قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ .
قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: "أشراط الساعة علاماتها". وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": "علاماتها ودلائلها التي تتقدم عليها، واحدها: شرط؛ بالفتح". انتهى.
وقد تقدم ذكر جملة كثيرة من أشراط الساعة في الفتن والملاحم.
و(الساعة): اسم ليوم القيامة. قال الزجاج: "معنى الساعة في كل القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة ". قال ابن الأثير: "يريد أنها ساعة خفيفة، يحدث فيها أمر عظيم، فلقلة الوقت الذي تقوم به سماها ساعة". انتهى.
باب
أن بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة
قال الحسن البصري: "بعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة".
ذكره ابن كثير في "تفسيره"، وقال: "هو كما قال".
وقال ابن كثير أيضا: "بعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم
[ ٢ / ٥ ]
باب أن بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة
الرسل الذي أكمل الله به الدين وأقام به الحجة على العالمين".
وقال البغوي في "تفسيره": "وكان النبي ﷺ من أشراط الساعة".
وذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن الضحاك: أنه قال: "أول أشراطها بعثة محمد ﷺ ".
وعن سهل بن سعد ﵁؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بإصبعيه هكذا - بالوسطى والتي تلي الإبهام -: «بعثت والساعة كهاتين» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، واللفظ للبخاري.
وفي رواية له عن سهل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين (ويشير بإصبعيه فيمدهما)» .
وفي رواية لأحمد: أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الساعة كهاتين (وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام)، ثم قال: مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان، ثم قال: مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق؛ ألاح بثوبه: أتيتم أتيتم، ثم يقول رسول الله ﷺ: أنا ذلك» .
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي.
زاد مسلم: قال شعبة: "وسمعت قتادة يقول في قصصه: "كفضل إحداهما على الأخرى"؛ فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة؟ ".
وفي رواية له عن معبد (وهو ابن هلال) عن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» . قال: وضم السبابة والوسطى.
[ ٢ / ٦ ]
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين (وجمع بين إصبعيه)» .
رواه: البخاري، وابن ماجه، وهذا لفظه.
وعن جبر بن عبد الله ﵄؛ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
وعن المستورد بن شداد الفهري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «بعثت أنا في نفس الساعة، فسبقتها كما سبقت هذه هذه (لأصبعيه السبابة والوسطى)» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
قال الحافظ ابن حجر: "قوله: "في نفس"؛ بفتح الفاء، وهو كناية عن القرب؛ أي: بعثت عند نفسها". انتهى.
وعن بريدة ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة جميعا، إن كادت لتسبقني» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بإصبعيه ويقول: "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن.
ورواه ابن جرير ولفظه: قال: «كأني أنظر إلى إصبعي رسول الله ﷺ،»
[ ٢ / ٧ ]
«أشار بالمسبحة والتي تليها وهو يقول: "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه» . وفي رواية: «وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى» .
وفي هذه الأحاديث على اختلاف ألفاظها إشارة إلى قلة المدة التي بين بعثة النبي ﷺ وبين قيام الساعة.
قال عياض وغيره: "والتفاوت إما في المجاورة وإما في قدر ما بينهما، ويعضده (أي: القول الأخير) قوله: "كفضل إحداهما على الأخرى". وقال القرطبي في "المفهم": "حاصل الحديث تقريب أمر الساعة، وسرعة مجيئها". وقال البيضاوي: "معناه أن نسبة تقدم البعثة النبوية على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الإصبعين على الأخرى". ورجح الطيبي هذا القول. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري".
باب
في ذكر كثير من أشراط الساعة
عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: "اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مَوَتَان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبخاري، وابن ماجه، والحاكم
[ ٢ / ٨ ]
باب في ذكر كثير من أشراط الساعة
مختصرا ومطولا، وهذا لفظ البخاري، وقد ذكرت ألفاظه في (باب الملحمة الكبرى)؛ فليراجع هناك.
وفي رواية للحكام: قال: فلما كان عام عمواس؛ زعموا أن عوف بن مالك ﵁ قال لمعاذ بن جبل ﵁: «إن رسول الله ﷺ قال لي: "اعدد ستا بين يدي الساعة"؛ فقد كان منهن الثلاث، وبقي الثلاث. فقال معاذ: إن لهذا مدة، ولكن "خمس أظلتكم، من أدرك منهن شيئا، ثم استطاع أن يموت؛ فليمت: أن يظهر التلاعن على المنابر، ويعطى مال الله على الكذب والبهتان، وسفك الدماء بغير حق، وتقطع الأرحام، ويصبح العبد لا يدري أضال هو أم مهتد؟ !» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن معاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو ﵃ عن النبي ﷺ نحو حديث عوف بن مالك ﵁، وقد تقدم ذكرهما في (كتاب الملاحم) .
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج (وهو القتل)، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه! وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس؛ آمنوا أجمعون؛ فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن»
[ ٢ / ٩ ]
«الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» .
رواه البخاري بهذا اللفظ، وقد روى الإمام أحمد ومسلم بعضه مفرقا.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: أخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: «قال: فمتى الساعة؟ قال: سبحان الله! ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها. قال: أجل. قال: إذا رأيت الحفاة العراة يتطاولون في البناء وكانوا ملوكا. قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: العُرَيب. قال: وإذا رأيت الأمة تلد ربها؛ فذاك من أشراط الساعة. قال: صدقت» .
وعن أبي هريرة ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان؛ فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله (ثم تلى ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
[ ٢ / ١٠ ]
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه. وفي رواية أحمد: «وإذا كانت العراة الحفاة الجفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها» . وفي رواية مسلم: «وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض؛ فذاك من أشراطها» .
وعن أبي هريرة وأبي ذر ﵄: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: "يا محمد! أخبرني متى الساعة؟ قال: فنكس فلم يجبه شيئا. ثم أعاد، فلم يجبه شيئا. ثم أعاد، فلم يجبه شيئا، ورفع رأسه، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علامات تُعرف بها: إذا رأيت الرعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها، خمس لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
رواه النسائي.
وعن ابن عباس ﵄: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: حدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ: سبحان الله! في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك. قال: أجل يا رسول الله! فحدثني. قال رسول الله ﷺ: إذا رأيت الأمة ولدت ربتها (أو ربها)، ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس؛ فذلك من معالم الساعة وأشراطها. قال: يا رسول الله! ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: العرب» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ثقة وفيه كلام،
[ ٢ / ١١ ]
وبقية رجاله ثقات.
وعن عامر (أو: أبي عامر، أو: أبي مالك) ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: متى الساعة يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "سبحان الله! خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾)، ولكن إن شئت حدثتك بعلامتين تكونان قبلها. فقال: حدثني. فقال: إذا رأيت الأمة تلد ربها، ويطول أهل البنيان بالبنيان، وعاد العالة الحفاة رؤوس الناس. قال: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: العريب» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار، ويفتح القول ويخزن العمل، ويقرأ في القوم المثناة ليس فيهم أحد ينكرها. قيل: وما المثناة؟ قال: "ما اكتتبت سوى كتاب الله ﷿» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "غريب الحديث" (٢٨٢\٤): "سألت رجلا من أهل العلم بالكتب الأولى، قد عرفها وقرأها عن المثناة؟ فقال: إن الأحبار والرهبان من بني إسرائيل بعد موسى وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله ﵎، فسموه المثناة، كأنه يعني أنهم أحلوا فيه
[ ٢ / ١٢ ]
ما شاؤوا، وحرموا ما شاؤوا، على خلاف كتاب الله ﵎ ". انتهى.
وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرهن في النار؟ قلت: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذ القرآن مزامير، وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفيء دولا، والزكاة مغرما، والأمانة مغنما، وتفقه في الدين لغير الله، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأقصى أباه، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره؛ فيومئذ يكون ذلك، ويفزع الناس إلى الشام، وإلى مدينة منها يقال لها: دمشق؛ من خير مدن الشام، فتحصنهم من عدوهم ".
قلت: وهل تفتح الشام؟ قال: "نعم؛ وشيكا، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضا، حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له: المهدي، فإن أدركته فاتبعه، وكن من المهتدين» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عبد الحميد بن إبراهيم، وثقه ابن حبان وهو ضعيف، وفيه جماعة لم أعرفهم".
(الحملان)؛ بضم الحاء: جمع حمل؛ بفتح الحاء والميم، وهو الجذع من ولد الضأن فما دونه، والمراد هاهنا الصبيان، وإنما شبهوا بالصغار من أولاد الضأن تحقيرا لهم وتصغيرا لشأنهم، وأنهم ليسوا بأهل القعود على المنابر. والله أعلم.
وعن علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة؛ حل بها البلاء". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل»
[ ٢ / ١٣ ]
«زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وقد رواه ابن أبي الدنيا، وعنده: «فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اتخذ الفيء دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتُعُلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشُربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا، وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة، إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفًا، والكذب صدقًا، والحرير لباسًا، وظهر الجور، وكثر الطلاق وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وصدق الكاذب، وكذب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظًا، والولد غيظًا، وفاض اللئام فيضًا، وغاض الكرام غيضًا، وكان الأمراء»
[ ٢ / ١٤ ]
«فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة، إذا لبسوا مسوك الضمان، قلوبهم أنتن من الجيفة، وأمر من الصبر، يغشيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة، وتظهر الصفراء (يعني: الدنانير)، وتطلب البيضاء (يعني: الدراهم)، وتكثر الخطباء، ويقل الأمر بالمعروف، وحليت المصاحف، وصورت المساجد، وطولت المنابر، وخربت القلوب، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة صاروا ملوكًا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف بغير الله، وشهد المرء من غير أن يستشهد، وسلم للمعرفة، وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعق الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع امرأته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق، واتخذ الظلم فخرًا، وبيع الحكم، وكثرت الشرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفافا، والمساجد طرقًا، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات» .
رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف، وله شواهد من حديث علي وأبي هريرة وغيرهما مما تقدم وما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ولم يذكر فيه سوى سبع وستين خصلة، فلعل الباقي سقط من بعض النساخ، وكل ما فيه قد ظهر مصداقه؛ سوى خصلة أو خصلتين.
قوله: «يتهاوكون تهاوك اليهود»: قال الجوهري: " (التهوك): التحير، والتهوك أيضًا مثل التهور، وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة". وقال ابن الأثير: " (التهوك): كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير روية، والمتهوك الذي يقع في
[ ٢ / ١٥ ]
كل أمر، وقيل: هو التحير". وقال ابن منظور: " (التهوك): السقوط في هوة الردى، وإنه لمتهوك لما هو فيه؛ أي: يركب الذنوب والخطايا، والمتهوك: الذي يقع في أكل أمر".
قوله: "وجلود السباع صفافًا": جمع صفة: قال ابن الأثير وابن منظور: "وهي للسرج بمنزلة الميثرة من الرحل".
وعن مكحول عن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة: إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، واستحلوا الكبائر، وأكلوا الربا، وأخذوا الرشى، وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واتخذوا القرآن مزامير، واتخذوا جلود السباع صفافا، والمساجد طرقًا، والحرير لباسًا، وكثر الجور، وفشا الزنى، وتهاونوا بالطلاق، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وصار المطر قيظًا، والولد غيظًا، وأمراء فجرة، ووزراء كذبة، وأمناء خونة، وعرفاء ظلمة، وقلت العلماء، وكثرت القراء، وقلت الفقهاء، وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وطولت المنابر، وفسدت القلوب، واتخذوا القينات، واستحلت المعازف، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، ونقصت الشهور، ونقضت المواثيق، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وركب النساء البراذين، وتشبهت النساء بالرجال والرجال بالنساء، ويحلف بغير الله، ويشهد الرجل من غير أن يستشهد، وكانت الزكاة مغرمًا، والأمانة مغنمًا، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأقصى أباه، وصارت الإمارات مواريث، وسب آخر هذه الأمة أولها، وأكرم الرجل اتقاء شره، وكثرت الشرط، وصعدت الجهال المنابر، ولبس الرجال التيجان، وضيقت الطرقات، وشيد البناء، واستغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وكثرت خطباء منابركم، وركن علماؤكم إلى ولاتكم؛ فأحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، وأفتوهم بما يشتهون، وتعلم علماؤكم العلم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم،»
[ ٢ / ١٦ ]
«واتخذتم القرآن تجارة، وضيعتم حق الله في أموالكم، وصارت أموالكم عند شراركم، وقطعتم أرحامكم، وشربتم الخمور في ناديكم، ولعبتم بالميسر، وضربتم بالكبر والمعزفة والمزامير، ومنعتم محاويجكم زكاتكم ورأيتموها مغرمًا، وقتل البريء ليغيظ العامة بقتله، واختلفت أهواؤكم، وصار العطاء في العبيد والسقاط، وطففت المكاييل والموازين، ووليت أموركم السفهاء» .
رواه: أبو الشيخ في "الفتن"، والديلمي، وغيرهما.
وقد ذكر فيه ثلاث وسبعون خصلة، منها أربع وأربعون قد ذكرت في حديث حذيفة الذي تقدم ذكره، وتسع وعشرون لم تذكر فيه.
وعن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتراب الساعة: إذا كثر خطباء المنابر، وركن علماؤكم إلى ولاتكم، فأحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فأفتوهم بما يشتهون، وتعلم علماؤكم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم، واتخذتم القرآن تجارة» .
رواه الديلمي.
وعن عتي السعدي؛ قال: "خرجت في طلب العلم حتى قدمت الكوفة، فإذا أنا بعبد الله بن مسعود ﵁ بين ظهراني أهل الكوفة، فسألت عنه فأرشدت إليه؛ فإذا هو في مسجدها الأعظم، فأتيته، فقلت: أبا عبد الرحمن! إني جئت إليك أضرب إليك ألتمس منك علمًا لعل الله أن ينفعنا به بعدك. فقال لي: ممن الرجل؟ قلت: رجل من أهل البصرة. قال: ممن؟ قلت: من هذا الحي من بني سعد. فقال: يا سعدي! لأحدثن فيكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، «سمعت رسول الله ﷺ وأتاه رجل، فقال: يا رسول الله! ألا أدلك على قوم كثيرة أموالهم، كثيرة شوكتهم، تصيب منهم مالًا كثيرًا؟ قال: من هم؟ قال: هذا الحي من بني سعد من أهل الرمال. فقال رسول الله ﷺ: "مه! فإن بني»
[ ٢ / ١٧ ]
«سعد عند الله ذو حظ عظيم» . سل يا سعدي، قلت: يا أبا عبد الرحمن! هل للساعة من علم تعرف به؟ قال: وكان متكئًا، فاستوى جالسًا، فقال: يا سعدي! سألتني عما سألت عنه رسول الله ﷺ؛ «قلت: يا رسول الله! هل للساعة من علم تعرف به؟ قال: "نعم يا ابن مسعود! إن للساعة أعلامًا، وإن للساعة أشراطًا، ألا وإن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يكون الولد غيظًا، وأن يكون المطر قيظًا، وأن تفيض الأشرار فيضًا. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يصدق الكاذب، وأن يكذب الصادق. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يؤتمن الخائن، وأن يخون الأمين. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تواصل الأطباق، وأن تقطع الأرحام. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يسود كل قبيلة منافقوها، وكل سوق فجارها. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تزخرف المحاريب، وأن تخرب القلوب. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: ملك الصبيان، ومؤامرة النساء. يا ابن مسعود! إن من أشراط الساعة وأعلامها: أن يعمر خراب الدنيا، ويخرب عمرانها. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تظهر المعازف، والكبر، وشرب الخمور. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكثر أولاد الزنى". قلت: أبا عبد الرحمن! وهم مسلمون؟ ! قال: نعم. قلت: أبا عبد الرحمن! وأنى ذلك؟ ! قال: يأتي على الناس زمان يطلق الرجل المرأة طلاقها، فتقيم على طلاقها؛ فهما زانيان ما أقاما» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير". قال الهيثمي: "وفيه سيف بن مسكين وهو ضعيف".
[ ٢ / ١٨ ]
قلت: وله شواهد تقويه، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وأيضًا؛ فقد ظهر مصداق أكثر ما ذكر فيه، وشهد الواقع بخروجه من مشكاة النبوة. والله أعلم.
وقد رواه ابن النجار في ترجمة محمد بن علي المحاملي من طريق سيف ابن مسكين - وفيه زيادة ونقص - ولفظه: قال: خرجت في طلب العلم، فقدمت الكوفة؛ فإذا أنا بابن مسعود ﵁، فقلت له: هل للساعة من علم تعرف به؟ قال: «سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "من أعلام الساعة: أن يكون الولد غيظًا، والمطر قيظًا، وتفيض الأشرار فيضًا، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويسود كل قبيلة منافقوها، وكل سوق فجارها، وتزخرف المحاريب، وتخرب القلوب، ويكتفي النساء بالنساء، والرجال بالرجال، ويخرب عمران الدنيا، ويعمر خرابها، وتظهر الغيبة وأكل الربا، وتظهر المعازف، والكبر، وشرب الخمر، ويكثر الشرط، والغمازون، والهمازون» .
ورواه البيهقي في كتاب "البعث والنشور" بنحوه، ثم قال: "هذا إسناد فيه ضعف؛ إلا أن كثيرًا من ألفاظه قد روي بأسانيد أخر متفرقة". وقال ابن كثير: "لهذا الحديث شواهد كثيرة". انتهى.
وفي رواية الطبراني: «إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تكنف المساجد، وأن تعلو المنابر، وإن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تكثر الشرط، والهمازون، والغمازون، واللمازون، وأن تكثر أولاد الزنى» .
قوله: "أن تواصل الأطباق"؛ يعني: البعداء والأجانب. قاله ابن الأثير وابن منظور.
و(النقد): صغار الغنم.
[ ٢ / ١٩ ]
و(الكبر)؛ بفتح الكاف والباء: هو العود، وقيل الدف، وقيل: هو الطبل ذو الرأسين، وقيل: الطبل الذي له وجه واحد.
قوله: "أن تكنف المساجد": يحتمل أن يكون معناه: تستر أرضها بما يفرش فوقها من البسط وغيرها؛ قال ابن منظور في "لسان العرب": "كل ما ستر فقد كنف، ومنه قيل للمذهب: كنيف، وكل ساتر كنيف". ويحتمل أن يكون معناه: يتخذ لها الكنف؛ قال ابن منظور: "كنف الدار يكنفها كنفًا: اتخذ لها كنيفًا، والكنيف: الخلاء". ويحتمل أن يكون معناه: يجعل على أبوابها ظلة ونحوها؛ قال ابن منظور: "والكنيف: الكنة تشرع فوق باب الدار". قال ابن سيده: "والكنة؛ بالضم: جناح يخرجه من الحائط، وقيل: هي السقيفة تشرع فوق باب الدار، وقيل: الظلة تكون هنالك ". انتهى.
وكل من هذه الأمور الثلاثة واقع في زماننا وقبله، ويحتمل أن يكون المراد غير ذلك. والله أعلم.
قوله: "ويكثر الهمازون والغمازون واللمازون": قال الجوهري: "الهمز مثل اللمز، والهامز والهماز: العياب، والهمزة مثله، يقال: رجل همزة وامرأة همزة". وقال ابن الأثير: "الهمز: الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم، وقد همز يهمز فهو هماز، وهمزة للمبالغة". وقد ذكر ابن منظور في "لسان العرب" نحو هذا عن الليث؛ قال: "والهمزة: الذي يخلف الناس من ورائهم ويأكل لحومهم، وهو مثل العيبة، ويكون ذلك بالشدق والعين والرأس". انتهى.
وأما الغمز؛ فقال الراغب الأصفهاني: "أصله الإشارة بالجفن أو اليد طلبًا إلى ما فيه معاب، ومنه قيل: ما في فلان غميزة؛ أي: نقيصه مشار بها إليه".
وقال ابن منظور: "الغمز: الإشارة بالعين والحاجب والجفن". قال: "والمغموز المتهم ". انتهى.
[ ٢ / ٢٠ ]
وأما اللمز؛ فقال الراغب الأصفهاني: "هو الاغتياب وتتبع المعاب، ورجل لماز ولمزة: كثير اللمز". وقال الجوهري: "اللمز: العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، ورجل لماز ولمزة؛ أي: عياب". وقال ابن منظور: "اللمز كالغمز في الوجه، تلمزه بفيك بكلام خفي، ورجل لمزة: يعيبك في وجهك، ورجل همزة: يعيبك بالغيب". قال الزجاج: "الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس ويغضهم". وكذلك قال ابن السكيت، ولم يفرق بينهما. وقال ابن منظور أيضًا: "واللمز: العيب في الوجه، وأصله الإشارة بالعين والرأس والشفة مع كلام خفي، وقيل: هو الاغتياب". قال: "ورجل لماز ولمزة؛ أي: عياب، وكذلك امرأة لمزة، والهاء فيهما للمبالغة لا للتأنيث". ونقل عن الليث أنه قال: "الهماز والهمزة: الذي يهمز أخاه في قفاه من خلفه، واللمز في الاستقبال ".
وعن ابن الأعرابي: "الهمازون: العيابون في الغيب، واللمازون: المغتابون بالحضرة". وقال أبو إسحاق الزجاج: "الهمزة اللمزة: الذي يغتاب الناس ويغضهم "، وأنشد:
"إذا لقيتك عن شحط تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة"
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «حج النبي ﷺ حجة الوداع، ثم أخذ بحلقة باب الكعبة، فقال: "أيها الناس! ألا أخبركم بأشراط الساعة؟ " فقام إليه سلمان ﵁، فقال: أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله! قال: "إن من أشراط الساعة: إضاعة الصلاة، والميل مع الهوى، وتعظيم رب المال" فقال سلمان: ويكون هذا يا رسول الله؟ قال: "نعم؛ والذي نفس محمد بيده؛ فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرمًا، والفيء مغنمًا، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويتكلم الرويبضة" قال: وما الرويبضة؟ قال: "يتكلم في الناس من لم يتكلم، وينكر الحق تسعة أعشارهم، ويذهب الإسلام فلا يبقى إلا اسمه، ويذهب القرآن فلا»
[ ٢ / ٢١ ]
«يبقى إلا رسمه، وتحلى المصاحف بالذهب، وتتسمن ذكور أمتي، وتكون المشورة للإماء، ويخطب على المنابر الصبيان، وتكون المخاطبة للنساء؛ فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع، وتطول المنابر، وتكثر الصفوف مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأهواء جمة" قال سلمان: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم؛ والذي نفس محمد بيده. عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة، يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره، ويكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر. فعند ذلك يا سلمان يكون أمراء فسقة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة؛ يضيعون الصلاة، ويتبعون الشهوات، فإن أدركتموهم؛ فصلوا صلاتكم لوقتها. عند ذلك يا سلمان يجيء سبي من المشرق وسبي من المغرب، جثاؤهم جثاء الناس، وقلوبهم قلوب الشياطين، لا يرحمون صغيرًا ولا يوقرون كبيرًا. عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام؛ تحج ملوكهم لهوًا وتنزهًا، وأغنياؤهم للتجارة، ومساكينهم للمسألة، وقراؤهم رياء وسمعة" قال: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم، والذي نفسي بيده. عند ذلك يا سلمان يفشو الكذب، ويظهر الكوكب له الذنب، وتشارك المرأة زوجها في التجارة، وتتقارب الأسواق". قال: وما تقاربها؟ قال: "كسادها وقلة أرباحها. عند ذلك يا سلمان يبعث الله ريحًا فيها حيات صفر، فتلتقط رؤساء العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه". قال: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم، والذي بعث محمدًا بالحق» .
رواه ابن مردويه.
وقد رواه القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا في كتابه "الجليس والأنيس" بأبسط من هذا، ولفظه: عن ابن عباس ﵄؛ قال: «لما حج النبي ﷺ حجة الوداع؛ أخذ بحلقتي باب الكعبة، ثم أقبل على الناس، فقال: "يا»
[ ٢ / ٢٢ ]
«أيها الناس! ألا أخبركم بأشراط القيامة؟ إن من أشراط القيامة إماتة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل مع الهوى، وتعظيم رب المال " قال: فوثب سلمان، فقال: بأبي أنت وأمي إن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده، عندها يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء مما يرى ولا يستطيع أن يغير" قال سلمان: بأبي أنت وأمي إن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده؛ عندها يكون المطر قيظًا، والولد غيظًا، ويفيض اللئام فيضًا، ويغيض الكرام غيضًا" قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده؛ للمؤمن يومئذ أذل من الأمة، فعندها يكون المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويصدق الكذاب، ويكذب الصادق" قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده؛ عندها يكون أمراء جورة، ووزراء فسقة، وأمناء خونة، وإمارة النساء، ومشاورة الإماء، وصعود الصبيان المنابر" قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده يا سلمان؛ عندها يليهم أقوام: إن تكلموا قتلوهم ن وإن سكتوا استباحوهم، ويستأثرون بفيئهم، وليطؤن حريمهم، ويجار في حكمهم، ويليهم أقوام جثاهم جثا الناس (قال القاضي أبو الفرج: هو هكذا في الكتاب، والصواب: جثثهم جثث الناس) وقلوبهم قلوب الشياطين؛ لا يوقرون كبيرًا، ولا يرحمون صغيرا " قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده يا سلمان! عندها تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع، وتحلى المصاحف، ويطيلون المنابر، ويكثر العقوق، قلوبهم متباغضة، وأهواؤهم جمة، وألسنتهم مختلفة" قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده، عندها يكون الكذب ظرفًا، والزكاة مغرمًا، ويظهر الرشا، ويكثر الربا، ويتعاملون بالعينة، ويتخذون المساجد طرقًا ". قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛»
[ ٢ / ٢٣ ]
«والذي نفسي بيده يا سلمان! عندها تتخذ جلود النمور صفوفًا، ويتحلى ذكور أمتي بالذهب، ويلبسون الحرير، ويتهاونون بالدماء، وتظهر الخمور والقينات والمعازف، وتشارك المرأة زوجها في التجارة". قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده يا سلمان! عندها يطلع كوكب الذنب، ويكثر السيجان، ويتكلم الرويبضة". قال سلمان: وما الرويبضة؟ قال: "يتكلم في العامة من لم يكن يتكلم، ويحتقن الرجل للسمنة، ويتغنى بكتاب الله ﷿، ويتخذ القرآن مزامير، ويباع الحكم، ويكثر الشرط". قال سلمان: بأبي وأمي إن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده؛ يحج أمراء الناس لهوًا وتنزهًا، وأوساط الناس للتجارة، وفقراء الناس للمسألة، وقراء الناس للرياء والسمعة". قال سلمان: بأبي أنت وأمي، إن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده، عندها يغار على الغلام كما يغار على الجارية البكر، ويخطب الغلام كما تخطب المرأة، ويهيأ كما تهيأ المرأة، ويتشبه النساء بالرجال، ويتشبه الرجال بالنساء، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وتركب ذوات الفروج على السروج؛ فعليهن من أمتي لعنة الله ". قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده، عندها يظهر قراء عبادتهم التلاوم بينهم، أولئك يسمون في ملكوت السماء الأنجاس الأرجاس". قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده، عندها يتشبب المشيخة، إن الحمرة خضاب الإسلام، والصفرة خضاب الإيمان، والسواد خضاب الشيطان". قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده، عندها يوضع الدين، وترفع الدنيا، ويشيد البناء، وتعطل الحدود، ويميتون سنتي؛ فعندها يا سلمان لا ترى إلا ذمًا، ولا ينصرهم الله". قال: بأبي أنت وأمي، وهم يومئذ مسلمون كيف لا ينصرون؟ ! قال: " يا سلمان! إن نصرة الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،»
[ ٢ / ٢٤ ]
«وإن أقوامًا يذمون الله تعالى، ومذمتهم إياه أن يشكوه، وذلك عند تقارب الأسواق". قال: وما تقارب الأسواق؟ قال: "عند كسادها، كل يقول ما أبيع ولا أشتري ولا أربح، ولا رازق إلا الله تعالى ". قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده، عندها يجفو الرجل والديه، ويبر صديقه، ويتحالفون بغير الله تعالى، ويحلف الرجل من غير أن يستحلف، ويتحالفون بالطلاق، يا سلمان! لا يحلف بها إلا فاسق، ويفشو موت الفجأة، ويحدث الرجل سوطه". قال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإن هذا لكائن؟ قال: "إي؛ والذي نفسي بيده، تخرج الدابة، وتطلع الشمس من مغربها، ويخرج الدجال، وريح حمراء، ويكون خسف ومسخ وقذف، ويأجوج ومأجوج، وهدم الكعبة، وتمور الأرض» .
هذا حديث ضعيف، وفي بعض سياقه نكارة، ولبعضه شواهد مما تقدم وما يأتي، وقد ظهر مصداق بعض ما ذكر فيه.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه كان يقول كل عشية خميس: "سيأتي على الناس زمان: تمات فيه الصلاة، ويشرف فيه البنيان، ويكثر فيه الحلف والتلاعن، ويفشو فيه الرشا والزنى، وتباع الآخرة بالدنيا؛ فإذا رأيت ذلك؛ فالنجا النجا". قيل: وكيف النجا؟ قال: "كن حلسًا من أحلاس بيتك، وكف لسانك ويدك".
رواه ابن أبي الدنيا في "العزلة"، وله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «أتى رجل فقال: يا رسول الله؟ متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول بأعلم من السائل". قال: فلو علمتنا أشراطها؟ قال: "تقارب الأسواق". قلت: وما تقارب الأسواق؟ قال: "أن يشكو الناس»
[ ٢ / ٢٥ ]
«بعضهم إلى بعض قلة إصابتهم، ويكثر ولد البغي، وتفشو الغيبة، ويعظم رب المال، وترتفع أصوات الفساق في المساجد، ويظهر أهل المنكر، ويظهر البناء» .
رواه ابن مردويه.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"من أشراط الساعة: سوء الجوار، وقطيعة الأرحام، وأن يعطل السيف من الجهاد، وأن تختل الدنيا بالدين» .
رواه: ابن مردويه، والديلمي، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان".
وعن علي ﵁: «أنهم سألوا رسول الله ﷺ: متى الساعة؟ فقال: "لقد سألتموني عن أمر ما يعلمه جبريل ولا ميكائيل، ولكن إن شئتم أنبأتكم بأشياء إذا كانت لم يكن للساعة كثير لبث: إذا كانت الألسن لينة، والقلوب جنادل، ورغب الناس في الدنيا، وظهر البناء على وجه الأرض، واختلف الأخوان فصار هواهما شتى، وبيع حكم الله بيعًا» .
رواه ابن أبي شيبة.
وعن سلمان الفارسي ﵁؛ قال: "إن من اقتراب الساعة: أن يظهر البناء على وجه الأرض، وأن تقطع الأرحام، وأن يؤذي الجار جاره".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: "إن من أشراط الساعة أن يظهر الفحش والتفحش وسوء الخلق وسوء الجوار".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن المنتصر بن عمارة بن أبي ذر الغفاري عن أبيه عن جده رضي الله
[ ٢ / ٢٦ ]
عنه عن رسول الله ﷺ؛ قال: «"إذا اقترب الزمان؛ كثر لبس الطيالسة، وكثرت التجارة، وكثر المال، وعظم رب المال بماله، وكثرت الفاحشة، وكانت إمارة الصبيان، وكثر النساء، وجار السلطان، وطفف في المكيال والميزان، ويربي الرجل جرو كلب خير له من أن يربي ولدًا له، ولا يوقر كبير، ولا يرحم صغير، ويكثر أولاد الزنى حتى إن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق، فيقول أمثلهم في ذلك الزمان: لو اعتزلتما عن الطريق! ويلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أمثلهم في ذلك الزمان المداهن» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "هذا حديث تفرد به سيف بن مسكين عن المبارك بن فضالة، والمبارك بن فضالة ثقة". قال الذهبي: " وسيف واه، ومنتصر وأبوه مجهولان". وقد رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه سيف بن مسكين، وهو ضعيف".
وعن أبي موسى ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الساعة وأنا شاهد. فقال: "لا يعلمها إلى الله، ولا يجليها لوقتها إلى هو، ولكن سأحدثكم بمشاريطها وما بين يديها، ألا إن بين يديها فتنة وهرجًا". فقيل: يا رسول الله! أما الفتن؛ فقد عرفناها؛ فما الهرج؟ قال: "بلسان الحبشة: القتل، وأن يلقى بين الناس التناكر، فلا يعرف أحد أحدًا، وتجف قلوب الناس، وتبقى رجراجة لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم يسم".
قوله: "وتجف قلوب الناس "؛ أي: تضطرب من الخوف.
و(الرجراجة): شرار الناس وأرذالهم ورعاعهم الذين لا عقول لهم ولا خير فيهم.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"لا تقوم الساعة حتى»
[ ٢ / ٢٧ ]
«يكون القرآن عارا، ويتقارب الزمان، وتنتقض عراه، وتنتقص السنون والثمرات، ويؤتمن التهماء، ويتهم الأمناء، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويكثر الهرج". قالوا: ما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل. ويظهر البغي والحسد والشح، وتختلف الأمور بين الناس، ويتبع الهوى، ويقضى بالظن، ويقبض العلم، ويظهر الجهل، ويكون الولد غيظًا، والشتاء قيظًا، ويجهر بالفحشاء، وتزوى الأرض زيًا» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم خرف".
وقد رواه ابن أبي الدنيا بأبسط من هذا، ولفظه قال: «"لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عارًا، ويكون الإسلام غريبًا، وحتى تبدو الشحناء بين الناس، وحتى يقبض العلم، ويهرم الزمان، وينقص عمر البشر، وتنقص السنون والثمرات، ويؤتمن التهماء، ويتهم الأمناء، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويكثر الهرج - وهو القتل - وحتى تبنى الغرف فتطاول، وحتى تحزن ذوات الأولاد، وتفرح العواقر، ويظهر البغي والحسد والشح، ويهلك الناس، ويكثر الكذب، ويقل الصدق، وحتى تختلف الأمور بين الناس، ويتبع الهوى، ويقضى بالظن، ويكثر المطر، ويقل الثمر، ويغيض العلم غيضًا، ويفيض الجهل فيضًا، ويكون الولد غيظًا، والشتاء قيظًا، وحتى يجهر بالفحشاء، وتزوى الأرض زيًا، وتقوم الخطباء بالكذب، فيجعلون حقي لشرار أمتي، فمن صدقهم بذلك ورضي به؛ لم يرح رائحة الجنة» .
وقد رواه أيضًا: أبو نصر السجزي في "الإبانة"، وابن عساكر. قال في "كنز الأعمال": "ولا بأس بسنده".
قلت: وقد ظهر مصداق كثير مما ذكر فيه.
وعن عائشة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"لا»
[ ٢ / ٢٨ ]
«تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا، والمطر قيظًا، وتفيض اللئام فيضًا، وتغيض الكرام غيضًا، ويجترئ الصغير على الكبير، واللئيم على الكريم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه جماعة لم أعرفهم".
وعن عروة بن محمد بن عطية السعدي عن أبيه ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «"ثلاث إذا رأيتهن؛ فعندك عندك: إخراب العامر، وإعمار الخراب، وأن يكون الغزو رفدًا، وأن يتمرس الرجل بأمانته تمرس البعير بالشجرة» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو ضعيف".
وقد رواه ابن عساكر في "تاريخه"، ولفظه: قال: «"ثلاث إذا رأيتهن؛ فعندك: خراب العامر وعمارة الخراب، وأن يكون المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وأن يتمرس الرجل بالأمانه تمرس البعير بالشجرة» .
وعن عبد الله بن زبيب الجندي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يا أبا الوليد! يا عبادة بن الصامت! إذا رأيت الصدقة كتمت وغلت، واستؤجر على الغزو، وأخرب العامر، وعمر الخراب، وصار الرجل يتمرس بأمانته تمرس البعير بالشجرة؛ فإنك والساعة كهاتين (وأشار بإصبعيه السبابة والتي تليها» .
رواه: عبد الرزاق، والطبراني.
وعن علي بن أبي طالب ﵁: «أن رجلًا قال للنبي ﷺ: متى الساعة؟ فقال: "ذاك عند حيف الأئمة، وتصديق بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحتى تتخذ الأمانة مغنمًا، والصدقة مغرمًا، والفاحشة زيارة؛ فعند ذلك هلاك قومك» .
[ ٢ / ٢٩ ]
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وقد رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" بنحوه، وزاد: «فسألته عن الفاحشة زيارة؟ فقال: "الرجلان من أهل الفسق، يصنع أحدهما طعامًا وشرابًا، ويأتيه بالمرأة، فيقول: اصنع لي كما صنعت! فيتزاورون على ذلك". قال: "فعند ذلك هلكت أمتي» .
وعن أبي تميمة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"لا تزال أمتي على الفطرة؛ ما لم يتخذوا الأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، والخلافة ملكًا، والزيارة فاحشة، ويؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم" قيل: وما الزيارة فاحشة؟ قال: "الرجل يصنع طعامًا لأخيه يدعوه، فيكون في صنيعه النساء الخبائث» .
رواه العقيلي في كتابه في الصحابة، ونقله ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب" عنه، ثم قال: "وهذا الحديث لا يصح إسناده، ولا يعرف في الصحابة أبو تميمة ".
وعن طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «"بين يدي الساعة: تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية للحاكم: قال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين يدي الساعة: تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على»
[ ٢ / ٣٠ ]
«التجارة، وحتى يخرج الرجل بماله إلى أطراف الأرض، فيرجع، فيقول: لم أربح شيئًا» .
وفي رواية له أيضًا عن خارجة بن الصلت البرجمي؛ قال: دخلت مع عبد الله يومًا المسجد؛ فإذا القوم ركوع، فركع، فمر رجل فسلم عليه، فقال عبد الله: صدق الله ورسوله. ثم وصل إلى الصف. فلما فرغ سألته عن قوله: صدق الله ورسوله؟ فقال: إنه كان يقول: «لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقًا، وحتى يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى تغلو الخيل والنساء ثم ترخص فلا تغلو إلى يوم القيامة» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه أبو داود الطيالسي والطبراني بنحوه.
وفي رواية الإمام أحمد عن الأسود بن هلال عن ابن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة: أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة» .
وفي رواية له أيضًا عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة: إذا كانت التحية على المعرفة» .
وفي رواية للطبراني؛ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة، وحتى تتخذ المساجد طرقًا؛ فلا يسجد لله فيها، وحتى يبعث الغلام الشيخ بريدًا بين الأفقين، وحتى يبلغ التاجر بين الأفقين؛ فلا يجد ربحًا» .
وفي رواية البزار: «وأن يجتاز الرجل بالمسجد؛ فلا يصلي فيه» . وفي
[ ٢ / ٣١ ]
رواية للطبراني عن سلمة بن كهيل عن ابن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة: أن يمر الرجل في طول المسجد لا يصلي فيه ركعتين، وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرف، وأن يبرد الصبي الشيخ» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ إلا أن سلمة، وإن كان سمع من الصحابة، لم أجد له رواية عن ابن مسعود ﵁ ".
وقد رواه: ابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان" بنحو ما تقدم، وزادا: «وإن تتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان» .
قوله: "تسليم الخاصة": قد بينه في رواية خارجة بن الصامت والأسود بن هلال والأسود بن يزيد بأنه تسليم الرجل على الرجل بالمعرفة، وأصرح من ذلك قوله في رواية سلمة بن كهيل: «وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرف»، وهذا مما ظهر مصداقه في زماننا.
وقوله: "يبرد الصبي الشيخ"؛ أي: يجعله رسولًا في حوائجه. قاله المناوي في "شرح الجامع الصغير".
وعن العداء بن خالد ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يسلم الرجل إلا على من يعرف، وحتى تتخذ المساجد طرقًا، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى ترخص النساء والخيل فلا تغلو إلى يوم القيامة» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وعن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ؛ قال: «إن من أمارات الساعة أن يرى الهلال لليلة، فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقًا، وأن يظهر موت الفجأة» .
[ ٢ / ٣٢ ]
رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط" عن شيخه الهيثم بن خالد المصيصي. قال الهيثمي: "وهو ضعيف".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من علامات البلاء، وأشراط الساعة: أن تعزب العقول، وتنقص الأحلام، ويكثر القتل، وترفع علامات الخير، وتظهر الفتن» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عافية بن أيوب، وهو ضعيف".
ورواه نعيم بن حماد في "الفتن" من حديث كثير بن مرة مرسلًا مثله؛ إلا أنه قال: «وترفع علامات الحق، ويظهر الظلم» .
وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشراط الساعة أن تنتقص العقول، وتعزب الأحلام، ويكثر الهم» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄: أنه قال: "يأتي على الناس زمان يصبح الرجل بصيرًا ويمسي ما يبصر شعرة".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج. قلت: وما الهرج؟ قال: "القتل» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير سعد بن سمعان، وهو ثقة". وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، وزاد فيه: «ويقبض العلم» .
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم»
[ ٢ / ٣٣ ]
«الساعة حتى يظهر: الفحش، والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن، ويخون الأمين» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه البزار بنحوه مختصرًا، وزاد: «قيل: يا رسول الله! فكيف المؤمن يومئذ؟ قال: "كالنحلة؛ وقعت فلم تفسد، وأكلت فلم تكسر، ووضعت طيبًا» .
قال الهيثمي: "وفيه عبد الرحمن بن مغراء، وثقه أبو زرعة وجماعة، وضعفه ابن المديني، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة: الفحش، والتفحش، وقطيعة الأرحام، وائتمان الخائن، (أحسبه قال:) وتخوين الأمين (أو كلمة نحوها)» .
رواه البزار: قال الهيثمي: "وفيه شبيب بن بشر وهو لين، ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن سعيد بن جبير عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «"والذي نفس محمد بيده؛ لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول، وتظهر التحوت ". قالوا: يا رسول الله! وما الوعول؟ وما التحوت؟ قال: "الوعول وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "رواته كلهم مدنيون ممن لم ينسبوا إلى نوع من الجرح"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى الطبراني أيضًا من طريق أبي علقمة حليف بني هاشم؛ قال:
[ ٢ / ٣٤ ]
سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: «"إن من أشراط الساعة أن يظهر الشح والفحش، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وتظهر ثياب تلبسها نساء كاسيات عاريات، ويعلو التحوت الوعول". أكذاك يا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي؟ قال: نعم، ورب الكعبة. قلنا: وما التحوت؟ قال: "فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة يرفعون فوق صالحيهم، والوعول: أهل البيوت الصالحة» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير محمد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة". وقد رواه البخاري في "الكنى" بنحوه، ورواته ثقات.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"إن أمام الدجال سنين خداعة؛ يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة ". قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الفويسق يتكلم في أمر العامة» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"سيأتي على الناس سنوات خداعات؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة". قيل: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لأحمد والحاكم: «قيل: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: "السفيه يتكلم في أمر العامة» . وفي رواية للحاكم: قال: «"وتشيع فيها الفاحشة» .
[ ٢ / ٣٥ ]
وقد رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، ولفظه: «"تكون قبل خروج المسيح الدجال سنوات خداعة؛ يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويتكلم الرويبضة ". قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الوضيع من الناس» .
وعن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يكون أمام الدجال سنون خوادع: يكثر فيها المطر، ويقل فيها النبت، ويكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة". قيل: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: "من لا يؤبه له» .
رواه الطبراني بأسانيد. قال الهيثمي: "وفي أحسنها ابن إسحاق، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات ". قال الجوهري: " (الرويبضة): التافه الحقير ".
وقال ابن الأثير: "التافه الحقير الخسيس".
وقد تحصل من الأحاديث مع كلام أهل اللغة أن الرويبضة هو: السفيه، الفاسق، التافه، الوضيع، الحقير، الخسيس.
وعن أم سلمة ﵂: أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «ليأتين على الناس زمان: يكذب فيه الصادق، ويصدق فيه الكاذب، ويخون فيه الأمين، ويؤتمن فيه الخؤون، ويشهد فيه المرء وإن لم يستشهد، ويحلف وإن لم يستحلف، ويكون أسعد الناس في الدنيا لكع ابن لكع، لا يؤمن بالله ورسوله» .
رواه: البخاري في "تاريخه"، والطبراني.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده؛ لا تقوم الساعة حتى يبعث الله: أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانًا خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة؛ سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف،»
[ ٢ / ٣٦ ]
«أهواؤهم مختلفة، فيفتح الله لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون فيها، والذي نفس محمد بيده؛ لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: لا إله إلا الله» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن مكحول عن معاذ بن جبل ﵁: أنه قال: "لا تذهب الدنيا حتى يأتي: أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة، أهواؤهم مختلفة، ليست لهم زعة، يلبسون ثياب الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، فيلبسهم الله فتنة ظلماء، يتهوكون فيها تهوك اليهود".
ذكره أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق في كتاب "الورع".
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" من حديث علي المرادي عن معاذ ﵁ مختصرًا؛ قال: "يكون في آخر الزمان: قراء فسقة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة، وعرفاء ظلمة، وأمراء كذبة".
وهكذا رواه البخاري في "التاريخ الكبير"؛ إلا أنه قال: عن عيسى المرادي.
وقد رواه البزار من حديث معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث الله: أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة، وقراء فسقة؛ سمتهم سمة الرهبان، وليس لهم رغبة (أو قال: رعة، أو قال: زعة)، فيلبسهم الله فتنة غبراء مظلمة، يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم» .
قال الهيثمي: "فيه حبيب بن عمران الكلاعي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قوله: "وليس لهم رغبة"؛ أي: في الخير. "أو قال: رعة"؛ بكسر الراء؛
[ ٢ / ٣٧ ]
أي: ورع عن المحرمات. " أو قال: زعة"؛ بكسر الزاي؛ أي: وازع يمنعهم من مخالفة الأوامر وارتكاب النواهي.
وعن علي ﵁: أنه قال: "ليأتين على الناس زمان؛ يطرى فيه الفاجر، ويقرب فيه الماحل، ويعجز فيه المنصف، في ذلك الزمان تكون الأمانة فيه مغنمًا، والزكاة فيه مغرمًا، والصلاة تطاولًا، والصدقة منا، وفي ذلك الزمان استشارة الإماء، وسلطان النساء، وإمارة السفهاء ".
رواه ابن المنادي.
(الماحل): هو المماكر والمكايد. قال الجوهري: "المحل: المكر والكيد، يقال: محل به: إذا سعى به إلى السلطان". قال: "والمماحلة: المماكرة والمكايدة ". وقال ابن الأثير: "ورجل محل؛ أي: ذو كيد".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيجيء أقوام في آخر الزمان، تكون وجوههم وجوه الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين، أمثال الذئاب الضواري، ليس في قلوبهم شيء من الرحمة، سفاكون للدماء، لا يرعون عن قبيح؛ إن تابعتهم واربوك، وإن تواريت عنهم اغتابوك، وإن حدثوك كذبوك، وإن ائتمنتهم خانوك، صبيهم عارم، وشابهم شاطر، وشيخهم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، الاعتزاز بهم ذل، وطلب ما في أيديهم فقر، الحليم فيهم غاو، والآمر فيهم بالمعروف متهم، والمؤمن فيهم مستضعف، والفاسق فيهم مشرف، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة؛ فعند ذلك يسلط الله عليهم شرارهم، فيدعو خيارهم، فلا يستجاب لهم» .
رواه: الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، والخطيب في "تاريخه"، وهو حديث ضعيف، ومع ذلك؛ فهو مطابق لحال كثير من المنتسبين إلى الإسلام في زماننا غاية المطابقة.
[ ٢ / ٣٨ ]
وقوله: "لا يرعون عن قبيح": هو بكسر الراء؛ أي: لا يكفون عنه ولا يتحرجون من إتيانه.
وقوله: "واربوك": قال ابن الأثير: "أي: خادعوك، من الورب، وهو الفساد". ونقل ابن منظور عن الليث: أنه قال: "المواربة: المداهاة والمخاتلة ". قال: "وقال أبو منصور: المواربة مأخوذة من الأرب، وهو الدهاء فحولت الهمزة واوًا".
قوله: "صبيهم عارم"؛ أي: شرس. قال ابن الأثير وابن منظور: "العرام: الشدة والقوة والشراسة، ورجل عارم؛ أي: خبيث شرير".
قوله: "وشابهم شاطر": قال الجوهري: "الشاطر: الذي أعيى أهله خبثًا".
ونقل ابن منظور عن أبي إسحاق: أنه قال: "قول الناس: فلان شاطر؛ معناه: أنه أخذ في نحو غير الاستواء، ولذلك قيل له: شاطر؛ لأنه تباعد عن الاستواء".
وعن أنس بن مالك ﵁: أنه قال: "يأتي على الناس زمان هم ذئاب، فمن لم يكن ذئبًا؛ أكلته الذئاب".
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وعن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ إلى آخر الآية؛ قال: كان رجل من بني إسرائيل آتاه الله مالًا، فمات، فورثه ابن له تافه (أي: فاسد) . فكان يعمل في مال الله بمعاصي الله، فلما رأى ذلك إخوان أبيه؛ أتوا الفتى، فعذلوه، ولاموه، فضجر الفتى، فباع عقاره بصامت، ثم رحل، فأتى عينًا ثجاجة، فسرح فيها ماله، وابتنى قصرًا، فبينما هو ذات يوم جالس؛ إذ شملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرجًا (أي: ريحًا)، فقالت: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل. قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟ فقال: نعم. قالت:
[ ٢ / ٣٩ ]
فهل لك من زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك؟ قال: قد كان ذاك. قال: فهل لك من بعل؟ قالت: لا. قال: فهل لك إلى أن أتزوجك؟ قالت: إني امرأة منك على مسيرة ميل، فإذا كان غدا؛ فتزود زاد يوم وائتني، وإن رأيت في طريقك هولًا؛ فلا يهولنك. فلما كان من الغد؛ تزود زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر، فقرع رتاجه، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرجًا (أي: ريحًا)، فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا إسرائيلي. قال: فما حاجتك؟ قال: دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها. قال: صدقت. قال: فهل رأيت في الطريق هولًا؟ قال: نعم؛ ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس علي؛ لهالني الذي رأيت. قال: ما رأيت؟ قال: أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل؛ إذا أنا بكلبة فاتحة فاها، ففزعت، فوثبت؛ فإذا أنا من ورائها، وإذا جراؤها ينبحن في بطنها. فقال الشاب: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم، ويسرهم حديثه. قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل؛ إذا أنا بمائة عنز حفل، وإذا فيها جدي يمصها، فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئًا؛ فتح فاه يلتمس الزيادة. فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، ملك يجمع صامت الناس كلهم، حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئًا؛ فتح فاه يلتمس الزيادة. قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل؛ إذا أنا بشجر، فأعجبني غصن من شجرة منها ناضرة، فأردت قطعه، فنادتني شجرة أخرى: يا عبد الله! مني فخذ! حتى ناداني الشجر أجمع: يا عبد الله! مني فخذ! فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقل الرجال ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب المرأة، فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهن. قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل؛ فإذا أنا برجل قائم على عين، يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدعوا عنه؛ صب في جرته، فلم تعلق جرته من الماء بشيء. قال: لست تدرك هذا، هذا يكون
[ ٢ / ٤٠ ]
في آخر الزمان، القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله تعالى. قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل؛ إذا أنا بعنز، وإذا بقوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل قد أخذ بقرنيها، وإذا رجل قد أخذ بذنبها، وإذا راكب قد ركبها، وإذا رجل يحتلبها. فقال: أما العنز؛ فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها؛ فهو يعالج من عيشها ضيقًا، وأما الذي أخذ بذنبها؛ فقد أدبرت عنه، وأما الذي ركبها؛ فقد تركها، وأما الذي يحلبها؛ فبخ بخ، ذهب ذلك بها. قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل؛ إذا أنا برجل يمتح على قليب، كلما أخرج دلوه؛ صبه في الحوض، فانساب الماء راجعًا إلى القليب. قال: هذا رجل رد الله عليه صالح عمله فلم يقبله. قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل؛ إذا أنا برجل يبذر بذرًا، فيستحصد؛ فإذا حنطة طيبة. قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله وأزكاه له. قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل؛ إذا أنا برجل مستلق على قفاه. قال: يا عبد الله! ادن مني؛ فخذ بيدي وأقعدني، فوالله؛ ما قعدت منذ خلقني الله تعالى، فأخذت بيده، فقام يسعى حتى ما أراه. فقال له الفتى: هذا عمر الأبعد نفد، وأنا ملك الموت، أمرني الله تعالى بقبض روح الأبعد في هذا المكان، ثم أصيره إلى نار جهنم. قال: ففيه نزلت الآية: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ الآية.
رواه ابن أبي حاتم.
قال ابن كثير: "وهذا أثر غريب، وفي صحته نظر، وتنزيل الآية عليه وفي حقه؛ بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا؛ كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب يطلب مراده، فجاءه ملك الموت فجأة بغتة، وحيل بينه وبين ما يشتهي". انتهى.
[ ٢ / ٤١ ]
والمقصود من إيراد هذا الحديث ما فيه من الإخبار عما يكون في آخر الزمان، والله الموفق.
وقد أوردت في هذا الباب أحاديث كثيرة من الأحاديث الضعيفة، وإنما أوردتها لمطابقة بعض ما جاء فيها للواقع.
باب
ما جاء في المتنبئين
عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
ورواه الإمام أحمد، ومسلم أيضًا، والترمذي من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث كذابون دجالون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن جابر بن سمرة وابن عمر ﵃".
قلت: وسيأتي ذكر حديثيهما قريبًا إن شاء الله تعالى.
ورواه: الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود؛ من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون، كلهم يزعم أنه رسول الله» .
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود أيضًا؛ من حديث أبي سلمة عن أبي
[ ٢ / ٤٢ ]
باب ما جاء في المتنبئين
هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا دجالًا، كلهم يكذب على الله وعلى رسوله» .
ورواه أبو داود أيضًا من حديث إبراهيم النخعي؛ قال: قال عبيدة السلماني (بهذا الخبر) . قال: فذكر نحوه. فقلت له: أترى هذا منهم (يعني: المختار)؟ فقال عبيدة: أما إنه من الرؤوس.
ورواه الإمام أحمد أيضًا، فقال: حدثنا يحيى عن عوف: حدثنا خلاس عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «بين يدي الساعة قريب من ثلاثين دجالًا كذابين، كلهم يقول: أنا نبي! أنا نبي!» .
قال ابن كثير: "وهذا إسناد حسن جيد تفرد به أحمد ".
وعن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين يدي الساعة كذابين؛ فاحذروهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وهذا لفظ إحدى روايات أحمد.
وعن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبرقاني في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وصححه أيضًا ابن حبان، والحاكم وقال: "على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: «في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، والبزار، والضياء
[ ٢ / ٤٣ ]
المقدسي. قال الهيثمي: "ورجال البزار رجال الصحيح".
وعن أبي بكر ﵁؛ قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة قبل أن يقول رسول الله ﷺ فيه شيئًا، فقام رسول الله ﷺ خطيبًا، فقال: «أما بعد؛ ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم فيه، وإنه كذاب من ثلاثين كذابًا يخرجون بين يدي الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي: "وأحد أسانيد أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح ". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بين يدي الساعة كذابون: منهم صاحب اليمامة، ومنهم صاحب صنعاء العنسي، ومنهم صاحب حمير، ومنهم الدجال، وهو أعظمهم فتنة» . قال جابر: وبعض أصحابي يقول: قريب من ثلاثين كذابًا.
رواه: الإمام أحمد، والبزار، وابن حبان في "صحيحه". قال الهيثمي: "وفي إسناد البزار عبد الرحمن بن مغراء، وثقه جماعة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناد أحمد ابن لهيعة، وهو لين".
وعن سمرة بن جندب ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الدجال» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، في "الكبير" والحاكم في "مستدركه". وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان عنده رجل من أهل
[ ٢ / ٤٤ ]
الكوفة، فجعل يحدثه عن المختار، فقال ابن عمر ﵁: إن كان كما تقول؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالًا كذابًا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. وفي رواية: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر» . وفي رواية: «"ليكونن قبل المسيح الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر".»
ورواه الطبراني، ولفظه: قال: «"بين يدي الساعة الدجال، وبين يدي الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر ". قلنا: ما آيتهم؟ قال: "أن يأتوكم بسنة لم تكونوا عليها يغيرون بها سنتكم ودينكم، فإذا رأيتموهم؛ فاجتنبوهم وعادوهم» .
وعن أبي الجلاس؛ قال: سمعت عليًا ﵁ يقول لعبد الله السبئي: ويلك! والله؛ ما أفضى إلي رسول الله ﷺ بشيء كتمه أحدًا من الناس، ولكن سمعته يقول: «إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا، وإنك لأحدهم» .
رواه: ابن أبي شيبة، وابن أبي عاصم، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن عبد الله بن الزبير ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «"إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا، منهم الأسود العنسي صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة» .
رواه: الطبراني، وأبو يعلى، والبزار؛ باختصار. قال الهيثمي: "وفيه قيس بن الربيع، وثقة شعبة والثوري، وضعفه جماعة".
ورواه البيهقي، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخرج»
[ ٢ / ٤٥ ]
«ثلاثون كذابًا، منهم مسيلمة والعنسي والمختار» .
وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين يدي الساعة كذابين» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير جندل بن والق، وهو ثقة".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وأبو يعلى. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قال: "وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر ﵄".
قال: "ويقال: الكذاب: المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف ".
وقال النووي: "اتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا: المختار بن أبي عبيد، وبالمبير: الحجاج بن يوسف " انتهى.
وعن أبي نوفل بن أبي عقرب «عن أسماء بنت أبي بكر ﵄: أنها قالت للحجاج: أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا، فأما الكذاب؛ فقد رأيناه، وأما المبير؛ فلا إخالك إلا إياه» .
رواه: أبو داود الطيالسي، ومسلم، والطبراني، والحاكم.
وعن أبي الصديق الناجي: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: حدثنا رسول الله ﷺ: «أنه يخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما أشر من الأول، وهو مبير» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٢ / ٤٦ ]
وعن هارون بن عنترة عن أبيه: أن أسماء ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما أشر من الأول، وهو مبير» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده جيد.
وعن أبي المحياة عن أمه: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت للحجاج: انتظر حتى أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير. فأما الكذاب؛ فقد رأيناه، وأما المبير؛ فأنت.
» رواه البيهقي.
وعن سلامة بنت الحر ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «وفي ثقيف كذاب ومبير» .
رواه أبو يعلى بإسناد حسن.
باب
ما جاء في دعاة الضلالة
عن أبي إدريس الخولاني؛ قال: سمعت حذيفة بن اليمان ﵄ يقول: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير؛ فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: "نعم". فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن". قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر". فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم؛ دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها؛ قذفوه فيها"، فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: "نعم؛ قوم من جلدتنا،»
[ ٢ / ٤٧ ]
باب ما جاء في دعاة الضلالة
«ويتكلمون بألسنتا". قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» .
متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية له عن أبي سلام؛ قال: قال حذيفة بن اليمان ﵄: «قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر، فجاءنا الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة؛ لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع» .
وقد رواه ابن عساكر في "تاريخه" بنحوه، وقال في آخره: «اسمع للأمير الأعظم، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» .
ورواه: ابن ماجه، والحاكم؛ من حديث عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار؛ فأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وأبو نعيم في "الحلية"؛ من حديث نصر بن عاصم الليثي عن اليشكري عن حذيفة
[ ٢ / ٤٨ ]
﵁، وفي آخره: قال رسول الله ﷺ: «ثم تكون فتنة عمياء صماء، دعاة الضلالة (أو قال: دعاة النار)، فلأن تعض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .
هذا لفظ أبي داود الطيالسي.
ورواه ابن أبي شيبة من حديث نصر بن عاصم الليثي؛ قال: سمعت حذيفة ﵁ يقول: (فذكره بنحوه) .
ورواه أبو داود الطيالسي أيضًا من حديث سبيع بن خالد (أو خالد بن سبيع) عن حذيفة ﵁؛ قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وأسأله عن الشر، فقلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر؟ قال: "نعم". قلت: فما العصمة يا رسول الله؟ قال: "السيف". قلت: فهل للسيف من بقية؟ فما يكون بعده؟ قال: "يكون هدنة على دخن". قال: قلت: فما يكون بعد الهدنة؟ قال: "دعاة الضلالة، فإن رأيت يومئذ لله ﷿ في الأرض خليفة؛ فالزمه، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فإن لم تر خليفة؛ فاهرب، حتى يدركك الموت وأنت عاض على جذل شجرة". قلت: يا رسول الله! فما يكون بعد ذلك؟ قال: " الدجال» .
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم بنحوه، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم في مقدمة "صحيحه"، والبخاري في "تاريخه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "هذا حديث ذكره مسلم في خطبة الكتاب مع الحكايات، ولم يخرجاه في أبواب الكتاب، وهو صحيح على
[ ٢ / ٤٩ ]
شرطهما جميعًا، ومحتاج إليه في الجرح والتعديل، ولا أعلم له علة"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لمسلم: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم؛ فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم» .
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في أمتي نيفًا وسبعين داعيًا؛ كلهم داع إلى النار، لو أشاء لأنبأتكم بآبائهم وأمهاتهم وقبائلهم» .
رواه أبو يعلى. قال ابن كثير: " إسناده لا بأس به". وقال الهيثمي: " فيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
وعن طاوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه قال: "إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنًا".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" بإسناد صحيح، ومسلم في مقدمة "صحيحه".
ورواه الدارمي في "سننه"، ولفظه: قال: "يوشك أن تظهر شياطين قد أوثقها سليمان يفقهون الناس في الدين".
وروى محمد بن وضاح من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه؛ قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: "يوشك أن تظهر شياطين؛ يجالسونكم في مجالسكم، ويفقهونكم في دينكم، ويحدثونكم، وإنهم
[ ٢ / ٥٠ ]
لشياطين! ".
وقال ابن وضاح أيضًا: حدثنا محمد بن عمرو؛ قال: حدثنا مصعب عن سفيان بن سعيد الثوري: أنه قيل لسفيان: إن ابن منبه يقول: "سيأتي على الناس زمان يجلس في مساجدهم شياطين يعلمونهم أمر دينهم". قال سفيان: قد بلغنا ذلك عن عبد الله بن عمرو: أنه قال: "سيأتي على الناس زمان يجلس في مساجدهم شياطين، كان سليمان بن داود قد أوثقهم في البحر، يخرجون يعلمون الناس أمر دينهم". قال سفيان: بقيت أمور عظام. قال محمد بن وضاح: قال زهير بن عباد: يعني سفيان: يعلمون الناس، فيدخلون في خلال ذلك الأهواء المحدثة، فيحلون لهم الحرام، ويشككونهم في الفضل والصبر والسنة، ويبطلون فضل الزهد في الدنيا، ويأمرونهم بالإقبال على طلب الدنيا، وهي رأس كل خطيئة.
باب
الثناء على القرون المفضلة وما يكون في الذين بعدهم
من ضعف الدين وسمن الأبدان
عن زهدم بن مضرب؛ قال: سمعت عمران بن حصين ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: «"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، (قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة)، ثم إن بعدكم قومًا: يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن"» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضًا، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود
[ ٢ / ٥١ ]
باب الثناء على القرون المفضلة وما يكون في الذين بعدهم من ضعف الدين وسمن الأبدان
السجستاني، والترمذي؛ من حديث زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ بنحوه، وقال فيه: «ويفشو فيهم السمن» .
قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح".
ورواه: الإمام أحمد، والترمذي أيضًا؛ من حديث هلال بن يساف عن عمران بن حصين ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعدهم قوم يتسمنون ويحبون السمن، يعطون الشهادة قبل أن يسألوها» .
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" من هذا الوجه مختصرًا.
وعن بريدة الأسلمي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير أمتي قرني منهم، ثم الذين يلونهم، (قال: لا أدري أذكر الثالث أم لا)، ثم يخلف أقوام يظهر فيهم السمن، يهريقون الشهادة ولا يسألونها» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله ثقات.
وفي رواية له عن بريدة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير هذه الأمة القرن الذين بعثت أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم تسبق شهادتهم أيمانهم، وأيمانهم شهادتهم» .
وفي لفظ آخر؛ قال: «القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .
وإسناده جيد.
وعن بلال بن سعد بن تميم السكوني عن أبيه ﵁؛ قال: «قلت: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "أنا وأقراني". قلنا: ثم ماذا يا رسول»
[ ٢ / ٥٢ ]
«الله؟ قال: "ثم القرن الثاني". قلنا: يا رسول الله! ثم ماذا؟ قال: " القرن الثالث". قلنا: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: "ثم يكون قوم: يحلفون ولا يستحلفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويؤتمنون ولا يؤدون» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه.
وزاد أحمد والشيخان: قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.
ورواه أبو داود الطيالسي، ولفظه: قال: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادتهم، ويشهدون قبل أن يستشهدوا» .
وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وشهادتهم أيمانهم» .
رواه: الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، (والله أعلم أذكر الثالث أم لا؟ قال:) ثم يخلف قوم يحبون السمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم.
[ ٢ / ٥٣ ]
قال النووي: " (السمانة)؛ بفتح السين: هي السمن. قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث: المراد بالسمن هنا: كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم، وليس معناه أن يتمحضوا سمانًا. قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقة؛ فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب زائدًا على المعتاد. وقيل: المراد بالسمن هنا: أنهم يتكثرون بما ليس فيهم، ويدعون ما ليس لهم من الشرف وغيره. وقيل: المراد جمعهم الأموال". انتهى.
والصحيح أن المراد بالسمن كثرة الشحم، ويدل على ذلك قوله في حديث عمران بن حصين ﵄: «ويظهر فيهم السمن»، وقد وقع مصداق ذلك، ولا سيما في زماننا؛ فقد ظهر فيه السمن، وفشى في الرجال والنساء؛ بسبب الراحة، والتوسع في المأكولات والمشروبات، حتى كانت بطون كثير منهم أكبر من بطون الحوامل بكثير.
وعن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية، فقال: إن رسول الله ﷺ قام فينا مثل مقامي فيكم، فقال: «احفظوني في أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجل وما يستشهد، ويحلف وما يستحلف» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، والطبراني، وابن حبان في " صحيحه" وهذا لفظ ابن ماجه.
ورواه: الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، والحاكم؛ من حديث ابن عمر ﵄؛ قال: خطبنا عمر ﵁ بالجابية، فقال: يا أيها الناس! إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يحلف الرجل ولا»
[ ٢ / ٥٤ ]
«يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد» الحديث.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال الترمذي: "وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ".
ورواه الحاكم أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: وقف عمر ﵁ بالجابية، فقال: (وذكره بنحو ما تقدم من حديث جابر بن سمرة وابن عمر ﵃) .
صححه الحاكم، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" من حديث عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن الأشتر النخعي عن أبيه عن جده؛ قال: قام عمر ﵁ عند باب الجابية، وذكر النبي ﷺ، ثم قال: «إن يد الله على الجماعة، والفذ مع الشيطان، والحق أصل في الجنة، والباطل أصل في النار، وإن أصحابي خياركم؛ فأكرموهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب والهرج» الحديث.
باب
ما جاء في النشء المترفين
عن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون رجال من أمتي: يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام؛ فأولئك شرار أمتي» .
[ ٢ / ٥٥ ]
باب ما جاء في النشء المترفين
رواه: الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية"، ورواه البزار وزاد: «الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم» . قال الهيثمي: "وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وقد وثق، والجمهور على تضعيفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «شرار أمتي الذين غذوا في النعيم، الذين يتقلبون في ألوان الطعام والثياب، الثرثارون الشداقون بالكلام» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن عبد الله بن جعفر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم، وغذوا به، يأكلون من الطعام ألوانًا، ويتشدقون بالكلام» .
رواه الطبراني في "الأوسط".
وعن بكر بن سوادة: أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون نشو من أمتي؛ يولدون في النعيم، ويغذون به، همتهم ألوان الطعام وألوان الثياب، يتشدقون بالقول، أولئك شرار أمتي» .
رواه الإمام أحمد في "الزهد"، وهو مرسل.
وعن فاطمة بنت الحسين: أن رسول الله ﷺ قال: «إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، الذين يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب، يتشادقون في الكلام» .
رواه الإمام أحمد في "الزهد"، وهو مرسل.
قال ابن الأثير: " (المتشدقون": هم المتوسعون في الكلام من غير
[ ٢ / ٥٦ ]
احتياط واحتراز. وقيل: أراد بالمتشدق المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم".
قلت: والأول أصح، وبه جزم النووي؛ فإنه قال: " (المتشدق): المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه ". انتهى. وكل من الضربين كثير في زماننا.
وعن علي ﵁: "يأتي على الناس زمان: همتهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم، ودينهم دراهمهم ودنانيرهم، أولئك شرار الخلق لا خلاق لهم عند الله".
رواه الديلمي.
باب
ارتفاع الأسافل وتوفر حظوطهم من الدنيا
قد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة أحاديث كثيرة في ذلك:
منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «من اقتراب الساعة: أن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار» .
رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقال الهيثمي: "رجال الطبراني رجال الصحيح".
وقد رواه نعيم بن حماد في الفتن، ولفظه: قال: «إن من أشراط الساعة أن يوضع الأخيار، ويشرف الأشرار، ويسود كل قوم منافقوهم» .
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه: البخاري في
[ ٢ / ٥٧ ]
باب ارتفاع الأسافل وتوفر حظوطهم من الدنيا
"الكنى"، والطبراني، وأبو نعيم، والحاكم، وفيه: «وتهلك الوعول، وتظهر التحوت» (وفي رواية: «ويعلو التحوت الوعول») ". قالوا: وما التحوت؟ قال: "فسول الرجال، وأهل البيوت الغامضة، والوعول أهل البيوت الصالحة".
ومنها حديث عوف بن مالك ﵁ الذي رواه الطبراني، وفيه: «وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم» .
ومنها حديث علي ﵁ الذي رواه الترمذي، وفيه: «وكان زعيم القوم أرذلهم» .
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه الترمذي وفيه: «وكان زعيم القوم أرذلهم» .
ومنها حديث حذيفة ﵁ الذي رواه أبو نعيم، وفيه: «وفاض اللئام فيضًا، وغاض الكرام غيضًا» . وفيه أيضًا: «وكان زعيم القوم أرذلهم» .
ومنها حديث مكحول الذي رواه أبو الشيخ والديلمي، وفيه: «وصارت أموالكم عند شراركم» . وفيه أيضًا: «ووليت أموركم السفهاء» .
ومنها حديث ابن مسعود ﵁ الذي رواه الطبراني وغيره، وفيه: «وأن تفيض الأشرار فيضًا» . وفيه أيضًا: من أعلام الساعة وأشراطها: أن يسود كل قبيلة منافقوها، وكل سوق فجارها.
ومنها: حديث أبي موسى، وحديث عائشة، وحديث عبد الله بن عمرو، وحديث أنس، وحديث أبي هريرة، وحديث عوف بن مالك ﵃ في ائتمان الخونة وتصديق الكذبة.
ومنها: حديث أم سلمة ﵂ الذي رواه البخاري في "تاريخه" والطبراني، وفيه: «ويصدق فيه الكاذب، ويخون فيه الأمين، ويؤتمن»
[ ٢ / ٥٨ ]
«فيه الخؤون» . وفيه أيضًا: «ويكون أسعد الناس في الدنيا لكع ابن لكع لا يؤمن بالله ورسوله» .
وعن علي ﵁: أنه قال: يأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك؛ قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وينهد الأشرار، ويستذل الأخيار، ويبايع المضطرون.
الحديث رواه: الإمام أحمد، وأبو داود.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه قال: "لكل شيء دولة تصيبه؛ فللأشراف على الصعاليك دولة، ثم للصعاليك وسفلة الناس في آخر الزمان حتى يدال لهم من أشراف الناس؛ فإذا كان ذلك؛ فرويدك الدجال، ثم الساعة، والساعة، والساعة أدهى وأمر".
رواه ابن وضاح.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ضاف ضيف رجلًا من بني إسرائيل وفي داره كلبة مجح، فقالت الكلبة: والله لا أنبح ضيف أهلي". قال: "فعوى جراؤها في بطنها". قال: "قيل: ما هذا؟ ". قال: "فأوحى الله ﷿ إلى رجل منهم: هذا مثل أمة تكون من بعدكم؛ يقهر سفهاؤها حلماءها» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط".
وفي رواية للطبراني: «فأوحي إلى رجل منهم: إن مثل هذه الكلبة مثل أمه يأتون من بعدكم، يستعلي سفهاؤها على علمائها» .
وفي رواية: «يغلب سفهاؤها علماءها» .
قال ابن الأثير: " (المجح): الحامل المقرب التي دنا ولادها". انتهى.
[ ٢ / ٥٩ ]
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها» .
رواه: البزار، والطبراني؛ بإسناد ضعيف.
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه مبارك بن فضالة، وهو مدلس، وحبيب بن فروخ لم أعرفه".
وعن كثير بن مرة مرسلًا: أن رسول الله ﷺ قال: «من أشراط الساعة أن يملك من ليس أهلًا أن يملك، ويرفع الوضيع، ويوضع الرفيع» .
رواه: نعيم بن حماد في كتاب "الفتن"، وابن وضاح من طريقه.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والضياء المقدسي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تذهب الدنيا حتى تصير للكع ابن لكع» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ غير كامل بن العلاء، وهو ثقة.
وعن أبي بردة بن نيار ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تذهب الدنيا حتى تكون للكع ابن لكع» .
رواه الإمام أحمد، وفيه الجهم بن أبي الجهم، ذكره ابن حبان في
[ ٢ / ٦٠ ]
"الثقات"، وبقية رجاله ثقات.
وقد رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أشراط الساعة أن يغلب على الدنيا لكع ابن لكع» .
رواه الطبراني في "الأوسط" بإسنادين. قال الهيثمي: "ورجال أحدهما ثقات".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير الوليد بن عبد الملك بن مسرح، وهو ثقة".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: «لا تنقضي الدنيا حتى تكون عند لكع ابن لكع» .
وعن أبي ذر ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى يغلب على الدنيا لكع ابن لكع» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله وثقوا، وفي بعضهم ضعف".
وعن علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» .
رواه ابن مردويه.
قال الجوهري: "رجل لكع؛ أي: لئيم، ويقال: هو العبد الذليل النفس".
[ ٢ / ٦١ ]
وقال ابن الأثير: "اللكع عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم؛ يقال للرجل: لكع، وللمرأة: لكاع، وهو اللئيم، وقيل: الوسخ، وقد يطلق على الصغير، فإن أطلق على الكبير؛ أريد به الصغير العلم والعقل ". انتهى.
والمعنى في هذه الأحاديث أن المال في آخر الزمان يتحول في أيدي اللئام بني اللئام، وأنهم يكونون أسعد الناس بنعيم الدنيا وملاذها والوجاهة فيها.
باب
ما جاء في إقبال الدين وإدباره
عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «إن لكل شيء إقبالًا وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من العمى والجهالة، وما بعثني الله به، وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان؛ فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما؛ قمعا وقهرا واضطهدا، وإن من إدبار هذا الدين: أن تجفو القبيلة بأسرها، حتى لا يرى فيها إلا الفقيه والفقيهان؛ فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما فأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر؛ قمعا وقهرا واضطهدا؛ فهما مقهوران ذليلان، لا يجدان على ذلك أعوانًا ولا أنصارًا» .
رواه الطبراني.
ورواه الحارث بن أبي أسامة مطولًا، ولفظه: قال: «لكل شيء إقبال وإدبار، وإن من إقبال هذا الدين ما بعثني الله به، حتى إن القبيلة لتتفقه كلها من عند آخرها، حتى لا يبقى فيها إلا الفاسق والفاسقان؛ فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إن تكلما أو نطقا؛ قمعا وقهرا واضطهدا (ثم ذكر من إدبار»
[ ٢ / ٦٢ ]
باب ما جاء في إقبال الدين وإدباره
«هذا الدين:) أن تجفو القبيلة كلها من عند آخرها، حتى لا يبقى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان؛ فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إن تكلما أو نطقا؛ قمعا وقهرا واضطهدا وقيل لهما: أتطعنان علينا؟ ! حتى يشرب الخمر في ناديهم ومجالسهم وأسواقهم، وتنحل الخمر غير اسمها، حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها، ألا حلت عليهم اللعنة، ويقولون: لا نأمن هذا الشراب، يشرب الرجل منهم ما بدا له، ثم يكف عنه، حتى تمر المرأة بالقوم، فيقوم إليها بعضهم، فيرفع ذيلها، فينكحها وهم ينظرون؛ كما يرفع ذنب النعجة، وكما أرفع ثوبي هذا (ورفع رسول الله ﷺ ثوبًا عليه من هذه السحولية) فيقول القائل منهم: لو نحيتها عن الطريق؛ فذاك فيهم كأبي بكر وعمر، فمن أدرك ذلك الزمان، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر؛ فله أجر خمسين ممن صحبني وآمن بي وصدقني أبدًا» .
ورواه الطبراني أيضًا بنحوه باختصار، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وفيه ضعف.
وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله» .
رواه الحاكم في "مستدركه": "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في غربة الإسلام
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا؛ فطوبى للغرباء» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
[ ٢ / ٦٣ ]
باب ما جاء في غربة الإسلام
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها» .
رواه مسلم.
وقد رواه الحافظ محمد بن وضاح في كتاب "البدع"، ولفظه: قال: «بدأ الإسلام غريبًا، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس، ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس» .
وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا؛ فطوبى للغرباء» .
رواه ابن ماجه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا؛ فطوبى للغرباء". قال: قيل: ومن الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل» .
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وابن وضاح، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود ". قال: "وفي الباب عن سعد وابن عمر وجابر وأنس وعبد الله بن عمرو ﵃".
وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين في الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا؛ فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من»
[ ٢ / ٦٤ ]
«بعدي من سنتي» .
رواه: الترمذي وقال: "هذا حديث حسن"، ورواه أبو نعيم في "الحلية" مختصرًا.
ورواه إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ: «إن هذا الدين بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء". قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: "الذين يحيون سنتي من بعدي، ويعلمونها عباد الله» .
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الإيمان بدأ غريبًا، وسيعود كما بدأ؛ فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده؛ ليأرزن الإيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها» .
رواه: الإمما أحمد، والبزار، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح".
وعن عبد الرحمن بن سنة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «بدأ الإسلام غريبًا، ثم يعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء". قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده؛ لينحازن الإيمان إلى المدينة كما يجوز السيل، والذي نفسي بيده ليأرزن الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها» .
رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"، والطبراني، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك، ولكن لحديثه هذا شواهد مما تقدم وما يأتي.
[ ٢ / ٦٥ ]
قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": " (سنة): بفتح المهملة وتشديد النون، وحكى ابن السكن فيه المعجمة والموحدة". انتهى.
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء". قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس» .
رواه الطبراني في الثلاثة. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير بكر بن سليم، وهو ثقة".
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا؛ فطوبى للغرباء". قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، وقد وثق".
وعن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ﵃: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء". قالوا: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس» .
رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه كثير بن مروان، وهو ضعيف جدًا".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي
[ ٢ / ٦٦ ]
سليم، وهو ثقة".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عطية (يعني: العوفي)، وهو ضعيف ".
وعن سلمان الفارسي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء» .
رواه الطبراني، وإسناده ضعيف.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده: «طوبى للغرباء". فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: "ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال المنذري: "وأحد إسنادي الطبراني رواته رواة الصحيح ". وفي رواية لأحمد: «طوبي للغرباء (ثلاثًا)» . ورواه ابن وضاح بهذا اللفظ في كتاب "البدع والنهي عنها".
وعن بكر بن عمرو المعافري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «طوبى للغرباء، الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفأ» .
رواه ابن وضاح.
وعن شريح بن عبيد الحضرمي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، ألا لا غربة على مؤمن» .
رواه ابن جرير.
[ ٢ / ٦٧ ]
باب
ما جاء في ضعف الإيمان وقلته في آخر الزمان
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: «يأتي على الناس زمان يحجون ويصلون ويصومون وما فيهم مؤمن» .
رواه أبو شعيب الحراني في "فوائده"، وإسناده لا بأس به.
وقد رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: قال: «يأتي على الناس زمان يجتمعون ويصلون في المساجد وليس فيهم مؤمن» .
ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه، وقال: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وهذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
والمراد بما ذكر فيه الأكثر والأغلب، لا العموم؛ لما تواتر عن النبي ﷺ: أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله تعالى» .
وقد تقدمت الأحاديث بذلك في (باب ما جاء في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة)؛ فلتراجع.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيأتي على الناس زمان، يصلي في المسجد منهم ألف رجل أو زيادة، لا يكون فيهم مؤمن» .
رواه الديلمي.
وعنه ﵁: أن رسول الله قال: «يؤذن المؤذن ويقيم الصلاة قوم»
[ ٢ / ٦٨ ]
«وما هم بمؤمنين» .
رواه: الطبراني، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن ابن مسعود ﵁: "إن من اقتراب الساعة أن يصلي خمسون نفسًا لا تقبل لأحدهم صلاة".
رواه أبو الشيخ في كتاب "الفتن"، ونقله عنه صاحب "كنز العمال".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيأتي على الناس زمان يقعدون في المساجد حلقًا حلقًا، إنما همتهم الدنيا؛ فلا تجالسوهم؛ فإنه ليس لله فيهم حاجة» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة» .
وعن الحسن مرسلًا: «يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم؛ فلا تجالسوهم؛ فليس لله فيهم حاجة» .
رواه البيهقي في "شعب الإيمان".
وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان يجتمعون في مساجدهم لا يصلون» .
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يأتي على الناس زمان؛ لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود» .
[ ٢ / ٦٩ ]
رواه: البيهقي في "شعب الإيمان"، وابن بطة في "الحيل"، والعسكري في "المواعظ"، ونقله عنه صاحب "كنز العمال".
وقد ذكره الإمام أحمد في كتاب "الصلاة" مختصرًا بدون إسناد، فقال: وجاء عنه ﷺ: «يأتي زمان؛ لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه» .
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، يتسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود» .
رواه الحاكم في "تاريخ نيسابور".
وعن معاذ بن جبل ﵁ نحوه.
رواه الديلمي.
وقد تقدم حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه ابن مردويه مطولًا، وفيه: «ويذهب الإسلام فلا يبقى إلا اسمه» .
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك الإسلام أن يدرس؛ فلا يبقى إلا اسمه، ويدرس القرآن؛ فلا يبقى إلا رسمه» .
رواه الديلمي.
وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان: علماؤها فتنة، وحكماؤها فتنة، تكثر المساجد والقراء، لا يجدون عالمًا إلا الرجل بعد الرجل» .
[ ٢ / ٧٠ ]
رواه أبو نعيم.
وعن عبد الله بن بسر المازني ﵁؛ قال: لقد سمعت حديثًا منذ زمان: «إذا كنت في قوم عشرين رجلًا أو أقل أو أكثر، فتصفحت في وجوههم، فلم تر فيهم رجلًا يهاب في الله؛ فاعلم أن الأمر قد رق» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي في "شعب الإيمان". قال الهيثمي: "وإسناد أحمد جيد".
باب
انضمام الإيمان إلى الحرمين الشريفين
قد تقدم في باب غربة الإسلام أربعة أحاديث في ذلك، عن: عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن سنة، وعمرو بن عوف ﵃.
وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه.
وفي رواية لأحمد: «إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» .
قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: "أي: ينضم إليها، ويجتمع بعضه إلى بعض فيها".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» .
[ ٢ / ٧١ ]
باب انضمام الإيمان إلى الحرمين الشريفين
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنه قال: «والذي نفسي بيده؛ ليعودن الأمر كما بدأ، ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ منها، حتى يكون كل إيمان بالمدينة» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي في "تلخيصه"، وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة، حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح» .
رواه: أبو داود، والطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، زاد أبو داود: "قال الزهري: «وسلاح قريب من خيبر» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين بسلاح، وسلاح من خيبر» .
رواه الطبراني. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" موقوفًا على أبي هريرة ﵁.
باب
ما جاء في نقض عرى الإسلام
عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وكلما انتقضت عروة؛ تشبث الناس بالتي تليها،»
[ ٢ / ٧٢ ]
باب ما جاء في نقض عرى الإسلام
«فأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة» .
رواه: الإمام أحمد في "مسنده"، وابنه عبد الله في كتاب "السنة"، والطبراني بأسانيد صحيحة، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح ولم يخرجاه".
وقد وقع مصداق هذا الحديث في زماننا، حيث نبذ كثير من المنتسبين إلى الإسلام الحكم بالشريعة المحمدية وراء ظهورهم، واعتاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية، وكل ما خرج عن حكم الكتاب والسنة؛ فهو من حكم الطاغوت والجاهلية، وقد نقض الأكثرون أيضًا غير ذلك من عرى الإسلام؛ كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعن فيروز الديلمي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لينقضن الإسلام عروة عروة كما ينقض الحبل قوة قوة» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله ثقات.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: أنه قال: «والذي نفس محمد بيده؛ لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: الله، الله!» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄: أنه قال: «لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، ويكون أول نقضها الخشوع، حتى لا ترى خاشعًا» ". الحديث.
رواه الآجري في كتاب "الشريعة".
[ ٢ / ٧٣ ]
ورواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: «أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين النساء وهن حيض» (وذكر تمام الحديث) ".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه ابن وضاح، ولفظه: قال: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، ولتصلين نساؤهم حيضًا» .
وعن أبي الطفيل عن حذيفة بن اليمان ﵄: "أنه أخذ حصاة بيضاء، فوضعها في كفه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء إضاءة هذه الحصاة. ثم أخذ كفًا من تراب، فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده؛ ليجيئن أقوام يدفنون الدين كما دفنت هذه الحصاة".
رواه ابن وضاح في كتاب "البدع والنهي عنها".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: «إن هذا الدين قد تم، وإنه صائر إلى نقصان، وإن أمارة ذلك: أن تقطع الأرحام، ويؤخذ المال بغير حقه، ويسفك الدماء، ويشتكي ذو القرابة قرابته ولا يعود عليه بشيء، ويطوف السائل بين الجمعتين لا يوضع في يده شيء، فبينما هم كذلك؛ إذ خارت خوار البقر، يحسب كل الناس أنما خارت من قبلهم، فبينما الناس كذلك؛ إذ قذفت الأرض بأفلاذ كبدها من الذهب والفضة، لا ينفع بعد ذلك شيء من الذهب والفضة» .
رواه الحاكم في "مستدركه "، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٢ / ٧٤ ]
وهذا الحديث والحديثان قبله لها حكم المرفوع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال ذلك عن توقيف.
باب
ما جاء في ذهاب الخشوع من الناس
قد تقدم حديث حذيفة ﵁ في ذلك.
وعن جبير بن نفير عن أبي الدرداء ﵁؛ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: "هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء". فقال زياد بن لبيد الأنصاري ﵁: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ ! فوالله؛ لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا. قال: "ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؛ فماذا تغني عنهم؟ !» . قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع؛ فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا.
رواه: الترمذي، والحاكم. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جبير بن نفير أيضًا؛ قال: قال عوف بن مالك الأشجعي ﵁: «إن رسول الله ﷺ نظر إلى السماء يومًا، فقال: "هذا أوان يرفع العلم". فقال له رجل من الأنصار يقال له: ابن لبيد: يا رسول الله! كيف يرفع العلم وقد أثبت في الكتاب ووعته القلوب؟ ! فقال رسول الله ﷺ: "إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة (ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من»
[ ٢ / ٧٥ ]
باب ما جاء في ذهاب الخشوع من الناس
«كتاب الله)» . قال: فلقيت شداد بن أوس، فحدثته بحديث عوف بن مالك؟ فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى. قال: الخشوع، حتى لا ترى خاشعًا.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية"، وهذا لفظ الحاكم، وقال: "هذا صحيح، وقد احتج الشيخان بجميع رواته "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في تضييع الأمانة
عن أبي هريرة ﵁: «أن أعرابيًا قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال ﷺ: "إذا ضيعت الأمانة؛ فانتظر الساعة". قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري. وفي رواية للبخاري: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر الساعة» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط، ومقتضاه أن العلم ما دام قائمًا؛ ففي الأمر فسحة".
وقال أيضًا: "المراد من الأمر جنس الأمور التى تتعلق بالدين؛ كالخلافة، والإمارة، والقضاء، والإفتاء، وغير ذلك. قال ابن بطال: معنى "أسند الأمر إلى غير أهله": أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم؛ فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين؛ فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها". انتهى.
[ ٢ / ٧٦ ]
باب
ما جاء في رفع الأمانة والحياء
عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: "أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة". وحدثنا عن رفعها؛ قال: "ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة، فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل؛ كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان"، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا؛ رده علي الإسلام، وإن كان نصرانيًا؛ رده علي ساعيه، فأما اليوم؛ فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه.
قال البخاري رحمه الله تعالى: "سمعت أبا أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول: قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: جذر قلوب الرجال: (الجذر): الأصل من كل شيء. و(الوكت): أثر الشيء اليسير منه، و(المجل): أثر العمل في الكف إذا غلظ". انتهى.
والجذر بفتح الجيم وكسرها، والوكت بفتح الواو وسكون الكاف، والمجل بفتح الميم وسكون الجيم، والمنتبر: هو المرتفع المتنفط.
وعن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول»
[ ٢ / ٧٧ ]
«ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، ورب مصل لا خير فيه» .
رواه الطبراني في "الصغير". قال الهيثمي: "وفيه حكيم بن نافع، وثقه ابن معين وضعفه أبو زرعة، وبقية رجاله ثقات".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول ما يرفع من هذه الأمانة الحياء والأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، (يخيل إلي أنه قال:) وقد يصلي قوم لا خلاق لهم» .
رواه أبو يعلى بإسناد ضعيف، وحديث عمر ﵁ يشهد له ويقويه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى من دينكم الصلاة، وليصلين قوم لا دين لهم» .
رواه: الطبراني بهذا اللفظ، والحاكم مختصرًا. قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح؛ غير شداد بن معقل، وهو ثقة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد ذكره الإمام أحمد في كتاب "الصلاة" مرفوعًا، فقال: وجاء الحديث عن النبي ﷺ: أنه قال: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين أقوام لا خلاق لهم» .
باب
ما جاء في ترك الجهاد
عن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد»
[ ٢ / ٧٨ ]
باب ما جاء في ترك الجهاد
«في سبيل الله؛ أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، وأبو يعلى، وأبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "شعب الإيمان".
ورواه أبو داود في "سننه"، ولفظه: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» .
وفي رواية لأحمد: «لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة؛ ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم، لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أشراط الساعة: سوء الجوار، وقطيعة الأرحام، وأن يعطل السيف من الجهاد، وأن تختل الدنيا بالدين» .
رواه: ابن مردويه، والديلمي، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان قلوبهم قلوب الأعاجم". قيل: وما قلوب الأعاجم؟ قال: "حب الدنيا، سنتهم سنة العرب، ما آتاهم الله من رزق؛ جعلوه في الحيوان، يرون الجهاد ضرارًا والصدقة مغرمًا» .
رواه: أبو يعلى مرفوعًا، والحارث بن أبي أسامة موقوفًا. قال الحافظ ابن حجر: "وهو أصح".
قلت: والموقوف له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
[ ٢ / ٧٩ ]
باب
ما جاء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة (فذكر الحديث بطوله، وفيه:) ويقل الأمر بالمعروف» .
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم ذكره.
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"كيف بكم إذا فسق فتيانكم وطغى نساؤكم؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! وإن ذلك لكائن؟ قال: "نعم، وأشد. كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! وإن ذلك لكائن؟ قال: "نعم، وأشد. كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! وإن ذلك لكائن؟ قال: "نعم، وأشد. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! وإن ذلك لكائن؟. قال: "نعم» .
رواه رزين.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «" كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! إن هذا لكائن؟ قال: "نعم، وأشد منه. كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! إن هذا لكائن؟ قال: "نعم، وأشد منه. كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا؟ !» .
رواه: أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"؛ إلا أنه قال: فسق شبابكم وإسناد كل منهما ضعيف.
[ ٢ / ٨٠ ]
وعن ضمام بن إسماعيل المعافري عن غير واحد من أهل العلم: أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم إذا فسق شبابكم وطغت نساؤكم وكثر جهالكم؟ ! ". قالوا: وإن ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: "وأشد من ذلك. كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر؟ ! ". قالوا: وإن ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: "وأشد من ذلك. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا ورأيتم المنكر معروفًا؟ ! "» .
رواه ابن وضاح.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "يأتي على الناس زمان؛ تكون السنة فيه بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وذلك إذا اتبعوا واقتدوا بالملوك والسلاطين في دنياهم".
رواه ابن وضاح.
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان لا يأمرون فيه بمعروف ولا ينهون عن منكر» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه بسطام بن حبيب، ولم أعرفه".
وعنه ﵁: "أنه قال: والله؛ ما من نفس تخرج أحب إلي من نفس أبي بكرة. ففزع القوم، فقالوا: لم؟ قال: إني أخشى أن أدرك زمانًا لا أستطيع أن آمر بالمعروف ولا أنهى عن منكر، ولا خير يومئذ".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «قيل: يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: "إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم»
[ ٢ / ٨١ ]
«قبلكم". قلنا: يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: "الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» .
رواه ابن ماجه. قال في "الزوائد": "وإسناده صحيح رجاله ثقات".
قال ابن ماجه: "قال زيد (يعني: ابن يحيى بن عبيد الخزاعي أحد رواته): تفسير معنى قول النبي ﷺ: «والعلم في رذالتكم»: إذا كان العلم في الفساق ".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري ": " وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس ﵁: «قيل: يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: "إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفحش في شراركم، والملك في صغاركم، والفقه في رذالكم"» .
قلت: ورواه أبو نعيم في "الحلية" من طريق مكحول عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «قيل: يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: "إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم". قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الفقه في صغاركم ورذالكم» .
ورواه ابن وضاح بنحوه؛ إلا أنه قال: «وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أرذالكم» .
وعن حذيفة ﵁؛ قال: «قلت للنبي ﷺ: يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما سيدا أعمال أهل البر؟ قال: " إذا أصابكم ما أصاب بني إسرائيل ". قلت: يا رسول الله! وما أصاب بني إسرائيل؟ قال: إذا داهن خياركم فجاركم، وصار الفقة في شراركم، وصار الملك في»
[ ٢ / ٨٢ ]
«صغاركم؛ فعند ذلك تلبسكم فتنة؛ تكرون ويكر عليكم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عمار بن سيف، وثقه العجلي وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف".
وعن معقل بن يسار ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"لا تذهب الأيام والليالي حتى يخلق القرآن في صدور أقوام من هذه الأمة كما تخلق الثياب، ويكون ما سواه أعجب إليهم، ويكون أمرهم طمعًا كله، لا يخالطه خوف، إن قصر عن حق الله؛ منته نفسه الأماني، وإن تجاوز إلى ما نهى الله عنه؛ قال: أرجو أن يتجاوز الله عني؛ يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في أنفسهم المداهن". قيل: ومن المداهن؟ قال: "الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر"» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي العالية؛ قال: «يأتي على الناس زمان: تخرب صدورهم من القرآن، ولا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصروا عما أمروا به؛ قالوا: إن الله غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه؛ قالوا: سيغفر لنا؛ إنا لم نشرك بالله شيئًا، أمرهم كله طمع، ليس معه صدق، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في دينه المداهن» .
رواه الإمام أحمد في "الزهد".
وعن زيد بن وهب؛ قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «لا يأتي عليكم يوم؛ إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله، حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالًا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم؛ إلا وهو أقل علمًا من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء؛ استوى الناس؛ فلا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر؛ فعند ذلك»
[ ٢ / ٨٣ ]
«يهلكون» .
رواه يعقوب بن شيبة، وله حكم الرفع، وكذلك الحديث الذي قبله.
باب
ما جاء في الذين لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا
عن الحسن عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى فيها عجاجة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا» .
رواه الإمام أحمد مرفوعًا وموقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. ورواه الحاكم في "مستدركه" مرفوعًا، وقال: "صحيح على شرط الشيخين إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي موسى ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الساعة وأنا شاهد، فقال: "لا يعلمها إلا الله، ولا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأحدثكم بمشاريطها وما بين يديها، ألا إن بين يديها فتنة وهرجًا". فقيل: يا رسول الله! أما الفتن؛ فقد عرفناها؛ فما الهرج؟ قال: "بلسان الحبشة: القتل، وأن يلقى بين الناس التناكر؛ فلا يعرف أحد أحدًا، وتجف قلوب الناس، وتبقى رجراجة لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم يسم".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: «يذهب الصالحون أسلافًا، ويبقى أهل الريب: من لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". ورواه أيضًا أبو
[ ٢ / ٨٤ ]
باب ما جاء في الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا
نعيم وغيره. وله حكم الرفع كنظائره.
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان: لا يتبع فيه العالم، ولا يستحيى فيه من الحليم، ولا يوقر فيه الكبير، ولا يرحم فيه الصغير، يقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، يمشي الصالح فيهم مستخفيًا، أولئك شرار خلق الله، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة» .
رواه الديلمي.
باب
ما جاء في الذين يرون المعروف منكرًا والمنكر معروفًا
قد تقدم في باب ما جاء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدة أحاديث في ذلك عن: علي، وأبي هريرة، وضمام بن إسماعيل المعافري، وابن مسعود؛ ﵃؛ فلتراجع.
باب
ما جاء في ظهور أهل المنكر على أهل المعروف
قد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر أشراط الساعة، وفيه: «ويظهر أهل المنكر» .
رواه ابن مردويه.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: «قال رسول الله ﷺ: "للساعة أشراط". قيل: وما أشراطها؟ قال: "غلو أهل الفسق في المساجد، وظهور أهل المنكر على أهل المعروف ". قال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: "دع وكن»
[ ٢ / ٨٥ ]
باب ما جاء في ظهور أهل المنكر على أهل المعروف
«حلسًا من أحلاس بيتك» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شاته» .
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ مثله.
رواه ابن عساكر أيضًا.
وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" بإسناد ضعيف، وقد تقدم ذكره في حديث طويل.
(النقد): صغار الغنم.
وعنه ﵁: أنه قال: "يأتي على الناس زمان: المؤمن فيه أذل من الأمة، أكيسهم الذي يروغ بدينه روغان الثعلب".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن علي ﵁: أنه قال: "يأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من الأمة".
رواه سعيد بن منصور في "سننه".
وعن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فيكم اليوم» .
[ ٢ / ٨٦ ]
رواه: ابن السني، والديلمي.
وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية مرسلًا: أن النبي ﷺ قال: «سيظهر شرار أمتي على خيارها، حتى يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم» .
رواه أبو شعيب الحراني في "فوائده".
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان: لا يتبع فيه العالم، ولا يستحيى فيه من الحليم، ولا يوقر فيه الكبير، ولا يرحم فيه الصغير، يقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، يمشي الصالح فيهم مستخفيًا، أولئك شرار خلق الله، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة» .
رواه الديلمي.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «"إن كلبة كانت في بني إسرائيل مجحًا، فضاف أهلها ضيف، فقالت: لا أنبح ضيفنا الليلة! فعوى جراؤها في بطنها! فأوحى الله إلى رجل منهم إن مثل هذه الكلبة مثل أمة يأتون من بعدكم، يستعلي سفهاؤها على علمائها (وفي رواية: يغلب سفهاؤها علماؤها)» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني واللفظ له، وقد تقدم ذكره في (باب ارتفاع الأسافل) .
وعن عطاء بن ميسرة الخراساني: أن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي على الناس زمان يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذوب الثلج في الماء. قيل: يا نبي الله! ومم ذاك؟ قال: "يرى المنكر يعمل به فلا يستطيع أن يغيره» .
[ ٢ / ٨٧ ]
رواه ابن وضاح.
وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قال: "توشك القرى أن تخرب وهي عامرة". قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: "إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقها".
وقد رواه أبو موسى المديني في كتاب "دولة الأشرار"، ونقله عنه صاحب "كنز العمال".
وعن طارق بن شهاب؛ قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إنكم في زمان: القائل فيه بالحق خير من الصامت، والقائم فيه خير من القاعد، وإن بعدكم زمانًا: الصامت فيه خير من الناطق، والقاعد فيه خير من القائم". قال: فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن! كيف يكون أمر من أخذ به اليوم؛ كان هدى، ومن أخذ به بعد اليوم؛ كان ضلالة؟ قال: "قد فعلتموها. اعتبروا ذلك برجلين مرا بقوم يعملون بالمعاصي، فأنكرا كلاهما، وصمت أحدهما فسلم، وتكلم الآخر فقال: إنكم تفعلون وتفعلون! فأخذوه وذهبوا به إلى ذي سلطانهم، فلم يزل (أو: لم يزالوا) به حتى أخذ بأخذه وعمل بعمله".
رواه الحاكم في "مستدركه "، وقال: "صحيح على شرط الشيخين لم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في أيام الصبر
وفضل التمسك بالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك الزمان
عن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» .
[ ٢ / ٨٨ ]
باب ما جاء في أيام الصبر وفضل التمسك بالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك الزمان
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وعن القاسم أبي عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ قال: «سينقض الإسلام، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر أو خبط الشوك» .
رواه ابن وضاح، وهو مرسل.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر (أو قال: على الشوك)» .
رواه الإمام أحمد. وقال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن أبي أمية الشعباني؛ قال: «أتيت أبا ثعلبة الخشني ﵁، فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ؟ قال: "بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام؛ فإن من ورائكم أيامًا؛ الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم". قيل: يا رسول الله! أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: "لا، بل أجر خمسين رجلًا منكم» .
رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن وضاح، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبغوي في "تفاسيرهم". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وقال الحاكم:
[ ٢ / ٨٩ ]
"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لابن وضاح عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «"المتمسك بديني وسنتي في زمان المنكر كالقابض على الجمر، للعامل منهم يومئذ بسنتي أجر خمسين منكم". قلنا: يا رسول الله! منهم؟ قال: "بل منكم» .
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «"إن من بعدكم أياما؛ الصابر فيها المتمسك بدينه مثل ما أنتم عليه اليوم له أجر خمسين منكم". قيل: يا رسول الله! منهم؟ قال: "بل منكم» .
رواه ابن وضاح.
وعن عتبة بن غزوان ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم". قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: " بل منكم (ثلاث مرات أو أربعًا)» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" عن شيخه بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف. قال الهيثمي: "وكلاهما قد وثق، وفيهما خلاف".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين". قالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منهم أو خمسين منا؟ قال: "خمسين منكم» .
رواه: البزار، والطبراني بنحوه؛ إلا أنه قال: «"للمتمسك أجر خمسين شهيدًا". فقال عمر: يا رسول الله! منا أو منهم؟ قال: "منكم» .
قال الهيثمي: "ورجال البزار رجال الصحيح؛ غير سهل بن عامر
[ ٢ / ٩٠ ]
البجلي، وثقه ابن حبان ".
وعن سعيد أخي الحسن يرفعه (قيل لسفيان بن عيينة: عن النبي ﷺ؟ قال: نعم)؛ قال: «"إنكم اليوم على بينة من ربكم؛ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في الله، ولم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش، وستحولون عن ذلك؛ فلا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر، ولا تجاهدون في الله، وتظهر فيكم السكرتان؛ فالمتمسك يومئذ بالكتاب والسنة له أجر خمسين ". قيل: منهم؟ قال: "لا؛ بل منكم"» .
رواه ابن وضاح.
وقد رواه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمة إبراهيم بن أدهم من حديث سفيان بن عيينة عن أسلم البصري: أنه سمع سعيد بن أبي الحسن يذكر عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"أنتم اليوم على بينة من ربكم؛ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في سبيل الله، ولم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش، وستحولون عن ذلك؛ فلا تأمرون بمعروف، ولا تنهون عن منكر، ولا تجاهدون في سبيل الله، والقائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا". قالوا: يا رسول الله! منا أو منهم؟ قال: "لا، بل منكم» .
قال أبو نعيم: "ورواه محمد بن قيس عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ مثله".
قلت: وسيأتي حديث معاذ ﵁.
وعن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «غشيتكم السكرتان: سكرة حب العيش، وحب الجهل؛ فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر، والقائمون بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من»
[ ٢ / ٩١ ]
«المهاجرين والأنصار» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ظهرت فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش، وجاهدوا في غير سبيل الله؛ فالقائمون يومئذ بكتاب الله سرًا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن وضاح من طريقه.
وقد رواه البزار بأبسط من هذا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إنكم على بينة من ربكم؛ ما لم تظهر فيكم سكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش، وأنتم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في سبيل الله؛ فإذا ظهر فيكم حب الدنيا؛ فلا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر، ولا تجاهدون في سبيل الله، القائلون يومئذ بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار» .
وقد تقدم قبل عشرة أبواب حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر إدبار الدين، وفي آخره: قال: «فمن أدرك ذلك الزمان، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فله أجر خمسين ممن صحبني وآمن بي وصدقني أبدًا» .
رواه: الحارث بن أبي أسامة، والطبراني.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يكون في آخر الزمان ديدان القراء (الحديث، وفيه:) والمتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر، والمتمسك يومئذ بدينه أجره كأجر خمسين". قالوا: منا أو منهم؟ قال: "بل منكم» .
[ ٢ / ٩٢ ]
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وسيأتي بتمامه في (باب ما جاء في القراء الفسقة) إن شاء الله تعالى.
وعن عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي؛ قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول: «إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم؛ يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، يقاتلون أهل الفتن» .
رواه البيهقي في "دلائل النبوة". وقد رواه: الإمام أحمد، وابن وضاح مختصرًا.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد» .
رواه: الطبراني، وأبو نعيم في "الحلية".
باب
ما جاء في قبض العلم وظهور الجهل
عن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة: أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وفي رواية: قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من أشراط الساعة: أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنى، وتكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» . هذا لفظ البخاري، ولفظ أحمد نحوه.
ولفظ مسلم: «إن من أشراط الساعة: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنى، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النساء؛ حتى يكون»
[ ٢ / ٩٣ ]
باب ما جاء في قبض العلم وظهور الجهل
«لخمسين امرأة قيم واحد» .
وقد رواه: أبو داود الطيالسي، والترمذي؛ بنحو رواية البخاري.
ورواه ابن ماجه بمثل رواية مسلم، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
قوله: " ويثبت الجهل ": قال النووي في "شرح مسلم ": "هكذا هو في كثير من النسخ: " يثبت الجهل "؛ من الثبوت، وفي بعضها: "يبث"؛ بضم الياء وبعدها موحدة مفتوحة ثم مثلثة مشددة؛ أي: ينشر ويشيع". انتهى.
قال الكرماني: "وفي رواية: "وينبت"؛ بالنون بدل المثلثة، من النبات".
ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"؛ قال: "وحكى ابن رجب عن بعضهم: "وينث "؛ بنون ومثلثة، من النث، وهو الإشاعة". قال ابن حجر: "وليست هذه في شيئ من "الصحيحين". انتهى.
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا، ما عدا خصلتين، وهما: ذهاب الرجال، وكثرة النساء.
فأما العلم الموروث عن النبي ﷺ وأصحابه وتابعيهم وأئمة العلم والهدى من بعدهم؛ فقد هجره الأكثرون، وقل الراغبون فيه والمعتنون به، وقد انصرفت همم الأكثرين إلى الصحف والمجلات وما شاكل ذلك مما كثير منه مشتمل على الجهل الصرف الذي قد ظهر في زماننا، وثبت فيه، وبث في مشارق الأرض ومغاربها به غاية البث، ونث بين الخاصة والعامة غاية النث، وشغف به الكثير من الناس، وسموه العلم والثقافة والتقدم، ومن يعتني به هو المهذب المثقف عندهم! وقد زاد الحمق والغرور ببعض السفهاء حتى أطلقوا على المعتنين بالعلوم الشرعية اسم الرجعيين، وسموا كتب العلم النافع الكتب الصفراء؛ تحقيرًا لها وتنفيرًا منها.
[ ٢ / ٩٤ ]
وهذا مصداق ما رواه ابن أبي شيبة عن الشعبي: أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلًا، والجهل علمًا".
وأما الزنى؛ فقد جعل له أسواق معروفة في كثير من البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام، وما يفعل في غير الأسواق أكثر وأكثر.
وكذلك الخمر قد فشى شربها وبيعها وابتياعها في كثير من البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام. فالله المستعان.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج". قيل: يا رسول الله! أيما هو؟ قال: "القتل، القتل» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجه، وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ قال: «"ويل للعرب من شر قد اقترب، ينقص العلم، ويكثر الهرج". قلت: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: "القتل» .
وفي رواية له أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال: «تظهر الفتن، ويكثر الهرج ويرفع العلم» . فلما سمع عمر ﵁ أبا هريرة ﵁ يقول: يرفع العلم؛ قال عمر: أما إنه ليس ينزع من صدور العلماء، ولكن يذهب العلماء.
وقد رواه ابن أبي شيبة ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «"تكثر الفتن، ويكثر الهرج". قلنا: وما الهرج؟ قال: "القتل. ويقبض العلم". قال: "أما إنه ليس ينزع من صدور الرجال، ولكن يقبض العلماء» .
وعن عبد الله بن مسعود وأبي موسى ﵄؛ قالا: قال النبي ﷺ: «إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل» .
[ ٢ / ٩٥ ]
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
ورواه ابن ماجه عن كل منهما على حدته، ورواه أبو داود الطيالسي من حديث ابن مسعود وحده، ورواه الترمذي من حديث أبي موسى وحده، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا؛ اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه.
وفي رواية لأحمد والشيخين عنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال؛ يستفتون، فيفتنون برأيهم، فيضلون ويضلون» .
هذا لفظ البخاري.
ورواه أبو داود الطيالسي، ولفظه: قال: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ لا يرفع العلم بقبض يقبضه، ولكن يرفع العلماء بعلمهم، حتى إذا لم يبق عالم؛ اتخذ الناس رؤساء جهالًا؛ فسئلوا، فحدثوا، فضلوا وأضلوا» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، فإذا ذهب العلماء؛ اتخذ الناس رؤساء، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل» .
[ ٢ / ٩٦ ]
رواه الطبراني في "الأوسط"، وفي إسناده ضعف، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ يشهد له وللأحاديث الثلاثة بعده.
وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إن الله لا ينزع منكم العلم بعدما أعطاكموه انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء بعلمهم، ويبقى جهال، فيسألون، فيفتون، فيضلون ويضلون» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، وقد وثق".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «يقبض الله العلماء، ويقبض العلم معهم، فينشأ أحداث؛ ينزو بعضهم على بعض نزو العير على العير، ويكون الشيخ فيهم مستضعفًا» .
رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد ضعيف.
وعن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﵎ لا ينزع العلم من الناس انتزاعًا بعد أن يؤتيهم إياه، ولكن يذهب بالعلماء، فكلما ذهب عالم؛ ذهب بما معه من العلم، حتى يبقى من لا يعلم، فيضلوا ويضلوا» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، ووثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث ".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله، أما إني لست أعني عامًا أخصب من عام، ولا أميرًا خيرًا من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيهدم الإسلام ويثلم".
[ ٢ / ٩٧ ]
رواه: الديلمي، وابن وضاح، وغيرهما.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي على أمتي زمان؛ يكثر فيه القراء، ويقل الفقهاء، ويقبض العلم، ويكثر الهرج ". قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل بينكم، ثم يأتي من بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم، ثم يأتي من بعد ذلك زمان يجادل المشرك بالله المؤمن في مثل ما يقول» .
رواه: الطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "مستدركه "، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا: فقل الفقهاء العارفون بما جاء عن الله ورسوله ﷺ، وكثر القراء في الكبار والصغار والرجال والنساء؛ بسبب كثرة المدارس وانتشارها، والمراد بالقراء - والله أعلم - الذين يجيدون القراءة ويقرؤون ما يكتب لهم، وليس في الحديث ما يدل على أن ذلك خاص بالذين يقرؤون القرآن دون الذين يقرؤون غيره من الكتب والصحف والمجلات وغيرها، مما قد كثر في زماننا، وانتشر غاية الانتشار، وشغف به الأكثرون من الكبار والصغار، وأكثر القراء في زماننا قد أعرضوا عن قراءة القرآن، وأقبلوا على قراءة الصحف والمجلات، وقصص الحب والغرام، وغيرها من القصص التي لا خير فيها، وكثير منها مفتعل مكذوب، ومع ذلك؛ فالأكثرون مكبون على القراءة فيما ذكرنا.
وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان: علماؤها فتنة، وحكماؤها فتنة، تكثر المساجد والقراء، لا يجدون عالمًا إلا الرجل بعد الرجل» .
رواه أبو نعيم.
[ ٢ / ٩٨ ]
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني امرؤ مقبوض؛ فتعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، وتعلموا العلم وعلموه الناس؛ فإني مقبوض، وإنه سيقبض العلم، وتظهر الفتن، حتى يختلف الاثنان في الفريضة؛ فلا يجدان من يفصل بينهما» .
رواه: أبو داود الطيالسي، وأبو يعلى، والبزار.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: «لما كان في حجة الوداع؛ قام رسول الله ﷺ وهو يومئذ مردف الفضل بن عباس على جمل آدم، فقال: "يا أيها الناس! خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم وقبل أن يرفع العلم "، وقد كان أنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ . قال: فكنا قد كرهنا كثيرًا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله ذلك على نبيه ﷺ. قال: فأتينا أعرابيًا، فرشوناه بردًا، فاعتم به. قال: حتى رأيت حاشيته خارجة على حاجبه الأيمن. قال: ثم قلنا له: سل النبي ﷺ. فقال له: يا نبي الله! كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا؟ قال: فرفع النبي ﷺ رأسه وقد علت وجهه حمرة من الغضب. قال: فقال: "أي ثكلتك أمك! وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقوا منها بحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم، ألا وإن ذهاب العلم ذهاب حملته (ثلاث مرات)» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير"، وروى ابن ماجه طرفًا من أوله.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يرفع العلم (فرددها ثلاثًا) . فقال زياد بن لبيد: يا نبي الله! بأبي وأمي، وكيف»
[ ٢ / ٩٩ ]
«يرفع العلم منا وهذا كتاب الله قد قرأناه ويقرئه أبناؤنا أبناءهم؟ ! فأقبل عليه رسول الله ﷺ، فقال: "ثكلتك أمك يا زياد بن لبيد! إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة! أوليس هؤلاء اليهود والنصارى عندهم التوراة والإنجيل؛ فما أغنى عنهم، إن الله ليس يذهب بالعلم رفعًا يرفعه، ولكن يذهب بحملته (أحسبه)، ولا يذهب عالم من هذه الأمة؛ إلا كان ثغرة في الإسلام لا تسد إلى يوم القيامة» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه سعيد بن سنان، وقد ضعفه البخاري ويحيى بن معين وجماعة؛ إلا أن أبا مسهر قال: حدثنا صدقة بن خالد؛ قال: حدثني أبو مهدي سعيد بن سنان مؤذن أهل حمص وكان ثقة مرضيًا.
وعن زياد بن لبيد ﵁؛ قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا، فقال: «ذاك عند أوان ذهاب العلم". قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ ! فقال: "ثكلتك أمك زياد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟ !» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه "، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن وحشي بن حرب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك العلم أن يختلس من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء". فقال زياد بن لبيد: وكيف يختلس منا العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه أبناءنا؟ ! فقال: "ثكلتك أمك يا ابن لبيد! هذه التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى ما يرفعون بها رأسًا» .
رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وقد تقدم في (باب ذهاب الخشوع) حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء
[ ٢ / ١٠٠ ]
وعبادة بن الصامت ﵄ بنحو حديث زياد بن لبيد ﵁، وفيه: أن أول علم يرفع من الناس الخشوع.
وتقدم فيه أيضًا حديث جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي وشداد بن أوس ﵄، وفيه: أن أول ما يرفع الخشوع.
وفيه أيضًا عند الإمام أحمد: أن شداد بن أوس ﵄ قال لجبير بن نفير: وهل تدري ما رفع العلم؟ قال: قلت: لا أدري. قال: ذهاب أوعيته.
باب
ما جاء في كثرة القراء والخطباء وقلة الفقهاء
قد تقدم في الباب قبله حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي على أمتي زمان؛ يكثر فيه القراء، ويقل الفقهاء، ويقبض العلم، ويكثر الهرج» الحديث.
رواه: الطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وتقدم أيضًا حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان: علماؤها فتنة، وحكماؤها فتنة، تكثر المساجد والقراء، لا يجدون عالمًا إلا الرجل بعد الرجل» .
رواه أبو نعيم.
وعن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنكم في زمان علماؤه كثير، وخطباؤه قليل، من ترك فيه عشير ما يعلم؛ هوى، وسيأتي على الناس زمان يقل علماؤه، ويكثر خطباؤه، من تمسك فيه بعشير ما يعلم؛ نجا» .
[ ٢ / ١٠١ ]
باب ما جاء في كثرة القراء والخطباء وقلة الفقهاء
رواه الإمام أحمد، وفيه رجل لم يسم.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إنكم في زمان، من ترك منكم عشر ما أمر به؛ هلك، ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به؛ نجا» .
رواه: الترمذي، والطبراني في "الصغير". وقال الترمذي: "هذا حديث غريب". قال: "وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد ﵄".
وعن حزام بن حكيم بن حزام عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «إنكم قد أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه، قليل سؤاله، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، وكثير سؤاله، قليل معطوه، العلم فيه خير من العمل» .
رواه الطبراني في "الكبير"، وفي إسناده ضعف.
وعن حزام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري ﵁ عن رسول الله ﷺ مثله.
رواه الطبراني في "الكبير"، وفي إسناده ضعف.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "إنكم في زمان الصلاة فيه طويلة، والخطبة فيه قصيرة، وعلماؤه كثير، وخطباؤه قليل، وسيأتي على الناس زمان الصلاة فيه قصيرة، والخطبة فيه طويلة، خطباؤه كثير، وعلماؤه قليل، يؤخرون الصلاة؛ صلاة العشي، إلى شرق الموتى، فمن أدرك ذلك؛ فليصل
[ ٢ / ١٠٢ ]
الصلاة لوقتها، وليجعلها معهم تطوعًا".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وقد رواه البخاري في "الأدب المفرد" من حديث زيد بن وهب؛ قال: سمعت ابن مسعود ﵁ يقول: "إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سؤاله، كثير معطوه، العمل فيه قائد للهوى، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل، اعلموا أن حسن الهدى في آخر الزمان خير من بعض العمل".
ورواه الحاكم في "مستدركه" من حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود ﵁ مختصرًا، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الإمام مالك في "موطئه" عن يحيى بن سعيد: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال لإنسان: «إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم» .
وهذا الحديث له حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي ومثله لا يقال من قبل الرأى، وإنما يقال عن توقيف.
وقوله: "تضيع حروفه": ليس معناه على ظاهره، وإنما معناه أنهم لا يتكلفون في قراءه القرآن كما يتكلف كثير من المتأخرين، ولا يتقعرون في أداء
[ ٢ / ١٠٣ ]
حروفه كما يتقعر كثير من المتأخرين، ولا يتوسعون في معرفة أنواع القراءات كما فعل ذلك من بعدهم. والله أعلم.
وقوله: "يبدون"؛ بضم الياء، وفتح الباء، وتشديد الدال؛ معناه: يقدمون.
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا، فقل فيه الفقهاء، وكثر فيه القراء، الذين يحفظون حروف القرآن، ويتقعرون في أدائها، ويضيعون حدود القرآن، ولا يبالون بمخالفة أوامره وارتكاب نواهيه، يطيلون الخطب، ويقصرون الصلاة، ويقدمون أهواءهم قبل أعمالهم، وقد رأينا من هذا الضرب كثيرًا. فالله المستعان.
وعن عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة: كثرة القطر، وقلة النبات، وكثرة القراء، وقلة الفقهاء، وكثرة الأمراء، وقلة الأمناء» .
رواه الطبراني بإسناد ضعيف.
باب
ما جاء في الخطباء الكذابين
عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عارًا ويكون الإسلام غريبًا.. (الحديث، وفيه:) ويقوم الخطباء بالكذب، فيجعلون حقي لشرار أمتي، فمن صدقهم بذلك ورضي به؛ لم يرح رائحة الجنة» .
رواه ابن أبي الدنيا، وقد تقدم بطوله في الباب الثاني من أشراط الساعة
[ ٢ / ١٠٤ ]
باب ما جاء في الخطباء الكذابين
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا، فكان بعض المنافقين من الخطباء والكتاب يجعلون حق النبي ﷺ للفجرة الطغاة من الرؤساء، فيصفون بعضهم بأنه رسول السلام، ويجعلون عهد بعضهم وقوانينه خيرًا من عهد النبي ﷺ وشريعته إلى غير ذلك من أنواع الكذب الذي يصفون به الطغاة ويتقربون به إليهم.
باب
التماس العلم عند الأصاغر
عن أبي أمية الجمحي ﵁: «أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة؟ فقال: من أشراطها ثلاث: إحداهن التماس العلم عند الأصاغر» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير". قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم، وتفرقت أهواؤهم؛ هلكوا".
رواه: أبو عبيد، ويعقوب بن شيبة، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط".
قال الهيثمي: "ورجاله موثقون". وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" بنحوه، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أبو نعيم في "الحلية"، ولفظه: قال: "لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم؛ فقد هلكوا ". ورواه الخطيب البغدادي في "تاريخه" بنحوه، وفي روايته: "فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفلتهم؛ فقد هلكوا".
[ ٢ / ١٠٥ ]
باب
في عودة العلم جهلًا والجهل علمًا
عن الشعبي: أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلًا والجهل علمًا» .
رواه ابن أبي شيبة.
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأنه إخبار عن أمر غيبي، ومثله لا يقال من قبل الراي، وإنما يقال عن توقيف.
وقد ظهر مصداقة في زماننا حيث زهد الأكثرون في العلوم الشرعية، وأعرضوا عنها، وأقبلوا على ما لا خير فيه من الجرائد والمجلات وما شابهها من الكتب العصرية، ومن الجهل الذي يعتنون بتعلمه وتعليمه في المدارس أعظم مما يعتنون بتعلم القرآن وتعليمه: رسم التصوير المحرم، واللعب بالكرة، وغير ذلك مما يسمونه بالعلوم الرياضية.
باب
الإشارة إلى الجرائد والمجلات
عن الضحاك: أنه قال: «يأتي على الناس زمان تكثر فيه الأحاديث، حتى يبقى المصحف عليه الغبار لا ينظر فيه» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، وفي إسناده رجل لم يسم، وبقية رجاله ثقات.
ومثله لا يقال من قبل الراي، وإنما يقال عن توقيف.
وقد كثرت أحاديث الجرائد والمجلات في زماننا، وكذلك أحاديث
[ ٢ / ١٠٦ ]
باب الإشارة إلى الجرائد والمجلات
الإذاعات، وأكثر الكتب العصرية، وافتتن بذلك الأكثرون من الخاصة والعامة، وأعرضوا عن كتاب الله تعالى، وأحاديث رسوله ﷺ، وآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم، ولعل زماننا هو الزمان الذي ذكر عنه الضحاك ما ذكر. والله أعلم.
باب
بث العلم في آخر الزمان والتباهي به وقلة العمل به
عن معاذ بن جبل ﵁: أنه قال: «إن من ورائكم فتنًا؛ يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره؛ فإياكم وما ابتدع؛ فإن ما ابتدع ضلالة» الحديث.
رواه: عبد الرزاق، وأبو داود، وابن وضاح، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقد رواه الدارمي في "مسنده" بنحوه.
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف.
وعن أبي الزاهرية (واسمه حدير بن كريب) يرفع الحديث: «أن الله تعالى قال: أبث العلم في آخر الزمان حتى يعلمه الرجل والمرأة، والعبد والحر، والصغير والكبير؛ فإذا فعلت ذلك بهم؛ أخذتهم بحقي عليهم» .
رواه: الدارمي، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن علي ﵁: أنه قال: «يا حملة العلم! اعلموا به؛ فإنما»
[ ٢ / ١٠٧ ]
باب بث العلم في آخر الزمان والتباهي به وقلة العمل به
«العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم؛ لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقًا، فيباهي بعضهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله» .
رواه الدارمي.
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأنه إخبار عن أمر غيبي، فلا يقال إلا عن توقيف.
وعن سعيد بن المسيب؛ قال: قال عمر ﵁: "لا رأيت زمانًا يتغاير فيه الرجال على العلم تغاير الرجال على النساء".
رواه البخاري في "تاريخه".
وعن كعب الأحبار: أنه قال: "يوشك أن تروا جهال الناس؛ يتباهون بالعلم، يتغايرون عليه كما يتغاير النساء على الرجال؛ فذلك حظهم من العلم ".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن كعب أيضًا: أنه قال: "إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، وقلوبهم أمر من الصبر، يقول الله تعالى: فبي يغترون، أو إياي يخادعون؟ ! فحلفت بي؛ لأتيحن لهم فتنة تترك الحليم فيها حيرانًا".
رواه الدارمي.
وعن سفيان بن سعيد الثوري؛ قال: "بلغنا أنه يأتي على الناس زمان تكثر علماؤهم؛ فلا ينتفعون بعلمهم، ولا ينفعهم الله بعلمهم؛ فخيرهم من كان متمسكًا بالقرآن وقراءته".
[ ٢ / ١٠٨ ]
رواه ابن وضاح.
وعن محمد بن يوسف الفريابي؛ قال: "كان سفيان الثوري لا يحدث النبط ولا سفل الناس، وكان إذا رآهم؛ ساءه! فقيل له في ذلك؟ فقال: إن العلم إنما أخذ عن العرب، فإذا صار إلى النبط وسفل الناس؛ قلبوا العلم".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وقد ظهر مصداق هذه الآثار في زماننا كما لا يخفى على من له علم وفهم، وبث العلم في زماننا بسبب المطابع بثًا لم يعهد مثله فيما مضى.
باب
ما جاء في ظهور القلم
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «بين يدي الساعة: تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وفي رواية أحمد: «وظهور القلم» .
وعن عمرو بن تغلب ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة: أن يكثر التجار ويظهر القلم» .
رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده".
وقد رواه النسائي في "سننه" بإسناد صحيح على شرط الشيخين، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة: أن يفشو المال ويكثر، وتفشو»
[ ٢ / ١٠٩ ]
باب ما جاء في ظهور القلم
«التجارة، ويظهر العلم، ويبيع الرجل البيع، فيقول: لا؛ حتى استأمر تاجر بني فلان، ويلتمس في الحي العظيم الكاتب فلا يوجد» .
ورواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: «إن من أشراط الساعة: أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة» .
ثم قال: "هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإسناده على شرطهما صحيح"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قوله في رواية النسائي: «ويظهر العلم»؛ معناه - والله أعلم -: ظهور وسائل العلم، وهي كتبه، وقد ظهرت في هذه الأزمان ظهورًا باهرًا، وانتشرت في جميع أرجاء الأرض، ومع هذا؛ فقد ظهر الجهل في الناس، وقل فيهم العلم النافع، وهو علم الكتاب والسنة والعمل بهما، ولم تغن عنهم كثرة الكتب شيئًا.
وهذا اللفظ موافق لما في حديث أبي الزاهرية الذي تقدم في الباب الذي قبل هذا الباب: «أن الله تعالى قال: أبث العلم في آخر الزمان» الحديث، ويحتمل أنه وقع في هذه اللفظة تحريف من بعض النساخ، وأن أصلها: «ويظهر القلم»؛ كما جاء في رواية أبي داود الطيالسي، وكما ثبت ذلك في حديث ابن مسعود ﵁. والله أعلم.
وقوله: «حتى استأمر تاجر بني فلان»؛ أي: أستشيره، وقد وقع هذا في زماننا، حيث وجدت التلفونات وغيرها مع وسائل نقل الكلام بغاية السرعة، فصار التجار يشاور بعضهم بعضا في البيع من الأماكن القريبة والبعيدة.
وأما قوله: «ويلتمس في الحي العظيم الكاتب؛ فلا يوجد»: فقد وقع مصداقة فيما قبل زماننا؛ فإن الكتاب كانوا قليلًا في القرى، وهم في البادية أقل، وكثير من أحياء البادية لا يوجد فيهم الكاتب.
[ ٢ / ١١٠ ]
باب
ما جاء في الذين يفتخرون بالقراءة والعلم
عن أم الفضل (وهي أم عبد الله بن عباس ﵃): أن رسول الله ﷺ قال: «ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤون، ثم يقولون: قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فهل في أولئك من خير؟ ". قالوا: يا رسول الله! فمن أولئك؟ قال: "أولئك منكم، وهم وقود النار» .
رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه.
باب
ما جاء في تعلم العلم لغير الدين
قد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة عدة أحاديث في ذلك:
منها حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ الذي رواه الطبراني، وفيه: «وتفقه في الدين لغير الله» .
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه الترمذي، وفيه: «وتعلم لغير الدين» .
ومنها حديث حذيفة ﵁ الذي رواه أبو نعيم في "الحلية"، وفيه: «وتفقه لغير الدين» .
ومنها حديث مكحول الذي رواه أبو الشيخ والديلمي، وفيه: «وتعلم علماؤكم العلم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم» .
ومنها حديث علي ﵁ الذي رواه الديلمي أيضًا، وفيه نحو ما
[ ٢ / ١١١ ]
باب ما جاء في تعلم العلم لغير الدين
في حديث مكحول. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: «أنه قال: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة؛ يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت؛ قالوا: غيرت السنة. قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أموالكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين» .
رواه: عبد الرزاق، والدارمي، وابن وضاح، ونعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه، ورمز الذهبي في "تلخيصه" إلى أنه على شرط البخاري ومسلم.
وقد رواه ابن أبي شيبة بزيادة، ولفظه: قال: «كيف بكم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، يتخذها الناس سنة، إذا ترك منها شيء؛ قيل: تركت السنة؟ ! قيل: يا أبا عبد الرحمن! ومتى ذلك؟ قال: إذا كثرت جهالكم، وقلت علماؤكم، وكثرت خطباؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة» .
وعن أبان عن سليم بن قيس الحنظلي؛ قال: "خطبنا عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي أن يؤخذ الرجل منكم البريء، فيؤشر كما تؤشر الجزور، ويشاط لحمه كما يشاط لحمها، ويقال: عاص، وليس بعاص. قال: فقال علي بن أبي طالب ﵁ وهو تحت المنبر: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ وبما تشتد البلية وتظهر الحمية وتسبى الذرية وتدقهم الفتن كما تدق الرحى ثفلها وكما تدق النار الحطب؟ قال: ومتى ذلك يا علي؟ قال: إذا تفقه المتفقه لغير الدين، وتعلم المتعلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة".
[ ٢ / ١١٢ ]
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه" من طريقه، وقال الذهبي في "تلخيصه": " أبان؛ قال أحمد: تركوا حديثه".
قلت: ولهذا الحديث شاهد مما تقدم قبله.
باب
ما جاء في الزمان الذي لا يتبع فيه العليم
عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان، ولا تدركوا زمانًا: لا يتبع فيه العليم، ولا يستحيى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» .
رواه الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان (أو: لا أدرك زمان) قوم لا يتبعون العليم، ولا يستحيون من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وهذا الحديث والذي قبله مطابقان لحال الأكثرين في زماننا؛ فإنهم لا يتبعون العليم، ولا يستحيون من الحليم. وإنما شبه قلوبهم بقلوب الأعاجم؛ لقلة فقههم في الدين، وانحرافهم عن المروءات والشيم العربية، وتخلقهم بأخلاق الأعاجم من طوائف الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى، وشدة ميلهم إلى مشابهتهم في الزي الظاهر وجميع الأحوال، واتباع سننهم حذو القذة بالقذة، والمشابهة في الظاهر إنما تنشأ من تقارب القلوب وتشابهها؛ كما قال
[ ٢ / ١١٣ ]
باب ما جاء في الزمان الذي لا يتبع فيه العليم
الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان؛ لا يتبع فيه العالم، ولا يستحيى فيه من الحليم، ولا يوقر فيه الكبير، ولا يرحم فيه الصغير، يقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، يمشي الصالح فيهم مستخفيًا، أولئك شرار خلق الله، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة» .
رواه الديلمي.
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان قلوبهم قلوب الأعاجم". قيل: وما قلوب الأعاجم؟ قال: "حب الدنيا. سنتهم سنة العرب، ما آتاهم الله من رزق جعلوه في الحيوان، يرون الجهاد ضرارًا، والصدقة مغرمًا» .
رواه: أبو يعلى مرفوعًا، والحارث بن أبي أسامة موقوفًا. قال الحافظ ابن حجر: "وهو أصح".
قلت: والموقوف له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
باب
ما جاء في القضاة الخونة والفقهاء الكذبة
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر الزمان: أمراء ظلمة، ووزراء فسقة، وقضاة خونة، وفقهاء كذبة، فمن أدرك ذلك»
[ ٢ / ١١٤ ]
باب ما جاء في القضاة الخونة والفقهاء الكذبة
«الزمان منكم؛ فلا يكونن لهم جابيًا، ولا عريفًا، ولا شرطيًا» .
رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه داود بن سليمان الخراساني؛ قال الطبراني: لا بأس به، ومعاوية بن الهيثم؛ لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
باب
ما جاء في القراء الفسقة
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يكون في آخر الزمان عباد جهال وقراء فسقة» .
رواه أبو نعيم في "الحلية"، والحاكم في "مستدركه"، والبيهقي في "شعب الإيمان".
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث الله: أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة، وقراء فسقة؛ سمتهم سمة الرهبان، وليس لهم رغبة (أو قال: رعة، أو قال: زعة)، فيلبسهم الله فتنة غبراء مظلمة، يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه حبيب بن عمران الكلاعي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: ورواه: ابن أبي شيبة، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" مختصرًا موقوفًا.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده؛ لا تقوم الساعة حتى يبعث الله: أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانًا خونة،»
[ ٢ / ١١٥ ]
باب ما جاء في القراء الفسقة
«وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة، سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيفتح الله لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون فيها» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» (فذكر الحديث، وفيه:) «وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة، إذا لبسوا مسوك الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأمر من الصبر، يغشيهم الله فتنة، يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة» .
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم بطوله في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه: أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون خلف بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر. قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ فقال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يتأكل به.»
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان "، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر الزمان ديدان القراء، فمن أدرك ذلك الزمان؛ فليتعوذ بالله من الشيطان»
[ ٢ / ١١٦ ]
«الرجيم، وهم الأنتنون، ثم تظهر قلانس البرد؛ فلا يستحيى يومئذ من الزنى، والمتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر، والمتمسك يومئذ بدينه أجره كأجر خمسين". قالوا: منا أو منهم؟ قال: "بل منكم» .
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول".
باب
ما جاء في الذين يتخذون القرآن مزامير
عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» .
رواه: أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن وضاح، والطبراني في "الأوسط" والبيهقي في "شعب الإيمان".
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يزيد عن شريك عن أبي اليقظان عثمان بن عمير عن زاذان أبي عمر عن عليم؛ قال: «كنا على سطح، ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ (قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: عابس الغفاري)، فرأى الناس يخرجون في الطاعون، قال: ما هؤلاء؟ قال: يفرون من الطاعون. قال: يا طاعون خذني. فقالوا: أتتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتمنين أحدكم الموت؟ ! فقال: إني أبادر خصالًا سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته: " بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم؛ ليس بأفقههم ولا أفضلهم؛ إلا ليغنيهم به غناء (وذكر خلتين أخرتين)» .
[ ٢ / ١١٧ ]
باب ما جاء في الذين يتخذون القرآن مزامير
قلت: هما كثرة الشرط، وإمارة السفهاء؛ كما سيأتي بيانه في رواية البخاري وما بعدها.
قال أبو عبيد: وحدثنا يعقوب بن إبراهيم عن ليث بن أبي سليم عن عثمان ابن عمير عن زاذان عن عابس الغفاري ﵁ عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "وهذه طرق حسنة في باب الترهيب". انتهى.
وقد رواه البخاري في "التاريخ الكبير" من حديث ليث عن عثمان عن زاذان سمع عابسًا الغفاري ﵁؛ قال: «سمعت النبي ﷺ يتخوفهن على أمته من بعده: إمارة السفهاء، وبيع الحكم، واستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وكثرة الشرط، ونشو يتخذون القرآن مزامير يتغنون غناء؛ يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا بأعلمهم، لا يقدمونه إلا ليتغنى بهم» .
ثم رواه من طريق زاذان عن عليم سمع عبسًا الغفاري.
ورواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الأوسط" و"الكبير" من حديث زاذان عن عليم؛ قال: «كنا جلوسا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ (قال عليم: لا أعلمه إلا عابس أو عبس الغفاري ﵁)، والناس يخرجون في الطاعون، فقال: يا طاعون! خذني؛ ثلاثًا. فقلت: ألم يقل رسول الله ﷺ: لا يتمن أحدكم الموت؛ فإنه عند انقطاع عمله، ولا يرد فيستعتب؟ ! فقال: سمعته يقول: بادروا بالأعمال ستًا: إمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافًا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشئًا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقهًا» .
وفد رواه ابن أبي شيبة بنحوه.
[ ٢ / ١١٨ ]
وفي رواية للطبراني عن عابس الغفاري ﵁؛ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يتخوف على أمته ست خصال: "إمرة الصبيان، وكثرة الشرط، والرشوة في الحكم، وقطيعة الرحم، واستخفافًا بالدم، ونشوًا يتخذون القرآن مزامير يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا بأفضلهم يغنيهم غناءًا» .
قال الهيثمي: "في إسناد أحمد عثمان بن عمير البجلي، وهو ضعيف وأحد إسنادي "الكبير" رجاله رجال الصحيح ".
وعن شداد أبي عمار الشامي؛ قال: قال عوف بن مالك ﵁: «يا طاعون خذني إليك. قال: فقالوا: أليس قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما عمر المسلم كان خيرًا له؟ ! قال: بلى، ولكني أخاف ستًا: إمارة السفهاء، وبيع الحكم، وكثرة الشرط، وقطيعة الرحم، ونشوًا ينشؤون يتخذون القرآن مزامير، وسفك الدم» .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة.
ورواه الطبراني عن عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إني أخاف عليكم ستًا: إمارة السفهاء، وسفك الدماء» .
قال الهيثمي: "فيه النهاس بن قهم، وهو ضعيف".
قلت: وله شاهد مما تقدم وما يأتي.
وعن الحسن؛ قال: قال الحكم بن عمرو الغفاري ﵁: «يا طاعون خذني إليك. فقال له رجال من القوم: لم تقول هذا وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به؟ ! قال: قد سمعت ما سمعتم، ولكن أبادر ستًا: بيع الحكم، وكثرة الشرط، وإمارة الصبيان، وسفك الدماء، وقطيعة الرحم، ونشوًا يكونون في آخر الزمان يتخذون القرآن مزامير» .
[ ٢ / ١١٩ ]
رواه الحاكم في "مستدركه".
وروى عبد الرزاق في "جامعه" عن ابن جريج؛ قال: حدثني غير واحد عن أبي هريرة ﵁: «أنه سمع رجلًا ذكروا أنه الحكم الغفاري: أنه قال: يا طاعون خذني إليك. قال أبو هريرة ﵁: يا فلان! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدعو أحدكم بالموت؛ فإنه لا يدري على أي شيء هو منه"؟ ! قال: بلى؛ ولكن سمعت رسول الله ﷺ يذكر ستًا أخشى أن يدركني بعضهن. قال أبو هريرة: وما هي؟ قال: "بيع الحكم، وإضاعة الدم، وإمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وقطيعة الرحم، وناس يتخذون القرآن مزامير يتغنون به» .
وعن عطاء قال: قال أبو هريرة ﵁: «إذا رأيتم ستًا؛ فإن كانت نفس أحدكم في يده؛ فليرسلها؛ فلذلك أتمنى الموت؛ أخاف أن تدركني: "إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون بالدم، وقطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة، ونشأ نشء يتخذون القرآن مزامير» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
(الجلاوزة): هم الشرط وأعوان السلطان.
وهذا الحديث والذي قبله لهما حكم المرفوع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف، وقد تقدم ذلك مرفوعًا من حديث عابس الغفاري ﵁.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» (فذكر الحديث، وفيه:) «وبيع الحكم، وكثرت الشرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفافًا، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وخسفًا ومسخًا وقدفًا وآيات» .
[ ٢ / ١٢٠ ]
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم بطولة في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن مكحول عن علي ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: من اقتراب الساعة (فذكر الحديث، وفيه:) «واتخذوا القرآن مزامير» .
رواه: أبو الشيخ، والديلمي، وغيرهما.
وعن ابن عباس ﵄ في حديثه الطويل؛ قال: «ويتغنى بكتاب الله ﷿، ويتخذ القرآن مزامير» .
رواه: ابن مردويه، والقاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا في كتابه "الجليس والأنيس"، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وقد وقع مصداق هذه الأحاديث، ومن آخرها ظهورًا النشء الذين يتخذون القرآن مزامير؛ فهؤلاء لم يوجدوا إلا في زماننا هذا، وهم القراء الذين يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح! وكثيرًا ما نسمع صوت القارئ في بعض الإذاعات فلا ندري قبل أن نفهم ما يلفظ به؛ هل هو يقرأ أو يغني؟ ! لما بين الغناء وبين قراءتهم من المشابهة التامة، ونذكر بذلك قوله في حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: «وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم»، وظهور النشء الذين يتخذون القرآن مزامير في زماننا فيه تصديق لما في حديث الحكم بن عمرو ﵁ أنهم يكونون في آخر الزمان. والله أعلم.
وعن كعب الأحبار: أنه قال: «ليقرأن القرآن رجال، وإنهم أحسن أصواتًا من العزافات وحداة الإبل، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
[ ٢ / ١٢١ ]
باب
ما جاء في الذين يتكلفون في قراءة التجويد
عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا العجمي والأعرابي. قال: فاستمع، فقال: اقرؤوا؛ فكل حسن، وسيأتي قوم يقيمونه كما يقام القدح؛ يتعجلونه ولا يتأجلونه» .
رواه: الإمام أحمد ورواته ثقات، وأبو داود وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وفي رواية لأحمد؛ قال: «دخل النبي ﷺ المسجد؛ فإذا فيه قوم يقرؤون القرآن؛ قال: اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله ﷿ من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح؛ يتعجلونه ولا يتأجلونه» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁؛ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا ونحن نقتري، فقال: الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم؛ يتعجل أجره ولا يتأجله» .
رواه أبو داود وإسناده حسن.
ورواه الإمام أحمد، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «فيكم كتاب الله؛ يتعلمه الأسود والأحمر والأبيض، تعلموه قبل أن يأتي زمان يتعلمه ناس ولا يجاوز تراقيهم، ويقومونه كما يقوم السهم، فيتعجلون أجره ولا يتأجلونه» .
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" بنحو رواية أبي داود.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «بينما نحن نقرأ فينا العربي»
[ ٢ / ١٢٢ ]
«والعجمي والأسود والأبيض؛ إذ خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: "أنتم في خير، تقرؤون كتاب الله، وفيكم رسول الله ﷺ، وسيأتي على الناس زمان يثقفونه كما يثقفون القدح؛ يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها» .
رواه الإمام أحمد.
وعن أبي الدرداء ﵁؛ قال: «أقرأ الناس لهذا القرآن المنافق؛ لا يذر منه ألفًا ولا واوًا، يلفه بلسانه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها» .
رواه عبد الرزاق، ورجاله كلهم ثقات.
وقد رواه ابن أبي شيبة بنحوه؛ إلا أنه قال: "عن حذيفة "، وزاد في آخره: «لا يجاوز ترقوته»، وإسناده كلهم ثقات.
وفي هذه الأحاديث فوائد: إحداها: أن النبي ﷺ كان يحب القراءة السهلة.
الثانية: أنه كان يأمر أصحابه أن يقرأ كل منهم بما تيسر عليه وسهل على لسانه.
الثالثة: ثناؤه عليهم بعدم التكلف في القراءة.
الرابعة: أنه لم يكن يعلمهم التجويد ومخارج الحروف، وكذلك أصحابه ﵃ لم ينقل عن أحد منهم أنه كان يعلم في التجويد ومخارج الحروف، ولو كان خيرًا؛ لسبقوا إليه! ومن المعلوم ما فتح عليهم من أمصار العجم من فرس وروم وبربر وغيرهم، وكانوا يعلمونهم القرآن بما يسهل على ألسنتهم، ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يعلمونهم مخارج الحروف، ولو كان التجويد لازمًا؛ ما أهملوا تعلمه وتعليمه.
الخامسة: ذم المتكلفين في القراءة، المتعمقين في إخراج الحروف.
[ ٢ / ١٢٣ ]
السادسة: الرد على من زعم أن قراءة القرآن لا تجوز بغير التجويد، أو أن ترك التجويد يخل بالصلاة، وقد أخبرني بعض من أم في المسجد النبوي أن جماعة من المتكلفين أنكروا عليه إذ لم يقرأ في الصلاة بالتجويد، وما علم أولئك المتكلفون الجاهلون أن النبي ﷺ أقر الأعرابي والعجمي والأحمر والأبيض والأسود على قراءتهم، وقال لهم: كل حسن، وأنه ﷺ ذم المتكلفين الذين يقيمونه كما يقام القدح والسهم ويثقفونه ويتنطعون في قراءته كما هو الغالب على كثير من أهل التجويد في هذه الأزمان.
السابعة: الأمر بقراءة القرآن ابتغاء وجه الله ﷿.
الثامنة: ذم من يأخذ على القراءة أجرًا كما عليه كثير من القراء الذين يتأكلون بالقراءة في المآتم والمحافل وغيرها، وكذلك من يجعل القراءة وسيلة لسؤال الناس، وقد رأيتهم يفعلون ذلك في المسجد الحرام؛ يجلس أحدهم، فيقرأ قراءة متكلفة يتنطع فيها، ويعالج في أدائها أعظم شدة ومشقة، وتنتفخ أوداجه، ويحمر وجهه، ويكاد يغشى عليه مما يصيبه من الكرب في تكلفه وتنطعه، ويفرش عنده منديلًا أو نحوه؛ ليلقي فيه المستمعون لقراءته ما يسمحون به من أوساخهم، وهذا مصداق ما في حديث عمران بن حصين وحديث أبي سعيد ﵄، وسيأتي ذكرهما في الباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.
باب
ما جاء في الذين يقرؤون القرآن يسألون به الناس
عن عمران بن حصين ﵄: أنه مر على قارئ يقرأ ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن؛ فليسأل الله به؛ فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس» .
[ ٢ / ١٢٤ ]
باب ما جاء في الذين يقرؤون القرآن يسألون به الناس
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن".
وعن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتراب الساعة إذا كثر خطباء المنابر» (الحديث وفيه:) «واتخذتم القرآن تجارة» .
رواه الديلمي، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن مكحول عن علي ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه: أبو الشيخ، والديلمي، وقد تقدم بطوله في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه: أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون خلف من بعد الستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر. قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به» .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، والبيهقي في "شعب الإيمان". قال ابن كثير: (وإسناده جيد قوي". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في الذين يختلون الدنيا بالدين
قد تقدم حديث ابن مسعود ﵁، وفيه: «والتمست الدنيا بعمل»
[ ٢ / ١٢٥ ]
باب ما جاء في الذين يختلون الدنيا بالدين
«الآخرة» .
رواه: عبد الرزاق، والدارمي، وابن وضاح، والحاكم.
وتقدم أيضًا حديث حذيفة الطويل، وفيه: «وطلبت الدنيا بعمل الآخرة» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج في آخر الزمان رجال: يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلة من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله: أبي تغترون؟ أم علي تجترئون؟ فبي حلفت؛ لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانًا» .
رواه الترمذي.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الله ﵎ قال: لقد خلقت خلقًا؛ ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر؛ فبي حلفت؛ لأتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانًا؛ فبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
قوله: «يختلون الدنيا بالدين»؛ يعني: أنهم يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، والختل: الخداع، يقال: ختله يختله: إذا خدعه وراوغه. وهذا مطابق لحال الذين اتخذوا الأمور الدينية طرقًا للتكسب وجمع الأموال، وهو بالقراء الفسقة أخص؛ لما تقدم في حديثي معاذ وحذيفة ﵄ من التصريح بذلك. وقوله: «يلبسون للناس جلود الضأن من اللين»: كناية عن تملقهم للناس، وتحسين الخلق في وجوههم، وإظهار البشاشة لهم واللين معهم، وكل
[ ٢ / ١٢٦ ]
ذلك منافقة باللسان، وتكلف وتصنع في الظاهر، وأما في الباطن؛ فهم بخلاف ذلك، ولهذا وصف ألسنتهم بغاية الحلاوة، فقال في حديث أبي هريرة ﵁: «ألسنتهم أحلى من السكر»، وقال في حديث ابن عمر ﵄: «ألسنتهم أحلى من العسل»، وشبه قلوبهم بقلوب الذئاب؛ لما انطوت عليه من مزيد الخبث والغدر والفجور، ووصفها بغاية المرارة، فقال في حديث ابن عمر ﵄: «وقلوبهم أمر من الصبر»، وقد وصفها أيضًا بغاية النتن مع شدة المرارة، فقال في حديث حذيفة ﵁ الطويل الذي تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة: «قلوبهم أنتن من الجيفة وأمر من الصبر»، وقال في حديث مكحول عن معاذ بن جبل ﵁: «وقلوبهم أنتن من الجيف»، وفي وصفهم بهذه الصفات الذميمة إرشاد إلى التباعد منهم، وعدم الاغترار بتملقهم وتصنعهم للناس.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أشراط الساعة: سوء الجوار، وقطيعة الأرحام، وأن يعطل السيف من الجهاد، وأن تختل الدنيا بالدين» .
رواه: ابن مردويه، والديلمي، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان".
باب
ما جاء في الذين يأكلون بألسنتهم
عن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها» .
رواه الإمام أحمد.
[ ٢ / ١٢٧ ]
باب
ما جاء في قلة المال الحلال
عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي عليكم زمان لا يكون فيه شيء أعز من ثلاثة: درهم من حلال، أو أخ يستأنس به، أو سنة يعمل بها» . رواه: الطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية"، قال الهيثمي: "فيه روح بن صلاح؛ ضعفه ابن عدي ووثقه ابن حبان والحاكم، وبقية رجاله ثقات".
ورواه: الحسن بن عرفة في "جزئه"، والديلمي، ولفظهما: «لا تقوم الساعة حتى يعز الله ﷿ ثلاثة: درهمًا من حلال، وعلمًا مستفادًا، وأخًا في الله ﷿» .
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أقل ما يوجد في آخر الزمان: درهم من حلال، أو أخ يوثق به» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن الأوزاعي: أنه قال: كان يقال: «يأتي على الناس زمان؛ أقل شيء في ذلك الزمان: أخ مؤنس، أو درهم من حلال، أو عمل في سنة» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد".
باب
ما جاء في عدم المبالاة بأكل الحرام
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس»
[ ٢ / ١٢٨ ]
باب ما جاء في عدم المبالاة بأكل الحرام
«زمان؛ لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام؟» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والدارمي.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي بعثني بالحق؛ لتكونن بعدي فترة في أمتي، يبتغى فيها المال من غير حله، وتسفك فيها الدماء، ويستبدل فيها الشعر من القرآن» .
رواه الديلمي.
باب
ما جاء في أكل الربا
عن الحسن عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان؛ لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله؛ أصابه من غباره» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: "صحيح إن صح سماع الحسن من أبي هريرة ". قال الذهبي في "تلخيصه" "سماع الحسن من أبي هريرة بهذا صحيح".
وهذا الحديث مطابق لحال أهل البنوك ومن يعاملهم بالمعاملات الربوية.
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا والزنى والخمر» .
رواه الطبراني. قال المنذري: "ورواته رواة الصحيح".
[ ٢ / ١٢٩ ]
باب
ما جاء في الزمان العضوض
عن علي ﵁: أنه قال: «يأتي على الناس زمان عضوض؛ بعض الموسر على ما في يديه". قال: "ولم يؤمر بذلك؛ قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وينهد الأشرار، ويستذل الأخيار، ويبايع المضطرون". قال: "وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطرين، وعن بيع الغرر، وعن بيع الثمرة قبل أن تدرك» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود.
باب
ما جاء في فشو التجارة
قد تقدم في (باب ظهور القلم) حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم في "مستدركه"، وصححه، ووافقه الذهبي على "تصحيحه".
وتقدم فيه أيضًا حديث عمرو بن تغلب ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة: أن يكثر التجار، ويظهر القلم» .
رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده".
ورواه النسائي ولفظه: «إن من أشراط الساعة أن يفشو المال ويكثر وتفشو التجارة» الحديث.
[ ٢ / ١٣٠ ]
باب ما جاء في فشو التجارة
ورواه الحاكم بنحوه، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «إذا اقترب الزمان؛ كثر لبس الطيالسة، وكثرت التجارة، وكثر المال، وعظم رب المال» الحديث.
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه سيف بن مسكين، وهو ضعيف".
قلت: وهو مع ضعف إسناده مطابق للواقع؛ من كثرة التجارة، وكثرة المال، وتعظيم رب المال.
باب
ما جاء في اتجار النساء مع الرجال
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «بين يدي الساعة: تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» (فذكر الحديث، وفيه:) «وشاركت المرأة زوجها في التجارة» .
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن مكحول عن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من»
[ ٢ / ١٣١ ]
باب ما جاء في اتجار النساء مع الرجال
«أشراط الساعة» (فذكر الحديث، وفيه:) «وشاركت المرأة زوجها في التجارة» .
رواه: أبو الشيخ، والديلمي، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن ابن عباس ﵄ في حديثه الطويل؛ قال: «وتشارك المرأة زوجها في التجارة» .
رواه: ابن مردويه، والقاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا في كتابه "الجليس والأنيس"، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن العداء بن خالد ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يسلم الرجل إلا على من يعرف، وحتى تتخذ المساجد طرقًا، وحتى تتجر المرأة وزوجها» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وسيأتي ذكر الأحاديث في فيضان المال والاستغناء عن الصدقة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
باب
ما جاء في السلام على المعرفة
قد تقدم في الباب قبله حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم في "مستدركه"، وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
[ ٢ / ١٣٢ ]
باب ما جاء في السلام على المعرفة
وفي رواية لأحمد عن ابن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة: أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة» .
ورواه: الطبراني، والحاكم؛ بنحوه.
وفي رواية أخرى لأحمد: «إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة» .
وتقدم أيضًا حديث العداء بن خالد ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يسلم الرجل إلا على من يعرف» .
رواه الطبراني. وقد ظهر مصداق هذين الحديثين في زماننا، ورأينا ذلك في بلدان شتى.
باب
ما جاء في الذين يبدلون السلام بالتلاعن
عن معاذ بن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال الأمة على الشريعة ما لم تظهر فيهم ثلاث: ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الحنث، ويظهر فيهم الصقارون ". قالوا: وما الصقارون يا رسول الله؟ قال: "نشء يكونون في آخر الزمان، تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة وزبان، وكلاهما ضعيف، وقد وثقا".
قال ابن الأثير: " (السقار) و(الصقار): اللعان لمن لا يستحق اللعن، سمي بذلك لأنه يضرب الناس بلسانه، من الصقر، وهو ضربك الصخرة
[ ٢ / ١٣٣ ]
باب ما جاء في الذين يبدلون السلام بالتلاعن
بالصاقور، وهو المعول". وكذا قال ابن منظور في "لسان العرب".
وهذا النشء المرذول كثير جدًا في زماننا، إذا تلاقوا؛ كانت تحيتهم بينهم التلاعن، والرمي بالكفر أو الفجور أو اليهودية أو النصرانية أو نحو ذلك من الألفاظ القبيحة، وقد سمعنا ذلك منهم كثيرًا.
باب
ما جاء في تشبب المشيخة
قد تقدم في الباب الثاني من أشراط لساعة حديث ابن عباس ﵄ الطويل، وفيه: «ويتشبب المشيخة؛ إن الحمرة خضاب الإسلام، والصفرة خضاب الإيمان، والسواد خضاب الشيطان» .
رواه القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا في كتاب "الجليس والأنيس". وعنه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان قوم يسودون أشعارهم، لا ينظر الله إليهم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وإسناده جيد".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي بأسانيد جيدة، والحافظ الضياء المقدسي في "المختارة"، وصححه غير واحد من الحفاظ.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "إسناده قوي؛ إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه؛ فمثله لا يقال بالرأي؛ فحكمه الرفع". انتهى.
[ ٢ / ١٣٤ ]
باب ما جاء في تشبب المشيخة
وعن مجاهد: أنه قال: «يكون في آخر الزمن قوم يصبغون بالسواد، لا ينظر الله إليهم، أو قال: لا خلاق لهم» ".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وله حكم الرفع.
باب
ما جاء في تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال
عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» (فذكر الخصال، ومنها:) «وتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال» الحديث.
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وتقدم بتمامه في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن مكحول عن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة» (الحديث، وفيه:) «وتشبهت النساء بالرجال، والرجال بالنساء» .
رواه: أبو الشيخ في "الفتن"، والديلمي، وقد تقدم بتمامه في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وقد ظهر مصداق هذين الحديثين في زماننا.
باب
ما جاء في تقديم النساء في المخاطبة
عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشراط الساعة» (فذكر الحديث، وفيه:) «وتكون المخاطبة للنساء» .
[ ٢ / ١٣٥ ]
باب ما جاء في تقديم النساء في المخاطبة
رواه ابن مردويه، وقد تقدم بتمامه في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وقد ظهر مصداقه في زماننا، ولا سيما عند أهل الإذاعات؛ فإن غالبهم يقدمون النساء على الرجال في المخاطبة، وهذا خلاف المشروع من تقديم الرجال على النساء.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ .
باب
ما جاء في طغيان النساء وفسق الفتيان
عن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"كيف بكم إذا فسق فتيانكم وطغى نساؤكم؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! وإن ذلك لكائن؟. قال: "نعم، وأشد» .
رواه رزين.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! إن هذا لكائن؟ قال: "نعم، وأشد منه» .
رواه: أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط".
وعن ضمام بن إسماعيل المعافري عن غير واحد من أهل العلم: أن رسول الله ﷺ قال: «"كيف بكم إذا فسق شبانكم وطغت نساؤكم وكثر جهالكم؟ ! ". قالوا: وإن ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: "وأشد من ذلك» .
رواه ابن وضاح.
وعن ابن عباس الحميري عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال:
[ ٢ / ١٣٦ ]
باب ما جاء في طغيان النساء وفسق الفتيان
«كيف بكم إذا فسق نساؤكم؟ !» .
رواه البخاري في "التاريخ الكبير".
وعن رجل من الصحابة؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليت شعري! كيف أمتي بعدي حين تتبختر رجالهم وتمرح نساؤهم؟ ! وليت شعري حين يصيرون صنفين: صنفًا ناصبي نحورهم في سبيل الله، وصنفًا عمالًا لغير الله» .
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وقد ظهر مصداق هذه الأحاديث في زماننا، والله المستعان.
باب
الإخبار عن الكاسيات العاريات
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف، العنوهن؛ فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم؛ لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم» .
[ ٢ / ١٣٧ ]
باب الإخبار عن الكاسيات العاريات
رواه: الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه".
ورواه الطبراني، وعنده في أوله: «سيكون في أمتي رجال يركبون نساءهم على سروج كأشباه الرحال» .
ورواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر، حتى يأتوا أبواب مساجدهم، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن؛ فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم؛ لخدمنهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم» . فقلت لأبي: وما المياثر؟ قال: "سروجًا عظامًا".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
قلت: والقائل لأبيه: ما المياثر؟ هو عبد الله بن عياش القتباني، أحد رواته.
وعن أبي علقمة حليف بني هاشم؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: «إن من أشراط الساعة: أن يظهر الشح والفحش، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وتظهر الثياب تلبسها نساء كاسيات عاريات، ويعلو التحوت الوعول. أكذاك يا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي؟ ! قال: نعم؛ ورب الكعبة» الحديث.
رواه: الطبراني، والبخاري في "الكنى"، ورجاله ثقات.
وقد تقدم بأطول من هذا في آخر الباب الثاني من أشراط الساعة.
وقد ظهر مصداق هذه الأحاديث في زماننا كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ إشارة إلى السيارات؛
[ ٢ / ١٣٨ ]
فإنها تشبه الرحال الصغار، والرحال: جمع رحل، وهي هاهنا الدور والمنازل، وفي السيارات مياثر وطيئة لينة، وقد صارت في هذه الأزمان مراكب لعموم الناس من رجال ونساء، وكثير من الناس يركبونها إلى المساجد، وخصوصًا في الجمعة والعيدين.
باب
ما جاء في غلاء الخيل والنساء ثم رخصهما
عن خارجة بن الصلت البرجمي؛ قال: «دخلت مع عبد الله (يعني: ابن مسعود) المسجد؛ فإذا القوم ركوع، فركع، فمر رجل، فسلم عليه، فقال عبد الله: صدق الله ورسوله. ثم وصل إلى الصف. فلما فرغ؛ سألته عن قوله: صدق الله ورسوله؟ فقال: إنه كان يقول: لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقًا، وحتى يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى تغلو الخيل والنساء ثم ترخص فلا تغلو إلى يوم القيامة» .
رواه: الطبراني، والحاكم، وهذا لفظه، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه أبو داود الطيالسي والحاكم أيضًا بنحوه موقوفًا، وصححه الحاكم والذهبي، وفي رواية أبي داود الطيالسي: «وأن تغلو مهر النساء والخيل، ثم ترخص فلا تغلو إلى يوم القيامة» .
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في غلاء الخيل ثم رخصها، وفي غلاء مهور النساء كما هو واقع الآن.
وعن العداء بن خالد ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يسلم الرجل إلا على من يعرف، وحتى تتخذ المساجد»
[ ٢ / ١٣٩ ]
باب ما جاء في غلاء الخيل والنساء ثم رخصهما
«طرقًا، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى ترخص النساء والخيل فلا تغلو إلى يوم القيامة» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه.
باب
ما جاء في تزوج النبطيات على المعيشة
عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ترجعوا حراثين، وحتى يعمد الرجل إلى النبطية فيتزوجها على معيشته ويترك بنت عمه لا ينظر إليها» .
رواه الطبراني.
باب
ما جاء في تقديم الزوجات والأصدقاء على الوالدين والأرحام
تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة عدة أحاديث في ذلك.
منها حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر بعض أشراط الساعة، وفيه: «وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأقصى أباه» .
الحديث رواه الطبراني.
ومنها حديث علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة؛ حل بها البلاء» (فذكر
[ ٢ / ١٤٠ ]
باب ما جاء في تقديم الزوجات والأصدقاء على الوالدين والأرحام
الخصال، ومنها:) «وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه» (الحديث، وفي آخره:) «فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» .
رواه: الترمذي، وابن أبي الدنيا.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحو حديث علي ﵁، وفيه: «وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه» الحديث، وفي آخره: «فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» .
رواه الترمذي. ومنها حديث حذيفة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» (فذكر الخصال، ومنها:) «وتقطعت الأرحام، وكان المطر قيظًا، والولد غيظًا، وعق الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع امرأته» الحديث، وفي آخره: «فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
ومنها حديث مكحول عن علي ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «من اقتراب الساعة..» (فذكر الحديث، وفيه:) «وصار المطر قيظًا، والولد غيظًا، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأقصى أباه» الحديث.
رواه: أبو الشيخ في "الفتن"، والديلمي.
ومنها حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «ألا وإن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكون الولد غيظًا، وإن من أعلام الساعة وأشراطها أن تواصل الأطباق، وأن تقطع الأرحام» .
[ ٢ / ١٤١ ]
رواه الطبراني وغيره. ومنها حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أشراط الساعة: سوء الجوار، وقطيعة الأرحام» الحديث.
رواه: ابن مردويه، والديلمي. ومنها حديث سلمان الفارسي ﵁: أنه قال: «إن من اقتراب الساعة: أن يظهر البناء على وجه الأرض، وأن تقطع الأرحام، وأن يؤذي الجار جاره» .
رواه ابن أبي شيبة. ومنها حديث أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عارًا، ويكون الإسلام غريبًا» (الحديث، وفيه:) «وحتى تحزن ذوات الأولاد، وتفرح العواقر، ويكون الولد غيظًا» .
رواه ابن أبي الدنيا.
ومنها حديث عائشة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا» الحديث.
رواه الطبراني.
ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش، والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
ومنها حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ بنحو حديث عبد الله بن
[ ٢ / ١٤٢ ]
عمرو. رواه البزار.
ومنها حديث المنتصر بن عمارة بن أبي ذر عن أبيه عن جده ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «إذا اقترب الزمان؛ كثر لبس الطيالسة» (الحديث، وفيه:) «ويربي الرجل جرو كلب خير له من أن يربي ولدًا له» .
رواه: الحاكم، والطبراني؛ بإسناد ضعيف.
وعن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان؛ لأن يربي فيه الرجل جروًا خير من أن يربي ولدًا» .
رواه الحاكم في "تاريخه".
باب
ما جاء في بقر بطون النساء عما في أرحامهن
عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: «لتؤخذن المرأة، فليبقرن بطنها، ثم ليؤخذن ما في الرحم، فلينبذن؛ مخافة الولد» .
رواه ابن أبي شيبة.
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن فيه إخبارًا عن أمر غيبي، ومثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال من توقيف.
وقد ظهر مصداقة في زماننا، ولا سيما في العاهرات من النساء اللاتي ليس لهن أزواج؛ فقد ذكر لنا أن منهن من يأتين إلى الأطباء ليبقروا بطونهن وينبذوا ما في أرحامهن من الحمل؛ مخافة العار عليهن وعلى أهليهن، ويكنون
[ ٢ / ١٤٣ ]
باب ما جاء في بقر بطون النساء عما في أرحامهن
عن هذا العملية باسم عملية الزائدة التي توجد في كثير من الرجال والنساء، وتبقر عنها البطون إذا هاجت واشتد ألمها.
باب
ما جاء في التزاور للفاحشة
عن علي بن أبي طالب ﵁: «أن رجلًا قال للنبي ﷺ: متى الساعة؟ فقال: ذاك عند حيف الأئمة، وتصديق بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحتى تتخذ الأمانة مغنمًا، والصدقة مغرمًا، والفاحشة زيارة؛ فعند ذلك هلاك قومك» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وقد رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" بنحوه، وزاد: فسألته عن الفاحشة زيارة؟ فقال: «الرجلان من أهل الفسق، يصنع أحدهما طعامًا وشرابًا، ويأتيه بالمرأة، فيقول: اصنع لي كما صنعت، فيتزاورون على ذلك. قال: فعند ذلك هلكت أمتي» .
وعن أبي تميمة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال أمتي على الفطرة؛ ما لم يتخذوا الأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، والخلافة ملكًا، والزيارة فاحشة، ويؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم ". قيل: وما الزيارة فاحشة؟ قال: "الرجل يصنع طعامًا لأخيه يدعوه، فيكون في صنيعه النساء الخبائث» .
رواه العقيلي في كتابه في الصحابة، ونقله ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب" عنه، ثم قال: "وهذا حديث لا يصح إسناده، ولا يعرف في الصحابة أبو تميمة ".
[ ٢ / ١٤٤ ]
باب
ما جاء في ظهور الزنا وكثرته
عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة: أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنى» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي. وفي رواية لمسلم وابن ماجه نحوه، وفيه: «ويفشو الزنا» . وفي رواية للبخاري نحوه، وفيه: «ويكثر الزنا» .
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا والزنى والخمر» .
رواه الطبراني. قال المنذري: "رواته رواة الصحيح".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيأتي على الناس سنوات خداعات» (الحديث، وفيه:) «وتشيع فيها الفاحشة» .
رواه الحاكم بهذه الزيادة، وصححه هو والذهبي، وقد رواه الإمام أحمد وابن ماجه بدونها، وتقدم ذكره بتمامه في الباب الثاني من أشراط الساعة.
باب
ما جاء في إعلان الفاحشة وقلة الحياء من الزنا واللواط
عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يكون في آخر الزمان ديدان القراء، فمن أدرك ذلك الزمان؛ فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهم الأنتنون، ثم تظهر قلانس البرد؛ فلا يستحيى يومئذ من الزنى، والمتمسك يومئذ بدينه؛ كالقابض على الجمر، والمتمسك يومئذ بدينه أجره»
[ ٢ / ١٤٥ ]
باب ما جاء في إعلان الفاحشة وقلة الحياء من الزنا واللواط
«كأجر خمسين". قالوا: منا أو منهم؟ قال: "بل منكم» .
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول".
وقد ذكر بعض المصنفين من أهل المغرب الأقصى أن قلانس البرد موجودة عندهم في المغرب.
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل شيء إقبال وإدبار، وإن من إقبال هذا الدين ما بعثني الله به، حتى إن القبيلة لتتفقه كلها من عند آخرها، حتى لا يبقى فيها إلا الفاسق والفاسقان؛ فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إن تكلما أو نطقا؛ قمعا، وقهرا واضطهدا (ثم ذكر من إدبار هذا الدين:) أن تجفو القبيلة كلها من عند آخرها، حتى لا يبقى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان؛ فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إن تكلما أو نطقا؛ قمعا وقهرا واضطهدا، وقيل لهما: أتطعنان علينا، حتى يشرب الخمر في ناديهم ومجالسهم وأسواقهم، وتنحل الخمر غير اسمها، حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها، ألا حلت عليهم اللعنة، ويقولون: لا نأمن هذا الشراب، يشرب الرجل منهم ما بدا له ثم يكف عنه، حتى تمر المرأة بالقوم، فيقوم إليها بعضهم، فيرفع ذيلها، فينكحها وهم ينظرون كما يرفع ذنب النعجة، وكما أرفع ثوبي هذا (ورفع رسول الله ﷺ ثوبًا عليه من هذه السحولية)، فيقول القائل منهم: لو نحيتها عن الطريق! فذاك فيهم كأبي بكر وعمر، فمن أدرك ذلك الزمان، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فله أجر خمسين ممن صحبني وآمن بي وصدقني أبدًا» .
رواه الحارث بن أبي أسامة وهذا لفظه، والطبراني بنحوه باختصار، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وفيه ضعف.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «والذي نفسي بيده؛ لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة، فيفترشها في الطريق، فيكون»
[ ٢ / ١٤٦ ]
«خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها وراء هذا الحائط» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح ".
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض أحد لله فيه حاجة، وحتى توجد المرأة نهارًا جهارًا تنكح وسط الطريق، لا ينكر ذلك أحد، ولا يغيره، فيكون أمثلهم يومئذ الذي يقول: لو نحيتها عن الطريق قليلًا؛ فذاك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه بأن في إسناده سليمان بن أبي سليمان؛ قال: "وهو هالك، والخبر شبه خرافة".
قلت: له شواهد مما تقدم وما يأتي.
وأيضًا فقد ظهر مصداقه في بعض المدن الإفرنجية؛ فقد ذكر لنا أن المرأة هناك تنكح في وسط الطريق برضاها، ولا ينكر ذلك أحد، ولو أنكره منكر؛ لبادروا إلى عقوبته، وهذا مما يدل على أن للحديث أصلًا، وليس بخرافة.
وعن المنتصر بن عمارة بن أبي ذر الغفاري عن أبيه عن جده ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إذا اقترب الزمان؛ كثر لبس الطيالسة، وكثرت التجارة، وكثر المال، وعظم رب المال بماله، وكثرت الفاحشة، وكانت إمارة الصبيان، وكثر النساء، وجار السلطان، وطفف في المكيال والميزان، ويربي الرجل جرو كلب خير له من أن يربي ولدًا له، ولا يوقر كبير، ولا يرحم صغير، ويكثر أولاد الزنى حتى إن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق، فيقول أمثلهم في ذلك الزمان: لو اعتزلتما عن الطريق! ويلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أمثلهم في ذلك الزمان المداهن» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "هذا حديث تفرد به سيف بن
[ ٢ / ١٤٧ ]
مسكيبن عن المبارك بن فضالة، والمبارك بن فضالة ثقة". قال الذهبي: " وسيف واه، ومنتصر وأبوه مجهولان".
وقد رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه سيف بن مسكين، وهو ضعيف ".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خروج الدابة بعد طلوع الشمس من مغربها، فإذا خرجت؛ لطمت إبليس وهو ساجد، ويتمتع المؤمنون في الأرض بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئًا إلا أعطوه ووجدوه، ولا جور ولا ظلم، وقد أسلم الأشياء لرب العالمين طوعًا وكرهًا، حتى إن السبع لا يؤذي دابة ولا طيرًا، ويلد المؤمن فلا يموت، حتى يتم أربعين سنة بعد خروج دابة الأرض، ثم يعود فيهم الموت، فيمكثون كذلك ما شاء الله، ثم يسرع الموت في المؤمنين؛ فلا يبقى مؤمن، فيقول الكافر: قد كنا مرعوبين من المؤمنين، فلم يبق منهم أحد، وليس تقبل منا توبة، فيتهارجون في الطرق تهارج البهائم، يقوم أحدهم بأمه وأخته وابنته فينكحها وسط الطريق، يقوم عنها واحد وينزو عليها آخر؛ لا ينكر ولا يغير، فأفضلهم يومئذ من يقول: لو تنحيتم عن الطريق كان أحسن! فيكونون كذلك، حتى لا يبقى أحد من أولاد النكاح، ويكون أهل الأرض أولاد السفاح، فيمكثون كذلك ما شاء الله، ثم يعقر الله أرحام النساء ثلاثين سنة لا تلد امرأة، ولا يكون في الأرض طفل، ويكونون كلهم أولاد الزنى، شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة» .
رواه الحاكم في "مستدركه". قال الذهبي: "وهو موضوع".
قلت: ولبعضه شواهد، ولا سيما ما ذكر فيه من التناكح في الطريق.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل؛ لتركبن طريقهم حذو القذة بالقذة، حتى لا يكون فيهم شيء؛ إلا كان»
[ ٢ / ١٤٨ ]
«فيكم مثله، حتى إن القوم لتمر عليهم المرأة، فيقوم إليها بعضهم، فيجامعها، ثم يرجع إلى أصحابه؛ يضحك إليهم ويضحكون إليه» .
رواه الطبراني.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «لا تقوم الساعة؛ حتى يبعث الله ريحًا لا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من تقى أو نهى؛ إلا قبضته، ويلحق كل قوم بما كان يعبد آباؤهم في الجاهلية، ويبقى عجاج من الناس؛ لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، يتناكحون في الطرق كما تتناكح البهائم، فإذا كان ذلك؛ اشتد غضب الله على أهل الأرض، فأقام الساعة» .
رواه الحاكم في "مستدركه".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطرق تسافد الحمير» .
رواه: البزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجال البزار رجال الصحيح ".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، وزاد: «قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: "نعم؛ ليكونن» .
(التسافد): التناكح: قال ابن منظور في "لسان العرب": "السفاد: نزو الذكر على الأنثى ". وكذا قال غيره من أهل اللغة.
وعنه ﵁: أنه قال: "إن من آخر أمر الكعبة: أن الحبش يغزون البيت، فيتوجه المسلمون نحوهم، فيبعث الله عليهم ريحًا أثرها شرقية، فلا يدع الله عبدًا في قلبه مثقال ذرة من تقى؛ إلا قبضته، حتى إذا فرغوا من خيارهم؛ بقي عجاج من الناس؛ لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، وعمد كل حي إلى ما كان يعبد آباؤهم من الأوثان فيعبده، حتى يتسافدوا في
[ ٢ / ١٤٩ ]
الطرق كما تتسافد البهائم، فتقوم عليهم الساعة، فمن أنبأك عن شيء بعد هذا؛ فلا علم له".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد على شرطهما، موقوف"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «"لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة، في واد يقال له: برهوت، يغشى الناس فيها عذاب أليم، تأكل الأنفس والأموال، تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام، تطير طير الريح والسحاب، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها ما بين السماء والأرض دوي كدوي الرعد القاصف، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش". قيل: يا رسول الله! أسليمة هي يومئذ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: "وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ ! هم شر من الحمر! يتسافدون كما تتسافد البهائم! وليس فيهم رجل يقول: مه! مه!» .
رواه: الطبراني، وابن عساكر.
وعن النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع (فذكر الحديث بطوله في خروج الدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، ثم قال) «فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم. وقال الترمذي: "حسن صحيح".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى»
[ ٢ / ١٥٠ ]
«يتهارجوا في الطرق تهارج الحمر، فيأتيهم إبليس، فيصرفهم إلى عبادة الأوثان» .
رواه ابن أبي شيبة.
(الهرج): يطلق في اللغة على معان، منها: كثرة النكاح. قال ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب": "أصل الهرج الكثرة في الشيء، والاتساع (إلى أن قالا:) والهرج كثرة النكاح، يقال: بات يهرجها ليلته جمعاء، ومنه حديث أبي الدرداء: «يتهارجون تهارج البهائم»؛ أي: يتسافدون ". انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «يقبض الله العلماء، ويقبض العلم معهم، فينشأ أحداث، ينزو بعضهم على بعض نزو العير على العير، ويكون الشيخ فيهم مستضعفًا» .
رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد ضعيف، وله شواهد كثيرة مما تقدم.
باب
ما جاء في اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء
عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
رواه: الطبراني، والبيهقي، وابن النجار؛ في حديث طويل تقدم ذكره في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: إن من أشراط الساعة (فذكر الحديث، وفيه:) «ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
رواه ابن مردويه، وتقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن مكحول عن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: من
[ ٢ / ١٥١ ]
باب ما جاء في اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء
اقتراب الساعة (فذكر الحديث بطوله، وفيه:) «واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
رواه: أبو الشيخ في "الفتن"، والديلمي. وتقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ؛ قال: «والذي بعثني بالحق؛ لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف". قالوا: ومتى ذلك يا نبي الله؟ قال: "إذا رأيت النساء قد ركبن السروج، وكثرت القينات، وفشت شهادة الزور، وشرب المسلمون في آنية أهل الشرك الذهب والفضة، واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، والحاكم، وإسناده ضعيف جدًا.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لا بد من خسف ومسخ وقذف". قالوا: يا رسول الله! في هذه الأمة؟ قال: "نعم، إذا اتخذوا القيان، واستحلوا الزنى، وأكلوا الربا، واستحلوا الصيد في الحرم، ولبس الحرير، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
رواه ابن النجار.
وعن واثلة وأنس ﵄ مرفوعًا: «لا تذهب الدنيا حتى يستغني النساء بالنساء والرجال بالرجال، والسحاق زنى النساء فيما بينهن» .
رواه: الخطيب، وابن عساكر؛ بإسناد ضعيف جدًا.
وعن أنس بن مالك أيضًا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا عملت أمتي خمسًا؛ فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القينات، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
[ ٢ / ١٥٢ ]
رواه: البيهقي، وأبو نعيم في "الحلية"، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عباد بن كثير الرملي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة".
وعنه ﵁ مرفوعًا: «إذا استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال؛ فبشرهم بريح حمراء، تخرج من قبل المشرق، فيمسخ بعضهم، ويخسف ببعض؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» .
رواه الديلمي.
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة حتى لا يقول عبد: مه مه، ولتركبن سنن الأمم قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم ولا تخطئكم، حتى لو أنه كان فيمن كان قبلكم من الأمم يأكلون العذرة رطبة أو يابسة؛ لأكلتموها، وستفضلونهم بثلاث خصال لم تكن فيمن كان قبلكم من الأمم: نبش القبور، وسمنة النساء؛ تسمن الجارية حتى تموت شحمًا، وحتى يكتفي الرجال بالرجال دون النساء، والنساء بالنساء دون الرجال، ايم الله؛ إنها لكائنة، ولو قد كانت؛ خسف بهم، ورجموا؛ كما فعل بقوم لوط، والله؛ ما هو بالرأي، ولكنه الحق اليقين» .
رواه ابن وضاح.
«وعن أبي ﵁؛ قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة؛ فمنها نكاح الرجل امرأته وأمته في دبرها، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح الرجل بالرجل، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على ذلك، حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا. قيل لأبي: وما التوبة النصوح؟ قال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ؟ قال: هو الندم على الذنب حين يفرط منك،»
[ ٢ / ١٥٣ ]
«فتستغفر الله بندامتك، ثم لا تعود إليه أبدًا» .
رواه: الدارقطني في "الأفراد"، والبيهقي، وابن النجار.
وعن أشرس بن شيبان الهذلي؛ قال: "قلت لفرقد السبخي: أخبرني يا أبا يعقوب من تلك الغرائب التي قرأت في التوراة، فقال: يا أبا شيبان والله ما أكذب على ربي (مرتين أو ثلاثًا)، لقد قرأت في التوراة: ليكونن مسخ وخسف وقذف في أمة محمد ﷺ في أهل القبلة. قال: قلت: يا أبا يعقوب! ما أعمالهم؟ قال: باتخاذهم القينات، وضربهم بالدفوف، ولباسهم الحرير والذهب، ولئن بقيت حتى ترى أعمالًا ثلاثة؛ فاستيقن واستعد واحذر. قال: قلت: ما هي؟ قال: إذا تكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ورغبت العرب في آنية العجم. فعند ذلك قلت له: العرب خاصة؟ قال: لا؛ بل أهل القبلة. ثم قال: والله؛ ليقذفن رجال من السماء بحجارة يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني إسرائيل، وليخسفن بقوم كما خسف بقارون ".
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى ترضح رؤوس أقوام بكواكب من السماء باستحلالهم عمل قوم لوط» .
رواه الديلمي.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "أنتم أشبه الناس ببني إسرائيل، والله؛ لا تدعون شيئًا عملوه إلا عملتموه، ولا كان فيهم شيء إلا سيكون فيكم مثله ". فقال رجل: أيكون فينا مثل قوم لوط؟ فقال: " نعم، ممن أسلم وعرف نسبه".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
[ ٢ / ١٥٤ ]
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لا يكون في بني إسرائيل شيء؛ إلا كان فيكم مثله". فقال رجل: يكون فينا مثل قوم لوط؟ قال: "نعم".
رواه ابن أبي شيبة.
باب
ما جاء في التغاير على الغلمان
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتغايروا على الغلام كما يتغايرون على المرأة» .
رواه الديلمي في "مسند الفردوس".
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشراط الساعة» (فذكر الحديث، وفيه:) «ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر» .
رواه ابن مردويه، وقد تقدم بتمامه في الباب الثاني من أشراط الساعة.
باب
ما جاء في كثرة أولاد الزني
عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكثر أولاد الزنى» .
رواه الطبراني في حديث طويل تقدم ذكره في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن ميمونة زوج النبي ﷺ ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله
[ ٢ / ١٥٥ ]
باب ما جاء في كثرة أولاد الزني
ﷺ يقول: «لا تزال أمتي بخير؛ ما لم يفش فيهم ولد الزنى، فإذا فشا فيهم ولد الزنى؛ فيوشك أن يعمهم الله ﷿ بعقاب» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وقال في روايته: «لا تزال أمتى بخير متماسك أمرها ما لم يظهر فيهم ولد الزنا» . قال الهيثمي: "فيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالسماع؛ فالحديث صحيح أو حسن ".
وعن معاذ بن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال الأمة على الشريعة ما لم تظهر فيهم ثلاث: ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الحنث» الحديث، وقد تقدم قريبًا.
قال ابن الأثير وابن منظور: "أولاد الحنث؛ أولاد الزنا، من الحنث: المعصية ". ويروى بالخاء المعجمة والباء الموحدة.
باب
ما جاء في استحلال الزنى والخمر والحرير والمعازف
عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري ﵁؛ قال: حدثني أبو عامر (أو: أبو مالك) الأشعري ﵁ - والله ما كذبني -: سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا. فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» .
رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به، ووصله الإسماعيلي والطبراني وابن حبان والبيهقي وغيرهم.
[ ٢ / ١٥٦ ]
باب ما جاء في استحلال الزنى والخمر والحرير والمعازف
(الحر) بالحاء المهملة المكسورة وبالراء الخفيفة، وهو الفرج. قال الجوهري: " (الحر)؛ مخفف: أصله حرح؛ لأن جمعه أحراح، والمعنى أنهم يستحلون الزنى". قال ابن التين: "يريد ارتكاب الفرج بغير حله". وقال ابن العربي: "يحتمل أن يكون المعنى: يعتقدون ذلك حلالًا، ويحتمل أن يكون ذلك مجازًا على الاسترسال".
قلت: يعني أنهم يسترسلون في ركوب الفرج الحرام ولبس الحرير وشرب الخمر واستماع المعازف كما يسترسلون في الاستمتاع بالشيء الحلال. وكلا الأمرين واقع في زماننا: الاسترسال، واعتقاد الحل، ولا سيما في لبس الحرير وشرب بعض أنواع الخمر واستماع المعازف.
وعن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير» .
رواه: ابن المبارك في "الزهد"، وابن عساكر في "تاريخه".
ورواه البخاري في "التاريخ الكبير"، ولفظه: قال: «يوشك أن يستحلوا الخمر والحرير» . وفي نسخة: «الحر والحرير» .
وعن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنًا خلافة ورحمة، وكائنًا ملكًا عضوضًا، وكائنًا عتوًا وجبرية وفسادًا في الأرض؛ يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدًا؛ حتى يلقوا الله» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة، ولكنه مدلس، وبقية رجاله ثقات".
وسيأتي ذكر إعلان الفاحشة في آخر الكتاب عند ذكر الريح التي تقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ١٥٧ ]
باب
ما جاء في استحلال الخمر بتغيير اسمها
عن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني، والبيهقي.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب فيها طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» . رواه: ابن ماجه، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يشرب ناس من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» .
رواه: ابن ماجه في "سننه"، والحافظ الضياء في "المختارة".
ورواه الإمام أحمد، ولفظه: «لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "وسنده جيد".
وعن عائشة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"إن أول ما يكفئ (قال زيد بن يحيى أحد رواته: يعني الإسلام) كما يكفأ الإناء (يعني: الخمر) ". فقيل: كيف يا رسول الله وقد بين الله فيها ما بين؟ ! قال رسول الله ﷺ: "يسمونها بغير اسمها؛ فيستحلونها» .
[ ٢ / ١٥٨ ]
رواه الدارمي.
وعنها ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها» .
رواه: الحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وعن حذيفة ﵁؛ قال: «خطب رسول الله ﷺ في أربع جمع متواليات، يقول في كل مرة: إذا استحلت الخمر بالنبيذ، والربا بالبيع، والسحت بالهدية، واتجروا بالزكاة؛ فعند ذلك هلاكهم ليزدادوا إثمًا» .
رواه الديلمي.
باب
ما جاء في ظهور المعازف
قال الجوهري: " (المعازف): الملاهي، والعازف: اللاعب بها والمغني".
وقال مرتضى الحسيني في "تاج العروس": " (المعازف): الملاهي التي يضرب بها؛ كالعود والطنبور والدف وغيرها". قال: "وكل لعب عزف". انتهى.
وقد ظهرت المعازف في زماننا شر ظهور، وانتشرت في البيوت والأسواق والدكاكين والسيارات.
وسيأتي ذكر الأحاديث في ظهور المعازف، وما يترتب على ظهورها من أنواع العقوبات في (باب ما جاء في الريح العقيم والخسف والمسخ والقذف)؛ فلتراجع هناك.
[ ٢ / ١٥٩ ]
باب
ما جاء في التطاول في البنيان
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد" هكذا مختصرًا.
وقد رواه البخاري أيضًا في (كتاب الفتن) من "صحيحه" في حديث طويل في ذكر بعض أشراط الساعة.
وفي رواية لأحمد: أن النبي ﷺ قال: «من أشراط الساعة: أن يرى رعاة الشاء رؤوس الناس، وأن يرى الحفاة العراة الجوع يتبارون في البناء، وأن تلد الأمة ربها (أو: ربتها)» .
وقد رواه أبو نعيم في "الحلية" بنحوه، ولفظه: "من أشراط الساعة: «أن ترى الرعاة رؤوس الناس، وأن ترى الحفاة العراة رعاة الشاء يتبارون في البنيان، وأن تلد الأمة ربها وربتها» .
وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة» (الحديث، وفيه:) «وأن تتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان» .
رواه: ابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وتقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: أخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل". قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء»
[ ٢ / ١٦٠ ]
«يتطاولون في البنيان» " الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة ﵃".
وعن أبي هريرة ﵁ نحو حديث عمر ﵁، وفيه «أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان؛ فذاك من أشراطها؛ في خمس لا يعلمهن إلا الله» الحديث.
رواه: الشيخان، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة وأبي ذر ﵄ نحو حديث عمر ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال: «ولكن لها علامات تعرف بها: إذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها؛ في خمس لا يعلمها إلا الله» الحديث.
رواه النسائي.
وعن ابن عباس ﵄ نحو حديث عمر ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال: «"ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك". قال: أجل يا رسول الله! فحدثني. قال رسول الله ﷺ: "إذا رأيت الأمة ولدت ربتها (أو: ربها)، ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس؛ فذلك من معالم الساعة وأشراطها". قال: يا رسول الله! ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب"» .
رواه الإمام أحمد.
[ ٢ / ١٦١ ]
وعن عامر (أو: أبي عامر، أو: أبي مالك) ﵁ نحو حديث عمر ﵁، وفيه: فقال: «"إن شئت حدثتك بعلامتين تكونان قبلها". فقال: حدثني. فقال: "إذا رأيت الأمة تلد ربها، ويطول أهل البنيان بالنبيان، وعاد العالة الحفاة رؤوس الناس". قال: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: "العريب» .
رواه الإمام أحمد.
قوله: «"يتطاولون في البنيان»؛ يعني: يتبارون ويتباهون في تطويله وزخرفته، وتكثير المجالس والمرافق.
قال النووي: "معناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان". انتهى.
قلت: والتطاول في البنيان يكون بتكثير طبقات البيوت ورفعها إلى فوق، ويكون بتحسين البناء وتقويته وتزويقه، ويكون بتوسيع البيوت وتكثير مجالسها ومرافقها، وكل ذلك واقع في زماننا؛ حين كثرت الأموال، وبسطت الدنيا على الحفاة العراة العالة. فالله المستعان.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة؛ إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا» الحديث.
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم بطوله في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن ميمونة ﵂؛ قالت: قال نبي الله ﷺ لنا ذات يوم: «ما أنتم إذا مرج الدين، وسفك الدماء، وظهرت الزينة، وشرف البنيان، واختلف الإخوان، وحرق البيت العتيق؟» .
[ ٢ / ١٦٢ ]
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وقد رواه الإمام أحمد وابن وضاح مختصرًا، ورواتهما ثقات.
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عارًا، ويكون الإسلام غريبًا» (الحديث، وفيه:) «وحتى تبنى الغرف فتطاول» .
رواه ابن أبي الدنيا، وتقدم بطوله في أثناء الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «أتى رجل، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول بأعلم من السائل ". قال: فلو علمتنا أشراطها؟ قال: "تقارب الأسواق (الحديث، وفيه:) ويظهر البناء» .
رواه ابن مردويه، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن علي ﵁: «أنهم سألوا رسول الله ﷺ: متى الساعة؟ فقال: "لقد سألتموني عن أمر ما يعلمه جبريل ولا ميكائيل، ولكن إن شئتم أنبأتكم بأشياء؛ إذا كانت؛ لم يكن للساعة كثير لبث» (فذكر الحديث، وفيه:) «وظهر البناء على وجه الأرض» .
رواه ابن أبي شيبة، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن سلمان الفارسي ﵁: أنه قال: "إن من اقتراب الساعة: أن يظهر البناء على وجه الأرض، وأن تقطع الأرحام، وأن يؤذي الجار جاره".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن مسعود ﵁: «أنه كان يقول كل عشية خميس لأصحابه: سيأتي على الناس زمان؛ تمات فيه الصلاة، ويشرف فيه البنيان،»
[ ٢ / ١٦٣ ]
«ويكثر فيه الحلف والتلاعن، ويفشو فيه الرشا والزنى، وتباع الآخرة بالدنيا، فإذا رأيت ذلك؛ فالنجا النجا. قيل: وكيف النجا؟ قال: كن حلسًا من أحلاس بيتك، وكف لسانك ويدك» .
رواه ابن أبي الدنيا، وله حكم الرفع كنظائره.
وعن عبد الله الرومي؛ قال: "دخلت على أم طلق، فقلت: ما أقصر سقف بيتك هذا! قالت: يا بني! إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عماله: أن لا تطيلوا بناءكم؛ فإنه من شر أيامكم".
رواه البخاري في "الأدب المفرد".
باب
ما جاء في نقش البنيان
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتًا يشبهونها بالمراحل» .
رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وإسناده حسن.
وفي رواية: «لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتًا يوشونها وشي المراحيل» . قال إبراهيم: يعني الثياب المخططة. وإبراهيم هذا هو ابن المنذر الحزامي شيخ البخاري.
قوله: "يوشونها"؛ يعني: ينقشونها ويصبغونها بأنواع الألوان المختلفة كما تنقش الثياب والفرش؛ يقال: وشى الثوب ووشاه وشيًا وشية: إذا نقشه وحسنه. قال الراغب الأصفهاني: "وشيت الشيء وشيًا: جعلت فيه أثرًا يخالف معظم لونه، واستعمل الوشي في الكلام تشبيهًا بالمنسوج ". انتهى.
[ ٢ / ١٦٤ ]
باب ما جاء في نقش البنيان
و(المراحل): جمع مُرَحَّل؛ بتشديد الحاء؛ يقال: ثوب مرحل وثوب فيه ترحيل: إذا كان منقوشًا بنقوش تشبه رحال الإبل. وهذا من باب التنبيه والإشارة إلى أجناس النقوش والأصباغ التي يعملها المتطاولون في البنيان في هذه الأزمان.
وقد ترجم البخاري رحمه الله تعالى على حديث أبي هريرة ﵁ بقوله: "باب نقش البنيان"، وأورد في الباب حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ: «كان ينهى عن: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، وأورد أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «لن ينجي أحدًا منكم عمله» (الحديث، وفيه:) «سددوا، وقاربوا، والقصد القصد؛ تبلغوا» .
وظاهر صنيع البخاري رحمه الله تعالى في إيراد هذين الحديثين في (باب نقش البنيان): أنه أراد الاستدلال بهما على أن نقش البنيان لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أن فيه إضاعة للمال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال.
الثاني: أنه إسراف وبذخ مخالف لما أمر به رسول الله ﷺ من الاقتصاد في جميع الأمور ولزوم العدل.
والله أعلم.
باب
ما جاء في زخرفة المساجد والتباهي فيها
عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» .
[ ٢ / ١٦٥ ]
باب ما جاء في زخرفة المساجد والتباهي فيها
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه".
ورواه: أبو يعلى، وابن خزيمة في "صحيحه"؛ بلفظ: «يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا» . وفي رواية لابن حبان: «نهى رسول الله ﷺ أن يتباهى الناس في المساجد» .
(المباهاة) في اللغة: المفاخرة، والمراد هاهنا المفاخرة بتشييد المساجد وزخرفتها وتنقيشها، وقد وقع ذلك وكثر في هذه الأزمان الأخيرة.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بيعها» .
رواه ابن ماجه.
وعنه ﵁: أنه قال: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» .
رواه: أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، وذكره البخاري في "صحيحه" تعليقًا بصيغة الجزم.
قال ابن الأثير: " (الزخرف): في الأصل الذهب، وكمال حسن الشيء". وقال الراغب الأصفهاني: " (الزخرف): الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب: زخرف". انتهى.
وقد افتتن كثير من المسلمين في زماننا بتزويق المساجد وتحسين بنائها وتضخيمه؛ فالله المستعان.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «للساعة أشراط".
»
[ ٢ / ١٦٦ ]
«قيل: وما أشراطها؟ قال: "غلو أهل الفسق في المساجد» الحديث.
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم في باب ارتفاع الأسافل، والمراد به الغلو في التشييد والزخرفة والنقش.
وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها أن تزخرف المحاريب وأن تخرب القلوب» .
رواه الطبراني في حديث طويل تقدم ذكره في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن أبي الدرداء ﵁: أنه قال: «إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم؛ فعليكم الدمار» .
رواه ابن أبي الدنيا في "المصاحف".
باب
ما جاء في تعلية المنابر
تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة عدة أحاديث في ذلك.
منها حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر بعض أشراط الساعة، وفيه: «ورفعت المنابر» .
رواه الطبراني.
ومنها حديث حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» (فذكر الخصال، ومنها:) «وطولت المنابر» .
[ ٢ / ١٦٧ ]
باب ما جاء في تعلية المنابر
رواه أبو نعيم في "الحلية".
ومنها حديث مكحول عن علي ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «من اقتراب الساعة» (فذكر الحديث، وفيه:) «وطولت المنابر» .
رواه: أبو الشيخ، والديلمي.
ومنها حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ، وفيه: «إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تكنف المساجد، وأن تعلو المنابر» .
رواه الطبراني.
ومنها حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في ذكر بعض أشراط الساعة، وفيه: «وتطول المنابر» .
رواه ابن مردويه.
باب
ما جاء في ترك الأذان على الضعفاء
عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم» .
رواه ابن أبي حاتم.
باب
ما جاء في قلة من يصلح للإمامة
عن سلامة بنت الحر أخت خرشة بن الحر الفزاري ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل»
[ ٢ / ١٦٨ ]
باب ما جاء في قلة من يصلح للإمامة
«المسجد لا يجدون إمامًا يصلي بهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وهذا لفظه.
ولفظ أحمد: «إن من أشراط الساعة (أو: في شرار الخلق): أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إمامًا يصلي بهم» .
وفي رواية لأحمد وابن ماجه؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان يقومون ساعة لا يجدون إمامًا يصلي بهم» .
وهذا حديث حسن.
باب
ما جاء في تطويل الخطبة وتقصير الصلاة
فيه حديث ابن مسعود ﵁: أنه قال: «إنكم في زمان: الصلاة فيه طويلة، والخطبة فيه قصيرة، وعلماؤه كثير، وخطباؤه قليل، وسيأتي على الناس زمان: الصلاة فيه قصيرة، والخطبة فيه طويلة، خطباؤه كثير، وعلماؤه قليل» الحديث.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وقد رواه الإمام مالك في "موطئه" بنحوه، وفي روايته: «وسيأتي على الناس زمان: قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم» .
وقد تقدم هذا الحديث في (باب ما جاء في كثرة الخطباء وقلة الفقهاء) .
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «إن قصر الخطبة وطول»
[ ٢ / ١٦٩ ]
باب ما جاء في تطويل الخطبة وتقصير الصلاة
«الصلاة مئنة من فقه الرجل؛ فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة؛ فإن من البيان سحرًا، وإنه سيأتي بعدكم قوم يطيلون الخطب ويقصرون الصلاة» .
رواه البزار. وروى الطبراني بعضه موقوفًا في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجال الموقوف ثقات، وفي رجال البزار قيس بن الربيع؛ وثقه شعبة والثوري وضعفه البخاري ".
قلت: وقد وثقه أيضًا: أبو الوليد الطيالسي، وعفان، وقال ابن عدي: "عامة رواياته مستقيمة، والقول ما قال شعبة، وأنه لا بأس به".
قوله: «مئنة من فقه الرجل»: قال ابن الأثير: "أي: إن ذلك مما يعرف به فقه الرجل، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له؛ كالمخلقة، والمجدرة". قال أبو عبيد: "معناه: أن هذا مما يستدل به على فقه الرجل". انتهى.
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا، فصار كثير من الأئمة يطيلون الخطب يوم الجمعة والعيدين بثرثرة لا طائل تحتها ولا فائدة في كثير منها، وربما مكث بعضهم في خطبته نصف ساعة أو أكثر من ذلك، فإذا قام يصلي؛ لم يمكث في الصلاة إلا خمس دقائق أو نحوها! وهذا خلاف أمر النبي ﷺ بإطالة الصلاة وتقصير الخطبة، وخلاف فعله ﷺ أيضًا.
فأما الأمر بإطالة الصلاة وتقصير الخطبة:
ففيه حديث ابن مسعود ﵁، وتقدم ذكره.
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، والدارمي؛ عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه؛ فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا» .
وأما فعله ﷺ:
[ ٢ / ١٧٠ ]
فقد روى النسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة ويقصر الخطبة» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، والدارمي، وأهل السنن إلا أبا داود عن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا» .
وروى: الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود؛ عن الحكم بن حزن الكلفي ﵁؛ قال: «قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة (أو: تاسع تسعة)، فلبثنا عنده أيامًا شهدنا فيها الجمعة، فقام رسول الله ﷺ متوكئًا على قوس (أو قال: على عصا)، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات» .
وإذا علم هذا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
باب
ما جاء في عمارة مكة والخروج منها
عن جابر ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ أخبره: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «سيخرج أهل مكة منها ثم لا يعمرونها (أو: لا تعمر إلا قليلًا)، ثم تعمر وتمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدًا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح". وعن يوسف بن ماهك؛ قال: "كنت جالسًا مع عبد الله بن عمرو بن
[ ٢ / ١٧١ ]
باب ما جاء في عمارة مكة والخروج منها
العاص ﵄ في ناحية المسجد الحرام؛ إذ نظر إلى بيت مشرف على أبي قبيس، فقال: أبيت ذاك؟ فقلت: نعم. فقال: إذا رأيت بيوتها (يعني: مكة) قد علت أخشبيها، وفجرت بطونها أنهارًا؛ فقد أزف الأمر".
رواه أبو الوليد الأزرقي في "أخبار مكة"، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي: وثقه ابن معين، وضعفه أبو داود، وقال ابن عدي: "حسن الحديث"، وقال أبو حاتم: "إمام في الفقه؛ تعرف وتنكر، ليس بذاك القوي، يكتب حديثه ولا يحتج به"، وقال النسائي: "ليس بالقوي". وبقية رجاله رجال الصحيح.
ويشهد لهذا الأثر ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن يعلى بن عطاء عن أبيه؛ قال: "كنت آخذًا بلجام دابة عبد الله بن عمرو، فقال: إذا رأيت مكة قد بعجت كظائم، ورأيت البناء يعلو رؤوس الجبال؛ فاعلم أن الأمر قد أظلك".
وقد ظهر مصداق هذا الأثر والحديث قبله في زماننا، فعمرت مكة، وبنيت، واتسعت اتساعًا عظيمًا، وامتلأت بالسكان، وعلت بيوتها على أخشبيها، وأجريت مياه العيون في جميع نواحيها؛ فعلم من هذا أن الأمر قد أزف؛ أي: دنا قيام الساعة وقرب.
وقوله: "بعجت كظائم"؛ أي: حفرت قنوات. ذكره ابن الأثير وابن منظور وغيرهما من أهل اللغة.
باب
ما جاء في عمارة المدينة
«عن سفيان بن أبي زهير ﵁: أن النبي ﷺ خرج معه، حتى إذا بلغ بئر الإهاب؛ زعم أن النبي ﷺ قال: يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان» .
[ ٢ / ١٧٢ ]
باب ما جاء في عمارة المدينة
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وعن زهير (وهو ابن معاوية) عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تبلغ المساكن إهاب أو يهاب» . قال زهير: قلت لسهيل: فكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلًا.
رواه مسلم.
وقد بنيت المدينة في زماننا، واتسعت اتساعًا عظيمًا لم يعهد مثله ولا قريب منه فيما مضى، وظهر بذلك مصداق هذين الحديثين الصحيحين، وسيخرج الناس منها، ويدعونها للطير والسباع كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، وذلك إنما يكون بعد خروج الدجال.
والله أعلم.
باب
ما جاء في الخروج من المدينة إلى الشام ابتغاء الصحة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخرج الناس من المدينة إلى الشام يبتغون فيها الصحة» .
رواه الديلمي.
باب
ما جاء أن المدينة تنفي شرارها في آخر الزمان
عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها» .
[ ٢ / ١٧٣ ]
باب ما جاء أن المدينة تنفي شرارها في آخر الزمان
رواه الديلمي.
وعن أنس ﵁ مرفوعًا: «ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج منها كل منافق وكافر» .
رواه الطبراني.
وسيأتي شاهد لهذين الحديثين من حديث أبي أمامة الطويل في (باب ما جاء في فتنة الدجال) إن شاء الله تعالى.
باب
ما جاء في خراب المدينة
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي (يريد: عوافي السباع والطير)، ثم يخرج راعيان من مزينة؛ يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع؛ خرا على وجوههما» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية لأحمد ومسلم عن سعيد بن المسيب: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: «قال رسول الله ﷺ للمدينة: ليتركنها أهلها على خير ما كانت مذللة للعوافي (يعني: السباع والطير)» .
ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي المهزم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"ليدعن أهل المدينة المدينة وهي خير ما يكون مرطبة مونعة". فقيل: من يأكلها؟ قال: "الطير والسباع» .
أبو المهزم ضعيف، ولكن لحديثه شاهد مما قبله وما بعده.
[ ٢ / ١٧٤ ]
باب ما جاء في خراب المدينة
وقد رواه مالك في "الموطأ" عن ابن خماس عن عمه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب، فيغذي على بعض سواري المسجد أو على المنبر ". فقالوا: يا رسول الله! فلمن تكون الثمار ذلك الزمان؟ قال: "للعوافي: الطير والسباع» .
ورواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"؛ من طريق مالك مختصرًا، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قوله: "فيغذي": قال الزرقاني: "بضم التحتية وفتح الغين وكسر الذال الثقيلة المعجمتين؛ أي: يبول دفعة بعد دفعة". قال النووي: "المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة. وقال المهلب في هذا الحديث: إن المدينة تسكن إلى يوم القيامة، وإن خلت في بعض الأوقات؛ لقصد الراعيين بغنمهما إلى المدينة". انتهى.
وعن أبي ذر ﵁؛ قال: «أقبلنا مع رسول الله ﷺ، فنزلنا ذا الحليفة، فتعجل رجال إلى المدينة، وبات رسول الله ﷺ وبتنا معه، فلما أصبح؛ سأل عنهم؟ فقيل: تعجلوا إلى المدينة، فقال: "تعجلوا إلى المدينة والنساء! أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت"» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة". قالوا: فمن يأكلها يا رسول الله؟ قال:»
[ ٢ / ١٧٥ ]
«"السباع والعائف» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وفي رواية قال: «"ليتركنها أهلها مرطبة". قالوا: فمن يأكلها يا رسول الله؟ قال: "عافية الطير والسباع» .
وعن محجن بن الأدرع ﵁؛ قال: «بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، ثم عارضني في بعض طرق المدينة، ثم صعد على أحد وصعدت معه، فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال لها قولًا، ثم قال: "ويل أمك (أو: ويح أمها) ! قرية يدعها أهلها أينع ما يكون، يأكلها عافية الطير والسباع"» .
رواه: الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أبو داود الطيالسي، والطبراني بنحوه، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال الهيثمي: "رجال الطبراني رجال الصحيح".
وعن عوف بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"أما والله يا أهل المدينة! لتدعنها مذللة أربعين عامًا للعوافي ". قلنا: الله ورسوله أعلم. ثم قال رسول الله ﷺ: "أتدرون ما العوافي؟ ". قالوا: لا. قال: "الطير والسباع» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم. وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه عمر بن شبة بإسناد صحيح، ولفظه: قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد، ثم نظر إلينا، فقال: "أما والله؛ ليدعنها أهلها مذللة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع» .
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تخرب المدينة قبل يوم»
[ ٢ / ١٧٦ ]
«القيامة بأربعين سنة» .
رواه الديلمي.
وعن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليسيرن الراكب في جنبات المدينة، ثم ليقولن: لقد كان في هذا حاضر من المؤمنين كثير» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليسيرن راكب في جنب وادي المدينة، فليقولن: لقد كان في هذه مرة حاضرة من المؤمنين كثير» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة» .
رواه: الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
«وعن حذيفة ﵁؛ قال: "أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء؛ إلا قد سألته؛ إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟» .
رواه الإمام أحمد. وأبو داود الطيالسي، ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "لا يأتي عليكم إلا قليل، حتى يقضي الثعلب وسنته بين ساريتين من سواري المسجد (يعني: مسجد المدينة، يقول: من الخراب) ".
[ ٢ / ١٧٧ ]
رواه ابن أبي شيبة.
قال ابن الأثير: "أي: يقضي نومته؛ يريد خلو المسجد من الناس بحيث ينام فيه الوحش".
باب
ما جاء في عمارة بيت المقدس ورجوع الخلافة إليه
عن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال (ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال:) إن هذا الحق كما أنك هاهنا (أو: كما أنك قاعد) (يعني: معاذًا)» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود. وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: وثقه دحيم. وقال يعقوب بن شيبة: "كان رجل صدق ". وقال المنذري: "كان رجلًا صالحًا، وثقه بعضهم وتكلم فيه غير واحد ". وبقية رجالهما ثقات. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" موقوفًا على معاذ ﵁، وقال: "إسناده صحيح "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁؛ قال: «وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي (أو: على هامتي)، ثم قال: "يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة؛ فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك"» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والبخاري في "تاريخه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في
[ ٢ / ١٧٨ ]
باب ما جاء في عمارة بيت المقدس ورجوع الخلافة إليه
"تلخيصه".
وعن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني ﵁ مرفوعًا: «تكون في بيت المقدس بيعة هدى» .
رواه ابن سعد.
باب
اجتماع المؤمنين في الشام في آخر الزمان
عن أبي أمامة ﵁؛ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق".
رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن.
وقد رواه ابن أبي شيبة وابن عساكر في "تاريخه" بنحوه، زاد ابن عساكر: وقال رسول الله ﷺ: «عليكم بالشام» .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه قال: "يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "يوشك أن تطلبوا في قراكم هذه طستًا من ماء؛ فلا تجدونه، ينزوي كل ماء إلى عنصره، فيكون في الشام بقية المؤمنين والماء".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٢ / ١٧٩ ]
باب اجتماع المؤمنين في الشام في آخر الزمان
وقد رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: قال: "أيها الناس! لا تكرهوا مد الفرات؛ فإنه يوشك أن يلتمس فيه طست من ماء فلا يوجد، وذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره، فيكون الماء وبقية المؤمنين يومئذ بالشام".
ورواه الطبراني من حديث القاسم؛ قال: "شكي إلى ابن مسعود الفرات فقالوا: إنا نخاف أن ينبثق علينا، فلو أرسلت إليه من يسكره. قال: لا أسكره، فوالله؛ ليأتين على الناس زمان لو التمستم فيه ملء طست من ماء؛ ما وجدتموه، وليرجعن كل ماء إلى عنصره، ويكون بقية الماء والمسلمين بالشام".
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ إلا أن القاسم لم يدرك ابن مسعود ". وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" من حديث القاسم بن عبد الرحمن: (فذكره بمثله) .
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "ليأتين على الناس زمان يكون للرجل أحمرة يحمل عليها إلى الشام أحب إليه من عرض الدنيا".
رواه ابن أبي شيبة.
باب
ما جاء في خزائن الأرض
«عن عقبة بن عامر ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج يومًا، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: إني فرط لكم، أنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض (أو: مفاتيح الأرض)، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
[ ٢ / ١٨٠ ]
باب ما جاء في خزائن الأرض
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم؛ أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي» . قال أبو هريرة ﵁: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي.
وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «بينا أنا نائم؛ إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما، فطارا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وقد ظهر مصداق هذه الأحاديث في زماننا، حيث ظهرت آبار البترول، والماء البعيد في أعماق الأرض، وما ظهر أيضًا من معادن الذهب وغير ذلك من خزائن الأرض التي لم يتمكن الناس من الوصول إليها إلا في هذه الأزمان.
وقد تأول كثير من العلماء قوله ﷺ: «أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي»: على ما فتح على أوائل هذه الأمة من كنوز كسرى وقيصر وغيرهما من الملوك، وفي هذا التأويل نظر؛ لأن النبي ﷺ إنما نص في هذه الأحاديث على خزائن الأرض لا على خزائن الملوك، وخزائن الأرض هي ما أودعه الله فيها من الماء والمعادن السائلة والجامدة، وأما خزائن الملوك؛ فقد جاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة باسم الكنوز، وأضيفت إلى أهلها لا إلى الأرض؛ كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ؛ قال: «إذا هلك كسرى؛ فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر؛ فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده؛ لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان؛ من حديث أبي هريرة ومن حديث جابر
[ ٢ / ١٨١ ]
ابن سمرة ﵄.
وفي حديث ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن.
وفي حديث عدي بن حاتم ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ولئن طالت بك حياة؛ لتفتحن كنوز كسرى» .
رواه البخاري.
وعن جابر بن سمرة ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لتفتحن عصابة من المسلمين (أو: من المؤمنين) كنز آل كسرى الذي في الأبيض» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وقد تقدمت هذه الأحاديث في أول كتاب الملاحم، ومن جمع بينها وبين أحاديث هذا الباب؛ تبين له أن خزائن الأرض شيء غير كنوز الملوك. والله أعلم.
وقد حصل للعرب وغيرهم من الذين ظهرت عندهم خزائن الأرض في زماننا من الثروة العظيمة ما لم يحصل مثله للذين فتحت عليهم كنوز الملوك في أول الإسلام، والله المسؤول أن يديم نعمته على المسلمين، وأن لا يغير عليهم بسبب الذنوب والمعاصي.
باب
ما جاء في المعادن
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة»
[ ٢ / ١٨٢ ]
باب ما جاء في المعادن
«حتى تظهر معادن كثيرة لا يسكنها إلا أراذل الناس» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه".
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن رجل عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: " لتظهرن معادن في آخر الزمان، يخرج إليه شرار الناس".
وعن زيد بن أسلم «عن رجل من بني سليم عن جده ﵁: أنه أتى النبي ﷺ بفضة، فقال: هذه من معدن لنا. فقال النبي ﷺ: ستكون معادن يحضرها شرار الناس» .
رواه الإمام أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: «أتي النبي ﷺ بقطعة من ذهب كانت أول صدقة جاءته من معدن لنا، فقال: إنها ستكون معادن، وسيكون فيها شر الخلق» .
رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يظهر معدن في أرض بني سليم، يقال له: فرعون وفرعان (وذلك بلسان أبي جهم قريب من السوء)، يخرج إليه شرار الناس (أو: يحشر إليه شرار الناس)» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي غطفان؛ قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: «تخرج معادن مختلفة، معدن منها قريب من الحجاز، يأتيه من شرار الناس، يقال له: فرعون، فبينما هم يعملون فيه؛ إذ حسر عن الذهب، فأعجبهم معتمله؛ إذا خسف به وبهم» .
[ ٢ / ١٨٣ ]
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في حسر الفرات عن الذهب
عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره؛ فلا يأخذ منه شيئًا» .
رواه: الشيخان، وأبو داود.
وفي رواية لهم عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب؛ فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا» .
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضًا؛ من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو» .
هذا لفظ مسلم، وزاد في رواية: فقال أبي: " «إن رأيته؛ فلا تقربنه» . وفي رواية أحمد: «يا بني! إن أدركته؛ فلا تكونن ممن يقاتل عليه» .
ورواه: الإمام أحمد أيضًا، وابن ماجه؛ من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل عشرة تسعة» .
زاد أحمد: «ويبقى واحد» .
[ ٢ / ١٨٤ ]
باب ما جاء في حسر الفرات عن الذهب
«وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ قال: كنت واقفًا مع أبي بن كعب ﵁، فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا. قلت: أجل. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس؛ ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه؛ ليذهبن به كله". قال: "فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظه.
وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تدوم الفتنة الرابعة اثني عشر عامًا، ثم تنجلي حين تنجلي وقد انحسر الفرات عن جبل من ذهب تكب عليه الأمة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وزاد في رواية: «فإن أدركتموه؛ فلا تقربوه» .
وقد زعم أبو عبية في تعليق له على حديث سهيل بن أبي صالح الذي تقدم ذكره أن الفرات قد حسر عن الذهب البترولي الأسود.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن النبي ﷺ نص على جبل الذهب نصًا لا يحتمل التأويل، ومن حمل ذلك على البترول الأسود؛ فقد حمل الحديث على غير ما أريد به، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
يوضح ذلك الوجه الثاني: أن البترول ليس بذهب حقيقة ولا مجازًا، وأما تسمية بعض الناس له بالذهب الأسود؛ فليس مرادهم أنه نوع من أنواع الذهب، وإنما يقصدون بذلك أنه يحصل من ثمنه الذهب الكثير؛ فلذلك يطلقون عليه
[ ٢ / ١٨٥ ]
اسم الذهب الأسود؛ اعتبارًا بما يستثمر منه.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ أخبر أن الفرات يحسر عن جبل من ذهب؛ أي: ينكشف عنه لذهاب مائه، فيظهر الجبل بارزًا على وجه الأرض؛ وهذا لم يكن إلى الآن، وسيكون فيما بعد بلا ريب، وبحور البترول الأسود لم ينحسر الفرات عنها، وليست في مجرى النهر، وإنما هي في باطن الأرض، واستخراجها إنما يكون بالتنقيب عنها بالآلات من مسافة بعيدة في بطن الأرض.
الوجه الرابع: أن الذي جاء في الحديث الصحيح هو «حسر الفرات عن كنز من ذهب،» وفي الرواية الأخرى: «عن جبل من ذهب»، وتخصيص الفرات بالنص ينفي أن يكون ذلك في غيره، ومن المعلوم أن بحور البترول ليست في نهر الفرات، وإنما هي في مواضع كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها، وهي في البلاد العربية المجاورة للعراق أكثر منها في العراق.
الوجه الخامس: أن البترول من المعادن السائلة، والذي أخبر النبي ﷺ بانحسار الفرات عنه هو الذهب المعروف عند الناس، وهو من المعادن الجامدة، ومن جعل المعدنين سواء؛ فقد ساوى بين شيئين مختلفين.
الوجه السادس: أن النبي ﷺ أخبر أن الناس إذا سمعوا بانحسار الفرات عن جبل الذهب؛ ساروا إليه، فيكون عنده مقتلة عظيمة، يقتل فيها من كل مائة تسعة وتسعون، وهذا لم يكن إلى الآن، ومن المعلوم أن البترول الأسود قد وجد في العراق منذ زمان طويل، ولم يسر الناس إليه عند ظهوره، ولم يكن بسبب خروجه قتال ألبتة.
الوجه السابع: أن النبي ﷺ نهى من حضر جبل الذهب أن يأخذ منه شيئًا، ومن حمله على البترول الأسود؛ فلازم قوله أن يكون الناس منهيين عن الأخذ منه، وهذا معلوم البطلان بالضرورة.
[ ٢ / ١٨٦ ]
باب
ما جاء في الكنز الذي يقتتل عنده أبناء الخلفاء
عن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقتتل عند كنزهم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم» " الحديث.
رواه: ابن ماجه بإسناد صحيح، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وسيأتي بتمامه في ذكر المهدي.
قال ابن كثير في "النهاية": "المراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة".
قلت: وفقي هذا نظر؛ لما تقدم في باب النهي عن تهييج الترك والحبشة.
عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» .
رواه: أبو داود، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف؛ قال: سمعت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فذكره) .
وإسناده جيد.
والأقرب في الكنز المذكور في حديث ثوبان ﵁: أنه الكنز الذي يحسر عنه الفرات، وقد يكون غيره. والله أعلم.
[ ٢ / ١٨٧ ]
باب
ما جاء في قيء الأرض للذهب والفضة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة". قال: "فيجيء السارق، فيقول: في هذا قطعت يدي! ويجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت! ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي! ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا» .
رواه: مسلم، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى تبعث ريح حمراء من قبل اليمن (فذكر الحديث وفيه:) وتقيء الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة، ولا ينتفع بها بعد ذلك اليوم، يمر بها الرجل، فيضربها برجله ويقول: في هذه كان يقتتل من كان قبلنا، وأصبحت اليوم لا ينتفع بها» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "الزموا هذه الطاعة والجماعة؛ فإنه حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، وإن الله تعالى لم يخلق شيئًا قط؛ إلا جعل له منتهى، وإن هذا الدين قد تم، وإنه صائر إلى نقصان، وإن أمارة ذلك: أن تقطع الأرحام، ويؤخذ المال بغير حقه، ويسفك الدماء، ويشتكي ذو القرابة قرابته، ولا يعود عليه بشيء، ويطوف السائل بين الجمعتين لا يوضع في يده شيء، فبينما هم كذلك؛ إذ خارت خوار البقر، يحسب كل الناس أنما خارت من قبلهم، فبينما الناس كذلك؛ إذ قذفت الأرض بأفلاذ كبدها من الذهب والفضة، لا ينفع بعد ذلك شيء من الذهب والفضة".
[ ٢ / ١٨٨ ]
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه الطبراني، وعنده: قال: "ثم تتقاحم الأرض، تقيء أفلاذ كبدها. قيل يا أبا عبد الرحمن! ما أفلاذ كبدها؟ قال: أساطين ذهب وفضة. فمن يومئذ لا ينتفع بذهب ولا فضة إلى يوم القيامة".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني بأسانيد، وفيه مجالد، وقد وثق، وفيه خلاف، وبقية رجال إحدى الطرق ثقات".
باب
ما جاء في ذهاب ماء الفرات
عن قيس بن أبي حازم؛ قال: "خرج حذيفة بظهر الكوفة، ومعه رجل، فالتفت إلى جانب الفرات، فقال لصاحبه: كيف أنتم يوم تراهم يخرجون أو يخرجون منها؛ لا يذوقون منها قطرة؟ ! قال رجل: وتظن ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: ما أظنه، ولكن أعلمه".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه ابن أبي شيبة بنحوه، وقال فيه: " ما أظنه، ولكن أستيقنه".
وتقدم قريبًا حديث ابن مسعود ﵁: "يوشك أن تطلبوا في قراكم هذه طستًا من ماء؛ فلا تجدونه، ينزوي كل ماء إلى عنصره، فيكون في الشام بقية المؤمنين والماء".
رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
[ ٢ / ١٨٩ ]
باب ما جاء في ذهاب ماء الفرات
وهذا الأثر والذي قبله لهما حكم المرفوع؛ لأن الأمور الغيبية لا مجال للرأي فيها، وإنما تقال عن توقيف.
باب
ما جاء أن أرض العرب تعود مروجًا وأنهارًا
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله؛ فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وفي رواية لأحمد: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق، وحتى يكثر الهرج. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل» .
قال النووي في قوله: "حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا": "معناه: أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به".
قلت: وفي هذا التأويل نظر؛ لأن أرض العرب أرض قاحلة لا أنهار فيها، وإنما تسقى نخيلها وزروعها من مياه الآبار، ولو تركت وأعرض عنها وبقيت مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياه الآبار؛ لبقيت قاحلة يابسة.
والصحيح أن هذه إشارة إلى ما ابتدئ فيه الآن من حفر الآبار الارتوازية التي ينبع الماء منها بكثرة، وإلى عمل السدود التي تحبس مياه السيول، فتكون أنهارًا تجري إلى الأراضي الطيبة، فتكون مزارع ومروجًا للدواب.
[ ٢ / ١٩٠ ]
باب ما جاء أن أرض العرب تعود مروجا وأنهارا
و(المروج): جمع مرج. قال ابن الأثير: " (المرج): الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تمرج فيه الدواب؛ أي: تخلى تسرح مختلطة كيف شاءت". انتهى.
وقد ظهر مصداق ما أخبر به رسول الله ﷺ في أرض العرب بما ظهر فيها الآن من الآبار الارتوازية، وسيتم ذلك فيما بعد، فتكون مروجًا وأنهارًا؛ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.
باب
ما جاء في الإقبال على الحرث
عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ترجعوا حراثين» الحديث.
رواه الطبراني. وقد تقدم في باب ما جاء في تزوج النبطيات على المعيشة.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» .
رواه أبو داود بهذا اللفظ، وتقدم في (باب ما جاء في ترك الجهاد) .
باب
ما جاء في فيضان المال والاستغناء عن الصدقة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يتقارب الزمان، ويفيض المال، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج". قالوا: وما الهرج يا رسول»
[ ٢ / ١٩١ ]
باب ما جاء في فيضان المال والاستغناء عن الصدقة
«الله؟ قال: "القتل، القتل» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن حارثة بن وهب ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «تصدقوا؛ فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته؛ فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس؛ لقبلتها، فأما اليوم؛ فلا حاجة لي بها» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والنسائي.
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به؛ من قلة الرجال وكثرة النساء» .
رواه الشيخان.
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: «كنت عند رسول الله ﷺ، فجاءه رجلان: أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله ﷺ: "أما قطع السبيل؛ فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة؛ فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه» .
رواه البخاري.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: «"هل تعلم مكان»
[ ٢ / ١٩٢ ]
«الحيرة؟ ". قال: قد سمعت بها ولم آتها. قال: "لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار، حتى تطوف بالكعبة، ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز أن تفتح". قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ ! قال: " كسرى بن هرمز ". قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ ! قال: " كسرى بن هرمز "؛ ثلاث مرات، "وليوشكن أن يبتغي من يقبل ماله منه صدقة؛ فلا يجد» . قال: فلقد رأيت ثنتين: قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، وكنت في الخيل التي أغارت على المدائن، وايم الله؛ لتكونن الثالثة؛ إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه.
رواه الإمام أحمد. ورواه أيضًا بنحوه وفيه: «وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد» . ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "يوشك الرجل يشق عليه أن يؤدي زكاة ماله".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن يسير بن جابر: أن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة".
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم؛ في حديث طويل تقدم ذكره في (باب ما جاء في الملحمة الكبرى) .
باب
ما جاء في تقارب الزمان والأسواق
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج". قيل: يا»
[ ٢ / ١٩٣ ]
باب ما جاء في تقارب الزمان والأسواق
«رسول الله! أيما هو؟ قال: "القتل، القتل» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجه.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج". قيل: وما الهرج؟ قال: "القتل» .
رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات. وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، وزاد فيه: "ويقبض العلم".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة» .
رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، وعنده في آخره: «كاحتراق السعفة أو الخوصة» .
وعن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، وتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وقد اختلف العلماء في معنى قوله: "يتقارب الزمان"، وفي ذلك أقوال كثيرة، ذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" جملة منها.
وزعم أبو عبية في تعليقه على "النهاية" في (صفحة ٢١٣): أن ذلك كناية عن نزع البركة من الوقت، حتى يبقى الانتفاع به وثمرة العمل فيه أقل مما يحصل في الأيام العادية التي لم تنزع بركتها. انتهى.
[ ٢ / ١٩٤ ]
والظاهر - والله أعلم بمراد رسوله ﷺ - أن ذلك إشارة إلى ما حدث في زماننا من المراكب الأرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت كل بعيد، والمعنى على هذا: يتقارب أهل الزمان؛ كقوله تعالى إخبارًا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لأبيهم: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾؛ يعني: واسأل أهل القرية وأصحاب العير. وكقوله ﷺ: «أيما قرية عصت الله ورسوله؛ فإن خمسها لله ولرسوله» ونظائر ذلك كثيرة جدًا في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ولغة العرب، ولولا خشية الإطالة؛ لذكرت من ذلك أمثلة كثيرة.
وحديث أنس والحديث قبله ينطبقان على سير المراكب الأرضية في هذه الأزمان؛ فإنها تقطع مسافة السنة في شهر فأقل، ومسافة الشهر في جمعة فأقل، ومسافة الجمعة في يوم فأقل، ومسافة اليوم في ساعة فأقل، ومسافة الساعة في مثل احتراق السعفة، وبعضها أسرع من ذلك بكثير، وأعظم من ذلك المراكب الجوية؛ فإنها هي التي قربت البعيد غاية التقريب؛ بحيث صارت مسافة السنة تقطع في يوم وليلة أو أقل من ذلك، وأعظم من ذلك الآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات؛ كالإذاعات، والتلفونات الهوائية؛ فإنها قد بهرت العقول في تقريب الأبعاد؛ بحيث كان الذي في أقصى المشرق يخاطب من في أقصى المغرب كما يخاطب الرجل جليسه، وبحيث كان الجالس عند الراديو يسمع كلام من في أقصى المشرق ومن في أقصى المغرب ومن في أقصى الجنوب ومن في أقصى الشمال وغير ذلك من أرجاء الأرض في دقيقة واحدة؛ كأن الجميع حاضرون عنده في مجلسه. فالمراكب الأرضية والجوية قربت الأبعاد من ناحية السير، والآلات الكهربائية قربت الأبعاد من ناحية التخاطب وسماع الأصوات، فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم.
وأما تقارب الأسواق؛ فقد جاء تفسيره في حديث ضعيف بأنه كسادها وقلة أرباحها.
[ ٢ / ١٩٥ ]
والظاهر - والله أعلم - أن ذلك إشارة إلى ما وقع في زماننا من تقارب أهل الأرض بسبب المراكب الجوية والأرضية والآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات؛ كالإذاعات والتلفونات، والتي تنقل الكتابة؛ كالفاكس والتلكس، وغيرها من الآلات الحديثة التي صارت أسواق الأرض متقاربة بسببها، فلا يكون تغيير في الأسعار في قطر من الأقطار؛ إلا ويعلم به التجار أو غالبهم في جميع أرجاء الأرض، فيزيدون في السعر إن زاد، وينقصون إن نقص، ويذهب التاجر في السيارات إلى أسواق المدائن التي تبعد عنه مسيرة أيام، فيقضي حاجته منها، ثم يرجع في يوم أو بعض يوم، ويذهب في الطائرات إلى أسواق المدن التي تبعد عنه مسيرة شهر فأكثر، فيقضي حاجته منها، ويرجع في يوم أو بعض يوم؛ فقد تقاربت الأسواق من ثلاثة أوجه:
الأول: سرعة العلم بما يكون فيها من زيادة السعر ونقصانه.
والثاني: سرعة السير من سوق إلى سوق، ولو كانت بعيدة عنها.
والثالث: مقاربة بعضها بعضًا في الأسعار، واقتداء بعض أهلها ببعض في الزيادة والنقصان، والله أعلم.
باب
ما جاء في ترك السفر على الإبل
عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «والله؛ لينزلن ابن مريم حكمًا عادلًا؛ فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص؛ فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال؛ فلا يقبله أحد» .
[ ٢ / ١٩٦ ]
باب ما جاء في ترك السفر على الإبل
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة".
(القلاص): جمع قلوص. قال الجوهري: " (القلوص) من النوق: الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء ". وقال العدوي: " (القلوص): أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني، فإذا أثنت؛ فهي ناقة، والقعود أول ما يركب من ذكور الإبل إلى أن يثني، فإذا أثنى؛ فهو جمل، وربما سموا الناقة الطويلة القوائم قلوصًا". وقال صاحب "القاموس": " (القلوص) من الإبل: الشابة، أو الباقية على السير، خاص بالإناث ". وقال مرتضى الحسيني في "تاج العروس": "قال ابن دريد: هو خاص بالإناث، ولا يقال للذكور: قلوص".
وقد اختلف في معنى ترك السعي على القلاص: فقال النووي: "معناه أن يزهد فيها، ولا يرغب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلة الآمال، وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة، وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، ومعنى: "لا يسعى عليها": لا يعتنى بها؛ أي: يتساهل أهلها فيها، ولا يعتنون بها. هذا هو الظاهر. وقال القاضي عياض وصاحب "المطالع": معنى: "لا يسعى عليها"؛ أي: لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها".
قلت: وهكذا قال ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب": "إن معنى "لا يسعى عليها"؛ أي: لا يخرج ساع إلى زكاة؛ لقلة حاجة الناس إلى المال، واستغنائهم عنه".
قال النووي: "وهذا باطل من وجوه كثيرة".
قلت: بل هو أقوى وأظهر من قول النووي، ويؤيده ما رواه ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر الدجال ونزول عيسى
[ ٢ / ١٩٧ ]
﵊، وفيه: قال رسول الله ﷺ: «فيكون عيسى ابن مريم ﵊ في أمتي حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا؛ يدق الصليب، ويذبح الخنزير ويضع الجزية، ويترك الصدقة؛ فلا يسعى على شاة ولا بعير» الحديث.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: "وتترك القلاص؛ فلا يسعى عليها"؛ أي: يترك ركوبها في الأسفار والحمل عليها، وهذا أقوى وأظهر مما قبله، وهو مطابق للواقع في زماننا؛ حيث إنه قد ترك الركوب على الإبل بسبب المراكب الجوية والأرضية، حتى إن الأعراب الذين هم أهل الظعن على الإبل والمعروفون بكثرة الأسفار عليها قد تركوا ركوبها والسفر عليها بالكلية، ولو كان المراد به الزهد فيها وعدم الرغبة في اقتنائها، أو كان المراد به عدم الطلب لزكاتها؛ لما خص القلاص بترك السعي عليها دون غيرها من بهيمة الأنعام.
ويحتمل أن يكون كل من الأمرين مرادًا في الحديث؛ أعني: ترك ركوبها والحمل عليها، وترك السعي عليها للصدقة، وقد وقع الأمر الأول في زماننا، وسيقع الأمر الثاني إذا نزل عيسى ﵊. والله أعلم.
باب
ما جاء في الأمور العظام بين يدي الساعة
«عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قام على المنبر، فذكر الساعة وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن حبان في "صحيحه"؛ بإسناد مسلم.
[ ٢ / ١٩٨ ]
باب ما جاء في الأمور العظام بين يدي الساعة
وعن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بعد صلاة الكسوف: «وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الدجال (فذكر الحديث في شأن الدجال، ونزول عيسى، وإهلاك الدجال وجنوده، ثم قال: (ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورًا عظامًا يتفاقم شأنها أنفسكم، وتساءلون بينكم: هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرًا؟ حتى تزول جبال عن مراتبها» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تروا أمورًا عظامًا لم تكونوا ترونها ولا تحدثون بها أنفسكم» .
رواه: ابن وضاح، والطبراني، وفيه عفير بن معدان، وهو ضعيف، والحديث قبله يشهد له ويقويه.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سترون قبل أن تقوم الساعة أشياء تستنكرونها عظامًا، تقولون: هل كنا حدثنا بهذا؟ ! فإذا رأيتم ذلك؛ فاذكروا الله تعالى، واعلموا أنها أوائل الساعة» .
رواه: الطبراني، والبزار. قال الهيثمي: "وإسناده ضعيف، وفليه من لم أعرفهم".
قلت: والحديث الأول يشهد له ويقويه.
وفي هذه الأحاديث إشارة إلى ما حدث في هذه الأزمان من المراكب الجوية والبرية والبحرية، والآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات، والتي
[ ٢ / ١٩٩ ]
تسجلها وتحفظها، والتي تنقل صور المتكلمين مع كلامهم، وغيرها من المخترعات العجيبة التي لم تكن تخطر ببال أحد فيما مضى.
وقد تفاقم شأن هذه المخترعات في أنفس الناس حين رأوها، وكثر تساؤلهم: هل كان النبي ﷺ ذكرها أو أشار إليها؟ !.
والجواب أن يقال: نعم؛ قد أشار إليها على طريق الإجمال في هذه الأحاديث التي ذكرنا في هذا الباب.
وأشار أيضًا إلى المراكب الجوية والبرية والبحرية والآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات بقوله ﷺ: «يتقارب الزمان» الحديث، وقد تقدم قريبًا. وأشار أيضًا إلى المراكب الجوية والبرية بقوله ﷺ: «ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها» . وقد تقدم قريبًا.
وأشار إلى المراكب البرية بقوله ﷺ: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات»، وفي رواية: «سيكون في أمتي رجال يركبون نساءهم على سروج كأشباه الرحال» . وفي رواية: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم» الحديث، وقد تقدم في (باب الإخبار عن الكاسيات العاريات) .
وأشار أيضًا إلى المراكب الجوية والبرية والبحرية في حديث فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁؛ قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فجهد الظهر جهدًا شديدًا، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما بظهرهم من الجهد، فتحين رسول الله ﷺ مضيقًا سار الناس فيه وهو يقول: "مروا باسم الله". فمر الناس عليه بظهرهم، فجعل ينفخ بظهرهم وهو يقول: "اللهم احمل عليها في سبيلك؛ فإنك تحمل على القوي والضعيف، والرطب واليابس، في البر»
[ ٢ / ٢٠٠ ]
«والبحر» . قال فضالة: فما بلغنا المدينة؛ حتى جعلت تنازعنا أزمتها، فقلت: هذه دعوة رسول الله ﷺ في القوي والضعيف؛ فما بال الرطب واليابس؟ فلما قدمنا الشام؛ غزونا غزوة قبرس في البحر، فلما رأيت السفن في البحر وما يدخل فيها؛ عرفت دعوة النبي ﷺ.
رواه: الإمام أحمد ورواته ثقات، وابن حبان في "صحيحه".
والمراد بـ (الرطب): الإبل والخيل والبغال والحمير، والمراد بـ (اليابس): المراكب البحرية والبرية والجوية. والله أعلم.
وإذا علم ما ذكرنا؛ فالإجمال في هذه الأحاديث قد صار كالتفصيل عند من أدرك ذلك وشاهده وكان له أدنى علم ومعرفة.
ولعل النبي ﷺ إنما ترك التفصيل خشية أن يفتتن بسببه من لم يرسخ الإيمان في قلبه؛ كما وقع ذلك في قصة الإسراء، لما أخبرهم النبي ﷺ أنه أسري به إلى بيت المقدس ورجع في ليلته، فأنكر ذلك المشركون، وارتد ناس ممن آمن به وصدقه! وهو ﷺ إنما أخبرهم عن أمر خارق للعادة.
وإذا كان المشركون قد أنكروا الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس في ليلة واحدة؛ فكيف لو أخبرهم أن بني آدم يصنعون في آخر الزمان مراكب من حديد تسير بهم في البر، وتحمل التجارة والأثقال العظيمة، ويصنعون مراكب من حديد تطير بهم في الهواء، وتحمل الجماعة الكثيرة من الناس وما معهم من الأمتعة، وتذهب من الحجاز إلى الشام وترجع في ساعتين فأقل، وأن أهل الشام ومصر والعراق والهند وغيرها من الأقطار البعيدة يسافرون من ديارهم للحج في يوم عرفة، فيدركون الوقوف مع الناس بعرفة، وكذلك لو أخبرهم أن أهل الأرض يتخاطبون بواسطة آلات يتخذونها كما يتخاطب أهل البيت الواحد، فيكلم الذي في أقصى المشرق من كان في أقصى المغرب كما يكلم الجالس عنده
[ ٢ / ٢٠١ ]
وبالعكس، ويستمع الإنسان إلى الألسن المختلفة في مشارق الأرض ومغاربها وهو جالس في مجلسه ونحو ذلك مما لا تحتمله أكثر العقول البشرية دون أن ترى ذلك عيانًا وتقف على حقيقته؟ .
فلو وقع الإخبار بذلك مفصلًا؛ لم تؤمن الفتنة على أهل الإيمان الضعيف، فكان من حكمة الشارع الحكيم أن أخبر بذلك مجملًا بما أغنى من شاهده عن التفصيل. والله أعلم.
باب
ما جاء في رفع الإلفة
عن عمير بن إسحاق؛ قال: "كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس الإلفة".
رواه البخاري في "الأدب المفرد".
باب
ما جاء في إخوان العلانية أعداء السريرة
عن معاذ بن جبل ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان أقوام إخوان العلانية أعداء السريرة". فقيل: يا رسول الله! وكيف يكون ذلك؟ قال: "ذلك برغبة بعضهم إلى بعض ورهبة بعضهم من بعض» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن محمد بن سوقة؛ قال: "أتيت نعيم بن أبي هند، فأخرج إلي صحيفة؛ فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن
[ ٢ / ٢٠٢ ]
باب ما جاء في إخوان العلانية أعداء السريرة
الخطاب: سلام عليك (فذكر الكتاب، وفيه:) وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة في آخر زمانها سيرجع إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة (ثم ذكر جواب عمر ﵁ لهما، وفيه:) وكتبتما تحذراني أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذلك، وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة بعض الناس إلى بعض لصلاح دنياهم".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات إلى هذه الصحيفة".
قلت: ورواه أبو نعيم في "الحلية" بمثله.
وعن حذيفة ﵁؛ مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى تناكر القلوب، وتختلق الأقاويل، وتختلف الإخوان من الأب والأم في الدين» .
رواه الديلمي.
وعن سلمان الفارسي ﵁: أنه قال: "إذا ظهر العلم (وفي رواية: القول) وخزن العمل، وائتلفت الألسن واختلفت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه؛ فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم".
رواه: الإمام أحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم؛ موقوفًا على سلمان ﵁. ورواه: ابن وضاح، والحسن بن سفيان، وأبو نعيم، وغيرهم؛ مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
وعن الحسن مرسلًا: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام؛ لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم» .
رواه ابن أبي الدنيا.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
باب
ما جاء في التباغض والتلاعن وظهور العداوة
عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري؛ قال: "قال لي أبو الدرداء ﵁: كيف ترى الناس؟ قلت: بخير؛ إن دعوتهم واحدة، وإمامهم واحد، وعدوهم منفي، وأعطياتهم وأرزاقهم دارة. قال: فكيف إذا تباغضت قلوبهم، وتلاعنت ألسنتهم، وظهرت عداوتهم، وفسدت ذات بينهم، وضرب بعضهم رقاب بعض؟ ! ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن معاذ بن جبل ﵁: أنه قال: "إذا رأيتم الدم يسفك بغير حقه، والمال يعطى على الكذب، وظهر الشك والتلاعن، وكانت الردة؛ فمن استطاع أن يموت؛ فليمت".
رواه نعيم بن حماد "الفتن".
وعنه ﵁: أنه قال: "خمس أظلتكم؛ من أدرك منهن شيئًا، ثم استطاع أن يموت؛ فليمت: أن يظهر التلاعن على المنابر، ويعطى مال الله على الكذب والبهتان وسفك الدماء بغير حق، وتقطع الأرحام، ويصبح العبد لا يدري أضال هو أم مهتد".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "أما إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاء وفتنة، ولن يزداد الأمر إلا شدة، ولن تروا من الأئمة إلا غلظة، ولن تروا أمرًا يهولكم
[ ٢ / ٢٠٤ ]
ويشتد عليكم إلا حقره بعده ما هو أشد منه".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا عملت أمتي خمسًا؛ فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، واكتفى الرجال بالرجال والسناء بالنساء» .
رواه: البيهقي، وأبو نعيم في "الحلية". وقد رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عباد بن كثير الرملي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة".
باب
ما جاء في كثرة الكذب وتزيين الحديث به
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب» الحديث.
رواه الإمام أحمد بإسناد جيد، وقد تقدم ذكره قريبًا.
وعن كعب الأحبار مرسلًا: أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي في آخر الزمان أصحاب الألواح؛ يزينون الحديث بالكذب تزيين الذهب بالجوهر» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن وضاح من طريقه. وقد تقدم في الباب قبله حديث معاذ بن جبل ﵁، وفيه: "ويعطى مال الله على الكذب والبهتان".
رواه الحاكم.
وقد ظهر مصداق هذه الأحاديث كما لا يخفى على من له أدنى علم
[ ٢ / ٢٠٥ ]
باب ما جاء في كثرة الكذب وتزيين الحديث به
ومعرفة؛ فقد كثر الكذب في الناس، وخف على ألسنتهم، وكثرت الروايات والقصص المكذوبة، وزينت الكتب الملهية بذلك، واعتمد أكثر التجار في ترويج بضائعهم على الدعايات المكذوبة، وكذلك أهل الصناعات والأعمال إنما عمدتهم في ترويج صناعاتهم وأعمالهم على الدعايات المكذوبة.
وقد روى الحاكم في "مستدركه" عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "إذا كثر الكذب؛ كثر الهرج".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
الإخبار عن الظلمة وأعوانهم
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وقد تقدم في (باب الإخبار عن الكاسيات العاريات) .
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طالت بك حياة؛ يوشك أن ترى أقوامًا؛ يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يكون في هذه»
[ ٢ / ٢٠٦ ]
باب الإخبار عن الظلمة وأعوانهم
«الأمة في آخر الزمان رجال (أو قال: يخرج رجال من هذه الأمة في آخر الزمان) معهم سياط كأنها أذناب البقر؛ يغدون في سخط الله، ويروحون في غضبه» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال الهيثمي: "رجال أحمد ثقات".
وفي رواية للطبراني في "الكبير": «سيكون في آخر الزمان شرطة؛ يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله؛ فإياك أن تكون من بطانتهم» .
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: قد رأينا من كل شيء قاله لنا رسول الله ﷺ؛ غير أنه قال: «يقال لرجال يوم القيامة: اطرحوا سياطكم وادخلوا جهنم» .
رواه: البزار، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "يكون أمراء يعذبونكم ويعذبهم الله ".
رواه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
التخيير بين العجز والفجور
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم زمان يخير فيه الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمان؛ فليختر»
[ ٢ / ٢٠٧ ]
باب التخيير بين العجز والفجور
«العجز على الفجور» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في ذهاب الأخيار وبقاء الأشرار
عن مرداس الأسلمي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري. وفي رواية للبخاري موقوفة: لا يعبأ الله بهم شيئًا.
قال البخاري رحمه الله تعالى: "يقال: حفالة وحثالة "؛ يعني: أنهما بمعنى واحد. وقال الخطابي: " (الحثالة)؛ بالفاء وبالمثلثة: الرديء من كل شيء، وقيل: آخر ما يبقى من الشعير والتمر وأردأه". وقال ابن التين: " (الحثالة): سقط الناس، وأصلها ما يتساقط من قشور التمر والشعير وغيرهما". وقال الداودي: "ما يسقط من الشعير عند الغربلة، ويبقى من التمر بعد الأكل".
وقال ابن الأثير: "وتبقى حفالة كحفالة التمر؛ أي: رذالة من الناس كرديء التمر ونفايته". انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وجدت لهذا الحديث شاهدًا من رواية الفزارية امرأة عمر؛ بلفظ: "تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر، ينزو بعضهم على بعض نزو المعز". أخرجه أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر"، وليس فيه تصريح برفعه، لكن له حكم المرفوع". انتهى.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
باب ما جاء في ذهاب الأخيار وبقاء الأشرار
وقوله: "لا يباليهم الله بالة"؛ معناه: لا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا. قاله الخطابي وابن الأثير. قال الخطابي: "يقال: باليت بفلان وما باليت به مبالاة وبالية وبالة". وقال ابن الأثير: "أصل بالة: بالية؛ مثل: عافاه الله عافية، فحذفوا الياء منها تخفيفًا؛ يقال: ما باليته وما باليت به؛ أي: لم أكترث به". انتهى.
قلت: وهذا هو معنى قوله في الرواية الأخرى: «لا يعبأ الله بهم شيئًا» .
وعن المستورد بن شداد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة التمر، لا يبالي الله بهم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن رويفع بن ثابت الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا مثل هذا، وأشار إلى حشف التمر» .
رواه: البخاري في "التاريخ"، والطبراني في "الكبير)، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال: «قرب لرسول الله ﷺ تمر ورطب، فأكلوا منه، حتى لم يبق منه شيء إلا نواة، فقال رسول الله ﷺ: "أتدرون ما هذا؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا مثل هذا» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لتنتقن كما»
[ ٢ / ٢٠٩ ]
«ينتقى التمر من الجفنة، فليذهبن خياركم، وليبقين شراركم، حتى لا يبقى إلا من لا يعبأ الله بهم، فموتوا إن استطعتم» .
رواه: البخاري في "الكنى "، وابن ماجه، والحاكم، وهذا لفظه، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" مختصرًا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «تنقون كما ينقى التمر حثالته» .
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "يذهب الصالحون أسلافًا، ويبقى أهل الريب ممن لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا".
رواه أبو نعيم وغيره، وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف.
وقال الإمام أحمد في كتاب الصلاة: جاء الحديث: «ترذلون في كل يوم وقد أسرع بخياركم» .
ورواه البخاري في "الأدب المفرد" موصولًا عن الحسن من قوله.
باب
ما جاء في الذين قد مرجت عهودهم وأماناتهم
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «"كيف بكم وبزمان (أو: يوشك أن يأتي زمان) يغربل الناس فيه غربلة، تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه)؟ ! ". فقالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: "تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر»
[ ٢ / ٢١٠ ]
باب ما جاء في الذين قد مرجت عهودهم وأماناتهم
«عامتكم"» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لأحمد وأبي داود والنسائي والحاكم عنه ﵁؛ قال: «بينما نحن حول رسول الله ﷺ؛ إذ ذكر الفتنة، فقال: "إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه) ". قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: "الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس؟ ! ". قال: وذاك ما هو يا رسول الله؟ قال: "ذاك إذا مرجت عهودهم وأمانتهم وصاروا هكذا (وشبك بين أصابعه) ". قال: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: " تعمل بما تعرف، وتدع ما تنكر، وتعمل بخاصة نفسك، وتدع عوام الناس» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط" بإسنادين. قال الهيثمي: "رجال أحدهما رجال الصحيح".
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁؛ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس فيه عمرو بن العاص وابناه، فقال: "كيف ترون إذا أخرتم إلى زمان حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم ونذورهم، فاشتبكوا وكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه)؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "تأخذون ما تعرفون،»
[ ٢ / ٢١١ ]
«وتدعون ما تنكرون، ويقبل أحدكم على خاصة نفسه، ويذر أمر العامة» .
رواه الطبراني بإسنادين. قال الهيثمي: "رجال أحدهما ثقات".
وعن عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"كيف أنت إذا كنت في حثالة من الناس واختلفوا حتى كانوا هكذا (وشبك بين أصابعه)؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: "خذ ما تعرف، ودع ما تنكر» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه، وزياد بن عبد الله وثقه ابن حبان وضعفه جماعة".
قلت: وما تقدم يشهد له ويقويه.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس مرجت عهودهم وخربت أمانتهم ". فقال قائل: فكيف بنا يا رسول الله؟ قال: "تعملون بما تعرفون، وتتركون ما تنكرون، وتقولون: أحد! أحد! انصرنا على من ظلمنا، واكفنا من بغانا» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
قلت: وما تقدم يشهد له ويقويه.
باب
ما جاء في كثرة القتل والتهاون بالدم
قد تقدم في ذلك عدة أحاديث:
منها حديث حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة (فذكر الخصال، ومنها:) واستخفوا بالدماء» .
[ ٢ / ٢١٢ ]
باب ما جاء في كثرة القتل والتهاون بالدم
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم بطوله في الباب الثاني من أشراط الساعة.
ومنها حديث أبي موسى ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الساعة وأنا شاهد، فقال: " لا يعلمها إلا الله، ولا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأحدثكم بمشاريطها وما بين يديها، ألا إن بين يديها فتنة وهرجًا". فقيل: يا رسول الله! أما الفتن؛ فقد عرفناها، فما الهرج؟ قال: "بلسان الحبشة: القتل» .
رواه الطبراني.
ومنها حديث أبي موسى أيضًا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"لا تقوم الساعة حتى يكون القرآن عارًا (الحديث، وفيه:) ويكثر الهرج ". قالوا: ما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل» .
رواه: ابن أبي الدنيا، والطبراني.
ومنها حديث ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من علامات البلاء وأشراط الساعة: أن تعزب العقول، وتنقص الأحلام، ويكثر القتل» الحديث.
رواه الطبراني.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج ". قيل: وما الهرج؟ قال: "القتل» .
رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ. ورواه: الشيخان، وأبو داود، وابن ماجه؛ بنحوه.
[ ٢ / ٢١٣ ]
ومنها حديث أبي هريرة أيضًا ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «"ويل للعرب من شر قد اقترب؛ ينقص العلم، ويكثر الهرج ". قلت: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: "القتل"» .
رواه الإمام أحمد.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق، وحتى يكثر الهرج ". قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل» .
رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ، وروى مسلم بعضه.
ومنها حديث عبد الله بن مسعود وأبي موسى ﵄ عن النبي ﷺ: أنه قال: «إن بين يدي الساعة لأيامًا؛ ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان. ورواه ابن ماجه عن كل منهما على حدته. ورواه أبو داود الطيالسي من حديث ابن مسعود وحده. ورواه الترمذي من حديث أبي موسى وحده، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وزاد أحمد والبخاري في رواية لهما: "قال أبو موسى: والهرج: القتل بلسان الحبشة". وقد جاء هذا التفسير مرفوعًا من حديث أبي موسى كما تقدم ومن حديث حذيفة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"سيأتي على أمتي زمان؛ يكثر فيه القراء، ويقل الفقهاء، ويقبض العلم، ويكثر الهرج". قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل بينكم» .
[ ٢ / ٢١٤ ]
رواه الطبراني.
ومنها حديث عابس الغفاري ﵁: «أنه سمع النبي ﷺ يتخوف على أمته ست خصال (فذكرها، ومنها:) الاستخفاف بالدم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، والبخاري في "التاريخ الكبير"، والبزار، والطبراني.
ومنها حديث عوف بن مالك، وحديث الحكم بن عمرو الغفاري، وحديث أبي هريرة؛ ﵃؛ في التخوف من الست خصال المذكورة في حديث عابس ﵁، ومنها سفك الدماء.
ومنها حديث معاذ بن جبل ﵁: أنه قال: "خمس أظلتكم (فذكر الحديث، وفيه:)، وسفك الدماء بغير حق".
رواه الحاكم، وصححه وقال: "على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي على ذلك.
ومنها حديث وابصة بن معبد ﵁ عن ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"تكون فتنة؛ النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، والراكب خير من المجري، قتلاها كلها في النار". قال: قلت: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: "ذلك أيام الهرج". قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: "حين لا يأمن الرجل جليسه". قال: قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: "اكفف نفسك ويدك، وادخل دارك". قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن دخل رجل علي داري؟ قال: "فادخل بيتك". قال: قلت: أفرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: "فادخل مسجدك، واصنع هكذا (وقبض بيمينه على الكوع)، وقل: ربي الله! حتى»
[ ٢ / ٢١٥ ]
«تموت على ذلك» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك.
وقد رواه أبو داود مختصرًا، وزاد: «"فلما قتل عثمان؛ طار قلبي مطاره، فركبت حتى أتيت دمشق، فلقيت خريم بن فاتك، فحدثته، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لسمعه من رسول الله ﷺ كما حدثنيه ابن مسعود» .
ومنها حديث خالد بن الوليد ﵁: "أنه قيل له: إن الفتن قد ظهرت. فقال: وابن الخطاب حي! إنما تكون بعده، والناس بذي بليان وذي بليان، فينظر الرجل، فيفكر هل يجد مكانًا لم ينزل فيه مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر، فلا يجد، وتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة أيام الهرج، فنعوذ بالله أن تدركنا وإياكم تلك الأيام ".
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه في (باب أمان الناس من الفتن في حياة عمر ﵁) .
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «"لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج". قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل، القتل» .
رواه مسلم.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الساعة؟ فقال: "علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن أخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجًا". قالوا: يا رسول الله! الفتنة قد عرفناها، فالهرج ما هو؟ قال: "بلسان الحبشة القتل، ويلقى بين الناس التناكر، فلا يكاد أحد أن يعرف أحدًا» .
رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وعن أبي موسى ﵁؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يحدثنا: "أن بين يدي الساعة الهرج". قيل: وما الهرج؟ قال: "الكذب والقتل". قالوا: أكثر مما نقتل الآن؟ قال: "إنه ليس بقتلكم الكفار، ولكنه قتل بعضكم بعضا، حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه". قالوا: سبحان الله! ومعنا عقولنا؟ قال: " لا، ألا إنه ينزع عقول أهل ذاك الزمان، حتى يحسب أحدكم أنه على شيء وليس على شيء» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، ورواتهما ثقات، وهذا اللفظ لأحمد.
ولفظ ابن ماجه: قال أبو موسى ﵁: «حدثنا رسول الله ﷺ: "إن بين يدي الساعة لهرجًا". قال: قلت: يا رسول الله! ما الهرج؟ قال: "القتل". فقال بعض المسلمين: يا رسول الله! إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا! فقال رسول الله ﷺ: "ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضًا، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته". فقال بعض القوم: يا رسول الله! ومعنا عقولنا ذلك اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا؛ تنزع عقول أكثر ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم» .
ورواه الحاكم بنحوه، وفي إسناده ضعف. ورواه أيضًا بنحوه موقوفًا على أبي موسى، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"؛ مرفوعًا؛ بنحو رواية الإمام أحمد، وزادا بعد قوله: «"ولكن يقتل بعضكم بعضًا حتى يقتل الرجل جاره وأخاه وابن عمه": "فأبلس القوم حتى ما يبدي الرجل منا عن واضحة، فقلنا: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: تنزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان، ويخلف لها هباء من الناس، يحسب أحدهم أنهم على شيء وليسوا على شيء» .
[ ٢ / ٢١٧ ]
ورواه نعيم بن حماد أيضًا موقوفًا على أبي موسى: أنه قال: "ليكونن بين أهل الإسلام بين يدي الساعة الهرج والقتل، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وأباه وأخاه، وايم الله لقد خشيت أن يدركني وإياكم".
قال ابن الأثير: " (الهباء) في الأصل: ما ارتفع من تحت سنابك الخيل، والشيء المنبث الذي تراه في ضوء الشمس ". انتهى.
وإنما شبه أهل الهرج بالهباء؛ لأنهم ليسوا بشيء، وليسوا على شيء، فأشبهوا الهباء المنبث الذي يرى ولا حاصل له. وعن مسروق؛ قال: "قدمنا على عمر، فقال: كيف عيشكم؟ قلنا: أخصب قوم من قوم يخافون الدجال. قال: ما قبل الدجال أخوف عليكم: الهرج. قلت: وما الهرج؟ قال: القتل، حتى إن الرجل ليقتل أباه".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده؛ ليأتين على الناس زمان؛ لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل» .
رواه مسلم.
وقد رواه ابن أبي شيبة موقوفًا، ولفظه: قال: تقتتل هذه الأمة؛ حتى يقتل القاتل لا يدري على أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل.
وفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ: «"والذي نفسي بيده؛ لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم؛ لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيم قتل ". فقيل: كيف يكون ذلك؟ ! قال: "الهرج، القاتل والمقتول في النار» .
[ ٢ / ٢١٨ ]
وعنه ﵁: أنه قال: «والله؛ لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، والله؛ ليقعن القتل والموت في هذا الحي من قريش، حتى يأتي الرجل الكناسة، فيجد بها النعل، فيقول: كأنها نعل قرشي» .
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "إذا فشا الكذب؛ كثر الهرج".
وراه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
ما جاء في قتل العلماء
عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان يقتل فيه العلماء كما تقتل الكلاب، فيا ليت العلماء في ذلك الزمان تحامقوا!» .
وراه الديلمي.
باب
ما جاء في تمني الموت وغبطة الأحياء للأموات
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه!» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان. زاد أحمد في رواية له: «ما به حب لقاء الله ﷿» .
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده؛ لا تذهب»
[ ٢ / ٢١٩ ]
باب ما جاء في تمني الموت وغبطة الأحياء للأموات
«الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر! وليس به الدين إلا البلاء» .
رواه: مسلم، وابن ماجه.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، يوشك أحدكم أن يسعى إلى قبر أخيه أو قبر رحمه، فيقول: يا ليتني مكانك ولا أعاين ما أعاين!» .
رواه الخطيب البغدادي في "تاريخه".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "يأتي على الناس زمان؛ يأتي الرجل القبر، فيضطجع عليه، فيقول: يا ليتني مكان صاحبه! ما به حب لقاء الله، ولكن لما يرى من شدة البلاء".
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وله حكم الرفع كنظائره.
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليأتين عليكم زمان تغبطون فيه الرجل بخفة الحاذ كما تغبطونه اليوم بكثرة المال والولد، حتى يمر أحدكم بقبر أخيه، فيتمعك كما تمعك الدابة، ويقول: يا ليتني مكانك! ما به شوق إلى الله، ولا عمل صالح قدمه؛ إلا لما نزل به من البلاء» .
رواه: البزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك".
قلت: فيما قاله الهيثمي نظر؛ فقد ذكر المنذري عن الإمام أحمد وابن حبان أنهما وثقاه. وقال الحافظ ابن رجب: "إنهم لم يتفقوا على ضعفه، بل قال
[ ٢ / ٢٢٠ ]
فيه أبو مسهر، وهو من أهل بلده، وهو أعلم بأهل بلده من غيرهم، قال فيه: ما أعلم فيه إلا خيرًا". وقال ابن عدي: "هو نفسه صالح؛ إلا أن يروي عن ضعيف، فيؤتى من قبل ذلك الضعيف". وقال المنذري: "حسن الترمذي غير ما حديث عن علي بن يزيد عن القاسم ".
قلت: وعلى هذا؛ فحديثه من قبيل الحسن، ولا وجه لما قاله الهيثمي. والله أعلم.
قال ابن الأثير: "الحاذ والحال واحد، والخفيف الحاذ؛ أي: خفيف الظهر من العيال، ومنه الحديث: ليأتين على الناس زمان يغبط فيه الرجل بخفة الحاذ كما يغبط اليوم أبو العشرة، ضربه مثلًا لقلة المال والعيال ".
وكذا قال ابن منظور في "لسان العرب".
وعن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت: "أنه قال: وددت أن أهلي حين تعشوا عشاءهم، واغتبقوا غبوقهم؛ أصبحوا موتى على فرشهم. قيل: يا أبا فلان! ألست على غنى؟ قال: بلى، ولكني سمعت أبا ذر ﵁ يقول: يوشك يا ابن أخي إن عشت إلى قريب أن ترى الرجل يغبط بخفة الحال كما يغبط اليوم أبو العشرة الرجال، ويوشك إن عشت إلى قريب أن ترى الرجل الذي لا يعرفه السلطان ولا يدنيه ولا يكرمه يغبط كما يغبط اليوم الذي يعرفه السلطان ويدنيه ويكرمه، ويوشك يا ابن أخي إن عشت إلى قريب أن يمر بالجنازة في السوق، فيرفع الرجل رأسه، فيقول: يا ليتني على أعوادها! قال: قلت: تدري ما بهم؟ قال: على ما كان؟ قلت: إن ذلك بين يدي أمر عظيم. قال: أجل؛ عظيم عظيم عظيم ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٢ / ٢٢١ ]
وعن أبي ذر أيضًا ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يرى الحي الميت على أعواده، فيقول: يا ليته كان مكان هذا! فيقول له القائل: هل تدري على ما مات؟ فيقول: كائنًا ما كان» .
رواه الديلمي.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل على القبر، فيقول: لوددت أني مكان صاحبه مما يلقى الناس من الفتن» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "ليأتين عليكم زمان يتمنى الرجل فيه الموت من غير فقر".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه قال: "يأتي على الناس زمان يتمنى الرجل ذو الشرف والمال والولد الموت؛ مما يرى من البلاء من ولاتهم".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "ليأتين على الناس زمان الموت فيه أحب إلى أحدهم من الغسل بالماء البارد في اليوم القائظ، ثم لا يموت".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ قال: "عدت أبا هريرة، فسندته إلى صدري، ثم قلت: اللهم اشف أبا هريرة! فقال: اللهم لا ترجعها. ثم قال: إن استطعت يا أبا سلمة أن تموت؛ فمت. فقلت: يا أبا هريرة! إنا لنحب الحياة.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
فقال: والذي نفس أبي هريرة بيده؛ ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، ليأتين أحدكم قبر أخيه، فيقول: ليتني مكانه".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
الحث على كثرة الدعاء في آخر الزمان
عن حذيفة ﵁: أنه قال: "يأتي عليكم زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغرق".
رواه: ابن أبي شيبة، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "تكون فتنة لا ينجي منها إلا دعاء كدعاء الغرق".
رواه ابن أبي شيبة.
باب
ما جاء في خروج الفئام من الدين وعبادتهم الأوثان
عن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها (الحديث، وفيه:) ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح
[ ٢ / ٢٢٣ ]
باب ما جاء في خروج الفئام من الدين وعبادتهم الأوثان
على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وأصله في "صحيح مسلم ".
ورواه البرقاني في "صحيحه"، ولفظه: «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» .
ورواه الترمذي مختصرًا، ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان» .
وقال: "هذا حديث صحيح".
ورواه ابن وضاح، ولفظه: «لن تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد الأوثان» .
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى أوثان يعبدونها من دون الله» .
رواه أبو داو الطيالسي في "مسنده".
وعنه ﵁؛ قال: «تلا رسول الله ﷺ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: "ليخرجن منه أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا» .
رواه الإمام أحمد.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وقد ظهر مصداق هذه الأحاديث، فخرج الناس من دين الله أفواجًا، وعظمت الفتنة بالقبور في مشارق الأرض ومغاربها، واتخذ كثير منها أوثانًا تعبد من دون الله، وعظمت الفتنة أيضًا بالاشتراكية الشيوعية والحكم بالقوانين الوضعية؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة» . وكانت صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وقد وقع الأمر طبق ما أخبر به رسول الله ﷺ في هذا الحديث الصحيح، وعظم افتتان أهل تبالة ومن حولهم من القبائل بذي الخلصة، وأعادوا سيرتها الأولى في الجاهلية، حتى ظهر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فدعا إلى التوحيد، وجدد ما اندرس من معالم الدين، وسعى في محو الشرك ووسائله وما يدعو إليه ويرغب فيه، فبعث إمام المسلمين في ذلك الزمان - وهو عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمة الله تعالى عليه وعلى من كان السبب في إمامته - جماعة من المسلمين إلى ذي الخلصة، فخربوها، وهدموا بعض بنائها، وبقي بعضه قائمًا، وزال الافتنان بها في زمن ولاية النجديين على الحجاز، ولما زالت ولايتهم عن الحجاز؛ عاد الجهال إلى ما كانوا عليه من الافتنان بها، حتى ولي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود على الحجاز وما حوله، فبعث عامله على تلك النواحي جماعة من المسلمين، فهدموا ما بقي من بنائها، ورموا بأنقاضها في الوادي، فعفى بعد ذلك رسمها، وانقطع أثرها، ولله الحمد والمنة، وذلك في سنة ألف وثلاثمائة وأربع وأربعين أو خمس وأربعين من الهجرة.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وقد ذكر بعض الأخباريين عن بعض الذين شاهدوا هدمها في هذه المرة الأخيرة أن بناءها كان قويًا محكمًا، وأن أحجارها كانت ضخمة جدًا؛ بحيث لا يقوى على زحزحة الحجر الواحد أقل من أربعين رجلًا.
فالحمد لله الذي يسر هدمها ومحو أثرها غيرها من الأوثان والأشجار والأحجار، التي قد اتخذت آلهة تعبد من دون الله، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وييسر محو ما سوى ذلك من المعابد الوثنية والمعتقدات الجاهلية التي قد عظم شرها والافتنان بها في أكثر الأقطار الإسلامية؛ إن الله على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تدافع نساء بني عامر على ذي الخلصة (وثن كان يسمي في الجاهلية) ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم "، وقد تقدم هذا الحديث في (باب قتال الترك)، وفيه قصة.
وعنه ﵁: أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء حول الأصنام".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن محمد بن سيرين؛ قال: كنا نتحدث أنه تكون ردة شديدة، حتى يرجع ناس من العرب يعبدون الأصنام بذي الخلصة". رواه ابن أبن شيبة.
وقد وقع مصداق هذه الآثار في زماننا وقبله بزمان طويل، فكانت النساء تزاحم الرجال عند القبور المعظمة عند الجهال، وتضطرب ألياتهن في حال
[ ٢ / ٢٢٦ ]
طوافهن على تلك الأوثان، وما أكثرها في هذه الأزمان! والله المسؤول أن ييسر هدمها ومحو آثارها بالكلية، إنه على كل شيء قدير.
وعن محمد بن عبيد المكي؛ قال: "قيل لابن عباس ﵄: إن رجلًا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه - وهو يومئذ قد عمي - قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده؛ لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي؛ لأدقنها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كأني نساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق ألياتهن مشركات»، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده؛ لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرًا كما أخرجوه من أن يكون قدر شرًا".
رواه الإمام أحمد.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تنصب الأوثان، وأول من ينصبها أهل حضر من تهامة» .
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن وضاح من طريقه.
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تنصب فيها الأوثان وتعبد"؛ يعني: في المحاريب.
رواه ابن وضاح.
وقد وقع مصداق هذا الأثر في الجامع الأزهر كما ذكره بعض المصنفين عن بعض علماء المصريين: أنه قال لما قامت الحركة الوطنية عقب الحرب العظمى السابقة، واتحد هؤلاء المارقون مع الأقباط ليطالبوا بالاستقلال، كان مقر اجتماعهم الجامع الأزهر، ومنه كانت تنظم المظاهرات، فكان يعمر بالأقباط والقسس منهم، يصعدون إلى المنبر خطباء مناوبة مع المصريين. قال:
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وذات يوم كان المسمى مصطفى القاياتي - وهو من المدرسين في الأزهر - حاضرًا معهم، فأخذ الصليب، ووضعه في محراب الأزهر، وقام خطيبًا، فدعا إلى اتحاد الإسلام والنصرانية القبطية، ودعا الحاضرين إلى صلاة ركعتين جميعًا مع وضع الصليب في المحراب، وكبر وصلى ركعتين والصليب أمامه يصلى له ولله معًا في زعمه. انتهى.
قلت: والصليب من الأوثان؛ كما في حديث عدي بن خاتم ﵁؛ قال: «قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: "ألق هذا الوثن عنك» .
رواه: البخاري في "التاريخ الكبير"، والترمذي، وقال: "حسن غريب".
ومن إطلاق الوثن على الصليب قول الأعشى:
تطوف العفاة بأبوابه كطوف النصارى ببيت الوثن
قال الأزهري عن شمر: "أراد بالوثن: الصليب". نقله عنه ابن منظور في "لسان العرب".
وعن عائشة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى". فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تامًا؟ قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم» .
رواه مسلم.
وقد افتتن الجهال في القرون الأخيرة بقبر ابن عباس ﵄،
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وأعادوا بذلك سيرة أهل الجاهلية في قبر اللات، فظهر بذلك مصداق هذا الحديث الصحيح، وقبر ابن عباس ﵄، وإن لم يكن في موضع اللات بنفسه؛ فإنه قريب منه في الموضع، وشبيه به فيما يفعل عنده من الشرك؛ لأن كلا منهما في ناحية من نواحي المسجد المسمى بمسجد ابن عباس، وقد قيل: إن موضع اللات في موضع المنارة من ذلك المسجد، وأما قبر ابن عباس ﵄؛ فمعروف مشهور، وقد اتخذه الضلال من آخر هذه الأمة وثنًا يعظمونه كما كان أهل الجاهلية يعظمون اللات من قبل، ويدعونه، ويلجؤون إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات؛ كما كانت ثقيف ومن حولها من أحياء العرب يدعون اللات ويلجؤون إليها، فغلو الضلال من هذه الأمة في ابن عباس ﵄ شبيه بغلو المشركين الأولين في اللات.
قال الشيخ حسين بن غنام في كتابه "روضة الأفكار والأفهام": "وفي الطائف قبر ابن عباس ﵄، يقف عنده كل مكروب وخائف متضرعًا مستغيثًا، وينادي أكثر الباعة في الأسواق: اليوم على الله وعليك يا ابن عباس! ويسألونه الحاجات ويسترزقونه" انتهى.
وذكر الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني في كتابه "معارج الألباب": "أنه سمع بعض الأفاضل يحدث أن رجلين قصدا الطائف من مكة المشرفة، وأحدهما يزعم أنه من أهل العلم، فقال له رفيقه ببديهة الفطرة: أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن عباس! فأجابه بأن معرفتهم لابن عباس كافية لأنه يعرف الله". انتهى.
وإذا كانت هذه حال من يزعم أنه من أهل العلم؛ فكيف بالعوام؟ .
وقد أزيلت آثار الوثنية من قبر ابن عباس ﵄ مرتين: إحداهما: في حدود سنة عشرين بعد المئتين والألف. والثانية: في آخر سنة
[ ٢ / ٢٢٩ ]
اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف. وكلتا المرتين على أيدي أهل نجد، كما أزيلت آثار الوثنية من اللات والعزى على أيدي أصحاب النبي ﷺ بأمره صلوات الله وسلامه عليه.
فالحمد لله الذي جعل النجديين يتمسكون بهدي النبي ﷺ، ويقتفون آثاره وآثار أصحابه ﵃.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في أمتي (فذكر الحديث، وفيه:) قال: فيبقى شرار الناس؛ في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ابن مريم إن شاء الله تعالى.
وعنه ﵁: أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يتهارجوا في الطرق تهارج الحمر، فيأتيهم إبليس، فيصرفهم إلى عبادة الأوثان".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁: أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يبعث الله ريحًا لا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من تقى أونهى إلا قبضته، ويلحق كل قوم بما كان يعبد آباؤهم في الجاهلية ".
رواه الحاكم في "مستدركه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تعبد العرب ما كانت تعبد آباؤها مائة وخمسين عامًا» .
[ ٢ / ٢٣٠ ]
رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده"، وإسناده ضعيف.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: «بعث رسول الله ﷺ بعثًا إلى دومة الجندل، فقال: "انطلقوا؛ فإنكم تجدون أكيدر دومة خارجًا يقتنص الصيد، فخذوه أخذًا". فانطلقوا، فوجدوه كما قال لهم، فأخذوه، وتحصن أهل المدينة، وأشرفوا على المسلمين يكلمونهم، قال: يقول رجل من المسلمين لبعض من أشرف: أذكرك الله؛ هل تجدون محمدًا في كتابكم؟ قال: لا. قال آخر إلى جنبه نجده في كتابنا يشبه قرشيان، يخطره قلم من الشيطان. فقال الرجل: يا أبا بكر! أليس قد كفر هؤلاء؟ قال: بلى؛ وأنتم ستكفرون. فلما رجع الجيش، وخرج مسيلمة فتنبأ، قال الرجل لأبي بكر: أما تذكر قولك ونحن بدومة الجندل: وأنتم سوف تكفرون؟ ذاك أمر مسيلمة. قال: لا؛ ذاك في آخر الزمان» .
رواه الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وله حكم الرفع كنظائره.
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى يكفروا بالله جهرًا، وذلك عند كلامهم في ربهم» .
رواه: الطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "تاريخه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "يأتي على الناس زمان، لو اعترضهم في الجمعة نبل؛ ما أصابت إلا كافرًا".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن خرشه بن الحر؛ قال: "قال حذيفة ﵁: كيف أنتم إذا انفرجتم عن دينكم انفراج المرأة عن قبلها لا تمنع من يأتيها. فقال رجل: قبح الله العاجز. قال: بل قبحت أنت".
[ ٢ / ٢٣١ ]
رواه: ابن وضاح، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه ابن أبي شيبة، ولفظه: قال: "كيف أنتم إذا انفرجتم عن دينكم كما تنفرج المرأة عن قبلها لا تمنع من يأتيها. قالوا: لا ندري، قال: لكني والله أدري، أنتم يومئذ بين عاجز وفاجر. فقال رجل من القوم: قبح العاجز عن ذاك. قال: يضرب ظهره حذيفة مرارًا، ثم قال: قبحت أنت، قبحت أنت".
وإنما قال حذيفة ﵁ للرجل ما قال؛ لأن العجز هو المطلوب في ذلك الزمان؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان، يخير فيه الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمان؛ فليختر العجز على الفجور» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم. وقد تقدم في (باب التخيير بين العجز والفجور) .
وعن حذيفة أيضًا ﵁: "أنه أخذ حصاة بيضاء، فوضعها في كفه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة. ثم أخذ كفًا من تراب، فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده؛ ليجيئن أقوام يدفنون الدين كما دفنت هذه الحصاة".
رواه ابن وضاح.
وعن علي ﵁: أنه قال: "تعلموا العلم؛ تعرفوا به، واعملوا به؛ تكونوا من أهله؛ فإنه سيأتي بعدكم زمان؛ ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم، لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نومة، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم".
رواه: الإمام أحمد في "الزهد"، وابن وضاح، وزاد: "قيل لعلي بن أبي طالب ﵁: ما النومة؟ قال: الرجل يسكت في الفتنة فلا يبدو منه
[ ٢ / ٢٣٢ ]
شيء".
وقال ابن الأثير: " (النومة)؛ بوزن الهمزة: الخامل الذكر الذي لا يؤبه له. وقيل: الغامض في الناس الذي لا يعرف الشر وأهله. وقيل: النومة؛ بالتحريك: الكثير النوم، وأما الخامل الذي لا يؤبه له؛ فهو بالتسكين، ومن الأول حديث ابن عباس ﵄؛ أنه قال لعلي ﵁: ما النومة؟ قال: الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شيء". انتهى.
وعن ميمونة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ ذات يوم: «كيف أنتم إذا مرج الدين، وظهرت الرغبة، واختلف الإخوان، وحرق البيت العتيق؟ !» .
رواه: الإمام أحمد، وابن وضاح، ورواتهما ثقات.
ورواه ابن أبي شيبة بمثله، ورواه الطبراني، ولفظه: قال نبي الله ﷺ لنا ذات يوم: «ما أنتم إذا مرج الدين، وسفك الدماء، وظهرت الزينة، وشرف البنيان، واختلف الإخوان، وحرق البيت العتيق؟ !» .
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم؛ شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود.
وقد اختلف في معنى هذا الحديث: فقيل: معناه أنهم يسلمون، فيسقط عنهم الخراج. ورجحه البيهقي. وقيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة، ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، لهذا قال: وعدتم من حيث بدأتم؛ أي:
[ ٢ / ٢٣٣ ]
رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك. ورجح هذا القول ابن كثير، ولم يحك الخطابي في "معالم السنن" سواه.
واستشهد له ابن كثير بما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي نضرة؛ قال: كنا عند جابر بن عبد الله ﵄، فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قيل: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم؛ يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي. قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم.
قلت: وأصرح من هذا ما رواه الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة ﵁؛ قال: "كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارًا ولا درهما؟ ! فقيل له: وكيف ترى ذلك كائنًا يا أبا هريرة؟ قال: إي؛ والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق. قالوا: عم ذلك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله ﷺ، فيشد الله ﷿ قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم.
والذي يظهر لي في معنى قوله: «منعت العراق درهمها» " الحديث: أن ذلك إشارة إلى ما صار إليه الأمر في زماننا وقبله بأزمان، من استيلاء الأعاجم من الإفرنج وغيرهم على هذه الأمصار المذكورة في حديث أبي هريرة ﵁، وانعكاس الأمور بسبب ذلك، حتى صار أهل الذمة أقوى من المسلمين وأعظم شوكة، فامتنعوا من أحكام الإسلام التي كانت تجري عليهم من قبل، وانتقض حكم الخراج وغيره، ثم زاد الأمر شدة، فوضعت قوانين أعداء الله ونظمهم مكان الأحكام الشرعية، وألزموا بها من تحت أيديهم من المسلمين، والذين انفلتوا من أيدي المتغلبين عليهم ما زالوا على ما عهدوه من تحكيم القوانين وسنن أعداء الله تعالى، والتخلق بأخلاقهم الرذيلة، بل على شر مما عهدوه؛ كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وفي قوله: «وعدتم من حيث بدأتم»: إشارة إلى استحكام غربة الإسلام ورجوعه إلى مقره الأول؛ كما في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
وفي رواية لأحمد: «إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» .
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها» .
رواه مسلم.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه الإمام أحمد وغيره.
وعن عبد الرحمن بن سنة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه أيضًا.
رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد، والطبراني.
وعن عمرو بن عوف المزني ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضًا.
رواه الترمذي.
وقد تقدمت هذه الأحاديث في باب غربة الإسلام، وما ذكر فيها من انضمام الإيمان إلى المدينة وما حولها لم يقع إلى الآن، ويوشك أن يقع. والله المستعان.
ويؤيد ما قلته في معنى الحديث ما رواه الحاكم في "مستدركه" عن جابر
[ ٢ / ٢٣٥ ]
بن عبد الله ﵄: أنه قال: "يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم درهم ولا قفيز (الحديث، وفيه:) ثم قال: والذي نفسي بيده؛ ليعودن الأمر كما بدأ، ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ منها، حتى يكون كل إيمان بالمدينة ".
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وقد تقدم في باب انضمام الإيمان إلى الحرمين.
باب
ما جاء في فشو الفالج وموت الفجأة
عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة أن يفشو الفالج وموت الفجأة» .
رواه الدينوري في "المجالسة".
ورواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، ولفظه: «من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلًا فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقًا، وأن يظهر موت الفجأة» .
فيه الهيثم بن خالد المصيصي شيخ الطبراني؛ قال الهيثمي: "وهو ضعيف".
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة (فذكر الحديث، وفيه:) وكثر الطلاق وموت الفجأة» .
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
باب ما جاء في فشو الفالج وموت الفجأة
وعن الشعبي: أنه قال: "كان يقال: من اقتراب الساعة موت الفجأة".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن مجاهد: أنه قال: " من أشراط الساعة موت البدار". رواه ابن أبي شيبة.
(البدار)؛ معناه: سرعة الموت، وهو بمعنى الفجأة، يقال: بادره مباردة وبدارًا: عاجله وأسرع إليه.
وقد كثر موت الفجأة والبدار في زماننا، وخصوصًا بحوادث السيارات؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
باب
ما جاء في كثرة الصواعق
عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم، فيقول: من صعق قبلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان» .
رواه: الإمام أحمد عن محمد بن مصعب القرقساني عن عمارة بن مهران المعولي عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بهذا الإسناد، ولفظه: قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، فيصبح القوم، فيقولون: من صعق البارحة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، قال الذهبي: "قلت عمارة ثقة لم يخرجوا له".
[ ٢ / ٢٣٧ ]
باب ما جاء في كثرة الصواعق
قلت: ومحمد بن مصعب لم يخرج له مسلم، وإنما خرج له الترمذي وابن ماجه، وقد ضعفه النسائي، وقال أبو زرعة: "صدوق ولكنه حدث بأحاديث منكرة"، فقال له ابن أبي حاتم: "فليس هذا مما يضعفه". قال: "نظن أنه غلط فيها".
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "يوشك أن لا تجدوا بيوتًا تكنكم؛ تهلكها الرواجف، ولا دواب تبلغوا عليها في أسفاركم؛ تهلكها الصواعق".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
ما جاء في كثرة الزلازل
عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويتقارب الزمان، وتكثر الزلازل، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج". قيل: الهرج أيما هو يا رسول الله؟ قال: "القتل القتل» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
وعن سلمة بن نفيل السكوني - وكان من أصحاب النبي ﷺ -: أن رسول الله ﷺ قال: «بين يدي الساعة موتان شديد، وبعده سنوات الزلازل» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والبزار، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه: ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الذهبي: "لم يخرجا لأرطاة (يعني: ابن المنذر، أحد رواته)، وهو ثبت، والخبر من غرائب الصحاح".
[ ٢ / ٢٣٨ ]
باب ما جاء في كثرة الزلازل
وسيأتي حديث أبي هريرة ﵁ في الباب بعده، وفيه الإخبار عن الزلزلة، ويأتي فيه أيضًا ذكر الرجف في خمسة أحاديث.
باب
ما جاء في الريح العقيم والخسف والمسخ والقذف
عن علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة؛ حل بها البلاء". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "إذا كان المغنم دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخر الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» .
رواه الترمذي بهذا اللفظ، وابن أبي الدنيا، وعنده: «فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وخسفًا ومسخًا» . قال الترمذي: "هذا حديث غريب".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اتخذ الفيء دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
[ ٢ / ٢٣٩ ]
باب ما جاء في الريح العقيم والخسف والمسخ والقذف
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة (فذكر الحديث بطوله، وفي آخره:) واتخذت القيان والمعازف، وشربت الخمور في الطرق، واتخذ الظلم فخرًا، وبيع الحكم، وكثرت الشرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفافًا، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات» .
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد ذكرته بتمامه في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير، ويبعث على أحياء من أحيائهم ريح، فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم؛ باستحلالهم الخمور، وضربهم بالدفوف، واتخاذهم القينات» .
رواه: الإمام أحمد، وسعيد بن منصور.
وقد رواه أبو داود الطيالسي مطولًا، ولفظه: قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب، فيصبحون قد مسخوا قردة وخنازير، وليصيبنهم خسف وقذف، حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليلة ببني فلان وبني فلان، وخسف الليلة بدار فلان خواص، وليرسلن عليهم حاصبًا حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل منها وعلى دور، وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادًا على قبائل فيها وعلى دور؛ بشربهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الربا، وقطيعتهم الرحم» .
ورواه: ابن أبي الدنيا، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية"؛ بنحوه.
وعن مالك الكندي مرفوعًا: «ليكونن من هذه الأمة قوم قردة وخنازير،»
[ ٢ / ٢٤٠ ]
«وليصبحن فيقال: خسف بدار بني فلان ودار بني فلان، وبينما الرجلان يمشيان؛ يخسف بأحدهما؛ بشرب الخمور ولباس الحرير والضرب بالمعازف والزمارة» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم؛ بأنهم شربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، وضربوا بالدفوف» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن عبد الرحمن بن غنم الأشعري؛ قال: حدثني أبو عامر (أو أبو مالك) الأشعري ﵁، والله ما كذبني: سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» .
رواه: البخاري بهذا اللفظ، وأبو داود مختصرًا.
وعن عبد الرحمن بن غنم أيضًا ﵁ عن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» . رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني، والبيهقي. ورواه: البخاري في "التاريخ الكبير"، وأبو داود في "سننه"؛ مختصرًا.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن عبد الله (وهو ابن مسعود) ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف» .
رواه ابن ماجه.
وعن أبي الزبير عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "إن كان أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو ﵄؛ فإنه صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قلت: وقد ذكر الذهبي في "الميزان" عن الحسن بن سعيد الخولاني: حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير؛ قال: "رأيت العبادلة يرجعون على صدور أقدامهم في الصلاة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس؛ ﵃ ". وإذا كان أبو الزبير قد لقي عبد الله بن عمرو ﵄؛ فروايته عنه متصلة، وحديثه الذي ذكرنا صحيح على شرط مسلم ".
وعن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «" في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف". فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وعن أبي مالك الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يكون في أمتي الخسف والمسخ والقذف؛ باتخاذهم القينات وشربهم الخمور» .
رواه الطبراني.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، في متخذي القيان وشاربي الخمر ولابسي الحرير» .
رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط". قال الهيثمي: (وفيه زياد بن أبي زياد الجصاص وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات".
وعن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «"يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف". قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ فقال: "إذا ظهرت القينات، وظهر الزنى، وشربت الخمر، ولبس الحرير؛ كان ذا عند ذا» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير". قالوا: يا رسول الله! أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ قال: "بلى، ويصومون ويصلون ويحجون". قيل: فما بالهم؟ قال: "اتخذوا المعازف والدفوف والقينات، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير» .
رواه: سعيد بن منصور، وابن أبي الدنيا، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «يكون في آخر أمتي خسف ومسخ وقذف» .
[ ٢ / ٢٤٣ ]
رواه ابن ماجه.
وقد رواه ابن أبي الدنيا بأطول من هذا، ولفظه: قال: «"يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ". قيل: يا رسول الله! متى؟ قال: "إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمرة» .
ورواه الطبراني في "الكبير"، ولفظه: «"سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ". قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر» .
قال الهيثمي: "فيه عبد الله بن أبي الزناد، وفيه ضعف، وبقية رجال إحدى الطريقين رجال الصحيح".
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، وذاك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليبيتن قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو، فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير» . رواه الطبراني.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف، فيصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازير» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن فرقد السبخي؛ قال: حدثنا أبو منيب الشامي عن أبي عطاء عن
[ ٢ / ٢٤٤ ]
عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ. قال: وحدثني شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم ﵁ عن رسول الله ﷺ. قال: وحدثني عاصم بن عمرو البجلي عن أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ. قال: وحدثني سعيد بن المسيب (أو: حدثت عنه) عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «والذي نفس محمد بيده؛ ليبيتن ناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو، فيصبحوا قردة وخنازير؛ باستحلالهم المحارم، واتخاذهم القينات، وشربهم الخمر، وأكلهم الربا، ولبسهم الحرير» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة وحده. وقد اختلف في فرقد السبخي، والأكثرون على تضعيفه، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: "هو ثقة"، وقال أحمد: "رجل صالح".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «"والذي بعثني بالحق؛ لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف". قالوا: ومتى ذلك يا نبي الله؟ قال: "إذا رأيت النساء قد ركبن السروج، وكثرت القينات، وشهد شهادات الزور، وشرب المسلمون في آنية أهل الشرك؛ الذهب والفضة، واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "مستدركه"، واللفظ له.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «"لا بد من خسف ومسخ وقذف ". قالوا: يا رسول الله! في هذه الأمة؟ قال: "نعم؛ إذا اتخذوا القيان، واستحلوا الزنى، وأكلوا الربا، واستحلوا الصيد في الحرم، ولبس الحرير، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
[ ٢ / ٢٤٥ ]
رواه ابن النجار.
وعن عروة بن رويم عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا عملت أمتي خمسًا؛ فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القينات، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
رواه: البيهقي، وأبو نعيم في "الحلية".
وقد رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عباد بن كثير الرملي: وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة".
وعن أشرس بن شيبان الهذلي؛ قال: "قلت لفرقد السبخي: أخبرني يا أبا يعقوب من تلك الغرائب التي قرأت في التوراة. فقال: يا أبا شيبان! والله ما أكذب على ربي (مرتين أو ثلاثًا"؛ لقد قرأت في التوراة: ليكونن مسخ وخسف وقذف في أمة محمد ﷺ في أهل القبلة. قال: قلت: يا أبا يعقوب! ما أعمالهم؟ قال: باتخاذهم القينات، وضربهم بالدفوف، ولباسهم الحرير والذهب، ولئن بقيت حتى ترى أعمالًا ثلاثة؛ فاستيقن واستعد واحذر. قال: قلت: ما هي؟ قال: إذا تكافأ الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ورغبت العرب في آنية العجم؛ فعند ذلك. قلت له: العرب خاصة؟ قال: لا؛ بل أهل القبلة. ثم قال: والله؛ ليقذفن رجال من السماء بحجارة يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني إسرائيل، وليخسفن بقوم كما خسف بقارون ".
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى ترضخ رؤوس أقوام بكواكب من السماء باستحلالهم عمل قوم لوط» .
[ ٢ / ٢٤٦ ]
رواه الديلمي.
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ ورجف وقذف» .
رواه: أبو يعلى، والبزار.
وعن سعيد بن أبي راشد؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في أمتي خسفًا ومسخًا وقذفًا» .
رواه: الطبراني، والبزار.
وعن جبير بن نفير؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لتستصعبن الأرض بأهلها، حتى لا يكون على ظهرها أهل بيت مدر ولا وبر، وليبتلين آخر هذه الأمة بالرجف، فإن تابوا؛ تاب الله عليهم، وإن عادوا؛ عاد الله عليهم بالرجف والقذف والمسخ والصواعق» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "يوشك أن لا تجدوا بيوتًا تكنكم؛ تهلكها الرواجف، ولا دواب تبلغوا عليها في أسفاركم؛ تهلكها الصواعق".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وتقدم ذكره قريبًا.
وعن طاوس: أنه قال: "يكون ثلاث رجفات: رجفة باليمن شديدة، ورجفة بالشام أشد منها، ورجفة بالمشرق".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن عبد الرحمن بن سابط؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ". قالوا: فمتى ذاك يا رسول الله؟ قال: "إذا أظهروا»
[ ٢ / ٢٤٧ ]
«المعازف واستحلوا الخمور"» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وقد رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «"إن في أمتي خسفًا ومسخًا وقذفًا ". قالوا: يا رسول الله! وهم يشهدون أن لا إله إلا الله؟ قال: "نعم؛ إذا ظهرت المعازف والخمور ولبس الحرير» .
وعن الغازي بن ربيعة رفع الحديث؛ قال: «ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير؛ بشربهم الخمر، وضربهم بالبرابط والقيان» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن صالح بن دريك رفع ذلك إلى النبي ﷺ: أنه قال: «ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف، وليأتين الله على أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ينبذه عليهم، ويمسخ آخرون قردة وخنازير» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن أبي العالية عن أبي كعب ﵁ في قوله ﵎: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية؛ قال: "هن أربع، وكلهن عذاب، وكلهن واقع لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة النبي ﷺ بخمس وعشرين سنة: فألبسوا شيعًا، وذاق بعضهم بأس بعض، وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف، والرجم ".
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". قال: "والظاهر أن من قوله: "فمضت اثنتان" إلى آخره من قول رفيع (يعني: أبا العالية)؛ فإن أبي ابن كعب لم يتأخر إلى زمن الفتنة، والله أعلم".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة،
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أبواب ما جاء في الدجال
باب ما جاء في ابن صياد
ما جاء في ابن صياد
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁: أنه قال: "كيف أنتم إذا أتاكم زمان يخرج أحدكم من حجلته إلى حشه، فيرجع وقد مسخ قردًا، فيطلب مجلسه فلا يجده؟ ! ".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في أمتي فزعة، فيصير الناس إلى علمائهم؛ فإذا هم قردة وخنازير» .
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وفي إسناده ضعيف.
وعن مالك بن دينار؛ قال: "بلغني أن ريحًا تكون في آخر الزمان وظلمة، فيفزع الناس غلى علمائهم، فيجدونهم قد مسخوا".
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن سالم بن أبي الجعد؛ قال: "ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل منهم، ينتظرون أن يخرج إليهم، فيطلبون إليه الحاجة، فيخرج إليهم وقد مسخ قردًا أو خنزيرًا، وليمرن الرجل على الرجل في حانوته يبيع، فيرجع عليه وقد مسخ قردًا أو خنزيرًا".
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن أبي الزاهرية؛ قال: "لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيمسخ أحدهما قردًا أو خنزيرًا، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته منه".
رواه ابن أبي الدنيا.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
باب ما جاء في الريح العقيم والخسف والمسخ والقذف
وعن عبد الرحمن بن غنم ﵁؛ قال: "يوشك أن يقعد أمتان على رحى، فتطحنان، فتمسخ إحداهما والأخرى تنظر".
رواه ابن أبي الدنيا.
وعنه أيضًا ﵁؛ قال: "سيكون خباآن متجاوران، فيشق بينهما نهر، فيسقيان منه بسهم واحد؛ يقبس بعضهم من بعض، فيصبحان يومًا من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حي".
رواه ابن أبي الدنيا.
باب
متى يكون الخسف والمسخ والقذف
عن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «"يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف ". قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا ظهر الخبث"» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وسيأتي حديث أم سلمة ﵂ في ذكر الخسوف الثلاثة، وفيه: «قلت: يا رسول الله! أيخسف بالأرض وفيها الصالحون؟ قال رسول الله ﷺ: "إذا أكثر أهلها الخبث» .
باب
البداءة بأهل الظلم في الخسف والمسخ والقذف
عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر أمتي»
[ ٢ / ٢٥١ ]
باب البداءة بأهل الظلم في الخسف والمسخ والقذف
«مسخ وقذف وخسف، ويبدأ بأهل المظالم» .
رواه البخاري في "الأدب المفرد".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه قال: "ليخسفن بالدار إلى جنب الدار، وبالدار إلى جنب الدار؛ حيث تكون المظالم ".
رواه ابن أبي شيبة.
باب
وقوع الخسف والمسخ والقذف في الزنادقة والقدرية
عن نافع؛ قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر ﵄ قعودًا؛ إذ جاء رجل، فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام (لرجل من أهل الشام) . فقال عبد الله: بلغني أنه أحدث حدثًا، فإن كان كذلك؛ فلا تقرأن عليه مني السلام؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف، وهو في الزنديقية والقدرية» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه: الترمذي، وابن ماجه بنحوه، وعندهما أن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة (أو: في أمتي) خسف أو مسخ أو قذف، في أهل القدر» . هذا لفظ الترمذي، وقال: "هذا حديث صحيح غريب".
وفي رواية ابن ماجه: «يكون في أمتي (أو: في هذه الأمة) مسخ وخسف وقذف، وذلك في أهل القدر» .
وقد أفادت رواية ابن ماجه أن (أو) في رواية الترمذي بمعنى الواو، وليست
[ ٢ / ٢٥٢ ]
باب وقوع الخسف والمسخ والقذف في الزنادقة والقدرية
للشك.
باب
ما جاء في الخسف بالقبائل
عن عبد الرحمن بن صحار العبدي عن أبيه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل، فيقال: من بقي من بني فلان؟» . قال: فعرفت حين قال: "قبائل": أنها العرب؛ لأن العجم إنما تنسب إلى قراها.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، وأبو يعلى، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات ". وقد رواه: ابن أبي شيبة، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي زيد الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: «ليأتين على هذه الأمة يوم، يمسون يتساءلون: بمن خسف الليلة؛ كما يتساءلون بمن بقي من آل فلان؟ وهل بقي من آل فلان؟» .
رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده".
وعن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخسف برجل كثير المال والولد» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر الزهري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخسف بقوم في مراتع الغنم، ولا تقوم الساعة حتى يخسف برجل كثير المال والولد» .
[ ٢ / ٢٥٣ ]
باب
ما جاء في الخسف ببعض المعادن
عن أبي غطفان؛ قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: "تخرج معادن مختلفة، معدن منها قريب من الحجاز، يأتيه من شرار الناس، يقال له: فرعون، فبينما هم يعملون فيه؛ إذ حسر عن الذهب، فأعجبهم معتمله؛ إذ خسف به وبهم".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما يكون بالبصرة من الخسف والقذف والرجف والمسخ والطوفان
عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: «يا أنس! إن الناس يمصرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال له: البصرة (أو البصيرة)، فإن أنت مررت بها أو دخلتها؛ فإياك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها؛ فإنه يكون فيها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير» .
وقد رواه الطبراني في "الأوسط" بأطول من هذا، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «يا أنيس! إن المسلمين يمصرون بعدي أمصارًا، وإن مما يمصرون مصرًا يقال لها: البصرة، فإن أنت وردتها؛ فإياك ومقصفها وسوقها وباب سلطانها؛ فإنه سيكون بها خسف ومسخ وقذف، آية ذلك: أن يموت العدل،»
[ ٢ / ٢٥٤ ]
باب ما يكون بالبصرة من الخسف والقذف والرجف والمسخ والطوفان
«ويفشو فيها الجور، ويكثر فيها الزنى، وتفشو فيها شهادة الزور» .
قال الهيثمي: "فيه جماعة لم أعرفهم".
وعن قتادة: أن عليًا ﵁ قال: "تخرب البصرة إما بحريق، وإما بغرق، كأني أنظر إلى مسجدها كأنه جؤجؤ سفينة".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وفيه انقطاع بين قتادة وعلي ﵁.
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "إن أهل البصرة لا يفتحون باب هدى ولا يتركون باب ضلالة، وإن الطوفان قد رفع عن الأرض كلها؛ إلا عن البصرة".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن قتادة: أن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "البصرة أخبث الأرض ترابًا، وأسرعه خرابًا" قال: "ويكون في البصرة خسف؛ فعليك بضواحيها، وإياك وسباخها".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وفيه انقطاع بين قتادة وعبد الله بن عمرو ﵄.
باب
ما جاء في الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة
عن عائشة ﵂؛ قالت: قال: رسول الله ﷺ: «"يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأولهم وآخرهم". قالت: قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟»
[ ٢ / ٢٥٥ ]
باب ما جاء في الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة
«قال: "يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: قالت: «عبث رسول الله ﷺ في منامه، فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله! فقال: "العجب أن أناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم". فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: "نعم؛ فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل؛ يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى؛ يبعثهم الله على نياتهم» .
ولفظ أحمد: قالت: «بينما رسول الله ﷺ نائم؛ إذ ضحك في منامه ثم استيقظ، فقلت: يا رسول الله! مم ضحكت؟ قال: "إن أناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش، قد استعاذ بالحرم، فلما بلغوا البيداء؛ خسف بهم، مصادرهم شتى، يبعثهم الله على نياتهم". قلت: وكيف يبعثهم الله على نياتهم ومصادرهم شتى؟ قال: "جمعهم الطريق؛ منهم المستبصر، وابن السبيل، والمجبور؛ يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى» .
وعن عبيد الله بن القبطية؛ قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله ابن صفوان وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين ﵂، فسألاها عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله ﷺ: «"يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث؛ فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ خسف بهم". فقلت: يا رسول الله! فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: "يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته» . وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظه.
وفي رواية له: قال: "فلقيت أبا جعفر، فقلت: إنها إنما قالت: ببيداء من
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الأرض. فقال أبو جعفر: كلا والله؛ إنها لبيداء المدينة".
وقد رواه: أبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني؛ مختصرًا. ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحو رواية مسلم، ثم قال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وهذا سهو منهما؛ فإن مسلمًا قد رواه كما ذكرنا.
وقد رواه الإمام أحمد أيضًا من حديث الحسن (وهو البصري) عن أم سلمة ﵂؛ قالت: «بينما رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي؛ إذ احتفز جالسًا وهو يسترجع، فقلت: بأبي أنت وأمي! ما شأنك يا رسول الله تسترجع؟ ! قال: "جيش من أمتي يجيئون من قبل الشام، يؤمون البيت لرجل، يمنعه الله منهم، حتى إذا كانوا بالبيداء من ذي الحليفة؛ خسف بهم، ومصادرهم شتى". فقلت: يا رسول الله! كيف يخسف بهم جميعًا ومصادرهم شتى؟ ! فقال: "إن منهم من جبر، إن منهم من جبر (ثلاثًا)» .
ورواه أيضًا من حديث الحسن عن أمه (واسمها: خيرة) عن أم سلمة ﵂: (فذكره بنحوه) .
وروى أيضًا من حديث يوسف بن سعد عن عائشة ﵂ مثله، ومن حديث يوسف بن سعد عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ مثله، ولم يسق لفظه، بل أحال به على حديث أم سلمة ﵂، وقد أورد حديث أم سلمة في مسند عائشة من أجل هذه الرواية.
ورواه أيضًا من حديث مهاجر المكي (وهو المهاجر بن القبطية) عن أم سلمة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «"يغزو جيش البيت، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض؛ خسف بهم". قالت: قلت: يا رسول الله! أرأيت المكره منهم؟ قال: "يبعث على نيته» .
[ ٢ / ٢٥٧ ]
ورواه أيضًا من حديث نافع بن جبير عن أم سلمة ﵂: «ذكر النبي ﷺ الجيش الذي يخسف بهم، فقالت أم سلمة ﵂: لعل فيهم المكره؟ فقال: "إنهم يبعثون على نياتهم» .
وهكذا رواه: الترمذي، وابن ماجه؛ من حديث نافع بن جبير عن أم سلمة عن النبي ﷺ.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روى هذا الحديث عن نافع بن جبير عن عائشة أيضًا عن النبي ﷺ ".
قلت: وقد تقدمت روايته عن عائشة ﵂ في أول الباب.
وعن أنس: «أن رسول الله ﷺ كان نائمًا في بيت أم سلمة ﵂، فانتبه وهو يسترجع، فقلت: يا رسول الله! مم تسترجع؟ قال: "من قبل جيش يجيء من قبل العراق، في طلب رجل من المدينة، يمنعه الله منهم، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة؛ خسف بهم؛ فلا يدرك أعلاهم أسفلهم ولا يدرك أسفلهم أعلاهم إلى يوم القيامة، ومصادرهم شتى". قال: "إن فيهم (أو: منهم) من جبر "» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه هشام بن الحكم، ولم أعرفه؛ إلا أن ابن أبي حاتم ذكره، ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات".
وعن أمية بن صفوان: أنه سمع جده عبد الله بن صفوان يقول: أخبرتني حفصة ﵂: أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأوسطهم، وينادي أولهم آخرهم، ثم يخسف بهم؛ فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم» . فقال رجل: أشهد عليك أنك لم تكذب على حفصة، وأشهد على حفصة أنها لم تكذب على النبي ﷺ.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، وهذا لفظ مسلم، وزاد ابن ماجه في روايته: "فلما جاء جيش الحجاج ظننا أنهم هم".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بنحو رواية مسلم، ثم وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وهذا سهو منهما؛ فإن مسلمًا قد رواه كما ذكرنا.
ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث عبد الرحمن بن موسى عن عبد الله ابن صفوان عن حفصة ابنة عمر ﵄؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"يأتي جيش من قبل المشرق، يريدون رجلًا من أهل مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم، فرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم، فيصيبهم مثل ما أصابهم ". فقلت: يا رسول الله! فكيف بمن كان منهم مستكرهًا؟ قال: "يصيبهم كلهم ذلك، ثم يبعث الله كل امرئ على نيته» .
ورواه مسلم أيضًا من حديث يوسف بن ماهك: أخبرني عبد الله بن صفوان عن أم المؤمنين ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «"سيعوذ بهذا البيت (يعني: الكعبة) قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء في الأرض؛ خسف بهم» . قال يوسف: وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة. فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش.
وعن أم حبيبة ﵁؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"يأتي ناس من قبل المشرق، يريدون رجلًا عند البيت، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض؛ خسف بهم، فيلحق بهم من تخلف، فيصيبهم ما أصابهم". قلت: يا رسول الله! كيف بمن كان أخرج مستكرهًا؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يبعث الله كل امرئ على نيته» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه سلمة بن الفضل الأبرش، وثقه ابن معين وغيره وضعفه جماعة".
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قلت: وما قبله يشهد له ويقويه.
وعن صفية أم المؤمنين ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «"لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت، حتى يغزوه جيش، حتى إذا كانوا بالبيداء (أو: ببيداء من الأرض)؛ خسف بأولهم وآخرهم، ولم ينج أوسطهم". قالت: قلت: يا رسول الله! أرأيت المكره منهم؟. قال: "يبعثهم الله على ما في أنفسهم» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تنتهي البعوث عن غزو بيت الله تعالى حتى يخسف بجيش منهم» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "غريب صحيح ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ عن النبي ﷺ؛ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وسيأتي بتمامه مع أحاديث المهدي إن شاء الله تعالى.
وعنها ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يسير ملك المغرب إلى ملك المشرق، فيقتله، فيبعث جيشًا إلى المدينة، فيخسف بهم» . الحديث.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجال ثقات". وسيأتي بتمامه مع أحاديث المهدي إن شاء الله تعالى، ويأتي أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ في ذكر السفياني، وأنه هو الذي يخسف به وبجيشه.
وعن بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: «إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريبًا؛ فقد أظلت الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني.
وفي رواية: قالت: «إني لجالسة في صفة النساء، فسمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يشير بيده اليسرى، فقال: "يا أيها الناس! إذا سمعتم بخسف هاهنا قريبًا؛ فقد أظلت الساعة» .
قال الهيثمي: "فيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح ".
باب
ما جاء في الخسوف الثلاثة
عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «كان النبي ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه، فاطلع إلينا، فقال: "ما تذكرون؟ ". قلنا: الساعة. قال: "إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن إلا
[ ٢ / ٢٦١ ]
باب ما جاء في الخسوف الثلاثة
النسائي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وسيأتي بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) إن شاء الله تعالى.
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب » الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وسيأتي بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) إن شاء الله تعالى.
وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"سيكون بعدي: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب". قلت: يا رسول الله! أيخسف بالأرض وفيها الصالحون؟ قال رسول الله ﷺ: "إذا أكثر أهلها الخبث» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه حكيم بن نافع، وثقه ابن معين وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات".
وعن ربيعة الجرشي؛ قال: "عشر آيات بين يدي الساعة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بحجاز العرب الحديث.
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وفي إسناده رجل لم يسم، وبقية رجاله ثقات.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "الإصابة": "روى ابن السكن من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عبد الملك بن يزيد عن ربيعة الجرشي - وكان من أصحاب النبي ﷺ -: أن النبي ﷺ قال: «عشر آيات بين يدي الساعة» (فذكر الحديث) .
[ ٢ / ٢٦٢ ]
باب
ما جاء في خروج النار
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» .
متفق عليه.
وعن رافع بن بشر السلمي عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن تخرج نار من حبس سيل، تسير سير بطيئة الإبل، تسير النهار وتقيم الليل، وتغدو وتروح، يقال: غدت النار أيها الناس؛ فاغدوا، قالت النار أيها الناس؛ فقيلوا، راحت النار أيها الناس؛ فروحوا، من أدركته؛ أكلته» .
رواه: الإمام، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير رافع، وهو ثقة".
وعن عاصم بن عدي الأنصاري ﵁؛ قال: «سألنا رسول الله ﷺ حدثان ما قدم، فقال: "أين حبس سيل؟ ". قلنا: لا ندري. فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: من أين جئت؟ فقال: من حبس سيل. فدعوت بنعلي، فانحدرت إلى رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! إنك سألتنا عن حبس سيل، فقلنا: لا علم لنا به، وإنه مر بي هذا الرجل فسألته فزعم أن به أهله. فسأله رسول الله ﷺ، فقال: "أين أهلك؟ ". قال: بحبس سيل. قال: "أخرج أهلك منها؟ فإنه يوشك أن يخرج منها نار تضيء أعناق الإبل ببصرى» .
رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه" وصححه، وتعقبه الذهبي فقال: "منكر".
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه.
وعن حذيفة بن أسيد ﵁ مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من ركوبة تضيء أعناق الإبل ببصرى» .
رواه أبو عوانة.
وعن أبي ذر ﵁؛ قال: «أقبلنا مع رسول الله ﷺ، فنزلنا ذا الحليفة، فتعجل رجال إلى المدينة، وبات رسول الله ﷺ وبتنا معه، فلما أصبح؛ سأل عنهم؟ فقيل: تعجلوا إلى المدينة، فقال: "تعجلوا إلى المدينة والنساء، أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت". ثم قال: "ليت شعري! متى تخرج نار من اليمن من جبل الوراق تضيء منها أعناق الإبل بروكًا ببصرى كضوء النهار» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير حبيب بن حبان، وهو ثقة".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، وقال فيه: «تضيء لها أعناق الإبل وهي تبرك ببصرى كضوء النهار» . قال علي (يعني: ابن المديني، أحد رواته): بصرى بالشام.
ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال فيه: «فتضيء لها أعناق البخت ببصرى سروجًا كضوء النهار» . ثم قال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها؛ تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا،»
[ ٢ / ٢٦٤ ]
«وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وشهر ثقة، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح ". وقد رواه: أبو داود الطيالسي في "مسنده"، وأبو داود السجستاني في "سننه"؛ باختصار يسير والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية"؛ بنحوه، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم ﷺ، حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم روح الرحمن ﷿، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل حيث يقيلون، وتبيت حيث يبيتون، وما سقط منهم؛ فلها» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده ضعيف، والحديث قبله يشهد له ويقويه.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تبعث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، وتسوقهم سوق الجمل الكسير» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، ورجاله ثقات. وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه أيضًا موقوفًا، ولفظه: قال: «تبعث نار تسوق الناس من مشارق الأرض إلى مغاربها كما يساق الجمل الكسير، لها ما يتخلف منهم، إذا قالوا؛ قالت، وإذا باتوا؛ باتت» .
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن سلام ﵁ عن النبي ﷺ: أنه سئل عن أول أشراط الساعة؟ فقال النبي ﷺ: «إن أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق وتحشرهم إلى المغرب» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أنس ﵁: «أن عبد الله بن سلام ﵁ أتى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة، فقال: إني سائلك عن ثلاث خصال، لا يعلمهن إلا نبي. قال: "سل". قال: ما أول أشراط الساعة (فذكر الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال:) "أما أول أشراط الساعة؛ فنار تخرج من المشرق، فتحشر الناس إلى المغرب "» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وابن حبان في "صحيحه".
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات (فذكر الحديث، وفيه:) ونار تخرج من قعر عدن تسوق (أو: تحشر) الناس؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن إلا النسائي. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي رواية لمسلم: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» . وفي رواية أبي داود: «وآخر ذلك تخرج نار من اليمن، من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر» .
وسيأتي هذا الحديث بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) إن شاء
[ ٢ / ٢٦٦ ]
الله تعالى.
وقد زعم أبو عبية في عنوان وضعه في (صفحة ٧١) من "النهاية" لابن كثير: أن النار التي تخرج من قعر عدن هي نار من نار الفتن، وقرر ذلك أيضًا في تعليق له في هذه الصفحة.
والجواب أن يقال: هذا تأويل مردود، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، والحق أنها نار على الحقيقة لا على المجاز.
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات (فذكر الحديث، وفيه:) ونار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر، تحشر الذر والنمل» .
رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عمر ﵁: أنه قال: "تخرج من أودية بني علي نار تقبل من قبل اليمن، تحشر الناس، تسير إذا ساروا وتقيم إذا أقاموا، حتى إنها لتحشر الجعلان، حتى تنتهي إلى بصرى، وحتى إن الرجل ليقع، فتقف حتى تأخذه".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"ستخرج نار من حضرموت (أو: من نحو بحر حضرموت) قبل يوم القيامة تحشر الناس". قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه".
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر
[ ٢ / ٢٦٧ ]
﵄ ".
قال: "وفي الباب عن حذيفة بن أسيد وأنس وأبي هريرة وأبي ذر ﵃".
قلت: وقد تقدمت أحاديثهم في هذا الباب.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «"لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة، في واد يقال له: برهوت، يغشى الناس فيها عذاب أليم، تأكل الأنفس والأموال، تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام، تطير طير الريح والسحاب، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها ما بين السماء والأرض دوي كدوي الرعد القاصف، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش". قيل: يا رسول الله! أسليمة هي يومئذ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: "وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ هم شر من الحمر، يتسافدون كما تتسافد البهائم، وليس فيهم رجل يقول: مه مه» .
رواه: الطبراني، وابن عساكر.
وعن طاوس؛ قال: قال معاذ ﵁: "اخرجوا من اليمن قبل ثلاث: قبل خروج النار، وقبل انقطاع الحبل، وقبل أن لا يكون لأهلها زاد إلا الجراد".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وفيه انقطاع بين طاووس ومعاذ ﵁.
وقد وقع مصداق حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب، فظهرت نار عظيمة في الحرة التي في شرقي المدينة النبوية على مسيرة أربعة فراسخ منها قريبًا من قريظة، وذلك في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرت أكثر من شهر، وقد سال منها واد مقداره
[ ٢ / ٢٦٨ ]
أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، وقد ذكر بعضهم أنه اجتاز بها ورمى فيها سعفة فلم تحرقها، بل كانت تحرق الحجارة وتذيبها حتى تصير مثل الآنك ثم تصير مثل الفحم الأسود.
وقد نقل الحافظ ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية " عن الشيخ شهاب الدين أبي شامة: أنه قال:
"أخبرني من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب. قال: وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكأن في دار كل واحد منا سراجًا، ولم يكن لها حر ولفح على عظمها، وإنما كانت آية من آيات الله ﷿. قال: ورأى الناس سناها من مكة شرفها الله".
قال ابن كثير:
"وأما بصرى؛ فأخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي قاسم التيمي الحنفي؛ قال: أخبرني والدي (وهو الشيخ صفي الدين أحد مدرسي بصرى): أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة ممن كان بحاضرة بلد بصرى: أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز".
وذكر ابن كثير أيضًا في "النهاية" أن الناس كانوا يسيرون على ضوء هذه النار بالليل إلى تيماء.
والتفصيل عن هذه النار مذكور في "البداية والنهاية" في (حوادث سنة أربع وخمسين وستمائة)، فمن أحب الوقوف على ذلك؛ فليراجعه هناك.
وأما النار التي تسوق الناس إلى المحشر؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا؛ فهذه إنما يكون ظهورها في آخر الزمان، عند اقتراب الساعة. والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
ذكر جملة من الأحاديث في المهدي
باب
ما جاء في المهدي
قد تقدمت الإشارة إليه في عدة أحاديث صحيحة في باب ما جاء في الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة:
منها حديث عائشة ﵂ الذي رواه الإمام أحمد ومسلم.
ومنها حديث أم سلمة ﵂ الذي رواه الإمام أحمد ومسلم.
ومنها حديث عائشة ﵂ بمثله، رواه الإمام أحمد.
ومنها حديث حفصة ﵂ الذي رواه الإمام أحمد ومسلم.
ووردت الإشارة إليه في حديث أنس ﵁ الذي رواه البزار، وفي حديث أم حبيبة ﵂ الذي رواه الطبراني في "الأوسط".
فهذه ستة أحاديث فيها الإشارة إلى المهدي.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي؛ بأسانيد صحيحة.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
قال: "وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة ﵃ ".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وفي رواية للترمذي عن عاصم -وهو ابن أبي النجود - عن زر عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» .
قال عاصم: وأخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم؛ لطول الله ذلك اليوم حتى يلي» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي رواية لأبي داود: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد؛ لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث فيه رجلًا مني (أو: من أهل بيتي)، يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورا» .
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة؛ لملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» .
وفي رواية له: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي؛ يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملأها قسطًا وعدلًا» .
وفي رواية له أخرى: «يخرج رجل من أهل بيتي؛ يواطئ اسمه اسمي، وخلقه خلقي، فيملأها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا» .
وقد ذكر الحاكم في "مستدركه" حديث أنس بن مالك ﵁ الذي فيه: "ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم "، وذكر علته، وأنه إنما ذكره متعجبًا لا محتجًا به، ثم قال: "فإن أولى من هذا الحديث ذكره في هذا الموضع حديث سفيان الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «لا»
[ ٢ / ٢٧١ ]
«تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل من أهل بيتي؛ يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا» .
قال الذهبي في "تلخيصه": "صحيح".
وقال الحاكم أيضا في موضع آخر من "المستدرك": "وطرق حديث عاصم بن زر عن عبد الله كلها صحيحة على ما أصلته في هذا الكتاب بالاحتجاج بأخبار عاصم بن أبي النجود؛ إذ هو إمام من أئمة المسلمين".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة؛ لملك فيها رجل من أهل بيت النبي ﷺ» .
رواه ابن حبان في "صحيحه"، وقد رواه الترمذي موقوفًا، وتقدم ذكره.
وعن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدوانًا". قال: "ثم يخرج رجل من عترتي (أو: من أهل بيتي) يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وأبو يعلى، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الإمام أحمد أيضًا من وجه آخر بإسناد صحيح على شرط مسلم، ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي؛ أجلى، أقنى، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت قبله ظلمًا، يكون سبع سنين» .
ورواه أيضا من وجه آخر بإسناد صحيح على شرط مسلم، ولفظه: «تملأ الأرض جورًا وظلمًا، فيخرج رجل من عترتي، يملك سبعًا أو تسعًا، فيملأ»
[ ٢ / ٢٧٢ ]
«الأرض قسطًا وعدلًا» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من هذا الوجه مختصرًا، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الإمام أحمد أيضا من وجه آخر بإسناد حسن، ولفظه: «يكون من أمتي المهدي، فإن طال عمره أو قصر؛ عاش سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين؛ يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وتخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها» .
وفي رواية له أخرى من طريق زيد العمي؛ قال: سمعت أبا الصديق يحدث عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألنا رسول الله ﷺ؟ فقال: "يخرج المهدي في أمتي خمسًا أو سبعًا أو تسعًا (زيد الشاك) ". قال: قلت: أي شيء؟ قال: "سنين". ثم قال: "يرسل السماء عليهم مدرارًا، ولا تدخر الأرض من نباتها شيئًا، ويكون المال كدوسًا" قال: "يجيء الرجل إليه، فيقول: يا مهدي! أعطني، أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل» .
وقد رواه الترمذي من هذا الوجه مختصرًا، وقال: "هذا حديث حسن".
قال: "وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ ".
ورواه: ابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"؛ من طريق زيد العمي أيضًا، ولفظهما: قال: «يكون في أمتي المهدي، إن قصر فسبع، وإلا فتسع، تنعم أمتي فيه نعمة لم ينعموا مثلها قط، تؤتي الأرض أكلها، ولا تدخر عنهم شيئًا، والمال يومئذ كدوس، يقوم الرجل، فيقول: يا مهدي! أعطني. فيقول: خذ» .
ورواه الإمام أحمد أيضًا من وجه آخر بإسناد حسن، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «"أبشركم بالمهدي؛ يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل،»
[ ٢ / ٢٧٣ ]
«فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا". فقال له رجل: ما صحاحًا؟ قال: "بالسوية بين الناس". قال: "ويملأ الله قلوب أمة محمد ﷺ غنى، ويسعهم عدله، حتى إنه يأمر مناديًا، فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان - يعني الخازن - فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا، فيقول له: احث، حتى إذا جعله في حجره وأبرزه؛ ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسًا، أوعجز عني ما وسعهم؟ قال: فيرده، فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه. فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده (أو قال: ثم لا خير في الحياة بعده)» .
وزاد في رواية أخرى بعد قوله: "ويملأ الله قلوب أمة محمد ﷺ غنى": «فلا يحتاج أحد إلى أحد» .
قال الهيثمي: "رواه أحمد بأسانئد وأبو يعلى باختصار كثير، ورجالهما ثقات".
ورواه الحاكم في "مستدركه" من حديث النضر بن شميل: حدثنا سليمان بن عبيد: حدثنا أبو الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا (يعني: حججًا)» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه أيضًا من حديث معاوية بن قرة عن أبي الصديق الناجي عن أبي
[ ٢ / ٢٧٤ ]
سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال نبي الله ﷺ: «ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم، لم يسمع بلاء أشد منه، حتى تضيق عنهم الأرض الرحبة، وحتى تملأ الأرض جورًا وظلمًا، لا يجد المؤمن ملجأ يلتجئ إليه من الظلم، فيبعث الله ﷿ رجلًا من عترتي، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدخر الأرض من بذرها شيئًا إلا أخرجته، ولا السماء من قطرها شيئًا إلا صبه الله عليهم مدرارًا، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمانيًا أو تسعًا، تتمنى الأحياء الأموات مما صنع الله ﷿ بأهل الأرض من خيره» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: "سنده مظلم".
قلت: وفيما تقدم من الروايات الصحيحة شاهد له.
وقد رواه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه"؛ من حديث عمران القطان عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي مني: أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، ويملك سبع سنين» .
هذا لفظ أبي داود.
ولفظ الحاكم: قال رسول الله ﷺ: «المهدي منا أهل البيت: أشم الأنف، أقنى، أجلى، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يعيش هكذا (وبسط يساره وأصبعين من يمينه المسبحة والإبهام وعقد ثلاثة)» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي في "تلخيصه"، فقال: " عمران القطان ضعيف، ولم يخرج له مسلم. وقال المنذري: استشهد به البخاري، ووثقه عفان بن مسلم، وأحسن عليه الثناء
[ ٢ / ٢٧٥ ]
يحيى بن سعيد القطان، وضعفه يحيى بن معين والنسائي ".
ورواه أبو يعلى من طريق عدي بن أبي عمارة، ولفظه: «ليقومن على أمتي رجل من أهل بيتي، يوسع الأرض عدلًا كما وسعت ظلمًا، يملك سبع سنين» .
عدي بن أبي عمارة؛ قال العقيلي: "في حديثه اضطراب"، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم؛ لبعث الله ﷿ رجلًا منا يملأها عدلًا كما ملئت جورًا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود؛ بأسانيد صحيحة على شرط البخاري، وهذا لفظ أحمد.
ولفظ أبي داود: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم؛ لبعث الله رجلًا من أهل بيتي يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا» .
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وإسناد كل منهما حسن.
وقد اعترض أبو عبية على هذا الحديث، فقال في تعليقه على "النهاية" لابن كثير ما نصه: "والعجب أن يكون المهدي بعيدًا عن التوفيق والفهم والرشد، ثم تهبط عليه هذه المعاني فجأة في ليلة؛ ليكون في صبيحتها داعية هداية ومنقذ أمة".
والجواب أن يقال: من علم أن الله على كل شيء قدير، وأن الخير كله في يديه، وأنه إذا أراد بعبد خيرًا؛ هيأه لذلك متى أراد؛ لم يكن عنده شك وارتياب فيما جاء في هذا الحديث، وأما استبعاد ذلك والتعجب من وقوعه؛ فإنما
[ ٢ / ٢٧٦ ]
هو ناشئ عن التردد في كمال قردة الرب ﵎ ونفوذ مشيئته وإرادته.
وقوله: «يصلحه الله في ليلة»: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون المراد بذلك أن الله يصلحه للخلافة؛ أي: يهيئه لها.
والثاني: أن يكون متلبسًا ببعض النقائص، فيصلحه الله ويتوب عليه.
وهذا المعنى هو الذي قرره ابن كثير؛ كما سيأتي في كلامه على حديث أبي هريرة ﵁ في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان إن شاء الله تعالى.
وعن سعيد بن المسيب عن أم سلمة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» .
رواه: أبو داود، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظ أبي داود.
ولفظ ابن ماجه: عن سعيد بن المسيب؛ قال: كنا عند أم سلمة ﵂، فتذاكرنا المهدي، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من ولد فاطمة» .
وفي رواية للحاكم: قالت: سمعت النبي ﷺ يذكر المهدي، فقال: «نعم؛ هو حق، وهو من بني فاطمة» .
قال ابن الأثير: " (عترة الرجل): أخص أقاربه، وعترة النبي ﷺ: بنو عبد المطلب وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم: أولاده، وعلي وأولاده. وقيل: عترته: الأقربون والأبعدون منهم". قال: "والمشهور المعروف أن عترته أهل بيته الذين حرمت عليهم الزكاة". انتهى.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وعن أبي إسحاق - وهو السبيعي - قال: قال علي ﵁، ونظر إلى ابنه الحسن، فقال: "إن ابني هذا سيد كما سماه النبي ﷺ، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق (ثم ذكر قصة)، يملأ الأرض عدلًا".
رواه أبو داود.
قوله: "يشبهه في الخلق ": هو بضم الخاء واللام. "ولا يشبهه في الخلق": بفتح الخاء وسكون اللام؛ أي يشبهه في الأخلاق والسيرة، ولا يشبهه في الصورة.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «ليقومن على أمتي من أهل بيتي أقنى أجلى، يوسع الأرض عدلًا كما أوسعت ظلمًا وجورًا، يملك سبع سنين» .
رواه أبو يعلى.
قال الهيثمي: "وفيه عدي بن أبي عمارة، قال العقيلي: في حديثه اضطراب، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
وعن قرة بن إياس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لتملأن الأرض ظلمًا وجورًا، فإذا ملئت جورًا وظلمًا؛ بعث الله رجلًا مني، اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأها عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا، فلا تمنع السماء شيئًا من قطرها، ولا الأرض شيئًا من نباتها، يلبث فيكم سبعًا أو ثمانيًا أو تسعًا (يعني: سنين)» .
رواه: البزار، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه داود بن المحبر بن قحذم عن أبيه، وكلاهما ضعيف".
[ ٢ / ٢٧٨ ]
قلت: وما تقدم من الأحاديث الصحيحة يشهد له ويقويه.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ المهدي، فقال: «إن قصر فسبع، وإلا فثمان، وإلا فتسع، وليملأن الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم بعض ضعف".
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يكون في أمتي المهدي: إن قصر فسبع، وإلا فثمان، وإلا فتسع، تنعم أمتي فيها نعمة لم ينعموا مثلها، ترسل السماء عليهم مدرارًا، ولا تدخر الأرض شيئًا من النبات، والمال كدوس، يقوم الرجل يقول: يا مهدي! أعطني. فيقول: خذ» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج رجل من أمتي يقول بسنتي، ينزل الله ﷿ له القطر من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، وتملأ الأرض منه قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يعمل على هذه الأمة سبع سنين، وينزل بيت المقدس» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وقد تقدم في (باب ما جاء في عمارة بيت المقدس) حديث عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁؛ قال: وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي أو على هامتي، ثم قال: «يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة؛ فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه إلى رأسك» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والبخاري في "تاريخه"، والحاكم في
[ ٢ / ٢٧٩ ]
"مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي هذا الحديث الصحيح إشارة إلى ما جاء في حديث أبي سعيد ﵁ أن المهدي ينزل بيت المقدس.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها» .
رواه النسائي وغيره.
وعن أبي الطفيل عن محمد بن الحنفية؛ قال: كنا عند علي ﵁، فسأله رجل عن المهدي، فقال علي ﵁: هيهات. ثم عقد بيده سبعًا، فقال: "ذاك يخرج في آخر الزمان، إذا قال الرجل: الله الله؛ قتل، فيجمع الله تعالى له قومًا قزع كقزع السحاب، يؤلف الله بين قلوبهم، لا يستوحشون إلى أحد، ولا يفرحون بأحد، يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ".
قال أبو الطفيل: قال ابن الحنفية: أتريده؟ قلت: نعم. قال: إنه يخرج من بين هذين الأخشبين. قلت: لا جرم، والله لا أريمهما حتى أموت، فمات بها؛ يعني مكة.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن صالح أبي الخليل عن صاحب له عن أم سلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ؛ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة»
[ ٢ / ٢٨٠ ]
«هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك؛ أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش، أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثًا، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وهذا لفظه.
وفي رواية لهما: " «فيلبث تسع سنين» .
ورواه أبو داود أيضًا من حديث أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ؛ بهذا.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من هذا الوجه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «"يبايع لرجل من أمتي بين الركن والمقام كعدة أهل بدر، فيأتيه عصب العراق وأبدال الشام، فيأتيهم جيش من الشام، حتى إذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم، ثم يسير إليه رجل من قريش، أخواله كلب، فيهزمهم الله» . قال: "وكان يقال: إن الخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب".
فيه أبو العوام عمران القطان، وقد تقدم الكلام فيه قريبًا.
وقد روى الحاكم بعده من حديث سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «المحروم من حرم غنيمة كلب، ولو عقالًا، والذي نفسي بيده؛ لتباعن نساؤهم على درج دمشق، حتى ترد المرأة من كسر يوجد بساقها» .
[ ٢ / ٢٨١ ]
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وهذا الحديث يشهد لما قبله ويقويه.
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث صالح أبي الخليل عن مجاهد عن أم سلمة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يكون اختلاف عند موت خليفة، يخرج رجل من قريش من أهل المدينة إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، فيبتعثون إليه جيشًا من أهل الشام، فإذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم، فإذا بلغ الناس ذلك؛ أتاه أهل الشام وعصائب من أهل العراق، فيبايعونه، وينشأ رجل من قريش، أخواله من كلب، فيبتعثون إليهم جيشًا، فيهزمونهم ويظهرون عليهم، فيقسم بين الناس فيأهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم ﷺ، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، يمكث سبع سنين» . ورواه الطبراني في "الأوسط" بنحوه مختصرًا. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
ورواه أيضًا في "الكبير" و"الأوسط" بنحو رواية الحاكم. قال الهيثمي: "وفيه عمران القطان، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن قتادة يرفعه إلى النبي ﷺ؛ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من المدينة، فيأتي مكة، فيستخرجه الناس من بيته وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام فيبعث إليه جيش من الشام، حتى إذا كانوا بالبيداء؛ خسف بهم، فيأتيه عصائب العراق وأبدال الشام، فيبايعونه، فيستخرج الكنوز، ويقسم المال، ويلقي الإسلام بجرانه إلى»
[ ٢ / ٢٨٢ ]
«الأرض، يعيش في ذلك سبع سنين (أو قال: تسع سنين)» .
وعن سعيد بن سمعان؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث أبا قتادة ﵁ وهو يطوف بالبيت، فقال: قال رسول الله ﷺ: «يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي واللفظ له، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" وصححه، وإسناد أحمد والطيالسي جيد قوي.
وسيأتي الحديث بتمامه في: (باب ما جاء في استحلال البيت الحرام وتخريبه) إن شاء الله تعالى.
وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يسير ملك المغرب إلى ملك المشرق، فيقتله، فيبعث جيشًا إلى المدينة، فيخسف بهم، ثم يبعث جيشًا، فيعوذ عائذ إلى الحرم، فيجتمع الناس إليه كالطير الواردة المتفرقة، حتى يجتمع إليه ثلاثمائة وأربعة عشر رجلًا، فيهم نسوة، فيظهر على كل جبار وابن جبار، ويظهر من العدل ما يتمنى له الأحياء أمواتهم، فيحيا سبع سنين، ثم ما تحت الأرض خير مما فوقها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل، حتى يبقر بطون النساء، ويقتل النساء، فتجمع لهم قيس، فيقتلها، حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة، فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جندًا من جنده، فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صاروا ببيداء من»
[ ٢ / ٢٨٣ ]
«الأرض؛ خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁؛ قال: حدثني خليلي أبو القاسم ﷺ؛ قال: «"لا تقوم الساعة حتى يخرج إليهم رجل من أهل بيتي، فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق". قال: قلت: وكم يملك؟ قال: "خمس واثنتين". قال: قلت: ما خمس واثنتين؟ قال: "لا أدري» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه المرجى بن رجاء، وثقه أبو زرعة وضعفه ابن معين، وبقية رجاله ثقات".
وعن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: "ستكون فتنة يحصل الناس منها كما يحصل الذهب في المعدن، فلا تسبوا أهل الشام، وسبوا ظلمتهم؛ فإن فيهم الأبدال، وسيرسل الله إليهم سيبًا من السماء، فيغرقهم، حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، ثم يبعث الله عند ذلك رجلًا من عترة الرسول ﷺ، في اثني عشر ألفًا إن قلوا وخمسة عشر ألفا إن كثروا، أمارتهم (أو: علامتهم): أمت أمت، على ثلاث رايات، يقاتلهم أهل سبع رايات، ليس من صاحب راية؛ إلا وهو يطمع بالملك، فيقتتلون ويهزمون، ثم يظهر الهاشمي، فيرد الله إلى الناس إلفتهم ونعمتهم، فيكونون على ذلك حتى يخرج الدجال ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه الطبراني في "الأوسط" بنحوه مرفوعًا إلى النبي ﷺ. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وهو لين، وبقية رجاله ثقات".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيش الروم»
[ ٢ / ٢٨٤ ]
«على وال من عترتي، اسمه يواطئ اسمي » الحديث.
رواه: الخطيب في "المتفق والمفترق"، وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الملحمة الكبرى)؛ فليراجع هناك.
وعن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ؛ قال: «ستكون بعدي فتن، منها فتنة الأحلاس، يكون فيها هرب وحرب، ثم بعدها فتن أشد منها، ثم تكون فتنة، كلما قيل: انقطعت؛ تمادت، حتى لا يبقى بيت إلا دخلته، ولا مسلم إلا شكته، حتى يخرج رجل من عترتي» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق؛ ما هو دونه» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه جماعة لم أعرفهم".
وعن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه قال: "وجدت في بعض الكتب يوم اليرموك: أبو بكر الصديق أصبتم اسمه، عمر الفاروق قرنًا من حديد أصبتم اسمه، عثمان ذو النورين كفلين من الرحمة لأنه يقتل مظومًا أصبتم اسمه". قال: "ثم يكون ملك الأرض المقدسة وابنه". قال عقبة: قلت لعبد الله: سمهما. قال: " معاوية وابنه، ثم يكون سفاح، ثم يكون منصور، ثم يكون جابر، ثم مهدي، ثم يكون الأمين، ثم يكون سين ولام (يعني: صلاحًا وعاقبة)، ثم يكون أمراء العصب ستة، منهم من ولد كعب بن لؤي، ورجل من قحطان، كلهم صالح لا يرى مثله". قال أيوب: فكان ابن
[ ٢ / ٢٨٥ ]
سيرين إذا حدث بهذا الحديث؛ قال: يكون على الناس ملوك بأعمالهم.
ذكر هذا الأثر الأزهري، ونقله عنه ابن منظور في "لسان العرب".
قال الأزهري: "هذا حديث عجيب وإسناده صحيح".
وعن عبد الله (وهو ابن مسعود ﵁)؛ قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ؛ إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي ﷺ اغرورقت عيناه وتغير لونه، قال: فقلت: ما نزال ترى في وجهك شيئًا نكرهه. فقال: "إنا أهل بيت، اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدًا وتطريدًا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق، ومعهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤوها قسطًا كما ملؤوها جورًا، فمن أدرك ذلك منكم؛ فليأتهم ولو حبوًا على الثلج» .
رواه ابن ماجه.
قال ابن كثير في "النهاية": "في هذا السياق إشارة إلى ملك بني العباس، وفيه دلالة على أن المهدي يكون بعد دولة بني العباس، وأنه يكون من أهل البيت، من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ثم من ولد الحسن لا الحسين؛ كما تقدم النص على ذلك في الحديث المروي عن علي بن أبي طالب، والله أعلم.
قلت: سيأتي في كلام ابن كثير على حديث أبي هريرة ﵁ أن الرايات السود ليست هي التي أتى بها أبو مسلم الخراساني، وإنما هي رايات سود تأتي صحبة المهدي، وهذا هو الظاهر من حديث ابن مسعود ﵁؛ فإن سياقه في ذكر المهدي لا في ذكر بني العباس، ويدل على ذلك ما يأتي من حديث علي وثوبان وعبد الله بن جزء الزبيدي. والله أعلم.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وعن هلال بن عمرو؛ قال: سمعت عليًا يقول: قال النبي ﷺ: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث حراث، على مقدمته رجل يقال له: منصور، يوطئ (أو: يمكن) لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله ﷺ، وجب على كل مؤمن نصره (أو قال: إجابته)» . رواه أبو داود. قال المنذري: "هذا منقطع، قال فيه أبو داود: قال هارون؛ يعني: ابن المغيرة ". وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي: " هلال بن عمرو، وهو غير مشهور عن علي ".
قلت: وفيه أبو الحسن، راويه عن هلال بن عمرو، وهو وشيخه مجهولان.
وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج ناس من المشرق، فيوطئون للمهدي (يعني: سلطانه)» .
رواه: ابن ماجه، والطبراني في "الأوسط"، وإسناده ضعيف.
وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم"، ثم ذكر شيئًا لا أحفظه، فقال: "فإذا رأيتموه؛ فبايعوه، ولو حبوًا على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي» .
رواه: ابن ماجه بإسناد، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الإمام أحمد مختصرًا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان؛ فأتوها؛ فإن فيها خليفة الله»
[ ٢ / ٢٨٧ ]
«المهدي» .
فيه علي بن زيد بن جدعان، روى له مسلم مقرونًا بغيره، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح.
ورواه الحاكم بنحوه، وزاد: «فأتوها ولو حبوًا»، ثم قال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث غريب حسن".
وعن علي ﵁: أنه قال: "والذي نفسي بيده؛ لا يذهب الليل حتى تجيء الرايات السود من قبل خراسان، حتى يوثقوا خيولهم بنخلات بيسان والفرات".
رواه ابن المنادي.
قال ابن كثير في "النهاية": "وهذه الرايات ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني أمية في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بل رايات سود أخر تأتي صحبة المهدي، وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني ﵁، يصلحه الله في ليلة واحدة (أي: يتوب عليه ويوفقه ويلهمه رشده بعد أن لم يكن كذلك)، ويؤيده بناس من أهل المشرق، ينصرونه ويقيمون سلطانه، وتكون راياتهم سودًا أيضًا، وهو زي عليه الوقار؛ لأن راية الرسول ﷺ كانت سوداء، يقال لها: العقاب، وقد ركزها خالد بن الوليد على الثنية التي شرقي دمشق حين أقبل من العراق، فعرفت بها الثنية، فهي إلى الآن يقال لها: ثنية العقاب، وقد كانت عقابًا على الكفار من نصارى الروم ولمن كان
[ ٢ / ٢٨٨ ]
معهم وبعدهم إلى يوم الدين، ولله الحمد".
وكذلك دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح إلى مكة وعلى رأسه المغفر، وكان أسود، وجاء في حديث: أنه كان متعممًا بعمامة سوداء فوق البياض صلوات الله وسلامه عليه.
والمقصود: أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت؛ كما دل على ذلك بعض الأحاديث. انتهى.
فصل
وأحاديث المهدي التي ذكرنا فيها صحاح وحسان وغرائب ضعيفة، ولم أذكر من الضعيف إلا ما كان له شاهد من الصحاح أو الحسان، وفي الصحاح كفاية في إثبات خروج المهدي في آخر الزمان، وهي حجة قاطعة على من أنكر خروجه من العصريين.
وقد قال أبو جعفر العقيلي: "في المهدي أحاديث جياد".
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرافضي: "والأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة"، ثم ذكر طرفًا منها، وسيأتي ذلك في كلامه قريبًا إن شاء الله تعالى.
وقال الشوكاني: "الأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة" انتهى.
وقال صديق بن حسن في كتابه "الإذاعة": "أحاديث المهدي عند
[ ٢ / ٢٨٩ ]
فصل تواتر الأحاديث في المهدي وتصحيح بعضها
الترمذي وأبي داود وابن ماجه والحاكم والطبراني وأبي يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، فتعرض المنكرين لها ليس كما ينبغي، والحديث يشد بعضه بعضًا، ويتقوى أمره بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده، فيقتل الدجال، أو ينزل معه، فيساعده على قتله ".
إلى أن قال: "وقد جمع السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنه من آل محمد ﷺ، وأنه يظهر في آخر الزمان".
ثم قال: "ولم يأت تعيين زمنه؛ إلا أنه يخرج قبل خروج الدجال ". انتهى.
فصل
قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب "مناقب الشافعي ": "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه". انتهى.
وقد نقله ابن القيم عنه في كتاب "المنار المنيف" وأقره.
وقال ابن حجر الهيتمي في "القول المختصر": "الذي يتعين اعتقاده ما
[ ٢ / ٢٩٠ ]
فصل الإيمان بخروج المهدي من عقائد أهل السنة والجماعة
دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر الذي يخرج الدجال وعيسى في زمانه ويصلي عيسى خلفه". انتهى.
وقال السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار البهية": "وقد كثرت الروايات بخروجه (يعني: المهدي)، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم ".
إلى أن قال: "وقد روي عن بعض الصحابة بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة". انتهى.
وقال السفاريني أيضًا: "قال بعض حفاظ الأمة وأعيان الأئمة: إن كون المهدي من ذريته ﷺ مما تواتر عنه ذلك؛ فلا يسوغ العدول عنه ولا الالتفات إلى غيره ". انتهى.
وقال محمد البرزنجي في كتابه "الإشاعة": "أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵂ بلغت حد التواتر المعنوي؛ فلا معنى لإنكارها". انتهى.
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني في كتابه "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المتتظر والدجال والمسيح": "الأحاديث الواردة في المهدي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضًا، لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك". انتهى.
وقال الشوكاني أيضًا: "الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة،
[ ٢ / ٢٩١ ]
والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم متواترة". انتهى.
وقال صديق بن حسن في كتابه "الإذاعة": "الأحاديث الواردة فيه (أي: في المهدي) على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا، تبلغ حد التواتر، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد".
وقال صديق أيضًا ما ملخصه: "لا شك أن المهدي يخرج في آخر الزمان؛ لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة خلفًا عن سلف؛ إلا من لا يعتد بخلافه".
إلى أن قال: "لا معنى للريب في أمر الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر". انتهى.
ومما ذكرنا يعلم أن من أنكر خروج المهدي؛ فقد خالف ما عليه أهل السنة والجماعة.
فصل
وقد قال أبو عبية في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص٣٧) ما نصه: "يلاحظ أن كل ما ورد من أحاديث تتعلق بالمهدي وظهوره إنما هو أحاديث ضعيفة، على رغم كثرتها ووفرتها وجمع بعض الناس لها في كتب خاصة بها، وهي بالتالي لا تلزم المسلم اعتقاد مضمونها، وليس ما يمنع شرعًا من أن يفهم المسلم أن المهدي رمز إلى انتصار الحق والخير".
وقال أيضًا في (ص٤٢): "وليس هناك دليل صحيح قاطع الدلالة على أن من يسمى بالمهدي سيظهر داعيًا إلى دين الله على ما وردت به بعض
[ ٢ / ٢٩٢ ]
فصل إنكار أبي عبية لخروج المهدي والرد عليه
الأحاديث الضعيفة؛ كما سبق بيانه، ولهذا فنحن نميل إلى أن المهدي رمز إلى انتصار دعوة الحق على نزعات الباطل وشروره".
وقال نحو ذلك في تقديمه لكتاب "النهاية".
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: قد صحت الأحاديث في خروج المهدي كما تقدم بيان ذلك في كثير من الأحاديث التي ذكرنا، ولا عبرة بمن جهل ذلك من العصريين الذين ليست لهم بصيرة يميزون بها بين الصحيح من الحديث وبين الضعيف منه.
الوجه الثاني: أن أبا عبية قد أخطأ خطأ كبيرًا في حكمه بالضعف على جميع الأحاديث التي تتعلق بظهور المهدي، ولا يخلو في حكمه عليها من أحد أمرين، كل منهما عظيم:
أحدهما: أن يكون جاهلًا بأحاديث المهدي، بحيث لا يميز بين الصحيح منها والضعيف، وعلى هذا يكون حكمه عليها بالضعف من اتباع الظن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وقال النبي ﷺ: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث»، متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
والثاني: أن يكون عالمًا بما فيها من الأحاديث الصحيحة، ومع ذلك حكم عليها بالضعف مكابرة وتقليدًا لبعض من يشار إليهم من العصريين، وعلى هذا يكون قد رد الأحاديث الصحيحة متعمدًا، وما أعظم ذلك.
الوجه الثالث: قد ذكرت في أول الكتاب أن كل ما صح عن النبي ﷺ أنه أخبر بوقوعه؛ فالإيمان به واجب على كل مسلم، وذلك من تحقيق الشهادة بأنه
[ ٢ / ٢٩٣ ]
رسول الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
وليس التواتر في الأخبار عن المغيبات شرطًا لوجوب الإيمان بها كما قد زعم ذلك بعض أهل البدع ومن تبعهم من المتفقهة المقلدة وغيرهم من جهلة العصريين، بل كل ما صح سنده إلى النبي ﷺ؛ فالإيمان به واجب، سواء كان متواترًا أو أخبار آحاد، وهذا قول أهل السنة والجماعة.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كل ما جاء عن النبي ﷺ بإسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ".
الوجه الرابع: قد تقدم ما قاله الآبري والهيتمي والسفاريني والبرزنجي والشوكاني وصديق بن حسن في أحاديث المهدي أنها قد بلغت حد التواتر، وأنه لا معنى لإنكارها.
الوجه الخامس: أن ما ذهب إليه أبو عبية من كون المهدي رمزًا لانتصار دعوة الحق على نزعات الباطل وشروره مردود بأمور منصوص عليها في الأحاديث الصحيحة: منها: أن المهدي رجل من أهل بيت النبي ﷺ وعترته. ومنها: أن اسمه يواطئ اسم النبي ﷺ واسم أبيه يواطئ اسم أبي النبي ﷺ. ومنها: أن خلقه يشبه خلق النبي ﷺ. ومنها: وصفه بأنه أشم الأنف أقنى أجلى، وسيأتي تفسير هذه الصفات قريبًا إن شاء الله تعالى. ومنها: أنه يملك العرب. ومنها: أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا.
وكل جملة من هذه الجمل الست كافية في رد ما ذهب إليه أبو عبية؛ فكيف وقد اجتمعت كلها على رد قوله الذي هو من تحريف الكلم عن مواضعه؟ .
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فصل تصحيح شيخ الإسلام ابن تيمية لأحاديث المهدي والرد على من غلط فيها
فصل
فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه والحاكم من طريق يونس بن عبد الأعلى الصدفي: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي: حدثني محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ؛ قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا شحًا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا المهدي إلا عيسى ابن مريم»؛ فإنه حديث معلول عند المحققين، وعلى تقدير صحته؛ فقد جمع ابن القيم وابن كثير وغيرهما بينه وبين أحاديث المهدي بجمع حسن؛ كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد قال الحاكم بعد إخراجه: "قال صامت بن معاذ: عدلت إلى الجند مسيرة يومين من صنعاء، فدخلت على محدث لهم، فطلبت هذا الحديث، فوجدته عنده عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن أبي عياش عن الحسن عن النبي ﷺ مثله، وقد روي بعض هذا المتن عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ ".
ثم ساق الحاكم هذا الحديث، وليس منه: «ولا مهدي إلا عيسى»، ثم قال: "فذكرت ما انتهى إلي من علة هذا الحديث تعجبًا لا محتجًا به في "المستدرك على الشيخين"، فإن أولى من هذا الحديث ذكره في هذا الموضع حديث سفيان الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا» .
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في "الميزان": " محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح: روى عنه الشافعي، قال الأزدي: منكر الحديث، وقال أبو عبد الله الحاكم: مجهول". قال الذهبي: "حديثه: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»: هو خبر منكر، أخرجه ابن ماجه، ووقع لنا موافقه من حديث يونس بن عبد الأعلى، وهو ثقة، تفرد به عن الشافعي، فقال في روايتنا: "عن"؛ هكذا: "عن الشافعي ". وقال في جزء عتيق بمرة عندي من حديث يونس بن عبد الأعلى؛ قال: "حدثت عن الشافعي "؛ فهو على هذا منقطع. على أن جماعة رووه عن يونس؛ قال: "حدثنا الشافعي "، والصحيح أنه لم يسمعه منه، وأبان بن صالح صدوق، وما علمت به بأسًا، لكن قيل: إنه لم يسمع من الحسن، ذكره ابن الصلاح في "أماليه"، ثم قال: محمد بن خالد شيخ مجهول".
قال الذهبي: "قد وثقه يحيى بن معين، وروى عنه ثلاثة رجال سوى الشافعي.
وللحديث علة أخرى. قال البيهقي: أخبرنا الحاكم: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن يزداد المزكي من كتابه: حدثنا عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بمصر: حدثنا المفضل بن محمد الجندي: حدثنا صامت بن معاذ؛ قال: عدلت إلى الجند فدخلت على محدث لهم، فوجدت عنده عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن أبي عياش عن الحسن عن النبي ﷺ ".
قال الذهبي: "فانكشف ووهى". انتهى.
وقال البيهقي: "تفرد به محمد بن خالد ".
وقد قال الحاكم أبو عبد الله: "هو مجهول، وقد اختلف عليه في إسناده،
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فروي عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن عن النبي ﷺ ". قال: "فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد - وهو مجهول - عن أبان بن أبي عياش - وهو متروك - عن الحسن - وهو منقطع - والأحاديث الدالة على خروج المهدي أصح إسنادًا".انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرافضي: " الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره؛ كقوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن مسعود:
«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم؛ لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه رجل مني (أو: من أهل بيتي)، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا» .
ورواه الترمذي وأبو داود من رواية أم سلمة، وأيضًا فيه: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» .
ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد، وفيه: «يملك الأرض سبع سنين» .
ورواه عن علي ﵁: أنه نظر إلى الحسن، وقال: "إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله ﷺ، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض قسطًا".
وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف:
طائفة أنكروها واحتجوا بحديث ابن ماجه: أن النبي ﷺ؛ قال: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»، وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس
[ ٢ / ٢٩٧ ]
عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له: محمد بن خالد الجندي، وهو ممن لا يحتج به، وليس هذا في "مسند الشافعي "، وقد قيل: إن الشافعي لم يسمعه من الجندي، وإن يونس لم يسمعه من الشافعي.
الثاني: أن الاثني عشرية الذين ادعوا أن هذا هو مهديهم، مهديهم اسمه محمد بن الحسن، والمهدي الذي وصفه النبي ﷺ اسمه محمد بن عبد الله، ولهذا حذفت طائفة لفظ الأب حتى لا يناقض ما كذبت، وطائفة حرفته، فقالت: جده الحسين، وكنيته أبو عبد الله؛ فمعناه محمد بن أبي عبد الله، وجعلت الكنية اسمًا، ومن له أدنى نظر؛ يعرف أن هذا تحريف وكذب على رسول الله ﷺ؛ فهل يفهم أحد من قوله: «يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي» إلا أن اسم أبيه عبد الله؟ ! وأيضًا؛ فإن المهدي المنعوت من ولد الحسن بن علي لا من ولد الحسين؛ كما تقدم لفظ حديث علي.
الثالث: أن طوائف ادعى كل منهم أنه المهدي المبشر به. مثل مهدي القرامطة الباطنية الذي أقام دعوتهم بالمغرب، وهم من ولد ميمون القداح، وادعوا أن ميمونًا هذا من ولد محمد بن إسماعيل، وإلى ذلك انتسب الإسماعيلية، وهم ملاحدة في الباطن، خارجون عن جميع الملل، وأكفر من الغالية كالنصيرية، ومذهبهم مركب من مذهب المجوس والصابئة والفلاسفة، مع إظهار التشيع، وجدهم رجل يهودي كان ربيبًا لرجل مجوسي، وقد كانت لهم دولة وأتباع، وقد صنف العلماء كتبًا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم؛ مثل كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار الهمذاني، وكتاب الغزالي، ونحوهم.
وممن ادعى أنه المهدي ابن التومرت الذي خرج أيضا بالمغرب، وسمى أصحابه الموحدين، وكان يقال له في خطبهم: الإمام المعصوم والمهدي
[ ٢ / ٢٩٨ ]
المعلوم الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وهذا ادعى أنه من ولد الحسن دون الحسين؛ فإنه لم يكن رافضيًا، وكان له من الخبرة بالحديث ما ادعى به دعوى تطابق الحديث، وقد علم بالاضطرار أنه ليس هو الذي ذكره النبي ﷺ.
ومثل عدة آخرين ادعوا ذلك منهم من قبل، ومنهم من ادعى ذلك فيه أصحابه، وهؤلاء كثيرون لا يحصي عددهم إلا الله، وربما حصل بأحدهم نفع لقوم، وإن حصل به ضرر لآخرين كما حصل بمهدي المغرب؛ انتفع به طوائف، وانضر به طوائف، وكان فيه ما يحمد، وكان فيه ما يذم، وبكل حال؛ فهو وأمثاله خير من مهدي الرافضة الذي ليس له عين ولا أثر ولا يعرف له حس ولا خبر، لم ينتفع به أحد لا في الدنيا ولا في الدين، بل حصل باعتقاد وجوده من الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد". انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "المنار المنيف" ما نصه: "وسئلت عن حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فكيف يأتلف هذا مع أحاديث المهدي وخروجه؟ ! وما وجه الجمع بينهما؟ ! وهل في المهدي حديث أم لا؟ .
فأما حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»؛ فرواه ابن ماجه في "سننه" عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ، وهو مما تفرد به محمد بن خالد.
قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب "مناقب الشافعي ": محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد
[ ٢ / ٢٩٩ ]
تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه.
وقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد هذا، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهول. وقد اختلف عليه في إسناده، فروي عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلًا عن النبي ﷺ. قال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد - وهو مجهول - عن أبان بن أبي عياش - وهو متروك - عن الحسن عن النبي ﷺ - وهو منقطع - والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا.
قلت: كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم؛ لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلًا مني (أو: من أهل بيتي)، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا» .
رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة. ثم روى حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح. انتهى.
وفي الباب عن حذيفة بن اليمان وأبي أمامة الباهلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص وثوبان وأنس بن مالك وجابر وابن عباس وغيرهم.
وفي "سنن أبي داود " عن علي ﵁: أنه نظر إلى ابنه الحسن، فقال: "إن ابني هذا سيد كما سماه النبي ﷺ، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض عدلًا".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٢ / ٣٠٠ ]
«المهدي مني: أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين» . رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث عمران بن داور العمي القطان، وقال: "حسن الحديث عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عنه"، وروى الترمذي نحوه من وجه آخر.
وروى أبو داود من حديث صالح بن أبي مريم أبي الخليل الضبعي عن صاحب له عن أم سلمة عن النبي ﷺ؛ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه جيش من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك؛ أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشئ رجل من قريش، أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثًا، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
وفي رواية: «فيلبث تسع سنين» .
ورواه الإمام أحمد باللفظين. ورواه أبو داود من وجه آخر عن قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم سلمة نحوه. ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" من حديث قتادة عن صالح أبي الخليل عن صاحب له، وربما قال: " صالح عن مجاهد عن أم سلمة "، والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه: صحيح.
وقال ابن ماجه في "سننه": حدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أبو داود الحفري: حدثنا ياسين عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن علي رضي
[ ٢ / ٣٠١ ]
الله عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج ناس من أهل المشرق، فيوطئون للمهدي سلطانه» .
وذكر أبو نعيم في "كتاب المهدي " من حديث حذيفة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد؛ لبعث الله فيه رجلًا، اسمه اسمي، وخلقه خلقي، يكنى أبا عبد الله» .
ولكن في إسناده العباس بن بكار لا يحتج بحديثه، وقد تقدم هذا المتن من حديث ابن مسعود وأبي هريرة، وهما صحيحان.
وقد قالت أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» .
رواه: أبو داود، وابن ماجه، وفي إسناده زياد بن بيان: وثقه ابن حبان، وقال ابن معين: "ليس به بأس "، وقال البخاري: "في إسناد حديثه نظر".
وقال أبو نعيم: حدثنا خلف بن أحمد بن العباس الرامهرمزي في كتابه: حدثنا همام بن أحمد بن أيوب: حدثنا طالوت بن عباد: حدثنا سويد بن إبراهيم عن محمود بن عمر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليبعثن الله من عترتي رجلًا أفرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملأ الأرض عدلًا، يفيض المال في زمنه» .
ولكن طالوت وشيخه ضعيفان، والحديث ذكرناه للشواهد.
وقال يحيى بن عبد الحميد الحماني في "مسنده": حدثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، يفتح القسطنطينية وجبل الديلم، ولو لم يبق إلا يوم؛ طول الله ذلك اليوم حتى يفتحها» .
[ ٢ / ٣٠٢ ]
يحيى بن عبد الحميد: وثقه ابن معين وغيره، وتكلم فيه أحمد. وقال أبو نعيم: حدثنا أبو الفرج الأصبهاني: حدثنا أحمد بن الحسين: حدثنا أبو جعفر بن طارق عن الجيد بن نظيف عن أبي نضرة عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه، فيقول: ألا إن بعضهم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة» .
وهذا الإسناد لا تقوم به حجة، لكن في "صحيح ابن حبان " من حديث عطية بن عامر نحوه.
وقال الحارث بن أبي أسامة في "مسنده": حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم: حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا. فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة» .
وهذا إسناد جيد.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الهلالي: حدثنا العباس بن بكار، حدثنا عبد الله بن زياد عن الأعمش عن زر بن حبيش عن حذيفة؛ قال: خطبنا النبي ﷺ، فذكر ما هو كائن، ثم قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد؛ لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلًا من ولدي، اسمه اسمي» .
ولكن هذا إسناد ضعيف.
وهذه الأحاديث أربعة أقسام: صحاح، وحسان، وغرائب، وموضوعة.
وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:
أحدها: أنه المسيح ابن مريم، وهو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم، وقد بينا حاله، وأنه لا
[ ٢ / ٣٠٣ ]
يصح، ولو صح؛ لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين رسول الله ﷺ وبين الساعة. وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي ﷺ على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود والنصارى، ووضعه الجزية، وإهلاك أهل الملل في زمانه، فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه، وإن كان غيره مهديًا؛ كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما وقى وجه صاحبه، وكما يصح أن يقال: إنما المهدي عيسى ابن مريم؛ يعني: المهدي الكامل المعصوم".
القول الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه.
واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أحمد في "مسنده": حدثنا وكيع عن شريك عن علي بن زيد عن أبي قلابة عن ثوبان؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان؛ فأتوها ولو حبوًا على الثلج؛ فإن فيها خليفة الله المهدي» .
وعلي بن زيد قد روى له مسلم متابعة، ولكن هو ضعيف، وله مناكير تفرد بها، فلا يحتج بما ينفرد به.
وروى ابن ماجه من حديث الثوري عن خالد عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي ﷺ نحوه، وتابعه عبد العزيز بن المختار عن خالد.
وفي "سنن ابن ماجه " عن عبد الله بن مسعود؛ قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ؛ إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي ﷺ؛ اغرورقت عيناه، وتغير لونه، فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئًا نكرهه. قال: "إنا أهل بيت، اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بلاء وتشريدًا وتطريدًا، حتى يأتي قوم من أهل المشرق، ومعهم رايات سود، يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون، فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من»
[ ٢ / ٣٠٤ ]
«أهل بيتي، فيملؤها قسطًا كما ملئت جورًا، فمن أدرك ذلك منكم؛ فليأتهم ولو حبوًا على الثلج» .
وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو سيئ الحفظ، اختلط في آخر عمره، وكان يقلد الفلوس.
وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه، وقد قال رسول الله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان؛ فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين؛ فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.
القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلًا.
وأكثر الأحاديث على هذا تدل، وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف، وهو أن الحسن ﵁ ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده: أنه من ترك لأجله شيئًا؛ أعطاه الله (أو أعطى ذريته) أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين ﵁؛ فإنه حرص عليها، وقاتل عليها، فلم يظفر بها. والله أعلم.
وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال:
[ ٢ / ٣٠٥ ]
قال رسول الله ﷺ: «يخرج رجل من أهل بيتي، يعمل بسنتي، وينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا، ويعمل على هذا الأمر سبع سنين، وينزل بيت المقدس» . وروى أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁؛ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ، وذكر الدجال؛ قال: "فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص". فقالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله؟ ! فقال: "هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي، رجل صالح» .
وروى أيضًا من حديث عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها» .
وهذه الأحاديث وإن كان في أسانيدها بعض الضعف والغرابة؛ فهي مما يقوي بعضها بعضًا، ويشد بعضها ببعض.
فهذه أقوال أهل السنة.
وأما الرافضة الإمامية؛ فلهم قول رابع، وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامرا طفلًا صغيرًا من أكثر من خمسمائة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحس فيه بخبر ولا أمر، وهم ينتظرونه كل يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! اخرج يا مولانا! ثم يرجعون بالخيبة والحرمان؛ فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال:
ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا
[ ٢ / ٣٠٦ ]
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا
ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل.
أما مهدي المغاربة محمد بن تومرت؛ فإنه رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل، ملك بالظلم والتغلب والتحيل، فقتل النفوس، وأباح حريم المسلمين، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وكان شرًا على الأمة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء، يأمرهم أن يقولوا للناس: إنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ، ثم يردم عليهم ليلًا؛ لئلا يكذبوه بعد ذلك، وسمى أصحابه الجهمية الموحدين نفاة صفات الرب وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه، ورؤية المؤمنين له بالأبصار يوم القيامة، واستباح قتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان، وتسمى بالمهدي المعصوم.
ثم خرج المهدي الملحد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان جده يهوديا، من بيت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت، وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ، وملك وتغلب، واستفحل أمره، إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام، واشتدت غربة الإسلام ومحنته ومصيبته بهم، وكانوا يدعون الإلهية، ويدعون أن للشريعة باطنا يخالف ظاهرها، وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين، فتستروا بالرفض والانتساب كذبا إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد وروجوه، ولم يزل أمرهم ظاهرًا، إلى أن أنقذ الله الأمة منهم ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستنقذ الملة الإسلامية منهم، وأبادهم وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
والمقصود أن هؤلاء لهم مهدي، وأتباع ابن تومرت لهم مهدي، والرافضة الاثني عشرية لهم مهدي؛ فكل هذه الفرق تدعي في مهديها الظلوم الغشوم والمستحيل المعدوم أنه الإمام المعصوم، والمهدي المعلوم الذي بشر به النبي ﷺ وأخبر بخروجه، وهي تنتظره كما تنتظر اليهود القائم الذي يخرج في آخر الزمان، فتعلو به كلمتهم، ويقوم به دينهم، وينصرون به على جميع الأمم، والنصارى تنتظر المسيح يأتي يوم القيامة، فيقيم دين النصرانية، ويبطل سائر الأديان، وفي عقيدتهم نزع المسيح الذي هو إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي نزل طامينا إلى أن قالوا: وهو مستعد للمجيء قبل يوم القيامة.
فالملل الثلاث تنتظر إماما قائما يقوم في آخر الزمان.
ومنتظر اليهود الذي يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفًا، وفي "المسند" مرفوعًا عن النبي ﷺ: «أكثر أتباع الدجال اليهود والنساء» .
والنصارى تنتظر المسيح عيسى ابن مريم، ولا ريب في نزوله، ولكن إذا نزل؛ كسر الصليب، وقتل الخنزير، وأباد الملل كلها؛ سوى ملة الإسلام، وهذا معنى الحديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» . انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال ابن كثير في "النهاية": "فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه في "سننه"؛ حيث قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي: حدثني محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا المهدي إلا عيسى ابن مريم»؛ فإنه حديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي الصنعاني المؤذن شيخ الشافعي، وروى عنه غير واحد أيضًا، وليس هو بمجهول
[ ٢ / ٣٠٨ ]
كما زعمه الحاكم، بل قد روي عن ابن معين أنه وثقه، ولكن من الرواة من حدث به عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن البصري مرسلًا، وذكر ذلك شيخنا في "التهذيب" عن بعضهم أنه رأى الشافعي في المنام وهو يقول: كذب علي يونس بن عبد الأعلى، ليس هذا من حديثي".
قال ابن كثير: "قلت: يونس بن عبد الأعلى الصدفي من الثقات، لا يطعن فيه بمجرد منام، وهذا الحديث فيما يظهر ببادي الرأي مخالف الأحاديث التي أوردناها في إثبات مهدي غير عيسى ابن مريم، إما قبل نزوله كما هو الأظهر، وإما بعده، وعند التأمل لا ينافيها، بل يكون المراد من ذلك أن المهدي حق المهدي هو عيسى ابن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديًا أيضًا. والله أعلم ". انتهى كلامه.
وقال السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار البهية": "قد كثرت الأقوال في المهدي، حتى قيل: لا مهدي إلا عيسى، والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عد من معتقداتهم ".
إلى أن قال: "وقد روي عن بعض الصحابة بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي؛ فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة ". انتهى.
وقال الشوكاني في كتابه "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح ": "وأما حديث أنس الذي أخرجه ابن ماجه والحاكم في "المستدرك" بلفظ: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا»
[ ٢ / ٣٠٩ ]
«شحًا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم»؛ فيمكن أن يقال في تأويله: لا مهدي كامل، ولا شك أن عيسى أكمل من المهدي؛ لأنه نبي الله وهذا التأويل متحتم؛ لمخالفة ظاهره للأحاديث المتواترة ". انتهى.
فصل
قد تقدم في حديث أبي سعيد ﵁ وصف المهدي بأنه أشم الأنف، أقنى، أجلى.
قال الجوهري: " (الشمم): ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، فإن كان فيها احديداب؛ فهو القنى".
وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (الشمم في الأنف): ارتفاع القصبة وحسنها واستواء أعلاها وانتصاب الأرنبة، وقيل: إن الشمم أن يطول الأنف ويدق وتسيل روثته، وإذا وصف الشاعر، فقال: أشم؛ فإنما يعني سيدًا ذا أنفة، ومنه قول كعب بن زهير: شم العرانين أبطال لبوسهم، جمع أشم، والعرانين الأنوف، وهو كناية عن الرفعة والعلو وشرف النفس ". انتهى.
وأما الأقنى؛ فهو المحدودب الأنف.
قال الجوهري: " (القنى): احديداب في الأنف".
وقال ابن الأثير: " (القنى في الأنف): طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه".
وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (القنى): مصدر الأقنى من الأنوف وهو ارتفاع في أعلاه بين القصبة والمارن من غير قبح".
[ ٢ / ٣١٠ ]
فصل ذكر صفات المهدي
قال ابن سيده: " (والقنى): ارتفاع في أعلى الأنف، واحديداب في وسطه، وسبوغ في طرفه. وقيل: هو نتوء وسط القصبة وإشرافه وضيق المنخرين".
وأما الأجلى؛ فهو الذي انحسر الشعر عن مقدم رأسه.
قال الجوهري: " (الجلاء): انحسار الشعر عن مقدم الرأس ".
وقال ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب": "وفي صفة المهدي أنه أجلى الجبهة، الأجلى: الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته". زاد ابن منظور: "وقيل: الأجلى: الحسن الوجه الأنزع".
وقال أبو عبيدة: "إذا انحسر الشعر عن نصف الرأس ونحوه؛ فهو أجلى ".
وقال الفراء: "اشتقاقه من الجلاء، وهو ابتداء الصلع، إذا ذهب شعر الرأس إلى نصفه".
وقال أبو علي القالي: "الأنزع الذي قد انحسر الشعر عن جانبي جبهته، فإذا زاد قليلًا؛ فهو أجلح، فإذا بلغ النصف؛ فهو أجلى، ثم هو أجله".
باب
ما جاء في الخليفة الذي يحثي المال حثيًا ولا يعده
عن الجريري - واسمه: سعيد بن إياس - عن أبي نضرة - واسمه: المنذر بن مالك بن قطعة - قال: كنا عند جابر بن عبد الله ﵄، فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم؛ يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم
[ ٢ / ٣١١ ]
باب ما جاء في الخليفة الذي يحثي المال حثيا ولا يعده
دينار ولا مد. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذاك. قال: ثم أمسك هنيهة، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوًا لا يعده عدًا» . قال الجريري: فقلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁؛ قال: رسول الله ﷺ: «يكون في آخر الزمان خليفة يعطي المال ولا يعده عدًا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وفي رواية له: أن رسول الله ﷺ قال: «ليبعثن الله ﷿ في هذه الأمة خليفة يحثي المال حثيًا ولا يعده عدًا» .
وعن أبي نضرة عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله ﵃؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له: السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثيا» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "فيه عطية العوفي، وهو ضعيف، ووثقه ابن معين، وبقية رجاله ثقات".
وعن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قلت: والله ما يأتي علينا أمر إلا وهو شر من الماضي، ولا عام إلا وهو شر من
[ ٢ / ٣١٢ ]
الماضي. قال: لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ؛ لقلت مثل ما يقول، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أمرائكم أميرًا يحثي المال حثيًا ولا يعده عدًا، يأتيه الرجل، فيسأله، فيقول: خذ! فيبسط الرجل ثوبه، فيحثي فيه"، وبسط رسول الله ﷺ ملحفة غليظة كانت عليه؛ يحكي صنيع الرجل، ثم جمع إليه أكنافها؛ قال: "فيأخذه ثم ينطلق» .
رواه الإمام أحمد.
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يكون على الناس إمام يحثي المال حثيًا» .
رواه ابن النجار.
وفي هذه الأحاديث إشارة إلى المهدي بدليل ما تقدم في بعض الروايات عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في ذكر المهدي: «"ويكون المال كدوسًا". قال: "يجيء الرجل إليه، فيقول: يا مهدي! أعطني، أعطني". قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم بنحوه.
وفي رواية لأحمد: «أن المهدي يأمر مناديًا، فينادي، فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان (يعني: الخازن)، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا، فيقول له: احث» . الحديث.
وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يقوم الرجل يقول: يا مهدي! أعطني. فيقول: خذ» .
رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٢ / ٣١٣ ]
باب
ما جاء في القحطاني
قد تقدم حديث قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق؛ ما هو دونه» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه جماعة لم أعرفهم".
وتقدم أيضًا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وفيه: «ثم يكون أمراء العصب، ستة منهم من ولد كعب بن لؤي، ورجل من قحطان، كلهم صالح لا يرى مثله» .
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وإسناد أحمد إسناد مسلم.
وعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «ليسوقن رجل من قحطان الناس بعصا» .
رواه الطبراني.
باب
ما جاء في الجهجاه
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه» .
[ ٢ / ٣١٤ ]
باب ما جاء في الجهجاه
رواه: الإمام أحمد، ومسلم واللفظ له، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب "، وإسناد أحمد والترمذي إسناد مسلم.
ولفظ أحمد والترمذي: «لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي، يقال له: جهجاه» .
وعن علباء السلمي ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى يملك الناس رجل من الموالي، يقال له: جهجاه» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه".
قلت: وحديث أبي هريرة يشهد له ويقويه.
باب
ما جاء في عود الأمر إلى حمير
عن ذي مخمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله ﷿ منهم، فجعله في قريش، وسيعود إليهم» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
باب
ما جاء في الآيات الكبار
عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (فذكر) الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة»
[ ٢ / ٣١٥ ]
باب ما جاء في الآيات الكبار
«خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وفي رواية ابن ماجه: «ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا» . ولأحمد نحوه.
وفي رواية للترمذي: «والعاشرة: إما ريح تطرحهم في البحر، وإما نزول عيسى ابن مريم» . ولأحمد ومسلم نحوه.
ورواه الطبراني، ولفظه: قال: «عشر بين يدي الساعة: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، ونزول عيسى ابن مريم، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وريح تسفيهم وتطرحهم بالبحر، وطلوع الشمس من مغربها» .
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدجال، والدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تحشر الذر والنمل» .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد قدمت ذكر الخسوف الثلاثة والنار التي تخرج من اليمن مع نظائرها، ويأتي ذكر البقية مفصلًا إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٣١٦ ]
باب
ما جاء في تتابع الآيات
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك؛ يتبع بعضها بعضًا» .
رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وهو حسن الحدث". وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه، وكذلك الذهبي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعن كما يتتابع الخرز في النظام» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وداود الزهراني، وكلاهما ثقة".
وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الأمارات خرزات منظومات بسلك، فإذا انقطع السلك؛ تبع بعضه بعضًا» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي سريحة - وهو حذيفة بن أسيد ﵁ -: أن رسول الله ﷺ؛ قال: «بين يدي الساعة عشر آيات، كالنظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة؛ توالت: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وفتح يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها» .
[ ٢ / ٣١٧ ]
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "إذا رأيتم أول الآيات؛ تتابعت".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁: أنه قال: "لو أن رجلًا ارتبط فرسًا في سبيل الله، فأنتجت مهرًا عند أول الآيات؛ ما ركب المهر حتى يرى آخرها".
رواه ابن أبي شيبة.
باب
في مدة الآيات
عن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ؛ قال: «كل ما توعدون في مائة سنة» .
رواه البزار.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" في أثناء حديث طويل، ولفظه: «كل ما يوجد في مائة سنة»، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وظاهر هذا الحديث يخالف ما تقدم في الأثر الأخير عن حذيفة ﵁، ويمكن الجمع بينهما بأن يحمل ما في حديث ثوبان ﵁ على مدة ظهور الآيات العشر كلها، ويحمل ما روي عن حذيفة ﵁ على ظهور الآيات العظام التي ليست بمألوفة؛ مثل طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والدخان الذي يغشى الناس، وظهور النار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. والله أعلم.
[ ٢ / ٣١٨ ]
باب
ما جاء في أول الآيات خروجًا
عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير؛ قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه وهو يحدث في الآيات: أن أولها خروج الدجال. قال: فانصرف النفر إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات، فقال عبد الله: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله ﷺ في ذلك حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجًا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها". ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب -: "وأظن أولاها خروجًا طلوع الشمس من مغربها» الحديث.
رواه: الإمام أحمد وهذا لفظه، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه مختصرًا، والبزار، والطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وسيأتي الحديث مطولًا في (باب ما جاء في طلوع الشمس من مغربها) إن شاء الله تعالى.
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه فضالة بن جبير، وهو ضعيف، وأنكر هذا الحديث".
قال الحافظ ابن كثير في كتاب "النهاية" في الكلام على حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ؛ قال: «إن أول الآيات خروجًا:»
[ ٢ / ٣١٩ ]
«طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى»؛ قال: "أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى ﵊ من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر يشاهدهم الناس، وأمثالهم مألوفة، فأما خروج الدابة على شكل غير مألوف، ومخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان والكفر؛ فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية؛ كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية".
وقال ابن كثير أيضًا في موضع آخر من "النهاية": "وقد ذكرنا أن المراد بالآيات هاهنا التي ليست مألوفة، وهي مخالفة للعادة المستقرة؛ فالدابة التي تكلم الناس وتعين المؤمن من الكافر وطلوع الشمس من مغربها أمر باهر جدًا؛ فهذه أول الآيات الأرضية، وهذه أول الآيات السماوية، وقد ظن عبد الله بن عمرو ﵄ أن طلوع الشمس من مغربها متقدم على الدابة، وذلك محتمل ومناسب".
قلت: وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أبي أمامة ﵁ الذي تقدم ذكره في هذا الباب، ولكنه حديث ضعيف؛ فلا يعتمد عليه.
قال ابن كثير: "وقد حكى البيهقي عن الحاكم: أنه قال: أول الآيات ظهورًا خروج الدجال، ثم نزول عيسى ابن مريم، ثم فتح يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها".
ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن الحاكم: أنه قال: "الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه".
قال الحافظ: "والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق
[ ٢ / ٣٢٠ ]
باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر، تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ كما في حديث أنس في "مسائل عبد الله بن سلام " ".
انتهى.
وقد تقدم حديث أنس ﵁ في (باب ما جاء في خروج النار) .
ونقل الحافظ أيضًا عن الطيبي أنه قال: "الآيات أمارات للساعة: إما على قربها، وإما على حصولها؛ فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، يأجوج ومأجوج، والخسف. ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس".
قال ابن حجر: "والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة".
ثم ذكر الحافظ حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي تقدم في أول الباب، وإنكاره لقول مروان بن الحكم، ثم قال: "ولكلام مروان محمل يعرف مما ذكرته". انتهى.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في ذكر خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث إذا خرجن؛ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» .
رواه: مسلم، والترمذي، وابن جرير، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقد رواه الإمام أحمد، وقال فيه: "والدخان "؛ بدل: " الدجال ".
[ ٢ / ٣٢١ ]
وظاهر هذا الحديث الصحيح يدل على أن التوبة لا تزال مقبولة حتى تخرج الثلاث كلها.
وقد تواترت الأحاديث الدالة على أن التوبة لا تزال مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها، وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى، فيستفاد من حديث أبي هريرة ﵁ مع الأحاديث الواردة في قبول التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها، أن خروج الدابة والدخان متقدم على طلوع الشمس من مغربها. والله أعلم.
أبواب
ما جاء في الدجال
قال ابن الأثير: "أصل الدجل: الخلط، يقال: دجل إذا لبس وموه، ومنه الحديث: «يكون في آخر الزمان دجالون»؛ أي: كذابون مموهون، وقد تكرر ذكر الدجال في الحديث، وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الألوهية، وفعال من أبنية المبالغة؛ أي يكثر منه الكذب والتلبيس".
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " الدجال - بفتح أوله والتشديد - من الدجل، وهو التغطية، وسمي الكذاب دجالًا؛ لأنه يغطي الحق بباطله". انتهى.
ويسمى الدجال: المسيح الكذاب، وسيأتي ذكر السبب في تسميته بالمسيح، وذكر الفرق بينه وبين المسيح عيسى ابن مريم عند ذكر عيسى إن شاء الله تعالى.
قال ابن كثير في "النهاية": "وهو رجل من بني آدم، خلقه الله تعالى ليكون محنة للناس في آخر الزمان، فيضل به كثيرًا، ويهدي به كثيرًا، وما يضل
[ ٢ / ٣٢٢ ]
أبواب ما جاء في الدجال
ذكر أن الدجال رجل من بني آدم
به إلا الفاسقين".
وقد روى الحافظ أحمد بن علي الأبار في "تاريخه" من طريق مجالد عن الشعبي: أنه قال: "كنية الدجال أبو يوسف". انتهى.
وقد تقدم في (باب ما جاء في الآيات الكبار) حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (فذكر الدخان والدجال)» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح ".
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك، وقد تقدم في الباب المذكور.
باب
ما جاء أن الدجال كان موجودًا في زمن النبي ﷺ
عن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد أكل الطعام ومشى في الأسواق (يعني: الدجال)» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والآجري في كتاب "الشريعة". قال الهيثمي: "وفي إسناد أحمد علي بن زيد، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني محمد بن منصور النحوي الأهوازي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
[ ٢ / ٣٢٣ ]
باب ما جاء أن الدجال كان موجودا في زمن النبي ﷺ
وعن معقل بن يسار ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أكل الطعام، ومشى في الأسواق (يعني: الدجال)» .
رواه الطبراني في "الأوسط) . قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير علي بن زيد بن جدعان، وهو لين، وثقة العجلي وغيره، وضعفه جماعة ".
انتهى.
وقد رواه الآجري في كتاب "الشريعة"، ولكنه قال عن ابن مغفل: "ولعل ذلك غلط من بعض الكتاب".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا إن كل نبي قد أنذر أمته الدجال، وإنه يومه هذا قد أكل الطعام» .
الحديث.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف. وسيأتي بتمامه في ذكر الرجل المؤمن الذي يقتله الدجال إن شاء الله تعالى.
ويشهد لهذه الأحاديث ما يأتي من حديث فاطمة بنت قيس وحديث جابر بن عبد الله ﵃ في ذكر الجساسة والدجال.
باب
في خبر الجساسة
عن ابن بريدة - وهو عبد الله - قال: حدثني عامر بن شراحيل الشعبي - شعب همدان - أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله ﷺ لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقلت لها: أجل؛ حدثيني (فذكر
[ ٢ / ٣٢٤ ]
باب في خبر الجساسة
الحديث في تأيمها من زوجها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم) . قالت: «فلما انقضت عدتي؛ سمعت نداء المنادي (منادي رسول الله ﷺ) ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ﷺ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته؛ جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزم كل إنسان مصلاه"، ثم قال: "أتدرون لم جمعتكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلًا؛ فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا؛ فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا: ويلك! ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرًا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟»
[ ٢ / ٣٢٥ ]
«قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا يثمر، أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم؛ هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة (أو: واحدًا) منهما؛ استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها". قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة (يعني: المدينة)، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ ". فقال: الناس: نعم. "فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا؛ بل من قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) ". قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ» .
رواه: مسلم، وأبو داود، وهذا لفظ مسلم.
ورواه الطبراني في "الكبير" بنحو رواية مسلم. وفي إسناده حفص بن عمر بن الصباح الرقي، ذكره ابن حبان في "الثقات " وقال: "ربما أخطأ، وبقية رجاله رجال الصحيح".
[ ٢ / ٣٢٦ ]
ورواه: مسلم أيضًا، وأبو داود الطيالسي؛ والطبراني في "الكبير" من حديث قرة بن خالد: حدثنا سيار أبو الحكم: حدثنا الشعبي؛ قال: «دخلنا على فاطمة بنت قيس ﵂، فأتحفتنا برطب يقال له: رطب ابن طاب، وأسقتنا سويق سلت، فسألتها عن المطلقة ثلاثًا أين تعتد؟ قالت: طلقني بعلي ثلاثًا، فأذن لي رسول الله ﷺ أن أعتد في أهلي. قالت: فنودي في الناس: إن الصلاة جامعة. قالت: فانطلقت فيمن انطلق من الناس. قالت: فكنت في الصف المتقدم من النساء، وهو يلي المؤخر من الرجال. قالت: فسمعت النبي ﷺ وهو على المنبر يخطب، فقال: "إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر (وساق الحديث) "، وزاد فيه: فكأنما أنظر إلى النبي ﷺ، وأهوى بمخصرته إلى الأرض، وقال: "هذه طيبة"؛ يعني: المدينة.»
هذا لفظ مسلم، وقد ساقه أبو داود الطيالسي والطبراني بنحو ما تقدم في رواية ابن بريدة؛ إلا أن روايتهما أخصر من روايته.
ورواه مسلم والطبراني أيضًا من حديث غيلان بن جرير عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂؛ قالت: «قدم على رسول الله ﷺ تميم الداري، فأخبر رسول الله ﷺ أنه ركب البحر، فتاهت به سفينته، فسقط إلى جزيرة، فخرج إليها يلتمس الماء، فلقي إنسانًا يجر شعره واقتص الحديث وقال فيه، ثم قال: أما إنه لو قد أذن لي في الخروج قد وطئت البلاد كلها غير طيبة، فأخرجه رسول الله ﷺ إلى الناس فحدثهم؛ قال: "هذه طيبة وذاك الدجال» .
هذه رواية مسلم، وقد أحال الطبراني بلفظه على الحديث الطويل قبله.
ورواه مسلم والطبراني أيضًا من حديث أبي الزناد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن رسول الله ﷺ قعد على المنبر، فقال: "أيها الناس! حدثني تميم الداري أن أناسًا من قومه كانوا في البحر في سفينة لهم،»
[ ٢ / ٣٢٧ ]
«فانكسرت بهم، فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة، فخرجوا إلى جزيرة في البحر» (وساق الحديث) ".
هذه رواية مسلم، ورواية الطبراني أطول منها بكثير.
ورواه الإمام أحمد من حديث مجالد عن عامر - وهو الشعبي - قال: قدمت المدينة، فأتيت فاطمة بنت قيس، فحدثتني (فذكر الحديث في طلاقها وعدتها وإنكاحها أسامة بن زيد)؛ قال: فلما أردت أن أخرج؛ قالت: اجلس حتى أحدثك حديثًا عن رسول الله ﷺ. قالت: «خرج رسول الله ﷺ يومًا من الأيام، فصلى صلاة الهاجرة، ثم قعد، ففزع الناس، فقال: "اجلسوا أيها الناس؛ فإني لم أقم مقامي هذا لفزع، ولكن تميمًا الداري أتاني فأخبرني خبرًا منعني القيلولة من الفرح وقرة العين، فأحببت أن أنشر عليكم فرح نبيكم ﷺ: أخبرني أن رهطًا من بني عمه ركبوا البحر، فأصابتهم ريح عاصف، فألجأتهم الريح إلى جزيرة لا يعرفونها، فقعدوا في قويرب بالسفينة، حتى خرجوا إلى الجزيرة، فإذا هم بشيء أهلب، كثير الشعر، لا يدرون أرجل هو أو امرأة، فسلموا عليه، فرد ﵈. قالوا: ألا تخبرنا؟ قال: ما أنا بمخبركم ولا بمستخبركم، ولكن هذا الدير قد رهقتموه؛ ففيه من هو إلى خبركم بالأشواق أن يخبركم ويستخبركم. قال: قلنا: فما أنت؟ قال: أنا الجساسة. فانطلقوا حتى أتوا الدير، فإذا هم برجل موثق شديد الوثاق، مظهر الحزن، كثير التشكي، فسلموا عليه، فرد عليهم، فقال: ممن أنتم؟ قالوا: من العرب. قال: ما فعلت العرب؟ أخرج نبيهم بعد؟ قالوا: نعم. قال: فما فعلوا؟ قالوا: خيرًا، آمنوا به وصدقوه. قال: ذلك خير لهم. وكان له عدو، فأظهره الله عليهم. قال: فالعرب اليوم إلههم واحد، ودينهم واحد، وكلمتهم واحدة؟ قالوا: نعم. قال: فما فعلت عين زغر؟ قالوا: صالحة؛ يشرب منها أهلها لشفتهم، ويسقون منها زرعهم. قال: فما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: صالح؛ يطعم جناه كل عام. قال: فما»
[ ٢ / ٣٢٨ ]
«فعلت بحيرة الطبرية؟ قالوا: ملأى. قال: فزفر، ثم زفر، ثم زفر، ثم حلف؛ لو خرجت من مكاني هذا ما تركت أرضًا من أرض الله إلا وطئتها غير طيبة ليس لي عليها سلطان " قال: فقال رسول الله ﷺ: "إلى هذا انتهى فرحى (ثلاث مرار)، إن طيبة المدينة، إن الله حرم حرمي على الدجال أن يدخلها (ثم حلف رسول الله ﷺ:) والذي لا إله إلا هو؛ ما لها طريق ضيق ولا واسع في سهل ولا جبل إلا عليه ملك شاهر بالسيف إلى يوم القيامة، ما يستطيع الدجال أن يدخلها على أهلها» .
قال عامر: فلقيت المحرر بن أبي هريرة، فحدثته حديث فاطمة بنت قيس، فقال: أشهد على أبي أنه حدثني كما حدثتك فاطمة؛ غير أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه نحو المشرق» .
قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فذكرت له حديث فاطمة، فقال: أشهد على عائشة أنها حدثتني كما حدثتك فاطمة؛ غير أنها قالت: «الحرمان عليه حرام؛ مكة والمدينة» .
فيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي في موضع، وقال في آخر: "ليس بالقوي"، وضعفه كثير من الأئمة، وقال الذهبي في كتابه "المغني في الضعفاء": "مشهور، صالح الحديث"، واخرج له مسلم في "صحيحه" مقرونًا بغيره.
وفيه أيضًا المحرر بن أبي هريرة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي في "الكاشف ": "وثق"، وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": "مقبول، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وما تقدم من الروايات الصحيحة يشهد له ويقويه.
وقد رواه الطبراني في "الكبير" بنحو رواية أحمد، ورواه أبو داود مختصرًا،
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وأحال بلفظه على ما تقدم قبله من رواية عبد الله بن بريدة عن الشعبي، ورواه ابن ماجه والآجري بنحو رواية أحمد؛ إلا أنهما لم يذكرا الشاهدين لحديث فاطمة بنت قيس، وهما ما رواه الشعبي عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه وعن القاسم بن محمد عن عائشة.
وقد جاء في رواية ابن ماجه والآجري: «فإذا هم بشيخ موثق»، وهذا مخالف لما في "صحيح مسلم " وغيره عن النواس بن سمعان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «إنه شاب قطط»، والعمدة على ما في الصحيح، والله أعلم.
ورواه الطبراني من حديث الشيباني - وهو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان - عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂ (فذكر الحديث مطولًا بنحو رواية مجالد عن الشعبي)، وفيه أن الدجال قال لهم: «من أنتم؟ قالوا: من أهل فلسطين من جزيرة العرب» . وفيه أيضًا ذكر الشاهدين لحديث فاطمة بنت قيس، وهما ما رواه الشعبي عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه وعن عبد الله بن أبي بكر عن عائشة.
هكذا جاء في هذه الرواية: "عن عبد الله بن أبي بكر "، ولعله عبد الله بن محمد بن أبي بكر، وهو أخو القاسم بن محمد الذي روى عنه الشعبي كما تقدم في رواية مجالد عنه، ولعل كلا من القاسم بن محمد وأخيه عبد الله رويا عن عائشة ﵂ ما روته في قصة الجساسة والدجال، والله أعلم.
في إسناد هذه الرواية الحسين بن إسحاق التستري شيخ الطبراني. قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "كان من الحفاظ الرحالة"، وبقية رجاله رجال الصحيح.
ورواه الإمام أحمد والطبراني أيضًا من حديث داود بن أبي هند عن عامر
[ ٢ / ٣٣٠ ]
- وهو الشعبي - عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن النبي ﷺ جاء ذات يوم مسرعًا، فصعد المنبر، فنودي في الناس: الصلاة جامعة، واجتمع الناس، فقال: "يا أيها الناس! إني لم أدعكم لرغبة نزلت ولا لرهبة، ولكن تميمًا الداري أخبرني أن ناسًا من أهل فلسطين ركبوا البحر فقذفتهم الريح إلى جزيرة من جزائر البحر، فإذا هم بدابة أشعر لا يدرى أذكر أم أنثى من كثرة شعره، فقالوا: من أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرينا. قالت: ما أنا بمخبرتكم ولا بمستخبركم ولكن في هذا الدير رجل فقير إلى أن يخبركم ويستخبركم. فدخلوا الدير؛ فإذا رجل ضرير ومصفد في الحديد، فقال: من أنتم؟ قلنا: نحن العرب. قال: هل بعث فيكم النبي؟ قلنا: نعم. قال: فهل اتبعه العرب؟ قالوا: نعم. قال: ذاك خير لهم. قال: ما فعلت فارس؟ هل ظهر عليها؟ قالوا: لم يظهر عليها بعد. قال: أما إنه سيظهر عليها. ثم قال: ما فعلت عين زغر؟ قالوا: هي تدفق ملأى. قال: فما فعلت بحيرة طبرية؟ قالوا: هي تدفق ملأى. قال: فما فعل نخل بيسان؟ هل أطعم بعد؟ قالوا: قد أطعم أوائله. قال: فوثب وثبة ظننا أنه سيفلت، فقلنا: من أنت؟ قال: أنا الدجال، أما إني سأطأ الأرض كلها غير مكة وطيبة". فقال رسول الله ﷺ: "أبشروا معشر المسلمين؛ فإن هذه طيبة لا يدخلها الدجال» .
هذا لفظ أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أيضًا بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقال فيه: «فدخلوا الدير؛ فإذا رجل أعور مصفد في الحديد» ، وذكر بقية الحديث بنحو ما تقدم، وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
ورواه الترمذي من حديث قتادة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن نبي الله ﷺ صعد المنبر، فضحك، فقال: "إن تميمًا الداري»
[ ٢ / ٣٣١ ]
«حدثني بحديث، ففرحت، فأحببت أن أحدثكم: إن ناسًا من أهل فلسطين ركبوا سفينة في البحر، فجالت بهم، حتى قذفتهم في جزيرة من جزائر البحر، فإذا هم بدابة لباسة ناشرة شعرها، فقالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرينا. قالت: لا أخبركم ولا أستخبركم، ولكن ائتوا أقصى القرية؛ فإن ثم من يخبركم ويستخبركم. فأتينا أقصى القرية؛ فإذا رجل موثق بسلسلة، فقال: أخبروني عن عين زغر. قلنا: ملأى تدفق. قال: أخبروني عن البحيرة. قلنا: ملأى تدفق. قال: أخبروني عن نخل بيسان الذي بين الأردن وفلسطين؛ هل أطعم؟ قلنا: نعم. قال: أخبروني عن النبي؛ هل بعث؟ قلنا: نعم. قال: أخبروني كيف الناس إليه؟ قلنا: سراع. قال: فنزى نزوة حتى كاد. قلنا: فما أنت؟ قال: أنا الدجال، وإنه يدخل الأمصار كلها إلا طيبة، وطيبة المدينة» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبي. وقد رواه غير واحد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ". انتهى.
وقد رواه الطبراني في "الكبير" من حديث قتادة وإبراهيم بن عامر عن الشعبي، وفيه أن الجساسة قالت: «الخبر عند صاحب هذا الدير، فأتوا الدير، فإذا رجل موقر بالحديد، فسألهم: ممن هم؟ فأخبروه. فقال: ما فعل نبي العرب؟ أخرج بعد؟ قالوا: نعم. قال: من يتبعه؛ السفلة أم أشراف الناس؟ قالوا: يتبعه السفهاء. قال: يكثرون أم يقلون؟ قالوا: يكثرون. قال: يرجع أحد ممن أتاه؟ قالوا: لا. قال: ذلك خير لهم. ثم سألهم عن بحيرة طبرية ونخل بيسان وعين زغر فأخبروه. قال: أما إنه لو قد أذن لي؛ لقد وطئت برجلي هذه الأرض كلها غير طيبة". قال رسول الله ﷺ: وهذه طيبة، على كل نقب منها ملك شاهر سيفه، نحو العراق ما هو، نحو العراق ما هو» .
إسناده ضعيف، ولبعضه شواهد مما تقدم قبله من الأحاديث الصحيحة.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
ورواه الطبراني أيضًا من طرق كثيرة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس سوى ما تقدم ذكره من الروايات، وفي بعضها زيادات ليست في الروايات التي تقدم ذكرها:
منها في رواية محمد بن أيوب أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن فاطمة: «إن الجساسة قالت لهم: إن كنتم تريدون الخبر؛ فعليكم بهذا الدير. وأشارت إلى دير في الجزيرة غير بعيد، فانطلقنا نمشي حتى دخلنا؛ فإذا رجل موثق بحديد كبير ثقيل، وإذا هو مستند ظهره إلى سفح جبل. قال: من أنتم؟ قلنا: أناس من العرب. قال: ما فعل النبي الأمي الذي ينتظر؟ قلنا: قد خرج (ثم سألهم عن نخل بين عمان وبيسان، وعن عين زغر، وعن بحيرة الطبرية، فأخبروه، قال:)، فضرب بيده بطن قدمه، وقال: إني لو قد خرجت من مجلسي هذا؛ لم أدع في الأرض بقعة إلا وطئتها؛ إلا مكة وطيبة. قال: ثم زفر، فسار في الجبل ثم وقع، ثم سار أخرى أبعد من ذلك ثم وقع، ثم سار الثالثة فذهب في الجبل ثم وقع. قال: قلنا: ما له لا بارك الله فيه؟ وكأنه سر رسول الله ﷺ من ذلك قوله: مكة والمدينة، فقال رسول الله ﷺ: طيبة (مرتين) لا يدخلها الدجال، ليس منها نقب إلا عليه ملك شاهر السيف، ومن نحو اليمن ما هو. ثم قال بيده وكم قميصه قريبا من ثلاثين مرة: من نحو العراق ما هو» .
إسناد هذه الرواية صحيح على شرط مسلم.
ومنها ما في رواية عمران بن سليمان القيسي عن الشعبي؛ قال: حدثتني فاطمة بنت قيس ﵂: «أن رسول الله ﷺ نادى: الصلاة جامعة؛ في ساعة لم يكن ينادي فيها، فخرج الناس إلى المسجد، فجاء النبي ﷺ، فصعد المنبر، ثم قال: أنذركم الدجال (ثلاثًا)، إنه لم يكن فيما مضى، وإنه كائن فيكم أيتها الأمة، وإن تميمًا الداري أخبرني أنه ركب بحر الشام في نفر من لخم»
[ ٢ / ٣٣٣ ]
«وجذام، فألقتهم الريح إلى جزيرة من جزائره، فإذا هم بالدهماء تجر شعرها، فقالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: أخبرينا. قالت: ما أنا بمخبرتكم ولا أستخبركم، ولكن ائتوا رجلًا في هذا الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأتوه؛ فإذا رجل ممسوح العين، موثق إلى سارية في الحديد. فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن العرب. قال: ما فعلت العرب؟ قلنا: بعث إليهم نبي أمي يدعوهم إلى الله. قال: فما فعل الناس؟ قالوا: اتبعه قوم وتركه قوم. قال: أما إنهم إن يتبعونه ويصدقونه خير لهم لو كانوا يعلمون. ثم قال: ما فعلت العرب؟ أي شيء لباسهم؟ قلنا: صوف وقطن تغزله نساؤهم. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات. ثم قال: ما فعلت نخل بيسان؟ قلنا: قوي، ونجدها في كل عام. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات. ثم قال: ما فعلت عين زغر؟ قلنا: كثير ماؤها يتدفق يروي من أتاها. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات ثم قال: لو قد أطلقني الله من وثاقي؛ لم يبق منهل إلا دخلته؛ إلا مكة وطيبة؛ فإنه ليس لي دخولهما. قال رسول الله ﷺ: "تلك مكة وهذه طيبة حرمها الله كما حرم إبراهيم مكة، أما إنه ليس نقب ولا سكة إلا وعليها ملك شاهر للسيف يمنعها من الدجال إلى يوم القيامة» .
عمران بن سليمان القيسي: ذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وبقية رجاله كلهم ثقات.
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
ومنها ما في رواية أبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂؛ قالت: «سمعت منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة (فذكر الحديث عن الجساسة والدجال وفيه:) قال: فأتينا الدير؛ فإذا نحن برجل أعظم رجل رأيته قط، وأحسنه جسمًا، فإذا هو ممسوح»
[ ٢ / ٣٣٤ ]
«العين اليمنى، كأن عينه نخامة في جدار مجصص، وإذا يداه مغلولتان إلى عنقه، وإذا رجلاه مشدودتان بالكبول من ركبتيه إلى قدميه، فقلنا له: ما أنت أيها الرجل؟ فقال: أما خبري؛ فقد قدرتم عليه، ولكن أخبروني: ما أوقعكم هذه الجزيرة، وهذه الجزيرة لم يصل إليها آدمي منذ خرجت إليها؟ فأخبرناه، فقال: أخبروني عن بحيرة الطبرية؛ ما فعلت؟ قلنا: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل نضب ماؤها؟ وهل بدا فيها من العجائب؟ قلنا: لا. قال: أما إنه سيكون. ثم سكت مليًا، ثم قال: أخبروني عن عين زغر؛ ما فعلت؟ قلنا: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل يحترث أهلها عليها؟ قلنا: نعم. قال: أما إنه سيغور عنها ماؤها. ثم سكت مليًا، فقال: أخبروني عن نخيل بيسان؛ ما فعل؟. فقلنا له: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل يثمر؟ قلنا: نعم. قال: أما إنه لا يثمر. ثم سكت مليًا، فقال: أخبروني عن النبي الأمي؛ ما فعل. قلنا: عن أي أمره تسأل؟ قال: هل ظهر بعد؟ قلنا: نعم. قال: فما صنعت معه العرب؟ فقلنا له: منهم من قاتله، ومنهم من صدقه. قال: أما إنه من صدقه فهو خير له. فقلنا: أخبرنا خبرك أيها الرجل؟ فقال: أما تعرفونني؟ ! قلنا: لو عرفناك ما سألناك. قال: أنا الدجال، يوشك أن يؤذن لي في الخروج، فإذا خرجت؛ وطئت جزائر العرب كلها؛ غير مكة وطيبة، كلما أردتها؛ استقبلني ملك بيده السيف مصلتًا فردني عنهما".
قالت فاطمة: فرأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه حتى رأينا بياض إبطيه، ثم قال: "ألا أخبركم أن هذه طيبة (ثلاثًا)؟ "، ثم قال: "ألا أخبركم أنه في بحر الشام (ثلاثًا)؟ "، ثم أغمي عليه ساعة، ثم سري عنه، فقال: "بل هو في بحر العراق» .
في إسناده سيف بن مسكين، وهو ضعيف جدًا، ولبعضه شواهد مما تقدم قبله من الأحاديث الصحيحة.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وعن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن رسول الله ﷺ أخر العشاء الآخرة ذات ليلة، ثم خرج، فقال: "إنه حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري عن رجل كان في جزيرة من جزائر البحر، فإذا بامرأة تجر شعرها. قال: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، اذهب إلى ذلك القصر. فأتيته، فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، فقلت: من أنت؟ قال: أنا الدجال، خرج نبي الأميين بعد؟ قلت: نعم. قال: أطاعوه أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه. قال: ذلك خير لهم» .
رواه أبو داود: قال المنذري: "في إسناده عثمان بن عبد الرحمن القرشي مولاهم الحراني المعروف بالطرائقي (ثم ذكر كلام العلماء فيه، فمنهم من تكلم فيه، ومنهم من وثقه) ".
قلت: وقد رواه الطبراني في "الكبير" بإسنادين: أحدهما قال: حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف المصري: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن أبي فديك: حدثني ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس ﵂ (فذكر الحديث بنحو ما تقدم في رواية أبي داود، وزاد في آخره أن الدجال قال: "وهل غارت المياه؟ ") .
رجاله رجال الصحيح، سوى إسماعيل بن الحسن الخفاف؛ فإني لم أجد له ترجمة، وقد ذكره المزي في "تهذيب الكمال" فيمن روى عن أحمد بن صالح المصري.
ولهذا الحديث شواهد مما تقدم في الروايات عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂.
وقد زعم أبو عبية في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص٩٦) منها أن حديث فاطمة بنت قيس ﵂ عليه طابع الخيال وسمة الوضع، ثم
[ ٢ / ٣٣٦ ]
نفى صدوره عن النبي ﷺ؛ قال: "ولو صح صدوره عن الرسول ﷺ، وعلى المنبر، وفي حشد من الصحابة؛ لتواتر نقله".
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: من عجيب أمر أبي عبية قدحه في حديث قد رواه مسلم في "صحيحه" الذي قد أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول، وهذا في الحقيقة من الاستهانة بالأحاديث الصحيحة والغض من شأنها ومخالفة أهل العلم والشذوذ عنهم، ومن سلك هذا المسلك الذميم؛ فهو على شفا هلكة، ولو أن حديث الجساسة جاء في بعض الأقاصيص التي يذكرها كتاب الإفرنج؛ لبادر الأغبياء من العصريين إلى تصديقه، وأنكروا على من شك في صحته.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث قد رواه الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂، والشعبي إمام من أئمة التابعين، لا سبيل لأحد إلى الكلام فيه، وقد تابعه عليه أبو سلمة بن عبد الرحمن، فرواه عن فاطمة بنت قيس كما تقدم ذكره. ورواه عن الشعبي جماعة من الثقات الأثبات؛ منهم: عبد الله بن بريدة، وسيار أبو الحكم، وغيلان بن جرير، وأبو الزناد، وداود بن أبي هند، وقتادة، ومحمد بن أيوب الثقفي، وعمران بن سليمان القيسي، وغيرهم من الثقات.
وإذًا؛ فمن هو المتهم عند أبي عبية بوضعه؟ ! هل يتهم بذلك فاطمة بنت قيس ﵂؟ أو يتهم الشعبي؟ أو يتهم من دونه من الحفاظ الأثبات؟ أما يستحي أبو عبية من التهجم على الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه؟ .
الوجه الثالث: أن فاطمة بنت قيس ﵂ لم تنفرد برواية حديث الجساسة، بل قد رواه بمثل روايتها أبو هريرة وعائشة ﵄ كما تقدم ذكره، ورواه أيضًا أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵄،
[ ٢ / ٣٣٧ ]
وإسناده حسن؛ كما سيأتي. وفي هذا رد على من قدح في الحديث وزعم أنه موضوع.
الوجه الرابع: أن يقال: ليس التواتر شرطًا في صحة الأحاديث ولا في وجوب الإيمان بها؛ كما قد توهم ذلك أبو عبية تقليدًا لبعض أهل البدع من المتقدمين والعصريين، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما صح سنده إلى النبي ﷺ، سواء كان متواترًا أو آحادًا، وقد تقدم إيضاح ذلك في أول الكتاب؛ فليراجع.
الوجه الخامس: أن صدور الحديث عن النبي ﷺ على المنبر وفي حشد من الصحابة ﵃ لا يلزم منه التواتر في النقل، وكم من خطبة خطبها النبي ﷺ على المنبر وفي حشد عظيم من الصحابة ومع ذلك لم يروها أو يرو البعض منها إلا الواحد أو الاثنان أو أكثر من ذلك ممن لا يبلغ عددهم شرط التواتر؟ ! وقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع عدة خطب في أعظم حشد كان في حياة النبي ﷺ، ومع ذلك لم ينقل خطبة إلا العدد القليل من الصحابة ﵃.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم عن أبي زيد وعمرو بن أخطب الأنصاري ﵁؛ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا» . وقد كانت هذه الخطبة العظيمة الطويلة جدًا على المنبر، وفي حشد من الصحابة ﵃، ومع ذلك لم ينقل شيء منها بالتواتر.
وإذا علم هذا؛ فما زعمه أبو عبية من شرط التواتر لصحة حديث الجساسة
[ ٢ / ٣٣٨ ]
لا أصل له؛ فلا يعول عليه.
وعن الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر (وهو ابن عبد الله ﵄)؛ قال: «قال رسول الله ﷺ ذات يوم على المنبر: " إنه بينما أناس يسيرون في البحر، فنفد طعامهم، فرفعت لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخبز، فلقيتهم الجساسة ". قلت لأبي سلمة: وما الجساسة؟ قال: امرأة تجر شعر جلدها ورأسها. "قالت: في هذا القصر (فذكر الحديث، وسأل عن نخل بيسان وعن عين زغر قال: هو المسيح)» . فقال لي ابن أبي سلمة: إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظته. قال: شهد جابر أنه هو ابن صائد.
قلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه قد أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنه قد دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة.
رواه أبو داود. قال ابن كثير: "وهو غريب جدًا". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "سنده حسن".
وقد رواه الفاكهي في "أخبار مكة" مختصرًا، ولفظه: قال: إن النبي ﷺ قام على المنبر، فذكر حديث الجساسة والدجال، فقال: «ما يأتي بابًا من أبوابها (يعني المدينة)؛ إلا عليه ملك صالت سيفه يمنعه منها، وبمكة مثلها» .
وقد قال أبو عبية في تعليقه على هذا الحديث في كتاب " النهاية " لابن كثير ما نصه: "الغرابة بكل غيومها تحيط بهذا الحديث الذي يرفض القلب والعقل معًا التصديق بصدوره عن الرسول العظيم ﷺ " انتهى.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: هذا الحديث وإن قال فيه ابن كثير: "إنه غريب جدًا"؛ فقد قال الحافظ ابن حجر: "إسناده حسن". والحسن مقبول عند أهل
[ ٢ / ٣٣٩ ]
العلم بالحديث، لا يرده أحد منهم.
الوجه الثاني: أن الغرابة في الحديث لا تقتضي اطراحه بالكلية، وعدم التصديق بصدوره عن النبي ﷺ، وإنما تطرح الأحاديث التي يكون في رواتها أحد ممن أجمع العلماء على أنه وضاع أو كذاب أو ساقط الرواية أو متروك، وليس في رواة حديث جابر ﵁ أحد من هؤلاء، ولا أحد ممن أجمع العلماء على ضعفهم، وقد تقدم له شاهد صحيح عن فاطمة بنت قيس ﵂، وعلى هذا؛ فلا يجوز لأحد رفضه وعدم التصديق بصدوره عن النبي ﷺ، ولا يرفضه إلا أصحاب القلوب السقيمة والعقول التي ليست بمستقيمة.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ استوى على المنبر، فقال: «حدثني تميم "، فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: "يا تميم! حدث الناس ما حدثتني ". قال: كنا في جزيرة؛ فإذا نحن بدابة لا يدرى قبلها من دبرها، فقالت: تعجبون من خلقي؟ وفي الدير من يشتهي كلامكم. فدخلنا الدير؛ فإذا نحن برجل موثق في الحديد من كعبه إلى أذنه؛ فإذا أحد منخريه مسدود وإحدى عينيه مطموسة؛ قال: من أنتم؟ فأخبرناه، فقال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قلنا: بعهدها. قال: فما فعل نخل بيسان. قلنا: بعهده. قال: لأطأن الأرض بقدمي هاتين؛ إلا هاتين؛ إلا بلدة إبراهيم وطابا. فقال رسول الله ﷺ: "طابا هي المدينة» .
رواه أبو يعلى من طريق أبي عاصم سعد بن زياد. قال ابن كثير: "وهذا حديث غريب، وقد قال أبو حاتم: عاصم هذا ليس بالمتين".
قلت: ولهذا الحديث شواهد كثيرة مما تقدم في هذا الباب وما سيأتي إن شاء الله تعالى في حراسة مكة والمدينة من الدجال.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
باب
وهو من يهود المدينة، وقيل: إنه من الأنصار، والأول أصح، وسيأتي التصريح بذلك في حديثي أبي بكرة وجابر ﵄، وكذلك في بعض الروايات عن أبي سعيد ﵁.
وفي حديث جابر أيضًا النص على أنه من أهل العهد.
واسمه صاف، وقيل: عبد الله، وقد جاء هذا وهذا؛ كما سيأتي في حديثي جابر وعبد الله بن عمر ﵃.
قال ابن كثير: "وقد يكون أصل اسمه صاف ثم تسمى لما أسلم بعبد الله ".
قلت: وقد ثبت أنه كان يسمى بعبد الله وبصاف قبل أن يسلم، فأما تسميته بعبد الله؛ ففي حديث جابر ﵁، وأما تسميته بصاف؛ ففي حديث ابن عمر ﵄، وسيأتي ذكر الحديثين إن شاء الله تعالى.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " صاف؛ بمهملة وفاء وزن باغ. وفي حديث جابر: "فقالت (أي: أمه): يا عبد الله! هذا أبو القاسم قد جاء. وكأن الراوي عبر باسمه الذي تسمى به في الإسلام، وأما اسمه الأول؛ فهو صاف ". انتهى.
ولابن صياد ابنان من رواة الحديث، وهما عمارة والوليد، وقد روى عنهما مالك في "الموطأ".
وروى الترمذي وابن ماجه من طريق عمارة حديثًا في "الأضحية".
[ ٢ / ٣٤١ ]
ولعمارة ترجمة في: "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و"الثقات" لابن حبان، وفي "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"تقريب التهذيب"، و"الكاشف"، و"الخلاصة".
وأما الوليد؛ فقد ذكره: ابن حبان في "الثقات"، وابن حجر في "تعجيل المنفعة".
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عامًا، لا يولد لهما ولد، ثم يولد لهما غلام أعور، أضر شيء وأقله منفعة، تنام عيناه ولا ينام قلبه"، ثم نعت لنا رسول الله ﷺ أبويه، فقال: "أبوه طوال ضرب اللحم كأن أنفه منقار، وأمه امرأة فرضاخية طويلة الثديين".
قال أبو بكر: فسمعت بمولود في اليهود بالمدينة، فذهبت أنا والزبير بن العوام، حتى دخلنا على أبويه؛ فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما. قلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يولد لنا ولد، ثم ولد لنا غلام أعور أضر شيء وأقله منفعة، تنام عيناه ولا ينام قلبه. قال: فخرجنا من عندهما؛ فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة، وله همهمة، فكشف عن رأسه، فقال: ما قلتما؟ قلنا: وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم؛ تنام عيناي ولا ينام قلبي» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي؛ من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة "، زاد أحمد في روايته: "قال حماد: وهو ابن صياد ".
وفي رواية لأحمد: ثم نعت أبويه، فقال: «أبوه رجل طوال، مضطرب اللحم، طويل الأنف، كأن أنفه منقار، وأمه امرأة فرضاخية، عظيمة الثديين» .
وقال في آخره: "فإذا هو ابن صياد ".
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وفي رواية له أخرى؛ قال: «وصف رسول الله ﷺ ذات يوم صفة الدجال وصفة أبويه؛ قال: يمكث أبوا الدجال ثلاثين سنة لا يولد لهما، ثم يولد لهما ابن مسرور مختون، أقل شيء نفعًا وأضره، تنام عيناه ولا ينام قلبه»، فذكره؛ إلا أنه قال: «ثم ولد لنا هذا: أعور، مسرورًا، مختونًا، أقل شيء نفعًا وأضره» .
قوله في صفة أبي الدجال أنه «ضرب اللحم»؛ أي: خفيف اللحم، وقوله في صفة أم الدجال أنها "فرضاخية"؛ أي: ضخمة.
وقد أنكر أبو عبية ما جاء في هذا الحديث من صفة أبوي الدجال، فقال في (ص١٥٦) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "هذا الوصف لا يرد مثله على لسان الرسول ﵇".
والجواب أن يقال: لو أن أبا عبية قال كما قال ابن كثير في هذا الحديث: "إنه حديث منكر"؛ لكان أهون، فأما الجزم بأن هذا الوصف لا يرد مثله على لسان النبي ﷺ؛ ففيه نظر ظاهر؛ لأن هذا الحديث ليس في إسناده وضاع ولا كذاب ولا أحد ممن أجمع العلماء على ضعفهم، وإذا كان إسناد الحديث خاليًا من هؤلاء وأشباههم؛ فليس من الموضوعات، ولا ينبغي الجزم بنفيه عن النبي ﷺ، وقد تقدم أن الترمذي حسن هذا الحديث، والحسن مقبول عند أهل العلم، ولا عبرة بمن خالفهم وشذ عنهم.
وعن أم سلمة ﵂: «أن ابن صياد ولدته أمه مسرورًا مختونًا» .
رواه ابن أبي شيبة.
وعن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال: «ولد ابن صياد أعور مختتنًا» .
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن هشام بن عروة.
وعن زيد بن وهب؛ قال: «قال أبو ذر ﵁: لأن أحلف عشر مرار»
[ ٢ / ٣٤٣ ]
«أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به. قال: وكان رسول الله ﷺ بعثني إلى أمه؛ قال: "سلها: كم حملت به؟ ". قال: فأتيتها، فسألتها، فقالت: حملت به اثني عشر شهرًا. قال: ثم أرسلني إليها، فقال: "سلها عن صيحته حين وقع". قال: فرجعت إليها فسألتها، فقالت: صاح صيحة الصبي ابن شهر. ثم قال رسول الله ﷺ: "إني قد خبأت لك خبئًا". قال: خبأت لي خطم شاة عفراء والدخان. قال: فأراد أن يقول: الدخان، فلم يستطع، فقال: الدخ، الدخ. فقال رسول الله ﷺ: "اخسأ؛ فإنك لن تعدو قدرك» .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، والطبراني في "الأوسط" قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح، غير الحارث بن حصيرة، وهو ثقة". وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "سنده صحيح". وفي رواية ابن أبي شيبة، قالت: «صاح صاح صبي شهرين» .
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنه قال: «إن امرأة من اليهود بالمدينة ولدت غلامًا ممسوحة عينه، طالعة ناتئة، فأشفق رسول الله ﷺ أن يكون الدجال، فوجده تحت قطيفة يهمهم، فآذنته أمه، فقالت: يا عبد الله! هذا أبو القاسم قد جاء؛ فاخرج إليه، فخرج من القطيفة، فقال رسول الله ﷺ: "ما لها قاتلها الله، لو تركته لبين"، ثم قال: "يا ابن صائد! ما ترى؟ ". قال: أرى حقًا وأرى باطلًا وأرى عرشًا على الماء. قال: فلبس عليه. فقال: "أتشهد أني رسول الله؟ ". فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "آمنت بالله ورسله". ثم خرج وتركه، ثم أتاه مرة أخرى، فوجده في نخل له يهمهم، فآذنته أمه، فقالت: يا عبد الله! هذا أبو القاسم قد جاء. فقال رسول الله ﷺ: "ما لها قاتلها الله، لو تركته لبين". قال: فكان رسول الله ﷺ يطمع أن يسمع»
[ ٢ / ٣٤٤ ]
«من كلامه شيئًا فيعلم هو هو أم لا. قال: "يا ابن صائد! ما ترى". قال: أرى حقًا وأرى باطلًا وأرى عرشًا على الماء. قال: "أتشهد أني رسول الله؟ ". قال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "آمنت بالله ورسوله". فلبس عليه، ثم خرج فتركه، ثم جاء في الثالثة أو الرابعة ومعه أبو بكر وعمر بن الخطاب في نفر من المهاجرين والأنصار، وأنا معه. قال: فبادر رسول الله ﷺ بين أيدينا، ورجا أن يسمع من كلامه شيئًا، فسبقته أمه إليه، فقالت: يا عبد الله! هذا أبو القاسم قد جاء. فقال رسول الله ﷺ: "ما لها قاتلها الله، لو تركته لبين". فقال: يا ابن صائد! ما ترى؟ قال: أرى حقًا وأرى باطلًا وأرى عرشًا على الماء. قال: "أتشهد أني رسول الله؟ ". قال: أتشهد أنت أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "آمنت بالله ورسوله"، فلبس عليه، فقال له رسول الله ﷺ: "يا ابن صائد! إنا قد خبأنا لك خبيئًا؛ فما هو؟ ". قال: الدخ، الدخ. فقال له رسول الله ﷺ: "اخسأ، اخسأ". فقال عمر بن الخطاب ﵁: ائذن لي فأقتله يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: "إن يكن هو؛ فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم ﵊، وإن لا يكن هو؛ فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد". قال: فلم يزل رسول الله ﷺ مشفقًا أنه الدجال» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وعن ابن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله: «أنه أخبره أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره: أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط قبل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: "أتشهد أني رسول الله؟ ". فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ، وقال: "آمنت بالله»
[ ٢ / ٣٤٥ ]
«وبرسله". ثم قال له رسول الله ﷺ: "ماذا ترى؟ ". قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال له رسول الله ﷺ: "خلط عليك الأمر". ثم قال له رسول الله ﷺ: "إني قد خبأت لك خبيئًا". فقال ابن صياد: هو الدخ؟ فقال له رسول الله ﷺ: "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال له رسول الله ﷺ: "إن يكنه؛ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه؛ فلا خير لك في قتله» .
وقال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: «انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل؛ طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف (وهو اسم ابن صياد) ! هذا محمد. فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ: "لو تركته بين» .
قال سالم: قال عبد الله بن عمر ﵄: «فقام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني لأنذركموه، ما من نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلموا أنه أعور، وأن الله ﵎ ليس بأعور» .
رواه: الإمام أحمد، وعبد الرزاق في "مصنفه" مفرقًا، والشيخان، وهذا لفظ مسلم. وروى أبو داود والترمذي بعضه. وزاد عبد الرزاق ومسلم في روايتهما: قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري: أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ: «أن رسول الله ﷺ قال يوم حذر الناس الدجال: إنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه من كره عمله (أو: يقرؤه كل مؤمن)، وقال:»
[ ٢ / ٣٤٦ ]
«تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت» .
هذا لفظ مسلم.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": "قال العلماء: استكشف النبي ﷺ أمره ليبين لأصحابه تمويهه؛ لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن في الإسلام ". انتهى.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ، فمررنا بصبيان فيهم ابن صياد، ففر الصبيان وجلس ابن صياد، فكأن رسول الله ﷺ كره ذلك، فقال له النبي ﷺ: "تربت يداك، أتشهد أني رسول الله؟ ". فقال: لا، بل تشهد أني رسول الله؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذرني يا رسول الله حتى أقتله. فقال رسول الله ﷺ: "إن يكن الذي ترى؛ فلن تستطيع قتله» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظه.
وعنه ﵁؛ قال: «كنا نمشي مع النبي ﷺ، فمر بابن صياد، فقال له رسول الله ﷺ: "قد خبأت لك خبئًا". فقال: دخ؟ فقال رسول الله ﷺ: "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". فقال عمر: يا رسول الله! دعني فأضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ: "دعه، فإن يكن الذي تخاف؛ لن تستطيع قتله» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «قال رسول الله ﷺ لابن صائد: "قد خبأت لك خبيئًا؛ فما هو؟ ". قال: الدخ. قال: "اخسأ» .
رواه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «أتى رسول الله ﷺ ابن»
[ ٢ / ٣٤٧ ]
«فإذا قطيفة في وسط البيت، فقال: "ارفعوا هذه القطيفة ". فرفعوا القطيفة؛ فإذا غلام أعور تحت القطيفة، فقال: "قم يا غلام! ". فقام الغلام، فقال: "يا غلام! أتشهد أني رسول الله؟ ". قال الغلام: أتشهد أني رسول الله؟ قال: "أتشهد أني رسول الله؟ ". قال الغلام: أتشهد أني رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: "تعوذوا بالله من شر هذا (مرتين)» .
رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن مهدي بن عمران، وهو من ثلاثيات أحمد، وقد رواه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "وفيه مهدي بن عمران؛ قال البخاري: لا يتابع على حديثه".
قلت: وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "عداده في أهل البصرة"، ولبعض حديثه شواهد مما تقدم من حديث جابر وابن عمر وابن مسعود وأبي سعيد ﵃.
وعن زيد بن حارثة ﵁؛ قال: «قال النبي ﷺ لبعض أصحابه: "انطلق". فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه معه، حتى دخلوا بين حائطين في زقاق طويل، فلما انتهوا إلى الدار؛ إذا امرأة قاعدة، وإذا قربة صغيرة ملأى ماء، فقال النبي ﷺ: "أرى قربة ولا أرى حاملها". فأشارت المرأة إلى قطيفة في ناحية الدار، فقاموا إلى القطيفة، فكشفوها؛ فإذا تحتها إنسان، فرفع رأسه، فقال النبي ﷺ: "شاهت الوجوه". فقال: يا محمد! لا تفحش علي. فقال النبي ﷺ: "إني قد خبأت لك خبئًا؛ فأخبرني ما هو؟ ". وكان النبي ﷺ قد خبأ له سورة الدخان. فقال: الدخ. فقال: "اخسأ، ما شاء الله كان". ثم انصرف» .
رواه: البزار، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زياد بن الحسن بن فرات، ضعفه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان ".
وعن الحسين بن علي ﵄: «أن النبي ﷺ خبأ لابن صياد»
[ ٢ / ٣٥٠ ]
«دخانًا، فسأله عما خبأ له؟ فقال: دخ. فقال: "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". فلما ولى؛ قال النبي ﷺ: "ما قال؟ ". قال بعضهم: وخ، وقال بعضهم: بل قال: دخ، فقال النبي ﷺ: "قد اختلفتم وأنا بين أظهركم، فأنتم بعدي أشد اختلافًا» .
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الطبراني بإسنادين، قال الهيثمي: "ورجال أحدهما رجال الصحيح". وقد أشار إليه الترمذي في "جامعه"، وتقدم ذكره.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁؛ قال: «ما سئل النبي ﷺ عن الدجال أكثر مما سألته، فقال: "ما تصنع به؟ ليس بضارك". قلت: ألا أقتل ابن صياد؟ قال: "ما تصنع بقتله؟ إن كان هو الدجال؛ فلن تخلص إلى قتله، وإن لم يكن الدجال؛ فما تصنع به» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير جهور بن منصور، وهو ثقة".
«وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: صحبت ابن صائد إلى مكة، فقال لي: أما قد لقيت من الناس، يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه لا يولد له. قال: قلت: بلى. قال: فقد ولد لي. أوليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة؟ قلت: بلى. قال: فقد ولدت بالمدينة، وهذا أنا أريد مكة. قال: ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو. قال: فلبسني"» .
رواه مسلم من حديث داود (وهو ابن أبي هند) عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁.
ورواه أيضًا من حديث معتمر عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ (قال: «قال لي ابن صائد - وأخذتني منه ذمامة -: هذا»
[ ٢ / ٣٥١ ]
«عذرت الناس، ما لي ولكم يا أصحاب محمد؟ ألم يقل نبي الله ﷺ: إنه يهودي، وقد أسلمت. قال: ولا يولد له، وقد ولد لي. وقال: إن الله قد حرم عليه مكة، وقد حججت. قال: فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله. قال: فقال له: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال: لو عرض علي ما كرهت» .
ورواه أيضًا من حديث الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: «خرجنا حجاجًا أو عمارًا ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلًا، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه. قال: وجاء بمتاعه، فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق، فجاء بعس، فقال: اشرب أبا سعيد! فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده (أو قال: آخذ عن يده) . فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ حبلًا، فأعلقه بشجرة، ثم أختنق مما يقول لي الناس يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ؛ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ: هو كافر، وأنا مسلم؟ أوليس قد قال رسول الله ﷺ: هو عقيم لا يولد له، وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أوليس قد قال رسول الله ﷺ: لا يدخل المدينة ولا مكة، وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟. قال أبو سعيد الخدري ﵁: حتى كدت أن أعذره. ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تبًا لك سائر اليوم» .
وقد رواه الترمذي من حديث الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁، فذكره بنحوه، وقال في آخره: "فوالله ما زال يجيء بهذا حتى قلت: فلعله مكذوب عليه. ثم قال: يا أبا سعيد! والله لأخبرتك خبرًا حقًا، والله إني
[ ٢ / ٣٥٢ ]
لأعرفه وأعرف والده وأين هو الساعة من الأرض. فقلت: تبًا لك سائر اليوم".
ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
ورواه الإمام أحمد من حديث التيمي عن أبي نضرة «عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: لقيني ابن صائد، فقال: عد الناس يقولون (أو: أحسب الناس يقولون) وأنتم يا أصحاب محمد! أليس سمعت رسول الله ﷺ يقول (أو قال: قال رسول الله ﷺ): هو يهودي، وأنا مسلم، وإنه أعور، وأنا صحيح، ولا يأتي مكة ولا المدينة، وقد حججت، وأنا معك الآن بالمدينة، ولا يولد له، وقد ولد لي، ثم قال: مع ذلك إني لأعلم أين ولد ومتى يخرج وأين هو. قال: فلبس علي» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أيضًا من حديث عوف الأعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: «أقبلنا في جيش من المدينة قبل هذا المشرق. قال: فكان في الجيش عبد الله بن صياد، وكان لا يسايره أحد، ولا يرافقه، ولا يؤاكله، ولا يشاربه، ويسمونه الدجال، فبينا أنا ذات يوم نازل في منزل لي، إذ رآني عبد الله بن صياد جالسًا، فجاء حتى جلس إلي، فقال: يا أبا سعيد! ألا ترى إلى ما يصنع الناس، لا يسايرني أحد، ولا يرافقني أحد، ولا يشاربني أحد، ولا يؤاكلني أحد، ويدعوني الدجال، وقد علمت أنت يا أبا سعيد أن رسول الله ﷺ قال: إن الدجال لا يدخل المدينة، وإني ولدت بالمدينة، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الدجال لا يولد له، وقد ولد لي، فوالله؛ لقد هممت مما يصنع بي هؤلاء الناس أن آخذ حبلًا، فأخلو، فأجعله في عنقي، فأختنق، فأستريح من هؤلاء الناس، والله؛ ما أنا بالدجال، ولكن والله لو شئت؛»
[ ٢ / ٣٥٣ ]
«لأخبرتك باسمه واسم أبيه واسم أمه واسم القرية التي يخرج منها» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أيضًا من حديث الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: «حججنا، فنزلنا تحت شجرة، وجاء ابن صائد، فنزل في ناحيتها، فقلت: إنا لله؛ ما صب هذا علي؟ قال: فقال: يا أبا سعيد! ما ألقى من الناس وما يقولون لي؛ يقولون: إني الدجال. أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: الدجال لا يولد له، ولا يدخل المدينة ولا مكة؟ قال: قلت: بلى. قال: قد ولد لي، وقد خرجت من المدينة، وأنا أريد مكة. قال أبو سعيد: فكأني رققت له، فقال: والله إن أعلم الناس بمكانه لأنا. قال: قلت: تبًا لك سائر اليوم» .
وعن أيوب عن نافع؛ قال: «لقي ابن عمر ﵄ ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر ﵄ على حفصة ﵂ وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله! ما أردت من ابن صائد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "إنما يخرج من غضبة يغضبها»؟.
رواه مسلم.
وقد رواه الإمام أحمد من حديث أيوب وعبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄: «أنه رأى ابن صائد في سكة من سكك المدينة، فسبه ابن عمر ووقع فيه، فانتفخ حتى سد الطريق، فضربه ابن عمر ﵄ بعصا كانت معه حتى كسرها عليه، فقالت له حفصة: ما شأنك وشأنه؟ ما يولعك به؟ أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما يخرج الدجال من غضبة يغضبها»؟ .
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضًا؛ من حديث ابن عون عن نافع عن
[ ٢ / ٣٥٤ ]
ابن عمر ﵄؛ قال: «لقيت ابن صائد مرتين، فأما مرة؛ فلقيته ومعه بعض أصحابه، فقلت لبعضهم: نشدتكم بالله، إن سألتكم عن شيء؛ لتصدقني؟ قالوا: نعم. قال: قلت: أتحدثوني أنه هو؟ قالوا: لا. قلت: كذبتم والله؛ لقد حدثني بعضكم وهو يومئذ أقلكم مالًا وولدًا: أنه لا يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، وهو اليوم كذلك. قال: فحدثنا، ثم فارقته، ثم لقيته مرة أخرى وقد تغيرت عينه، فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: ما تدري وهي في رأسك؟ ! فقال: ما تريد مني يا ابن عمر؟ إن شاء الله تعالى أن يخلقه من عصاك هذه خلقه، ونخر كأشد نخير حمار سمعته قط، فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا؛ فوالله ما شعرت. قال: فدخل على أخته حفصة، فأخبرها، فقالت: ما تريد منه؟ أما علمت أنه قال (تعني النبي ﷺ): "إن أول خروجه على الناس من غضبة يغضبها»؟ .
هذا لفظ أحمد.
وفي رواية مسلم: "قال: «فلقيته لقية أخرى وقد نفرت عينه. قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ ! قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه» (وذكر بقيته بنحوه".
وذكر رزين رواية «عن ابن عمر ﵄؛ قال فيها: "لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود، فإذا عينه قد طفئت، وكانت عينه خارجة كعين الحمار، فقلت: يا ابن صياد! أنشدك الله؛ متى فقدت عينك؟ فمسها بيده، فقال: لا أدري والرحمن. فقلت: كذبت، لا تدري وهي في رأسك! فنخر ثلاثًا، ففجأني ما لم أكن أحببت، وزعم اليهودي أني ضربت رأسه بالعصا حتى تكسرت، ولا أعلمني فعلت ذلك. فقلت له: اخسأ؛ فلن تعدو قدرك. قال:»
[ ٢ / ٣٥٥ ]
«أجل لعمري ولا أعدو قدري. وكأنما كان في سقاء فنش، فذكرت ذلك لحفصة، فقالت لي: اجتنب هذا الرجل؛ فإنا كنا نتحدث أنما للدجال غضبة يغضبها» .
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄؛ قال: "لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود، فإذا عينه قد كفيت وهي خارجة مثل عين الجمل، فلما رأيتها؛ قلت: يا ابن صياد! أنشدك الله؛ متى طفيت عينك؟ قال: لا أدري والرحمن. فقلت: كذبت، لا تدري وهي في رأسك! قال: فمسحها، ونخر ثلاثًا، فزعم اليهودي أني ضربت بيدي على صدره. قال: ولا أعلمني فعلت ذلك. وقلت له: اخسأ؛ فلن تعدو قدرك. قال: أجل لعمري ولا أعدو قدري. قال: فذكرت ذلك لحفصة، فقالت لي: اجتنب هذا الرجل؛ فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: "لقيت ابن صياد في طريق من طرق المدينة، فانتفخ حتى ملأ الطريق، فقلت: اخسأ؛ فإنك لن تعدو قدرك، فانضم بعضه إلى بعض ومررت".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنة، فقال: درمكة بيضاء، مسك خالص. قال: فقال رسول الله ﷺ: "صدق» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد ﵁: «أن ابن صياد سأل النبي»
[ ٢ / ٣٥٦ ]
«ﷺ عن تربة الجنة، فقال: " درمكة بيضاء، مسك خالص» .
وعنه ﵁؛ قال: «"ذكر ابن صياد عند النبي ﷺ، فقال عمر ﵁: إنه يزعم أنه لا يمر بشيء إلا كلمه» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات".
وعن محمد بن المنكدر؛ قال: «رأيت جابر بن عبد الله ﵄ يحلف بالله إن ابن صائد الدجال، فقلت: أتحلف بالله؟ ! قال إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلا ينكره النبي ﷺ» .
رواه: الشيخان، وأبو داود.
وقد تقدم ما رواه أبو داود من طريق الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر ﵁ في ذكر الجساسة والدجال، وفيه: "فقال لي ابن أبي سلمة: إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظته. قال: شهد جابر أنه ابن صياد. قلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنه دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة".
وتقدم أيضًا ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار والطبراني عن زيد بن وهب؛ قال: قال أبو ذر ﵁: "لأن أحلف عشر مرار أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به".
إسناد أحمد صحيح. وقد تقدم التنبيه على ذلك.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "لأن أحلف بالله تسعًا أن ابن صياد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه ليس به".
رواه: الطبراني وأبو يعلى بنحوه. قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى رجال
[ ٢ / ٣٥٧ ]
الصحيح".
وعن نافع؛ قال: كان ابن عمر ﵄ يقول: "والله؛ ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد ".
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وعن سالم (وهو ابن أبي الجعد) عن جابر (وهو ابن عبد الله ﵄)؛ قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة.
رواه أبو داود بإسناد صحيح، ورواه ابن أبي شيبة بمثله.
فصل
قال النووي في "شرح مسلم " في ذكر ابن صياد: "قال العلماء: قصته مشكلة، وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره؟ ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة؛ فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر ﵁: «إن يكن هو؛ فلن تستطيع قتله» .
وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن الصياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة؛ فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.
ومن اشتباه قصته وكون أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبي ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه
[ ٢ / ٣٥٨ ]
فصل في ابن صياد هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره
لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه؛ فليس بصريح في أنه غير الدجال.
قال الخطابي: واختلف السلف في أمره بعد كبره، فروي عنه أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه؛ كشفوا عن وجهه، حتى رآه الناس، وقيل لهم: اشهدوا. قال: كان ابن عمر وجابر فيما روي عنهما يحلفان أن ابن صياد هو الدجال؛ لا يشكان فيه، فقيل لجابر: إنه أسلم. فقال: وإن أسلم! فقيل: إنه دخل مكة وكان في المدينة. فقال: وإن دخل.
وروى أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح عن جابر؛ قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرة".
وهذا يعطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلي عليه.
وقد روى مسلم في هذه الأحاديث أن جابر بن عبد الله حلف بالله تعالى إن ابن صياد هو الدجال، وإنه سمع عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ.
وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنه كان يقول: "والله؛ ما أشك أن ابن صياد هو المسيح الدجال ".
قال البيهقي في كتاب "البعث والنشور": اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا كثيرًا؛ هل هو الدجال؟ قال: ومن ذهب إلى أنه غيره؛ احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة الذي ذكره مسلم.
قال: ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال؛ كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن. وكان أمر ابن صياد فتنة
[ ٢ / ٣٥٩ ]
ابتلى الله تعالى بها عباده، فعصم الله تعالى منها المسلمين، ووقاهم شرها.
قال: وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر، فيحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره، ثم جاءه البيان أنه غيره؛ كما صرح به في حديث تميم.
هذا كلام البيهقي، وقد اختار أنه غيره.
وقد قدمنا أنه صح عن عمر وعن ابن عمر وجابر ﵃ أنه الدجال، والله أعلم". انتهى كلام النووي.
وما اختاره البيهقي هو الأرجح المختار، وقد جزم به ابن كثير، وذكره عن بعض العلماء.
قال في كتاب "النهاية": "قال بعض العلماء إن ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال الأكبر، وليس به، إنما كان دجالًا صغيرًا ".
إلى أن قال: "والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا؛ لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية؛ فإنه فيصل في هذا المقام ".
وقال ابن كثير أيضًا: "والأحاديث الواردة في ابن صياد كثيرة، وفي بعضها توقف في أمره؛ هل هو الدجال؟ ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يوحى إلى النبي ﷺ في أمر الدجال وتعيينه، وقد تقدم حديث تميم الداري في ذلك، وهو فاصل في هذا المقام".
وقال ابن كثير أيضًا: "وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد، وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة، ثم تيب عليه بعد ذلك، فأظهر الإسلام، والله أعلم بضميره وسريرته، وأما الدجال الأكبر؛ فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله ﷺ عن تميم الداري، وفيه
[ ٢ / ٣٦٠ ]
قصة الجساسة، ثم يؤذن له في الخروج في آخر الزمان ". انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وقد ذكر نعيم بن حماد في كتاب "الفتن" أحاديث تتعلق بالدجال وخروجه:
منها ما أخرجه من طريق جبير بن نفير وشريح بن عبيد وعمرو بن الأسود وكثير بن مرة؛ قالوا جميعًا: «الدجال ليس هو إنسانًا، وإنما هو شيطان، موثق بسبعين حلقة، في بعض جزائر اليمن، لا يعلم من أوثقه سليمان النبي أو غيره، فإذا آن ظهوره؛ فك الله عنه كل عام حلقة، فإذا برز؛ أتته أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فيضع على ظهرها منبرًا من نحاس، ويقعد عليه، ويتبعه قبائل الجن؛ يخرجون له خزائن الأرض» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعد إيراده لهذا الأثر: "وهذا لا يمكن معه كون ابن صياد هو الدجال، ولعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب".
قلت: قد صح عن النبي ﷺ «أن الدجال له حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم بإسناد صحيح على شرط مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وروى الحاكم أيضًا بإسناد صحيح عن حذيفة بن أسيد ﵁: أنه قال في الدجال: «ولا يسخر له من المطايا إلا الحمار، فهو رجس على رجس» .
ففي هذين الحديثين شاهد لما في الأثر الذي رواه نعيم بن حماد من كون
[ ٢ / ٣٦١ ]
الدجال يركب على أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعًا.
وأما قولهم: "إن الدجال ليس هو إنسانًا وإنما هو شيطان "؛ فهو مردود بما في حديث تميم الداري ﵁: أنه قال: «فانطلقنا سراعًا، حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا» " الحديث.
رواه: مسلم، وأبو داود، وتقدم ذكره.
قال الحافظ ابن حجر: "وذكر ابن وصيف المؤرخ أن الدجال من ولد شق الكاهن المشهور. قال: وقيل: بل هو شق نفسه، أنظره الله، وكانت أمه جنية، عشقت أباه، فأولدها، وكان الشيطان يعمل له العجائب، فأخذه سليمان، فحبسه في جزيرة من جزائر البحر".
قال الحافظ: "وهذا في غاية الوهي".
قلت: لم يقم دليل يدل على أن الدجال هو شق الكاهن، ولا أنه من ولده؛ فلا ينبغي الالتفات إلى هذا الخبر الواهي.
ومما يدل على بطلانه ما ذكره المؤرخون عن ربيعة بن نصر - أحد ملوك التبابعة - أنه رأى رؤيا هالته، فسأل سطيحًا وشقًا عنها، فأخبراه عن تأويلها بأن الحبشة يملكون اليمن بعد حين أكثر من ستين أو سبعين سنة وأن سلطانهم ينقطع عن اليمن لبضع وسبعين سنة، وذلك حين يخرجهم سيف بن ذي يزن الحميري، وكان ظهور سيف بن ذي يزن على الحبشة بعد مولد النبي ﷺ بسنتين، فيؤخذ من هذا أن شقًا كان في الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وذلك بعد زمان سليمان ﵊ بمدة طويلة.
قال الحافظ ابن حجر: "وقد أخرج أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق من طريق شبيل - بمعجمة
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وموحدة مصغرًا آخره لام - ابن عزرة - بمهملة بوزن ضربة - عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه؛ قال: لما افتتحنا أصبهان؛ كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنمتار منها، فأتيتها يومًا؛ فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم، فقال: ملكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح، فصليت الغداة فلما طلعت الشمس؛ إذا الرهج من قبل العسكر، فنظرت؛ فإذا رجل عليه قبة من ريحان واليهود يزفنون ويضربون، فنظرت؛ فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة، فلم يعد حتى الساعة".
قال الحافظ ابن حجر: " وحسان بن عبد الرحمن ما عرفته والباقون ثقات. وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر ﵁؛ قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة".
قال الحافظ: "وهذا يضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه وكشفوا عن وجهه، ولا يلتئم خبر جابر هذا مع خبر حسان بن عبد الرحمن؛ لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر ﵁؛ كما أخرجه أبو نعيم في "تاريخها"، وبين قتل عمر ووقعة الحرة نحو أربعين سنة، ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: "لما افتتحنا أصبهان" محذوفًا، تقديره: صرت أتعاهدها وأتردد إليها فجرت قصة ابن صياد، فلا يتحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صياد ".
قلت: في هذا الحمل والتوجيه نظر لا يخفى، والأولى أن يقال: إن الخبر الذي رواه أبو نعيم في "تاريخه" لا يعتمد عليه؛ لأن في إسناده من لا يعرف.
ثم قال الحافظ: "وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان،
[ ٢ / ٣٦٣ ]
فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها".
قلت: وفي هذا الجمع نظر لا يخفى؛ فإن ابن صياد قد ولد في المدينة وكان أبوه وأمه من اليهود، وكان في زمن النبي ﷺ، وقد قارب الحلم، ثم أسلم بعد ذلك، وولد له ابنان من خيار التابعين، ومن كانت هذه حاله؛ فليس بشيطان تبدى في صورة الدجال، وإنما هو آدمي قطعًا.
والأحسن في هذا أن يقال: إن ابن صياد دجال من الدجاجلة، وليس بالدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان؛ كما قرر ذلك الحافظ ابن كثير وغيره من المحققين. والله أعلم.
فصل
وقد قدح أبو عبية في حديث جابر الذي تقدم ذكره في أول الباب، وقرر عدم صحته بغير حجة يستند إليها، بل بمجرد رأيه وما تميل نفسه إليه من القدح في الأحاديث الصحيحة والغض من شأنها، ثم زعم في عنوان وضعه في (ص١٠٤) أن الأحاديث الواردة في ابن صياد مرويات مرفوضة لا تصدق عقلًا، وليس بمعقول صدورها عن الرسول ﵇، وقال في حاشية (ص١٠٤): "إن ابن صياد خرافة على بعض العقول فعاشت قصتها في بعض الكتب منسوبة إلى الرسول " إلى آخر كلامه.
والجواب أن يقال: قد ورد في شأن ابن صياد أحاديث كثيرة، منها ما هو في "الصحيحين"، ومنها ما هو في أحدهما، ومنها ما رواه الإمام أحمد وغيره من الأئمة بأسانيد جيدة، وقد ذكرت من ذلك ما فيه كفاية في رد ما توهمه أبو عبية ومن على شاكلته من المخرفين الذين لا يعبؤون بالأحاديث الصحيحة ولا يقيمون لها وزنًا، ولا يرفض الأحاديث الواردة في ابن صياد وينفي صدورها عن
[ ٢ / ٣٦٤ ]
فصل قدح أبي عبية في أحاديث ابن صياد والرد عليه
النبي ﷺ إلا أصحاب القلوب السقيمة والعقول التي ليست بمستقيمة، فأما أصحاب القلوب السليمة والعقول المستقيمة؛ فإنهم يصدقون بها وبكل ما صحت أسانيده إلى النبي ﷺ، ولا يعترضون على شيء منها بمجرد الآراء والتخرصات.
باب
لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره
عن راشد بن سعد؛ قال: لما فتحت إصطخر؛ نادى مناد: ألا إن الدجال قد خرج. قال: فلقيهم الصعب بن جثامة ﵁، فقال: لولا ما تقولون لأخبرتكم أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يخرج الدجال حتى يذهل النسا عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد من رواية بقية عن صفوان بن عمرو. قال الهيثمي: "وهي صحيحة كما قال ابن معين، وبقية رجاله ثقات". وقد رواه ابن السكن وقال: "إسناده صالح"، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة الصعب بن جثامة، وقال في "تهذيب التهذيب": "إنما أشار بقوله: "صالح الإسناد": إلى ثقة رجاله، لكن راشدًا لم يدرك زمن الصعب". انتهى.
باب
ما جاء في تمني الدجال
عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان يتمنون فيه الدجال ". قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي مم ذاك؟ قال: "مما يلقون من العناء» .
[ ٢ / ٣٦٥ ]
باب ما جاء في تمني الدجال
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه البزار بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه نعيم بن حماد في "الفتن" بنحوه، وقال في آخره: «مما يلقون في الدنيا من الزلازل والفتن» .
وعن صلة بن زفر: أنه سمع حذيفة بن اليمان ﵄، وقال له رجل: خرج الدجال، فقال حذيفة ﵁: "أما ما كان فيكم أصحاب محمد ﷺ؛ فلا والله، لا يخرج حتى يتمنى قوم خروجه، ولا يخرج حتى يكون خروجه أحب إلى أقوام من شرب الماء البارد في اليوم الحار".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «لا يخرج الدجال حتى لا يكون شيء أحب إلى المؤمن من خروج نفسه» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
باب
في علامات خروج الدجال
قد تقدم في ذلك عدة أحاديث:
منها حديث عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: «كنا قعودًا عند رسول الله ﷺ، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها الحديث، وفيه: "ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحدًا من هذه الأمة؛ إلا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت؛ تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلكم؛ فانتظروا الدجال من يومه أو غده» .
[ ٢ / ٣٦٦ ]
باب في علامات خروج الدجال
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد تقدم بتمامه في أول الكتاب في (باب ما جاء في الفتن الكبار) .
ومنها حديث معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال (ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال:) إن هذا الحق كما أنك هاهنا (أو: كما أنك قاعد) (يعني: معاذًا)» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وقد تقدم في (باب علامة فتح القسطنطينية) .
ومنها حديث معاذ أيضًا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال في سبعة أشهر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وقد تقدم هذا الحديث في (باب تواتر الملاحم في آخر الزمان) .
ومنها حديث عبد الله بن بسر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج المسيح الدجال في السابعة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وقد تقدم في (باب تواتر الملاحم في آخر الزمان) .
ومنها حديثه أيضًا: أنه قال: «"يا ابن أخي! لعلك تدرك فتح القسطنطينية؛ فإياك إن أدركت فتحها أن تترك غنيمتك منها؛ فإن بين فتحها وبين خروج الدجال»
[ ٢ / ٣٦٧ ]
«سبع سنين» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وقد تقدم في (باب تواتر الملاحم في آخر الزمان) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: "للدجال آيات معلومات: إذا غارت العيون، ونزفت الأنهار، واصفر الريحان، وانتقلت مذحج وهمدان من العراق فنزلت قنسرين؛ فانتظروا الدجال غاديًا أو رائحًا".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي ظبيان؛ قال: "ذكرنا الدجال، فسألنا عليًا ﵁: متى خروجه؟ قال: لا يخفى على مؤمن، عينه اليمنى مطموسة، مكتوب بين عينيه كافر؛ يتهجاها لنا علي ﵁. قلنا: ومتى يكون ذلك؟ قال: حين يفخر الجار على جاره، ويأكل الشديد الضعيف، وتقطع الأرحام، ويختلفوا اختلاف أصابعي هؤلاء (وشبكها ورفعها)، فقال له رجل من القوم: كيف تأمر عند ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إنك لن تدرك ذلك. فطابت أنفسنا".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن علي أيضًا ﵁: "أنه خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال: معاشر الناس! سلوني قبل أن تفقدوني (يقولها ثلاث مرات) . فقام إليه صعصعة بن صوحان العبدي، فقال: يا أمير المؤمنين! متى يخرج الدجال؟ فقال: مه يا صعصعة! قد علم الله مقامك وسمع كلامك، ما المسؤول بأعلم بذلك من السائل، ولكن لخروجه علامات وأسباب وهنات يتلو بعضهن بعضًا حذو النعل بالنعل، ثم إن شئت أنبأتك بعلامته. فقال: عن ذلك
[ ٢ / ٣٦٨ ]
سألتك يا أمير المؤمنين. قال: فاعقد بيدك واحفظ ما أقول لك: إذا أمات الناس الصلوات، وأضاعوا الأمانات، وكان الحكم ضعفًا، والظلم فخرًا، وأمراؤهم فجرة، ووزراؤهم خونة، وأعوانهم ظلمة، وقراؤهم فسقة، وظهر الجور، وفشا الزنى، وظهر الربا، وقطعت الأرحام، واتخذت القينات، وشربت الخمور، ونقضت العهود، وضيعت العتمات، وتوانى الناس في صلاة الجماعات، وزخرفوا المساجد، وطولوا المنابر، وحلوا المصاحف، وأخذوا الرشى، وأكلوا الربا، واستعملوا السفهاء، واستخفوا بالدماء، وباعوا الدين بالدنيا، واتجرت المرأة مع زوجها حرصًا على الدنيا، وركب النساء على المياثر وتشبهن بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء، وكان السلام بينهم على المعرفة، وشهد شاهدهم من غير أن يستشهد، وحلف من قبل أن يستحلف، ولبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، وكانت قلوبهم أمر من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، وسرائرهم أنتن من الجيف، والتمس الفقه لغير الدين، وأنكر المعروف، وعرف المنكر، فالنجا النجا، والوحا الوحا " الحديث.
رواه ابن المنادي. قال في "كنز العمال": "وفيه حماد بن عمرو: متروك، عن السري بن خالد: قال في "الميزان": لا يعرف. وقال الأزدي: لا يحتج به ".
قلت: وله شواهد كثيرة مما تقدم في أول أشراط الساعة.
وعن ابن عباس ﵄: أنه قال في الدجال: "تكون آية خروجه تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتهاون بالدماء، وضيعوا الحكم، وأكلوا الربا، وشيدوا البناء، وشربوا الخمور، واتخذوا القيان، ولبسوا الحرير، وأظهروا بزة آل فرعون، ونقضوا العهد، وتفقهوا لغير الدين، وزينوا المساجد، وخربوا القلوب، وقطعوا الأرحام، وكثرت القراء، وقلت الفقهاء، وعطلت
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الحدود، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وتكافأت الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، بعث الله عليهم الدجال، فسلط عليهم حتى ينتقم منه، وينحاز المؤمنون إلى بيت المقدس " الحديث.
رواه: إسحاق بن بشر، وابن عساكر.
باب
ما جاء في السنوات التي بين يدي الدجال
عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"إن أمام الدجال سنين خداعة؛ يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة". قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الفويسق يتكلم في أمر العامة» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
وعن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"يكون أمام الدجال سنون خوادع؛ يكثر فيها المطر، ويقل فيها النبت، ويكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيهال الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة ". قيل: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: "من لا يؤبه له» .
رواه الطبراني بأسانيد. قال الهيثمي: "وفي أحسنها ابن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
ورواه: أبو يعلى، والبزار، وعنده: «قيل: يا رسول الله! وما الرويبضة؟»
[ ٢ / ٣٧٠ ]
باب ما جاء في السنوات التي بين يدي الدجال
«قال: "المرء التافه يتكلم في أمر العامة» . قال البوصيري: "رواه أبو يعلى والبزار بسند واحد رواته ثقات".
قال الجوهري: " (الرويبضة): التافه الحقير". وقال ابن الأثير: "التافه الحقير الخسيس".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ؛ قال: «"تكون قبل خروج المسيح الدجال سنوات خداعة؛ يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويتكلم الرويبضة". قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الوضيع من الناس» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
ما جاء في حبس المطر والنبات عند خروج الدجال
«عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي، فذكر الدجال، فقال: "إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف من البهائم إلا هلكت " الحديث.
وفيه: قالت أسماء: يا رسول الله! إنا والله لنعجن عجينتنا فما نختبزها حتى نجوع؛ فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال رسول الله ﷺ: "يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس» .
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي،
[ ٢ / ٣٧١ ]
باب ما جاء في حبس المطر والنبات عند خروج الدجال
والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب وفيه ضعف وقد وثق".
قلت: قد روى له مسلم في "صحيحه"، ووثقه أحمد وابن معين ويعقوب بن سفيان، وقال أبو زرعة: "لا بأس به"، وعلى هذا؛ فأقل الأحوال في حديثه أن يكون من قبيل الحسن.
وقد قال ابن كثير في "النهاية" بعدما أورد حديثه هذا من رواية الإمام أحمد: "إسناده لا بأس به".
وفي رواية لأحمد: «يكفي المؤمنين عن الطعام والشراب يومئذ التكبير والتسبيح والتحميد» .
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد ﵂؛ قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يحذر أصحابه الدجال، فقال: "أحذركم المسيح الدجال، وإن كل نبي قد أنذر قومه، وإنه فيكم أيتها الأمة، وسأجلي لكم من نعته ما لم تجلي الأنبياء قبلي لقومهم: يكون قبل خروجه سنون جدب، حتى يهلك كل ذي حافر". فناداه رجل، فقال: يا رسول الله! بم يعيش المؤمنون؟ فقال: "بما يعيش به الملائكة» الحديث.
وسيأتي بتمامه في (باب اتباع الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال وحذرناه فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: «"وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله»
[ ٢ / ٣٧٢ ]
«فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت، إلا ما شاء الله ". فقيل: ما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: "التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام» .
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والضياء المقدسي.
باب
ما جاء في الجوع الذي يكون عند خروج الدجال وفي أيامه وما يكون طعام المؤمنين يومئذ
فيه حديث أسماء بنت يزيد وحديث أبي أمامة ﵄، وقد تقدم ذكرهما في الباب قبله.
«وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ ذكر جهدًا شديدًا يكون بين يدي الدجال، فقلت: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "يا عائشة! العرب يومئذ قليل ". فقلت: ما يجزئ المؤمنين يومئذ من الطعام؟ قال: "ما يجزئ الملائكة: التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل". قلت: فأي المال يومئذ خير؟ قال: "غلام شديد يسقي أهله من الماء، وأما الطعام؛ فلا طعام» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير: "تفرد به أحمد، وإسناده صحيح، وفيه غرابة".
«وعن أسماء بنت عميس ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها لبعض حاجته، ثم خرج، فشكت إليه الحاجة، فقال: "كيف بكم إذا ابتليتم بعبد قد سخرت له أنهار الأرض وثمارها، فمن اتبعه؛ أطعمه وأكفره، ومن عصاه؛ حرمه»
[ ٢ / ٣٧٣ ]
باب ما جاء في الجوع الذي يكون عند خروج الدجال
ما جاء في الجوع الذي يكون عند خروج الدجال وفي أيامه وما يكون طعام المؤمنين يومئذ
«ومنعه". قلت: يا رسول الله! إن الجارية لتجلس عند التنور ساعة لخبزها فأكاد أفتتن في صلاتي؛ فكيف بنا إذا كان ذلك؟ قال: "إن الله يعصم المؤمنين يومئذ بما عصم به الملائكة من التسبيح"» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ سئل عن طعام المؤمنين في زمن الدجال؟ قال: "طعام الملائكة". قالوا: وما طعام الملائكة؟ قال: "طعامهم منطقهم بالتسبيح والتقديس، فمن كان منطقه يومئذ التسبيح والتقديس؛ أذهب الله عنه الجوع؛ فلم يخش جوعًا» .
رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق سعيد بن سنان، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: " سعيد متهم تالف".
قلت: ولهذا الحديث شواهد مما تقدم.
فصل
وقد أنكر أبو عبية ما جاء في أحاديث هذا الباب والباب قبله من كون التسبيح والتكبير والتحميد يقوم للمؤمنين مقام الطعام عند عدمه في آخر الزمان، فقال في (ص١١٥) في الكلام على قوله ﷺ في آخر حديث أبي أمامة الطويل في ذكر الدجال: «وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد إلى أن قال: فقيل: ما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: "التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام»؛ قال أبو عبية:
"هذا يتنافى وطبيعة الأحياء، وهو الأمر الذي يجعلنا ننفي نسبة الحديث
[ ٢ / ٣٧٤ ]
فصل إنكار أبي عبية لبعض الأحاديث في الدجال والرد عليه
للرسول ﵇، وإلا؛ فكيف يعيش الناس بدون طعام ولا شراب؟ ! ".
وقال أيضًا في عنوان وضعه في (ص١٣٤): "التسبيح والتهليل والتكبير لا تطعم الأجساد".
وقال أيضًا في حاشية (ص١٣٥) ما نصه: "سبقت الإشارة إلى أن حياة الناس في دنيانا بدون طعام ولا شراب أمر غير ممكن، ولذا فنحن نطمئن إلى نفي هذا الحديث عن الرسول الكريم ".
وقال أيضًا في حاشية (ص١٣٦) تعليقًا على قول ابن كثير في حديث عائشة ﵂ الذي تقدم ذكره في الباب: "تفرد به أحمد، وإسناده صحيح، وفيه غرابة".
قال أبو عبية: "متنه أشد غرابة، ونفيه عن الرسول حق من الحق".
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: قد صح حديث أبي أمامة وحديث عائشة ﵄ في ذلك، وإذا صح الحديث عن النبي ﷺ؛ فالإيمان به واجب، ومن رده ولم يؤمن به؛ فقد رد على الله أمره، ورد على الرسول ﷺ خبره الصادق، وقد تقدم كلام الإمام أحمد وغيره في ذلك في أول الكتاب؛ فليراجع.
الوجه الثاني: أن اجتزاء المؤمنين بالتهليل والتكبير والتسبيح والتحميد عن الطعام عند خروج الدجال وفي أيامه أمر خارق للعادة وكرامة من كرامات الأولياء.
ونظير ذلك فتحهم للقسطنطينية ورومية بالتسبيح والتهليل والتكبير؛ كما تقدم ذكر الأحاديث في ذلك في (باب ما جاء في الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية ورومية) .
[ ٢ / ٣٧٥ ]
ونظير ذلك أيضًا ما تقدم في (باب قتال اليهود) أن الحجر والشجر يقول: "يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله".
ونظيره أيضًا ما رواه الحاكم والبيهقي في "دلائل النبوة" إجازة عن الحاكم عن هشام بن العاص الأموي؛ قال: "بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام (فذكر الحديث إلى أن قال:)، حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر؛ فالله يعلم؛ لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح (فذكر الحديث في دخولهم عليه إلى أن قال:) قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلما تكلمنا بها، والله يعلم؛ لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها؛ قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة، كلما قلتموها في بيوتكم تنفضت عليكم غرفكم؟ قلنا: لا؛ ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك. قال: لوددت أنكم كلما قلتم تنفض كل شيء عليكم وأني قد خرجت من نصف ملكي. قلنا: لم؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة وأنها تكون من حيل الناس (وذكر تمام الحديث) "، وقد نقله ابن كثير في تفسير سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية. قال ابن كثير: "وإسناده لا بأس به".
ونظيره أيضًا أن الصحابة ﵃ في بعض قتالهم للفرس عبروا دجلة على خيولهم، وخرجوا منها، لم تبتل سرجهم، ولم يفقدوا شيئًا من متاعهم.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وأمثال هذا من كرامات الأولياء وخوارق العادات كثير جدًا.
ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، فمن لم يصدق بذلك؛ فقد خالف ما عليه أهل السنة والجماعة، واتبع طريق أهل البدع والضلالة.
باب
ما جاء في صفة أبوي الدجال
فيه حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ في صفة أبوي الدجال، وقد تقدم في أول الأحاديث المتعلقة بابن صياد؛ فليراجع.
باب
ما جاء أن الدجال يولد في القبر
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «ذكر الدجال عند النبي ﷺ، فقال: "تلده أمه وهي منبوذة في قبرها، فإذا ولدته؛ حملت النساء بالخطائين» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي؛ قال البخاري: مجهول".
قلت: وظاهر هذا الحديث أن الدجال لا يولد إلا في آخر الزمان؛ لقوله: «فإذا ولدته؛ حملت النساء بالخطائين» . وهذا مخالف لما تقدم في حديثي عمران بن حصين ومعقل بن يسار ﵄ أن الدجال قد أكل الطعام ومشى في الأسواق، ومخالف أيضًا لما تقدم من حديث فاطمة بنت قيس وجابر ﵄ في خبر الجساسة والدجال؛ فإن فيه أن الدجال كان موجودًا في
[ ٢ / ٣٧٧ ]
باب ما جاء أن الدجال يولد في القبر
زمن النبي ﷺ، وأنه كان موثقًا بالحديد في بعض جزائر البحر، والعمدة على ما تقدم لا على هذا الحديث الضعيف، والله أعلم.
باب
ما جاء في صفة الدجال
عن عبادة بن الصامت ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا، إن مسيح الدجال رجل قصير، أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليس بناتئة ولا جحراء، فإن ألبس عليكم؛ فاعلموا أن ربكم ﵎ ليس بأعور، وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وأبو بكر الآجري؛ بأسانيد جيدة، وفيها بقية بن الوليد. قال المنذري في "تهذيب السنن": "وفيه مقال".
قلت: قد قال النسائي: "إذا قال: حدثنا وأخبرنا؛ فهو ثقة". وقال ابن عدي: "إذا حدث عن أهل الشام؛ فهو ثبت". وقال الجوزجاني: "إذا حدث عن الثقات؛ فلا بأس به". وهذا الحديث قد صرح فيه بالتحديث عن يحيى بن سعيد، وهو حمصي ثقة، فصار بقية في هذا الحديث ثقة ثبتًا، وبقية رواته كلهم ثقات.
قال ابن الأثير: " (الفحج): تباعد ما بين الفخذين".
وقال ابن منظور في "لسان العرب": " الفحج): تباعد ما بين أوساط الساقين في الإنسان والدابة، وقيل: تباعد ما بين الفخذين، وقيل: تباعد ما بين الرجلين، والأفحج الذي في رجليه اعوجاج، ورجل أفحج بين الفحج، وهو
[ ٢ / ٣٧٨ ]
باب ما جاء في صفة الدجال
الذي تتدانى صدور قدميه وتتباعد عقباه وتتفحج ساقاه".
وقال الخطابي: " (الأفحج): الذي إذا مشى باعد بين رجليه". قال: " (والجحراء): التي قد انخسفت فبقي مكانها غائرًا كالجحر، يقول: إن عينه سادة لمكانها، مطموسة؛ أي: ممسوحة، ليست بناتئة ولا منخسفة". انتهى.
وعن جبير بن نفير عن أبيه ﵁: «أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال، فقال: "إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه، وإن يخرج ولست فيكم؛ فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، ألا وإنه مطموس العين كأنها عين عبد العزى بن قطن الخزاعي، ألا وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مسلم » الحديث.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن صالح، وقد وثق، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات".
ورواية الحاكم تشهد لرواية الطبراني بالصحة.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: أنه قال في الدجال: «أعور، هجان، أزهر، كأن رأسه أصلة، أشبه الناس بعبد العزى بن قطن، فإما هلك الهلك؛ فإن ربكم ﵎ ليس بأعور» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني.
وفي رواية عنده عن النبي ﷺ؛ قال: «رأيت الدجال هجانًا، ضخمًا، فيلمانيًا، كأن شعره أغصان شجرة، أعور كأن عينيه كوكب الصبح، أشبه بعبد العزى بن قطن (رجل من خزاعة)» .
[ ٢ / ٣٧٩ ]
قال الهيثمي: "ورجال الجميع رجال الصحيح، وقد روى الرواية الأولى عبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة" من طريق أبيه ومن طريق أخرى، وأبو داود الطيالسي في "مسنده"، وابن خزيمة في "كتاب التوحيد"، وابن حبان في "صحيحه" بنحوه، ورجال أبي داود وابن خزيمة رجال الصحيح".
قال ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب": " (الهجان): الأبيض، و(الأزهر): الأبيض المستنير، والزهر والزهرة: البياض النير، وهو أحسن الألوان".
قال ابن منظور: "والزاهر والأزهر: الحسن الأبيض من الرجال، وقيل: هو الأبيض فيه حمرة، ورجل أزهر؛ أي: أبيض مشرق الوجه، و(الفيلم): العظيم الضخم الجثة من الرجال، والفيلماني: منسوب إليه بزيادة الألف والنون للمبالغة، و(الأصلة)؛ بفتح الهمزة والصاد: الأفعى، وقيل: هي الحية العظيمة الضخمة القصيرة، والعرب تشبه الرأس الصغير الكثير الحركة برأس الحية". قال ابن منظور: "شبه رسول الله ﷺ رأس الدجال بها لعظمه واستدارته، وفي الأصلة مع عظمها استدارة".
وعنه ﵁؛ قال: «أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته، فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال ناس: نحن نصدق محمدًا بما يقول، فارتدوا كفارا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم! هاتوا تمرًا وزبدًا فتزقموا. ورأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس رؤيا منام، وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، فسئل النبي ﷺ عن الدجال، فقال: رأيته فيلمانيًا، أقمر، هجانًا، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة، ورأيت عيسى شابًا أبيض جعد الرأس حديد البصر مبطن الخلق، ورأيت موسى»
[ ٢ / ٣٨٠ ]
«أسحم آدم كثير الشعر شديد الخلق، ونظرت إلى إبراهيم؛ فلا أنظر إلى إرب من آرابه إلا نظرت إليه مني، كأنه صاحبكم، فقال جبريل ﵇: سلم على مالك، فسلمت عليه» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، وأبو يعلى؛ بأسانيد صحيحة.
قال ابن قتيبة وغيره من أهل اللغة: " (الأقمر): الأبيض الشديد البياض، والأنثى قمراء".
وتقدم بيان معنى الفيلماني والهجان، و(المبطن): هو الضامر البطن.
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أراني الليلة في المنام عند الكعبة، فإذا رجل آدم كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين، وهو بينهما يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيح ابن مريم، ورأيت وراءه رجلًا جعدًا، قططًا، أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن، واضعًا يديه على منكبي رجلين، يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح الدجال» .
رواه: مالك، وأحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان.
وفي رواية لأحمد: أن رسول الله ﷺ قال: «"رأيت عند الكعبة مما يلي وجهها (وفي رواية له أخرى: رأيت عند الكعبة مما يلي المقام) رجلًا آدم، سبط الرأس، واضعًا يده على رجلين، يسكب رأسه (أو: يقطر)، فسألت: من هذا؟ فقيل: عيسى ابن مريم أو المسيح ابن مريم (لا أدري ذلك قال)، ثم رأيت وراءه رجلًا أحمر، جعد الرأس، أعور عين اليمنى، أشبه من رأيت به ابن قطن، فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح الدجال» .
وفي رواية لأحمد والشيخين: أن رسول الله ﷺ قال: «"بينا أنا نائم؛»
[ ٢ / ٣٨١ ]
«رأيتني أطوف بالكعبة؛ فإذا رجل آدم، سبط الشعر، يهادى بين رجلين، ينطف رأسه أو يهراق، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مريم ". قال: "فذهبت ألتفت؛ فإذا رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس، أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية؛ قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال، أقرب من رأيت به شبهًا ابن قطن» .
زاد البخاري: " وابن قطن رجل من بني المصطلق من خزاعة". وفي رواية: "قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية ". وفي رواية لأحمد: "قال ابن شهاب: رجل من خزاعة من بني المصطلق مات في الجاهلية ".
قوله: "رجل الشعر"؛ أي: بين الجعودة والسبوطة، و(الجعد) من الشعر: ضد السبط، و(القطط): الشديد الجعودة. قاله ابن الأثير. قال: "وقيل: الحسن الجعودة، والأول أكثر". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (القطط): شعر الزنجي". قال: "وجعد قطط؛ أي: شديد الجعودة".
وقوله في هذا الحديث: "فإذا رجل أحمر": المراد به الأبيض؛ فلا منافاة بين ما هنا وبين ما تقدم في حديث ابن عباس ﵄ أنه هجان أزهر، وفي الرواية الأخرى أنه أقمر، وقد تقدم تفسير ذلك بأنه الأبيض.
وقد نقل ابن منظور في "لسان العرب" عن المبرد أنه قال: "يقال لولد العربي من غير العربية: هجين؛ لأن الغالب على ألوان العرب الأدمة، وكانت العرب تسمي العجم الحمراء؛ لغلبة البياض على ألوانهم، ويقولون لمن علا لونه البياض: أحمر، ولذلك قال النبي ﷺ لعائشة: «يا حميراء!»؛ لغلبة البياض على لونها. وقال ﷺ: «بعثت إلى الأحمر والأسود»؛ فأسودهم العرب، وأحمرهم العجم، وقالت العرب لأولادها من العجميات اللاتي يغلب على ألوانهن البياض: هجن وهجناء؛ لغلبة البياض على ألوانهم وإشباههم أمهاتهم " انتهى.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وأما قوله ﷺ: «أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية»؛ فقال النووي في "شرح مسلم ": "روي بالهمز وبغير همز، فمن همز: معناه: ذهب ضوؤها، ومن لم يهمز: معناه: ناتئة بارزة، ثم إنه جاء هنا أنه «أعور العين اليمنى»، وجاء في رواية أخرى: «أعور العين اليسرى»، وقد ذكرهما مسلم في آخر الكتاب، وكلاهما صحيح.
قال القاضي عياض ﵀: روينا هذا الحرف عن أكثر شيوخنا بغير همز، وهو الذي صححه أكثرهم. قال: وهو الذي ذهب إليه الأخفش، ومعناه: ناتئة كنتوء حبة العنب من بين صواحبها. قال: وضبطه بعض شيوخنا بالهمز، وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره، وقد وصف في الحديث بأنه ممسوح العين، وأنها ليست جحراء ولا ناتئة، بل مطموسة، وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها، وهذا يصحح رواية الهمز، وأما ما جاء في الأحاديث الأخر: «جاحظ العين وكأنها كوكب»، وفي رواية له: «حدقة، جاحظة، كأنها نخاعة في حائط»؛ فتصحح رواية ترك الهمزة، ولكن يجمع بين الأحاديث وتصحح الروايات جميعا بأن تكون المطموسة والممسوحة والتي ليست بجحراء ولا ناتئة هي العوراء الطافئة بالهمز، وهي العين اليمنى كما جاء هنا، وتكون الجاحظة والتي كأنها كوكب وكأنها نخاعة هي الطافية بغير همز، وهي العين اليسرى كما جاء في الرواية الأخرى، وهذا جمع بين الأحاديث والروايات في الطافئة بالهمز وبتركه، وأعور العين اليمنى واليسرى؛ لأن كل واحدة منهما عوراء؛ فإن الأعور من كل شيء المعيب، لا سيما ما يختص بالعين، وكلا عيني الدجال معيبة عوراء: إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها.
هذا آخر كلام القاضي، وهو في نهاية من الحسن ". انتهى.
وعن النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فذكر الحديث بطوله، وفيه: "إنه شاب جعد، قطط،»
[ ٢ / ٣٨٣ ]
«عينه طافية» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وهذا لفظ أحمد، وإسناده إسناد مسلم، ولفظ مسلم: «إنه شاب قطط عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن» .
ولفظ الترمذي وابن ماجه مثله؛ إلا أنهما قالا: عينه قائمة. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
وعن الفلتان بن عاصم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها، ورأيت مسيح الضلالة؛ فإذا رجلان في أندر فلان يتلاحيان، فحجزت بينهما، فأنسيتها؛ فاطلبوها في العشر الأواخر، وأما مسيح الضلالة؛ فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض النحر، كأنه عبد العزى بن قطن» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وقد رواه البغوي وابن السكن وابن شاهين من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن «خاله الفلتان بن عاصم؛ قال: أتيت النبي ﷺ فيمن أتاه من الأعراب، فجلسنا ننتظره، فخرج وفي وجهه الغضب، فجلس طويلًا لا يتكلم، ثم قال: "إني خرجت إليكم وقد بينت لي ليلة القدر ومسيح الضلالة، فخرجت لأبينهما لكم، فلقيت بسدة المسجد رجلين متلاحيين معهما الشيطان، فحجزت بينهما، فأنسيتها، واختلست مني، وسأشدو لكم شدوًا: أما ليلة القدر؛ فالتمسوها في العشر الأواخر وترًا، وأما مسيح الضلالة؛ فإنه رجل أجلى الجبهة، ممسوح العين، عريض النحر، فيه دفاء، كأنه فلان ابن عبد العزى» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"خرجت إليكم وقد بينت لي ليلة القدر ومسيح الضلالة، فكان تلاح بين رجلين بسدة المسجد،»
[ ٢ / ٣٨٤ ]
«فأتيتهما لأحجز بينهما، فأنسيتهما، وسأشدو لكم منهما شدوًا، أما ليلة القدر؛ فالتمسوها في العشر الأواخر وترًا، وأما مسيح الضلالة؛ فإنه أعور العين، أجلى الجبهة، عريض النحر، فيه دفأ، كأنه قطن بن عبد العزى ". قال: يا رسول الله! هل يضرني شبهه؟ قال: "لا، أنت امرؤ مسلم، وهو امرؤ كافر» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه المسعودي وقد اختلط". وقد رواه أبو داود الطيالسي من طريق المسعودي أيضًا.
قوله: "وسأشدو لكم منهما شدوًا"؛ معناه: أذكر لكم طرفًا مما يدل عليهما.
قال ابن منظور في "لسان العرب": " (الشدو): كل شيء قليل من كثير، شدا من العلم والغناء وغيرهما شدوًا: أحسن منه طرفًا. قال: والشدا أيضًا: الشيء القليل". انتهى.
وأما (الأجلى)؛ فهو الذي انحسر الشعر عن مقدم رأسه: قال الجوهري: "الجلاء: انحسار الشعر عن مقدم الرأس". وقال ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب": "الأجلى: الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته ".
و(الدفا) مقصور: الانحناء، يقال: رجل أدفى. قال ابن الأثير: "هكذا ذكره الجوهري في المعتل، وجاء به الهروي في المهموز، فقال: أدفأ وامرأة دفآء".
وقوله: "كأنه قطن بن عبد العزى " إلى آخره، هذا مما أخطأ فيه المسعودي، واختلط عليه حديث بحديث.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وهذه الزيادة ضعيفة؛ فإن في
[ ٢ / ٣٨٥ ]
سنده المسعودي، وقد اختلط، والمحفوظ أنه عبد العزى بن قطن، وأنه هلك في الجاهلية؛ كما قال الزهيري ".
قلت: وقد تقدم ذلك في حديثي ابن عباس وابن عمر ﵃.
قال الحافظ: "والذي قال: هل يضرني شبهه هو أكثم بن أبي الجون، وإنما قاله في حق عمرو بن لحي؛ كما أخرجه أحمد، والحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه: «"عرضت علي النار، فرأيت فيها عمرو بن لحي " الحديث. وفيه: "وأشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون " فقال أكثم: يا رسول الله! أيضرني شبهه؟ قال: "لا، إنك مسلم وهو كافر» . فأما الدجال؛ فشبهه بعبد العزى بن قطن، وشبه عينه الممسوحة بعين أبي تحي الأنصاري ". انتهى.
وعن أبي قلابة عن هشام بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن رأس الدجال من ورائه حبك حبك، وإنه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: أنت ربي؛ افتتن، ومن قال: كذبت، ربي الله، وعليه توكلت، وإليه أنيب؛ فلا يضره (أو قال: فلا فتنة عليه)» .
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه" واللفظ له، والإمام أحمد، وإسناد كل منهما صحيح على شرط الشيخين. ورواه الطبراني والحاكم بمثله، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
«وعن أبي قلابة قال: رأيت رجلًا بالمدينة وقد طاف الناس به وهو يقول: قال رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ؛ فإذا رجل من أصحاب النبي ﷺ. قال: فسمعته وهو يقول: إن من بعدكم الكذاب المضل، وإن رأسه من بعده حبك حبك (ثلاث مرات)، وإنه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: لست»
[ ٢ / ٣٨٦ ]
«ربنا، لكن ربنا الله، عليه توكلنا، وإليه أنبنا، نعوذ بالله من شرك؛ لم يكن له عليه سلطان» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وفي رواية له عن أبي قلابة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «إن من بعدكم (أو إن من ورائكم) الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حبك حبك، وإنه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: كذبت؛ لست ربنا، ولكن الله ربنا، وعليه توكلنا، وإليه أنبنا، ونعوذ بالله منك؛ فلا سبيل له عليه» .
إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه أبو قلابة عن هشام بن عامر ﵁ كما تقدم ذكره، ورواه عن هذا الصحابي الذي لم يسم؛ فلعله هشام بن عامر، والله أعلم.
قال ابن الأثير: "ومنه الحديث في صفة الدجال رأسه حبك؛ أي: شعر رأسه متكسر من الجعودة مثل الماء الساكن أو الرمل إذا هبت عليهما الريح فيتجعدان ويصيران طرائق، وفي رواية أخرى: محبك الشعر؛ بمعناه".
وكذا قال ابن منظور في "لسان العرب".
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار؛ فناره جنة وجنته نار» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
قال ابن الأثير: "وفي صفة الدجال أنه (جفال الشعر)؛ أي: كثيره". قال: "والجافل القائم الشعر المنتفشه ".
وقال ابن منظور في "لسان العرب": "الجفال من الشعر: المجتمع الكثير". قال: "ولا يوصف بالجفال إلا في كثرة، وفي صفة الدجال أنه جفال
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الشعر؛ أي: كثيره، وشعر جفال؛ أي: منتفش".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الدجال ممسوح العين اليسرى، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أعلم بما مع الدجال منه (الحديث وفيه:) واعلموا أنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه من يكتب ومن لا يكتب، وإن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
قال ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب": "وفي صفة الدجال: "وعلى عينه ظفرة غليظة": هي بفتح الظاء والفاء؛ لحمة تنبت عند المآقي، وقد تمتد إلى السواد فتغشيه".
وعن عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال، وقد قلت فيه قولًا لم يقله أحد قبلي، إنه آدم، جعد، ممسوح عين اليسار، على عينه ظفرة غليظة » الحديث.
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر".
وسيأتي الحديث بتمامه في (باب فتنة الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدجال»
[ ٢ / ٣٨٨ ]
«خارج، وهو أعور عين الشمال، عليها ظفرة غليظة » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني.
قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وسيأتي بتمامه في (باب فتنة الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن سفينة مولى رسول الله ﷺ؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «ألا إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد حذر أمته الدجال، هو أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر".
وسيأتي بتمامه في (باب فتنة الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الدجال أعور العين الشمال، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر»، قال: "وكفر".
رواه الإمام أحمد، وإسناده ثلاثي على شرط الشيخين.
وفي رواية قال: «إن الدجال ممسوح العين اليسرى، عليها ظفرة، مكتوب بين عينيه كافر» . وقد رواه أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة"، ولفظه: قال: «الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر» .
وعن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الدجال، ممسوح العين اليسرى، كأنها عين أبي تحي (لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة ﵂) » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في
[ ٢ / ٣٨٩ ]
"صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قوله: "أبي تحي"؛ قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري ": "هو بكسر المثناة الفوقانية، ضبطه ابن ماكولا عن جعفر المستغفري، ولا يعرف إلا من هذا الحديث ". انتهى.
وعن جنادة بن أبي أمية؛ قال: أتينا رجلًا من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ، فدخلنا عليه، فقلنا: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ولا تحدثنا ما سمعت من الناس، فشددنا عليه، فقال: قام رسول الله ﷺ فينا، فقال: «أنذرتكم المسيح، وهو ممسوح العين (قال: أحسبه قال:) اليسرى » . الحديث.
رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحه، وفي رواية له قال: «وإنه آدم جعد أعور عينه اليسرى» .
وعن جنادة بن أبي أمية أيضًا: أن قومًا دخلوا على معاذ بن جبل ﵁ وهو مريض، فقالوا له: حدثنا حديثًا عن رسول الله ﷺ لم يشتبه عليك، فأخذ بعض القوم بيده، فجلس، فقال: لا أحدثكم إلا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، يقول: «ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال، وأنا أحذركم الدجال؛ إنه أعور، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه الكاتب وغير الكاتب، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار» .
رواه: البزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه خنيس بن عامر، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا، وقد رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في "مسنده"، فقال: حدثنا يحيى بن بكير: حدثني خنيس بن عامر بن يحيى المعافري عن أبي قبيل عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل ﵁.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الدجال أعور بعين الشمال، بين عينيه مكتوب كافر، يقرؤه الأمي والكاتب» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي بن كعب ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال، فقال: «إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء، وتعوذوا بالله ﵎ من عذاب القبر» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والإمام أحمد؛ من طريقهم ومن طريق محمد بن جعفر وروح، ورواته كلهم ثقات، وابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي الوداك؛ قال: قال لي أبو سعيد: هل يقر الخوارج بالدجال؟ فقلت: لا. فقال: قال رسول الله ﷺ: «إني خاتم ألف نبي وأكثر، ما بعث نبي يتبع؛ إلا وقد حذر أمته الدجال، وإني قد بين لي من أمره ما لم يبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة ولا تخفى، كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "فيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي في رواية، وقال في أخرى: ليس بالقوي، وضعفه جماعة".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ؛ قال: «إنه لم يكن نبي؛ إلا قد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه؛ إنه أعور، ذو حدقة جاحظة ولا تخفى، كأنها كوكب دري » الحديث.
رواه: أبو يعلى، والبزار. قال الهيثمي: "وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس، وعطية ضعيف وقد وثق".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: «ألا كل نبي قد أنذر أمته»
[ ٢ / ٣٩١ ]
«الدجال، وإنه يومه هذا قد أكل الطعام، وإنى عاهد عهدًا لم يعهده نبي لأمته قبلي، ألا إن عينه اليمنى ممسوحة الحدقة جاحظة، فلا تخفى، كأنها نخاعة في جنب حائط، ألا وإن عينه اليسرى كأنها كوكب دري » الحديث.
وفيه عطية العوفي وهو ضعيف.
(جحوظ العين): نتوؤها.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، عينه اليمنى ممسوحة، والأخرى كأنها زهرة تشق الشمس شقًا» .
رواه الحاكم في "مستدركه" بإسناد ضعيف.
«وعن أسماء بنت يزيد ﵂: أن رسول الله ﷺ جلس مجلسًا مرة يحدثهم عن الأعور الدجال، وقال فيه: "فمن حضر مجلسي وسمع قولي؛ فليبلغ الشاهد منكم الغائب، واعلموا أن الله ﷿ صحيح ليس بأعور، وأن الدجال أعور ممسوح العين، بين عينيه مكتوب: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب، وفيه ضعف، وقد وثق ".
«وعنها ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو بين ظهراني أصحابه يقول: "أحذركم المسيح وأنذركموه، وكل نبي قد حذره قومه، وهو فيكم أيتها الأمة، وسأجلي لكم من نعته ما لم تجلي الأنبياء قبلي لقومهم (فذكر الحديث وفيه:) وهو أعور، وليس الله بأعور، بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب » الحديث.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
رواه الطبراني، وفيه شهر بن حوشب، وفيه ضعف، وقد وثق. قال الهيثمي: "وبقية رجاله ثقات، وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "السنة" بنحوه، وإسناده حسن".
وعن الزهري عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: «قام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي.
زاد مسلم والترمذي: قال ابن شهاب: «وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال يوم حذر الناس الدجال: "إنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله (أو: يقرؤه كل مؤمن) "، وقال: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عمر بن ثابت الأنصاري، فذكره بنحوه، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث محمد بن زيد؛ قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: «كنا نحدث بحجة الوداع ولا ندري أنه الوداع من رسول الله ﷺ، فلما كان في حجة الوداع؛ خطب رسول الله ﷺ، فذكر المسيح الدجال، فأطنب في ذكره، ثم قال: "ما بعث الله من نبي إلا وقد أنذره أمته، لقد أنذره نوح أمته والنبيون من بعده، ألا ما خفي عليكم من شأنه فلا يخفين عليكم أن ربكم ليس بأعور، ألا ما خفي عليكم من شأنه فلا يخفين عليكم أن ربكم ليس بأعور» .
[ ٢ / ٣٩٣ ]
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن نافع عن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس، فقال: «إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث عبد الله بن عمر ". قال: "وفي الباب عن سعد وحذيفة وأبي هريرة وأسماء وجابر بن عبد الله وأبي بكرة وعائشة وأنس وابن عباس والفلتان بن عاصم ﵃".
قلت: وقد تقدم ذكر بعض هذه الأحاديث، ويأتي ذكر بقيتها إن شاء الله تعالى.
وفي رواية لأحمد: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا وصفه لأمته؛ ولأصفنه صفة لم يصفها من كان قبلي: إنه أعور والله ﵎ ليس بأعور، عينه اليمنى كأنها عنبة طافية» .
إسناده حسن.
وفي رواية له أخرى أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدجال أعور عين اليمنى، وعينه الأخرى كأنها عنبة طافية» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن وهب بن كيسان عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال، وإني سأبين لكم شيئًا، تعلمون أنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه بين عينيه مكتوب كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» .
[ ٢ / ٣٩٤ ]
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن قتادة؛ قال: سمعت أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي واللفظ له، والشيخان، وأبو داود السجستاني، والترمذي وقال: "هذا حديث صحيح".
وفي رواية لمسلم: قال: «مكتوب بين عينيه ك ف ر» . ورواه الإمام أحمد وأبو داود بهذا اللفظ أيضًا.
وفي رواية لأحمد ومسلم: أن نبي الله ﷺ قال: «الدجال مكتوب بين عينيه ك ف ر؛ أي: كافر» . زاد أحمد: «يقرؤها المؤمن أمي وكاتب» .
وفي رواية لأحمد: أن النبي ﷺ قال: «لم يبعث نبي قبلي إلا حذر قومه الدجال الكذاب، فاحذروه؛ فإنه أعور، ألا وإن ربكم ليس بأعور» .
وقد رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود أيضًا؛ من حديث شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه كافر (ثم تهجاها) ك ف ر؛ يقرؤه كل مسلم» .
ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد من حديث شعيب عن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنذركم الدجال، أما إنه أعور عين اليمني، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه ك ف ر، يقرؤه كل مؤمن يقرأ وكل مؤمن لا يقرأ» .
ورواه الإمام أحمد أيضًا بإسناد صحيح من حديث حميد وشعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الدجال»
[ ٢ / ٣٩٥ ]
«أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» .
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة" من هذا الطريق بهذا اللفظ، وإسناده صحيح.
وفي رواية لأحمد؛ قال: «إن الدجال أعور، وإن ربكم ﷿ ليس بأعور، بين عينيه ك ف ر، يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ» .
قال النووي في "شرح مسلم ": "وأما قوله ﷺ: «إن الله تعالى ليس بأعور والدجال أعور»: فبيان لعلامة بينة تدل على كذب الدجال دلالة قطعية بديهية يدركها كل أحد. وقوله ﷺ: «مكتوب بين عينيه كافر (ثم تهجاها فقال:) ك ف ر، يقرؤه كل مسلم» . وفي رواية: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»: الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقة، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك، وذكر القاضي فيه خلافًا، منهم من قال: هي كتابة حقيقة كما ذكرنا، ومنهم من قال: هي مجاز وإشارة إلى سمات الحدوث عليه، واحتج بقوله: "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب"، وهذا مذهب ضعيف ". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "ولا يلزم من قوله: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»: أن لا تكون الكتابة حقيقة، بل يقدر الله على غير الكاتب علم الإدراك، فيقرأ ذلك، وإن لم يكن سبق له معرفة الكتابة".
وقال الحافظ أيضًا في الكلام على قوله: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»: "إخبار بالحقيقة، وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بعين بصره وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه
[ ٢ / ٣٩٦ ]
الكافر ولو كان يعرف الكتابة، كما يرى المؤمن الأدلة بعين بصيرته ولا يراها الكافر، فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلم؛ لأن ذلك الزمان تنخرق فيه العادات في ذلك. ويحتمل قوله: "يقرؤه من كره عمله": أن يراد به المؤمنون عمومًا، ويحتمل أن يختص ببعضهم ممن قوي إيمانه". انتهى.
قلت: والاحتمال الأول أقوى؛ لقول النبي ﷺ: «يقرؤه كل مؤمن»؛ فهذا يدل على أن المؤمنين عمومًا يقرؤون الكتابة التي بين عيني الدجال. والله أعلم.
وقد ذهب أبو عبية في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص٩١) في تأويل الكتابة التي بين عيني الدجال مذهبًا باطلًا يدور فيه على إنكار وجود الدجال؛ كما صرح بذلك في تقديمه لـ "النهاية"، وفي عدة تعاليق له عليها، زعم فيها أن الدجال رمز لاستشراء الفتنة واستعلاء الضلال فترة من الزمان، وهذا قول باطل مردود؛ فلا يغتر به.
وعن جابر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم (فذكر الحديث، وفيه) فيقول للناس: أنا ربكم، وهو أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، ك ف ر مهجاة، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب » الحديث.
رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم "، ورواه ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" مختصرًا وإسناده على شرط الشيخين.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ؛ قال: «ما كانت فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أكبر من فتنة الدجال، ولا من نبي إلا وقد حذر أمته،»
[ ٢ / ٣٩٧ ]
«ولأخبرنكم بشيء ما أخبره نبي أمته قبلي (ثم وضع يده على عينه، ثم قال): أشهد أن الله ﷿ ليس بأعور» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه مكتوب بين عيني الدجال كافر، يقرؤه كل مؤمن» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعنه ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «الدجال أعور، وهو أشد الكذابين» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي إلا قد أنذره قومه، وإنه قد تبين لي ما لم يتبين لأحد منهم؛ إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الجمهور، وفيه توثيق. وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" مختصرًا، وفي إسناده مجالد، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يذكر المسيح الدجال: «إني سأقول لكم فيه كلمة ما قالها نبي قبلي: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، بين عينيه كتاب كافر» . قال جابر عن النبي ﷺ: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب » الحديث.
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف".
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وعنه ﵁: «أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: "استنصت الناس"، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدجال، فأطنب في ذكره، وقال: "ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته، أنذره نوح أمته والنبيون من بعده، وإنه يخرج فيكم، فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور (ثلاثا)، وإنه أعور اليمنى، كأن عينه عنبة طافية"» .
رواه رزين.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ، فقال: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور (وأشار بيده إلى عينه» .
رواه رزين.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند النبي ﷺ، فذكر الدجال، فقال: «لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، إنها ليست من فتنة صغيرة ولا كبيرة إلا تتضع لفتنة الدجال، فمن نجا من فتنة ما قبلها؛ نجا منها، وإنه لا يضر مسلمًا، مكتوب بين عينيه كافر، بهجاوة ك ف ر» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
«وعن أسماء بنت عميس ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها لبعض حاجته ثم خرج، فشكت إليه الحاجة، فقال: "كيف بكم إذا ابتليتم بعبد قد سخرت له أنهار الأرض وثمارها (الحديث وفيه:) إن بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح".
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وسيأتي بتمامه في (باب فتنة الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن عروة بن الزبير؛ قال: «قالت أم سلمة زوج النبي ﷺ: ذكرت المسيح الدجال ليلة، فلم يأتني النوم، فلما أصبحت؛ دخلت على رسول الله ﷺ، فأخبرته، فقال: "لا تفعلي؛ فإنه إن يخرج وأنا حي؛ يكفيكموه الله بي، وإن يخرج بعد أن أموت؛ يكفيكموه الله بالصالحين"، ثم قال: "ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال، وإني أحذركموه، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، إنه يمشي في الأرض، وإن الأرض والسماء لله، ألا إن المسيح عينه اليمنى كأنها عنبة طافية» .
رواه ابن خزيمة في "كتاب التوحيد"، وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه الطبراني بنحوه باختصار يسير. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات؛ إلا أن شيخ الطبراني أحمد بن محمد بن نافع الطحان لم أعرفه".
قلت: ورواية ابن خزيمة تشهد لروايته بالصحة.
«وعن عائشة ﵂؛ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما يبكيك؟ ". فقلت: يا رسول الله! ذكرت الدجال. قال: "فلا تبكين، فإن يخرج وأنا حي؛ أكفيكموه، وإن مت؛ فإن ربكم ليس بأعور» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في كتاب "السنة"، وابن حبان في "صحيحه" وإسناد أحمد وابنه رجالهما رجال الصحيح؛ غير الحضرمي بن لاحق، وهو ثقة، وقد رواه ابن حبان من طريقه.
«وعنها ﵂؛ قالت: جاءت يهودية؛ فاستطعمت على بابي فقالت: أطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر. قالت:»
[ ٢ / ٤٠٠ ]
«فلم أزل أحبسها حتى جاء رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! ما تقول هذه اليهودية؟ قال: "وما تقول؟ ". قلت: تقول: أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر. قالت عائشة: فقام رسول الله ﷺ، فرفع يديه مدًا يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، ثم قال: "أما فتنة الدجال؛ فإنه لم يكن نبي إلا وقد حذر أمته، وسأحذركموه تحذيرًا لم يحذره نبي أمته، إنه أعور والله ﷿ ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن» الحديث.
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أحدثكم حديثًا عن الدجال ما حدث به نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار؛ فالتي يقول: إنها الجنة: هي النار، وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه» .
متفق عليه.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه لم يكن نبي إلا وصف الدجال لأمته، ولأصفنه صفة لم يصفها أحد كان قبلي: إنه أعور وإن الله ﷿ ليس بأعور» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد حسن، وأبو يعلى، والبزار، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من طريق أبيه.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ؛ قال في الدجال: «ما شبه عليكم منه؛ فإن الله ﷿ ليس بأعور » الحديث.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وسيأتي بتمامه في ذكر الرجل المؤمن الذي يقتله الدجال إن شاء الله.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال وحذرناه فذكر الحديث بطوله، وفيه: "وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب » الحديث.
رواه: ابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" مختصرًا، وابن خزيمة، والحاكم في "مستدركه"، والحافظ الضياء المقدسي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن النبي ﷺ صعد المنبر فذكر حديث الجساسة، ثم قال النبي ﷺ: "وإنه خارج فيكم، فما شبه عليكم؛ فاعلموا أن ربكم ليس بأعور» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" بإسناد ضعيف، وله شواهد مما تقدم.
«وعن أبي الطفيل ﵁؛ قال: مررت على حذيفة بن أسيد ﵁، فقلت: ما يقعدك وقد خرج الدجال؟ قال: اقعد فذكر الحديث؛ قال: "وفيه ثلاث علامات: هو أعور وربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"؛ وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ".
وعن عبيد - يعني ابن عمير - قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الدجال أعور، وإن الله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير»
[ ٢ / ٤٠٢ ]
«كاتب» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وهو مرسل صحيح الإسناد على شرط الشيخين.
باب
ما جاء في عظم خلق الدجال
عن هشام بن عامر ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال» .
رواه مسلم. وفي رواية له نحوه؛ إلا أنه قال: «أمر أكبر من الدجال» .
ورواه الإمام أحمد بهذا اللفظ، وبلفظ آخر يأتي في (باب ما جاء أن فتنة الدجال أعظم الفتن) إن شاء الله تعالى.
باب
في صفة الزمان الذي يخرج فيه الدجال
عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وابن خزيمة في "كتاب التوحيد " وإسناد كل منهم صحيح على شرط الشيخين. ورواه الحاكم في "مستدركه" وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم ".
وسيأتي بتمامه في (باب ما جاء في فتنة الدجال) إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
باب
من أين يخرج الدجال
قد تقدم «حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في خبر الجساسة والدجال، وفي آخره أن رسول الله ﷺ قال: ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) . قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ» .
رواه: مسلم، وأبو داود، والطبراني في "الكبير"، وهذا لفظ مسلم.
«وعن فاطمة بنت قيس أيضًا ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ نادى الصلاة جامعة، فخرجت في نسوة من الأنصار، حتى أتينا المسجد، فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، ثم صعد المنبر. قالت فاطمة: فرأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: "ألا أخبركم أنه في بحر الشام"، ثم أغمي عليه ساعة، ثم أريح، ثم سري عنه، ثم قال: "بل هو في بحر العراق، بل هو في بحر العراق، يخرج حين يخرج من بلدة يقال لها: أصبهان، من قرية من قراها يقال لها: رستقاباد، يخرج حين يخرج على مقدمته سبعون ألفا عليهم السيجان، معه نهران: نهر من ماء، ونهر من نار، فمن أدرك منكم ذلك، فقيل له: ادخل الماء؛ فلا يدخل فإنه نار، وإذا قيل له: ادخل النار؛ فليدخلها؛ فإنها ماء» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، في حديثها الطويل. قال الهيثمي: "وفيه سيف بن مسكين، وهو ضعيف جدًا".
(السيجان): جمع ساج. قال الجوهري: " (الساج): الطيلسان الأخضر، والجمع سيجان". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (الساج):
[ ٢ / ٤٠٤ ]
الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل: هو الطيلسان المقور، ينسج كذلك، وقيل: هو طيلسان أخضر". وقال ابن الأعرابي: " (السيجان): الطيالسة السود، واحدها ساج". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج الدجال من هاهنا (وأشار نحو المشرق)» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظ ابن حبان.
ولفظ الحاكم؛ قال: «يخرج الدجال من هاهنا أو هاهنا أو من هاهنا، بل يخرج هاهنا (يعني: المشرق)» . قال الحاكم "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الدجال؛ قال: أحسبه قال: "يخرج من نحو المشرق"» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، وقد وثق".
وعنه ﵁؛ قال: سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ يقول: «يخرج أعور الدجال مسيح الضلالة قبل المشرق في زمن اختلاف من الناس وفرقة، فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض في أربعين يومًا، والله أعلم ما مقدارها، الله أعلم ما مقدارها (مرتين) » الحديث.
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير علي بن المنذر، وهو ثقة". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرجه البزار بسند جيد".
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وسيأتي هذا الحديث بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وعنه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يأتي المسيح الدجال من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهنالك يهلك» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي وقال: "هذا حديث صحيح".
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لينزلن الدجال خوز وكرمان في سبعين ألفًا، وجوههم كالمجان المطرقة» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن.
وعن أبي بكر الصديق ﵁؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ: «أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق، يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وقال الحاكم "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال الترمذي: "وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة ﵄".
قلت: وقد تقدم حديث أبي هريرة، ويأتي حديث عائشة ﵂ إن شاء الله تعالى.
وعن سعيد بن المسيب؛ قال: قال أبو بكر ﵁: "هل بالعراق أرض يقال لها: خراسان؟ قالوا: نعم. قال: فإن الدجال يخرج منها".
رواه ابن أبي شيبة.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
«وعن أبي بكر الصديق أيضًا ﵁: أنه قال: "يخرج الدجال من مرو من يهوديتها ".»
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان معه سبعون ألفًا من اليهود عليهم السيجان» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى؛ من حديث محمد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي. قال الهيثمي: "وروايته عنه جيدة، وقد وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجالهما رجال الصحيح، ورواه الطبراني في "الأوسط" كذلك ".
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «إن يخرج الدجال وأنا حي؛ كفيتكموه، وإن يخرج الدجال بعدي؛ فإن ربكم ﷿ ليس بأعور، إنه يخرج في يهودية أصبهان، حتى يأتي المدينة، فينزل ناحيتها » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير الحضرمي بن لاحق، وهو ثقة.
وسيأتي هذا الحديث بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وعن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال من قبل أصبهان» .
رواه الطبراني في "الأوسط" عن محمد بن محمويه الجوهري. قال الهيثمي: "ولم أعرفه".
[ ٢ / ٤٠٧ ]
قلت: ولحديثه شواهد كثيرة مما تقدم.
وفي رواية: «يخرج الدجال من قبل أصبهان المشرق، وهم قوم وجوههم كالمجان» .
وعن حذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج الأعور الدجال من يهودية أصبهان، عينه اليمنى ممسوحة، والأخرى كأنها زهرة» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وإسناده ضعيف.
وعن العريان بن الهيثم؛ قال: دخلت على يزيد بن معاوية، فبينا نحن عنده جلوس؛ إذ أتاه رجل، فأخذ مرفقته، فاتكأ عليها. قلنا: ما هذا؟ قال بعضهم: هذا عبد الله بن عمرو. قال بعضنا: يا عبد الله بن عمرو! إنا لنحدث عنك أحاديث. قال: إنكم معاشر أهل العراق تأخذون الأحاديث من أسافلها ولا تأخذونها من أعاليها. وذكروا الدجال، فقال: بأرضكم أرض يقال لها: كوفا ذات سباخ ونخل؟ قلنا: نعم. قال: فإنه يخرج منها.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن محمد بن شبيب عن العريان ابن الهيثم؛ قال: "وفدت على معاوية، فبينا أنا عنده؛ إذ دخل رجل عليه طمران، فرحب به معاوية، وأجلسه على السرير، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: أما تعرف هذا؟ هذا عبد الله بن عمرو بن العاص. قلت: أهذا الذي يقول: لا يعيش الناس بعد مائة سنة؟ فأقبل علي وقال: أوقلت ذلك؟ إنا نجدهم يعيشون بعد مائة سنة دهرًا طويلًا، ولكن هذه الأمة أجلت ثلاثين ومائة سنة. قال: ثم قال لي: ممن أنت؟ قال: قلت: من أهل العراق (أو قال: من أهل الكوفة) . قال: تعرف كوثا؟ قال: قلت: نعم. قال: منها يخرج الدجال ".
[ ٢ / ٤٠٨ ]
رجاله كلهم ثقات.
وعن عبد الله بن عمرو أيضًا ﵁: أنه قال: "يخرج الدجال من كوثى، أرض بالعراق، ثم قال: إن للأشرار بعد الأخيار عشرين ومائة سنة، لا يدري أحد من الناس متى يدخل أولها".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "يخرج الدجال من كوثى".
رواه ابن أبي شيبة.
وهذان الأثران عن عبد الله بن عمرو وابن مسعود ﵄ يخالفان ما تقدم من الأحاديث الدالة على أن الدجال يخرج من خراسان من يهودية أصبهان، وما في الأحاديث المرفوعة هو المعتمد، ويحتمل أن يكون مراد ابن مسعود وعبد الله بن عمرو ﵃ أن الدجال يكون طريقه في خروجه على أرض العرب من جهة كوثى؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنه خارج خلة بين الشام والعراق»، وسيأتي هذا الحديث في ذكر فتنة الدجال إن شاء الله تعالى.
وروى ابن أبي شيبة عن أبي صادق؛ قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إنى لأعلم أول أهل أبيات يفزعهم الدجال، أنتم أهل الكوفة".
فهذا الأثر يوضح ما تقدم عن ابن مسعود ﵁، وأنه إنما أراد أن الدجال يكون طريقه في خروجه على أرض العرب من جهة كوثى، لا أن ابتداء خروجه يكون منها، وإنما هو من يهودية أصبهان؛ كما جاء ذلك في الأحاديث التي تقدم ذكرها. والله أعلم.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
باب
في سبب خروج الدجال
عن نافع: أن حفصة ﵂ قالت لأخيها عبد الله بن عمر ﵄: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما يخرج الدجال من غضبة يغضبها»؟ .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
باب
التحذير من الدجال
قد تقدم ذلك أحاديث كثيرة:
منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد تقدم في (باب ما جاء أن الدجال كان موجودًا في زمن النبي ﷺ) .
ومنها حديث أسماء بنت يزيد ﵂، وقد تقدم في (باب ما جاء في حبس المطر والنبات عند خروج الدجال) .
ومنها أحاديث صفة الدجال؛ فكلها مشتملة على التحذير منه، وقد جاء ذلك صريحًا في أكثر من عشرين حديثًا منها؛ فلتراجع.
وعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم أنذركم ثلاثًا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» .
رواه: ابن جرير، والطبراني. قال ابن كثير في "تفسيره": "وإسناده
[ ٢ / ٤١٠ ]
باب التحذير من الدجال
جيد".
وعن عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «إنه لم يكن نبي إلا حذر أمته الدجال، وإني أنذركموه، وإنه كائن فيكم» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه » .
الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وسيأتي بتمامه في (باب ما جاء في قوة قلوب المؤمنين في زمن الدجال) إن شاء الله تعالى.
باب
الاستعاذة من فتنة الدجال
عن محمد بن أبي عائشة: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة".
ورواه مسلم أيضًا من حديث محمد بن أبي عائشة وأبي سلمة عن أبي
[ ٢ / ٤١١ ]
باب الاستعاذة من فتنة الدجال
هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تشهد أحدكم؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» .
ورواه البخاري ومسلم وأبو داود الطيالسي والنسائي وأبو بكر الآجري من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال» .
هذا لفظ النسائي.
وفي رواية له عن أبي سلمة؛ قال: حدثني أبو هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تعوذوا بالله من عذاب النار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» .
ورواه مسلم أيضًا من حديث طاووس؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «عوذوا بالله من عذاب الله، عوذوا بالله من عذاب القبر، عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات» .
ورواه النسائي أيضًا من حديث أبي علقمة الهاشمي عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من خمس؛ يقول: «عوذوا بالله من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» .
وفي رواية: «استعيذوا بالله من خمس: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال» .
[ ٢ / ٤١٢ ]
ورواه النسائي أيضًا من حديث سليمان بن سنان المزني: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول في صلاته: «اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر، ومن فتنة الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ومن حر جهنم» .
ورواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي أيضًا وأبو بكر الآجري من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «أنه كان يتعوذ من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة الدجال» .
ورواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي أيضًا من حديث الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» .
هذا لفظ إحدى روايات النسائي.
وفي رواية له أخرى: أن النبي ﷺ قال: «عوذوا بالله من عذاب الله، عوذوا بالله من عذاب القبر، عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات، عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال» .
وفي رواية لأحمد: «أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من شر المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» .
وعن طاووس عن أبي عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن؛ يقول: "قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» .
[ ٢ / ٤١٣ ]
رواه مالك في "موطئه".
ورواه: أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"؛ كلهم من طريق مالك، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
ورواه ابن ماجه من حديث كريب عن ابن عباس ﵄؛ قال في "الزوائد": "وإسناده حسن".
وعن أبي نضرة؛ قال: كان ابن عباس ﵄ على منبر أهل البصرة، فسمعته يقول: «إن نبي الله ﷺ كان يتعوذ في دبر صلاته من أربع؛ يقول: أعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من عذاب النار، وأعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأعوذ بالله من فتنة الأعور الكذاب» .
رواه الإمام أحمد.
وعن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن زيد بن ثابت ﵁ - قال أبو سعيد: ولم أشهده من النبي ﷺ، ولكن حدثنيه زيد بن ثابت - قال: «بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه؛ إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ ". فقال رجل: أنا. قال: "فمتى مات هؤلاء؟ ". فقال: ماتوا في الإشراك. فقال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه". ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار". قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر". قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن". قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: "تعوذوا بالله من فتنة الدجال ". قالوا: نعوذ بالله من»
[ ٢ / ٤١٤ ]
«فتنة الدجال» .
رواه مسلم.
ورواه الإمام أحمد، وقال فيه: ثم قال لنا: «"تعوذوا بالله من عذاب جهنم". قلنا: نعوذ بالله من عذاب جهنم. ثم قال: "تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال ". فقلنا: نعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال. ثم قال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر". فقلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر. ثم قال: "تعوذوا بالله من فتنة المحيا والممات". قلنا: نعوذ بالله من فتنة المحيا والممات» .
وعن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ: "كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المآثم والمغرم » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وعنها ﵂؛ قالت: «سمعت رسول الله ﷺ: "يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال» .
متفق عليه.
وعنها ﵂؛ قالت: «جاءت يهودية، فاستطعمت على بابي، فقالت: أطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر. قالت: فلم أزل أحبسها حتى جاء رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! ما تقول هذه اليهودية؟ قال: "وما تقول؟ ". قلت: تقول: أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر. قالت عائشة ﵂: فقام رسول الله ﷺ، فرفع يديه»
[ ٢ / ٤١٥ ]
«مدًا يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر » الحديث.
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن مصعب - وهو ابن سعد بن أبي وقاص - قال: «كان سعد ﵁ يأمر بخمس ويذكرهن عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بهن: "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا - يعني: فتنة الدجال - وأعوذ بك من عذاب القبر» .
رواه البخاري.
وعن أنس ﵁؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ بهؤلاء الكلمات؛ يقول: "الله إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، والجبن، والبخل، وسوء الكبر، وفتنة الدجال، وعذاب القبر» .
رواه النسائي بأسانيد صحيحة.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، والمغرم، والمأثم، وأعوذ بك من شر المسيح الدجال، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب النار» .
رواه: الإمام أحمد والنسائي بأسانيد صحيحة.
وعن أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» .
رواه أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة".
[ ٢ / ٤١٦ ]
باب
الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل خروج الدجال
عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة» .
رواه مسلم.
وقد رواه الإمام أحمد، ولفظه: قال: «بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة» .
ورواه الإمام أحمد ومسلم أيضًا من حديث زياد بن رياح عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستًا:، الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حيدث عبد الله بن رباح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، فذكره بنحوه، ثم قال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنظرون إلا إلى فقر منس، أو غنى مطغ، أو مرض مفسد، أو هرم مفند، أو موت مجهز، أو الدجال؛ فشر غائب ينتظر، أو الساعة؛ فالساعة أدهى وأمر» .
رواه الترمذي وقال: "هذا حديث غريب حسن، لا نعرفه من حديث
[ ٢ / ٤١٧ ]
الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث محرز بن هارون. وروى معمر هذا الحديث عمن سمع سعيدًا المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحو هذا ". انتهى.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث معمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيًا، أو فقرًا منسيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال والدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر» .
قال الحاكم: "إن كان معمر بن راشد سمع من المقبري؛ فالحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة» .
رواه ابن ماجه. قال في "الزوائد": "إسناده حسن".
قال النووي في "شرح مسلم ": "قال هشام: خاصة أحدكم: الموت، وخويصة: تصغير خاصة. وقال قتادة: أمر العامة: القيامة، كذا ذكره عنهما عبد ابن حميد ". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» .
رواه: مسلم، والترمذي، وابن جرير، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقد رواه الإمام أحمد، وقال فيه: "والدخان "؛ بدل: " الدجال ".
[ ٢ / ٤١٨ ]
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يدل على أن التوبة لا تزال مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها، وطلوع الشمس من مغربها إنما يكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج. والله أعلم.
باب
الأمر بالبعد من الدجال
عن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع بالدجال؛ فلينأ عنه، فوالله؛ إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات (أو: لما يبعث به من الشبهات)» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لأحمد والحاكم: «من سمع بالدجال؛ فلينأ عنه (ثلاثًا يقولها) فإن الرجل يأتيه يتبعه وهو يحسب أنه صادق بما بعث به من الشبهات» .
باب
ما جاء في فرار الناس من الدجال
عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «أخبرتني أم شريك ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليفرن الناس من الدجال في الجبال". قالت أم شريك: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم قليل» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
[ ٢ / ٤١٩ ]
باب
فيما يعصم من الدجال
عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عصم من الدجال» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، ولفظه: «من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف؛ عصم من فتنة الدجال»، ثم قال: "هذا حديث حسن صحيح".
ولفظ أبي داود والنسائي وإحدى الروايات عند أحمد: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عصم من فتنة الدجال» .
وفي رواية لأحمد: «من قرأ عشر آيات من آخر الكهف؛ عصم من فتنة الدجال» .
وفي لفظ: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف» .
ورواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي؛ بنحوه.
وفي رواية للنسائي: «من قرأ عشر آيات من الكهف؛ عصم من فتنة الدجال» .
ورواه الإمام أحمد، ولفظه: قال: «من حفظ عشر آيات من سورة الكهف» .
وعن ثوبان ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف؛ فإنه عصمة له من الدجال» .
رواه النسائي في "اليوم والليلة"، ورواته رواة الصحيح.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وعن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵁ مرفوعًا: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال؛ عصم منه» .
رواه الحافظ الضياء المقدسي في "المختارة".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الكهف؛ كانت له نورًا يوم القيامة من مقامه إلى مكة، ومن قرأ عشر آيات من آخرها، ثم خرج الدجال؛ لم يضره » الحديث.
رواه: النسائي في "اليوم والليلة"، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن النسائي قال بعد تخريجه في "اليوم والليلة": هذا خطأ والصواب موقوفًا".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مرفوعًا وموقوفًا، ولفظ المرفوع: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الكهف كما أنزلت؛ كانت له نورًا يوم القيامة من مقامه إلى مكة، ومن قرأ عشر آيات من آخرها، ثم خرج الدجال؛ لم يسلط عليه» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ولفظ الموقوف: عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «من قرأ سورة الكهف كما أنزلت، ثم خرج الدجال؛ لم يسلط عليه (أو: لم يكن له عليه سبيل)» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ»
[ ٢ / ٤٢١ ]
«الدجال، فقال: "إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، فمن أدركه منكم؛ فليقرأ فواتح سورة الكهف؛ فإنها جواركم من فتنته » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وهذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح ".
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ يومًا، فكان أكثر خطبته ذكر الدجال، يحدثنا عنه، حتى فرغ من خطبته فذكر الحديث، وفيه: "فمن لقيه منكم؛ فليتفل في وجهه، وليقرأ فواتح سورة الكهف» . الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جبير بن نفير عن أبيه ﵁: «أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال فذكر الحديث، وفيه: "فمن لقيه منكم؛ فليقرأ بفاتحة الكهف » الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم، وابن عساكر وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الحافظ ابن كثير في "النهاية" ما ملخصه:
"ذكر ما يعصم من الدجال:
فمن ذلك الاستعاذة من فتنته؛ فقد ثبت في الأحاديث الصحاح من غير وجه أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من فتنة الدجال في الصلاة، وأنه أمر أمته بذلك أيضًا.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: والاستعاذة من الدجال متواترة عن رسول الله ﷺ ".
قلت: وقد تقدمت الأحاديث بذلك قريبًا في (باب الاستعاذة من فتنة الدجال) .
قال ابن كثير: "ومن ذلك حفظ عشر آيات من سورة الكهف.
ومن ذلك الابتعاد منه؛ كما تقدم في حديث عمران بن حصين: «من سمع بالدجال؛ فلينأ عنه» .
ومما يعصم من فتنة الدجال سكنى المدينة النبوية ومكة شرفهما الله تعالى"، ثم ذكر بعض الأحاديث في حراسة مكة والمدينة من الدجال، وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
باب
ما جاء في قوة قلوب المؤمنين في زمن الدجال
عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ عن النبي ﷺ: «أنه ذكر الدجال، فحلاه بحلية لا أحفظها؛ قالوا: يا رسول الله! قلوبنا يومئذ كاليوم؟ قال: "أو خير» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الإمام أحمد أيضًا وأبو داود والترمذي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه"؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه". قال: فوصفه لنا رسول الله»
[ ٢ / ٤٢٣ ]
باب ما جاء في قوة قلوب المؤمنين في زمن الدجال
«ﷺ؛ قال: "ولعله يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي". قالوا: يا رسول الله! كيف قلوبنا يومئذ؟ أمثلها اليوم؟ قال: "أو خير» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قال: "وفي الباب عن عبد الله بن بسر وعبد الله بن مغفل وأبي هريرة ﵃".
قوله: "ولعله يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي ": هذا مشكل مع الأحاديث التي فيها أنه لا يبقى بعد مائة سنة عين تطرف، ويمكن الجمع بينها بأن يقال: لعل المراد به عيسى ابن مريم ﵊؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ لقيه ليلة الإسراء.
قال ابن عباس ﵄: «أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس (الحديث وفيه:) ورأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس رؤيا منام، وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، وأبو يعلى؛ بأسانيد صحيحة، وتقدم في (باب ما جاء في صفة الدجال) .
وروى الإمام أحمد أيضًا وعبد الرزاق والبخاري في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾؛ قال: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به".
وعن جبير بن نفير مرسلًا: أن النبي ﷺ قال: «ليدركن الدجال قومًا مثلكم أو خيرًا منكم » الحديث.
رواه: ابن أبي شيبة، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
[ ٢ / ٤٢٤ ]
باب
في أشد الناس على الدجال
«عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هم أشد أمتي على الدجال ". قال: وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ: "هذه صدقات قومنا" قال: وكانت سبية منهم عند عائشة، فقال رسول الله ﷺ: "أعتقيها؛ فإنها من ولد إسماعيل» .
متفق عليه.
وقد رواه الإمام أحمد مختصرًا، وقال فيه: "وهم أشد الناس على الدجال (يعني: بني تميم) ".
وعن عكرمة بن خالد؛ قال: حدثني فلان من أصحاب النبي ﷺ؛ قال: «نال رجل من بني تميم عند رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "لا تقل لبني تميم إلا خيرًا؛ فإنهم أطول الناس رماحًا على الدجال» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «ذكرت القبائل عند رسول الله ﷺ، فسألوه عن بني عامر، فقال: "جمل أزهر يأكل من أطراف الشجر". وسألوه عن هوازن، فقال: "زهرة تنبع ماء". وسألوه عن بني تميم فقال: "ثبت الأقدام، رجح الأحلام، عظماء الهام، أشد الناس على الدجال في آخر الزمان، هضبة حمراء لا يضرها من ناوأها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه سلام بن صبيح، وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح". وقد رواه الرامهرمزي في "الأمثال".
[ ٢ / ٤٢٥ ]
قال في " كنز العمال ": "ورجاله ثقات".
وعنه ﵁؛ قال: «قال رسول الله ﷺ وذكر بني تميم فقال: "هم ضخام الهام، ثبت الأقدام، نصار الحق في آخر الزمان، أشد قومًا على الدجال» .
رواه البزار من طريق سلام عن منصور بن زاذان، وقال: "سلام هذا أحسبه المدائني، وهو لين الحديث". قاله الهيثمي.
وهذا آخر الجزء الثاني من كتاب
"إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة"
ويليه الجزء الثالث وأوله:
"باب ما جاء في شيعة الدجال وأتباعه"
[ ٢ / ٤٢٦ ]
باب
ما جاء في شيعة الدجال وأتباعه
قد تقدم قريبا حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لينزلن الدجال خوز وكرمان في سبعين ألفا وجوههم كالمجان المطرقة» .
رواه الإمام أحمد وإسناده حسن.
وتقدم أيضا حديث أبي بكر الصديق ﵁؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ:
«أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق، يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وتقدم أيضا حديث أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألفا من اليهود، عليهم»
[ ٣ / ٥ ]
«السيجان» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى؛ من حديث محمد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي. قال الهيثمي: "وروايته عنه جيدة، وقد وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجالهما رجال الصحيح". ورواه الطبراني في "الأوسط" كذلك.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة» .
رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يتبع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان» .
رواه البغوي في "شرح السنة"، ورواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ولفظه: قال النبى ﷺ: «يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفا عليهم السيجان»، في إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «الدجال أول من يتبعه سبعون ألفا من اليهود عليهم السيجان، وهي الأكيسة من الصوف أخضر؛ يعني به: الطيالسة» .
رواه: إسحاق بن بشر، وابن عساكر في "تاريخه".
وعن عثمان بن أبي العاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم مَنْ قِبَل المشرق (فذكر الحديث وفيه:) ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان، وأكثر تبعه اليهود والنساء» الحديث.
[ ٣ / ٦ ]
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد. وفيه ضعف وقد وثق، وبقية رجالهما رجال الصحيح ". رواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه.
وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: أشرف رسول الله ﷺ على فلق من أفلاق الحرة ونحن معه، فقال: «نعمت الأرض المدينة إذا خرج الدجال، على كل نقب من أنقابها ملك، لا يدخلها، فإذا كان كذلك؛ رجفت المدينة بأهلها ثلاث رجفات، لا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، وأكثر من يخرج إليه النساء، وذلك يوم التخليص، وذلك يوم تنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، يكون معه سبعون ألفا من اليهود، على كل رجل منهم ساج وسيف محلى، فيضرب رواقه بهذا الضرب الذي عند مجتمع السيول» الحديث.
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أهل المدينة! اذكروا يوم الخلاص. قالوا: وما يوم الخلاص؟ قال: يقبل الدجال حتى ينزل بذباب، فلا يبقى في المدينة مشرك ولا مشركة، ولا كافر ولا كافرة، ولا منافق ولا منافقة، ولا فاسق ولا فاسقة؛ إلا خرج إليه، ويخلص المؤمنون؛ فذلك يوم الخلاص» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «وإنه»
[ ٣ / ٧ ]
«يخرج معه اليهود، فيسير حتى ينزل بناحية المدينة» الحديث.
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وسيأتي بتمامه في (باب نزول عيسى ابن مريم) إن شاء الله تعالى.
وعن أسماء بنت يزيد ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو بين ظهراني أصحابه يقول: «أحذركم المسيح وأنذركموه (الحديث وفيه:) أكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب، يرون السماء تمطر وهي لا تمطر، والأرض تنبت وهي لا تنبت» الحديث.
رواه الطبراني، وفيه شهر بن حوشب، وفيه ضعف، وقد وثق. قال الهيثمي: "وبقية رجاله ثقات". وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" بنحوه، وإسناده حسن.
وسيأتي بتمامه في (باب ما جاء في فتنة الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن سليمان بن شهاب العبسي؛ قال: نزل علي عبد الله بن مغنم، وكان من أصحاب النبى ﷺ، فحدثني عن النبى ﷺ: أنه قال: " «الدجال ليس به خفاء (فذكر الحديث وفيه): ويكون أصحابه وجنوده المجوس واليهود والنصارى، وهذه الأعاجم من المشركين» " الحديث.
رواه: البخاري في "تاريخه"، وابن السكن، والحسن بن سفيان والطبراني. قال البخاري: "له صحبة ولم يصح إسناده". وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه سعيد بن محمد الوراق، وهو متروك".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل الدجال في هذه السبخة بمر قناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته، فيوثقها رباطا؛ مخافة أن تخرج»
[ ٣ / ٨ ]
«إليه» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه ابن إسحاق وهو مدلس".
وسيأتي هذا الحديث بتمامه في (باب قتل الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينزل الدجال المدينة، ولكنه بين الخندق، وعلى كل نقب منها ملائكة يحرسونها، فأول من يتبعه النساء، فيؤذونه، فيرجع غضبان حتى ينزل الخندق، فعند ذلك ينزل عيسى ابن مريم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح غير عقبة بن مكرم الضبي، وهو ثقة".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيء الدجال، فيطأ الأرض؛ إلا مكة والمدينة، فيأتي المدينة، فيجد بكل نقب من نقابها صفوفا من الملائكة، فيأتي سبخة الجرف، فيضرب رواقه، فترجف المدنية ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه الشيخان بنحوه، وقالا فيه: «يخرج إليه منها كل كافر ومنافق» .
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيء الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وإسناد أحمد صحيح على شرط
[ ٣ / ٩ ]
البخاري.
وعن محجن بن الأدرع ﵁: أن رسول الله ﷺ خطب الناس، فقال: «يوم الخلاص وما يوم الخلاص؟! يوم الخلاص وما يوم الخلاص؟! يوم الخلاص وما يوم الخلاص؟! (ثلاثا) ". فقيل له: وما يوم الخلاص؟ قال: "يجيء الدجال، فيصعد أحدا، فينظر المدينة، فيقول لأصحابه: أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد، ثم يأتي المدينة، فيجد بكل نقب منها ملكا مصلتا، فيأتي سبخة الجرف، فيضرب رواقه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه؛ فذلك يوم الخلاص» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، والحاكم، وقال "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ في حديثه الطويل في ذكر الدجال، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه؛ إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من أنقابهما؛ إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة، حتى ينزل عند الضريب الأحمر عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص» .
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي.
وعن أبي برزة الأسلمي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الخوارج: «يخرج من قبل المشرق رجال يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون فيه، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال، فإذا لقيتموهم؛»
[ ٣ / ١٠ ]
«فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والنسائي؛ بأسانيد حسنة.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن؛ قطع، كلما خرج منهم قرن؛ قطع، حتى عدها زيادة على عشر مرات كلما خرج منهم قرن قطع، حتى يخرج الدجال في بقيتهم» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده شهر بن حوشب؛ قال الهيثمي: "وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وقد رواه: أبو داود الطيالسي في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية"؛ بنحوه. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ينشأ نشء يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن؛ قطع (قال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلما خرج قرن قطع " أكثر من عشرين مرة)، حتى يخرج في عراضهم الدجال» .
رواه ابن ماجه، وإسناده صحيح على شرط البخاري.
وعن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم؛ فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم؛ فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وعبد
[ ٣ / ١١ ]
الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة". قال المنذري: " عمر مولى غُفْرَةَ لا يحتج بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول، وقد روي من طريق آخر عن حذيفة، ولا يثبت ". انتهى.
وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: «أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين النساء وهن حيض، ولتسلكن طرق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم ولا تخطئكم، حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة، فتقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس؟! لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، لا تصلوا إلا ثلاثا. وتقول الأخرى: إيمان المؤمنين بالله كإيمان الملائكة، ما فينا كافر ولا منافق. حق على الله أن يحشرهما مع الدجال» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وله حكم المرفوع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف.
باب
ما جاء في مركوب الدجال
عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم، وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض، اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه، وله حمار يركبه، عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا»
[ ٣ / ١٢ ]
باب ما جاء في مركوب الدجال
الحديث.
رواه: الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم ".
وقد علق أبو عبية على صفة حمار الدجال في (ص١٠٥) من "النهاية" لابن كثير، فقال ما نصه: "هذا كلام لا يقوله رسول الله ﷺ، وليس للمسلمين أن يصدقوا صحة نسبته إليه" إلى أن قال: "وصدق رسول الله ﷺ؛ إذ يدل على أحسن طريق وأسلم نهج حيث يقول: «استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك» .
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: حديث جابر ﵁ صحيح الإسناد لا مطعن في أحد من رواته، وكل حديث صح إسناده؛ فنسبته إلى النبى ﷺ صحيحة، وعلى المسلمين أن يصدقوا بذلك، ويقروا بما جاء فيه.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كلما جاء عن النبى ﷺ إسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه". انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال: من أكبر الخطأ إنكار ما صح إسناده وعدم
[ ٣ / ١٣ ]
التصديق بصحة نسبته إلى النبى ﷺ، بل هذا من المكابرة في رد الحق الواضح.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الدجال يأتي بأمور هائلة من خوارق العادات، فيكون معه جنة ونار، ويقتل رجلا ويحييه، ويأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، ويمر بالخربة فيقول لها: أَخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وتكون ثلاثة أيام من أيامه طوالا جدا: الأول منها كسنة، والثاني كشهر، والثالث كجمعة؛ أي: أسبوع، ومن كانت معه هذه الخوارق العظيمة؛ فغير مستنكر أن يجعل الله له حمارا عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا، والله على كل شيء قدير.
الوجه الرابع: أن الحديث الذي فيه: «استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك»؛ ليس معناه أن المرء يعرض ما جاء عن النبى ﷺ من الأخبار عن المغيبات على قلبه، فما وافق قلبه منها؛ قبله، وما لم يوافقه؛ لم يقبله، وإنما معناه التورع عن الشبهات، وترك ما حاك في النفس.
وقد جاء ذلك واضحا في حديث وابصة بن معبد الأسدي ﵁؛ قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع من البر والإثم شيئا إلا سألته عنه، فقال رسول الله ﷺ: «جئت تسأل عن البر والإثم؟ ". قال: قلت: نعم. قال: فجمع أصابعه، فضرب بها صدره، وقال: "استفت قلبك، استفت قلبك يا وابصة (ثلاثا): البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك» .
رواه: الإمام أحمد، والدارمي، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجال أحد إسنادي الطبراني ثقات".
وقد جاء في هذا المعنى أحاديث صحيحة عن النعمان بن بشير والحسن
[ ٣ / ١٤ ]
ابن علي والنواس بن سمعان ﵃.
وأما تفسير الحديث بما ذهب إليه أبو عبية؛ فهو من تحريف الكلم عن مواضعه، وحمل الحديث على غير ما أريد به.
الوجه الخامس: أن أبا عبية زعم في تعليق له في (ص١٥٩) أن ما جاء في حديث جابر في صفة حمار الدجال؛ فهو من أقاصيص الوضاعين.
والجواب أن يقال: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾؛ فليس في إسناد حديث جابر ﵁ أحد من الضعفاء، فضلا عن الوضاعين.
وقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن سابق عن إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄، وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد صححه الحاكم والذهبي كما تقدم ذكره، ورواه ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" مختصرا، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وإذا علم هذا؛ فمن ضعف الدين وقلة الورع والتهجم على هذا الحديث الصحيح وعلى غيره من الأحاديث الصحيحة بغير مستند، ورمي الثقات الأثبات بوضع الأحاديث، وتسميتهم الوضاعين، وهم مبرؤون من هذا البهتان العظيم والإثم المبين.
وعن أبي الطفيل ﵁ عن حذيفة بن أسيد ﵁: أنه قال: " الدجال يخرج في بغض من الناس، وخفة من الدين، وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، فتطوى له الأرض طي فروة الكبش (الحديث وفيه:) ولا يسخر له من المطايا إلا الحمار؛ فهو رجس على رجس".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ".
[ ٣ / ١٥ ]
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" بنحوه، وقال فيه: "ولا يسخر له من الدواب إلا حمار، رجس على رجس". وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن قتادة؛ قال: قال حذيفة - يعني ابن أسيد ﵁ -: فذكره بنحوه.
وعن أبي الطفيل أيضا؛ قال: سمعت من بعض أصحاب النبى ﷺ حديثا في الدجال ما سمعت فيه حديثا أشرف منه: "إنه يجيء على حمار، يأتي الرجل على صورة من أهل بيته، فيقول: أبا فلان! إني أدعوك إلى الحق، إن أمري حق".
رواه مسدد. قال البوصيري: "ورواته ثقات".
وقد تقدم في ذكر ابن صياد ما أخرجه نعيم بن حماد من طريق جبير بن نفير وشريح بن عبيد وعمرو بن الأسود وكثير بن مرة؛ قالوا جميعا: " الدجال ليس هو إنسانا، وإنما هو شيطان موثق بسبعين حلقة في بعض جزائر اليمن، لا يعلم من أوثقه، سليمان النبي أو غيره، فإذا آن ظهوره؛ فك الله عنه كل عام حلقة، فإذا برز؛ أتته أتان، عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعا، فيضع على ظهرها منبرا من نحاس، ويقعد عليه، ويتبعه قبائل الجن، يخرجون له خزائن الأرض".
ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري".
وقد زعم بعض المتكلفين من العصريين أن الدجال إنما يركب على طائرة كبيرة، عرض ما بين جناحيها أربعون ذراعا، وأنها هي الحمار المذكور في حديث جابر وغيره من الأحاديث التي ذكرنا، وأن جناحي الطائرة هما أذنا الحمار المذكور!
وهذا من التكلف المذموم، ومن تأويل الحديث الصحيح على غير
[ ٣ / ١٦ ]
تأويله، وصرفه عن ظاهره بغير دليل.
ويرد هذا التأويل الفاسد قوله في حديث حذيفة بن أسيد ﵁: "ولا يسخر له من الدواب إلا الحمار؛ فهو رجس على رجس". فدل على أن الدجال إنما يركب على دابة من الدواب، لا على طائرة مصنوعة، وكذلك قوله: "رجس على رجس" يدل على أنه إنما يركب على حمار نجس لا على طائرة؛ لأنه لا يصح أن يطلق عليها أنها رجس، والله أعلم.
وركوب الدجال على الحمار الذي عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا أبلغ في الافتتان به من ركوبه على الطائرات والسيارات وغيرها مما قد عرفه الناس واعتادوا ركوبه.
وكذلك سيره على الحمار العظيم الجسم قد يكون أسرع من سير الطائرات بكثير.
والذي يظهر من الأحاديث أن مركوب الدجال وما يجريه الله على يديه إنما يكون من خوارق العادات لا من الأمور العادية التي يعرفها الناس ويستعملونها، وذلك أعظم لفتنته، ولهذا كانت فتنته أعظم فتنة تكون في الدنيا من أولها إلى آخرها؛ كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الصحيحة إن شاء الله تعالى.
باب
ما جاء في الطريق التي يخرج منها الدجال إلى أرض العرب
عن النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فذكر الحديث بطوله، وفيه: «إنه خارج خَلَّة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا» الحديث.
[ ٣ / ١٧ ]
باب ما جاء في الطريق التي يخرج منها الدجال إلى أرض العرب
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
وعن جبير بن نفير عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال الحديث وفيه: «ألا وإني رأيته يخرج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وشمالا، يا عباد الله اثبتوا (ثلاثا)» الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في أول مصر يرده الدجال
عن عثمان بن أبي العاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان، وأكثر تبعه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول نشامه وننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغربي الشام، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وفيه ضعف، وقد وثق، وبقية رجالهما رجال الصحيح".
ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه، وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ١٨ ]
باب
في أول من يفزعهم الدجال
عن أبي صادق؛ قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إني لأعلم أول أهل أبيات يفزعهم الدجال، أنتم أهل الكوفة".
رواه: ابن أبي شيبة والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات؛ إلا أن أبا صادق لم يدرك ابن مسعود ".
باب
في أول ماء من مياه العرب يرده الدجال
قال ابن الأثير في "النهاية": "وفي حديث كعب قال لأبي عثمان النهدي: إلى جانبكم جبل مشرف على البصرة يقال له سنام؟ قال: نعم. قال: فهل إلى جانبه ماء كثير السافي؟ قال: نعم. قال: فإنه أول ماء يرده الدجال من مياه العرب ".
قال ابن الأثير: " (السافي): الريح التي تسفي التراب، وقيل للتراب الذي تسفيه الريح أيضا: سافي؛ أي: مسفي؛ كماء دافق. والماء السافي الذي ذكره هو سفوان، وهو على مرحلة من باب المربد بالبصرة". انتهى.
قلت: وهو معروف بهذا الاسم إلى الآن.
باب
ما جاء في الذين ينذرون بالدجال
عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا كل نبي قد أنذر أمته الدجال (فذكر الحديث وفيه): ألا وإن بين يديه»
[ ٣ / ١٩ ]
باب ما جاء في الذين ينذرون بالدجال
«رجلين ينذران أهل القرى، كلما دخلا قرية؛ أنذرا أهلها، فإذا خرجا منها؛ دخلها أول أصحاب الدجال» .
رواه: عبد بن حميد، وأبو يعلى، والحاكم في "مستدركه"، وابن عساكر في "تاريخه"، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف. وسيأتي هذا الحديث مطولا في ذكر المؤمن الذي يقتله الدجال.
وعنه ﵁؛ قال: "مع الدجال امرأة يقال لها: لثيبة، لا يؤم قرية؛ إلا سبقته، فتقول: هذا الرجل داخل عليكم؛ فاحذروه".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
أن الدجال يطأ البلاد كلها غير مكة والمدينة
تقدم حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في خبر الجساسة والدجال، وفيه أن الدجال قال للذين دخلوا عليه: «وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما؛ استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها". قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة (يعني: المدينة)، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟! ". فقال الناس: نعم» .
رواه: مسلم، وأبو داود، والطبراني.
وفي رواية لمسلم قال: «أما إنه لو قد أذن لي في الخروج قد وطئت البلاد»
[ ٣ / ٢٠ ]
باب أن الدجال يطأ البلاد كلها غير مكة والمدينة
«كلها غير طيبة» .
ورواه الإمام أحمد من حديث مجالد عن عامر الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂، وفيه «أن الدجال حلف: لو خرجت من مكاني هذا ما تركت أرضا من أرض الله إلا وطئتها؛ غير طيبة، ليس لي عليها سلطان. فقال رسول الله ﷺ: " إن هذه طيبة، إن الله حرم حرمي على الدجال أن يدخلها"، ثم حلف رسول الله ﷺ: "والذي لا إله إلا هو ما لها طريق ضيق ولا واسع في سهل ولا جبل إلا عليه ملك شاهر بالسيف إلى يوم القيامة، ما يستطيع الدجال أن يدخلها على أهلها ".» قال عامر: فلقيت المحرر بن أبي هريرة، فحدثته حديث فاطمة بنت قيس، فقال: أشهد على أبي أنه حدثني كما حدثتك فاطمة؛ غير أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه نحو المشرق» . قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فذكرت له حديث فاطمة، فقال: أشهد على عائشة أنها حدثتني كما حدثتك فاطمة؛ غير أنها قالت: «الحرمان عليه حرام مكة والمدينة» .
ورواه: ابن ماجه، وأبو بكر الآجري بنحوه؛ إلا أنهما لم يذكرا رواية المحرر عن أبيه ورواية القاسم عن عائشة.
ورواه الإمام أحمد أيضا، وفيه أن الدجال قال: أما إني سأطأ الأرض كلها؛ غير مكة وطيبة. فقال رسول الله ﷺ: «أبشروا معشر المسلمين؛ فإن هذه طيبة لا يدخلها الدجال» .
ورواه الترمذي، وقال فيه: «وإنه يدخل الأمصار كلها إلا طيبة، وطيبة المدينة» . قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وتقدم أيضا حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ استوى على المنبر، فقال: حدثني تميم، فرأى تميما في ناحية المسجد، فقال: يا تميم! حدث الناس ما حدثتني فذكر الحديث، وفيه أن الدجال قال: لأطأن
[ ٣ / ٢١ ]
الأرض بقدمي هاتين؛ إلا بلدة إبراهيم وطابا، فقال رسول الله ﷺ: «طابا هي المدينة» .
رواه أبو يعلى. قال ابن كثير: "وهذا حديث غريب جدا".
وتقدم أيضا في (باب ما جاء في شيعة الدجال) حديث أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيء الدجال، فيطأ الأرض؛ إلا مكة والمدينة» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
ورواه البخاري ومسلم أيضا، ولفظه عند مسلم: قال رسول الله ﷺ: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال؛ إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين، تحرسها، فينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق» .
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ في حديثه الطويل في ذكر الدجال، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من أنقابهما؛ إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة» الحديث.
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي.
وعن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يذكر المسيح الدجال: «إني سأقول لكم فيه كلمة ما قالها نبي قبلي: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، بين عينيه كتاب كافر". قال جابر عن النبى ﷺ: "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يسيح الأرض أربعين يوما، يرد كل بلد؛ غير هاتين المدينتين: المدينة ومكة، حرمهما الله عليه» الحديث.
[ ٣ / ٢٢ ]
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف".
وعن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «وإنه سيظهر (أو قال: سوف يظهر) على الأرض كلها؛ إلا الحرم وبيت المقدس» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في حراسة مكة والمدينة من الدجال
تقدم في (باب ما جاء في شيعة الدجال) عدة أحاديث في ذلك عن جابر بن عبد الله وابن عمر وأبي هريرة وأنس بن مالك ومحجن بن الأدرع وأبي أمامة الباهلي ﵃؛ فلتراجع.
وتقدم أيضا في الباب الذي قبل هذا الباب حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في ذلك، وما رواه أبو هريرة وعائشة ﵄ بنحو ما روته فاطمة بنت قيس.
وتقدم فيه أيضا عن أبي هريرة وأنس بن مالك وأبي أمامة الباهلي وجابر وسمرة بن جندب ﵃؛ فليراجع الجميع.
وعن أبي عبد الله القراظ أنه سمع سعد بن مالك وأبا هريرة ﵄ يقولان: قال رسول الله ﷺ: «إن المدينة مشتبكة بالملائكة، على كل»
[ ٣ / ٢٣ ]
باب ما جاء في حراسة مكة والمدينة من الدجال
«نقب منها ملكان يحرسانها، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، فمن أرادها بسوء؛ أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة أيضا ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي المسيح الدجال من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهنالك يهلك» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي رواية لأحمد؛ قال: «يأتي المسيح من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى إذا جاء دبر أحد؛ تلقته الملائكة، فضربت وجهه قبل الشام، هنالك يهلك، هنالك يهلك» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان؛ كلهم من طريق مالك.
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: فذكره بمثله.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث عمر بن العلاء الثقفي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون» .
[ ٣ / ٢٤ ]
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وعنه ﵁؛ قال ركب رسول الله إلى مجمع السيول، فقال: «ألا أنبئكم بمنزل الدجال من المدينة، هذا منزله» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه أبو معشر وهو ضعيف".
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبى ﷺ؛ قال: «المدينة يأتيها الدجال، فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء تعالى» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي وقال: "هذا حديث صحيح"، قال: "وفي الباب عن أبي هريرة وفاطمة بنت قيس ومحجن وأسامة بن زيد وسمرة بن جندب ﵃".
وعنه ﵁: أن قائلا من الناس قال: يا نبي الله! أما يرد الدجال المدينة؟ قال: «أما إنه ليعمد إليها، ولكنه يجد الملائكة صافة بنقابها وأبوابها يحرسونها من الدجال» .
رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين.
وعن جابر بن عبد الله ﵃؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم (فذكر الحديث، وفيه:) يرد كل ماء ومنهل؛ إلا المدينة ومكة، حرمهما الله عليه، وقامت الملائكة بأبوابهما» " الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وابن خزيمة في "كتاب التوحيد"، وإسناد كل منهم على شرط الشيخين. ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه". "على شرط مسلم ".
[ ٣ / ٢٥ ]
وعنه ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مثل المدينة كالكير، وحرم إبراهيم مكة، وأنا أحرم المدينة وهي كمكة حرام ما بين حرتيها وحماها كلها، لا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل منها، ولا يقربها إن شاء الله الطاعون ولا الدجال، والملائكة يحرسونها على أنقابها وأبوابها» .
رواه الإمام أحمد بإسناد حسن.
وعنه ﵁؛ قال: قام رسول الله ﷺ ذات يوم على المنبر، فقال: «يا أيها الناس! إني لم أجمعكم لخبر جاء من السماء (فذكر حديث الجساسة، وزاد فيه:) وهو المسيح، تطوى له الأرض في أربعين يوما؛ إلا ما كان من طيبة ". قال رسول الله ﷺ: "وطيبة المدينة، ما من باب من أبوابها إلا عليه ملك مصلت سيفه يمنعه، وبمكة مثل ذلك» .
رواه أبو يعلى بإسنادين. قال الهيثمي: "رجال أحدهما رجال الصحيح".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يذكر المسيح الدجال: «إني سأقول لكم فيه كلمة ما قالها نبي قبلي: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، بين عينيه كتاب كافر". قال جابر عن النبى ﷺ: "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يسيح الأرض أربعين يوما، يرد كل بلد؛ غير هاتين المدينتين: المدينة ومكة، حرمهما الله عليه، يوم من أيامه كالسنة، ويوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وبقية أيامه كأيامكم هذه، لا يبقى إلا أربعين يوما» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف".
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب منها ملكان» .
[ ٣ / ٢٦ ]
رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
وعنه ﵁؛ قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة الكذاب قبل أن يقول فيه رسول الله ﷺ شيئا، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله ﵎ بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد؛ ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم في شأنه؛ فإنه كذاب من ثلاثين كذابا يخرجون قبل الدجال، وإنه ليس بلد إلا يدخله رعب المسيح؛ إلا المدينة، على كل نقب من نقابها يومئذ ملكان يذبان عنها رعب المسيح» .
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط البخاري، ورواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي: "وأحد أسانيد أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ". وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن شقيق عن رجاء بن أبي رجاء الباهلي؛ قال: «كان بريدة على باب المسجد، فمر محجن عليه وسَكَبَة يصلي، فقال بريدة - وكان فيه مزاح - لمحجن: ألا تصلي كما يصلي هذا؟! فقال محجن: إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي، فصعد على أحد، فأشرف على المدينة، فقال: "ويل أمها! قرية يدعها أهلها خير ما تكون (أو: كأخير ما تكون)، فيأتيها الدجال، فيجد على كل باب من أبوابها ملكا مصلتا جناحيه، فلا يدخلها ". قال: ثم نزل وهو آخذ بيدي، فدخل المسجد، وإذا هو برجل يصلي، فقال لي: من هذا؟ فأتيت عليه، فأثنيت عليه خيرا، فقال: "اسكت؛ لا تسمعه فتهلكه". قال: ثم أتى حجرة امرأة من نسائه، فنفض يده من يدي، قال: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره ".»
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبخاري في "الأدب المفرد"،
[ ٣ / ٢٧ ]
وأسانيدهم كلها صحيحة، رجالها رجال الصحيح؛ سوى رجاء بن أبي رجاء، وهو ثقة، وثقة العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وعن محجن بن الأدرع أيضا ﵁؛ قال: «بعثني نبي الله ﷺ في حاجة، ثم عرض لي وأنا خارج من طريق من طرق المدينة. قال: فانطلقت معه، حتى صعدنا أحدا، فأقبل على المدينة، فقال: "ويل أمها! قرية يوم يدعها أهلها كأينع ما تكون". قال: قلت: يا نبي الله! من يأكل ثمرتها؟ قال: "عافية الطير والسباع ". قال: "ولا يدخلها الدجال، كلما أراد أن يدخلها؛ تلقاه بكل نقب منها ملك مصلتا". قال: ثم أقبلنا، حتى إذا كنا بباب المسجد؛ إذا رجل يصلي؛ قال: أتقوله صادقا؟ قال: قلت: يا نبي الله! هذا فلان، وهذا من أحسن أهل المدينة (أو قال: أكثر أهل المدينة صلاة) . قال: "لا تسمعه فتهلكه (مرتين أو ثلاثا)، إنكم أمة أريد بكم اليسر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "مستدركه" مختصرا، ورجال أحمد رجال الصحيح. قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن شقيق؛ قال: إني لأمشي مع عمران بن حصين، فانتهينا إلى مسجد البصرة؛ فإذا بريدة جالس وسَكَبَة - رجل من أصحاب محمد ﷺ من أسلم - قائم يصلي الضحى، فقال بريدة: يا عمران! ما تستطيع أن تصلي كما يصلي سكبة، وإنما يقول ذلك كأنه يعنيه به. قال: فسكت عمران ومضيا، فقال عمران: «إني لأمشي مع رسول الله ﷺ؛ إذ استقبلنا أحد، فصعدنا عليه، فأشرف على المدينة، فقال: "ويل أمها! قرية يتركها أهلها أحسن ما كانت، يأتيها الدجال فلا يستطيع أن يدخلها، يجد على كل فج منها ملكا مصلتا»
[ ٣ / ٢٨ ]
«بالسيف ". ثم نزلنا، فأتينا المسجد؛ فإذا رجل يصلي، فقال: من هذا؟ قلت: فلان، ومن أمره (فجعلت أثني عليه) . فقال: "لا تسمعه فتقطع ظهره". ثم رفع يدي، فقال: "خير دينكم أيسره» .
رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: قد تقدم في رواية الإمام أحمد عن عبد الله بن شقيق عن رجاء بن أبي رجاء أن الذي ذهب مع النبى ﷺ إلى أحد ورجع معه وأثنى على الرجل الذي رآه يصلي في المسجد هو محجن بن الأدرع ﵁، فلعلهما واقعتان، أو أن ما في هذه الرواية غلط. والله أعلم.
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «إن يخرج الدجال وأنا حي؛ كفيتكموه، وإن يخرج الدجال بعدي؛ فإن ربكم ﷿ ليس بأعور، إنه يخرج في يهودية أصبهان، حتى يأتي المدينة، فينزل ناحيتها، ولها يومئذ سبعة أبواب، على كل نقب منها ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها» ". الحديث.
رواه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير الحضرمي بن لاحق، وهو ثقة.
وعنها ﵁: أن النبى ﷺ قال: «لا يدخل الدجال مكة ولا المدينة» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم.
وعن تميم الداري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن طيبة المدينة، وما من نقب من نقابها؛ إلا عليه ملك شاهر سيفه، لا يدخلها الدجال أبدا» .
[ ٣ / ٢٩ ]
رواه: الطبراني في "الكبير" من رواية عمر بن يزيد عن جده. قال الهيثمي: "ولم أعرفهما".
وعن أبي الطفيل؛ قال: كنت بالكوفة، فقيل: خرج الدجال. قال: فأتينا على حذيفة بن أسيد وهو يحدث، فقلت: هذا الدجال قد خرج. فقال: اجلس. فجلست، فأتى علي العريف، فقال: هذا الدجال قد خرج، وأهل الكوفة يطاعنونه. قال: اجلس، فنودي: إنها كذبة صباغ. قال: فقلنا: يا أبا سريحة! ما أجلستنا إلا لأمر؛ فحدثنا. قال: إن الدجال لو خرج في زمانكم؛ لرمته الصبيان بالخذف، ولكن الدجال يخرج في بغض من الناس، وخفة من الدين، وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، فتطوى له الأرض طي فروة الكبش، حتى يأتي المدينة، فيغلب على خارجها، ويمنع داخلها الحديث.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ". وسيأتي بأطول من هذا في (باب قتال الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن سفينة مولى رسول الله ﷺ ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «ألا إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد حذر الدجال أمته (فذكر الحديث، وفيه:)، ثم يسير حتى يأتي المدينة، فلا يؤذن له فيها، فيقول: هذه قرية ذلك الرجل، ثم يسير حتى يأتي الشام، فيهلكه الله ﷿ عند عقبة أفيق» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر".
وستأتي جملة من الأحاديث في حراسة المدينة من الدجال في قصة المؤمن مع الدجال وفي ذكر فتنة الدجال إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ٣٠ ]
باب
الترغيب في سكنى المدينة إذا خرج الدجال
عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: أشرف رسول الله ﷺ على فلق من أفلاق الحرة ونحن معه، فقال: «نعمت الأرض المدينة إذا خرج الدجال» الحديث.
رواه: الإمام أحمد في "المسند"، وابنه عبد الله في كتاب "السنة" من طريقه، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
باب
في دعاوى الدجال
عن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته ما يحذرنا الدجال؛ قال: «إنه يبدأ فيقول: أنا نبي ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولن تروا ربكم حتى تموتوا» الحديث.
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، والحاكم في "المستدرك"، والحافظ الضياء المقدسي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
أن الدجال آخر الكذابين وأعظمهم فتنة
عن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وإنه والله؛ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور الدجال» .
[ ٣ / ٣١ ]
باب أن الدجال آخر الكذابين وأعظمهم فتنة
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بين يدي الساعة كذابون، منهم صاحب اليمامة، ومنهم صاحب صنعاء العنسي، ومنهم صاحب حِمْيَر، ومنهم الدجال، وهو أعظمهم فتنة» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، وابن حبان في "صحيحه". قال الهيثمي: "وفي إسناد البزار عبد الرحمن بن مغراء، وثقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناد أحمد ابن لهيعة، وهو لين".
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى.
وفي رواية: «ليكونن قبل المسيح الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر» .
ورواه الطبراني ولفظه: قال: «بين يدي الساعة الدجال، وبين يدي الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر ". قلنا: ما آيتهم؟ قال: "أن يأتوكم بسنة لم تكونوا عليها يغيرون بها سنتكم ودينكم، فإذا رأيتموهم؛ فاجتنبوهم وعادوهم» .
باب
الأمر بالتفل في وجه الدجال
عن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته ما يحذرنا الدجال؛ قال: «إنه يبدأ فيقول: أنا نبي، ثم يثني فيقول:»
[ ٣ / ٣٢ ]
باب الأمر بالتفل في وجه الدجال
«أنا ربكم، ولن تروا ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، من لقيه؛ فليتفل في وجهه» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"، ورواته ثقات، ورواه الطبراني والحاكم في "مستدركه"، وقالا فيه: «فمن لقيه منكم؛ فليتفل في وجهه، وليقرأ فواتح سورة أصحاب الكهف» الحديث.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
في قصة المؤمن مع الدجال
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أبا سعيد الخدري ﵁؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال، فكان فيما حدثنا: قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس (أو: من خير الناس)، فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته؛ أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا. قال: فيقتله، ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله؛ ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن. قال: فيريد الدجال أن يقتله؛ فلا يسلط عليه» .
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والإمام أحمد، والشيخان. زاد عبد الرزاق: "قال معمر: وبلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة من نحاس، وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه".
[ ٣ / ٣٣ ]
باب في قصة المؤمن مع الدجال
ورواه مسلم أيضا من حديث أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال، فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فتلقاه المسالح؛ مسالح الدجال، فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج". قال: "فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدا دونه". قال: "فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن؛ قال: يا أيها الناس! هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ ". قال: "فيأمر الدجال به، فيشبح، فيقول: خذوه وشجوه. فيوسع ظهره وبطنه ضربا". قال: "فيقول: أوما تؤمن بي؟ ". قال: "فيقول: أنت المسيح الكذاب ". قال: "فيؤمر به، فيؤشر بالمئشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه". قال: "ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم؛ فيستوي قائما". قال: "ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة ". قال: "ثم يقول: يا أيها الناس! إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس". قال: "فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى تَرْقُوَتِه نحاسا، فلا يستطيع إليه سبيلا". قال: "فيأخذ بيديه ورجليه، فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة". فقال رسول الله ﷺ: "هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين» .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة "فتح الباري": "حديث أبي سعيد في قصة الدجال: "فيخرج إليه رجل هو خير الناس يومئذ ": ذكر إبراهيم ابن سفيان الراوي عن مسلم أنه يقال: إنه الخضر، وكذا حكاه معمر وجماعة، وهذا إنما يتم على رأي من يدعي بقاء الخضر، والذي جزم به البخاري وإبراهيم الحربي وآخرون من محققي الحديث خلاف ذلك ". انتهى.
[ ٣ / ٣٤ ]
ورواه: عبد بن حميد، وأبو يعلى، والبزار؛ من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه لم يكن نبي إلا قد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه: إنه أعور، ذو حدقة جاحظة لا تخفى، كأنها نخاعة في جنب جدار، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، ومعه مثل الجنة ومثل النار، فجنته غبراء ذات دخان، وناره روضة خضراء، وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية؛ دخل أوائلهم، ويسلط على رجل لا يسلط على غيره، فيذبحه، ثم يضربه بعصاه، ثم يقول: قم. فيقوم، فيقول لأصحابه: كيف ترون؟ ألست بربكم؟ فيشهدون له بالشرك، فيقول الرجل المذبوح: يا أيها الناس! إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرناه رسول الله ﷺ، والله؛ ما زادني هذا فيك إلا بصيرة. فيعود أيضا، فيذبحه، ثم يضربه بعصاه، فيقول له: قم. فيقوم، فيقول لأصحابه: كيف ترون؟ ألست بربكم؟ فيشهدون له بالشرك. فيقول المذبوح: يا أيها الناس! إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرناه رسول الله ﷺ، والله؛ ما زادني قتله هذا إلا بصيرة. فيعود فيذبحه الثالثة، فيضربه بعصا معه، فيقول: قم. فيقوم، فيقول لأصحابه: كيف ترون؟ ألست بربكم؟ فيشهدون له بالشرك، فيقول المذبوح: يا أيها الناس! إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرناه رسول الله ﷺ، ما زادني هذا فيك إلا بصيرة. فيعود ليذبحه الرابعة، فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس؛ فلا يستطيع ذبحه» .
قال أبو سعيد: كنا نرى ذلك الرجل عمر بن الخطاب؛ لما نعلم من قوته وجلده.
قال الهيثمي: "فيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وعطية ضعيف وقد وثق".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عطية، وفيه زيادات كثيرة، ومغايرة في بعض الألفاظ، ولفظه: عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا كل نبي قد أنذر أمته الدجال، وإنه يومه هذا قد»
[ ٣ / ٣٥ ]
«أكل الطعام، وإني عاهد عهدا لم يعهده نبي لأمته قبلي، ألا إن عينه اليمنى ممسوحة الحدقة جاحظة فلا تخفى، كأنها نخاعة في جنب حائط، ألا وإن عينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه مثل الجنة ومثل النار، فالنار روضة خضراء، والجنة غبراء ذات دخان، ألا وإن بين يديه رجلين ينذران أهل القرى، كلما دخلا قرية؛ أنذرا أهلها، فإذا خرجا منها؛ دخلها أول أصحاب الدجال، ويدخل القرى كلها؛ غير مكة والمدينة حرما عليه، والمؤمنون متفرقون في الأرض، فيجمعهم الله له، فيقول رجل من المؤمنين لأصحابه: لأنطلقن إلى هذا الرجل؛ فلأنظرن أهو الذي أنذرنا رسول الله ﷺ أم لا؟ ثم ولى، فقال له أصحابه: والله؛ لا ندعك تأتيه، ولو أنا نعلم أنه يقتلك إذا أتيته؛ خلينا سبيلك، ولكنا نخاف أن يفتنك. فأبى عليهم الرجل المؤمن إلا أن يأتيه، فانطلق يمشي، حتى أتى مسلحة من مسالحه، فأخذوه، فسألوه: ما شأنك وما تريد؟ قال لهم: أريد الدجال الكذاب. قالوا: إنك تقول ذلك؟ قال: نعم. فأرسلوا إلى الدجال: إنا قد أخذنا من يقول كذا وكذا فنقتله أو نرسله إليك؟ قال: أرسلوه إلي. فانطلق به، حتى أتي به الدجال، فلما رآه؛ عرفه لنعت رسول الله ﷺ، فقال له الدجال: ما شأنك؟ فقال العبد المؤمن: أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناك رسول الله ﷺ. قال له الدجال: أنت تقول هذا؟ قال: نعم. قال له الدجال: لتطيعني فيما أمرتك وإلا شققتك شقتين. فنادى العبد المؤمن، فقال: أيها الناس! هذا المسيح الكذاب، فمن عصاه؛ فهو في الجنة، ومن أطاعه؛ فهو في النار. فقال له الدجال: والذي أحلف به؛ لتطيعني أو لأشقنك شقتين. فنادى العبد المؤمن، فقال: أيها الناس! هذا المسيح الكذاب، فمن عصاه؛ فهو في الجنة، ومن أطاعه؛ فهو في النار. قال: فمد برجله، فوضع حديدته على عجب ذنبه، فشقه شقتين. فلما فعل به ذلك؛ قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت هذا لكم؛ ألستم تعلمون أني ربكم؟ قالوا: بلى". قال عطية:»
[ ٣ / ٣٦ ]
«فحدثني أبو سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: "فضرب أحد شقيه أو الصعيد عنده، فاستوى قائما، فلما رآه أولياؤه؛ صدقوه وأيقنوا أنه ربهم، وأجابوه، واتبعوه. قال الدجال للعبد المؤمن: ألا تؤمن بي؟ قال له المؤمن: لأنا الآن أشد فيك بصيرة من قبل. ثم نادى في الناس: ألا إن هذا المسيح الكذاب، فمن أطاعه؛ فهو في النار، ومن عصاه؛ فهو في الجنة. فقال الدجال: والذي أحلف به؛ لتطيعني، أو لأذبحنك، أو لألقينك في النار. فقال له المؤمن: والله؛ لا أطيعك أبدا. فأمر به، فأضجع". قال: فقال لي أبو سعيد: إن نبي الله ﷺ قال: "ثم جعل صفيحتين من نحاس بين تراقيه ورقبته". قال: وقال أبو سعيد: ما كنت أدري ما النحاس قبل يومئذ. "فذهب ليذبحه، فلم يستطع، ولم يسلط عليه بعد قتله إياه". قال: فإن نبي الله ﷺ قال: "فأخذ بيديه ورجليه، فألقاه في الجنة، وهي غبراء ذات دخان، يحسبها النار؛ فذلك الرجل أقرب أمتي مني درجة". قال: فقال أبو سعيد: ما كان أصحاب محمد ﷺ يحسبون ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب ﵁، حتى سلك عمر سبيله. قال: ثم قلت له: فكيف يهلك؟ قال: الله أعلم. قال: فقلت: أخبرت أن عيسى ابن مريم ﵊ هو يهلكه. فقال: الله أعلم؛ غير أنه يهلكه الله ومن اتبعه. قال: قلت: فماذا يكون بعده؟ قال: حدثني نبي الله ﷺ أنهم يغرسون بعده الغروس، ويتخذون من بعده الأموال. قال: قلت: سبحان الله! أبعد الدجال يغرسون الغروس ويتخذون من بعده الأموال؟! قال: نعم، حدثني بذلك رسول الله ﷺ» .
قال الحاكم: "هذا أعجب حديث في ذكر الدجال، تفرد به عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري ﵁، ولم يحتج الشيخان بعطية". قال الذهبي في "تلخيصه": "عطية ضعيف".
[ ٣ / ٣٧ ]
وقد زعم أبو عبية في عنوان وضعه في (ص١١٦) من "النهاية" لابن كثير مترجما به على حديث أبي سعيد المتفق على صحته - وهو المذكور في أول الباب -: أنه يجب صرفه عن ظاهره إلى التأويل.
وهذا ظاهر في تكذيبه لقصة المؤمن مع الدجال، مع ثبوتها في "الصحيحين"، بل إنه ينكر خروج الدجال بالكلية؛ كما سيأتي ذكر ذلك عنه بعد الأحاديث الواردة في قتل الدجال إن شاء الله تعالى.
ثم تكلم أبو عبية على حديث أبي الوداك عن أبي سعيد ﵁ في حاشية (ص١١٨)، وتكلم أيضا في (ص١٣٤) على حديث عبد الله بن عمرو ﵄ المذكور بعد روايات حديث أبي سعيد وبعد حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ بما يقتضي إنكار ما جاء في الحديثين من قتل الدجال للرجل المؤمن ثم إحيائه.
ومن بلغ به الأمر إلى إنكار ما أخبر به رسول الله ﷺ أو الشك فيه؛ فهو بلا شك لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن من لازم تحقيقها تصديقه ﷺ فيما أخبر به من الغيوب الماضية والآتية.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه فذكر الحديث، وفيه: «وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة، فيقتلها، وينشرها بالمنشار، حتى يلقى شقتين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله، ما كنت قط أشد بصيرة بك مني اليوم» .
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي.
[ ٣ / ٣٨ ]
زاد ابن ماجه: قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي: حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» . قال: قال أبو سعيد: ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال فيه: "وإنه يسلط على نفس من بني آدم، فيقتلها ثم يحييها، وإنه لا يعدو ذلك، ولا يسلط على نفس غيرها".
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ: أنه قال في الدجال: «ما شبه عليكم منه؛ فإن الله ﷿ ليس بأعور، يخرج، فيكون في الأرض أربعين صباحا، يرد منها كل منهل؛ إلا الكعبة وبيت المقدس والمدينة، الشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ومعه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار، معه جبل من خبز ونهر من ماء، يدعو رجلا، فلا يسلطه الله إلا عليه، فيقول: ما تقول في؟ فيقول: أنت عدو الله، وأنت الدجال الكذاب. فيدعو بمنشار، فيضعه حذو رأسه، فيشقه حتى يقع على الأرض، ثم يحييه، فيقول: ما تقول؟ فيقول: والله؛ ما كنت أشد بصيرة مني فيك الآن، أنت عدو الله الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ. قال: فيهوي إليه بسيفه، فلا يستطيعه، فيقول: أخروه عني» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وعن سلمة بن الأكوع ﵁؛ قال: «أقبلت مع رسول الله ﷺ من العقيق، حتى إذا كنا على الثنية التي يقال لها: ثنية الحوض، التي بالعقيق؛ أومأ بيده قبل المشرق، فقال: "إني لأنظر إلى مواقع عدو الله المسيح، إنه يقبل»
[ ٣ / ٣٩ ]
«حتى ينزل من كذا، حتى يخرج إليه غوغاء الناس، ما من نقب من أنقاب المدينة؛ إلا عليه ملك أو ملكان يحرسانه، معه صورتان: صورة الجنة وصورة النار، معه شياطين يشبهون بالأموات، يقولون للحي: تعرفني؟ أنا أخوك أو أبوك أو ذو قرابة منه، ألست قد مت؟ هذا ربنا فاتبعه، فيقضي الله ما يشاء منه، ويبعث الله رجلا من المسلمين، فيسكته، ويبكته، ويقول: أيها الناس! لا يغرنكم؛ فإنه كذاب، ويقول باطلا، وليس ربكم بأعور. فيقول: هل أنت متبعي؟ فيأبى، فيشقه شقتين، ويعطى ذلك، ويقول: أعيده لكم. فيبعثه الله ﷿ أشد ما كان له تكذيبا وأشده شتما، فيقول: أيها الناس! إن ما رأيتم بلاء ابتليتم به وفتنة افتتنتم بها، إن كان صادقا؛ فليعدني مرة أخرى، وإلا؛ هو كذاب. فيأمر به إلى هذه النار، وهي صورة الجنة، فيخرج قبل الشام» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدا".
وعن النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فذكر الحديث، وفيه: «ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
وعن جنادة بن أبي أمية؛ قال: أتيت رجلا من أصحاب النبى ﷺ، فقلت له: حدثني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ في الدجال، ولا تحدثني عن غيرك، وإن كان عندك مصدقا. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنذرتكم فتنة الدجال، فليس من نبي إلا أنذره قومه أو أمته، وإنه آدم، جعد، أعور عينه»
[ ٣ / ٤٠ ]
«اليسرى، وإنه يمطر المطر، ولا ينبت الشجر، وإنه يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها، ولا يسلط على غيرها، وإنه معه جنة ونار، ونهر ماء وجبل خبز، وإن جنته نار وناره جنة، وإنه يلبث فيكم أربعين صباحا، يرد فيها كل منهل؛ إلا أربع مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والطور، ومسجد الأقصى، وإن شكل عليكم أوش به؛ فإن الله ﷿ ليس بأعور» .
رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين.
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "يسلط الدجال على رجل من المسلمين، فيقتله، ثم يحييه، ثم يقول: ألست بربكم؟ ألا ترون أني أحيي وأميت؟ والرجل ينادي: يا أهل الإسلام! بل هو عدو الله الكافر الخبيث، إنه والله لا يسلط على أحد بعدي".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁: أنه قال: "إن الدجال إذا خرج؛ يخرج من نحو المشرق، فيكثر جنوده ومسالحه، فلا يخلص إليه إلا من قال: أنا وافد، فيجيء رجل، فيقول: أنا وافد، فإذا رآه الدجال؛ قال: ابن آدم! ألست تعلم أني ربك؟ قال: لا؛ أنت عدو الله الدجال. قال: فإني قاتلك. قال: وإن قتلتني. قال: فيأخذ المنشار، فيضعه بين ثنته، فيشقه شقتين، ثم يقول لمن حوله: كيف إذا أنا أحييته؟ قالوا: فذاك حين نتيقن أنك ربنا". قال: "فيحييه". قال: "فيقول له: ابن آدم! زعمت أني لست ربك؟ قال: ما كنت قط أشد بصيرة مني فيك الآن. قال: إني ذابحك. قال: وإن ذبحتني ". قال: "فيريد ذبحه، فلا يستطيع ذبحه، فيقول من يحييه: إن كنت صادقا؛ فلتذبحني. فعند ذلك يرتاب فيه
[ ٣ / ٤١ ]
جنوده، وينزل عيسى ابن مريم، فإذا رآه، ووجد ريحه؛ ذاب كما يذوب الرصاص ".
رواه مسدد موقوفا. قال البوصيري: "ورواته ثقات".
وعن ابن عباس ﵄: أنه قال في الدجال: "هو أعور ممسوح العين اليمنى، يسلطه الله على رجل من هذه الأمة، فيقتله، ثم يضربه فيحييه، ثم لا يصل إلى قتله، ولا يسلط على غيره".
رواه: إسحاق بن بشر، وابن عساكر في "تاريخه".
باب
ما جاء في فتنة الدجال
تقدم في (باب صفة الدجال) عدة أحاديث في ذلك:
منها: حديث أبي قلابة عن هشام بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن رأس الدجال من ورائه حُبُك حُبُك، فمن قال: أنت ربي؛ افتتن، ومن قال: كذبت؛ ربي الله، عليه توكلت؛ فلا يضره (أو قال: فلا فتنة عليه)» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها حديث أبي قلابة أيضا عن رجل من أصحاب النبى ﷺ بنحو حديث هشام بن عامر ﵁.
رواه الإمام بإسنادين، كل منهما صحيح على شرط الشيخين.
ومنها حديث حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الدجال»
[ ٣ / ٤٢ ]
باب ما جاء في فتنة الدجال
«أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
ومنها حديث معاذ بن جبل ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال، وأنا أحذركم الدجال: إنه أعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه الكاتب وغير الكاتب، معه جنة ونار؛ فناره جنة وجنته نار» .
رواه: البزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه خنيس بن عامر ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا".
وقد رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في "مسنده" عن يحيى بن بكير عن خنيس بن عامر عن أبي قبيل عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبى ﷺ: فذكره بنحوه.
قال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ الذهبي: تفرد به خنيس، وما علمنا به جرحا، وإسناده صحيح ".
قلت: قد ذكر البخاري وابن أبي حاتم خنيس بن عامر، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقالوا جميعا: "هو المعافري "، زاد ابن حبان: "من أهل مصر"، وذكروا جميعا أنه يروي عن أبي قبيل، وروى عنه يحيى بن بكير، وعلى هذا؛ فإسناده حسن إن شاء الله، وقد يقال: إنه صحيح؛ كما قاله الذهبي ﵀.
ومنها حديث أبي الوداك؛ قال: قال لي أبو سعيد: هل يقر الخوارج بالدجال؟ فقلت: لا. فقال: قال رسول الله ﷺ: «إني خاتم ألف نبي وأكثر، ما بعث نبي يتبع؛ إلا قد حذر أمته الدجال، وإني قد بين لي من أمره ما لم يبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة ولا تخفى، كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه»
[ ٣ / ٤٣ ]
«من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "فيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي في رواية، وقال في أخرى: ليس بالقوي، وضعفه جماعة".
وقد علق أبو عبية على هذا الحديث في (ص١٢١) من "النهاية" لابن كثير، فزعم أنه ليس مع الدجال جنة ولا نار على الحقيقة، وإنما ذلك إشارة إلى ما يتوفر للدجاجلة دعاة الباطل ونصراء الهوى من القوى المادية التي تفتن ضعاف النفوس.
والجواب أن يقال: قد تضافرت الأحاديث الدالة على أن الدجال يكون معه جنة ونار.
وفي "الصحيحين" وغيرهما أن معه ماء ونارا؛ فناره ماء وماؤه نار.
وفي "الصحيحين" أيضا أنه يجيء معه بمثال الجنة والنار.
وفي "صحيح مسلم" وغيره أنه يكون معه جنة ونار؛ فناره جنة وجنته نار.
وهذا مما يثبته أهل السنة والجماعة، ويرده أهل البدع والضلالة وأتباعهم.
وأما قول أبي عبية: إن ذلك إشارة إلى ما يتوفر لدعاة الباطل من القوى المادية التي تفتن ضعاف النفوس؛ فهو من التأويل الباطل وتحريف الكلم عن مواضعه.
وتقدم أيضا حديث فاطمة بنت قيس ﵂ عن النبى ﷺ: أنه قال في الدجال: «يخرج حين يخرج من بلدة يقال لها: أصبهان، من قرية من قراها يقال لها: رستقاباد، يخرج حين يخرج على مقدمته سبعون ألفا عليهم السيجان، معه نهران: نهر من ماء ونهر من نار، فمن أدرك منكم ذلك، فقيل»
[ ٣ / ٤٤ ]
«له: ادخل الماء؛ فلا يدخل؛ فإنه نار، وإذا قيل له: ادخل النار فليدخلها؛ فإنها ماء» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" في حديثها الطويل. قال الهيثمي: "وفيه سيف بن مسكين، وهو ضعيف جدا".
وتقدم أيضا في (باب قصة المؤمن مع الدجال) حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «ومعه مثل الجنة ومثل النار، فجنته غبراء ذات دخان، وناره روضة خضراء» الحديث.
رواه: عبد حميد، وأبو يعلى، والبزار، والحاكم.
وتقدم فيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ: أنه قال في الدجال: «ومعه جنة ونار؛ فناره جنة، وجنته نار، معه جبل من خبز ونهر من ماء» ".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم ".
وتقدم فيه أيضا حديث سلمة بن الأكوع ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «معه صورتان: صورة الجنة وصورة النار، معه شياطين يشبهون بالأموات، يقولون للحي: تعرفني؟ أنا أخوك أو أبوك أو ذو قرابة منه، ألست قد مت؟ هذا ربنا فاتبعه، فيقضي الله ما شاء» " الحديث.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدا".
وتقدم أيضا حديث جنادة بن أبي أمية عن رجل من أصحاب النبى ﷺ؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنذرتكم فتنة الدجال، فليس من نبي إلا أنذره قومه أو أمته، وإنه آدم، جعد، أعور عينه اليسرى، وإنه يمطر المطر»
[ ٣ / ٤٥ ]
«ولا ينبت الشجر، وإنه يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها، ولا يسلط على غيرها، وإن معه جنة ونار ونهر ماء وجبل خبز، وإن جنته نار وناره جنة» .
الحديث رواه الإمام بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين، وفي رواية: «تسير معه جبال الخبز وأنهار الماء» .
وتقدم فيه أيضا حديث أبي هريرة ﵁: أنه قال: «يسلط الدجال على رجل من المسلمين، فيقتله، ثم يحييه، ثم يقول: ألست بربكم؟ ألا ترون أني أحيي وأميت» الحديث.
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ربعي بن حِراش عن حذيفة ﵁ عن النبى ﷺ: أنه قال في الدجال: «إن معه ماء ونارا؛ فناره ماء بارد، وماؤه نار؛ فلا تهلكوا» .
قال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وفي رواية لهم عن ربعي بن حراش عن عقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاري؛ قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان، فقال له عقبة: حدثني ما سمعت من رسول الله ﷺ في الدجال. قال: «إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء؛ فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارا؛ فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم؛ فليقع في الذي يراه نارا؛ فإنه ماء عذب طيب» . فقال عقبة: وأنا قد سمعته؛ تصديقا لحذيفة.
وفي رواية لأحمد ومسلم عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لأنا أعلم بما مع الدجال من الدجال: معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج،»
[ ٣ / ٤٦ ]
«فإما أدركن أحدا منكم؛ فليأت النهر الذي يراه نارا، وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه؛ فليشرب؛ فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين اليسرى، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بزيادة، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «أنا أعلم بما مع الدجال منه، نهران: أحدهما نار تأجج في عين من رآه، والآخر ماء أبيض، فإن أدركه منكم أحد؛ فليغمض، وليشرب من الذي يراه نارا؛ فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر؛ فإنه الفتنة، واعلموا أنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من يكتب ومن لا يكتب، وأن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة» الحديث، وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه". ورواه: ابن عساكر في "تاريخه"، وابن منده في "كتاب الإيمان"؛ بنحوه. قال ابن كثير بعد إيراده في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: هذا إسناد صالح" انتهى.
وفي رواية لأحمد: قال رسول الله ﷺ: «لأنا أعلم بما مع الدجال منه: إن معه نارا تحرق، ونهر ماء بارد، فمن أدركه منكم؛ فلا يهلكن به، ليغمض عينيه وليقع في التي يراها نارا؛ فإنها ماء بارد» .
وفي رواية لمسلم وأبي داود عن ربعي بن حراش؛ قال: "اجتمع حذيفة وأبو مسعود ﵄، فقال حذيفة: «لأنا بما مع الدجال أعلم منه: إن معه نهرا من ماء ونهرا من نار، فأما الذي ترون أنه نار؛ ماء، وأما الذي ترون أنه ماء؛ نار، فمن أدرك ذلك منكم، فأراد الماء؛ فليشرب من الذي يراه أنه نار؛ فإنه سيجده ماء» . قال أبو مسعود: هكذا سمعت النبى ﷺ يقول.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على قوله: "فناره ماء
[ ٣ / ٤٧ ]
بارد وماؤه نار": "هذا كله يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي، فإما أن يكون الدجال ساحرا، فيخيل الشيء بصورة عكسه، وإما أن يجعل الله باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارا، وباطن النار جنة، وهذا الراجح، وإما أن يكون ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة وعن المحنة والنقمة بالنار، فمن أطاعه، فأنعم عليه بجنته؛ يؤول أمره إلى دخول نار الآخرة، وبالعكس، ويحتمل أن يكون ذلك من جملة المحنة والفتنة، فيرى الناظر إلى ذلك من دهشته النار، فيظنها جنة، وبالعكس". انتهى.
وأرجح هذه الاحتمالات ما رجحه الحافظ، والله أعلم.
وعن سبيع - وهو ابن خالد - عن حذيفة ﵁؛ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وأسأله عن الشر (فذكر الحديث، وفيه:) قال: «ثم يخرج الدجال ". قال: قلت: فبم يجيء به معه؟ قال: "بنهر (أو قال: ماء ونار)، فمن دخل نهره؛ حط أجره ووجب وزره، ومن دخل ناره؛ وجب أجره وحط وزره". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "لو أنتجت فرسا؛ لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده جيد. وقد رواه أبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والحاكم بنحوه، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه؛ إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار؛ فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه» .
متفق عليه.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁؛ قال: «ما سأل أحد النبى ﷺ عن»
[ ٣ / ٤٨ ]
«الدجال أكثر مما سألته. قال: وما سؤالك؟ قال: قلت: إنهم يقولون: معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء. قال: "هو أهون على الله من ذلك» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه، واللفظ لمسلم.
قال القاضي عياض: "معناه: هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانا، ويرتاب الذين في قلوبهم مرض؛ فهو مثل قول الذي يقتله: "ما كنت أشد بصيرة مني فيك"، لا أن قوله: " هو أهون على الله من ذلك ": أنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد: أهون من أن يجعل شيئا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره، يقرؤها من قرأ ومن لا يقرأ، زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه". انتهى.
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: كنت في الحطيم مع حذيفة ﵁، فذكر حديثا، ثم قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليكونن أئمة مضلون، وليخرجن على إثر ذلك الدجالون الثلاثة» . قلت: يا أبا عبد الله! قد سمعت هذا الذي تقول من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم؛ سمعته، وسمعته يقول: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، عينه اليمنى ممسوحة، والأخرى كأنها زهرة تشق الشمس شقا، ويتناول الطير من الجو، له ثلاث صيحات يسمعهن أهل المشرق وأهل المغرب، ومعه جبلان: جبل من دخان ونار، وجبل من شجر وأنهار، ويقول: هذه الجنة، وهذه النار» .
رواه الحاكم وصححه، وتعقبه الذهبي، فقال: "منكر"، وذكر من تكلم فيه من رجاله.
وعن سفينة مولى رسول الله ﷺ ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «ألا إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد حذر الدجال أمته، هو أعور عينه»
[ ٣ / ٤٩ ]
«اليسرى، بعينه اليمنى ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يخرج معه واديان: أحدهما جنة، والآخر نار؛ فناره جنة، وجنته نار، معه ملكان من الملائكة يشبهان نبيين من الأنبياء، لو شئت سميتهما بأسمائهما وأسماء آبائهما، واحد منهما عن يمينه والآخر عن شماله، وذلك فتنة، فيقول الدجال: ألست بربكم؟ ألست أحيي وأميت؟ فيقول له أحد الملكين: كذبت. ما يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه، فيقول له: صدقت. فيسمعه الناس، فيظنون أنما يصدق الدجال، وذلك فتنة، ثم يسير حتى يأتي المدينة، فلا يؤذن له فيها، فيقول: هذه قرية ذلك الرجل، ثم يسير حتى يأتي الشام، فيهلكه الله ﷿ عند عقبة أفيق» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر".
قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان": (أفيق)؛ بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة وقاف: قرية من حوران في طريق الغور في أول العقبة المعروفة بعقبة أفيق، والعامة تقول: فيق، ينزل في هذه العقبة إلى الغور، وهو الأردن، وهي عقبة طويلة ميلين". قال: "ومنها يشرف على طبرية وبحيرتها". انتهى.
وسيأتي في عدة أحاديث صحيحة أن عيسى ابن مريم ﵊ يقتل الدجال عند باب اللد، والعمدة على ما جاء في الأحاديث الصحيحة لا على ما جاء في هذا الحديث. والله أعلم.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم، وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض؛ اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم، وله حمار يركبه، عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا،»
[ ٣ / ٥٠ ]
«فيقول للناس: أنا ربكم، وهو أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر، ك ف ر مهجاة، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يرد كل ماء ومنهل؛ إلا المدينة ومكة حرمهما الله عليه وقامت الملائكة بأبوابهما، ومعه جبال من خبز، والناس في جهد إلا من تبعه، ومعه نهران، أنا أعلم بهما منه، نهر يقول الجنة، ونهر يقول النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة؛ فهو في النار، ومن أدخل الذي يسميه النار؛ فهو في الجنة، ويبعث الله معه شياطين تكلم الناس، ومعه فتنة عظيمة؛ يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفسا ثم يحييها فيما يرى الناس، لا يسلط على غيرها من الناس، ويقول: أيها الناس! هل يفعل مثل هذا إلا الرب ﷿؟ قال: فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم، فيحاصرهم، فيشتد حصارهم، ويجهدهم جهدا شديدا، ثم ينزل عيسى ابن مريم، فينادي من السحر، فيقول: يا أيها الناس! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل جني! فينطلقون؛ فإذا هم بعيسى ابن مريم ﷺ، فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله! فيقول: ليتقدم إمامكم فيصل بكم؛ فإذا صلى صلاة الصبح؛ خرجوا إليه. قال: فحين يراه الكذاب؛ ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتى إن الشجرة والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي؛ فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وروى ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" طرفا منه، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الحاكم في "مستدركه" مختصرا، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم ".
وعن النواس بن سمعان ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة؛ فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه؛»
[ ٣ / ٥١ ]
«عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنكم؟ ". قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم؛ إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف؛ إنه يخرج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا: يا عباد الله! فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما: يوم كسنة ويوم كشهر، ويم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة؛ أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك! فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه؛ إلا مات، ونفسه ينتهي حيث طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد؛ فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة؛ فبينما هو كذلك؛ إذا أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث»
[ ٣ / ٥٢ ]
«الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض؛ فلا يجدون في الأرض موضع شبر؛ إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك؛ فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ورواية أبي داود مختصرة، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
وفي روايته ورواية ابن ماجه: «إنه شاب قطط عينه قائمة» .
وزاد الترمذي في روايته ومسلم في رواية له بعد قوله: "لقد كان بهذه مرة ماء": «ثم يسيرون، حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم»
[ ٣ / ٥٣ ]
«إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما» .
وزاد أحمد بعد قوله: «فتطرحهم حيث شاء الله ﷿»: "قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره؛ قال: فتطرحهم بالمهبل. قال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد! وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس".
وفي رواية الترمذي: «فتحملهم فتطرحهم بالمهبل، ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين» .
وروى ابن ماجه هذه الزيادة في حديث مفرد سيأتي في ذكر يأجوج ومأجوج إن شاء الله تعالى.
قال ابن الأثير: " (الزلفة)؛ بالتحريك، وجمعها زلف: مصانع الماء، أراد أن المطر يغدر في الأرض، فتصير كأنها مصنعة من مصانع الماء. وقيل: الزلفة: المرآة، شبهها بها لاستوائها ونظافتها. وقيل: الزلفة: الروضة. ويقال بالقاف أيضا". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "والمراد أن الماء يعم جميع الأرض، فينظفها، حتى تصير بحيث يرى الرائي وجهه فيها". انتهى.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال:
«إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، وإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم؛ فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي؛ فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل»
[ ٣ / ٥٤ ]
«مسلم، وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينا ويعيث شمالا، يا عباد الله! فاثبتوا؛ فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدأ فيقول: أنا نبي! ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم! ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر؛ يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب. وإن من فتنته أن معه جنة ونارا؛ فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره؛ فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم. وإن فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني! اتبعه؛ فإنه ربك. وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة، فيقتلها، وينشرها بالمنشار، حتى يلقى شقتين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله؛ ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم» .
قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي: حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» .
قال: قال أبو سعيد: والله؛ ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله.
قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع؛ قال: «وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي، فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت. وإن من فتنته أن يمر بالحي، فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت»
[ ٣ / ٥٥ ]
«فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا. وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من نقابهما؛ إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة، حتى ينزل عند الضريب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص". فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص؛ يمشي القهقرى ليتقدم عيسى ليصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف؛ قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي؛ إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة؛ إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق؛ إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي؛ فتعال اقتله". قال رسول الله ﷺ: "وإن أيامه أربعون سنة؛ السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة؛ فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي. فقيل له: يا رسول الله! كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا". قال رسول الله ﷺ: "فيكون عيسى ابن مريم ﵇ في أمتي حكما عدلا وإماما»
[ ٣ / ٥٦ ]
«مقسطا؛ يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية؛ فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد؛ فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة؛ فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة؛ تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس بالدريهمات ". قالوا: يا رسول الله! وما يرخص الفرس؟ قال: "لا تركب لحرب أبدا". قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: "تحرث الأرض كلها. وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله؛ فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله؛ فلا تنبت خضراء؛ فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت؛ إلا ما شاء الله". قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: "التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام» .
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي في "المختارة"، واللفظ لابن ماجه. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" طرفا من أوله، ورواته ثقات. وساق أبو داود إسناده، وأحال بلفظه على حديث النواس بن سمعان، ورجاله ثقات.
وروى الطبراني والحاكم بعضه، وقالا فيه: "وإن أيامه أربعون يوما؛ يوم
[ ٣ / ٥٧ ]
كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، يوم كالأيام، وآخر أيامه كالسراب؛ يصبح الرجل عند باب المدينة، فيمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر". قالوا: وكيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: "تقدرون فيها كما تقدرون في الأيام الطوال".
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال أبو عبد الله - وهو ابن ماجه -: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب.
وقد تكلم أبو عبية في حديث أبي أمامة ﵁ كعادته السيئة في التهجم على الأحاديث الثابتة بغير دليل، فقال في حاشية (ص١١٥) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "كيف يعلم صبيان المسلمين مثل هذا القول الذي لا يمكن تصديقه وهو منسوب زورا إلى الرسول ﵇؟! ".
والجواب أن يقال: حديث أبي أمامة ﵁ حديث صحيح كما تقدم بيان ذلك، وعلى هذا؛ فالزور في الحقيقة هو كلام أبي عبية فيه بغير حق، وإذا كان أبو عبية مستهينا بالأحاديث الثابتة لا يعبأ بها ولا يرى باطراحها بأسا؛ فأهل السنة والجماعة على خلاف ما هو عليه؛ يتلقونها بالقبول والتسليم، ويعظمون شأنها، ويؤمنون بما جاء فيها، ويعلمون أنه حق وصدق. وقد تقدم كلام الإمام أحمد وغيره في ذلك في أول الكتاب؛ فليراجع.
والإيمان بما جاء في الأحاديث الصحيحة عنوان على تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، كما أن اطراحها وعدم الإيمان بما جاء فيها عنوان على عدم تحقيق الشهادة بالرسالة.
قوله: "وتنزع حمة كل ذات حمة": قال أهل اللغة: " (الحمة)؛
[ ٣ / ٥٨ ]
بالتخفيف: السم ". قال ابن الأثير: "وقد تشدد، وأنكره الأزهري، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأن السم منها يخرج". قال: "ومنه حديث الدجال: "وتنزع حمة كل دابة"؛ أي: سمها". انتهى.
وقد صحف أبو عبية (الحمة)، وسيأتي التعقيب عليه في (باب نزول عيسى إلى الأرض) إن شاء الله تعالى.
قوله: "وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها": قال ابن الأثير: "هو من فررت الدابة أفرها فرا: إذا كشفت شفتها لتعرف سنها". انتهى.
قوله: "وتكون الأرض كفاثور الفضة": قال الجوهري: " (الفاثور): الخوان يتخذ من الرخام ونحوه". وقال ابن الأثير: " (الفاثور): الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضة أو ذهب، ومنه قيل لقرص الشمس: فاثورها". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (الفاثور): عند العامة: الطست أو الخوان، يتخذ من رخام أو فضة أو ذهب ". انتهى.
والمعنى في الحديث أن الأرض تكون نظيفة مما يصيبها من المطر العظيم الذي لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، وأنها تشبه في نظافتها الطست أو الخوان من الفضة.
وقد تقدم في حديث النواس بن سمعان ﵁ أن المطر يغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، وتقدم تفسير الزلفة بأنها مصنعة الماء، وقيل: المرآة، وقيل: الروضة، والمعنى في الحديثين متقارب، والله أعلم.
وقد صحف أبو عبية (الفاثور) بـ: (العاثور)، فقال في حاشية (ص١١٤) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: " (العاثور): المهلكة من الأرض، ولعل المراد أن الأرض تتشابه وتخفى صواها ومعالمها فلا يهتدي بها السائر فيها". انتهى كلامه، وهو خطأ ظاهر وتصحيف عجيب؛ فلا يغتر به.
[ ٣ / ٥٩ ]
وعن جبير بن نفير عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال: «إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه، وإن يخرج ولست فيكم؛ فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، ألا وإنه مطموس العين، كأنها عين عبد العزى بن قطن الخزاعي، ألا وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مسلم، فمن لقيه منكم؛ فليقرأ بفاتحة الكهف، يخرج من بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا: يا عباد الله! اثبتوا (ثلاثا) ". فقيل: يا رسول الله! فما مكثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما: يوم كالسنة، يوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قالوا: يا رسول الله! فكيف نصنع بالصلاة يومئذ صلاة يوم أو نقدر؟ قال: "بل تقدرون» .
رواه: الطبراني، والحاكم، وابن عساكر، وهذا لفظ الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وزاد الطبراني في روايته: قيل: يا رسول الله! فما سرعته في الأرض؟ قال: "كالسحاب استدبرته الريح". قال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن صالح، وقد وثق، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات".
وقد روى البزار طرفا من أوله. قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد وثق، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
وعن الحسن عن سمرة بن جندب ﵁: أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إن الدجال خارج، وهو أعور عين الشمال، عليها ظفرة غليظة، وإنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويقول للناس: أنا ربكم! فمن قال: أنت ربي؛ فقد فتن، ومن قال: ربي الله حي لا يموت؛ فقد عصم من فتنته، ولا فتنة بعده عليه ولا عذاب، فيلبث في الأرض ما شاء الله، ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب، مصدقا بمحمد ﷺ، وعلى ملته، فيقتل»
[ ٣ / ٦٠ ]
«الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني.
قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن ثعلبة بن عباد العبدي من أهل البصرة؛ قال: شهدت يوما خطبة لسمرة بن جندب، فذكر في خطبته حديثا عن رسول الله ﷺ، فقال: «بينا أنا وغلام من الأنصار نرمي في غرضين لنا على عهد رسول الله ﷺ، حتى إذا كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر؛ اسودت حتى آضت كأنها تنومة. قال: فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد؛ فوالله؛ ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حدثا. قال: فدفعنا إلى المسجد؛ فإذا هو بارز. قال: ووافقنا رسول الله ﷺ حين خرج إلى الناس، فاستقدم، فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم ركع كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، فسلم، فحمد الله وأثنى عليه وشهد أنه عبد الله ورسوله، ثم قال: " أيها الناس! أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي ﷿ لما أخبرتموني ذاك، فبلغت رسالات ربي كما ينبغي لها أن تبلغ، وإن كنتم تعلمون أني بلغت رسالات ربي؛ لما أخبرتموني ذاك". قال: فقام رجال، فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك. ثم سكتوا، ثم قال: "أما بعد؛ فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله ﵎، يعتبر بها عباده، فينظر من يحدث له منهم توبة، وايم الله؛ لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله؛ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور الدجال، ممسوح»
[ ٣ / ٦١ ]
«العين اليسرى، كأنها عين أبي تحي (لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة ﵂)، وإنه متى يخرج؛ فإنه سوف يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه؛ لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به وكذبه؛ لم يعاقب بشيء من عمله (وقال حسن الأشيب: بسيئ من عمله سلف)، وإنه سيظهر (أو قال: سوف يظهر) على الأرض كلها؛ إلا الحرم وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالا شديدا، ثم يهلكه الله ﵎ وجنوده، حتى إن جذم الحائط (أو قال: أصل الحائط. وقال حسن الأشيب: وأصل الشجرة) لينادي (أو قال: يقول): يا مؤمن (أو قال: يا مسلم) ! هذا يهودي (أو قال: هذا كافر)، تعالى فاقتله". قال: "ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلون بينكم: هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا؟ وحتى تزول جبال عن مراتبها، ثم على إثر ذلك القبض» . قال: ثم شهدت خطبة لسمرة ذكر فيها هذا الحديث، فما قدم كلمة ولا أخرها عن موضعها.
رواه: الإمام أحمد واللفظ له، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير ثعلبة بن عباد، وثقه ابن حبان ".
قال: "ورواه البزار ببعضه، وقال فيه: "فمن اعتصم بالله، فقال: ربي الله حي لا يموت؛ فلا عذاب عليه، ومن قال: أنت ربي؛ فقد فتن ". وفي رواية ابن حبان: "ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورا عظاما، يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلون بينكم: هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا". وفي رواية الحاكم: "وحتى تزول جبال عن مراسيها".
وقد علق أبو عبية في (ص١٢٥) من "النهاية" لابن كثير على قوله في
[ ٣ / ٦٢ ]
هذا الحديث: "وإنه متى يخرج؛ فإنه سوف يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه؛ لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به وكذبه؛ لم يعاقب بشيء من عمله".
قال أبو عبية: "من مبادئ الإسلام المقررة أن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، ورد دعوة مدعي الألوهية أمر بدهي، لا يقتضي محو كل الذنوب وستر كل العيوب".
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن كلام أبي عبية هذا ظاهر في رد قول النبى ﷺ ومعارضته بالشبهة التي رآها بعقله، ومن سلك هذا المسلك الذميم؛ فهو ممن يشك في تحقيقه لشهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن معناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، وقد أخبر النبى ﷺ في هذا الحديث الصحيح أن من آمن بالدجال وصدقه لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله، والنبى ﷺ لا يقول إلا الحق، فوجب الإيمان بقوله، وترك الاعتراض عليه بمجرد الآراء والتخرصات والظنون الكاذبة.
الوجه الثاني: أن فتنة الدجال هي أعظم فتنة تكون في الدنيا؛ كما سيأتي ذلك منصوصا عليه في عدة أحاديث صحيحة.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"؛ عن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع بالدجال؛ فلينأ عنه، فوالله؛ إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات» .
[ ٣ / ٦٣ ]
قال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم "، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وإذا كان الدجال بهذه الصفة المخوفة؛ فلا شك أن الكفر به وتكذيبه لا يصدر إلا من مؤمن قوي الإيمان، ومن كان كذلك؛ فغير مستنكر أن تكفر أعماله السيئة كلها، ولا يعاقب بشيء منها.
وأما الإيمان به وتصديقه؛ فهو كفر، ومن كفر بعد الإيمان؛ حبط عمله، ولم ينفعه صالح من عمله سلف.
قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي، فذكر الدجال؛ فقال: «إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف من البهائم إلا هلكت، وإن أشد فتنته أن يأتي الأعرابي، فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك؛ ألست تعلم أني ربك؟ قال: فيقول: بلى. فتمثل الشياطين له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعا وأعظمه أسنمة". قال: "ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك؛ ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى. فتمثل له الشياطين نحو أبيه ونحو أخيه". قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجة، ثم رجع. قالت: والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم به. قالت: فأخذ بلحمتي الباب، وقال: مهيم أسماء؟ قالت: قلت: يا رسول الله! لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال. قال: "إن يخرج وأنا حي؛ فأنا حجيجه، وإلا؛ فإن ربي خليفتي»
[ ٣ / ٦٤ ]
«على كل مؤمن ". قالت أسماء: يا رسول الله! إنا والله لنعجن عجينتنا فما نختبزها حتى نجوع؛ فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: "يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس» .
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والإمام أحمد من طريقه. وإسناده حسن.
وفي رواية لأحمد؛ قال: «يكفي المؤمنين عن الطعام والشراب يومئذ التكبير والتسبيح والتحميد»، وإسناده حسن أيضا.
وعنها ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو بين ظهراني أصحابه يقول: «أحذركم المسيح وأنذركموه، وكل نبي قد حذره قومه، وهو فيكم أيتها الأمة، وسأجلي لكم من نعته ما لم تجلي الأنبياء قبلي لقومهم، يكون قبل خروجه سنون خمس جدب، حتى يهلك كل ذي حافر". فناداه رجل، فقال: يا رسول الله! فبم يعيش المؤمنون؟ قال: "بما تعيش به الملائكة. وهو أعور، وليس الله بأعور، بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، أكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب، يرون السماء تمطر وهي لا تمطر، والأرض تنبت وهي لا تنبت، ويقول للأعراب: ما تبغون مني؟ ألم أرسل السماء عليكم مدرارا، وأحيي لكم أنعامكم شاخصة ذراها، خارجة خواصرها، دارة ألبانها؟ وتبعث معه الشياطين على صورة من مات من الآباء والإخوان والمعارف، فيأتي أحدهم إلى أبيه وأخيه وذي رحمه، فيقول: ألست فلانا؟ ألست تعرفني؟ هو ربك؛ فاتبعه، يعمر أربعين سنة: السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة في النار، يرد كل منهل؛ إلا المسجدين". ثم قام رسول الله ﷺ يتوضأ، فسمع بكاء الناس وشهيقهم، فرجع، فقام بين أظهرهم، فقال: "أبشروا؛ فإن يخرج وأنا»
[ ٣ / ٦٥ ]
«فيكم؛ فالله كافيكم ورسوله، وإن يخرج بعدي؛ فالله خليفتي على كل مسلم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب، ولا يحتمل مخالفته للأحاديث الصحيحة: أنه يلبث في الأرض أربعين يوما، وفي هذا أربعين سنة، وبقية رجاله ثقات". وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "كتاب السنة" بنحوه مختصرا، وإسناده صحيح.
وعن أسماء بنت عميس ﵂: أن النبى ﷺ دخل عليها لبعض حاجته، ثم خرج، فشكت إليه الحاجة، فقال: «كيف بكم إذا ابتليتم بعبد قد سخرت له أنهار الأرض وثمارها، فمن اتبعه؛ أطعمه وأكفره، ومن عصاه؛ حرمه ومنعه". قلت: يا رسول الله! إن الجارية لتجلس عند التنور ساعة لخبزها فأكاد أفتتن في صلاتي؛ فكيف بنا إذا كان ذلك؟ قال: "إن الله يعصم المؤمنين يومئذ بما عصم به الملائكة من التسبيح، إن بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال، وقد قلت فيه قولا لم يقله أحد قبلي: إنه آدم، جعد، ممسوح عين اليسار، على عينه ظفرة غليظة، وإنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويقول: أنا ربكم، فمن قال: ربي الله؛ فلا فتنة عليه، ومن قال: أنت ربي؛ فقد افتتن، يلبث فيكم ما شاء الله، ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد ﷺ على ملته، إماما مهديا، وحكما عدلا، فيقتل الدجال» . فكان الحسن يقول: ونرى أن ذلك عند الساعة.
[ ٣ / ٦٦ ]
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال عدو الله ومعه جنود من اليهود وأصناف الناس، معه جنة ونار ورجال يقتلهم ثم يحييهم، معه جبل من ثريد ونهر من ماء، وإني سأنعت لكم نعته: إنه يخرج ممسوح العين، في جبهته مكتوب كافر، يقرؤه كل من كان يحسن الكتاب ومن لا يحسن، فجنته نار وناره جنة، وهو المسيح الكذاب، ويتبعه من نساء اليهود ثلاثة عشر ألف امرأة، فرحم الله رجلا منع سفيهه أن يتبعه، والقوة عليه يومئذ القرآن؛ فإن شأنه بلاء شديد، يبعث الله الشياطين من مشارق الأرض ومغاربها، فيقولون له: استعن بنا على ما شئت. فيقول: نعم؛ انطلقوا فأخبروا الناس أني ربهم، وأني قد جئتهم بجنتي وناري، فينطلق الشياطين، فيدخل على الرجل أكثر من مائة شيطان، فيتمثلون له بصورة والده وولده، وإخوته ومواليه ورفيقه، فيقولون: يا فلان! أتعرفنا؟ فيقول لهم الرجل: نعم، هذا أبي وهذه أمي وهذه أختي وهذا أخي، فيقول الرجل: ما نبؤكم؟ فيقولون: بل أنت فأخبرنا ما نبؤك؟ فيقول الرجل: إنا قد أخبرنا أن عدو الله الدجال قد خرج. فتقول له الشياطين: مهلا؛ لا تقل هذا؛ فإنه ربكم يريد القضاء فيكم، هذه جنة قد جاء بها ونار، ومعه الأنهار والطعام؛ فلا طعام إلا ما كان قبله إلا ما شاء الله، فيقول الرجل: كذبتم؛ ما أنتم إلا شياطين، وهو الكذاب، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قد حدث حديثكم، وحذرناه وأبناءنا به؛ فلا مرحبا بكم، أنتم الشياطين وهو عدو الله، وليسوقن عيسى ابن مريم حتى يقتله، فيخسؤوا فينقلبوا خاسئين". ثم قال رسول الله ﷺ: "إنما أحدثكم هذا لتعقلوه وتفقهوه وتفهموه وتعوه، فاعملوا عليه وحدثوا به من خلفكم، وليحدث الآخر الآخر؛ فإن فتنته أشد الفتن» .
[ ٣ / ٦٧ ]
رواه نعيم بن حماد في "كنز العمال"، وفيه سويد بن عبد العزيز متروك.
قلت: لم يتفق على تركه، بل قال دحيم: "ثقة، وكانت له أحاديث يغلط فيها". وقال نعيم بن حماد وعلي بن حجر: " (كان هشيم يحسن أمره ويثني عليه خيرا". وحديثه هذا فيه نكارة، ولبعضه شواهد مما تقدم.
باب
أن فتنة الدجال أعظم الفتن في الدنيا
قد تقدم في الباب قبله ثلاثة أحاديث في ذلك:
أولها: حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم (الحديث، وفيه:) ومعه فتنة عظيمة» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، وقال الذهبي: "على شرط مسلم ".
ثانيها: حديث أبي أمامة الباهلي ﵁: عن النبى ﷺ: أنه قال: «إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال» الحديث.
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، والحافظ الضياء المقدسي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ثالثا: حديث عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال» الحديث.
[ ٣ / ٦٨ ]
باب أن فتنة الدجال أعظم الفتن في الدنيا
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر".
وعن هشام بن عامر ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وفي رواية لأحمد؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله؛ ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أعظم من الدجال» .
وفي رواية له أخرى؛ قال: سمعت النبى ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أكبر من فتنة الدجال» .
ورواه الحاكم، ولفظه: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر عند الله من الدجال» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ما كانت فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أكبر من فتنة الدجال» الحديث.
رواه: الإمام أحمد في "المسند"، وابنه عبد الله في "كتاب السنة" من طريقه، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ، فقال: «لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، ولن ينجو أحد مما قبلها؛ إلا نجا منها، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال» .
[ ٣ / ٦٩ ]
رواه الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال: كنا عند النبى ﷺ، فذكر الدجال، فقال: «لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، إنها ليست من فتنة صغيرة ولا كبيرة إلا تتضع لفتنة الدجال، فمن نجا من فتنة ما قبلها؛ نجا منها، وإنه لا يضر مسلما، مكتوب بين عينيه كافر؛ بهجاوة: ك ف ر» .
وعن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من نجا من ثلاث؛ فقد نجا (ثلاث مرات): موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير ربيعة بن لقيط، وهو ثقة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عقبة بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من نجا منها؛ فقد نجا: من نجا عند موتي؛ فقد نجا، ومن نجا عند قتل خليفة يقتل مظلوما وهو مصطبر يعطي الحق من نفسه؛ فقد نجا، ومن نجا من فتنة الدجال؛ فقد نجا» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه إبراهيم بن يزيد المصري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن حسان بن عطية أحد ثقات التابعين: أنه قال: "لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة".
رواه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمة حسان المذكور. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وسنده حسن صحيح إليه". قال: "وهذا لا يقال من
[ ٣ / ٧٠ ]
قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب ". انتهى.
باب
أن فتنة الدجال آخر الفتن
عن حذيفة ﵁: أنه قال: "أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده؛ لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان؛ إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه؛ آمن به في قبره".
ذكره ابن كثير في "تاريخه" عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة.
ورواه: ابن أبي شيبة مختصرا، وابن عساكر في تاريخه مطولا؛ بنحو ما ذكرنا.
باب
ما جاء في أيام الدجال
قد تقدم في (باب فتنة الدجال) أحاديث في ذلك:
منها حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم، وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض: اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وروى ابن خزيمة طرفا منه في "كتاب التوحيد "، وإسناده صحيح. ورواه الحاكم مختصرا وصححه، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم".
[ ٣ / ٧١ ]
باب ما جاء في أيام الدجال
ومنها حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة الحديث، وفيه: قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
ومنها حديث جبير بن نفير عن أبيه ﵁؛ «أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال الحديث، وفيه: فقيل: يا رسول الله! فما مكثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما؛ يوم كالسنة، ويوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قالوا: يا رسول الله! فكيف نصنع بالصلاة يومئذ صلاة يوم أو نقدر؟ قال: "بل تقدروا» .
رواه: الطبراني، والحاكم، وابن عساكر، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي على ذلك.
ومنها حديث أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوما، فكان أكثر خطبته ذكر الدجال؛ يحدثنا عنه الحديث، وفيه: «وإن أيامه أربعون يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ويوم كالأيام وآخر أيامه كالسراب، يصبح الرجل عند باب المدينة فيمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر ". قالوا: وكيف نصلي يا رسول الله في تلك الأيام القصار؟ قال: "تقدرون فيها كما تقدرون في الأيام الطوال» .
رواه: الطبراني، والحاكم؛ بهذا اللفظ. وقال الحاكم: "صحيح على
[ ٣ / ٧٢ ]
شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه ابن ماجه، وقال فيه: «وإن أيامه أربعون: السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة؛ يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي". فقيل له: يا رسول الله! كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: "تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا» .
وقد تقدم في (باب قصة المؤمن مع الدجال) حديث جنادة بن أبي أمية عن رجل من أصحاب النبى ﷺ؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنذرتكم فتنة الدجال (الحديث، وفيه:) وإنه يلبث فيكم أربعين صباحا» .
وفي رواية: «وإنه يمكث في الأرض أربعين صباحا، يبلغ فيها كل منهل، ولا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى» .
رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين.
وتقدم فيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ: أنه قال في الدجال: «يخرج، فيكون في الأرض أربعين صباحا: الشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
وتقدم في (باب حراسة مكة والمدينة من الدجال) حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قام رسول الله ﷺ ذات يوم على المنبر فذكر حديث الجساسة، وزاد فيه: "هو المسيح، تطوى له الأرض في أربعين يوما".
رواه أبو يعلى بإسنادين. قال الهيثمي: "رجال أحدهما رجال الصحيح".
[ ٣ / ٧٣ ]
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يذكر المسيح الدجال: «إني سأقول لكم فيه كلمة (الحديث، وفيه:) يسيح الأرض أربعين يوما، يرد كل بلد؛ غير هاتين المدينتين، المدينة ومكة، حرمهما الله عليه، يوم من أيامه كالسنة، ويوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وبقية أيامه كأيامكم هذه، لا يبقى إلا أربعين يوما» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف".
وتقدم بتمامه في (باب حراسة مكة والمدينة من الدجال) .
وتقدم في (باب من أين يخرج الدجال) حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ يقول: «يخرج أعور الدجال مسيح الضلالة قبل المشرق في زمن اختلاف من الناس وفرقة، فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض في أربعين يوما، الله أعلم ما مقدارها، الله أعلم ما مقدارها (مرتين)، فيلقى المؤمنون منه شدة شديدة» الحديث.
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير علي بن المنذر، وهو ثقة". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرجه البزار بسند جيد".
وسيأتي هذا الحديث بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وعن أسماء بنت يزيد ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة: السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار» .
[ ٣ / ٧٤ ]
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والإمام أحمد من طريقه هكذا مختصرا، ورواه الطبراني في حديث طويل تقدم في (باب فتنة الدجال) . قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب، ولا يحتمل مخالفته للأحاديث الصحيحة أنه يلبث في الأرض أربعين يوما وفي هذا أربعين سنة، وبقية رجاله ثقات ".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين، لا أدري: أربعين يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وقد اختلفت أحاديث هذا الباب في مدة مكث الدجال في الأرض؛ ففي أكثرها والصحيح منها أنه يمكث في الأرض أربعين يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا هذه. وفي حديث أسماء بنت يزيد ﵂: أنه يمكث في الأرض أربعين سنة: السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار. ونحوه ما في رواية ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي ﵁. وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عدم الجزم في الأربعين بأنها أيام أو أشهر أو أعوام، ولعل هذا قبل أن يتبين له ﷺ أنها أربعون يوما.
والعمدة في هذا على ما في حديث النواس بن سمعان وما وافقه من الأحاديث الصحيحة: أنها أربعون يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كسائر الأيام قبله وبعده. والله أعلم.
[ ٣ / ٧٥ ]
باب
ما جاء في قتال الدجال
قدم تقدم في (باب ما جاء في الملحمة الكبرى) حديثان في ذلك:
أولهما: حديث بن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في قتال المسلمين للروم، وفي آخره: قال: "وبقيتهم يقاتل الدجال".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه".
ثانيهما: حديث ابن مسعود ﵁ في قتال المسلمين للروم، وفيه: «فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة". قال رسول الله ﷺ: " إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ (زاد عبد الرزاق في روايته:) فيقاتلهم الدجال، فيستشهدون» .
وتقدم في (باب أشد الناس على الدجال) أربعة أحاديث في ذلك.
أولها: حديث أبي هريرة: أنه قال: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هم أشد أمتي على الدجال» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
ثانيها: حديث عكرمة بن خالد؛ قال: حدثني فلان من أصحاب النبى ﷺ؛ قال: «نال رجل من بني تميم عند رسول الله ﷺ يوما، فقال: " لا تقل لبني تميم إلا خيرا؛ فإنهم أطول الناس رماحا على الدجال» .
[ ٣ / ٧٦ ]
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ثالثها: حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: «ذكرت القبائل عند رسول الله ﷺ، فسألوه عن بني تميم، فقال: "ثبت الأقدام، رجح الأحلام، عظماء الهام، أشد الناس على الدجال في آخر الزمان» .
رواه الطبراني وغيره.
رابعها: حديث أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ «وذكر بني تميم، فقال: "هم ضخام الهام، ثبت الأقدام، نصار الحق في آخر الزمان، أشد قوما على الدجال» .
رواه البزار.
وتقدم في (باب فتنة الدجال) حديثان في ذلك:
أولهما: حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم (الحديث، وفيه قال:) فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم، فيحاصرهم، فيشتد حصارهم، ويجهدهم جهدا شديدا» الحديث.
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، والحاكم وصححه، وقال الذهبي: "على شرط مسلم ".
ثانيهما: حديث سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالا شديدا، ثم يهلكه الله ﵎ وجنوده» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط
[ ٣ / ٧٧ ]
الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن نهيك بن صريم السكوني ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن: أنتم شرقيه وهو غربيه» . قال: وما أدري يومئذ أين الأردن من الأرض.
رواه: الطبراني، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله البزار ثقات".
وعن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» .
رواه أبو داود.
وعنه ﵁: أن النبى ﷺ قال: «سيدرك رجال من أمتي عيسى ابن مريم، ويشهدون قتال الدجال» .
رواه: الترمذي في "كتاب العلل"، وابن خزيمة، والحاكم في "مستدركه"، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه معاوية بن واهب، ولم أعرفه".
وعن جابر بن سمرة ﵄ عن نافع بن عتبة بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون»
[ ٣ / ٧٨ ]
«فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال؛ فيفتحه الله» . قال: فقال نافع: يا جابر! لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والبخاري في "تاريخه".
وقد رواه: ابن جرير، وابن عبد البر من طريقه، والحاكم في "مستدركه"؛ من حديث جابر بن سمرة ﵄ عن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يظهر المسلمون على جزيرة العرب، ويظهر المسلمون على فارس، ويظهر المسلمون على الروم، ويظهر المسلمون على الأعور الدجال» .
قال البغوي: "الصواب عن نافع بن عتبة ". وقال ابن السكن: "الحديث لنافع بن عتبة؛ إلا أن يكون نافع وهاشم سمعاه جميعا".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " «إنكم ستفتحون مدينة هرقل (أو قيصر)، وتقتسمون أموالها بالأترسة، ويسمعهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في أهاليهم، فيلقون ما معهم ويخرجون فيقاتلونه» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وقد رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"؛ بنحوه.
وعن عثمان بن أبي العاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان، وأكثر تبعه»
[ ٣ / ٧٩ ]
«اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه وننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغربي الشام، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون سرحا لهم، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد» " الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وعن حذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «إنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن، على ثنية أفيق، وكل واحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وإنه يقتل من المسلمين ثلثا، ويهزم ثلثا، ويبقى ثلث، فيحجز بينهم الليل، فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم» " الحديث.
رواه: الحاكم، وابن منده في كتاب "الإيمان"، وابن عساكر. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي. وقال ابن كثير: "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في إسناد ابن منده: هذا إسناد صالح".
وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وعن أبي الزعراء؛ قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فذكر عنده الدجال، فقال عبد الله بن مسعود: "تفترقون" أيها الناس لخروجه على ثلاث فرق: فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح، وفرقة تأخذ شط الفرات؛ يقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام، فيبعثون إليهم طليعة فيهم فارس على فرس أشقر وأبلق ". قال: "فيقتتلون فلا يرجع منهم
[ ٣ / ٨٠ ]
بشر". قال عبد الله: "ويزعم أهل الكتاب أن المسيح ﵇ ينزل فيقتله ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في موضع من "تلخيصه"، وقال في موضع آخر: "ما احتجا بأبي الزعراء".
وعن حذيفة بن أسيد ﵁: أنه قال: "الدجال يخرج في بغض من الناس وخفة من الدين وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، فتطوى له الأرض طي فروة الكبش، حتى يأتي المدينة، فيغلب على خارجها ويمنع داخلها، ثم جبل إيلياء، فيحاصر عصابة من المسلمين، فيقول لهم الذي عليهم: ما تنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يفتح لكم، فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا، فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ويهزم أصحابه، حتى إن الشجر والحجر والمدر يقول: يا مؤمن! هذا يهودي عندي؛ فاقتله".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ".
قلت: وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
باب
ما جاء في قتل الدجال وأتباعه
في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ المذكور آنفا: أن عيسى ﵊ يقتل الدجال.
[ ٣ / ٨١ ]
باب ما جاء في قتل الدجال وأتباعه
وقد تقدم في (باب فتنة الدجال) عدة أحاديث في ذلك:
منها حديث جابر بن عبد الله ﵄ الذي رواه الإمام أحمد وابن خزيمة والحاكم، وفيه أن عيسى ﵊ يمشي إلى الدجال فيقتله، حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي؛ فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله.
ومنها حديث النواس بن سمعان ﵁، وفيه أن المسيح ابن مريم يطلب الدجال، حتى يدركه بباب لد، فيقتله.
ومنها حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، وفيه أن الدجال إذا نظر إلى عيسى ﵇؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة؛ إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق؛ إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي؛ فتعال اقتله.
ومنها حديث سمرة بن جندب ﵁، وفيه أن عيسى ﵇ يقتل الدجال.
ومنها حديث عبد الله بن مغفل ﵁، وفيه أن عيسى ﵇ يقتل الدجال.
ومنها حديث حذيفة بن اليمان ﵄، وفيه أن عيسى ﵇ يقتل الدجال.
وتقدم في ذكر ابن صياد حديث جابر بن عبد الله ﵄، وفيه
[ ٣ / ٨٢ ]
«أن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: ائذن لي فأقتله يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: "إن يكن هو؛ فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم ﵊» الحديث.
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لم يسلط على قتل الدجال إلا عيسى ابن مريم ﵇» .
رواه أبو داود الطيالسي بإسناد ضعيف. ويشهد له ما تقدم وما يأتي من الأحاديث الصحيحة.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل الدجال في هذه السبخة بمر قناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته فيوثقها رباطا مخافة أن تخرج إليه، ثم يسلط الله المسلمين، فيقتلونه ويقتلون شيعته، حتى إن اليهودي ليختبئ تحت الشجرة والحجر، فيقول الحجر أو الشجرة للمسلم: هذا يهودي تحتي؛ فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه ابن إسحاق وهو مدلس".
قلت: وحديثه حسن.
وعن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح". وفي رواية
[ ٣ / ٨٣ ]
لأحمد: «ليقتلن ابن مريم الدجال بباب لد (أو: إلى جانب لد)» . ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" بمثله. ورواه ابن عساكر، ولفظه: "يقتل ابن مريم الدجال دون باب لد سبع عشرة ذراعا". قال الترمذي: "وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة وأبي برزة وحذيفة بن أسيد وأبي هريرة وكيسان وعثمان بن أبي العاص وجابر وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان ﵃".
قلت: وقد تقدم ذكر بعض هذه الأحاديث في هذا الباب والباب قبله، ويأتي ذكر باقيها في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وعن سالم عن أبيه: "أن عمر ﵁ سأل يهوديا عن الدجال، فقال: وإله يهود؛ ليقتلنه ابن مريم بفناء لد".
رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: "أن عمر ﵁ سأل رجلا من اليهود عن شيء، فحدثه، فصدقه عمر، فقال له عمر: قد بلوت صدقك؛ فأخبرني عن الدجال. قال: وإله اليهود؛ ليقتلنه ابن مريم بفناء لد".
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وقد علق أبو عبية على قوله ﷺ في حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد" تعليقا ضل فيه عن الحق والصواب، فقال في (ص١٥٨) من "النهاية" لابن كثير ما نصه:
"على الرأي الذي تطمئن إليه النفس تكون إشارة الحديث إلى ما سيكون
[ ٣ / ٨٤ ]
بإذن الله من محق الباطل الذي يمثله الدجالون الكذابون بصولة الحق الذي يمثله عيسى ﵇، ولعل في تحديد مكان انتصار الحق على الباطل بباب لد في فلسطين ما يبشر القلوب المؤمنة بالله الواثقة من عدالة قضيتها - قضية الإسلام والعروبة - بإذن الله ﷿ ناصر العرب والمسلمين، وخاذل اليهود المعتدين الذين يمثلون الدجال بمعناه الأوسع في تزوير الحقائق ونشر البهتان والعدوان على الناس، ويجسدون الرغبة المجنونة في سلب مقدراتهم وبلبلة أفكارهم وعقائدهم" انتهى كلامه.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: قد تواترت الأحاديث عن النبى ﷺ بخروج الدجال ونزول عيسى ﵊، ولا دخل للرأي فيما جاءت به الأحاديث الصحيحة، ومن عارض ما جاءت به الأحاديث الصحيحة برأيه أو برأي غيره؛ فهو على شفا هلكة.
الوجه الثاني: أن كلام أبي عبية كلام باطل، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة، والحامل لأبي عبية على هذا التحريف إنكاره لما تواترت به الأحاديث من خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وقد تلقى رأيه هذا عن الذين أنكروا خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة؛ كما تقدم ذكر ذلك قريبا، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد ذكر الأحاديث المتعلقة بنزول عيسى ﵊، وتلقاه أيضا عن بعض المشايخ المنحرفين عن الحق في زماننا وقبله بقليل، وهو رأي مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة؛ كما تقدم بيان ذلك، وكما سيأتي أيضا إن شاء الله تعالى، فيجب اطراح هذا الرأي ورده على قائله.
[ ٣ / ٨٥ ]
باب
قد تقدم النص على ذلك في ثلاثة أحاديث عن النبى ﷺ:
منها حديث النواس بن سمعان ﵁، وفيه أن المسيح ابن مريم يطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله.
ومنها حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، وفيه أن عيسى ﵇ يدرك الدجال عند باب اللد الشرقي فيقتله.
ومنها حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد»، وفي رواية: «دون باب لد سبع عشرة ذراعا» .
وتقدم أيضا حديث عمر ﵁: "أنه سأل يهوديا عن الدجال، فقال: وإله يهود؛ ليقتلنه ابن مريم بفناء لد".
فصل
وقد اشتملت الأبواب التي في ذكر الدجال على أكثر من مائة وتسعين حديثا من الصحاح والحسان، سوى ما فيها من الأحاديث الضعيفة، وسيأتي مزيد لها في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.
وقد تواترت هذه الأحاديث من وجوه متعددة، فتواترت في التحذير من الدجال وبيان صفته، وتواترت في ذكر فتنته والاستعاذة منه، وتواترت في حراسة المدينة منه، وتواترت في ذكر نزول عيسى وقتله الدجال.
ومع ما ذكرته فيه من الأحاديث الكثيرة التي لم تجتمع في شيء سواه؛
[ ٣ / ٨٦ ]
فصل تواترت الأحاديث في ذكر خروج الدجال
فقد أنكر بعض أهل الأهواء والبدع خروجه، وتبعهم على ذلك كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا، ومنهم أبو عبية في تقديمه لكتاب "النهاية" لابن كثير وفي عدة تعاليق له على "النهاية"؛ فقد زعم في المقدمة أن الدجال رمز لاستشراء الفتنة واستعلاء الضلال فترة من الزمان، وقال نحو ذلك في تعليقه على (ص٧١)، وفي عنوان له في (ص٧٥)، وفي تعليقه في (ص١١٨ وص١٤٨ وص١٥٢ وص ١٥٨) .
والأحاديث الصحيحة مما ذكرته تضرب في نحور المنكرين لخروج الدجال، وتنادي على كثافة جهلهم، بل تنادي على عدم تحقيقهم لشهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن من لازم تحقيقها تصديقه ﷺ فيما أخبر به من الغيوب الماضية والآتية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
ولو لم يكن إلا الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في آخر كل صلاة؛ لكان ذلك كافيا في إثبات خروجه والرد على من أنكر ذلك.
وقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن عباس ﵄؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقول: "إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النار".
في إسناده علي بن زيد بن جدعان، روى له مسلم مقرونا بآخر، وحسن الترمذي حديثه، وقال يعقوب بن شيبة: "ثقة"، وقال أحمد وأبو زرعة: "ليس بالقوي"، وبقية رجاله ثقات.
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
[ ٣ / ٨٧ ]
قال النووي في "شرح مسلم": "قال القاضي عياض: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك؛ فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى ﷺ، ويثبت الله الذين آمنوا.
هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار؛ خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافا للجبائي المعتزلي وموافقيه من الجمهية وغيرهم، في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخارق وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقا؛ لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية، وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس؛ لسد الحاجة والفاقة؛ رغبة في سد الرمق، أو تقية وخوفا من أذاه؛ لأن فتنته عظيمة جدا، تدهش العقول، وتحير الألباب، مع سرعة مروره في الأرض؛ فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة.
ولهذا؛ حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته، ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله، وأما أهل التوفيق؛ فلا يغترون به، ولا يخدعون
[ ٣ / ٨٨ ]
لما معه؛ لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرة" انتهى.
وقال ابن كثير في "النهاية": "قد تقدم في حديث حذيفة بن اليمان ﵄ وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد، وإنما ذلك في نظر العين، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من العلماء؛ كابن حزم والطحاوي وغيرهما، في أن الدجال ممخرق مموه، لا حقيقة لما يبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه، بل كلها خيالات عند هؤلاء.
قال الشيخ أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة: لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يشبه خارق الساحر بخارق النبي.
وقد أجابه القاضي عياض وغيره بأن الدجال إنما يدعي الألوهية، وذلك مناف لبشريته؛ فلا يمتنع إجراء الخارق على يديه والحالة هذه.
وقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه، فلم يصنعوا شيئا، وخرجوا بذلك عن حيز العلماء؛ لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ كما تقدم.
والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه، كما تقدم أن من استحباب له؛ يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم مواشيهم سمانا لبنا، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السنة والجدب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثم يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة، بل حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزمان، فيضل به كثيرا ويهدي
[ ٣ / ٨٩ ]
به كثيرا، يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانا.
وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث: "هو أهون على الله من ذلك"؛ أي: هو أقل من أن يكون معه ما يضل به عبادة المؤمنين، وما ذاك إلا لأنه ناقص ظاهر النقص والفجور والظلم، وإن كان معه ما معه من الخوارق، فبين عينيه مكتوب كافر كتابة ظاهرة، وقد حقق ذلك الشارع في خبره بقوله: " ك ف ر"، فقيل ذلك على أنه كتابة حسية لا معنوية كما يقول بعض الناس، وعينه الواحدة عوراء شنيعة المنظر ناتئة، وهو معنى قوله: "كأنها عنبة طافية"، وفي الآخر: "كأنها نخاعة على حائط مجصص"؛ أي: بشعة الشكل". انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وقال ابن العربي: "الذي يظهر على يد الدجال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه تجري؛ كل ذلك محنة من الله واختبار؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا قال ﷺ: «لا فتنة أعظم من فتنة الدجال»، وكان يستعيذ منها في صلاته؛ تشريعا لأمته، وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم: «غير الدجال أخوف لي عليكم»؛ فإنما قال ذلك للصحابة؛ لأن الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال؛ فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف عليه أشد خوفا من البعيد، وإن كان أشد". انتهى.
فصل
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان، وذكروا ذلك في العقائد السلفية، وسيأتي ذكر طرف مما ذكروه في عقائدهم في الرد على شلتوت بعد ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵊
[ ٣ / ٩٠ ]
فصل أجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان
إن شاء الله تعالى.
وبذلك يعلم أن من أنكر خروجه؛ فقد خالف ما عليه أهل السنة والجماعة، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة، وكفى بذلك جهلا وضلالا عن الحق.
أبواب
ما جاء في المسيح عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام
قال ابن الأثير في "النهاية": "قد تكرر ذكر المسيح ﵇ وذكر المسيح الدجال، أما عيسى؛ فسمي به؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ، وقيل: لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، وقيل: لأنه كان يمسح الأرض - أي: يقطعها -، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: هو بالعبرانية مشيحا فعرب. وأما الدجال؛ فسمي به؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة، ويقال: رجل ممسوح الوجه ومسيح، وهو أن لا يبقى على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلا استوى، وقيل: لأنه يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. وقال أبو الهيثم: إنه المسيح؛ بوزن سكيت، وإنه الذي مسح خلقه؛ أي: شوه، وليس بشيء" انتهى.
وقال ابن منظور في "لسان العرب": "المسيح: الصديق، وبه سمي عيسى ﵇. قال الأزهري: وروي عن أبي الهيثم أن المسيح الصديق.
قال أبو بكر: واللغويون لا يعرفون هذا. قال: ولعل هذا كان يستعمل في بعض الأزمان، فدرس فيما درس من الكلام. قال: وقال الكسائي: قد درس من كلام العرب كثير. قال ابن سيده: والمسيح: عيسى ابن مريم صلى الله على نبينا وعليهما؛ قيل: سمي بذلك لصدقه، وقيل: سمي به لأنه كان سائحا في الأرض
[ ٣ / ٩١ ]
أبواب ما جاء في المسيح عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام
الفرق بين تسميته بالمسيح وتسمية الدجال بالمسيح
لا يستقر، وقيل: سمي بذلك لأنه كان يمسح بيده على العليل والأكمه والأبرص فيبرئه بإذن الله. قال الأزهري: أعرب اسم المسيح في القرآن على مسيح، وهو في التوراة مشيحا، فعرب وغير؛ كما قيل: موسى، وأصله: موشى، وأنشد:
إذا المسيح يقتل المسيحا
يعني: عيسى ابن مريم يقتل الدجال بنيزكه. وقال شمر: سمي عيسى المسيح لأنه مسح بالبركة. وقال أبو العباس: سمي مسيحا لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ. وقيل: سمي مسيحا لأنه كان أمسح الرجل، ليس لرجله أخمص. وقيل: سمي مسيحا لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، والمسيح الكذاب الدجال، وسمي الدجال مسيحا؛ لأن عينه ممسوحة عن أن يبصر بها، وسمي عيسى مسيحا اسم خصه الله به ولمسح زكريا إياه. وروي عن أبي الهيثم أنه قال: المسيح ابن مريم الصديق، وضد الصديق المسيح الدجال؛ أي: الضليل الكذاب، خلق الله المسيحَيْنِ، أحدهما ضد الآخر، فكان المسيح ابن مريم يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك الدجال يحيي الميت ويميت الحي وينشئ السحاب وينبت النبات بإذن الله؛ فهما مسيحان: مسيح الهدى، ومسيح الضلالة. قال المنذري: فقلت له: بلغني أن عيسى إنما سمي مسيحا؛ لأنه مسح بالبركة، وسمي الدجال مسيحا؛ لأنه ممسوح العين. فأنكره وقال: إنما المسيح ضد المسيح؛ يقال: مسحه الله؛ أي: خلقه خلقا مباركا حسنا، ومسحه الله؛ أي: خلقه خلقا قبيحا ملعونا. وفي الحديث: أما مسيح الضلالة؛ فكذا. فدل هذا الحديث على أن عيسى مسيح الهدى، وأن الدجال مسيح الضلالة. وروى بعض المحدثين المسيح؛ بكسر الميم والتشديد في الدجال؛ بوزن سكيت. قال ابن الأثير: قال أبو الهيثم: إنه الذي مسح خلقه؛ أي: شوه. قال: وليس بشيء". انتهى.
[ ٣ / ٩٢ ]
باب
وقد أخبر الله بذلك في آيتين من القرآن، وأشار إليه في آية ثالثة:
أما الآية الأولى؛ فهي قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ أي: قبل موت عيسى ﵊ على القول الصحيح، اختاره ابن جرير وابن كثير رحمهما الله تعالى، وهو قول أبي هريرة، ورواية سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس ﵄، وبه قال أبو مالك والحسين وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.
وروى ابن جرير بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: "قبل موت عيسى ابن مريم ".
وروى الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: "خروج عيسى ابن مريم صلوات الله عليه".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة" عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: " ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ يعني: أنه سيدركه أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى ابن مريم ﵇ فيؤمنوا به ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ".
وسيأتي حديث أبو هريرة ﵁ مرفوعا: "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا الحديث، وفيه: قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم:
[ ٣ / ٩٣ ]
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.
رواه ابن مردويه.
وروى ابن جرير من طريق أبي رجاء عن الحسن: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: "قبل موت عيسى، والله إنه لحي الآن عند الله، ولكن إذا نزل؛ آمنوا به أجمعون".
وروى أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة" عن أبي مالك في قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: "ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به".
وروى ابن أبي حاتم من طريق جويرية بن بشير؛ قال: "سمعت رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد! قول الله ﷿ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه عيسى، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاما يؤمن به البر والفاجر".
وفي معنى هذه الآية ما سيأتي في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله قال مخبرا عن المسيح: «ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام»، وقوله في الحديث الآخر: «وحتى تكون السجدة واحدة لله رب العالمين»، وقوله في حديث أبي أمامة ﵁: «وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله»، رواه ابن ماجه وغيره، وتقدم في (باب ما جاء في فتنة الدجال)؛ فهذه الأحاديث تؤيد القول الصحيح أن المراد قبل موت عيسى. والله أعلم.
وأما الآية الثانية؛ فهي قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والأعمش: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة)؛ بفتح اللام والعين؛
[ ٣ / ٩٤ ]
أي: أمارة وعلامة على اقتراب الساعة.
قال مجاهد: "أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة".
وروى: الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم في "مستدركه"؛ عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقد روي مرفوعا كما سأذكر إن شاء الله تعالى.
وروى ابن جرير من طرق عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "نزول عيسى ".
وروى عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين؛ يحج ويعتمر".
وروى عبد بن حميد أيضا وابن جرير عن مجاهد: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.
وروى عبد بن حميد وابن جرير أيضا عن الحسين: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "نزول عيسى ".
وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "نزول عيسى علم للساعة".
وهكذا روي عن أبي العالية وأبي مالك وعكرمة والضحاك وغيرهم.
[ ٣ / ٩٥ ]
وأما الآية الثالثة؛ فهي قول الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ .
قال مجاهد: "حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊".
ذكره ابن كثير في "تفسيره"؛ قال: "وكأنه أخذه من قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال» .
قلت: هذا الحديث رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم؛ عن عمران بن حصين ﵄، وتقدم ذكره في (باب فتنة الدجال) .
وقال البغوي: "معنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر، حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵉".
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ: «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال» .
قلت: هذا الحديث رواه أبو داود من حديث أنس ﵁، وتقدم ذكره في (باب قتال الدجال) .
وروى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في "سننه" عن مجاهد في قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾؛ قال: "حتى يخرج عيسى ابن مريم ﵇، فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب، ولا تقرض فأرة جرابا، وتذهب العداوة من الناس كلها، ذلك ظهور الإسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دما إذا وضعها".
[ ٣ / ٩٦ ]
وروى عبد بن حميد أيضا عن سعيد بن جبير: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾؛ قال: "خروج عيسى ابن مريم ﵇".
وروى: الإمام أحمد بإسناد صحيح، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديا وحكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها» .
وقد تقدم حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ في خروج الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه: "وتضع الحرب أوزارها".
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي.
فصل
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وقد تقدم في (باب ما جاء في الآيات الكبار) حديثان في ذلك:
أحدهما: حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: (فذكر) الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل
[ ٣ / ٩٧ ]
فصل تواترت الأحاديث بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان
السنن. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
الثاني: حديث وائلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر نحو حديث حذيفة بن أسيد ﵁.
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي على ذلك.
وتقدم في ذكر ابن صياد حديث جابر بن عبد الله ﵄، وفيه «أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ائذن لي فأقتله يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: "إن يكن هو؛ فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم ﵊» الحديث.
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وتقدم في (باب قصة المؤمن مع الدجال) حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: "وينزل عيسى ابن مريم، فإذا رآه - يعنى الدجال - ووجد ريحه؛ ذاب كما يذوب الرصاص".
رواه مسدد موقوفا. قال البوصيري: "ورواته ثقات".
وتقدم في (باب ما جاء في فتنة الدجال) خمسة أحاديث في ذلك:
أولها: حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم (فذكر الحديث، وفيه:) ثم ينزل عيسى ابن مريم، فينادي من السحر، فيقول: يا أيها الناس! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل جني. فينطلقون؛ فإذا هم بعيسى ابن مريم ﷺ، فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله. فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم. فإذا صلى صلاة الصبح؛ خرجوا»
[ ٣ / ٩٨ ]
«إليه". قال: "فحين يراه الكذاب؛ ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي. فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وروى ابن خزيمة طرفا منه في "كتاب التوحيد"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الحاكم مختصرا وصححه، وقال الذهبي: "على شرط مسلم ".
ثانيها: حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فذكر الحديث بطوله، وفيه: "فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه؛ إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة (ثم ذكر خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم بسبب دعاء عيسى وأصحابه عليهم إلى أن قال:) ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض، حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
[ ٣ / ٩٩ ]
ثالثها: حديث أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه فذكر الحديث بطوله، وفيه: فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف؛ قال عيسى ﵇: افتحوا الباب. فيفتح، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي؛ إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق؛ إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي فتعال اقتله". قال رسول الله ﷺ: "فيكون عيسى ابن مريم ﵇ في أمتي حكما عجلا وإماما مقسطا؛ يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة؛ فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة، تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس»
[ ٣ / ١٠٠ ]
«بالدريهمات". قالوا: يا رسول الله! وما يرخص الفرس؟ قال: "لا تركب لحرب أبدا". قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: "تحرث الأرض كلها» الحديث.
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي.
رابعها: حديث سمرة بن جندب ﵁: أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إن الدجال خارج (الحديث، وفيه:) فيلبث في الأرض ما شاء الله، ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني. قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
قوله: "من قبل المغرب"؛ أي: مغرب أهل المدينة، وهو الشام، والله أعلم.
خامسها: حديث عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال (الحديث، وفيه:) ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد ﷺ على ملته إماما مهديا وحكما عدلا، فيقتل الدجال» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر".
وتقدم في (باب قتال الدجال) حديثان في ذلك:
أحدهما: حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «سيدرك رجل من أمتي عيسى ابن مريم ويشهدون قتال الدجال» .
رواه: الترمذي في كتاب "العلل"، وابن خزيمة، والحاكم، والطبراني.
[ ٣ / ١٠١ ]
الثاني: حديث حذيفة بن أسيد ﵁: أنه قال: «الدجال يخرج في بغض من الناس وخفة من الدين وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، فتطوى له الأرض طي فروة الكبش، حتى يأتي المدينة، فيغلب على خارجها، ويمنع داخلها، ثم جبل إيلياء، فيحاصر عصابة من المسلمين، فيقول لهم الذي عليهم: ما تنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يفتح لكم، فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا، فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ويهزم أصحابه، حتى إن الشجر والحجر والمدر يقول: يا مؤمن! هذا يهودي عندي؛ فاقتله» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ".
قلت: وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وتقدم في (باب قتال الدجال) حديثان في ذلك:
أحدهما: حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لم يسلط على قتل الدجال إلا عيسى ابن مريم ﵇» .
رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده".
الثاني: حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح". قال: "وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة وأبي برزة وحذيفة بن أسيد وأبي هريرة وكيسان
[ ٣ / ١٠٢ ]
وعثمان بن أبي العاص وجابر وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان ﵃".
وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» . ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ .
رواه الشيخان. وقد رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي، وابن ماجه مختصرا. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه ابن مردويه ولفظه: «"يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا؛ يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين".» قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ موت عيسى ابن مريم. ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.
وعن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال؛ فلا يقبله أحد» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة".
وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال:
[ ٣ / ١٠٣ ]
«يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديا وحكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.
وعن عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل؛ فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمانة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
رواه: الإمام أحمد وهذا لفظه، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن جرير، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية أبي داود السجستاني وابن جرير والآجري: "ويقاتل الناس على الإسلام". وعند الآجري: "ويهلك الله في إمارته"؛ بدل: "زمانه"؛ في الموضعين كليهما. وعند الحاكم في أوله: "إن روح الله عيسى ابن مريم نازل فيكم، فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه". وعند أحمد في رواية أخرى وأبي داود الطيالسي: "ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه".
[ ٣ / ١٠٤ ]
وعن زياد بن سعد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل عيسى ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويرجع السلم، وتتخذ السيوف مناجل، وتذهب حمة كل ذات حمة، وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض بركتها، حتى يلعب الصبي بالثعبان فلا يضره، ويراعي الغنم الذئب فلا يضرها، ويراعي الأسد البقر فلا يضرها» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(المناجل): جمع منجل، وهو الآلة التي يقطع بها الحشيش ويحصد بها الزرع. قال ابن الأثير: "ومنه الحديث: "وتتخذ السيوف مناجل": أراد أن الناس يتركون الجهاد ويشتغلون بالحرث والزراعة". وكذا قال ابن منظور في "لسان العرب"؛ قال: "ومنه قيل للحديدة ذات الأسنان: منجل، والمنجل ما يحصد به". انتهى.
وقوله: "وتذهب حمة كل ذات حمة": (الحمة)؛ بالتخفيف: السم؛ أي: ينزع سم كل دابة ذات سم، وقد تقدم تفسيره في حديث أبي أمامة الطويل في ذكر خروج الدجال.
وقد صحف أبو عبية هذا الحرف تصحيفا عجيبا، فقال في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص ١٦٩) ما نصه: " (الجمة): الشعر المجموع في مقدم الرأس، ولعل المراد بإذهاب جمة كل ذات جمة: هو تخليص المجتمع من تصفيفات الشعر المختلفة التي تربط بالفتيات العيون الرغيبة والنفوس الشهوانية (إلى أن قال:) وشمل الحديث رؤوس أولئك الفتيان المتأنثين المتخنثين المتخنفسين" إلى آخر كلامه في هذا المعنى البعيد كل البعد عما ذكر في هذا الحديث.
وغفل أبو عبية عن قوله في هذا الحديث: "حتى يلعب الصبي بالثعبان
[ ٣ / ١٠٥ ]
فلا يضره"، وغفل أيضا عما في حديث أبي أمامة الطويل، وهو في النسخة التي علق عليها من (ص ١١١) إلى (ص ١١٥)، وفيه: "وتنزع حمة كل ذات حمة، حت يدخل الوليد يده في في الحية؛ فلا تضره".
وعن أبي هريرة أيضا ﵁ مرفوعا: «"طوبى لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات، حتى لو بذرت حبك في الصفا؛ لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد؛ فلا يضره، ويطأ على الحية؛ فلا تضره، ولا تشاح، ولا تحاسد، ولا تباغض".»
رواه: أبو نعيم، وأبو سعيد النقاش في "فوائد العراقيين".
«وعن عائشة ﵂؛ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال لي: "ما يبكيك؟ ". قلت: يا رسول الله! ذكرت الدجال فبكيت. فقال رسول الله ﷺ: " إن يخرج الدجال وأنا حي؛ كفيتكموه، وإن يخرج الدجال بعدي؛ فإن ربكم ﷿ ليس بأعور، إنه يخرج في يهودية أصبهان، حتى يأتي المدينة، فينزل ناحيتها، ولها يؤمئذ سبعة أبواب، على كل نقب منها ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها، حتى يأتي فلسطين باب لد، فينزل عيسى ﵇، فيقتله، ثم يمكث عيسى ﵇ في الأرض أربعين سنة إماما عدلا وحكما مقسطا ".
» رواه: الإمام أحمد بإسناد جيد، وابن حبان في "صحيحه".
وعن عاصم بن كليب عن أبيه؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: أحدثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ الصادق المصدوق: «إن الأعور الدجال مسيح الضلالة يخرج من قبل المشرق في زمان اختلاف من الناس وفرقة، فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض في أربعين يوما، الله أعلم ما مقدارها، الله أعلم ما مقدارها (مرتين)، وينزل عيسى ابن مريم، فيؤمهم، فإذا»
[ ٣ / ١٠٦ ]
«رفع رأسه من الركعة؛ قال: سمع الله لمن حمده؛ قتل الله الدجال، وأظهر المؤمنين» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
ورواه البزار بنحوه، وزاد بعد قوله: "الله أعلم ما مقدارها": "فيلقى المؤمنون شدة شديدة، ثم ينزل عيسى ابن مريم ﷺ من السماء، فيؤم الناس، فإذا رفع رأسه من ركعته؛ قال: سمع الله لمن حمده؛ قتل الله المسيح الدجال، وظهر المؤمنون"، فأحلف أن رسول الله ﷺ أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ قال: (إنه لحق، وأما أنه قريب، فكل ما هو آت قريب".
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح غير علي بن المنذر وهو ثقة". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرجه البزار بسند جيد".
وعن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا؛ قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله؛ لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون؛ إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم! فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام؛ خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف؛ إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﷺ، فأمهم، فإذا رآه عدو الله؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه؛ لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» .
[ ٣ / ١٠٧ ]
رواه مسلم.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة". قال: "فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن عثمان بن أبي العاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان، وأكثر تبعه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه وننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغربي الشام، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون سرحا لهم، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد، حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك؛ إذ نادى مناد من السحر: يا أيها الناس! أتاكم الغوث؛ ثلاثا، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روح الله! تقدم صل. فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدم أميرهم فيصلي، فإذا قضى صلاته؛ أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال؛ فإذا رآه الدجال؛ ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته، فيقتله،»
[ ٣ / ١٠٨ ]
«وينهزم أصحابه؛ فليس يومئذ شيء يواري منهم أحدا، حتى إن الشجرة لتقول: يا مؤمن! هذا كافر، ويقول الحجر: يا مؤمن! هذا كافر» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وفيه ضعف، وقد وثق، وبقية رجالهما رجال الصحيح". وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه.
وعن أبي حازم الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران: أحدهما نار تأجج في عين من رآه، والآخر ماء أبيض، فإن أدركه منكم أحد؛ فليغمض وليشرب من الذي يراه نارا؛ فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر؛ فإنه فتنة، واعلموا أنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من يكتب ومن لا يكتب، وأن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة، وأنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن على ثنية أفيق، وكل واحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وأنه يقتل من المسلمين ثلثا، ويهزم ثلثا، ويبقى ثلث، فيحجز بينهم الليل، فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم؟! من كان عنده فضل طعام؛ فليعد به على أخيه، وصلوا حين ينفجر الفجر، وعجلوا الصلاة، ثم أقبلوا على عدوكم، فلما قاموا يصلون؛ نزل عيسى ابن مريم صلوات الله عليه وإمامهم يصلي بهم، فلما انصرف؛ قال: هكذا أفرجوا بيني وبين عدو الله (قال أبو حازم: قال أبو هريرة ﵁: فيذوب كما تذوب الإهالة في الشمس. وقال عبد الله بن عمرو: كما يذوب الملح في الماء)، وسلط الله عليهم المسلمين، فيقتلونهم، حتى إن الشجر والحجر لينادي: يا عبد الله! يا عبد الرحمن! يا مسلم! هذا يهودي فاقتله، فيفنيهم الله، ويظهر المسلمون، فيكسرون الصليب، ويقتلون الخنزير، ويضعون الجزية، فبينما»
[ ٣ / ١٠٩ ]
«هم كذلك؛ إذ أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيء آخرهم وقد أنشفوها فما يدعون فيها قطرة، فيقولون: ظهرنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثر ماء، فيجيء نبي الله ﷺ وأصحابه وراءه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يقال لها: لد، فيقولون: ظهرنا على من في الأرض، فتعالوا نقاتل من في السماء. فيدعو الله نبيه ﷺ عند ذلك، فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحهم المسلمين، فيدعو عيسى صلوات الله عليه عليهم، فيرسل الله عليهم ريحا، فتقذفهم في البحر أجمعين» .
رواه: الحاكم، وابن منده في "كتاب الإيمان"، وابن عساكر، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي.
وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في إسناد ابن منده: هذا إسناد صالح". قال ابن كثير: "وفيه سياق غريب وأشياء منكرة".
وقد زعم أبو عبية أن هذا حديث خرافة؛ قال: "ولو صح الإسناد عند الذهبي؛ فإن المتن غير صالح بمبناه ولا بمعناه، ورضي الله عن الإمام ابن كثير حيث رفضه".
والجواب أن يقال: قد صحح هذا الحديث الحاكم، وأقره الذهبي، وهو من حفاظ الحديث ونقاده، ولبعضه شواهد مما تقدم من الأحاديث الصحيحة. وعلى هذا؛ فقدح أبي عبية فيه مردود؛ لأنه قدح بغير حجة.
وقد أخطأ أيضا في زعمه أن ابن كثير رحمه الله تعالى قد رفض هذا الحديث؛ لأن ابن كثير لم يقل ما يدل على رفضه، وإنما قال: فيه سياق غريب وأشياء منكرة، وهذا لا يدل على أنه مرفوض عنده، ولا على أنه قد استنكر كل ما جاء فيه.
[ ٣ / ١١٠ ]
وعن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال، ممسوح العين اليسرى، كأنها عين أبي تحي - لشيخ من الأنصار -، وإنه متى خرج؛ فإنه يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه؛ فليس ينفعه صالح من عمل سلف، ومن كفر به وكذبه؛ فليس يعاقب بشيء من عمله سلف، وإنه سيظهر على الأرض كلها؛ إلا الحرم المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالا شديدا، فيصبح فيهم عيسى ابن مريم، فيهزمه الله وجنوده، حتى إن جذم الحائط وأصل الشجرة لينادي: يا مؤمن! هذا كافر يستتر بي؛ فتعال اقتله". قال: "ولن يكون ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم وتساءلون بينكم: هل كان نبيكم ﷺ ذكر لكم منها ذكرا، وحتى تزول جبال عن مراسيها، ثم على إثر ذلك القبض» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وهذا لفظه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها؛ فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي ﷿ أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني؛ ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم! إن تحتي كافرا؛ فتعال فاقتله. قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم؛ فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، هم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيء؛ إلا أهلكوه،»
[ ٣ / ١١١ ]
«ولا يمرون على ماء؛ إلا شربوه. قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذقهم في البحر؛ ففيما عهد إلي ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك: أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال معمر في "جامعه" عن الزهري: أخبرني عمرو بن أبي سفيان الثقفي: أخبرني رجل من الأنصار عن بعض أصحاب محمد ﷺ؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال، فقال: " يأتي سباخ المدينة، وهو محرم عليه أن يدخل نقابها، فتنتفض المدينة بأهلها نفضة أو نفضتين، وهي الزلزلة، فيخرج إليه منها كل منافق ومنافقة، ثم يولي الدجال قبل الشام، حتى يأتي بعض جبال الشام، فيحاصرهم، وبقية المسلمين يومئذ معتصمون بذروة جبل من جبال الشام، فيحاصرهم الدجال، نازلا بأصله، حتى إذا طال عليهم البلاء؛ قال رجل من المسلمين: يا معشر المسلمين! حتى متى أنتم هكذا وعدو الله نازل بأصل جبلكم؟! هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين: بين أن يستشهدكم الله، أو يظهركم، فيتبايعون على الموت بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم، ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر امرؤ فيها كفه. قال: فينزل ابن مريم، فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمته، فيقولون: من أنت يا عبد الله؟ فيقول: أنا عبد الله ورسوله وروحه وكلمته عيسى ابن مريم، اختاروا بين إحدى ثلاث: بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذابا من السماء، أو يخسف بهم الأرض، أو يسلط عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم عنكم. فيقولون: هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا ولأنفسنا؛ فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل»
[ ٣ / ١١٢ ]
«الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعدة، فينزلون إليهم، فيسلطون عليهم: ويذوب الدجال حين يرى ابن مريم كما يذوب الرصاص، حتى يأتيه (أو: يدركه) عيسى فيقتله» .
قال الحافظ ابن كثير بعد إيراده في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ الذهبي: هذا حديث قوي الإسناد". انتهى.
قلت: وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر، وهذا لفظ عبد الرزاق.
وعن النعمان بن سالم؛ قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي؛ قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به؛ تقول إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله (أو: لا إله إلا الله، أو كلمة نحوها) ! لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيا أبدا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما، فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل؛ لدخلته عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ، قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا". قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق ويصعق الناس، ثم»
[ ٣ / ١١٣ ]
«يرسل الله (أو قال: ينزل الله) مطرا كأنه الطل (أو الظل؛ نعمان الشاك)، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى؛ فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس! هلم إلى ربكم، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ . قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين. قال: فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وعن عبد الله بن عمرو أيضا ﵁: "أن رجلا قال له: أنت الذي تزعم أن الساعة تقوم إلى مائة سنة؟ قال: سبحان الله! وأنا أقول ذلك؟! ومن يعلم قيام الساعة إلا الله؟! إنما قلت: ما كانت رأس مائة للخلق منذ خلقت الدنيا؛ إلا كان عند رأس المائة أمر. ثم قال: يوشك أن يخرج ابن حمل الضأن. قيل: وما ابن حمل الضأن؟ قال: رومي أحد أبويه شيطان، يسير إلى المسلمين في خمس مائة ألف برا، وخمس مائة ألف بحرا، حتى ينزل بين عكا وصور، ثم يقول: يا أهل السفن! اخرجوا منها. ثم أمر بها فأحرقت، ثم يقول لهم: لا قسطنطينية لكم ولا رومية حتى يفصل بيننا وبين العرب. قال: فيستمد أهل الإسلام بعضهم بعضا، حتى تمدهم عدن أبين على قلصاتهم، فيجتمعون، فيقتتلون، فتكاتبهم النصارى الذين بالشام، ويخبرونهم بعورات المسلمين، فيقول المسلمون: الحقوا؛ فكلكم لنا عدو حتى يقضي الله بيننا وبينكم. فيقتتلون شهرا، لا يكل لهم سلاح ولا لكم، ويقذف الصبر عليكم وعليهم.
قال: وبلغنا أنه إذا كان رأس الشهر؛ قال ربكم: اليوم أسل سيفي فأنتقم من أعدائي وأنصر أوليائي. فيقتتلون مقتلة ما رئي مثلها قط، حتى ما تسير الخيل إلا على الخيل، وما يسير الرجل إلا على الرجل، وما يجدون خلقا يحول بينهم وبين القسطنطينية ولا رومية، فيقول أميرهم: لا غلول اليوم، من أخذ اليوم
[ ٣ / ١١٤ ]
شيئا؛ فهو له. قال: فيأخذون ما يخف عليهم، ويدعون ما ثقل عليهم، فبينما هم كذلك؛ إذ جاءهم أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، ويصيب الناس مجاعة شديدة، حتى إن الرجل ليحرق وتر قوسه فيأكله، وحتى إن الرجل ليحرق جحفته فيأكلها، حتى إن الرجل ليكلم أخاه، فما يسمعه الصوت من الجهد، فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا صوتا من السماء: أبشروا؛ فقد أتاكم الغوث. فيقولون: نزل عيسى ابن مريم. فيستبشرون، ويستبشر بهم، ويقولون: صل يا روح الله! فيقول: إن الله أكرم هذه الأمة؛ فلا ينبغي لأحد أن يؤمهم إلا منهم، فيصلي أمير المؤمنين بالناس.
قيل: وأمير الناس يومئذ معاوية بن أبي سفيان؟ قال: لا. ويصلي عيسى خلفه؛ فإذا انصرف عيسى؛ دعا بحربته، فأتى الدجال، فقال: رويدك يا دجال يا كذاب! فإذا رأى عيسى وعرف صوته؛ ذاب كما يذوب الرصاص إذا أصابته النار، وكما تذوب الألية إذا أصابتها الشمس، ولولا أنه يقول رويدا؛ لذاب حتى لا يبقى منه شيء، فيحمل عليه عيسى، فيطعن بحربته بين ثدييه، فيقتله، ويتفرق جنده تحت الحجارة والشجر، وعامة جنده اليهود والمنافقون، فينادي الحجر: يا روح الله! هذا تحتي كافر؛ فاقتله. فيأمر عيسى بالصليب فيكسر، والخنزير فيقتل، وتضع الحرب أوزارها، حتى إن الذئب ليربض إلى جنب الغنم ما يغمزها، وحتى إن الصبيان ليلعبون بالحيات ما تنهشهم، وتملأ الأرض عدلا، فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا صوتا قال: فتحت يأجوج ومأجوج، وهو كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فيفسدون الأرض كلها، حتى إن أوائلهم ليأتي النهر العجاج، فيشربونه كله، وإن آخرهم ليقول: قد كان هاهنا نهر. ويحاصرون عيسى ومن معه ببيت المقدس، ويقولون: ما نعلم في الأرض أحدا إلا ذبحناه، هلموا نرمي من في السماء، فيرمون، حتى ترجع إليهم سهامهم في نصولها الدم قليلا، فيقولون: ما بقي في الأرض ولا في السماء.
[ ٣ / ١١٥ ]
فيقول المؤمنون: يا روح الله! ادع عليهم بالفناء. فيدعو الله عليهم، فيبعث النغف في آذانهم، فيقتلهم في ليلة واحدة، فتنتن الأرض كلها من جيفهم، فيقولون: يا روح الله! نموت من النتن. فيدعو الله، فيبعث وابلا من المطر، فجعله سيلا، فيقذفهم كلهم في البحر، ثم يسمعون صوتا، فيقال: مه! قيل: غزي البيت الحصين. فيبعثون جيشا، فيجدون أوائل ذلك الجيش، ويقبض عيسى ابن مريم، ووليه المسلمون وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلوا عليه وحفروا له ودفنوه، فيرجع أوائل الجيش والمسلمون ينفضون أيديهم من تراب قبره، فلا يلبثون بعد ذلك إلا يسيرا حتى يبعث الله الريح اليمانية. قيل: وما الريح اليمانية؟ قال: ريح من قبل اليمن، ليس على الأرض مؤمن يجد نسيمها إلا قبضت روحه. قال: ويسرى على القرآن في ليلة واحدة، ولا يترك في صدور بني آدم ولا في بيوتهم منه شيء إلا رفعه الله، فيبقى الناس ليس فيهم نبي وليس فيهم قرآن وليس فيهم مؤمن. قال عبد الله بن عمرو ﵄: فعند ذلك أخفي علينا قيام الساعة، فلا ندري كم يتركون، كذلك تكون الصيحة. وقال: لم تكن صيحة قط إلا بغضب من الله على أهل الأرض. قال: وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ . قال: فلا أدري كم يتركون كذلك؟ "
رواه ابن عساكر، ونقله عنه صاحب "كنز العمال"، ولبعضه شواهد كثيرة من وجوه متعددة.
وعن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يأتي أمر الله ﵎، وينزل عيسى ابن مريم ﵇» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٣ / ١١٦ ]
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون، على الحق ظاهرين، حتى ينزل عيسى ابن مريم» .
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينزل الدجال المدينة، ولكنه بين الخندق، وعلى كل نقب منها ملائكة يحرسونها، فأول من يتبعه النساء، فيؤذونه، فيرجع غضبان حتى ينزل الخندق؛ فعند ذلك ينزل عيسى ابن مريم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير عقبة بن مكرم بن عقبة الضبي، وهو ثقة".
وعن أوس بن أوس الثقفي ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وقال البخاري في "التاريخ الكبير": قال هشام بن خالد: أخبرنا الوليد بن مسلم؛ قال: حدثني ربيعة بن ربيعة؛ قال: حدثني نافع بن كيسان عن أبيه؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ينزل عيسى ابن مريم بشرقي دمشق عند المنارة البيضاء» .
وذكر الحافظ ابن حجر في "الإصابة" أن ابن السكن والطبراني وابن منده أخرجوه من طريق ربيعة بن ربيعة عن نافع بن كيسان عن أبيه: سمعت النبي ﷺ يقول: «ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق»، وكذا أخرجه الربعي في "فضائل الشام"، وتمام في "فوائده"؛ من طريق هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن ربيعة، ورجاله ثقات. انتهى.
[ ٣ / ١١٧ ]
قلت: وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر هذا الحديث في "الاستيعاب"، وذكر أن إسناده صالح.
وروى تمام وابن عساكر عن عبد الرحمن بن أيوب بن نافع بن كيسان عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل عيسى ابن مريم عند باب دمشق عند المنارة البيضاء لست ساعات من النهار في ثوبين ممشقين كأنما ينحدر من رأسه اللؤلؤ» .
(الثوب الممشق): هو الثوب المصبوغ بالمغرة.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ . قال: "نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد روي موقوفا وتقدم ذكره.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: «إن أصحاب النبي ﷺ كانوا يسألون عن الخير وكنت أسأل عن الشر مخافة أن أدركه فذكر الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله! فما بعد دعاة الضلالة؟ قال: "خروج الدجال". قلت: يا رسول الله! وما يجيء الدجال؟ قال: "يجيء بنار ونهر، فمن وقع في ناره؛ وجب أجره وحط وزره". قلت: يا رسول الله! فما بعد الدجال؟ قال: " عيسى ابن مريم ". قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟ قال: "لو أن رجلا أنتج فرسا؛ لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة» .
رواه: ابن أبي شيبة، وابن عساكر في "تاريخه".
وعنه ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله! الدجال قبل أو عيسى ابن
[ ٣ / ١١٨ ]
مريم؟ قال: «الدجال، ثم عيسى ابن مريم، ثم لو أن رجلا أنتج فرسا؛ لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ، وذكر الهند: «يغزو الهند منكم جيش، يفتح الله عليهم حتى يأتوا بملوكهم مغللين بالسلاسل، يغفر الله ذنوبهم، فينصرفون حين ينصرفون، فيجدون ابن مريم بالشام» .
رواه نعيم بن حماد.
وعن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم ﵇» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والطبراني، والحافظ الضياء المقدسي.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها» .
رواه النسائي وغيره.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف تهلك أمة أنا أولها، والمهدي وسطها، وعيسى ابن مريم آخرها؟ ولكن بين ذلك نهج أعوج ليسوا مني ولا أنا منهم» .
رواه رزين وهو مرسل.
وعن جبير بن نفير مرسلا: أن النبي ﷺ قال: «ليدركن الدجال قوما مثلكم»
[ ٣ / ١١٩ ]
«أو خيرا منكم، ولن يخزي الله أمة أنا أولها وعيسى ابن مريم آخرها» .
رواه: ابن أبي شيبة، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وعن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «خير أمتي أولها وآخرها، وفي وسطها الكدر، ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها» .
رواه الحكيم الترمذي.
وعن عروة بن رويم مرسلا: أن رسول الله ﷺ قال: «خير هذه الأمة أولها وآخرها: أولها فيهم رسول الله ﷺ، وآخرها فيهم عيسى ابن مريم، وبين ذلك ثبج أعوج، ليس منك ولست منهم» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية".
ولقد أتى أثر بأن الفضل في ال طرفين أعني أولا والثاني
والوسط ذو ثبج فأعوج هكذا جاء الحديث وليس ذا نكران
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: "ينزل عيسى ابن مريم؛ فإذا رآه الدجال؛ ذاب كما تذوب الشحمة، فيقتل الدجال، ويتفرق اليهود، فيقتلون، حتى إن الحجر يقول: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي؛ فتعال فاقتله".
رواه ابن أبي شيبة.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن أيوب أو غيره عن ابن سيرين؛ قال: "ينزل ابن مريم عليه لأمته وممصرتان بين الأذان والإقامة، فيقولون له: تقدم. فيقول: بل يصلي بكم إمامكم، أنتم أمراء بعضكم على
[ ٣ / ١٢٠ ]
بعض".
وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر؛ قال "كان ابن سيرين يرى أنه المهدي الذي يصلي وراءه عيسى ".
وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه يرويه؛ قال: "ينزل عيسى ابن مريم إماما هاديا ومقسطا عادلا، فإذا نزل؛ كسر الصليب، وقتل الخنزير، ووضع الجزية، وتكون الملة واحدة، ويوضع الأمن في الأرض، حتى إن الأسد ليكون مع البقر تحسبه ثورها، ويكون الذئب مع الغنم تحسبه كلبها، وترفع حمة كل ذات حمة، حتى يضع الرجل يده على رأس الحنش فلا يضره، وحتى تفر الجارية الأسد كما يفر ولد الكلب الصغير، ويقوم الفرس العربي بعشرين درهما، ويقوم الثور بكذا وكذا، وتعود الأرض كهيئتها على عهد آدم، ويكون القطف (يعني: العنقاد) يأكل منه النفر ذو العدد، وتكون الرمانة يأكل منها النفر ذو العدد".
وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبي هريرة ﵁؛ قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم إماما مقسطا، وتسلب قريش الإمارة، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، وتوضع الجزية، وتكون السجدة واحدة لرب العالمين، وتضع الحرب أوزارها، وتملأ الأرض من الإسلام كما تملأ الآبار من الماء، وتكون الأرض كفاثور الورق - يعني: المائدة -، وترفع الشحناء والعداوة، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، ويكون الأسد في الإبل كأنه فحلها".
وهذه الآثار لها حكم الرفع؛ لأنها لا تقال من قبل الرأي، وإنما تقال عن توقيف، ولها شواهد كثيرة مما تقدم من الأحاديث الصحيحة وما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ١٢١ ]
باب
أمر النبي ﷺ بإقراء السلام على المسيح
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك المسيح عيسى ابن مريم أن ينزل حكما مقسطا وإماما عدلا، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، وتكون الدعوة واحدة، فأقرئوه (أو: أقرئه) السلام من رسول الله ﷺ، وأحدثه فيصدقني"، فلما حضرته الوفاة؛ قال: "أقرئوه مني السلام» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه كثير بن زيد، وثقه أحمد وجماعة، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات".
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى ابن مريم ﵇، فإن عجل بي موت؛ فمن لقيه منكم؛ فليقرئه مني السلام» .
رواه الإمام أحمد مرفوعا وموقوفا، ورجال كل منهما رجال الصحيح.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول، ألا إنه خليفتي في أمتي من بعدي، ألا إنه يقتل الدجال ويكسر الصليب ويضع الجزية وتضع الحرب أوزارها، ألا فمن أدركه منكم؛ فليقرأ ﵇» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه محمد بن عقبة السدوسي، وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم ".
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك منكم عيسى ابن مريم؛ فليقرئه مني السلام» .
رواه: البخاري في "تاريخه"، والحاكم في "مستدركه".
[ ٣ / ١٢٢ ]
باب
أن المسيح يحكم بالشريعة المحمدية
قد تقدم حديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ، وفيه: «ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته» ".
رواه: الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني.
قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وتقدم أيضا حديث عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال (الحديث، وفيه:) ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد ﷺ على ملته» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات" وفي بعضهم ضعف لا يضر".
وعن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «كيف بكم إذا نزل فيكم ابن مريم حكما، فأمكم (أو قال: إمامكم) منكم» .
وفي رواية لمسلم: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم» .
وفي أخرى له: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم» .
[ ٣ / ١٢٣ ]
قال الوليد بن مسلم: فقلت لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة: "وإمامكم منكم". قال ابن أبي ذئب: تدري ما "أمكم منكم"؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ.
وقال أبو ذر الهروي: حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين؛ قال: "معنى: "وإمامكم منكم"؛ يعني: أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل".
وقال ابن التين: "معنى قوله: وإمامكم منكم": أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم".
باب
ما جاء في حج المسيح وعمرته
قد تقدم ما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين يحج ويعتمر".
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وعن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده؛ ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «والذي»
[ ٣ / ١٢٤ ]
باب ما جاء في حج المسيح وعمرته
«نفسي بيده؛ ليهلن ابن مريم من فج الروحاء بالحج أو بالعمرة أو ليثنينهما» .
وفي رواية لأحمد وابن أبي حاتم: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما» . قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة ﵁ قال: يؤمن به قبل موت عيسى. فلا أدري هذا كله حديث النبي ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة ﵁.
وعن عمرو بن عوف المزني ﵁؛ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ، حتى إذا كنا بالروحاء؛ نزل بعرق الظبية وصلى، ثم قال: «صلى قبلي في هذا المسجد سبعون نبيا، ولقد قدمها موسى عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة ورقاء في سبعين ألفا من بني إسرائيل، ولا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله حاجا، أو معتمرا، أو يجمع الله ذلك له» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليهبطن عيسى ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا، وليسلكن فجا حاجا أو معتمرا أو بنيتهما، وليأتين قبري حتى يسلم علي، ولأردن عليه» . قال أبو هريرة ﵁: أي بني أخي! إن رأيتموه؛ فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي الأشعث الصنعاني؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: "يهبط عيسى، فيصلي الصلوات، ويجمع الجمع، ويزيد في الحلال،
[ ٣ / ١٢٥ ]
كأني به تُجِد به رواحله ببطن الروحاء حاجا أو معتمرا".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدابة. قلت: يا رسول الله! من أين تخرج؟ قال: تخرج من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون؛ إذ تضطرب الأرض تحتهم، وتنشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج الدابة من الصفا» الحديث.
رواه ابن جرير.
باب
ما جاء في مدة لبث المسيح في الأرض
قد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال في عيسى: «فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن جرير، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه أبو داود الطيالسي والطبراني في "الأوسط" مختصرا، ولفظ أبي داود: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يمكث عيسى في الأرض بعدما ينزل أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه»، ولفظ الطبراني: قال: "ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة".
[ ٣ / ١٢٦ ]
باب ما جاء في مدة لبث المسيح في الأرض
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وقد تقدم ما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين؛ يحج ويعتمر".
باب
ما جاء في قبر المسيح
وعن عبد الله بن سلام ﵁؛ قال: "يدفن عيسى ابن مريم ﵇ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فيكون قبره رابعا".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عثمان بن الضحاك، وثقه ابن حبان، وضعفه أبو داود ".
وروى الترمذي في كتاب المناقب من "جامعه" من طريق أبي مودود المدني: حدثنا عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده ﵁؛ قال: "مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى ابن مريم يدفن معه".
قال أبو مودود: قد بقي في البيت موضع قبر.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب. هكذا قال: عثمان بن الضحاك، والمعروف: الضحاك بن عثمان المديني ". انتهى كلام الترمذي.
وقد رواه أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة" من طريق عبد الله بن نافع الصائغ عن الضحاك بن عثمان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه ﵁؛ قال: "الأقبر المنارية: قبر النبي ﷺ، وقبر أبي بكر ﵁، وقبر عمر ﵁، وقبر رابع يدفن فيه عيسى ابن مريم ﷺ".
[ ٣ / ١٢٧ ]
باب ما جاء في قبر المسيح
فصل ذكر عدد الأحاديث الواردة في نزول عيسى والرد على من أنكر نزوله
فصل
وقد اشتملت الأبواب التي في ذكر نزول عيسى ﵊ على خمسة وخمسين حديثا مرفوعا، أكثرها صحيح، والباقي غالبه من الحسان، وجاء في ذلك آثار كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين، ذكرتها في أول الأبواب وفي أثنائها، ومع هذا؛ فقد أنكر بعض أهل الأهواء والبدع نزوله، وزعموا أنه قد مات، وقد تبعهم على ذلك بعض المشايخ العصريين، والجميع مقلدون لليهود والنصارى الذين يزعمون أن عيسى قد قتل وصلب.
وقد رأيت جوابا لشلتوت أنكر فيه حياة المسيح عيسى ابن مريم ﵊، وزعم أنه قد مات موتة عادية، وأنكر أن يكون مرفوعا بجسمه إلى السماء، وأنه فيها حي إلى الآن، وأنكر نزوله إلى الأرض في آخر الزمان حكما عدلا، فخالف ما جاء به القرآن وتواترت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.
وقد تقدم ذكر الأدلة من القرآن والسنة على نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وسيأتي ذكر الإجماع على ذلك إن شاء الله تعالى.
ثم إن شلتوتا لم يكتف بمخالفة الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، بل ضم إلى ذلك الطعن في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، فقال: "إنها روايات مضطربة، مختلفة في ألفاظها ومعانيها اختلافا لا مجال معه للجمع بينها"!
كذا قال! وكل من له أدنى علم ومعرفة بالحديث يعلم يقينا أن الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في نزول عيسى ﵊ متفقة متعاضدة لا اضطراب فيها ولا اختلاف بينها بحمد الله تعالى.
[ ٣ / ١٢٨ ]
ثم إنه أردف ذلك بخطأ آخر، فقال: "وقد نص على ذلك علماء الحديث".
والجواب أن يقال: هذا غير صحيح؛ فإن علماء الحديث قد تلقوا الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵊ بالقبول، ودونوها في كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكروا مضمونها في كتب العقائد السلفية.
قال إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى في "عقيدة أهل السنة والجماعة" التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: "والإيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كله كائن، وأن عيسى ابن مريم ينزل، فيقتله بباب لد ".
انتهى.
وقال الإمام أبو محمد البربهاري رحمه الله تعالى في "شرح السنة": "والإيمان بنزول عيسى ابن مريم ﷺ؛ ينزل، فيقتل الدجال، ويتزوج، ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ، ويموت، ويدفنه المسلمون" انتهى.
وقال الطحاوي رحمه الله تعالى في "العقيدة" المشهورة: "ونؤمن بأشراط الساعة؛ من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء" انتهى.
وقال الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله تعالى في كتابه "مقالات الإسلاميين": "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون من ذلك شيئا (إلى أن قال:) ويصدقون بخروج الدجال، وأن عيسى ابن مريم يقتله". انتهى.
وهذا حكاية إجماع من أهل الحديث والسنة على نزول عيسى عليه
[ ٣ / ١٢٩ ]
الصلاة والسلام. والعبرة بهم، ولا عبرة بمن خالفهم؛ كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية".
لا عبرة بمخالف لهم ولو كانوا عديد الشاء والبعران
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي رحمه الله تعالى في رسالته المشهورة: "والإيمان بما ثبت من خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ حكما عدلا يقتل الدجال" انتهى.
وقال الإمام أبو أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد في عقيدة له: "وأن الآيات التي تظهر عند قرب الساعة؛ من الدجال، ونزول عيسى ﵊، والدخان، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغيرها من الآيات التي وردت بها الأخبار الصحاح حق". انتهى.
وقال الإمام الموفق أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في عقيدته المشهورة: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه صدق وحق (إلى أن قال:) ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة وأشباه ذلك مما صح به النقل". انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: "مسألة: عيسى ابن مريم ﷺ حي رفعه الله تعالى إليه بروحه وبدنه، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾؛ أي: قابضك، وكذلك ثبت أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية؛ حكما عدلا مقسطا، ويراد بالتوفي: الاستيفاء، ويراد به الموت ويرتد به النوم، ويدل على كل واحد القرينة التي معه". انتهى.
[ ٣ / ١٣٠ ]
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": "نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وبقوله: ﷺ: «لا نبي بعدي»، وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا ﷺ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ. وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا؛ يحكم بشرعنا، ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس". انتهى كلامه، وقد نقله النووي في "شرح مسلم" وأقره.
وقال القاضي عياض أيضا في الكلام على أحاديث الدجال: "هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى ﷺ، ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار؛ خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة". انتهى المقصود من كلامه، وقد نقله النووي في "شرح مسلم" وأقره.
وقال المناوي في "شرح الجامع الصغير": "أجمعوا على نزول عيسى
[ ٣ / ١٣١ ]
﵊ نبيا لكنه بشريعة نبينا ﷺ".
وقال المناوي أيضا في موضع آخر من "شرح الجامع الصغير": "حُكي في المطامح إجماع الأمة على نزوله، ولم يخالف أحد من أهل الشريعة في ذلك، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة". انتهى.
وقال السفاريني في "شرح عقيدته": "نزول المسيح عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة (ثم ذكر دليل ذلك من الكتاب والسنة، إلى أن قال:) وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية". انتهى.
ولو ذهبت أنقل ما ذكره غير هؤلاء؛ لطال الكلام، وفيما ذكرته كفاية لبيان خطأ شلتوت فيما ذهب إليه وما حاوله من قلب الحقيقة.
ثم إنه أردف ذلك بخطأ ثالث، فقال: "وهي فوق ذلك من روايات وهب بن منبه وكعب الأحبار، وهما من أهل الكتاب الذين اعتنقوا الإسلام، وقد عرفت درجتهم في الحديث عند علماء الجرح والتعديل".
والجواب أن يقال: هذا من نمط ما قبله من القول بغير علم؛ فإن الأحاديث التي ذكرنا في نزول المسيح ليس فيها شيء من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه، وإنما أراد شلتوت أن يوهم الجهال أنه ليس في نزول عيسى إلا أخبار أهل الكتاب؛ ليكون لقوله الباطل موقع وقبول عند الأغبياء، ويروج لديهم قوله الباطل في موت المسيح، ومسلكه الفاسد في تكذيب الأحاديث الصحيحة الدالة على نزوله في آخر الزمان.
وإذا كان قد روي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه بعض الآثار في رفع المسيح؛ فلا يكون ذلك قادحا في الأحاديث الصحيحة الدالة على نزوله في
[ ٣ / ١٣٢ ]
آخر الزمان، ولا موجبا لردها، ولا ينبغي القطع بتكذيب ما روي عنهما في رفع المسيح من غير دليل يدل على ذلك.
وأما قدحه في كعب الأحبار ووهب بن منبه بمجرد الهوى؛ فالجواب عنه أن يقال: ليس شلتوت ممن يعرف الرجال حتى يقبل قوله في الجرح والتعديل.
فأما كعب الأحبار؛ فقد روى عنه: ابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية؛ ﵃، وجماعة من كبار التابعين، وأخرج له البخاري ومسلم في "صحيحيهما" وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من الأئمة، ولو كان الأمر فيه كما يقول المبطلون؛ لبين هؤلاء الأئمة حاله، ولم يخرجوا عنه.
ويكفي في تعديله ما رواه مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد: أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁، فسأله عن جرادات قتلها وهو محرم، فقال عمر ﵁ لكعب: "تعالى حتى نحكم " وذكر تمام الحديث، فلولا أنه عدل عند عمر ﵁؛ لما أمره أن يحكم معه في جزاء الصيد، وقد قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ .
وقال محمد بن سعد في "الطبقات": "أخبرت عن معاوية بن صالح الحضرمي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير؛ قال: قال معاوية ﵁: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالثمار، وإن كنا فيه لمفرطين".
وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب"، وقال: "ثقة من الثانية".
وأما وهب بن منبه؛ فقد اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه، وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من الأئمة، وهذا كاف في تعديله ورد ما
[ ٣ / ١٣٣ ]
يبهته به جهلة العصريين.
وقد ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: "كان ثقة صادقا. قال العجلي: ثقة تابعي كان على قضاء صنعاء. وقال مثنى بن الصباح: لبث وهب عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءا".
وذكره الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب"، وقال: "ثقة من الثالثة".
وذكره الخزرجي في "الخلاصة"، وقال: "وثقة النسائي. قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه".
وهذا كاف في الثناء عليه ورد ما زعمه شلتوت فيه.
ثم إن شلتوتا أتى بخطأ رابع، فقال عن المفسرين: "إنهم يعتمدون على حديث فردي عن أبي هريرة اقتصر فيه على الإخبار بنزول عيسى، وإذا صح الحديث؛ فهو حديث آحاد".
والجواب أن يقال: قد ذكرنا من الأحاديث الكثيرة المتواترة ما يشهد بخطئه في هذه الدعوى.
وقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير سورة الزخرف: "تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا". انتهى.
وساق جملة منها في تفسير سورة النساء، ثم قال: "فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵃". انتهى.
وقد ذكرت فيما تقدم من الأحاديث الصحيحة والحسنة في نزول عيسى
[ ٣ / ١٣٤ ]
﵊ أضعاف أضعاف ما ذكره ابن كثير هاهنا؛ فلتراجع؛ ففيها أبلغ رد على ما زعمه شلتوت عن المفسرين أنهم كانوا يعتمدون في نزول عيسى على حديث فردي عن أبي هريرة ﵁.
وقد تقدم في ذكر المهدي قول الشوكاني: "إن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم متواترة". انتهى.
ثم إن ظاهر كلام شلتوت يدل على أنه لا يرى صحة حديث أبي هريرة ﵁ الذي فيه الإخبار بنزول عيسى ﵊، ولذلك أتى بـ (إذا) الشرطية المقتضية لتعليق ما دخلت عليه بجملة قبلها محذوفة معناها إنكار صحة الحديث أو التوقف في ثبوت صحته، وصنيعه هذا يدل على أحد شيئين:
إما إرادة التمويه والتلبيس على الجهلة الأغبياء بأنه لم يصح في نزول عيسى شيء من الأحاديث المروية في نزوله. وهذا هو الأظهر.
وإما كثافة الجهل؛ بحيث لا يفرق بين ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في "صحيحيهما" وبين ما يرويه المتساهلون بنقل الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومن بلغ به الجهل إلى التوقف في صحة حديث اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في "صحيحيهما"؛ فليس من أهل العلم، ولا ينبغي أن يعتمد عليه في شيء من أمور الدين.
ثم إن شلتوتا أتى بخطأ خامس، فقال: "وقد أجمع العلماء على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة ولا يصح عليها في شأن المغيبات".
والجواب أن يقال: من هؤلاء العلماء الذي أجمعوا على هذا القول الباطل؟! أهم علماء السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؟! أم هم
[ ٣ / ١٣٥ ]
أئمة الضلال ورؤوس أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم؟!
فإن كان مراده هذا الفريق الأخير؛ فنعم، هو من أقوالهم التي ابتدعوها، ما أنزل الله بها من سلطان، وكفى بالرجل جهلا أن يجعل أقوال أهل البدع ميزانا للسنة المطهرة، وأن يحكيها إجماعا يعتمد عليه!!
وإن كان مراده الفريق الأول؛ فحاشا وكلا؛ فإنه لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم من التابعين وتابعيهم بإحسان أنهم قالوا بهذا القول المبتدع، بل المعروف عنهم أنهم كانوا يتلقون أخبار الثقات بالقبول والتسليم؛ عملا بها، وتصديقا لها، سواء تواترت أو كانت أخبار آحاد، ولا يعرف بينهم نزاع في ذلك، والروايات عنهم بقبول أخبار الآحاد كثيرة، وليس هذا موضع ذكرها، وقد ذكرت جملة منها مع الأدلة من الكتاب والسنة على قبول أخبار الآحاد في أول الكتاب، وذكرت أيضا ما ذكره ابن القيم ﵀ عن إسحاق بن راهويه وجماعة من أصحاب أحمد وغيرهم: أنهم ذهبوا إلى تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل؛ فليراجع ذلك في أول الكتاب.
فصل
وقد خبط أبو عبية في تعاليقه على "النهاية" لابن كثير في نزول عيسى ﵊ كما خبط قبل ذلك في خروج الدجال وفي غيره مما أخبر النبي ﷺ أنه سيكون في آخر الزمان، وقد نبهت على بعض أباطيله فيما تقدم، ونبهت على ما قاله في خروج الدجال في (باب قتل الدجال) وما بعده؛ فليراجع.
وقد قال في (ص٧١) معلقا على حديث حذيفة بن أسيد ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «إن الساعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات (فذكرها،»
[ ٣ / ١٣٦ ]
فصل رد أباطيل أبي عبية في شأن المسيح عيسى ابن مريم
«ومنها:) نزول عيسى ابن مريم» .
قال أبو عبية ما نصه: "هل بقي عيسى ﵇ حتى الآن حيا وسينزل إلى الأرض ليجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه، أم أن المراد بنزول عيسى هو انتصار دين الحق وانتشاره من جديد على أيد مخلصة تتجه إلى الله وتعمل على تخليص المجتمع الإنساني من الشرور والآثام؟ رأيان، ذهب إلى كل منهما فريق من العلماء.
وهذا هو ما يقال بالنسبة إلى الدجال: هل هو شخص من لحم ودم ينشر الفساد ويهدد العباد ويملك وسائل الترغيب والترهيب والإفساد دون رادع من دين أو وازع من خلق حتى يقيض له عيسى فيقتله، أم أنه رمز لانتشار الشر وشيوع الفتنة وضعف نوازع الفضيلة، تهب عليه ريح الخير المرموز إليها بعيسى ﵇، فتذهبه، وتقضى عليه، وتأخذ بيد الناس إلى محجة الخير ومنهج العدل والتدين؟!
وما دمنا بصدد بيان الرأي في الدجال وظهوره وعيسى ﵇ ونزوله؛ فإنه من المناسب أن نشير إلى أن النار المشار إليها في حديث الرسول ﵊ أنها تسوق الناس إلى محشرهم؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من يتخلف منهم؛ فإن من المناسب أن نشير إلى أن هذه النار يمكن حملها على نار الفتنة التي يمتحن بها الدين وتتعرض لها العقيدة، والتي تترصد الناس لتصدهم عن الله، وتردهم عن الحق والخير، وأن من هرب منها؛ نجا، أما من تلكأ عن أخذ الحيطة وآثر الكسل أو عدم المبالاة؛ فإنها تحرقه حين تحرق دينه، وتأكله إذ تأكل يقينه، وتقذف به إلى عذاب أليم من الحيرة والقلق ثم غضب الله ونقمته".
وقال أبو عبية أيضا في (ص١٦٦) من "النهاية" لابن كثير تعليقا على قول
[ ٣ / ١٣٧ ]
ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: "قبل موت عيسى ابن مريم "، رواه ابن جرير بإسناد صحيح.
قال أبو عبية ما نصه: " امتداد حياة عيسى ﵇ حتى الآن ليس موضع اتفاق بين علماء المسلمين، ولم يرد نص قاطع في هذا الأمر، ولهذا؛ فالقول بموت عيسى أو بحياته ليس داخلا في نطاق ما يكلف المسلم الإيمان به، فللمسلم أن يختار ما تطمئن إليه نفسه، وليس للمسلمين أن يجعلوا من موت عيسى أو حياته موضوع خلاف أو موضع جدل، إنما الذي يجب الإيمان به بقطع ويقين أنه ﵇ لم يقتل ولم يصلب: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، وعلينا أن نلاحظ حقيقة قرآنية واضحة، وهي أن القرآن الكريم لم يستعمل مادة (رفع) في غير الرفع المعنوي، رفع القدر والقيمة والمنزلة، اللهم إلا في موضع واحد لا غيره، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾، ولهذا فنحن نؤثر أن يكون عيسى ﵇ قد رفع مكانة لا مكانا؛ لما في هذا الفهم من زيادة التكريم والتعظيم لذلك النبي الكريم، حتى لا يكون هو وحده بدعا بين أنبياء الله ورسله؛ إذ تحدث كتاب الله عن رفعهم معنويا لا حسيا، وشتان بين الرفعين".
والجواب أن يقال: إن كلام أبي عبية في هذه المواضع التي ذكرنا كله باطل وتحريف للكلم عن مواضعه وتشكيك للمسلمين فيما تواتر عن النبي ﷺ من خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وفيما ثبت عن النبي ﷺ من خروج النار التي تسوق الناس إلى المحشر في آخر الزمان.
[ ٣ / ١٣٨ ]
ويلزم على قول أبي عبية أن يكون النبي ﷺ قد أخبر الناس بأشياء لا حقيقة لها في نفس الأمر، ولا يخفى أن القول بهذا يقتضي القدح في النبي ﷺ ورميه بالكذب، وقد نقل القاضي عياض في كتاب "الشفاء" وابن حجر الهيتمي في كتاب "الزواجر" الإجماع على تكفير من نسب إلى النبي ﷺ ما لا يليق بمنصبه.
فليتق الله أبو عبية، ولا يأمن أن يكون من الذين أجمع العلماء على تكفيرهم.
فأما قوله: "هل بقي عيسى ﵇ حتى الآن حيا، وسينزل إلى الأرض؛ ليجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه؟! ".
فجوابه أن يقال: قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حكما عدلا، وهي أدلة قاطعة على بقاء حياته إلى آخر الزمان.
وقد تقدم عن الحسن البصري أنه قال: "والله؛ إنه لحي الآن عند الله".
رواه بن جرير.
وتقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال مخبرا عن عيسى ﵊: «أنه يدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه (وفي رواية: في إمارته) الملل كلها؛ إلا الإسلام» وفي رواية: ويقاتل الناس على الإسلام"".
فهذا واضح في أن عيسى ﵊ يجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه.
وأما قوله: "أم أن المراد بنزول عيسى هو انتصار دين الحق وانتشاره من
[ ٣ / ١٣٩ ]
جديد على أيد مخلصة تتجه إلى الله وتعمل على تخليص المجتمع الإنساني من الشرور والآثام؟! ".
فجوابه أن يقال: تأويل نزول عيسى ﵊ بانتصار الحق وانتشاره من جديد على أيد مخلصة تأويل باطل وتحريف للكلم عن مواضعه، وهو من جنس تأويلات القرامطة والباطنية، ويلزم على هذا التأويل الباطل تكذيب ما تواتر عن النبي ﷺ من الإخبار بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حكما عدلا، ومن كذب بشيء مما ثبت عن النبي ﷺ؛ فهو ممن يشك في إسلامه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله.
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ".
وأما قوله: "رأيان ذهب إلى كل منهما فريق من العلماء".
فجوابه أن يقال: أما علماء أهل السنة والجماعة، وهم العلماء في الحقيقة؛ فهم متفقون على الإيمان بنزول عيسى ﵊، وقد تقدم ذكر طرف من أقوالهم في ذلك قريبا، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ومن تبعهم من أهل البدع، ولا عبرة بخلافهم.
وإذا علم هذا؛ فليعلم أيضا أن أهل السنة والجماعة لم يعتمدوا في نزول عيسى ﵊ على الرأي كما زعم ذلك أبو عبية، وإنما اعتمدوا على الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، وأما الفلاسفة والملاحدة ومن تبعهم من أهل البدع؛ فهم الذين يعتمدون على آرائهم الباطلة، وهي آراء مردودة؛ لمخالفتها للحق الثابت عن النبي ﷺ.
وأما قوله: "وهذا هو ما يقال بالنسبة إلى الدجال؛ هل هو شخص من
[ ٣ / ١٤٠ ]
لحم ودم ينشر الفساد " إلى آخره.
فجوابه أن يقال: قد تقدمت الأحاديث في صفة الدجال، وفيها أنه رجل قصير، أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليست بناتئة ولا جحراء، وأنه مكتوب بين عينيه كافر، وأنه هجان، أزهر، كأن رأسه أصلة. وفي رواية أنه «هجان، ضخم، فيلماني، كأن شعره أغصان شجرة، كأن عينيه كوكب الصبح» .
وفي رواية: «إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري» . و(الهجان): الأبيض، و(الأزهر): الأبيض المستنير. وفي رواية: «أنه رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس، أعور العين اليمنى، أقرب شبها بابن قطن، وابن قطن رجل من خزاعة» إلى غير ذلك مما تقدم في أحاديث الدجال، وفيها أوضح دليل على أنه شخص من لحم ودم.
وفي حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «ينزل عيسى عند صلاة الفجر، فإذا قضى صلاته؛ أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال، فإذا رآه الدجال؛ ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته، فيقتله» .
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم في "صحيحه" أن رسول الله ﷺ قال: " «ولكن يقتله الله بيده - أي: يد عيسى ﵊ -، فيريهم دمه في حربته» .
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على أبي عبية فيما حاوله من إنكار خروج الدجال.
وأما قوله: "أم أنه رمز لانتشار الشر وشيوع الفتنة وضعف نوازع الفضيلة، تهب عليه ريح الخير المرموز إليها بعيسى ﵇، فتذهبه، وتقضي عليه، وتأخذ بيد الناس إلى محجة الخير ومنهج العدل والتدين".
[ ٣ / ١٤١ ]
فجوابه أن يقال: هذا تأويل باطل مردود، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، وهو موافق لقول الذين ينكرون خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ من الفلاسفة والمعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم من أهل البدع، ويلزم على هذا التأويل الباطل تكذيب ما تواتر عن النبي ﷺ من الإخبار بخروج الدجال، والتكذيب بما ثبت عن النبي ﷺ لا يصدر إلا من جاهل أو من رجل ينتسب إلى الإسلام وهو عنه بمعزل.
وأما قوله: "إنه من المناسب أن نشير إلى أن النار المشار إليها في حديث الرسول ﷺ: «أنها» «تسوق الناس إلى محشرهم؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من يتخلف منهم؛» فإن من المناسب أن نشير إلى أن هذه النار يمكن حملها على نار الفتنة التي يمتحن بها الدين وتتعرض لها العقيدة " إلى آخر كلامه.
فجوابه أن يقال: هذا تأويل باطل مردود، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، والحق أن النار التي أخبر النبي ﷺ بخروجها في آخر الزمان في عدة أحاديث صحيحة؛ أنها نار على الحقيقة، وهي من أشراط الساعة، ومن أنكر خروجها أو شك في ذلك؛ فهو ممن لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله.
وأما قوله: "إن امتداد حياة عيسى ﵇ حتى الآن ليس موضع اتفاق بين علماء المسلمين".
فجوابه أن يقال: بل هو موضع اتفاق بين علماء أهل السنة والجماعة، وقد ذكرت بعض أقوالهم في ذلك وما حكاه بعضهم من إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك قريبا؛ فليراجع. وقد خالفهم الفلاسفة وبعض الخوارج والمعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم من أهل البدع، ومنهم أبو عبية وأشباهه من العصريين، ولا عبرة بخلافهم.
[ ٣ / ١٤٢ ]
وأما قوله: "ولم يرد نص قاطع في هذا الأمر".
فجوابه أن يقال: بل قد تواترت النصوص الدالة على نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حكما عدلا، وهي أدلة قاطعة على امتداد حياته حتى الآن.
وأما قوله: "ولهذا؛ فالقول بموت عيسى أو بحياته ليس داخلا في نطاق ما يكلف المسلم الإيمان به، فللمسلم أن يختار ما تطمئن إليه نفسه".
فجوابه أن يقال: بل المسلم مكلف بالإيمان بكل ما جاء به رسول الله ﷺ من الأوامر والنواهي وأخبار الغيوب الماضية والآتية، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقها، وحسابهم على الله» .
رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وفيها دليل قاطع على بقاء حياته إلى آخر الزمان، وهذا مما يجب الإيمان به، وليس للمسلم أن يختار لنفسه ما يخالف الإيمان بما ثبت عن النبي ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وإذا لم تطمئن نفس المرء للإيمان بما ثبت عن النبي ﷺ؛ فليس بمسلم في الحقيقة.
وأما قوله: "وليس للمسلمين أن يجعلوا من موت عيسى أو حياته موضوع خلاف أو موضع جدل".
[ ٣ / ١٤٣ ]
فجوابه أن يقال: قد اتفق أهل السنة والجماعة على القول ببقاء حياة عيسى ﵊ ونزوله في آخر الزمان حكما عدلا، وليس بينهم خلاف ولا جدل في ذلك، وقد تقدم ذكر أقوالهم في ذلك قريبا، والذين جعلوا من حياة عيسى موضوع خلاف وجدل هم الفلاسفة وبعض أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والجهمية ومن اقتفى آثارهم من أهل البدع، وهم كثيرون في زماننا، ولا عبرة بخلافهم.
وأما قوله: "إنما الذي يجب الإيمان به بقطع ويقين أنه ﵇ لم يقتل ولم يصلب ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
فجوابه أن يقال: ويجب أيضا الإيمان بقطع ويقين أن عيسى ﵊ ينزل في آخر الزمان حكما عدلا يحكم بالشريعة المحمدية، وأنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويقتل الدجال، ويقاتل الناس على الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، وأنه يحج ويعتمر، وأنه يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، ويدفنونه؛ فهذا كله مما يجب الإيمان به بقطع ويقين؛ لثبوته عن النبي ﷺ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب مثله ومثله معه» . وعلى هذا؛ فمن أنكر شيئا مما ثبت عن النبي ﷺ في شأن عيسى ﵊ أو شك فيه؛ فهو لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله.
وأما قوله: "وعلينا أن نلاحظ حقيقة قرآنية واضحة، وهي أن القرآن الكريم لم يستعمل مادة (رفع) في غير الرفع المعنوي؛ رفع القدر والقيمة والمنزلة،
[ ٣ / ١٤٤ ]
اللهم إلا في موضع واحد لا غيره، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ .
فجوابه أن يقال: قد جاء ذكر الرفع الحسي في القرآن في عدة مواضع:
أحدها: رفع السماء على الأرض.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ .
الموضع الثاني: رفع الطور على بني إسرائيل:
قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ .
الموضع الثالث: رفع إدريس ﵊ إلى السماء.
قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .
الموضع الرابع: رفع عيسى ﵊ إلى السماء.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ .
وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ .
وفي قوله: إليه: أوضح دليل على أنه قد رفع إلى السماء؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ .
الموضع الخامس: رفع إبراهيم وإسماعيل لقواعد البيت.
[ ٣ / ١٤٥ ]
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ .
الموضع السادس: بناء المساجد.
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ .
الموضع السابع: قوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ .
ففي هذه المواضع كلها استعمال مادة (رفع) في الرفع الحسي لا المعنوي، وفيها أبلغ رد على أبي عبية.
وأما قوله: "ولهذا فنحن نؤثر أن يكون عيسى ﵇ قد رفع مكانة لا مكانا؛ لما في هذا الفهم من زيادة التكريم والتعظيم لذلك النبي الكريم، حتى لا يكون هو وحده بدعا بين أنبياء الله ورسله؛ إذ تحدث كتاب الله عن رفعهم معنويا لا حسيا، وشتان بين الرفعين".
فجوابه أن يقال: إن الله تعالى قد رفع عيسى ﵊ مكانة كسائر المسلمين، ورفعه مكانا؛ كما دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ وأجمع عليه أهل السنة والجماعة من نزوله في آخر الزمان.
وقد جاء في الحديث الصحيح عن النواس بن سمعان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين» .
وهذا ظاهر في نزوله من السماء.
وقد جاء النص على نزوله من السماء فيما رواه البزار بإسناد جيد من
[ ٣ / ١٤٦ ]
حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، وقد تقدم في (باب نزول عيسى إلى الأرض)؛ فليراجع.
وفي رفع عيسى ﵊ إلى السماء زيادة تكريم وتعظيم ورفع لمكانه ومكانته.
وأما قوله: "حتى لا يكون هو وحده بدعا بين أنبياء الله ورسله".
فجوابه أن يقال: إن الله تعالى قد خص بعض الأنبياء بخصائص ليست لغيرهم، فخص إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم بالخلة، وخص آدم وموسى ومحمدا عليهم الصلاة والسلام بالتكليم، وخص موسى ﵊ بالمناجاة، وخص داود ﵊ بالصوت الحسن، وخص سليمان ﵊ بتسخير الريح والشياطين، وخص عيسى ﵊ بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وخص إدريس وعيسى عليهما الصلاة والسلام بالرفع إلى السماء، وخص عيسى أيضا ببقائه حيا إلى الزمان؛ حيث ينزل إلى الأرض، فيقتل الدجال، ويجدد الشريعة المحمدية، ويبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، ويدفنونه، وخص محمدا ﷺ بخصائص كثيرة لم تكن لغيره من الأنبياء، ومنها: العروج به إلى ما فوق السماوات السبع، وفرض الصلوات الخمس عليه وعلى أمته مباشرة بدون واسطة، وهذا من أعظم التكريم والتعظيم ورفع المكانة والمكان.
وأما قوله: "إذ تحدث كتاب الله عن رفعهم معنويا لا حسيا".
فجوابه أن يقال:
قد جاء في القرآن ذكر رفع بعضهم معنويا؛ كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ .
[ ٣ / ١٤٧ ]
وجاء فيه أيضا ذكر رفع بعضهم حسيا؛ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ .
وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ .
وفي هذه الآيات أبلغ رد على أبي عبية.
وأما قوله: "وشتان بين الرفعين".
فجوابه أن يقال: إن الرفع الحسي - وهو رفع المكان - يستلزم الرفع المعنوي - وهو رفع المكانة -، فمن رفعه الله إليه؛ فقد زاد في مكانته وتكريمه؛ فلا منافاة بين الرفعين. والله أعلم.
أبواب
ما جاء في يأجوج ومأجوج
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾
[ ٣ / ١٤٨ ]
أبواب ما جاء في يأجوج ومأجوج
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ .
باب
ما جاء في خروج يأجوج ومأجوج
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية.
قال السدي في قول الله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾؛ قال: "ذاك حين يخرجون على الناس".
قال ابن كثير: "وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال ". انتهى.
وقد جاء ذكر خروج يأجوج ومأجوج في عدة أحاديث تقدم ذكرها.
منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (فذكر): الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ومنها حديث واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله
[ ٣ / ١٤٩ ]
ﷺ يقول: " «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدجال، والدخان، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذر والنمل» .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر خروج الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه: «فبينما هو كذلك؛ إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
وزاد الترمذي في روايته ومسلم في رواية له بعد قوله: «لقد كان بهذا مرة ماء»: «ثم يسيرون، حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس،»
[ ٣ / ١٥٠ ]
«فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما» .
وزاد أحمد بعد قوله: «فتطرحهم حيث شاء الله ﷿»: "قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره؛ قال: فتطرحهم بالمهبل. قال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد! أين المهبل؟ قال: مطلع الشمس".
وفي رواية الترمذي: " «فتحملهم، فتطرحهم بالمهبل، ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين» .
وقد روى ابن ماجه هذه الزيادة مفردة، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين» .
وقد روى ابن عساكر في "تاريخه" حديث النواس مختصرا، وقال فيه بعد ذكر نزول عيسى وقتل الدجال: «فبينما هم فرحون لما هم فيه؛ خرجت يأجوج ومأجوج، فيوحى إلى المسيح: إني قد أخرجت عبادا لي لا يستطيع قتلهم إلا أنا، فأحرز عبادي إلى الطور. فيمر صدر يأجوج ومأجوج على بحيرة الطبرية، فيشربونها، ثم يقبل آخرهم، فيركزون رماحهم، فيقولون: لقد كان هاهنا مرة ماء، حتى إذا كانوا حيال بيت المقدس؛ قالوا: قد قتلنا من في الأرض، فهلموا نقتل من في السماء، فيرمون نبلهم إلى السماء، فيردها الله مخضوبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا من في السماء، ويتحصن ابن مريم وأصحابه، حتى يكون رأس الثور خيرا من مائة دينار اليوم» .
ومنها حديث حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ في ذكر الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه: «فبينما هم كذلك؛ إذ أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة، ويجيء آخرهم وقد أنشفوه، فما»
[ ٣ / ١٥١ ]
«يدعون فيه قطرة، فيقولون: ظهرنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثر ماء. فيجيء نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه وراءه، حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يقال لها: لد، فيقولون: ظهرنا على من في الأرض، فتعالوا نقاتل من في السماء.
فيدعو الله نبيه ﷺ عند ذلك، فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحهم المسلمين، فيدعو عيسى صلوات الله عليه وعليهم، فيرسل الله عليهم ريحا، فتقذفهم في البحر أجمعين» .
رواه: الحاكم، وابن منده في "كتاب الإيمان"، وابن عساكر. وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي. وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في إسناد ابن منده: هذا إسناد صالح". قال ابن كثير: "وفيه سياق غريب وأشياء منكرة".
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁: عن رسول الله ﷺ؛ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي ﷿ أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني؛ ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم! إن تحتي كافرا؛ فتعال فاقتله.
قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم؛ فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه.
قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم، حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك: أن الساعة كالحامل المتم، لا»
[ ٣ / ١٥٢ ]
«يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وزاد ابن ماجه والحاكم فيه: "قال العوام - وهو ابن حوشب أحد رواته -: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله ﷿، ثم قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ .
ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ موقوفا في ذكر الملحمة الكبرى بين المسلمين والروم وخروج الدجال على إثر ذلك ونزول عيسى ﵊، وفيه: "فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا صوتا قال: فتحت يأجوج ومأجوج، وهو كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فيفسدون الأرض كلها، حتى إن أوائلهم ليأتي النهر العجاج، فيشربونه كله، وإن آخرهم ليقول: قد كان هاهنا نهر، ويحاصرون عيسى ومن معه ببيت المقدس، ويقولون: ما نعلم في الأرض أحدا إلا ذبحناه، هلموا نرمي من في السماء. فيرمون، حتى ترجع إليهم سهامهم في نصولها الدم قليلا، فيقولون: ما بقي في الأرض ولا في السماء. فيقول المؤمنون: يا روح الله! ادع عليهم بالفناء، فيدعو الله عليهم، فيبعث النغف في آذانهم فيقتلهم في ليلة واحدة، فتنتن الأرض كلها من جيفهم، فيقولون: يا روح الله! نموت من النتن. فيدعو الله، فيبعث وابلا من المطر، فجعله سيلا، فيقذفهم كلهم في البحر" الحديث.
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ عن زينب بنت جحش ﵂؛ قالت: «خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج»
[ ٣ / ١٥٣ ]
«ومأجوج مثل هذه -وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها-". قالت: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كثر الخبث» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه. وفي رواية لأحمد: قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وهو عاقد بأصبعيه السبابة بالإبهام، وهو يقول: " ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل موضع الدرهم". قالت: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال ﷺ: "نعم؛ إذا كثر الخبث» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " (الخبث)؛ بفتح المعجمة والموحدة ثم مثلثة: فسروه بالزنى وبأولاد الزنى، وبالفسوق والفجور، وهو أولى؛ لأنه قابله بالصلاح.
قال ابن العربي: فيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غير عليه، لكن حيث لا يجدي ذلك، ويصر الشرير على عمله السيئ، ويفشو ذلك ويكثر، حتى يعم الفساد، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثم يحشر كل أحد على نيته، وكأنها فهمت من فتح القدر المذكور من الردم أن الأمر إن تمادى على ذلك؛ اتسع الخرق؛ بحيث يخرجون، وكان عندها علم أن في خروجهم على الناس إهلاكا عاما لهم". انتهى.
وعن أم حبيبة ﵂؛ قالت: «استيقظ رسول الله ﷺ وهو يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح من ردم يأجوج ومأجوج -وحلق بيده عشرا-". قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كثر الخبث» .
رواه ابن حبان في "صحيحه". وقد رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه؛ من حديث أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله
[ ٣ / ١٥٤ ]
عنها؛ كما تقدم ذكره، فلعل ذكر زينب سقط من طريق ابن حبان. والله أعلم.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "وعقد وهيب بيده تسعين"» .
متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
ووهيب المذكور هو وهيب بن خالد الباهلي، أحد رواة هذا الحديث.
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "وعقد عشرة"". قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كثر الخبث» .
رواه الطبراني.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس؛ كما قال الله ﷿: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فيعيثون في الأرض، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر، فيشربون ما فيه، حتى يتركوه يابسا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر، فيقول: لقد كان هاهنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة؛ قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء". قال: "ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع مختضبة دما للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك؛ إذ بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقهم، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ ". قال: "فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبا بنفسه قد وطنها على أنه مقتول، فينزل، فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر»
[ ٣ / ١٥٥ ]
«المسلمين! ألا أبشروا؛ فإن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال ابن الأثير: " (تشكر)؛ أي: تسمن وتمتلئ شحما، يقال: شكرت الشاة؛ بالكسر، تشكر شكرا؛ بالتحريك: إذا سمنت وامتلأ ضرعها لبنا". انتهى.
وعن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا كل نبي قد أنذر أمته الدجال» الحديث، وقد تقدم إيراده بطوله من رواية الحاكم في (باب قصة المؤمن مع الدجال)، وقد رواه أحمد بن منيع بنحو رواية الحاكم، وزاد بعد هلاك الدجال: قال: «فيمكثون في الأرض ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يفتح يأجوج ومأجوج، فيهلكون من في الأرض؛ إلا من تعلق بحصن، فلما فرغوا من أهل الأرض؛ أقبل بعضهم على بعض، فقالوا: إنما بقي من في الحصون ومن في السماء، فيرمون بسهامهم، فخرت منغمرة دما، فقالوا: قد استرحتم ممن في السماء وبقي من في الحصون، فحاصروهم حتى اشتد عليهم الحصر والبلاء، فبينما هم كذلك؛ إذ أرسل الله عليهم نغفا في أعناقهم، فقصمت أعناقهم، فمال بعضهم على بعض موتى، فقال رجل منهم: قتلهم الله رب الكعبة. قالوا: إنما يفعلون هذا مخادعة، فنخرج إليهم، فيهلكونا كما أهلكوا إخواننا. فقال: افتحوا لي الباب. فقال أصحابه: لا نفتح. فقال: دلوني بحبل. فلما نزل؛ وجدهم موتى، فخرج»
[ ٣ / ١٥٦ ]
«الناس من حصونهم". فحدثني أبو سعيد أن مواشيهم جعلها الله لهم حياة يقضمونها ما يجدون غيرها. قال: وحدثنا رسول الله ﷺ: "أن الناس يغرسون بعدهم الغروس ويتخذون الأموال". قال: فقلت: سبحان الله! أبعد يأجوج ومأجوج؟! قال: " نعم» .
عطية العوفي ضعيف، ولكن لحديثه هذا شاهد مما قبله وما بعده.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا. فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله ﷿ أن يبعثهم إلى الناس؛ حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا إن شاء الله. ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم، فيقتلهم بها". فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" مختصرا، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية الترمذي قال: «فوالذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض تسمن وتبطر وتشكر شكرا من لحومهم» . وفي رواية الحاكم قال: «والذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرا وتسكر سكرا من»
[ ٣ / ١٥٧ ]
«لحومهم» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على هذا الحديث: فيه أن فيهم أهل صناعة وأهل ولاية وسلاطة ورعية تطيع من فوقها، وأن فيهم من يعرف الله ويقر بقدرته ومشيئته، ويحتمل أن تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير أن يعرف معناها، فيحصل المقصود ببركتها.
وقد أخرج عبد بن حميد من طريق كعب الأحبار نحو حديث أبي هريرة ﵁، وقال فيه: "فإذا بلغ الأمر؛ ألقى الله على بعض ألسنتهم: نأتي إن شاء الله غدا، فنفرغ منه".
وأخرج ابن مردويه من حديث حذيفة ﵁ نحو حديث أبي هريرة، وفيه: "فيصبحون وهو أقوى منه بالأمس، حتى يسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره، فيقول المؤمن: غدا نفتحه إن شاء الله، فيصبحون، ثم يغدون عليه فيفتح" الحديث، وسنده ضعيف جدا. انتهى.
وعن أبي الزعراء؛ قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فذكر عنده الدجال، فقال عبد الله بن مسعود: "تفترقون أيها الناس لخروجه ثلاث فرق: فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح، وفرقة تأخذ شط الفرات؛ يقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام". قال عبد الله: "ويزعم أهل الكتاب أن المسيح ينزل فيقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، فيمرحون في الأرض، فيفسدون فيها (ثم قرأ عبد الله ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾؛ قال:) ثم يبعث الله عليهم دابة مثل هذا النغف، فتلج في أسماعهم ومناخرهم، فيموتون منها، فتنتن الأرض منهم، فيجأرون إلى الله، فيرسل ماء يطهر الأرض منهم" الحديث.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم
[ ٣ / ١٥٨ ]
يخرجاه"، ووافقه الذهبي في موضع من "تلخيصه"، وقال في موضع آخر: "ما احتجا بأبي الزعراء ".
باب
أن يأجوج ومأجوج من سلالة آدم
عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم! يقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف (أراه قال:) تسعمائة وتسعة وتسعين. فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ: "من يأجوج ومأجوج تسع مائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد» الحديث.
متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ «قرأ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾؛ قال: "ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله ﷿ لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار. فقال: من كم يا رب؟ قال: من ألف تسع مائة وتسعة وتسعون وينجو واحد". فشق ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله ﷺ منهم، ثم قال رسول الله ﷺ حين أبصر ذلك في وجوههم: "إن بني آدم كثير، ويأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى يرثه لصلبه ألف رجل؛ ففيهم وفي أشباههم جنة لكم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عثمان بن عطاء الخراساني، وهو متروك، وضعفه الجمهور، واستحسن أبو حاتم حديثه".
[ ٣ / ١٥٩ ]
باب أن يأجوج ومأجوج من سلالة آدم
قلت: وحديث أبي سعيد يشهد لهذا الحديث ويقويه.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا على الناس؛ لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد؛ إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ومنسك» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" من طريقه. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه أيضا عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "البعث". قال ابن كثير: "هذا حديث غريب، وقد يكون من كلام عبد الله بن عمرو من الزاملتين".
قلت: وسيأتي بعضه موقوفا على عبد الله بن عمرو ﵄، وذلك يقوي ما قاله ابن كثير رحمه الله تعالى.
ويؤيد رفعه ما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ويأتي فيه أيضا عدة أحاديث تدل على أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، وفي آخرها أثر عن عبد الله بن عمرو ﵄ صريح في ذلك. والله أعلم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر يأجوج ومأجوج: "هم ذرية آدم بلا خلاف نعلمه، ثم استدل على ذلك بحديث أبي سعيد الذي ذكرنا". قال: "ثم هم من ذرية نوح؛ لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾
[ ٣ / ١٦٠ ]
ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم، فاختلطت بالتراب، فخلقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء؛ فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في "شرح مسلم " وغيره، وضعفوه، وهو جدير بذلك؛ إذ لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن، وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا؛ فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو في غاية القصر، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى؛ فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان".
قلت: وقد ورد في ذلك حديث ضعيف سيأتي في باب كثرة يأجوج ومأجوج إن شاء الله تعالى.
قال ابن كثير: "والصحيح أنهم من بني آدم، وعلى أشكالهم وصفاتهم، وقد قال النبي ﷺ: «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن»، وهذا فيصل في هذا الباب وغيره". انتهى.
وقد روى الحاكم في "مستدركه" عن سعيد بن المسيب: أنه قال: "ولد نوح ﵊ ثلاثة: سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج".
ورواه البزار في "مسنده" من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان» .
في إسناده محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، وكلاهما ضعيف.
[ ٣ / ١٦١ ]
قال ابن كثير: "والمحفوظ عن سعيد من قوله، وهكذا روي عن وهب بن منبه مثله". انتهى.
باب
ما جاء في كثرة يأجوج ومأجوج
قد تقدم في الباب قبله ثلاثة أحاديث تدل على عظم كثرتهم.
وعن عمران بن حصين ﵄؛ قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتفاوت بين أصحابه السير، فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، فلما سمع ذلك أصحابه؛ حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فقال: "هل تدرون أي يوم ذلك؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذلك يوم ينادي الله فيه آدم، فيناديه ربه، فيقول: يا آدم! ابعث بعث النار. فيقول: أي رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة". فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بأصحابه؛ قال: "اعملوا وأبشروا؛ فوالذي نفس محمد بيده؛ إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج، ومن مات من بني آدم وبني إبليس". قال: فسري عن القوم بعض الذي يجدون. قال: "اعملوا وأَبشروا؛ فوالذي نفس محمد بيده؛ ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي، والنسائي، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٣ / ١٦٢ ]
باب ما جاء في كثرة يأجوج ومأجوج
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «نزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ على النبي ﷺ وهو في مسير له، فرفع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، ثم قال: "أتدرون أي يوم هذا؟ يوم يقول الله جل وعلا: يا آدم! قم فابعث بعث النار، من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين". فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ: "سددوا وقاربوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده؛ ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الإنس والجن» .
رواه: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان في "صحيحه".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية وأصحابه عنده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى آخر الآية، فقال: "هل تدرون أي يوم ذلك؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: "ذلك يوم يقول الله ﷿: يا آدم! قم فابعث بعثا إلى النار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة". فشق ذلك على القوم، فقال رسول الله ﷺ: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة". ثم قال رسول الله ﷺ: "اعملوا وأبشروا؛ فإنكم بين خليقتين لم يكونا مع أحد إلا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج، وإنما أنتم في الأمم كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، أمتي جزء من ألف جزء» .
رواه: ابن أبي حاتم، والبزار. قال الهيثمي: " ورجاله رجال الصحيح؛ غير هلال بن خباب، وهو ثقة".
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفا من الذرية، وإن من ورائهم أمما ثلاثا: منسك»
[ ٣ / ١٦٣ ]
«وتاويل وتاريس، لا يعلم عددهم إلا الله» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يموت الرجل حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه، كل قد حمل السلاح". قلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: "هم ثلاثة أصناف؛ فصنف منهم أمثال الأرز". قلت: وما الأرز؟ قال: "شجرة بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء". قال رسول الله ﷺ: "هؤلاء الذين لا يقوم لهم حيل ولا حديد، وصنف منهم يفترش بأذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم؛ أكلوه، مقدمتهم بالشام، وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه يحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف".
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": "أخرجه ابن عدي، وابن أبي حاتم، والطبراني في "الأوسط"، وابن مردويه، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار عن محمد بن إسحاق عن الأعمش، والعطار ضعيف جدا، ومحمد بن إسحاق: قال ابن عدي: ليس هو صاحب المغازي، بل هو العكاشي. قال: والحديث موضوع. وقال ابن أبي حاتم: منكر".
قال الحافظ ابن حجر: "لكن لبعضه شاهد صحيح، أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود، ثم ذكر حديث ابن مسعود ﵁ الذي تقدم ذكره قبل حديث حذيفة ﵁، وهو شاهد لما ذكر في حديث حذيفة ﵁ من كثرة يأجوج ومأجوج، وأما ما ذكر فيه من اختلاف أشكالهم
[ ٣ / ١٦٤ ]
وصفاتهم؛ فليس له شاهد صحيح؛ فلا يعول عليه، والصحيح ما قاله ابن كثير رحمه الله تعالى: أنهم من بني آدم، وأنهم على أشكالهم وصفاتهم. والله أعلم".
وسيأتي النص على صفاتهم التي هي من صفات بني آدم في حديث ابن حرملة عن خالته في الباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وعن حذيفة أيضا ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أول الآيات: الدجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان، والدابة، ويأجوج ومأجوج". قيل: يا رسول الله! وما يأجوج ومأجوج؟ قال: "يأجوج ومأجوج أمم، كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، وهم من ولد آدم، فيسيرون إلى خراب الدنيا، وتكون مقدمتهم بالشام وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا، فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة الطبرية، حتى يأتوا بيت المقدس، فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا، فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا من في السماء، وعيسى والمسلمون بجبل طور سينين، فيوحي الله إلى عيسى أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة، ثم إن عيسى يرفع يديه إلى السماء، ويؤمن المسلمون، فيبعث الله عليهم دابة؛ يقال لها: النغف، تدخل في مناخرهم، فيصبحون موتى من حاق الشام إلى حاق العراق، حتى تنتن الأرض من جيفهم، ويأمر السماء فتمطر كأفواه القرب، فيغسل الأرض من جيفهم ونتنهم، فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها» .
رواه ابن جرير.
وعن أوس بن أوس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج»
[ ٣ / ١٦٥ ]
«ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا» .
رواه النسائي.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "يأجوج ومأجوج يمر أولهم بنهر مثل دجلة، ويمر آخرهم، فيقول: قد كان في هذا النهر مرة ماء، ولا يموت رجل؛ إلا ترك ألفا من ذريته فصاعدا، ومن بعدهم ثلاث أمم: تاويس، وتاويل، وناسك "أو منسك"".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁ أنه ذكر يأجوج ومأجوج؛ قال: "وما يموت الرجل منهم حتى يولد له من صلبه ألف، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله ﷿: منسك، وتاويل، وتاويس".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "إن الله ﷿ جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الملائكة وجزءا سائر الخلق، وجزأ الملائكة عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءا لرسالته، وجزأ الخلق عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء الجن وجزءا بني آدم، وجزأ بني آدم عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزءا سائر الناس".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٣ / ١٦٦ ]
وعن عبد الله بن سلام ﵁ نحو الرواية الأولى عن عبد الله بن عمرو ﵄.
رواه عبد بن حميد. قال الحافظ ابن حجر: "وسنده صحيح".
باب
ما جاء في قتال يأجوج ومأجوج
«عن ابن حرملة عن خالته ﵂؛ قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب، فقال: " إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى يخرج يأجوج ومأجوج؛ عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
(الشعاف): الشعور.
باب
أن الحرب لا تضع أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج
«عن سلمة بن نفيل الكندي ﵁؛ قال بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ؛ إذا جاءه رجل، فقال: يا رسول الله! إن الخيل قد سيبت، ووضع السلاح، وزعم أقوام أن لا قتال، وأن قد وضعت الحرب أوزارها! فقال رسول الله ﷺ: " كذبوا؛ فالآن جاء القتال، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله؛ لا يضرهم من خالفهم، يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منهم، ويقاتلون»
[ ٣ / ١٦٧ ]
باب أن الحرب لا تضع أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج
«حتى تقوم الساعة، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج» .
رواه: الإمام أحمد، وابن سعد، والبخاري في "تاريخه"، والنسائي، والطبراني، وابن مردويه.
باب
ما جاء في بقاء الحج بعد خروج يأجوج ومأجوج
عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ؛ قال: «ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري. ورواه عبد بن حميد بزيادة، ولفظه: «إن الناس ليحجون ويعتمرون ويغرسون النخل بعد خروج يأجوج ومأجوج» .
فصل
وقد اختلفت أقوال العصريين في يأجوج ومأجوج
:
فبعضهم ينكرون وجودهم بالكلية، وينكرون وجود السد الذي جعله ذو القرنين بينهم وبين الناس!
ومستندهم في ذلك ما يزعمه بعض الدول في هذه الأزمان أن السائحين منهم قد اكتشفوا الأرض كلها، فلم يروا يأجوج ومأجوج، ولم يروا سد ذي القرنين.
وهذا في الحقيقة تكذيب بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ عن السد ويأجوج ومأجوج، والتكذيب بما أخبر الله به في كتابه كفر وظلم، والدليل على ذلك:
[ ٣ / ١٦٨ ]
باب ما جاء في بقاء الحج بعد خروج يأجوج ومأجوج
فصل أقوال العصريين في يأجوج ومأجوج والرد عليهم
قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ .
والتكذيب بما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة كفر أيضا؛ لأن تكذيبه فيما أخبر به ينافي الشهادة بأنه رسول الله، ويلزم عليه تكذيب قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
قال القاضي عياض في كتابه "الشفاء": "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحده أو حرفا منه أو آية أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر عند أهل العلم بإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ". انتهى.
وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه: "السد حق ثابت، ولا ينفتح ليأجوج ومأجوج إلا قرب الساعة، فمن قال بعدم وجود سد على وجه الأرض، ومستنده في ذلك قول الكشافين من النصارى، وأنهم لم يعثرون عليه؛ يكفر، وقد وقع للشيخ عبد الرحمن قاضي المرج مع متصرف بني غازي؛ فإنه قال في جمع عظيم: إنه لا سد في الأرض موجود؛ لإخبار السائحين في الأرض من النصارى. فقام الشيخ عبد الرحمن إليه أمام الحاضرين، وقال: كفرت؛ تصدق الكشافين وتكذب رب العالمين! ثم تدارك المتصرف نفسه، وقال: إنما قلت ذلك على طريق الحكاية عنهم، ولست معتقدا ذلك".
قال الكافي: "ولا يكون قول الكشافين شبهة تنفي عنه الكفر؛ لأنه لو كان إيمانه ثابتا؛ لما ترك قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ المستحيل عليهما الكذب
[ ٣ / ١٦٩ ]
وتبع قول من لا دين له". انتهى.
وبعض العصريين يزعمون أن يأجوج ومأجوج هم جميع دول الكفر المتفوقين في الصناعات الحديثة، وقد رأيت هذا القول الباطل في بعض مؤلفات المتكلفين من العصريين، وهذا القول قريب من القول الأول، وقد صرح الشيخ محمد بن يوسف الكافي بتكفير من قال به؛ كما سيأتي في كلامه قريبا إن شاء الله تعالى.
ووجه القول بتكفير من قال به أنه يلزم عليه تكذيب ما أخبر الله به في كتابه عن السد، وأنه قد حال بين يأجوج ومأجوج وبين الخروج على الناس، وأن يأجوج ومأجوج ما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ - أي: في آخر الزمان، إذا دنا قيام الساعة -؛ جعله دكاء، فخرجوا على الناس، وذلك بعدما ينزل عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام إلى الأرض، ويقتل الدجال، وقد جاء ذلك صريحا في عدة أحاديث صحيحة تقدم ذكرها.
وقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ .
وفي هاتين الآيتين أبلغ رد على زعم أن يأجوج ومأجوج هم دول الإفرنج أو غيرهم من دول المشرق والمغرب الذين لم يزالوا مختلطين بغيرهم من الناس، ولم يجعل بينهم وبين الناس سد منيع يحول بينهم وبين الخروج على الناس.
وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه: "المسألة الثانية والثلاثون: يأجوج ومأجوج هم أناس بالغون في الكثرة عددا لا يعلمه إلا الله
[ ٣ / ١٧٠ ]
تعالى، ولا يستطيع أحد مقاومتهم عند خروجهم من السد لكثرتهم، وهم مفسدون في الأرض كما أخبر الله تعالى عنهم، وهم الآن محازون عن غيرهم بالسد الذي بناه ذو القرنين، وخروجهم علامة على قيام الساعة، فمن قال واعتقد أن يأجوج ومأجوج هم أوربا؛ يكفر؛ لتكذيبه الله تعالى في خبره: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ .
قال حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: فحينئذ يخرجون، وهم؛ يعني: يأجوج ومأجوج، ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾: من كل أكمة ومكان مرتفع، ينسلون: يخرجون، ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾: دنا قيام الساعة عند خروجهم من السد.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة ﵁؛ قال: "لو أن رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج؛ لم يركبه حتى تقوم الساعة". انتهى.
وقد تقدم حديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ في خروج الدجال، وفيه: «ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وتقدم أيضا حديث حذيفة ﵁، وفيه: «قلت: يا رسول الله! فما بعد الدجال؟ قال: " عيسى ابن مريم ". قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟»
[ ٣ / ١٧١ ]
«قال: "لو أن رجلا أنتج فرسا؛ لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة» .
رواه ابن أبي شيبة.
وتقدم أيضا حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ، وفيه «أن يأجوج ومأجوج يخرجون بعد نزول عيسى ﵊ وقتل الدجال، وأن عيسى وأصحابه يدعون عليهم، فيهلكهم الله تعالى» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
وتقدم أيضا «حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ، وفيه أن عيسى ﵊ يدعو على يأجوج ومأجوج، فيهلكهم الله» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم، وصححه هو والذهبي.
وتقدم أيضا حديث حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ، وفيه «أن عيسى ﵊ يدعو على يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله تعالى» .
رواه: الحاكم، وابن منده، وابن عساكر، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي.
وفي هذه الأحاديث دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج يكون قريبا من قيام الساعة؛ كما هو منصوص عليه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، ومن قال بخلاف هذا؛ فقوله باطل مردود.
ومن أغرب أقوال العصريين ما زعمه طنطاوي جوهري في "تفسيره" أن يأجوج ومأجوج هم التتار الذين خرجوا على المسلمين في أثناء القرن السابع من الهجرة وما بعده، ولو كان الأمر على ما زعمه هذا المتخرص المتأول لكتاب الله
[ ٣ / ١٧٢ ]
تعالى على غير تأويله؛ لكان الدجال قد خرج في أول القرن السابع من الهجرة قبل خروج التتار على المسلمين، ولكان عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام قد نزل من السماء وقتل الدجال قبل خروج التتار، ولكان سد ذي القرنين قد دك في ذلك الزمان، ولكان أوائل التتار قد شربوا بحيرة طبرية وآخرهم لم يجدوا فيها ماء، ولكانوا قد حصروا نبي الله عيسى وأصحابه حتى دعا عليهم فأرسل الله عليهم النغف في رقابهم فأصبحوا فرسى كموت نفس واحدة، ولكانت الساعة قد قامت منذ سبعة قرون؛ لما تقدم في حديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «ثم يجيء عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة»، وتقدم في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة (فذكر الحديث في خروج الدجال وقتله وخروج يأجوج ومأجوج ودعاء عيسى عليهم فيهلكهم الله، ثم ذكر عن عيسى ﵊ أنه قال:) ففيما عهد إلي ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا» ، وتقدم في «حديث حذيفة ﵁: أنه قال: قلت: يا رسول الله! فما بعد الدجال؟ قال: " عيسى ابن مريم ". قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟ قال: "لو أن رجلا أنتج فرسا؛ لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة» .
وإذ لم يقع شيء من الأمور العظام التي ذكرنا؛ فمن أبطل الباطل وأقبح الجهل والتخرص واتباع الظن ما جزم به طنطاوي جوهري في قوله: "إن يأجوج ومأجوج هم التتار الذين خرجوا على المسلمين في أثناء القرن السابع وما بعده".
وقد تبعه على باطله وجهله صاحب "دليل المستفيد على كل مستحدث جديد" فزعم أن التتار هم أوائل يأجوج ومأجوج، وزعم في موضع آخر من كتابه أن يأجوج ومأجوج قد تفرقوا في الأرض وصاروا دولا في آسيا وأوربا وأمريكا.
[ ٣ / ١٧٣ ]
وقد تقدم عن الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي أنه صرح بتكفير من قال بهذا القول.
ومن المعلوم أن دول آسيا وأوربا وأمريكا لم تزل في أماكنها منذ زمان طويل، وأنه ليس بينهم وبين غيرهم سد من حديد يمنعهم من الخروج والاختلاط بغيرهم من الناس! فصفة يأجوج ومأجوج لا تنطبق على شيء من الدول المعروفة الآن.
وقد تقدم في عدة أحاديث صحيحة أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون بعد نزول عيسى ﵊ وقتل الدجال، وأنهم لا يمكثون بعد خروجهم على الناس إلا مدة يسيرة، ثم يدعو عليهم نبي الله عيسى، فيهلكهم الله جميعا كموت نفس واحدة؛ فهم بلا شك أمة عظيمة، قد حيل بينهم وبين الخروج على الناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، وهذا السد لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة؛ كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز.
وأما كون السائحين في الأرض لم يروا يأجوج ومأجوج ولا سد ذي القرنين؛ فلا يلزم منه عدم السد ويأجوج ومأجوج؛ فقد يصرف الله السائحين عن رؤيتهم ورؤية السد، وقد يجعل الله بينهم وبين الناس بحرا لا يطاق اجتيازه، أو غير ذلك من الموانع التي تمنع من رؤيتهم ورؤية السد، والله على كل شيء قدير.
والواجب على المسلم الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج وما صح عن النبي ﷺ في ذلك، ولا يجوز للمسلم أن يتكلف ما لا علم له به، ولا يقول بشيء من أقوال المتكلفين المتخرصين، بل ينبذها وراء ظهره، ولا يعبأ بشيء منها.
[ ٣ / ١٧٤ ]
باب
ما جاء في خروج الدابة من الأرض
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ .
وعن ابن عمر ﵄ في قوله ﷿: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ قال: "إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر".
رواه الحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه، وكذلك الذهبي، وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات.
قال ابن كثير في "تفسيره" ما ملخصه: "هذه الدابة تخرج في آخر الزمان؛ عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض؛ قيل: من مكة، وقيل: من غيرها، فتكلم الناس. قال ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة ويروى عن علي ﵁: "تكلمهم كلاما"؛ أي: تخاطبهم مخاطبة. وقال ابن عباس ﵄ في رواية: "تجرحهم". وعنه رواية: "كُلا تفعل"؛ يعني: هذا وهذا، وهو قول حسن، ولا منافاة".
وقال ابن كثير أيضا في "النهاية": "قال ابن عباس والحسن وقتادة: تكلمهم؛ أي: تخاطبهم مخاطبة. وعن ابن عباس: تكلمهم: تجرحهم؛ بمعنى: تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن.
وعنه: تخاطبهم وتجرحهم. وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما، والله أعلم" انتهى باختصار.
[ ٣ / ١٧٥ ]
وقال البغوي في "تفسيره": "اختلفوا في كلامها، فقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقال بعضهم: كلامها أن تقول لواحد: هذا مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر. وقال مقاتل: تكلمهم بالعربية. وقرأ سعيد بن جبير وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي: تكلم بفتح التاء وتخفيف اللام من الكلم، وهو الجرح. قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس ﵄ عن هذه الآية: تُكَلِّمهم أو تَكْلِمهم؟ قال: كل ذلك تفعل؛ تُكَلِّم المؤمن، وتَكْلِم الكافر". انتهى باختصار.
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (وذكر منها الدابة)» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات (وذكر منها الدابة)» .
رواه: الطبراني، وابن ماجه، وابن مردويه، والحاكم، وصححه هو والذهبي. وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير؛ قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه وهو يحدث في الآيات: أن أولها خروج الدجال. قال: فانصرف النفر إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات، فقال عبد الله: لم يقل مروان شيئا، قد حفظت من رسول الله ﷺ في مثل ذلك حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات»
[ ٣ / ١٧٦ ]
«خروجا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه، والبزار، والطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: " «تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن! ويقول هذا: يا كافر!» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير، والبغوي، والحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه الحاكم ولا الذهبي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه في دابة الأرض، وفي الباب عن أبي أمامة ". انتهى كلام الترمذي.
وفي رواية لأحمد: «وتختم أنف الكافر بالخاتم» .
وقد رواه ابن ماجه، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داود وعصا موسى بن عمران ﵉، فتجلوا وجه المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الحِوَاء ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن! ويقول هذا: يا كافر!» .
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «تخرج دابة الأرض معها عصا موسى وخاتم سليمان، تخطم أنف الكافر بالعصا، وتجلي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخوان، يعرف»
[ ٣ / ١٧٧ ]
«المؤمن من الكافر» .
وعن أبي أمامة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ؛ قال: «تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم، حتى يشتري الرجل البعير، فيقول: ممن اشتريته؟ فيقول: اشتريته من أحد المخطمين» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير عمر بن عبد الرحمن بن عطية، وهو ثقة".
«وعن ابن عمر ﵄: أنه قال: ألا أريكم المكان الذي قال رسول الله ﷺ: "أرى أن الدابة تخرج منه"؟ فضرب بعصاه الشق الذي في الصفا، وقال: "إنها ذات ريش وزغب، وإنه يخرج ثلثها حضر الفرس الجواد ثلاثة أيام وثلاث ليال، وإنها لتمر عليهم أيام ليفرون منها إلى المساجد، فتقول لهم: أترون المساجد تنجيكم مني؟! فتخطمهم، يساقون في الأسواق، ويقول: يا كافر! يا مؤمن! ".»
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
وعن عطية؛ قال: قال عبد الله: "تخرج الدابة من صدع من الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام، لا يخرج ثلثها".
رواه ابن أبي حاتم.
وعن حذيفة بن أسيد أراه رفعه؛ قال: «تخرج الدابة من أعظم المساجد، فبينما هم كذلك؛ إذ تصدعت» .
قال ابن عيينة: "تخرج حين يسير الإمام إلى جمع".
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
[ ٣ / ١٧٨ ]
وعن أبي الطفيل؛ قال: كنا جلوسا عند حذيفة، فذكرت الدابة، فقال حذيفة ﵁: "إنها تخرج ثلاث خرجات في بعض البوادي، ثم تكمن، ثم تخرج في بعض القرى حتى يذعروا، حتى تهريق فيها الأمراء الدماء، ثم تكمن". قال: "فبينما الناس عند أعظم المساجد وأفضلها وأشرفها - حتى قلنا: المسجد الحرام، وما سماه -؛ إذ ارتفعت الأرض، ويهرب الناس، ويبقى عامة من المسلمين؛ يقولون: إنه لن ينجينا من أمر الله شيء، فتخرج، فتجلو وجوههم حتى تجعلها كالكواكب الدرية، وتتبع الناس".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن طلحة بن عمرو وجرير بن حازم: فأما طلحة؛ فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي أن أبا الطفيل حدثه عن حذيفة بن أسيد الغفاري أبي سَرِيحة. وأما جرير؛ فقال: عن عبد الله بن عبيد عن رجل من آل عبد الله بن مسعود.
وحديث طلحة أتمهما وأحسن؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدابة، فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية (يعني: مكة)، ثم تكمن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية (يعني: مكة) . قال رسول الله ﷺ: "ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة؛ خيرها وأكرمها المسجد الحرام؛ لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتى ومعا، وثبتت عصابة المؤمنين، وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم، فجلت وجوههم، حتى تجعلها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها»
[ ٣ / ١٧٩ ]
«بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان! الآن تصلي؟ فيقبل عليها، فتسمه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار؛ يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر! اقضني حقي، وحتى إن الكافر يقول: يا مؤمن! اقضني حقي» .
قال ابن كثير في كتاب "النهاية" بعدما ساق هذا الحديث: "هكذا رواه مرفوعا من هذا الوجه بهذا السياق، وفيه غرابة. ورواه ابن جرير من طريقين عن حذيفة بن أسيد موقوفا". انتهى.
ورواه الطبراني مرفوعا. قال الهيثمي: "وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، وهو أبين حديث في ذكر دابة الأرض، ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي، فقال " طلحة - يعني: ابن عمرو الحضرمي - ضعفوه، وتركه أحمد ".
وعن سلمان ﵁ مرفوعا: «مثل أمتي ومثل الدابة حين تخرج كمثل حيز بني، ورفعت حيطانه، وسدت أبوابه، وطرح فيه من الوحش كلها، ثم جيء بالأسد، فطرح وسطها، فارتعدت وأقبلت إلى النفق يلحسنه من كل جانب، كذلك أمتي عند خروج الدابة؛ لا يفر منها أحد؛ إلا مثلث بين عينيه، ولها سلطان من ربنا عظيم» .
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه: أبو نعيم، والديلمي ".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال "يبيت الناس يسيرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض تسري إليهم، فيصبحون وقد جعلتهم بين رأسها وذنبها؛ فما مؤمن؛ إلا تمسحه، ولا منافق ولا كافر؛ إلا تخطمه، وإن التوبة لمفتوحة، ثم يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالشيء الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس
[ ٣ / ١٨٠ ]
من مغربها".
رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق الوليد بن جميع عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: " ابن البيلماني ضعيف، وكذا الوليد ".
وعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» .
رواه: ابن جرير، والطبراني. قال ابن كثير في "تفسيره": "وإسناده جيد".
باب
الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل خروج الدابة
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وزاد أحمد في رواية له: "وكان قتادة يقول: إذا قال: وأمر العامة؛ قال: أي: أمر الساعة".
وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة» .
[ ٣ / ١٨١ ]
باب الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل خروج الدابة
الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل خروج الدابة
رواه ابن ماجه. قال في "الزوائد": "إسناده حسن".
قال النووي: "قال هشام: خاصة أحدكم: الموت، وخويصة: تصغير خاصة. وقال قتادة: أمر العامة: القيامة. كذا ذكره عنهما عبد بن حميد ". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» .
رواه: مسلم، والترمذي، وابن جرير، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه الإمام أحمد، وقال فيه: "والدخان"؛ بدل: " الدجال ".
فصل
وقد أنكر أبو عبية ما ثبت عن النبي ﷺ من خروج الدابة في آخر الزمان، وتأول الدابة بتأويل باطل كعادته فيما لا يحتمله عقله مما أخبر به رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ﵊، وخروج النار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وغير ذلك مما تقدم التنبيه عليه في مواضعه.
قال في حاشية (ص١٩٠) من "النهاية" لابن كثير تعليقا على قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ الآية؛ ما نصه:
"لماذا لا يكون تكليم الدابة للإنسان بلسان الحال لا بلسان المقال؟! وإن من معاني التكليم التجريح؛ يقال: كلمه كلما إذا جرحه، وكلمه تكليما إذا أكثر الجراحات فيه؛ فلماذا لا تفهم الآية على هذا الوجه؟! ليس ما يمنع من
[ ٣ / ١٨٢ ]
فصل الرد على أبي عبية في إنكاره لخروج الدابة
هذا ولا ذلك.
ولعل المراد بالدابة هي تلك الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان وجسمه وصحته وبأمواله زروعا وثمارا ومواشي؛ جزاء له على بعض ما تجني يداه من إثم ونكر، وقصاصا على بعض تعديه لحدود الله وما شرع لعباده، والجراثيم الضارة الشديدة الخطورة منتشرة في كل مكان، تكاد تغطي مساحة الأرض وتملأ طبقات الجو، وهي تجرح وتقتل، ومن تجريحها وأذاها كلمات واعظة للناس لو كانت لهم قلوب ترجع بهم إلى الله ودينه، وتلزمهم المحجة التي ضلوا عنها وتركوها وراءهم ظهريا، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال، وحمل صحاح الأحاديث النبوية وتفسير الآيات القرآنية الكريمة بما يناسب الواقع ويواكب المنطق ويتسق وفطرة الحياة أولى من السبح في أجواء من الخيال".
والجواب أن يقال: قد تقدم عن ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة: أنهم قالوا في الدابة: إنها تكلم الناس كلاما؛ أي: تخاطبهم مخاطبة.
وقال مقاتل: تكلمهم بالعربية. وهذا يرد قول أبي عبية أن تكليم الدابة للإنسان يكون بلسان الحال لا بلسان المقال.
وعن ابن عباس ﵄ في رواية: "تكلمهم: تجرحهم؛ بمعنى: تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن". وعنه: "تخاطبهم وتجرحهم". قال ابن كثير: "وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما". انتهى.
وأما قوله: "ولعل المراد بالدابة تلك الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان وجسمه وصحته وأمواله إلى آخره".
فالجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن تأويل الدابة التي تخرج من الأرض في آخر الزمان
[ ٣ / ١٨٣ ]
بالجراثيم التي تفتك بالإنسان وجسمه وأمواله تأويل باطل مردود، وهو من جنس تأويلات القرامطة والباطنية، ويلزم على هذا التأويل الباطل تكذيب ما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها، وتكذيب النبي ﷺ ينافي الإسلام.
الوجه الثاني: أن الجراثيم التي تفتك بالإنسان وصحته وأمواله قد كانت موجودة من أول الدنيا ومنتشرة في جميع أرجاء الأرض، وأما دابة الأرض؛ فإنما تخرج في آخر الزمان عند اقتراب الساعة. وعلى هذا؛ فتأويل الدابة بالجراثيم من أبطل التأويل وأبعده من المنقول والمعقول.
الوجه الثالث: أن الجراثيم أنواع لا تحصى، وأما دابة الأرض؛ فإنما هي دابة واحدة؛ كما يدل على ذلك ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة. وعلى هذا؛ فتأويل الدابة بالجراثيم يخالف القرآن والأحاديث الصحيحة، وما خالف القرآن والأحاديث الصحيحة؛ فإنه يجب اطراحه ورده على قائله.
الوجه الرابع: أن دابة الأرض التي أخبر الله بخروجها ليست من الدواب التي يعرفها الناس، ولا من الجراثيم، وإنما هي خلق عظيم هائل، من خوارق العادات؛ كما جاء بيان ذلك في بعض الأحاديث، ولهذا تزعج الناس وتفزعهم، وقد تقدم في بعض الأحاديث أنه يكون معها عصا موسى وخاتم سليمان، فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، وقد أخبر الله عنها أنها تكلم الناس، وورد الإنذار بها في حديث أبي مالك الأشعري الذي تقدم ذكره.
وإذا كانت بهذه الصفة العظيمة؛ فمن أقبح الجهل قول أبي عبية: إنها هي الجراثيم التي تفتك بالإنسان وصحته وأمواله لأن الجراثيم لا ترى إلا بالمكبرات، فضلا عن أن تكون مما يكلم الناس ويخاطبهم، ويحمل عصا موسى وخاتم سليمان، ويجلو وجه المؤمن ويخطم أنف الكافر.
[ ٣ / ١٨٤ ]
وعلى هذا؛ فتأويل دابة الأرض بالجراثيم في غاية البعد والبطلان، بل هو نوع من الهذيان.
وأما قوله: "وحمل صحاح الأحاديث النبوية وتفسير الآيات القرآنية الكريمة بما يناسب الواقع ويواكب المنطق ويتسق وفطرة الحياة أولى من السبح في أجواء من الخيال".
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن الواجب على المسلم أن يؤمن بما جاء في كتاب الله تعالى، وبما ثبت عن رسول الله ﷺ من أخبار الغيوب الماضية والآتية، ولا يجوز لأحد أن يرد ما خفي عليه منها، وما لا يحتمله عقله، ولا أن يحمل الآيات والأحاديث على غير ظاهرها من غير دليل من الكتاب أو السنة يدل على ذلك.
وإذا علم هذا؛ فحمل الأحاديث الواردة في الدابة على الجراثيم، وتفسير الآية الكريمة بذلك، وزعم أبي عبية أن ذلك يناسب الواقع ويواكب المنطق ويتسق وفطرة الحياة؛ لا شك أنه من تحريف الكلم عن مواضعه، وتحريف الكلم عن مواضعه لا يصدر من مؤمن.
الوجه الثاني: أن يقال: ما أخبر الله به عن الدابة أنها تكلم الناس، وما جاء في بعض الأحاديث من عظم خلقها، وأنه يكون معها عصا موسى وخاتم سليمان، وأنها تجلو وجه المؤمن وتخطم أنف الكافر؛ فكل ذلك حق على حقيقته، وليس من الخيال؛ كما قد توهم ذلك أبو عبية، ومن زعم أن ذلك من الخيال؛ فقد أخطأ خطأ كبيرا، وضل ضلالا بعيدا.
ولأبي عبية أيضا عدة تعاليق في (ص ١٩٣ و١٩٤ و١٩٥) من "النهاية" لابن كثير، تصدى فيها لإنكار بعض الآثار الواردة في صفة الدابة، وكل كلامه
[ ٣ / ١٨٥ ]
في هذه المواضع باطل؛ فلا يغتر به.
وقال في حاشية (ص١٩٩) ما ملخصه: "سبق أن أشرنا إلى مفهوم الدابة بما يتفق والعقل والمنطق وسنة الدين الإسلامي، كما سبق أن أشرنا إلى أنها ظهرت وكثرت وانتشرت؛ فالدابة اسم جنس لكل ما يدب، وليست حيوانا مشخصا معينا يحوي العجائب والغرائب ويمثل على الحقيقة ما يعجز الخيال".
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: ما أشار إليه أبو عبية من مفهوم الدابة عنده بما يتفق مع عقله ومنطقه ودينه؛ فإنه مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة؛ فلا يتفق مع عقولهم ولا مع منطقهم ودينهم؛ لأنهم يؤمنون بما جاء في كتاب الله تعالى وما ثبت عن رسول الله ﷺ من أخبار الغيوب الماضية والآتية، ولا يحكمون عقولهم في شيء منها كما يفعله بعض أهل البدع، ولا يتأولون الآيات والأحاديث على غير تأويلها كما فعل ذلك أبو عبية ومن على شاكلته في كثير من أشراط الساعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية.
الوجه الثاني: أن خروج الدابة من أشراط الساعة؛ كما دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحيحة، وإذا خرجت الدابة؛ لم ينفع أحدا إيمانه إذا لم يكن مؤمنا قبل ذلك؛ كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن جرير عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض»؛ فلو كانت الدابة قد ظهرت كما زعم ذلك أبو عبية؛ لما كان الإيمان نافعا لمن آمن بعد خروجها، ويلزم على قول أبي عبية نفي الإيمان عن كل المؤمنين على وجه الأرض،
[ ٣ / ١٨٦ ]
وهذا معلوم البطلان بالضرورة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الدابة التي تخرج من الأرض في آخر الزمان ليست بأنواع متعددة، وليست اسم جنس لكل ما يدب على الأرض؛ كما زعم ذلك أبو عبية، وإنما هي حيوان واحد؛ كما يدل على ذلك ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة، ولا عبرة بما يخالف ذلك من آراء الناس وتخرصاتهم.
الوجه الرابع: أن دابة الأرض من خوارق العادات؛ كما يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، وكما تدل على ذلك الأحاديث التي تقدم ذكرها، وما كان كذلك؛ فهو مما يعجز عنه الخيال، وأنى للخيال أن يتصور ما لم يشاهد الناس له نظيرا من الدواب؟!
فصل
وقد سلك بعض العصريين في إنكار خروج الدابة في آخر الزمان مسلكا غير مسلك أبي عبية، ورد عليه الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي، فأجاد وأفاد.
قال في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه:
"المسألة الثالثة والمائة: قال (أي: المردود عليه): الدابة: كل حيوان يدب؛ أي: يمشي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، والمعنى: إذا قامت القيامة؛ بعث الله نوعا مخصوصا من دواب هذه الأرض كما يبعث غيره من الدواب الأخرى، وينطقه، فيوبخ الإنسان على كفره؛ كما ينطق أعضاءه في ذلك اليوم أيضا؛ فليس المراد من
[ ٣ / ١٨٧ ]
فصل الرد على بعض العصريين في شأن الدابة
قوله: دابة الفرد، بل النوع".
قال الشيخ محمد بن يوسف: "أقول: قوله فيه صدق وكذب، بل كفر صريح؛ فالصدق قوله: الدابة كل حيوان يدب. والآية صدق. والاستدلال بها على ما ذكره من أن المراد بالدابة النوع لا الفرد كذب وكفر صريح؛ لأن النبي ﷺ أخبر بذلك. وكون المراد: أخرجنا لهم إلى آخره؛ أي: بعثنا بعد الموت؛ افتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ، المخبر بخلاف ما أخبر به هذا الدجال الضال، بل الإخراج قبل يوم القيامة؛ لكون الدابة المخرجة من الأمارات التي تدل على قرب يوم القيامة، وهي فرد لا نوع كما يدعيه هذا الدجال.
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بين يدي الساعة: الدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها» .
وهذا معلوم من الدين عند المسلمين بالضرورة". انتهى كلام الكافي.
وذكره أيضا في كتابه "الأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية" باختصار يسير، وقد صرح فيه بتكفير من قال: إن المراد بالدابة النوع لا الفرد.
باب
ما جاء في الدخان
قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قال ابن كثير في "النهاية": "وقد نقل البخاري عن ابن مسعود رضي الله
[ ٣ / ١٨٨ ]
باب ما جاء في الدخان
عنه: أنه فسر ذلك بما كان يحصل لقريش من شدة الجوع بسبب القحط الذي دعا عليهم به رسول الله ﷺ، فكان أحدهم يرى فيما بينه وبين السماء دخانا من شدة الجوع، وهذا تفسير غريب جدا، لم ينقل مثله عن أحد من الصحابة غيره، وقد حاول بعض العلماء المتأخرين رد ذلك ومعارضته؛ لما ثبت في حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵁: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات (فذكر فيهن الدجال والدخان والدابة)»، وكذلك في حديث أبي هريرة: «بادروا بالأعمال ستا» (فذكر منهن هذه الثلاث")، والحديثان في "صحيح مسلم " مرفوعان، والمرفوع مقدم على كل موقوف.
وفي ظاهر القرآن ما يدل على وجود دخان من السماء يغشى الناس، وهذا أمر محقق عام، وليس كما روي عن ابن مسعود: أنه خيال في أعين قريش من شدة الجوع.
وقال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: ظاهر واضح جلي، ليس خيالا من شدة الجوع، ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: ينادي أهل ذلك الزمان ربهم بهذا الدعاء، يسألون كشف هذه الشدة عنهم؛ فإنهم قد آمنوا وأيقنوا ما وعدوا به من الأمور الغيبية الكائنة بعد ذلك يوم القيامة، وهذا دليل على أنه يكون قبل يوم القيامة، حيث يمكن رفعه، ويمكن استدراك التوبة والإنابة، والله أعلم". انتهى.
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها)» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال
[ ٣ / ١٨٩ ]
الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء الآيات الكبار) .
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات (وذكر منها الدخان)» .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه هو والذهبي، وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان؛ يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» .
رواه: ابن جرير، والطبراني. قال ابن كثير في "تفسيره": "وإسناده جيد".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن؛ فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر؛ فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه» .
رواه ابن أبي حاتم.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول الآيات الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر؛ تقيل معهم إذا قالوا، والدخان". قال حذيفة: يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن؛ فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر؛»
[ ٣ / ١٩٠ ]
«فيكون بمنزلة السكران؛ يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» .
رواه: ابن جرير، والبغوي؛ بإسناد ضعيف، وله شاهد مما تقدم عن أبي مالك الأشعري ﵁.
وعن علي ﵁؛ قال: "لم تمض آية الدخان بعد؛ يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفذ".
رواه ابن أبي حاتم.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: "يبيت الناس يسيرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض؛ تسري إليهم، فيصبحون وقد جعلتهم بين رأسها وذنبها؛ فما مؤمن إلا تمسحه، ولا منافق ولا كافر إلا تخطمه، وإن التوبة لمفتوحة، ثم يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالشيء الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها".
رواه الحاكم في "مستدركه" وصححه، وإسناده ضعيف، وقد تقدم في ذكر الدابة.
وقد رواه ابن جرير مختصرا، ولفظه: قال: "يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام؛ ويدخل مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالرأس الحنيذ".
وعن عبد الله بن أبي مليكة؛ قال: "غدوت على ابن عباس ﵄ ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب؛ فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت".
[ ٣ / ١٩١ ]
رواه: ابن جرير، وابن أبي خاتم. قال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄".
باب
الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل ظهور الدخان
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا (فذكرها، ومنها الدخان)» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وتقدم بتمامه في ذكر الدجال والدابة.
وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «بادروا بالأعمال ستا (فذكرها، ومنها الدخان)» .
رواه ابن ماجه بإسناد حسن، وتقدم بتمامه في ذكر الدجال والدابة.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث إذا خرجن؛ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض» .
رواه الإمام أحمد.
باب
ما جاء في طلوع الشمس من مغربها
عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (وذكر منها طلوع الشمس من مغربها)» .
[ ٣ / ١٩٢ ]
باب ما جاء في طلوع الشمس من مغربها
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات (وذكر منها: طلوع الشمس من مغربها)» .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم، وصححه الذهبي. وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول الآيات طلوع الشمس من مغربها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه فضالة بن جبير، وهو ضعيف، وأنكر هذا الحديث".
باب
الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وزاد أحمد في رواية له: "وكان قتادة يقول إذا قال: وأمر العامة: قال: أي: أمر الساعة".
وعن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ؛ قال: «بادروا»
[ ٣ / ١٩٣ ]
باب الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها
«بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة» .
رواه ابن ماجه. قال في الزوائد: "إسناده حسن".
قال النووي: "قال هشام: خاصة أحدكم: الموت، وخويصة: تصغير خاصة. وقال قتادة: أمر العامة: القيامة. كذا ذكره عنهما عبد بن حميد ".
انتهى.
باب
أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها
قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ .
قال البغوي في قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾: "يعني: طلوع الشمس من مغربها، وعليه أكثر المفسرين. ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان. ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾؛ يريد: لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق". انتهى.
وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾: "أي: إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ؛ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا؛ فأحدث توبة حينئذ؛ لم يقبل منه توبته؛ كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾؛ أي: ولا يقبل منها كسب
[ ٣ / ١٩٤ ]
باب أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها
عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك". انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾؛ قال: "طلوع الشمس من مغربها» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب". قال: "ورواه بعضهم ولم يرفعه".
وعن أبي سريرة عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾؛ قال: "طلوع الشمس من مغربها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
هكذا في "مجمع الزوائد": " أبو سريرة "! والظاهر أنه تصحيف، وأن صوابه أبو سعيد ﵁؛ لأنه قد روي من حديثه كما تقدم، ويحتمل أن يكون عن أبي هريرة ﵁، ويحتمل أن يكون عن أبي سريحة - وهو حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ -؛ فأما أبو سريرة؛ فلم أر في تراجم الصحابة ﵃ من يكنى بذلك. والله أعلم.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ قال: "طلوع الشمس من مغربها" (ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ ".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس؛ آمن من عليها؛»
[ ٣ / ١٩٥ ]
«فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن؛ إلا الترمذي.
وهذا لفظ إحدى روايات أحمد والبخاري، ولفظ مسلم. قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها؛ آمن الناس كلهم أجمعون؛ فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» .
ورواه: الإمام أحمد. والبخاري أيضا؛ بهذا اللفظ.
وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث إذا خرجن؛ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» .
رواه: مسلم، والترمذي، وابن جرير، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه الإمام أحمد، وقال فيه: "والدخان"؛ بدل: " الدجال ".
وعن أبي زرعة بن عمرو بن جرير؛ قال: «جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه وهو يحدث في الآيات أن أولها خروج الدجال. قال: فانصرف النفر إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات، فقال عبد الله: لم يقل مروان شيئا، قد حفظت من رسول الله ﷺ في مثل ذلك حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الآيات خروجا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها ". ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب -: وأظن أولاها خروجا طلوع الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما غربت؛ أتت تحت العرش، فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فأذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها؛ فعلت كما كانت تفعل؛ أتت تحت العرش،»
[ ٣ / ١٩٦ ]
«فسجدت، فاستأذنت في الرجوع، فلم يرد عليها شيء، ثم تستأذن في الرجوع؛ فلا يرد عليها شيء، ثم تستأذن؛ فلا يرد عليها شيء، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب، وعرفت أنه إن أذن لها في الرجوع؛ لم تدرك المشرق؛ قالت: رب! ما أبعد المشرق! من لي بالناس؟ حتى إذا صار الأفق كأنه طوق؛ استأذنت في الرجوع، فيقال لها: من مكانك فاطلعي. فطلعت على الناس من مغربها. ثم تلا عبد الله هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾» .
رواه: الإمام أحمد وهذا لفظه، والبزار، والطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وقد رواه: الإمام أحمد أيضا، ومسلم، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه؛ مختصرا. وفي رواية مسلم وأبي داود الطيالسي: "فأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبا". وفي رواية أحمد وابن ماجه نحوه. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مطولا بنحو رواية الإمام أحمد، ثم قال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقد رواه مسلم مختصرا كما تقدم ذكره.
وعن وهب بن جابر الخَيْواني؛ قال: كنت عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فذكر الحديث، وفيه: قال: ثم أنشأ يحدثنا؛ قال: "إن الشمس إذا غربت؛ سلمت وسجدت واستأذنت". قال: "فيؤذن لها، حتى إذا كان يوما غربت فسلمت وسجدت واستأذنت؛ فلا يؤذن لها، فتقول: أي رب! إن المسير بعيد، وإني إن لا يؤذن لي لا أبلغ". قال: "فتحبس ما شاء الله، ثم يقال لها: اطلعي من حيث غربت". قال: "فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه" من طريقه،
[ ٣ / ١٩٧ ]
وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي ذر ﵁؛ قال: «قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: "تدري أين تذهب؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن، فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» .
متفق عليه، واللفظ للبخاري. ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي؛ بنحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
قال: "وفي الباب عن صفوان بن عسال وحذيفة بن أسيد وأنس وأبي موسى ". انتهى.
وفي رواية لمسلم: «أن رسول الله ﷺ قال يوما: " أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إن هذه تجري، حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك؛ حتى يقال: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارجعي، ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها". فقال رسول الله ﷺ: "أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» .
[ ٣ / ١٩٨ ]
وفي رواية لأحمد: أن النبي ﷺ قال: «تغيب الشمس تحت العرش، فيؤذن لها، فترجع، فإذا كانت تلك الليلة التي تطلع صبيحتها من المغرب؛ لم يؤذن لها، فإذا أصبحت؛ قيل لها: اطلعي من مكانك (ثم قرأ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾» .
وفي رواية له أخرى «عن أبي ذر ﵁؛ قال: كنت مع النبي ﷺ على حمار، وعليه برذعة أو قطيفة، قال: فذاك عند غروب الشمس، فقال لي: " يا أبا ذر! هل تدري أين تغيب هذه؟ ". قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تغرب في عين حامئة، تنطلق حتى تخر لربها ﷿ ساجدة تحت العرش، فإذا حان خروجها؛ أذن الله، فتخرج، فتطلع، فإذا أراد أن يطلعها من حيث تغرب؛ حبسها، فتقول: يا رب! إن مسيري بعيد. فيقول لها: اطلعي من حيث غبت. فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها» .
قال ابن العربي المالكي: "أنكر قوم سجود الشمس، وهو صحيح ممكن".
قلت: إنما ينكر ذلك من يرتاب في صدق النبي ﷺ، فأما من لا يشك في صدقه، ويعتقد أنه مبلغ عن ربه كما أخبر الله عنه في قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾؛ فلا ينكر ذلك ولا يرتاب فيه.
فإن قيل: إن الشمس لا تزال طالعة على الأرض، ولكنها تطلع على جهة منها، وتغرب عن الجهة الأخرى؛ فأين يكون مستقرها الذي إذا انتهت إليه سجدت واستأذنت في الرجوع من المشرق؟!
فالجواب أن يقال: حسب المسلم أن يؤمن بما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، ويعتقد أنه هو الحق، ولا يتكلف ما لا علم له به من تعيين الموضع الذي تسجد فيه الشمس، بل يكل علم ذلك إلى الله تعالى.
[ ٣ / ١٩٩ ]
وقد روى: الإمام أحمد، والشيخان؛ «عن أبي ذر ﵁؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾؛ قال: "مستقرها تحت العرش» .
فهذا المستقر الذي أخبر به رسول الله ﷺ؛ إذا انتهت إليه الشمس؛ سجدت، واستأذنت في الرجوع من المشرق، فيؤذن لها، فإذا كان في آخر الزمان؛ سجدت كما كانت تسجد، فلم يقبل منها، واستأذنت في الرجوع من المشرق؛ فلم يؤذن لها؛ يقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها.
وقد قال ابن كثير رحمه الله تعالى في "البداية والنهاية" في الكلام على حديث أبي ذر ﵁ وما جاء فيه من سجود الشمس ما ملخصه:
"لا يدل على أنها - أي الشمس - تصعد إلى فوق السماوات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش، بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه، فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه، وهو وقت نصف الليل؛ فإنها تكون أبعد ما تكون من العرش؛ لأنه مقبب من جهة وجه العالم، وهذا محل سجودها كما يناسبها، كما أنه أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا، فإذا كانت في محل سجودها؛ استأذنت الرب ﷻ في طلوعها من المشرق، فيؤذن لها، فتبدو من المشرق، وهي مع ذلك كارهة لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم، فإذا كان الوقت الذي يريد الله طلوعها من جهة مغربها؛ تسجد على عادتها، وتستأذن في الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها، فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن لها، ثم تسجد فلا يؤذن لها، وتطول تلك الليلة، فتقول: يا رب! إن الفجر قد اقترب، وإن المدى بعيد. فيقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها، فإذا رآها الناس؛ آمنوا جميعا، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم
[ ٣ / ٢٠٠ ]
تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وفسروا بذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ . قيل: لوقتها الذي تؤمر فيه أن تطلع من مغربها. وقيل: مستقرها موضعها الذي تسجد فيه تحت العرش. وقيل: منتهى سيرها، وهو آخر الدنيا".
قلت: والقول الثاني أظهر، ويؤيده ما تقدم من رواية مسلم عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة» الحديث.
قال ابن كثير: "وعن ابن عباس ﵄: أنه قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾؛ أي: ليست مستقرة؛ فعلى هذا تسجد وهي سائرة". انتهى.
وقد علق أبو عبية على حديث أبي ذر ﵁ في (ص١٩٨) من "النهاية" لابن كثير، فقال ما نصه:
"سجود الشمس تحت عرش الله ﷿ كناية عن تمام انقيادها لأمره واستجابتها له سبحانه، فما من شيء إلا يسبح بحمده جلت قدرته". انتهى.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن النبي ﷺ قد نص على أن الشمس تسجد لربها نصا لا يحتمل التأويل، وهذا النص يدل على أنها تسجد سجودا حقيقيا لا مجازيا، ومن زعم أن سجودها كناية عن تمام انقيادها لأمر الله واستجابتها له؛ فقد صرف النص عن ظاهره، ولا شك أن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
[ ٣ / ٢٠١ ]
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ نص على أن الشمس تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، وهذا النص يدل على أنها إنما تسجد في موضع مخصوص، وهو مستقرها تحت العرش، ولو كان سجود الشمس كناية عن تمام انقيادها لأمر الله واستجابتها له؛ لكانت ساجدة على الدوام، ولا يخفى ما في هذا القول من المخالفة لنص الحديث، وما خالف النص؛ فهو قول باطل مردود، وكفى بالنص حجة على كل مبطل.
الوجه الثالث: أنه يلزم على قول أبي عبية إلغاء فائدة النص على سجود الشمس إذا انتهت إلى مستقرها تحت العرش، وما لزم عليه إلغاء النص؛ فهو قول سوء يجب اطراحه.
الوجه الرابع: أن كلام أبي عبية ظاهر في إنكار ما ثبت في الحديث صحيح من سجود الشمس لربها كلما انتهت إلى مستقرها تحت العرش، ولذلك صرف النص عن الحقيقة إلى الكناية التي تخالف مدلول الحديث، ولا شك أن هذا من الاستهانة بالأحاديث الصحيحة، وعدم احترامها، ومن سلك هذا المسلك؛ فهو على شفا هلكة.
وعن صفوان بن عسال المرادي ﵁: أن النبي ﷺ: «ذكرنا بابا من قبل المغرب، مسيرة عرضه (أو: يسير الراكب في عرضه) أربعين (أو: سبعين) عاما، خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض مفتوحا (يعني: للتوبة)، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي رواية لهما؛ قال: «إن الله ﷿ جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية» .
[ ٣ / ٢٠٢ ]
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه ابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح، ولفظه: «إن من قبل مغرب الشمس بابا مفتوحا، عرضه سبعون سنة، فلا يزال ذلك الباب مفتوحا للتوبة؛ حتى تطلع الشمس من نحوه، فإذا طلعت من نحوه؛ لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» .
وعن ابن السعدي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل» . فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو ابن العاص ﵃: إن النبي ﷺ قال: «إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت؛ طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل» .
رواه الإمام أحمد. قال ابن كثير في "النهاية": "وإسناده جيد قوي". وقال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في "الأوسط" و"الصغير" من غير ذكر حديث ابن السعدي، والبزار من حديث عبد الرحمن بن عوف وابن السعدي فقط، ورجال أحمد ثقات". قال: "وروى أبو داود والنسائي بعض حديث معاوية ". انتهى.
وقد وقع في (ص٢٠٢) من "النهاية" لابن كثير في النسخة التي تولى أبو عبية الإشراف عليها والتعليق عليها ما نصه: "عن ابن السعدي: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنفع الهجرة ما دام العدو يقاتل» .
وهذا تحريف قبيح جدا، وقد زاد أبو عبية الطين بلة، فقال في عنوان وضعه لهذا الحديث ما نصه: "لا تقبل هجرة المهاجرين والعدو يقاتلهم".
وفي هذا العنوان أوضح دليل على كثافة جهل واضعه وشدة بعده عن
[ ٣ / ٢٠٣ ]
معرفة الأحاديث النبوية، وقد قلب في هذا العنوان فائدة الحديث رأسا على عقب، حيث زعم أن الهجرة غير مقبولة حين قتال المهاجرين لعدوهم، ولا شك أن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه؛ لأن النبي ﷺ نص على أن الهجرة لا تنقطع ما دام العدو يقاتل؛ أي: إلى آخر الزمان، حين تطلع الشمس من مغربها، وينقطع قتال العدو؛ فحينئذ تنقطع الهجرة. والله أعلم.
وعن معاوية ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والبخاري في "الكنى".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها؛ تاب الله عليه» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن جرير.
وعن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
«وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال النبي ﷺ: "تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين، فينتبه الذين كانوا يصلون فيها، فيعملون كما كانوا يعملون قبلها، والنجوم لا ترى، قد غابت مكانها، ثم يرقدون، ثم يقومون فيصلون، ثم يرقدون، ثم يقومون؛ تبطل عليهم جنوبهم، حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزع الناس ولا يصبحون؛ فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من»
[ ٣ / ٢٠٤ ]
«مشرقها؛ إذا طلعت من مغربها؛ فإذا رآها الناس آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم» .
رواه ابن مردويه.
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك؛ يعرفها المتنفلون، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك؛ إذ صاح الناس بعضهم في بعض، فقالوا: ما هذا؟! فيفزعون إلى المساجد؛ فإذا هم بالشمس قد طلعت، حتى إذا صارت في وسط السماء؛ رجعت، فطلعت من مطلعها". قال: "فحينئذ لا ينفع نفسا إيمانها» .
رواه ابن مردويه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: "أنه قال ذات يوم لجلسائه: أرأيتم قول الله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾؛ ماذا يعني بها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنها إذا غربت سجدت له وسبحته وعظمته، ثم كانت تحت العرش، فإذا حضر طلوعها؛ سجدت له، وسبحته، وعظمته، ثم استأذنته، فيقال لها: اثبتي! فتجلس مقدار ليلتين. قال: ويفزع المتهجدون، وينادي الرجل تلك الليلة جاره: يا فلان! ما شأننا الليلة؟ لقد نمت حتى شبعت، وصليت حتى أعييت. ثم يقال لها: اطلعي من حديث غربت؛ فذلك يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا".
رواه البيهقي في "البعث والنشور".
وقال عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين: حدثني أبو عبيدة عن ابن مسعود ﵁: أنه كان يقول: "الآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها، ألم تر أن الله يقول: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية كلها؛ يعني: طلوع الشمس من مغربها".
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وذكره ابن كثير في "تفسيره" بأطول من هذا، ولم يذكر من خرجه من أصحاب الكتب.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق عوف عن أنس بن سيرين عن أبي عبيدة عن عبد الله ﵁، فذكره بنحوه، ثم قال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد ساق ابن كثير رحمه الله تعالى في كتابه "النهاية" جملة من الأحاديث التي جاءت في طلوع الشمس من مغربها، وذكر قبلها قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ .
ثم قال: "فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانا وتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل منه، وإنما كان كذلك - والله أعلم - لأن ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها؛ فعومل ذلك الوقت معاملة يوم القيامة.
كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ انتهى.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
باب
فضل العبادة في آخر الزمان
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وقد تقدم في ذكر نزول عيسى ﵊ حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان.
ورواه: الترمذي، وابن ماجه؛ مختصرا.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
باب
ما جاء في صدق رؤيا المؤمن في آخر الزمان
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اقترب الزمان؛ لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» .
رواه: الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
. ورواه الإمام أحمد، ولفظه: قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا»
[ ٣ / ٢٠٧ ]
باب ما جاء في صدق رؤيا المؤمن في آخر الزمان
«المؤمن تكذب»، والباقي بمثله.
ورواه الحاكم في "مستدركه" بهذا اللفظ.
قال ابن الأثير في "جامع الأصول": "اقتراب الزمان هو عند اعتدال الليل والنهار في فصلي الربيع والخريف. وقيل: أراد باقتراب الزمان قرب الساعة ودنو القيامة في آخر الزمان".
قلت: وهذا القول الأخير هو الصحيح؛ كما تدل على ذلك رواية الإمام أحمد والحاكم.
باب
ما جاء في رفع رؤيا النبي ﷺ في المنام
قال الأزرقي في "تاريخ مكة": حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج؛ قال: بلغني عن النبي ﷺ: أنه قال: «أول ما يرفع الركن والقرآن ورؤيا النبي ﷺ في المنام» .
باب
ما جاء في ترك تعظيم الكعبة
عن عياش بن أبي ربيعة ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا تركوها وضيعوها؛ هلكوا» .
رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
باب
ما جاء في ترك الحج
عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت» .
رواه: أبو يعلى، والبزار، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: " صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في رفع الحجر الأسود
عن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا استلام هذا الحجر؛ فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة؛ إذ أصبحوا وقد فقدوه، إن الله ﷿ لا يترك شيئا من الجنة في الأرض؛ إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة» .
رواه الأزرقي في "تاريخ مكة".
وعن يوسف بن ماهك؛ قال: "إن الله تعالى جعل الركن عيدا لأهل هذه القبلة كما كانت المائدة عيدا لبني إسرائيل، وإنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم، وإن جبريل وضعه في مكانه، وإنه يأتيه فيأخذه من مكانه".
رواه الأزرقي في "تاريخ مكة".
ثم قال الأزرقي: قال عثمان (يعني: ابن ساج): وحدثت عن مجاهد:
[ ٣ / ٢٠٩ ]
باب ما جاء في رفع الحجر الأسود
أنه قال: كيف بكم إذا أسري بالقرآن ورفع من صدوركم ونسخ من قلوبكم ورفع الركن؟! قال عثمان: وبلغني عن النبي ﷺ: أنه قال: «أول ما يرفع: الركن، والقرآن، ورؤيا النبي ﷺ في المنام» .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: «إن الله تعالى يرفع القرآن من صدور الرجال والحجر الأسود قبل يوم القيامة» .
رواه الأزرقي في "تاريخ مكة".
باب
ما جاء في استحلال البيت الحرام
عن سعيد بن سمعان؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث أبا قتادة وهو يطوف بالبيت، فقال: قال رسول الله ﷺ: «يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه؛ فلا تسأل عن هلكه العرب» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه".
باب
ما جاء في هدم الكعبة
عن سعيد بن سمعان؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث أبا قتادة ﵁ وهو يطوف بالبيت، فقال: قال رسول الله ﷺ: «يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه؛ فلا تسأل»
[ ٣ / ٢١٠ ]
باب ما جاء في هدم الكعبة
«عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة، فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا، وهم الذين يستخرجون كنزه» . رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن حبان في صحيحه والحاكم في "مستدركه".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» .
رواه: الشيخان، والنسائي. وفي رواية قال: «ذو السويقتين من الحبشة يخرب بيت الله ﷿» . ورواه الإمام أحمد بهذا اللفظ، وفي رواية له: قال رسول الله ﷺ: «في آخر الزمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة (قال: حسبت أنه قال:) فيهدمها» . إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه ابن إسحاق، وهو ثقة، ولكنه مدلس". وقال ابن كثير في "النهاية": "انفرد به أحمد، وإسناده جيد قوي".
وعن عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرا حجرا (يعني: الكعبة)» .
رواه البخاري. ورواه الإمام أحمد، ولفظه: قال: " «كأني أنظر إليه أسود أفج، ينقضها حجرا حجرا (يعني: الكعبة)» .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» .
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، وأبو داود، والحاكم، وقال: "صحيح
[ ٣ / ٢١١ ]
الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف؛ قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ غير موسى بن جبير، وهو ثقة.
وعن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: "استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني أنظر إليه حبشيا أصيلع أصيمع قائما عليها يهدمها بمسحاته".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والأزرقي في "تاريخ مكة"، واللفظ له، وإسناد كل منهما صحيح على شرط البخاري.
وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" أن أبا عبيد رواه في "غريب الحديث" من طريق أبي العالية عن علي ﵁؛ قال: "استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه؛ فكأني برجل من الحبشة أصلع (أو قال: أصمع)، حمش الساقين، قاعد عليها وهي تهدم". ورواه الفاكهاني من هذا الوجه. ورواه يحيى الحماني في "مسنده" من وجه آخر عن علي مرفوعا. انتهى.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: "اخرجوا يا أهل مكة قبل إحدى الصيلمين. قيل: وما الصيلمان؟ قال: ريح سوداء تحشر الذرة والجعل. قيل: فما الأخرى؟ قال: يجيش البحر بمن فيه من السودان، ثم يسيلون سيل النمل، حتى ينتهوا إلى الكعبة، فيخربونها، والذي نفس عبد الله بيده؛ إني لأنظر إلى صفته في كتاب الله: أفيحج، أصيع، قائما يهدمها
[ ٣ / ٢١٢ ]
بمسحاته. قيل له: فأي المنازل يومئذ أمثل؟ قال: الشعف (يعني: رؤوس الجبال) ".
رواه الأزرقي في "تاريخ مكة"، ورجاله رجال الصحيح.
قال ابن الأثير في "النهاية": " (الصيلم): الداهية، والياء زائدة، ومنه حديث ابن عمرو: اخرجوا يا أهل مكة قبل الصيلم؛ كأني به أفيحج أفيدع يهدم الكعبة". انتهى.
وعن مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه كان يقول: "كأني به أصيلع أفيدع قائما عليها يهدمها بمسحاته". قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة؛ جئت أنظر هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم أرها.
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والأزرقي في "تاريخ مكة"، وإسناد كل منهم صحيح على شرط البخاري.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أيضا: أنه قال: "إن من آخر أمر الكعبة أن الحبش يغزون البيت، فيتوجه المسملون نحوهم، فيبعث الله عليهم ريحا إثرها شرقية، فلا يدع الله عبدا في قلبه مثقال ذرة من تقى إلا قبضته، حتى إذا فرغوا من خيارهم؛ بقي عجاج من الناس؛ لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، وعمد كل حي إلى ما كان يعبد آباؤهم من الأوثان، فيعبده، حتى يتسافدوا في الطرق كما تتسافد البهائم، فتقوم عليهم الساعة؛ فمن أنبأك عن شيء بعد هذا؛ فلا علم له".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد على شرطهما موقوف"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٣ / ٢١٣ ]
باب
ما جاء في رفع البيت
عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «استمتعوا من هذا البيت؛ فإنه قد هدم مرتين، ويرفع في الثالثة» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال معمر: "بلغني عن بعضهم أن الكعبة تهدم ثلاث مرات، ثم ترفع في الثالثة أو الرابعة؛ فاستمتعوا منها".
ذكره عبد الرزاق في "مصنفه".
وعن كعب: أنه قال في الكعبة: "تهدمونها أيتها الأمة ثلاث مرات، ثم ترفع في الرابعة؛ فاستمتعوا منها".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
باب
ما جاء في رفع القرآن
قد تقدم قريبا ما رواه الأزرقي في "تاريخ مكة" عن عثمان بن ساج؛ قال: بلغني عن النبي ﷺ: أنه قال: «أول ما يرفع الركن والقرآن ورؤيا النبي ﷺ في المنام» .
وعن حذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة؛ فلا يبقى في الأرض منه آية» الحديث.
[ ٣ / ٢١٤ ]
باب ما جاء في رفع القرآن
رواه: ابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يسرى على كتاب الله، فيرفع إلى السماء، فلا يبقى في الأرض منه آية» الحديث.
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع. قالوا: وكيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا؟! قال يسرى عليه في ليلة، فيذهب ما في قلوبكم وما في مصاحفكم، ثم قرأ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه الطبراني، ولفظه: "قال: لينزعن القرآن من بين أظهركم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ألسنا نقرأ القرآن وقد أثبتناه في مصاحفنا؟! قال: يسرى على القرآن ليلا، فيذهب من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء". وفي رواية قال: "يسرى على القرآن ليلا، فلا يبقى في قلب عبد ولا في مصحفه منه شيء، ويصبح الناس فقراء كالبهائم، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ ".
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير شداد بن معقل، وهو ثقة".
وعنه ﵁: أنه قال: "ليسرين على القرآن في ليلة، فلا تترك آية في مصحف أحد؛ إلا رفعت".
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه ابن أبي داود ".
[ ٣ / ٢١٥ ]
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "يسرى على كتاب الله، فيرفع إلى السماء، فلا يصبح في الأرض آية من القرآن ولا من التوراة والإنجيل ولا الزبور، وينتزع من قلوب الرجال، فيصبحون ولا يدرون ما هو".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وهذه الآثار لها حكم المرفوعه؛ لأن مثلها لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وعن حذيفة وأبي هريرة ﵄: "يسرى على كتاب الله تعالى ليلا، فيصبح الناس ليس منه آية ولا حرف في جوف مسلم إلا نسخت".
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه الديلمي ".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: "لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث جاء، فيكون له دوي حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب ﷿: ما لك؟ فيقول: منك خرجت وإليك أعود، أتلى فلا يعمل بي؛ فعند ذلك يرفع القرآن".
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه الديلمي ".
باب
ما جاء في دروس الإسلام
عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب،»
[ ٣ / ٢١٦ ]
باب ما جاء في دروس الإسلام
«حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله؛ فنحن نقولها» . قال صلة بن زفر لحذيفة ﵁: فما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، فرددها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة! تنجيهم من النار.
رواه: ابن ماجه بإسناد صحيح، والحاكم في "مستدركه"، والبيهقي، والحافظ الضياء المقدسي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال ابن كثير في "النهاية" في الكلام على هذا الحديث: "هذا دال على أن العلم قد يرفع من الناس في آخر الزمان، حتى القرآن يسرى عليه من المصاحف والصدور، ويبقى الناس بلا علم، وإنما الشيخ الكبير والعجوز المسنة يخبرون أنهم أدركوا الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله؛ فهم يقولونها على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ فهي نافعة لهم، وإن لم يكن عندهم من العمل الصالح والعلم النافع غيرها.
وقوله: "تنجيهم من النار": يحتمل أن يكون المراد أن تدفع عنهم دخول النار بالكلية، ويكون فرضهم القول المجرد؛ لعدم تكليفهم بالأفعال التي لم يخاطبوا بها، ويحتمل أن يكون المعنى أنها تنجيهم من النار بعد دخولها، وعلى هذا؛ فيحتمل أن يكونوا من المراد بقوله في الحديث: «وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال يوما من الدهر: لا إله إلا الله»، ويحتمل أن يكون أولئك قوما آخرين". انتهى.
[ ٣ / ٢١٧ ]
باب
ما جاء في هبوب الريح الطيبة
قد تقدم في ذلك حديثان عن النبي ﷺ:
الأول منهما: حديث النواس بن سمعان ﵁ في ذكر الدجال ونزول عيسى ﵊، وفي آخره: «فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس؛ يتهارجون فيها تهارج الحمر؛ فعليهم تقوم الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
الثاني؛ حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في ذكر الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه: «ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل؛ لدخلت عليه حتى تقبضه» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وتقدم أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في ذكر الملحمة الكبرى والدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه بعد ذكر موت عيسى ودفنه: "فلا يلبثون بعد ذلك إلا يسيرا، حتى يبعث الله الريح اليمانية". قيل: وما الريح اليمانية؟ قال: "ريح من قبل اليمن، ليس على الأرض مؤمن يجد نسيمها؛ إلا قبضت روحه".
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه ابن عساكر ".
[ ٣ / ٢١٨ ]
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يبعث ريحا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة (وفي رواية: مثقال ذرة) من إيمان؛ إلا قبضته» .
رواه مسلم.
وعن عبد الرحمن بن شماسة المهري؛ قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء؛ إلا رده عليهم". فبينما هم على ذلك؛ أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة! اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا؛ فسمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك". فقال عبد الله: أجل: "ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير؛ فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة» .
رواه مسلم.
وعن عائشة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى". فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: أن ذلك تاما. قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فَتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم» .
رواه مسلم.
وعن نافع عن عياش بن أبي ربيعة ﵁؛ قال: سمعت النبي
[ ٣ / ٢١٩ ]
ﷺ يقول: «تجيء ريح بين يدي الساعة تقبض فيها أرواح كل مؤمن» .
رواه: الإمام أحمد بهذا اللفظ، والبزار والحاكم، وقالا: "تقبض فيها روح كل مؤمن". قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ إلا نافعا لم يسمع من عياش ". وقال الحاكم: "صحيح". وتعقبه الذهبي، فقال: "فيه انقطاع".
وقال الحاكم في موضع آخر: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن بريدة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ريحا يبعثها على رأس مائة سنة تقبض روح كل مؤمن» .
رواه: أبو يعلى، والحاكم في "مستدركه"، والحافظ الضياء المقدسي، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى تبعث ريح حمراء من قبل اليمن، فيكفت بها الله كل نفس مؤمن بالله واليوم الآخر، وما ينكرها الناس من قلة من يموت فيها، مات شيخ من بني فلان، وماتت عجوز من بني فلان» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يبعث ريحا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان؛ إلا قبضته» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد موقوف على عبد الله بن عمرو "، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "إن من آخر أمر الكعبة
[ ٣ / ٢٢٠ ]
أن الحبش يغزون البيت، فيتوجه المسلمون نحوهم، فيبعث الله عليهم ريحا إثرها شرقية، فلا يدع الله عبدا في قلبه مثقال ذرة من تقى؛ إلا قبضته، حتى إذا فرغوا من خيارهم؛ بقي عجاج من الناس؛ لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، وعمد كل حي إلى ما كان يعبد آباؤهم من الأوثان، فيعبده، حتى يتسافدوا في الطرق كما تتسافد البهائم، فتقوم عليهم الساعة، فمن أنبأك عن شيء بعد هذا؛ فلا علم له".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد على شرطهما موقوف"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁؛ قال: "لا تقوم الساعة حتى يبعث الله ريحا، لا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من تقى أو نهى؛ إلا قبضته، ويلحق كل قوم بما كان يعبد آباؤهم في الجاهلية".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁؛ قال: "يبعث الله ريحا غبراء قبل يوم القيامة، فتقبض روح كل مؤمن، فيقال: فلان قبض روحه وهو في المسجد، وفلان قبض روحه وهو في سوقه".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "يبعث الله ﷿ ريحا فيها زمهرير بارد، لا تدع على وجه الأرض مؤمنا؛ إلا مات بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على شرار الناس".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال الحاكم: "وكذلك روي بإسناد
[ ٣ / ٢٢١ ]
صحيح عن عبد الله بن عمرو ".
قلت: وقد تقدم حديثه قبل حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
باب
ما جاء في تكليم السباع والجمادات للإنس
عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده؛ لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".قال: "وفي الباب عن أبي هريرة ". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «ألا إن من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفسي بيده؛ لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل نعله وعذبة سوطه، ويخبره فخذه بحدث أهله بعده» .
وفي رواية لأحمد: أن النبي ﷺ قال: «آيات تكون قبل الساعة، والذي نفسي بيده؛ لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله، فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «جاء ذئب إلى راعي الغنم، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي، حتى انتزعها منه. قال: فصعد الذئب على تل،»
[ ٣ / ٢٢٢ ]
باب ما جاء في تكليم السباع والجمادات للإنس
ما جاء في تكليم السباع والجمادات للإنس
«فأقعى واستذفر، فقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله ﷿ انتزعته مني! فقال الرجل: تالله؛ إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم! قال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم! وكان الرجل يهوديا، فجاء إلى النبي ﷺ، فأسلم، وأخبره، فصدقه النبي ﷺ، ثم قال النبي ﷺ: " إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وقد علق أبو عبية في (ص٢١٢) من "النهاية" لابن كثير على قوله ﷺ في حديث أبي سعيد ﵁: «لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله، فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده"، فقال ما نصه: "كناية عن انكشاف الأسرار ورصد القريب والبعيد لها لإذاعتها» .
والجواب أن يقال: هذا تأويل باطل، والحق الذي لا شك فيه أن السباع تكلم الإنس في آخر الزمان كلاما حقيقيا، وكذلك الفخذ وعذبة السوط وشراك النعل؛ فكلها تكلم الناس في آخر الزمان كلاما حقيقيا، ومن أنكر ذلك أو شك فيه؛ فهو ممن يشك في إسلامه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله، ومن تحقيقها تصديق النبي ﷺ فيما أخبر به من الغيوب الماضية والغيوب الآتية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
وقال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقها، وحسابهم على الله» .
رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
وتكليم السباع للإنس فيه خرق للعادة، وكذلك تكليم الفخذ وعذبة السوط وشراك النعل؛ فكل ذلك خارق للعادة، ومستغرب جدا، ولهذا يكون وجود ذلك دليلا على اقتراب الساعة ودنوها.
فصل
وقد سلك أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه "مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية" مسلكا آخر في تأويل كلام السباع للإنس في آخر الزمان على السيرك الذي تستخدم فيه الأسود والنمور والفيلة وغيرها من السباع في الألعاب العجيبة والحركات الغريبة، وأنها تخاطب فتفهم وتؤمر وتنهى فتأتمر وتنتهي حسب إرادة اللاعب بها، وتأول ذلك أيضا على الكلاب التي تتخذ لاستكشاف أصحاب الجرائم، وتأول الكلام من الفخذ وعذبة السوط وشراك النعل بالفونغراف وآلة التسجيل.
وهو تأويل باطل، والجواب عنه هو ما تقدم في الرد على أبي عبية، وقد رددت عليه ردا أطول من ذلك في كتابي "إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة"؛ فليراجع هناك.
باب
لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جماء
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جماء» .
رواه الإمام أحمد. قال ابن كثير في "النهاية": "ولا بأس بإسناده".
[ ٣ / ٢٢٤ ]
باب
ما جاء في كثرة المطر وقلة النبات
عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون أمام الدجال سنون خوادع، يكثر فيها المطر، ويقل فيها النبت» الحديث.
رواه الطبراني بأسانيد. قال الهيثمي: "وفي أحسنها ابن إسحاق، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " «لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء مطرا عاما ولا تنبت الأرض شيئا» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، وأبو يعلى، فقال: عن أنس؛ قال: كنا نتحدث أنه: «لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض» الحديث. وقال: ذكره حماد هكذا، وقد ذكره حماد أيضا عن ثابت عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ فيما أحسب. قال الهيثمي: "ورجال الصحيح ثقات".
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله! الله! وحتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض» الحديث.
رواه البزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان تمطر السماء مطرا ولا تنبت الأرض» .
[ ٣ / ٢٢٥ ]
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في المطر الذي لا تكن منه بيوت المدر
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطرا؛ لا تكن منه بيوت المدر، ولا تكن منه إلا بيوت الشعر» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
باب
ما جاء في قله الرجال وكثرة النساء
عن قتادة عن أنس ﵁؛ قال: لأحدثنكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لا يحدثكم به أحد غيري: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنى، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ولفظ مسلم وابن ماجه وأحمد في بعض الروايات عنده: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنى، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد» .
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ليأتين على الناس»
[ ٣ / ٢٢٦ ]
باب ما جاء في قله الرجال وكثرة النساء
«زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء» .
رواه الشيخان.
وعن كعب بن عجرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يدبر الرجل أمر خمسين امرأة» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه محمد بن عيسى الرملي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله! الله! وحتى تمر المرأة بقطعة النعل، فتقول: قد كان لهذه رجل مرة، وحتى يكون الرجل قيم خمسين امرأة، وحتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه البزار بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا عفان: حدثنا حماد عن ثابت عن أنس ﵁؛ قال: كنا نتحدث: أنه «لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض، وحتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد، وحتى إن المرأة لتمر بالنعل، فتنظر إليها، فتقول: لقد كان لهذه مرة رجل» . ذكره حماد مرة هكذا. وقد ذكره عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ لا يشك فيه. وقد قال أيضا: عن أنس عن النبي ﷺ فيما يحسب.
إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه البزار وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجال الجميع ثقات".
[ ٣ / ٢٢٧ ]
باب
ما جاء في كثرة الروم في آخر الزمان
عن المستورد الفهري ﵁: أنه قال لعمرو بن العاص ﵁: " «تقوم الساعة والروم أكثر الناس ". فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول. قال: أقول لك ما سمعت من رسول الله ﷺ. فقال له عمرو بن العاص: إن تكن قلت ذاك؛ إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأسرع الناس كرة بعد فرة، وإنهم لخير الناس لمسكين وفقير وضعيف، وإنهم لأحلم الناس عند فتنة، والرابعة حسنة جميلة، وإنهم لأمنع الناس من ظلم الملوك.»
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه مسلم في "صحيحه" بزيادة، ولفظه: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس ". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ. قال: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.»
وفي رواية لمسلم نحوه، وقال فيه: فقال عمرو: لئن قلت ذلك؛ إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأجبر الناس عند مصيبة، وخير الناس لمساكينهم وضعفائهم.
وعن عبد الرحمن بن جبير: «أن المستورد ﵁؛ قال: بينا أنا عند عمرو بن العاص، فقلت له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أشد الناس عليكم الروم، وإنما هلكتهم مع الساعة". فقال له عمرو: ألم أزجرك عن مثل هذا؟»
[ ٣ / ٢٢٨ ]
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، وقد حسن الترمذي حديثه، وروى له مسلم مقرونا بغيره، وبقية رجاله ثقات.
وقد تقدم في أول كتاب الملاحم حديث ابن محيريز؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا أبدا، والروم ذات القرون؛ كلما هلك قرن؛ خلفه قرن؛ أهل صخر، وأهل بحر، هيهات إلى آخر الدهر، هم أصحابكم ما دام في العيش خير» .
رواه: ابن أبي شيبة، والحارث بن أبي أسامة مرسلا.
والواقع يشهد له بالصحة.
قال ابن الأثير في "النهاية": "فيه: "فارس نطحة أو نطحتين ثم لا فارس بعدها أبدا"؛ معناه: أن فارس تقاتل المسلمين مرة أو مرتين، ثم يبطل ملكها ويزول". انتهى.
باب
ما جاء في تأخير هذه الأمة خمس مائة عام
عن أبي ثعلبة الخشني صاحب رسول الله ﷺ ﵁: أنه قال وهو بالفسطاط في خلافة معاوية ﵁، وكان معاوية أغزى الناس القسطنطينية، فقال: "والله؛ لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم، إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته؛ فعند ذلك فتح القسطنطينية".
رواه الإمام أحمد موقوفا، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه"؛ عن أبي ثعلبة الخشني ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «لن يعجز الله هذه»
[ ٣ / ٢٢٩ ]
باب ما جاء في تأخير هذه الأمة خمس مائة عام
«الأمة من نصف يوم» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم ". قيل لسعد: وكم نصف ذلك اليوم؟ قال: خمس مائة سنة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"، ورجال أبي داود كلهم ثقات.
باب
ما جاء في أول الأرض خرابا
عن جرير ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أسرع الأرض خرابا يسراها ثم يمناها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه حفص بن عمر بن صباح الرقي، وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن قتادة؛ قال: لقي النبي ﷺ أبا ذر ﵁، فذكر الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: «واعلم أن أسرع أرض العرب خرابا الجناحان؛ مصر والعراق» .
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن فيه انقطاعا بين أبي ذر وقتادة.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "أول الأرض خرابا
[ ٣ / ٢٣٠ ]
باب ما جاء في أول الأرض خرابا
الشام".
رواه ابن أبي شيبة.
وقد جاء ما يخالف هذا الأثر، فروى ابن عساكر عن عوف بن مالك ﵁: "تخرب الأرض قبل الشام بأربعين سنة".
ذكره في "كنز العمال".
وحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب بعده يعارضه.
باب
ما جاء في آخر القرى خرابا
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة» .
رواه: الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وعن عوف بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أما والله يا أهل المدينة؛ لتدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي". قلنا: الله ورسوله أعلم. ثم قال رسول الله ﷺ: "أتدرون ما العوافي؟ ". قالوا: لا. قال: "الطير والسباع» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه عمر بن شبة بإسناد صحيح، ولفظه: قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد، ثم نظر إلينا، فقال: " أما والله؛ ليدعنها أهلها مذللة أربعين عاما»
[ ٣ / ٢٣١ ]
باب ما جاء في آخر القرى خرابا
«للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع» .
وعن عوف أيضا ﵁: "تخرب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة".
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه الديلمي في "مسند الفردوس"".
باب
ما جاء في أول الأمم هلاكا
عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قل الجراد في سنة من سني عمر ﵁ التي ولي فيها، فسأل عنه، فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبا إلى اليمن وآخر إلى الشام وآخر إلى العراق يسأل: هل رئي من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها؛ كبر ثلاثا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله ﷿ ألف أمة: ست مائة في البحر، وأربع مائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلكت؛ تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه عبيد بن واقد القيسي، وهو ضعيف".
باب
ما جاء في أول الناس هلاكا
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «أقبل سعد ﵁ إلى النبي ﷺ، فلما رآه؛ قال رسول الله ﷺ: " إن في وجه سعد لخبرا". قال: قتل كسرى. قال: يقول رسول الله ﷺ: "لعن الله كسرى، وإن أول الناس هلاكا»
[ ٣ / ٢٣٢ ]
باب ما جاء في أول الناس هلاكا
«العرب، ثم أهل فارس» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "وفيه داود بن يزيد الأودي، وهو ضعيف".
باب
ما جاء في هلاك العرب
عن طلحة بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة هلاك العرب» .
رواه: ابن أبي شيبة، والترمذي في "جامعه"، والبخاري في "التاريخ"، والحارس بن أبي أسامة، والطبراني، وابن عبد البر، وغيرهم. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب".
باب
ما جاء في أول العرب هلاكا
عن ابن عباس ﵄؛ قال: "أول العرب هلاكا قريش وربيعة". قالوا: وكيف؟ قال: "أما قريش؛ فيهلكها الملك، وأما ربيعة؛ فتهلكها الحمية".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن عمرو بن العاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أول الناس هلاكا قريش، وأول قريش هلاكا أهل بيتي» .
رواه الطبراني.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
باب ما جاء في أول العرب هلاكا
وعن أبي ذر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول الناس هلاكا قريش، وأول قريش هلاكا أهل بيتي» .
ذكره صاحب "كنز العمال" وقال: "رواه ابن عساكر ".
وعن عائشة ﵂؛ قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وهو يقول: " يا عائشة! قومك أسرع أمتي بي لحاقا". قالت: فلما جلس؛ قلت: يا رسول الله! جعلني الله فداءك، لقد دخلت وأنت تقول كلاما ذعرني. فقال: "وما هو؟ ". قالت: تزعم أن قومي أسرع أمتك بك لحاقا! قال: "نعم". قالت: وعم ذاك؟ قال: "تستحليهم المنايا، وتنفس عليهم أمتهم". قالت: فقلت: فكيف الناس بعد ذلك أو عند ذلك؟ قال: "دبى يأكل شداده ضعافه حتى تقوم عليهم الساعة» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
قال أبو عبد الرحمن - هو عبد الله ابن الإمام أحمد - في تفسير الدبى: "فسره رجل هو الجنادب التي لم تنبت أجنحتها".
وفي رواية: قال النبي ﷺ: «يا عائشة! إن أول من يهلك من الناس قومك". قالت: قلت: جعلني الله فداءك؛ أبني تيم؟ قال: " لا، ولكن هذا الحي من قريش؛ تستحليهم المنايا، وتنفس عنهم، أول الناس هلاكا". قلت: فما بقاء الناس بعدهم؟ قال: "هم صلب الناس، فإذا هلكوا؛ هلك الناس» .
فيه عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعنها ﵂؛ قالت: «قلت: يا رسول الله! كيف هذا الأمر بعدك؟ قال: "في قومك ما كان فيهم خير". قلت: فأي العرب أسرع فناء؟ قال: "قومك". قلت: وكيف ذلك؟ قال: "يستحليهم الموت ويفنيهم الناس» .
[ ٣ / ٢٣٤ ]
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أسرع قبائل العرب فناء قريش، ويوشك أن تمر المرأة بالنعل، فتقول: إن هذا نعل قرشي» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار ببعضه، والطبراني في "الأوسط"، وقال: "هذه"؛ بدل: "هذا". قال الهيثمي: "ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" موقوفا، ولفظه: قال أبو هريرة ﵁: "أول قبائل العرب فناء قريش، والذي نفسي بيده؛ أوشك الرجل أن يمر على النعل وهي ملقاة في الكناسة، فيأخذها بيده، ثم يقول: كانت هذه من نعال قريش في الناس".
وعن عبد الرحمن بن شبل ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يذهب الليل والنهار حتى توجد النعل بالقمامة، فيقال: كأنها نعل قرشي» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم يسم ومن ضعفه الجمهور".
قلت: وما قبله من الأحاديث الصحيحة يشهد له ويقويه.
باب
ما جاء في شر الليالي والأيام والشهور والأزمنة
عن ابن مسعود ﵁؛ قال: "إن شر الليالي والأيام والشهور والأزمنة أقربها إلى الساعة".
ذكره في "كنز العمال".
[ ٣ / ٢٣٥ ]
باب ما جاء في شر الليالي والأيام والشهور والأزمنة
ويشهد له ما رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي؛ عن أنس ﵁: أنه قال: «لا يأتي عليكم زمان؛ إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم»، سمعته من نبيكم ﷺ.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
باب
ما جاء أنه يكون قبل الساعة مائة سنة لا يعبد الله فيها
عن بريدة ﵁ مرفوعا: «لا تقوم الساعة حتى لا يعبد الله في الأرض قبل ذلك بمائة سنة» .
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه: ابن جرير، والحاكم في "تاريخه".
باب
ما جاء في بقاء الأشرار بعد الأخيار
عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "إن للأشرار بعد الأخيار عشرين ومائة سنة، لا يدري أحد من الناس متى يدخل أولها".
رواه ابن أبي شيبة.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
باب
فيمن تقوم عليهم الساعة
عن عبد الله - وهو ابن مسعود ﵁ -؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم.
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد» .
رواه الإمام أحمد. وروى البخاري منه قوله: «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء» .
وعن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه الحارث بن عبد الله الأعور، وهو ضعيف جدا، ووثقه ابن معين ".
قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه.
وعن معاوية ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد المال إلا إفاضة، ولا يزداد الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» .
[ ٣ / ٢٣٧ ]
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله وثقوا، وفيهم ضعف".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مختصرا، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» .
رواه: ابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "ولا الدين إلا إدبارا"، وإسناد كل منهما ضعيف، وما قبله عن معاوية وأبي أمامة ﵄ يشهد له ويقويه.
وعن عبد الرحمن بن شماسة المهري؛ قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، «فقال عبد الله: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء؛ إلا رده عليهم"، فبينما هم على ذلك؛ أقبل عقبة بن عامر ﵁، فقال له مسلمة: يا عقبة! اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا؛ فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي؛ يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم؛ حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك". فقال عبد الله: أجل؛ "ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير؛ فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان؛ إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة» .
رواه مسلم.
وعن النواس بن سمعان ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة الحديث، وفي آخره: «فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحا»
[ ٣ / ٢٣٨ ]
«طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر؛ فعليهم تقوم الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "يبعث الله ﷿ ريحا فيها زمهرير بارد؛ لا تدع على وجه الأرض مؤمنا؛ إلا مات بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على شرار الناس".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال الحاكم: "وكذلك روي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ".
وعن علباء السلمي ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة إلا على حثالة من الناس» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى فيها عجاجة لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا» .
رواه الإمام أحمد مرفوعا وموقوفا، ورجالهما رجال الصحيح. ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "فيبقى فيها عجاج"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وعنه ﵁؛ قال: "لا تقوم الساعة حتى يبعث الله ريحا لا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من تقى أو نهى إلا قبضته، ويلحق كل قوم بما كان يعبد آباؤهم في الجاهلية، ويبقى عجاج من الناس؛ لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، يتناكحون في الطرق كما تتناكح البهائم، فإذا كان ذلك؛ اشتد غضب الله على أهل الأرض، فأقام الساعة".
رواه الحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه، ولم يتكلم عليه الذهبي.
وعنه ﵁؛ قال: "إن من آخر أمر الكعبة أن الحبش يغزون البيت، فيتوجه المسلمون نحوهم، فيبعث الله عليهم ريحا إثرها شرقية، فلا يدع الله عبدا في قلبه مثقال ذرة من تقى؛ إلا قبضته، حتى إذا فرغوا من خيارهم؛ بقي عجاج من الناس؛ لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، وعمد كل حي إلى ما كان يعبد آباؤهم من الأوثان، فيعبده، حتى يتسافدوا في الطرق كما تتسافد البهائم، فتقوم عليهم الساعة، فمن أنبأك عن شيء بعد هذا؛ فلا علم له".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد على شرطهما موقوف"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء أن الساعة تقوم على أولاد الزنى
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «خروج الدابة بعد طلوع الشمس من مغربها، فإذا خرجت؛ لطمت إبليس وهو ساجد، ويتمتع المؤمنون في الأرض بعد ذلك أربعين سنة؛ لا يتمنون شيئا؛ إلا أعطوه ووجدوه، ولا جور، ولا ظلم، وقد أسلم الأشياء لرب العالمين طوعا وكرها، حتى إن السبع»
[ ٣ / ٢٤٠ ]
باب ما جاء أن الساعة تقوم على أولاد الزنى
«لا يؤذي دابة ولا طيرا، ويلد المؤمن فلا يموت، حتى يتم الأربعين سنة بعد خروج دابة الأرض، ثم يعود فيهم الموت، فيمكثون كذلك ما شاء الله، ثم يسرع الموت في المؤمنين؛ فلا يبقى مؤمن، فيقول الكافر: قد كنا مرعوبين من المؤمنين، فلم يبق منهم أحد، وليس تقبل منهم توبة، فيتهارجون في الطرق تهارج البهائم، يقوم أحدهم بأمه وأخته وابنته، فينكحها وسط الطريق، يقوم عنها واحد وينزو عليها آخر، لا ينكر ولا يغير، فأفضلهم يومئذ من يقول: لو تنحيتم عن الطريق؛ كان أحسن، فيكونون كذلك، حتى لا يبقى أحد من أولاد النكاح، ويكون أهل الأرض أولاد السفاح، فيمكثون كذلك ما شاء الله، ثم يعقر الله أرحام النساء ثلاثين سنة؛ لا تلد امرأة، ولا يكون في الأرض طفل، ويكونون كلهم أولاد الزنى، شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة» .
رواه الحاكم في "مستدركه". قال الذهبي: "وهو موضوع".
قلت: ولبعضه شواهد، ولا سيما ما ذكر فيه من التناكح في الطريق.
باب
لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله
عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله!» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن".
وفي رواية لأحمد ومسلم: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله! الله!» .
وفي رواية لأحمد: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله» .
[ ٣ / ٢٤١ ]
باب لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله
ورواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"؛ بهذا اللفظ، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله - وهو ابن مسعود ﵁ -؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في "النهاية": "وفي معنى قوله ﷺ: «حتى لا يقال في الأرض: الله، الله!» قولان:
أحدهما: أن معناه أن أحدا لا ينكر منكرا، ولا يزجر أحد أحدا إذا رآه قد تعاطى منكرا وغيره، فعبر عن ذلك بقوله: «"حتى لا يقال: الله! الله!»؛ كما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو: "فيبقى فيها عجاجة؛ لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا".
والقول الثاني: حتى لا يذكر الله في الأرض، ولا يعرف اسمه فيها، وذلك عند فساد الزمان، ودمار نوع الإنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان، وهذا كما في الحديث الآخر: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله»، وكما تقدم في الحديث الآخر: أن الشيخ الكبير يقول: أدركت الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يتفاقم الأمر ويتزايد الحال، حتى يترك ذكر الله في الأرض، وينسى بالكلية؛ فلا يعرف فيها، وأولئك الأشرار شر الناس وعليهم تقوم الساعة". انتهى.
والقول الثاني هو الصواب، وهو يتضمن القول الأول أيضا؛ لأنه إذا ترك
[ ٣ / ٢٤٢ ]
ذكر الله في الأرض، ونسي بالكلية، فلم يعرف؛ فمن لازم ذلك ترك إنكار المنكرات، وترك الزجر لمن يتعاطى شيئا منها. والله أعلم.
باب
ما جاء في سوق الناس إلى المحشر
عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات (فذكر الحديث، وفيه:) ونار تخرج من قعر عدن، تسوق (أو: تحشر) الناس؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن إلا النسائي. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي رواية لمسلم: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» . وفي رواية أبي داود: «وآخر ذلك تخرج نار من اليمن من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر» .
وقد تقدم هذا الحديث بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
قال ابن كثير في "النهاية": "وهذه النار تسوق الموجودين في آخر الزمان من سائر أقطار الأرض إلى أرض الشام منها، وهي بقعة المحشر والمنشر". انتهى.
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات (فذكر الحديث وفيه ): ونار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر، تحشر الذر والنمل» .
[ ٣ / ٢٤٣ ]
باب ما جاء في سوق الناس إلى المحشر
رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عمر ﵁: أنه قال: "تخرج من أودية بني علي نار تقبل من قبل اليمن؛ تحشر الناس، تسير إذا ساروا، وتقيم إذا أقاموا، حتى إنها لتحشر الجعلان، حتى تنتهي إلى بصرى، وحتى إن الرجل ليقع فتقف حتى تأخذه".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستخرج نار من حضرموت (أو: من نحو بحر حضرموت) قبل يوم القيامة تحشر الناس". قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ﵄". قال: "وفي الباب عن حذيفة بن أسيد وأنس وأبي هريرة وأبي ذر ﵃".
وقد علق أبو عبية في (ص٢٥٧) من "النهاية" على قول ابن كثير: "وإن أرض الشام هي بقعة المحشر والمنشر"، فقال ما نصه:
"هذا الكلام الذي يحدد أرض المحشر لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، بل إن في القرآن الكريم ما ينقضه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾؛ فأين أرض الشام إذا؟! ".
والجواب أن يقال: قد دل القرآن والسنة على أن أرض الشام هي أرض المحشر:
[ ٣ / ٢٤٤ ]
فأما الدليل من القرآن؛ فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآية، وأهل الكتاب هم بنو النضير، أجلاهم النبي ﷺ من المدينة إلى أذرعات من أرض الشام.
«قال ابن عباس ﵄: "من شك أن أرض المحشر هاهنا (يعني: الشام)؛ فليقرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . قال لهم رسول الله ﷺ: "اخرجوا". قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر» .
رواه ابن أبي حاتم.
وعن الحسن؛ قال: لما «أجلى رسول الله ﷺ بني النضير؛ قال: "هذا أول الحشر، وإنا على الأثر» .
رواه: ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقال الكلبي: "إنما قال: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾؛ لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب ﵁".
قال مرة الهمداني: "كان أول الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر ".
وقال قتادة: "كان هذا أول الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا".
وأما الدليل من السنة؛ فعن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول لنا: «إنكم تحشرون إلى بيت المقدس، ثم تجتمعون يوم»
[ ٣ / ٢٤٥ ]
«القيامة» .
رواه: البزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وإسناد الطبراني حسن".
وقد تقدم في حديث عمر ﵁: أن النار التي تحشر الناس تنتهي إلى بصرى، وبصرى من أرض الشام.
وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ في ذكر الحشر بالنار: أنهم قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام". فهذا يدل على أن الشام هي أرض المحشر.
وأما قول أبي عبية: "إن في القرآن ما ينقضه؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾؛ فأين أرض الشام إذا؟! ".
فجوابه أن يقال: إن الحشر إلى الشام يكون قبل يوم القيامة؛ تحشرهم النار من المشرق حتى تنتهي إلى أرض بصرى؛ كما تقدم في حديث عمر ﵁، وأرض الشام لا تزال باقية على حالها إلى يوم القيامة، فأما تبديل الأرض؛ فإنما يكون يوم القيامة، والناس إذا ذاك على الصراط؛ كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم " من حديث عائشة ﵂، وفي حديث ثوبان ﵁: أنهم في الظلمة دون الجسر. رواه مسلم. وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد» . وهذا لا ينفي أن تكون أرض الشام بهذه الصفة يوم القيامة، حين تسير الجبال وتنسف عن وجه الأرض.
والمقصود هاهنا أن اعتراض أبي عبية على ابن كثير لا وجه له، وهو مردود بما ذكرته من الآية والأحاديث. والله أعلم.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
باب
ما جاء في نداء المنادي بين يدي الصيحة
عن أبي سعيد ﵁: "ينادي مناد بين يدي الصيحة: يا أيها الناس! أتتكم الساعة. فيسمعها الأحياء والأموات، وينزل الله إلى السماء الدنيا، ثم ينادي مناد: لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار".
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه الديلمي ".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: "يوشك الملطع أن يطلع". قيل له: وما المطلع؟ قال: "مناد ينادي الساعة، فما من حي ولا ميت إلا كأنما ينادي عند أذنه".
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: رواه الخطيب في "المتقن".
وعن عقبة بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: أيها الناس! فيقبل الناس بعضهم على بعض؛ هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس! فيقول الناس: هل سمعتم؟ فيقولون: نعم. ثم ينادي: أيها الناس! أتى أمر الله فلا تستعجلوه". قال رسول الله ﷺ: "فوالذي نفسي بيده؛ إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أو يتبايعانه أبدا، وإن الرجل ليمدر حوضه فما يسقي فيه شيئا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا، ويشتغل الناس» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه الطبراني بنحوه. قال
[ ٣ / ٢٤٧ ]
الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة، وهو ثقة". وقال المنذري: رواه الطبراني بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون".
قوله: "يمدر حوضه": قال المنذري: "أي: يطينه؛ لئلا يتسرب منه الماء". انتهى.
باب
ما جاء أن الساعة تقوم نهارا
عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة إلا نهارا".
ذكره صاحب "كنز العمال" ونسبه لأبي نعيم في "الحلية"، ونسبه في موضع آخر للحاكم، ولم أره في "المستدرك".
والأحاديث الصحيحة في الباب بعده تشهد له وتقويه.
باب
ما جاء أن الساعة تقوم يوم الجمعة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال: " حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن أبي لبابة وسلمان وأبي ذر وسعد بن عبادة وأوس بن أوس ".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير يوم طلعت عليه»
[ ٣ / ٢٤٨ ]
باب ما جاء أن الساعة تقوم يوم الجمعة
«الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» .
رواه: مالك، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أوس بن أبي أوس الثقفي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم `، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي". فقالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أَرِمْتَ (يعني: وقد بليت)؟! قال: "إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن سعد بن عبادة ﵁: «أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ، فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير؟ قال: " فيه خمس خلال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفي آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله عبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه؛ ما لم يسأل مأثما أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلا وهو يشفق من يوم الجمعة» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه كلام، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات".
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وعن أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عنده، وأعظم عند الله ﷿ من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه الله ﵎ إياه؛ ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا هن يشفقن من يوم الجمعة» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تقدم كلام الهيثمي فيه، وبقية رجالهما رجال الصحيح.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيد الأيام عند الله يوم الجمعة، فيه خلق آدم أبوكم، وفيه دخل الجنة، وفيه خرج، وفيه تقوم الساعة» .
رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه إبراهيم بن يزيد الجوزي، وهو ضعيف، وروي عن عبد الله بن سلام نحوه في حيدث طويل". انتهى.
قلت: وما قبله من الأحاديث يشهد له ويقويه.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: " «ما هلك قوم لوط؛ إلا في الأذان، ولا تقوم الساعة؛ إلا في الأذان» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير آدم بن علي، وهو ثقة". قال الطبراني: "معناه عندي - والله أعلم -: في وقت أذان الفجر، وهو وقت الاستغفار والدعاء". ذكره الهيثمي عنه في "مجمع الزوائد".
وقد روى الطبراني عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: «إن الساعة تقوم وقت الأذان للفجر من يوم الجمعة للنصف من شهر رمضان» .
[ ٣ / ٢٥٠ ]
قال ابن كثير في "النهاية": "وهذا غريب يحتاج إلى دليل".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "ما هذه؟ ". قال: هذه الجمعة، فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع؛ اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب له، وهو عندنا يوم المزيد (فذكر الحديث، وفي آخره:) وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة» .
رواه الإمام الشافعي في "مسنده"، وفي إسناده ضعف، ولبعضه شواهد مما تقدم من الأحاديث الصحيحة.
وعن أبي سلمة؛ قال: كان أبو هريرة ﵁ يحدثنا عن رسول الله ﷺ: أنه قال: " إن في الجمعة ساعة (فذكر الحديث") . قلت: والله؛ لو جئت أبا سعيد! فسألته؟ فذكر الحديث، ثم خرجت من عنده، فدخلت على عبد الله بن سلام، فسألت عنها؟ فقال: «خلق الله آدم يوم الجمعة، وأهبط إلى الأرض يوم الجمعة، وقبضه يوم الجمعة، وفيه تقوم الساعة؛ فهي آخر ساعة» ". الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
باب
أن الساعة تأتي بغتة
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ .
[ ٣ / ٢٥١ ]
باب أن الساعة تأتي بغتة
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ .
وقال تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ .
باب
ما جاء في قيام الساعة
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ .
[ ٣ / ٢٥٢ ]
باب ما جاء في قيام الساعة
وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ .
وقد تقدم قريبا حديث عقبة بن عامر ﵁، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «فوالذي نفسي بيده؛ إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أو يتبايعانه أبدا، وإن الرجل ليمدر حوضه فما يسقي فيه شيئا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا، ويشتغل الناس» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة، وهو ثقة". وقال المنذري: "رواه الطبراني بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن حبان في "صحيحه". وهذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: قال: «تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يلط في حوضه فما يصدر حتى تقوم» .
قوله: "يليط حوضه"؛ أي: يطينه.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
باب
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾
[ ٣ / ٢٥٤ ]
﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ .
قال ابن عباس ﵄: " (الناقور): الصور".
ذكره البخاري في صحيحه. ورواه: ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه. وهكذا قال: مجاهد، والشعبي، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ .
قال ابن عباس ﵄: "الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة:
[ ٣ / ٢٥٥ ]
النفخة الثانية".
ذكره البخاري في "صحيحه". ورواه: ابن جرير. وابن أبي حاتم، وابن المنذر. وهكذا قال: مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغير واحد.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .
قال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾: "لعله اسم للنفخة في الصور".
وقال البغوي في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾: "يعني: صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع؛ أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها". انتهى.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين؛ لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما، فيبعث الله عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان؛ إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل؛ لدخلته عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ؛ قال: "فيبقي شرار الناس، في خفة الطير وأحلام السباع؛ لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرونا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك؛ دارٌّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا". قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله (أو قال: ينزل الله) مطرا كأنه الطل»
[ ٣ / ٢٥٦ ]
«(أو: الظل)، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى؛ فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس! هلم إلى ربكم، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ". قال: "ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين. قال: فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
قال الجوهري: " (الليت)؛ بالكسر: صفحة العنق، وهما ليتان". وقال ابن منظور في "لسان العرب": "وفي الحديث: «ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا»؛ أي: أمال صفحة عنقه". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه، فقال: «إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض؛ خلق الصور، فأعطاه إسرافيل؛ فهو واضعه على فيه، شاخصا ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر". قلت: يا رسول الله! وما الصور؟ قال: "قرن". قلت: كيف هو؟ قال: "عظيم، والذي بعثني بالحق؛ إن عظم دارة فيه كعرض السماوات والأرض؛ ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين؛ يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ! فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطيلها ولا يفتر، وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ (الحديث بطوله، وفيه:) ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله» .
رواه: ابن جرير، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم.
وهو معروف بحديث الصور، وسيأتي الكلام فيه بعد ذكر كلام أبي عبية
[ ٣ / ٢٥٧ ]
فيه إن شاء الله تعالى.
وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم ".
وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟! ". فقال أصحاب رسول الله ﷺ: كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني. قال ابن كثير: "هو حديث جيد". وقال الهيثمي: "فيه عطية العوفي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين".
قلت: قد حسن الترمذي حديثه كما سيأتي.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾؛ قال: رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى بسمعه متى يؤمر؟! ". قال أصحاب رسول الله ﷺ: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر أن»
[ ٣ / ٢٥٨ ]
«ينفخ؟! ". قال: قلنا: يا رسول الله! فما نقول يومئذ؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» .
رواه ابن حبان في "صحيحه" من حيدث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد. ورواه: الإمام أحمد، والترمذي؛ من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وقد روي من غير وجه هذا الحديث عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ نحوه". وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي صالح عن أبي سعيد، ولكن في إسناده أبو يحيى التيمي؛ قال الذهبي: "واهٍ".
وعن زيد بن أرقم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر؟! ". قال: فسمع ذلك أصحاب رسول الله ﷺ، فشق عليهم، فقال رسول الله ﷺ: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "رجاله وثقوا على ضعف فيهم".
وعن أبي مرية عن النبي ﷺ (أو عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ)؛ قال: «النفاخان في السماء الثانية، رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب (أو قال: رأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق)، ينتظران متى يؤمران ينفخان في الصور فينفخان» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "رواه أحمد على شك: فإن كان عن أبي مرية؛ فهو مرسل، ورجاله ثقات، وإن كان عن عبد الله بن عمرو؛ فهو متصل مسند، ورجاله ثقات". وقال المنذري: "رواه أحمد بإسناد جيد هكذا على الشك في إرساله أو اتصاله".
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان» .
رواه: ابن ماجه، والبزار، والحاكم، وفي إسناد ابن ماجه حجاج بن أرطاة وعطية العوفي، وكلاهما ضعيف، وفي إسناد البزار والحاكم خارجة بن مصعب الخراساني، وهو ضعيف".
وعن عبد الله بن الحارث؛ قال: «كنت عند عائشة ﵂ وعندها كعب الحبر، فذكر إسرافيل، فقالت عائشة ﵂: يا كعب! أخبرني عن إسرافيل؟ فقال كعب: عندكم العلم. قالت: أجل. قالت: فأخبرني؟ قال: له أربعة أجنحة؛ جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي؛ كتب القلم، ثم درست الملائكة، وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى، فالتقم الصور، محني ظهره، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور. فقالت عائشة ﵂: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال المنذري والهيثمي: "إسناده حسن".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات؛ إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم أحد إلا في الأرض منه شيء". قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى"، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ .
قال: "ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى
[ ٣ / ٢٦٠ ]
جسدها، حتى تدخل فيه، ثم يقومون، فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين" الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «قال أعرابي: يا رسول الله! ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، فقال: "عن عبد الله "، ولم يقل: " ابن عمرو ".
وعن مجاهد: أنه قال: "الصور كهيئة البوق".
ذكره البخاري في "صحيحه". ورواه عبد بن حميد بإسناده عن مجاهد: أنه قال: "الصور شيء كهيئة البوق".
وعن أوس بن أبي أوس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه نفخة الصور، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي". قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! فقال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٣ / ٢٦١ ]
فصل في الرد على أبي عبية في إنكاره النفخ في الصور
فصل
وقد أنكر أبو عبية النفخ في الصور، فقال في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص٢٤٣) ما نصه:
"القرن والصور والناقور معناها واحد، وهو البوق، والنفخ في الصور كناية عن إعلان البعث إلى الحياة الثانية، وليس ثمة نقر ولا نفخ، وإنما أريد من ذكر الصور والناقور تمثيل المعنى وتقريبه إلى الأذهان حتى يستقر فيها ولا يغيب عنها؛ لأن إعلان الناس بالحرب يكون عادة بالبوق، ولكون الحروب مملوءة بالأهوال، ولكون يوم القيامة مملوءا بأشد الشدائد وأثقلها؛ ناسب أن تصور الدعوة إلى البعث بالدعوة إلى الحرب، وهذا رأي فريق من علماء المسلمين".
وقال أبو عبية أيضا في (ص٢٤٤) تعليقا على أحاديث النفخ في الصور: "هذه الكلمات ليس عليها رواء النبوة ولا نورها، ولهذا؛ فهي مردودة".
والجواب أن يقال: قد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على إثبات النفخ في الصور، وقد تقدم ذكرها في هذا الباب، ومنها النص في سورة النمل على نفخة الفزع، والنص في سورة الزمر على نفخة الصعق ونفخة القيام من القبور، والنص في سورة المدثر على النقر في الناقور، ونص النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي رواه مسلم وغيره على نفخة الصعق ونفخة القيام من القبور، وهذا مما يجب الإيمان به، ومن أنكر شيئا من ذلك أو شك فيه؛ فليس بمؤمن.
وقد ذكر الفقهاء في (باب المرتد) أن من جحد آية من كتاب الله تعالى؛ فهو مرتد.
وقال القرطبي: "والقرآن الذي جمعه عثمان ﵁ بموافقة
[ ٣ / ٢٦٢ ]
الصحابة له لو أنكر بعضه منكر؛ كان كافرا، حكمه حكم المرتد؛ يستتاب، فإن تاب، وإلا؛ ضربت عنقه". انتهى.
وقال القاضي عياض في كتابه "الشفاء": "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحده أو حرفا أو آية أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ". انتهى.
ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن أبا عبية داخل في حكم الإجماع الذي ذكره القاضي عياض؛ لأنه قد صرح بنفي ما أثبته الله تعالى في كتابه من النقر في الناقور والنفخ في الصور، فينبغي له أن يبادر إلى الخروج من المأزق الذي أدخل نفسه فيه.
وأما قوله: "وهذا رأي فريق من علماء المسلمين".
فجوابه أن يقال: حاشا وكلا؛ فلا يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقول بهذا القول الباطل المعارض لنصوص القرآن والسنة، ومن قال بهذا القول الباطل؛ فليس من علماء المسلمين، وإنما هو من علماء أهل الزيغ والضلال، ومن أتباع الفريق الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأما قوله في أحاديث النفخ في الصور: "إن هذه الكلمات ليس عليها رواء النبوة ولا نورها، ولهذا؛ فهي مردودة".
فحوابه أن يقال: إن أحاديث النفخ في الصور أكثرها صحيح، ورواء النبوة ونورها ظاهر عليها كما لا يخفى على من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان،
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وقليل منها في أسانيدها ضعف، وهي تتقوى بالأحاديث الصحيحة، وكلها توافقها نصوص القرآن على إثبات النفخ في الصور، وفيها مع نصوص القرآن أبلغ رد على من نفى النفخ في الصور؛ كأبي عبية ومن نحا نحوه في معارضة النصوص وردها بغير حجة.
فصل
وقد قدح أبو عبية في حديث الصور الطويل الذي تقدم ذكر جملة من أوله.
فقال في (ص٢٥٢) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "هذا الحديث بطوله وتفصيله وأسلوبه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ، وبخاصة أنه تضمن مقاطع من القول أسقطناها؛ لبعدها عن أدب الدين وخلق الرسول ﵇، وليس يشفع له ولا يغري بقبوله كثرة رواته ولا تعدد طرقه".
وقال في (ص٢٥٣): "على رغم ثبوت أسانيد مفرقاته (يعني: حديث الصور)؛ فإن بعض هذه المفرقات تنفي نفسها عن أن تكون صحيحة النسبة إلى لسان رسول الله عليه أفضل الصلوات.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: من تأمل كلام أبي عبية على "النهاية"؛ عرف أنه من أبعد الناس عن معرفة الأحاديث، وأنه إنما يعلق عليها بما يوافق عقله ورأيه، ومن كان هكذا، وكان كلامه في الأحاديث بغير علم؛ فكلامه مردود عليه، ولا يلتفت إلى شيء منه.
يوضح ذلك الوجه الثاني: وهو أن أبا عبية قد تصرف في حديث الصور، فحذف جملة منه، زاعما أنها بعيدة عن أدب الدين وخلق الرسول ﷺ، وقد
[ ٣ / ٢٦٤ ]
فصل في الرد على أبي عبية في قدحه في حديث الصور الطويل
أخطأ خطأ كبيرا في تصرفه في الحديث وحذفه منه ما لا يوافق عقله ورأيه، والجملة التي حذفها وقال عنها ما قال هي قوله في الحديث مخبرا عن الحوراء وزوجها: "لا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء؛ ما يفتر ذكره، ولا تشتكي قبلها؛ إلا أنه لا مني ولا منية"، وليس في هذه الجملة ما يخالف أدب الدين وخلق الرسول ﷺ كما قد توهم ذلك من قل نصيبه من العلم النافع.
وقد قال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ .
قال ابن جرير: "يقول: لم يمسهن إنس قبل هؤلاء الذي وصف جل ثناؤه صفتهم، وهم الذين قال فيهم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، ولا جان؛ يقال منه: ما طمث هذا البعير حبل قط؛ أي: ما مسه حبل. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الطمث هو النكاح بالتدمية، ويقول: الطمث هو الدم، ويقول: طمثها: إذا دماها بالنكاح، وإنما عنى في هذا الموضع أنه لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل". ثم روى عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾؛ يقول: "لم يدمهن إنس ولا جان"، وعن عكرمة؛ قال: "الطمث: هو الجماع". وعن ابن زيد؛ قال: "لم يمسهن شيء إنس ولا غيره".
وعن مجاهد؛ قال: "لم يمسهن". انتهى.
وقال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾؛ قال: "لم يطأهن". وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾؛ قال: "لم يجامعهن".
وقال البغوي: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: لم يجامعهن، ولم يفترعهن، وأصله من الدم؛ قيل للحائض: طامث؛ كأنه قال: لم يدمهن بالجماع". انتهى.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
وقال الراغب الأصفهاني: " (الطمث): دم الحيض والافتضاض والطامث: الحائض، وطمث المرأة إذا افتضها، قال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾، ومنه استعير: ما طمث هذه الروضة أحد قبلنا؛ أي: ما افتضها، وما طمث الناقة جمل". انتهى.
وقال ابن الأثير في "النهاية": "يقال: طمثت المرأة تطمث طمثا إذا حاضت فهي طامث، وطمثت إذا دميت بالافتضاض، والطمث الدم والنكاح". انتهى.
وهذه الآية من سورة الرحمن توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث الصور، وفيها أبلغ رد عليه.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ .
قال ابن كثير في "تفسيره": "قال عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾؛ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار". انتهى.
وقال ابن جرير في "تفسيره": "حدثنا يعقوب عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾؛ قال: شغلهم افتضاض العذارة. إسناده حسن".
وقال أيضا: "حدثنا ابن عبد الأعلى؛ قال: حدثنا المعتمر عن أبيه عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾؛ قال: افتضاض الأبكار. إسناده صحيح".
[ ٣ / ٢٦٦ ]
وقال أيضا: "حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد؛ قال: حدثنا أبي عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾؛ قال: افتضاض الأبكار. إسناده جيد".
وقال أيضا: "حدثنا الحسين بن علي الصدائي؛ قال: حدثنا أبو النضر عن الأشجعي عن وائل بن داود عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾؛ قال: في افتضاض العذارى. إسناده جيد".
وقال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ﵄: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾؛ قال: في افتضاض الأبكار. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾؛ قال: شغلهم افتضاض العذارى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وقتادة مثله. وأخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن عمر ﵄؛ قال: إن المؤمن كلما أراد زوجة؛ وجدها عذراء. وأخرج البزار والطبراني في "الصغير" وأبو الشيخ في "العظمة" عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم؛ عادوا أبكارا» . قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": فيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو كذاب".
قلت: وسيأتي حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حبان في "صحيحه"، وهو يشهد لهذا الحديث ويقويه.
وهذه الآية من سورة يس مع تفسير ابن مسعود وابن عباس ﵄ وغيرهما من أكابر السلف توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث
[ ٣ / ٢٦٧ ]
الصور، وفيها مع أقوال المفسرين أبلغ رد عليه.
وقد جاء ذكر جماع أهل الجنة لنسائهم في عدة أحاديث.
منها حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع". قيل: يا رسول الله! أويطيق ذلك؟ قال: "يعطى قوة مائة» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والترمذي من طريقه، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب". قال: "وفي الباب عن زيد بن أرقم ". وترجم عليه الترمذي بقوله: "باب ما جاء في صفة جماع أهل الجنة".
ومنها حديث زيد بن أرقم ﵁؛ قال «جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ، فقال: يا أبا القاسم! تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ قال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع» .
رواه: الإمام أحمد، والدارمي، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ غير ثمامة بن عقبة، وهو ثقة".
ومنها حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: «قيل: يا رسول الله! هل نصل (وفي رواية: هل نفضي إلى نسائنا)؟ فقال: " والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء» .
رواه الطبراني. قال الحافظ الضياء المقدسي: "وهذا عندي على شرط الصحيح"، نقله عنه الحافظ ابن كثير في "النهاية".
ومنها حيدث ابن عباس ﵄؛ قال: «قيل: يا رسول الله!»
[ ٣ / ٢٦٨ ]
«أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا؟ قال: "والذي نفسي محمد بيده؛ إن الرجل ليفضي بالغداة الواحدة إلى مائة عذراء» .
رواه: أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه زيد بن أبي الحواري، وقد وثق على ضعف، وبقية رجاله ثقات".
ومنها حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: «سئل النبي ﷺ: هل يمس أهل الجنة أزواجهم؟ قال: "نعم؛ بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع» .
رواه البزار.
وفي رواية عنده وعند الطبراني في "الأوسط" و"الصغير"؛ قال: «قيل: يا رسول الله! أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: "إي والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء» .
قال الهيثمي: "ورجال هذه الرواية الثانية رجال الصحيح؛ غير محمد بن ثواب، وهو ثقة، وفي الرواية الأولى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف بغير كذب، وبقية رجالها ثقات".
ومنها حديث أبي هريرة أيضا عن رسول الله ﷺ: «أنه قيل له: أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ دحما دحما، فإذا قام عنها؛ رجعت مطهرة بكرا» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
ومنها حديث أبي أمامة ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ أيجامع أهل الجنة؟ قال: "نعم؛ دحما دحما، ولكن لا مني ولا منية» .
رواه الطبراني.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
وفي رواية: سئل رسول الله ﷺ: «أيتناكح أهل الجنة؟ قال: "نعم؛ بذكر لا يمل، وشهوة لا تنقطع؛ دحما دحما» .
وفي رواية: «هل ينكح أهل الجنة؟ قال: "نعم، ويأكلون ويشربون» .
قال الهيثمي: "رواها كلها الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها وثقوا على ضعف في بعضهم".
قوله: (دحما): قال ابن الأثير: "هو النكاح والوطء بدفع وإزعاج". انتهى.
ومنها حديث أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي ﵁؛ قال: «قلت: يا رسول الله! علام نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة". قال: قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم؛ غير أن لا توالد» .
رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" وفي كتاب "السنة"، والطبراني، والحاكم، وغيرهم.
وهذه الأحاديث توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث الصور، وفيها أبلغ رد عليه.
الوجه الثالث: أنه ليس في رواة حديث الصور كذاب ولا وضاع ولا من أجمع العلماء على ضعفه، وحيث لم يكن في رواته أحد من هؤلاء؛ فمن أكبر الخطأ قول أبي عبية فيه: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ!
[ ٣ / ٢٧٠ ]
الوجه الرابع: أن جماعة من أكابر المحدثين رووا هذا الحديث كما سيأتي ذكره في كلام ابن كثير، ولم يقل أحد منهم: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ، ولو كان فيه ما يقتضي الرد لردوه.
الوجه الخامس: أن أكثر ما قيل في هذا الحديث أنه غريب جدا، وأن في بعض ألفاظه نكارة، وأن في إسناده من تكلم فيه، وهذا لا يقتضي رده بالكلية، ولا أن يقال فيه: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ.
الوجه السادس: قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق حديث الصور في "تفسيره" من رواية الطبراني: "هذا حديث مشهور، وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة".
وساقة أيضا في "النهاية" من رواية أبي يعلى الموصلي، ثم قال: "هذا حديث مشهور، رواه جماعة من الأئمة في كتبهم؛ كابن جرير في "تفسيره"، والطبراني في "المطولات"، وغيرها، والحافظ البيهقي في "كتاب البعث والنشور"، والحافظ أبى موسى المديني في "المطولات" أيضا من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نكارة واختلاف".
قال: " وإسماعيل بن رافع المدني ليس من الوضاعين، وكأنه جمع هذا الحديث من طرق وأماكن متفرقة، فجمعه وساقه سياقة واحدة، فكان يقص به على أهل المدينة، وقد حضره جماعة من أعيان الناس في عصره، ورواه عنه جماعة من الكبار؛ كأبي عاصم النبيل، والوليد بن مسلم، ومكي بن إبراهيم، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعبدة بن سليمان، وغيرهم".
قال: "وقال شيخنا الحافظ المزي: وقد رواه عن إسماعيل بن رافع الوليد بن سليمان، وله عليه مصنف بين شواهده من الأحاديث الصحيحة. وقال
[ ٣ / ٢٧١ ]
الحافظ أبو موسى المديني بعد إيراده له بتمامه: وهذا الحديث وإن كان فيه نكارة وفي إسناده من تكلم فيه؛ فعامة ما فيه يروى مفرقا من أسانيد ثابتة". انتهى. باختصار.
وأما قوله: "وعلى رغم ثبوت أسانيد مفرقاته (يعني: حديث الصور)؛ فإن بعض هذه المفرقات تنفي نفسها عن أن تكون صحيحة النسبة إلى لسان رسول الله عليه أفضل الصلوات".
فجوابه أن يقال: لا يخفى ما في كلام أبي عبية من المكابرة والجراءة على رد الأحاديث الثابتة التي تشهد لحديث الصور وتقويه، وفي مكابرته وجراءته على ردها دليل على استهانته بالأحاديث الثابتة وقلة مبالاته بها، ومن كان هكذا؛ فهو على شفا هلكة.
ويقال أيضا: كل حديث ثبت إسناده؛ فنسبته إلى النبي ﷺ صحيحة، ويجب على كل مسلم قبوله: لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ولا يجوز رده؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ .
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ".
وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل:
[ ٣ / ٢٧٢ ]
خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇، فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل". انتهى.
فصل
وقد اختلفت أقوال العصريين في قيام الساعة؛ فبعضهم صرح بإنكار النفخ في الصور؛ كما تقدم عن أبي عبية، وهذا القول كفر لا شك فيه؛ لما فيه من تكذيب ما أخبر الله به في آيات كثيرة من كتابه، وتكذيب ما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك.
وقد تقدم ذكر النصوص من القرآن والسنة على أن قيام الساعة إنما يكون بالنفخ في الصور وهي حجة على كل مبطل.
فصل
وسلك محمد عبده ومن وافقه مسلكا في قيام الساعة، فزعم أن قيامها يكون بتصادم كوكبين في حال سيرهما.
قال في تفسيره لسورة الانشقاق: "وانشقاق السماء مثل انفطارها، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم؛ كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما، فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام، وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره" انتهى كلامه.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
فصل في الرد على من زعم أن قيام الساعة يكون بتصادم كوكبين
والجواب أن يقال: هذا من القول في كتاب الله بغير علم، ومن تفسير القرآن بالرأي الفاسد، وهو من جنس ما تقدم عن أبي عبية؛ لأنه يتضمن إنكار النفخ في الصور.
وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية) في الرد على محمد عبده: "واستفدنا من كلامه أن هلاك هذا الكون وانفطار السماء وانشقاقها وظهور الغمام يكون بتصادم كوكبين في حال سيرهما وغير ذلك من المعاني المخترعة التي لم يسبق إليها أحد من المسلمين غيره؛ فهو لا يؤمن بما آمن به المؤمنون من أن اختلال العالم وهلاكه يكون بنفخ إسرافيل في الصور الذي أخبر الله به في كتابه العزيز وأخبر به أيضا رسول الله ﷺ في صحيح الأحاديث واجتمعت الأمة على ذلك؛ فهو من المعلوم من الدين بالضرورة؛ فمنكره يكفر". انتهى.
فصل
وسلك أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه "مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية" مسلكا آخر في قيام الساعة، فزعم أن قيامها يكون بسبب القنابل الذرية والهيدروجينية.
قال في كتابه المذكور: "ومن تلك القنابل التي تلقيها الطائرات للعذاب ما ظهر حديثا من القنابل الذرية والهيدروجينية القوية المفعول، ولها آية تخصها من بين أنواع القنابل الأخرى، وقال تعالى في أشراط الساعة: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ فإن أهل الدنيا - وهم الكفار -، وإن ظنوا بما تيسر لهم من المخترعات أنهم قادرون عليها إصلاحا وعمارة وتزيينا وهدما وتخريبا؛ لم يقو عندهم هذا الظن حتى حصل عندهم القطع أو كاد بأنهم
[ ٣ / ٢٧٤ ]
فصل في الرد على من زعم أن قيام الساعة يكون بسبب القنابل الذرية والهيدروجينية
قادرون عليها إلا بعد حصولهم على القنابل الذرية والطاقة الذرية كما هو معلوم، وبهذا يعلم أن الساعة قريبة جدا، وأن ظهور أشراطها الكبرى كالمهدي وعيسى ﵉ منتظر من يوم لآخر.
وقد يكون المراد من قوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾: أنه سيسلط أصحاب هذه القنابل بعضهم على بعض، فيتحاربون بها، ويكون ذلك سببا في خراب الدنيا، وجعلها حصيدا كما قال الله تعالى، وكما يصفه الواصفون لمفعول هذه القنابل التي يبدون منها تخوفهم العظيم على الدنيا بأسرها، ولكن لا تقع هذه الحروب المؤدية إلى ما قال الله تعالى إلا بعد خروج المهدي، ونزول عيسى لقتل الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة وغير ذلك مما صحت به الأخبار، ومما هو واقع لا محالة". انتهى كلامه.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن كلامه على الآية من سورة يونس وتطبيقها على القنابل الذرية والهيدروجينية لم يسبقه إليه أحد، وهو من القول في كتاب الله بغير علم وذلك من أعظم المحرمات ومن كبائر الإثم.
الوجه الثاني: أن الآية من سورة يونس ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه الغماري، وليس فيها دلالة على وجود القنابل الذرية والهيدروجينية بوجه من الوجوه، وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لسرعة زوال الدنيا وانقضائها، ولا خلاف بين المفسرين في هذا.
الوجه الثالث: أن خراب الدنيا بأسرها وقيام الساعة لا يكون على أيدي بني آدم بتفجير القنابل القوية المفعول كما قد توهمه الغماري، وكما يظنه كثير من أهل زماننا ممن قل نصيبهم من العلم النافع، وإنما يكون ذلك بالنفخ في الصور كما أخبر الله تعالى بذلك في آيات كثيرة من القرآن وأخبر به رسول الله
[ ٣ / ٢٧٥ ]
ﷺ في الأحاديث الصحيحة، وقد ذكرت الآيات والأحاديث في ذلك في أول الباب، ومنها يعلم أن خراب الدنيا وقيام الساعة إنما يكون بالنفخ في الصور وهو أمر سماوي لا صنع للبشر فيه، ويعلم أيضا بطلان ما يتخرصه المتخرصون أن خراب الدنيا وقيام الساعة يكون بفعل بني آدم أو بتصادم بعض الكواكب.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وإذا كان أهل السماوات يفزعون من النفخ في الصور ويصعقون؛ فهل يقول عاقل: إن مفعول القنابل الذرية والهيدروجينية يصل إلى السماوات السبع، فيفزع أهلها ويصعقون؟! وهل يقول عاقل: إن أهل السماوات يفزعون ويصعقون بسبب تصادم كوكبين؟! كلا؛ لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل، وإنما يقوله المعتوهون الذين يتكلمون في أمور الكون من غير شعور.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الكفار ليسوا أهل الدنيا دون المؤمنين كما قد زعمه الغماري، وليس في الآية من سورة يونس ما يدل على ما ذهب إليه الغماري، وإنما أهل الدنيا جميع أهل الأرض من مؤمن وكافر، وأما تخصيص الكفار بأنهم أهل الدنيا دون المؤمنين فلا شك أنه من القول في كتاب الله بغير علم.
باب
ما جاء في صفة يوم القيامة
عن ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين؛ فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾،»
[ ٣ / ٢٧٦ ]
باب ما جاء في صفة يوم القيامة
ما جاء في صفة يوم القيامة
«﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
فصل
وقد أسقط أبو عبية حديث أبي رزين لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي من "النهاية" لابن كثير، وقال في (ص٢٧٣) ما نصه: "بين الحديث المذكور: "ما من أمتي أو من الأمة عبد" إلخ، وبين قول المؤلف: "قال الوليد بن مسلم " كلام كثير أسقطناه لعدم صحة محتواه، ولظهور كذبه في صياغته ودلالته".
والجواب أن يقال: مراده بالكلام الكثير الذي أسقطه وقال عنه ما قال: هو الحديث الطويل عن أبي رزين العقيلي ﵁ في ذكر قيام الساعة وذكر البعث والنشور.
وقد ذكرت قريبا أن أبا عبية كان جريئا على رد الأحاديث التي تخالف عقله ورأيه، ولقد أخطأ خطأ كبيرا في إسقاطه حديث أبي رزين العقيلي وقدحه فيه بغير حجة، وأنا أذكر هاهنا حديث أبي رزين ﵁، وأذكر بعده كلام الحفاظ فيه، وأبين صحة محتواه وما يشهد له من الآيات والأحاديث إن شاء الله تعالى.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل في "زوائد المسند": "كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير: كتبت إليك بهذا الحديث، وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك؛ فحدث بذلك
[ ٣ / ٢٧٧ ]
فصل في الرد على أبي عبية حيث أسقط حديث أبي رزين وتكلم فيه بالباطل
عني؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي من بني عمرو بن عوف عن دَلْهَم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر. قال دلهم: وحدثنيه أبي الأسود عن عاصم بن لقيط: «أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا، فقال: " أيها الناس! ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه، فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ؟ ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال، ألا إني مسؤول: هل بلغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا".
قال: فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره؛ قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني أبتغي لسقطه. فقال: "ضن ربك ﷿ بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله (وأشار بيده") . قلت: وما هي؟ قال: "علم المنية؛ قد علم منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم؛ قد علمه ولا تعلمون، وعلم ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين، فيظل يضحك، قد علم أن غِيَرَكم إلى قريب". قال لقيط: لن نعدم من رب يضحك خيرا. "وعلم يوم الساعة".
قلت: يا رسول الله! علمنا مما تعلم الناس وما تعلم؛ فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد من مذحج التي تربو علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها. قال: "تلبثون ما لبثتم، ثم يتوفى نبيكم ﷺ، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك ﷿، فأصبح ربك ﷿ يطيف في الأرض،»
[ ٣ / ٢٧٨ ]
«وخلت عليه البلاد، فأرسل ربك ﷿ السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك؛ ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلفه من عند رأسه، فيستوي جالسا، فيقول ربك: مهيم؟ لما كان فيه. يقول: يا رب! أمس، اليوم. ولعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله".
فقلت: يا رسول الله! كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟! قال: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؛ الأرض أشرفت عليها وهي مَدَرَة بالية، فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك ﷿ عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة، ولعمر إلهك؛ لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم، فتنظرون إليه وينظر إليكم".
قال: قلت: يا رسول الله! وكيف نحن ملء الأرض وهو شخص واحد ننظر إليه وينظر إلينا؟! قال: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ﷿، الشمس والقمر آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة، لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك؛ لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم، لا تضارون في رؤيتهما".
قلت: يا رسول الله! فما يفعل بنا ربنا ﷿ إذا لقيناه؟ قال: "تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك ﷿ بيده غرفة من الماء، فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك؛ ما تخطئ وجه أحدكم منها قطرة، فأما المسلم؛ فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر؛ فتخطمه بمثل الحمم الأسود، ألا ثم ينصرف نبيكم ﷺ ويفرق على أثره الصالحون، فيسلكون جسرا من النار، فيطأ أحدكم الجمر، فيقول: حس! يقول ربك ﷿ أو أنه ألا فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ ناهلة قط رأيتها؛ فلعمر إلهك؛ ما يبسط أحد منكم يده؛ إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا".
قال: قلت: يا رسول الله! فبم نبصر؟ قال:»
[ ٣ / ٢٧٩ ]
«"بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال".
قال: قلت: يا رسول الله! فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: "الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها؛ إلا أن يعفو".
قال: قلت: يا رسول الله! فما الجنة وما النار؟ قال: "لعمر إلهك؛ إن للنار لسبعة أبواب، ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وإن للجنة لثمانية أبواب، ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما".
قلت: يا رسول الله! فعلام نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن، وبفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة".
قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواج؟ أو منهن مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذذن بكم؛ غير أن لا توالد". قال لقيط: فقلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يجبه النبي ﷺ.
قلت: يا رسول الله! علام أبايعك؟ قال: فبسط النبي ﷺ يده، وقال: "على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال المشرك، وأن لا تشرك بالله إلها غيره". قلت: وأن لنا ما بين المشرق والمغرب. فقبض النبي ﷺ يده، وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه. قال: قلت: نحل منها حيث شئنا، ولا يجني امرؤ إلا على نفسه. فبسط يده، وقال: "ذلك لك، تحل حيث شئت، ولا يجني عليك إلا نفسك".
قال: فانصرفنا عنه، ثم قال: "إن هذين لعمر إلهك من أتقى الناس في الأولى والآخرة". فقال له كعب بن الخدرية أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله؟ قال: "بنو المنتفق أهل ذلك". قال: فانصرفنا، وأقبلت عليه، فقلت: يا رسول الله! هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم؟ قال: قال رجل من عرض قريش: والله؛ إن أباك المنتفق لفي النار. قال: فلكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا»
[ ٣ / ٢٨٠ ]
«رسول الله! ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله! وأهلك؟ قال: "وأهلي، لعمر الله؛ ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك؛ فقل: أرسلني إليك محمد؛ فأبشر بما يسؤوك؛ تجر على وجهك وبطنك في النار".
قال: قلت: يا رسول الله! ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال: "ذلك لأن الله ﷿ بعث في آخر كل سبع أمم (يعني: نبيا) فمن عصى نبيه؛ كان من الضالين، ومن أطاع نبيه؛ كان من المهتدين» .
وقد رواه عبد الله أيضا في "كتاب السنة" والطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط أن لقيطا ". انتهى كلام الهيثمي.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق يعقوب بن عيسى عن عبد الرحمن بن المغيرة، فذكره بنحوه، ثم قال: "هذا حديث جامع في الباب صحيح الإسناد، كلهم مدنيون، ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي في "تلخيصه"، فقال: " يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ضعيف". انتهى.
ولم يتكلم الذهبي في أحد من رواته سوى يعقوب بن عيسى، وهو في إسناد الحاكم وحده، وقد وافقه إبراهيم بن حمزة الزبيري على رواية الحديث عن عبد الرحمن بن المغيرة، وإبراهيم ثقة؛ كما سيأتي بيان ذلك في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى؛ فروايته للحديث تؤيد رواية يعقوب بن عيسى وتشهد لها بالصحة. والله أعلم.
وقد روى البخاري في "تاريخه الكبير" طرفا من أوله تعليقا بصيغة الجزم، فقال في ترجمة دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي ما نصه: "قال ابن حمزة: حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد
[ ٣ / ٢٨١ ]
الرحمن؛ قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم السمعي الأنصاري عن دلهم بن الأسود عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر؛ قال دلهم: وحدثني أبي عن عاصم: «أن لقيطا خرج وافدا إلى النبي ﷺ؛ قال: قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب؟ فقال: "ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله» .
قوله: " عبد الرحمن بن القاسم السمعي "؛ صوابه: عبد الرحمن بن عياش السمعي، وقد ذكره البخاري على الصواب في ترجمة عبد الرحمن، فقال ما نصه: " عبد الرحمن بن عياش الأنصاري، يعد في أهل المدينة، عن دلهم بن الأسود، سمع منه عبد الرحمن بن المغيرة ". وقال في ترجمة الأسود ما نصه: " الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق عن عمه لقيط، روى عنه ابنه دلهم، يعد في أهل الحجاز". انتهى.
وقد أشار البخاري إلى حديث أبي رزين ﵁ فيما ذكره الترمذي في "جامعه" في (باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة)؛ فقد روى فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة؛ كان حمله ووضعه وسنه في ساعة ما يشتهي» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: في الجنة جماع ولا يكون ولد، هكذا يروى عن طاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي، وقال محمد: قال إسحاق بن إبراهيم في حديث النبي ﷺ: «إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة؛ كان في ساعة كما يشتهي» . ولكن لا يشتهي. قال محمد: وقد روي عن أبي رزين العقيلي عن النبي ﷺ «أن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد» . انتهى كلام الترمذي.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "زاد المعاد" في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته
[ ٣ / ٢٨٢ ]
وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه، ولا في أحد من رواته، فممن رواه: الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في "مسند أبيه" وفي "كتاب السنة"، ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في "كتاب السنة" له، ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في "كتاب المعرفة"، ومنهم حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في كثير من كتبه، ومنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في "كتاب السنة"، ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده حافظ أصبهان، ومنهم الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه، ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم.
وقال ابن منده: "روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعة من الأئمة؛ منهم: أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ولم ينكره أحد، ولم يتكلم في إسناده، بل رووه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة. هذا كلام أبي عبد الله بن منده ". انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
وقال أيضا في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح": "وأما حديث أبي
[ ٣ / ٢٨٣ ]
رزين الذي أشار إليه البخاري؛ فهو حديثه الطويل، ونحن نسوقه بطوله، نجمل به كتابنا؛ فعليه من الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادي على صحته".
ثم ساقه ابن القيم، وقال بعد سياقه: "هذا حديث كبير مشهور".
ثم ذكر من رواه من الأئمة على سبيل القبول والتسليم بنحوه ما ذكره في "أعلام الموقعين"؛ قال: "وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقرؤوه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين، فلم ينكره أحد منهم، ولم يتكلم في إسناده، وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول. وقال أبو الخير بن حمدان: هذا حديث كبير ثابت مشهور. وسألت شيخنا أبا الحجاج المزي عنه، فقال: عليه جلالة النبوة". انتهى.
وإذا علم هذا؛ فقد قال ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" بعد أن ساق حديث أبي رزين ﵁: "هذا حديث غريب جدا، وألفاظه في بعضها نكارة". انتهى.
وقوله هذا يخالفه فيه كثير من أكابر العلماء الذين تقدم ذكرهم في كلام ابن القيم، ولا سيما أبو عبد الله بن منده وأبو الخير بن حمدان وأبو الحجاج المزي وكذلك ابن القيم.
فأما قوله: "إنه حديث غريب": فإن أراد بذلك غرابة سنده؛ لكونه لم يرو إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي عن عبد الرحمن بن عياش السمعي عن دلهم بن الأسود عن أبيه؛ فغرابة سنده لا تؤثر فيه، وكم من حديث غريب الإسناد وهو مع ذلك أصل من أصول الدين؛ مثل حديث: «إنما الأعمال بالنيات» وغيره من الأحاديث التي لم ترو إلا من طريق واحد وهي مما يعتمد عليه في أصول الدين أو في فروعه.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وإن أراد أنه غريب المتن؛ ففي ذلك نظر، وسأذكر ما يشهد له من الآيات والأحاديث الصحيحة إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: "وألفاظه في بعضها نكارة"؛ ففيه نظر أيضا، وقد تقدم قول ابن منده: إنه "رواه محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وقرؤوه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين فلم ينكره أحد منهم ولم يتكلم في إسناده، وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول"، وكذلك أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، وهؤلاء الأكابر من أعلم الناس بعلل الأحاديث، ولو كان في حديث أبي رزين نكارة؛ لبينوها، ولم يسكتوا عنها ويقروها، والله أعلم.
وقد ساقه ابن كثير في "النهاية"، ولم يتكلم فيه بشيء، وقال في ذكر أبواب الجنة في "النهاية": "فأما حديث لقيط بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إن للنار سبعة أبواب؛ ما فيها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما»؛ فإنه حديث مشهور". انتهى.
فصل
في شرح ما في حديث أبي رزين من الغريب
قوله: "يشرف عليكم أزلين": قال ابن الأثير: " (الأزل): الشدة والضيق، وقد أزل الرجل يأزل أزلا؛ أي: صار في ضيق وجدب ". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: " (الأزل)؛ بسكون الزاي: الشدة، والأزل على وزن كتف: هو الذي قد أصابه الأزل واشتد به حتى كاد يقنط ". انتهى.
وقوله: "وقد علم أن غيركم إلى قريب": (الغير)؛ بكسر الغين وفتح
[ ٣ / ٢٨٥ ]
فصل في شرح ما في حديث أبي رزين من الغريب
الياء: تغير الحال وانتقالها من القحط والجدب إلى نزول الغيث وخروج النبات من الأرض.
وقوله: "ثم تبعث الصائحة"؛ أي: النفخ في الصور؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ .
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (ثم تبعث الصائحة): هي صيحة البعث ونفخته ".
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: «ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك؛ ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات» . وهذا صريح في أن الصيحة صيحة الصعق لا صيحة البعث. والله أعلم.
وقوله: "تهضب": قال ابن الأثير: "أي: تمطر، ويجمع على أهضاب ثم أهاضيب؛ كقول وأقوال وأقاويل".
وقوله: "حتى تخلفه من عند رأسه": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هو من أخلف الزرع إذا نبت بعد حصاده، شبه النشأة الأخرى بعد الموت بإخلاف الزرع بعدما حصد، وتلك الخلفة من عند رأسه كما ينبت الزرع". انتهى.
ويقال: أخلف الأراك والسلم إذا أخرج الخلفة، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف، وأخلف الخزامى؛ أي: طلعت خلفته من أصوله بالمطر.
وقوله: "فيستوي جالسا": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هذا عند تمام خلقته وكمال حياته، ثم يقوم بعد جلوسه قائما، ثم يساق إلى موقف القيامة إما راكبا وإما ماشيا". انتهى.
وقوله: "فيقول ربك مَهْيَم"؛ أي: ما الأمر والشأن؟ قال ابن الأثير: "وهي
[ ٣ / ٢٨٦ ]
كلمة يمانية، ومنه حديث لقيط: فيستوي جالسا، فيقول: رب مهيم".
وقوله: "في آلاء الله": قال ابن الأثير: " (الآلاء): النعم". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (آلاؤه): نعمه وآياته التي تعرف بها إلى عباده". انتهى.
وقوله: "وهي مدرة بالية"؛ أي: تراب يابس.
وقوله: "شربة واحدة": قال ابن الأثير: " (الشربة)؛ بفتح الراء: حوض يكون في أصل النخلة وحولها، يملأ ماء لتشربه، ومنه حديث لقيط: ثم أشرفت عليها وهي شربة واحدة". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الشربة)؛ بفتح الراء: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسكون: الحنطة؛ يريد أن الماء قد كثر، فمن حيث شئت تشرب، وعلى رواية السكون يكون قد شبه الأرض في خضرتها بالنبات بخضرة الحنطة واستوائها". انتهى.
وقوله: "فتخرجون من الأصواء": قال ابن الأثير: " (الأصواء): القبور، وأصلها من الصوى: الأعلام، فشبه القبور بها".
وقوله: "لا تضارون في رؤيتهما": قال ابن الأثير: "يروى بالتشديد والتخفيف؛ فالتشديد بمعنى: لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره، يقال: ضاره يضاره؛ مثل: ضره يضره". وقال الجوهري: "يقال: أضرني فلان: إذا دنا مني دنوا شديدا، فأراد بالمضارة: الاجتماع والازدحام عند النظر إليه، وأما التخفيف؛ فهو من الضير لغة في الضر، والمعنى فيه كالأول".
وقوله: "مثل الرَّيْطة البيضاء": قال ابن الأثير: " (الريطة): كل ملاءة ليست بلفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريط ورياط".
[ ٣ / ٢٨٧ ]
وقوله: " بمثل الحمم الأسود": قال ابن الأثير: " (الحممة): الفحمة، وجمعها حمم".
وقوله: "ثم ينصرف نبيكم": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هذا انصراف من موقف القيامة إلى الجنة".
وقوله: "ويفرق على أثره الصالحون". قال ابن القيم: "أي: يفزعون ويمضون على أثره". انتهى.
وقوله: "فيسلكون جسرا من النار". (الجسر): هو الصراط المنصوب على متن جهنم.
وقوله: "فيقول: حس": قال ابن الأثير: "هي بكسر السين والتشديد، كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضه وأحرقه غفلة؛ كالجمرة، والضربة، ونحوهما". انتهى. قال الأصمعي: "وهي مثل أوّه".
وقوله: "يقول ربك ﷿: أو أنه": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال ابن قتيبة: فيه قولان: أحدهما أن يكون (أنه) بمعنى نعم، والآخر أن يكون الخبر محذوفا، كأنه قال: أنتم كذلك، أو أنه على ما تقول". انتهى.
وقوله: "على أظمأ ناهلة قط" قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الناهلة): العطاش الواردون الماء؛ أي: يردونه أظمأ ما هم عليه، وهذا يناسب أن يكون بعد الصراط؛ فإنه جسر النار، وقد وردوها كلهم، فلما قطعوه؛ اشتد ظمؤهم إلى الماء، فوردوا حوضه ﷺ كما وردوه في موقف القيامة" انتهى.
وقوله: "يطهره من الطوف": قال ابن الأثير: " (الطوف): الحدث من الطعام، والمعنى: أن من شرب تلك الشربة طهر من الحدث والأذى". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الطوف): الغائط، وفي الحديث: «لا يصلي»
[ ٣ / ٢٨٨ ]
«أحدكم وهو يدافع الطوف والبول» . انتهى.
وقوله: "وتحبس الشمس والقمر"، وفي بعض الروايات: "وتخنس الشمس والقمر". قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أي: يختفيان ويحبسان ولا يريان، والانخناس: التواري والاختفاء، ومنه قول أبي هريرة: "فانخنست منه"". انتهى.
وقوله: "وزيال المشرك": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أي: مفارقته ومعاداته، فلا يجاوره ولا يواليه؛ كما جاء في الحديث الذي في "السنن": "لا تراءى ناراهما"؛ يعني: المسلمين والمشركين". انتهى.
فصل
وإذا علم أن حديث أبي رزين لا مطعن فيه بوجه من الوجوه؛ فليعلم أيضا أنه قد اشتمل على ثلاث وأربعين فائدة مهمة، منها ما يشهد له القرآن والأحاديث الصحيحة، ومنها ما يشهد له القرآن فقط، ومنها ما تشهد له الأحاديث الصحيحة فقط:
الفائدة الأولى: أن رسول الله ﷺ مسؤول يوم القيامة عن تبليغ الرسالة، ولهذا قال ﷺ في حديث أبي رزين ﵁: «ألا إني مسؤول هل بلغت؟» .
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ .
قال البغوي في "تفسيره": ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ يعني: الأمم عن إجابتهم الرسل، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام؛ يعني: نسألهم
[ ٣ / ٢٨٩ ]
فصل عدد الفوائد المهمة في حديث أبي رزين ﵁
عما عملوا فيما بلغتهم الرسل، ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عن الإبلاغ". انتهى.
وقال ابن كثير في "تفسيره": "يسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ قال: عما بلغوا". انتهى.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄؛ قال: "يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا".
وروى أيضا عن مجاهد والسدي نحوه.
الفائدة الثانية: ذكر مفاتيح الغيب الخمس التي استأثر الله بعلمها.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
وفي "مسند الإمام أحمد " من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
ورواه البخاري في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر» .
[ ٣ / ٢٩٠ ]
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس: لا يعلم ما تضع الأرحام أحد إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث عمر بن محمد بن زيد: أنه سمع أباه محمدا يحدث عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
ورواه البخاري مختصرا، ولفظه: قال النبي ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس، (ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾)» .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث سالم بن عبد الله عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «مفاتيح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
ورواه أبو داود الطيالسي بنحوه مختصرا.
وفي "مسند الإمام أحمد " أيضا من حديث عمرو بن مرة؛ قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .»
قال: قلت له: أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم؛ أكثر من خمسين مرة.
[ ٣ / ٢٩١ ]
وقال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده حسن على شرط السنن ولم يخرجوه"، وقال الهيثمي: "رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح". بلبلبللل
وفي "الصحيحين" و"مسند الإمام أحمد " و"سنن ابن ماجه " عن أبي هريرة ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟! ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها؛ وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان، فذاك من أشراطها؛ في خمس لا يعلمهن إلا الله (ثم تلا ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
وفي "سنن النسائي " عن أبي هريرة وأبي ذر ﵄: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: يا محمد! أخبرني متى الساعة؟ قال: فنكس فلم يجبه شيئا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئا، ورفع رأسه فقال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علامات تعرف بها: إذا رأيت الرعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها؛ خمس لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
وفي "مسند الإمام أحمد " عن ابن عباس ﵄: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: حدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ: "سبحان الله! في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
[ ٣ / ٢٩٢ ]
في إسناده شهر بن حوشب، وهو ثقة، وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.
وفي "مسند الإمام أحمد " أيضا عن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ: متى الساعة يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "سبحان الله! خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
في إسناده شهر بن حوشب، وقد تقدم الكلام فيه، وبقية رجاله ثقات.
وفي "المسند" أيضا عن بريدة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
وفي "المسند" أيضا «عن رجل من بني عامر: أنه قال للنبي ﷺ: هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: "قد علمني الله ﷿ خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله ﷿: الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ » (الآية) ".
قال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده صحيح".
الفائدة الثالثة: الرد على الذين يدعون علم المغيبات في المستقبل، وربما ادعى بعضهم علم ما يكون بعد ملايين السنين، فيصدقه الجهال، وينشرون كذبه وجهله في جرائدهم ومجلاتهم.
ومن هذا الباب ما يذاع في كثير من الإذاعات من الإخبار عما سيكون في
[ ٣ / ٢٩٣ ]
المستقبل من الغيوم والأمطار والرياح أو عدم ذلك، ويسمون هذه الأخبار النشرات الجوية، وهي من تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه.
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية.
وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث في مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله ﵎، فمن ادعى علم شيء منها؛ فقد نازع الله فيما استأثر بعلمه، ومن نازع الله فيما استأثر به؛ فقد تعرض للوعيد الشديد.
كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في جهنم» .
ورواه مسلم في "صحيحه" عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: «العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني؛ عذبته» .
وروى ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النار» .
فليحذر المتعاطون لعلم المغيبات التي استأثر الله بعلمها من هذا الوعيد الشديد.
الفائدة الرابعة: إثبات صفة الضحك لله تعالى، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة الضحك لله تعالى كما يليق بجلاله، وبذلك جاءت السنة
[ ٣ / ٢٩٤ ]
المطهرة.
ففي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: «أن رجلا أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عندهن شيئا. فقال رسول الله ﷺ: "ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله؟ ". فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله! فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء؛ فنوميهم، وتعالي، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ، فقال: "ضحك الله الليلة (أو: عجب) من فعالكما» .
وروى ابن أبي الدنيا عن أنس ﵁ نحوه، وفيه ذكر الضحك بغير شك.
وفي "الصحيحين" أيضا واللفظ لمسلم عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «آخر من يدخل الجنة رجل يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة" الحديث. وفي آخره أن الله تعالى يقول له: "يا ابن آدم! أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ ". فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم ضحكت؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ. فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر» .
وفي "الصحيحين" أيضا من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: فذكر الحديث بطوله في رؤية الرب، وذكر الحشر والقضاء بين العباد، وفي آخره ذكر آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وفيه أنه «لا يزال يدعو الله»
[ ٣ / ٢٩٥ ]
«حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه؛ قال: ادخل الجنة» .
وفي "الصحيحين" أيضا واللفظ لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة". قالوا: كيف يا رسول الله؟! قال: "يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله، فيستشهد» .
وروى: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة"؛ عن أبي رزين العقيلي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره". قال: قلت: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟! قال: "نعم". قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرا» .
وروى: الإمام أحمد أيضا، ومسلم في "صحيحه"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"؛ من حديث أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن الورود؛ قال: «نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك» الحديث.
وروى: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في "كتاب السنة"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة"؛ عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يتجلى لنا ربنا يوم القيامة ضاحكا» .
إلى غير ذلك من الأحاديث في إثبات صفة الضحك لله تعالى، وفيها أبلغ رد على الجهمية ومن نحا نحوهم من أهل البدع.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "فيظل يضحك": هو من صفات أفعاله ﷾ التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها، كما لا سبيل إلا تشبيهها وتحريفها. وكذلك: "فأصبح ربك يطوف في الأرض": هو من صفات فعله؛ كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾، و﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، «وينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا»، و«يدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة»، والكلام في الجميع صراط مستقيم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل". انتهى.
الفائدة الخامسة: ذكر الصائحة، وهي النفخ في الصور، وقد تقدم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة في (باب النفخ في الصور)؛ فلتراجع هناك.
الفائدة السادسة: جواز الإقسام بصفات الله تعالى، وانعقاد اليمين بها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقوله: "فلعمر إلهك": هو قسم بحياة الرب ﷻ، وفيه دليل على جواز الإقسام بصفاته، وانعقاد اليمين بها، وأنها قديمة، وأنه يطلق عليه منها أسماء المصادر ويوصف بها، وذلك قدر زائد على مجرد الأسماء، وأن الأسماء الحسنى مشتقة من هذه المصادر دالة عليها". انتهى.
الفائدة السابعة: ذكر موت الخلق إذا نفخ في الصور، وموت الملائكة أيضا، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
[ ٣ / ٢٩٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي ﵁: "لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا هذا وحديث إسماعيل بن رافع الطويل وهو حديث الصور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ . انتهى.
وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات؛ إلا من شاء ربك» الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وهذا الحديث يؤيد ما جاء في حديث أبي رزين وحديث إسماعيل بن رافع من النص على موت الملائكة إذا نفخ في الصور، والله أعلم.
الفائدة الثامنة: إثبات انفراد الله تعالى بالبقاء بعد موت الخلق، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
الفائدة التاسعة: ذكر إرسال المطر من عند العرش لينبت منه الخلق.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
ويشهد لهذا قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي تقدم في (باب النفخ في الصور): «ثم ينفخ في الصور؛ فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورقع ليتا". قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله (أو قال: ينزل الله) مطرا كأنه الطل (أو: الظل)، فتنبت منه أجساد الناس» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وفي "الصحيحين" واللفظ لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون ". قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، "ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل". قال: "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عَجْب الذنب، ومنه يركب الخلق القيامة» .
وروى الطبراني والحاكم في "مستدركه" عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن؛ فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم أحد إلا في الأرض منه شيء". قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى (ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ". قال: "ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها، حتى تدخل فيه، ثم يقومون، فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين» الحديث.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى: ابن جرير، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ حديث الصور الطويل، وفيه: «ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ الصعق، فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا (الحديث وفيه:) ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوما، حتى يكون المطر فوقهم اثني عشر ذراعا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطراثيث (أو: كنبات البقل)» الحديث.
الفائدة العاشرة: إثبات البعث بعد الموت، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا، وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم على وقوع المعاد في ثلاث آيات من القرآن:
إحداهن: قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
والثانية: قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
والثالثة: قوله تعالى في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
الفائدة الحادية عشرة: ظن الميت إذا بعث أنه لم يلبث إلا يسيرا، ويشهد لهذا:
[ ٣ / ٣٠٠ ]
قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "يقول: يا رب! أمس اليوم": استقلال لمدة لبثه في الأرض، وكأنه لبث فيها يوما، فقال: أمس، أو بعض يوم، فقال: اليوم؛ يحسب أنه حديث عهد بأهله، وأنه إنما فارقهم أمس أو اليوم". انتهى.
الفائدة الثانية عشرة: أن الصحابة ﵃ كانوا يخوضون في دقائق المسائل، ويسألون النبي ﷺ عما أشكل عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟! "، وإقرار رسول الله ﷺ له على هذا السؤال؛ رد على من زعم أن القوم لم يكونوا يخوضون في دقائق المسائل ولم يكونوا يفهمون حقائق الإيمان بل كانوا مشغولين بالعمليات، وأن أفراخ الصابئة والمجوس من الجهمية والمعتزلة والقدرية أعرف
[ ٣ / ٣٠١ ]
منهم بالعمليات، وفيه دليل على أنهم كانوا يوردون على رسول الله ﷺ ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه ﷺ الأسئلة أعداؤه وأصحابه: أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان، وهو يجيب كلا عن سؤاله؛ إلا ما لا جواب عنه؛ كسؤالهم له عن وقت الساعة. وفي هذا السؤال دليل على أنه سبحانه يجمع أجزاء العبد بعدما فرقها. وينشئها نشأة أخرى، ويخلقه خلقا جديدا؛ كما سماه في كتابه كذلك في موضعين: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، و﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ".
قلت: وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ .
الفائدة الثالثة عشرة: ذكر الدليل على إحياء الموتى وجمعهم بعد التفرق، وضرب المثل لذلك بإحياء الأرض بعد موتها، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا.
الفائدة الرابعة عشرة والخامسة عشرة: إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، وأن حكم الشيء حكم نظيره.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي: "وقوله: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله": فيه إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، والقرآن مملوء منه، وفيه أن حكم الشيء حكم نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادرا على شيء؛ فكيف تعجز قدرته عن نظيره ومثله؟! فقد قرر الله سبحانه أدلة المعاد في كتابه أحسن تقرير وأبينه وأبلغه وأوصله إلى العقول والفطر، فأبى أعداؤه الجاحدون إلا تكذيبا له وتعجيزا له وطعنا في حكمه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا". انتهى.
الفائدة السادسة عشرة: إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:
[ ٣ / ٣٠٢ ]
أما الكتاب:
فقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وقوله تعالى في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه ﷿ يومئذ".
قال ابن كثير: "وهذا الذي قاله الشافعي رحمه الله تعالى في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرة". انتهى.
وقد روي عن الإمام مالك والإمام أحمد رحمهما الله تعالى نحو قول الشافعي:
فأما الإمام مالك؛ فقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرج أبو العباس السراج في "تاريخه" عن الحسن بن عبد العزيز الجروي - وهو من شيوخ البخاري -: سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له: يا أبا عبد الله! قول الله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ يقول قوم: إلى ثوابه. فقال: كذبوا؛ فأين هم عن قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟! ". انتهى.
وأما الإمام أحمد؛ فقال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي؛ قال: حدثنا الفضل بن زياد؛ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله ﷿
[ ٣ / ٣٠٣ ]
لا يرى في الآخرة، فغضب غضبا شديدا، ثم قال: من قال إن الله ﷿ لا يرى في الآخرة؛ فقد كفر، عليه لعنة الله من كان من الناس، أليس الله جل ذكره قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟! وهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله ﷿".
وقال الآجري أيضا: "حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي؛ قال: حدثنا حنبل بن إسحاق بن حنبل؛ قال: سمعت أبا عبد الله يقول: قالت الجهمية: إن الله ﷿ لا يرى في الآخرة، قال الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فلا يكون هذا إلا أن الله ﷿ يرى، وقال ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ فهذا النظر إلى الله ﷿، والأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ: «إنكم ترون ربكم» بروايات صحيحة وأسانيد غير مدفوعة، والقرآن شاهد أن الله ﷿ يرى في الآخرة". انتهى.
وروى ابن جرير عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ قال: "يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية".
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ .
قال البغوي في قوله: وزيادة: "وهي النظر إلى وجه الله الكريم، هذا قول جماعة؛ منهم: أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت ﵃، وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدي ". انتهى.
وقال ابن كثير: "وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي
[ ٣ / ٣٠٤ ]
بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس ﵃، وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف". انتهى.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ .
قال البغوي في "تفسيره": "قال جابر وأنس ﵄: هو النظر إلى وجه الله الكريم".
وقال ابن كثير في "تفسيره": "وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ كقوله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقد تقدم في "صحيح مسلم " عن صهيب بن سنان الرومي أنها النظر إلى وجه الله الكريم، وروى البزار وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس بن مالك ﵁ في قوله ﷿: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾؛ قال: يظهر لهم الرب ﷿ في كل جمعة" انتهى.
وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ .
قال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "اعلم رحمك الله أن عند أهل العلم باللغة أن اللقي هاهنا لا يكون إلا معاينة؛ يراهم الله ﷿ ويرونه، ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه" انتهى.
وأما السنة:
ففي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: «أن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: "هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: "فهل تضارون»
[ ٣ / ٣٠٥ ]
«في الشمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: "فإنكم ترونه كذلك» الحديث.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما» الحديث.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن جرير بن عبد الله ﵁؛ قال: «كنا جلوسا عند النبي ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: " إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس؛ فافعلوا» .
وروى: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"؛ «عن أبي رزين العقيلي ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة؟ قال: "نعم". قلت: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "يا أبا رزين! أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به؟ ". قلت: بلى. قال: "فالله أعظم، إنما هو خلق من خلق الله (يعني: القمر)؛ فالله أجل وأعظم» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم؛ «عن صهيب ﵁: أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ ". قال: "فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب»
[ ٣ / ٣٠٦ ]
«إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم» .
وروى: ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي: يا أهل الجنة (بصوت يسمع أولهم وآخرهم) ! إن الله وعدكم الحسنى وزيادة؛ فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ﷿»
وروى: ابن جرير أيضا، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"؛ عن كعب بن عجرة ﵁ عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: " النظر إلى وجه الرحمن ﷿»
وروى: ابن جرير أيضا، وابن أبي حاتم، «عن أبي بن كعب ﵁، أنه سأل رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: " الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ﷿»
وقد تقدم قريبا حديث أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن الورود؛ قال: «نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد؛ الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة".
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه» .
[ ٣ / ٣٠٧ ]
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .
وروى: الإمام أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"؛ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وزوجاته ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية (ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾)» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر في أزواجه وخدمه وسرره، وإن أفضل أهل الجنة منزلة لمن ينظر في وجه الله تعالى كل يوم مرتين» .
ورواه أيضا بنحوه، وزاد: "ثم تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾؛ قال: البياض والصفاء. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ قال: ينظر كل يوم في وجه الله ﷿".
قال الحاكم: "هذا حديث مفسر في الرد على المبتدعة". انتهى.
قال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "تواترت الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ بالنظر إلى وجه الله ﷿، فقبلها أهل العلم أحسن قبول". انتهى.
وقال ابن كثير في تفسير سورة القيامة: "وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله ﷿ في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها".
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وقال أيضا: "قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ". انتهى.
وأما الإجماع؛ فقال ابن كثير في تفسير سورة القيامة بعدما ساق بعض الأحاديث في رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة؛ قال: "وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام". انتهى.
الفائدة السابعة عشرة: إثبات صفة النظر لله ﷿، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .
وجاء في عدة أحاديث: أن الله لا ينظر إلى من جر ثوبة خيلاء، وأنه لا ينظر إلى المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، وأنه لا ينظر إلى من منع ابن السبيل فضل الماء، ولا إلى رجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا، ولا إلى رجل بايع إماما فإن أعطاه وفي له وإن لم يعطه لم يف له، ولا إلى متبرئ من والديه راغب عنهما، ولا إلى متبرئ من ولده، ولا إلى رجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم، ولا إلى شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر، ولا إلى العاق لوالديه، ولا إلى المرأة المترجلة، ولا إلى الديوث.
فدلت الآية الكريمة والأحاديث الصحيحة على أن الله تعالى ينظر إلى
[ ٣ / ٣٠٩ ]
من لم يتصف بشيء مما ذكر في الآية والأحاديث التي أشرنا إليها.
وقد روى: ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبغوي؛ عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ طلع عليهم نور، فرفعوا رؤوسهم؛ فإذا الرب ﷿ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة؛ فذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾؛ قال: فينظر إليهم وينظرون إليه؛ فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينطرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» .
الفائدة الثامنة عشرة: إطلاق الشخص على الله تعالى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد؟! "؛ قد جاء هذا في هذا الحديث وفي قوله في حديث آخر: "لا شخص أغير من الله"، والمخاطبون بهذا؛ قوم عرب يعلمون المراد منه، ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص، بل هم أشرف عقولا وأصح أذهانا وأسلم قلوبا من ذلك، وحقق ﷺ وقوع الرؤية عيانا برؤية الشمس والقمر تحقيقا لها ونفيا لتوهم المجاز الذي يظنه المعطلون". انتهى.
وقد قال البخاري في (كتاب التوحيد) من "صحيحه": "باب قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله»، وقال عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك: لا شخص أغير من الله".
وهذا الذي علقه البخاري قد رواه مسلم في "صحيحه"، فقال: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري واللفظ لأبي كامل؛ قالا: حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة عن
[ ٣ / ٣١٠ ]
المغيرة بن شعبة ﵁؛ قال: «قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلا مع امرأتي؛ لضربته بالسيف؛ غير مصفح عنه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد؛ فوالله؛ لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك؛ بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك؛ وعد الله الجنة» .
ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد مثله، وقال: "غير مصفح"، ولم يقل: "عنه".
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن عبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن أبي بكر المقدمي: أخبرنا أبو عوانة (فذكره) .
وإسناده عن عبيد الله بن عمر أحد أسانيد مسلم، والآخر على شرط الشيخين.
ورواه أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن عبد الملك: (فذكره) .
وإسناده إسناد مسلم.
ورواه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد: حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك: (فذكره) .
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الدارمي في "سننه"، فقال: حدثنا ابن أبي عدي: حدثنا عبيد الله
[ ٣ / ٣١١ ]
ابن عمرو عن عبد الملك بن عمير: (فذكره بنحوه) .
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهذا الحديث الصحيح من الأحاديث التي تتلقى بالقبول وتمر كما جاءت، وهو أبلغ لما جاء في حديث أبي رزين ﵁ من إطلاق الشخص على الله تعالى.
وقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد في "مسند" أبيه: قال عبيد الله القواريري: "ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث: قوله: «لا شخص أحب إليه مدحة من الله ﷿» .
الفائدة التاسعة عشرة: أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، ويشهد لهذا.
قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ .
وقد تواتر عن النبي ﷺ: أنه قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن؛ من حديث عائشة ﵂. ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي؛ من حديث جابر بن عبد الله ﵄. ورواه: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن؛ من حديث ابن عباس ﵄. ورواه: الشيخان، والنسائي؛ من حديث أبي
[ ٣ / ٣١٢ ]
مسعود البدري ﵁. ورواه: الشيخان، والنسائي؛ من حديث ابن عمر ﵄. ورواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ورواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. ورواه: البخاري، والنسائي؛ من حديث أبي بكرة ﵁. ورواه النسائي من حديث النعمان بن بشير ﵄. ورواه النسائي من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁. ورواه النسائي من حديث أبي هريرة ﵁.
الفائدة العشرون: إثبات العرض على الله يوم القيامة، ويشهد لهذا:
قوله الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ الآية.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا ابن ماجه؛ عن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من نوقش الحساب عذب ". قالت: فقلت: أفليس قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟! قال: "ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة؛ عذب» .
وروى الإمام أحمد عن وكيع عن علي بن علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعندها»
[ ٣ / ٣١٣ ]
«تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» .
وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر - وهو ابن أبي شيبة - عن وكيع: (فذكره بمثله) .
ورواه ابن أبي الدنيا عن أبي نصر التمار: حدثنا عقبة الأصم عن الحسن؛ قال: سمعت أبا موسى الأشعري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: (فذكره بنحوه) .
ورواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن علي بن علي عن الحسن عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان؛ فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة؛ فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله» .
قال الترمذي: "ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ".
وقد رواه بعضهم عن علي بن علي - وهو الرفاعي - عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ.
قال ابن كثير في "النهاية": "وقد وقع في "مسند أحمد " التصريح بسماعه منه، وقد يكون الحديث عنده عن أبي موسى وأبي هريرة، والله أعلم".
قال: "وأما الحافظ البيهقي؛ فرواه من طريق مروان الأصفر عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود من قوله مثله سواء". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعدما نقل كلام الترمذي الذي تقدم ذكره: "وأخرجه البيهقي في "البعث" بسند حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفا". انتهى.
[ ٣ / ٣١٤ ]
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات صفة اليد لله تعالى.
والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة اليد لله تعالى؛ إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل، والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة:
أما الكتاب:
فقول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
وأما السنة:
فروى: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المقسطين عند الله»
[ ٣ / ٣١٥ ]
«يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» .
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لما خلق الله الخلق؛ كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي» .
وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان ثلث الليل الباقي؛ يهبط الله ﷿ إلى السماء الدنيا، ثم تفتح أبواب السماء، ثم يبسط يده، فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
وروى: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا النسائي؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «احتج آدم وموسى ﵉، فقال موسى: يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى! أنت اصطفاك الله بكلامه (وقال مرة: برسالته)، وخط لك بيده؛ أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ ". قال: "حج آدم موسى حج آدم موسى» .
هذا لفظ إحدى روايات أحمد، ونحوه للبخاري.
وفي رواية لأحمد: أن رسول الله ﷺ قال: «لقي آدم موسى، فقال: أنت آدم الذي خلقك الله بيده» الحديث.
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من طريق أبيه.
وروى ابن حبان في "صحيحه «عن أبي ذر ﵁؛ قال: قلت:»
[ ٣ / ٣١٦ ]
«يا رسول الله! كم الرسل؟ قال: "ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا". قلت: يا رسول الله! من كان أولهم؟ قال: " آدم ﵇". قلت: يا رسول الله! أنبي مرسل؟ قال: "نعم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا» .
وروى ابن حبان أيضا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح؛ عطس، فقال: الحمد لله (الحديث، وفيه:) وقال الله جل وعلا ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت. فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها؛ فإذا فيها آدم وذريته» الحديث.
وروى مالك في "الموطأ" عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية» الحديث.
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان في "صحيحه"؛ من طريق مالك، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وفي "الصحيحين" و"سنن" أبي داود وابن ماجه عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» .
هذا لفظ إحدى روايات مسلم.
وفي رواية له «عن عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر رضي»
[ ٣ / ٣١٧ ]
«الله عنهما كيف يحكي رسول الله ﷺ؟ قال: " يأذخ الله ﷿ سماواته وأرضيه بيديه، ويقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، ويقول: أنا الملك "، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ؟» !
وروى: البخاري، وابن ماجه أيضا؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك؛ أين ملوك الأرض» .
وفي "صحيح البخاري " أيضا، و"مسند الإمام أحمد "، و"سنن ابن ماجه "؛ عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار". وقال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده". وقال: "عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان؛ يخفض ويرفع» .
هذا لفظ البخاري. ورواه الإمام أحمد أيضا ومسلم مختصرا.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن النواس بن سمعان ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «الميزان بيد الرحمن؛ يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة، وقلب ابن آدم بين أصابع الرحمن: إذا شاء أقامه، وإذا شاء أزاغه". وكان النبي ﷺ يقول: "يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك» .
وقد رواه ابن ماجه بنحوه. قال في "الزوائد": "وإسناده صحيح".
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا تصدق»
[ ٣ / ٣١٨ ]
«من طيب؛ تقبلها الله منه، وأخذها بيمينه، ورباها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة، فتربو في يد الله (أو قال: في كف الله) حتى تكون مثل الجبل؛ فتصدقوا» .
هذا لفظ إحدى روايات أحمد.
والأحاديث في إثبات صفة اليد لله تعالى كثيرة جدا، وفيما ذكرته هاهنا كفاية إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثانية والعشرون: إثبات صفة الفعل لله تعالى.
والقرآن مملوء من الأدلة على إثبات صفات الأفعال لله تعالى، وكذلك السنة، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفات الأفعال لله تعالى إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل.
الفائدة الثالثة والعشرون: تبييض وجوه المسلمين يوم القيامة وتسويد وجوه الكافرين.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
قال ابن عباس ﵄: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة".
وروى الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، والبزار من حديث السدي؛ عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في «قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾؛ قال: "يدعي أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ".
»
[ ٣ / ٣١٩ ]
«قال: "فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتي يأتيهم، فيقول لهم: أبشروا؛ فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر؛ فيعطى كتابه بشماله، مسودا وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم، ويلبس تاجا من نار، فيراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا". قال: "فيأتيهم، فيقولون: اللهم أخزه، فيقول: أبعدكم الله؛ فإن لكل رجل منكم مثل هذا» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
الفائدة الرابعة والعشرون: إثبات الصراط ومرور الخلق عليه.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ .
وقد روى الإمام أحمد عن أبي سمية؛ قال: اختلفنا هاهنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذي اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله ﵄، فقلت: إنا اختلفنا في ذلك الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا. فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا؛ إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حت إن للنار (أو قال: لجهنم) ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا» .
قال الهيثمي: "رجاله ثقات". وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى الحاكم أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق،»
[ ٣ / ٣٢٠ ]
«ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحلة، ثم كشد الرجل، ثم كمشيه» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي؛ عن أبي هريرة ﵁: «أن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث بطوله، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم؛ فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإنها مثل شوك السعدان؛ غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم؛ فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو» الحديث.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان أيضا؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: "نعم (فذكر الحديث بطوله، وفيه:) ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم". قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: "دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق والريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب؛ فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» الحديث.
وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة وحذيفة ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: «يجمع الله ﵎ الناس (الحديث، وفيه:) وترسل»
[ ٣ / ٣٢١ ]
«الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال؛ تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط؛ يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل؛ فلا يستطيع السير إلا زحفا". قال: "وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به؛ فمخدوش ناج، ومكدوس في النار» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، وعبد الله ابن الإمام أحمد؛ عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن الورود، فقال: «نجيء نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك". قال: "فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون» الحديث.
وروى الإمام أحمد أيضا عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «ولجهنم جسر أرق من الشعرة، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذان من شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش، ومكور في النار على وجهه» .
قال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع»
[ ٣ / ٣٢٢ ]
«الفراش في النار، فينجي الله تعالى برحمته من يشاء» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". قال: "رواه الطبراني في "الصغير" و"الكبير" بنحوه، ورواه البزار أيضا، ورجاله رجال الصحيح".
وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف مدحضة مزلة عليه كلاليب من نار تخطف بها؛ فممسك يهوي فيها ومصروع، ومنهم من يمر كالبرق فلا ينشب ذلك أن ينجو، ثم كالريح فلا ينشب ذلك أن ينجو، ثم كجري الفرس، ثم كسعي الرجل، ثم كرمل الرجل، ثم كمشي الرجل» الحديث.
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير عاصم، وقد وثق ".
وروى الحاكم في "مستدركه" عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود ﵁ حديثا طويلا قال فيه: «ثم يؤمر بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمر الناس كقدر أعمالهم زمرا كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يمر الرجل سعيا، ثم مشيا، ثم يكون آخرهم رجلا يتلبط على بطنه". قال: "فيقول: أي رب! لماذا أبطأت بي؟ فيقول: لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك» الحديث.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في موضع من "تلخيصه"، وقال في موضع آخر: "ما احتجا بأبي الزعراء ".
قلت: ولحديثه هذا شواهد كثيرة من الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها.
وقد جاء في ذكر الصراط أحاديث كثيرة سوى ما ذكرته هاهنا، وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
الفائدة الخامسة والعشرون: إثبات كلام الرب ﵎ لمن شاء في الدار الآخرة.
وقد جاء ذكره في حديث أبي رزين ﵁ في موضعين.
الأول: قوله: "فيقول ربك: مهيم".
والثاني: قوله: "يقول ربك ﷿: أو أنه".
وقد ثبت أيضا تكليم الرب ﵎ لبعض الرسل في الدنيا وتكليمه لبعض الشهداء في البرزخ.
فأما تكليمه لبعض الرسل في الدنيا:
فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ .
إلى غير ذلك من الآيات في نداء الرب ﵎ لموسى ﵊.
وقد كلم الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ ليلة الإسراء، وفرض عليه الصلوات الخمس بدون واسطة بينه وبينه، والأحاديث بذلك مذكورة في "الصحيحين" وغيرهما من وجوه كثيرة.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وروى الإمام أحمد «عن أبي ذر ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله! أي الأنبياء كان أول؟ قال: " آدم ". قلت: يا رسول الله! ونبي كان؟ قال: "نعم؛ نبي مكلم» .
وروى الحاكم في "مستدركه «عن أبي أمامة ﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: "نعم؛ معلم مكلم» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى ابن حبان في "صحيحه «عن أبي ذر ﵁؛ قال: "قلت: يا رسول الله! كم الرسل؟ قال: "ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا". قلت: يا رسول الله! من كان أولهم؟ قال: "آدم ﵇". قلت: يا رسول الله! أنبي مرسل؟ قال: "نعم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا» .
قوله: "قبلا": قال ابن الأثير في "النهاية". "أي: عيانا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولي أمره أو كلامه أحدا من ملائكته". انتهى.
وروى: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة؛ عن النواس بن سمعان ﵁؛ قال قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره؛ تكلم بالوحي، فإذا تكلم بالوحي؛ أخذت السماوات منه رجفة (أو قال: رعدة شديدة) من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السماوات؛ صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵇، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء؛ سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض» .
[ ٣ / ٣٢٥ ]
وأما تكليم الرب لبعض الشهداء:
ففي "صحيح مسلم " عن مسروق؛ قال: سألنا عبد الله (يعني: ابن مسعود ﵁) عن هذه الآية: «﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا. قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة؛ تركوا» .
وروى: ابن مردويه، والبيهقي في "دلائل النبوة"؛ عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «نظر إلي رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: "يا جابر! ما لي أراك مهتما؟ ". قال: قلت: يا رسول الله! استشهد أبي وترك دينا وعيالا. قال: فقال: "ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا (قال علي - وهو ابن المديني أحد رواته -: والكفاح: المواجهة) قال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية. فقال الرب ﷿: إنه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي رب! فأبلغ من ورائي. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ . الآية.»
وقد رواه: الترمذي، وابن ماجه؛ بنحوه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وأما تكليم الرب ﵎ لمن شاء في الدار الآخرة؛ فقد ثبت أنه
[ ٣ / ٣٢٦ ]
ينادي العباد عامة ويكلمهم، وثبت أنه يكلم الرسل، وجاء أنه يكلم العلماء، وثبت أنه يكلم المذنبين، وثبت أنه يكلم عموم المؤمنين في الجنة، وثبت أنه ينادي الكفار يوم القيامة ويكلمهم على سبيل التوبيخ والتقريع.
فأما نداؤه العباد عامة وتكليمه لهم:
ففي "مسند الإمام أحمد " عن عبد الله بن أنيس ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة (أو قال: العباد) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف؛ وإنما نأتي الله ﷿ عراة غرلا بهما. قال: "بالحسنات والسيئات» .
قال الهيثمي: "رجاله وثقوا، ورواه الطبراني في "الأوسط" بنحوه". وقال الهيثمي أيضا في موضع آخر: "هو عند أحمد والطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن". وقال المنذري: "رواه أحمد بإسناد حسن".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الله العباد (أو قال: الناس) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: ما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف ذا وإنما نأتي الله غرلا بهما؟! قال: "بالحسنات والسيئات". قال: وتلا رسول الله ﷺ:»
[ ٣ / ٣٢٧ ]
«﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي "الصحيحين" واللفظ للبخاري عن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه» .
وأما تكليم الرب ﵎ للرسل:
فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآية.
وروى: الإمام أحمد، والبخاري؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أول من يدعى يوم القيامة آدم، فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا رب! كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين» " الحديث.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
وروى: الإمام أحمد، والشيخان واللفظ للبخاري؛ عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم! فيقول لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال: تسع مائة وتسعه وتسعين» الحديث.
وأما تكليم الرب ﵎ للعلماء:
فيروى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى للعلماء إذا جلس على كرسيه لفصل القضاء: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي» .
وأما تكليم ربك ﵎ للمذنبين:
فروى: الإمام أحمد، والشيخان، وغيرهم؛ عن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك؛ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون؛ فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» .
وأما تكليم الرب تبارم وتعالى لعموم المؤمنين في الجنة:
فقد روى: أبو داود الطيالسي، والطبراني؛ عن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن شئتم أنبأتكم بأول ما يقول الله ﷿ للمؤمنين يوم القيامة وبأول ما يقولون". قالوا: نعم يا رسول الله! قال: "إن الله»
[ ٣ / ٣٢٩ ]
«﷿ يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا! فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك ورحمتك. فيقول: فإني قد أوجبت لكم رحمتي» .
قال الهيثمي: " رواه الطبراني بسندين أحدهما حسن".
وتقدم قريبا حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ سطع عليهم نور، فرفعوا رؤوسهم؛ فإذ الرب ﷿ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة! فذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ". قال: "فينظر إليهم وينظرون إليه؛ فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» .
رواه: ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبغوي.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبدا» .
والأحاديث في تكليم الرب ﵎ لأهل الجنة كثيرة.
وأما نداء الرب ﵎ للكفار يوم القيامة ومخاطبته لهم على سبيل التقريع والتوبيخ:
فقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
وروى الترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟! فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني» .
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب. ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب. وكذا فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾؛ قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب". انتهى كلام الترمذي.
وقال ابن كثير في "النهاية": "هذا فيه صراحة عظيمة في تكليم الله تعالى ومخاطبته لعبده الكافر". انتهى.
وفي "صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يلقى العبد ربه، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: أي رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: هاهنا إذا، ثم»
[ ٣ / ٣٣١ ]
«يقول: الآن نبعث شاهدا عليك. فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم الله على فيه، ويقال لفخذه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظمه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه» .
قوله: "أي فل! "؛ أي: يا فلان. قال المنذري: "حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم؛ إذ لو كان ترخيما؛ لما حذفت الألف". وقال ابن الأثير في "النهاية": "معناه: يا فلان! وليس ترخيما له؛ لأنه لا يقال إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيما؛ لفتحوها أو ضموها". قال سيبويه: "ليست ترخيما، وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء؛ قال:
في لجة أمسك فلانا عن فل
فكسر اللام للقافية". وقال الأزهري: "ليس بترخيم فلان، ولكنها كلمة على حدة، فبنو أسد يوقعونها على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وغيرهم يثني ويجمع ويؤنث، وفلان وفلانة كناية عن الذكر والأنثى من الناس، فإن كنيت بهما عن غير الناس؛ قلت: الفلان والفلانة، وقال قوم: إنه ترخيم فلان، فحذفت النون للترخيم، والألف لسكونها، وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم". انتهى.
وقوله: "أسودك"؛ بتشديد الواو وكسرها؛ أي: أجعلك سيدا في قومك.
وقوله: "ترأس"؛ بفتح التاء وإسكان الراء وفتح الهمزة؛ أي: تصير رئيسا. قال ابن الأثير في "النهاية": "رأس القوم يترأسهم رئاسة إذا صار رئيسهم ومقدمهم".
وقوله: "وتربع"؛ بفتح التاء والباء الموحدة. قال ابن الأثير: "أي: تأخذ ربع الغنيمة؛ يقال: ربعت القوم أربعهم: إذا أخذت ربع أموالهم؛ مثل: عشرتهم أعشرهم؛ يريد: ألم أجعلك رئيسا مطاعا؛ لأن الملك كان يأخذ الربع
[ ٣ / ٣٣٢ ]
من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه، ويسمى ذلك الربع: المرباع". انتهى.
الفائدة السادسة والعشرون: إثبات حوض النبي ﷺ في الدار الآخرة وقد تواترت الأحاديث بذلك.
قال ابن كثير في "النهاية": "ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي من الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتظاهرة، وإن رغمت أنوف كثيرة من المبتدعة المعاندة المكابرة القائلين بجحوده المنكرين لوجوده، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف: من كذب بكرامة لم ينلها. ولو اطلع المنكر للحوض على ما سنورده من الأحاديث قبل مقالته؛ لم يقلها.
روي ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم: أبي بن كعب، وأنس بن مالك، والحسن بن علي، وحمزة بن عبد المطلب، والبراء بن عازب، وبريدة بن الحصيب، وثوبان مولى رسول الله ﷺ، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وجندب بن عبد الله البجلي، وحارثة بن وهب، وحذيفة بن أسيد، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد لله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن عبد السلمي، وعثمان بن مظعون، والمستورد، وعقبة بن عامر الجهني، والنواس بن سمعان، وأبو أمامة الباهلي، وأبو برزة الأسلمي، وأبو بكرة، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وخولة بنت قيس، وأبو هريرة الدوسي، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة، وأم سلمة؛ ﵃ أجمعين، وامرأة حمزة عم الرسول ﷺ وهي من بني النجار ".
وقد ساق ابن كثير هذه الأحاديث مستوفاة من جميع طرقها سوى روايتي البراء بن عازب وخولة بنت قيس ﵂؛ فإنه لم يذكرهما، وقد أشار
[ ٣ / ٣٣٣ ]
إلى رواية البراء بن عازب في بعض الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وزاد على ما تقدم ذكره خمسة أحاديث عن عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي وسمرة بن جندب وسهل بن سعد وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵃، فمن أراد الوقوف على هذه الأحاديث؛ فليراجعها في كتاب "النهاية" لابن كثير.
وقد ذكر الهيثمي حديث خولة بنت قيس في "مجمع الزوائد"، وذكر أنها هي زوجة حمزة بن عبد المطلب ﵁، وذكر أيضا حديث البراء بن عازب ﵄، وساق جملة من الأحاديث التي ذكرها ابن كثير، وزاد معها أربعة أحاديث لم يذكرها ابن كثير، وهي عن أبي الدرداء وأبي مسعود والعرباض بن سارية وخولة بنت حكيم ﵃.
فهؤلاء مع ما ذكره ابن كثير اثنان وأربعون صحابيا رووا أحاديث الحوض عن النبي ﷺ.
الفائدة السابعة والعشرون: تطهير أهل الجنة من الطوف - وهو الغائط - ومن البول والأذى.
ويشهد لهذا ما رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد ضوء كوكب دري في السماء إضاءة؛ لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون؛ أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجاهرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، في طول ستين ذراعا» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم أيضا، وأبو داود؛ عن جابر بن عبد الله
[ ٣ / ٣٣٤ ]
﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون، طعامهم جشاء ورشح كرشح المسك» .
وروى: الإمام أحمد أيضا، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"؛ عن زيد بن أرقم ﵁؛ قال: «أتى النبي ﷺ رجل من اليهود، فقال: يا أبا القاسم! ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ وقال لأصحابه: إن أقر لي بهذه خصمته. قال: فقال رسول الله ﷺ: "بلى، والذي نفسي بيده؛ إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع". قال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. قال: فقال النبي ﷺ: "حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك، فإذا البطن قد ضمر» .
ورواه الطبراني والبزار أيضا. قال الهيثمي: "ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ غير ثمامة بن عقبة، وهو ثقة".
الفائدة الثامنة والعشرون: حبس الشمس والقمر يوم القيامة.
ويشهد لهذا ما رواه البخاري في "صحيحه" عن عبد الله الداناج؛ قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة» .
ورواه البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم، ولفظه: عن عبد الله الداناج؛ قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن، فجلس إليه، فحدث؛ قال: حدثنا أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة ". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك»
[ ٣ / ٣٣٥ ]
«عن رسول الله ﷺ، وتقول: وما ذنبهما؟!»
الفائدة التاسعة والعشرون: إثبات الجزاء بالحسنات والسيئات. والقرآن والسنة مملوآن من الأدلة على ذلك.
الفائدة الثلاثون: إثبات وجود الجنة والنار. والقرآن والسنة مملوآن من الأدلة على ذلك.
قال ابن كثير في "النهاية": "والجنة والنار موجودتان الآن؛ فالجنة معدة للمتقين، والنار معدة للكافرين؛ كما نطق بذلك القرآن العظيم، وتواترت بذلك الأخبار عن رسول رب العالمين. وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة المتمسكين بالعروة الوثقى، وهي السنة، إلى قيام الساعة؛ خلافا لمن زعم أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، وإنما تخلقان يوم القيامة. وهذا القول صدر ممن لم يطلع على الأحاديث المتفق على إخراجها في "الصحيحين" وغيرهما من كتب الإسلام المعتمدة المشهورة بالأسانيد الصحيحة والحسنة مما لا يمكن دفعه ولا رده لتواتره واشتهاره". انتهى.
الفائدة الحادية والثلاثون: ذكر أبواب الجنة وأبواب النار وما بين كل بابين من بعد المسافة.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ .
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ .
وروى: مالك، وأحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله؛ دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة؛ دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة؛ دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد؛ دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام؛ دعي من باب الريان". فقال أبو بكر ﵁: والله يا رسول الله؛ ما على أحد من ضرورة من أيها دعي؛ فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم؛ وإني أرجو أن تكون منهم» .
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون» .
وفي "صحيح مسلم " عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ (أو: فيسبغ) الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية؛ يدخل من أيها شاء» .
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي بنحوه. قال الترمذي: "وفي الباب عن أنس وعقبة بن عامر ".
قلت: وحديث عقبة بن عامر ﵁ الذي أشار إليه الترمذي قد
[ ٣ / ٣٣٧ ]
رواه الإمام أحمد في "مسنده".
وروى الإمام أحمد أيضا عن عمر ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من مات يؤمن بالله واليوم الآخر؛ قيل له: ادخل الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شئت» .
والأحاديث في ذكر أبواب الجنة وأنها ثمانية كثيرة.
وأما أبواب النار؛ فقد تقدم ذكر النص من القرآن على أنها سبعة.
وروى: الإمام أحمد، والترمذي؛ عن ابن عمر ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على أمتي (أو قال: أمة محمد)» .
قال الترمذي: "حديث غريب".
وقد جاء في ذكر المسافة بين أبواب الجنة أحاديث مختلفة في ألفاظها، وقد جمع ابن القيم رحمه الله تعالى بين بعضها بجمع حسن؛ قال في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي ﵁.
"وقوله: "ما بين البابين مسيرة سبعين عاما": يحتمل أن يريد به أن بين الباب والباب هذا المقدار، ويحتمل أن يريد بالبابين المصراعين، ولا يناقض هذا ما جاء من تقديره بأربعين عاما؛ لوجهين:
أحدهما: أنه لم يصرح فيه راويه بالرفع، بل قال: "ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاما".
والثاني: أن المسافة تختلف باختلاف سرعة السير فيها وبطئه، والله أعلم".
[ ٣ / ٣٣٨ ]
الفائدة الثانية والثلاثون: إثبات نعيم الجنة. والأدلة على ذلك من القرآن والسنة كثيرة جدا يشق حصرها.
الفائدة الثالثة والثلاثون: إثبات الجماع في الجنة، وقد تقدم إيراد الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة في الفصل الثاني من الفصول التي في آخر (باب النفخ في الصور)؛ فلتراجع هناك.
الفائدة الرابعة والثلاثون: أنه ليس في الجنة توالد.
وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء؛ قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله في نساء الجنة: "غير أن لا توالد": قد اختلف الناس؛ هل تلد نساء أهل الجنة على قولين، فقالت طائفة: لا يكون فيها حبل ولا ولادة، واحتجت هذه الطائفة بهذا الحديث وبحديث آخر - أظنه في "المسند" - وفيه: (غير أن لا مني ولا منية".
قلت: هذا الحديث رواه الطبراني في "الكبير" من حديث أبي أمامة ﵁، وتقدم في الفصل الثاني بعد (باب النفخ في الصور) .
"وأثبتت طائفة من السلف الولادة في الجنة، واحتجت بما رواه الترمذي في "جامعه" من حديث أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة؛ كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي» . قال الترمذي: "حسن غريب، ورواه ابن ماجه ".
قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة؛ فإنه علقه بالشرط، فقال: "إذا اشتهى"، وحكمه لا يشتهى. وهذا تأويل إسحاق بن راهويه، حكاه البخاري عنه.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
قالوا: والجنة دار خلود؛ لا موت فيها، فلو توالد فيها أهلها على الدوام والأبد؛ لما وسعتهم، وإنما وسعتهم الدنيا بالموت.
وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله، وقالت: أداة (إذا) إنما تكون لمحقق الوقوع لا المشكوك فيه، وقد صح أن الله ﷾ ينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بلا عمل منهم. قالوا: وأطفال المسلمين أيضا فيها بغير عمل، وأما حديث سعتها؛ فلو رزق كل واحد عشرة آلاف من الولد؛ لوسعتهم؛ فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام. انتهى.
وقد ذكر ابن كثير في "النهاية" رواية الحاكم عن أبي سعيد ﵁؛ قال: «قيل: يا رسول الله! أيولد لأهل الجنة؟ فإن الولد من تمام السرور؟ فقال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ ما هو إلا كقدر ما يتمنى أحدكم، فيكون حمله ورضاعه وشبابه» .
قال ابن كثير: "وهذا السياق يدل على أن هذا أمر يقع؛ خلافا لما حكاه البخاري والترمذي عن إسحاق بن راهويه أن ذلك محمول على أنه لو أراد ذلك ولكن لا يريده، ونقل عن جماعة من التابعين كطاوس ومجاهد وإبراهيم وغيرهم أن الجنة لا يولد فيها، وهذا صحيح، وذلك أن جماعهم لا يقتضي ولدا كما هو الواقع في الدنيا، فإن الدنيا دار يراد منها بقاء النسل لتعمر، وأما الجنة فالمراد منها بقاء اللذة، ولهذا؛ لا يكون في جماعهم مني يقطع لذة جماعهم، ولكن إذا أحب أحدهم الولد؛ وقع ذلك كما يريد، قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ". انتهى.
الفائدة الخامسة والثلاثون: ترك الجواب لمن سأل عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ .
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ .
ولما «قال جبريل للنبي ﷺ: أخبرني عن الساعة؛ قال ﷺ: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "يا رسول الله! ما أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ ": لا جواب لهذه المسألة؛ لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها؛ فلا يعلمه إلا الله، وإن أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار؛ فلا تعلم نفس أقصى ما ينتهى إليه من ذلك، وإن كان الانتهاء إلى نعيم وجحيم، ولهذا لم يجبه النبي ﷺ". انتهى.
الفائدة السادسة والثلاثون: المبايعة على التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومفارقة المشركين، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ .
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول»
[ ٣ / ٣٤١ ]
«الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» .
وروى: الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وروى: الإمام أحمد، وابن ماجه، والدارقطني أيضا؛ عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ نحوه أيضا.
وروى: النسائي، والدارقطني، والحاكم؛ عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضا.
إلى غير ذلك من الأحاديث في مبايعة المشركين على التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وأما مفارقة المشركين؛ فهي واجبة مع القدرة.
قال الشيخ الموفق في كتاب "المغني": "الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار؛ فهذا تجب عليه الهجرة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ .
وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضروب الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها: إما لمرض، أو إكراه على
[ ٣ / ٣٤٢ ]
الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم؛ فهذا لا هجرة عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها.
والثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتستحب له؛ ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة". انتهى.
قال في "الفروع": "وذكر ابن الجوزي أنها تجب عليه؛ أي: على هذا الضرب الأخير". قال: "وأطلق ذلك". انتهى.
وهذا الذي ذكره ابن الجوزي جيد قوي يدل عليه ظاهر القرآن والأحاديث التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
أما القرآن؛ فإن الله تعالى لم يعذر عن الهجرة إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ولو كان للقوي القادر على إظهار دينه في دار الكفر عذر؛ لعذره الله تعالى كما عذر المستضعفين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾؛ فقطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فدل على أنه لا عذر لأحد في ترك الهجرة؛ إلا للمستضعفين الذين نص الله عليهم في سورة النساء.
وأما الأحاديث:
فمنها ما رواه أبو داود عن سمرة بن جندب ﵁؛ قال: أما بعد، قال رسول الله ﷺ: «من جامع المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله» .
[ ٣ / ٣٤٣ ]
ورواه الترمذي معلقا بصيغة الجزم، فقال: وروى سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم؛ فهو مثلهم» .
ورواه الحاكم في "مستدركه" موصولا من حديث الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم؛ فليس منا» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ".
وظاهر هذا الحديث العموم لكل من جامع المشركين وساكنهم اختيارا منه لذلك لا اضطرارا وعجزا.
ومنها ما رواه: أبو داود، والترمذي؛ عن جرير بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: "لا تراءى ناراهما» .
ورواه الطبراني في "الكبير"، والبيهقي، ولفظهما: قال: «من أقام مع المشركين؛ فقد برئت منه الذمة» .
وفي هذا الحديث والحديث قبله وعيد شديد لمن جامع المشركين وساكنهم اختيارا.
قال الفضل بن زياد: "سمعت أحمد رحمه الله تعالى يسأل عن معنى: «لا تراءى ناراهما» . فقال: لا تنزل من المشركين في موضع إذا أوقدت رأوا فيه نارك، وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم، ولكن تباعد عنهم".
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، والنسائي، وأبو
[ ٣ / ٣٤٤ ]
يعلى؛ عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» .
قال بعض العلماء: "معناه: لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم، وهاجروا من بلادهم".
وقال ابن الأثير: "معناه: لا تستشيروهم، ولا تأخذوا بآرائهم، جعل الضوء مثلا للرأي عند الحيرة".
قلت: وهذا القول مروي عن الحسن البصري.
وعنه أيضا: أنه قال: «نهى النبي ﷺ أن يستعان بالمشركين على شيء» .
والظاهر أن النهي يشمل الأمرين كليهما؛ فلا يجوز للمسلم مساكنة المشركين اختيارا ولا مشاورتهم والأخذ بآرائهم، والقول الأول أظهر، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: «لا تراءى ناراهما»، وقوله في حديث الزهري الذي سيأتي ذكره: "وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب". والله أعلم.
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم؛ عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والنسائي؛ عن يزيد بن الشخير؛ قال: «بينا أنا مع مطرف بالمربد؛ إذ دخل رجل معه قطعة أدم؛ قال: كتب لي هذه رسول الله ﷺ؛ فهل أحد منكم يقرأ؟ قال: قلت: أنا أقرأ. فإذا فيها: " من محمد النبي لبني زهير بن أقيش أنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفارقوا»
[ ٣ / ٣٤٥ ]
«المشركين وأقروا بالخمس في غنائمهم وسهم النبي وصفيه؛ أنهم آمنون بأمان الله ورسوله» .
ومنها ما رواه النسائي عن جرير ﵁؛ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشركين» .
وفي رواية: «قال جرير ﵁: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم. قال: "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» .
ومنها ما رواه الحاكم في "مستدركه «عن أبي اليسر كعب بن عمرو ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع الناس، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي؛ فأنت أعلم بالشرط. قال: "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلم، وتفارق المشرك» .
ومنها ما رواه ابن جرير عن الزهري مرسلا: «أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: "تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب» .
الفائدة السابعة والثلاثون: أنه لا يجني جان إلا على نفسه. ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾
[ ٣ / ٣٤٦ ]
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وروى الإمام أحمد «عن أبي رِمْثَة ﵁؛ قال: جئت مع أبي إلى النبي ﷺ، فقال: "ابنك هذا؟ ". قلت: نعم. قال: "أتحبه؟ ". قلت: نعم. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» . وزاد في بعض الروايات: قال: وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وقد رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"؛ بنحوه.
وروى الإمام أحمد أيضا، وابن ماجه؛ «عن الخشخاش العنبري ﵁؛ قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي؛ قال: فقال: "ابنك هذا؟ ". قال: قلت: نعم. قال: "لا يجني عليك ولا تجني عليه» .
وروى: الإمام أحمد، وابن ماجه أيضا؛ عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «ألا لا يجني جان إلا على نفسه؛ لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده» .
وروى ابن ماجه أيضا عن أسامة بن شريك؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجني نفس على أخرى» .
قال في "الزوائد": "إسناده صحيح".
وروى النسائي عن طارق المحاربي ﵁: «أن رجلا قال: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانا في الجاهلية؛ فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: "لا تجني أم على ولد (مرتين)» .
ورواه ابن ماجه مختصرا، قال في "الزوائد": "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
[ ٣ / ٣٤٧ ]
وروى النسائي أيضا عن ثعلبة بن زهدم؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب، فجاء ناس من الأنصار، فقالوا: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانا في الجاهلية، فقال النبي ﷺ وهتف بصوته: " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
وروى الإمام أحمد عن أبي رمثة ﵁؛ قال: «قال رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو يربوع، قتله فلان. قال: " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
وروى الإمام أحمد أيضا عن سليم بن أسود عن رجل من بني يربوع؛ قال: «أتيت النبي ﷺ، فقال له رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين أصابوا فلانا. قال: فقال رسول الله ﷺ: " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
وروى البزار عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: " «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
الفائدة الثامنة والثلاثون: الثناء على من يستحق الثناء.
وقد أثنى الله ﵎ في كتابه على كثير من الأنبياء والصالحين من الأمم السالفة، وأثنى على رسوله ﷺ وعلى المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأثنى رسول الله ﷺ على كثير ممن يستحق الثناء، ومنهم أبو رزين العقيلي وصاحبه.
الفائدة التاسعة والثلاثون: فيه فضيلة لأبي رزين وصاحبه؛ حيث حلف النبي ﷺ أنهما من أتقى الناس في الأولى والآخرة.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
ومن فضائل أبي رزين أيضا ما رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن وكيع بن عدس عن أبي رزين ﵁؛ قال: «كان النبي ﷺ يكره أن يسأل، فإذا سأله أبو رزين؛ أعجبه» .
وإنما كان يعجبه سؤال أبي رزين لأنه كان رجلا عاقلا.
وقد روى: الإمام أحمد بإسناد صحيح، ومسلم، والترمذي؛ عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع» .
وأسئلة أبي رزين للنبي ﷺ في حديثه الطويل وفي غيره من الأحاديث المروية عنه تدل على كبر عقله.
الفائدة الأربعون: حسن الأدب مع الأكابر، وذلك أن النبي ﷺ لما قال لأبي رزين ﵁: "إن أباك المنتفق لفي النار". قال أبو رزين: فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله! وأهلك؟! وهذا من حسن أدب أبي رزين ﵁ مع النبي ﷺ؛ حيث أتى في سؤاله بكلمة عامة، ولم يواجه النبي ﷺ بصريح اسم أبيه.
الفائدة الحادية والأربعون: القطع لكل مشرك بالنار، ويدل على ذلك:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
[ ٣ / ٣٤٩ ]
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان؛ عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ أمر بلالا فنادى في الناس: "إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» .
وفي "صحيح البخاري " أيضا عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» .
وفي "مستدرك الحاكم " عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة، فلتقطعنه النار؛ يريد أن يدخله الجنة". قال: "فينادى: إن الجنة لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل مشرك» الحديث.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "فيه دليل على أن من مات مشركا؛ فهو في النار، وإن مات قبل البعثة؛ لأن المشركين قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن؛ فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب
[ ٣ / ٣٥٠ ]
بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها؛ فالمشرك يستحق العذاب لمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم" انتهى.
الفائدة الثانية والأربعون: سماع أهل القبور كلام الأحياء، ويستفاد ذلك من قول النبي ﷺ لأبي رزين ﵁: «حيثما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي أو دوسي من مشرك؛ فقل: أرسلني إليك محمد، فأبشرك بما يسؤوك؛ تجر على وجهك وبطنك في النار»، ولو كان الأموات لا يسمعون كلام الأحياء؛ لما كان النبي ﷺ يأمر أبا رزين ﵁ أن يبشر من يمر عليه من أموات المشركين بالنار، فدل أمره ﷺ لأبي رزين على أن الأموات يسمعون كلام الأحياء.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "حيثما مررت بقبر كافر فقل: أرسلني إليك محمد ". هذا إرسال تقريع وتوبيخ لا تبليغ أمر ونهي، وفيه دليل على سماع أهل القبور كلام الأحياء وخطابهم لهم". انتهى.
ويشهد لما جاء في حديث أبي رزين ﵁ ما رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي؛ عن ابن عمر ﵄ قال: «وقف رسول الله ﷺ على القليب يوم بدر، فقال: "يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ أما والله إنهم الآن ليسمعون كلامي» الحديث.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا ابن ماجه؛ عن أنس بن مالك ﵁ عن أبي طلحة ﵁: «أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم؛ أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر»
[ ٣ / ٣٥١ ]
«اليوم الثالث؛ أمر براحلته، فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان ابن فلان! ويا فلان ابن فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؛ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ". قال: فقال عمر ﵁: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد بيده؛ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» .
وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس ﵁؛ قال: «كنا مع عمر ﵁ بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت حديد البصر، فرأيته، فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ قال: سأراه وأنا مستلق على فراشي. ثم أخذ يحدثنا عن أهل بدر؛ قال: إن كان رسول الله ﷺ ليرينا مصارعهم بالأمس؛ يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى. قال: فجعلوا يصرعون عليها. قال: قلت: والذي بعثك بالحق؛ ما أخطؤوا تيك، كانوا يصرعون عليها، ثم أمر بهم، فطرحوا في بئر، فانطلق إليهم، فقال: (يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعدكم الله حقا؛ فإني وجدت ما وعدني الله حقا". قال عمر: يا رسول الله! أتكلم قوما قد جيفوا؟ قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن؛ لا يستطيعون أن يجيبوا» .
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وروى: الإمام أحمد أيضا، ومسلم؛ عن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا، ثم أتاهم، فقام عليهم، فقال: "يا أمية بن خلف! يا أبا جهل بن هشام! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؛ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا". قال: فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول الله! أتناديهم بعد ثلاث؟! وهل يسمعون؟! يقول»
[ ٣ / ٣٥٢ ]
«الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ . فقال: "والذي نفسي بيده؛ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا» .
الفائدة الثالثة والأربعون: أن طاعة الأنبياء هداية ومعصيتهم ضلالة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .
وقال تعالى بعد ذكره لبعض المرسلين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ .
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهذه الفوائد المهمة هي التى احتوى عليها حديث أبي رزين ﵁، وزعم أبو عبية عدم صحتها وظهور الكذب في صياغة الحديث ودلالته، وهذا من أقبح المكابرة والمجادلة بالباطل لإدحاض الحق، نعوذ بالله من زيغ القلوب وانتكاسها.
فصل
وقال أبو عبية في (ص٢٩٥) على قول الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾؛ قال: "أي: رافع درجات من يطيعونه ويستجيبون لأمره".
[ ٣ / ٣٥٣ ]
فصل في الرد على أخطاء لأبي عبية
والجواب أن يقال: هذا القول، وإن قال به بعض المفسرين؛ فهو موافق لقول المعطلة الذين ينفون علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه، والصواب ما قاله ابن كثير في تفسيره هذه الآية؛ قال:
"يقول الله تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها؛ كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . انتهى.
فالآية من أدلة علو الله على خلقه، لا من أدلة رفع الدرجات لأوليائه وأهل طاعته.
فصل
وقال أبو عبية في (ص٣٢٨) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: " مجيء الله ﷾ يوم القيامة هو مجاز عن مجيء أمره ﷾ بالفصل بين العباد يوم الدين، وهو مجاز مرسل".
وقال مثل ذلك في (ص٣٣١ و٣٧٣) .
والجواب أن يقال: هذا القول خلاف الصواب، والصحيح أن الرب ﵎ يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه:
كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ .
[ ٣ / ٣٥٤ ]
قال ابن كثير في "تفسيره": " ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾؛ يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ، فيقول: «أنا لها أنا لها»، فيذهب عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود؛ كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا" انتهى.
وقال ابن كثير أيضا في تفسير قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾؛ قال: "وذلك كائن يوم القيامة" انتهى.
وقال البغوي على قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: "بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة" انتهى.
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾: "يعني: يوم القيامة؛ لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" انتهى.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن أنيس ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة (أو قال: العباد) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى»
[ ٣ / ٣٥٥ ]
«أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله ﷿ عراة غرلا بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات» .
قال الهيثمي: "رجاله وثقوا، ورواه الطبراني في "الأوسط" بنحوه".
وقال الهيثمي أيضا في موضع آخر: "هو عند أحمد والطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن".
فصل
وقد روى: الإمام أحمد، ومسلم؛ عن ثوبان ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: «إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» الحديث.
وقد صحف أبو عبية هذا الحديث، فقال في (ص٣٤٣) ما نصه: «أذود عنه الناس لأهل اليمن»، ثم قال أبو عبية: «هذا تمثيل للحيلولة بين من ليسوا من أهل اليمن وبين مقام الإكرام والرحمة يوم القيامة» .
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن تصحيفه للحديث وكلامه عليه على وفق تصحيفه هو بلا شك من تحريف الكلم عن مواضعه، والأولى لأبي عبية أن لا يتكلم في معنى الأحاديث؛ لأنه أجنبي عنها، لا يعرفها، ولا يعرف معانيها، وإنما يتكلم عليها بما يوافق عقله ورأيه.
وقد قال النووي في "شرح مسلم ": "قوله ﷺ: «أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم»؛ معناه: أطرد الناس عنه؛ غير أهل اليمن؛ ليرفض على أهل اليمن، وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه؛
[ ٣ / ٣٥٦ ]
مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقدمهم في الإسلام، والأنصار من اليمن، فيدفع غيرهم حتى يشربوا؛ كما دفعوا في الدنيا عن النبي ﷺ أعداءه والمكروهات، ومعنى (يرفض عليهم)؛ أي: يسيل عليهم" انتهى.
و(عقر الحوض)؛ بضم العين وإسكان القاف؛ قال النووي: "هو موقف الإبل من الحوض إذا وردته، وقيل: مؤخره" انتهى.
وقد أثنى رسول الله ﷺ على أهل اليمن، فقال: «أتاكم أهل اليمن: أرق أفئدة، وألين قلوبا؛ الإيمان يمان، والحكمة يمانية» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد جاء من اليمن أمداد كثيرة في خلافه أبي بكر وعمر ﵄، وذهب كثير منهم على الثغور يجاهدون في سبيل الله تعالى، وسكن كثير منهم في الأمصار مع الصحابة يتعلمون منه العلم ويعلمونه، وكان فيهم كثير من أكابر الفقهاء والمحدثين، وفيهم حكماء وعباد كثيرون، ولما كانوا متصفين بالصفات الحميدة؛ ناسب أن يقدموا في الشرب من حوض النبي ﷺ، وأن يذاد عنهم من ليس مثلهم. والله أعلم.
الوجه الثاني: أن الظاهر من كلام أبي عبية أنه لا يؤمن بحوض النبي ﷺ في الدار الآخرة، ولهذا زعم أن ذود النبي ﷺ عن الحوض لأهل اليمن تمثيل للحيلولة بين من ليسوا من أهل اليمن وبين مقام الإكرام والرحمة يوم القيامة؛ يعني: وليس بذود عن الحوض على الحقيقة!
وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون للنبي ﷺ حوضا في الدار الآخرة يرد عليه المؤمنون من هذه الأمة، ويمنع منه من ليس بمؤمن.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وقد تواترت الأحاديث بإثبات الحوض النبوي، وتقدم بيان ذلك في الفائدة السادسة والعشرين من فوائد حديث أبي رزين العقيلي ﵁، وقد أنكر الحوض كثير من أهل البدع، ولا عبرة بخلافهم، وقد جاء الإخبار عن المنكرين للحوض في الحديث الذي رواه عبد الرزاق في "مصنفه" بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقول: «إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النار» .
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
تنبيه
ما في هذا الفصل هو آخر ما وقفت عليه من أباطيل أبي عبية التي علقها على الجزء الأول من "النهاية" لابن كثير، ولم أقف على الجزء الثاني، ولا يبعد أن يكون فيه كثير من التعاليق الباطلة كما كان في الجزء الأول؛ فليحذر طلبة العلم خاصة وغيرهم عامة من النظر في تعاليقه؛ فإنها مشحونة بالأباطيل، وجدير بها أن تؤثر على الناظر بما يضره في علمه وعقيدته.
خاتمة
في ذكر مآل الخلق بعد قيام الساعة
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
[ ٣ / ٣٥٨ ]
خاتمة في ذكر مآل الخلق بعد قيام الساعة
ذكر مآل الخلق بعد قيام الساعة
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾
[ ٣ / ٣٥٩ ]
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
والآيات في ذكر مآل السعداء إلى الجنة ومآل الأشقياء إلى النار كثيرة جدا.
وقد قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء (ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، وقرأ: ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ".
[ ٣ / ٣٦٠ ]
رواه: ابن المبارك في "الزهد"، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال أسباط عن السدي في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؛ قال: "في قراءة عبد الله: (ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم)، وكان عبد الله يقول: والذي نفسي بيده؛ لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل الناء في النار (ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
رواه ابن جرير.
وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: "إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين".
رواه ابن أبي حاتم.
وقال سعيد بن جبير: "يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
رواه ابن أبي حاتم.
وقال عكرمة: "إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة؛ فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
[ ٣ / ٣٦١ ]
رواه ابن أبي حاتم.
وقال إبراهيم النخعي: "كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار؛ فذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
رواه: ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو نعيم في "الحلية".
فصل
في ذكر أهل الجنة وأهل النار
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
وعن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁: أنه سمع النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ ". قالوا: بلى. قال ﷺ: "كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله؛ لأبره". ثم قال: "ألا أخبركم بأهل النار؟ ". قالوا: بلى. قال: "كل عتل جواظ مستكبر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية له: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأهل»
[ ٣ / ٣٦٢ ]
فصل في ذكر أهل الجنة وأهل النار
«الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر» . وفي رواية لأحمد نحوه، وقال: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ جعظري مستكبر» .
ورواه أبو داود السجستاني، ولفظه: «لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري»؛ قال: "والجواظ الغليظ الفظ".
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ألا أخبركم بأهل النار وأهل الجنة؟ أما أهل الجنة؛ فكل ضعيف متضعف، أشعث ذي طمرين، لو أقسم على الله؛ لأبره، وأما أهل النار؛ فكل جعظري جواظ جماع مناع ذي تبع» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "هم الضعفاء المظلومون، ألا أخبركم بأهل النار؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "كل شديد جعظري، هم الذين لا يألمون رؤوسهم» .
رواه أبو داود الطيالسي.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وقد رواه الإمام أحمد مختصرا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل سفيه جعظري» .
قال الهيثمي: "وفيه البراء بن عبد الله وهو ضعيف".
قلت: وما قبله يشهد له ويقويه.
وعن ابن غنم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة الجواظ والجعظري والعتل الزنيم» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن؛ إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ".
وعن علي بن رباح؛ قال: بلغني عن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: «يا سراقة! ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ ". قال: بلى يا رسول الله! قال: "أما أهل النار؛ فكل جعظري جواظ مستكبر، وأهل الجنة؛ فالضعفاء المغلوبون» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن فيه راويا لم يسم". وقال المنذري: "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" بإسناد حسن، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ".
قال المنذري: " (العتل)؛ بضم العين والتاء وتشديد اللام: هو الغليظ الجافي، و(الجواظ)؛ بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: هو الجموع المنوع، وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين" انتهى.
وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": " (العتل): الغليظ الجافي الذي لا ينقاد على الخير، و(الزنيم): الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، وقيل: هو اللئيم".
[ ٣ / ٣٦٤ ]
وقال في: "النهاية": " (العتل): هو الشديد الجافي والفظ الغليظ من الناس، و(الزنيم): هو الدعي في النسب الملحق بالقوم وليس منهم؛ تشبيها له بالزنمة، وهو شيء يقطع من أذن الشاة، ويترك معلقا بها، وهي أيضا هنة مدلاة في حلق الشاة كالملحقة بها، و(الجواظ): الجموع المنوع، وقيل: الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، و(الجعظري): الفظ الغليظ المتكبر، وقيل: هو الذي ينتفج بما ليس عنده، وفيه قصر" انتهى.
و(المتنفج): هو المفتخر بما ليس عنده.
وعن عياض بن حمار المجاشعي ﵁: أن رسول الله قال ذات يوم في خطبته: " (فذكر الحديث، وفيه قال:) «وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال". قال: "وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك (وذكر البخل أو الكذب)، والشنظير الفحاش» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وهذا لفظه.
قوله: «لا زبر له» . قال ابن الأثير في "النهاية": "أي: لا عقل له يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي، و(الشنظير الفحاش): هو السيئ الخلق". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم. فقال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي؛ أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي؛ أعذب»
[ ٣ / ٣٦٥ ]
«بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله، فتقول: قط، قط، قط؛ فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، وأما الجنة؛ فإن الله ينشئ لها خلقا» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي.
قوله: "وسقطهم": قال ابن الأثير في "جامع الأصول": " (السقط) في الأصل: المزدرى به، ومنه السقط لرديء المتاع". وقال في "النهاية": " (سقطهم)؛ أي: أرذالهم وأدوانهم".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى بينهما: إنك الجنة رحمتي؛ أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي؛ أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وفي رواية له: أن رسول الله ﷺ قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: أي رب! يدخلني الجبابرة والملوك والعظماء والأشراف. وقالت الجنة: أي رب! يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين. فقال ﵎ للنار: أنت عذابي؛ أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي؛ وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار؛ فيلقى فيها أهلها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يأتيها ﵎، فيضع قدمه عليها، فتزوى، وتقول: قدني، قدني. وأما الجنة؛ فتبقى ما شاء الله أن تبقى، ثم ينشئ الله لها خلقا بما يشاء» .
وعن عمران بن حصين وابن عباس ﵃؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء» .
[ ٣ / ٣٦٦ ]
رواه البخاري في (باب فضل الفقر) من "كتاب الرقاق" عن عمران وابن عباس معا. وكذا رواه: أبو داود الطيالسي، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". ورواه البخاري أيضا في مواضع أخر عن عمران بن حصين ﵄ وحده. ورواه: أبو داود الطيالسي أيضا، ومسلم؛ من حديث ابن عباس ﵄ وحده. ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ في مسند ابن عباس ومن حديث عمران بن حصين ﵄ في مسند عمران.
ورواه الطبراني في "الأوسط" عن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الضعفاء والفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح، غير الضحاك بن يسار، وقد وثقه ابن حبان ".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء» .
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في "المسند". قال المنذري والهيثمي: "وإسناده جيد، ورواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «اطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده على شرط الشيخين.
وعن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «قمت على باب الجنة؛ فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون»
[ ٣ / ٣٦٧ ]
«إلا أصحاب النار؛ فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار؛ فإذا عامة من دخلها النساء» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
(الجد)؛ بفتح الجيم: الحظ والغنى.
وعن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أقل ساكني الجنة النساء» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته حين كسفت الشمس: «ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء". قالوا: بم يا رسول الله! قال: "بكفرهن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا؛ لقالت: ما رأيت منك خيرا قط» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم، ثم مضى، حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال: " تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم". فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير» الحديث.
رواه: مسلم، والنسائي.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا»
[ ٣ / ٣٦٨ ]
«معشر النساء! تصدقن ولو من حليتكن، فإنكن أكثر أهل جهنم". فقالت امرأة ليست من علية النساء: وبم يا رسول الله نحن أكثر أهل جهنم؟ قال: "لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار ". فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «إن رسول الله ﷺ خطب الناس فوعظهم، ثم قال: " يا معشر النساء! تصدقن؛ فإنكن أكثر أهل النار". فقالت امرأة منهن: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: "لكثرة لعنكن؛ يعني: وكفركن العشير» " الحديث.
وعن أبي سعيد ﵁؛ قال: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: " يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار". فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» الحديث.
رواه: البخاري، ومسلم.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
وعن حكيم بن حزام ﵁؛ قال: «أمر رسول الله ﷺ النساء بالصدقة، وحثهن عليها، وقال: " تصدقن؛ فإنكن أكثر أهل النار". فقالت امرأة منهن: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن اللعن، وتسوفن الخير، وتكفرن العشير» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄؛ قالت: «خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: " يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن؛ فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم من طريقه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وتفرد مسلم بإخراجه مختصرا"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقد رواه البخاري والنسائي مختصرا.
وعن أبي راشد الحبراني؛ قال: قال عبد الرحمن بن شبل ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفساق هم أهل النار". قيل: يا رسول الله! ومن الفساق؟ قال: "النساء". قال رجل: يا رسول الله! أولسن أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟ قال: "بلى، ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي راشد الحبراني وهو ثقة". انتهى.
وقد رواه الإمام أحمد من حديث زيد بن سلام عن جده؛ قال: كتب معاوية ﵁ إلى عبد الرحمن بن شبل ﵁: أن علم الناس ما سمعت من رسول الله ﷺ. فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " (فذكر الحديث، وفيه: ثم قال:) «إن الفساق هم أهل النار". قالوا: يا رسول الله! ومن»
[ ٣ / ٣٧٠ ]
«الفساق؟ قال: "النساء". قالوا: يا رسول الله! ألسن أمهاتنا وبناتنا وأخواتنا؟ قال: "بلى، ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن» .
رجاله رجال الصحيح.
وعن أبي بن كعب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " «عرضت علي النار، وأكثر من رأيت فيها النساء؛ إن ائتمن أفشين، وإن سألن ألحفن، وإن سئلن بخلن، وإن أعطين لم يشكرن» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى الإمام أحمد أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ نحوه.
فصل
في ذكر الأعمال التي تقرب من الجنة
والأعمال التي تقرب من النار
قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «لما خلق الله الجنة والنار؛ أرسل جبرئيل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها". قال: "فجاءها، فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها". قال: "فرجع»
[ ٣ / ٣٧١ ]
فصل في ذكر الأعمال التي تقرب من الجنة والأعمال التي تقرب من النار
«إليه؛ قال: فوعزتك؛ لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها؛ فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها". قال: "فرجع إليها؛ فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك؛ لقد خفت أن لا يدخلها أحد. قال: اذهب إلى النار؛ فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. فإذا هي يركب بعضها بعضا، فرجع إليه، فقال: وعزتك؛ لا يسمع بها أحد فيدخلها. فأمر بها، فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها؛ فرجع إليها، فقال: وعزتك؛ لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وهذا لفظ الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ البخاري. ولفظ أحمد: «حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره» .
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب صحيح".
قوله: "حفت":
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "بالمهملة والفاء، من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه؛ فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات". قال: "وهو من
[ ٣ / ٣٧٢ ]
جوامع كلمه ﷺ وبديع بلاغته في ذم الشهوات، وإن مالت إليها النفوس. والحظ على الطاعات، وإن كرهتها النفوس وشق عليها". انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم ": "قال العلماء: هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها ﷺ من التمثيل الحسن، ومعناه: لا توصل الجنة إلا بارتكاب المكاره والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب؛ وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره؛ فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات ونحو ذلك، وأما الشهوات التي النار محفوفة بها؛ فالظاهر أنها الشهوات المحرمة؛ كالخمر، والزنى، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، واستعمال الملاهي ونحو ذلك، وأما الشهوات المباحة؛ فلا تدخل في هذه، لكن؛ يكره الإكثار منها؛ مخافة أن يجر إلى المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها ونحو ذلك". انتهى.
وقال ابن كثير في "النهاية": " (المكاره": هي الأعمال الشاقة من فعل الواجبات وترك المحرمات". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: "تقوى الله وحسن الخلق". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؛ قال: "الأجوفان: الفم والفرج» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٣ / ٣٧٣ ]
فصل
في صفة الجنة والترغيب فيها وصفة أهلها
قال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُدْهَامَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
[ ٣ / ٣٧٤ ]
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾؟
والآيات في ذكر الجنة والترغيب فيها كثيرة جدا، وفيما ذكرته هاهنا كفاية إن شاء الله تعالى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " «قال الله عز»
[ ٣ / ٣٧٥ ]
«وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه.
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁؛ قال: «شهدت من رسول الله ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال ﷺ في آخر حديثه: " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (ثم اقترأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾») ".
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» .
قال المنذري: "رواه الطبراني والبزار بإسناد صحيح".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله جنة عدن؛ خلق ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾» .
وفي رواية: «خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها، فقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقال: وعزتي وجلالي؛ لا يجاورني فيك بخيل» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وإسناد الطبراني في "الأوسط" جيد". وقال المنذري: "رواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيد".
[ ٣ / ٣٧٦ ]
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الله جنة عدن بيده؛ لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، وملاطها مسك، وحشيشها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ، وترابها العنبر، ثم قال لها: انطقي. قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقال الله ﷿: وعزتي وجلالي؛ لا يجاورني فيك بخيل (ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾)» .
رواه ابن أبي الدنيا. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مختصرا، وقال: "صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبي في "تلخيصه" فقال: "بل ضعيف".
وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «خلق الله ﵎ الجنة؛ لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك، وقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقالت الملائكة: طوباك منزل الملوك» .
رواه: البزار مرفوعا وموقوفا، والطبراني في "الأوسط"؛ إلا أنه قال عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق جنة عدن بيده؛ لبنة من ذهب، ولبنة من فضة» (والباقي بنحوه") . قال الهيثمي: "ورجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «قلنا: يا رسول الله! حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها؛ ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت؛ لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والدارمي، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه". وقد رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط" مختصرا. قال
[ ٣ / ٣٧٧ ]
الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وروى مسلم طرفا من آخره، ولفظه: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «من يدخل الجنة؛ ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» .
ورواه الإمام أحمد، وزاد: «في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» .
قال ابن الأثير في "النهاية": " (مسك أذفر)؛ أي: طيب الريح، و(الذفر)؛ بالتحريك: يقع على الطيب والكريه، ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به" انتهى.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: سئل النبي ﷺ عن الجنة، فقال: «من يدخل الجنة؛ يحيا فيها لا يموت، وينعم فيها لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه". قيل: يا رسول الله! ما بناؤها؟ قال: "لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك، وترابها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت» .
رواه: ابن أبي الدنيا، والطبراني. قال المنذري: "وإسناده حسن بما قبله". وقال الهيثمي: "رواه الطبراني بإسناد حسن الترمذي رجاله".
وعن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم لأصحابه: «ألا مشمر للجنة؛ فإن الجنة لا خطر لها، هي رب الكعبة؛ نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبدي في حبرة ونضرة في دور عالية سليمة بهية". قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله؟ قال: "قولوا: إن شاء الله".
فقال القوم: إن شاء الله.»
[ ٣ / ٣٧٨ ]
رواه: ابن ماجه، وابن أبي الدنيا، والبزار، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي.
قوله: "لا خطر لها": قال ابن الأثير في "النهاية": "أي: لا عوض لها ولا مثل، و(الخطر)؛ بالتحريك في الأصل: الرهن وما يخاطر عليه، ومثل الشيء وعدله، ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومزية، و(الحبرة)؛ بالفتح: النعمة وسعة العيش". انتهى.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي.
وعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن معانق، ووثقه ابن حبان ". انتهى.
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام» .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها". فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام،»
[ ٣ / ٣٧٩ ]
«وبات لله قائما والناس نيام» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم".
وذكره الهيثمي أيضا في موضع آخر، وفيه: أن الذي سأل النبي ﷺ هو أبو مالك الأشعري، ثم قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، وإسناده حسن، واللفظ له، وفي رواية أحمد: "فقال أبو موسى الأشعري "". انتهى.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: " «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها". فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها". فقام إليه أعرابي، فقال: لمن هي يا نبي الله؟ قال: "هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي.
وفي رواية لمسلم: قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة»
[ ٣ / ٣٨٠ ]
«مجوفة، طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا» .
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيد (يعني: سوطه) خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض؛ لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي رواية للبخاري: قال رسول الله ﷺ: «ولقاب قوس أحدكم أو موضع قدم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض؛ لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها (يعني: الخمار) خير من الدنيا وما فيها» .
قال ابن الأثير: " (القاب): القدر؛ يعني: لقدر قوسه وسوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها" انتهى. وقال المنذري: "قال أبو معمر: (قاب القوس): من مقبضه إلى رأسه".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» .
رواه البزار. قال المنذري والهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب» .
[ ٣ / ٣٨١ ]
رواه: الإمام أحمد، والبخاري وهذا لفظه.
وفي رواية أحمد: "لقاب قوس (أو: سوط) في الجنة"، والباقي مثله.
وفي رواية لأحمد أيضا: «وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها (وقرأ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾)» .
وقد رواه الترمذي والحاكم بنحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لأحمد عن أبي أيوب مولى عثمان بن عفان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «قيد سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا ومثلها معها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها، ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ". قال: قلت: يا أبا هريرة! ما النصيف؟ قال: الخمار» .
وقد ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" مختصرا، وقال: "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لموضع سوط في الجنة خير مما بين السماء والأرض» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي:
[ ٣ / ٣٨٢ ]
"هذا حديث حسن صحيح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لشبر في الجنة خير من الأرض وما فيها» .
رواه ابن ماجه.
وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء".
رواه البيهقي. قال المنذري: "وإسناده جيد".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا؛ لتزخرفت له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع، فبدا سواره؛ لطمس ضوؤه ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وعن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما تتراءون الكوكب في السماء» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال: «إن أهل الجنة يرون أهل الغرف كما يرون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهما". قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده؛ رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل»
[ ٣ / ٣٨٣ ]
«الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى؛ والذي نفسي بيده؛ رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» .
رواه: البخاري، ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة كما تتراءون الكوكب الشرقي أو الكوكب الغربي الغارب في الأفق أو الطالع في تفاضل الدرجات". فقالوا: يا رسول الله! أولئك النبيون؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده؛ وأقوام آمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة؛ لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه.
وفي رواية في "الصحيحين": قال رسول الله ﷺ: «أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر؛ لا يبصقون فيها،، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون؛ آنيتهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون»
[ ٣ / ٣٨٤ ]
«الله بكرة وعشيا» .
وفي رواية للبخاري: أن رسول الله ﷺ قال: «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على إثرهم كأشد كوكب إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، لكل امرئ منهم زوجتان، كل واحدة منهما يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحسن، يسبحون الله بكرة وعشيا؛ لا يسقمون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، وقود مجامرهم الألوة (قال أبو اليمان: يعني: العود)، ورشحهم المسك» .
وفي رواية للبخاري أيضا: أن النبي ﷺ قال: «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين، يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم» .
وفي رواية لأحمد ومسلم: قال رسول الله ﷺ: «أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل؛ لا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يتمخطون، ولا يبزقون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستون ذراعا» .
وفي رواية لأحمد ومسلم أيضا عن محمد - وهو ابن سيرين -؛ قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء، فقال أبو هريرة ﵁: أولم يقل أبو القاسم ﷺ: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان»
[ ٣ / ٣٨٥ ]
«اثنتان؛ يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب» . هذا لفظ مسلم.
وفي رواية له عن ابن سيرين؛ قال: اختصم الرجال والنساء أيهم في الجنة أكثر، فسألوا أبا هريرة ﵁؟ فقال: قال أبو القاسم ﷺ: بمثل حديث ابن علية.
قلت: وهو ما تقدم في الرواية قبله.
وفي رواية لأحمد عن محمد «عن أبي هريرة ﵁؛ قال: كنا عنده، فإما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: أولم يقل أبو القاسم ﷺ: " إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل رجل منهم زوجتان من الحور العين، يرى مخ سوقهما من وراء الحلل، والذي نفس محمد بيده؛ ما فيها من أعزب» .
قوله: "ومجامرهم الألوة": قال ابن الأثير: " (المجامر): جمع مِجْمَر ومُجْمَر، فالمجمر؛ بكسر الجيم: هو الذي يوضع فيه النار للبخور، والمجمر؛ بالضم: الذي يتبخر به وأعد له الجمر، وهو المراد في هذا الحديث؛ أي: إن بخورهم بالألوة وهو العود". وقال ابن الأثير أيضا: " (الألوة): هو العود الذي يتبخر به وتفتح همزته وتضم وهمزتها أصلية، وقيل: زائدة" انتهى. وقال المنذري: " (الألوة)؛ بفتح الهمزة وضمها وبضم اللام وتشديد الواو وفتحها: من أسماء العود الذي يتبخر به". قال الأصمعي: "أراها كلمة فارسية عربت". انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم على مثل صورة القمر ليلة»
[ ٣ / ٣٨٦ ]
«البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء، لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يبدو مخ ساقها من وراء لحومها ودمها وحللها» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم كأحسن كوكب دري في السماء، لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقها من رواء لحومهما وحللهما كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء» .
رواه الطبراني. قال المنذري والهيثمي: "وإسناده صحيح". قال المنذري: "ورواه البيهقي بإسناد حسن".
وعن جابر ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون". قالوا: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس» .
رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول، ثم تأتيه امرأته، فتضرب على منكبيه، فينظر وجهه في خدها أصفى من المرأة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه". قال: "فيرد السلام، ويسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد. وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان من طوبى، فينفذها بصره، حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن»
[ ٣ / ٣٨٧ ]
«عليها من التيجان أن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "وإسنادهما حسن".
ورواه أيضا: ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي؛ بإسناد حسن.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مختصرا، ولفظه: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في «قوله ﷿: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾؛ قال: " ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه يكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره، حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وعن الشعبي؛ قال: سمعت المغيرة بن شعبة ﵁ على المنبر يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: «سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب. قال: رب! فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر. قال: ومصداقه في كتاب الله ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية» .
رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمن. فيتمنى ويتمنى، فيقول له: هل تمنيت؟»
[ ٣ / ٣٨٨ ]
«فيقول: نعم. فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه» .
رواه مسلم.
وقد رواه الإمام أحمد مطولا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من يتمنى من الله ﷿، فيقال: لك ذلك ومثله معه؛ إلا أنه يلقن، فيقال له: كذا وكذا. فيقال: لك ذلك ومثله معه". فقال أبو سعيد الخدري ﵁؛ قال رسول الله ﷺ: "فيقال: لك ذلك وعشرة أمثاله» .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة، وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه".
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: " «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وزوجاته ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية (ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾» .
رواه: الإمام أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر في أزواجه وخدمه وسرره، وإن أفضل أهل الجنة منزلة لمن ينظر في وجه الله تعالى كل يوم مرتين» .
ورواه أيضا بنحوه، وزاد: "ثم تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾؛ قال: البياض
[ ٣ / ٣٨٩ ]
والصفاء، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ قال: ينظر كل يوم في وجه الله ﷿".
قال الحاكم: "هذا حديث مفسر في الرد على المبتدعة". انتهى.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم، بيد كل واحد صحفتان؛ واحدة من ذهب والأخرى من فضة، في كل واحدة لون ليس في الأخرى مثله، يأكل من آخرها مثل ما يأكل من أولها، يجد لآخرها من الطيب واللذة مثل الذي يجد لأولها، ثم يكون ذلك ريح المسك الأذفر، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون، إخوانا على سرر متقابلين» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال المنذري والهيثمي: "ورواته ثقات".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب» .
رواه: الترمذي، وابن أبي الدنيا، وابن حبان في "صحيحه". قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: "نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر، وكربها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، وليس فيها عجم".
رواه ابن أبي الدنيا موقوفا. قال المنذري: "وإسناده جيد". ورواه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قلت: وله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن
[ ٣ / ٣٩٠ ]
توقيف.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ: «أنه قال له رجل: يا رسول الله! ما طوبى؟ قال: "شجرة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن البراء بن عازب ﵄ في قوله ﷿: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾؛ قال: "ذللت لهم فيتناولون منها كيف شاؤوا".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه البيهقي ولفظه: عن البراء بن عازب ﵄ في قوله ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾؛ قال: "إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما وقعودا ومضطجعين ".
قال المنذري: "إسناده حسن".
قلت: وله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنهار الجنة تخرج من تحت تلال أو من تحت جبال المسك» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها»
[ ٣ / ٣٩١ ]
«أبدا، وكذلك أهل النار» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وعن معاذ بن جبل ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وفيه كلام، وقد حسن له الترمذي وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقد رواه: ابن أبي الدنيا، والطبراني، والبيهقي؛ كلهم من طريق علي بن زيد بن جدعان. وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، وإسناده حسن".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة جرد مرد كحلى لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وإسناده جيد".
(الجرد): جمع أجرد، وهو الذي ليس على بدنه شعر. و(المرد): جمع أمرد، وهو الذي لا شعر في وجهه. و(الجعاد): جمع جعد، وهو هنا القوي
[ ٣ / ٣٩٢ ]
الجسم الشديد الأسر. و(كحلى): جمع كحيل، مثل قتلى وقتيل. قال ابن الأثير في النهاية": " (الكحل)؛ بفتحتين: سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحيل". وقال في "جامع الأصول": " (الكحيل): الذي تبين أجفانه كأنها مكحولة من غير كحل". انتهى.
وعن المقدام ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يموت سقطا ولا هرما، وإنما الناس فيما بين ذلك؛ إلا بعث ابن ثلاث وثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة كان على مسحة آدم وصورة يوسف وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال» .
رواه البيهقي. قال المنذري: "وإسناده حسن".
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا؛ فذلك قول الله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» .
[ ٣ / ٣٩٣ ]
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي.
وعن صهيب ﵁: «أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار؛ نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله؛ ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ سطع عليهم نور، فرفعوا رؤوسهم؛ فإذا الرب ﷿ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة! فذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ". قال: "فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» .
رواه: ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبغوي.
وعنه ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ، فقيل: يا رسول الله! أينام أهل الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ: " النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون» .
رواه: الطبراني في "الأوسط"، والبزار. قال الهيثمي: "ورجال البزار رجال الصحيح".
[ ٣ / ٣٩٤ ]
فصل
في صفة النار والترهيب منها وصفة أهلها
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ .
[ ٣ / ٣٩٥ ]
وقال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ .
[ ٣ / ٣٩٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ أَأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾
[ ٣ / ٣٩٧ ]
﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾
[ ٣ / ٣٩٨ ]
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ .
[ ٣ / ٣٩٩ ]
وقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ .
[ ٣ / ٤٠٠ ]
وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ .
والآيات في ذكر النار والترهيب منها كثيرة جدا، وفيما ذكرته هاهنا كفاية إن شاء الله تعالى.
وروى: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"؛ عن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: «أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، أنذرتكم النار "، حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا. قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه» .
وفي رواية لأحمد: قال رسول الله ﷺ: «أنذرتكم النار، أنذرتكم النار»، حتى لو كان رجل في أقصى السوق سمعه وسمع أهل السوق صوته وهو على المنبر.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في
[ ٣ / ٤٠١ ]
"تلخيصه".
قلت: وكذا أسانيد أحمد والطيالسي؛ فكلها صحيحة على شرط مسلم.
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ النار، فتعوذ منها، وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار، فتعوذ منها، وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار فتعوذ منها، وأشاح بوجهه، فقال: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والنسائي.
قوله: «أشاح بوجهه»: قال ابن الأثير في "جامع الأصول": "أعرض، وقيل: حذر، وقيل: أقبل بوجهه". وقال في "النهاية": "المشيح: الحذر، والجاد في الأمر، وقيل: المقبل إليك المانع لما وراء ظهره، فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني؛ أي: حذر النار كأنه ينظر إليها، أو جد على الإيصاء باتقائها، أو أقبل إليك في خطابه". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم". قالوا: والله؛ إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه الإمام أحمد أيضا بإسناد صحيح، ولفظه: قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك؛ ما جعل الله فيها منفعة لأحد» .
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي بنحوه، وفي رواية للبيهقي: أن
[ ٣ / ٤٠٢ ]
رسول الله ﷺ قال: «تحسبون أن نار جهنم مثل ناركم هذه؟ هي أشد سوادا من القار، وهي جزء من بضعة وستين جزءا منها» (أو: نيف وأربعين. شك أبو سهيل أحد رواة هذا الحديث") .
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم» .
رواه الإمام أحمد. قال المنذري والهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وقال ابن كثير: "وإسناده على شرط مسلم وفي لفظه غرابة، وأكثر الروايات عن أبي هريرة: «جزء من سبعين جزءا» . انتهى.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد دخانا من دخان ناركم هذه سبعين ضعفا» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، لكل جزء منها حرها» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب من حديث أبي سعيد ﵁".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين؛ ما انتفعتم بها، وإنها لتدعو الله ﷿ أن لا يعيدها فيها» .
رواه: ابن ماجه، والحاكم وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في إسناده واهيا ومن ليس بثقة.
قلت: ورواية أحمد عن أبي هريرة ﵁ تشهد له وتقويه.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت؛ فهي سوداء مظلمة» .
رواه: الترمذي بهذا اللفظ، وابن ماجه بنحوه، وفي روايته: «فهي سوداء كالليل المظلم» . قال الترمذي: "وحديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح".
وقد رواه مالك والبيهقي في "شعب الإيمان" مختصرا مرفوعا؛ قال: «أترونها حمراء كناركم هذه؟ لهي أشد سوادا من القار» .
والقار: الزفت.
وزاد رزين: «ولو أن أهل النار أصابوا ناركم هذه؛ لناموا فيها (أو قال: لقالوا فيها») .
وروي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ نحو حديث أبي هريرة ﵁، رواه البزار والبيهقي.
وعن سلمان ﵁؛ قال: «النار سوداء لا يضيء لهبها ولا جمرها (ثم قرأ الآية: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك؛ يجرونها» .
رواه: مسلم، والترمذي. ورواه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير حفص بن عمر بن الصباح، وقد وثقه ابن حبان ".
وروى آدم بن أبي إياس في "تفسيره" عن ابن عباس ﵄ في
[ ٣ / ٤٠٤ ]
قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتي بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، يشد بكل زمام سبعون ألف ملك، لو تركت؛ لأتت على كل بر وفاجر. ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، تزفر زفرة ولا تبقى قطرة من دمع إلا ندرت، ثم تزفر الثانية فتقطع القلوب من أماكنها وتبلغ اللهوات والحناجر".
وعن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾؛ قال: "أما إني لست أقول كالشجر ولكن كالحصون والمدائن".
رواه البيهقي. قال المنذري: "وإسناده لا بأس به، وفيه حديج بن معاوية، وقد وثقه أبو حاتم ".
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن غربا من جهنم جعل في وسط الأرض؛ لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب، ولو أن شررة من شرر جهنم بالمشرق؛ لوجد حرها من بالمغرب» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال المنذري: "وفي إسناده احتمال للتحسين". وقال الهيثمي: "فيه تمام بن نجيح وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله أحسن حالا من تمام".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار، فتنفس، فأصابهم نفسه؛ لاحترق المسجد ومن فيه» .
رواه أبو يعلى. قال المنذري: "وإسناده حسن وفي متنه نكارة".
وقال الهيثمي: "رواه أبو يعلى عن شيخه إسحاق، ولم ينسبه، فإن كان ابن راهويه؛ فرجاله رجال الصحيح، وإن كان غيره؛ فلم أعرفه".
[ ٣ / ٤٠٥ ]
وقد رواه البزار، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون، ثم تنفس رجل من أهل النار؛ لأحرقهم» .
قال الهيثمي: "فيه عبد الرحيم بن هارون، وهو ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه، فإن في حديثه من حفظه بعض مناكير، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ولو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض؛ لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم؛ فكيف بمن هو طعامه وليس له طعام غيره» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا؛ لأنتن أهل الدنيا» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الراغب الأصفهاني: " (الغساق): ما يقطر من جلود أهل النار". وقال ابن الأثير: "هو ما يسيل من صديد أهل النار وغسالتهم، وقيل: ما يسيل من دموعهم، وقيل: هو الزمهرير". وقال المنذري: " (الغساق): هو المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾، وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾، وقد اختلف في معناه، فقيل: هو ما يسيل من بين جلد الكافر ولحمه؛ قاله ابن عباس. وقيل: هو صديد أهل النار؛ قاله
[ ٣ / ٤٠٦ ]
إبراهيم وقتادة وعطية وعكرمة. وقال كعب: هو عين في جهنم تسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غير ذلك، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي، فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في عقبيه وكعبيه، فيجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه. وقال عبد الله بن عمرو: (الغساق): القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق في المغرب؛ لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق في المشرق؛ لأنتنت أهل المغرب. وقيل غير ذلك" انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري أيضا ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ماء كالمهل؛ قال: "كعكر الزيت، فإذا قربه إلى وجهه؛ سقطت فروة وجهه فيه» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الجوهري في "الصحاح": " (العكر): دردي الزيت وغيره". قال: "ودردي الزيت وغيره: ما بقي في أسفله". وقال ابن منظور في "لسان العرب": "والعكر: دردي كل شيء، وعكر الشراب والماء والدهن: آخره وخائره". قال: "ودردي الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله".
وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾؛ قال: "يقرب إليه فيتكرهه، فإذا أدني منه؛ شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه؛ قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره، يقول الله ﵎: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾، ويقول الله ﷿: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾» .
[ ٣ / ٤٠٧ ]
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الحميم ليصب على رؤوسهم، فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم في "مستدركه". وزاد الترمذي والحاكم بعد قوله: «حتى يمرق من قدميه»: "وهو الصهر، ثم يعاد كما كان".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي الدرداء ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يلقى على أهل النار الجوع، فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بطعام من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد؛ فإذا دنت من وجوههم؛ شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم؛ قطعت ما في بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: ﴿لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ". قال: "فيقولون: ادعوا مالكا، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ . قال: فيجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ". قال الأعمش: نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام. قال: "فيقولون: ادعوا ربكم؛ فلا أحد خير من ربكم. فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ ".»
[ ٣ / ٤٠٨ ]
«قال: "فيجيبهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ ". قال: "فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل» .
رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن - وهو الدارمي - عن عاصم بن يوسف عن قطبة بن عبد العزيز عن الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁، وقال الترمذي بعد إيراده: "قال عبد الله بن عبد الرحمن: والناس لا يرفعون هذا الحديث". قال: "وإنما روي هذا الحديث عن الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قوله، وليس بمرفوع، وقطبة بن عبد العزيز هو ثقة عند أهل الحديث". انتهى.
وعن ابن عباس ﵄: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾؛ قال: "شوكا يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج".
رواه الحاكم، وصححه، وتعقبه الذهبي بتضعيف أحد رواته.
وعن عبد الله - وهو ابن مسعود - ﵁ - في قوله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾؛ قال: "نهر في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «(ويل): واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، و(الصعود): جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه الترمذي مفرقا في موضعين، وقال:
[ ٣ / ٤٠٩ ]
"هذا حديث غريب". ورواه ابن حبان في "صحيحه" مختصرا.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ في «قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾؛ قال: "هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه؛ ذابت، وإذا رفعها؛ عادت، وإذا وضع رجله عليه؛ ذابت، وإذا رفعها؛ عادت» .
رواه: البزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تعوذوا بالله من جب الحزن أو وادي الحزن". قيل: يا رسول الله! وما جب الحزن أو وادي الحزن؟ قال: "واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين» .
رواه البيهقي. قال المنذري: "وإسناده حسن".
وعن أبي موسى ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «في جهنم واد، في الوادي بئر يقال له: هبهب، حق على الله أن يسكنها كل جبار» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن خالد بن عمير؛ قال: خطب عتبة بن غزوان ﵁، فقال: "إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا، والله؛ لتملأنه! أفعجبتم؟! ".
رواه مسلم.
وقد رواه الترمذي من طريق هشام بن حسان عن الحسن؛ قال: قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا منبر البصرة: عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الصخرة»
[ ٣ / ٤١٠ ]
«العظيمة لتلقى من شفير جهنم، فتهوي فيها سبعين عاما ما تفضي إلى قرارها» .
قال: وكان عمر ﵁ يقول: أكثروا ذكر النار؛ فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد.
قال الترمذي: "لا نعرف للحسن سماعا عن عتبة بن غزوان، وإنما قدم عتبة بن غزوان البصرة في زمن عمر، وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر " انتهى.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن حجرا يقذف به في جهنم؛ هوى سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعرها» .
رواه: البزار، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ؛ إذ سمع وجبة، فقال النبي ﷺ: "تدرون ما هذا؟ ". قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا؛ فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها» .
رواه مسلم.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لو أخذ سبع خلفات بشحومهن، فألقين من شفير جهنم؛ ما انتهين إلى آخرها سبعين عاما» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه، وقال الذهبي في "تلخيصه": "سنده صالح". وفي رواية: قال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفس محمد بيده؛ إن قدر ما بين شفير النار وقعرها كصخرة زنتها سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن، تهوي فيما بين شفير النار وقعرها، إلى أن تقع قعرها سبعين خريفا» .
[ ٣ / ٤١١ ]
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن صخرة وزنت عشر خلفات قذف بها من شفير جهنم؛ ما بلغت قعرها سبعين خريفا حتى تنتهي إلى غي وأثام". قيل: وما غي وأثام؟ قال: "بئران في جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان ذكرهما الله في كتابه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾» .
رواه: الطبراني، والبيهقي مرفوعا. قال المنذري: "ورواه غيرهما موقوفا على أبي أمامة، وهو أصح".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن رصاصة مثل هذه (وأشار إلى مثل الجمجمة) أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمس مائة سنة؛ لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة؛ لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث إسناده حسن صحيح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لو أن مقمعا من حديد جهنم وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان؛ ما أقلوه من الأرض» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي.
وعنه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لو ضرب مقمع من حديد جهنم»
[ ٣ / ٤١٢ ]
«الجبل؛ لتفتت؛ كما يضرب به أهل النار، فصار رمادا» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم واللفظ له، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في النار حيات كأمثال أعناق البخت، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد حموتها أربعين خريفا، وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموكفة، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد حموتها أربعين سنة» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" مختصرا، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن يزيد بن شجرة؛ قال: "إن لجهنم لجبابا، في كل جب ساحل كساحل البحر، فيه هوام وحيات كالبخاتي وعقارب كالبغال الدلم، فإذا سأل أهل النار التخفيف؛ قيل: اخرجوا إلى الساحل، فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم وبما شاء الله من ذلك، فتكشطها، فيرجعون، فيبادرون إلى معظم النار، ويسلط عليهم الجرب، حتى إن أحدهم ليحك جلده، حتى يبدو العظم، فيقال: يا فلان! هل يؤذيك هذا؟ فيقول: نعم. فيقال له: ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين".
رواه ابن أبي الدنيا. قال المنذري: " ويزيد بن شجرة الرهاوي مختلف في صحبته".
وعن عبد الله - وهو ابن مسعود - ﵁ في قول الله ﷿: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾؛ قال: "زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال".
[ ٣ / ٤١٣ ]
رواه: أبو يعلى، والطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح".
وعن البراء بن عازب ﵄: «أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾؛ قال: (عقارب أمثال النخل الطوال تنهشهم في جهنم» .
رواه الطبراني.
وعن ابن عباس ﵄: أنه قال في قول الله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾؛ قال: "هي خمسة أنهار تحت العرش؛ يعذبون ببعضها بالليل، وببعضها بالنهار".
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي الدرداء ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ في «قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾؛ قال: "تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم» .
رواه ابن مردويه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن جهنم لما سيق إليها أهلها؛ تلقتهم، فلفحتهم لفحة، فلم تدع لحما على عظم إلا ألقته على العرقوب» .
رواه: الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي مرفوعا. قال المنذري: "ورواه غيرهما موقوفا عليه، وهو أصح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ: «﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾؛ قال: "تشويه النار، فتقلص شفته العليا»
[ ٣ / ٤١٤ ]
«حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وعن ابن مسعود ﵁ في قوله ﷿: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: "كلوح الرأس النضيج".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "لو أن رجلا من أهل النار أخرج إلى الدنيا؛ لمات أهل الدنيا من وحشة منظره ونتن ريحه (ثم بكى عبد الله بكاءً شديدا".
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «يعظم أهل النار في النار، حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبع مائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفي أسانيدهم أبو يحيى القتات، وهو ضعيف، وفيه خلاف، وبقية رجاله أوثق منه". وقال المنذري: "إسناده قريب من الحسن".
وقد تقدم حديث المقدام ﵁ مرفوعا، وفيه: «ومن كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال» .
رواه البيهقي. قال المنذري: "وإسناده حسن".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين منكبي»
[ ٣ / ٤١٥ ]
«الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» .
رواه: البخاري، ومسلم.
ورواه الحسن بن سفيان، ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين منكبي الكافر مسيرة خمسة أيام للراكب المسرع» .
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر (أو: ناب الكافر) مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث» .
رواه مسلم، وقد رواه الترمذي مختصرا، ولفظه: قال: «ضرس الكافر مثل أحد» . ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وغلظ جلده أربعون عاما» .
رواه البزار.
قال ابن الأثير في "النهاية": " (ورقان)؛ بوزن قطران: جبل أسود بين العرج والرويثة على يمين المار من المدينة على مكة" انتهى.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعا، وفخذه مثل ورقان، ومقعده في النار مثل ما بيني وبين الربذة» .
رواه الإمام أحمد. قال المنذري: "وإسناده جيد". وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير ربعي بن إبراهيم، وهو ثقة".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، والبيهقي، وزادا فيه: «وعضده مثل البيضاء» . قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا على ذكر ضرس الكافر فقط"، وافقه الذهبي على تصحيحه.
[ ٣ / ٤١٦ ]
ورواه الترمذي، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قال: "وقوله: «مثل الربذة»؛ يعني به: كما بين المدينة والربذة، والبيضاء جبل" انتهى.
وقد رواه الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ موقوفا؛ قال: «إن ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، ورأسه مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، وغلظ جلده سبعون ذراعا، وإن مجلسه في النار كما بين المدينة والربذة» . قال أبو هريرة: "وكان يقال: بطنه مثل إضم".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال ابن الأثير في "النهاية": " (الربذة)؛ بالتحريك: قرية معروفة قرب المدينة". وقال أيضا: " (إضم)؛ بكسر الهمزة وفتح الضاد: اسم جبل، وقيل: موضع" انتهى.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر مثل أحد وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار كما بين قديد ومكة، وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار» .
رواه الإمام أحمد.
وقد رواه الترمذي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة» .
قال الترمذي: "هذا حيدث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش ".
[ ٣ / ٤١٧ ]
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"؛ من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار، وضرسه مثل أحد» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال ابن حبان: " (الجبار): ملك باليمن، يقال له: الجبار". وقال الحاكم: "قال الشيخ أبو بكر (يعني: أبا بكر بن إسحاق شيخ الحاكم): معنى قوله: "بذراع الجبار"؛ أي: جبار من جبابرة الآدميين ممن كان في القرون الأولى ممن كان أعظم خلقا وأطول أعضاء وذراعا من الناس" انتهى. وقال ابن الأثير في "النهاية": "ومنه الحديث الآخر: "كثافة جلد الكافر أربعون ذراعا بذراع الجبار": أراد به هاهنا الطويل، وقيل: الملك؛ كما يقال: بذراع الملك. قال القتيبي: وأحسبه ملكا من ملوك الأعاجم كان تام الذارع" انتهى.
وهذه الأقوال لا دليل على شيء منها، والأولى إمرار الحديث كما جاء، وترك التكلف في بيان معنى ذراع الجبار، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «مقعد الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام، وكل ضرس مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وجلده سوى لحمه وعظامه أربعون ذراعا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وقد وثق على ضعفه" انتهى.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ٣ / ٤١٨ ]
ورواه ابن ماجه من طريق محمد بن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الكافر ليعظم حتى إن ضرسه لأعظم من أحد، وفضيلة جسده على ضرسه كفضيلة جسد أحدكم على ضرسه» .
عطية العوفي والراوي عنه ضعيفان، ولكن له شاهد مما تقدم عن أبي هريرة ﵁.
وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جلده أربعون ذراعا بذراع الجبار» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات".
وعن يزيد بن حيان التيمي؛ قال: انطلقت أنا وحسين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁ (فذكر الحديث وفيه): وحدثنا زيد في مجلسه؛ قال: "إن الرجل من أهل النار ليعظم للنار حتى يكون الضرس من أضراسه كأحد".
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير عنبسة بن سعيد، وهو ثقة".
وعن مجاهد؛ قال: "قال لي ابن عباس ﵄: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: أجل، والله ما تدري أن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا؛ أودية القيح والدم. قلت: له أنهار؟! قال: لا؛ بل أودية. ثم قال: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: أجل، والله ما تدري، حدثتني عائشة ﵂: أنها «سألت رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ . قلت:»
[ ٣ / ٤١٩ ]
«فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "على جسر جهنم» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر: حدثنا أبو عقيل - يعني: عبد الله بن عقيل - عن الفضل بن يزيد الثمالي: حدثني أبو العجلان: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الكافر ليجر لسانه يوم القيامة وراءه قدر فرسخين يتوطؤه الناس» .
إسناده جيد.
وقد رواه الترمذي عن هناد عن علي بن مسهر عن الفضل بن يزيد عن أبي المخارق عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس» .
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه، والفضل بن يزيد كوفي قد روى عنه غير واحد من الأئمة، وأبو المخارق ليس بمعروف" انتهى كلام الترمذي. وقد تقدم أن الإمام أحمد رواه من طريق الفضل بن يزيد عن أبي العجلان عن ابن عمر ﵄، وكذا رواه البيهقي وغيره. قال المنذري: "وهو الصواب".
وقول الترمذي: " أبو المخارق ليس بمعروف": وهم، إنما هو أبو العجلان المحاربي، ذكره البخاري في "الكنى".
قلت: وقد وهم المنذري، فجعل هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وإنما هو من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الأحاديث الواردة في تعظيم أجسام الكفار في النار وبين ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له: بولس، فتلعنهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال، عصارة أهل النار» . هذا لفظ أحمد، ولفظ الترمذي: قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال» . قال الترمذي: "هذا حديث حسن"؟.
فالجواب ما قاله ابن كثير في "النهاية": "أن المراد أنهم يحشرون يوم القيامة في العرصات كذلك، فإذا سيقوا إلى النار؛ دخلوها وقد عظم خلقهم؛ كما دلت عليه الأحاديث التي أوردناها؛ ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم وأعظم لتعبهم ولهبهم" انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لسرادق النار أربعة جدر، كثف كل جدار منها مسيرة أربعين سنة» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾؛ قال: "يجمع بين رأسه ورجليه ثم يقصف كما يقصف الحطب".
رواه البيهقي.
وعن سمرة بن جندب ﵁: أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: «إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من»
[ ٣ / ٤٢١ ]
«تأخذه إلى حجرته، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وفي رواية لمسلم: «ومنهم من تأخذه إلى عنقه» .
وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، قال: "وفي الباب عن أبي هريرة وعباس بن عبد المطلب وأبي سعيد ".
وفي رواية للبخاري: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل والقمقم» .
وفي رواية لمسلم: «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا» .
قال ابن الأثير في "النهاية": " (المرجل)؛ بالكسر: الإناء الذي يغلى فيه الماء، وسواء كان من حديد أو صفر أو حجارة أو خزف". وقال أيضا: " (القمقم): ما يسخن فيه الماء من نحاس وغيره، ويكون ضيق الرأس" انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهون أهل النار عذابا»
[ ٣ / ٤٢٢ ]
«رجل منتعل بنعلين من نار؛ يغلي منهما دماغه، مع أجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى كعبيه مع أجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى ركبتيه مع أجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى أرنبته مع أجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى صدره مع أجزاء العذاب قد اغتمر» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، ورواه البزار بنحوه إلا أنه قال: " «ومنهم من في النار إلى ترقوته مع أجزاء العذاب، ومنهم من قد انغمس فيها» .
قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". ورواه الحاكم بنحوه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ".
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «إن أدنى أهل النار عذابا الذي يجعل له نعلان من نار يغلي منهما دماغه» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير يزيد بن خالد بن موهب، وهو ثقة". ورواه أيضا ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال الحاكم: "وله شواهد عن عبد الله بن عباس والنعمان بن بشير وأبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ بألفاظ مختلفة".
وعن عبيد بن عمير؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان يغلي منهما دماغه كأنه مرجل؛ مسامعه جمر، وأضراسه جمر، وأشفاره لهب النار، وتخرج أحشاء النار جنبيه من قدميه، وسائرهم كالحب القليل في الماء الكثير؛ فهو يفور» .
[ ٣ / ٤٢٣ ]
رواه البزار مرسلا. قال المنذري: "وإسناده صحيح".
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه «سمع رسول الله ﷺ وذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: "لعله أن تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
«عن العباس بن عبد المطلب ﵁: أنه قال: يا رسول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم؛ هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل من النار» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن جابر ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ، وقيل له: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ قال: "أخرجته من النار إلى ضحضاح منها» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه".
قلت: وما تقدم عن العباس وابنه وأبي سعيد ﵃ يشهد له ويقويه.
وفي هذه الأحاديث الأربعة رد على الروافض الذين يزعمون أن أبا طالب قد أسلم.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يرسل»
[ ٣ / ٤٢٤ ]
«البكاء على أهل النار، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن؛ لجرت» .
رواه ابن ماجه، وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف. وقد رواه أبو يعلى، ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس! ابكوا، فإن لم تبكوا؛ فتباكوا؛ فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرح العيون، ولو أن سفنا أرسلت فيها؛ لجرت» .
قال الهيثمي: "وأضعف من فيه يزيد الرقاشي، وقد وثق على ضعفه".
وعن عبد الله بن قيس - وهو أبو موسى الأشعري ﵁ -: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل النار ليبكون، حتى لو أجريت السفن في دموعهم؛ لجرت، وإنهم ليبكون الدم (يعني: مكان الدمع)» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "إن أهل النار يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يقول: إنكم ماكثون، ثم يدعون ربهم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾؛ فلا يجيبهم مثل الدنيا، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، ثم ييأس القوم، فما هو إلا الزفير والشهيق، تشبه أصواتهم الحمير، أولها شهيق، وآخرها زفير".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وقال المنذري: "رواته محتج بهم في "الصحيح"".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مختصرا، ولفظه: قال: "إن أهل النار
[ ٣ / ٤٢٥ ]
يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين يوما، ثم يرد عليهم: إنكم ماكثون". قال: "هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك؛ ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾، ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ ".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾؛ قال: "مكث عنهم ألف سنة، ثم قال: إنكم ماكثون".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
فصل
في خلود أهل الجنة وأهل النار وذبح الموت
قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تردى من جبل، فقتل نفسه؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن»
[ ٣ / ٤٢٦ ]
فصل في خلود أهل الجنة وأهل النار وذبح الموت
«تحسى سما، فقتل نفسه، فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، والنسائي.
وروى أبو داود السجستاني وابن ماجه طرفا منه وهو قوله: «من شرب سما، فقتل نفسه؛ فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» .
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار» .
رواه البخاري.
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة! لا موت، ويا أهل النار! لا موت، كل خالد فيما هو فيه» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «يقال لأهل الجنة: خلود لا موت، ولأهل النار: يا أهل النار! خلود لا موت» .
رواه البخاري.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار؛ جيء بالموت، حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! لا موت، ويا أهل النار! لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» .
[ ٣ / ٤٢٧ ]
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت (ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، واللفظ للبخاري.
وقد رواه الترمذي، ولفظه: عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾؛ قال: "يؤتى بالموت كأنه كبش أملح، حتى يوقف على السور بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! فيشرئبون، ويقال: يا أهل النار! فيشرئبون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. فيضجع، فيذبح، فلولا أن الله قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء؛ لماتوا فرحا، ولولا أن الله قضى لأهل النار الحياة فيها والبقاء؛ لماتوا ترحا» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي رواية للترمذي؛ قال: «إذا كان يوم القيامة؛ أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة النار، فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدا مات فرحا؛ لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا؛ لمات أهل النار» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
[ ٣ / ٤٢٨ ]
قوله: " فيشرئبون ": قال المنذري: "بشين معجم ساكنة ثم راء ثم همزة مكسورة ثم باء موحدة مشددة؛ أي: يمدون أعناقهم لينظروا". وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": " (اشرأب إلى الشيء): إذا تطلع ينظر إليه، ومالت نحوه نفسه". وقال في "النهاية": " (فيشرئبون)؛ أي: يرفعون رؤوسهم لينظروا إليه، وكل رافع رأسه مشرئب". وقال أيضا: "الترح ضد الفرح، وهو الهلاك والانقطاع أيضا". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة! فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم ربنا! هذا الموت. ثم يقال: يا أهل النار! فيطلعون فرحين مستبشرين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم؛ هذا الموت. فيؤمر به، فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين كلاهما: خلود فيما تجدون؛ لا موت فيه أبدا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، ورجالهما رجال الصحيح، وابن حبان في "صحيحه".
وفي رواية لأحمد: «يؤتى بالموت يوم القيامة كبشا أملح»، والباقي بنحوه.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد (فذكر الحديث وفيه": فإذا أدخل الله تعالى أهل الجنة الجنة وأهل النار النار؛ أتي بالموت ملببا، فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة! فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار! فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة ولأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون هؤلاء وهؤلاء: قد عرفناه؛ هو الموت الذي وكل بنا.»
[ ٣ / ٤٢٩ ]
«فيضجع، فيذبح ذبحا على السور، ثم يقال يا أهل الجنة! خلود لا موت، ويا أهل النار! خلود لا موت» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
قوله: " ملببا ": قال ابن الأثير في "النهاية": "يقال: لببت الرجل ولببته إذا جعلت في عنقه ثوبا أو غيره وجررته به، وأخذت بتلبيب فلان: إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره، والتلبيب مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل". انتهى.
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا! قال: فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم ربنا! هذا الموت. ثم ينادي مناد: يا أهل النار! فيقولون: لبيك ربنا! قال: فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم ربنا! هذا الموت. فيذبح كما تذبح الشاة، فيأمن هؤلاء وينقطع رجاء هؤلاء» .
رواه: أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط" بنحوه، والبزار. قال المنذري: "وأسانيدهم صحاح". وقال الهيثمي: "رجالهم رجال الصحيح غير نافع بن خالد الطاحي، وهو ثقة".
قال الترمذي رحمه الله تعالى بعد سياق حديث أبي سعيد ﵁ الذي تقدم ذكره قريبا في ذبح الموت بين الجنة والنار ما نصه: "وقد روي عن النبي ﷺ روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية: أن الناس يرون ربهم، وذكر القدم، وما أشبه هذه الأشياء. والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة؛ مثل: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيع، وغيرهم: أنهم رووا هذه الأشياء، وقالوا: تروى هذه
[ ٣ / ٤٣٠ ]
الأحاديث، ونؤمن بها، ولا يقال: كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث: أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت، ويؤمن بها، ولا تفسر، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه". انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وقد أجاد وأفاد.
وهذا آخر ما تيسر إيراده، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وقد كان الفراغ من تسويد هذا الجزء في يوم السبت ١٣\٣\١٣٩٦ هـ على يد كاتبه الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ٣ / ٤٣١ ]