باب
التعوذ من الفتن ومن إدراك زمانها
عن زيد بن ثابت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» .
رواه مسلم في حديث طويل.
وعن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» .
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كان يتعوذ في دبر صلاته من أربع؛ يقول: أعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من عذاب النار، وأعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأعوذ بالله من فتنة الأعور الكذاب» .
رواه الإمام أحمد.
وعن عصمة بن قيس صاحب رسول الله ﷺ: «أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب» .
رواه: البخاري في "التاريخ الكبير"، والطبراني، وابن عبد البر،
[ ١ / ١٩ ]
وغيرهم.
وفي رواية للطبراني عنه ﵁: «أنه كان يتعوذ من فتنة المشرق، قيل له: فكيف فتنة المغرب؟ قال: تلك أعظم وأعظم» .
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
ورواه نعيم بن حماد في "الفتن" بنحوه، وقال في آخره: «تلك أعظم وأطم» .
وقد ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" بنحوه.
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأنه إخبار عن أمر غيبي، فلا يقال إلا عن توقيف.
وعن زيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة عن أبي الرباب وصاحب له: أنهما سمعا أبا ذر ﵁ يدعو يتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها. قال: فسألناه: مم تعوذت؟ وفيم دعوت؟ قال: "تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني ويوم العورة أن أدركه ". فقلنا: وما ذاك؟ فقال: "أما يوم البلاء؛ فتلتقي فئتان من المسلمين، فيقتل بعضهم بعضا، وأما يوم العورة؛ فإن نساء من المسلمات يسبين، فيكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقا؛ اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه". قال: فقتل عثمان، ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن، فسبى نساء مسلمات، فأقمن في السوق.
رواه: ابن أبي شيبة، وابن عبد البر في "الاستيعاب" من طريقه.
وقد وقع في زماننا من المقلدات لنساء الإفرنج والمتشبهات بهن ما هو أعظم وأفحش من يوم العورة الذي كان أبو ذر ﵁ يتعوذ من إدراكه،
[ ١ / ٢٠ ]
فكان هؤلاء النسوة الضائعات على الحقيقة يمشين في الأسواق، ويحضرن في مجامع الرجال ومعارضهم ومؤسساتهم شبه عاريات؛ قد كشفن عن رؤوسهن ووجوههن ورقابهن ونحورهن وأيديهن إلى المناكب أو قريب منها وعن سوقهن وبعض أفخاذهن، وقد طلين وجوههن بالمسحوق، وصبغن شفاههن بالصبغ الأحمر، وتصنعن غاية التصنع للرجال الأجانب، ومشين بينهم متبخترات مائلات مميلات يفتن من أراد الله بهم الفتنة.
فهذه هي أيام العورة على الحقيقة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تعوذوا بالله من رأس السبعين، ومن إمارة الصبيان» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير كامل بن العلاء، وهو ثقة".
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان (أو: لا تدركوا زمانًا) لا يتبع فيه العليم، ولا يستحيى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» .
رواه الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان (أو: لا أدرك زمان) قوم لا يتبعون العليم، ولا يستحيون من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٢١ ]
باب
عرض الفتن على القلوب
عن حذيفة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا؛ إلا ما أشرب من هواه» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
قال النووي: "قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان. قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء. قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونًا: إذا وقع في الفتنة، وتحول من حال حسنة إلى سيئة".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وتطلق الفتنة على الكفر والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة، والبلية، والعذاب، والقتال، والتحول من الحسن إلى القبيح، والميل إلى الشيء والإعجاب به، وتكون في الخير والشر؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ". انتهى.
قلت: والمراد بما في حديث حذيفة ﵁: الفتنة في الشر؛ لقوله: «فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء» . والله أعلم.
وعن ميمون بن أبي شبيب؛ قال: قيل لحذيفة ﵁: أكفرت بنو إسرائيل في يوم واحد؟ قال: "لا؛ ولكن كانت تعرض عليهم الفتنة، فيأبونها،
[ ١ / ٢٢ ]
فيكرهون عليها، ثم تعرض عليهم فيأبونها، حتى ضربوا عليها بالسياط والسيوف، حتى خاضوا خاضة الماء، حتى لم يعرفوا معروفا ولم ينكروا منكرا".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن أبي ثعلبة ﵁: أنه قال: "أبشروا بدنيا عريضة تأكل إيمانكم، فمن كان منكم يومئذ على يقين من ربه؛ أتته فتنة بيضاء مسفرة، ومن كان منكم على شك من ربه؛ أتته فتنة سوداء مظلمة، ثم لم يبال الله في أي الأودية هلك".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
أن الفتن تذهب العقول
عن حذيفة ﵁: أنه قال: "ما الخمر صرفا بأذهب بعقول الرجال من الفتن".
رواه: ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في "الحلية".
وعنه ﵁: أنه قال: "تكون فتنة تعوج فيها عقول الرجال، حتى ما تكاد ترى رجلا عاقلا ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن". قال في "كنز العمال": "وهو صحيح".
وعنه ﵁: أنه قال: "ستكون فتنة بعدها جماعة، ثم تكون بعدها جماعة، ثم تكون فتنة لا تكون بعدها جماعة؛ ترفع فيها الأصوات، وتشخص الأبصار، وتذهل العقول، فلا تكاد ترى رجلا عاقلا".
رواه الديلمي.
[ ١ / ٢٣ ]
باب أن الفتن تذهب العقول
وقد رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد بغير هذا اللفظ، وسيأتي في ذكر الفتن الكبار إن شاء الله تعالى.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "أخاف عليكم فتنا كأنها الليل؛ يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
ما تعرف به الفتنة
عن حذيفة ﵁: أنه قال: "إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؛ فلينظر، فإن كان رأى حلالا كان يراه حراما؛ فقد أصابته الفتنة، وإن كان يرى حراما كان يراه حلالا؛ فقد أصابته ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه: ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في "الحلية" بأبسط من هذا.
ولفظه عند أبي نعيم: "وقال: إن الفتنة تعرض على القلوب، فأي قلب أشربها؛ نكتت فيه نكتة سوداء، فإن أنكرها؛ نكتت فيه نكتة بيضاء، فمن أحب منكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؛ فلينظر، فإن كان يرى حراما ما كان يراه حلالا، أو يرى حلالا ما كان يراه حراما؛ فقد أصابته الفتنة".
وفي رواية ابن أبي شيبة؛ قال: "إن الفتنة لتعرض على القلوب، فأي قلب أشربها؛ نقط على قلبه نقطة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نقط على قلبه نقطة بيضاء". والباقي بنحو ما تقدم.
[ ١ / ٢٤ ]
باب
بيان أشد الفتن
ذكر أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" عن حذيفة ﵁: أنه سئل: أي الفتن أشد؟ قال: "أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تركب".
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن خالد بن الوليد ﵁: أنه قال: "الفتنة: أن تكون في أرض يعمل فيها بالمعاصي وتريد أن تخرج منها إلى أرض لم يعمل فيها بالمعاصي فلا تجدها".
وروى رسته في "الإيمان" عن علي ﵁ مرفوعا: «تكون فتن لا يستطيع أن يغير فيها بيد ولا بلسان» .
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لتغشين أمتي بعدي فتن يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
في الذين وكلت بهم الفتنة
عن زيد بن وهب؛ قال: سمعت حذيفة ﵁ يقول: "إن الفتنة وكلت بثلاثة: بالحادِّ النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد. فأما هذان؛ فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد؛ فتبحثه حتى تبلو ما عنده".
رواه أبو نعيم في "الحلية" بإسناد صحيح.
[ ١ / ٢٥ ]
باب في الذين وكلت بهم الفتنة
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «أسعد الناس في الفتن كل خفي تقي إن ظهر لم يعرف وإن غاب لم يفتقد، وأشقى الناس فيها كل خطيب مصقع أو راكب موضع، لا يخلص من شرها إلا من أخلص الدعاء كدعاء الغرق في البحر» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن" بإسناد ضعيف.
وعن حذيفة بن أسيد وابن مسعود وحذيفة بن اليمان ﵃ نحو ذلك.
وسيأتي ذكرها في آخر الباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.
باب
ذكر الفتن والتحذير منها والأمر باعتزالها وكف اللسان واليد فيها
عن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: «أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: هل ترون ما أرى؟ . قالوا: لا. قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن أبي شيبة، وغيرهم.
وعن عبيد بن عمير؛ قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى أهل الحجرات، فقال: يا أهل الحجرات! سعرت النار، وجاءت الفتن كأنها قطع الليل المظلم، لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» .
رواه ابن أبي شيبة.
وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂؛ قالت: «استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعا يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من»
[ ١ / ٢٦ ]
باب ذكر الفتن والتحذير منها والأمر باعتزالها وكف اللسان واليد فيها
«الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث صحيح".
«وعن زينب بنت جحش ﵂؛ قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها) . قالت: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم؛ إذا كثر الخبث» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "خص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم، والمراد بالشر: ما وقع بعده من قتل عثمان، ثم توالت الفتن، حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة؛ كما وقع في الحديث الآخر: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها»، وأن المخاطب بذلك العرب". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للعرب من شر قد اقترب، موتوا إن استطعتم» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، أفلح من كف يده» .
[ ١ / ٢٧ ]
رواه: الإمام أحمد - وإسناده صحيح على شرط الشيخين - وأبو داود، وهذا لفظه، وإسناده صحيح على شرط البخاري.
وقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن عبيد الطنافسي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ - قال الأعمش: لا أراه إلا وقد رفعه - قال: «ويل للعرب من أمر قد اقترب، أفلح من كف يده» .
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعنه ﵁ يرويه: قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة والصدقة غرامة والشهادة بالمعرفة والحكم بالهوى» .
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه الزيادات"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "ليوشكن أن يصب عليكم الشر من السماء حتى يبلغ الفيافي". قيل: وما الفيافي يا أبا عبد الله؟ قال: "الأرض القفر".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والفتن؛ فإن اللسان فيها مثل وقع السيف» .
رواه ابن ماجه.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتن؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من»
[ ١ / ٢٨ ]
«الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ أو معاذًا؛ فليعذ به» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
ورواه: أبو داود الطيالسي، ومسلم من طريقه، ولفظ أبي داود: «إنها ستكون فتنة (أو فتن)؛ النائم فيها خير من اليقظان، والماشي فيها خير من الساعي، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا؛ فليستعذ به» .
وعن عبد الرحمن بن حسين الأشجعي: أنه سمع سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، ويكون الماشي فيها خيرا من الساعي، (قال: وأراه قال:) والمضطجع فيها خير من القاعد» .
رواه الإمام أحمد بإسناد جيد.
ورواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي عثمان النهدي عن سعد بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي خير من الراكب، والراكب خير من الموضع» .
قال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه: الإمام أحمد أيضا، والترمذي؛ عن بسر بن سعيد: «أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال عند فتنة عثمان بن عفان ﵁: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي. قال: أفرأيت إن دخل علي بيتي»
[ ١ / ٢٩ ]
«فبسط يده إلي ليقتلني. قال: كن كابن آدم» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكرة وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة ".
قلت: وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁، وستأتي أحاديث الباقين إن شاء الله تعالى.
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون فتنة؛ المضطجع فيها خير من الجالس، والجالس خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي. قال: فقال رجل: يا رسول الله! فما تأمرني؟ قال: من كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ومن لم يكن له شيء من ذلك فليعمد إلى سيفه، فليضرب بحده صخرة، ثم لينج إن استطاع النجاة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود. ورجالهما رجال الصحيح.
ورواه: الإمام أحمد أيضا، ومسلم بأبسط من هذا، ولفظ مسلم: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة؛ القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت؛ فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه. قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه، فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء. اللهم! هل بلغت؟ اللهم! هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ . قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار» .
[ ١ / ٣٠ ]
وعن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم؛ فليكن كخير ابني آدم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه - وهذا لفظه - وابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وقد رواه: الإمام أحمد، وأبو داود أيضا؛ من وجه آخر عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق أبي داود، ثم قال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الطبراني في "الكبير"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم فتنة صماء؛ النائم فيها خير من الجالس، والجالس فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي» .
قال عمر بن صالح البغدادي: "قلت لأحمد - يعني: ابن حنبل -: ما الحلس؟ قال: قطعة مسح في البيت ملقى". ذكره عنه في "مختصر طبقات الحنابلة".
وعن طاوس: أن رجلا اعترض لأبي موسى الأشعري، فقال: "هذه الفتنة
[ ١ / ٣١ ]
التي كانت تذكر؟ (وذلك حين افترق هو عمرو بن العاص حين حكما) فقال أبو موسى: ما هذه إلا حيصة من حيصات الفتن، وبقيت الرداح المطبقة، من أشرف لها؛ أشرفت له، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والصامت خير من المتكلم، والنائم خير من المستيقظ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي موسى أيضا ﵁: أنه قال: "يا أيها الناس إنها فتنة باقرة؛ تدع الحليم فيها كأنما ولد أمس، تأتيكم من مأمنكم كداء البطن لا يدرى أنى يؤتى، المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، والروياني، وابن عساكر في "تاريخه".
وعنه ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة بين يدي الساعة، قال: قلت: وفينا كتاب الله؟ قال: وفيكم كتاب الله. قال: قلت: ومعنا عقولنا؟ قال: ومعكم عقولكم» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعنه ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة فتنة. ثم قال أبو موسى ﵁: "والذي نفسي بيده؛ ما لي وما لكم منها مخرج إن أدركناها فيما عهد إلينا نبينا ﷺ؛ إلا أن نخرج منها كما دخلناها، ولا نحدث فيها شيئا ".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن".
وعن حذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون بعدي فتنة؛»
[ ١ / ٣٢ ]
«الراقد فيها خير من اليقظان، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ويهلك فيها كل راكب موضع، وكل خطيب مصقع، فإن أدركتها؛ فألصق بطنك بالأرض حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر» .
رواه أبو يعلى.
وعن أنيس بن أبي مرثد الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة عمياء بكماء صماء؛ المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فمن أتي فليمدد عنقه» .
رواه: بقي بن مخلد في "مسنده"، والبخاري في "التاريخ"، وابن السكن، وابن شاهين، وغيرهم.
وعن خريم بن فاتك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة: النائم فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير من الراكب» .
رواه الطبراني.
وعن نوفل بن معاوية ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة كرياح الصيف؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، من استشرف لها استشرفته» .
رواه الطبراني.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله: «ستكون فتن كرياح الصيف؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، من»
[ ١ / ٣٣ ]
«استشرف لها استشرفته» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن عمرو بن وابصة الأسدي عن أبيه - وهو «وابصة بن معبد، وله صحبة - قال: إني بالكوفة في داري؛ إذ سمعت على باب الدار: السلام عليكم، أألج؟ قلت: عليكم السلام، فلج. فلما دخل؛ فإذا هو عبد الله بن مسعود. قلت: أبا عبد الرحمن! أية ساعة زيارة هذه؟ وذلك في نحر الظهيرة، قال: طال علي النهار، فذكرت من أتحدث إليه. قال: فجعل يحدثني عن رسول الله ﷺ وأحدثه. قال: ثم أنشأ يحدثني؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، والراكب خير من المجري؛ قتلاها كلها في النار. قال: قلت: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: ذلك أيام الهرج. قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: حين لا يأمن الرجل جليسه. قال: قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: اكفف نفسك ويدك، وادخل دارك. قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن دخل رجل علي داري؟ قال: فادخل بيتك. قال: قلت: أفرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: فادخل مسجدك، واصنع هكذا (وقبض بيمينه على الكوع)، وقل: ربي الله، حتى تموت على ذلك» .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد، والطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه أبو داود في "سننه" مختصرا من طريق عمرو بن وابصة عن أبيه وابصة عن ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول،
[ ١ / ٣٤ ]
فذكر بعض حديث أبي بكرة؛ قال: قتلاها كلهم في النار. وقال: قلت: متى ذاك يابن مسعود؟ قال: تلك أيام الهرج، حيث لا يأمن الرجل جليسه.
قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال: تكف لسانك ويدك، وتكون حلسًا من أحلاس بيتك. فلما قتل عثمان طار قلبي مطاره، فركبت حتى أتيت دمشق، فلقيت خريم بن فاتك، فحدثته، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لسمعه من رسول الله ﷺ كما حدثنيه ابن مسعود.
وعن خرشة بن الحر ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون من بعدي فتنة؛ النائم فيها خير من اليقظان، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن أتت عليه؛ فليمش بسيفه إلى صفاة، فليضربه بها حتى ينكسر، ثم ليضطجع لها حتى تنجلي عما انجلت» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني.
وعن خباب بن الأرت ﵁ عن رسول الله ﷺ: «أنه ذكر فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قال: فإن أدركت ذلك؛ فكن عبد الله المقتول (أحسبه قال:) ولا تكن عبد الله القاتل» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني.
وعن جندب بن سفيان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون بعدي فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا. فقال رجل من المسلمين: كيف نصنع عند ذلك يا رسول الله؟ ! قال: ادخلوا بيوتكم وأخملوا ذكركم. فقال: أرأيت إن دخل على أحدنا بيته؟ فقال رسول الله ﷺ: ليمسك بيده، وليكن عبد الله المقتول ولا يكن عبد الله القاتل؛ فإن الرجل يكون في فئة الإسلام، فيأكل مال»
[ ١ / ٣٥ ]
«أخيه، ويسفك دمه، ويعصي ربه، ويكفر بخالقه، وتجب له النار» .
رواه الطبراني.
«وعن خالد بن عرفطة ﵁؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا خالد! إنه سيكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل؛ فافعل» .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، والطبراني، والحاكم. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات".
وعن أبي واقد الليثي ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال ونحن جلوس على بساط: إنها ستكون فتنة. قالوا؛ فكيف نفعل يا رسول الله؟ فرد يده إلى البساط، فأمسك به، فقال: تفعلون هكذا. وذكر لهم رسول الله ﷺ يوما أنها ستكون فتنة، فلم يسمعه كثير من الناس، فقال معاذ بن جبل: ألا تسمعون ما يقول رسول الله ﷺ؟ قالوا: ما قال؟ قال: إنها ستكون فتنة. فقالوا: فكيف لنا يا رسول الله؟ ! وكيف نصنع؟ ! قال: ترجعون إلى أمركم الأول» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن صالح، وقد وثق، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتن؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ إلا من أحياه الله بالعلم» .
رواه: ابن ماجه، والطبراني، والآجري في كتاب "الشريعة".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا،
»
[ ١ / ٣٦ ]
«يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر (أو قال: على الشوك)» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي رواية لأحمد: «يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل» .
وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا» .
رواه: الترمذي، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "غريب".
قال: "وفي الباب عن أبي هريرة وجندب والنعمان بن بشير وأبي موسى ﵃".
ثم قال الترمذي: حدثنا صالح بن عبد الله: حدثنا جعفر بن سليمان عن هشام عن الحسن؛ قال: كان يقول في هذا الحديث: «يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا»؛ قال: يصبح محرما لدم أخيه وعرضه وماله ويصبح مستحلا له.
قلت: ويدل لما قاله الحسن رحمه الله تعالى ما ثبت في "الصحيحين"
[ ١ / ٣٧ ]
وغيرهما من عدة أوجه عن النبي ﷺ: أنه قال في حجة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: صحبنا رسول الله ﷺ، فسمعناه يقول: «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام خلاقهم فيها بعرض من الدنيا يسير» . قال الحسن: "والله؛ لقد رأيناهم صورا بلا عقول، أجساما بلا أحلام، فراش نار، وذبان طمع، يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز".
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه مبارك بن فضالة؛ وثقه جماعة، وفيه لين، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق مبارك بن فضالة، ولم يتكلم عليه الحاكم ولا الذهبي.
وعن الضحاك بن قيس ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، فتن كقطع الدخان؛ يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع فيها أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وهو سيئ الحفظ، وقد وثق، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح ".
قلت: وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق علي بن زيد، ولم يتكلم عليه.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام»
[ ١ / ٣٨ ]
«بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء، وإن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يمسي الرجل فيها مؤمنًا ويصبح كافرًا، ويصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، يبيع أقوام دينهم فيها بعرض من الدنيا» .
رواه الطبراني.
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليغشين أمتي من بعدي فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم فيها بعرض من الدنيا قليل» .
رواه الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "هذه الفتن قد أظلت كقطع الليل المظلم، كلما ذهب منها رسل؛ بدا رسل آخر؛ يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع فيها أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعنه ﵁: أنه قال: "أخاف عليكم فتنا كأنها الليل؛ يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
«وعن حذيفة ﵁ يرفعه؛ قال: أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع فيها أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل. قلت: فكيف نصنع يا رسول الله؟ ! قال:»
[ ١ / ٣٩ ]
«تكسر يدك. قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر الأخرى. قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر رجلك. قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر الأخرى قلت: حتى متى؟ قال: حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن عساكر في "تاريخه".
قوله: تكسر يدك وتكسر رجلك: ليس هو على ظاهره، وإنما معناه الحث على كف اليدين والرجلين في أيام الفتن، فلا يمشي في الفتنة، ولا يقاتل مع أهلها، بل يكون كمن كسرت يده ورجله. والله أعلم.
«وعن وائل بن حجر ﵁: أن معاوية ﵁ قال له: ما منعك من نصرنا وقد اتخذك عثمان ثقة وصهرا؟ فقال له وائل: حضرت رسول الله ﷺ وقد رفع رأسه نحو المشرق وقد حضره جمع كثير، ثم رد إليه بصره، فقال: أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم، فشدد أمرها وعجله وقبحه. فقلت له من بين القوم: يا رسول الله وما الفتن؟ فقال: يا وائل! إذا اختلف سيفان في الإسلام؛ فاعتزلهما» .
رواه: الطبراني في "الصغير" و"الكبير". قال الهيثمي: "وفيه محمد بن حجر، وهو ضعيف".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتن يفارق الرجل فيها أباه وأخاه، تطير الفتنة في قلوب رجال منهم إلى يوم القيامة، حتى يعير الرجل فيها بصلاته كما تعير الزانية بزناها» .
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن" والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه محمد بن سفيان الحضرمي، ولم أعرفه، وابن لهيعة لين".
قلت: وقد ذكر لنا عن بعض السفهاء في زماننا أنهم كانوا يستهزئون
[ ١ / ٤٠ ]
بالصلاة والمصلين والآمرين بالصلاة، ويلمزونهم، ويسخرون منهم، وهذا من مصداق هذا الحديث، وكثير من السفهاء يعيرون المتمسكين بالسنن، ولا سيما إعفاء اللحية، وهذا من غلبة الفتنة عليهم، وتمكنها من قلوبهم؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
«وعن محمد بن مسلمة ﵁؛ قال: أعطاني رسول الله ﷺ سيفا، فقال: قاتل به المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت أمتي يضرب بعضها بعضًا؛ فائت به أُحدًا، فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي بردة؛ قال: دخلت على محمد بن مسلمة ﵁، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان كذلك؛ فائت بسيفك أحدًا، فاضربه حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قَاضية»؛ فقد وقعت وفعلت ما قال رسول الله ﷺ.
رواه ابن ماجه، ورواته ثقات، وقد رواه ابن أبي شيبة بنحوه.
ورواه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيت الناس يقتتلون على الدنيا؛ فاعمد بسيفك إلى أعظم صخرة في الحرة؛ فاضربه بها حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
ففعلت ما أمرني به رسول الله ﷺ.
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي بردة؛ قال: مررت بالربذة فإذا فسطاط، فقلت: لمن
[ ١ / ٤١ ]
هذا؟ فقيل: لمحمد بن مسلمة. فاستأذنت عليه، فدخلت عليه، فقلت: رحمك الله؛ إنك من هذا الأمر بمكان، فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك؛ فأت بسيفك أحدًا، فاضرب به عرضه، وكسر نبلك، واقطع وترك، واجلس في بيتك، حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله» . فقد كان ما قال رسول الله ﷺ، وفعلت ما أمرني به، ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط، واخترطه؛ فإذا سيف من خشب، فقال: قد فعلت ما أمرني به، واتخذت هذا أرهب به الناس.
وعن محمود بن لبيد «عن محمد بن مسلمة ﵁: أنه قال: يا رسول الله! كيف أصنع إذا اختلف المصلون؟ قال: اخرج بسيفك إلى الحرة، فتضربها به، ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة» .
رواه: الحاكم، والبيهقي، وابن عساكر في "تاريخه".
«وعن سعيد بن زيد الأشهلي ﵁: أنه أهدى إلى النبي ﷺ سيفا من نجران (أو: أهدي إلى النبي ﷺ سيف من نجران)، فأعطاه محمد بن مسلمة، فقال: جاهد بهذا في سبيل الله، فإذا اختلفت أعناق الناس؛ فاضرب به الحجر، ثم ادخل بيتك؛ فكن حلسًا ملقى حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
رواه: الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجال "الكبير" ثقات".
قلت: ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه.
وعن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ أعطى محمد بن مسلمة سيفا، فقال: قاتل المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت سيفين اختلفا بين»
[ ١ / ٤٢ ]
«المسلمين؛ فاضرب به الحجر حتى ينثلم، واقعد في بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة» . ثم أتيت ابن عمر ﵄؛ فحذا لي على مثاله عن النبي ﷺ.
رواه الطبراني، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: أعطى «رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة سيفا، فقال: قاتل به المشركين ما قاتلوكم، فإذا اقتتل المسلمون؛ فائت بهذا السيف أحدًا، فاضرب به حتى ينثلم وينقطع، ثم ارجع إلى بيتك، فكن حلسًا من أحلاس بيتك، حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن عبد الله بن عبيد «عن عديسة بنت أهبان بن صيفي الغفاري؛ قالت: "جاء علي بن أبي طالب ﵁ إلى أبي، فدعاه إلى الخروج معه، فقال له أبي: إن خليلي وابن عمك عهد إلي إذا اختلف الناس أن أتخذ سيفا من خشب؛ فقد اتخذته، فإن شئت خرجت به معك» . قالت: " فتركه".
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
ورواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عبيد؛ قال: حدثتني «عديسة بنت أهبان؛ قالت: "لما جاء علي بن أبي طالب هاهنا البصرة؛ دخل على أبي فقال: يا أبا مسلم! ألا تعينني على هؤلاء القوم؟ قال: بلى. قال: فدعا جارية له، فقال: يا جارية! أخرجي سيفي. قال: فأخرجته، فسل منه قدر شبر؛ فإذا هو خشب، فقال: إن خليلي وابن عمك ﷺ عهد إلي إذا كانت الفتنة بين المسلمين فاتخذ سيفا من خشب، فإن شئت خرجت معك. قال: لا حاجة لي فيك ولا في سيفك» .
وقد رواه الإمام أحمد عن عفان وأسود بن عامر ومؤمل؛ ثلاثتهم عن حماد
[ ١ / ٤٣ ]
بن سلمة: حدثنا أبو عمرو السلمي عن بنت أهبان الغفاري: «أن عليّا ﵁ أتى أهبان ﵁، فقال: ما يمنعك أن تتبعنا؟ فقال: أوصاني خليلي وابن عمك ﷺ: أن ستكون فرقة واختلاف، فإذا كان ذلك؛ فاكسر سيفك، واقعد في بيتك، واتخذ سيفًا من خشب» .
زاد مؤمل في روايته: «واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
وقد رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، والطبراني، وأبو نعيم؛ بمثل رواية أحمد عن عفان وأسود.
وعن ابن الحكم بن عمرو الغفاري؛ قال: حدثني جدي؛ قال: «كنت عند الحكم بن عمرو ﵁ جالسا حين جاءه رسول علي بن أبي طالب ﵁، فقال: إنك أحق من أعاننا على هذا الأمر. فقال: سمعت خليلي ابن عمك ﷺ يقول: إذا كان هكذا أو مثل هذا: أن اتخذ سيفًا من خشب فقد اتخذت سيفا من خشب» .
رواه الطبراني.
«وعن أبي الأشعث الصنعاني؛ قال: "بعثني يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن أبي أوفى ومعي ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فقلت: ما تأمرون به الناس؟ فقال: أوصاني أبو القاسم ﷺ إن أنا أدركت شيئا من هذه الفتن؛ أن أعمد إلى أحد وأكسر سيفي وأقعد في بيتي، فإن دخل علي بيتي؛ قال: اقعد في مخدعك، فإن دخل عليك؛ فاجث على ركبتيك، وتقول: بؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين. فقد كسرت سيفي، فإذا دخل علي بيتي؛ دخلت مخدعي، فإذا دخل علي مخدعي؛ جثوت على ركبتي، فقلت ما قال رسول الله ﷺ أن أقول» .
[ ١ / ٤٤ ]
رواه البزار.
وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: حدثنا عبد الصمد: حدثنا زياد بن أبي مسلم أبو عمر: حدثنا أبو الأشعث الصنعاني؛ قال: "بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير، فلما قدمت المدينة دخلت على فلان - نسي زياد اسمه - فقال: إن الناس قد صنعوا ما صنعوا، فما ترى؟ قال: «أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ: إن أدركت شيئًا من هذه الفتن؛ فاعمد إلى أحد، فاكسر به حد سيفك، ثم اقعد في بيتك، فإن دخل عليك أحد البيت؛ فقم إلى المخدع، فإن دخل عليك المخدع؛ فاجث على ركبتيك، وقل: بؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فقد كسرت سيفي وقعدت في بيتي» .
إسناده لا بأس به، وقد وقع هذا الحديث في مسند محمد بن مسلمة عند الإمام أحمد، وليس هو لمحمد بن مسلمة؛ لأنه لم يدرك أيام يزيد بن معاوية، وإنما هو لعبد الله بن أبي أوفى؛ كما تقدم مصرحا به في رواية البزار. والله أعلم.
وعن ربعي بن حراش؛ قال: سمعت رجلا في جنازة حذيفة ﵁ يقول: سمعت صاحب هذا السرير يقول: "ما بي بأس بعدما سمعت من رسول الله ﷺ، ولئن اقتتلتم لأدخلن بيتي، فلئن دخل علي؛ فلأقولن: ها؛ بؤ بإثمي وإثمك".
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير الرجل المبهم".
قلت: وقد رواه: أبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة؛ بنحوه.
وعن ربعي بن حراش أيضا عن حذيفة ﵁؛ قال: "قيل: يا أبا عبد الله! ما تأمرنا إذا اقتتل المصلون؟ قال: آمرك أن تنظر أقصى بيت من دارك،
[ ١ / ٤٥ ]
فتلج فيه، فإن دخل عليك، فتقول: ها؛ بؤ بإثمي وإثمك، فتكون كابن آدم".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعن سحيم بن نوفل؛ قال: "قال لي عبد الله بن مسعود ﵁: كيف أنتم إذا اقتتل المصلون؟ ! قلت: ويكون ذلك؟ قال: نعم؛ أصحاب محمد. قلت: وكيف أصنع؟ ! قال: كف لسانك، وأخف مكانك، وعليك بما تعرف، ولا تدع ما تعرف لما تنكر". رواه ابن أبي شيبة.
«وعن أبي ذر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: كيف أنت يا أبا ذر وموتًا يصيب الناس حتى يقوم البيت بالوصيف (يعني: القبر)؟ ! . قلت: ما خار الله لي ورسوله (أو قال: الله ورسوله أعلم) . قال: تصبر. قال: كيف أنت وجوعًا يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك ولا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك. قلت: الله ورسوله أعلم (أو: ما خار الله لي ورسوله) . قال: عليك بالعفة. ثم قال: كيف أنت وقتلًا يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم؟ ! . قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: الحق بمن أنت منه. قال: قلت: يا رسول الله! أفلا آخذ سيفي فأضرب به من فعل ذلك؟ قال: شاركت القوم إذًا، ولكن ادخل بيتك. قلت: يا رسول الله! فإن دخل بيتي؟ قال: إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف؛ فألق طرف ردائك على وجهك، فيبوء بإثمه وإثمك، فيكون من أصحاب النار» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه - وهذا لفظه - وابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد زعم أبو عبية في تعليقه على "النهاية لابن كثير " في (صفحة ٥٨):
[ ١ / ٤٦ ]
أنه يرى أثر الوضع جليّا واضحا على هذا الحديث، وعلل ذلك بأنه يتعارض ومبدأ الدفاع عن النفس الذي شرعه الإسلام!
والجواب أن يقال: ليس في الحديث ما يدل على أثر الوضع كما قد توهمه أبو عبية، بل الحديث صحيح، لا مطعن فيه بوجه من الوجوه، وله شواهد كثيرة مما تقدم، وما يأتي عن أبي هريرة وحذيفة ﵄.
وأما الدفاع عن النفس؛ فإنما هو مشروع في غير أيام الهرج، وأما أيام الهرج فالمشروع فيها كف اليد واللسان ولزوم البيت وإذا دخل على أحد بيته؛ فإنه مأمور بأن يكون كخير ابني آدم؛ كما تقدم في حديث أبي موسى الأشعري ﵁. والله أعلم.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁؛ قال: "إني لأعلم فتنة يوشك أن يكون الذي قبلها معها كنفجة أرنب، وإني لأعلم المخرج منها. قلنا: وما المخرج منها؟ قال: أمسك يدي حتى يجيء من يقتلني".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه"؛ من طريقه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "إياكم والفتن؛ لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن، إنها مشبهة مقبلة حتى يقول الجاهل: هذه سنة، وتبين مدبرة، فإذا رأيتموها؛ فاجثموا في بيوتكم، وكسروا سيوفكم، وقطعوا أوتاركم، وغطوا وجوهكم".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية" من طريقه. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٤٧ ]
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم وبزمان (أو: يوشك أن يأتي زمان) يغربل الناس فيه غربلة، تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه) . فقالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ ! قال: تأخذون ما تعرفون وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم وتذرون أمر عامتكم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لأحمد وأبي داود والنسائي والحاكم عنه ﵁؛ قال: «بينما نحن حول رسول الله ﷺ؛ إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه)؟ ! . قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط"؛ بإسنادين؛ قال الهيثمي: "رجال أحدهما رجال الصحيح".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "إذا وقع الناس في الفتنة، فقالوا: اخرج؛ لك بالناس أسوة. فقل: لا أسوة لي بالشر".
[ ١ / ٤٨ ]
رواه الطبراني.
وعن أبي الطفيل؛ قال: قال حذيفة ﵁: "كيف أنت وفتنة خير أهلها فيها كل غني خفي؟ ! ". قال: قلت: والله ما هو إلا عطاء أحدنا، ثم نطرح هاهنا وهاهنا، ونرمى كل مرمى. قال: "أفلا تكون كابن اللبون؛ لا ركوبة فتركب، ولا حلوبة فتحلب؟ ! ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: "أتتكم الفتن مثل قطع الليل المظلم؛ يهلك فيها كل شجاع بطل، وكل راكب موضع، وكل خطيب مصقع".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن أبي الطفيل عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵁: أنه قال: "أنا لغير الدجال أخوف علي وعليكم". قال: فقلنا: ما هو يا أبا سريحة؟ قال: "فتن كأنها قطع الليل المظلم". قال: فقلنا: أي الناس فيها شر؟ قال: "كل خطيب مصقع، وكل راكب موضع". قال: فقلنا: أي الناس فيها خير؟ قال: "كل غني خفي". قال: فقلت: ما أنا بالغني ولا بالخفي. قال: "فكن كابن اللبون؛ لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن قتادة؛ قال: قال حذيفة - يعني ابن أسيد - (فذكره بنحوه) .
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: " خير الناس في الفتنة أهل شاء
[ ١ / ٤٩ ]
سود ترعى في شغف الجبال ومواقع القطر، وشر الناس فيها كل راكب موضع وكل خطيب مصقع".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن زيد بن وهب عن حذيفة ﵁، قال: "أتتكم الفتنة ترمي بالرضف، أتتكم الفتنة السوداء المظلمة، إن للفتنة وقفات ونقفات، فمن استطاع منكم أن يموت في وقفاتها؛ فليفعل".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وزاد في رواية أخرى عن زيد بن وهب؛ قال: "سئل حذيفة ﵁: ما وقفاتها؟ قال: إذا غمد السيف. قال: ما نقفاتها؟ قال: إذا سل السيف".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه أبو نعيم في "الحلية" بنحوه مختصرا.
ورواه ابن أبي شيبة، ولفظه: قال: "إن للفتنة وقفات وبعثات، فإن استطعت أن تموت في وقفاتها؛ فافعل".
قال ابن منظور في "لسان العرب": " (النقف): كسر الهامة عن الدماغ ونحو ذلك، كما ينقف الظليم الحنظل عن حبه، والمناقفة: المضاربة بالسيوف على الرؤوس، ونقف رأسه ينقفه نقفا ونقحه: ضربه على رأسه حتى يخرج دماغه".
وقال أيضا تبعا لابن الأثير: "وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄: "اعدد اثني عشر من بني كعب بن لؤي، ثم يكون النقف والنقاف"؛ أي: القتل والقتال. و(النقف): هشم الرأس؛ أي: تهيج الفتن والحروب
[ ١ / ٥٠ ]
بعدهم. وفي حديث مسلم بن عقبة المري: "لا يكون إلا الوقاف ثم النقاف ثم الانصراف"؛ أي: المواقفة في الحرب ثم المناجزة بالسيوف ثم الانصراف عنها". انتهى.
«وعن حذيفة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: لن تفنى أمتي حتى يظهر فيهم التمايز والتمايل والمعامع. قلت: يا رسول الله! ما التمايز؟ قال: التمايز عصبية يحدثها الناس بعدي في الإسلام. قلت: فما التمايل؟ قال: تميل القبيلة على القبيلة فتستحل حرمتها. قلت: فما المعامع؟ قال: سير الأمصار بعضها إلى بعض تختلف أعناقهم في الحرب» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبي بأن فيه سعيد بن سنان؛ قال: " وسعيد متهم به".
وقد رواه نعيم بن حماد في "الفتن" من حديث أبي هريرة ﵁.
وهذا الحديث، وإن كان ضعيف الإسناد؛ فقد ظهر مصداقه بما أحدثه الناس من العصبية في الإسلام، ومن هذه العصبية ما يسمى في زماننا بـ (القومية العربية)، وكذلك ميل القبائل بعضها على بعض، واستحلال بعضهم لحرمة بعض، وكذلك سير الأمصار بعضهم إلى بعض، واختلاف أعناقهم في الحرب؛ كل ذلك قد وقع في هذه الأمة، وهذا مما يشهد لهذا الحديث، ويدل على أن له أصلا. والله أعلم.
وعن المستظل بن الحصين؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "قد علمت ورب الكعبة متى يهلك العرب؟ إذا ولي أمرهم من لم يصحب الرسول ﷺ ولم يعالج أمر الجاهلية".
رواه: ابن سعد، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٥١ ]
باب
ما جاء في ذكر الفتن الكبار
وقد تقدمت الإشارة إليها في كثير من الأحاديث التي تقدم ذكرها.
وعن أبي الغادية المزني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون بعدي فتن غلاظ شداد، خير الناس فيها مسلمو أهل البوادي، الذين لا يتندون من دماء المسلمين ولا أموالهم شيئًا» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير". قال الهيثمي: "وفيه حيان بن حجر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن أبي إدريس الخولاني؛ قال: سمعت حذيفة بن اليمان ﵄ يقول: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله ﷺ أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يعد الفتن: «منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهن فتن كرياح الصيف؛ منها صغار، ومنها كبار» . قال حذيفة ﵁: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يكون في هذه الأمة أربع فتن، في آخرها الفناء» .
رواه: ابن أبي شيبة، وأبو داود.
وعن حذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يكون في أمتي أربع فتن، وفي الرابعة الفناء» .
[ ١ / ٥٢ ]
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
«وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: كنا قعودا عند رسول الله ﷺ، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله! وما فتنة الأحلاس؟ قال: هي هرب وحرب. ثم فتنة السراء؛ دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع. ثم فتنة الدهيماء؛ لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقضت؛ تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم؛ فانتظروا الدجال من يومه أو غده» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
(الأحلاس): جمع حلس؛ بكسر الحاء وسكون اللام.
قال ابن الأثير: "وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها ودوامها".
وقال الخطابي: "إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس؛ لدوامها وطول لبثها؛ يقال للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه: هو حلس بيته؛ لأن الحلس يفترش فيبقى على المكان ما دام لا يرفع، وقد يحتمل أن تكون هذه الفتنة إنما شبهت بالأحلاس لسواد لونها وظلمتها".
قوله: "هي هرب وحرب".
[ ١ / ٥٣ ]
قال ابن الأثير: "الحرب بالتحريك: نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له".
وقال الخطابي: "الحرب: ذهاب المال والأهل، يقال: حرب الرجل فهو حريب: إذا سلب أهله وماله".
قوله: ثم فتنة السراء.
قال القاري: "المراد بالسراء: النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء والعافية من البلاء والوباء، وأضيفت إلى السراء؛ لأن السبب في وقوعها ارتكاب المعاصي بسبب كثرة التنعم، أو لأنها تسر العدو".
قوله: دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي.
قال ابن الأثير: "يعني: ظهورها وإثارتها، شبهها بالدخان المرتفع، والدخن بالتحريك: مصدر دخنت النار تدخن، إذا ألقي عليها حطب رطب فكثر دخانها ".
وقال الخطابي: " (الدخن): الدخان؛ يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه".
قلت: وهذه الفتنة تنطبق على ما وقع بين أهل نجد وبين الأتراك والمصريين من الحروب العظيمة في القرن الثالث عشر من الهجرة، وقد كانت هذه الفتنة من أعظم الفتن التي وقعت في هذه الأمة، وقد وهى الإسلام بسببها وانطمست أعلامه، حتى رد الله الكرة لأهل نجد بعد ذلك، فعاد الإسلام عزيزا، ولله الحمد والمنة.
وقد يكون المراد بفتنة السراء غيرها مما وقع في هذه الأمة أو ما سيقع فيما بعد، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ.
[ ١ / ٥٤ ]
قوله: «ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع»:
قال ابن الأثير: "أي: يصطلحون على أمر واه؛ لا نظام له ولا استقامة؛ لأن الورك لا يستقيم على الضلع، ولا يتركب عليه؛ لاختلاف ما بينهما وبعده".
وقال الخطابي: "قوله: كورك على ضلع: مثل، ومعناه: الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم، وذلك أن الضلع لا يقوم بالورك ولا يحمله؛ يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك ولا مستقل به".
قوله: ثم فتنة الدهيماء.
قال الخطابي: " (الدهيماء): تصغير الدهماء، وصغرها على مذهب المذمة لها".
وذكر ابن منظور في "لسان العرب" عن أبي عبيدة أنه قال: "قوله: الدهيماء: نراه أراد الدهماء فصغرها. قال شمر: أراد بـ (الدهماء): الفتنة السوداء المظلمة، والتصغير فيها للتعظيم".
وكذا قال ابن الأثير في "النهاية": "إن الدهيماء تصغير الدهماء؛ يريد الفتنة المظلمة، والتصغير فيها للتعظيم".
وقيل: أراد بالدهيماء الداهية، ومن أسمائها: الدهيم، زعموا أن الدهيم اسم ناقة كان غزا عليها سبعة إخوة فقتلوا عن آخرهم وحملوا عليها حتى رجعت بهم فصارت مثلا في كل داهية.
ونقل ابن منظور في "لسان العرب" عن شمر؛ قال: "سمعت ابن الأعرابي يروي عن ابن المفضل أن هؤلاء بنو الزبان بن مجالد، خرجوا في طلب إبل لهم، فلقيهم كثيف بن زهير، فضرب أعناقهم، ثم حمل رؤوسهم في جوالق، وعلقه في عنق ناقة يقال لها: الدهيم، وهي ناقة عمرو بن الزبان، ثم
[ ١ / ٥٥ ]
خلاها في الإبل، فراحت على الزبان، فقال لما رأى الجوالق: أظن بني صادوا بيض نعام، ثم أهوى بيده، فأدخلها في الجوالق؛ فإذا رأس، فلما رآه قال: آخر البز على القلوص، فذهبت مثلا. وقيل: أثقل من حمل الدهيم، وأشأم من الدهيم". قال: "وضربت العرب الدهيم مثلا في الشر والداهية".
قوله: «حتى يصير الناس إلى فسطاطين» إلى آخره:
قال ابن الأثير: " (الفسطاط) بالضم والكسر: المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط".
وقال الزمخشري: "هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق، وبه سميت المدينة، ويقال لمصر والبصرة: الفسطاط".
وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": "الفسطاط: الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر: الفسطاط، والمراد به في الحديث الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى؛ تشبيها بانفراد الخيمة عن الأخرى، أو تشبيها بانفراد المدينة عن الأخرى" انتهى.
قلت: وفتنة الدهيماء لم تقع إلى الآن، ولعلها الفتنة التي تستنظف العرب؛ كما سيأتي ذكرها في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
والدليل على أنها لم تقع إلى الآن قوله في آخر الحديث: «فإذا كان ذاكم؛ فانتظروا الدجال من يومه أو غده»؛ فهذا يدل على أنها من آخر ما يقع في هذه الأمة من الفتن، وأنها قبيل فتنة الدجال. والله أعلم.
وعن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون بعدي فتن، منها فتنة الأحلاس، يكون فيها هرب وحرب، ثم بعدها فتن أشد منها، ثم تكون فتنة؛ كلما قيل انقطعت؛ تمادت، حتى لا يبقى بيت إلا دخلته، ولا»
[ ١ / ٥٦ ]
«مسلم إلا شكته، حتى يخرج رجل من عترتي» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ، وذكر الفتنة الرابعة: «لا ينجو من شرها إلا من دعا كدعاء الغرق، وأسعد الناس فيها كل تقي خفي: إذا ظهر لم يعرف، وإذا جلس لم يفتقد، وأشقى الناس فيها كل خطيب مصقع أو راكب موضع» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن علي ﵁: أنه قال: "ستكون فتنة عمياء مظلمة منكسفة، لا ينجو منها إلا النومة". قيل: وما النومة؟ قال: "الذي لا يدري ما الناس فيه".
رواه العسكري في "المواعظ"، ونقله عنه صاحب "كنز العمال".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تدوم الفتنة الرابعة اثني عشر عامًا، ثم تنجلي حين تنجلي وقد انحسر الفرات عن جبل من ذهب تكب عليه الأمة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن زيد بن وهب عن حذيفة ﵁: أنه قال: "أتتكم الفتن ترمي بالنشف، ثم أتتكم ترمي بالرضف، ثم أتتكم سوداء مظلمة".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: "أتتكم الفتن ترمي بالعسف، ثم التي بعدها ترمي بالرضخ، ثم التي بعدها المظلمة" الحديث.
[ ١ / ٥٧ ]
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي الطفيل عن حذيفة ﵁؛ قال: "ثلاث فتن، والرابعة تسوقهم إلى الدجال: التي ترمي بالرضف، والتي ترمي بالنشف، والسوداء المظلمة التي تموج كموج البحر، والرابعة تسوقهم إلى الدجال ".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد، وأبو نعيم في "الحلية"، وهذا لفظه.
قال ابن الأثير في "النهاية" وتبعه ابن منظور في "لسان العرب": "ومنه حديث حذيفة ﵁: "أظلتكم الفتن ترمي بالنشف، ثم التي تليها ترمي بالرضف"؛ يعني: أن الأولى من الفتن لا تؤثر في أديان الناس لخفتها، والتي بعدها كهيئة حجارة قد أحميت بالنار فكانت رضيفا؛ فهي أبلغ في أديانهم وأثلم لأبدانهم".
وقال ابن منظور: "وفي حديث حذيفة ﵁: أنه ذكر فتنا فقال: "أتتكم الدهيماء ترمي بالنشف، ثم التي تليها ترمي بالرضف"؛ أي: في شدتها وحرها كأنها ترمي بالرضف ". انتهى.
وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: "في هذه الأمة أربع فتن، تسلمهم الرابعة إلى الدجال: الرقطاء، والمظلمة، وهنة وهنة".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعنه ﵁ أنه قال: "ليكونن فيكم أيتها الأمة أربع فتن: الرقطاء، والمظلمة، وفلانة وفلانة، ولتسلمنكم الرابعة إلى الدجال ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
[ ١ / ٥٨ ]
وعنه ﵁: أنه قال: " الفتن بعد رسول الله ﷺ إلى أن تقوم الساعة أربع: فالأولى خمس، والثانية عشر، والثالثة عشرون، والرابعة الدجال ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعنه ﵁: أنه قال: "تكون فتنة، ثم تكون بعدها جماعة وتوبة، ثم فتنة، ثم جماعة وتوبة حتى ذكر الرابعة، ثم لا تكون بعدها توبة ولا جماعة".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن".
وعن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون بعدي أربع فتن: الأولى يستحل فيها الدم، والثانية: يستحل فيها الدم والمال، والثالثة: يستحل فيها الدم والمال والفرج» .
رواه: الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، ولم يذكر غير ثلاث، وقد رواه نعيم بن حماد في كتاب "الفتن"، وزاد: "والرابعة الدجال ".
وقد وقع استحلال الدم بعد قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ووقع استحلال الدم والمال بعد ذلك في فتن كثيرة، ووقع استحلال الفروج في فتن كثيرة أيضا، أولها في خلافة معاوية وابنه يزيد.
فأما في خلافة معاوية ﵁؛ فذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن أبي عمرو الشيباني: أن معاوية ﵁ وجه بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي ﵁. قال ابن عبد البر: "وفي هذه الخرجة أغار بسر بن أرطاة على همدان وسبى نساءهم، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام".
ثم روى من طريق بقي بن مخلد؛ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة؛
[ ١ / ٥٩ ]
قال: حدثنا زيد بن الحباب؛ قال: حدثني موسى بن عبيدة؛ قال: "حدثنا زيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة عن أبي الرباب وصاحب له: أنهما سمعا أبا ذر ﵁ يدعو يتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها. قال: فسألناه: مم تعوذت؟ وفيم دعوت؟ قال: تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني، ويوم العورة أن أدركه. فقلنا: وما ذاك؟ فقال: أما يوم البلاء؛ فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا، وأما يوم العورة؛ فإن نساء من المسلمات يسبين، فيكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقا؛ اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان، ولعلكما تدركانه.
قال: فقتل عثمان ﵁، ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن، فسبى نساء مسلمات، فأقمن في السوق".
وأما في خلافة يزيد بن معاوية؛ فذلك في فتنة الحرة، حيث استحلت فيها الدماء والأموال والفروج.
قال المدائني: "أباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام؛ يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال، ووقعوا على النساء، حتى قيل: إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج".
قال المدائني: "عن أبي قرة؛ قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج".
وقد ذكر ابن كثير وغيره: أن يزيد بن معاوية أمر مسرف بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أربع فتن تكون بعدي: الأولى: يسفك فيها الدماء، والثانية: يستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة: يستحل فيها الدماء والأموال والفروج، والرابعة: صماء عمياء مطبقة»
[ ١ / ٦٠ ]
«تمور مور الموج في البحر حتى لا يجد أحد من الناس منها ملجأ، تطيف بالشام، وتغشى العراق، وتخبط الجزيرة بيدها ورجلها، تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، ثم لا يستطيع أحد من الناس أن يقول فيها: مه مه، لا يدفعونها من ناحية إلا انفتقت من ناحية أخرى» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن". قال في "كنز العمال": "ورجاله ثقات، ولكن فيه انقطاع".
قلت: وله شواهد كثيرة مما ذكر في هذا الباب وفي الباب بعده.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تأتيكم من بعدي أربع فتن؛ فالرابعة الصماء العمياء المطبقة، تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، حتى ينكر فيها المعروف ويعرف فيها المنكر، تموت فيها قلوبهم كما تموت أبدانهم» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن". قال في "كنز العمال": "وسنده ضعيف".
قلت: وله شواهد كثيرة مما ذكر في هذا الباب وفي الباب بعده.
وعن الحكم بن نافع بلاغا: أن رسول الله ﷺ قال: «تكون في أمتي أربع فتن، تصيب أمتي في آخرها فتن مترادفة: فالأولى: يصيبهم فيها بلاء، حتى يقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف. والثانية: حتى يقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف. ثم الثالثة؛ كلما انقطعت تمادت. والفتنة الرابعة: يصيرون فيها إلى الكفر إذا كانت الأمة مع هذا مرة ومع هذا مرة ومع هذا مرة؛ بلا إمام وجماعة، ثم المسيح، ثم طلوع الشمس من مغربها، ودون الساعة اثنان وسبعون دجالًا، منهم من لا يتبعه إلا رجل واحد» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وله شواهد كثيرة.
[ ١ / ٦١ ]
وعن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁؛ قال: "جعلت في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم تأتي الفتنة العمياء الصماء المطبقة التي يصير الناس فيها كالأنعام ".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه" من طريقه، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الحاكم أيضا من حديث محمد بن الحنفية عن علي ﵁؛ قال: "تكون في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة، وفتنة خاصة، ثم فتنة عامة، وفتنة خاصة، ثم تكون فتنة سوداء مظلمة يكون الناس فيها كالبهائم".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن رجل من أهل الشام يقال له عمار؛ قال: أدربنا عاما ثم قفلنا، وفينا شيخ من خثعم، فذكر الحجاج، فوقع فيه وشتمه، فقلت له: لم تسبه وهو يقاتل أهل العراق في طاعة أمير المؤمنين؟ قال: إنه هو الذي أكفرهم. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة خمس فتن»؛ فقد مضت أربع وبقيت واحدة، وهي الصيلم، وهي فيكم يا أهل الشام، فإن أدركتها، فاستطعت أن تكون حجرا؛ فكنه، ولا تكن مع واحد من الفريقين، وإلا فاتخذ نفقا في الأرض. قلت: أنت سمعت هذا من النبي ﷺ؟ قال: نعم.
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: " وعمار هذا لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قال ابن الأثير وابن منظور: "الصيلم: الداهية، والياء زائدة".
قال ابن منظور: "والصيلم: الأمر المستأصل، ووقعة صيلمة من ذلك، والاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا".
[ ١ / ٦٢ ]
وقال ابن الأثير وابن منظور أيضا في (مادة: صرم): "وفي الحديث: «في هذه الأمة خمس فتن، قد مضت أربع وبقيت واحدة، وهي الصيرم»، وكأنها بمنزلة الصيلم، وهي الداهية التي تستأصل كل شيء، كأنها فتنة قطاعة، وهي من الصرم: القطع، والياء زائدة". انتهى.
وعن الوليد بن عياش عن إبراهيم عن علقمة؛ قال: قال ابن مسعود ﵁: قال لنا رسول الله ﷺ: «أحذركم سبع فتن تكون بعدي: فتنة تقبل من المدينة، وفتنة بمكة، وفتنة تقبل من اليمن، وفتنة تقبل من الشام، وفتنة تقبل من المشرق، وفتنة تقبل من المغرب، وفتنة من بطن الشام، وهي السفياني» .
قال: فقال ابن مسعود ﵁: منكم من يدرك أولها، ومن هذه الأمة من يدرك آخرها. قال الوليد بن عياش: فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة والزبير، وفتنة مكة فتنة عبد الله بن الزبير، وفتنة الشام من قبل بني أمية، وفتنة المشرق من قبل هؤلاء.
رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق نعيم بن حماد، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: "هذا من أوابد نعيم".
قلت: لم يكن نعيم بن حماد كذابا ولا متروكا حتى يقال: "هذا من أوابده"، وكيف يقال فيه هذا القول وقد وثقه الإمام أحمد وابن معين والعجلي؟ ! وحسبك بتوثيق أحمد ويحيى، وقال أبو حاتم: "صدوق"، وروى عنه البخاري في "صحيحه" ومسلم في مقدمة "صحيحه"، وروى عنه أيضا ابن معين والذهلي وغيرهما من الأئمة، ومن كان بهذه المثابة عند هؤلاء الأئمة؛ فحديثه مقبول. والله أعلم.
وقد وقع مصداق هذا الحديث، سوى فتنة السفياني؛ فهي لم تقع إلى الآن، ولم يجئ في خروجه حديث صحيح يعتمد عليه.
[ ١ / ٦٣ ]
وقول الوليد بن عياش: "وفتنة المشرق من قبل هؤلاء": الظاهر - والله أعلم - أنه يعني السفاح وأعوانه كأعمامه وأبي مسلم الخراساني وغيرهم ممن سعى في تلك الفتنة التي وقعت بين بني العباس وبني أمية.
وأما الفتنة التي تقبل من المغرب؛ فهي - والله أعلم - ما وقع من الأتراك والمصريين من محاربة أهل نجد في القرن الثالث عشر من الهجرة، وهي من أعظم الفتن وأنكاها لدين الإسلام.
وقد وقع في اليمن فتن عظيمة، من آخرها ما وقع منذ سنوات بين إمام أهل اليمن محمد بن أحمد بن يحيى وبين المصريين وأشياعهم من أهل اليمن، وهي فتنة عظيمة؛ أريقت فيها دماء كثيرة، ونهبت فيها الأموال، وانتهكت المحارم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعن كرز بن علقمة الخزاعي ﵁؛ قال: «قال أعرابي: يا رسول الله! هل للإسلام من منتهى؟ قال: نعم؛ أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرًا؛ أدخل عليهم الإسلام. قالوا: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: ثم تقع فتن كأنها الظلل. قال: فقال أعرابي: كلا يا رسول الله! فقال النبي ﷺ: والذي نفسي بيده؛ لتعودن فيها أساود صبًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد، والبزار، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قوله: كأنها الظلل:
قال ابن الأثير وابن منظور: "هي كل ما أظلك، واحدتها: ظلة، أراد:
[ ١ / ٦٤ ]
كأنها الجبال أو السحب ".
و(الأساود): الحيات. قاله الزهري راوي الحديث.
وذكر ابن منظور عن شمر: أنه قال: "الأسود أخبث الحيات وأعظمها وأنكاها، وليس شيء من الحيات أجرأ منه، وربما عارض الرفقة وتبع الصوت، وهو الذي يطلب بالذحل ولا ينجو سليمه".
وقوله: "صبا".
قال ابن الأثير: " (الصبا): جمع صبوب".
وذكر ابن منظور عن الزهري - وهو راوي الحديث -: أنه قال: "هو من الصب".
قال: "والحية إذا أراد النهش؛ ارتفع ثم صب على الملدوغ".
وذكر ابن الأثير نحو هذا عن النضر بن شميل.
وذكر ابن منظور عن ابن الأعرابي: أنه قال: "صبا ينصب بعضكم على بعض بالقتل " انتهى.
وعن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: «أتت الفتن كقطع الليل؛ يركب بعضها بعضًا، الآخرة أشد من الأولى» .
رواه الإمام أحمد.
وفي رواية: قال: «أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم؛ يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى» .
إسناده جيد.
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم نصف
[ ١ / ٦٥ ]
النهار مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: «أيها الناس أظلتكم الفتن كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا وضحكتم قليلًا» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
وعن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا؛ يظهر النفاق، وترفع الأمانة، وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين، أناخ بكم الشرف الجون. قالوا: وما الشرف الجون يا رسول الله؟ قال: فتن كقطع الليل المظلم» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
(الشرف)؛ بضم الشين وسكون الراء وبالفاء: جمع شارف، وهي الناقة المسنة. و(الجون): السود.
قال ابن الأثير: "شبه الفتن في اتصالها وامتداد أوقاتها بالنوق المسنة السود، ويروى هذا الحديث بالقاف؛ يعني: الفتن التي تجيء من جهة المشرق". انتهى.
«وعن حذيفة بن اليمان ﵂: أنه قال: يا رسول الله! إنا كنا في شر فذهب الله بذلك الشر، وجاء بالخير على يديك؛ فهل بعد الخير من شر؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضًا، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر، لا تدرون أيا من أي» .
رواه الإمام أحمد.
وعنه ﵁: أنه قال: "هذه فتن قد أظلت كجباه البقر؛ يهلك
[ ١ / ٦٦ ]
فيها أكثر الناس؛ إلا من كان يعرفها قبل ذلك".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن".
وعن خرشة بن الحر؛ قال: "قال حذيفة ﵁: كيف أنتم إذا تركت تجر خطامها، فأتتكم من هاهنا وهاهنا؟ ! قالوا: لا ندري والله. قال: لكني والله أدري، أنتم يومئذ كالعبد وسيده، إن سبه السيد؛ لم يستطع العبد أن يسبه، وإن ضربه؛ لم يستطع العبد أن يضربه ".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: "تكون فتنة لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى، فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى، فيقوم لها رجال، فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى، فيقوم لها رجال، فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون الخامسة دهماء مجللة تنبثق في الأرض كما ينبثق الماء".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁: أنه قال: "والله لا يأتيهم أمر يضجون منه؛ إلا ردفهم أمر يشغلهم عنه".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرهن في النار؟ !. قلت: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذ القرآن مزامير، وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفيء دولًا، والزكاة مغرمًا، والأمانة»
[ ١ / ٦٧ ]
«مغنمًا، وتفقه في الدين لغير الله، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأقصى أباه، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره؛ فيومئذ يكون ذلك، ويفزع الناس إلى الشام، وإلى مدينة منها يقال لها: دمشق، من خير مدن الشام، فتحصنهم من عدوهم. قلت: وهل تفتح الشام؟ قال: نعم وشيكًا، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضًا، حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له: المهدي، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عبد الحميد بن إبراهيم، وثقه ابن حبان، وهو ضعيف، وفيه جماعة لم أعرفهم".
وعن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة؛ قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وهو جالس في ظل الكعبة، فسمعته يقول: «بينا نحن مع رسول الله ﷺ في سفر؛ إذ نزل منزلا، فمنا من يضرب خباءه، ومنا من هو في جشره، ومنا من ينتضل؛ إذ نادى مناديه: الصلاة جامعة! قال: فاجتمعنا. قال: فقام رسول الله ﷺ، فخطبنا فقال: إنه لم يكن نبي قبلي؛ إلا دل أمته على ما يعلمه خيرًا لهم، ويحذرهم ما يعلمه شرًا لهم، وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها، وإن آخرها سيصيبهم بلاء شديد وأمور تنكرونها، تجيء فتن يرقق بعضها لبعض، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي! ثم تنكشف، ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه! ثم تنكشف، فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة؛ فلتدركه موتته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه؛ فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه؛ فاضربوا عنق الآخر. قال: فأدخلت رأسي من بين الناس، فقلت: أنشدك بالله؛ أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأشار بيده إلى أذنيه، فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي.»
[ ١ / ٦٨ ]
«قال: فقلت: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا بأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن نقتل أنفسنا، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ . قال: فجمع يديه، فوضعهما على جبهته، ثم نكس هنية، ثم رفع رأسه فقال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله ﷿» .
رواه: الإمام أحمد - واللفظ له - ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
قوله: "ومنا من هو في جشره".
قال النووي: "هو بفتح الجيم والشين، وهي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها".
وذكر ابن منظور عن أبي عبيد: أنه قال: " (الجشر): القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى، ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلى البيوت".
وقوله: "ومنا من ينتضل": هو من المناضلة، وهي المراماة بالسهام.
وقوله: "تجيء فتن يرقق بعضها لبعض":
قال النووي: "هذه اللفظة رويت على أوجه: أحدها - وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرواة -: يرقق؛ بضم الياء وفتح الراء وبقافين؛ أي: يصير بعضها رقيقا -أي: خفيفا- لعظم ما بعده، فالثاني يجعل الأول رقيقا، وقيل: معناه: يشبه بعضها بعضا، وقيل: يدور بعضها في بعض ويذهب ويجيء، وقيل: معناه: يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها. والوجه الثاني: فيرفق؛ بفتح الياء وإسكان الراء وبعدها فاء مضمومة. والثالث: فيدفق؛ بالدال المهملة الساكنة وبالفاء المكسورة؛ أي: يدفع ويصب، والدفق الصب". انتهى.
[ ١ / ٦٩ ]
وفيه وجه رابع: فيدقق؛ بدال مهملة ثم قاف مشددة مكسورة؛ أي: يجعل بعضها بعضا دقيقا، وهذه رواية النسائي.
قال السندي في "حاشيته على سنن النسائي ": "وفي بعض النسخ براء ومهملة موضع الدال؛ أي: يصير بعضها بعضا رقيقا خفيا". قال: "والحاصل أن المتأخرة من الفتن أعظم من المتقدمة، فتصير المتقدمة عندها دقيقة رقيقة، وروي براء ساكنة ففاء مضمومة؛ من الرفق؛ أي: توافق بعضها بعضا، أو يجيء بعضها عقب بعض، أو في وقته، وروي بدال مهملة ساكنة ففاء مكسورة؛ أي: يدفع ويصب" انتهى.
وعن أبي إدريس الخولاني؛ قال: سمعت حذيفة بن اليمان ﵄ يقول: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير؛ فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم؛ وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها؛ قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: نعم؛ قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» .
متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية له عن أبي سلام؛ قال: «قال حذيفة بن اليمان رضي الله»
[ ١ / ٧٠ ]
«عنهما: قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر، فجاءنا الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عبد الرحمن بن قرط؛ قال: دخلت المسجد؛ فإذا حلقة كأنما قطعت رؤوسهم، وإذا فيهم رجل يحدث؛ فإذا حذيفة ﵁؛ قال: «كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر كيما أعرفه فأتقيه، وعلمت أن الخير لا يفوتني. قال: فقلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله تعالى واعمل بما فيه". فأعدت قولي عليه، فقال في الثالثة: "فتنة واختلاف". قلت: يا رسول الله! هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله تعالى واعمل بما فيه". فقلت: يا رسول الله! هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "فتن على أبوابها دعاة إلى النار؛ فلأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة ﵁ مختصرا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار، فأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .
[ ١ / ٧١ ]
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو نعيم في "الحلية"؛ من حديث نصر بن عاصم الليثي؛ قال: أتيت اليشكري في رهط من بني ليث؛ قال: ما جاء بكم يا بني ليث؟ قلنا: جئنا نسألك عن حديث حذيفة ﵁؟ قال: غلت الدواب، فأتينا الكوفة نجلب منها دوابا، فقلت لصاحبي: أدخل المسجد، فإذا كانت الحلقة خرجت إليها. فدخلت المسجد، فإذا حلقة كأنما قطعت رؤوسهم، مجتمعون على رجل، فجئت، فقمت، فقلت: من هذا؟ قالوا: من أهل الكوفة أنت؟ قلت: لا؛ بل من أهل البصرة. قالوا: لو كنت من أهل الكوفة؛ ما سألت عن هذا، هذا حذيفة بن اليمان. فدنوت منه، فسمعته يقول: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر وعرفت أن الخير لن يسبقني. قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الخير شر؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتبع ما فيه"؛ قالها ثلاثًا. قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: "فتنة وشر" (وفي رواية أبي داود الطيالسي: فقال: هدنة على دخن) . قلت: يا رسول الله! ما الهدنة على الدخن؟ قال: "لا ترجع قلوب أقوام إلى ما كانت عليه". ثم قال رسول الله ﷺ: "ثم تكون فتنة عمياء صماء، دعاة الضلالة (أو قال: دعاة النار)، فلأن تعض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .
ورواه أبو داود السجستاني من حديث نصر بن عاصم؛ قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو ليث؛ أتيناك نسألك عن حديث حذيفة (فذكر الحديث) «قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: "فتنة وشر". قال: قلت: يا رسول الله! بعد هذا الشر خير؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتبع ما فيه"؛ ثلاث مرات. قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير؟ قال: "هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء فيها أو فيهم". قلت: يا رسول الله! الهدنة على الدخن؛ ما هي؟ قال:»
[ ١ / ٧٢ ]
«"لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه ". قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: "فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار، فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .
ورواه: أبو داود أيضا، والحاكم؛ من حديث نصر بن عاصم عن سبيع بن خالد؛ قال: أتيت الكوفة في زمن فتحت تستر أجلب منها بغالا، فدخلت المسجد؛ فإذا صدع من الرجال، وإذا رجل جالس تعرف إذا رأيته أنه من رجال أهل الحجاز. قال: قلت: من هذا؟ فتجهمني القوم، وقالوا: أما تعرف هذا؟ ! هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ﷺ! فقال حذيفة ﵁: «إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر، فأحدقه القوم بأبصارهم، فقال: إني قد أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول الله! أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله تعالى، أيكون بعده شر كما كان قبله؟ قال: "نعم". قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: "السيف". قلت: يا رسول الله! ثم ماذا يكون؟ قال: "إن كان لله تعالى خليفة في الأرض، فضرب ظهرك، وأخذ مالك؛ فأطعه، وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجرة". قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "هي قيام الساعة» .
هذا لفظ أبي داود.
وفي رواية الحاكم بعد قوله: «قلت: يا رسول الله! فما العصمة من ذلك؟ قال: "السيف ": "قلت: وهل للسيف من بقية؟ قال: نعم. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم هدنة على دخن (قال: جماعة على فرقة)، فإن كان لله ﷿ يومئذ خليفة ضرب ظهرك وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع» (وذكر بقيته بنحو ما تقدم) ".
[ ١ / ٧٣ ]
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" من حديث «قتادة عن سبيع بن خالد (أو خالد بن سبيع)؛ قال: غلت الدواب، فأتينا الكوفة نجلب منها دوابا، فدخلت المسجد؛ فإذا رجل صدع من الرجال حسن الثغر يعرف أنه من رجال الحجاز، وإذا ناس مشرئبون إليه، فقال: لا تعجلوا علي أحدثكم؛ فإنا كنا حديث عهد بجاهلية، فلما جاء الإسلام؛ فإذا أمر لم أر قبله مثله، وكان الله رزقني فهما في القرآن، وكان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وأسأله عن الشر، فقلت: يا رسول الله هل بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر؟ قال: "نعم". قلت: فما العصمة يا رسول الله؟ قال: "السيف". قلت: فهل للسيف من بقية؟ فما يكون بعده؟ قال: "يكون هدنة على دخن ". قال: قلت: فما يكون بعد الهدنة؟ قال: "دعاة الضلالة، فإن رأيت يومئذ لله ﷿ في الأرض خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فإن لم تر خليفة؛ فاهرب حتى يدركك الموت وأنت عاض على جذل شجرة". قلت: يا رسول الله! فما يكون بعد ذلك؟ قال: " الدجال» .
هذا حديث صحيح، رواته كلهم ثقات.
قوله: "صدع من الرجال": قال الخطابي: "الصدع من الرجال مفتوحة الدال: هو الشاب المعتدل القناة، ومن الوعول الفتي". وقال ابن الأثير في "النهاية": "صدع من الرجال؛ أي: رجل بين الرجلين". وقال في "غريب جامع الأصول": "الصدع بسكون الدال وربما حرك: الخفيف من الرجال الدقيق، فأما في الوعول؛ فلا يقال إلا بالتحريك". والخطابي لم يفرق بينهما في التحريك.
[ ١ / ٧٤ ]
وقوله: "فتجهمني القوم": قال ابن الأثير في "جامع الأصول": "تجهمت فلانا: كلحت في وجهه وتقبضت عند لقائه". وقال ابن منظور: "تجهمه وتجهم له: إذا استقبله بوجه كريه".
وقوله: "مشرئبون إليه": قال ابن منظور: "اشرأب الرجل للشيء وإلى الشيء: مد عنقه إليه".
وسيأتي تفسير قوله في الفتنة: "عمياء صماء"، في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.
باب
ما جاء في الفتنة التي تجترف العرب
عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
قلت: ورواته كلهم ثقات؛ سوى ليث بن أبي سليم؛ فقد تكلم فيه، وقد روى له البخاري في "صحيحه" تعليقا، ومسلم مقرونا بآخر، وروى عنه غير واحد من أكابر الأئمة منهم معمر وشعبة والثوري، وقال الدارقطني: "إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد "، وعلى هذا فحديثه هذا حسن إن شاء الله تعالى.
وقد رواه ابن عساكر في "تاريخه"، ولفظه: «سيكون بعدي فتن يصطلم»
[ ١ / ٧٥ ]
باب ما جاء في الفتنة التي تجترف العرب
«فيها العرب، اللسان فيها أشد من السيف، قتلاها جميعًا في النار» .
قوله: "تستنظف العرب ": قال ابن الأثير وابن منظور: "أي: تستوعبهم هلاكا؛ يقال: استنظفت الشيء: إذا أخذته كله، ومنه قولهم: استنظفت الخراج، ولا يقال: نظفته". وقال علي القاري في "المرقاة": "وقيل: أي تطهرهم من الأرذال وأهل الفتن ".
قلت: وهذا قول قوي من حيث الدليل، وإن كان القول الأول أقوى من حيث اللغة.
ويشهد لما قاله القاري ما تقدم في ذكر فتنة الدهيماء: أنها لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة. وقال فيها: حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه؛ فهذا يدل على أن فتنة الدهيماء تنظف المؤمنين من أهل الفتن والريب والنفاق، لا أنهم يستأصلون بالكلية، وفتنة الدهيماء هي أعظم فتنة تكون قبل فتنة الدجال.
والدليل على أن الفتن لا تستوعب العرب هلاكا ما رواه: مسلم في "صحيحه"، والترمذي في "جامعه"؛ عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: أخبرتني أم شريك أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «ليفرن الناس من الدجال في الجبال. قالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم قليل» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن ماجه في "سننه" عن أبي أمامة الباهلي ﵁ في حديثه الطويل في ذكر الدجال، وفيه: «فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم»
[ ١ / ٧٦ ]
«الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم» الحديث.
ويدل على ذلك أيضا ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال في بني تميم: هم أشد أمتي على الدجال» .
وبنو تميم قبيلة كبيرة من العرب.
ويدل على ذلك أيضا ما رواه الحاكم في "مستدركه" عن حسان بن عطية عن ذي مخمر - رجل من أصحاب النبي ﷺ، وهو ابن أخي النجاشي - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «تصالحون الروم صلحًا آمنًا، حتى تغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم، فتنصرون وتغنمون وتنصرفون، حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيقول قائل من الروم: غلب الصليب! ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب! فيتداولانها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم - وهم منهم غير بعيد - فيدقه، ويثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله ﷿ تلك العصابة من المسلمين بالشهادة، فيقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب، فيغدرون، فيجتمعون للملحمة، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
والمقصود من هذا الحديث: قول الروم لصاحبهم: "كفيناك حد العرب"، وأنهم يغدرون ويجتمعون للملحمة، وهذا يدل على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب والروم.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم؛
[ ١ / ٧٧ ]
من حديث معاذ بن جبل ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال؛ في سبعة أشهر» .
فهذه الأحاديث الأربعة دالة على بقاء جملة كبيرة من العرب بعد الفتنة العظيمة التي تقدم ذكرها في أول الباب.
وعلى هذا؛ فقوله: "تستنظف العرب "؛ معناه: أنها تستوعب أكثرهم هلاكا، وأقيم الأكثر مقام الكل كما هو شائع في كلام العرب. والله أعلم.
وقوله: "قتلاها في النار": قال بعض العلماء: "وإنما كانوا في النار لأنهم ما قصدوا بالقتال إعلاء كلمة الله ودفع الظلم أو إعانة أهل الحق، وإنما قصدوا التباهي والتفاخر، وفعلوا ذلك طمعا في المال والملك ".
قلت: وقد جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «من قاتل تحت راية عمية؛ يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل؛ فقتلة جاهلية» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه؛ من حيث أبي هريرة ﵁.
وفي رواية لمسلم: «ومن قتل تحت راية عمية؛ يغضب للعصبة، ويقاتل للعصبة؛ فليس من أمتي» .
قال أبو زيد اللغوي: " (العمية): الدعوة العمياء؛ فقتيلها في النار".
وسيأتي حديث أبي هريرة ﵁، وفيه التصريح بوقوع فتنة على دعوى جاهلية، قتلاها في النار.
وقوله: "اللسان فيها أشد من وقع السيف": هذا قد ظهر مصداقه في زماننا حين وجدت الإذاعات والصحف المنتشرة في جميع أرجاء الأرض، فكانت
[ ١ / ٧٨ ]
ألسنة المتكلمين فيها - بسب المخالفين لهم، وتنقصهم، وذكر مثالبهم، وتهييج الفتن بينهم، وإثارة الأحقاد والضغائن فيهم - أعظم من وقع السيف بكثير.
وهذه الفتنة العظيمة لم تقع إلى الآن، ولعلها فتنة الدهيماء التي تكون قبيل خروج الدجال. والله أعلم.
وعن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة صماء، بكماء، عمياء، من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف» .
رواه أبو داود.
قال الجوهري: "الصماء: الداهية، وفتنة صماء: شديدة".
وقال ابن الأثير وتبعه ابن منظور في "لسان العرب": "ومنه الحديث: "ستكون فتنة صماء، بكماء، عمياء"؛ أراد أنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنطق؛ فهي لذهاب حواسها لا تدرك شيئا، ولا تقلع، ولا ترتفع. وقيل: شبهها لاختلاطها وقتل البريء فيها والسقيم بالأصم الأخرس الأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء؛ فهو يخبط خبط عشواء".
وقال ابن الأثير في موضع آخر، وتبعه ابن منظور في "لسان العرب": "الفتنة الصماء العمياء: هي التي لا سبيل إلى تسكينها؛ لتناهيها في دهائها؛ لأن الأصم لا يسمع الاستغاثة، فلا يقلع عما يفعله، وقيل: هي كالحية الصماء التي لا تقبل الرقى".
وقوله: "من أشرف لها؛ استشرفت له"؛ أي: من تطلع إليها وتعرض لها؛ واتته، فوقع فيها.
وقوله: "وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف": إشراف اللسان معناه:
[ ١ / ٧٩ ]
إطلاقه بالكلام فيما يثير الفتن ويهيجها، ومن ذلك ما يفعله أهل الإذاعات في زماننا؛ كما تقدم ذكره. والله أعلم.
وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ عن النبي ﷺ: أنه قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، من فتنة عمياء صماء بكماء، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، وويل للساعي فيها من الله يوم القيامة» .
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن حبان في "صحيحه".
وعنه ﵁: أنه قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب، أظلت ورب الكعبة أظلت، والله لهي أسرع إليهم من الفرس المضمر السريع، الفتنة العمياء الصماء المشبهة، يصبح الرجل فيها على أمر ويمسي على أمر، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ولو أحدثكم بكل الذي أعلم؛ لقطعتم عنقي من هاهنا (وأشار إلى قفاه، ويقول:) اللهم لا تدرك أبا هريرة إمرة الصبيان".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «تكون فتنة يقتتلون عليها، على دعوى جاهلية، قتلاها في النار» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد كثر في زماننا القتل والقتال على دعوى الجاهلية، ولا سيما على إزالة الإمامة والخلافة، وإحلال الجمهورية محلها، وهذا محض التشبه بأمم الكفر والضلال في زماننا، واتباع سننهم حذو النعل بالنعل، ولا يستبعد أن تكون فتنة
[ ١ / ٨٠ ]
الدهيماء على هذه الدعوى الجاهلية؛ عياذا بالله من الفتن.
وعن عمار بن ياسر ﵁؛ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ في عدة من أصحابه - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن ومعاذ وحذيفة وسعد - بعد الهجرة بثمان سنين في السنة التاسعة، فقال له حذيفة: فداك أبي وأمي يا رسول الله! حدثنا في الفتن. قال: «يا حذيفة! أما إنه سيأتي على الناس زمان؛ القائم فيه خير من الماشي، والقاعد فيه خير من القائم، القاتل والمقتول في النار» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه يزيد بن مروان الخلال، وهو ضعيف".
وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: "اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» .
رواه البخاري، وقد رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم مطولا، وستأتي رواياتهم في ذكر الملاحم إن شاء الله تعالى.
وعن ابن عمر ﵄ عن حذيفة ﵁: أنه ذكر فتنة يقال لها: الجارفة، تأتي على صريح العرب وصريح الموالي وذوي الكنوز وبقية الناس، ثم تنجلي عن أقل القليل.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه، وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٨١ ]
باب
فضل من جنب الفتن
عن المقداد بن الأسود ﵁؛ قال: ايم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر؛ فواها» .
رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
وعن أبي الدرداء ﵁: أنه قال: "حبذا موتا على الإسلام قبل الفتن".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
الصبر عند الفتن
فيه حديث المقداد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر؛ فواها» .
قال الخطابي: " (واها): كلمة معناها التلهف، وقد توضع أيضا موضع الإعجاب بالشيء". وكذا قال ابن الأثير وابن منظور؛ قالا: "وقد ترد بمعنى التوجع". وقال الجوهري: "إذا تعجبت من طيب الشيء؛ قلت: واها ما أطيبه".
قال أبو النجم:
واها لريا ثم واها واها يا ليت عينيها لنا وفاها
بثمن نرضي به أباها
[ ١ / ٨٢ ]
باب الصبر عند الفتن
وزاد ابن منظور في "لسان العرب":
فاضت دموع العين من جراها هي المنى لو أننا نلناها
قال ابن منظور: "ومن العرب من يتعجب بـ (واها)، فيقول: واها لهذا؛ أي: ما أحسنه".
قلت: وعلى هذا؛ فمعنى الحديث: التعجب من حسن فعل الصابر على البلاء وطيبه، أو التلهف على ما حصل له والتوجع لمصابه، ويحتمل أن يكون كل من هذه الأمور مرادا. والله أعلم.
وعن أبي مالك والأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الفتنة ترسل، ويرسل معها الهوى والصبر، فمن اتبع الهوى كانت قتلته سوداء، ومن اتبع الصبر كانت قتلته بيضاء» .
رواه الطبراني بإسناد ضعيف.
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "تعودوا الصبر قبل أن ينزل بكم البلاء؛ فإنه يوشك أن ينزل بكم البلاء، مع أنه لن يصيبكم أشد مما أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ ".
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، والبيهقي، وابن عساكر في "تاريخه".
وقد ورد الأمر بالصبر عند الفتن في أحاديث كثيرة تقدم ذكرها في (باب التحذير من الفتن):
منها: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة» الحديث، وفيه: قال: «أفرأيت إن دخل علي بيتي، فبسط يده إلي ليقتلني؟ قال: كن كابن آدم» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي.
[ ١ / ٨٣ ]
ومنها: حديث أبي بكرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتن» الحديث، وفيه: «فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
ومنها: حديث أبي موسى ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم» الحديث، وفيه: «فإن دخل على أحدكم؛ فليكن كخير ابني آدم» .
رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
ومنها: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تكون فتنة» الحديث، وفيه: «قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: اكفف نفسك ويدك، وادخل دارك. قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن دخل رجل علي داري؟ قال: فادخل بيتك. قال: قلت: أفرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: فادخل مسجدك، واصنع هكذا (وقبض بيمينه على الكوع)، وقل: ربي الله؛ حتى تموت على ذلك» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها: حديث خرشة بن الحر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون بعدي فتنة» الحديث، وفيه: «فمن أتت عليه فليمش بسيفه إلى صفاة، فليضربه بها حتى ينكسر، ثم ليضطجع لها حتى تنجلي عما انجلت» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني.
ومنها: حديث خباب بن الأرت ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر
[ ١ / ٨٤ ]
فتنة الحديث، وفيه: قال: «فإن أدركت ذلك؛ فكن عبد الله المقتول، (أحسبه قال:) ولا تكن عبد الله القاتل» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني.
ومنها: حديث جندب بن سفيان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون بعدي فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا. فقال رجل من المسلمين: كيف نصنع عند ذلك يا رسول الله؟ قال: "ادخلوا بيوتكم، وأخملوا ذكركم". فقال: أرأيت إن دخل على أحدنا بيته؟ فقال رسول الله ﷺ: "ليمسك بيده، وليكن عبد الله المقتول، ولا يكن عبد الله القاتل» .
رواه الطبراني.
ومنها حديث خالد بن عرفطة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: «يا خالد! إنه سيكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل؛ فافعل» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، والحاكم.
ومنها: حديث حذيفة ﵁ يرفعه؛ قال: «أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم» ، ثم أمر باعتزالها حتى تأتي يد خاطئة أو منية قاضية.
رواه الطبراني.
ومنها: حديث محمد بن مسلمة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان كذلك؛ فأت بسيفك أحدًا، فاضربه حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، والطبراني.
[ ١ / ٨٥ ]
ومنها: حديث سعيد بن زيد الأشهلي ﵁: أن النبي ﷺ أعطى محمد بن مسلمة سيفا، فقال: «جاهد بهذا في سبيل الله، فإذا اختلفت أعناق الناس؛ فاضرب به الحجر، ثم ادخل بيتك، فكن حلسًا ملقى، حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
رواه الطبراني.
ومنها: حديث ابن عباس ﵄ بنحو حديث سعيد بن زيد الأشهلي.
وكذلك ابن عمر ﵄ بمثله.
رواه الطبراني.
ومنها: حديث عديسة بنت أهبان عن أبيها ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فرقة وفتنة واختلاف، فإذا كان ذلك؛ فاكسر سيفك، واقعد في بيتك؛ حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» .
رواه الإمام أحمد.
ومنها حديث أبي الأشعث الصنعاني عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁؛ قال: «أوصاني أبو القاسم ﷺ إن أنا أدركت شيئًا من هذه الفتن: أن أعمد إلى أحد، وأكسر سيفي، وأقعد في بيتي، فإن دخل علي بيتي؛ قال: اقعد في مخدعك، فإن دخل عليك فاجث على ركبتيك، وتقول: بؤ بإثمي وإثمك؛ فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار.
ومنها حديث ربعي بن حراش عن حذيفة ﵁: أنه قيل له: يا أبا عبد الله! ما تأمرنا إذا اقتتل المصلون؟ قال: "آمرك أن تنظر أقصى بيت من
[ ١ / ٨٦ ]
دارك، فتلج فيه، فإن دخل عليك؛ فتقول: ها! بؤ بإثمي وإثمك، فتكون كابن آدم".
رواه الحاكم وقال: "على شرط الشيخين".
ومنها: «حديث أبي ذر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: كيف أنت وقتلًا يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: "الحق بمن أنت منه". قال: قلت: يا رسول الله! أفلا آخذ بسيفي فأضرب به من فعل ذلك؟ قال: "شاركت القوم إذًا، ولكن ادخل بيتك" قلت: يا رسول الله! فإن دخل بيتي؟ قال: "إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف؛ فألق طرف ردائك على وجهك، فيبوء بإثمه وإثمك، فيكون من أصحاب النار» .
رواه: أبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه، والحاكم، وقال: "على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها: حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "إني لأعلم فتنة يوشك أن يكون الذي قبلها معها كنفجة أرنب، وإني لأعلم المخرج منها". قلنا: وما المخرج منها؟ قال: "أمسك يدي حتى يجيء من يقتلني".
رواه الحاكم، وقال: "على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها: حديث حذيفة ﵁: أنه قال: "إياكم والفتن، لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد؛ إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن، إنها مشبهة مقبلة حتى يقول الجاهل: هذه تشبه، وتبين مدبرة، فإذا رأيتموها فاجثموا في بيوتكم، وكسروا سيوفكم، وقطعوا أوتاركم، وغطوا وجوهكم".
رواه: الحاكم، وأبو نعيم، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في
[ ١ / ٨٧ ]
"تلخيصه".
وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: "كيف أنتم إذا سئلتم الحق فأعطيتموه وسألتم حقكم فمنعتموه؟ ". قالوا: نصبر. قال: "دخلتموها ورب الكعبة (يعني: الجنة) ".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، وابن جرير، وهذا لفظه.
باب
الحث على كثرة الدعاء عند ظهور الفتن
فيه: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «أسعد الناس في الفتن كل خفي تقي، إن ظهر لم يعرف، وإن غاب لم يفتقد، وأشقى الناس فيها كل خطيب مصقع أو راكب موضع، لا يخلص من شرها إلا من أخلص الدعاء كدعاء الغرق في البحر» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وتقدم في (باب ذكر الذين وكلت بهم الفتنة) .
وعن أبي هريرة أيضا ﵁: أنه قال: "تكون فتنة لا ينجي منها إلا دعاء كدعاء الغرق".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "يأتي عليكم زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغرق".
رواه: ابن أبي شيبة، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٨٨ ]
باب
جواز التعرب في الفتنة
فيه: حديث أبي بكرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة؛ القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت؛ فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه» .
الحديث رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وقد تقدم بتمامه في (باب ذكر الفتن والتحذير منها) .
وعن جابر بن سمرة ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله من بدا بعد هجرته؛ إلا في الفتنة؛ فإن البدو خير من المقام في الفتنة» .
رواه الطبراني.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» .
رواه: مالك، وأحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
«وعن أم مالك البهزية ﵂؛ قالت: ذكر رسول الله فتنة فقربها. قالت: قلت: يا رسول الله من خير الناس فيها؟ قال: رجل في ماشيته؛ يؤدي حقها ويعبد ربه، ورجل آخذ برأس فرسه؛ يخيف العدو ويخوفونه» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وهذا لفظه، وقال: "هذا حديث غريب"، قال: "وفي الباب عن أم مبشر وأبي سعيد الخدري وابن عباس رضي
[ ١ / ٨٩ ]
الله عنهم".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «غشيتكم الفتن كقطع الليل المظلم، أنجى الناس فيها رجل صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمه، أو رجل آخذ بعنان فرسه من وراء الدرب يأكل من سيفه» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن كرز بن علقمة الخزاعي ﵁؛ قال: «أتى النبي ﷺ أعرابي، فقال: يا رسول الله! هل لهذا الأمر من منتهى؟ قال: نعم؛ فمن أراد الله به خيرًا من أعجم أو عرب؛ أدخله عليهم، ثم تقع فتن كالظلل؛ تعودون فيها أساود صبًا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأفضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب؛ يتقي ربه ﵎، ويدع الناس من شره» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وأحد أسانيده رجاله رجل الصحيح".
قلت: وقد رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"؛ بنحوه.
ورواه أبو داود الطيالسي مختصرا، وإسناده على شرط الشيخين. ورواه أيضا: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" مختصرا وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه. وقد تقدم ذكره في (باب ذكر الفتن الكبار) .
وعن أبي التياح؛ قال: صلينا الجمعة، فانضم الناس بعضهم إلى بعض حتى كانوا كالرحى حول أبي رجاء العطاردي، فسألوه عن الفتنة؟ فقال: جاء رجلان إلى مجلس عبادة بن الصامت ﵁، فقالا: يابن الصامت! تعيد الحديث الذي حدثتناه؟ فقال: نعم؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك أن يكون خير المال شاتين مكية ومدنية؛ ترعى فوق رؤوس الضراب،»
[ ١ / ٩٠ ]
«تأكل من ورق القتاد والبشام، ويأكل أهله من لحمانه، ويشربون من ألبانه، وجراثيم العرب ترتهش فيها الفتن (يقولها ثلاثًا ثم قال:) والذي نفسي بيده؛ لأن يكون لأحدكم ثلاثمائة شاة يأكل من لحمانها ويشرب من ألبانها أحب إليه من سواريكم هذه ذهبًا وفضة» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن مخول البهزي ﵁؛ قال: أمسى رسول الله ﷺ وهو يحدثنا، فقال: «إنه سيأتي على الناس زمان يكون خير مال الناس غنم بين شجر؛ تأكل الشجر، وترد المياه، يأكل أهلها من رسلها، ويشربون من ألبانها، ويلبسون من أشعارها (أو قال: من أصوافها)، والفتن ترتكس بين جراثيم العرب؛ يفتنون والله، يفتنون والله، يفتنون والله (يقولها رسول الله ﷺ ثلاثًا)» .
رواه الطبراني بإسناد ضعيف، والحديث قبله يشهد له ويقويه.
وقد تقدم حديث أبي الغادية المزني ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتن غلاظ شداد، خير الناس فيها مسلمو أهل البوادي الذين لا ينتدون من دماء الناس ولا أموالهم شيئًا» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير". قال الهيثمي: "وفيه حيان بن حجر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وتقدم أيضا قول ابن مسعود ﵁: " خير الناس في الفتنة أهل شاء سود ترعى في شعف الجبال ومواقع القطر، وشر الناس فيها كل راكب موضع وكل خطيب مصقع".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن ".
[ ١ / ٩١ ]
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "ليأتين على الناس زمان خير منازلهم البادية".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن ".
وعن طاوس: أنه قال: "ليأتين على الناس زمان، وخير منازلهم التي نهى عنها رسول الله ﷺ؛ البادية".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: أن أخاه عمر انطلق إلى سعد ﵁ في غنم له خارجا من المدينة، فلما رآه سعد ﵁؛ قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. فلما أتاه قال: يا أبت أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ ! فضرب سعد ﵁ صدر عمر وقال: اسكت! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يحب العبد التقي الغني الخفي» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وعن الحسين بن خارجة؛ قال: "لما كانت الفتنة الأولى أشكلت علي؛ فقلت: اللهم أرني أمرا من أمر الحق أتمسك به. قال: فأريت الدنيا والآخرة، وبينهما حائط غير طويل، وإذا أنا بجائز، فقلت: لو تشبثت بهذا الجائز؛ لعلي أهبط إلى قتلى أشجع فيخبروني. قال: فهبطت بأرض ذات شجر، وإذا أنا بنفر جلوس، فقلت: أنتم الشهداء؟ قالوا: لا؛ نحن الملائكة. قلت: فأين الشهداء؟ قالوا: تقدم إلى الدرجات العلى، إلى محمد ﷺ. فتقدمت؛ فإذا أنا بدرجة الله أعلم ما هي في السعة والحسن؛ فإذا أنا بمحمد ﷺ وإبراهيم ﷺ، وهو يقول لإبراهيم: استغفر لأمتي. فقال له إبراهيم: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؛ أراقوا دماءهم، وقتلوا إمامهم، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد؟
[ ١ / ٩٢ ]
قلت: أراني قد أريت، أذهب إلى سعد فأنظر مع من هو فأكون معه، فأتيته فقصصت عليه الرؤيا، فما أكثر بها فرحا، وقال: قد شقي من لم يكن له إبراهيم خليلا. قلت: في أي الطائفتين أنت؟ قال: لست مع واحد منهما. قلت: فكيف تأمرني؟ قال: ألك ماشية؟ قلت: لا. قال: فاشتر ماشية واعتزل فيها حتى تنجلي".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ثعلبة بن ضبيعة؛ قال: "دخلنا على حذيفة ﵁، فقال: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتن شيئا. قال: فخرجنا؛ فإذا فسطاط مضروب فدخلنا؛ فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك فقال: ما أريد أن يشتمل على شيء من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت".
رواه: أبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وفي رواية لأبي داود عن محمد بن سيرين؛ قال: قال حذيفة ﵁: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه؛ إلا محمد بن مسلمة؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تضرك الفتنة» .
باب
فضل العبادة في زمن الفتن
عن معقل بن يسار ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي» .
[ ١ / ٩٣ ]
باب فضل العبادة في زمن الفتن
رواه: أبو داود الطيالسي، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
ورواه الإمام أحمد، ولفظه: قال: «العبادة في الفتنة كالهجرة إلي» .
ورواه الطبراني في "الصغير"، ولفظه: قال: «العمل في الهرج والفتنة كالهجرة إلي» .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: "وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين؛ فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه، ويتبع مراضيه، ويجتنب مساخطه؛ كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله ﷺ؛ مؤمنا به، متبعا لأوامره، مجتنبا لنواهيه". انتهى.
باب
النهي عن بيع السلاح في الفتنة
عن عمران بن حصين ﵄: أن النبي ﷺ «نهى عن بيع السلاح في الفتنة» .
رواه البزار بإسناد ضعيف.
باب
تحريم قتال المسلمين والتشديد في ذلك
عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ «من حمل علينا السلاح؛ فليس منا» .
[ ١ / ٩٤ ]
باب تحريم قتال المسلمين والتشديد في ذلك
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه.
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «من حمل علينا السلاح؛ فليس منا» .
رواه: الشيخان، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
ولفظ ابن ماجه: «من شهر علينا السلاح؛ فليس منا» .
وعن سلمة بن الأكوع ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «من سل علينا السيف؛ فليس منا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والدارمي.
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من حمل علينا السلاح؛ فليس منا» .
رواه: مسلم، وابن ماجه.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من حمل علينا السلاح؛ فليس منا» .
رواه الإمام أحمد.
وعن عمرو بن عوف ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شهر علينا السلاح؛ فليس منا» .
رواه البزار.
وعن ابن الزبير ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «ليس منا من حمل»
[ ١ / ٩٥ ]
«علينا السلاح» .
رواه الطبراني.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «من حمل علينا السلاح؛ فليس منا» .
رواه الطبراني.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من رمانا بالنبل؛ فليس منا» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه يحيى بن أبي سليمان؛ وثقه ابن حبان، وضعفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: إذا كان الأمر هكذا فيمن رمى المسلمين بالنبل؛ فكيف بمن رماهم بالقنابل ونحوها من الأسلحة المدمرة التي تهلك الحرث والنسل؛ كما يفعله بعض المنتسبين إلى الإسلام في زماننا؟ وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ .
وعن أبي هريرة أيضا ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» .
متفق عليه.
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال أبو القاسم
[ ١ / ٩٦ ]
ﷺ: «من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه» .
ورواه الإمام أحمد بنحوه.
ورواه الترمذي مختصرا، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، قال: "وفي الباب عن أبي بكرة وعائشة وجابر ﵃".
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يشهرن أحد على أخيه بالسيف؛ لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من حفر النار» .
رواه الطبراني.
وعن أبي بكرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شهر المسلم على أخيه سلاحًا؛ فلا تزال ملائكة الله تلعنه حتى يشيمه عنه» .
رواه البزار.
وعن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ «كان ينهى أن يسل المسلم على المسلم السلاح» .
رواه: البزار والطبراني.
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أشار المسلم على أخيه المسلم بالسلاح؛ فهما على جرف جهنم، فإذا قتله خرا جميعًا فيها» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والنسائي.
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا
»
[ ١ / ٩٧ ]
«المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح؛ فهما على جرف جهنم، فإذ قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا» .
ورواه النسائي بهذا اللفظ ولم يرفعه.
وعن الحسن - البصري - عن الأحنف بن قيس؛ قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة ﵁، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله - يعني: عليا - قال: فقال لي: يا أحنف ارجع؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار» . قال: فقلت (أو قيل): يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: إنه قد أراد قتل صاحبه.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية للبخاري: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار. فقلت: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ ! قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» .
ورواه النسائي أيضا بنحوه.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار» . قال: فقلت (أو قيل): يا رسول الله هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: «إنه قد أراد قتل صاحبه» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه؛ بأسانيد صحيحة.
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ما من مسلمين التقيا بأسيافهما؛ إلا كان القاتل والمقتول في النار» .
[ ١ / ٩٨ ]
رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، والطبراني والضياء في "المختارة".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .
رواه ابن ماجه، وإسناده حسن.
وعن عمرو بن النعمان بن مقرن ﵄: أن النبي ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال صحيح؛ غير أبي خالد الوالبي، وهو ثقة".
وعن عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .
رواه الطبراني في "الأوسط"، وفي إسناده ضعف.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: أنه قال في حجة الوداع:
[ ١ / ٩٩ ]
«ويحكم (أو قال: ويلكم)؛ لا تراجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
زاد النسائي: «ولا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» .
وعن جرير ﵁؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «استنصت الناس. ثم قال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، قال: "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وجرير وابن عمر وكرز بن علقمة وواثلة بن الأسقع والصنابحي ﵃".
وعن أبي بكرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارًا أو ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
ورواه: أبو داود الطيالسي، والنسائي، ولفظهما؛ قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا أو ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
[ ١ / ١٠٠ ]
وعن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهم رجال الصحيح".
وزاد في رواية للبزار: «ولا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» .
قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن الصنابحي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني مكاثر بكم الأمم؛ فلا ترجعن بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى.
ورواه ابن ماجه بإسناد صحيح، ولفظه: عن الصنابح الأحمسي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إني فرطكم على الحوض، وإني مكاثر بكم الأمم؛ فلا تقتلن بعدي» .
ورواه الإمام أحمد بنحوه، وإسناده صحيح.
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال لأصحابه: «لا أعرفنكم ترجعون بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: البزار، وأبو يعلى؛ بإسناد ضعيف.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ قي حجة الوداع: «لا ترتدوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، لا يؤخذ الرجل بجريرة أخيه ولا بجريرة أبيه» .
رواه الطبراني بإسناد ضعيف.
[ ١ / ١٠١ ]
وعن أبي حرة الرقاشي عن عمه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في وسط أيام التشريق: «ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه الإمام أحمد.
وعن حجير بن أبي حجير ﵁: أن نبي الله ﷺ خطب في حجة الوداع (فذكر الحديث، وفيه): «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه الطبراني. قال الحافظ ابن حجر: "وإسناده صالح".
وعن أبي غادية الجهني ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم العقبة (فذكر الحديث، وفيه): «ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: ورواه يعقوب بن شيبة في "مسنده"، ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في "الكبير" بإسنادين. قال الهيثمي: "رجال أحدهما رجال الصحيح".
باب
تعظيم قتل المسلم بغير حق
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «لزوال الدنيا
»
[ ١ / ١٠٢ ]
باب تعظيم قتل المسلم بغير حق
«أهون عند الله من قتل رجل مسلم» .
رواه: النسائي، والترمذي مرفوعا وموقوفا، ورجح الترمذي الموقوف.
وعن بريدة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» .
رواه: النسائي، والبيهقي.
وعن البراء بن عازب ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق» .
رواه ابن ماجه. قال المنذري: "وإسناده حسن". وقال البوصيري في "الزوائد": "وإسناده صحيح، ورجاله موثقون".
ورواه البيهقي والأصبهاني، وزادا فيه: «ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن؛ لأدخلهم الله النار» .
وفي رواية للبيهقي: قال رسول الله ﷺ: «لزوال الدنيا أهون على الله من دم سفك بغير حق» .
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبهم الله في النار» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اجتمعوا على قتل مسلم؛ لكبهم الله جميعًا على وجوههم في النار» . رواه الطبراني.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «لو اجتمع أهل»
[ ١ / ١٠٣ ]
«السماء والأرض على قتل مؤمن؛ لكبهم الله في النار» .
رواه الطبراني.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «قتل بالمدينة قتيل على عهد رسول الله ﷺ لم يعلم من قتله، فصعد النبي ﷺ المنبر، فقال: يا أيها الناس! يقتل قتيل وأنا فيكم ولا يعلم من قتله! لو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل مؤمن لعذبهم الله؛ إلا أن يفعل ما يشاء» .
رواه البيهقي، ورواه الطبراني بنحوه؛ إلا أنه قال: «لعذبهم الله بلا عدد ولا حساب» . قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير عطاء بن أبي مسلم؛ وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة ".
وعن أبي سعيد ﵁؛ قال: «قتل قتيل على عهد رسول الله ﷺ، فصعد النبي ﷺ المنبر خطيبا، فقال: ألا تعلمون من قتل هذا القتيل؟ بين أظهركم (ثلاث مرات) . قالوا: اللهم لا. فقال: والذي نفس محمد بيده؛ لو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مؤمن؛ أدخلهم الله جميعًا جهنم» .
رواه: البزار، والحاكم؛ بإسناد ضعيف.
وعن جندب بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم يهريقه كأنما يذبح دجاجة، كلما تعرض لباب من أبواب الجنة؛ حال بينه وبينه، ومن استطاع منكم أن لا يجعل في بطنه إلا طيبًا؛ فليفعل؛ فإن أول ما ينتن من الإنسان بطنه» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وقال المنذري: "رواته ثقات ". ورواه البيهقي مرفوعا وموقوفا،
[ ١ / ١٠٤ ]
وقال: "والصحيح أنه موقوف".
قلت: وقد رواه البخاري في كتاب "الأحكام" من صحيحه موقوفا، وذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" رواية الطبراني له مرفوعا، ثم قال: "وهذا لو لم يرد مصرحا برفعه لكان في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال بالرأي، وهو وعيد شديد لقتل المسلم بغير حق" انتهى.
وعن عبد الملك بن مروان؛ قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة قبل أن ألي هذا الأمر، فكانت تقول: يا عبد الملك إني لأرى فيك خصالا، وخليق أن تلي أمر هذه الأمة، فإن وليته فاحذر الدماء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل ليدفع عن باب الجنة أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق» .
رواه الطبراني، وفي إسناده ضعف.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه؛ قال: «لا يعجبك رحب الذراعين يسفك الدماء؛ فإن له عند الله قاتلًا لا يموت» .
رواه: أبو داود الطيالسي والطبراني؛ بإسناد ضعيف.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
وعنه ﵁: أنه قال: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله» .
رواه البخاري.
وعن خالد بن دهقان؛ قال: كنا في غزوة القسطنطينية بذلقية، فأقبل رجل
[ ١ / ١٠٥ ]
من أهل فلسطين من أشرافهم وخيارهم، يعرفون ذلك له، يقال له: هانئ بن كلثوم بن شريك الكناني، فسلم على عبد الله بن أبي زكريا، وكان يعرف له حقه. قال لنا خالد: فحدثنا عبد الله بن أبي زكريا؛ قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره؛ إلا من مات مشركًا، أو مؤمنًا قتل مؤمنًا متعمدًا» .
فقال هانئ بن كلثوم: سمعت محمود بن الربيع يحدث عن عبادة بن الصامت ﵁: أنه سمعه يحدث عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «من قتل مؤمنًا، فاعتبط بقتله؛ لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا» . قال لنا خالد: ثم حدثنا ابن أبي زكريا عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال المؤمن معنقًا صالحًا ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا؛ بلح» . وحدث هانئ بن كلثوم عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ مثله سواء.
رواه أبو داود، وإسناده جيد.
ثم روى أبو داود عن خالد بن دهقان: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: "اعتبط بقتله"؟ قال: الذين يقاتلون في الفتنة، فيقتل أحدهم، فيرى أنه على هدى، فلا يستغفر الله تعالى؛ يعني: من ذلك.
قال ابن الأثير في "النهاية": "وهذا تفسير يدل على أنه من الغبطة؛ بالغين المعجمة، وهي الفرح والسرور وحسن الحال؛ لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، فإذا كان المقتول مؤمنا، وفرح بقتله؛ دخل في هذا الوعيد".
وقال الخطابي في "معالم السنن": "قوله: "فاعتبط قتله"؛ يريد أنه قتله ظلما لا عن قصاص، يقال: عبطت الناقة واعتبطتها: إذا نحرتها من غير داء أو آفة تكون بها، ومات فلان عبطة: إذا كان شابا واحتضر قبل أوان الشيب والهرم،
[ ١ / ١٠٦ ]
قال أمية بن أبي الصلت:
من لم يمت عبطة يمت هرما
"
وقال ابن الأثير: "كل من مات بغير علة فقد اعتبط، ومات فلان عبطة؛ أي: شابا صحيحا".
وقوله: "معنقا": قال الخطابي: "يريد خفيف الظهر، يعنق في مشيه سير المخف، والعنق: ضرب من السير وسيع، يقال: أعنق الرجل في سيره فهو معنق، وهو من نعوت المبالغة". وقال ابن الأثير: "معنقا صالحا؛ أي: مسرعا في طاعته، منبسطا في عمله، وقيل: أراد يوم القيامة".
وقوله: "بلح": قال الخطابي: "معناه: أعيا وانقطع، ويقال: بلح علي الغريم: إذا قام عليك فلم يعطك حقك، وبلحت الركية: إذا انقطع ماؤها".
وقال ابن الأثير: "بلح الرجل: إذا انقطع من الإعياء، فلم يقدر أن يتحرك، وقد أبلحه السير فانقطع به، يريد به وقوعه في الهلاك بإصابة الدم الحرام، وقد تخفف اللام ". انتهى.
وعن معاوية ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره؛ إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي الدرداء ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره؛ إلا الرجل يموت مشركًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا» .
رواه: أبو داود وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ١٠٧ ]
وعن ابن عباس ﵄: أنه سأله سائل؟ فقال: يا أبا العباس! هل للقاتل من توبة؟ فقال ابن عباس ﵄ كالمعجب من شأنه: ماذا تقول؟ ! فأعاد عليه مسألته. فقال: ماذا تقول؛ مرتين أو ثلاثا؟ ! قال ابن عباس ﵄: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «يأتي المقتول؛ معلقًا رأسه بإحدى يديه، ملببًا قاتله باليد الأخرى، تشخب أوداجه دمًا، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني. فيقول الله ﷿ للقاتل: تعست! ويذهب به إلى النار» .
رواه الطبراني في "الأوسط"، وقال المنذري والهيثمي: "رواته رواة الصحيح".
وقد رواه: الترمذي، والنسائي؛ من حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة؛ ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دمًا؛ يقول: يا رب! قتلني هذا، حتى يدنيه من العرش» . قال: فذكروا لابن عباس ﵄ التوبة، فتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ . قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأنى له التوبة؟ !.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وسيأتي نحو هذا عن ابن مسعود وجندب في (باب القتال على الملك) إن شاء الله تعالى.
وعن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس ﵄: أن رجلا أتاه فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا؟ قال: جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما. قال: لقد أنزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ. قال: أرأيت
[ ١ / ١٠٨ ]
إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثكلته أمه، رجل قتل رجلًا متعمدًا، يجيء يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه (أو بيساره)، وآخذًا رأسه بيمينه (أو شماله)، تشخب أوداجه دمًا، في قبل العرش؛ يقول: يا رب سل عبدك فيم قتلني؟» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وهذا لفظ أحمد.
وعن سعيد بن جبير؛ قال: "سألت ابن عباس ﵄، فقال: لما نزلت التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرم الله، ودعونا مع الله إلها آخر، وأتينا الفواحش. فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾؛ فهذه لأولئك.
قال: وأما التي في النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية؛ قال: الرجل إذا عرف شرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا؛ فجزاؤه جهنم، لا توبة له. فذكرت هذا لمجاهد، فقال: إلا من ندم".
رواه: الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وهذا لفظ أبي داود، وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بنحو رواية أبي داود، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن زيد بن ثابت ﵁؛ قال: "نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، بعد التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ بستة أشهر ".
رواه: أبو داود، والنسائي.
[ ١ / ١٠٩ ]
وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يخرج عنق من النار يتكلم؛ يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير حق، فينطوي عليهم، فيقذفهم في حمراء جهنم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في "الأوسط" بإسنادين؛ قال المنذري والهيثمي: "رواة أحدهما رواة الصحيح".
ورواه البزار، ولفظه: «يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تتكلم به، فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبار عنيد، وبمن قتل نفسًا بغير نفس، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام» .
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
رواه: الشيخان، وأبو داود، والنسائي.
(الموبقات): هن المهلكات.
وقد جاء ذكر قتل النفس بغير حق مع الكبائر في عدة أحاديث عن النبي ﷺ.
فرواه: الإمام أحمد، والشيخان؛ من حديث أنس ﵁. ورواه: الإمام أحمد، والنسائي؛ من حديث أبي أيوب ﵁. ورواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم؛ من حديث عمير بن قتادة ﵁. ورواه ابن جرير، وابن مردويه؛ من حديث ابن عمر ﵄. ورواه ابن
[ ١ / ١١٠ ]
مردويه عن عمرو بن حزم ﵁.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ؛ قال: «لا حرج إلا في قتل مسلم (ثلاث مرات)» .
رواه الطبراني.
قال ابن الأثير: "الحرج: الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج: أضيق الضيق". انتهى.
وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لقي الله ﷿ لا يشرك به شيئًا، لم يتند بدم حرام؛ دخل الجنة» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه.
وفي رواية أحمد؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس من عبد يلقى الله ﷿؛ لا يشرك به شيئًا، لم يتند بدم حرام؛ إلا دخل الجنة، من أي أبواب الجنة شاء» .
ورواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جرير بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات لا يشرك بالله شيئًا، ولم يتند بدم حرام؛ دخل من أي أبواب الجنة شاء» .
رواه الحاكم في "مستدركه".
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إذا أصبح إبليس؛ بث جنوده، فيقول: من أضل اليوم مسلمًا؛ ألبسته التاج. قال: فيجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته. فيقول: يوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه. فيقول: يوشك أن يبرهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك. فيقول: أنت أنت. ويجيء هذا فيقول: لم»
[ ١ / ١١١ ]
«أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت. ويلبسه التاج» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه".
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» .
رواه البخاري.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: "أخبر ﷺ أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة، وذلك لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا، فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير حق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر". انتهى.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أعتى الناس على الله من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
(الذحول): جمع ذحل؛ بفتح الذال وسكون الحاء.
قال ابن الأثير: "الذحل: الوتر، وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلك، والذحل: العداوة أيضا". انتهى.
وعن عائشة ﵂؛ قالت: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابان: «إن أشد الناس عتوا: رجل ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعمته، فمن فعل ذلك فقد كفر بالله ورسوله، ولا يقبل منه صرف ولا عدل» .
[ ١ / ١١٢ ]
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي شريح العدوي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ومن أعتى الناس على الله تعالى من قتل غير قاتله، أو طلب بدم في الجاهلية من أهل الإسلام، ومن يصر عينيه في النوم ما لم تبصر» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
«وعن المقداد بن الأسود ﵁: أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله. أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ: "لا تقتله ". قال: فقلت: يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال رسول الله ﷺ: "لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي.
«وعن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه؛ قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته. قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ، فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ . قال: قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوذًا. قال: فقال: "أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ " قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي.
[ ١ / ١١٣ ]
وفي رواية لمسلم: فقال رسول الله ﷺ: «أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ "» .
وقد رواه ابن إسحاق من حديث أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة ﵁ بنحوه، وزاد فيه: «فقلت: إني أعطي الله عهدًا أن لا أقتل رجلًا يقول لا إله إلا الله أبدًا. فقال: بعدي يا أسامة. فقلت: بعدك» .
وعن صفوان بن محرز: أنه حدث «أن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة ابن الزبير، فقال: اجمع لي نفرا من إخوانك حتى أحدثهم، فبعث رسولا إليهم، فلما اجتمعوا جاء جندب وعليه برنس أصفر، فقال: تحدثوا بما كنتم تحدثون به، حتى دار الحديث، فلما دار الحديث إليه حسر البرنس عن رأسه، فقال: إني أتيتكم ولا أريد إلا أن أخبركم أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته - قال: وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد - فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله. فقتله، فجاء البشير إلى النبي ﷺ فسأله، فأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله، فقال: "لم قتلته؟ ". قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا (وسمى له نفرًا)، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال رسول الله ﷺ: "أقتلته؟ ". قال: نعم. قال: "فكيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة؟ ". قال: يا رسول الله استغفر لي. قال: "وكيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة؟» .
[ ١ / ١١٤ ]
رواه: مسلم.
وعن عقبة بن مالك الليثي ﵁؛ قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية، فأغارت على قوم، فشذ من القوم رجل، فأتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه، فقال الشاذ من القوم: إني مسلم! فلم ينظر فيما قال، فقتله، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ، فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله ﷺ يخطب؛ إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل. قال: فأعرض رسول الله ﷺ عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته. ثم قال أيضًا: يا رسول الله! ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل. فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته. ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، فأقبل عليه رسول الله ﷺ تعرف المساءة في وجهه، فقال: إن الله أبى على من قتل مؤمنًا (ثلاثًا)» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، وأبو يعلى، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير بشر بن عاصم الليثي، وهو ثقة".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: «بعث النبي ﷺ محلم بن جثامة مبعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله! سن اليوم وغير غدًا. فقال عيينة: لا والله؛ حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي. فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال له النبي ﷺ: "لا غفر الله لك ". فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة؛ حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النبي ﷺ، فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم". ثم طرحوه»
[ ١ / ١١٥ ]
«بين صدفي جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية» .
«وعن عمران بن الحصين ﵄؛ قال: أتى نافع بن الأزرق وأصحابه، فقالوا: هلكت يا عمران! قال: ما هلكت. قالوا: بلى. قال: ما الذي أهلكني؟ قالوا: قال الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ . قال: قد قاتلناهم حتى نفيناهم، فكان الدين كله لله، إن شئتم حدثتكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ. قالوا: وأنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم؛ شهدت رسول الله ﷺ وقد بعث جيشًا من المسلمين إلى المشركين، فلما لقوهم قاتلوهم قتالًا شديدًا، فمنحوهم أكتافهم، فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح، فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ إني مسلم. فطعنه فقتله، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! هلكت. قال: "وما الذي صنعت؟ (مرة أو مرتين) " فأخبره بالذي صنع، فقال له رسول الله ﷺ: "فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه! ". قال: يا رسول الله! لو شققت بطنه لكنت أعلم ما في قلبه؟ قال: "فلا أنت قبلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما في قلبه". قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات، فدفناه، فأصبح على ظهر الأرض، فقالوا: لعل عدوًا نبشه! فدفناه، ثم أمرنا غلماننا يحرسونه، فأصبح على ظهر الأرض، فقلنا: لعل الغلمان نعسوا! فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا، فأصبح على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك الشعاب» .
رواه ابن ماجه، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وفي رواية له عن عمران بن الحصين ﵄؛ قال: «بعثنا رسول»
[ ١ / ١١٦ ]
«الله ﷺ في سرية؛ فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين (فذكر الحديث وزاد فيه:) فنبذته الأرض، فأخبر النبي ﷺ وقال: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه، ولكن الله أحب أن يريكم تعظيم حرمة لا إله إلا الله» .
إسناده حسن.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك؛ ماله ودمه وأن نظن به إلا خيرًا» .
رواه ابن ماجه، وإسناده حسن.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتل نفس ظلمًا؛ إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
باب
ما جاء فيمن أمر بقتل مسلم
عن مرثد بن عبد الله المزني عن رجل من أصحاب النبي ﷺ؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن القاتل والآمر؟ فقال: «قسمت النار سبعين جزءًا؛ فللآمر تسعة»
[ ١ / ١١٧ ]
باب ما جاء فيمن أمر بقتل مسلم
«وستون، وللقاتل جزء، وحسبه» .
رواه الإمام أحمد.
قال الهيثمي: "ورجاله رجال صحيح؛ غير محمد بن إسحاق، وهو ثقة، ولكنه مدلس".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله جزأ النار سبعين جزءًا، تسعة وستون للآمر، وجزء للقاتل، وحسبه» .
رواه الطبراني في "الصغير"، وفي إسناده ضعف.
وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يؤتى بالقاتل والمقتول يوم القيامة، فيقول: أي رب! سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: أي رب! أمرني هذا. فيؤخذ بأيديهما جميعًا، فيقذفان في النار» .
رواه الطبراني.
قال الهيثمي: " رجاله كلهم ثقات".
وعنه ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «يقعد المقتول بالجادة، فإذا مر به القاتل أخذه، فيقول: يا رب! هذا قطع علي صومي وصلاتي. قال: "فيعذب القاتل والآمر به» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب، وقد وثق، وفيه ضعف".
قلت: قد وثقه أحمد وابن معين وحسبك بتوثيقهما، ووثقه أيضا العجلي والفسوي، وقال أبو زرعة: "لا بأس به"، وروى له مسلم مقرونا بغيره، واحتج به غير واحد، وعلى هذا فحديثه صحيح إن شاء الله.
[ ١ / ١١٨ ]
باب
ما جاء فيمن أعان على قتل مسلم
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة؛ لقي الله ﷿ مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، والأصبهاني، وزاد: "قال سفيان بن عيينة: هو أن يقول: اق؛ يعني: لا يتم كلمة اقتل".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة؛ كتب بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله» .
رواه البيهقي.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شرك في دم حرام بشطر كلمة؛ جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن خراش؛ ضعفه البخاري وجماعة، ووثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ، وبقية رجاله ثقات".
باب
النهي عن حضور قتل المسلم
عن خرشة بن الحر ﵁ - وكان من أصحاب النبي ﷺ - عن النبي ﷺ؛ قال: «لا يشهد أحدكم قتيلًا؛ لعله أن يكون قتل مظلومًا فتصيبه»
[ ١ / ١١٩ ]
باب النهي عن حضور قتل المسلم
«السخطة» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني؛ إلا أنه قال: «فعسى أن يقتل مظلومًا، فتنزل السخطة عليهم، فتصيبه معهم» . قال المنذري: "رجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ خلا ابن لهيعة ". وقال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا؛ فإن اللعنة تنزل على كل من حضر حين لم يدفعوا عنه، ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه» .
رواه: الطبراني، والبيهقي. قال المنذري: "وإسناده حسن".
باب
ما يرجى للمقتول من الرحمة
عن عبد الرحمن بن سميرة؛ قال: كنت أمشي مع عبد الله بن عمر ﵄؛ فإذا نحن برأس منصوب على خشبة. قال: فقال: شقي قاتل هذا. قال: قلت: أنت تقول هذا يا أبا عبد الرحمن؟ ! قال: فشد يده من يدي، وقال أبو عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مشى الرجل من أمتي إلى الرجل ليقتله؛ فليقل هكذا؛ فالمقتول في الجنة، والقاتل في النار» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ خلا عبد الرحمن بن سميرة، وقد وثقه ابن حبان.
ورواه أبو داود في "سننه"، ولفظه: قال: كنت آخذا بيد ابن عمر رضي
[ ١ / ١٢٠ ]
باب ما يرجى للمقتول من الرحمة
الله عنهما في طريق من طرق المدينة؛ إذ أتى على رأس منصوب، فقال: شقي قاتل هذا. فلما مضى قال: وما أرى هذا إلا قد شقي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مشى إلى رجل من أمتي ليقتله؛ فليقل هكذا؛ فالقاتل في النار، والمقتول في الجنة» .
إسناده جيد، رواته رواة الصحيح؛ خلا عبد الرحمن بن سميرة، وهو ثقة.
ورواه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مشى الرجل إلى الرجل، فقتله؛ فالمقتول في الجنة، والقاتل في النار» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال صحيح".
وفي رواية لأحمد: أن ابن عمر ﵄ رأى رأسا، فقال: قال رسول الله ﷺ: «ما يمنع أحدكم إذا جاء من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم: القاتل في النار، والمقتول في الجنة» .
إسناده جيد.
«وعن سعيد بن زيد ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنا كقطع الليل المظلم - أراه قال: قد يذهب فيها الناس أسرع ذهاب - قال: فقيل: أكلهم هالك أم بعضهم؟ قال: "حسبهم (أو: بحسبهم) القتل» .
رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات.
ورواه أبو داود بإسناد جيد، ولفظه: «قال: كنا عند النبي ﷺ، فذكر فتنة، فعظم أمرها، فقلنا (أو قالوا): يا رسول الله! لئن أدركتنا هذه لتهلكنا! فقال رسول الله ﷺ: "كلا؛ إن بحسبكم القتل» . قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا.
ورواه ابن أبي شيبة بنحوه.
[ ١ / ١٢١ ]
وعن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أمتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذاب؛ إنما عذابها في الدنيا: القتل، والبلابل، والزلازل» .
رواه الإمام أحمد وأبو داود، وفيه المسعودي: روى له البخاري تعليقا، ووثقه أحمد وابن معين وابن المديني، وذكر أحمد وأبو حاتم أنه تغير في آخر عمره، وبقية رواته ثقات.
وعن أبي بردة؛ قال: بينا أنا واقف في السوق في إمارة زياد؛ ضربت بإحدى يدي على الأخرى تعجبا، فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله ﷺ: مما تعجب يا أبا بردة؟ قلت: أعجب من قوم دينهم واحد، ونبيهم واحد، ودعوتهم واحدة، وحجهم واحد، وغزوهم واحد؛ يستحل بعضهم قتل بعض. قال: فلا تعجب؛ فإني سمعت والدي أخبرني: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن أمتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قلت: وفيه رجل لم يسم؛ ففي تصحيحهما له نظر.
وعن أبي بردة أيضا؛ قال: كنت عند عبيد الله بن زياد، فأتي برؤوس خوارج، فكلما مروا عليه برأس؛ قال: إلى النار. فقال له عبد الله بن يزيد: أولا تدري؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عذاب هذه الأمة جعل بأيديها في دنياها» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ١٢٢ ]
وهذه الأحاديث تدل على أن المقتول ظلما ترجى له المغفرة؛ بخلاف القاتل، ومن قتل وكان حريصا على قتل صاحبه؛ فقد تقدمت الأحاديث الصحيحة أن كلا منهما في النار، وقد ذكرتها في باب تحريم قتال المسلمين، وهي لا تعارض بمثل هذه الأحاديث. والله أعلم.
باب
ما جاء في القتال على الملك وفيمن أعان على ذلك
عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «شر قتيل بين صفين أحدهما يطلب الملك» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عبد الأول أبو نعيم، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
«وعن ثروان بن ملحان؛ قال: كنا جلوسًا في المسجد، فمر علينا عمار بن ياسر، فقلنا له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في الفتنة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون بعدي قوم يأخذون الملك، يقتل عليه بعضهم بعضًا» . قال: قلنا له: لو حدثنا غيرك ما صدقناه. قال: فإنه سيكون.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير ثروان، وهو ثقة".
وعن سعيد بن جبير؛ قال: "خرج علينا عبد الله بن عمر ﵄، فرجونا أن يحدثنا حديثا حسنا. قال: فبادرنا إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن! حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ . فقال: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك".
[ ١ / ١٢٣ ]
باب ما جاء في القتال على الملك وفيمن أعان على ذلك
رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
وعن أبي المنهال؛ قال: "لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب، فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث، فقال: يا أبا برزة! ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون هذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله؛ إن يقاتل إلا على الدنيا".
رواه البخاري.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق عبد الله - وهو ابن المبارك -: أنبأنا عوف عن أبي المنهال عن أبي برزة الأسلمي ﵁؛ قال: "إن ذلك الذي بالشام (يعني: مروان) والله؛ إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن ذلك الذي بمكة (يعني: ابن الزبير) إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن الذين تدعونهم قراءكم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا". فقال له أبي: فما تأمرنا إذا؟ قال: "لا أرى خير الناس إلا عصابة ملبدة - وقال بيده - خماص البطون من أموال الناس خفاف الظهور من دمائهم".
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: "أنه قال لرجل يسأله عن القتال مع الحجاج أو مع ابن الزبير؟ فقال له ابن عمر ﵄: مع أي الفريقين قاتلت فقتلت؛ ففي لظى".
[ ١ / ١٢٤ ]
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄: أنه قال: "اتقوا فرقتين تقتتلان على الدنيا؛ فإنهما يجران إلى النار جرا".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: "أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير؛ فقالا: إن الناس صنعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله".
رواه البخاري.
وفي رواية له عن ابن عمر ﵄: "أن رجلا جاءه، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى آخر الآية؛ فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا أخي! أغتر بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أغتر بهذه الأمة التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخرها. قال: فإن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ . قال ابن عمر ﵄: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما يقتلوه، وإما يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة".
وعن أبي ظبيان عن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سرية (فذكر الحديث، وفي آخره) قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين؛ يعني: أسامة. قال: قال رجل: ألم يقل»
[ ١ / ١٢٥ ]
«الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ فقال سعد ﵁: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة» .
رواه مسلم.
وعن ابن سيرين؛ قال: "لما قيل لسعد بن أبي وقاص ﵁: ألا تقاتل؛ فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ قال: لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر؛ فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن قيس بن أبي حازم وعامر الشعبي؛ قالا: "قال مروان بن الحكم لأيمن بن خريم - يعني: الأسدي -: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدرا، وإنهما عهدا إلي أن لا أقاتل أحدا يقول: لا إله إلا الله، فإن أنت جئتني ببراءة من النار قاتلت معك. قال: فاخرج عنا. قال: فخرج وهو يقول:
ولست بقاتل رجلا يصلي على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلي إثمي معاذ الله من جهل وطيش
أأقتل مسلما في غير جرم فليس لنافعي ما عشت عيشي
" رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ١٢٦ ]
وقد رواه أبو يعلى والطبراني من حديث عامر الشعبي، قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى رجال الصحيح؛ غير زكريا بن يحيى رحمويه، وهو ثقة".
وعن أبي عمران - وهو الجوني - قال: قلت لجندب: إني قد بايعت هؤلاء -يعني: ابن الزبير - وإنهم يريدون أن أخرج معهم إلى الشام. فقال: أمسك. فقلت: إنهم يأبون. قال: افتد بمالك. فقلت: إنهم يأبون إلا أن أضرب معهم بالسيف. فقال جندب: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: «يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ (قال شعبة: وأحسبه قال:) فيقول: علام قتلته؟ فيقول: قتلته على ملك فلان» . قال: فقال جندب: فاتقها.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وقد روى النسائي المرفوع منه فقط، ورواته كلهم ثقات.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يجيء الرجل آخذا بيد الرجل، فيقول: يا رب! هذا قتلني. فيقول الله له: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لك. فيقول: فإنها لي. ويجيء الرجل آخذا بيد الرجل، فيقول: إن هذا قتلني. فيقول الله له: لم قتلته. فيقول: لتكون العزة لفلان. فيقول: إنها ليست لفلان. فيبوء بإثمه» .
رواه النسائي بإسناد حسن.
وقد رواه ابن مردويه، وزاد في آخره: "قال: فيهوي في النار سبعين خريفا".
وعن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من شر الناس»
[ ١ / ١٢٧ ]
«منزلة عند الله يوم القيامة عبد أذهب آخرته بدنيا غيره» .
رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان، يخير فيه الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمان؛ فليختر العجز على الفجور» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى؛ عن شيخ عن أبي هريرة، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقد رواه الحاكم من هذا الوجه من وجه آخر، وسمى المبهم فيه سعيد بن أبي خيرة، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
تسليط الظلمة على الظلمة
عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ يقول: أنتقم ممن أبغض بمن أبغض، ثم أصير كلا إلى النار» .
رواه الطبراني في "الأوسط"، وفي إسناده ضعف.
باب
النهي عن القتال في الفتنة
تقدم فيه أحاديث كثيرة في (باب ذكر الفتن والتحذير منها)؛ فلتراجع. وتقدم أيضا في (باب القتال على الملك) أحاديث كثيرة في ذلك.
[ ١ / ١٢٨ ]
باب النهي عن القتال في الفتنة
وعن حميد بن هلال؛ قال: "لما هاجت الفتنة؛ قال عمران بن حصين ﵄ لحجير بن الربيع العدوي: اذهب إلى قومك فانههم عن الفتنة. قال: إني لمغموز فيهم وما أطاع. قال: فأبلغهم عني وانههم عنها".
قال: "وسمعت عمران ﵃ يقسم بالله: لأن أكون عبدا حبشيا أسود في أعنز خصبات في رأس جبل أرعاهن حتى يدركني أجلي أحب إلي من أن أرمي أحد الصفين بسهم أخطأت أم أصبت".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: "إذا وقع الناس في الفتنة، فقالوا: اخرج لك بالناس أسوة! فقل: لا أسوة لي بالشر".
رواه الطبراني:. قال الهيثمي: "وفيه حديج بن معاوية، وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة".
قلت: لم ينص أحمد على توثيقه، وإنما ذكر المزي والذهبي وابن حجر وغيرهم عن أحمد: أنه قال فيه: "لا أعلم إلا خيرا "، وهذا ليس بتوثيق، وإنما هو إخبار عن كونه مستور الحال.
وعن يحيى بن حبان: أنه كان مع عبد الله بن عمر ﵄، وأن عبد الله بن عمر ﵄ قال له في الفتنة: لا ترون القتل شيئا؟ ! قال رسول الله ﷺ للثلاثة: «لا ينتجي اثنان دون صاحبهما» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير يحيى بن حبان، ووثقه ابن حبان ".
ومراد ابن عمر ﵄ تعظيم القتال في الفتنة، وأنه إذا كان رسول الله ﷺ نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يؤذيه؛ فكيف بقتال المسلمين وإراقة دمائهم؟ !
[ ١ / ١٢٩ ]
باب
النهي عن تكثير السواد في الفتن
عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من كثر سواد قوم؛ فهو منهم، ومن رضي عمل قوم؛ كان شريك من عمل به» .
رواه أبو يعلى.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وله شاهد عن أبي ذر ﵁ في "الزهد" لابن المبارك غير مرفوع".
وعن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود؛ قال: "قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس ﵄، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس ﵄: أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ، يأتي السهم، فيرمى به، فيصيب أحدهم، فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية ".
رواه البخاري.
وعن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأولهم وآخرهم. قالت: قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ ! قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم» .
متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
قال المهلب: "في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختارا أن العقوبة تلزمه معهم".
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال النووي: "في هذا الحديث من الفقه: التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين؛ لئلا يناله ما يعاقبون به. وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا ". انتهى.
باب
قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
عن مطرف - وهو ابن عبد الله بن الشخير - قال: قلنا للزبير ﵁: يا أبا عبد الله! ما جاء بكم؟ ! ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟ ! قال الزبير: "إنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت".
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن الحسن؛ قال: قال الزبير بن العوام ﵁: "نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع رسول الله ﷺ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة؟ ! وما نشعر أنها تقع حيث وقعت".
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾؛ قال: "هي أيضا لكم".
رواه ابن جرير.
وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
[ ١ / ١٣١ ]
باب قول الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة
قال: "أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب ".
رواه ابن جرير.
قال ابن كثير: "وهذا تفسير حسن جدا". قال: "والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم، هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن ". انتهى.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس» . فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ ! فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فقال: «أحصوا لي كم يلفظ بالإسلام. فقلنا: يا رسول الله! أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة والسبعمائة. قال: "إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا ". فابتلينا، حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًا» .
ورواه ابن أبي شيبة بهذا اللفظ.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "يشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان ﵁ من ولاية بعض أمراء الكوفة؛ كالوليد بن عقبة؛ حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة. وقيل: كان ذلك حين أتم عثمان الصلاة في السفر، وكان بعضهم يقصر سرا وحده خشية الإنكار عليه. ووهم من قال: إن ذلك كان أيام قتل عثمان؛ لأن حذيفة لم يحضر ذلك.
[ ١ / ١٣٢ ]
وفي ذلك علم من أعلام النبوة؛ لما فيه من الإخبار بالشيء قبل وقوعه، وقد وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره". انتهى.
وقول من قال: إن ذلك كان أيام قتل عثمان ﵁؛ محتمل؛ لأن حذيفة ﵁ بقي بعد قتل عثمان ﵁ أربعين يوما أو نحوها. والله أعلم.
باب
قول الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
عن جابر ﵁؛ قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾؛ قال رسول الله ﷺ: "أعوذ بوجهك"، قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾؛ قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾؛ قال رسول الله ﷺ: "هذا أهون (أو: هذا أيسر)» .
رواه: البخاري، والنسائي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن مردويه، وابن حبان في "صحيحه".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: «أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل، فصلى ركعتين، وصلينا معه، وناجى ربه ﷿ طويلا؛ قال: سألت ربي ﷿ ثلاثًا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة، وابن حبان.
[ ١ / ١٣٣ ]
باب قول الله تعالى أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض
وعن جابر بن عتيك ﵁: أنه قال: «جاءنا عبد الله بن عمر ﵄ في حرة بني معاوية (قرية من قرى الأنصار)، فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرت إلى ناحية منه. فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت: نعم. فقال: أخبرني بهن. فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها. قال: صدقت؛ فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ إلى حرة بني معاوية. قال: فصلى ثماني ركعات، فأطال فيهن، ثم التفت إلي، فقال: "حبستك يا حذيفة؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "إني سألت الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني» .
رواه: ابن إسحاق، وابن مردويه من طريقه.
وعن جابر بن عتيك ﵁؛ قال: «سأل رسول الله ﷺ في مسجد بني معاوية ثلاثًا، فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة: سأله أن لا يهلك أمته جوعًا وأن لا يظهر عليهم عدوًا فأعطيهما، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها» .
رواه الطبراني بإسناد فيه ضعف.
«وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: أتيت رسول الله ﷺ، فقيل لي: خرج قبل. قال: فجعلت لا أمر بأحد؛ إلا قال: مر قبل، حتى مررت، فوجدته قائما يصلي. قال: فجئت حتى قمت خلفه. قال: فأطال الصلاة، فلما قضى»
[ ١ / ١٣٤ ]
«صلاته؛ قلت: يا رسول الله! قد صليت صلاة طويلة. فقال رسول الله ﷺ: إني صليت صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله ﷿ ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي غرقًا فأعطاني، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًا ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه. ورواته كلهم ثقات.
وعن أبي مالك الأشجعي عن نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه - وكان من أصحاب الشجرة ﵁ - قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود. قال: فجلس يوما فأطال الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض: أن اسكتوا؛ إنه ينزل عليه، فلما فرغ قال له بعض القوم: يا رسول الله! لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنه ينزل عليك. قال: لا؛ ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوًا يستبيحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعًا وأن لا يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها» . قال أبو مالك: فقلت له: أبوك سمعها من النبي ﷺ؟ قال: نعم، سمعته يقول إنه سمعها من رسول الله ﷺ عدد أصابعي هذه العشر الأصابع.
رواه: ابن جرير، وابن مردويه، والبزار، والطبراني؛ بأسانيد، قال الهيثمي: "ورجال بعضها رجال الصحيح؛ غير نافع بن خالد ". وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف؛ قال: إني صليت صلاة رغبة ورهبة، وسألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يبتلي»
[ ١ / ١٣٥ ]
«أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا فأبى علي» . رواه: الإمام أحمد، والنسائي. ورواته كلهم ثقات.
وعن خباب بن الأرت ﵁؛ قال: «وافيت رسول الله ﷺ في ليلة صلاها كلها حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، فقلت: يا رسول الله! لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها. فقال رسول الله ﷺ: "أجل؛ إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي ﷿ فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي ﷿ أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يظهر علينا عدوًا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن سعد وابن عمر ﵃ ".
وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبرقاني في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ١ / ١٣٦ ]
وزاد أحمد وأبو داود وابن ماجه والبرقاني: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بهذه الزيادة، وبزيادة أكثر منها، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن شداد بن أوس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين: الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي ﷿ أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا ممن سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا وبعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يسبي بعضًا» . قال: وقال النبي ﷺ: «إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي؛ لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة» .
رواه: الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه أيضا: ابن جرير، والبزار، وابن مردويه.
وعن أبي بصرة الغفاري ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال: سألت»
[ ١ / ١٣٧ ]
«ربي ﷿ أربعًا، فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله ﷿ أن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض؛ فمنعنيها» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. وفيه راو لم يسم.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «سألت ربي لأمتي أربع خلال، فمنعني واحدة وأعطاني ثلاثًا: سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وقد رواه: ابن أبي حاتم، وابن مردويه؛ بنحوه.
ورواه ابن مردويه أيضا مختصرا، ولفظه: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني» .
ورواه البزار بنحوه.
وعن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سألت ربي ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. فقلت: يا رب! لا تهلك أمتي جوعًا. فقال: هذه لك. قلت: يا رب! لا تسلط عليهم عدوًا من غيرهم (يعني: أهل»
[ ١ / ١٣٨ ]
«الشرك) فيجتاحهم. قال: ذلك لك. قلت: يا رب! لا تجعل بأسهم بينهم. قال: فمنعني هذه» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه أبو حذيفة الثعلبي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «دعوت ربي ﷿ أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع الله عنهم ثنتين، وأبي علي أن يرفع عنهم ثنتين: دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل والهرج» .
رواه ابن مردويه.
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: «تزعمون أني من آخركم وفاة، ألا وإني من أولكم وفاة، وستتبعوني أفنادًا، يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه".
قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح".
وقد رواه ابن عساكر في "تاريخه" بنحوه، قال في "كنز العمال": "ورجاله ثقات".
وعن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه: أبو يعلى، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهما ثقات".
وعن سلمة بن نفيل السكوني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستأتوني أفنادًا يفني بعضكم بعضًا» الحديث.
[ ١ / ١٣٩ ]
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والبزار، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ وهو يوحى إليه، فقال: «إني غير لابث فيكم ولستم لابثين بعدي إلا قليلًا، وستأتوني أفنادًا يفني بعضكم بعضًا، وبين يدي الساعة موتان شديد، وبعده سنوات الزلازل» .
باب
ابتداء ظهور الفتن من العراق وكثرتها فيه وفيما يليه من المشرق
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم» .
رواه: الإمام أحمد والشيخان، والترمذي.
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: «ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وفي رواية لمسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ قام عند باب حفصة، فقال بيده نحو المشرق: الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان؛ قالها مرتين أو ثلاثا» . وقال عبيد الله بن سعيد - وهو أحد شيوخ مسلم - في روايته: «قام رسول الله ﷺ عند باب عائشة» . ورواه الإمام
[ ١ / ١٤٠ ]
باب ابتداء ظهور الفتن من العراق وكثرتها فيه وفيما يليه من المشرق
أحمد، وقال: «كان قائما عند باب عائشة» .
وقد رواه: مالك، وأحمد، والبخاري؛ من حديث عبد الله بن دينار: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: «قال رسول الله ﷺ، وأشار بيده نحو المشرق فقال: "ها إن الفتن من هاهنا، إن الفتن من هاهنا، إن الفتن من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» .
هذا لفظ إحدى روايات أحمد.
ورواه: الإمام أحمد أيضا، والشيخان، والترمذي؛ من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ: أنه قام إلى جنب المنبر، فقال: «الفتنة هاهنا الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان (أو قال: قرن الشمس)» .
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: أن رسول الله ﷺ قال وهو مستقبل المشرق: «ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وفي رواية الترمذي: قام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: «هاهنا أرض الفتن (وأشار إلى المشرق) حيث يطلع قرن الشيطان (أو قال: قرن الشمس)» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضا؛ من حديث حنظلة (وهو ابن أبي سفيان المكي)؛ قال: سمعت سالما يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: «سمعت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو المشرق ويقول: ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع الشيطان قرنيه» .
هذا لفظ أحمد.
وفي رواية له أخرى عن حنظلة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر
[ ١ / ١٤١ ]
﵄؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق: ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا (ثلاث مرات) من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وفي هذه الرواية فائدة جليلة، وهي البيان بأن منشأ الفتن من جهة العراق لا من جهة نجد التي هي أرض العرب؛ ففيها رد على من زعم من الزنادقة أن المراد بذلك أرض العرب.
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضا؛ من حديث عكرمة بن عمار عن سالم عن ابن عمر ﵄؛ قال: «خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة ﵂، فقال: رأس الكفر هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان؛ يعني: المشرق» .
ورواه مسلم أيضا من حديث ابن فضيل عن أبيه؛ قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ يقول: يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من هاهنا (وأومأ بيده نحو المشرق)، من حيث يطلع قرنا الشيطان»، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله ﷿ له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ .
وعن أبي مسعود البدري ﵁ يبلغ به النبي ﷺ؛ قال: «من هاهنا جاءت الفتن (نحو المشرق)، والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل والبقر، في ربيعة ومضر» .
رواه البخاري.
وعن ابن عون عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال:
[ ١ / ١٤٢ ]
«اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا. قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا". قالوا: وفي نجدنا. قال: "هنالك الزلازل والفتن، منها (أو قال: بها) يطلع قرن الشيطان» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث عبد الرحمن بن عطاء عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا (مرتين) . فقال: رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: من هنالك يطلع قرن الشيطان، ولها تسعة أعشار الشر» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الرحمن بن عطاء، وهو ثقة، وفيه خلاف لا يضر".
وقد رواه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا". فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله! فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا". فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله! فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، إن من هنالك يطلع قرن الشيطان، وبه تسعة أعشار الكفر، وبه الداء العضال» .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث بشر بن حرب: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"اللهم بارك لنا في مدينتا، وفي صاعنا، ومدنا، ويمننا، وشامنا". ثم استقبل مطلع الشمس فقال: "من هاهنا يطلع قرن الشيطان، من هاهنا الزلازل والفتن» .
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن عمر ﵁؛ قال: إن النبي ﷺ قال: «"اللهم بارك في صاعنا وفي مدنا"، فرددها ثلاث مرات، فقال»
[ ١ / ١٤٣ ]
«رجل: يا رسول الله! ولعراقنا. فقال رسول الله ﷺ: "بها الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرن الشيطان» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن سالم عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا ومدنا". فقال رجل: يا رسول الله! وفي عراقنا. فأعرض عنه، فقال: "فيها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن ابن عمر ﵄ أيضا؛ قال: صلى رسول الله ﷺ الفجر، ثم أقبل على القوم، فقال: «"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل: والعراق يا رسول الله! قال: "من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «دعا نبي الله ﷺ، فقال: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل من القوم: يا نبي الله! وعراقنا. قال: "إن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق» .
رواه الطبراني في "الكبير". قال المنذري والهيثمي: "ورواته ثقات".
وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يخرج إلى العراق، فقال له كعب الأحبار: "لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين! فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال".
[ ١ / ١٤٤ ]
ذكره في "الموطأ".
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه؛ قال: "أراد عمر ﵁ أن يسكن العراق، فقال له كعب: لا تفعل؛ فإن فيها الدجال، وبها مردة الجن، وبها تسعة أعشار السحر، وبها كل داء عضال"؛ يعني: الأهواء.
قال الخطابي: " (القرن): الأمة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية: أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الأمور".
نقله عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"؛ قال: "وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به. وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة؛ كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور؛ فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة".
قال الحافظ ابن حجر: "وعرف بهذا وهاء ما قاله الداوودي أن نجدا من ناحية العراق؛ فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا".
قلت: وقد تقدم ما رواه سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق: "ها إن الفتنة هاهنا» الحديث، وهذه الرواية فيها تعيين المراد مما أبهم في غيرها من الروايات؛ كقولهم: "وفي نجدنا "، وقولهم: "وفي مشرقنا"؛ فالمراد بذلك كله أرض العراق وما يليه من المشرق.
[ ١ / ١٤٥ ]
وقد وقع مصداق ذلك، فكان قتل عثمان ﵁ على أيدي أهل العراق ومن مالأهم من أجلاف أهل مصر، وبقتله انفتح باب الفتن إلى يوم القيامة. وكانت في العراق أيضا وقعة الجمل وصفين وقتل فيه الحسين بن علي ﵄ وأصحابه. وكانت فيه أيضا فتنة المختار وفتنة الحجاج وغير ذلك من الفتن العظيمة. وكذلك كانت فتنة بني العباس ودعاتهم في العراق وخراسان. وكذلك فتن الأهواء المضلة؛ فكلها ظهرت أول ما ظهرت بأرض العراق؛ كفتنة الخوارج، والرافضة، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، ثم انتشرت بعد ذلك في أرجاء الأرض، وآخر ذلك فتنة المسيح الدجال، وهي أعظم فتنة تكون على وجه الأرض، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه يخرج من خراسان، وفي بعضها: أنه يخرج من العراق، وستأتي الأحاديث بذلك في ذكر الدجال إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا؛ فيحتمل أنه ﷺ أراد بقوله: «قرني الشيطان»: أول الفتن وآخرها وما بين ذلك من الفتن العظيمة، ويحتمل أنه أراد بذلك فتنة الهرج وفتنة الأهواء المضلة. والله أعلم بمراد رسوله ﷺ.
باب
أمان الناس من الفتن في حياة عمر بن الخطاب ﵁
عن ربعي - وهو ابن حِراش - عن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند عمر ﵁، فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال:
[ ١ / ١٤٦ ]
باب أمان الناس من الفتن في حياة عمر بن الخطاب ﵁
أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًا كالكوز مُجْخِيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا؛ إلا ما أشرب من هواه» . قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا لا أبا لك؟ ! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت؛ حديثا ليس بالأغاليط.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند عمر ﵁، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ قال: فقلت: أنا. قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ ! إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا؛ بل يكسر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم؛ كما يعلم أن دون غد الليلة؛ إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. قال: فَهِبْنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فسأله، فقال: عمر.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه. وهذا لفظ مسلم.
[ ١ / ١٤٧ ]
وفي رواية أبي داود الطيالسي: "فقال عمر: فأخبرني عن الباب؛ يكسر كسرا أم يفتح فتحا؟ قال: بل يكسر كسرا. فقال عمر: إذا لا يغلق إلى يوم القيامة. قال أبو وائل: قلنا لمسروق: سل حذيفة عن الباب: من هو؟ فسأله؟ فقال: الباب عمر ".
وفي رواية للبخاري: "فقال: الباب عمر ".
وعن قدامة بن مظعون ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ أدرك عثمان بن مظعون وهو على راحلته وعثمان على راحلته على ثنية الأثاية من العرج، فقطعت راحلته راحلة عثمان وقد مضت راحلة رسول الله ﷺ أمام الركب، فقال عثمان بن مظعون: أوجعتني يا غلق الفتنة! فلما استسهلت الرواحل دنا منه عمر بن الخطاب، فقال: يغفر الله لك أبا السائب! ما هذا الاسم الذي سميتنيه؟ فقال: لا والله؛ ما أنا سميتكه، سماك رسول الله ﷺ، هذا هو أمام الركب يقدم القوم، مررت يوما ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ، فقال: «هذا غلق الفتنة (وأشار بيده)، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين ظهرانَيكم» .
رواه: البزار، والطبراني.
وعن أبي ذر ﵁: أنه لقي عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ بيده فغمزها، وكان عمر رجلا شديدا، فقال: أرسل يدي يا قفل الفتنة! فقال عمر: وما قفل الفتنة؟ ! قال: جئت رسول الله ﷺ ذات يوم ورسول الله ﷺ جالس وقد اجتمع عليه الناس، فجلست في آخرهم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصيبكم فتنة ما دام هذا فيكم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الحافظ ابن حجر: "ورجاله ثقات". وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير السري بن يحيى، وهو ثقة ثبت،
[ ١ / ١٤٨ ]
ولكن الحسن البصري لم يسمع من أبي ذر فيما أظن".
وعن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال باب الفتنة مغلقًا عن أمتي ما عاش لهم عمر بن الخطاب، فإذا هلك عمر تتابعت عليهم الفتن» .
رواه الديلمي.
وروي: "أن عمر ﵁ دخل على أم كلثوم بنت علي ﵄، فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ ! قالت: هذا اليهودي - لكعب الأحبار - يقول: إنك باب من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله! ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه، فقال: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده؛ لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار؟ ! فقال: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم؛ تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا".
رواه الخطيب في "الرواة عن مالك ".
وعن خالد بن الوليد ﵁؛ قال: "كتب إلي أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطاب ﵁ - حين ألقى الشام بوانيه بثنية وعسلا، فأمرني أن أسير إلى الهند - والهند في أنفسنا يومئذ البصرة - قال: وأنا لذلك كاره. قال: فقام رجل، فقال: اتق الله يا أبا سليمان! فإن الفتن قد ظهرت. فقال: وابن الخطاب حي؟ ! إنما تكون بعده والناس بذي بليان وذي بليان، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل فيه مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، وتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة، أيام الهرج، فنعوذ بالله أن تدركنا وإياكم تلك الأيام".
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي:
[ ١ / ١٤٩ ]
"ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف".
وقد ذكر هذا الأثر ابن كثير في "تاريخه" عن عزرة بن قيس؛ قال: "خطبنا خالد بن الوليد ﵁، فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام، فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا؛ أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني إلى الهند. فقال رجل من تحته: اصبر أيها الأمير! فإن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: أما وابن الخطاب حي؛ فلا، وإنما ذاك بعده".
وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن عزرة بن قيس: "أن رجلا قال لخالد بن الوليد ﵁: إن الفتن قد ظهرت. فقال: أما وابن الخطاب حي فلا؛ إنها إنما تكون بعده"، ثم ذكر بقيته بنحو ما تقدم في رواية أحمد والطبراني.
وروى: نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن عساكر في "تاريخه"؛ عن عزرة بن قيس أيضا؛ قال: "قام رجل إلى خالد بن الوليد بالشام وهو يخطب، فقال: إن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: أما وابن الخطاب حي فلا؛ إنما ذاك إذا كان الناس بذي بلى وذي بلى، وجعل الرجل يذكر الأرض ليس بها مثل الذي يفر إليها منه ولا يجده؛ فعند ذلك تظهر الفتن".
وروى ابن أبي شيبة عن طارق بن شهاب؛ قال: "جلد خالد بن الوليد ﵁ رجلا حدّا، فلما كان من الغد؛ جلد رجلا آخر حدّا، فقال رجل: هذه والله الفتنة؛ جلد أمس رجلا في حد، وجلد اليوم رجلا في حد. فقال خالد: ليس هذه بفتنة، إنما الفتنة أن تكون في أرض يعمل فيها بالمعاصي، فتريد أن تخرج منها إلى أرض لا يعمل فيها بالمعاصي، فلا تجدها".
قوله: "بوانيه" أي: خيره وما فيه من السعة والنعمة. قاله ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب". قال ابن منظور: "ويقال: ألقى عصاه وألقى بوانيه".
[ ١ / ١٥٠ ]
قال ابن الأثير: "و(البواني) في الأصل: أضلاع الصدر، وقيل: الأكتاف والقوائم، الواحدة: بانية".
وقوله: "بثنية": قال ابن منظور: "وفيه قولان: قيل: البثنية: حنطة منسوبة إلى بلدة معروفة بالشام من أرض دمشق (قال ابن الأثير: وهي ناحية من رستاق دمشق، يقال بها: البثنية) . والآخر: أنه أراد البثنية الناعمة من الرملة اللينة، يقال لها: بثنة، وتصغيرها بثينة، فأراد خالد أن الشام لما سكن وذهبت شوكته وصار لينا لا مكروه فيه خصبا كالحنطة والعسل؛ عزلني". قال: "والبثنة: الزبدة الناعمة؛ أي: لما صار زبدة ناعمة وعسلا صرفني؛ لأنها صارت تجبى أموالها من غير تعب".
وقوله: "بذي بليان وذي بليان": هذا مثل للبعد والتفرق.
قال ابن منظور في "لسان العرب": "وهو بذي بلي وبلي، وبلى وبلى، وبليان وبليان؛ بفتح الباء واللام: إذا بعد عنك حتى لا تعرف موضعه".
وقال صاحب "القاموس": "وهو بذي بلى؛ كـ (حتى) و(إلا) و(رضي) ويكسر، وبليان؛ محركة وبكسرتين مشددة الثالث: إذا بعد عنك حتى لا تعرف موضعه".
ثم ذكر ابن منظور عن أبي عبيد: أنه قال: "أراد تفرق الناس، وأن يكونوا طوائف وفرقا من غير إمام يجمعهم، وكذلك كل من بعد عنك حتى لا تعرف موضعه فهو بذي بلي، وهو من بل في الأرض: إذا ذهب، أراد ضياع أمور الناس بعده". وكذا قال ابن الأثير في "النهاية". قال ابن منظور: "وفيه لغة أخرى: بذي بليان؛ يعني: بكسر الباء واللام المشددة".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "كان عمر بن الخطاب حائطا حصينا على الإسلام، يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فانثلم الحائط،
[ ١ / ١٥١ ]
والناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه".
رواه ابن وضاح.
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "ما بينكم وبين أن يرسل عليكم الشر فراسخ إلا موت عمر ".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"، وابن عساكر في "تاريخه".
باب
ما جاء في سنة خمس وثلاثين وسنة سبعين
عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا. قال: قلت: أمما مضى أم مما بقي؟ قال: "مما بقي"» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن حبان في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية أبي داود الطيالسي والحاكم وبعض روايات أحمد: «فقال عمر: يا رسول الله! بما مضى أو بما بقي؟ قال: بما بقي» .
قال الخطابي: "دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال، شبهها بالرحى الدوارة التي تطحن الحب؛ لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس، قال الشاعر يصف حربا:
فدارت رحانا واستدارت رحاهم سراة النهار ما تولى المناكب
[ ١ / ١٥٢ ]
باب ما جاء في سنة خمس وثلاثين وسنة سبعين
وقال صعصعة بن صوحان جد الفرزدق: أتيت علي بن أبي طالب ﵁ حين رفع يده عن مرحى الجمل؛ يريد: حرب الجمل".
وقال ابن الأثير: "إن كان أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة؛ ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان ﵁، وجرى فيها ما جرى، وإن كانت ستا وثلاثين؛ ففيها كانت وقعة الجمل، وإن كانت سبعا وثلاثين؛ ففيها كانت وقعة صفين".
وقوله: "وإن يقم لهم دينهم": قال الخطابي: "يريد بالدين هاهنا الملك؛ قال زهير:
لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك
يريد: ملك عمرو وولايته".
قال: "ويشبه أن يكون أريد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس، وكان ما بين أن استقر الأمر لبني أمية إلى أن ظهرت الدعوة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيهم نحوا من سبعين سنة". انتهى.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن أبي إسحاق عن رجل عن ابن مسعود ﵁؛ قال: "إذا كانت سنة خمس وثلاثين حدث أمر عظيم، فإن تهلكوا فبالحري، وإن تنجوا فعسى، وإذا كانت سبعين رأيتم ما تنكرون".
باب
ما جاء في قتل عثمان ﵁ وظهور الفتن بسبب قتله
عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: «كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ: "افتح له»
[ ١ / ١٥٣ ]
باب ما جاء في قتل عثمان ﵁ وظهور الفتن بسبب قتله
«وبشره بالجنة". ففتحت له؛ فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله. ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ: "افتح له وبشره بالجنة". ففتحت له؛ فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله. ثم استفتح رجل، فقال لي: "افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه". فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وهذا لفظ البخاري.
وعند مسلم: أن عثمان ﵁ قال: اللهم صبرا، أو: الله المستعان. وفي رواية لأحمد: فجعل يقول: اللهم صبرا حتى جلس
وعن نافع بن عبد الحارث ﵁؛ قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل حائطًا، فقال: "أمسك علي الباب". فجاء حتى جلس على القف ودلى رجليه، فضرب الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر. قال: "ائذن له وبشره بالجنة ". فدخل، فجلس مع رسول الله ﷺ على القف، ودلى رجليه في البئر. ثم ضرب الباب، فقلت: من هذا؟. قال: عمر. قلت: يا رسول الله! هذا عمر. قال: "ائذن له وبشره بالجنة". ففعلت، فجاء، فجلس مع رسول الله ﷺ على القف، ودلى رجليه في البئر. ثم ضرب الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان. قلت: يا رسول الله! هذا عثمان. قال: "ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء". فأذنت له وبشرته بالجنة، فجلس مع رسول الله ﷺ على القف، ودلى رجليه في البئر» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح".
قال ابن كثير: "هكذا وقع في هذه الرواية، فيحتمل أن أبا موسى ونافع بن عبد الحارث كانا موكلين بالباب أو أنها قصة أخرى ".
[ ١ / ١٥٤ ]
وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة: سمعت أبا سلمة ولا أعلمه إلا عن نافع بن عبد الحارث: «أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا، فجلس على قف البئر، فجاء أبو بكر، فاستأذن، فقال لأبي موسى: "ائذن له وبشره بالجنة". ثم جاء عمر، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة". ثم جاء عثمان، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة وسيلقى بلاء» .
قال ابن كثير: "وهذا السياق أشبه من الأول، على أنه قد رواه النسائي من حديث صالح بن كيسان عن أبي الزناد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن نافع بن عبد الحارث عن أبي موسى الأشعري. فالله أعلم". انتهى.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «كنت مع النبي ﷺ في حش من حشان المدينة، فاستأذن رجل، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه"؛ فإذا هو عثمان ﵁، فجعل يقول: اللهم صبرًا؛ حتى جلس. فقلت: أين أنا. فقال: "أنت مع أبيك» .
رواه البخاري في "التاريخ الكبير" بإسناد صحيح، ورواه الإمام أحمد بزيادة ونقص.
ورواه الطبراني، ولفظه: قال: «كنت عند النبي ﷺ بحش من حشان المدينة، فجاء رجل، فاستأذن، فقال: "قم فائذن له وبشره بالجنة". فقمت فأذنت له؛ فإذا هو أبو بكر، فبشرته بالجنة، فجعل يحمد الله حتى جلس. ثم جاء رجل فاستأذن فقال: "قم فائذن له وبشره بالجنة". فقمت فأذنت له؛ فإذا هو عمر، فأذنت له وبشرته بالجنة، فجعل يحمد الله حتى جلس. ثم جاء خفيض الصوت، فقال: "قم فائذن له وبشره بالجنة في بلوى تصيبه". فقمت فأذنت له؛ فإذا هو عثمان، فبشرته بالجنة على بلوى تصيبه، فقال: اللهم صبرًا؛ حتى جلس. قلت: يا رسول الله! فأين أنا؟ قال: "أنت مع أبيك» .
[ ١ / ١٥٥ ]
قال الهيثمي: "بعض رجال الطبراني وأحمد رجال الصحيح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «وقف رسول الله ﷺ بالأسواف وبلال معه، فدلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه، فجاء أبو بكر يستأذن، فقال: "يا بلال! ائذن له وبشره بالجنة ". فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ، ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخديه. ثم جاء عمر يستأذن، فقال: "ائذن له يا بلال وبشره بالجنة ". فدخل فجلس عن يسار رسول الله ﷺ، ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخديه. ثم جاء عثمان يستأذن، فقال: "ائذن له يا بلال وبشره بالجنة على بلوى تصيبه". فدخل عثمان، فجلس قبالة رسول الله ﷺ، ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخديه» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير شيخ الطبراني علي بن سعيد، وهو حسن الحديث".
(الأسواف): موضع بالمدينة شامي البقيع.
وعن زيد بن أرقم ﵁؛ قال: «بعثني رسول الله ﷺ فقال: "انطلق حتى تأتي أبا بكر، فتجده في بيته جالسًا محتبيًا، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول لك: أبشر بالجنة. ثم انطلق حتى تأتي الثنية، فتلقى عمر فيها على حمار تلوح صلعته، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول لك: أبشر بالجنة، ثم انطلق حتى تأتي السوق، فتلقى عثمان فيها يبيع ويبتاع، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد". فانطلقت إلى أبي بكر، فوجدته في بيته جالسًا محتبيًا كما قال رسول الله ﷺ، فقلت له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة. فقال: وأين رسول الله ﷺ؟ قلت: في مكان كذا وكذا. فقام إليه. ثم أتيت الثنية؛ فإذا فيها عمر على حمار تلوح صلعته كما قال رسول الله ﷺ،»
[ ١ / ١٥٦ ]
«فقلت: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة. فقال: وأين رسول الله ﷺ؟ قلت: في مكان كذا وكذا. فانطلق. ثم انطلقت حتى أتيت السوق، فلقيت عثمان فيها يبيع ويبتاع كما قال رسول الله ﷺ، فقلت: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد. فقال: وأين رسول الله ﷺ؟ فأخذ بيدي، فجئنا جميعًا حتى أتينا رسول الله ﷺ، فقال له عثمان: يا رسول الله! إن زيدًا أتاني فقال: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد؛ فأي بلاء يصيبني يا رسول الله؟ ! والذي بعثك بالحق ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك. فقال: "هو ذاك» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، وزاد فيه: «إن الله مقمصك قميصًا، فإذا أرادك المنافقون على خلعه؛ فلا تخلعه» . قال الهيثمي: "فيه عبد الأعلى بن أبي المساور، وقد ضعفه الجمهور، ووثق في رواية عن يحيى بن معين، والمشهور عنه تضعيفه وقد رواه البيهقي بنحوه، وقال: عبد الأعلى ضعيف".
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي سهلة عن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «"ادعوا لي بعض أصحابي ". قلت: أبو بكر؟ قال: "لا". قلت: عمر؟ قال: "لا". قلت: ابن عمك علي؟ قال: "لا". قالت: قلت: عثمان؟ قال: "نعم". فلما جاء قال: "تنحي". فجعل يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر فيها؛ قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ ! قال: لا؛ إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا، وإني صابر نفسي عليه» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد جيد، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ١٥٧ ]
وروى الترمذي طرفا من آخره، ولفظه: عن قيس: حدثني أبو سهلة؛ قال: قال لي عثمان يوم الدار: «إن رسول الله ﷺ قد عهد إلي عهدا؛ فأنا صابر عليه» .
ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه ابن ماجه عن قيس بن أبي حازم عن عائشة ﵂؛ قال رسول الله ﷺ في مرضه: «"وددت أن عندي بعض أصحابي". قلنا: يا رسول الله! ألا ندعو لك أبا بكر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال: "نعم". فجاء، فخلا به، فجعل النبي ﷺ يكلمه ووجه عثمان يتغير» . قال قيس: فحدثني أبو سهلة مولى عثمان: أن عثمان بن عفان ﵁ قال يوم الدار: " «إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا فأنا صائر إليه (وفي رواية: وأنا صابر عليه)» . قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم.
إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
وعن النعمان بن بشير ﵄ عن عائشة ﵂؛ قالت: «أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان، فأقبل عليه رسول الله ﷺ، فلما رأينا إقبال رسول الله ﷺ على عثمان؛ أقبلت إحدانا على الأخرى، فكان من آخر كلمة أن ضرب منكبه وقال: "يا عثمان! إن الله عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه؛ فلا تخلعه حتى تلقاني (ثلاثًا)» . فقلت لها: يا أم المؤمنين فأين كان هذا عنك؟ ! قالت: نسيته، والله ما ذكرته.
قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان، فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين: أن اكتبي إلي به، فكتبت إليه به كتابا.
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وهذا لفظ أحمد، ورواية
[ ١ / ١٥٨ ]
الترمذي مختصرة، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
ورواه الإمام أحمد أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن أبي قيس: حدثني النعمان بن بشير ﵄؛ قال: كتب معي معاوية إلى عائشة ﵂ كتابا، فدفعت إليها كتابه، فحدثتني أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول لعثمان: «إن الله لعله يقمصك قميصًا، فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه (ثلاث مرات)» . قال النعمان: فقلت ك يا أم المؤمنين فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بني! والله أنسيته.
إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح، وفيه أن عائشة ﵂ قالت للنعمان بن بشير ﵄: ألا أحدثك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى. قالت: «إني عنده ذات يوم أنا وحفصة، فقال ﷺ: "لو كان عندنا رجل يحدثنا". فقلت: يا رسول الله! أبعث إلى عمر فيجيء فيحدثنا؟ قالت: فسكت. قالت: فدعا رجلًا، فأشار إليه بشيء دوننا، فذهب فجاء بعثمان، فأقبل عليه بوجهه، فسمعته يقول ﷺ: "يا عثمان إن الله يقمصك قميصًا، فإن أرادوك على خلعه؛ فلا تخلعه (ثلاثًا)» . قلت: يا أم المؤمنين! فأين كنت عن هذا الحديث؟ قالت: يا بني! أنسيته كأني لم أسمعه قط.
ورواه الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي عبد الله الجسري؛ قال: دخلت على عائشة ﵂، فذكر الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال: «يا عثمان! عسى أن يقمصك الله قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه؛ فلا تخلعه (ثلاث مرات)» . فقال لها النعمان بن بشير: يا أم المؤمنين! أين كنت عن
[ ١ / ١٥٩ ]
هذا الحديث؟ ! فقالت: نسيته ورب الكعبة حتى قتل الرجل.
وفي رواية عند الطبراني أيضا: "فما فجأني إلا وعثمان جاث على ركبتيه قائلا: أظلما وعدوانا يا رسول الله؟ ! فحسبت أنه أخبره بقتله".
قال الهيثمي: "أحد إسنادي الطبراني حسن".
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن كناسة الأسدي أبو يحيى: حدثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه؛ قال: بلغني أن عائشة ﵂؛ قالت: ما استمعت رسول الله ﷺ إلا مرة؛ فإن عثمان جاءه في نحر الظهيرة، فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه، فسمعته يقول: «إن الله ملبسك قميصًا تريدك أمتي على خلعه؛ فلا تخلعه» . فلما رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلا خلعه؛ علمت أنه عهد من رسول الله ﷺ الذي عهد إليه.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل، فقال: "يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلومًا". قال: فنظرت؛ فإذا هو عثمان بن عفان» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن موسى بن عقبة؛ قال: حدثني جدي أبو أمي أبو حبيبة: أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة ﵁ يستأذن عثمان في الكلام، فأذن له فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافًا". فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ ! قال: "عليكم بالأمين وأصحابه"، وهو يشير إلى عثمان بذلك» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد
[ ١ / ١٦٠ ]
ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وفي رواية الحاكم: قال: «عليكم بالأمير وأصحابه» .
ورواه الحاكم أيضا من حديث موسى ومحمد وإبراهيم بني عقبة؛ قالوا: حدثنا أبو أمنا أبو حسنة؛ قال: شهدت أبا هريرة فذكره بنحو ما تقدم، وصححه هو والذهبي.
وعن عبد الله بن حوالة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «" يابن حوالة: كيف تفعل في فتن تخرج من أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ ! " قلت: لا أدري؛ ما خار الله لي ورسوله. قال: "اتبعوا هذا" ورجل مقفي حينئذ، فانطلقت فسعيت، فأخذت بمنكبه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ؛ قلت: هذا؟ قال: "نعم". فإذا هو عثمان بن عفان» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
وعن مرة البهزي ﵁؛ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة، فقال: «"كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟ ! " قالوا: نصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: "عليكم هذا وأصحابه (أو: اتبعوا هذا وأصحابه) " قال: فأسرعت حتى عييت، فأدركت الرجل، فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: "هذا ". فإذا هو عثمان بن عفان» .
رواه: الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه.
وعن أبي الأشعث الصنعاني: أن خطباء قامت بالشام، وفيهم رجال من أصحاب النبي ﷺ، فقام آخرهم رجل يقال له: مرة بن كعب ﵁، فقال: «لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ؛ ما قمت، وذكر الفتن فقربها، فمر رجل مقنع في ثوب، فقال: "هذا يومئذ على الهدى". فقمت إليه؛ فإذا هو»
[ ١ / ١٦١ ]
«عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه، فقلت: هذا؟ قال: "نعم» .
رواه: الترمذي، والحاكم، وهذا لفظ الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن ابن عمر وعبد الله بن حوالة وكعب بن عجرة ". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الطبراني من حديث جبير بن نفير؛ قال: بينا نحن معسكرين مع معاوية ﵁ بعد قتل عثمان ﵁، فقام مرة بن كعب البهزي ﵁، فقال: أنا والله لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ؛ ما قمت هذا المقام. فلما سمع معاوية ﵁ ذكر رسول الله ﷺ؛ أجلس الناس؛ قال: «بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس؛ إذ مر بنا عثمان بن عفان مترجلًا، فقال رسول الله ﷺ: "لتخرجن فتنة من تحت رجلي (أو من تحت قدمي) هذا، ومن اتبعه يومئذ على الهدى". فقمت حتى أخذت بمنكبي عثمان حتى بينته إلى رسول الله ﷺ، فقلت: هذا؟ قال: "نعم؛ هذا ومن اتبعه يومئذ على الهدى» . فقام عبد الله بن حوالة الأزدي من عند المنبر، فقال: إنك لصاحب هذا. قال: نعم. قال: أما والله إني حاضر ذلك المجلس، ولو كنت أعلم أن لي في الجيش مصدقا لكنت أول من تكلم به. قال الهيثمي: "رجاله وثقوا".
وعن كعب بن عجرة ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها وعظمها. قال: ثم مر رجل مقنع في ملحفة، فقال: "هذا يومئذ على الحق". قال: فانطلقت مسرعًا أو محضرًا، وأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: "هذا". فإذا هو عثمان بن عفان» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه.
وعن جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ ذكر فتنة، فقال أبو بكر: أنا»
[ ١ / ١٦٢ ]
«أدركها؟ فقال: "لا". فقال عمر: أنا يا رسول الله أدركها؟ قال: "لا". فقال عثمان: يا رسول الله! فأنا أدركها؟ قال: "بك يبتلون» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه ماعز التميمي، ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد، وبقية رجاله ثقات".
وعن عثمان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنك ستبتلى بعدي؛ فلا تقاتلن» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وشيخه غير منسوب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وقد رواه الحافظ الضياء المقدسي من طريق أبي يعلى وصححه".
وعن أبي عون الأنصاري: أن عثمان بن عفان ﵁ قال لابن مسعود ﵁: هل أنت منته عما بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر، فقال عثمان: ويحك! إني قد سمعت وحفظت وليس كما سمعت، إن رسول الله ﷺ قال: «سيقتل أمير وينتزي منتز» . وإني أنا المقتول وليس عمر، إنما قتل عمر واحد وإنه يجتمع علي.
رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات؛ إلا أنه منقطع بين عثمان وأبي عون.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن ماجه.
وعن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من نجا من ثلاث؛ فقد نجا (ثلاث مرات): موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي:
[ ١ / ١٦٣ ]
"ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير ربيعة بن لقيط، وهو ثقة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عقبة بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من نجا منها؛ فقد نجا: من نجا عند موتي فقد نجا، ومن نجا عند قتل خليفة يقتل مظلومًا وهو مصطبر يعطي الحق من نفسه؛ فقد نجا، ومن نجا من فتنة الدجال فقد نجا» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه إبراهيم بن يزيد المصري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن عمر بن ربيعة: أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى كعب الأحبار، فقال: "يا كعب! كيف تجد نعتي؟ ". قال: أجد نعتك قرنا من حديد. قال: "وما قرن من حديد؟ ! ". قال: أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: "ثم مه؟ ". قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة. قال: "ثم مه؟ ". قال: ثم يكون البلاء.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن ثمامة بن حزن القشيري؛ قال: «شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان ﵁، فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي. قال: فجيء بهما كأنهما جملان (أو كأنهما حماران) . قال: فأشرف عليهم عثمان ﵁، فقال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله: "من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة "، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر. قالوا: اللهم نعم. فقال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أن المسجد»
[ ١ / ١٦٤ ]
«ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ: "من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة"، فاشتريتها من صلب مالي، وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين. قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم. ثم قال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض. قال: فركضه برجله، فقال: "اسكن ثبير؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". قالوا: اللهم نعم. قال: الله أكبر! شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد (ثلاثًا)» .
رواه: الترمذي، والنسائي، وعبد الله ابن الإمام أحمد، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وقد روي من غير وجه عن عثمان ﵁ ".
وعن عبد الملك بن عمير عن ابن أخي عبد الله بن سلام؛ قال: "لما أريد عثمان ﵁؛ جاء عبد الله بن سلام ﵁، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك. قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني؛ فإنك خارج خير لي منك داخل. قال: فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس، فقال: أيها الناس! إنه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسماني رسول الله ﷺ عبد الله، ونزلت في آيات من كتاب الله، نزلت في: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، ونزلت في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، إن لله سيفا مغمودا عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم؛ فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فوالله إن قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة، ولتسلن سيف الله المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة. قال: فقالوا: اقتلوا اليهودي، واقتلوا عثمان ".
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب". قال: "وقد رواه شعيب بن
[ ١ / ١٦٥ ]
صفوان عن عبد الملك بن عمير عن ابن محمد بن عبد الله بن سلام عن جده عبد الله بن سلام ".
قلت: وهذه الرواية عند الطبراني من طريق عبد الملك بن عمير: أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام استأذن على الحجاج بن يوسف، فأذن له، فدخل وسلم، وأمر رجلين مما يلي السرير أن يوسعا له، فأوسعا له، فجلس، فقال له الحجاج: لله أبوك، أتعلم حديثا حدثه أبوك عبد الملك بن مروان عن جدك عبد الله بن سلام؟ قال: فأي حديث؟ قال: حديث المصريين حين حصروا عثمان. قال: قد علمت ذلك الحديث: "أقبل عبد الله بن سلام ﵁ وعثمان ﵁ محصور، فانطلق، فدخل عليه، فوسعوا له حتى دخل، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال: وعليك السلام، ما جاء بك يا عبد الله بن سلام؟ ! قال: جئت لأثبت حتى أستشهد أو يفتح الله لك، ولا أرى هؤلاء القوم إلا قاتلوك، فإن يقتلوك فذاك خير لك وشر لهم. فقال عثمان: أسألك بالذي لي عليك من الحق؛ لما خرجت إليهم؛ خير يسوقه الله بك، وشر يدفعه الله بك. فسمع وأطاع، فخرج عليهم، فلما رأوه اجتمعوا وظنوا أنه قد جاءهم ببعض ما يسرون به، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ فإن الله ﷿ بعث محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا؛ يبشر بالجنة من أطاعه، وينذر بالنار من عصاه، وأظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، ثم اختار له المساكن، فاختار له المدينة، فجعلها دار الهجرة، وجعلها دار الإيمان، فوالله ما زالت الملائكة حافين بالمدينة منذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم، وما زال سيف الله مغمودا عنكم مذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم. ثم قال: إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، فمن اهتدى؛ فإنما يهتدي بهدى الله، ومن ضل؛ فإنما يضل بعد البيان والحجة، وإنه لم يقتل نبي فيما مضى؛ إلا قتل به سبعون ألف مقاتل؛ كلهم يقتل به، ولا قتل خليفة قط؛ إلا
[ ١ / ١٦٦ ]
قتل به خمسة وثلاثون ألف مقاتل؛ كلهم يقتل به، فلا تعجلوا على هذا الشيخ بقتل، فوالله لا يقتله رجل منكم؛ إلا لقي الله يوم القيامة ويده مقطوعة مشلولة، واعلموا أنه ليس لوالد على ولد حق إلا لهذا الشيخ عليكم مثله. قال: فقاموا، فقالوا: كذبت اليهود، كذبت اليهود. فقال: كذبتم والله، وأنتم آثمون، ما أنا بيهودي، وإني لأحد المسلمين، يعلم الله بذلك ورسوله والمؤمنون، وقد أنزل الله في القرآن: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، وقد أنزل الآية الأخرى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . قال: فقاموا، فدخلوا على عثمان فذبحوه كما يذبح الحلان. قال شعيب: فقلت لعبد الملك بن عمير: ما الحلان؟ ! قال: الحمل. قال: وقد قال عثمان لكثير بن الصلت: يا كثير! أنا والله مقتول غدا. قال: بل يعلي الله كعبك ويكبت عدوك. قال: ثم أعادها الثالثة، فقال مثل ذلك. قال: عم تقول يا أمير المؤمنين؟ ! قال: رأيت رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، فقال لي: يا عثمان! أنت عندنا غدا، وأنت مقتول غدا؛ فأنا والله مقتول. قال: فقتل، فخرج عبد الله بن سلام إلى القوم قبل أن يتفرقوا، فقال: يا أهل مصر! يا قتلة عثمان! قتلتم أمير المؤمنين، أما والله؛ لا يزال عهد منكوث ودم مسفوح ومال مقسوم، لا سقيتم".
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وعن عبد الله بن سلام ﵁: "أنه قال حين هاج الناس في أمر عثمان: أيها الناس! لا تقتلوا هذا الشيخ واستعتبوه؛ فإنه لن تقتل أمة نبيها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء سبعين ألفا منهم، ولن تقتل أمة خليفتها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء أربعين ألفا منهم، فلم ينظروا فيما قال، وقتلوه. فجلس لعلي في الطريق، فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أرض العراق. قال: لا تأت
[ ١ / ١٦٧ ]
العراق، وعليك بمنبر رسول الله ﷺ. فوثب إليه أناس من أصحاب علي، وهموا به، فقال علي ﵁: دعوه؛ فإنه منا أهل البيت. فلما قتل علي ﵁؛ قال عبد الله لابن معقل: هذه رأس الأربعين، وسيكون على رأسها صلح، ولن تقتل أمه نبيها؛ إلا قتل به سبعون ألفا، ولن تقتل أمة خليفتها؛ إلا قتل به أربعون ألفا".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن عبد الرحمن بن جبير؛ قال: "سمع عبد الله بن سلام ﵁ رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان، فلم ينتطح فيه عنزان. فقال ابن سلام ﵁: أجل؛ إن البقر والمعز لا تنطح في قتل الخليفة، ولكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح، والله ليقتلن به أقوام إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد".
رواه محمد بن عائذ، وذكره ابن كثير في "تاريخه".
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: "قال رجل لما قتل عثمان: لا ينتطح فيه عنزان. قلت: بلى وتفقأ فيها عيون كثيرة".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن قيس بن عباد؛ قال: سمعت عليا ﵁ يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة، فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله ﷺ: «ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة»، وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد. فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه. ثم جاءت عزيمة فبايعت؛ فلقد قالوا: يا أمير المؤمنين! فكأنما صدع
[ ١ / ١٦٨ ]
قلبي، وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن محمد بن حاطب: أنه قال لعلي ﵁: إنا قادمون المدينة والناس سائلونا عن عثمان؛ فماذا نقول فيه؟ قال: فتكلم عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر فقالا وقالا، فقال لهما علي: يا عمار! ويا محمد! تقولان: إن عثمان استأثر وأساء الإمرة، وعاقبتم والله فأسأتم العقوبة، وستقدمون على حكم عدل يحكم بينكم. ثم قال: "يا محمد بن حاطب! إذا قدمت المدينة، وسئلت عن عثمان؟ قل: كان والله من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين، وعلى الله فليتوكل المؤمنون".
رواه الحاكم في "مستدركه".
وعن ميمون بن مهران: أنه ذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما يسرني أني أخذت سيفي في قتل عثمان وأن لي الدنيا وما فيها ".
رواه الحاكم في "مستدركه".
وعن طلق بن خشاف؛ قال: "وفدنا إلى المدينة لننظر فيم قتل عثمان، فانطلقت حتى أتيت عائشة ﵂، فسلمت عليها، فردت السلام وقالت: من الرجل؟ قلت: من أهل البصرة. قالت: ومن أي أهل البصرة؟ قلت: من بكر بن وائل. فقالت: ومن أي بكر بن وائل؟ فقلت: من بني قيس بن ثعلبة. فقالت: من آل فلان؟ فقلت لها: يا أم المؤمنين! فيم قتل عثمان أمير المؤمنين؟ قالت: قتل والله مظلوما، لعن الله قتلته، أقاد الله من ابن أبي بكر به، وساق الله إلى أعين بني تميم هوانا في بيته، وأراق الله دماء ابني بديل على ضلالة، وساق الله إلى الأشتر سهما من سهامه. فوالله؛ ما من القوم رجل إلا
[ ١ / ١٦٩ ]
أصابته دعوتها".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير طلق، وهو ثقة".
وقد روى البخاري في "التاريخ الكبير" طرفا منه، وهو قول عائشة في عثمان: "إنه قتل مظلوما، ولعن الله قتلته".
وعن محمد بن سيرين: "أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكعبا ركبا سفينة في البحر، فقال محمد: يا كعب! أما تجد سفينتنا هذه في التوراة كيف تجري؟ قال: لا؛ ولكن أجد فيها رجلا أشقى الفتية من قريش، ينزو في الفتنة نزو الحمار؛ فاتق لا تكن أنت هو". قال ابن سيرين: "فزعموا أنه كان هو".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره".
ذكره ابن كثير في "تاريخه" عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة، وقد رواه: ابن أبي شيبة مختصرا، وابن عساكر في "تاريخه" مطولا بنحو ما ذكر هاهنا.
وعن محمد بن سيرين: أن حذيفة ﵁ قال: "اللهم إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا؛ فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شرا فأنا منه بريء، والله لئن كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا، وإن كان قتله شرا ليمتص به دما".
[ ١ / ١٧٠ ]
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن أبي عبد الله البحراني: "أن حذيفة بن اليمان ﵄ في مرضه الذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته، ففتح عينيه، فسألهما؟ فقالا خيرا. فقال: إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير! قال: قتل الرجل (يعني: عثمان) . قال: فرجع، ثم قال: اللهم إني كنت من هذا الأمر بمعزل، فإن كان خيرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان. الحمد لله الذي سبق بي الفتن قادتها وعلوجها".
رواه محمد بن عائذ، وذكره ابن كثير في "تاريخه".
وعن الحسن؛ قال: لما حضر حذيفة الموت؛ قال: "الحمد لله الذي سبق بي الفتنة قادتها وعلوجها".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن قتادة عن أبي موسى الأشعري ﵁: أنه قال: "لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا، فاحتلبت به الأمة دما".
رواه الحسن بن عرفة، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أنه منقطع بين قتادة وأبي موسى.
وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: سمعت سعيد بن زيد ﵁ يقول: "لقد رأيتني وإن عمر موثقي على الإسلام، ولو انقض أحد مما فعلتم بعثمان كان محقوقا أن ينقض".
رواه البخاري، وفي رواية: "ولو أن أحدا ارفض للذي صنعتم بعثمان؛ لكان محقوقا أن يرفض ".
[ ١ / ١٧١ ]
ومعنى (ارفض): زال من مكانه، ومعنى (انقض): سقط.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وإنما قال ذلك سعيد لعظم قتل عثمان، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ".
وعن زهدم الجرمي؛ قال: "خطب ابن عباس ﵄، فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء".
رواه محمد بن سعد، وذكره ابن كثير في "تاريخه"، قال: "وقد روي من غير هذا الوجه عنه".
باب
ما جاء في واقعة الجمل ومسير عائشة ﵂ إلى العراق
عن مطرف - وهو ابن عبد الله بن الشخير - قال: قلت للزبير ﵁: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ ! قال الزبير: "إنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت".
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، وقد تقدم ذكره وذكر ما رواه الحسن عن الزبير في ذلك.
وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: " جاء الزبير ﵁ إلى عمر ﵁ يستأذنه في الغزو. فقال عمر: اجلس في بيتك، فقد غزوت مع رسول الله ﷺ ". قال: "فردد ذلك عليه، فقال عمر في الثالثة أو التي تليها: اقعد في
[ ١ / ١٧٢ ]
باب ما جاء في واقعة الجمل ومسير عائشة ﵂ إلى العراق
بيتك؛ فوالله إني لأجد بطرف المدينة منك ومن أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمد ﷺ ".
رواه: البزار، والحاكم في "مستدركه"، وصححه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة، ودعواهما واحدة» .
متفق عليه.
وعن الشعبي؛ قال: "قالت عائشة ﵂ لأبي بكر ﵁: إني رأيت بقرا تنحر حولي. قال: إن صدقت رؤياك قتلت حولك فئة".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"، وابن أبي الدنيا.
وعن مسروق؛ قال: "قالت لي عائشة ﵂: إني رأيتني على تل وحولي بقر تنحر. فقلت لها: لئن صدقت رؤياك لتكونن حولك ملحمة. قالت: أعوذ بالله من شرك، بئس ما قلت. فقلت لها: فلعله إن كان أمرا سيسوؤك. فقالت: والله لئن أخر من السماء أحب إلي من أن أفعل ذلك " الحديث. رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: " لو حدثتكم أن أمكم تغزوكم أتصدقوني؟ ! ". قالوا: أوحق ذلك؟ ! قال: "نعم".
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن عساكر في "تاريخه".
وعنه ﵁: أنه قال لرجل: "ما فعلت أمك؟ ". قال: قد ماتت قال: "أما إنك ستقاتلها". فعجب الرجل من ذلك حتى خرجت عائشة.
[ ١ / ١٧٣ ]
رواه ابن أبي شيبة.
وعن خيثمة بن عبد الرحمن؛ قال: "كنا عند حذيفة ﵁، فقال بعضنا: حدثنا يا أبا عبد الله ما سمعت من رسول الله ﷺ. قال: لو فعلت لرجمتموني". قال: "قلنا: سبحان الله! أنحن نفعل ذلك؟! قال: أرأيتكم لو حدثتكم أن بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة كثير عددها شديد بأسها؛ صدقتم به؟ قالوا: سبحان الله! ومن يصدق بهذا؟ ! ثم قال حذيفة: أتتكم الحميراء في كتيبة، يسوقها أعلاجها، حيث تسوء وجوهكم. ثم قام فدخل مخدعا".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن زيد بن وهب؛ قال: "بينا نحن حول حذيفة ﵁؛ إذ قال: كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم ﷺ فرقتين يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ ! فقلنا: يا أبا عبد الله! وإن ذلك لكائن؟ ! فقال بعض أصحابه: يا أبا عبد الله! فكيف نصنع إن أدركنا ذلك الزمان؟ قال: انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر علي فالزموها؛ فإنها على الهدى".
رواه البزار. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه سيكون بعدي اختلاف أو أمر، فإن استطعت أن تكون السلم؛ فافعل» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"، ورواته ثقات.
وعن أبي رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر. قال: أنا يا رسول الله؟ قال: "نعم". قال: أنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكن إذا كان ذلك؛ فارددها إلى مأمنها» .
[ ١ / ١٧٤ ]
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: «ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال لها: "انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت" ثم التفت إلى علي، وقال: "يا علي! إن وليت من أمرها شيئًا؛ فارفق بها» .
رواه: الحاكم، والبيهقي. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال ابن كثير: "هذا حديث حسن غريب جدا".
قلت: وله شاهد مما قبله وما بعده.
وعن قيس بن أبي حازم: «أن عائشة ﵂ لما نزلت على الحوأب؛ سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول لنا: "أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب؟ ! ". فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه".
قال الحافظ ابن حجر: "وسنده على شرط الصحيح".
وقال الهيثمي: "رجال أحمد رجال الصحيح".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ لنسائه: «ليت شعري! أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فينبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعدما كادت؟ !» .
رواه البزار. قال الهيثمي والحافظ ابن حجر: "رجاله ثقات". ورواه أيضا ابن أبي شيبة بنحوه.
[ ١ / ١٧٥ ]
(الأدبب): بهمزة مفتوحة ودال ساكنة ثم موحدتين الأولى مفتوحة.
قال ابن الأثير: "أراد الأدب، فأظهر الإدغام لأجل الحوأب، والأدب: الكثير وبر الوجه". قال: "والحوأب: منزل بين مكة والبصرة".
قلت: وهو بفتح الحاء وسكون الواو وبعدها همزة ثم موحدة. وفي رواية لأحمد: أنه من مياه بني عامر.
وعن عمير بن سعيد؛ قال: "كنا جلوسا مع ابن مسعود وأبو موسى عنده، وأخذ الوالي رجلا فضربه وحمله على جمل، فجعل الناس يقولون: الجمل الجمل. فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن! هذا الجمل الذي كنا نسمع؟ ! قال: فأين البارقة".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
(البارقة): السيوف؛ يريد أن الجمل الذي كانوا يسمعون عنه يكون عنده مقتلة تبرق فيها السيوف؛ أي: تلمع عند الضرب بها، وليس هذا به.
وعن الحسن - وهو البصري - عن أبي بكرة ﵁؛ قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي ﷺ أن فارسا ملكوا ابنة كسرى؛ قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ الترمذي؛ قال: «لقد عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله ﷺ، لما هلك كسرى؛ قال: "من استخلفوا؟ " قالوا: ابنته. فقال النبي ﷺ: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» . قال: فلما قدمت عائشة - يعني: البصرة - ذكرت قول رسول الله، فعصمني الله به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ١ / ١٧٦ ]
ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه، ورواه أيضا من وجه آخر، ولفظه: قال: لما كان يوم الجمل؛ أردت أن آتيهم أقاتل معهم، حتى ذكرت حديثا سمعته رسول الله ﷺ: أنه بلغه أن كسرى أو بعض ملوك الأعاجم مات فولوا أمرهم امرأة، فقال رسول الله ﷺ: «لا يفلح قوم تملكهم امرأة» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقد تقدم أن البخاري رواه، ولكن بغير هذا اللفظ.
وقد رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن أبي بكرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» .
عيينة وأبوه كل منهما ثقة.
وروى: ابن أبي شيبة، والبزار، والبيهقي؛ بإسناد ضعيف عن أبي بكرة ﵁: أنه قيل له: ما منعك أن تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم هلكى لا يفلحون، قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة» .
قال ابن كثير: "وهذا منكر جدا".
وروى عمر بن شبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن: أن عائشة ﵂ أرسلت إلى أبي بكرة ﵁، فقال: إنك لأم، وإن حقك لعظيم، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» .
وعن عبد الله بن زياد الأسدي؛ قال: "لما سار طلحة والزبير وعائشة ﵃ إلى البصرة؛ بعث علي ﵁ عمار بن ياسر وحسن بن علي ﵄، فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن بن
[ ١ / ١٧٧ ]
علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك تعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي".
رواه البخاري.
وعن أبي وائل؛ قال: "قام عمار ﵁ على منبر الكوفة، فذكر عائشة، وذكر مسيرها، وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم".
رواه: الإمام احمد، والبخاري، وهذا لفظه.
وعن أبي وائل أيضا؛ قال: "كنت جالسا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار ﵃، فقال أبو مسعود: ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه؛ غيرك، وما رأيت منك شيئا منذ صحبت رسول الله ﷺ أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر. قال عمار: يا أبا مسعود! وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئا منذ صحبتما رسول الله ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر. فقال أبو مسعود - وكان موسرا -: يا غلام! هات حلتين، فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عمارا، وقال: روحا فيه إلى الجمعة".
رواه: الإمام احمد، والبخاري.
وعن أبي يزيد المدينى؛ قال: "قال عمار بن ياسر ﵁ لعائشة ﵂ لما فرغوا من الجمل: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكم (يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ . فقالت: أبو اليقظان؟ قال: نعم. قالت: والله إنك - ما علمت - لقوال بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك".
[ ١ / ١٧٨ ]
رواه ابن جرير. قال الحافظ ابن حجر: "وسنده صحيح".
وعن هشام وقيس وعن عائشة ﵂؛ قالت: "وددت أني كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام وأني لم أسر مسيري مع ابن الزبير ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن محمد بن قيس؛ قال: "ذكر لعائشة ﵂ يوم الجمل. قالت: والناس يقولون: يوم الجمل؟ ! قالوا: نعم. قالت: وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي، وكان أحب إلي أن أكون ولدت من رسول الله ﷺ بضع عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومثل عبد الله بن الزبير ".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه أبو معشر نجيح، وهو ضعيف يكتب حديثه، وبقية رجاله ثقات".
وعن قتادة؛ قال: «"لما ولى الزبير ﵁ يوم الجمل؛ بلغ عليًا ﵁، فقال: لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولى. وذلك أن النبي ﷺ لقيهما في سقيفة بني ساعدة، فقال: "أتحبه يا زبير؟ ". فقال: وما يمنعني؟ ! قال: "فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له؟ ! "» . قال: "فيرون أنه إنما ولى لذلك".
رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وهو مرسل صحيح الإسناد.
وعن أبي جرو المازني؛ قال: «شهدت عليًا والزبير ﵄ حين تواقفا، فقال له علي: يا زبير! أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنك تقاتلني وأنت ظالم"؟ ! قال: نعم. ولم أذكر إلا في موقفي هذا» . ثم انصرف.
[ ١ / ١٧٩ ]
رواه: أبو يعلى، والبيهقي؛ بإسناد ضعيف.
وعن يزيد الفقير عن أبيه وعن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن أبيه - دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه - قالا: «لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض؛ خرج علي ﵁ وهو على بغلة رسول الله ﷺ، فنادى: ادعوا لي الزبير بن العوام؛ فإني علي، فدعي له الزبير، فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال علي: يا زبير! نشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ﷺ ونحن في مكان كذا وكذا، فقال: "يا زبير! تحب عليًا؟ ". فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني؟ ! فقال: "يا علي! أتحبه؟ ". فقلت: يا رسول الله! ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني؟ فقال: "يا زبير! أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له". فقال الزبير: بلى، والله؛ لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله ﷺ، ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك.» فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله بن الزبير، فقال: ما لك؟ فقال: ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: «لتقاتلنه وأنت ظالم له»؛ فلا أقاتله. فقال: وللقتال جئت؟ ! إنما جئت لتصلح بين الناس ويصلح الله بك هذا الأمر. قال: قد حلفت أن لا أقاتله. قال: فأعتق غلامك خير وقف حتى تصلح بين الناس. فأعتق غلامه، ووقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه.
رواه البيهقي. قال ابن كثير: "وهو غريب".
وعن عبد الرحمن بن أبزى؛ قال: "انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة ﵂ يوم الجمل وهي في الهودج، فقال: يا أم المؤمنين! أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان، فقلت: ما تأمريني؟ فقلت: الزم عليا؟ فسكتت. فقال: اعقروا الجمل! فعقروه، فنزلت أنا وأخوها محمد، فاحتملنا هودجها، فوضعناه بين يدي علي، فأمر بها، فأدخلت بيتا".
[ ١ / ١٨٠ ]
رواه ابن أبي شيبة، قال الحافظ ابن حجر: "وسنده جيد".
وعن عمرة بنت عبد الرحمن؛ قالت: "لما سار علي ﵁ إلى البصرة؛ دخل على أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ يودعها، فقالت: سر في حفظ الله وفي كنفه؛ فوالله إنك لعلى الحق والحق معك، ولولا أني أكره أن أعصي الله ورسوله ﷺ؛ فإنه أمرنا ﷺ أن نقر في بيوتنا؛ لسرت معك، ولكن والله لأرسلن معك من هو أفضل عندي وأعز علي من نفسي، ابني عمر ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي سعيد التيمي عن أبي ثابت مولى أبي ذر؛ قال: كنت مع علي ﵁ يوم الجمل، فلما رأيت عائشة ﵂ واقفة؛ دخلني بعض ما يدخل الناس، فكشف الله عني ذلك عند صلاة الظهر، فقاتلت مع أمير المؤمنين، فلما فرغ ذهبت إلى المدينة، فأتيت أم سلمة ﵂، فقلت: إني والله ما جئت أسأل طعاما ولا شرابا ولكني مولى لأبي ذر. فقالت: مرحبا. فقصصت عليها قصتي، فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عني عند زوال الشمس. قالت: أحسنت؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، وأبو سعيد التيمي هو عقيصاء: ثقة مأمون، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قلت: عقيصاء اسمه دينار: قال النسائي: "ليس بالقوي". وقال البخاري: "يتكلمون فيه". وذكر الذهبي في "الميزان" عن الدارقطني أنه قال: "متروك الحديث". وقال السعدي: "غير ثقة". وذكر ابن حجر في "لسان
[ ١ / ١٨١ ]
الميزان" عن ابن معين أنه قال: "ليس بشيء". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": "متروك الحديث".
وعلى هذا ففي تصحيح الحاكم والذهبي لهذا الحديث نظر، والله أعلم.
وعن جري بن سمرة؛ قال: "لما كان من أهل البصرة الذي كان بينهم وبين علي بن أبي طالب ﵁؛ انطلقت حتى أتيت المدينة، فأتيت ميمونة بنت الحارث ﵂، وهي من بني هلال، فسلمت عليها، فقالت: ممن الرجل؟ قلت: من أهل العراق. قالت: من أي أهل العراق؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت: من أي أهل الكوفة؟ قلت: من بني عامر. قالت: مرحبا؛ قربا على قرب، ورحبا على رحب، فمجيء ما جاء بك؟ قلت: كان بين علي وطلحة الذي كان، فأقبلت فبايعت عليا. قالت: فالحق به؛ فوالله ما ضل ولا ضل به؛ حتى قالتها ثلاثا".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير جري بن سمرة، وهو ثقة".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: كنا عند بيت النبي ﷺ في نفر من المهاجرين والأنصار، فقال: «ألا أخبركم بخياركم؟ ". قالوا: بلى. قال: "الموفون المطيبون، إن الله يحب الخفي التقي". قال: ومر علي بن أبي طالب ﵁، فقال: "الحق مع ذا، الحق مع ذا» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وسيأتي حديث سعد بن أبي وقاص وأم سلمة ﵄ بنحوه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.
وعن قيس بن عباد؛ قال: "قال علي ﵁ لابنه الحسن بن علي
[ ١ / ١٨٢ ]
يوم الجمل: يا حسن! ليت أباك مات منذ عشرين سنة. قال: فقال له الحسن: يا أبت! قد كنت أنهاك عن هذا. قال: يا بني! لم أر أن الأمر يبلغ هذا".
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن محمد بن حاطب: "أن الحسن بن علي ﵄؛ قال: يا أبت! قد كنت أنهاك عن هذا المسير؛ فغلبك على رأيك فلان وفلان. قال: قد كان ذاك يا بني، ولوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة".
رواه الحاكم في "مستدركه".
باب
ما جاء في وقعة صفين وقتل عمار بن ياسر ﵁
عن حرملة بن عمران؛ قال: سمعت يزيد بن أبي حبيب يحدث محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي؛ قال: "اصطحب قيس بن خرشة وكعب ذو الكتابين (يعني: كعب الأحبار، وإنما سماه ذا الكتابين لأنه قرأ التوراة والقرآن)، حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ساعة، فقال: لا إله إلا الله؛ ليهراقن من دماء المسلمين بهذه البقعة شيء لا يهراق ببقعة من الأرض. فغضب قيس، ثم قال: وما يدريك يا أبا إسحاق ما هذا؟ هذا من الغيب الذي استأثر الله به! فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا وهو مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج فيه إلى يوم القيامة".
رواه: الحسن بن سفيان في "مسنده"، والطبراني، وابن عبد البر في "الاستيعاب"، وهو مرسل.
وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا»
[ ١ / ١٨٣ ]
باب ما جاء في وقعة صفين وقتل عمار بن ياسر ﵁
«تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة، ودعواهما واحدة» .
متفق عليه.
وتقدم أيضا قول حذيفة ﵁: "انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر علي؛ فالزموها؛ فإنها على الهدى".
رواه البزار. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وتقدم أيضا قول أم سلمة ﵂ لعلي ﵁: "إنك لعلى الحق، والحق معك".
رواه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وتقدم أيضا حديث أبي ثابت مولى أبي ذر عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «علي مع القرآن والقرآن مع علي» .
رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وتقدم أيضا حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «أن عليًا ﵁ لما مر من عند النبي ﷺ؛ قال النبي ﷺ: "الحق مع ذا، الحق مع ذا» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وتقدم أيضا حديث جري بن سمرة عن ميمونة ﵂: أنها أمرته أن يلحق بعلي ﵁، وقالت: «والله ما ضل ولا ضل به» .
رواه الطبراني.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" عن جري بن كليب العامري؛ قال: "لما
[ ١ / ١٨٤ ]
سار علي ﵁ إلى صفين كرهت القتال، فأتيت المدينة، فدخلت على ميمونة بنت الحارث ﵂، فقالت: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت: من أيهم؟ قلت: من بني عامر. قالت: رحبا على رحب، وقربا على قرب؛ فمجيء ما جاء بك؟ قال: قلت: سار علي إلى صفين، وكرهت القتال، فجئنا إلى هاهنا. قالت: أكنت بايعته؟ قال: قلت: نعم. قالت: فارجع إليه؛ فكن معه، فوالله ما ضل ولا ضل به".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، تمرق بينهما مارقة، يقتلها أولاهما بالحق» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن.
وعن محمد بن إبراهيم التيمي: أن فلانا دخل المدينة حاجا، فأتاه الناس يسلمون عليه، فدخل سعد ﵁، فسلم، فقال: وهذا لم يعنا على حقنا على باطل غيرنا. قال: فسكت عنه. فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: هاجت فتنة وظلمة، فقلت لبعيري: إخ! إخ! فأنخت حتى انجلت، فقال رجل: إني قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره، فلم أر فيه: إخ! إخ! فقال: أما إذ قلت ذاك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «علي مع الحق (أو: الحق مع علي) حيث كان» . قال: من سمع ذلك؟ قال: قاله في بيت أم سلمة. قال: فأرسل إلى أم سلمة ﵂، فسألها؟ فقالت: قد قاله رسول الله ﷺ في بيتي. فقال الرجل لسعد: ما كنت عندي قط ألوم منك الآن. فقال: ولم؟ قال: لو سمعت هذا من النبي ﷺ لم أزل خادما لعلي حتى أموت.
[ ١ / ١٨٥ ]
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه سعد بن شبيب، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وقد ذكره ابن كثير في "تاريخه" عن كثير النواء عن عبد الله بن بديل؛ قال: دخل سعد ﵁ على معاوية ﵁، فقال له: ما لك لم تقاتل معنا؟ فقال: إني مرت بي ريح مظلمة، فقلت: إخ! إخ! فأنخت راحلتي حتى انجلت عني، ثم عرفت الطريق فسرت. فقال معاوية ﵁: ليس في كتاب الله إخ! إخ! ولكن قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، فوالله ما كنت مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية. فقال سعد ﵁: ما كنت لأقاتل رجلا قال له رسول الله ﷺ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى؛ غير أنه لا نبي بعدي» . فقال معاوية: من سمع هذا معك؟ ! فقال: فلان وفلان وأم سلمة. فقال معاوية: أما إني لو سمعته منه ﷺ لما قاتلت عليا.
وفي رواية من وجه آخر: أن هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجة حجها معاوية، وأنهما قاما إلى أم سلمة ﵂، فسألاها فحدثتهما بما حدث به سعد ﵁، فقال معاوية ﵁: "لو سمعت هذا قبل هذا اليوم؛ لكنت خادما لعلي حتى يموت أو أموت".
قال ابن كثير: "وفي إسناد هذا ضعف".
وعن عبد الله بن سلمة؛ قال: رأيت عمارا يوم صفين شيخا كبيرا آدم طوالا أخذ الحربة بيده ويده ترعد، فقال: "والذي نفسي بيده؛ لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده؛ لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر؛ لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على
[ ١ / ١٨٦ ]
الضلالة".
رواه: الإمام أحمد، والطبراني؛ إلا أنه قال: "لقد قاتلت صاحب هذه مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات وهذه الرابعة". قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وعن عبد الله بن سلمة أيضا: أن عمارا ﵁ قال: "والله؛ إني لأرى قوما ليضربنكم ضربا يرتاب له المبطلون، والله؛ لو قاتلوا حتى بلغوا بنا سعفات هجر؛ لعلمت أن صاحبنا على الحق، وهم على الباطل".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن سيار أبي الحكم؛ قال: "قالت بنو عبس لحذيفة ﵁: إن أمير المؤمنين عثمان قد قتل؛ فما تأمرنا؟ قال: آمركم أن تلزموا عمارا. قالوا: إن عمارا لا يفارق عليا. قال: إن الحسد هو أهلك الجسد، وإنما ينفركم من عمار قربه من علي، فوالله؛ لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب، وإن عمارا لمن الأحباب، وهو يعلم أنهم إن لزموا عمارا كانوا مع علي ".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات؛ إلا أني لم أعرف الرجل المبهم".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إذا اختلف الناس؛ فابن سمية مع الحق» .
رواه: الطبراني، والبيهقي.
وعن حبة العرني؛ قال: دخلنا مع أبي مسعود الأنصاري على حذيفة بن اليمان ﵄ أسأله عن الفتن؟ فقال: دوروا مع كتاب الله حيثما دار،
[ ١ / ١٨٧ ]
وانظروا الفئة التي فيها ابن سمية؛ فاتبعوها؛ فإنه يدور مع كتاب الله حيثما دار.
قال: فقلنا له: ومن ابن سمية؟ قال: عمار؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول له: «لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية؛ تشرب شربة ضياح تكن آخر رزقك من الدنيا» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي سعيد ﵁؛ قال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النبي ﷺ ومسح عن رأسه الغبار وقال: «ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار» .
رواه البخاري، وفي رواية له أخرى: أن النبي ﷺ قال: «ويح عمار؛ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» . قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" مختصرا: أن النبي ﷺ قال في عمار: «تقتلك الفئة الباغية» .
ورواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: أخبرني من هو خير مني: أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه؛ يقول: «بؤس ابن سمية، تقتله فئة باغية» .
ورواه: مسلم أيضا، والنسائي في "خصائص علي ﵁ "؛ عن أبي سعيد ﵁؛ قال: "حدثني من هو خير مني، أبو قتادة ".
ورواه أبو داود الطيالسي من حديث أبي سعيد ﵁؛ قال: "حدثي أصحابي " فذكره بنحوه.
وعن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال لعمار: «تقتلك الفئة»
[ ١ / ١٨٨ ]
«الباغية» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، والنسائي في "خصائص علي ﵁ ".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أبشر يا عمار! تقتلك الفئة الباغية» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب". قال: "وفي الباب عن أم سلمة وعبد الله بن عمرو وأبي اليسر وحذيفة ﵃".
وعن عبد الله بن الحارث؛ قال: إني لأسير مع معاوية ﵁ في منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص ﵁؛ قال: فقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: يا أبت! ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «ويحك يابن سمية! تقتلك الفئة الباغية» . قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنة، أنحن قتلناه؟ ! إنما قتله الذين جاؤوا به.
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
(الهنة)؛ بفتح الهاء والنون، وتجمع على هنات وهنوات، وهي الشدائد والأمور العظام.
وقوله: "إنما قتله الذين جاؤوا به": تأويل بعيد جدا، ولو كان الأمر على ما قاله معاوية ﵁؛ لكان النبي ﷺ وأصحابه هم الذين قتلوا حمزة وغيره من الشهداء في يوم أحد وغيره من المشاهد، وهذا معلوم البطلان بالضرورة؛ فكذلك قول معاوية ﵁: "إنما قتله الذين جاؤوا به"، وإنما قال معاوية ﵁ ما قال خوفا من تفرق جنده عنه وذهابهم إلى علي
[ ١ / ١٨٩ ]
﵁. والله أعلم.
وقد رواه الإمام أحمد أيضا من حديث حنظلة بن خويلد العنزي؛ قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار؛ يقول كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال عبد الله بن عمرو ﵄: ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» . قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ، فقال: «أطع أباك ما دام حيًا ولا تعصه»؛ فأنا معكم ولست أقاتل.
ورواه ابن أبي شيبة، وابن عساكر في "تاريخه" بنحوه، ورواه النسائي في كتاب "خصائص علي ﵁ "، بإسناد حسن، وليس فيه قول معاوية لعبد الله بن عمرو وجواب عبد الله له.
وعن أبي اليسر كعب بن عمرو وزياد بن الغرد ﵄: أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» .
رواه الطبراني بإسناد منقطع.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وضرب جنب عمار؛ قال: «إنك لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية» الحديث.
رواه الطبراني بإسناد ضعيف.
وعن عمار ﵁؛ قال: «أخبرني حبيبي ﷺ: أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر زادي مذقة من لبن» .
رواه: أبو يعلى، والطبراني، ورواه البزار مختصرا. قال الهيثمي "وإسناده حسن".
وعن عبد الله بن الحارث: أن عمرو بن العاص ﵁ قال
[ ١ / ١٩٠ ]
لمعاوية ﵁: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «إنك حريص على الجهاد، وإنك لمن أهل الجنة، ولتقتلنك الفئة الباغية؟» قال: بلى. قال: فلم قتلتموه؟ قال: والله؛ ما تزال تدحض في بولك، نحن قتلناه؟ إنما قتله الذي جاء به.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
ورواه النسائي في "خصائص علي ﵁ " بإسناد حسن، ولفظه: عن عبد الله بن الحارث؛ قال: "إني لأساير عبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية، فقال عبد الله بن عمرو: يا معاوية ألا تسمع ما يقولون: تقتله الفئة الباغية؟ فقال: لا تزال داحضا في بولك، أنحن قتلناه؟ وإنما قتله من جاء به إلينا".
(دحض في بوله): زلق فيه.
وعن حبة؛ قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود ﵄، فقال أحدهما لصاحبه: إن رسول الله ﷺ قال: «تقتل عمارًا الفئة الباغية»، وصدقه الآخر.
رواه الطبراني.
وعن أبي رافع ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تقتل عمارًا الفئة الباغية» .
رواه الطبراني.
وعن عثمان ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» .
رواه: أبو يعلى، والطبراني.
[ ١ / ١٩١ ]
وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية» .
رواه: أبو يعلى، والطبراني.
وعن محمد بن عمرو بن حزم؛ قال: لما قتل عمار بن ياسر ﵁؛ دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص، فقال: قتل عمار، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» . فقام عمرو بن العاص يرجع حتى دخل على معاوية، فقال معاوية: مه؟ فقال: قتل عمار. فقال معاوية: قد قتل عمار؛ فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» . فقال له معاوية: دحضت في بولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا (أو قال: بين سيوفنا) .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرطهما ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت؛ قال: ما زال جدي كافا سلاحه حتى قتل عمار بصفين، فسل سيفه، فقاتل حتى قتل؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "روى حديث «تقتل عمارًا الفئة الباغية» جماعة من الصحابة؛ منهم قتادة بن النعمان وأم سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمار نفسه، وكلها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يطول عدهم، وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة،
[ ١ / ١٩٢ ]
وفضيلة ظاهرة لعلي ولعمار، ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه". انتهى.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: "لم أجدني آسى على شيء؛ إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي ".
رواه الطبراني بأسانيد. قال الهيثمي: "وأحدها رجاله رجال الصحيح".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مطولا من حديث الزهري: "أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر: أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر ﵄؛ إذ جاءه رجل من أهل العراق، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني والله لقد حرصت أن أتسمت بسمتك وأقتدي بك في أمر فرقة الناس وأعتزل الشر ما استطعت، وإني أقرأ آية من كتاب الله محكمة قد أخذت بقلبي، فأخبرني عنها، أرأيت قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾؟ أخبرني عن هذه الآية. فقال عبد الله ﵁: ما لك ولذلك؟ ! انصرف عني. فانطلق حتى توارى عنا سواده، وأقبل علينا عبد الله بن عمر ﵄، فقال: ما وجدت في نفسي من شيء في أمر هذه الآية ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله ﷿".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي وائل؛ قال: لما قدم سهل بن حنيف ﵁ من صفين؛ أتيناه نستخبره، فقال: "اتهموا الرأي؛ فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد على رسول الله ﷺ أمره لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا
[ ١ / ١٩٣ ]
على عواتقنا لأمر يفظعنا؛ إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسد منها خصما إلا انفجر علينا خصم؛ ما ندري كيف نأتي له؟ ! ".
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والشيخان، وهذا لفظ البخاري، وزاد في رواية له عن الأعمش: قال: "وقال أبو وائل: شهدت صفين وبئست صفون".
(الخصم)؛ بضم الخاء: طرف الشيء وناحيته.
قال النووي: "شبهه بخصم الراوية وانفجار الماء من طرفها، أو بخصم الغرارة والخرج وانصباب ما فيه بانفجاره".
وعن عبد الكريم بن رشيد: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "يا أصحاب رسول الله! تناصحوا؛ فإنكم إن لم تفعلوا غلبكم عليها - يعني الخلافة - مثل عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
الثناء على الحسن بن علي ﵄
وما جرى على يديه من الصلح وتسكين الفتن
عن إسرائيل أبي موسى؛ قال: سمعت الحسن (يعني: البصري) يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو! إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء؛ من لي بأمور الناس؟ ! من لي بنسائهم؟ ! من لي بضيعتهم؟ ! فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا
[ ١ / ١٩٤ ]
باب الثناء على الحسن بن علي ﵄ وما جرى على يديه من الصلح وتسكين الفتن
إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه. فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما، وقالا له، وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك، ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا؛ إلا قالا: نحن لك به؛ فصالحه. فقال الحسن (أي: البصري): ولقد سمعت أبا بكرة ﵁ يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي ﵄ إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
وقد رواه: الإمام أحمد أيضا، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والترمذي، والنسائي؛ من حديث الحسن عن أبي بكرة ﵁ مختصرا، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ابني هذا (يعني: الحسن) سيد، وليصلحن الله ﷿ به بين فئتين من المسلمين» .
رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
قال الخطابي: "قد خرج مصداق هذا القول فيه بما كان من إصلاحه بين أهل العراق وأهل الشام، وتخليه عن الأمر؛ خوفا من الفتنة، وكراهية لإراقة الدم، ويسمى ذلك العام سنة الجماعة، وفي الخبر دليل على أن واحدا من الفريقين لم يخرج بما كان منه في تلك الفتنة من قول أو فعل عن ملة الإسلام، إذ قد جعلهم النبي ﷺ مسلمين، وهكذا سبيل كل متأول فيما تعاطاه من رأي ومذهب دعا إليه إذا كان قد تأوله بشبهة، وإن كان مخطئا في ذلك، ومعلوم أن
[ ١ / ١٩٥ ]
إحدى الفئتين كانت مصيبة والأخرى مخطئة". انتهى.
وقال ابن كثير: "قد شهد الصادق المصدوق للفرقتين بالإسلام، فمن كفرهم أو واحدا منهم لمجرد ما وقع؛ فقد أخطأ وخالف النص النبوي المحمدي الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى". انتهى.
وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه؛ قال: "قلت للحسن بن علي ﵄: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة! فقال: قد كانت جماجم العرب في يدي؛ يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت؛ تركتها ابتغاء وجه الله تعالى، وحقن دماء أمة محمد ﷺ، ثم أثيرها ثانيا من أهل الحجاز؟ ! ".
رواه: ابن سعد، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ذكر محاسن الصحابة والكف عما شجر بينهم
عن سعد بن عبيدة؛ قال: "جاء رجل إلى ابن عمر ﵄، فسأله عن عثمان ﵁، فذكر عن محاسن عمله؛ قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن علي ﵁، فذكر محاسن عمله؛ قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي ﷺ. ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك. انطلق فاجهد على جهدك".
رواه البخاري.
وعن نافع: "أن رجلا أتى ابن عمر ﵄، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما وتترك الجهاد في سبيل الله
[ ١ / ١٩٦ ]
باب ذكر محاسن الصحابة والكف عما شجر بينهم
﷿ وقد علمت ما رغب الله فيه؟ قال: يابن أخي! بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن! ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ، وكان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه. إما قتلوه، وإما يعذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ ! قال: أما عثمان؛ فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما علي؛ فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون".
رواه البخاري.
وعن عثمان بن عبد الله بن موهب؛ قال: جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يابن عمر! إني سائلك عن شيء؛ فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر ﵄: تعال أبين لك: أما فراره يوم أحد؛ فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه» . وأما تغيبه عن بيعة الرضوان؛ فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: «هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: "هذه»
[ ١ / ١٩٧ ]
«لعثمان» . فقال له ابن عمر ﵄: اذهب بها الآن معك.
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ذكر أصحابي؛ فأمسكوا» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه مسهر بن عبد الملك، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم؛ فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم؛ فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم؛ فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، ومن آذى الله؛ يوشك أن يأخذه» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وعن طارق بن أشيم ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «بحسب أصحابي القتل» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح".
وعن سعيد بن زيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون بعدي فتن يكون فيها ويكون. فقلنا: إن أدركنا ذلك هلكنا. قال: بحسب أصحابي القتل» .
رواه الطبراني بأسانيد. قال الهيثمي: "ورجال أحدها ثقات. وقد رواه: الإمام أحمد، وأبو داود بلفظ آخر، تقدم ذكره في (باب ما يرجى للمقتول من
[ ١ / ١٩٨ ]
الرحمة)، ورواتهما ثقات".
وعن أبي راشد؛ قال: جاء رجال من أهل البصرة إلى عبيد بن عمير، فقالوا: إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك عن علي وعثمان؟ فقال: وما أقدمكم شيء غير هذا؟ قالوا: نعم. قال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
رواه الطبراني. وقال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عما جرى بين علي ومعاوية؟ فقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
ذكره ابن كثير في "تاريخه"؛ قال: "وكذا قال غير واحد من السلف".
وعن أبي زرعة الرازي: "أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية. فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليا بغير حق. فقال له أبو زرعة: ويحك! إن رب معاوية رب رحيم، وخصم معاوية خصم كريم؛ فما دخولك أنت بينهما ﵄".
رواه ابن عساكر، وذكره ابن كثير في "تاريخه" وابن حجر في "فتح الباري".
باب
ما جاء في خلافة النبوة
عن سعيد بن جهمان عن سفينة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» . قال سعيد: قال
[ ١ / ١٩٩ ]
باب ما جاء في خلافة النبوة
لي سفينة: أمسك عليك: أبا بكر سنتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي كذا. قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليا ﵁ لم يكن بخليفة! قال: كذبت أستاه بني الزرقا (يعني: بني مروان) .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظ أبي داود.
ولفظ الترمذي: قال رسول الله ﷺ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» . ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر، ثم قال: وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم قال: أمسك خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة. قال سعيد: فقلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم! قال: كذبوا بنو الزرقا، بل هم ملوك من شر المملوك.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن، قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان، ولا نعرفه إلا من حديثه".
قلت: قد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث أبي ريحانة - واسمه عبد الله بن مطر البصري - عن سفينة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» . فقال رجل كان حاضرا في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين سنة ستة شهور في خلافة معاوية. فقال: من هاهنا أتيت تلك الشهور. كانت البيعة للحسن بن علي، بايعه أربعون ألفا، أو اثنان وأربعون ألفا.
وفي رواية لابن حبان من حديث سعيد بن جهمان عن سفينة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «الخلافة ثلاثون سنة، وسائرهم ملوك» .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "وكانت خلافة أبي بكر ﵁ سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال، وكانت خلافة عمر ﵁ عشر سنين
[ ١ / ٢٠٠ ]
وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان ﵁ اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، وكانت خلافة علي بن أبي طالب ﵁ خمس سنين إلا شهرين".
قال " "وتكميل الثلاثين الحسن بن علي ﵄ نحوا من ستة أشهر، حتى نزل عنها لمعاوية ﵁ عام أربعين من الهجرة".
وقال ابن كثير أيضا: "إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ﵄، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية ﵁ في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال الثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ؛ فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه".
وقال ابن كثير أيضا: "والسنة أن يقال لمعاوية ﵁: ملك، ولا يقال له: خليفة؛ لحديث سفينة ﵁: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا عضوضًا» . انتهى.
قوله: "كذبت أستاه بني الزرقاء": (الأستاه): جمع است، وهي العجيزة، وتطلق على حلقة الدبر، وأصله: سته؛ بفتحتين، والجمع: أستاه، والمراد أنها كلمة كاذبة؛ فهي كالضرطة التي تخرج من أدبارهم، فلا قيمة لها. و(الزرقاء): امرأة من أمهات بني أمية. قاله بعض شراح السنن.
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلافة نبوة ثلاثون عامًا، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» . فقال معاوية: رضينا بالملك.
رواه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن كثير في "تاريخه"، ثم قال: "وهذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، وعلى النواصب
[ ١ / ٢٠١ ]
من بني أمية ومن تبعهم من أهل الشام في إنكار خلافة علي بن أبي طالب ﵁ ". انتهى.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ قال: وفدنا على معاوية مع زياد، ومعنا أبو بكرة ﵁، فدخلنا عليه، فقال له معاوية ﵁: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، عسى الله أن ينفعنا به. قال: نعم. «كان نبي الله ﷺ يعجبه الرؤيا الصالحة ويسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ: "أيكم رأى رؤيا؟ ". فقال رجل: أنا يا رسول الله؛ إني رأيت رؤيا؛ رأيت كأن ميزانًا دلي من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر بعمر، فرجح أبو بكر بعمر، ثم وزن عمر بعثمان، فرجح عمر بعثمان، ثم رفع الميزان. فاستاء لها رسول الله ﷺ، ثم قال: "خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» . فغضب معاوية، فزخ في أقفائنا وأخرجنا، فقال زياد لأبي بكرة: أما وجدت من حديث رسول الله ﷺ حديثا تحدثه غير هذا؟ فقال: والله لا أحدثه إلا به حتى أفارقه. قال: فلم يزل زياد يطلب الإذن حتى أذن لنا، فأدخلنا، فقال معاوية ﵁: يا أبا بكرة! حدثنا بحديث عن رسول الله ﷺ لعل الله أن ينفعنا به. قال: فحدثه أيضا بمثل حديثه الأول، فقال له معاوية: لا أبا لك! تخبرنا أنا ملوك؛ فقد رضينا أن نكون ملوكا.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وهذا لفظه، وأبو داود السجستاني مختصرا، وهو حديث حسن، رواه علي بن زيد بن جدعان، وفيه كلام، وقد وثق، وحسن الترمذي حديثه، وأخرج له مسلم في "صحيحه" مقرونا بآخر، وأخرج له البخاري في غير الصحيح، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قوله: " فاستاء لها "؛ قال الخطابي: "أي: كرهها حتى تبينت المساءة في وجهه، ووزنه: افتعل، من السوء ". انتهى.
[ ١ / ٢٠٢ ]
و(الزخ): الدفع.
وقد رواه: أبو داود السجستاني أيضا، والترمذي، والحاكم؛ من حديث الأشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن عن أبي بكرة ﵁: «أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ ". فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» .
قال الترمذي: "وهذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". قال الذهبي: "وأشعث هذا ثقة، لكن ما احتجا به".
فلت: قد وثقه يحيى القطان وابن معين والنسائي، وروى له البخاري تعليقا، وصحح الترمذي حديثه.
وعن سعيد بن جهمان عن سفينة مولى أم سلمة ﵄؛ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح أقبل على أصحابه فقال: "أيكم رأى الليلة رؤيا؟ ". قال: فصلى ذات يوم، فقال: "أيكم رأى رؤيا؟ ". فقال رجل: أنا رأيت يا رسول الله كأن ميزانًا دلي به من السماء، فوضعت في كفة ووضع أبو بكر في كفة أخرى، فرجحت بأبي بكر، فرفعت وترك أبو بكر مكانه، فجيء بعمر بن الخطاب، فوضع في الكفة الأخرى، فرجح به أبو بكر، فرفع أبو بكر، وجيء بعثمان فوضع في الكفة الأخرى، فرجح عمر بعثمان، ثم رفع عمر وعثمان ورفع الميزان. قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: "خلافة النبوة ثلاثون عامًا، ثم تكون ملكًا» . قال سعيد بن جهمان: فقال لي سفينة: أمسك سنتي أبي بكر، وعشر عمر، ثنتي عشرة عثمان، وست علي ﵃.
[ ١ / ٢٠٣ ]
رواه: البزار مختصرا، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظه. قال الهيثمي: "وفيه مؤمل بن إسماعيل، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رحاله ثقات".
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر» . قال جابر ﵁: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ؛ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما تنوط بعضهم ببعض؛ فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ.
رواه: أبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وصححه، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الخطابي: "قوله: (نيط)؛ معناه: علق، والنوط: التعليق، والتنوط: التعلق". انتهى.
وعن سمرة بن جندب ﵁: «"أن رجلًا قال: يا رسول الله! رأيت كأن دلوًا دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها وانتشطت وانتضح عليه منها شيء» .
رواه أبو داود.
وعن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب؛ قال: "بعثني ﵁ إلى الأسقف، فدعوته، فقال له عمر ﵁: وهل تجدني في الكتاب؟ قال: نعم. قال: كيف تجدني؟ ! قال: أجدك قرنًا. فرفع عليه الدرة، فقال: قرن
[ ١ / ٢٠٤ ]
مه؟ ! قال: قرن حديد أمين شديد. قال: كيف تجد الذي يجيء من بعدي؟ فقال: أجده خليفة صالحًا غير أنه يؤثر قرابته. قال عمر ﵁: يرحم الله عثمان؛ ثلاثًا. فقال: كيف تجد الذي بعده؟ قال: أجده صدأ حديد. فوضع عمر ﵁ يده على رأسه، فقال: يا دفراه! يا دفراه! فقال: يا أمير المؤمنين! إنه خليفة صالح، ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق".
رواه أبو داود، ورواته ثقات.
قال أبو داود: " (الدفر): النتن". وقال الخطابي: " (الدفر)؛ بفتح الدال وسكون الفاء: النتن، ومنه قيل للدنيا: أم دفر، فأما الذفر؛ بالذال المعجمة وفتح الفاء؛ فإنه يقال لكل ريح ذكية شديدة من طيب أو نتن". انتهى.
وعن عمر بن ربيعة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى كعب الأحبار، فقال: يا كعب! كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنا من حديد. قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة. قال: ثم يكون البلاء". رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: "بينما زيد بن خارجة يمشي في بعض طرق المدينة؛ إذ خر ميتا بين الظهر والعصر، فنقل إلى أهله، وسجي بين ثوبين وكساء، فلما كان بين المغرب والعشاء؛ اجتمعن نسوة من الأنصار، فصرخوا حوله؛ إذ سمعوا صوتا من تحت الكساء يقول: أنصتوا أيها الناس! مرتين، فحسر عن وجهه وصدره، فقال: محمد رسول الله ﷺ النبي الأمي خاتم النبيين، كان ذلك في الكتاب. ثم قيل على لسانه: صدق صدق. أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ القوي الأمين، كان ضعيفا في بدنه قويا
[ ١ / ٢٠٥ ]
في أمر الله، كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قيل على لسانه: صدق صدق. والأوسط عبد الله أمير المؤمنين ﵁، الذي كان لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يمنع الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، كان ذلك في الكتاب الأول، ثم قيل على لسانه: صدق صدق. ثم قال: عثمان أمير المؤمنين، رحيم بالمؤمنين، خلت اثنتان وبقي أربع، واختلف الناس ولا نظام لهم، وانتحبت الأجماء؛ يعني: تنتهك المحارم، ودنت الساعة، وأكل الناس بعضهم بعضا ".
رواه الطبراني في "الكبير " و"الأوسط" بإسنادين. قال الهيثمي: "ورجال أحدهما في "الكبير" ثقات".
باب
ما جاء في الخلفاء الاثني عشر
عن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة؛ كلهم تجتمع عليه الأمة. فسمعت كلاما من النبي ﷺ لم أفهمه، قلت لأبي: ما يقول؟ قال: "كلهم من قريش» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، وهذا لفظ أبي داود.
وفي رواية لمسلم: قال: انطلقت إلى رسول الله ﷺ ومعي أبي، فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزًا منيعًا إلى اثني عشر خليفة. فقال كلمة صمنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: "كلهم من قريش» .
ورواه أبو داود، ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثني عشر خليفة. قال: فكبر الناس وضجوا، ثم قال كلمة»
[ ١ / ٢٠٦ ]
باب ما جاء في الخلفاء الاثني عشر
«خفية. قلت لأبي: يا أبه! ما قال؟ قال: "كلهم من قريش» . وزاد أبو داود في رواية: «فلما رجع إلى منزله أتته قريش، فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: "ثم يكون الهرج» .
قوله: "صمنيها الناس"؛ قال النووي: "هو بفتح الصاد وتشديد الميم المفتوحة؛ أي: أصموني عنها فلم أسمعها لكثرة الكلام".
وعن أبي جحيفة ﵁؛ قال: كنت مع عمي عند النبي ﷺ وهو يخطب، فقال: «لا يزال أمر أمتي صالحًا حتى يمضي اثنا عشر خليفة. وخفض بها صوته، فقلت لعمي - وكان أمامي -: ما قال يا عم؟ قال: "كلهم من قريش» .
رواه: البزار، والطبراني في "الكبير " و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح".
وعن مسروق؛ قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود ﵁ وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: «يا أبا عبد الرحمن! هل سألتم رسول الله ﷺ: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك. ثم قال: نعم؛ ولقد سألنا رسول الله ﷺ؟ فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار. قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ملك اثنا عشر من بني كعب بن لؤي؛ كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة» .
رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد ضعيف، وأشار إليه الترمذي في
[ ١ / ٢٠٧ ]
"جامعه".
وقد رواه نعيم بن حماد في الفتن من حديث أبي الطفيل؛ قال: أخذ عبد الله بن عمرو ﵄ بيدي، فقال: "يا عامر بن واثلة! سيكون اثنا عشر خليفة من بني كعب بن لؤي، ثم النقف والنقاف، لن يجتمع أمر الناس على إمام حتى تقوم الساعة".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "ظهر لي في النقف: أنه بفتح النون وسكون القاف، وهو كسر الهامة عن الدماغ. والنقاف: بوزن فعال منه، وكنى بذلك عن القتل والقتال، ويؤيده قوله في بعض طرق حديث جابر بن سمرة ﵄: ثم يكون الهرج".
قلت: وقد تقدم كلام ابن الأثير وابن منظور في النقف والنقاف في آخر (باب ذكر الفتن والتحذير منها)؛ فليراجع.
وعن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه قال: "وجدت في بعض الكتب يوم اليرموك: أبو بكر الصديق أصبتم اسمه، عمر الفاروق قرنا من حديد أصبتم اسمه، وعثمان ذو النورين كفلين من الرحمة لأنه يقتل مظلوما أصبتم اسمه". قال: "ثم يكون ملك الأرض المقدسة وابنه".
قال عقبة: قلت لعبد الله: سمهما. قال: " معاوية وابنه. ثم يكون سفاح، ثم يكون منصور، ثم يكون جابر، ثم مهدي، ثم يكون الأمين، ثم يكون سين ولام (يعني: صلاحا وعاقبة) ثم يكون أمراء العصب، ستة منهم من ولد كعب بن لؤي، ورجل من قحطان؛ كلهم صالح لا يرى مثله". قال أيوب: فكان ابن سيرين إذا حدث بهذا الحديث قال: يكون على الناس ملوك بأعمالهم.
ذكر هذا الأثر الأزهري، ونقله عنه ابن منظور في "لسان العرب"، ثم قال: "قال الأزهري: هذا حديث عجيب، وإسناده صحيح".
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقد رواه نعيم بن حماد في كتاب "الفتن" عن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه قال: "سيكون على هذه الأمة اثنا عشر خليفة: أبو بكر الصديق أصبتم اسمه، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه، عثمان بن عفان ذو النورين قتل مظلوما أوتي كفلين من الرحمة، ملك الأرض المقدسة معاوية وابنه، ثم يكون السفاح ومنصور وجابر والأمين وسلام وأمير العصب لا يرى مثله ولا يدرك مثله؛ كلهم من بني كعب بن لؤي، فيهم رجل من قحطان، منهم من لا يكون إلا يومين، ومنهم من يقال له: لتبايعنا أو لنقتلنك، فإن لم يبايعهم قتلوه".
باب
ما جاء في الخلافة والملك العضوض والجبرية
عن حبيب بن سالم؛ قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ يقول: كنا قعودا في المسجد، وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني ﵁، فقال: يا بشير بن سعد! أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء؟ وكان حذيفة ﵁ قاعدا مع بشير، فقال حذيفة ﵁: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة»، ثم سكت. قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت: إني لأرجو أن يكون
[ ١ / ٢٠٩ ]
باب ما جاء في الخلافة والملك العضوض والجبرية
أمير المؤمنين (يعني: عمر) بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز، فسر به وأعجبه.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبزار، والطبراني في "الأوسط" ببعضه. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت يستحل فيها الخمر والحرير» .
رواه الدارمي في "سننه"، وقال: "وقد سئل عن أعفر؟ فقال: يشبهه بالتراب وليس فيه خير".
وقال ابن الأثير في "النهاية": "أي ملك يساس بالنكر والدهاء، من قولهم للخبيث المنكر: عفر، والعفارة: الخبث والشيطنة، ومنه الحديث: «إن الله تعالى يبغض العفرية النفرية»؛ هو الداهي الخبيث الشرير، ومنه العفريت". انتهى.
وعن عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الله ﷿ بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنًا خلافة ورحمة، وكائنًا ملكًا عضوضًا، وكائنًا عتوًا وجبرية وفسادًا في الأرض؛ يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدًا حتى يلقوا الله» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة، ولكنه مدلس، وبقية رجاله ثقات".
قال ابن الأثير في "النهاية": "ثم يكون ملك عضوض" أي: يصيب
[ ١ / ٢١٠ ]
الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه عضا، والعضوض من أبنية المبالغة.
وقال أيضا: " (ثم يكون ملك وجبروت)؛ أي: عتو وقهر؛ يقال: جبار بين الجبرية والجبروت ". انتهى.
وعن أبي ثعلبة ﵁؛ قال: لقيت رسول الله ﷺ، فقلت: «يا رسول الله! ادفعني إلى رجل حسن التعليم. فدفعني إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم قال: "قد دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك» فأتيت أبا عبيدة وهو وبشير بن سعد أبو النعمان بن بشير يتحدثان، فلما رأياني سكتا، فقلت: يا أبا عبيدة! والله ما هكذا أوصاك رسول الله ﷺ! فقال: إنك جئت ونحن نتحدث حديثا سمعناه من رسول الله ﷺ؛ فاجلس حتى نحدثك. فقال: قال رسول الله ﷺ: «إن فيكم النبوة، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم تكون ملكًا وجبرية» .
رواه أبو نعيم في "المعرفة".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكًا ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليها تكادم الحمير؛ فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج من أهل بيتي يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه» .
[ ١ / ٢١١ ]
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه جماعة لم أعرفهم".
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثون نبوة، وثلاثون ملك وجبروت، وما وراء ذلك لا خير فيه» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: " وفيه مطر بن العلاء الرملي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: إن الله بدأ هذا الأمر حين بدأ بنبوة ورحمة، ثم يعود إلى خلافة ورحمة، ثم يعود إلى سلطان ورحمة، ثم يعود ملكا ورحمة، ثم يعود جبرية يتكادمون تكادم الحمير. أيها الناس! عليكم بالغزو والجهاد ما كان حلوا خضرا قبل أن يكون مرا عسرا، ويكون ثماما قبل أن يكون رماما أو يكون حطاما؛ فإذا شاطت المغازي، وأكلت الغنائم، واستحل الحرام؛ فعليكم بالرباط فإنه خير جهادكم".
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "مستدركه".
قال ابن الأثير وابن منظور: " (الثمام): نبت ضعيف قصير لا يطول.
و(الرمام): البالي والحطام المتكسر المتفتت. المعنى: اغزوا وأنتم تنصرون وتوفرون غنائمكم قبل أن يهن ويضعف ويكون كالثمام". انتهى.
وعن عمر أيضا ﵁: أنه قال: "أول هذه الأمة نبوة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية؛ فإذا كان ذلك فبطن الأرض يومئذ خير من ظهرها".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي الطفيل: أنه سمع حذيفة ﵁ يقول: "يا أيها الناس!
[ ١ / ٢١٢ ]
ألا تسألوني؛ فإن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر؟ أفلا تسألون عن ميت الأحياء؟ فقال: إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ، فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، فاستجاب له من استجاب، فحيي بالحق من كان ميتا، ومات بالباطل من كان حيا، ثم ذهبت النبوة، فكانت الخلافة على منهاج النبوة، ثم يكون ملكا عضوضا، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه، والحق استكمل، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه كافا يده، وشعبة من الحق ترك، ومنهم من ينكر بقلبه كافا يده ولسانه، وشعبتين من الحق ترك، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولسانه؛ فذلك ميت الأحياء".
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وله وللأثرين قبله حكم الرفع؛ لأن فيها إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون بعد الأنبياء خلفاء يعملون بكتاب الله ويعدلون في عباد الله، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر ويقتلون الرجال ويصطفون الأموال؛ فمغير بيده، ومغير بلسانه، ومغير بقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان شيء» .
رواه البيهقي.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر برئ، ومن أمسك سلم، ولكن من رضي وتابع» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «كانت بنو إسرائيل»
[ ١ / ٢١٣ ]
«تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه.
باب
ما جاء في أئمة السوء ومن يغشاهم من الناس
عن أبي رافع؛ قال: أخبرني ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه لم يكن نبي قط إلا وله ومن أصحابه حواري وأصحاب يتبعون أثره ويقتدون بهديه، ثم يأتي من بعد ذلك خوالف أمراء، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وزاد مسلم: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» . قال أبو رافع: فحدثته عبد الله بن عمر، فأنكره علي، فقدم ابن مسعود فنزل بقناة، فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده، فانطلقت معه، فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث، فحدثنيه كما حدثته ابن عمر.
وعن عطاء بن يسار (وهو قاضي المدينة)؛ قال: سمعت ابن مسعود ﵁ وهو يقول: قال رسول الله ﷺ: «سيكون أمراء من بعدي؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده» .
قال عطاء: فحين سمعت الحديث منه انطلقت إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته، فقال:
[ ١ / ٢١٤ ]
باب ما جاء في أئمة السوء ومن يغشاهم من الناس
أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا (كالمدخل عليه في حديثه)؟ قال عطاء: فقلت: هو مريض؛ فما يمنعك أن تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه! فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث قال: فخرج ابن عمر وهو يقلب كفه وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يكذب على رسول الله ﷺ.
رواه: الإمام أحمد مختصرا، وابن حبان في "صحيحه"، وهذا لفظه.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا يفعلون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولن يرد علي الحوض» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار. وهذا لفظ أحمد.
ولفظ البزار: قال: خرج النبي ﷺ وفي المسجد تسعة نفر، أربعة من الموالي وخمسة من العرب، فقال: «إنها ستكون عليكم أمراء، فمن أعانهم على ظلمهم، وصدقهم بكذبهم، وغشي أبوابهم؛ فليس مني، ولست منه، ولن يرد علي الحوض، ومن لم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم؛ فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض» .
قال الهيثمي: "فيه إبراهيم بن قعيس، ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن كعب بن عجرة ﵁؛ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن تسعة، خمسة وأربعة؛ أحد العددين من العرب والآخر من العجم، فقال: «اسمعوا! هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء؛ من دخل عليهم، فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض» .
[ ١ / ٢١٥ ]
رواه: الترمذي، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب".
وفي رواية للترمذي: قال: قال لي رسول الله ﷺ: «أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش ولم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وقد رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، ولفظه: قال: دخل علينا رسول الله ﷺ المسجد، فقال: «من هاهنا! هل تسمعون؟ إنه يكون بعدي أمراء يعملون بغير طاعة الله، فمن شركهم في عملهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولست منه، ومن لم يشركهم في عملهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه» .
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: «"أعاذك الله من إمارة السفهاء". قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم؛ فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون علي حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم؛ فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون علي حوضي"» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال المنذري: "ورواتهما محتج بهم في الصحيح". وقال الهيثمي: "رجالهما رجال الصحيح".
ورواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم
[ ١ / ٢١٦ ]
في "مستدركه"؛ بنحوه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يكون أمراء يغشاهم غواش (أو حواش) من الناس، يكذبون ويظلمون، فمن دخل عليهم، فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولست منه، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى وابن حبان في "صحيحه".
وفي رواية أبي يعلى وابن حبان: «فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فأنا منه بريء» . زاد ابن حبان: «وهو مني بريء» .
وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء، ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء أمر، فقال: «ألا إنه سيكون بعدي أمراء يظلمون ويكذبون؛ فمن صدقهم بكذبهم، ومالأهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولا أنا منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يمالئهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه» .
رواه الإمام أحمد. قال المنذري: "وفي إسناده راو لم يسم، وبقيته ثقات محتج بهم في الصحيح". وقال الهيثمي نحو قول المنذري.
وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «إنه سيكون عليكم أمراء يظلمون ويكذبون؛ فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح، ورجال أحمد كذلك".
[ ١ / ٢١٧ ]
وعن عبد الله بن خباب عن أبيه ﵁؛ قال: «كنا قعودا عند باب النبي ﷺ، فخرج علينا، فقال: "اسمعوا! " قلنا: قد سمعنا. قال: "اسمعوا! " قلنا: قد سمعنا. قال: "إنه سيكون بعدي أمراء؛ فلا تصدقوهم بكذبهم، ولا تعينوهم على ظلمهم؛ فإنه من صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ لم يرد علي الحوض» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح؛ خلا عبد الله بن خباب، وهو ثقة".
قلت: وكذا رجال أحمد. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «"سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها". فقلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: "تسألني يابن أم عبد كيف تفعل؟ ! لا طاعة لمن عصى الله» .
رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله، ورجالهما ثقات. ورواه ابن ماجه بإسنادين؛ رجال أحدهما ثقات، وفي الآخر إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وبقية رجاله ثقات.
وعن عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيلي أموركم بعدي رجال؛ يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون؛ فلا طاعة لمن عصى الله تعالى» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهما ثقات؛ إلا أن إسماعيل بن عياش رواه عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة".
[ ١ / ٢١٨ ]
ورواه الحاكم في "مستدركه" من طرق وصححه.
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خذوا العطاء ما دام العطاء، فإذا صار رشوة على الدين؛ فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه؛ يمنعكم الفقر والحاجة، ألا إن رحى الإسلام دائرة؛ فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان؛ فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم؛ فإذا عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم. قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: "كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم؛ نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب؛ موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: " ويزيد بن مرثد لم يسمع من معاذ، والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان وغيره، وبقية رجاله ثقات".
وعن عبادة بن الصامت ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"يكون عليكم أمراء؛ إن أطعتموهم أدخلوكم النار، وإن عصيتموهم قتلوكم ". فقال رجل: يا رسول الله! سمهم لنا لعلنا نحثو في وجوههم التراب. فقال رسول الله ﷺ: "لعلهم يحثون في وجهك ويفقؤون عينك» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه سنيد بن داود؛ ضعفه أحمد ووثقه ابن حبان وأبو حاتم الرازي، وبقية رجاله ثقات".
وقد رواه ابن أبي شيبة عن ميمون بن أبي حبيب؛ قال: "قال عبادة بن الصامت ﵁: أتمنى لحبيبي أن يقل ماله ويعجل موته. فقيل له، فقال: أخشى أن يدرككم أمراء إن أطعتموهم أدخلوكم النار، وإن عصيتموهم قتلوكم. فقال رجل: أخبرنا من هم حتى نفقأ أعينهم أو نحثو في وجوههم التراب؟ فقال: عسى أن تدركوهم فيكونوا هم الذين يفقؤون عينك
[ ١ / ٢١٩ ]
ويحثون في وجهك التراب".
وعن أبي سلالة الأسلمي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «سيكون عليكم أئمة؛ يملكون أرزاقكم، يحدثونكم فيكذبون، ويعملون ويسيئون العمل، لا يرضون منكم حتى تحسنوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم، فأعطوهم الحق ما رضوا به، فإذا تجاوزوا؛ فمن قتل على ذلك فهو شهيد» .
رواه: البخاري في "الكنى"، والطبراني، وابن السكن، وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف.
وعن أبي برزة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن بعدي أئمة إن أطعتموهم أكفروكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، أئمة الكفر ورؤوس الضلالة» . رواه الطبراني.
وعن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري؛ قال: "أتى رجل فنادى ابن مسعود ﵁، فأكب عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن متى أضل وأنا أعلم؟ قال: إذا كانت عليك أمراء إذا أطعتهم أدخلوك النار، وإذا عصيتهم قتلوك ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "هذا موقوف صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لا تزالون بخير ما لم يكن عليكم أمراء لا يرون لكم حقا إلا إذا شاؤوا ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "يكون أمراء يعذبونكم ويعذبهم الله".
[ ١ / ٢٢٠ ]
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "ليكونن عليكم أمراء لا يزن أحدهم عند الله يوم القيامة قشرة شعيرة".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
ورواه نعيم بن حماد في "الفتن"، ولفظه: قال: "لا تقوم الساعة حتى يقوم على الناس من لا يزن قشر شعيرة يوم القيامة".
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ؛ قال: «سيكون بعدي أئمة؛ يعطون الحكمة على منابرهم، فإذا نزلوا نزعت منهم، وأجسادهم شر من الجيف» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه سعد بن مسلمة؛ ضعفه الجمهور ووثقه ابن حبان، وقال: يخطئ، وليث مدلس".
وعن كعب بن عجرة ﵁؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: «إنها ستكون عليكم أمراء من بعدي؛ يعظون بالحكمة على منابر، فإذا نزلوا اختلست منهم، وقلوبهم أنتن من الجيف» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: «ليأتين على الناس زمان يكون عليهم أمراء سفهاء؛ يقدمون شرار الناس، ويظهرون بخيارهم، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، خلا عبد الرحمن
[ ١ / ٢٢١ ]
ابن مسعود، وهو ثقة".
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: «ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها» (والباقي بمثله) .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة وقضاة خونة وفقهاء كذبة، فمن أدرك ذلك الزمان منكم فلا يكونن لهم جابيًا ولا عريفًا ولا شرطيًا» .
رواه الطبراني في "الصغير " و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه داود بن سليمان الخراساني؛ قال الطبراني: لا بأس به، ومعاوية بن الهيثم لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة، وقراء فسقة، سمتهم سمة الرهبان، وليس لهم رغبة (أو قال: رعة، أو قال: زعة)، فيلبسهم الله فتنة غبراء مظلمة، يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه حبيب بن عمران الكلاعي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح ". انتهى.
وقد رواه: البخاري في "التاريخ الكبير"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" مختصرا موقوفا.
قوله: "وليس لهم رغبة"؛ أي: في الخير. "أو قال: رعة"؛ بكسر الراء؛ أي: ورع عن المحرمات. "أو قال: زعة"؛ بكسر الزاي؛ أي: وازع يمنعهم من مخالفة الأوامر وارتكاب النواهي.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي»
[ ١ / ٢٢٢ ]
«بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء وأعوانًا خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة؛ سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيفتح الله لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون، والذي نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: الله، الله» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة (فذكر الحديث وفيه:) وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة؛ إذا لبسوا مسوك الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأمر من الصبر، يغشيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة» . رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون بعدي سلاطين، الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحدًا شيئًا إلا أخذوا من دينه مثله» .
رواه الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وإسناده ضعيف جدا.
وعن أبي قبيل عن معاوية بن أبي سفيان ﵄: أنه صعد المنبر يوم الجمعة، فقال في خطبته: إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية قال مثل ذلك. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته. فقام إليه رجل ممن حضر المسجد، فقال: كلا، إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا. فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأدخله، فقال القوم: هلك الرجل. ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية للناس: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٢٣ ]
يقول: «سيكون بعدي أمراء؛ يقولون ولا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة»، وإني تكلمت أول جمعة، فلم يرد علي أحد، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية، فلم يرد علي أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم، ثم تكلمت في الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل، فرد علي، فأحياني أحياه الله.
رواه: الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، ألا فصل الصلاة لوقتها، ثم ائتهم: فإن كانوا قد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا صليت معهم، فكانت لك نافلة» .
رواه: أبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال الترمذي: "حديث حسن". قال: "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت ﵄".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «"كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟ ". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: "صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سبحة» .
رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه مرفوعا. ورواه: الإمام أحمد، ومسلم؛ موقوفا.
وعن عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون عليكم بعدي أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها. فقال رجل: يا رسول الله! أصلي معهم؟ قال:»
[ ١ / ٢٢٤ ]
«"نعم؛ إن شئت» .
رواه: أبو داود، وابن ماجه.
وعن قبيصة بن وقاص ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة؛ فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة» .
رواه أبو داود.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر، فجاءنا الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ". قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ ! قال: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع» .
رواه مسلم.
وعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ: أنه قال: «يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وأبو داود، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وزاد أحمد: «وقالوا: يا رسول الله! أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا لكم الخمس» .
[ ١ / ٢٢٥ ]
وعند مسلم: قال: «لا؛ ما صلوا» . ثم قال: أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "إنها ستكون عليكم أمراء يدعون من السنة مثل هذه، فإن تركتموها جعلوها مثل هذه، فإن تركتموها؛ جاؤوا بالطامة الكبرى".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
ورواه الحاكم في "مستدركه" بأبسط من هذا، ولفظه قال: "يكون عليكم أمراء يتركون من السنة مثل هذا (وأشار إلى أصل إصبعه)، وإن تركتموهم؛ جاؤوا بالطامة الكبرى، وإنها لم تكن أمة إلا كان أول ما يتركون من دينهم السنة، وآخر ما يدعون الصلاة، ولولا أنهم يستحيون ما صلوا".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون عليكم أمراء هم شر من المجوس» .
رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ خلا مؤمل بن إهاب، وهو ثقة".
وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك (وفي رواية: أفلا ننابذهم بالسيف)؟ قال: "لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا»
[ ١ / ٢٢٦ ]
«من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «ألا أخبركم بخيار أمرائكم وشرارهم؟ خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» .
رواه الترمذي، وقال: "حديث غريب".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون عليكم أمراء تطمئن إليهم القلوب، وتلين لهم الجلود، ثم يكون عليكم أمراء تشمئز منهم القلوب، وتقشعر منهم الجلود. فقال رجل: أنقاتلهم؟ قال: "لا؛ ما أقاموا الصلاة"» .
رواه الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاؤكم، وأموركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون بعدي أثره وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» .
[ ١ / ٢٢٧ ]
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي.
وفي رواية لأحمد: «إنه سيكون عليكم أمراء وترون أثرة» . وفي رواية له: «إنها ستكون فتن وأمور تنكرونها» . والباقي بنحوه.
باب
ما جاء في بني أمية وما في زمانهم من الفتن
عن حذيفة ﵁: أنه قال: "ليكونن بعد عثمان اثنا عشر ملكا من بني أمية ". قيل له: خلفاء؟ قال: "بل ملوك".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تعوذوا بالله من رأس السبعين، ومن إمارة الصبيان» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير كامل بن العلاء، وهو ثقة".
وعن عمير بن هانئ؛ قال: قال أبو هريرة ﵁: "اللهم لا تدركني سنة ستين". قال: فتوفي فيها أو قبلها بسنة.
رواه يعقوب بن سفيان وغيره.
ورواه: علي بن معبد، وابن أبي شيبة؛ من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ رفعه: «"أعوذ بالله من إمارة الصبيان". قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: "إن أطعتموهم هلكتم، وإن عصيتموهم أهلكوكم» .
قال الحافظ ابن حجر: " (هلكتم)؛ أي: في دينكم، و(أهلكوكم)؛ أي: في دنياكم؛ بإزهاق النفس، أو بإذهاب المال، أو بهما".
[ ١ / ٢٢٨ ]
باب ما جاء في بني أمية وما في زمانهم من الفتن
قال: "وفي رواية ابن أبي شيبة: أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول: "اللهم لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان " ".
قال: "وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة - يعني: الآتي ذكرهم في حديث أبي هريرة - كان في سنة ستين، وهو كذلك؛ فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، وبقي إلى سنة أربع وستين، فمات، ثم ولي ولده معاوية، ومات بعد أشهر ". انتهى.
ورواه ابن أبي شيبة أيضا، ولفظه: قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب: إمارة الصبيان، إن أطاعوهم أدخلوهم النار، وإن عصوهم ضربوا أعناقهم".
وقد رواه البيهقي، ولفظه: قال: كان أبو هريرة ﵁ يمشي في سوق المدينة وهو يقول: "اللهم لا تدركني سنة الستين، ويحكم! تمسكوا بصدغي معاوية، اللهم لا تدركني إمارة الصبيان".
وعن الشعبي؛ قال: لما رجع علي ﵁ من صفين؛ قال: "أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنه لو قد فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كالحنظل".
رواه البيهقي، وهو مرسل.
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من حديث الشعبي عن الحارث الأعور؛ قال: سمعت عليا ﵁ يقول: "لا تكرهوا إمارة معاوية، والذي نفسي بيده ما بينكم وبين أن تنظروا إلى جماجم الرجال تندر عن كواهلها كأنها الحنظل؛ إلا أن يفارقكم معاوية ".
الحارث فيه كلام، وبقية رواته ثقات.
وقد رواه ابن أبي شيبة من حديث الحارث عن علي ﵁ بنحوه.
[ ١ / ٢٢٩ ]
قال البيهقي: " علي وأبو هريرة إنما يقولان هذا لشيء سمعاه من رسول الله ﷺ ".
وعن أبي يزيد المديني؛ قال: قام أبو هريرة ﵁ على منبر رسول الله ﷺ دون مقام رسول الله ﷺ بعتبة، فقال: "ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل لهم من إمارة الصبيان؛ يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب".
رواه أبو بكر بن مالك، وذكره ابن كثير في "تاريخه".
وعن أبي هريرة أيضا ﵁: أنه قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب، أظلت ورب الكعبة أظلت، والله لهي أسرع إليهم من الفرس المضمر السريع، الفتنة العمياء الصماء المشبهة؛ يصبح الرجل فيها على أمر ويمسي على أمر، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ولو أحدثكم بكل الذي أعلم لقطعتم عنقي من هاهنا (وأشار إلى قفاه) . ويقول: اللهم لا تدرك أبا هريرة إمرة الصبيان".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "المراد بالأمة هنا: أهل ذلك العصر ومن قاربهم، لا جميع الأمة إلى يوم القيامة. وقوله: "لو أن الناس اعتزلوهم": محذوف الجواب، وتقديره: لكان أولى بهم، والمراد باعتزالهم: أن لا يداخلوهم، ولا يقاتلوا معهم، ويفروا بدينهم من الفتن. ويؤخذ من هذا
[ ١ / ٢٣٠ ]
الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية؛ فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك. قال ابن وهب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا، وقد صنع ذلك جماعة من السلف". انتهى.
وعن عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد؛ قال: أخبرني جدي؛ قال: كنت جالسا مع أبي هريرة ﵁ في مسجد النبي ﷺ بالمدينة ومعنا مروان، قال أبو هريرة ﵁: سمعت الصادق المصدوق ﷺ يقول: «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش» . فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة. فقال أبو هريرة ﵁: لو شئت أن أقول: بني فلان وبني فلان؛ لفعلت. فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم؟ قلنا: أنت أعلم.
رواه البخاري.
ورواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص: أخبرني جدي سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش» . قال مروان وهو معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا: فلعنة الله عليهم غلمة. قال: أما والله لو أشاء أن أقول: بني فلان وبني فلان؛ لفعلت. قال: فكنت أخرج مع أبي وجدي إلى بني مروان بعدما ملكوا، فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة. قال لنا: عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذي سمعت أبا هريرة يذكر؛ إن هذه الملوك يشبه بعضها بعضا.
ورواه: الإمام أحمد أيضا، وأبو داود الطيالسي، والحاكم في "مستدركه"؛ من حديث مالك بن ظالم عن أبي هريرة ﵁: أنه حدث مروان بن الحكم؛ قال: حدثني حبي أبو القاسم الصادق المصدوق ﷺ: «أن»
[ ١ / ٢٣١ ]
«هلاك أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لأحمد: قال: سمعت رسول الله ﷺ أبا القاسم الصادق المصدوق يقول: «إن هلاك أمتي (أو فساد أمتي) رؤوس أمراء أغيلمة سفهاء من قريش» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "هذه الرواية تخصص رواية أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ: «يهلك الناس هذا الحي من قريش»، وأن المراد بعض قريش، وهم الأحداث منهم، لا كلهم، والمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله، فتفسد أحوال الناس، ويكثر الخبط بتوالي الفتن، وقد وقع الأمر كما أخبر ﷺ ". انتهى.
قال ابن الأثير: "الأغيلمة: الصبيان، ولذلك صغرهم".
قال ابن حجر: "وقد يطلق الصبي والغليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين، ولو كان محتلما، وهو المراد هنا؛ فإن الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ، وكذلك من أمروه على الأعمال؛ إلا أن يكون المراد بالأغيلمة أولاد بعض من استخلف فوقع الفساد بسببهم، فنسب إليهم، والأولى الحمل على أعم من ذلك".
قلت: وقد تقدم في رواية أحمد أنهم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة، وإذا حمل الحديث على العموم؛ دخل فيه الصغار في السن والصغار في الدين والعقل والتدبير. والله أعلم.
وقال الحافظ ابن حجر: "يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين، مع
[ ١ / ٢٣٢ ]
أن الظاهر أنهم من ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه؛ ليكون أشد في الحجة عليهم لعلهم يتعظون، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، أخرجها الطبراني وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك". انتهى.
وعن عمران بن حصين ﵄؛ قال: أخبرني أعرابي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «"ما أخاف على قريش إلا أنفسها". قلت: ما لهم؟ قال: "أشحة بجرة، وإن طال بك عمر لتنظرن إليهم يفتنون الناس، حتى يرى الناس بينهم كالغنم بين الحوضين، إلى هذا مرة وإلى هذا مرة» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، خلا بلال بن يحيى العبسي، وهو ثقة".
وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «"إني لا أخشى على قريش إلا أنفسها". قلت: وما هو؟ قال: "أشحة بجرة، إن طال بك عمر رأيتهم يفتنون الناس حتى يرى الناس بينهم كالغنم بين الحوضين، مرة إلى هذا ومرة إلى هذا» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
قال الجوهري: " (البجر)؛ بالتحريك: خروج السرة ونتوها وغلظ أصلها".
وقال ابن الأثير وابن منظور: " (بجرة): جمع باجر، وهو العظيم البطن، يقال: بجر يبجر بجرا فهو أبجر وباجر، وصفهم بالبطانة ونتو السرر، ويجوز أن يكون كناية عن كنزهم الأموال واقتنائهم لها، وهو أشبه بالحديث؛ لأنه قرنه بالشح، وهو أشد البخل". انتهى.
وعن بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه: أنه
[ ١ / ٢٣٣ ]
سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون خلف من بعد الستين سنة؛ أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر» . قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به.
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، والحاكم في "مستدركه". قال ابن كثير: "وإسناده جيد قوي". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال أمر أمتي قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يلثمه رجل من بني أمية يقال له يزيد» .
رواه: أبو يعلى، والبزار. قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى رجال الصحيح؛ إلا أن مكحولا لم يدرك أبا عبيدة ".
قلت: وقد رواه يعقوب بن سفيان من حديث مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه.
وعن أبي العالية؛ قال: كنا بالشام مع أبي ذر ﵁، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول رجل يغير سنتي رجل من بني فلان» . فقال يزيد بن أبي سفيان: أنا هو؟ قال: "لا".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن أبي الدرداء ﵁: أنه قال: "إذا قتل الخليفة الشاب من
[ ١ / ٢٣٤ ]
بني أمية بين الشام والعراق مظلوما؛ لم تزل طاعة مستخف بها، ودم مسفوك على وجه الأرض بغير حق"؛ يعني: الوليد بن يزيد.
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن عبد الله بن موهب: أنه كان عند معاوية بن أبي سفيان ﵄، فدخل عليه مروان، فكلمه في حاجته، فقال: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين! فوالله إن مؤنتي لعظيمة، أصبحت أبا عشرة وأخا عشرة وعم عشرة. فلما أدبر مروان وابن عباس ﵄ جالس مع معاوية على سريره، فقال معاوية: أنشدك الله يابن عباس! أما تعلم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بلغ بنو أبي الحكم ثلاثين رجلًا؛ اتخذوا مال الله بينهم دولًا، وعباد الله خولًا، وكتاب الله دغلًا، فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة؛ كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة» . فقال ابن عباس ﵄: اللهم! نعم. قال: وذكر مروان حاجة له، فرد مروان عبد الملك إلى معاوية، فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك؛ قال معاوية: أنشدك الله يابن عباس! أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا، فقال: أبو الجبابرة الأربعة؟ فقال ابن عباس ﵄: اللهم! نعم.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وحديثه حسن". وقال ابن كثير: "فيه غرابة ونكارة شديدة، وابن لهيعة ضعيف".
قلت: قد روى له مسلم وابن خزيمة في "صحيحيهما" مقرونا بغيره، وروى له البخاري في عدة مواضع من "صحيحه" مقرونا بغيره، ولكنه لم يسمه، قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": "وهو ابن لهيعة لا شك فيه"، وحسن ابن عدي والهيثمي حديثه، وكذا حسن له ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر ورقة بن نوفل، ووثقه أحمد بن صالح، وعلى هذا فأوسط الأقوال في حديثه أن يكون من قبيل الحسن. والله أعلم.
[ ١ / ٢٣٥ ]
قال ابن الأثير: " (الدول): جمع دولة؛ بالضم، وهو ما يتداول من المال، فيكون لقوم دون قوم".
وقوله: "خولا"؛ قال ابن الأثير: "أي: خدما وعبيدا؛ يعني: أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم".
وقوله: "دغلا"؛ قال ابن الأثير: "أي: يخدعون به الناس".
وعن حلام بن جذل الغفاري؛ قال: سمعت أبا ذر جندب بن جنادة الغفاري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلًا؛ اتخذوا مال الله دولًا، وعباد الله خولًا، ودين الله دغلًا» . قال حلام: فأنكر ذلك على أبي ذر، فشهد علي بن أبي طالب ﵁: أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر»، وأشهد أن رسول الله ﷺ قاله.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى في منامه كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون، فأصبح كالمتغيظ، فقال: «ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة؟» . قال: فما رئي رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات ﷺ.
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير مصعب بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم ".
[ ١ / ٢٣٦ ]
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليرعفن على منبري جبار من جبابرة بني أمية، فيسيل رعافه» . فحدثني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص رعف على منبر رسول الله ﷺ حتى سال رعافه.
رواه الإمام أحمد، وفيه راو لم يسم.
وعن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: «ولد لأخي أم سلمة زوج النبي ﷺ غلام، فسموه: الوليد، فقال النبي ﷺ: سميتموه بأسماء فراعنتكم؟ ! ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له: الوليد؛ لهو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن". وقال في موضع آخر: "رجاله ثقات".
وعن سعيد بن المسيب؛ قال: «ولد لأخي أم سلمة ﵂ غلام، فسموه الوليد، فقال رسول الله ﷺ: "قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم؟ ! إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له: الوليد، هو أضر على أمتي من فرعون على قومه» .
رواه يعقوب بن سفيان من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب.
قال أبو عمرو الأوزاعي: "فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد؛ لفتنة الناس به حتى خرجوا عليه فقتلوه وانفتحت على الأمة الفتنة والهرج".
وقد رواه البيهقي من طريق بشر بن بكر عن الأوزاعي، فذكره ولم يذكر قول الأوزاعي، ثم قال: "وهذا مرسل حسن".
[ ١ / ٢٣٧ ]
ورواه نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم، وعنده: "قال الزهري: إن استخلف الوليد بن يزيد؛ فهو هو، وإلا فهو الوليد بن عبد الملك ".
باب
ما جاء في قتل الحسين بن علي ﵄
عن أنس بن مالك ﵁: «أن ملك القطر استأذن أن يأتي النبي ﷺ، فأذن له، فقال لأم سلمة ﵂: "املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد". قال: وجاء الحسين بن علي ﵄ ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي ﷺ وعلى منكبه وعلى عاتقه. قال: فقال الملك للنبي ﷺ: أتحبه؟ قال: "نعم". قال: إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده، فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أم سلمة، فصرتها في خمارها. قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني؛ بأسانيد، وفيها عمارة بن زاذان؛ قال الهيثمي: "وثقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح".
وعن أبي الطفيل ﵁ نحو حديث أنس ﵁.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
«وعن عائشة أو أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ قال لإحداهما: لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل علي قبلها؛ قال: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها. قال: "فأخرج تربة حمراء» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
[ ١ / ٢٣٨ ]
باب ما جاء في قتل الحسين بن علي ﵄
وعن نجي الحضرمي: أنه سار مع علي ﵁، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبد الله! اصبر أبا عبد الله! بشط الفرات. قلت: وماذا؟ قال: «دخلت على النبي ﷺ ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله! أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ ! قال: "بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات ". قال: "فقال: هل لك أن أشمك من ترتبه؟ ". قال: " قلت: نعم. فمد يده فقبض قبضة من تراب، فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا".
وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ جالسًا ذات يوم في بيتي؛ قال: "لا يدخل علي أحد". فانتظرت، فدخل الحسين، فسمعت نشيج رسول الله ﷺ يبكي، فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي ﷺ يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل. فقال: "إن جبريل ﵇ كان معنا في البيت؛ قال: أفتحبه؟ قلت: أما في الدنيا فنعم. قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها: كربلاء"، فتناول جبريل من تربتها، فأراها النبي ﷺ» . فلما أحيط بحسين حين قتل؛ قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء. فقال: صدق الله ورسوله: كرب وبلاء. وفي رواية: صدق رسول الله ﷺ: أرض كرب وبلاء.
رواه الطبراني بأسانيد. قال الهيثمي: "ورجال أحدها ثقات".
وعن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ﵄؛ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام بنصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه أو يتتبع فيها شيئا. قال: قلت: يا رسول الله! ما هذا؟ قال: "دم الحسين
[ ١ / ٢٣٩ ]
وأصحابه، لم أزل أتبعه منذ اليوم ". قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قتل ذلك اليوم. رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن سلمى - وهي مولاة بكر بن وائل - قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ (تعني: في المنام) وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: "شهدت قتل الحسين آنفا".
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وعن يزيد بن الأصم؛ قال: "خرجت مع الحسن ﵁ وجارية تحت شيئا من حناء عن أظافره، فجاءت إضبارة من كتب، فقال: يا جارية! هاتي المخضب! فصب فيه ماء، وألقى الكتب في الماء، فلم يفتح منها شيئا، ولم ينظر إليه. فقلت: يا أبا محمد! ممن هذه الكتب. قال: من أهل العراق، من قوم لا يرجعون إلى حق ولا يقصرون عن باطل، أما إني لست أخشاهم على نفسي، ولكني أخشاهم على ذلك، وأشار إلى الحسين ".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الله بن الحكم بن أبي زياد، وهو ثقة".
(الإضبارة): الحزمة من الكتب. و(المخضب): هو الإجانة التي تغسل فيها الثياب.
وعن ابن أبي نعم؛ قال: كنت جالسا عند ابن عمر ﵄، فجاءه رجل يسأل عن دم البعوض، فقال له ابن عمر ﵄: ممن أنت؟ قال: أنا من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا! يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هما ريحانتاي»
[ ١ / ٢٤٠ ]
«من الدنيا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث صحيح".
وقد رواه النسائي في "خصائص علي ﵁ " بإسناد جيد، ولفظه: قال: كنت عند ابن عمر ﵄، فأتاه رجل، فسأله عن دم البعوض يكون في ثوبه ويصلي فيه؟ فقال ابن عمر ﵄: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال ابن عمر ﵄: يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ، وسمعت رسول الله ﷺ يقول فيه وفي أخيه: «هما ريحانتاي من الدنيا» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أورد ابن عمر ﵄ هذا متعجبا من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير وتفريطهم في الشيء الجليل".
وقال أيضا: "والذي يظهر أن ابن عمر ﵄ لم يقصد ذلك الرجل بعينه، بل أراد التنبيه على جفاء أهل العراق وغلبة الجهل عليهم بالنسبة لأهل الحجاز ". انتهى.
وعن شهر بن حوشب؛ قال: "سمعت أم سلمة ﵂ حين جاء نعي الحسين بن علي ﵄ لعنت أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله ﷿، غروه ودلوه لعنهم الله".
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله موثوقون".
وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة، تركت ذكرها خشية الإطالة، وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٢٤١ ]
باب
ما جاء في وقعة الحرة
عن سعيد بن المسيب؛ قال: "وقعت الفتنة الأولى (يعني: مقتل عثمان) فلم تبق من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية (يعني: الحرة) فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ".
رواه البخاري تعليقا مجزوما به، ووصله أبو نعيم في "مستخرجه".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرج ابن أبي خيثمة هذا الأثر، وفيه: "ولو وقعت الثالثة"، وذكر ابن التين أن مالكا روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري؛ قال: "لم تترك الصلاة في مسجد النبي ﷺ إلا يوم قتل عثمان ويوم الحرة" ".
قال الحافظ: "ثم وجدت ما أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك " بإسناد صحيح إليه عن يحيى بن سعيد نحو هذا الأثر، وقال في آخره: "وإن وقعت الثالثة لم ترتفع وبالناس طباخ".
وقال الحافظ في قوله: "لم تبق من أصحاب بدر أحدا": "أي أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص ﵁، ومات قبل وقعة الحرة ببضع سنين.
وقوله: "طباخ"؛ بفتح المهملة والموحدة الخفيفة وآخره معجمة؛ أي: قوة. قال الخليل: أصل الطباخ: السمن والقوة، ويستعمل في العقل والخير.
قال حسان ﵁:
المال يغشى رجالا لا طباخ لهم كالسيل يغشى أصول الدندن البالي
[ ١ / ٢٤٢ ]
و(الدندن)؛ بكسر المهملتين وسكون النون الأولى: ما اسود من النبات". انتهى.
وقال ابن الأثير: "أصل الطباخ: القوة والسمن، ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طباخ له؛ أي: لا عقل له ولا خير عنده". انتهى.
وعن نافع؛ قال: "لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر ﵄ حشمه وولده، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة»، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر؛ إلا كانت الفيصل بيني وبينه".
رواه الإمام أحمد، والبخاري، وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية لأحمد عن نافع: أن ابن عمر ﵄ جمع بنيه حين انتزى أهل المدينة مع ابن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية، فقال: إنا قد بايعنا هذا الرجل ببيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان»، وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله تعالى - أن يبايع الرجل رجلا على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد، ولا يشرفن أحد منكم في هذا الأمر؛ فيكون صيلما فيما بيني وبينكم.
(الانتزاء) و(التنزي): تسرع الإنسان إلى الشر. و(الفيصل) و(الصيلم)؛ معناهما واحد.
قال ابن الأثير: "الفيصل: القطيعة التامة". وقال أيضا: "الصيلم: القطيعة المنكرة" انتهى.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "في هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه، ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق". انتهى.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: "جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾؛ قال: لأعطوها (يعني: إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة) ".
رواه يعقوب ين سفيان. قال ابن كثير وابن حجر العسقلاني: "إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄ ". قال ابن كثير: "وتفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء".
وعن أيوب بن بشير المعافري: «أن رسول الله ﷺ خرج في سفر من أسفاره، فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه، وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! ما الذي رأيت؟ فقال رسول الله ﷺ: أما إن ذلك ليس من سفركم هذا. قالوا: فما هو يارسول الله؟ قال: يقتل بهذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي» .
رواه يعقوب بن سفيان. قال ابن كثير: "وهو مرسل".
وعن أبي ذر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنت وقتلًا يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم؟ ! قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: "الحق بمن أنت منه". قال قلت: يا رسول الله! أفلا آخذ بسيفي فأضرب به من فعل ذلك؟ قال: "شاركت القوم إذًا، ولكن ادخل بيتك ". قلت: يا رسول الله! فإن دخل بيتي؟ قال: "إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف؛ فألق طرف ردائك على وجهك؛ فيبوء بإثمه وإثمك، فيكون من أصحاب النار» .
[ ١ / ٢٤٤ ]
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقد تقدم ذكره في (باب الفتن) مطولا.
وعن محمد بن سعيد (يعني: ابن رمانة): "أن معاوية ﵁ لما حضره الموت؛ قال ليزيد بن معاوية: قد وطأت لك البلاد، وفرشت لك الناس، ولست أخاف عليكم إلا أهل الحجاز، فإن رابك منهم ريب؛ فوجه إليهم مسلم بن عقبة المري؛ فإني قد جربته غير مرة، فلم أجد له مثلا لطاعته ونصيحته. فلما جاء يزيد خلاف ابن الزبير ودعاؤه إلى نفسه؛ دعا مسلم بن عقبة المري وقد أصابه الفالج، وقال: إن أمير المؤمنين عهد إلي في مرضه إن رابني من أهل الحجاز رائب أن أوجهك إليهم، وقد رابني. فقال: إني كما ظن أمير المؤمنين؛ اعقد لي، وعب الجيوش. قال: فورد المدينة، فأباحها ثلاثا، ثم دعاهم إلى بيعة يزيد أنهم أعبد له قن في طاعة الله ومعصيته، فأجابوه إلى ذلك؛ إلا رجلا واحدا من قريش، أمه أم ولد، فقال له: بايع ليزيد على أنك عبد في طاعة الله ومعصيته. قال: لا؛ بل في طاعة الله. فأبى أن يقبل ذلك منه، وقتله. فأقسمت أمه قسما؛ لئن أمكنها الله من مسلم حيا أو ميتا أن تحرقه بالنار. فلما خرج مسلم بن عقبة من المدينة؛ اشتدت علته فمات، فخرجت أم القرشي بأعبد لها إلى قبر مسلم، فأمرت به أن ينبش من عند رأسه، فلما وصلوا إليه؛ إذا ثعبان قد التوى على عنقه قابضا بأرنبة أنفه يمصها. قال: فكاع القوم عنه، وقالوا: يا مولاتنا! انصرفي؛ فقد كفاك الله شره، وأخبروها. قالت: لا؛ أو أوفي لله بما وعدته. ثم قالت: انبشوا من عند الرجلين. فنبشوا، فإذا الثعبان لاو ذنبه برجليه. قال: فتنحت، فصلت ركعتين، ثم قالت: اللهم! إن كنت تعلم أنما غضبت على مسلم بن عقبة اليوم لك؛ فخل بيني وبينه. ثم تناولت عودا، فمضت إلى ذنب الثعبان، فانسل من مؤخر رأسه، فخرج من القبر،
[ ١ / ٢٤٥ ]
ثم أمرت به، فأخرج من القبر، فأحرق بالنار".
رواه الطبراني.
قوله: "فكاع القوم عنه"؛ أي: جبنوا وأحجموا عنه.
باب
ما جاء في فتنة الحجاج وقتل ابن الزبير ﵄
عن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وأبو يعلى. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قال: "وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ ".
قال: "ويقال: الكذاب: المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف ".
وقال النووي: "اتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد، وبالمبير الحجاج بن يوسف ". انتهى.
وقال ابن الأثير: " (مبير)؛ أي: مهلك يسرف في إهلاك الناس". انتهى.
وعن أبي نوفل؛ قال: "رأيت عبد الله بن الزبير ﵄ على عقبة المدينة. قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر ﵄، فوقف عليه، فقال: السلام عليك أبا خبيب! السلام عليك أبا خبيب! السلام عليك أبا خبيب! أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله؛ إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير. ثم نفذ عبد الله بن عمر ﵄، فبلغ الحجاج موقف عبد الله
[ ١ / ٢٤٦ ]
باب ما جاء في فتنة الحجاج وقتل ابن الزبير ﵄
وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ﵄، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك. قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني. قال: فقال: أروني سبتي. فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. بلغني أنك تقول له: يابن ذات النطاقين! أنا والله ذات النطاقين: أما أحدهما؛ فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر؛ فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه. أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها".
رواه مسلم. وقد رواه: الطبراني والحاكم؛ من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب العرنجي بنحوه. قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح". ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" مختصرا، وإسناده صحيح.
وعن أبي الصديق الناجي؛ قال: "لما ظفر الحجاج بابن الزبير فقتله ومثل به، ثم دخل على أم عبد الله، وهي أسماء بنت أبي بكر ﵄، فقالت: كيف تستأذن علي وقد قتلت ابني؟ ! فقال: إن ابنك ألحد في حرم الله فقتلته ملحدا عاصيا، حتى أذاقه الله عذابا أليما، وفعل به وفعل. فقالت: كذبت يا عدو الله وعدو المسلمين! والله لقد قتلته صواما قواما برا بوالديه حافظا لهذا الدين؛ ولئن أفسدت عليه دنياه لقد أفسد عليك آخرتك، «ولقد حدثنا رسول الله ﷺ: أنه يخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما أشر من الأول، وهو المبير»، وما هو إلا أنت يا حجاج ".
[ ١ / ٢٤٧ ]
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم، وهذا لفظه، وزاد في رواية له: "فقال الحجاج: صدق رسول الله ﷺ وصدقت، أنا المبير، أبير المنافقين". قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي المحياة عن أمه؛ قالت: لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ﵄؛ دخل على أسماء بنت أبي بكر ﵄ فقال: يا أمه! إن أمير المؤمنين أوصاني بك؛ فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير»، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت. فقال الحجاج: مبير المنافقين.
رواه البيهقي.
وعن سلامة بنت الحر ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «في ثقيف كذاب ومبير» .
رواه أبو يعلى، وإسناده حسن.
وعن مجاهد؛ قال: قال لي عبد الله بن عمر ﵄: انظر إلى المكان الذي به ابن الزبير؛ فلا تمر بي عليه. قال: فسها الغلام؛ فإذا ابن عمر ينظر إلى ابن الزبير مصلوبا. فقال: يغفر الله لك (ثلاثا)، والله ما علمتك إلا كنت صواما قواما وصولا للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوي ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها أبدا. ثم التفت إلي فقال: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا» .
[ ١ / ٢٤٨ ]
رواه: ابن مردويه، والحاكم في "مستدركه"، وابن عساكر في "تاريخه".
وعن ابن سيرين؛ قال: "قال ابن الزبير ﵄: ما شيء كان يحدثناه كعب إلا قد أتى على ما قال؛ إلا قوله: إن فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي (يعني: المختار) ". قال ابن سيرين: "ولا يشعر أن أبا محمد قد خبئ له (يعني: الحجاج) ".
رواه عبد الزراق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف: "حدثني البريد الذي أتى ابن الزبير برأس المختار، فلما رآه قال ابن الزبير: ما حدثني كعب بحديث إلا وجدت مصداقه؛ إلا أنه حدثني أن رجلا من ثقيف سيقتلني ". قال الأعمش: وما يدري أن أبا محمد خذله الله خبئ له.
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير: أن أباه حدثه: «أنه أتى النبي ﷺ وهو يحتجم، فلما فرغ قال: "يا عبد الله! اذهب بهذا الدم؛ فأهرقه حيث لا يراك أحد"، فلما برزت عن رسول الله ﷺ؛ عمدت إلى الدم فحسوته، فلما رجعت إلى النبي ﷺ؛ قال: "ما صنعت يا عبد الله؟ ". قال: جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس. قال: "فلعلك شربته؟ ". قلت: نعم. قال: "ومن أمرك أن تشرب الدم؟ ! ويل لك من الناس وويل للناس منك!» .
رواه: أبو يعلى، والحاكم، والبيهقي.
وعن أبي عذبة الحمصي؛ قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁، فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة، فسها فيها، حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فلما
[ ١ / ٢٤٩ ]
سلم أقبل على الناس، فقال: من هاهنا من أهل الشام؛ فقام رجل، ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثا (أو رابعا)، فقال: يا أهل الشام! استعدوا لأهل العراق؛ فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية؛ لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم".
رواه البيهقي.
وعن الحسن؛ قال: قال علي ﵁ لأهل الكوفة: "اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني؛ فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال؛ يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيهم بحكم الجاهلية". قال الحسن: وما خلق الله الحجاج يومئذ.
رواه: عبد الرزاق، والبيهقي في "الدلائل"، وهو منقطع، قال البيهقي: "ولا يقول علي ذلك إلا توقيفا".
وعن مالك بن أوس بن الحدثان عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: "الشاب الذيال الميال أمير المصرين؛ يلبس فروتها، ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته".
رواه البيهقي في "الدلائل".
وعن أم حكيم بنت عمرو بن سنان الجدلية؛ قالت: "استأذن الأشعث بن قيس على علي ﵁، فرده قنبر، فأدمى أنفه، فخرج علي ﵁، فقال ما لك وله يا أشعث؟ ! أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لاقشعرت شعيرات استك. قيل له: يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلا. قيل: كم يملك؟ قال: عشرين
[ ١ / ٢٥٠ ]
إن بلغ".
رواه الطبراني.
وعن هشام بن حسان؛ قال: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: "لو أن الأمم تخابثت يوم القيامة، فأخرجت كل أمة خبيثها، ثم أخرجنا الحجاج؛ لغلبناهم".
رواه أبو نعيم في "الحلية"، ورواه البيهقي من حديث هشام بن يحيى الغساني عن عمر بن عبد العزيز بنحوه.
وقال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي: حدثنا سليمان بن أبي سنح: حدثنا صالح بن سليمان؛ قال: قال عمر بن عبد العزيز: "لو تخابثت الأمم، فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج؛ لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخس به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إلي عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل؛ رجوت أن يؤدى إلي ما أدي إلى عمر بن الخطاب مائة ألف وعشرة آلاف ألف".
وعن عمرو بن عثمان عن أبيه عن جده؛ قال: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن أرطاة: "بلغني أنك تستن بسنة الحجاج، فلا تستن بسنته؛ فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن الزبير بن عدي؛ قال: أتينا أنس بن مالك ﵁ نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: «اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده»
[ ١ / ٢٥١ ]
«شر منهه، حتى تلقوا ربكم. سمعته من نبيكم ﷺ» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن هشام بن حسان؛ قال: "أحصوا ما قتل الحجاج صبرا، فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل".
رواه الترمذي.
وقال الأصمعي: "حدثنا أبو عاصم عن عباد بن كثير عن قحدم؛ قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدا وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل: إنه لبث في سجنه ثمانون ألفا، منهم ثلاثون ألف امرأة، وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق، فأنشأ يقول:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط خرينا وصلينا بغير حساب
"
ذكره ابن كثير في "تاريخه".
قال: "وقال الرياشي: حدثنا عباس الأزرق عن السري بن يحيى؛ قال: مر الحجاج في يوم الجمعة، فسمع استغاثة، فقال: ما هذا؟ فقيل: أهل السجون يقولون: قتلنا الحر. فقال: قولوا لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون. قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة، حتى قصمه الله قاصم كل جبار".
وعن الشعبي: أنه قال: "يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج ".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
[ ١ / ٢٥٢ ]
قلت: وقد ذكر لي عن بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا: أنه كان يثني على الحجاج، ويتمنى أن يكون في زماننا من هو مثله أو كمثله مرتين، فذكر له عمر بن عبد العزيز، فقال كلاما يتضمن الغض منه، وأنه ضعيف، وهذا يدل على سريرة خبيثة عند ذلك الرجل، وأنه يحب الظلم وأهل الظلم، ويكره العدل وأهل العدل.
وقد ثبت عن النبي ﷺ: أنه قال: «المرء مع من أحب» .
متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁.
ولهما أيضا من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
باب
ما جاء في بني العباس
عن العباس ﵁؛ قال: كنت عند النبي ﷺ ذات ليلة، فقال: «"انظر؛ هل ترى في السماء من نجم؟ ". قال: قلت: نعم. قال: "ما ترى؟ ". قال: قلت: أرى الثريا. قال: "أما إنه يلي هذه الأمة بعددها من صلبك اثنين في فتنة» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه"، والبيهقي من طريق الحاكم. قال الهيثمي: "وفيه أبو ميسرة مولى العباس، ولم أعرفه إلا في ترجمة أبي قبيل، وبقية رجال أحمد ثقات".
قوله: "اثنين في فتنة": يحتمل أن يكون مرفوعا وأن يكون منصوبا وأن يكون مجرورا: والرفع أقرب؛ لاستغنائه عن التقديرات، وتكون هذه اللفظة باقية على طريقة المتقدمين في الخط؛ فإنهم يسوون بين المرفوع والمنصوب
[ ١ / ٢٥٣ ]
باب ما جاء في بني العباس
في الخط ويفرقون بينهما في اللفظ، وأما النصب والجر؛ فيحتاجان إلى تقدير، والجر أقرب، وتقديره: تكون ولاية اثنين في فتنة. وتقدير النصب: توقع الولاية اثنين في فتنة. والله أعلم.
وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة؛ لكونه وقع كما أخبر؛ فإنه ولي أمر هذه الأمة من بني العباس عدد كثير سبعة وثلاثون خليفة، منهم اثنان في فتنة عظيمة، وهما المأمون والمعتصم؛ فإنهما افتتنا بالقول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله ﷿، وفتنا كثيرا من الناس بدعائهم إلى هذه المحنة، حتى أجابوا مكرهين، ومن امتنع من إجابتهم كالإمام أحمد وغيره عذبوه بأنواع العذاب؛ من حبس وضرب وإهانة، ثم سلك الواثق سبيلهما في الدعاء إلى هذه الفتنة الصماء والمحنة الشنعاء، وقتل بسببها أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى، وروي أن الواثق رجع في آخر عمره عن القول بخلق القرآن، ذكر ذلك الخطيب والآجري وأبو نعيم في حكاية عن المهتدي بالله ابن الواثق، فإن كان ذلك صحيحا فقد انحصرت الفتنة في المأمون والمعتصم، وإن لم يكن صحيحا؛ فليس في الخبر ما ينفي الزيادة عن الاثنين، ويكون الاقتصار عليهما لعظم ضررهما. والله أعلم.
وعن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط؛ قال: "قدم عبد الله بن عباس ﵄ على معاوية ﵁ وأنا حاضر، فأجازه، فأحسن جائزته، ثم قال: يا أبا العباس! هل لكم دولة؟ فقال: أعفني يا أمير المؤمنين! فقال: لتخبرني. قال: نعم. فأخبره. قال: فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان ولبني أمية من بني هاشم بطحات".
رواه: يعقوب بن سفيان، والبيهقي.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «"مررت بالنبي ﷺ، وإذا معه»
[ ١ / ٢٥٤ ]
«جبريل، وأنا أظنه دحية الكلبي، فقال جبريل للنبي ﷺ: إنه لوسخ الثياب وسيلبس ولده من بعده السواد» .
رواه البيهقي، وقال: "تفرد به حجاج بن تميم، وليس بالقوي".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للعباس: «فيكم النبوة وفيكم الملك» .
رواه البيهقي، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن العامري، قال ابن كثير: "وهو ضعيف".
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تكون الدنيا للكع بن لكع» . قال معمر: هو أبو مسلم الخراساني؛ يعني: الذي أقام دولة بني العباس.
قلت: هذا الحديث قد روي موصولا من حديث أبي هريرة وحذيفة وأم سلمة ﵃، وسيأتي ذكر ذلك في أشراط الساعة إن شاء الله تعالى، ولعل مراد معمر أن أبا مسلم الخراساني ممن يشمله هذا الحديث، لا أنه المراد به وحده؛ فإن الحديث عام يدخل فيه أبو مسلم وغيره من اللئام الذين نالوا شهواتهم من حظوظ الدنيا وسعدوا بالرياسات والمناصب الزائلة.
وعن عبد الله بن المبارك: "أنه سئل عن أبي مسلم: أهو خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول: إن أبا مسام كان خيرا من أحد، ولكن كان الحجاج شرا منه، قد اتهمه بعضهم على الإسلام، ورموه بالزندقة، ولم أر فيما ذكروه عن أبي مسلم ما يدل على ذلك، بل على أنه كان ممن يخاف الله من ذنوبه، وقد ادعى التوبة فيما كان منه من سفك الدماء في إقامة الدولة العباسية، والله أعلم بأمره".
[ ١ / ٢٥٥ ]
رواه البيهقي.
وذكر ابن جرير: "أن أبا مسلم قتل في حروبه وما كان يتعاطاه لأجل دولة بني العباس ستمائة ألف صبرا، زيادة عمن قتل بغير ذلك".
قلت: وهذا أكثر مما ذكر عن الحجاج؛ كما تقدم ذكر ذلك قريبا.
باب
انتزاع الملك من قريش بسبب المعصية
عن معاوية ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش؛ لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
قال البيهقي: "أي: أقاموا معالمه، وإن قصروا هم في أعمال أنفسهم".
قلت: وفي تقييده ﷺ بقاء ملك قريش بإقامة الدين دليل على أنهم إذا لم يقيموا الدين فإن الأمر يخرج عنهم إلى غيرهم، وهكذا وقع الأمر؛ كما هو معروف عند أهل العلم.
ويستفاد من هذا الحديث أن ملك ملوك المسلمين مرتبط بإقامة دين الإسلام، فمن أقامه ثبت ملكه، ومن ضيعه خرج الأمر من يده ولا بد.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ في قريب من ثمانين رجلًا من قريش (فذكر الحديث، وفيه أن رسول الله ﷺ تشهد ثم قال:) «أما بعد! يا معشر قريش! فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب»
[ ١ / ٢٥٦ ]
باب انتزاع الملك من قريش بسبب المعصية
«(لقضيب في يده، ثم لحا قضيبه؛ فإذا هو أبيض يصلد») ".
رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". ورواه أبو يعلى والطبراني في "الأوسط"، قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى ثقات ".
قال الجوهري: " (اللحاء) ممدود: قشر الشجر، ولحوت العصا ألحوها لحوا: إذا قشرتها". انتهى.
و(يصلد): معناه: يبرق ويبص. قاله ابن الأثير وابن منظور في " لسان العرب ".
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته ما لم تحدثوا أعمالا تنزعه منكم، فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شرار خلقه فالتحوكم كما يلتحى القضيب» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم وهذا لفظه.
قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ خلا القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث، وهو ثقة ". وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في " تلخيصه ".
وعن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم مع الحق، إلا أن تعدلوا عنه، فتلحون كما تلحى هذه الجريدة (يشير إلى جريدة في يده)» .
رواه الشافعي في " مسنده " وهو مرسل صحيح الإسناد.
وقد وقع الأمر طبق ما في هذه الأحاديث، فبعث الله على بني أمية لما عصوه من لحاهم وانتزع الأمر من أيديهم، وكذلك بنو العباس لما كثرت معاصيهم بعث الله عليهم من لحاهم، وانتزع الأمر من أيديهم، وكذلك وقع
[ ١ / ٢٥٧ ]
لكثير سواهم من ولاة الأمور الذين عصوا الله ورسوله، فسلط الله عليهم من لحاهم، وانتزع الأمر من أيديهم.
ليعابر ولاة الأمور بمن خلا قبلهم من ولاة الأمور الذين سلبوا ملكهم، وبدلوا بالعز ذلا، وبالكرامة إهانة؛ جزاء على مخالفتهم لأوامر الله وارتكابهم لمحارمه.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الحي من مضر لا يدع عبدًا لله في الأرض صالحًا إلا فتنة وأهلكه، حتى يدركهم الله بعد بجنود من عنده أو من السماء، فيذلها حتى لا تمنع ذنب تلعة» .
رواه أبو داود الطيالسي، وإسناده صحيح على شرط "الشيخين"، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من طريق أبي داود الطيالسي، وإسناده على شرط مسلم.
وقد رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: عن حذيفة ﵁: أنه قال: «لا تدع مضر عبدا لله مؤمنا؛ إلا فتنوه أو قتلوه، أو يضربهم الله والملائكة والمؤمنون حتى لا يمنعوا ذنب تلعة ". فقال له رجل: يا أبا عبد الله! تقول هذا وأنت رجل من مضر؟ ! قال: ألا أقول ما قال رسول الله ﷺ»؟ !.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه الإمام أحمد: قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات".
قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه.
وقد وقع مصداق هذين الحديثين في بني أمية وبني العباس؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
[ ١ / ٢٥٨ ]
مقدمة
أبواب
ما جاء في فتن الأهواء والبدع
عن أبي هريرة ﵁؛ قال «: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة» .
رواه ابن جرير والطبراني وابن مردويه، وفيه عباد بن كثير؛ قال البخاري والنسائي وغيرهما: "متروك الحديث". قال ابن كثير: "ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه؛ فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس عن أبي هريرة ﵁ في الآية: أنه قال: "نزلت في هذه الأمة".
وعن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: «يا عائش! ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمة» .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم. قال ابن كثير: "وهو غريب، ولا يصح رفعه".
وعن أبي برزة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن حذيفة ﵁: "أنه أخذ حجرين، فوضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما من النور إلا قليلا. قال: والذي نفسي بيده لتظهرن
[ ١ / ٢٥٩ ]
البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما ترون ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء؛ قالوا: تركت السنة".
رواه ابن وضاح.
وعنه ﵁: أنه قال: "يأتي على الناس زمان يصبح الرجل بصيرا ويمسي وما يبصر شعرة".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
ورواه ابن أبي شيبة، ولفظه: قال: "والله إن الرجل ليصبح بصيرا ثم يمسي وما ينظر بشفر".
وعنه ﵁: أنه قال: "والله ليركبن الباطل على الحق حتى لا تروا من الحق إلا شيئا خفيا".
رواه ابن أبي شيبة.
باب
فيما يعصم من الفتن
عن علي ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار؛ قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره؛ أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم» .
رواه الترمذي، وقال: "غريب".
وقد رواه الإمام أحمد بإسناد ضعيف، ولفظه: قال: سمعت رسول الله
[ ١ / ٢٦٠ ]
باب فيما يعصم من الفتن
ﷺ يقول: «"أتاني جبريل ﵇، فقال: يا محمد! إن أمتك مختلفة بعدك". قال: "فقلت: فأين المخرج يا جبريل؟ ". قال: "فقال: كتاب الله تعالى؛ به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك (مرتين)، قول فصل، وليس بالهزل، لا تختلقه الألسن، ولا تفنى أعاجيبه، فيه نبأ ما قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم» .
وقد رواه ابن مردويه بنحوه مختصرا.
وعن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ نحو رواية الترمذي.
وإسناده ضعيف.
باب
افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ومحمد بن نصر المروزي وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، والآجري في "كتاب الشريعة". وقال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال الترمذي: "وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك ﵃ ".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: قال رسول الله: «افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الأيام والليالي حتى تفترق أمتي على مثلها (أو قال: على مثل ذلك)، فكل فرقة منها في النار؛ إلا واحدة،»
[ ١ / ٢٦١ ]
باب افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة
«وهي الجماعة» .
رواه: محمد بن نصر المروزي وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية؛ لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي» .
رواه: الترمذي، ومحمد بن وضاح، ومحمد بن نصر، والحاكم، والآجري. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وعن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة؛ فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: الجماعة» .
رواه ابن ماجه.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وهذا لفظه. قال في "الزوائد": "إسناده صحيح، رجاله ثقات".
ورواه أبو بكر الآجري من طرق عن أنس ﵁، وفي بعض
[ ١ / ٢٦٢ ]
طرقه: «كلها في النار إلا السواد الأعظم» .
ورواه الطبراني في "معجمه الصغير"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلهم في النار؛ إلا واحدة. قالوا: وما هي تلك الفرقة؟ قال: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأمتي تزيد عليهم فرقة؛ كلهم في النار إلا السواد الأعظم» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير". قال الهيثمي: وفيه أبو غالب؛ وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال "الأوسط" ثقات، وكذلك أحد إسنادي "الكبير".
وعن عمرو بن عوف ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى ﵇ سبعين فرقة؛ كلها ضالة؛ إلا فرقة واحدة: الإسلام وجماعتهم، ثم إنها افترقت على عيسى ﵇ على إحدى وسبعين فرقة؛ كلها ضالة إلا واحدة: الإسلام وجماعتهم، ثم إنكم تكونون على اثنتين وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة: الإسلام وجماعتهم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه كثير بن عبد الله، وهو ضعيف، وقد حسن الترمذي له حديثا، وبقية رجاله ثقات".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (فذكره بنحوه) .
وعن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ﵃؛ قالوا: «خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن نتمارى في شيء من الدين،»
[ ١ / ٢٦٣ ]
«فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله (الحديث، وفيه): "ذروا المراء؛ فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها على الضلالة؛ إلا السواد الأعظم ". قالوا: يا رسول الله! ما السواد الأعظم؟ قال ﷺ: "من كان على ما أنا عليه وأصحابي» .
رواه: الطبراني، والآجري. وفي إسناده ضعف.
وتفسير السواد الأعظم في هذا الحديث بأنهم من كان على ما عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، يدفع ما قد يتوهمه من قل نصيبه من العلم من أن السواد الأعظم المذكور في حديث أنس وحديث أبي أمامة ﵄ يراد به معظم المنتسبين إلى الإسلام وجمهورهم؛ نظرا منهم إلى ظاهر اللفظ.
فإن قيل: إن هذا الحديث ضعيف. قيل: قد تقدم ما يشهد له من حديث عبد الله بن عمرو وأنس ﵃.
وروي أيضا عن علي وابن مسعود ﵄ ما يؤيد ذلك، فروى العسكري عن سليم بن قيس العامري؛ قال: سأل ابن الكواء عليا ﵁ عن السنة والبدعة وعن الجماعة والفرقة؟ فقال: " يابن الكواء! حفظت المسألة؛ فافهم الجواب: السنة والله سنة محمد ﷺ، والبدعة ما فارقها، والجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا".
وقال عمرو بن ميمون الأودي: "صحبت معاذا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس: عبد الله بن مسعود ﵁، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن
[ ١ / ٢٦٤ ]
مواقيتها؛ فصلوا الصلاة لميقاتها؛ فهي الفريضة، وصلوا معهم؛ فإنها لكم نافلة. قال: قلت: يا أصحاب محمد! ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي فريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة! قال: يا عمرو بن ميمون! قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية؛ تدري ما الجماعة؟ قلت: لا. قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك".
وفي رواية: فقال ابن مسعود ﵁ وضرب على فخذي: "ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى ".
قال نعيم بن حماد: "يعني: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ".
رواه البيهقي في كتاب "المدخل "، ونقله أبو شامة في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وابن القيم في كتاب "الإغاثة".
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على إمامته مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: ما بلغني سنة عن رسول الله ﷺ؛ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك، فسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: «إذا اختلف الناس؛ فعليكم بالسواد الأعظم» . فقال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم".
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وصدق والله؛ فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها؛ فهو الحجة وهو الإجماع وهو السواد الأعظم، وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم
[ ١ / ٢٦٥ ]
وساءت مصيرا". انتهى.
وقد قال أبو نعيم في "الحلية": "حدثنا أبي: حدثنا خالي أحمد بن محمد ابن يوسف: حدثنا أبي؛ قال: قرأت على أبي عبد الله محمد بن القاسم الطوسي خادم ابن أسلم؛ قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول (وذكر في حديث رفعه إلى النبي ﷺ قال:) «إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف؛ فعليكم بالسواد الأعظم» . فقال رجل: يا أبا يعقوب! من السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن اتبعه. ثم قال: سأل رجل ابن المبارك، فقال: يا أبا عبد الرحمن! من السواد الأعظم؟ قال: أبو حمزة السكري. ثم قال إسحاق: في ذلك الزمان (يعني: أبا حمزة)، وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه. ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال: من السواد الأعظم؟ قالوا: جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فقد ترك الجماعة. ثم قال إسحاق: لم أسمع عالما منذ خمسين سنة أعلم من محمد بن أسلم ". انتهى ما ذكره أبو نعيم.
وجزم البخاري في (كتاب الاعتصام) من "صحيحه" أن الجماعة التي أمر النبي ﷺ بلزومها هم أهل العلم.
وقال أبو شامة في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث": "حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة؛ فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف له كثيرا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم". انتهى.
وقد نقل ابن القيم رحمه الله تعالى كلام أبي شامة في كتاب " الإغاثة"
[ ١ / ٢٦٦ ]
واستحسنه.
وقد وصفت الفرقة الناجية في الأحاديث التي تقدم ذكرها بثلاث صفات:
إحداها: أنهم الجماعة.
الثانية: أنهم السواد الأعظم.
الثالثة: أنهم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وهذه الصفة تبين المراد من الصفتين قبلها وتدل على أن أهل الحق هم الجماعة والسواد الأعظم من كانوا وأين كانوا، ولو كانوا من أقل الناس. والله أعلم.
وقد روى اللالكائي عن أبي الطفيل؛ قال: "كان علي ﵁ يقول: إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به، ثم يتلو هذه الآية: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾؛ يعني: محمدا والذين اتبعوه؛ فلا تغتروا؛ فإنما ولي محمد من أطاع الله، وعدو محمد من عصى الله وإن قربت قرابته".
وعن معاوية بن أبي سفيان ﵄: أنه لما قدم مكة حاجا؛ قام حين صلى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة (يعني: الأهواء)؛ كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه؛ لا يبقى عرق ولا مفصل إلا دخله» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة"، والحاكم في "مستدركه".
[ ١ / ٢٦٧ ]
وزاد أحمد ومحمد بن نصر والحاكم: «والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ؛ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به» .
صححه الحاكم، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الخطابي رحمه الله تعالى: " (الكلب): داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلب، وهو داء يصيب الكلب؛ كالجنون، وعلامة ذلك فيه: أن تحمر عيناه، وأن لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه، وإذا رأى إنسانا ساوره، فإذا عقر هذا الكلب إنسانا عرض له من ذلك أعراض رديئة، منها: أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشا، ولا يزال يستسقي، حتى إذا سقي الماء لم يشربه. ويقال: إن هذه العلة إذا استحكمت بصاحبها فقعد للبول؛ خرج منه هنات مثل صور الكلاب؛ فالكلب داء عظيم؛ إذا تجارى بالإنسان تمادى وهلك ". انتهى.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في أمتي نيفًا وسبعين داعيًا؛ كلهم داع إلى النار، لو أشاء لأنبأتكم بآبائهم وأمهاتهم وقبائلهم» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
باب
ما جاء في اتباع هذه الأمة لسنن أعداء الله
عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ !» .
[ ١ / ٢٦٨ ]
باب ما جاء في اتباع هذه الأمة لسنن أعداء الله
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها؛ شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: "ومن الناس إلا أولئك؟ !» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وهذا لفظه.
ورواه ابن ماجه، ولفظه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم؛ باعًا بباع، وذراعًا بذراع، وشبرًا بشبر، حتى لو دخلوا جحر ضب؛ لدخلتم فيه. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن إذًا؟ !» .
ورواه: الإمام أحمد أيضا، والحاكم في "مستدركه"؛ بنحو رواية ابن ماجه، ثم قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم؛ شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب؛ لدخلتموه. قالوا: من يا رسول الله؟ اليهود النصارى؟ قال: "فمن إلا هم؟ !» .
رواه محمد بن نصر المروزي في "كتاب السنة"، وإسناده جيد.
وعن سهل بن سعد الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «والذي نفسي بيده؛ لتركبن سنن من كان قبلكم مثلًا بمثل، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن إلا اليهود والنصارى؟ !» .
رواه: الإمام أحمد مختصرا، والطبراني بتمامه.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: أنه قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم؛ شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق؛ لفعلتموه» .
رواه محمد بن نصر المروزي والبزار بأسانيد جيدة، والحاكم في "مستدركه"، وصححه، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية؛ لكان في أمتي من يصنع ذلك» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وقد رواه محمد نصر المروزي في كتاب "السنة" بنحوه مختصرا، وإسناده حسن.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل، لتركبن طريقهم حذو القذة بالقذة، حتى لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله، حتى إن القوم لتمر عليهم المرأة فيقوم إليها بعضهم فيجامعها، ثم يرجع إلى أصحابه يضحك إليهم ويضحكون إليه» .
رواه الطبراني.
وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ؛ قال: «لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل، ولتأخذن مثل مأخذهم؛ إن شبرًا فشبر، وإن ذراعًا فذراع، وإن باعًا فباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه» .
رواه: محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة"، والآجري في كتاب
[ ١ / ٢٧٠ ]
"الشريعة".
وعن شداد بن أوس ﵄ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومحمد بن نصر المروزي والطبراني، والآجري.
وعن أبي واقد الليثي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده؛ لتركبن سنة من كان قبلكم» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، وابن حبان في "صحيحه"، ولفظهما: «إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم» .
ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة" بنحوه، وأسانيده كلها جيدة.
وعن المستورد بن شداد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تترك هذه الأمة شيئًا من سنن الأولين حتى تأتيه» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم".
رواه الآجري في كتاب "الشريعة".
ورواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: "لتسلكن طريق من كان قبلكم؛ حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم، ولا تخطئكم".
[ ١ / ٢٧١ ]
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه محمد بن وضاح بزيادة كثيرة ولفظه: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، حتى لا يقول عبد: مه، مه؟ ولتركبن سنن الأمم قبلكم حذو النعل بالنعل؛ لا تخطئون طريقهم، ولا تخطئكم، حتى لو أنه كان فيمن كان قبلكم من الأمم أمة يأكلون العذرة رطبة أو يابسة؛ لأكلتموها، وستفضلونهم بثلاث خصال لم تكن فيمن كان قبلكم من الأمم: نبش القبور، وسمنة النساء؛ تسمن الجارية حتى تموت شحما، وحتى يكتفي الرجال بالرجال دون النساء، والنساء بالنساء دون الرجال، ايم الله إنها لكائنة، ولو قد كانت؛ خسف بهم ورجموا كما فعل بقوم لوط، والله ما هو بالرأي، ولكنه الحق اليقين".
وعنه ﵁: أنه قال: "لا يكون في بني إسرائيل شيء؛ إلا كان فيكم مثله". فقال رجل: يكون فينا مثل قوم لوط؟ قال: "نعم".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "أنتم أشبه الناس ببني إسرائيل، والله لا تدعون شيئا عملوه إلا عملتموه، ولا كان فيهم شيء إلا سيكون فيكم مثله ". فقال رجل: أيكون فينا مثل قوم لوط؟ فقال: "نعم، ممن أسلم وعرف نسبه".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعنه ﵁: أنه قال: "أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة؛ غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ".
ذكره البغوي في "تفسيره".
[ ١ / ٢٧٢ ]
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لتركبن سنة بني إسرائيل حذو النعل بالنعل (أو القذة بالقذة)؛ غير أني لا أدري تعبدون العجل أم لا؟ ! ".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "أنتم أشبه الناس سمتا وهديا ببني إسرائيل، لتسلكن طريقهم؛ حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل ".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁: أنه قال: "إن أشبه الناس سمتا وهيئة ببني إسرائيل أنتم، تتبعون آثارهم حذو القذة بالقذة، لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله". رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: "لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا وهو كائن فيكم".
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن عبادة بن الصامت ﵁: أنه قال: "والله ما من شيء كان ممن قبلكم إلا سيكون فيكم".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أنه قال: "لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن همام بن الحارث؛ قال: كنا عند حذيفة ﵁، فذكروا:
[ ١ / ٢٧٣ ]
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فقال رجل من القوم: إنما هذا في بني إسرائيل. فقال حذيفة ﵁: "نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم الحلو ولهم المر، كلا والذي نفسي بيده؛ حتى تحذى السنة بالسنة حذو القذة بالقذة".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن بكر بن سوادة: أن موسى بن الأشعث حدثه أن الوليد حدثه: "أنه انطلق هو وأبيض - رجل من أصحاب النبي ﷺ - إلى رجل يعودانه. قال: فدخلنا المسجد فرأينا الناس يصلون، فقلت: الحمد لله الذي جمع بالإسلام الأحمر والأسود. فقال أبيض: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى لا تبقى ملة إلا ولها منكم نصيب. قلت: يبادرون يخرجون من الإسلام؟ قال: يصلون بصلاتكم، ويجلسون مجالسكم، وهم معكم في سوادكم، ولكل ملة منهم نصيب".
رواه عبدان في كتاب "الصحابة".
وهذه الموقوفات لها حكم الرفع؛ لأن فيها إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف. والله أعلم.
باب
ما جاء في الخوارج
وهم أول من كفر المسلمين بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله.
قال البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه": "وكان ابن عمر رضي الله
[ ١ / ٢٧٤ ]
باب ما جاء في الخوارج
عنهما يراهم شر خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين". انتهى.
وحكي عنهم أنهم لا يتبعون النبي ﷺ إلا فيما بلغه عن الله تعالى من القرآن والسنة المفسرة له، وأما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول فلا يعملون إلا بظاهره. ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ولهذا كانوا مارقين، مرقوا من الإسلام مروق السهم من الرمية؛ كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ عنهم.
وقد تواترت الأحاديث في ذكر الخوارج، وصحت من نحو من أربعين وجها، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وبدعة الخوارج هي أول بدعة حدثت في الإسلام، وأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله ﷺ هو «ذو الخويصرة التميمي، الذي اعترض على النبي ﷺ، وطعن عليه في قسمته العادلة بالاتفاق، وقال له في وجهه: اتق الله واعدل؛ فإنك لم تعدل! فقال النبي ﷺ: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل»؟ !، وسيأتي هذا الحديث قريبا إن شاء الله تعالى.
وعن أبي بكرة ﵁: «أن نبي الله ﷺ مر برجل ساجد وهو ينطلق إلى الصلاة، فقضى الصلاة ورجع عليه وهو ساجد، فقام النبي ﷺ فقال: "من يقتل هذا؟ " فقام رجل فحسر عن يديه، فاخترط سيفه وهزه وقال: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي! كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدًا عبده ورسوله؟ ! ثم قال: "من يقتل هذا؟ ". فقام رجل، فقال: أنا، فحسر عن ذراعيه، واخترط سيفه فهزه حتى أرعدت يده، فقال: يا نبي الله! كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ ! فقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها» .
[ ١ / ٢٧٥ ]
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. وإسناد أحمد صحيح على شرط مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن أبا بكر الصديق ﵁ جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! إني مررت بوداي كذا وكذا؛ فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي. فقال له النبي ﷺ: "اذهب إليه فاقتله". قال: فذهب إليه أبو بكر ﵁، فلما رآه على تلك الحال؛ كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ. قال: فقال النبي ﷺ لعمر: "اذهب فاقتله". فذهب عمر ﵁، فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر. قال: فكره أن يقتله. قال: فرجع فقال: يا رسول الله! إني رأيته يصلي متخشعًا، فكرهت أن أقتله. قال: "يا علي! اذهب فاقتله". فذهب علي ﵁، فلم يره، فرجع علي ﵁، فقال: يا رسول الله! لم أره. قال: فقال النبي ﷺ: "إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه؛ فاقتلوهم؛ هم شر البرية» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «ذكر رجل لرسول الله ﷺ، له نكاية في العدو واجتهاد، فقال رسول الله ﷺ: "لا أعرف هذا". فبينما هم كذلك إذ طلع رجل، فقالوا: هو هذا يا رسول الله. فقال ﵊: "ما كنت أعرف هذا، هذا أول قرن رأيته في أمتي؛ إن به لسفعة من الشيطان". فلما دنا الرجل سلم، فرد عليه القوم السلام، فقال له رسول الله ﷺ: "أنشدك بالله؛ هل حدثت نفسك حين طلعت علينا أن ليس في القوم أحد أفضل منك؟ ". قال: اللهم نعم. فدخل المسجد يصلي، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر ﵁: "قم فاقتله". فدخل أبو بكر المسجد، فوجده قائمًا يصلي، فقال أبو بكر في نفسه: إن للصلاة حرمة وحقًا، ولو أني استأمرت رسول»
[ ١ / ٢٧٦ ]
«الله ﷺ. فجاء إليه، فقال له النبي ﷺ: "أقتلته؟ ". قال: لا؛ رأيته قائمًا يصلي ورأيت للصلاة حرمة وحقًا، وإن شئت أن أقتله قتلته. قال: "لست بصاحبه، اذهب أنت يا عمر فاقتله". فدخل عمر ﵁ المسجد فإذا هو ساجد، فانتظره طويلًا، ثم قال عمر في نفسه: إن للسجود حقًا، ولو أني استأمرت رسول الله ﷺ؛ فقد استأمره من هو خير مني. فجاء إلى النبي ﷺ، فقال: "أقتلته؟ ". قال: لا؛ رأيته ساجدًا، ورأيت للسجود حقًا، وإن شئت أن أقتله قتلته. فقال رسول الله ﷺ: "لست بصاحبه، قم يا علي فاقتله، أنت صاحبه إن وجدته". فدخل علي ﵁ المسجد، فلم يجده، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: "لو قتل اليوم ما اختلف من أمتي رجلان حتى يخرج الدجال» .
رواه أبو يعلى، والآجري؛ من طرق عن أنس ﵁، وكلها ضعيفة، وأحسنها ما رواه أبو يعلى من طريق يزيد الرقاشي عن أنس ﵁، قال الهيثمي: " يزيد الرقاشي ضعفه الجمهور، وفيه توثيق لين، وبقية رجاله رجال الصحيح". قال: "وقد صح قبله حديث أبي بكرة وأبي سعيد ﵄". قال: "رواه البزار باختصار، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم".
وعن جابر ﵁؛ قال: «مر على رسول الله ﷺ رجل، فقالوا فيه وأثنوا عليه، فقال: "من يقتله؟ ". فقال أبو بكر ﵁: أنا. فذهب، فوجده قد خط على نفسه خطة وهو يصلي فيها، فلما رآه على تلك الحال رجع ولم يقتله. فقال النبي ﷺ: "من يقتله؟ ". فقال عمر ﵁: أنا. فذهب، فرآه في خطة قائمًا يصلي، فرجع ولم يقتله. فقال رسول الله ﷺ: "من له (أو: من يقتله؟) ". فقال علي ﵁: أنا. فقال رسول الله ﷺ: "أنت، ولا أراك تدركه". فانطلق، فرآه قد ذهب» .
[ ١ / ٢٧٧ ]
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان. قال: فغضبت قريش والأنصار، فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله ﷺ: "إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم". فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد! قال: فقال رسول الله ﷺ: "فمن يطع الله إن عصيته؟ ! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ ! ". قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد) فقال رسول الله ﷺ: "إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، وأبو داود، والنسائي.
وفي رواية للشيخين عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبية في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. قال: فبلغ ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً؟ ! ". قال: فقام رجل؛ غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز»
[ ١ / ٢٧٨ ]
«الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله. قال: "ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ". قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا؛ لعله أن يكون يصلي". فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال رسول الله ﷺ: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم". قال: ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: "إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (وأظنه قال:) لئن أدركتهم؛ لأقتلنهم قتل ثمود» .
وفي رواية لمسلم: «فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا ". قال: ثم أدبر، فقام إليه خالد سيف الله، فقال: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا". فقال: "إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله لينًا رطبًا» .
وفي رواية لأحمد والشيخين والنسائي في "خصائص علي ﵁" عن أبي سعيد ﵁؛ قال: «بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل. قال رسول الله ﷺ: "ويلك! ومن يعدل إن لم أعدل؟ ! قد خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! ائذن لي فيه أضرب عنقه. قال رسول الله ﷺ: "دعه؛ فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه؛ فلا يوجد فيه شيء - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه؛ فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة (أو مثل البضعة) تدردر،»
[ ١ / ٢٧٩ ]
«يخرجون على حين فرقة من الناس» . قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ، وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت.
هذا لفظ مسلم، وزاد أحمد والبخاري: قال: فنزلت فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ .
قوله: «يخرج من ضئضئ هذا» .
قال الخطابي وابن الأثير وغيرهما: "الضئضئ الأصل". قال الخطابي: "يريد أنه يخرج من نسله الذين هو أصلهم، أو يخرج من أصحابه وأتباعه الذين يقتدون به ويبنون رأيهم ومذهبهم على أصل قوله".
قلت: وهذا الأخير أرجح، ويؤيده قوله ﷺ: «إن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم»، وقوله في الحديث الآخر: «إن له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه» .
وهذا هو اختيار ابن كثير؛ قال: "لأن الخوارج لم يكونوا من سلالته، ولا أعلم أحدا منهم من نسله، وإنما أراد: "من ضئضئ هذا"؛ أي: من شكله وعلى صفته". انتهى.
وقد اختلف في معنى قوله: "قد خبت وخسرت"؛ بناء على اختلاف الرواية في ضبط هذين الحرفين، فروي بضم المثناة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح البارى": "بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء، بل هو عادل فلا يشقى، وحكى عياض فتحها، ورجحه
[ ١ / ٢٨٠ ]
النووي، وحكاه الإسماعيلي عن رواية شيخه المنيعي من طريق عثمان بن عمر عن قرة، والمعنى: لقد شقيت؛ أي: ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن". انتهى.
واختار هذا القول الأخير أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمة الله عليهما:
قال شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى: " إذا جوز أن الرسول يجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه الله عليه من الأموال وهو معتقد أنه أمين الله على وحيه؛ فقد اتبع ظالما كاذبا، وجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه من المال من هو صادق أمين فيما ائتمنه الله عليه من خبر السماء، ولهذا قال النبي ﷺ: «أيأمنني من في السماء ولا تأمنوني؟ !»، أو كما قال؛ يقول ﷺ: إن أداء الأمانة في الوحي أعظم، والوحي الذي أوجب الله طاعته هو الوحي بحكمه وقسمته". انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "تهذيب السنن": "الصواب فتح التاء من "خبت وخسرت"، والمعنى: إنك إذا خائب خاسر إن كنت تقتدي في دينك بمن لا يعدل، وتجعله بينك وبين الله، ثم تزعم أنه ظالم غير عادل، ومن رواه بضم التاء لم يفهم معناه هذا". انتهى.
قلت: وضم التاء أرجح من نصبها لوجوه:
أحدها: أنه رواية الأكثر.
الثاني: ما جاء في "صحيح ابن حبان " في هذا الحديث: أن «الرجل لما قال للنبي ﷺ: اعدل؛ فإنك لم تعدل. قال النبي ﷺ: يا ويلي! لقد شقيت إن لم أعدل» . فظاهر هذا السياق يدل على أن النبي ﷺ عنى بذلك نفسه.
[ ١ / ٢٨١ ]
الثالث: أن في توجيه المعنى على النصب تكلفا، وأما الرفع؛ فليس فيه تكلف.
الرابع: أن الرفع يتأيد بأدلة كثيرة من القرآن:
كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
والمعنى في هذه الآيات وفي الحديث أيضا: أنه لو فرض وجود الشرط؛ لكان المشروط، ولكن هذا كله محال وممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله ﷺ، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا؛ فإن الله ﷾ أحد
[ ١ / ٢٨٢ ]
صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفوا أحد، تعالى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وقد عصم الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ من الشرك والظلم والجور والغي والضلال ومتابعة أهواء اليهود والنصارى والمشركين، وبرأه من كل نقص وعيب، وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين؛ فكلهم معصومون مبرؤون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والمقصود هنا أن توجيه المعنى على الرفع صحيح ولا محذور فيه. والله أعلم.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل. قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ ! لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي! إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» .
رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
وعن أبي سلمة وعطاء بن يسار: أنهما أتيا أبا سعيد الخدري ﵁، فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج في هذه الأمة (ولم يقل منها) قوم تحتقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم (أو حناجرهم)، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء» .
[ ١ / ٢٨٣ ]
متفق عليه.
وقد رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه؛ من حديث أبي سلمة عن أبي سعيد ﵁ بنحوه.
وفي رواية لأحمد والبخاري عن أبي سلمة عن أبي سعيد ﵁: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج فيكم قوم؛ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، ثم ينظر في القدح فلا يرى شيئًا، ثم ينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق» .
وعن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁: «أن رسول الله ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق؛ قال: هم شر الخلق (أو من شر الخلق)، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق. قال: فضرب النبي ﷺ لهم مثلًا (أو قال: قولًا): "الرجل يرمي الرمية (أو قال: الغرض)، فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النضي فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة". فقال أبو سعيد ﵁: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق» !
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي في "خصائص علي ﵁ ".
وفي رواية لهم عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق» .
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، ولفظه: قال: «تكون فرقة بين»
[ ١ / ٢٨٤ ]
«طائفتين من أمتي، تمرق بينهما مارقة، تقتلها أولى الطائفتين بالحق» . وفي رواية لمسلم: «تكون في أمتي فرقتان، فتخرج من بينهما مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحق» .
ورواه الإمام أحمد، ولفظه: قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، تمرق بينهما مارقة، يقتلها أولاهما بالحق» .
ورواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عبد الملك بن أبي نضرة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رسول الله ﷺ أتاه مال، فجعل يضرب بيده فيه، فيعطي يمينًا وشمالًا، وفيهم رجل مقلص الثياب، ذو سيماء، بين عينيه أثر السجود، فجعل رسول الله ﷺ يضرب بيده يمينًا وشمالًا، حتى نفد المال، فلما نفد المال؛ ولى مدبرًا، وقال: والله ما عدلت منذ اليوم. قال: فجعل رسول الله ﷺ يقلب كفيه ويقول: "إذا لم أعدل؛ فمن ذا يعدل بعدي؟ ! أما إنه ستمرق مارقة، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يعودون إليه حتى يرجع السهم على فوقه، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحسنون القول ويسيئون الفعل، فمن لقيهم فليقاتلهم، فمن قتلهم فله أفضل الأجر، ومن قتلوه فله أفضل الشهادة، هم شر البرية، برئ الله منهم، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق» .
قال الحاكم: "صحيح، ولم يخرجاه بهذه السياقة"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في حديث ذكر فيه قومًا يخرجون على فرقة من الناس مختلفة؛ يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وعن معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه. قيل: ما سيماهم؟ قال: "سيماهم التحليق (أو قال: التسبيد)» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
(التسبيد): بمعنى التحليق: قال أبو داود: " (التسبيد): استئصال الشعر". وقال الجوهري: " (تسبيد الرأس): استئصال شعره. و(التسبيد) أيضا: ترك الادهان ". وكذا قال ابن الأثير وغيره من أهل اللغة.
وعن يزيد الفقير؛ قال: قلت لأبي سعيد: إن منا رجالا هم أقرؤنا للقرآن، وأكثرنا صلاة، وأوصلنا للرحم، وأكثرنا صوما، خرجوا علينا بأسيافهم. فقال أبو سعيد ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «يخرج قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» .
رواه الإمام أحمد، قال ابن كثير: "وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم ثقات".
وعن عاصم بن شميخ عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا حلف واجتهد في اليمين؛ قال: «والذي نفس أبي القاسم بيده؛ ليخرجن قوم من أمتي؛ تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. قالوا: فهل من علامة يعرفون بها؟ قال: "فيهم رجل ذو يدية (أو ثدية)، محلقي رؤوسهم» . قال أبو سعيد: فحدثني عشرون أو بضع وعشرون من أصحاب
[ ١ / ٢٨٦ ]
النبي ﷺ: أن عليا ﵁ ولي قتلهم. قال: فرأيت أبا سعيد بعدما كبر ويداه ترتعش يقول: قتالهم أحل عندي من قتال عدتهم من الترك.
رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن.
وظاهر هذا الحديث يدل على أن أبا سعيد ﵁ لم يشهد قتال الخوارج، والصحيح أنه قد شهد قتالهم؛ لما رواه الإمام أحمد والشيخان عن أبي سعيد ﵁: أنه قال: "أشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه" الحديث، وقد تقدم ذكره، وهو مقدم على ما في هذه الرواية، ويحتمل أن يكون المراد بتحديث العشرين أو البضع والعشرين أنهم شهدوا عند أبي سعيد ﵁ بمثل ما شهد به هو من قتال علي ﵁ للخوارج، وحينئذ فلا منافاة بين الروايتين. والله أعلم.
وعن قتادة عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵄ أن النبي ﷺ قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة؛ قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم. قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: "التحليق» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظ أحمد. وصححه الحاكم عن أنس ﵁، وقال: "على شرط الشيخين".
قال المنذري: "قتادة لم يسمع من أبي سعيد وسمع من أنس بن مالك. وقال الحاكم: لم يسمع هذا الحديث قتادة من أبي سعيد الخدري، إنما سمعه
[ ١ / ٢٨٧ ]
من أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد. ثم ساق بإسناده عن قتادة عن على الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «مثلهم مثل رجل يرمي رمية، فيتوخى السهم حيث وقع، فأخذه، فنظر إلى فوقه فلم ير به دسمًا ولا دمًا، ثم نظر إلى ريشه فلم ير به دسمًا ولا دمًا، ثم نظر إلى نصله فلم ير به دسمًا ولا دمًا»؛ كما لم يتعلق به شيء من الدسم والدم كذلك لم يتعلق هؤلاء بشيء من الإسلام".
ورواه الحاكم أيضا من حديث أنس وحده بنحو ما تقدم عنه وعن أبي سعيد، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
ورواه أبو داود في "سننه" عن الحسن بن علي (يعني: الحلواني) عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ نحوه (أي: نحو ما تقدم عن أبي سعيد وأنس ﵄)، وقال: «سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم» .
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن ماجه عن بكر بن خلف أبي بشر عن عبد الرزاق بنحوه مختصرا ولفظه: قال: «يخرج قوم في آخر الزمان (أو: في هذه الأمة)؛ يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم (أو: حلوقهم)، سيماهم التحليق، إذا رأيتموهم (أو: إذا لقيتموهم)؛ فاقتلوهم» .
إسناده صحيح.
ورواه الحاكم من طريق هشام بن يوسف الصنعاني عن معمر عن قتادة عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، وسيجيء قوم يعجبونكم وتعجبهم أنفسهم، الذين يقتلونهم أولى بالله منهم،»
[ ١ / ٢٨٨ ]
«يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يدعون إلى الله وليسوا من الله في شيء، فإذا لقيتموهم؛ فأنيموهم. قالوا: يا رسول الله! انعتهم لنا. قال: "آيتهم الحلق والتسبيت»؛ يعني: استئصال التقصير. قال: والتسبيت استئصال الشعر.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن مقسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ قال: خرجت أنا وتليد ابن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وهو يطوف بالبيت معلقا نعليه بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله ﷺ حين كلمه التميمي يوم حنين؟ قال: نعم؛ «أقبل رجل من بني تميم، يقال له: ذو الخويصرة، فوقف على رسول الله ﷺ وهو يعطي الناس؛ قال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال رسول الله ﷺ: "أجل؛ فكيف رأيت؟ ". قال: لم أرك عدلت. قال: فغضب رسول الله ﷺ، ثم قال: "ويحك! إن لم يكن العدل عندي؛ فعند من يكون؟ ! ". فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! ألا نقتله؟ قال: "لا؛ فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية؛ ينظر في النصل فلا يوجد شيء، ثم في القدح؛ فلا يوجد شيء، ثم في الفوق؛ فلا يوجد شيء، سبق الفرث والدم» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني باختصار. قال الهيثمي: "ورجال أحمد ثقات".
وعن عقبة بن وساج؛ قال: كان صاحب لي يحدثني عن عبد الله بن عمرو ﵄ في شأن الخوارج، فحججت، فلقيت عبد الله بن عمرو ﵄، فقلت: إنك بقية أصحاب رسول الله ﷺ، وقد جعل الله
[ ١ / ٢٨٩ ]
عندك علما، إن ناسا يطعنون على أمرائهم ويشهدون عليهم بالضلالة؟ قال: على أولئك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، «أتي رسول الله ﷺ بسقاية من ذهب أو فضة، فجعل يقسمها بين أصحابه، فقام رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد! لئن كان الله أمرك بالعدل؛ فلم تعدل. فقال: "ويلك! فمن يعدل عليكم بعدي؟ ! ". فلما أدبر قال رسول الله ﷺ: "إن في أمتي أشباه هذا؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإن خرجوا فاقتلوهم، ثم إن خرجوا فاقتلوهم (قال ذلك ثلاثًا)» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن شريك بن شهاب؛ قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يحدثني عن الخوارج، فلقيت أبا برزة ﵁ في يوم عرفة في نفر من أصحابه، فقلت: يا أبا برزة! حدثنا بشيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله في الخوارج. قال: أحدثك بما سمعت أذناني ورأت عيناي: «أتي رسول الله ﷺ بدنانير، فكان يقسمها، وعنده رجل أسود مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان، بين عينيه أثر السجود، فتعرض لرسول الله ﷺ، فأتاه من قبل وجهه؛ فلم يعطه شيئًا، فأتاه من قبل يمينه؛ فلم يعطه شيئًا، ثم أتاه من خلفه؛ فلم يعطه شيئًا، فقال: والله يا محمد ما عدلت في القسمة منذ اليوم. فغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا، ثم قال: "والله لا تجدون بعدي أحدًا أعدل عليكم مني" قالها ثلاثًا، ثم قال: "يخرج من قبل المشرق رجال، كأن هذا منهم، هديهم هكذا؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون إليه (ووضع يده على صدره)، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم، فإذا رأيتموهم فاقتلوهم (قالها ثلاثًا)؛ شر الخلق والخليقة (قالها ثلاثًا)» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والنسائي، والحاكم في
[ ١ / ٢٩٠ ]
"مستدركه"، وهذا لفظ أحمد، وفي رواية له: «لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال» . ورواه: أبو داود الطيالسي، والنسائي؛ بنحوه.
فيه الأزرق بن قيس: قال الهيثمي: "وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعن عامر بن واثلة ﵁؛ قال: «لما كان يوم حنين أتى رسول الله ﷺ رجل مجزوز الرأس (أو: محلوق الرأس)؛ قال: ما عدلت. فقال له رسول الله ﷺ: "فمن يعدل إذا لم أعدل أنا؟ ! " قال: فغفل عن الرجل، فذهب، فقال: "أين الرجل؟ ". فطلب، فلم يدرك، فقال: "إنه سيخرج في أمتي قوم سيماهم سيما هذا، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قدحه فلم ير شيئًا، ينظر في رصافه فلم ير شيئًا، ينظر في فوقه فلم ير شيئًا"» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن شهر بن حوشب؛ قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية قدمت الشام، فأخبرت بمقام يقومه نوف فجئته؛ إذ جاء رجل فاشتد الناس، عليه خميصة، وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فلما رآه نوف؛ أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف» .
قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن قطع، كلما خرج منهم قرن قطع، (حتى عدها زيادة على عشر مرات: كلما خرج منهم قرن قطع)،»
[ ١ / ٢٩١ ]
«حتى يخرج الدجال في بقيتهم» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وشهر ثقة، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وقد رواه: أبو داود الطيالسي في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية"؛ بنحوه. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى أبو داود في "سننه" طرفا من أوله.
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يحقر أحدكم عمله مع عملهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم؛ فطوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعه الله، كلما طلع منهم قرن قطعه الله، كلما طلع منهم قرن قطعه الله (فردد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع)» .
رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ، وإسناده ضعيف.
وقد رواه ابن ماجه بإسناد صحيح على شرط البخاري، ولفظه: قال: «ينشأ نشء، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع (قال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كلما خرج قرن قطع؛ أكثر من عشرين مرة)، حتى يخرج في عراضهم الدجال» .
وعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بعدي من أمتي (أو: سيكون بعدي من أمتي) قوم يقرؤون القرآن؛ لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية،»
[ ١ / ٢٩٢ ]
«ثم لا يعودون فيه، وهم شر الخلق والخليقة» . فقال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري. قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا (فذكرت له هذا الحديث)؟ فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج قوم في آخر الزمان: سفهاء الأحلام، أحداث (أو حدثاء) الأسنان، يقولون من خير قول الناس، يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتلهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عظيمًا عند الله لمن قتلهم» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح".
وعن سويد بن غفلة؛ قال: قال علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ؛ فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج في آخر الزمان قوم: أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والنسائي.
وعن سويد بن غفلة أيضا عن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر الزمن قوم: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من»
[ ١ / ٢٩٣ ]
«الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، قتالهم حق على كل مسلم» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه النسائي في "خصائص علي ﵁ " بنحوه، وزاد في رواية: «سيماهم التحليق» .
وعن زيد بن وهب الجهني: أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي ﵁: أيها الناس! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ؛ لاتكلوا على العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض» . فذكر الحديث في قتلهم الخوارج؛ قال: وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه. فقام علي ﵁ بنفسه، حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخروهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. قال: فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين! آلله الذي لا إله إلا هو؛ لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو. حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له.
رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي في "خصائص علي ﵁ "، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" وروايته مختصرة ورواه أيضا في كتاب "السنة" مطولا بنحو رواية مسلم، وأبي داود.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وعن محمد بن سيرين عن عبيدة: عن علي ﵁: "أنه ذكر الخوارج، فقال: فيهم رجل مخدج اليد (أو: مودن اليد، أو: مثدون اليد)، لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ. قال: قلت: آنت سمعته من محمد ﷺ؟ قال: إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة".
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد، والنسائي في "خصائص علي ﵁ ".
قال وكيع: " (مودن اليد): ناقص اليد، و(المخدج): ضامره، و(مثدون اليد): فيها شعرات زائدة".
رواه عنه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وقال ابن الأثير: " (مثدون اليد)؛ أي: صغير اليد مجتمعها، و(المثدن) و(المثدون): الناقص الخلق".
وعن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ: "أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب ﵁؛ قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي ﵁: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله ﷺ وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم، لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه)، من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود، إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي. فلما قتلهم علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: انظروا. فنظروا، فلم يجدوا شيئا. فقال: ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت (مرتين أو ثلاثا) . ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه". قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم.
رواه: مسلم، والنسائي في "خصائص علي ﵁ "، وأبو بكر
[ ١ / ٢٩٥ ]
الآجري في كتاب "الشريعة".
وزاد مسلم في رواية عن ابن حنين: أنه قال: "رأيت ذلك الأسود".
وعن أبي كثير مولى الأنصار؛ قال: "كنت مع سيدي مع علي بن أبي طالب ﵁ حيث قتل أهل النهروان، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم، فقال علي ﵁: يا أيها الناس! إن رسول الله ﷺ قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون فيه أبدا حتى يرجع السهم على فوقه، وإن آية ذلك أن فيهم رجلا أسود مخدج اليد، إحدى يديه كثدي المرأة، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة، حوله سبع هلبات؛ فالتمسوه؛ فإني أراه فيهم، فالتمسوه، فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى، فأخرجوه، فكبر علي ﵁، فقال: الله أكبر! صدق الله ورسوله. وإنه لمتقلد قوسا له عربية، فأخذها بيده، فجعل يطعن بها في مخدجته، ويقول: صدق الله ورسوله. وكبر الناس حين رأوه واستبشروا، وذهب عنهم ما كانوا يجدون".
رواه الإمام أحمد.
وعن طارق بن زياد؛ قال: خرجنا مع علي ﵁ إلى الخوارج، فقتلهم، ثم قال: انظروا؛ فإن نبي الله ﷺ قال: «إنه سيخرج قوم يتكلمون بالحق، لا يجوز حلوقهم، يخرجون من الحق كما يخرج السهم من الرمية، سيماهم أن منهم رجلًا أسود مخدج اليد، في يده شعرات سود»، إن كان هو فقد قتلتم شر الناس، وإن لم يكن هو فقد قتلتم خير الناس، فبكينا، ثم قال: اطلبوا. فطلبنا، فوجدنا المخدج، فخررنا سجودا، وخر علي ﵁ معنا ساجدا.
رواه: الإمام أحمد، والنسائي في "خصائص علي ﵁ ".
[ ١ / ٢٩٦ ]
وعن أبي جحيفة ﵁؛ قال: "قال علي ﵁ حين فرغ من الحرورية: إن فيهم رجلا مخدج اليد، ليس على عضده عظم، في عضده حلمة كحلمة الثدي، عليها شعرات طوال عقف، فالتمس، فلم يوجد. قال: وأنا فيمن يلتمس، فما رأيت عليا ﵁ جزع قط أشد من جزعه يومئذ. قالوا: ما نجده يا أمير المؤمنين! قال: ما اسم هذا المكان؟ قالوا: النهروان. قال: كذبتم؛ إنه لفيهم فالتمسوه. قال: فثورنا القتلى فلم نجده، فعدنا إليه فقلنا: يا أمير المؤمنين! ما نجده. قال: ما اسم هذا المكان؟ قلنا: النهروان. قال: صدق الله ورسوله وكذبتم؛ إنه لفيهم فالتمسوه. فالتمسناه، فوجدناه في ساقية، فجئنا به، فنظرت إلى عضده ليس فيها عظم وعليها كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات طوال عقف".
رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، والخطيب البغدادي في "تاريخه".
وعن أبي الوضيء (واسمه عباد بن نسيب)؛ قال: "شهدت عليا حيث قتل أهل النهروان؛ قال: التمسوا لي المخدج. فطلبوه في القتلى، فقالوا: ليس نجده. فقال: ارجعوا فالتمسوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت. فرجعوا فطلبوه، فردد ذلك مرارا، كل ذلك يحلف بالله ما كذبت ولا كذبت، فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين، فاستخرجوه، فجيء به". فقال أبو الوضيء: "فكأني أنظر إليه؛ حبشي عليه ثدي، قد طبق إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع".
رواه: أبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"؛ بأسانيد صحيحة.
وفي رواية لعبد الله: "قال علي ﵁: لا يأتيكم أحد يخبركم
[ ١ / ٢٩٧ ]
من أبوه. فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك. يقول علي ﵁: ابن من هو؟ ".
وفي رواية له أخرى: "قال علي ﵁: أما إن خليلي أخبرني بثلاثة إخوة من الجن، هذا أكبرهم، والثاني له جمع كثير، والثالث فيه ضعف".
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، وساق هذه الروايات مساقا واحدا، وذكر قصة مجيء ذي الثدية إلى الكوفة، فقال بعد قوله: "فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك": "يقول علي ﵁: ابن من هو؟ يقولون: لا ندري؟ فجاء رجل من أهل الكوفة، فقال: أنا أعلم الناس بهذا، كنت أروض مهرة لفلان ابن فلان، شيخ من بني فلان، وأضع على ظهرها جوالق سهلة أقبل بها وأدبر؛ إذ نفرت المهرة، فناداني، فقال: يا غلام! انظر؛ فإن المهرة قد نفرت. فقلت: إني لأرى خيالا كأنه غراب أو شاة. إذ أشرف هذا علينا، فقال: من الرجل؟ فقال: رجل من أهل اليمامة. قال: وما جاء بك شعثا شاحبا؟ قال: جئت أعبد الله في مصلى الكوفة. فأخذ بيده، ما لنا رابع إلا الله، حتى انطلق به إلى البيت، فقال لامرأته: إن الله تعالى قد ساق إليك خيرا. قالت: والله إني إليه لفقيرة؛ فما ذلك؟ قال: هذا رجل شعث شاحب كما ترين، جاء من اليمامة ليعبد الله في مصلى الكوفة، فكان يعبد الله فيه ويدعو الناس، حتى اجتمع الناس إليه. فقال علي ﵁: أما إن خليلي ﷺ أخبرني أنهم ثلاثة إخوة من الجن: هذا أكبرهم، والثاني له جمع كثير، والثالث فيه ضعف".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي سعيد ﵁؛ قال: «حضرت رسول الله ﷺ يوم حنين وهو يقسم (فذكر الحديث إلى أن قال:) "علامتهم رجل يده كثدي المرأة،»
[ ١ / ٢٩٨ ]
«كالبضعة تدردر، فيها شعرات، كأنها سبلة سبع» . قال أبو سعيد ﵁: فحضرت هذا من رسول الله ﷺ يوم حنين، وحضرت مع علي ﵁ قتلهم بنهروان. قال: فالتمسه علي ﵁، فلم يجده. قال: ثم وجده بعد ذلك تحت جدار على هذا النعت، فقال علي ﵁: أيكم يعرف هذا؟ فقال رجل من القوم: نحن نعرفه، هذا حرقوص، وأمه هاهنا. قال: فأرسل علي ﵁ إلى أمه، فقال: من هذا؟ فقالت: ما أدري يا أمير المؤمنين، إلا أني كنت أرعى غنما لي في الجاهلية بالربذة، فغشيني شيء كهيئة الظلمة، فحملت منه، فولدت هذا.
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه أبو معشر نجيح، وهو ضعيف يكتب حديثه".
قلت: وحديث أبي الوضيء يشهد له ويقويه.
وعن أبي مريم (وهو قيس الثقفي المدائني)؛ قال: حدثنا علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن قومًا يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، علامتهم رجل مخدج اليد» .
رواه: أبو داود الطيالسي، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" وهذا لفظه، ورواتهما ثقات.
وعنه أيضا؛ قال: "إن كان ذلك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد، نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيرا، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي ﵁ مع الناس، وقد كسوته برنسا لي". قال أبو مريم: "وكان المخدج يسمى نافعا، ذا الثدية، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي، وعليه شعيرات مثل سبالة السنور".
[ ١ / ٢٩٩ ]
رواه أبو داود.
وعن عاصم بن كليب عن أبيه؛ قال: كنت جالسا عند علي ﵁، فقال: إني دخلت على رسول الله ﷺ وليس عنده أحد إلا عائشة، فقال: «" يابن أبي طالب! كيف أنت وقوم كذا وكذا؟ ". قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "قوم يخرجون من المشرق؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فيهم رجل مخدج اليد كأن يديه ثدي حبشية» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"، وفي "كتاب السنة"، وإسناده جيد.
ورواه: أبو يعلى بزيادة فيه، والبزار بنحوه، ولفظ أبي يعلى: قال: كنت جالسا عند علي ﵁ وهو في بعض أمر الناس؛ إذ جاءه رجل عليه ثياب السفر، فقال: يا أمير المؤمنين! فشغل عليا ﵁ ما كان فيه من أمر الناس. فقال كليب: قلت: ما شأنك؟ فقال: كنت حاجا أو معتمرا (قال: لا أدري أي ذلك) . قال: فمررت على عائشة ﵂، فقالت: من هؤلاء القوم الذين خرجوا قبلكم يقال لهم: الحرورية؟ قال: فقلت: في مكان يقال له: حروراء، فسموا بذلك: الحرورية. فقالت: طوبى لمن شهد هلكتهم، أما والله لو شاء ابن أبي طالب لأخبركم، فمن ثم جئت أسأل عن ذلك؟ قال: وفرغ علي ﵁، فقال: أين المستأذن؟ فقام فقص عليه مثل ما قص علي. قال: فأهل علي ﵁ ثلاثا، ثم قال: كنت عند رسول الله ﷺ وليس عنده أحد إلا عائشة. قال: فقال لي: «يا علي! كيف أنت وقوم يخرجون بمكان كذا وكذا (وأومأ بيده نحو المشرق)؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم (أو تراقيهم)، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فيهم»
[ ١ / ٣٠٠ ]
«رجل مخدج اليد، كأن يده ثدي حبشية» . ثم قال: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو أحدثتكم أنه فيهم؟ قالوا: نعم. فذهبتم، فالتمستموه، ثم جئتم به تسحبونه كما نعت لكم. قال: ثم قال: صدق الله ورسوله (ثلاث مرات) .
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" بنحوه، ورواته ثقات.
وعن علي ﵁: أنه قال: "لقد علم أولو العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر - فاسألوها - أن أصحاب ذي الثدية ملعونون على لسان النبي الأمي ﷺ (وفي رواية: أن أصحاب النهروان) ".
رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط" بإسنادين. قال الهيثمي: "ورجال أحدهما ثقات".
وعن يزيد بن أبي زياد؛ قال: "سألت سعيد بن جبير عن أصحاب النهر؟ فقال: حدثني مسروق؛ قال: سألتني عائشة ﵂، فقالت: أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ذا الثدية؟ قلت: لم أره، ولكن قد شهد عندي من قد رآه. قالت: فإذا قدمت الأرض فاكتب إلي شهادة نفر قد رأوه أمناء، فجئت والناس أسباع، فكلمت من كل سبع عشرة ممن قد رآه، فقلت: كل هؤلاء عدول. فقالت: قاتل الله فلانا؛ فإنه كتب إلي أنه أصابه بمصر".
قال يزيد: وحدثني من سمع عائشة ﵂ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي»، وما كان بيني وبينه إلا ما كان بين المرأة وأحمائها.
رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"، ورواه البيهقي في "دلائل
[ ١ / ٣٠١ ]
النبوة" من طريق عامر الشعبي عن مسروق (فذكره بنحوه)، وفي آخره أن عائشة ﵂ بكت، فلما سكنت عبرتها؛ قالت: "رحم الله عليا؛ لقد كان على الحق، وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة وأحمائها".
وعن سعد بن أبي وقاص: «أنه سمع النبي ﷺ، وذكر (يعني: ذا الثدية الذي يوجد مع أهل النهروان)، فقال: "شيطان الردهة، يحتدره رجل من بجيلة؛ يقال له: الأشهب (أو ابن الأشهب)، علامة في قوم ظلمة» . قال سفيان: قال عمار الدهني حين حدث: جاء به رجل منا من بجيلة، فقال: أراه من دهن، يقال له: الأشهب (أو ابن الأشهب) .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة مختصرا، ويعقوب بن سفيان، وأبو يعلى، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
«وعن يسير بن عمرو؛ قال: قلت لسهل بن حنيف ﵁: هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول (وأهوى بيده قبل العراق): "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية لأحمد ومسلم: قال: «يتيه قوم قبل المشرق، محلقة رؤوسهم» .
وعن أنس ﵁؛ قال: ذكر لي أن رسول الله ﷺ قال - ولم أسمعه منه -: «إن فيكم قومًا، يتعبدون فيدأبون حتى يعجب بهم الناس وتعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه ﵁؛ قال: قال رسول الله
[ ١ / ٣٠٢ ]
ﷺ: «سيخرج قوم أحداث، أحداء، أشداء، ذليقة ألسنتهم بالقرآن، يقرؤونه لا يجاوز تراقيهم، فإذا لقيتموهم فأنيموهم، ثم إذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنه يؤجر قاتلهم» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه الطبراني والبزار والحاكم بنحوه، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي غالب؛ قال: رأى أبو أمامة ﵁ رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال: «كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه (ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية)» . قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا (حتى عد سبعا)؛ ما حدثتكموه.
رواه: الإمام أحمد، والترمذي وقال: "هذا حديث حسن ".
ورواه ابن ماجه، ولفظه: قال: «شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوا، كلاب أهل النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارًا» . قلت: يا أبا أمامة! هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ.
وفي رواية لأحمد عن أبي غالب؛ قال: لما أتي برؤوس الأزارقة، فنصبت على درج دمشق؛ جاء أبو أمامة ﵁، فلما رآهم؛ دمعت عيناه، فقال: «كلاب النار (ثلاث مرات)، هؤلاء شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى قتلوا تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء» . قال: فقلت: فما شأنك دمعت عيناك؟ قال: رحمة لهم؛ إنهم كانوا من أهل الإسلام. قال: قلنا: أبرأيك قلت: هؤلاء كلاب النار، أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: إني لجريء! بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة ولا ثنتين ولا ثلاث. قال: فعد مرارا.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" مختصرا، ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من طرق عن أبي غالب عن أبي أمامة ﵁.
ورواه الطبراني في "الصغير" من طريق الوليد بن مسلم: حدثنا خليد بن دعلج: حدثنا أبو غالب؛ قال: "جيء برؤوس الخوارج، فنصبت على درج مسجد دمشق، فجعل الناس ينظرون إليها وخرجت أنا أنظر إليها، فجاء أبو أمامة ﵁ على حمار وعليه قميص سنبلاني، فنظر إليهم، فقال: ما صنع الشيطان بهذه الأمة (يقولها ثلاثا)؟ شر قتلى تحت ظل السماء هؤلاء، خير قتلى تحت ظل السماء من قتله هؤلاء، كلاب النار (يقولها ثلاثا)، ثم بكى، ثم انصرف. قال أبو غالب: فاتبعته، فقلت: سمعتك تقول قولا قبل، أفأنت قلته؟ فقال: سبحان الله! إني إذا لجريء! بل سمعت ذلك من رسول الله ﷺ مرارا. فقلت له: رأيتك بكيت، فقال: رحمة لهم، كانوا من أهل الإسلام مرة. ثم قال لي: أما تقرأ؟ قلت: بلى. قال: فاقرأ من آل عمران. فقرأت، فقال: أما تسمع قول الله ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾؟ كان في قلوب هؤلاء زيغ فزيغ بهم. اقرأ رأس المائة. فقرأت، حتى إذا بلغت: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فقلت: يا أبا أمامة! أهم هؤلاء؟ قال: نعم؛ هم هؤلاء ".
وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، فقال: حدثنا أبو سعيد (يعني: مولى بني هاشم): حدثنا عبد الله بن بحير: حدثنا سيار؛ قال: جيء برؤوس من قبل العراق، فنصبت عند باب المسجد، وجاء أبو أمامة ﵁ (فذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث أبي غالب) .
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من وجه آخر، فقال: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب: حدثنا عمر بن يونس الحنفي: حدثنا عكرمة بن
[ ١ / ٣٠٤ ]
عمار: حدثنا شداد بن عبد الله؛ قال: "وقف أبو أمامة وأنا معه على رؤوس الحرورية بالشام (فذكر نحو ما تقدم في حديث أبي غالب، وفيه:) فقال له رجل: رأيتك دمعت عيناك، فقال: رحمة رحمتهم، كانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية ".
إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عكرمة بن عمار، فذكره بنحوه، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه عبد الله أيضا من وجه آخر، فقال: حدثنا أبي: حدثنا أنس بن عياض (وهو أبو ضمرة المدني)؛ قال: سمعت صفوان بن سليم يقول: "دخل أبو أمامة الباهلي دمشق، فرأى رؤوس الحرورية (فذكر نحو ما تقدم، وفيه:) قال: أبكي لخروجهم من الإسلام، هؤلاء الذين تفرقوا واتخذوا دينهم شيعا".
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن أبي غالب عن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الخوارج كلاب النار» .
رواه الطبراني.
وعن سعيد بن جهمان؛ قال: "أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر، فسلمت عليه، قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جهمان. قال:
[ ١ / ٣٠٥ ]
فما فعل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة. قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، «حدثنا رسول الله ﷺ أنهم كلاب النار» . قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بل الخوارج كلها".
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وإسناده جيد.
وفي رواية لأحمد بن سعيد بن جُهْمَان؛ قال: "كنا نقاتل الخوارج وفينا عبد الله بن أبي أوفى ﵁ (فذكر الحديث وفيه:) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «طوبى لمن قتلهم وقتلوه» .
إسناده جيد.
وعن الأعمش عن ابن أبي أوفى ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخوارج هم كلاب النار» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وأبو بكر الآجري، وأبو نعيم في "الحلية".
باب
ما جاء في الروافض والنواصب
أما الروافض فهم الذين أفرطوا في حب علي ﵁ وحب أهل بيته، وزعموا أنهم شيعة أهل البيت، وليسوا كذلك، وسموا رافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين لما ترحم على أبي بكر وعمر ﵄، وقيل: لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر ﵄. ذكره أبو الحسن الأشعري في كتاب "المقالات".
وقد حدثت بدعتهم في خلافة علي ﵁ بعد بدعة الخوارج.
[ ١ / ٣٠٦ ]
باب ما جاء في الروافض والنواصب
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فعاقب الطائفتين: أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله بن سبأ، فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر ".
وقال الشيخ أيضا في موضع آخر: " ابن سبأ هو أول من ابتدع الرفض، وكان منافقا زنديقا، أراد إفساد دين الإسلام كما فعل بولص صاحب الرسائل التي بأيدي النصارى، حيث ابتدع لهم بدعا أفسد بها دينهم، وكان يهوديا فأظهر النصرانية نفاقا لقصد إفساد ملتهم، وكذلك كان ابن سبأ يهوديا فقصد ذلك وسعى في الفتنة، فلم يتمكن، لكن حصل بين المؤمنين تحريش وفتنة، فقتل فيها عثمان بن عفان ﵁، وتبع ابن سبأ جماعات على بدعته وضلالته، وقال هؤلاء: إن عليا ﵁ لم يمت، وإنما الذي قتله عبد الرحمن بن ملجم شيطان، وأما علي ففي السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه، وأنه ينزل إلى الأرض ويملأها عدلا، ويقولون عند الرعد: عليك السلام يا أمير المؤمنين".
وقال الشيخ أيضا في موضع آخر: "لما حدثت بدع الشيعة في خلافة علي ﵁؛ ردها، وكانت ثلاث طوائف: غالية، وسبابة، ومفضلة: فأما الغالية فإنه حرقهم بالنار؛ فإنه خرج ذات يوم من باب كندة، فسجد له أقوام، فقال: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو الله! فاستتابهم ثلاثا فلم يرجعوا، فأمر في اليوم الثالث بأخاديد فخدت، وأضرم فيها النار ثم قذفهم فيها. وأما السبابة؛ فإنه لما بلغه أن ابن سبأ يسب أبا بكر وعمر طلب قتله، فهرب إلى قرقيسيا. وأما المفضلة؛ فقال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر؛ إلا جلدته حد المفتري". انتهى.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند": حدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة؛ قال: "قلت للحسن بن علي ﵄: إن الشيعة يزعمون أن عليا يرجع! قال: كذب؛ أولئك الكذابون، لو علمنا ذاك ما تزوج نساؤه، ولا قسمنا ميراثه".
إسناده جيد.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق زهير بن معاوية؛ قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عمرو بن الأصم؛ قال: "قلت للحسن بن علي ﵄: إن هذه الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة! قال: كذبوا والله؛ ما هؤلاء بشيعته، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ماله".
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد: حدثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن عن عمران بن الحارث؛ قال: "بينما نحن عند ابن عباس ﵄؛ إذ جاءه رجل، فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليا ﵁ خارج إليهم، ففزع، ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ ! لو شعرنا ما أنكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه".
ورواه الحاكم في "مستدركه" من حديث جرير به، وقال الذهبي في "تلخيصه": "صحيح".
وأما النواصب: فهم الذين أفرطوا في بغض علي ﵁.
قال ابن منظور في "لسان العرب": "النواصب: قوم يتدينون ببغضة علي ﵁ ".
وقال صاحب القاموس: "النواصب، والناصبية، وأهل النصب:
[ ١ / ٣٠٨ ]
المتدينون ببغضة علي ﵁؛ لأنهم نصبوا له؛ أي: عادوه". انتهى.
وعن ربيعة بن ناجذ عن علي ﵁؛ قال: دعاني النبي ﷺ فقال: «يا علي! إن لك من عيسى مثلًا: أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به» .
رواه: البخاري في "التاريخ الكبير"، والنسائي في "خصائص علي "، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" وفي كتاب "السنة" وزاد: " ألا وإنه يهلك في اثنان: محب مفرط يقرظني بما ليس في، ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا إني لست بنبي، ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما استطعت، فما أمرتكم به من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم"، ورواه الحاكم في "مستدركه" وزاد: "وما أمرتكم بمعصية أنا وغيري فلا طاعة لأحد في معصية الله ﷿، إنما الطاعة في المعروف".
وعن زاذان عن علي ﵁؛ قال: "مثلي في هذه الأمة كمثل عيسى ابن مريم: أحبته طائفة فأفرطت في حبه فهلكت، وأبغضته طائفة فأفرطت في بغضه فهلكت، وأحبته طائفة فاقتصرت في حبه فنجت".
ذكره عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وعن أبي البختري أو عبد الله بن سلمة؛ قال: قال علي ﵁: "يهلك في رجلان: محب مفرط، ومبغض مفتر".
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وعن أبي السوار؛ قال: قال علي ﵁: "ليحبني قوم حتى يدخلوا النار في حبي، وليبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي".
[ ١ / ٣٠٩ ]
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وعن أبي مريم؛ قال: سمعت عليا ﵁ يقول: "يهلك في رجلان: مفرط غال، ومبغض قال".
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وعن أبي جحيفة ﵁؛ قال: سمعت عليا ﵁ على المنبر يقول: "هلك في رجلان: محب غال، ومبغض غال".
رواه أحمد بن منيع. قال في "كنز العمال": "ورواته ثقات".
وعن الشعبي؛ قال: لقيت علقمة، فقال: "أتدري ما مثل علي في هذه الأمة؟ قال: قلت: وما مثله؟ قال: مثل ابن مريم، أحبه قوم حتى هلكوا في حبه، وأبغضه قوم حتى هلكوا في بغضه".
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وعن الشعبي أيضا عن علقمة؛ قال: "لقد غلت هذه الشيعة في علي كما غلت النصارى في عيسى ابن مريم ". وكان الشعبي يقول: لقد بغضوا إلينا حديث علي.
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وعن علي ﵁؛ قال: قال لي النبي ﷺ: «إن قومًا لهم نبز، يقال لهم: الرافضة، إن أدركتهم فاقتلهم؛ فإنهم مشركون» . قال علي ﵁: ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر.
رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، ورواه اللالكائي في "السنة" بنحوه، وروى ابن أبي عاصم في "السنة" وابن شاهين المرفوع منه
[ ١ / ٣١٠ ]
بنحوه، وزادا: «قلت: يا نبي الله! ما العلامة فيهم؟ قال: "يقرظونك بما ليس فيك، ويطعنون على أصحابي ويشتمونهم» .
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يظهر في أمتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" وفي كتاب "السنة"، ورواه البخاري في "التاريخ الكبير"، ولفظه: «يكون قوم نبزهم الرافضة، يرفضون الدين»، وفي رواية لعبد الله ابن الإمام أحمد: «يجيء قوم قبل قيام الساعة يسمون الرافضة، برآء من الإسلام» .
وعنه ﵁: أنه قال: " تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تنتحل حبنا وتفارق أمرنا".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام، فإذا رأيتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون» .
رواه: عبد بن حميد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "رجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف".
وفي رواية للطبراني عن ابن عباس ﵄؛ قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده علي ﵁، فقال النبي ﷺ: «يا علي! سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت، لهم نبز، يسمون الرافضة؛ قاتلوهم فإنهم مشركون» .
قال الهيثمي: "إسناده حسن".
[ ١ / ٣١١ ]
وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: كانت ليلتي وكان النبي ﷺ عندي، فأتته فاطمة، فسبقها علي، فقال له النبي ﷺ: «يا علي! أنت وأصحابك في الجنة، ألا إنه ممن يزعم أنه يحبك أقوام يرفضون الإسلام ثم يلفظونه، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، لهم نبز، يقال لهم: الرافضة، فإن أدركتهم فجاهدهم؛ فإنهم مشركون. قلت: يا رسول الله! ما العلامة فيهم؟ قال: "لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف الأول"» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه الفضل بن غانم، وهو ضعيف".
وعن فاطمة ﵂؛ قالت: «نظر النبي ﷺ إلى علي، فقال: "هذا في الجنة، وإن من شيعته أقوامًا يلفظون الإسلام ويرفضونه، لهم نبز، يسمون الرافضة، من لقيهم فليقتلهم؛ فإنهم مشركون» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات؛ إلا أن زينب بنت علي لم تسمع من فاطمة فيما أعلم".
وعن علي ﵁؛ قال: "يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز، يقال لهم: الرافضة، يعرفون به، ينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر، أينما أدركتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون".
رواه اللالكائي.
وعنه ﵁: أنه قال: "يهلك فينا أهل البيت فريقان: محب مطر، وباهت مفتر".
رواه ابن أبي عاصم.
وعنه ﵁: أنه قال: "اللهم العن كل مبغض لنا غال وكل محب
[ ١ / ٣١٢ ]
لنا غال".
رواه: ابن أبي شيبة، وابن أبي عاصم، واللالكائي في "السنة".
باب
ما جاء في القدرية والمرجئة
فأما القدرية؛ فقال يحيى بن أبي كثير: "هم الذين يقولون: إن الله لم يقدر الشر".
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وقال الشافعي: "القدري: الذي يقول: إن الله لم يخلق الشر حتى عمل به". رواه أبو نعيم في "الحلية".
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "القدرية: هم الذين يزعمون أن الاستطاعة والمشيئة والقدرة إليهم، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة؛ بدءا من أنفسهم، من غير أن يكون سبق لهم ذلك من الله أو في علم الله، وقولهم يضارع قول المجوسية والنصرانية".
وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": " القدرية في إجماع أهل السنة والجماعة: هم الذين يقولون: إن الخير من الله، والشر من الإنسان، وإن الله لا يريد أفعال العصاة، وسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه". انتهى.
وقد حدثت بدعة القدرية في آخر عصر الصحابة، فأنكرها عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة ﵃، وكذلك أئمة
[ ١ / ٣١٣ ]
باب ما جاء في القدرية والمرجئة
التابعين ومن بعدهم من الأئمة.
وأما المرجئة؛ فقال إسحاق بن منصور: "قلت لأحمد: فسر لي المرجئة. قال: المرجئة تقول: الإيمان قول".
ذكره القاضي أبو الحسين في "الطبقات".
ورأيت في عقيدة منسوبة للإمام أحمد ما نصه: " المرجئة: هم الذين يزعمون أن الإيمان مجرد التصديق، وأن الناس لا يتفاضلون في الإيمان، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والأنبياء واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من آمن بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن حقا. هذا كله قول المرجئة، وهو أخبث الأقاويل".
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه في "مسائله" المشهورة: "من زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول والأعمال شرائع؛ فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص؛ فقد قال بقول المرجئة، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان؛ فهو مرجئ، ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة؛ فهو مرجئ، ومن زعم أنه المعرفة في القلب وإن لم يتكلم لها؛ فهو مرجئ".
وهذا الذي قاله حرب كله من كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقد ساقه بهذا اللفظ القاضي أبو الحسين في ترجمة أحمد بن جعفر بن يعقوب أبي العباس الفارسي الإصطخري.
وقال ابن الأثير في "النهاية": "المرجئة فرقة من فرق الإسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي؛ أي: أخره عنهم، والمرجئة تهمز ولا تهمز، وكلاهما بمعنى التأخير".
[ ١ / ٣١٤ ]
وقال أيضا في "جامع الأصول": " المرجئة طائفة من فرق المسلمين، يقولون: إنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة. وهذا مذهب سوء؛ أما في جانب الكفر فصحيح أنه لا ينفع معه طاعة، وأما في جانب الإيمان فكيف لا تضر معه المعاصي؟ ! والقائل بهذا يفتح باب الإباحة؛ فإن الإنسان إذا علم أنه لا تضره المعاصي مع إيمانه؛ ارتكب كل ما تحدثه به نفسه منها، علما أنها لا تضره، وهؤلاء هم أضداد القدرية؛ فإن من مذهبهم أن الكبيرة إذا لم يتب منها يخلد صاحبها في النار وإن كان مؤمنا.
فانظر إلى هذا الاختلاف العظيم والتناقض الزائد في الآراء والأهواء، وانظر كيف هدى الله أهل الحق والعدل إلى أقوم طريق، فأثبتوا للمعاصي جزاء، ونفوا الخلود في النار عليها، الذي هو جزاء الكافرين". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "المرجئة؛ بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويجوز تشديدها بلا همز: نسبوا إلى الإرجاء، وهو التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلا، وإن إيمان الصديقين وغيرهم بمنزلة واحدة". انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية":
"
وكذلك الإرجاء حين تقر بال معبود تصبح كامل الإيمان
فارم المصاحف في الحشوش وخ رب البيت العتيق وجد في العصيان
واقتل إذا ما اسطعت كل موحد وتمسحن بالقس والصلبان
واشتم جميع المرسلين ومن أتوا من عنده جهرا بلا كتمان
وإذا رأيت حجارة فاسجد لها بل خر للأصنام والأوثان
[ ١ / ٣١٥ ]
وأقر أن الله ﷻ هو وحده الباري لذي الأكوان
وأقر أن رسوله حقا أتى من عنده بالوحي والقرآن
فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا وزر عليك وليس بالكفران
هذا هو الإرجاء عند غلاتهم من كل جهمي أخي الشيطان
"
وقد حدثت بدعة الإرجاء في آخر عصر الصحابة ﵃ بعد بدعة القدرية، وتكلم فيها آكابر التابعين ومن بعدهم من الأئمة، وأنكروا على أهلها، وصاحوا بهم من كل جانب، وبدعوهم وضللوهم، وحذروا منهم، واستقر الأمر عند أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان، وأنه يستثنى فيه ويعاب على من لا يستثني.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية» .
رواه: الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قال: "وفي الباب عن عمر وابن عمر ورافع بن خديج ﵃".
ورواه ابن ماجه أيضا من حديث ابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: أهل الإرجاء، وأهل القدر» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية» .
رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة".
[ ١ / ٣١٦ ]
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي لا يردان علي الحوض ولا يدخلان الجنة: القدرية، والمرجئة» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا أو مقاربًا (أو كلمة تشبهها) ما لم يتكلموا في الولدان والقدر» .
رواه: البزار، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وابن حبان في "صحيحه". قال الهيثمي: "ورجال البزار رجال الصحيح".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أخر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة» .
رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، ولفظه: قال: «أخر الكلام في القدر لشرار أمتي في آخر الزمان» . قال الهيثمي: "ورجال البزار في أحد الإسنادين رجال الصحيح؛ غير عمر بن أبي خليفة، وهو ثقة".
وعن أني بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة؛ فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة".
وعن أبي حازم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .
[ ١ / ٣١٧ ]
رواه: أبو داود، والحاكم في "مستدركه" وقال: "صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقال المنذري: "هذا منقطع، أبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر، وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس فيها شيء يثبت". انتهى.
وقد روى هذا الحديث أبو بكر الآجري من طريقين عن أبي حازم عن نافع عن ابن عمر ﵄، ولكن قال أبو داود: "إن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنكره من حديث أبي حازم عن نافع ".
ورواه الآجري أيضا من طريق الجعيد بن عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه سيكون في آخر الزمان قوم يكذبون بالقدر، ألا وأولئك مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .
ورواه الطبراني في "الصغير" من حديث الجعيد به.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله: إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم» .
رواه: ابن ماجه، والطبراني، والآجري باختصار، ورواته ثقات.
وقد أعل هذا الحديث بأن بقية بن الوليد عنعنه مع كثرة تدليسه، وهذا تعليل ضعيف؛ لأن بقية بن الوليد رواه عن الأوزاعي، وهو من شيوخه، وقد قال ابن عدي: "إذا حدث بقية عن أهل الشام فهو ثبت".
وعن مكحول عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل أمة مجوسًا، وإن مجوس هذه الأمة القدرية؛ فلا تعودوهم إذا مرضوا،»
[ ١ / ٣١٨ ]
«ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا» .
رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" من طريقين، رجال أحدهما رجال الصحيح.
وقد أعل هذا الحديث بالانقطاع؛ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "لم يسمع مكحول من أبي هريرة ".
وعن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل أمه مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر؛ من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة". قال المنذري: " عمر مولى غفرة لا يحتج بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول، وقد روي من طريق آخر عن حذيفة ولا يثبت". انتهى.
وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: "لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم، ولتنقصن عرى الإسلام عروة فعروة، ويكون أول نقضها الخشوع، حتى لا ترى خاشعا، وحتى يقول أقوام: ذهب النفاق من أمة محمد ﷺ؛ فما بال صلوات الخمس؛ لقد ضل من كان قبلنا، حتى ما يصلون بصلاة نبيهم، أولئك المكذبون بالقدر، وهم أسباب الدجال، وحق على الله أن يمحقهم".
رواه: الآجري، والحاكم، وهذا لفظ الآجري.
ولفظ الحاكم: قال: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين النساء
[ ١ / ٣١٩ ]
وهن حيض، ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل؛ لا تخطئون طريقهم ولا تخطئكم، حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة، فتقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس؟ لقد ضل من كان قبلكم؛ إنما قال الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ لا تصلوا إلا ثلاثا. وتقول الأخرى: إيمان المؤمنين بالله كإيمان الملائكة ما فينا كافر ولا منافق. حق على الله أن يحشرهما مع الدجال".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية للحاكم عن حذيفة ﵁: أنه قال: "إني لأعلم أهل دينين من أمة ﷺ في النار: قوم يقولون: إن كان أولنا ضلالا، ما بال خمس صلوات في اليوم والليلة؟ ! إنما هما صلاتان: العصر، والفجر. وقوم يقولون: إنما الإيمان كلام، وإن زنى وإن قتل".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "نلخيصه".
وقد رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، والآجري في كتاب "الشريعة" بنحوه.
وعن نافع قال: كان لابن عمر ﵄ صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر ﵄: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر؛ فإياك أن تكتب إلي؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وعبد الله ابن الإمام أحمد، والحاكم وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٣٢٠ ]
وفي رواية لأحمد عن نافع؛ قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر ﵄ قعودا؛ إذ جاء رجل، فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام (لرجل من أهل الشام) . فقال عبد الله: بلغني أنه أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه مني السلام؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف، وهو في الزنديقية والقدرية» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه الترمذي وابن ماجه بنحوه، وعندهما أن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة (أو: في أمتي) خسف أو مسخ أو قذف، في أهل القدر» . هذا لفظ الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وفي رواية ابن ماجه: «يكون في أمتي (أو في هذه الأمة) مسخ وخسف وقذف، وذلك في أهل القدر» . فأفادت رواية ابن ماجه أن (أو) في رواية الترمذي بمعنى الواو، وليست للشك.
وعن نافع؛ قال: "قيل لابن عمر ﵄: إن قوما يقولون: لا قدر! فقال: أولئك القدريون، أولئك مجوس هذه الأمة".
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وعن عطاء بن أبي رباح؛ قال: "أتيت ابن عباس ﵄ وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، أولئك شرار هذه الأمة؛ فلا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين".
رواه ابن أبي حاتم.
[ ١ / ٣٢١ ]
وعن ابن زرارة عن أبيه عن النبي ﷺ: «أنه تلا هذه الآية: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾؛ قال: نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله» .
رواه ابن أبي حاتم.
باب
ما جاء في أهل الرأي والقياس
عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال» .
رواه: الطبراني في "الكبير"، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح ". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال، يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون» .
رواه البخاري بهذا اللفظ، وأصله متفق عليه.
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا» .
رواه ابن ماجه، وإسناده جيد، وقد رواه البزار بنحوه. قال ابن القطان:
[ ١ / ٣٢٢ ]
باب ما جاء في أهل الرأي والقياس
"وإسناده حسن".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "ما من عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب علمائكم وخياركم، ويحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فينهدم الإسلام وينثلم".
رواه: ابن وضاح، والدارمي، والطبراني، والبيهقي.
باب
ما جاء في الأئمة المضلين
عن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والبرقاني في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن شداد بن أوس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إني لا أخاف علي أمتي إلا الأئمة المضلين» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أيضا: ابن جرير، والبزار، وابن مردويه، وابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والدارمي، والطبراني، وفيه
[ ١ / ٣٢٣ ]
باب ما جاء في الأئمة المضلين
راويان لم يسميا.
«وعن أبي ذر ﵁؛ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ، فقال: "لغير الدجال أخوفني على أمتي (قالها ثلاثًا) ". قال: قلت: يا رسول الله! ما هذا الذي غير الدجال أخوفك على أمتك؟ قال: "أئمة مضلين» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات".
وعن علي ﵁؛ قال: «كنا جلوسًا عند النبي ﷺ وهو نائم، فذكرنا الدجال، فاستيقظ محمرًا وجهه، فقال: "غير الدجال أخوف على أمتي عندي؛ أئمة مضلين» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف وقد وثق".
وعن عمير بن سعد - وكان عمر ﵁ ولاه حمص - قال: «قال عمر ﵁ لكعب: إني سائلك عن أمر فلا تكتمني! قال: والله ما أكتمك شيئا أعلمه. قال: ما أخوف ما تخاف على أمة محمد ﷺ؟ قال: أئمة مضلين. قال عمر ﵁: صدقت؛ قد أسر إلي وأعلمنيه رسول الله ﷺ» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي أئمة مضلين: إن أطاعوهم فتنوهم، وإن عصوهم قتلوهم» .
رواه الطبراني
[ ١ / ٣٢٤ ]
وعن زياد بن حدير؛ قال: "قال لي عمر ﵁: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا! قال: يهدمه: زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين".
رواه الدارمي.
وعن معاذ بن جبل ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: رجل قرأ كتاب الله تعالى، حتى إذا رئيت عليه بهجته، وكان عليه رداء الإسلام أعاره الله إياه؛ اخترط سيفه، فضرب به جاره، ورماه بالشرك (قيل: يا رسول الله! الرامي أحق به أو المرمي؟ قال: الرامي) ورجل آتاه الله سلطانًا، فقال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، وكذب، ليس بخليفة أن يكون جنة دون الخالق. ورجل استخفته الأحاديث، كلما قطع أحدوثة حدث بأطول منها، إن يدرك الدجال؛ يتبعه» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف يكتب حديثه". انتهى.
قلت: قد وثقه أحمد وابن معين وحسبك بتوثيقهما، ووثقه أيضا العجلي ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان، وروى له البخاري تعليقا ومسلم، وصحح الترمذي حديثه. ويكفي هذا في قبول حديثه.
باب
ما جاء أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة
عن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أجاركم من ثلاث خلال: لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة» .
[ ١ / ٣٢٥ ]
باب ما جاء أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة
رواه أبو داود.
وعن أبي بصرة الغفاري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا يجمع أمتي (أو قال: أمة محمد) على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار» .
رواه: الترمذي، والحاكم، وأبو نعيم في "الحلية". وقال الترمذي وأبو نعيم: "غريب "
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» الحديث.
رواه ابن ماجه.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا» .
رواه الحاكم في "مستدركه".
باب
ما جاء في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة
عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
[ ١ / ٣٢٦ ]
باب ما جاء في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة
وعن معاوية بن أبي سفيان ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» .
رواه الإمام أحمد، والشيخان. وزاد أحمد والبخاري: قال عمير بن هانئ: "فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشام. فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذا يقول: وهم بالشام".
وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبرقاني في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
وعن جابر بن سمرة ﵄؛ عن النبي ﷺ قال: «لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة» .
رواه: أحمد، ومسلم.
وعن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم، حتى تقوم الساعة» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
وعن عمر بن الخطاب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والطبراني في "الصغير" و"الكبير"، والحاكم
[ ١ / ٣٢٧ ]
في "مستدركه". قال الهيثمي: "ورجال "الكبير" رجال الصحيح". قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله، لا يضرها من خالفها» .
رواه ابن ماجه وإسناده جيد، ورواه البزار بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير زهير بن محمد بن قمير، وهو ثقة".
ورواه: الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، ولفظهما: قال: «لا يزال على هذا الأمر عصابة على الحق، لا يضرهم خلاف من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله ﷿ وهم على ذلك» .
وعن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من نأواهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جابر بنعبد الله ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا! فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمه الله هذه الأمة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما»
[ ١ / ٣٢٨ ]
«أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» .
رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد وجادة عن خط أبيه، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق، إلى أن تقوم الساعة» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» .
رواه مسلم.
وعن عبد الرحمن بن شماسة المهري؛ قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم". فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك. فقال عبد الله: أجل، "ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة» .
رواه مسلم.
[ ١ / ٣٢٩ ]
والمراد بالطائفة المذكورة في هذه الأحاديث: أهل السنة والجماعة.
وجزم البخاري أنهم أهل العلم، قال في (كتاب الاعتصام) من "صحيحه": "باب قول النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون»، وهم أهل العلم ". وقال أيضا: "باب قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم ".
وقال الترمذي في "جامعه": "قال محمد بن إسماعيل: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث".
وكذا قال ابن المبارك وأحمد بن سنان وابن حبان وغيرهم.
وبوب عليه ابن حبان في "صحيحه"، فقال: "ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة".
وقال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: "إن لم يكونوا أهل الحديث؛ فلا أدري من هم".
رواه عنهما الحاكم في "علوم الحديث".
قال القاضي عياض: "إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث".
وعن علي بن المديني رواية أنهم العرب، واستدل بحديث: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» . قال: "والمراد بالغرب: الدلو؛ أي: العرب؛ لأنهم أصحابها، لا يستقي بها أحد غيرهم".
ذكره يعقوب بن شيبة، ونقله عنه صاحب "المشارق" وغيره.
قلت: ويؤيد هذا القول ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ في ذكر الدجال، وفيه: «فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول»
[ ١ / ٣٣٠ ]
«الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم» الحديث.
وأصل هذه القطعة ثابت في "صحيح مسلم " و"جامع الترمذي " من حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «أخبرتني أم شريك: أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "ليفرن الناس من الدجال في الجبال". قالت أم شريك: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم قليل» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
ويؤيده أيضا ما في "الصحيحين" و"مسند الإمام أحمد " عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال في بني تميم: هم أشد أمتي على الدجال» .
وبنو تميم قبيلة كبيرة من العرب؛ ففي حديث أبي أمامة وحديث أبي هريرة ﵄ دليل على أن العرب هم الطائفة المنصورة التي تقاتل المسيح الدجال في آخر الزمان، ويدخل مع العرب تبعا من كان متمسكا بالكتاب والسنة من غيرهم.
قال النووي: "يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين؛ منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض". قال: "وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث". انتهى.
[ ١ / ٣٣١ ]
واحتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى على أن الاجتهاد لا ينقطع ما دامت هذه الطائفة موجودة.
وقد اختلف في محل هذه الطائفة:
فقال ابن بطال: إنها تكون في بيت المقدس كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة ﵁: «قيل: يا رسول الله! أين هم؟ قال: ببيت المقدس. وقال معاذ ﵁: "هم بالشام» .
وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائما، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: "ويشهد له الواقع، وحال أهل الشام وأهل بيت المقدس من أزمنة طويلة، لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر بعد شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه في القرن السابع وأول الثامن؛ فإنهم في زمانهم على الحق؛ يدعون إليه، ويناظرون عليه، ويجاهدون فيه، وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقوم مقامهم بالدعوة إلى الحق، والتمسك بالسنة، والله على كل شيء قدير.
ومما يؤيد هذا: أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة وتوافر العلماء في ذلك الزمان وقبله وبعده لم يكونوا في محل واحد، بل هم في غالب الأمصار؛ في الشام منهم أئمة، وفي الحجاز، وفي مصر، وفي العراق، واليمن، وكلهم على الحق؛ يناضلون ويجاهدون أهل البدع، ولهم المصنفات التي صارت أعلاما لأهل السنة وحجة على كل مبتدع.
فعلى هذا؛ فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره؛ فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها".
[ ١ / ٣٣٢ ]
قلت: الظاهر من حديث أبي أمامة وقول معاذ أن ذلك إشارة إلى محل هذه الطائفة في آخر الزمان عند خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵊.
ويدل على ذلك ما تقدم ذكره من حديث أبي أمامة الذي رواه ابن ماجه، وفيه: «فقالت أم شريك: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح» الحديث.
ويدل على ذلك ما رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والبخاري في "تاريخه"، والحاكم في "مستدركه"؛ من حديث عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁؛ قال: «وضع رسول الله ﷺ يده علي رأسي (أو: على هامتي)، ثم قال: " يابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة؛ فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي "المسند" أيضا و"جامع الترمذي " عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستخرج نار من حضرموت (أو: من نحو بحر حضرموت) قبل يوم القيامة تحشر الناس. قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ فقال: "عليكم بالشام» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ﵄".
وفي "المسند" أيضا و"سنن أبي داود " و"مستدرك الحاكم " عن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «فسطاط المسلمين يوم الملحمة»
[ ١ / ٣٣٣ ]
«الكبرى بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال المنذري في "تهذيب السنن": قال يحيى بن معين، وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم، فقال يحيى: ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقة بن خالد عن النبي ﷺ: أنه قال: «معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق» انتهى.
ففي هذه الأحاديث دليل على أن جل الطائفة المنصورة يكون بالشام في آخر الزمان، حيث تكون الخلافة هناك، ولا يزالون هناك ظاهرين على الحق، حتى يرسل الله الريح الطيبة، فتقبض كل من في قلبه إيمان؛ كما تقدم في الأحاديث الصحيحة: أن النبي ﷺ قال: «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» .
وقال معاذ: "وهم بالشام".
فأما في زماننا وما قبله؛ فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم، وتكثر في بعض الأماكن أحيانا، ويعظم شأنها، ويظهر أمرها؛ ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين.
ومن أعظم المجددين بركة في آخر هذه الأمة شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وأصحابه في آخر القرن السابع من الهجرة وأول القرن الثامن.
ومن أعظم المجددين بركة في آخر هذه الأمة أيضا شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده وغيرهم من علماء نجد الأعلام في آخر القرن الثاني عشر من الهجرة والقرن الثالث عشر والرابع عشر، وقد جعل الله تعالى
[ ١ / ٣٣٤ ]
في دعوة هذا الشيخ بركة عظيمة، وأيدها بالجهابذة المحققين يجادلون من عارضها بالحجة والبرهان، وأيدها بالأبطال الشجعان يجالدون من عاندها بالسيف والسنان، فأصبح الإسلام ظاهرا عزيزا بعد طول اغترابه، وصارت الطائفة المنصورة دولة عظيمة ذات شوكة قوية وبأس شديد بعدما كانوا قليلا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، فآواهم الله وأيدهم بنصره ورزقهم من الطيبات لعلهم يشكرون.
فلله الحمد رب السموات ورب الأرض ورب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ .
باب
ما جاء في المجددين للدين
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» .
[ ١ / ٣٣٥ ]
باب ما جاء في المجددين للدين
رواه: أبو داود، والحاكم في "مستدركه".
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في كتاب "النهاية": "وقد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر - والله أعلم - أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء؛ من مفسرين، ومحدثين، وفقهاء، ونحاة، ولغويين إلى غير ذلك من الأصناف، والله أعلم ". انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وما قاله حسن جدا.
وأما قصر الحديث على أشخاص معدودين، في كل مائة سنة واحد منهم؛ فهو بعيد جدا، والحديث لا يدل على ذلك؛ لأن لفظة (من) يراد بها الواحد ويراد بها الجماعة، وعلى هذا فحمل الحديث على الجماعة القائمين بنشر العلم وتجديد الدين أولى من حمله على واحد بعد واحد منهم.
ويؤيد هذا ما رواه الترمذي وحسنه عن عمرو بن عوف ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين بدأ غريبًا ويرجع غريبًا؛ فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» .
ورواه إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، ولفظه: قال: «إن هذا الدين بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي من بعدي، ويعلمونها عباد الله» .
ويؤيده أيضا ما رواه ابن وضاح عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قال: "الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم؛ يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله أهل العمى" إلى آخر خطبته ﵁.
فهذا يدل على أن التجديد يكون في جماعة من أهل العلم، ولا ينحصر في واحد بعد واحد منهم. والله أعلم.
[ ١ / ٣٣٦ ]
باب
ما جاء في فتنة النساء
عن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه.
وعن أسامة بن زيد وسعيد بن عمرو بن نفيل ﵃: أنهما حدثا عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء» .
رواه: مسلم، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وهذا لفظ مسلم. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «أخوف ما أخاف على أمتي: النساء، والخمر» .
رواه محمد بن إسحاق السراج في "مسنده".
وعن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صباح؛ إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء، وويل للنساء من الرجال» .
رواه: ابن ماجه، والحاكم بإسناد ضعيف.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص؛ قال: «كان سعد ﵁ يعلمنا هذا الدعاء، ويذكره عن النبي ﷺ: اللهم! إني أعوذ بك من فتنة النساء، وأعوذ بك من عذاب القبر» .
رواه شعبة عن عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد.
وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: "لم يكفر من كفر ممن مضى إلا من قبل النساء، وكفر من بقي من قبل النساء".
رواه الحسن بن عرفة، وإسناده حسن.
وعن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف بكم إذا فسق فتيانكم وطغى نساؤكم؟ ! قالوا: يا رسول الله! وإن ذلك لكائن؟ قال: "نعم، وأشد» .
رواه رزين.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ ! قالوا: يا رسول الله! إن هذا لكائن؟ قال: "نعم، وأشد منه"» .
رواه: أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"؛ إلا أنه قال: «فسق شبابكم»، وإسناد كل منهما ضعيف.
وعن ابن عباس الحميري عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال «كيف بكم إذا فسق نساؤكم؟ !» .
رواه البخاري في "تاريخه".
وعن معاذ بن جبل ﵁: أنه قال: "ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم: فتنة النساء إذا
[ ١ / ٣٣٨ ]
تسورن الذهب والفضة، ولبسن رباط الشام وعصب اليمن، فأتعبن الغني، وكلفن الفقير ما لا يجد".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال للنساء: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» .
متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وما وجد من ناقص الدين والرأي أغلب للرجال ذوي الأمر على أمورهم من النساء» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي بكرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «هلكت الرجال إذا أطاعت النساء، هلكت الرجال إذا أطاعت النساء (ثلاثًا)» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٣٣٩ ]
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» .
رواه الترمذي.
وعن علي ﵁ مرفوعا: «يأتي على الناس زمان: همتهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم، ودينهم دراهمهم ودنانيرهم، أولئك شرار الخلق لا خلاق لهم عند الله» .
رواه الديلمي.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها» .
رواه: الترمذي مختصرا، والبزار، وابن أبي الدنيا، والطبراني؛ بأسانيد صحيحة. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وصححه أيضا ابن خزيمة وابن حبان.
وفي رواية للطبراني؛ قال: «النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وإن»
[ ١ / ٣٤٠ ]
«المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد. وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها» .
قال المنذري: "إسناده حسن".
«وعن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال لفاطمة ﵂: ما خير للنساء؟ قالت: أن لا يرين الرجال ولا يرونهن. فذكره للنبي ﷺ، فقال: إنما فاطمة بضعة مني» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"ما خير للنساء؟ ". فلم ندر ما نقول، فسار علي ﵁ إلى فاطمة ﵂، فأخبرها بذلك، فقالت: فهلا قلت له: خير لهن أن لا يرين الرجال ولا يرونهن. فرجع فأخبره بذلك، فقال له: من علمك هذا؟ قال: فاطمة. قال: "إنها بضعة مني» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم لخدمن»
[ ١ / ٣٤١ ]
«نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم» .
رواه: الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني، وعنده في أوله: «سيكون في أمتي رجال يركبون نساءهم على سروج كأشباه الرحال» .
ورواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم لخدمنهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم. فقلت لأبي: وما المياثر؟ قال: سروجا عظاما» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والقائل لأبيه: ما المياثر؟ هو عبد الله بن عياش القتباني، أحد رواته".
وعن أبي شقرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم اللاتي ألقين على رؤوسهن مثل أسنمة البقر؛ فأعلموهن أنه لا تقبل لهن صلاة» .
رواه: البزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه حماد بن يزيد عن مخلد بن عقبة، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات".
قلت: قد ذكرهما البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيهما جرحا ولا تعديلا.
وهذا الحديث مطابق لحال كثير من النساء في زماننا، وقد جاء في الحديث: «لعن الله المجممات من النساء»، ذكره ابن الأثير في "النهاية"، وقال: "هن اللاتي يتخذن شعورهن جمة تشبيها بالرجال". وقال أيضا: "الجمة من شعر الرأس: ما سقط على المنكبين".
[ ١ / ٣٤٢ ]
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الجمة للحرة، والقصة للأمة» .
رواه: الطبراني في "الكبير" و"الصغير". قال الهيثمي: "ورجال الصغير ثقات".
وعن عبد الكريم الجزري عن ابن عباس ﵄: أنه قال: "إنما هلكت نساء بني إسرائيل من قبل أرجلهن، وتهلك نساء هذه الأمة من قبل رؤوسهن".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن فيه انقطاعا بين الجزري وابن عباس ﵄.
باب
ما جاء في فتنة المال
عن كعب بن عياض ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" وصححه.
وعن المسور بن مخرمة ﵄: «أن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ - وكان شهد بدرًا - أخبره أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين»
[ ١ / ٣٤٣ ]
باب ما جاء في فتنة المال
«وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: "أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ " فقالوا: أجل يا رسول الله. قال: "فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه.
وعن عقبة بن عامر ﵁: «أن رسول الله ﷺ خرج يومًا، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: "إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض (أو: مفاتيح الأرض)، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، وابن ماجه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم؛ أي قوم أنتم؟ ! قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله ﷺ: "أو غير ذلك؛»
[ ١ / ٣٤٤ ]
«تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون (أو نحو ذلك)، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض» .
رواه: مسلم، وابن ماجه.
وعن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قام رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال: «الفقر تخافون أو العوز أم تهمكم الدنيا؛ فإن الله فاتح عليكم فارس والروم، وتصب عليكم الدنيا صبًا، حتى لا يزيغكم بعدي إن أزاغكم إلا هي» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والبزار بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله وثقوا؛ إلا أن بقية مدلس وإن كان ثقة".
قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية الإمام أحمد، فانتفى عنه التدليس، وصح هذا الحديث، ولله الحمد.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمها أبناء الملوك: أبناء فارس والروم؛ سلط شرارها على خيارها» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم؛ تسلط بعضهم على بعض» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن خولة بنت قيس ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم؛ سلط بعضهم على بعض» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال ابن الأثير في "جامع الأصول": " (المطيطاء)؛ بضم الميم والمد: المشي بتبختر، وهي مشية المتكبرين المفتخرين، من: مط يمط؛ إذا مد".
وعن أبي سنان الدؤلي: أنه دخل على عمر بن الخطاب ﵁ وعنده نفر من المهاجرين الأولين، فأرسل عمر ﵁ إلى سفط أتى به من قلعة من العراق، فكان فيه خاتم، فأخذه بعض بنيه، فأدخله في فيه، فانتزعه عمر ﵁ منه، ثم بكى عمر ﵁، فقال له من عنده: لم تبكي وقد فتح الله لك وأظهرك على عدوك وأقر عينك؟ ! فقال عمر ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تفتح الدنيا على أحد؛ إلا ألقى الله ﷿ بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأنا أشفق من ذلك» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيصيب أمتي داء الأمم. قالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: "الأشر، والبطر، والتكاثر، والتنافس في الدنيا، والتباغض، والتحاسد؛ حتى يكون البغي ثم يكون الهرج» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه كان يعطي الناس عطاءهم، فجاءه رجل، فأعطاه ألف درهم، ثم قال: خذها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم» .
رواه البزار. قال المنذري والهيثمي: "وإسناده جيد".
وعن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن هذا»
[ ١ / ٣٤٦ ]
«الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، ولا أراهما إلا مهلكيكم» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم التعمد» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي ذر ﵁؛ قال: «بينما النبي ﷺ جالس؛ إذ قام أعرابي فيه جفاء، فقال: يا رسول الله! أكلتنا الضبع. فقال النبي ﷺ: "غير ذلك أخوف لي عليكم، حين تصب عليكم الدنيا صبًا، فيا ليت أمتي لا تلبس الذهب» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبزار، والطبراني. ورجال أحمد وأبي داود رجال الصحيح.
(الضبع): هي السنة المجدبة.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لأنا لفتنة السراء أخوف عليكم من فتنة الضراء، إنكم قد ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وإن الدنيا خضرة حلوة» .
رواه: أبو يعلى، والبزار. قال المنذري والهيثمي: "فيه رجل لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁؛ قال: «ابتلينا مع رسول الله ﷺ بالضراء فصبرنا، ثم ابتلينا بعده بالسراء فلم نصبر» .
[ ١ / ٣٤٧ ]
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «نظر رسول الله ﷺ إلى الجوع في وجوه أصحابه، فقال: "أبشروا؛ فإنه سيأتي عليكم زمان يغدى على أحدكم بالقصعة من الثريد ويراح عليه بمثلها". قالوا: يا رسول الله! نحن يومئذ خير؟ قال: "بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ» .
رواه البزار. قال المنذري والهيثمي: "وإسناده جيد".
وعن عبد الله بن يزيد الخطمي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"أنتم اليوم خير أم إذا غدت على أحدكم صحفة وراحت أخرى، وغدا في حلة وراح في أخرى، وتكسون بيوتكم كما تكسى الكعبة؟ ". فقال رجل: نحن يومئذ خير؟ قال: "بل أنتم اليوم خير» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير أبي جعفر الخطمي، وهو ثقة".
وعن أبي جحيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستفتح عليكم الدنيا حتى تنجدوا بيوتكم كما تنجد الكعبة. قلنا: ونحن على ديننا اليوم؟ قال: "وأنتم على دينكم اليوم". قلنا: فنحن يومئذ خير أم ذلك اليوم؟ قال: "بل أنتم اليوم خير» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الجبار بن العباس الشبامي، وهو ثقة".
(التنجيد): التزيين، يقال: بيت منجد؛ أي: مزين. قال ابن منظور في "لسان العرب": " (النجد): ما ينضد به البيت من البسط والوسائد والفرش".
قال: "ونجدت البيت: بسطته بثياب موشية. والتنجيد: التزيين. وبيت منجد:
[ ١ / ٣٤٨ ]
إذا كان مزينا بالثياب والفرش، ونجوده ستوره التي تعلق على حيطانه يزين بها". انتهى.
وعن علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: «إنا لجلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد؛ إذ طلع علينا مصعب بن عمير، ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ﷺ؛ بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم، ثم قال رسول الله ﷺ: "كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ ! ". قالوا: يا رسول الله! نحن يومئذ خير منا اليوم؛ نتفرغ للعبادة، ونكفى المؤنة؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا؛ أنتم اليوم خير منكم يومئذ» .
رواه: الترمذي، وأبو يعلى. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وعن طلحة بن عمرو النصري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي عليكم زمان (أو: من أدركه منكم) تلبسون مثل استار الكعبة، ويغدى ويراح عليكم بالجفان ". قالوا: يا رسول الله! أنحن يومئذ خير أم اليوم؟ قال: "بل أنتم اليوم خير، أنتم اليوم إخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والبزار، والطبراني، والبيهقي وهذا لفظه. قال الهيثمي: "ورجال البزار رجال الصحيح؛ غير محمد بن عثمان العقيلي، وهو ثقة".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه، وقال فيه: قال داود (يعني: ابن أبي هند): قال لي أبو حرب (يعني: ابن أبي الأسود): يا داود! وهل تدري ما كان أستار الكعبة يومئذ؟ قلت: لا. قال: ثياب بيض كان يؤتى بها من اليمن.
[ ١ / ٣٤٩ ]
ثم قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن فضالة الليثي ﵁؛ قال: «قدمنا على رسول الله ﷺ، فكان من كان له عريف نزل على عريفه، ومن لم يكن له عريف نزل الصفة، فلم يكن لي عريف، فنزلت الصفة، فناداه رجل يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله! أحرق بطوننا التمر، فقال رسول الله ﷺ: "توشكون أن من عاش منكم يغدى عليه بالجفان ويراح، وتكتسون كما تستر الكعبة» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه المقدام بن داود، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات".
وعن جابر ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: «هل لكم من أنماط؟ ". قلت: وأنى يكون لنا الأنماط؟ قال: "أما إنه سيكون لكم الأنماط". فأنا أقول لها (يعني: امرأته): أخري عنا أنماطك! فتقول: ألم يقل النبي ﷺ: "إنها ستكون لكم الأنماط"؟ فأدعها» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن كعب بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والدارمي، وابن حبان في "صحيحه".
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فسادًا من حب المال والشرف في دين المرء المسلم» .
[ ١ / ٣٥٠ ]
رواه: أبو يعلى، والطبراني. قال المنذري: "وإسنادهما جيد".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ذئبان ضاريان في حظيرة يأكلان ويفسدان بأضر فيها من حب الشرف وحب المال في دين المرء المسلم» .
رواه البزار. قال المنذري: "وإسناده حسن".
وقد تقدم في أول الكتاب حديث أبي ثعلبة ﵁: أنه قال: "أبشروا بدنيا عريضة تأكل إيمانكم، فمن كان منكم يومئذ على يقين من ربه؛ أتته فتنة بيضاء مسفرة، ومن كان منكم على شك من ربه؛ أتته فتنة سوداء مظلمة، ثم لم يبال الله في أي الأودية سلك".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وله حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف.
[ ١ / ٣٥١ ]