الذي يفتح لهم أبواب الرحمة والرزق وغيرهما.
(٥) أنه الناصر لعباده، للمؤمن على الكافر، وللمظلوم على الظالم. انظر النهج (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٦) يشير إلى قوله تعالى ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]. وقد ذكره بعض العلماء في أسماء الله تعالى، وفي إطلاقه نظر لوروده مضافًا، والله أعلم.
(٧) ورد وصفه تعالى بذلك في آيات كقوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] وغيرهما. وقد ذكره بعض العلماء في الأسماء: كابن العربي والقرطبي وابن القيم وابن حجر وغيرهم.
[ ٦٦٢ ]
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "ذُو الطَّوْل" معناه: الفَضْل، ومنه قولهم: لفلان على فلان طَوْل، أيْ تَفَضُّل، وأما وصفه بأنَّه "رَزَّاق" معناه: المعطي للرِّزق، والرزق حقيقة الغَذَاء والتَّربية، وقد قال تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (^١).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "ذُو القُوَّة" وبأنَّه "القَوي" معناه: القَّادر، وتكون قوته بمعنى قُدرته، وقيل معناه: يُقِّوي عباده، أي: يُؤتيهم قواهم.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مَتِين" فقيل المراد به: تأكيد الوصف بالقوة، والرب تقول للشيء القوي: إنَّه مَتين، ويقولون: هذا الشيء أمْتَن من هذا يعني أنَّه أَصلَبُ منه (^٢).
وأما وصفه بأنَّه "بَار والبَرُّ" معناه: الرحمة والرِّزق لعباده، ومن قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] (^٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "مُقْتَدر وقَادِر وقَدِير" معناه: لا يُعجزه شيء، وقيل: هو المتمكِّن من الفعل (^٤).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "باقي" معناه الدائم، ولهذا يقال نعيمٌ باقي، وعذابٌ
_________________
(١) الرزاق سبحانه الذي يرزق جميع عباده. ورزقه لعباده نوعان: عام لجميع الخلق، وهو رزق الأبدان. وخاص: وهو رزق القلوب بالعلم والإيمان، للمؤمنين. انظر النهج (١/ ١٩٣ - ١٩٥).
(٢) انظر النهج (٢/ ٣٦ - ٣٩).
(٣) أما "البر" فمن أسمائه تعالى، كما في قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. وهو المحسن لعباده بأنواع الإحسان، المصلح لأحوالهم. أما "البار" فلم يرد في النصوص الصحيحة، وإنما ورد في طريق الوليد بن مسلم وغيره الضعيفة، انظر معتقد أهل السنة في أسماء الله (ص ٢٧٦).
(٤) ومعنى هذه الأسماء: أنه الذي لا يعجزه شيء كما قال المصنف، الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون. انظر النهج (٢/ ١١٢ - ١١٦).
[ ٦٦٣ ]
باقي، معناه: دائم، وكذلك يقال: مَرَضٌ دائم، ونعمةٌ باقية على الأعقاب، إذا كانت دائمة (^١).
وأمَّا وصفه بأنَّه "ذُو الجَلَال (^٢) والإكْرَام" معناه: أنَّه أهلٌ أنْ يُجَلُّ ويكرم ويُعظَّم، كما قال ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] معناه: أهلٌ أنْ يُتَّقَى ويَغْفر (^٣).
وأَمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "حَقٌّ" فيحتمل أنْ يكونَ بمعنى مُحِقٌّ ومُحِّققٌ. فيكون بمعنى صَادِقُ ومُخْبرْ بالحق، فيرجع ذلك إلى أخباره وكلامه (^٤) ويحتمل أنْ يكون بمعنى أنَّه ثابت موجود غير معدوم، ومنه قول -ﷺ- "السِّحْر حَقٌّ، والعَيْنُ حَقٌّ" (^٥) يُراد بذك أنَّه ثابت كائن، وإنْ كان باطلًا.
وقيل معناه: النَّهاية في الصفة، وأنَّه نهاية في الآمال والثَّناء، ومنه قوله ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢] وقوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٤].
وأما وصفه بأنه "ظَاهِر" معناه: الظَّاهِر على الأمور، والغَالب عليها، والقاهر لها، مأخوذٌ من قولهم: ظَهَرَ فلانٌ على فلان، إذا قهره بالحجة.
وقيل: معناه مُظْهِرٌ للدِّلالاتِ على وجوده، وإقامة البراهين على ما
_________________
(١) "الباقي" لم يرد بصورة الاسم، إنما أخذ الاشتقاق من قوله تعالى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. ومع ذلك فقد ذكره جمع في الأسماء كالخطابي والحليمي والبيهقي وابن العربي والقرطبي وغيرهم.
(٢) في الأصل: ذا الجلال، علقه الناسخ.
(٣) هو قول الزجاج والخطابي والحليمي وغيرهم، ومن معانيه أيضًا: أنه يجل ويكرم أهل ولايته ويرفع درجاتهم. انظر النهج (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤).
(٤) انظر هذه الأقوال في النهج (٢/ ٨ - ١١).
(٥) حديث "العين حق" رواه البخاري (١٠/ ٢٠٣) ومسلم (٤/ ١٧١٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٦٦٤ ]
يستحق من صفاته (^١).
وأمَّا وصفه بأنَّه "باطن" معناه العالم بما بَطَنَ وخَفِي، وقيل: المُحْتَجب عن خلقه بما مَنَعهم مِن رؤيته.
وأمَّا وصفه بأنَّه "قُدُّوسٌ" فمعناه النَّزاهة والطَّهارة، ومنه قيل: الأرض (^٢) المُقَدَّسة، المراد به المُطَهَّرة بالتَّنزيل، ومنه: حَظيرة القُدس، قيل هي: الجنَّة، لأنَّها مَوضع الطَّهارة من الأدْنَاس التي تكون في الدُّنيا من الغائط والبول وأَشْباه ذلك (^٣).
قال رُؤْبة بن العجاج:
دَعَوْتُ رَبَّ العِزَّة القُدُّوسَا … دُعَا مَنْ لا يَقْرَعُ النَّاقُوسَا
وأمَّا وصفه "بالسَّلام" فالسَّلام اسم من أسمائه.
قال أحمد في رواية أبي داود وقد سأله: يَمُرُّ بالقوم وهم يَتَقَاذَفُون، أُسَلِّم عليهم؟ فقال: هؤلاء قومٌ سُفَهاء، والسَّلام اسم من أسماء الله جلَّ وعزَّ، وقال له: أسَلِّم على المُخَنَّث؟ فقال: لا أَدْري، السَّلام اسم من أسماء الله.
فقد نصَّ على أنَّه من أسمائه.
وقيل: معناه راجع إلى السَّلامة مما يَلْحَق الخَلْقَ من العَيبِ والنَّقص والفَنَاء والموت، وقيل معناه: هو الذي يُسلِّم عليه أَولياؤه بأنْ يُنَجِّيهم من عَذَابه، ويوصلهم إلى ثوابه (^٤).
_________________
(١) أبرز معاني "الظاهر": أنه العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه، كما فسره بذلك رسول -ﷺ- انظر النهج (٢/ ١٤٢ - ١٤٣).
(٢) في الأصل: للأرض المقدسة، وهو خطأ.
(٣) انظر النهج (١/ ١١٠ - ١١١).
(٤) انظر هذه الأقوال كلها في كتابنا: النهج (١/ ١١٦ - ١١٧).
[ ٦٦٥ ]
وأمَّا وَصْفُه "بالمؤمن" فمعناه: مُصَدِّقُ ما وعده ومُحِّققُه، أو قَابل إيمانه، لأنَّ الإيمانَ في اللغة: هو التَّصديق، وقد يكون المؤمن من الأمان، أي لا يأمن إلا ما أمنَه.
وقيل: معناه مُصَدِّقٌ لنفسه ورسوله بقوله ووصفه لنفسه بأنَّه صادق، وذلك يرجع إلى كلامه (^١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "المهيمن" فمعناه: شاهدٌ على الخلق، لأنَّ المهيمن هو الشاهد على الشيء، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي شاهد عليه.
فإن أرِيدَ بشهادته رؤيته لأفعالهم، ففيه بُعْد، لأنَّ المشاهدة لا توصف بأنَّها شهادة، وإنْ أُرِيدَ بالشَّهادة الإخبار عَمَّا كانَ وَوَقَعَ من الأفعال والأمورِ المشهود بها، كان بمعنى الخبرة.
وقيل معناه: أمينًا عليهم، وقيل: معناه رَقيبًا حَافِظًا (^٢).
وأمَّا وَصْفُه تعالى "بالعَزِيز" فقيل: معناه قادر وممتنع، وقد يكون بمعنى أن غالب في صفاته، وقد يكون بمعنى أنه يَعزُّ عن شَبَه الَخلْق، ويعز عن كون ما يكرههه في سلطانه، ويعز عن النَّقائص والآفات، وإذا قيل: جَبَل عزيز، فإنَّما يُراد به العالي الممتنع بعلوه (^٣).
وأَمَّا وصفه تعالى "بالجَبَّار" فقيل معناه: مُتجبر ومتكبر وعظيم، وقيل: يحتمل الإجبار للمخلوق على ما أرادَ منه، وإلجاءه إليه وإكراهه عليه،
_________________
(١) انظر النهج (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
(٢) قد ذكرت جميع الأقوال في معناه في النهج (١/ ١٣٠ - ١٣٢).
(٣) النهج (١/ ١٣٦ - ١٣٨).
[ ٦٦٦ ]
وهذا بعيد، لأنَّ الجبار غير الإجْبَار (^١).
وقد أنكر أحمد القول بأنَّ الله أَجْبَرَ العِبَاد على الطاعات.
وقيل: الجبار مَأخوذ من الجبر، والجبر هو الإصلاح لأمر نفسه أو أَمر غيره، وهذه صِفَتُه سبحانه.
وأما وَصْفُه سبحانه بأنَّه "مُتَكَبِّر" معناه عن النَّقائصِ التي تعود لخلقه، وعن التَّشبه والمقايسة بهم، وقيل معناه: ملك (^٢).
وأَمَّا وصفه تعالى بأنَّه "بَارِئ" فمعناه: الخالق، يُقال بَرَأَ الله الخلق يبرئهم، والبَريَّة الخلق (^٣) ومثل البارئ "الذارئ" وهو الخالق يقال: ذَرَأ اللهُ الخلق، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] أي: خلقنا والذُّرِّية منه بأنَّها خَلْق لله وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ٧٩] وأما وصفه تعالى بأنَّه مُصوِّرٌ، فمعناه خَالِقُ، ومنه قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] (^٤)، والمراد به أحسن المصورين تصويرًا أو تقديرًا، وليس المراد به أحسن المحدثين إحداثًا وإيجادًا، لأنَّ الحدوث والوجود في كلِّ حادثٍ موجود على صفةٍ واحدةٍ غير مختلفة، "وأحسن" حرف مُبالغة، وإنَّما يدخل ذلك فيما اختلفت صفته، وتَفَاضلت وتزايدت، وذلك محله في صفة الحدوث والوجود (^٥).
_________________
(١) انظر معاني الجبار في النهج (١/ ١٤٥).
(٢) انظر النهج (١/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٣) النهج (١/ ١٦٦).
(٤) "المصور" الذي عدل خلقه إلى الأشكال التي تناسبهم، والهيئات التي تتوافق ومصالحهم. وقيل: الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة. النهج (١/ ١٦٧ - ١٦٩).
(٥) قال الحافظ ابن كثير (٣/ ٢١٣) قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يعني: حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة، من حال، إلى حال، وشكل إلى شكل، حتى تصورت إلى =
[ ٦٦٧ ]
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مُبْدِئ" فمعناه: الخلق، وتقديره مُبْدئ خلق الأشياء ومخترعها. وأما وصفه تعالى بأنَّه "مُعِيدٌ" فمعناه: مُعيد الأَشْيَاء بعد عَدَمها، ومنه قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] (^١).
وأمَّا وصْفه تعالى بأنَّه "صَمَدٌ" فالمراد به السَّيِّد، ومنه قولهم: أَنْتَ السَّيد الصمد.
ويقال: إنه صمد، بمعنى أنَّه مَصْمُود إليه في النَّوازل والحوائج، فيكون صَمَدًا في اللجأ إليه، بمعنى مصمود إليه.
وقيل: معنى "الصمد" أنَّه ليس بذي جوف يطعم (^٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "أَوَّلٌ" معناه لم يكن قبله شيءٌ من خَلقه، وأنَّه كان قبل كل شيء من خلقه.
و"الآخِر" معناه: لا يبقى غيره، وأنَّه لا نهاية له ولا غاية، وأنَّه بعد كل شيء (^٣).
وللجهمية سُؤَالٌ على هذا، وأنَّه لما كان معناه بعد كل شيء، دَلَّ على فناء النَّار والجنَّة، لأنَّه لا يكون معه شيء موجود!
_________________
(١) = ما صارت إليه، من الإنسان السوي الكامل الخلق، قال ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. وقال السعدي: فخلقه كله حسن، والإنسان أحسن مخلوقاته، بل هو أحسنها على الإطلاق كما قال تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ولهذا كان خواصه، أفضل المخلوقات وأكملها.
(٢) هي من الصفات وليست من الأسماء.
(٣) انظر النهج (٢/ ٩٥ - ٩٩) وقد استقصينا جميع ما قيل في معاني "الصمد".
(٤) وقد فسر -ﷺ- هذا الإسم والأسماء الثلاثة التي تليه بقوله: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شي، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" رواه مسلم في الذكر (٤/ ٢٠٨٤). وانظر النهج (٢/ ١٣٣) وما بعدها.
[ ٦٦٨ ]
وهذا لا يصح، لأنَّ معنى وصفه بالآخر: أنَّه الباقي الدائم الوجود (^١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مُجِيبٌ" معناه دعوة الداعي إذا دعاه (^٢).
وأما وصفه تعالى بأنَّه "قَاهِرٌ" فمعناه الغالب لجميع الأشياء عن مُرادها، وقد يكون بمعنى قَادر وقدير، وفي معناه غَالب وغلاب، يرجع إلى معنى قاهر وقادر (^٣).
وأَمَّا وصفه تعالى بأنَّه "فَاصِل" فمعناه: يحكم ويَقضي بين عباده ما كانوا فيه يختلفون، لأنه عالم بسرِّهم وجهرهم (^٤).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "فالِقٌ" قيل معناه: خالق، وقيل معناه: خالقُ الفَلَق، وهو دَرَكَة في جهنّم، قال تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١] وقال تعالى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقال ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥] (^٥).
_________________
(١) ومذهب أهل السنة والجماعة دوام الجنة والنار بنص القرآن الكريم المصرح ببقائهما أبدًا في عدة آيات، وكذا في السنة المطهرة. وبقاؤهما إنما هو بإبقاء الله لهما. وانظر شرحنا على الطحاوية (ص ٥٢٩) وما بعدهما.
(٢) ورد هذا الاسم "المجيب" في قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [الآية: ٦١] من سورة هود. كما قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
(٣) انظر النهج (١/ ١٨٢ - ١٨٣).
(٤) ورد في الكتاب العزيز في قوله سبحانه ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]. وهو من الأسماء المضافة، وقد ذكره الأصبهاني وابن العربي والشرباصي فى الأسماء الحسنى.
(٥) هما من الأسماء المضافة. أما الأول فقد ذكره بعض العلماء في الأسماء كالقرطبي وابن الوزير والشرباصي. وأما "فالق الحب والنوى" فقد ذكره الحليمي والبيهقي والقرطبي والشرباصي وغيرهم.
[ ٦٦٩ ]
وأَما وصفه تعالى بأنَّه "رفيع" معناه: الرفيع فوق كلَّ شيءٍ، وقيل معناه: الرفيع عن الأَدْنَاس والعيوب (^١).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مَاجدٌ ومَجيدٌ" معناه: أهل الثَّناء والشَّرف والمجد، اسم يقع على صفة شيءٍ بها (^٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "جواد" معناه مأخوذٌ من كَثْرة الجُود، الذي هو العطاء والإفضال والإحسان، وقيل معناه: القادر على فعل الجود وبذل الإنعام، لا يَصْعبُ عليه العطاء، ولهذا يقال: فلان جواد، وإنْ لم يكن ذا مالٍ، إذا كان سَمْحًا لا يتعاظمة العطاء إذا قدر عليه (^٣).
وأما وصفه تعالى بأنه "مُدَبِّرٌ" معناه: مدبر لأفعاله، ومعنى تدبيرها: إحكامها وتقديرها، ولا يجوز أن تكون هي الإرادة، لأنَّه يُفضي إلى أنْ يكون مُريدًا في القدم فعلًا قبل وجوده (^٤).
_________________
(١) استدلوا له بقوله تعالى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر: ١٥]. ذكره ابن العربي وغيره.
(٢) أما "الماجد" فقد ورد في حديث الإمام أحمد (٥/ ١٥٤، ١٧٧)، والترمذي (٢٤٩٥) وابن ماجه (٤٣١١) وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف. وأما "المجيد" فقد ورد في آيتين من القرآن قوله ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]. وقوله ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥].
(٣) ذكر هذا الاسم الحليمي والبيهقي وابن العربي والقرطبي وابن القيم والسعدي وابن عثيميين وغيرهم. ودليله: الحديث السابق، وفيه ضعف كما سبق. وحديث: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يجب الجود" رواه الترمذي (٢٧٩٩). وفيه: خالد ابن إياس، متروك الحديث. وله طريق آخر: عند أبي نعيم في الحلية (٥/ ٢٩) عن ابن عباس مرفوعًا: "إن الله ﷿ جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، ويبغض سفسافها" وفيه أبو عصمة نوح بن أبي مريم كذاب.
(٤) "المدبر" أخذه بعض العلماء من قوله تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥] وغيرها. وقد ذكره في الأسماء: الخطابي والحليمي والبيهقي وابن العربي، والراجح عدم ثبوته.
[ ٦٧٠ ]
وأمَّا وصفه تعالى بأنه "أَحْكَمُ الحَاكمين" فمعناه: الذي إذا حَكَم نَفَذَ حكمة، وإذا قضى لزم قضاؤه ووجبت حجته، وقيل: الحكم بمعنى الخبر فيرجع إلى الكلام، وكلامه صِفَة ذات قديمة. وقيل الحكم هو: المنع، ومعناه مانع الخصوم عن الظلم، ومنه حَكمَةَ اللجام، وهي ما أحاط بالحنكين، وهي المانعة له، وأحكم مبالغة في الصفة، لأنه عالم بمواقع الأفعال (^١).
وفي معناه وصفه بأَنَّه "قاض" ويقضي بالحق، وقَضَى، وقد قال تعالى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أعلمناهم وأخبرناهم، وقد يكون بمعنى الأمر، ومنه قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: أَمَرَ، وكذلك قوله ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أي: يحكم ويأمر بالحق (^٢).
* * *
_________________
(١) أخذه العلماء من قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. وهو من الأسماء المضافة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومقلب القلوب، وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة، وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين، وليس من هذه التسعة والتسعين" مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٥). وانظر كتابنا: النهج (١/ ٢٤١) وما بعدها.
(٢) "القاضي" استدلوا له بما ذكر المصنف من الآيات، وكلها وردت فعلًا، ولا يصح إطلاق الاسم منها وذكره في الأسماء: الحليمي والبيهقي وابن العربي والقرطبي وغيرهم. انظر "معتقد أهل السنة" (ص ٢٩٨) للتميمي.
[ ٦٧١ ]
فَصْلٌ
٣٠٠ - قال أحمد رحمة الله عليه، في رواية أبي بكر المروذي: نحن نصف الله تعالى كما وصف نفسه، وبما وَصَفَه رسوله، ولا نتعدي القرآن والحديث، كما قال.
وظاهر كلام أحمد، ألا يُسمى الله سبحانه ويُوصف إلا بما سَمَّى به نفسه، أو سماه رسوله، أو اتفق المسلمون عليه، لأنّنا قد وجدنا أن السَّمع قد ورد بإطلاقِ أسماء وصفات، يُحيل العقل معانيها في اللغة، نحو تسميته "نور" بقوله ﴿اللَّهُ نُورُ﴾ [النور: ٣٥]، ووصفه نفسه بأنَّه: مُؤْذَى، بقوله ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وبأنه مُحَارَبٌ، بقوله ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وقول ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وسَاخِر، بقوله ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وماكر ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] (^١).
ووكيل ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ومُسْتَهزئ، بقوله ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وكَاتِبًا، بقوله ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وباني، بقوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] ولطيف، بقوله ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ورحيم، بقوله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، وحكيم وعزيز، بقوله ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وسخي، ومنعت الأُمة من تسميته بأشياء لا يُحيلها العقل نحو تسميته: فقيهًا وعاملًا وفَاضلا وعَتيقًا وفطنًا وفهمًا
_________________
(١) نبه العلماء إلى أنه لا يجوز أن يشتق له أسماء من الأفعال التي وردت في القرآن والسنة مقيدة كقوله ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ كما غلط فيه بعض المتأخرين، لأنَّ هذه الأفعال وردت في النصوص مقيدة فلا يصح اشتقاق أسماء منها على وجه الإطلاق. انظر النهج (١/ ٤٦ - ٤٧).
[ ٦٧٢ ]
ومتحققًا وذكيًا وموقرًا ومتيقِّنًا وطبيبًا (^١).
فأمَّا القسم الأول: فإنَّه تستحيل معانية عليه، وإنْ كان الشَّرعُ وَرَدَ بإطلاقه، لأنَّ "النُّور" أمَّا أنْ يكون جسمًا مُضيئًا أو شُعَاعًا وضيئًا لبعض الأجْسام، وذلك يستحيل عليه، فكان معناه عند بعضهم: مُنَوِّرُ السَّماوات والأرض، ومُنَوِّر قلوب عباده الذين في السَّمَاواتَ والأرض، على ما تقدم بيانه (^٢).
وكذلك قوله ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] كلُّ ذلك ليس من أسمائه، وإنما ورد على طرق الجزاء على مكرهم، واستهزائهم بالمؤمنين.
وكذلك قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] لأنَّه يمتنع إطلاق وصفه بأنَّه: باني وكاتب، وإنْ كان ذلك مطلقًا في القرآن، ولهذا لم يصفه -ﷺ- بذلك في الأسماء التي وصفه بها.
وكذلك يستحيل وصفه بالوكيل واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم! وإنْ كَانَت هذه من جملة أسمائه التي ذكرها -ﷺ-، لأنَّ الوكيل هو الُمستَنَابُ المتصرِّفُ بتصريف الغَير، والله يتعالى عن ذلك، واللطيف في أصل الوَضع يفيد التَّصغير والتحقير، والحكيم مَأخُوذٌ من حَكمة اللجام، لكونها مانعة من سير البهيمة إلا على قصد الرَّاكب، والعزيز هو الصَّلب، ومن قولهم أَرْضٌ عَزَازٌ وعَزيزة يعنون صَلبة، والسَّخاوة هي الرَّخَاوة، ومن قولهم أرضٌ سَخية، يعنون رخوة، والرحيم مأخوذٌ من "الرَّحمة" وهي الرِّقَّة والهوادة،
_________________
(١) قد ذكر أهل العلم أن باب الأسماء والصفات لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، وإن تقارب في اللغة. انظر النهج (١/ ٤٣ - ٤٦).
(٢) انظر التعليق المتقدم في (ص ١٣٦ - ١٣٧).
[ ٦٧٣ ]
وذلك ممتنعٌ عليه سبحانه، لكن الشَّرع قد وَرَدَ بإطلاق ذلك عليه (^١).
وأمَّا القسم الثاني: من امتناع وصفه به وإنْ ثَبَتَتْ (^٢) مَعَانيه نحو فقيه وعَاقِل وفَطِن وذَكي وفَهِم ومُتحقق، لأنَّ جَميع ذلك معناه: أنَّه عالم لا يَنسى، وفَاضل معناه: أنَّه ذُو فضل في علمه وقُدرته وتدبيره وحكمته، وكذلك "مُوَقَّر" معناه معنى فاضل، وكذلك "عَتيق" معناه: القِدَم وهو موصوف بالقدم، وكذلك "طبيب" معناه عالم ولهذا يقال: فلان طبيب بهذا الأمر، أيْ عالم (^٣).
وإنَّما أمتنع من تسميته بذلك لمنع الشَّرع ولمعانٍ (^٤) أُخَر، هو أنَّ الفِقْه هو علم العالم بما لم يكن عالمًا به من قبل، ولذلك يُقال: فَقِه الشيء، إذا علم عِلمْه بعد أنْ لم يكن عالمًا به.
والعقل يُفيد العلم المانع للنَّفس من مُوَاقَعة ما تدعوا إليه من فعل القبيح، والله سبحانه ليس بذي طَبْعٍ، ولا داعٍ إلى فعل يمنعه العلم بقبحه عن فعله.
والِفْطنَة تنبيه على علم ما لم يكن مَعلومًا، وسُرْعَة أَخْذِ العِلم لما لم يكن الأَخْذ (^٥) عالمًا به، وذلك مستحيل في صفته.
_________________
(١) أي: من المعلوم أن الله تعالى يثبت له من الصفة أعلاها وأكملها وأليقها به ﷾، وينفى عنه ما لا يليق بكماله وجماله.
(٢) كتب بمحاذاته: بلغ مقابلة.
(٣) روى الإمام أبو داود في الترجل (٤٢٠٧) عن إياد بن لقيط عن أبي رمثة في هذا الخبر قال: فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك، فإني رجل طبيب، قال: "الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها". قال الحليمي: فأما صفة تسمية الله تعالى به فهو إن ذكر في حال الاستشفاء، مثل أن تقول: اللهم أنت المصح الممرض والمداوي الطبيب ونحو ذلك، فأما أن تقول: يا طبيب كما تقول: يا رحيم أو يا كريم، فإن ذلك مفارقة لأدب الدعاء، والله أعلم" (المنهاج ١/ ٢٠٩). وقد ذكره في الأسماء أيضًا: البيهقي وابن العربي والقرطبي وغيرهم.
(٤) في الأصل: ولمعاني، وهو خطأ، نبه عليه الناسخ.
(٥) في الأصل: لما لم يكن الآخذ لم عالمًا، ولم زائدة لا معنى لها.
[ ٦٧٤ ]
وكذلك "الذكاء" هو سُرعة الأخذ والاستدراك، وجودة الطبع في أَخْذِ العلم ما لم يكن مَعلومًا مِنْ قبل، وذلك ممتنع عليه.
وكذلك "الفَهم" هو: حُصول العِلم بما لم يكن معلومًا.
وكذلك التحقق لأنَّه: حُصول العلم بعد الجهل والشَّك والظَّن والارتياب، وذلك مُحال عليه.
وكذلك لا يوصف بأنَّه "متيقن" لأنَّ التَّيقن واليقين: هو العِلم الحاصل بعد الجهل وزوال الشَّك.
ويجوز وصفه "بالحَافِظ" لورود الشَّرع بقوله ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤] ولأنَّ معناه: الحراسة والدفاع عن المحفوظ.
فأمَّا وصفه بأنَّه "حَفِظَ" فقد قيل: إنَّه لا يجوز، لأنه إنما تجري هذه التَّسمية عليه إذا احتاج مع حصوله إلى دِرَاسةِ المعلوم (^١).
ولا يجوز وصفه بأنَّه "فاضل" لعدم الشَّرع في ذلك، ولأنَّ الفضل يفيد منع النفس من موافقة ما تدعو إليه من القبيح.
وكذلك "المُوَقَرَّ" فلهذا امتنع من وصفه بذلك، كما امتنع من وصفه بالعقل.
وكذلك "عتيق" لامتناع ورُود الشرع، به ولأنَّه قد قيل إنَّه قد يستعمل فيما تقدم وجوده مع تأثير الزَّمَانِ في صفته وجِدَته، بدلالة قولهم: تَمْرٌ عَتيق، وبناء عتيق إذَا أَثَّر فيه الزَّمان، وذلك ممتنع في البارئ سبحانه (^٢).
وكذلك لا يجوز وصفه بأنَّه "عادي" لعدم ورود الشرع، ولأنهم يُضيفون
_________________
(١) ليس هذا القول بصحيح! فقد ورد في الحديث صيغة الفعل في قوله -ﷺ- "احفظ الله يحفظك" رواه أحمد والترمذي، وانظر النهج (١/ ٣٤٦).
(٢) لم تثبت هذه الأسماء، ولم أر من ذكرها.
[ ٦٧٥ ]
ذلك إلى: زمن عاد، وذلك يُوجب حُدُوثه.
وكذلك لا يوصف بأنه "طَيِّبٌ" لامتناع وُرُود الشَّرع، ولأنَّ ذلك إنَّما يُستعمل فيما يُذَاق ويُشَمُّ (^١).
ويجوز وصفه بأنَّه موجود، لقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩] وكذلك يوصف بأنه "شيء" لقوله تعالى ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] ولأن هذه "تسمية" مجمع عليها، لأنه قد ثَبَتَ أنَّه مَعلومٌ لنَفْسه ولخلقه (^٢).
وكذلك يجوز وصفه بأنَّه نَفْسٌ وذَاتٌ وعَيْنٌ، إذَا عُني به أنَّه شيء، ولم يرد به تفسير الجارحة (^٣).
ويجوز وصفه بأنَّه "كائن" إذَا أُريد به الوجود دُون الحُدُوث.
وقد أَطْلَقَ أَحمد القول بذلك فقال فى رواية حَنْبل: كان اللهُ قبل أنْ يَكون شَيءٌ، واتَّبع في ذلك قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]
_________________
(١) بل قد ورد في السنة الصحيحة تسمية الله تعالى بهذا الاسم، فيما رواه مسلم في صحيحه في الزكاة (٢/ ٧٠٣) عن أبي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا … " وهو بمعني القدوس والسلام انظر النهج (٣/ ٢٧) وما بعدها.
(٢) وقد بوب البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه (١٣/ ٤٠٢) باب: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ قال: سمى الله تعالى نفسه شيئًا، وسمى -ﷺ- القرآن شيئًا وهو صفه من صفات الله، وقال ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.
(٣) أما صفة "النفس" فقد رودت في آيات وأحاديث قال البخاري في التوحيد (١٣/ ٣٨٣): باب قول الله تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وقوله جلَّ ذكره ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾. وروي بسنده: عن أبي هريرة مرفوعًا: "لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه -وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش- إنَّ رحمتى تغلب غضبي". وأما صفة "الذات" فقال البخاري أيضًا (١٣/ ٣٨١): باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله ﷿، وقال خبيب "وذلك في ذات الإله" فذكر الذات باسمه تعالى، ثم روى حديثه بسنده.
[ ٦٧٦ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ويجوز وصفه بأنه: قديم وباق، وإنْ لم يَرد فيه سمع، لحصول الإجماع على ذلك (^١).
ويجوز وصفه بأنه "مستطيع" لأنَّ معنى الاستطاعة معنى القُدْرة، وكذلك يصفون كل قادر بأنَّه مستطيع، وقد قالَ سبحانه مُخْبرًا عن أُمة عيسى ﵇ أنَّهم قالوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، معناه: هل يَقْدر رَبك، ولم يكن لِسَانُ القوم عربيًا (^٢).
ولا يجوز وصفه بأنَّه "مُطِيقٌ" لأنَّ معنى الطَّاقة بَذْلُ الوسع والجهد، وكذلك يقول القائل: هذا قدر طاقتة، وذلك لا يجوز إلا على مُتَناهي المقدور (^٣).
ويجوز وصفه بأنَّه "سَيِّدٌ" لأنَّه يراد به العَظيم المنزلة، وقد وصف نفسه بالصَّمد، ومعناه ذلك وقد ذكرنا فيما تقدم.
ويجوز وصفه بأنَّه عارف، ومتبين، وواثق بالمعلوم ودَرَي وداري! لأنَّ جميع ذلك يرجع إلى معنى القول بأنه عالم، ولم يمنع منه سَمْعٌ ولا غيره، وقد قال الشَّاعر:
اللَّهمَّ لَا أَدْري وأَنْتَ الدَّاري (^٤).
ويجوز وصفه بأنَّه "رائي" فيما لم يزل، ومعناه: مُدرك المرئيات، وقيل معناه: عالم فيما لم يزل.
_________________
(١) انظر الكلام على "القديم" في الجزء الأول (ص).
(٢) روى ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾. قال: هل يطيعك ربك، ونحوه عن السدي عند ابن جرير. انظر الدر المنثور (٥/ ٥٩٣).
(٣) ولم يرد ما يدل على وصف الله تعالى بذلك، من الكتاب أو السنة.
(٤) قد ورد في الحديث: "تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة" رواه أحمد والترمذي وغيرهما، انظر تخريجه في النهج (١/ ٣٤٦).
[ ٦٧٧ ]
ويجوز وصفه بأنَّه "مُطَّلعٌ" على خلقه وعباده بمعنى أنَّه عالم، ومنه قولهم: المطلع على السَّرائر العالم بها.
ويجوز وصفه بأنَّه "وَاجِدٌ" على معنى أنَّه عالم، ومنه قوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩] أي: علمه، وقال الشاعر:
وَجَدتُ اللهَ قَدْ سَمَّى نِزَارًا … وأسكَنَهُم بمكَّة قَاطِنينَا
أي: علمت ذلك.
ويجوز وصفه بأنَّه "جَمِيلٌ" و"مجمل" على معنى مجمل في الصُّنْعِ إلى خلقه، ومبتدئ لهم بالإحسان، وتَوَاصل الإنْعام، وقد يكون على الرفعة، وكمال الصِّفات، والنَّزاهة عن النقائص، وقد قال -ﷺ-: "رَأَيْتُ ربِّي في أحسن صُورة" وقد تقدم الكلام في ذلك في أول الكتاب.
ويجوز وصفه بأنَّه "دَيَّانٌ" (^١) وهو على وجهين: أحدهما: أنْ يُراد به دَيَّنَ عباده بما شَرعَه لهم ودعاهم إليه، وفرضه عليهم.
والثاني: أنْ يُراد به المُجاَزي لعباده على أفعالهم، كما يُقال: كما تَدِينُ تُدَان، وكما تفعل يفعل بك، يُريد به الجزاء، ومنه قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، يعني: يوم الحساب.
ويجوز وصفه بأنَّه "مُقِّدر" وهو على وجهين:
أحدهما: بمعنى مخبر ومعلم، ومنه قوله تعالى ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧]، أي أخبرنا بذلك وحكمنا به.
_________________
(١) ورد هذا الاسم "الديان" في حديث عبد الله بن أنيس -﵁- قال: سمعت رسول -ﷺ-: "يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلًا بهمًا، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان .. " رواه أحمد (٣/ ٤٩٥) وابن أبي عاصم في السنة (٥١٤) والحاكم (٤/ ٥٧٤) وصححه ووافقه الذهبي والألباني. وقد أخرجه البخاري تعليقًا في التوحيد (١٣/ ٤٥٣).
[ ٦٧٨ ]
الثاني: معناه التَّقْدير للشيء وجعله على مقدار، ومنه قول تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩] وقوله ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] (^١).
ولا يجوز وَصْفُه بأنَّه مقدر للشيء بمعنى الظن والشك، كقوله القَائل: قدَّرت زَيدًا عبدي، أي ظننت وحسبت، يتعالى عن ذلك.
ويوصف سبحانه بأنَّه "موجود" فيجوز أنْ يعني به أنه موجود لنفسه، ويجوز أنْ يعني به وجود غير به، وهو علم غيره به (^٢) ورؤيته له.
ويجوز وصفه بأنه "نَاظِرٌ" على معنى رائي مُدْرك للمرئيات، وعلى معنى ناظر لخلقه بمعني مُنْعِم مُتَفَضِّل عليهم، وراحم لهم، ومتعطف عليهم (^٣).
ولا يجوز حمله على أنَّه بمعنى: مروي ومُفكر، لأنَّ ذلك لا يجوز عليه. ويجوز وصفه بأنَّه "شَفِيق" (^٤) على معنى الرأفة والرحمة، ولا يجوز حمله على الخَوف والحزن من نزول ضرر.
وكذلك وصفه تعالى بأنَّه "رَفِيقٌ" إذَا عُنِي به الرحمة للعباد، والتَّعطف عليهم (^٥)، وكذلك عطوف وعاطف.
_________________
(١) انظر النهج (٢/ ١١٢ - ١١٥).
(٢) كذا في الأصل!
(٣) الفعل (نظر) له عدة استعمالات في اللغة، حسب تعديه بنفسه أو بحرف الجر، فإن عدي بنفسه، كان بمعنى التوقف والانتظار، كقوله تعالى ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] أي انتظرونا. وإنْ عُدي بحرف (في) فمعناه النظر والاعتبار، كقوله تعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وإن عدي بحرف (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩].
(٤) وصفه تعالى بأنه "شفيق" لا أعلم له دليلًا من الكتاب أو السنة الصحيحة.
(٥) ثبت أن من أسمائه تعالى "الرفيق" كما في صحيح مسلم، انظر النهج (٣/ ٨).
[ ٦٧٩ ]
وأنْ عُنِيَ التَّثبت في الأمور والتعجب والاحتمال في إصْلاحها، والسَّلامة من عَوَاقبها، لم يجز.
ويجوز وصفه بأنَّه "سَخِي" على معنى التَّفضل والإحسان، والكرم والعطاء والجود (^١).
ولا يجوز أن يُقصد به اللين والرخاوة وما يعني به أَرْض سخية، وقرطاس سَخَاوِي.
ويجوز وصفه بأنَّه: آمِرٌ ونَاهٍ، ومُبيح وحَاظَر، ومُحَلِّل ومُحَرِّم، وفَارِض ومُلْزِم ومُوجب ونَادِب ومُرْشِد، وقَاض وحَاكم، إذا عُني بالقضاء والحكم: الأمر والإيجاب، نحو قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي أمر وألزم، وكذلك قول ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥] (^٢).
وكذلك يُوصف بأنَّه: وَاعِدٌ ومُتَواعِدٌ، وُمخَوفٌ ومُحَذِّرٌ، وذامٌّ ومَادِح، ومُخَاطِبٌ ومُتَكَلِّمٌ، وقَائِل، إلى أمثال ذلك، العائد جميعها إلى أنَّه مُتَكلِّم، لأنَّ الإيجابَ والفرض، والندب والأمر والنهي، راجع إلى كونه مُتكلمًا.
ويجوز وصفه تعالى بأنَّه مُعْدِمٌ وأنَّه يعَدم، ويفيد نفي فعل من أفعاله، وهو عدم الثواب والعقاب بمعنى أنَّه لم يفعل ذلك ولم يوجده، ويوصف بأنَّه معدمٌ لما أَوجده بعد إيجاده، ومعناه: أنه لم يَخلق له البَقاء بعدمِ عند قطع بقائه، الذي كان يصح خلقه له.
_________________
(١) لم يثبت وصفه تعالى بالسخي، إنما الذي يثبت وصفه بالكريم. انظر النهج (١/ ٣٧٥ - ٣٧٧).
(٢) هذه أخبار يجوز الإخبار بها عن الله تعالى، وباب الأخبار أوسع من باب الأسماء والصفات، كما سبق، وانظر النهج (١/ ٤٢ - ٤٣).
[ ٦٨٠ ]
ويجوز وصفه بأنه لم يزل معدمًا، على معنى لم يزل موجدًا لفنائه، والحَشْر والنشر، كما أنَّه اليوم غير موجد لذلك، فأما أنْ يُوصف بأنَّه لم يزل مُعْدِمًا للشيء بعد وجوده فلا يجوز، لأنَّه يقتضي أنْ يكون المعدوم موجودًا قبل عَدَمِه، وهذا لا يجوز (^١).
ويجوز وصفه بأنَّه "فاعل" وحقيقة ذلك أنَّه مخترع لذاتِ ما فعله بقدرته، وجاعل له نَفْسًا وذَاتًا بعد أنْ لم يكن كذلك، لأنَّه قد ثبت وجود حدوث ذوات الحوادث وتعلّقها بمحدثٍ أحدثها، فيجب أنْ يوصف الله تعالى بأنَّه فاعل على وجه الاستحقاق (^٢).
ولا يجوز وصفه بالمباشرة والتَّوَلُّد، لأنَّ المباشرة في الحقيقة تَلَاقي الأجسام ومُمَاستها (^٣) ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولا نصفه بالتَّولد، لأن معنى التولد أنَّه فعلٌ واقع عن سببٍ أوجبه وولَّده، وهذا القسم لا أصل له عندنا في أفعال الله (^٤) ولا في أكساب الخلق، لما تذكره من الأدلة على إبطالِ القول بالتَّولد،
_________________
(١) هذه من المسائل الدقيقة، وهي متعلقة بمسألة الحوادث التي لا أول لها. وانظر شيئًا من الكلام عليها في: درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٣٤) وما بعدها.
(٢) جاء وصف الله تعالى بالفعال في قوله سبحانه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. وذكره الحليمي والبيهقي والقرطبي والسعدي وغيرهم في الأسماء.
(٣) في الأصل: ممامستها، وهو خطأ.
(٤) التولّد لا يكون إلا من أصلين، كما قال تعالى ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. فبين سبحانه بطلان كون الولد له من غير صاحبة، وليس في الموجودات ما يكون وحده مولدًا الشيء، بل خلق الله تعالى من كل شيء زوجين، وهو سبحانه الواحد الأحد الذي لا زوج له. انظر درء تعارض العقل (٧/ ٣٦٩ - ٣٧٤) وقد سبق الكلام على المماسة والمباشرة في الجزء الأول (ص ٢٠٦ - ٢٠٨).
[ ٦٨١ ]
فكانت الأفعال مقسمة قسمين:
أحدهما: هو الكسب الموجود بذات القادر عليه، وهو الموصوف بأنَّه مباشر، وهو جميع أكساب الخلق.
والثاني: لا يُوصف بذلك وهو الموجود لا في ذات فاعله، وهو جميع أفعال الله تعالى، لا ثالث لهذين القسمين.
ويجوز أنْ يُوصف تعالى بأنَّه "تَارَكٌ" في الحقيقة، كما يوصف بأنَّه فاعل، ومعنى ذلك أنَّه فاعل لِضِّد فعل آخر يقدر على فعله بدلًا منه، وليس معنى ترك التارك للعقل كفّ نفسه ومنعها مما تدعو إلى فعله، ولا هو مقصور على أفعال القُلُوب، فجاز وصفه سبحانه بذلك (^١).
ويجوز وصفه بأنَّه "مُوجِدٌ" لأنَّ ذلك يفيد وجود ذَاتِ الفعل بقدرته، ويوصف بأنَّه معدم على معنى أنَّه لم يفعل ما قيل إنه أعدمه (^٢).
ويجوز وصفه بأنَّه "مكون" لأنَّ لما كان فعله تعالى كائنًا، بمعنى موجودًا عن عدم، جاز وصفه بذلك.
ويجوز وصفه بأنَّه "مُثْبت للفعل" ومعنى إثباته له هو إيجاده.
ويجوز وصفه بأنَّه "جاعل" بمعنى فاعل، لأنَّ معنى مجعول: مفعول، ومنه قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] وقد يكون الجعل بمعنى الحكم والتسمية،
_________________
(١) وقد ورد ذلك في آيات من كتاب الله تعالى كقوله ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]. وقال ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]. وقال ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧] وغيرها.
(٢) "الموجد" ليس من أسماء الله تعالى، ويجوز استعماله على وجه الإخبار عن الله سبحانه، كما تقدم بيانه وكذا ما بعده.
[ ٦٨٢ ]
ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩].
ويجوز وصفه بأنَّه "عَامِل وصَانع" لأنه قد عمل فعله وصنعه (^١)، ولا يجوز وصفه بأنه مكتسب، لأنَّ معنى الكَسْبِ هو القَادر على ما وُجِدَ بذاته، بقدرةٍ مُحدثة، والله يتعالى عن وُجود الحوَادِث بذاته (^٢)، وعن كونه قادرًا بقدرة محدثه، ولأنَّ وصف الكسب يُفيد ما تمسُّ الحَاجة إليه، ويُجتلبُ به النَّفع ويدفع به الضرر، ولذلك يقال: عَبدٌ كَسُوب، ورجَلٌ كسُوب، إذا كان ينتفع بتصرفة.
ويجوز وصفه بأنه "مُصيبٌ" على معنى أنَّ أفعاله كلها غير متفاوتة عليه، بل واقعةٌ بحسب قصده وإرادته، ويجوز وصفه بذلك على معنى أنَّه عالمٌ بها وبكيفية حدوثها وحقائقها وأوصافها، وإنْ لم يقع شيءٌ منها مع الجهل به، ويجوز وصفه بذلك على معنى أنَّ جميع أفعاله مُحْكَمة مُتْقَنة من حيث خَلقها كذلك، وقصدها على ما هي عليه، وجوز وصفه بذلك على معنى أنَّه مُحِقٌّ في فعلها، غير مُتَعَدٍّ في شيء منها، ولا متجاوز به حَدًّا ورَسْمًا (^٣).
_________________
(١) وقد صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" وتلا بعضهم عند ذلك ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. رواه البخاري في خلق أفعال العباد" (١١٧) والبيهقي في الأسماء (ص ٢٦٠) عنه والخطيب في تاريخه (٢/ ٣١) عن حذيفة -﵁- به. قال البخاري بعده: فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة.
(٢) قوله "والله يتعالى عن وجود الحوادث بذاته" هذا النفي لا دليل عليه في كتاب ولا سنة. وقصد به المعطلة، تعطيل صفات الفعل لربنا سبحانه، كالكلام والرضا والغضب والاستواء والسمع والبصر واستجابة الدعاء وغيرها، وهذا باطلٌ مخالف لما ثبت من صفات الكمال لله تعالى شأنه في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، انظر: درء تعارض العقل النقل (٢/ ١١٥) وما بعدها.
(٣) وردت آيات في هذا الفعل، كقوله تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقوله ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقال ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦] وغيرهما من الآيات.
[ ٦٨٣ ]
ولا يجوز أن يُقال أنَّه مصيب في أفعاله، على معنى أنَّه مُوافِقٌ بها أَمْرُ آمرٍ له بفعلها، لأنَّه يَتَعَالى عن ذلك.
وقد يُوصف العبد بأنَّه مصيب، على معنى أنَّه مُطيع ومُتَّبِع بالفعل طاعة من تجب طاعته، ومنقادٌ لأمره.
ويجوز وصف أفعاله بأنَّها صوابٌ، على معنى أنَّها حق، وهذا سَبيل جميع أفعاله.
ويجوز وصفه بأنه "مُثَيِبٌ" ومعناه: يَجعل المثاب معظمًا على ما كان منه من الطاعة، التي جَعَلها الله سبحانه علامةً على إثابة المطيع (^١).
وكذلك وصفه بأنَّه: مُنْعِمٌ ومعاقب ومجاز، بقصد الإهانة والإيلام للعاصي على ما كان من معصيته.
* * *
_________________
(١) قد ورد في القرآن أنه تعالى يثيب، كقوله تعالى ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ٨٥]. وقوله سبحانه ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] وقوله ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤٨].
[ ٦٨٤ ]
فصل
٣٠١ - نقلت من خط أبي إسحاق مرة تعاليقه على كتاب "العِلَل" لأبي بكر الخلال بإسنادة: عن أبي بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول: جاء رجلٌ إلى أحمد بن حنبل فقال له: لله تعالى حَدٌّ؟ قال: لا يَعلمه إلا هو، قال تعالى ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] (^١).
وظاهر هذا جواز إطلاق الحد عليه، لا على وجه الإحاطة لكن على وجه يعلمه، كما جاز إطلاق ذات على وجه يعلمها، وكذلك جاز إطلاق شيء، وإنْ كُنَّا نعلم أنَّ الشيء في الشَّاهد ما كان مَحْدُودًا.
* * *
_________________
(١) لفظ "الحد" لم يرد في القرآن ولا في السنة، وقد سبق التنبيه عليه.
[ ٦٨٥ ]
فَصْل
وجميع الأسماء والصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، أو وصفه بها رسوله، قَدِيمةٌ مَوْصُوفٌ بها فيما لم يَزَل، ولم يَزَلْ بصفاته خَالقًا رازقًا مُوجدًا مُعْدِمًا محُييًا مُميتًا مُعَافيًا (^١).
٣٠٢ - وقد قال أحمد في رواية حنبل: لم يَزَل متكلمًا عَالمًا غفورًا.
فقد نص على أنَّه لم يَزل غفورًا، والغُفْران من صفات الفعل في خلقه، وقد أثبتها ولا مغفور له، فدلَّ من مذهبه على قِدَمِ هذه الصِّفات.
٣٠٣ - وقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن شاقلا هذه المسألة مُفْردةً نقلتها من خط أبي بكر الكِشَّي من أصحابنا فقال: قد زَعَمَ أحد ممن يَدَّعي أنَّه من المثبتة: أنَّ أسماءه ما كان منها من صفات الذات لم يزل بها، وما كان من صفات الفعل فهي الكائنة بعد أنْ لم تكن (^٢)، قال: وهذا قول مُبْتَدع لم يَسبق إليه إمامٌ متبع، قال: وقد قال أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث العُبادي وأبي بكر أحمد بن هاني: من زَعَمَ أنَّ أسماء الله مخلوقة فقد كفر، ولم يزل الله متكلمًا (^٣).
٣٠٤ - وقال في رواية أبي داود: من قال إنَّ أسماءَ الله مَخْلُوقَةٌ فقد كَفَرَ.
وكذلك نقل إسحاق بن إبرهيم (^٤).
فقد أخذ أبو إسحاق بظاهر كلام أحمد، وأنَّ الأسماء قديمة ولم يفرق أحمد.
_________________
(١) قد سبق ذكر ذلك، انظر (ص ١٢).
(٢) كتبت في الأصل بالتاء والياء، ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
(٣) انظر ما سبق.
(٤) انظر مقدمة الكتاب (ص ٥٤). وانظر طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٩) لواقح الأنوار البهية (١/ ١١٩).
[ ٦٨٦ ]
وهو قول الكَرَّامِيَّة، إلا أنَّ الكَرَّامية تقول: جميع ذلك يرجع إلى قدرته على الفعل، وإرادته له وعلمه بكونه.
خلافًا للمُعْتَزلة في قولهم: جميع الأسماء محدثة، وجميع الصفات، وأنَّها غير المسمَّى وغير الموصوف.
وخلافًا للأشْعَريَّة في قولهم: الأسماء والصفات على ضربين: فما كان من صفاتِ الذَّات، كالعلم والقدرة والكلام والإرادة، فهو قديم.
وما كان من صفات الفعل، كالخلق والرزق والإحْسَان والرحمة ونحو ذلك، فهي محدثة، وأنَّه مَوصوفٌ بها عند وجود الفعل، ووَصْفُه لنفسه بها في القِدَم مجازٌ لا حقيقة، وربما امتنع بعضهم من إطلاق هذه التَّسمية في القدم قبل وجود الخلق والرزق منه، وقال: لا يجوز وصفه بذلك لا حقيقةً ولا مجازًا (^١).
_________________
(١) أما الجهمية فإنهم ينفون الأسماء والصفات، فلا يسمون الله تعالى بشئ؟! وروي عن الجهم أنه قال: لا يُسمى باسم يُسمى به الخلق، إلا بالخالق القادر؟! انظر النبوات لشيخ الإسلام (ص ١٩٨) ومجموع الفتاوى (١٢/ ٢٣١١). أما المعتزلة فقد استعظموا ذلك لما فيه من تكذيب القرآن، فأقروا بالأسماء ونفوا الصفات؟! فصاروا هم كذلك متناقضين، فإن إثبات حي عليم حكيم سميع بصير، بلا حياة ولا علم ولا قدرة ولا حكمة ولا سمع ولا بصر، متناقض ومكابرة للعقل، كإثبات مصل بلا صلاة، وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام!! وقد قال أبو الحسن الأشعري في الإبانه (ص ١٠٧ - ١٠٨) إنما منعهم من إنكار الأسماء خوف السيف، فأتوا بمعناه! أما الأشاعره والماتريدية والكلابية: فقد أثبتوا الأسماء الحسنى، لكن أثبتوا معاني بعضها، وحرفوا معاني البعض الآخر، وهو مبني على قولهم في صفات الله تعالى. فالكلابية وقدماء الأشاعرة ينفون الصفات الاختيارية، وبالتالي لا يثبتون معاني الأسماء التي اشتقت من الصفات الاختيارية. =
[ ٦٨٧ ]
فأما المعتزلة فالكلام في غير هذا الموضع.
وأَمَّا الأشعرية فالدلالة عليهم قوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨] وقال ﴿الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] فوصف نفسه بهذه الأشياء فيما لم يزل، امتدح بها بقوله ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ولا يجوز أن يُسمى ويمتدح بما هو معدومٌ في حقة، لأنَّه يُفضي إلى أنْ يقع الخبر بخلاف مخبره.
فإن قيل: معنى قوله خالق، أي سيخلق وسيرزق.
قيل: فيجب أنَّ تقول مثل هذا في قوله ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] معناه سيعلم إذا خلقهم، وكذلك قوله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] معناه سيقدر؟ ولمّا لم يَجزْ هناك، كذلك ها هنا.
وأيضًا: فإن هذه الأسماء والصفات وصف بها نفسه فيما لم يزل، فيجب أن تكون قديمة له، كالعِلّم والقُدرة والإرادة والكلام، ونحو ذلك.
فإنْ قيل: تلك الصفات مُتَعَلِّقة بالذات، فهي موجودة بوجود الذات، فلهذا كانت قديمة، وهذه متعلقة بالأفعال والأفعال محدثة.
قيل: هذا لا يصح لوجهين.
_________________
(١) = وأما المتأخرون من الأشاعرة والماتريدية، فإنهم لا يثبتون إلا سبع صفات؟ هي: العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والإرادة والكلام. وأما بقية الأسماء التي لا تتفق مع ما أثبتوه من الصفات، فإنهم لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني، بل يحرفون معانيها كتحريفهم لمبانيها كتحريفهم لمعنى "الرحمة" في اسمه تعالى "الرحمن" إلى إرادة الثواب أو الإنعام، وغيره. انظر مقالات الإسلاميين (ص ١٦٩) والتحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية، ومجموع الفتاوى (٦/ ٣٥ - ٣٩) والماتريدية (ص ٢١٧) لأحمد الحربي.
[ ٦٨٨ ]
أحدهما: أنَّه لا يمتنع أنْ تكون هذه الصِّفَات مُشْتقَّة من أفعالٍ لم توجد، ويكون موصوفًا بها قبل وجود الفعل لتحقق الفعل منه، كقولهم: سيف قطوع، وإنْ لم يوجد القطع منه، لتحقق القطع منه، وكذلك قولهم: خُبز مُشِبع، ومَاء مُرْوي، كلُّ ذلك يوصف به وإن لم يوجد الفعل لتحقق الفعل، وكذلك قولهم: رَجَلٌ مُسَافر، ورجل حَاج، وإن لم يوجد ذلك منه.
ولا يصح قولهم: إنَّ ذلك مجاز، لأنَّ الأصل في كلامهم الحقيقة، فمدّعي المجاز يحتاج إلى دليل (^١) والذي يُبَيِّنُ أن هذا الكلام حقيقة أن المجاز يصح نفيد عن المسمَّى، كما يصح نفى تسمية الأب عن الجَدِّ، والحقيقة لا يصح نفيها كما لا يصح الأُبَّوة عن الأب الأدنى، وقد ثَبَتَ أنَّ لا يصح النفي عن السيف القاطع، وعن الماء المروي، وعن الخبز المشبع، قبل وجود الفعل منه، فدلَّ على أنَّه حقيقة (^٢).
والثاني: أنَّ تعلق هذه الصِّفات بمفعول لا يمنع وصفه بها في القِدم، كما وصفناه بالمحبة لمن علم أنَّ يوافي بالإيمان وبعضه لمن علم أنَّ يُوافي بالكفرِ
_________________
(١) الفرق الكلامية تقسم الألفاظ ذات المعاني إلى حقيقة ومجاز، ويقصدون بالحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له، وبالمجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. وقد اعتمدوا على قولهم بالمجاز في تأويل النصوص عن ظواهرها ومعانيها الواضحة المعروفة من كلام العرب! ولا شك أن القول بالمجاز لم يعرفه السلف، ولم يتكلموا فيه، إنما هو اصطلاح حادث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص، وكان منشؤه من جهه المعتزلة والجهمية، ومَن سلك طريقهم من المتكلمين، وتوصلوا به لنفي المعاني الحقّة. انظر الإيمان لشيخ الإسلام (ص ٧٣) ومختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٥) وللشنقيطي ﵀ رسالة منع جواز المجاز.
(٢) أي: مما يدل على فساد القول بالمجاز، قول القائلين به: إن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقًا في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا في الوغى، ليس بأسد وإنما هو رجل شجاع: فليزم على القول بأن في القرآن مجازًا، أن في القرآن ما يجوز نفيه؟!!
[ ٦٨٩ ]
في القدم قبل وجود المحبوب والمبغوض، وكذلك هو موصوف بأنَّه داعي إلى الحق، وهادِ إليه وإنَّ لم يكن مَدعوًا، وكذلك وصفه بأنَّه مؤمن بمعنى مُصدِّقٌ لنفسه ورسله، وإن كانت الرسل معدومة وقت وصفه بذلك، وكذلك وصفه بالأمر والنهي والخبر فيما لم يزل، وإنَّ لم يكن هناك مأمُورًا ولا مَنهيًا ولا مُخبرًا، كذلك لا يمتنع وصفه بالخلق والرزق والإحسان، قبل وجود هذه الأفعال.
فإنْ قيل: تلك الصفات التي هي العلم والقدرة عدمها يوجب النقص في حَقَّه سبحانه، لأنَّا لو قلنا إنَّ علمه مُحدث، أفضى إلى الجهل قبل ذلك، وكذلك لو قلنا: إن له قدرة محدثة أفضى إلى العجز، وليس كذلك في نفي وصفه بالخلق والرزق عنه في القِدَم، لأنه لا يفضي إلى النقص في حَقِّه، كالمحبةِ والبغض عدمها لا يفضى إلى النقص في حقه.
قيل: لا يمتنع إثبات هذه الصفات قديمة، وإن كان نفيها لا يُفضي إلى النقص في حَقِّه، كالمحبةِ والبُغض، عدمها لا يُفضي إلى النقص، ومع هذا هو موصوفٌ بها في القدم، وكذلك الأمر والنهي وغير ذلك مما ذكرنا، وعلم أنَّه إن لم يُفّضي إلى النقص، فإنَّه يفضى إلى أن يقع الخبر بخلاف مخبره.
٣٠٥ - واحتج المخالف بما رواه هَنَّاد في كتاب الزُّهد بإسناده: عن سلمان قال رسول الله -ﷺ-: إنَّ الله خَلقَ يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ مائة رَحْمة، كُلُّ رَحْمةٍ طِباقِ السَّماءِ والأَرضِ، فجعل في الأَرْضِ منها رَحْمةً فِبهَا تَعْطُفُ الَوالدةَ على ولَدِها والوَحْشُ والطَّير، وأَخَّر تِسْعًا وتسعينَ إلى يَومِ القيامة، فإذا كان يَومُ القيامةِ أكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمةِ
[ ٦٩٠ ]
مائة، فَقَصَّها على المتقين" (^١).
قالوا: فقد نصَّ على أنَّ الرَّحمة مخلوقة، وإن كانت من صفاته!
والجواب: إنَّ الخَلْقَ واقع على أسبْاب الرحمة، لأنَّ الرحمة التي هي صفة الله تعالى، هي التَّعَطُّف والتكرم والمغفرة، وأسبابها هو فعل الطاعات والقُربِ التي توجد من جهة العبد، فأسبابها متسعة، وذلك مخلوق (^٢).
وقوله: "فإذا كان يوم القيامة، كمَّلها بهذه الرحمة" معناه: أنَّه يكمل لهم ثواب تلك الأسباب كلها، بفعل السَّببِ الواحد، الذي أنزله تَكَرُّمًا منه وتفضلًا به.
ونظير هذا الإيمان الذي هو صفته (سبحانه) كالإيمان بوحدانيته وبصفاته، هو قَدِيمٌ، والهداية التي تحصل للعبد فيتوصل بها إلى ذلك الإيمان، هي غير الإيمان وهي محدثة، لأنَّ الهداية في انشراح الصدر بالإيمان، وذلك غير الإيمان (^٣).
_________________
(١) الزهد لهناد (١٣١٩) والحديث أخرجه مسلم في البر والصلة (٤/ ٢١٠٩). ورواه البخاري (٦٤٦٩) ومسلم (٤/ ٢١٠٨) عن أبي -﵁-. أما الجملة الأخيرة "فقصها الله على المتقين" فقد تفرد بها هناد، ولعل معناها: فقصها الله على المتقين بشارةً لهم، وانظر التعليق على الزهد.
(٢) رحمة الله تعالى التي هي صفته، غير ما خلق للناس من رحمة ونعمة وفضل، مما هو مقتضى رحمته سبحانه بخلقه، كالمطر وأنواع الأرزاق والأنعام والأزواج والأولاد، وإنزال الكتب وإرسال الرسل … إلخ وانظر كتابنا النهج (١/ ٨٥) وما بعدها.
(٣) "المؤمن" من أسماء الله تعالى، وهو المصدق لنفسه. والموحد لها، كما قال ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]. وأيضًا هو المصدق لرسله بإظهار الآيات على أيديهم، وهذا غير التصديق واليقين والسكينة، والتي تكون بأمر الله تعالى في قلوب المؤمنين المصدقين. وفي المسألة تفصيل مهم. انظره في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٧/ ٦٥٥ - ٦٦٤).
[ ٦٩١ ]
٣٠٦ - واحتُجَّ بما روى جابر: قال رسول الله -ﷺ- "من قال حين يسمُع النِّداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التَّامة، والصَّلاة القَائمة، آتِ مُحمدًا الوَسيلةَ والفضِيلةَ، وابْعثْه المَقَام المَحْمودَ الذي وعَدْتَّه، إلا حَلَّتْ له الشَّفاعة يَومَ القيامة" (^١).
فقد وَصَفَ أَلفاظَ الأذان بأنَّ لها رب، وما له رب فهو مخلوق.
والجواب: أنَّ تقديره ربَّ ثواب هذه الدعوة، فحذف المضاف، وهذا جائزٌ في كلامهم قال تعالى ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] وتقديره: صاحب قول الحقِّ، وكذلك قوله ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ [الواقعة: ٥٥] وتقديره: مِثل شرب الهيم، وثواب هذه الكلمات مخلوق، لأنَّ ثوابها تفَضُّلِه وإنْعامه بالجنَّةِ ونعيمها (^٢).
وقد قيل: إنَّه لا يجوز أنَّ يكون ذلك راجعًا إلى بعض الكلمات، وهو الدعاء إلى الصلاة، وليس يمتنع أنْ يرجع الكلام إلى بعض المذكور، كما قال تعالى ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٤] والمراد به بعضها.
وقيل: يجوز أن يكون راجعًا إلى أفعال الصَّلاة، لأنَّه قد تقدم ذكرها، ولا يمتنع مثل ذلك، كما قال تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٢ - ٣٣] وكان المراد بعض المذكور، وهو الخيل دون الشمس (^٣).
_________________
(١) ورواه البخاري في الأذان (٦١٦) وفي التفسير (٤٧١٩) ورواه مسلم من حديث ابن عمرو -﵄- في الصلاة (١/ ٢٨٨) من وجه آخر.
(٢) قوله "رب هذه الدعوة التامة" أي: صاحبها. وقيل المقيم لها، والزائد في أهلها والعمل بها، والإجابة لها (نهاية) والمراد بالدعوة: دعوة التوحيد، لأن الشرك نقص، أو تامة لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور. وقال ابن التين: وصُفت بالتامة لأن فيها أتم القول، وهو: لا إله الا الله. انظر الفتح (٢/ ٩٥).
(٣) قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: الدعاء، وبالقائمة الدائمة، من =
[ ٦٩٢ ]
واحتجَّ بأن الخلق مشتقٌ من فعل وصادر عنه، كما أنَّ قولهم عالم ويعلم ويصدر عن العلم، وما كان مشتقًا من شيء لا يصح إشتقاقه مع عدم ما اشتق منه.
والجواب عنه ما تقدم من الوجهين: أحدهما: قولهم سَيْفٌ قطوع، وخبزٌ مشبع وإنْ لم يوجد الفعل. والثاني: وصفه بالأمر والنَّهي، والمحبة والبغض مع عَدَمِ معانيها.
واحتجَّ بأنَّه لو كان قولنا خالق ورازق تجري مجرى قولنا: عالم، لم يصح أن يقال يقدر على أن يخلق ويرزق، كما لا يصح أنْ يقال يقدر أنْ يعلم وأنْ يسمع ويبصر، ولمَاَ جاز ذلك عليه بقوله: ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] دلَّ على أنَّ ذلك من صفات الفعل.
والجواب: أنَّ قولنا يقدر أنْ يخلق، معناه أنَّ الخلق الذي هو المخلوق داخل تحت القدرة، فأمَّا وَصْفُهُ بالخلق فلا يدخل تحت القدرة (^١).
كالمعلوم داخل تحت القُدرة، والعلم الذي هو صفته لا يدخل تحت القدرة. ولا يصح تأويل الكراميَّة على معنى أنَّه يعلم أنَّه سيخلق، ويريد أن يخلق وهو قادر عليه.
لأنَّه لو جاز ذلك، لجاز لأحد أنْ يقول لمن هو قاعد: إنَّه قائم على الحقيقة، إذا علم أنَّه سيقوم أو يريد أنْ يقوم، وإنْ لم يحصل منه القيام.
_________________
(١) = قام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: "الصلاة القائمة" بيان للدعوة التامة. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: المعهودة، والمدعو إليها حينئذ وهو أظهر. (المصدر السابق).
(٢) قدرة الله ﵎ يدخل فيها أفعال نفسه وأفعال العباد، فأما قدرته في أفعال نفسه فهو كقوله ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وقوله ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ وقوله ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ونظائره كثيرة، وأما قدرته على الأعيان والمخلوقات فكقوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ وقوله ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ وقوله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وغيرها. انظر مجموع الفتاوى (٨/ ١٠) وما بعدها.
[ ٦٩٣ ]
ولأنَّ الإشتقاق من القدرة، قَدَرَ يَقْدِرُ فهو قَاِدرٌ، وكما لا يجوز أنْ يقال: قدر فهو خالق، كذلك لا يجوز أنْ يقال: خلق فهو قادر.
فصل
ويجوز وصفه بأنَّه قديم الإحسان (^١).
٣٠٧ - وقد ذكر ابن إسحاق هذا ونصَّ عليه في أثناء الكلام في هذه المسألة، خلافًا للأشعرية في قولهم لا يجوز وصفه بذلك.
دليلنا أنَّ هذا مبني على ما تقدم، وأنَّ الإحسان صِفَةٌ قديمة، فما دَلَّلْنَا به هناك فهو دلالة ها هنا.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] فوصف إحسانه إليهم بالسبق في القِدم، فدل على قدمه.
٣٠٨ - وروى أبو حفص بن شاهين في مسألة عملها في جواز القول: يا قَدِيَم الإحْسَان، فقال نا محمد بن سليمان الحراني قال نا الحسين بن محمد بن
_________________
(١) لم يرد قوله: "قديم الإحسان" في حديث مرفوع صحيح، وإنما ورد في أدعية جماعة من أهل العلم، كابن القيم في حادى الأرواح (١/ ٢٦٤) إذ قال: فإنه ﷾ دائم المعروف، لا ينقطع معروفه أبدًا، وهو قديم الإحسان. ويقول الامام النووي في الأذكار (١/ ٥٣٦) باب الدعاء والتضرع: "ويقول يا قديم الإحسان، يا من إحسانه فوق كل إحسان، يا ملك الدنيا والآخرة … ". وقد ورد في السنة وصف بعض صفات الله تعالى بالقدم، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو عن النبي -ﷺ- أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم". فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم" رواه أبو داود في الصلاة (٤٦٦) عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو .. فذكره وإسناده حسن. وقوله "وسلطانه" أي: غلبته وقدرته وقهره العباد على ما أراد. وقوله "القديم" أي: الأزلي الأبدي، وعلى هذا فيصح وصفه تعالى بذلك.
[ ٦٩٤ ]
بحر بمصر قال: سمعت أبا الفَيض ذا النون المصري يقول: أوحى الله ﷿ إلى يعقوب: يا يعقوب تَمَلَّقني، قال: يا ربِّ كيف أتَملَّقك؟ قال: قل يا قديَم الإحْسَان، يا دائم المعروف، يا كثير الخير، قال فأوحى الله إليه: لو أمت ابنك لأحييته لك.
وهذا نص في جواز وصفه بذلك، ولأن هذا مُسَتفيضٌ على أَلْسِنة المُسلمين في دعائهم عصرًا بعد عصر، ولا يجوز أنْ يُجمعوا على مُنكر.
فإنْ قيل: معنى قولهم: يا قديم العلم بالمعلومات، أو يكون معناه تقادم إحسانه على إحسان خلقه، وإنْ كان حادثًا في نفسه.
قيل: أمَّا قولك أنَّ معناه: يا قديم العلم، فلا يصح لأن الإحسان اسم للْإنعَام والتَّفضل، فلا يُحمل على العلم، ولأنَّ الاشتقاق من الإحسان: أَحْسَنَ يُحْسِنُ فهو مُحْسِنٌ، فكما لا يجوز أنْ يُقال: علم فهو محسن لذلك لا يجوز أن يقال: أحسن فهو عالم، وأمَّا حمله على تقدم إحسانه على إحسان خلقه، فلا يصح لأنَّه يُسقط فائدة التخصيص، لأنَّ بعض خلقه قد يتقدم إحسانه على إحسان غيره من الخلق.
فإن قيل: لا خلاف أنَّ إحسانه الذي هو إنعامه وتفضله محدث مخلوق، فكيف يجوز وصفه بالقِدم؟
ولئن جاز وصفه بذلك جاز وصفه: يا قديم الخلق، يا قديم الرزق.
قيل: المحدث المخلوق هو المُنْعَم به والمُتَفَضَّل به، فأمَّا الإحسان والإنعام فهما غيره، كما أنَّ المعْلُوم غير العلم، والمخبر غير الخبر، والمأمُور غير الأمر، والمَنْظُور غير النَّظر، والمراد غير الإرادة.
فإنمَّا لم يجز لأنَّ الخلق هو المخلوق، والمخلوق محدث والرِّزق هو
[ ٦٩٥ ]
نفس العطاء، والعطاء مخلوق، فأمَّا الإعطاء فهو صِفَةُ المُعطي فهو قديم، فعلى هذا يجوز أنْ يُقال: يا قديم الإعطاء، فإذا كان كذلك، فالإحسان صفة المحسن، والمحسن به غير الإحسان، فهو محدث.
فَصْلٌ
والصفات المتعلقة بالفِعل نحو الاستواء على العرش، والنُّزول إلى السماء، والمجيء في ظُلَلٍ من الغمام، ووضع القدم في النَّار، ووضع السَّمَاوات على إصْبع، والغَضَب والرِّضَا، والضَّحِك، والخَلْق والرِّزق، إلى أمثال ذلك، لا يمتنع أنْ نقول إنها صفات ذاتٍ، تَتَجَدَّد له بتجدّد أسبابها، كالإدراك وهو النظر إلى المحدثات، وهو صفة ذات، تَتَجَدَّد له بتجدّد المُدْرَكات المرئيات (^١).
ولا يجوز لبعض المعتزلة أنْ يَقول: إنَّ الإدراك معناه معنى العلم، لوجهين:
أحدهما: أنَّ هذا القائل يقول بأنَّ الله مَعلومٌ وليس بمدرك ولا مرئي، فامتنع أنْ يكون معنى الإدراك معنى العلم (^٢).
_________________
(١) أفعال الله تعالى نوعان: لازم، ومتعدَّ. فالأفعال اللازمة هي التي تقوم بالفاعل، والأفعال المتعدية هي التي تتعدى إلى مفعول. وقد ذكر الله تعالى النوعين في قوله سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فخلق السماوات والأرض فعل متعد، واستواؤه على عرشه فعل لازم. انظر شرح الطحاوية عند قول الطحاوي: "ذلك بأنه على كل شيئ قدير" (ص ٩٠ - ٩٦) بشرحنا، ومجموع الفتاوى (١٨/ ٧) (٨/ ١٨ - ٢٧) لشيخ الإسلام.
(٢) نعم لا يجوز تفسير الرؤية والبصر لله تعالى بالعلم؟! بل هو تحريف للصفة الثابتة بالأدلة الكثيرة، من القرآن والسنة النبوية وقد سبق كلام المصنف عليها مع التعليق في الجزء الثاني (ص ٣٣٧ - ٣٣٩). وانظر الكلام على معنى قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وفي تفسير ابن كثير (٢/ ١٣٩ - ١٤١). وقال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي: يحيط بها، ويعلمها على ما هي عليه، لأنه خلقها كما قال ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
[ ٦٩٦ ]
والثاني: أنَّا ندرك الكبير صغيرًا في حال البعد، مثل الجمل نراه صغيرًا في حال البُعْد، ونعلمه كبيرًا، فامتنع أنْ يكون معنى الإدارك معنى العلم.
وكذلك الإرادة هي صِفَةُ ذاتٍ تَتَجَدَّدُ بتَجَدُّد المراد، ولا يجوز لبعض المعتزلة أنْ يقول: إنَّ الإرادة معناها معنى العلم (^١)، لأنَّ الإنسان قد يعلم ما لا يُريده، ويُريد ما لا يعلمه، وإذا ثَبَتَ هذا فتقول: هو مَوصوف بالإدراك فيما لم يَزَلْ، ولا نقول هو مُدْرِكٌ فيما لم يَزَل، لأنه لو كان مُدْرِكًا فيما لم يزل اقتضى وجود مدرك فيما لم يزل، ولا يجوز ذلك لأنَّه يُفضي إلى قِدَم الأشياء.
وكذلك هو موصوف بالإرادة فيما لم يزل، ولا نقول هو مريد فيما لم يزل، لأنه يفضي إلى قدم المراد (^٢).
ومثله نقول هو موصوف بالخلق والرزق فيما لم يزل، ولا نقول هو خالق ورازق فيما لم يزل، لأنه يفضي إلى قِدَم الأشياء وكذلك هو موصوف بالاستواء
_________________
(١) في الأصل: معنى العلم لإنسان قد يعلم، ولعل الصواب ما أثبتناه، وقد نَبَّه إليه الناسخ.
(٢) إرادة الله تعالى صفة من صفاته الذاتية، وليس هي علمه! وهو سبحانه لم يزل مريدًا بإرادات متعاقبة متنوعة، فنوع الإرادة قديم، وإرادته الأشياء وهي تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية قدرية مرادفة للمشيئة. وإرادة دينية شرعية. فمن الدليل على الأولى: قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وهي لا تستلزم محبته، ومن الدليل على الثانية: قوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية، وقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ وقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الآية، ونحوها وهي متضمنه لمحبة الله تعالى ورضاه. وليس بين الإرادتين تلازم، فقد يريد سبحانه شيئًا لا يحبه، وقد يحب شيئًا لا يريده للتفصيل: انظر شرح الطحاوية (ص ١١١ - ١١٦) وشرح العقيدة الواسطية ومجموع الفتاوى (٣/ ٨٧، ١٣٢) و(١٦/ ٣٠٣) كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ٦٩٧ ]
على العرش، والنزول فيما لم يزل، ولا تقول هو مستوى (^١) فيما لم يزل، وهو جائي فيما لم يزل، لأنَّه يفضي إلى قِدَمِ العَرش، وقِدَم السماء (^٢).
وكذلك لا نقول هو ضاحك فيما لم يزل، وغضبان فيما لم يزل، لأنَّ في الخبر "ضَحِكَ رَبُّك منْ شَابٍّ ليستْ له صَبْوة" وغضب الله من كفر الكافرين، وهو يَقْتضي وُجودَ ذلك عند وجود سببه.
فَصْلٌ
واعلموا رحمكم الله: أنَّي لما فَرَغتُ من كتابي هذا، وقَرأه علي بعض رؤساء "خُراسَان" في دار السُّلطان، عَظُمَ ذلك على المخالفين، وأكْثَروا التَّحريف والكَذِب والزُّور والبهتان فيما حكوه عني، وأَضَافوه إلى كتابي، طلبًا للشَّنَاعات وتَنْفير السُّلطان والعوام.
وقالوا: قد ذكر فيه باب الذَّكَر والخصيتين والفَقْحَةَ! واللحية والرأْس والمسْرَبة والشَّعر، والنَّعل الصرارة، والركوب على الحمار، والمشي في الأسواق، وأنَّه خلق نفسه من عَرَقَ الخيل، وغير ذلك مما لا أحفظه فأحكيه من الكذب والزُّور والبُهتَان، ومما على قائله وحاكيه يريد التَّشْنيع به، لعنةُ الله ولعنة اللَّاعنين، والملائكة والنَّاس أجمعين، لا يَقْبل اللهُ منه صَرْفًا ولا عَدْلًا، والله تعالى عند لسان كل قائل، وحسيب كل ظالم (^٣).
_________________
(١) كذا في الأصل، وصوابه: مستو.
(٢) سبق مرارًا الكلام على صفات الأفعال لله تعالى، وأنه تعالى يفعل ما يشاء متى شاء، كيف شاء وأن أنواعها قديمة، وآحادها حادثة متجددة عن وجود أسبابها.
(٣) هذه أنواع من الكذب والافتراء على المصنف ﵀، رماه بها أهل البدع والأهواء، من المعطلة والجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأشباههم، يريدون بها صدَّ الناس وصرفهم في المنهج السلفي والسني في إثبات أسماء الله تعالى وصفاته العلى، وتشويه الحق وأهله، سنةٌ للباطل قديمة!!
[ ٦٩٨ ]
وقد أمر الله نبيه -ﷺ- أنْ يَستعيذَ به من شَرِّ حاسدٍ إذا حَسَد، أنا أعوذُ بالله من ذلك، وليس للحاسد إلا ما حسد، وقد مَنَع الله ﷿ عن قبول قول المدَّعي، حتى يأتي على قوله ببرهان (^١).
وقال -ﷺ- "لو يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُم، لادَّعَي أُنَاسْ دِمَاءَ ناسٍ وأَمْوالهم" (^٢).
فاعلم رحمك الله أنَّ الدَّعوى بلا بَيِّنهٍ، لا تُوجب صدقَ مُدَّعيها، وحذَّر الله ﷿ من قبول قولِ الفاسق، وأمر بالتَّثبت في خبره، فقال تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
ونهى جل وعز عن التجسس والغيبة، فقال ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] وخبَّر جَلَّ ثَنَاوُه أنَّ بعض الظَّنِّ إثم (^٣)، وأعلم تعالى أنَّ الظن لا يُغني من الحَقِّ شيئًا (^٤).
وقال -ﷺ-: "إيَّاكُم والظَنّ فإنَّه يكذب" (^٥).
٣٠٩ - وقال "مَا ظَنَنْتُم فلا تُحَقِّقوا" (^٦).
_________________
(١) كما قال سبحانه ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]. وقال ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
(٢) رواه البخاري في التفسير (٤٥٥٢) ومسلم في الأقضية (٣/ ١٣٣٦) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٣) في قوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
(٤) في قوله تعالى ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
(٥) الحديث بلفظ "إياكم والظن، فإن الظن أكذبُ الحديث .. " رواه البخاري (٩/ ١٩٨ - ١٩٩) (١٠/ ٤٨١) (١٣/ ٤) ومسلم في البر والصلة والأداب (٤/ ١٩٨٥) من حديث أبي -﵁- ولعل المصنف ذكره بالمعني، ونبه عليه الناسخ.
(٦) الحديث ضعفه السيوطي في الجامع - كما في فيض القدير (٧٤٧) وعزاه لابن ماجه! ولفظة "إذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا، وإذا وزنتم فأرجحوا". وعزاه المناوي للديلمي وإنما أخرج ابن ماجه (٢٢٢٢) =
[ ٦٩٩ ]
٣١٠ - وقال -ﷺ-: "لا يَؤُمِنُ أَحَدُكُم حتَّى يُحبُّ لأَخيه ما يحبُّ لنفسه" (^١).
٣١١ - وقال "لا تَحَاسَدُوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا ولا تقاطعوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَنَافسُوا، ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا، وكُونُوا عباد اللهِ إخْوَانا كما أَمَرَكُم اللهُ، ولا يَحلُّ المسْلِم أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فوق ثلاث" (^٢).
٣١٢ - وقال -ﷺ- "الدِّين النَّصيحة" (^٣).
٣١٣ - "من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت" (^٤).
٣١٤ - وقال: "إذَا حَسَدْتُّم فلا تَبْغُوا" (^٥).
٣١٥ - وقال -ﷺ- "والذي نَفْسي بيده لا تَدْخُلُوا الجنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا" (^٦).
٣١٦ - وقال: "مَنْ سَتَرَ على مُسْلِم في الدُّنيا، سَتر اللهُ عليه في الآخرة" (^٧).
٣١٧ - وقال: "دِمَائُكم وأمْوَالُكم وأَعْراضُكم عَليكم حَرَامٌ" (^٨).
_________________
(١) = "وإذا وزنتم فأرجحوا" وحكم الألباني ﵀ عليه بالضعف في الجامع، وعزاه في الحلال والحرام (ص ٣٠٦) للطبراني!
(٢) رواه البخاري في الإيمان (١٣) ومسلم في الإيمان (١/ ٦٧) من حديث أنس -﵁-.
(٣) هو الحديث المتقدم آنفًا برقم (٥) وأوله: "إياكم الظن … ".
(٤) رواه مسلم في الإيمان (١/ ٧٤).
(٥) أخرجه البخاري الرقاق (٦٤٧٥) ومسلم في اللقطة (٣/ ١٣٥٢ - ١٣٥٣) من حديث أبي شريح العدوي -﵁-.
(٦) تقدم الحديث.
(٧) أخرجه مسلم في الإيمان (١/ ٧٤) من حديث أبي -﵁-.
(٨) رواه البخاري في المظالم (٥/ ٩٧) ومسلم في البر والصلة (٤/ ١٩٩٦) من حديث ابن عمر ﵄ وأوله: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ".
(٩) رواه البخاري في العلم (١/ ١٩٩) وغيره، ومسلم في القسامه (٣/ ١٣٠٥ - ١٣٠٦) من حديث أبي بكرة -﵁- الطويل.
[ ٧٠٠ ]
٣١٨ - وقال: "لا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالث إلا بإذْنهِ، فإنَّ ذلك يُحْزِنُهُ" (^١).
٣١٩ - وقال -ﷺ-: "الحياءُ مِنَ الإيمان" (^٢).
٣٢٠ - وقال: "والظلم ظُلُماتٌ يوم القيامة" (^٣).
٣٢١ - وقال "إياكُم والحَسَد، فإن الحَسَدَ يأكُلُ الحَسَنَاتِ كمًا تَأْكُلُ النَّار الحَطَبَ" (^٤).
٣٢٢ - وقال -ﷺ-: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَه مَظْلَمَةٌ لأخِيه مِنْ عِرْضِهِ ومَالهِ، فليَسْتَحِلَّه اليومَ قبل أنْ يَأخُذَه به حين لا دينارَ ولا دِرْهم، فإنْ كانَ له عملٌ صَالِحُ أُخِذَ منه بقَدر مَظْلَمَتِهِ، وإنْ لم يَكنْ أُخِذَ من سَيِّئَاتِ صَاحِبه فَجُعِلَت عليه" (^٥).
والله تعالى يقول ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] (^٦) والله تعالى ينصر الحقِّ وقائله، قد ذمَّ الباطل ومُدَّعيه، وخَبِّر أنَّ الحق يزهقه، قال الله جلَّ ثناؤه ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ
_________________
(١) رواه البخاري في الاستئذان (١١/ ٨١، ٨٣) ومسلم في السلام (٤/ ١٧١٧ - ١٧١٨) من حديث ابن عمر وابن مسعود ﵄ وأوله: "إذا كان ثلاثة -أو- إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى … ".
(٢) رواه البخاري في الإيمان (١/ ٥١) ومسلم في الإيمان (١/ ٦٣) من حديث أبي -﵁-.
(٣) رواه البخاري في المظالم (٥/ ١٠٠) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) الحديث ضعيف: رواه أبو داود (٣/ ٤٩٠) عن سليمان بن بلال عن إبراهيم بن أبي أسيد عن جده عن أبي هريرة مرفوعًا به. وفي سنده مجهول، وهو جد إبراهيم ذكر البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٧٢) إبراهيم هذا، وذكر له هذا الحديث، وقال: لا يصح وقال الحافظ في التقريب: إبراهيم بن أبي أسيد عن جده، لا يعرف. والحديث ضعفة الألباني الجامع (٢١٩٦) وفي الضعيفة (١٩٠٢).
(٥) رواه البخاري في الرقاق (١١/ ٣٩٥) وأحمد (٢/ ٥٠٦) من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا به، واللفظ لأحمد.
(٦) كذا في الأصل الآية وصوابها: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾.
[ ٧٠١ ]
زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨] وقال جَلَّ ثناؤه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢].
٣٢٣ - وروى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقِ يغتابه، بَعَثَ الله ﷿ مَلَكًا يَحِمْي لَحْمَه يَومَ القِيامَة منْ نَارِ جَهَنَّم، ومن رَمَى مُسْلِمًا بشَيءٍ يُريد شَيْنَه به، حَبَسهُ اللهُ ﷿ على جِسْرِ جَهَنَّم حتى يَخْرُجَ مما قال" (^١).
وفي هذه الموعظة تذكرةٌ لمن اعتبر، وبصيرة لمن تذكَّر، والله حسبي ونعم الوكيل.
ثم لم يكفهم ما أضافوه إلينا من الكذب والبهتان، حتَّى رمونا بالتَجْسِيم والتَّشْبيه والكفر، لأجل ما رويناه من الصِّفات التي جاءَ بها القُرآن والأخبار (^٢)، والله تعالى يقول ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠١] فكيف يجوز أنْ نُكَفَّرَ ونحن نحتج بكتابِ الله وسنة رسول الله؟ ولكن نعتصم بالله كما أَمَرَنا اللهُ تعالى، لنهتدي إلى الصِّراط المستقيم.
ومع هذا فلم يُخْلِ الله جَلَّ ثَنَاؤُه كل عَالِمٍ في عصره من جاهل يبغي عليه
_________________
(١) حديث ضعيف، رواه أحمد (٣/ ٤٤١) وأبو داود (٤٨٨٣) عن يحيى بن أيوب عن عبد الله ابن سليمان عن إسماعيل بن يحيى المعامري عن سهل به. قال الذهبي: إسماعيل بن يحيي، فيه جهالة. وذكر هذا الحديث في غرائبه. وقال الحافظ عن إسماعيل: مجهول. والحديث ضعفه الألباني في الجامع (٥٥٧٤).
(٢) وهذه علامة أهل البدع، في كل عصر ومصر، الطعن على أهل السنة والجماعة، ورميهم بأنواع التهم والأوصاف المنفرة! وكما قيل: علامة أهل البدع، الوقيعة في أهل الأثر! وانظر مقدمة الكتاب.
[ ٧٠٢ ]
ويَحسده، ليبلوا بذلك شكرَه وصبرَه، ويعظمَ بذلك ثوابه وأجره، وقد قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١] وقال تعالى ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦] وقال تعالى ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] وقال تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
٣٢٤ - وقال النبي -ﷺ- "لو أنَّ مُؤمِنًا على قَصَبَة في البحر، لَقَيَّض اللهُ له مُنَافِقًا يُؤذيه" (^١).
وقال الشاعر:
وإذَا أَتَتكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ … فهي الشَّهادةُ لي بأنِّي فَاضِل
٣٢٥ - وقال رجلٌ لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه: يا أبا عبد الله، قالوا إن عندك كتابُ زَنْدَقَة! فقال: لا يحرز المؤمن إلا قبره.
واعلموا رحمكم الله أنَّ اعتقادي في هذه الأخبار ما قدمته في أثناء كتابي مِنْ حملها على ظاهرها، من غير تشبيهٍ ولا تجسيم، فيما لا يُحيل صفاته، لا يخرجها عما تستحقه، فمن روى عنَّا خِلافَ ذلك، أو أَضَافَ إلينا سواه، أو نحلنا في ذلك قولًا غيره، فهو كاذبٌ مُفتري، مُتَخَرِّصٌ مُعّتدي، يبوء بسخط الله، وعليه غَضبُ اللهِ ولَعنته في الدَّارين، وحقٌ على الله ﷿ أنْ يُوردَه المورد الذي وَعَدَ رسول الله حرباه، وأنْ يحله المحال الذي أخبَر نبي
_________________
(١) لم أجده الآن!
[ ٧٠٣ ]
الله -ﷺ- أنَّ الله -﷿- محلُّه محل أمثاله على ما أخبَر -﵇- (^١).
٣٢٦ - فروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى في "البيان عن صَريح السُّنَّةِ" بإسناده: عن أبي الدرداء أنَّ -ﷺ- قال: "مَنْ ذَكَر امرءًا بما لَيس فيه ليعيبه، حَبَسَهُ اللَّه ﷿ به في جَهَنَّم، حتى يأتي بنفاد ما قال فيه" (^٢).
٣٢٧ - وبإسناده: عن أنس قال رسول الله -ﷺ-: "لما عُرِجَ بي مَرَرْتُ بقَوم لَهُم أَظْفَار من نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ صُدُرَهُم، فقلت: مَنْ هَؤُلاء يا جبريل؟ قال: "هَؤُلاء الذين يأكلَونَ لحومَ الناس، ويَقَعُونَ في أعْراضِهِم" (^٣).
إلى أمثال ذلك، واعلموا رحمكم الله أن لنا أُسْوَةٌ بالأنبياءِ صلوات الله عليهم، وذلك أنَّ اللهَ تعالى اصطفا من خلقه رسلًا، إبتعثهم بالدعاء إلى دينه (^٤) وأمرهم بالقيام به، والصَّبر على ما نَابَهم فيه من جَهلة خَلْقِهِ، وامتحنهم من المحنِ بصنُوفٍ، وابتلاهم من البلاءِ بِصُرُوفٍ، تكريمًا لهم غير تذليل، وتشريفًا غير تخسير.
ورفع بعضهم فوق بعض درجات، فكان أرفعهم عنده جلَّ ذكْره دَرَجَةً، أشدهم محنة، فقال تعالى في محكم كتابه لنبيه محمد -ﷺ- ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ
_________________
(١) كذا في الأصل!
(٢) صريح السنة وأخرجه الطبراني في الأوسط -كما في مجمع البحرين- (٤٩٦٠) عن المقدام ثنا أسد ثنا سعيد بن سالم عن ابن جريح عن موسى بن عقبة عن عمرو بن عبد الله الأودي عن أبي الدرداء به. وإسناده ضعيف، من أجل عمرو بن عبد الله الأودي، لم أجد له ترجمة. والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٩٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه مقدام بن داود، وهو ضعيف.
(٣) حديث صحيح، رواه أحمد (٣/ ٢٢٤) وأبو داود (٤٨٧٨) عن بقية وأبي المغيرة قالا: حدثنا صفوان حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبر عن أنس مرفوعًا به. وإسناده صحيح.
(٤) في الأصل هنا كلمة ممحوة، وفي الهامش خط حادث لعله: دينه اهـ من تعليق الناسخ.
[ ٧٠٤ ]
أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال له ولأتباعه رضوان الله عليهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٢].
وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
فلم يُخل جلَّ ثَنَاؤه أحدًا من مُكُرَّمي رُسله، ومُقَرَّبي أوليائه، من محنته، في عاجله دون آجله، ليستوجب بصبره عليها من ربِّه تعالى مِنَّة الكرامة، وما أعدَّ له من المنزلة لديه ما كَتَبَه له.
فنسأل اللهَ الكَريم أنْ يَجعلنا مَمنْ يَقْفُوا أَثَرَ نبيه، ويتبع آثاره، ولا يخالف أقواله.
تَمَّ الكتابُ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليمًا (^١).
_________________
(١) وبهذا التعليق، تم الكتاب بعون الملك الوهاب، فلله تعالى الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه أجمعين. وكتب/ د. محمد الحمود النجدي الكويت - في السابع من ذي القعدة عام ١٤٣٠ هـ.
[ ٧٠٥ ]