(الملاحم): جمع ملحمة.
قال ابن الأثير: " (الملحمة): هي الحرب وموضع القتال؛ مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى. وقيل: هو من اللحم؛ لكثرة لحوم القتلى فيها ". انتهى.
وقيل: إن الملحمة اسم للقتال الشديد بين المسلمين والكفار؛ بخلاف ما كان بين المسلمين؛ فإنه يسمى فتنة. والله أعلم.
باب
ما جاء في قتال أهل الردة وفارس والروم وظهور المسلمين عليهم
عن جابر بن سمرة ﵄ عن نافع بن عتبة بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله. قال: فقال نافع: يا جابر! لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والبخاري في "تاريخه".
وقد رواه: ابن جرير، وابن عبد البر من طريقه، والحاكم في "مستدركه"؛ من حديث جابر بن سمرة ﵄ عن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص
[ ١ / ٣٥٣ ]
﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يظهر المسلمون على جزيرة العرب، ويظهر المسلمون على فارس، ويظهر المسلمون على الروم، ويظهر المسلمون على الأعور الدجال» .
قال البغوي: "الصواب عن نافع بن عتبة ". وقال ابن السكن: "الحديث لنافع بن عتبة؛ إلا أن يكون نافع وهاشم سمعاه جميعا".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يظهر المسلمون على الروم، ويظهر المسلمون على فارس، ويظهر المسلمون على جزيرة العرب» .
رواه البزار، وفيه راو لم يسم.
وعن أبي سكينة (رجل من المحررين) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ؛ قال: «لما أمر النبي ﷺ بحفر الخندق؛ عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر (فذكر الحديث، وأن النبي ﷺ ضربها ثلاث مرات حتى ذهبت، وفيه:) قال سلمان ﵁: يا رسول الله! رأيتك حين ضربت ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة! قال له رسول الله ﷺ: "يا سلمان! رأيت ذلك؟ ! ". فقال: إي؛ والذي بعثك بالحق يا رسول الله. قال: "فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني". قال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله! ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ذراريهم، ويخرب بأيدينا بلادهم. فدعا رسول الله ﷺ بذلك. "ثم ضربت الضربة الثانية، فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها، حتى رأيتها بعيني". قالوا: يا رسول الله! ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ذراريهم، ويخرب بأيدينا بلادهم. فدعا رسول الله ﷺ بذلك. "ثم ضربت الثالثة، فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى، حتى رأيتها بعيني". قال رسول الله ﷺ عند ذلك:»
[ ١ / ٣٥٤ ]
«"دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم» .
رواه النسائي، وروى أبو داود طرفا منه، وهو قوله: دعوا الحبشة إلى آخره.
وعن البراء بن عازب ﵄؛ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق. قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول. قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، وأحسبه وضع ثوبه، ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول، فقال: "بسم الله". فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله". وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله". وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه ميمون أبو عبد الله، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «أمر رسول الله ﷺ بالخندق، فخندق على المدينة، فقالوا: يا رسول الله! إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها. فقام النبي ﷺ وقمنا معه، فلما أتى أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر، فسمعت هزة لم أسمع مثلها قط، فقال: "فتحت فارس". ثم ضرب أخرى وكبر، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: "فتحت الروم". ثم ضرب أخرى، فسمعت هزة لم أسمع مثلها قط، فقال: "جاء الله بحمير أعوانًا وأنصارًا» .
[ ١ / ٣٥٥ ]
رواه الطبراني بإسنادين. قال الهيثمي: "وفي أحدهما حيي بن عبد الله، وثقه ابن معين وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «احتفر رسول الله ﷺ الخندق (فذكر الحديث، وفيه:) فقال: "اذهبوا بنا إلى سلمان ". وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: "دعوني؛ فأكون أول من ضربها". فقال: "بسم الله". فضربها، فوقعت فلقة ثلثها. فقال: "الله أكبر، قصور الروم ورب الكعبة". ثم ضرب أخرى، فوقعت فلقة، فقال: "الله أكبر، قصور فارس ورب الكعبة". فقال عندها المنافقون: نحن نخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الله بن أحمد بن حنبل ونعيم العنبري، وهما ثقتان ".
وعن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁: أن رسول الله قال: «"ليفتحن لكم الشام والروم وفارس (أو: الروم وفارس)، حتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم كذا وكذا، وحتى يعطى أحدكم مائة دينار فيسخطها". ثم وضع يده على رأسي أو هامتي، فقال: "يابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة؛ فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، والحاكم في "مستدركه" وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، ورواه أبو داود في "سننه" مختصرا.
وعن جبير بن نفير؛ قال: قال ابن حوالة: «كنا عند رسول الله ﷺ، فشكوا إليه الفقر والعري وقلة الشيء، فقال النبي ﷺ: أبشروا، فوالله لأنا لكثرة»
[ ١ / ٣٥٦ ]
«الشيء أخوف عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح لكم جند بالشام وجند بالعراق وجند باليمن، حتى يعطى الرجل المائة فيسخطها. قال عبد الله بن حوالة: ومتى نستطيع الشام مع الروم ذات القرون؟ فقال رسول الله ﷺ: "ليفتحها لكم ويستخلفكم فيها حتى تظل العصابة منهم البيض قمصهم المحلقة أقفاؤهم قيامًا على الرويجل الأسيود منكم، ما أمرهم بشيء فعلوه، وإن بها اليوم رجالًا لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل» .
رواه الطبراني بإسنادين. قال الهيثمي: "رجال أحدهما رجال الصحيح؛ غير نصر بن علقمة، وهو ثقة".
وقد رواه البيهقي، ولفظه: قال عبد الله بن حوالة: «كنا عند رسول الله ﷺ، فشكونا إليه العري والفقر وقلة الشيء، فقال: "أبشروا، فوالله لأنا بكثرة الشيء أخوف عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله عليكم أرض الشام (أو قال: أرض فارس، وأرض الروم، وأرض حمير)، وحتى تكونوا أجنادًا ثلاثة: جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن» وذكر بقية الحديث بنحو ما تقدم، وزاد: قال أبو علقمة نصر بن علقمة: سمعت عبد الرحمن بن جبير بن نفير يقول: فعرف أصحاب رسول الله ﷺ نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا من المسجد؛ نظروا إليه وإليهم قياما حوله، فيعجبون لنعت رسول الله ﷺ فيه وفيهم.
ورواه: ابن عساكر في "تاريخه"، وثابت بن قاسم في "الدلائل"؛ بنحوه وزادا بعد قوله: "وكان على الأعاجم ": "وكان أسود قصيرا؛ فكانوا يرون تلك الأعاجم وهم حوله قيام؛ لا يأمرهم بشيء إلا فعلوه، فيتعجبون من هذا الحديث".
[ ١ / ٣٥٧ ]
وعن جبير بن نفير؛ قال: كان عبد الله بن وراح قديما له صحبة، وحدثنا أن النبي ﷺ قال: «يوشك أن يؤمر عليكم الرويجل، فيجتمع عليه قوم، محلقة أقفيتهم بيض قمصهم، فإذا أمرهم بشيء حضروا. ثم إن عبد الله بن وراح ولي على بعض المدن، فاجتمع إليه قوم من الدهاقين، محلقة أقفيتهم بيض قمصهم، فكان إذا أمرهم بشيء، حضروا، فيقول: صدق الله ورسوله» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة ": (وراح) براء ثقيلة، ثم حاء مهملة ".
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «"تمثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب، وإنكم ستفتحونها". فقام رجل فقال: يا رسول الله، هب لي بنت بقيلة. فقال: "هي لك" فأعطوه إياها. فجاء أخوها فقال: أتبيعها؟ قال: نعم. قال: فاحتكم ما شئت. قال: بألف درهم. قال: قد أخذتها بألف. قالوا: لو قلت ثلاثين ألفًا؟ قال: وهل عدد أكثر من ألف؟» .
رواه ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني وهذا لفظه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعنه ﵁؛ قال: «بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل، فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ " قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها. قال: "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله". قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد؟ ! "ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى". قلت: كسرى بن هرمز؟ "ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه؛ فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه»
[ ١ / ٣٥٨ ]
«ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم» . قال عدي ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة. قال عدي ﵁: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ: يخرج ملء كفه» .
رواه البخاري.
وعنه ﵁؛ قال: «أتيت رسول الله ﷺ، فعلمني الإسلام ونعت لي الصلاة وكيف أصلي كل صلاة لوقتها، ثم قال لي: كيف أنت يابن حاتم إذا ركبت من قصور اليمن لا تخاف إلا الله حتى تنزل قصور الحيرة؟ قال: قلت: يا رسول الله! فأين مقانب طيئ ورجالها؟ قال: "يكفيك الله طيئًا ومن سواها» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(المقانب): جمع مقنب؛ بكسر الميم: جماعة الخيل والفرسان.
وعنه ﵁؛ قال: «دخلت على رسول الله ﷺ، فقال لي: "يا عدي بن حاتم! أسلم تسلم (ثلاثًا) ". قال: قلت: إني على دين. قال: "أنا أعلم بدينك منك". فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ ! قال: " نعم؛ ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟ " قلت: بلى. قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك". قال: فلم يعد أن قالها، فتواضعت لها، فقال: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ ". قلت: لم أرها وقد سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي»
[ ١ / ٣٥٩ ]
«بيده؛ ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز ". قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ ! قال: " نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد» . قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها.
رواه الإمام أحمد وإسناده حسن، وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه" بنحوه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يفتح القصر الأبيض الذي في المدائن، ولا تقوم الساعة حتى تسير الظعينة من الحجاز إلى العراق آمنة لا تخاف شيئًا؛ فقد رأيتهما جميعا، ولا تقوم الساعة حتى يكون على الناس إمام يحثي المال حثيًا» .
رواه ابن النجار.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي.
وعن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: قال النبي ﷺ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﵎» .
[ ١ / ٣٦٠ ]
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتفتحن عصابة من المسلمين (أو من المؤمنين) كنز آل كسرى الذي في الأبيض» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وزاد أحمد في رواية له: "قال جابر: فكنت فيهم فأصابني ألف درهم".
وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن إلا النسائي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن شداد بن أوس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر» الحديث.
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أيضا: ابن جرير، والبزار، وابن مردويه.
قال النووي: "قال العلماء: المراد بالكنزين: الذهب والفضة، والمراد كنز كسرى وقيصر ملكي العراق والشام". انتهى.
وعن ابن محيريز؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا أبدًا، والروم ذات القرون، كلما هلك قرن خلفه قرن، أهل صخر وأهل بحر، هيهات لآخر الدهر هم أصحابكم ما دام في العيش خير» .
رواه الحارث بن أبي أسامة مرسلا، والواقع يشهد له بالصحة.
[ ١ / ٣٦١ ]
قال ابن الأثير في "النهاية": "وفيه: فارس نطحة أو نطحتين ثم لا فارس بعدها أبدًا معناه: أن فارس تقاتل المسلمين مرة أو مرتين، ثم يبطل ملكها ويزول". انتهى.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنكم منصورون، ومصيبون، ومفتوح لكم، فمن أدرك ذلك منكم؛ فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي أيوب ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ستفتح عليكم الأمصار، وستكون جنود مجندة» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود.
وعن عقبة بن عامر ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستفتح عليكم أرضون، ويكفيكم الله؛ فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، ولفظه: «ألا إن الله سيفتح لكم الأرض، وستكفون المؤنة؛ فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بأسهمه» .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتًا يقال لها: الحمامات» الحديث.
رواه: أبو داود، وابن ماجه.
وعن وحشي بن حرب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لعلكم»
[ ١ / ٣٦٢ ]
«تستفتحون بعدي مدائن عظامًا، وتتخذون في أسواقها مجالس، فإذا كان ذلك فردوا السلام، وغضوا من أبصاركم، واهدوا الأعمى، وأعينوا المظلوم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "رجاله كلهم وثقوا، وفي بعضهم ضعف".
باب
ما جاء في فتح مصر
عن عبد الرحمن بن شماسة المهري؛ قال: سمعت أبا ذر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط؛ فاستوصوا بأهلها خيرًا؛ فإن لهم ذمة ورحمًا؛ فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها. قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة، فخرج منها» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظه.
وفي رواية لهما عن عبد الرحمن بن شماسة عن أبي بصرة عن أبي ذر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمة ورحمًا (أو قال: ذمة وصهرًا)؛ فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة؛ فاخرج منها. قال: فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها» .
وقد حكى الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة: أنه سئل عن قوله: "ذمة ورحما"؟ فقال: من الناس من قال: إن أم إسماعيل هاجر كانت قبطية، ومن الناس من قال: أم إبراهيم؛ يعني: ابن رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٣٦٣ ]
باب ما جاء في فتح مصر
قال ابن كثير بعد أن ذكر هذا القول: "والصحيح الذي لا شك فيه أنهما قبطيتان". قال: "ومعنى قوله: "ذمة"؛ يعني بذلك هدية المقوقس إليه، وقبوله ذلك منه، وذلك نوع ذمام ومهادنة". انتهى.
ومعنى قوله: "رحما": أن أم إسماعيل كانت من القبط، وهي أم جميع العرب العدنانية؛ فبين العرب العدنانية وبين القبط رحم من جهة أم إسماعيل. والله أعلم.
وعن كعب بن مالك ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا؛ فإن لهم ذمًا ورحمًا» . وفي رواية «إن لهم ذمة ورحمًا»؛ يعني: أن أم إسماعيل كانت منهم.
رواه الطبراني بإسنادين. قال الهيثمي: "ورجال أحدهما رجال الصحيح".
وعن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ أوصى عند وفاته فقال: «الله الله في قبط مصر؛ فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن حميد بن هانئ: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي وعمرو بن حريث وغيرهما يقولان: إن رسول الله ﷺ قال: «إنكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم فاستوصوا بهم خيرًا؛ فإنهم قوة لكم وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله يعني: قبط مصر» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
[ ١ / ٣٦٤ ]
باب
ما جاء في غزوة الهند
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «وعدنا رسول الله ﷺ غزوة الهند، فإن أدركتها أنفق نفسي ومالي، فإن أقتل كنت من أفضل الشهداء، وإن أرجع فأنا أبو هريرة المحرر» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم.
وفي رواية لأحمد: قال: حدثني خليلي الصادق المصدوق رسول الله ﷺ «أنه يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند» ، وذكر بقيته بنحوه، وزاد: قد أعتقني من النار.
وهذه الزيادة تبين معنى قوله: "المحرر".
وعن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والطبراني.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ - وذكر الهند -: «يغزو الهند منكم جيش؛ يفتح الله عليهم حتى يأتوا بملوكهم مغللين بالسلاسل، يغفر الله ذنوبهم، فينصرفون حين ينصرفون، فيجدون ابن مريم بالشام» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "وقد غزى المسلمون الهند في أيام
[ ١ / ٣٦٥ ]
معاوية سنة أربع وأربعين، وكانت هنالك أمور، وقد غزا الملك الكبير الجليل محمود بن سبكتكين صاحب غزنة في حدود أربعمائة بلاد الهند، فدخل فيها وقتل أسر وسبى وغنم ودخل السومنات وكسر البد الأعظم الذي يعبدونه واستلب شنوفه وقلائده، ثم رجع سالما مؤيدا منصورا ". انتهى.
قلت: وقد استوفى أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجزري أخبار غزو السلطان محمود للهند في كتابه "الكامل في التاريخ"؛ فلتراجع هناك.
وما ذكر في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه نعيم بن حماد من غزو الهند؛ فهو لم يقع إلى الآن، وسيقع عند نزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام إن صح الحديث بذلك. والله أعلم.
باب
ما جاء في قتال الترك وخوز وكرمان
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذلف الآنف، كأن وجوههم المجان المطرقة» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا النسائي، وهذا لفظ أبي داود. وقال الترمذي: "وهذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن أبي بكر الصديق وبريدة وأبي سعيد وعمرو بن تغلب ومعاوية ﵃".
[ ١ / ٣٦٦ ]
باب ما جاء في قتال الترك وخوز وكرمان
قلت: أما حديث أبي بكر الصديق ﵁؛ فسيأتي مع الأحاديث في شيعة الدجال وأتباعه، وأحاديث الباقين تأتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
قال ابن الأثير: " (الذلف)؛ بالتحريك: قصر الأنف وانبطاحه، وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته، و(الذلف)؛ بسكون اللام: جمع أذلف؛ كأحمر وحمر". وقال الخطابي: "يقال: أنف أذلف: إذا كان فيه غلظ وانبطاح. و(المجان): جمع المجن، وهو الترس. و(المطرقة): التي قد عليت بطارق، وهو الجلد الذي يغشاه. وشبه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترس قد ألبست الأطرقة". وقال ابن الأثير: " " كأن وجوههم المجان المطرقة "؛ أي: التراس التي ألبست العقب شيئا فوق شيء، ومنه: طارق النعل؛ إذا صيرها طاقا فوق طاق، وركب بعضها فوق بعض". انتهى.
وعن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه، وهذا لفظ البخاري.
وعن سهيل (وهو ابن أبي صالح) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك؛ قومًا وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر» .
رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وهذا لفظ مسلم.
وعن همام عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم: حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر» .
[ ١ / ٣٦٧ ]
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وهذا لفظه.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " (خوز)؛ بضم الخاء المعجمة وسكون الواو بعدها زاي: قوم من العجم. و(كرمان)؛ بكسر الكاف على المشهور - ويقال: بفتحها - والراء ساكنة على كل حال. وتقدم في الرواية التي قبلها: "تقاتلون الترك"، واستشكل؛ لأن خوزا وكرمان ليسا من بلاد الترك: أما خوز فمن بلاد الأهواز، وهي من عراق العجم، وقيل: الخوز صنف من الأعاجم. وأما كرمان فبلدة مشهورة من بلاد العجم أيضا، بين خراسان وبحر الهند، ويمكن أن يجاب بأن هذا الحديث غير حديث قتال الترك، ويجتمع منهما الإنذار بخروج الطائفتين".
قلت: وسيأتي في أحاديث الدجال أنه ينزل خوز وكرمان في سبعين ألفا وجوههم كالمجان المطرقة، رواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁، وعلى هذا فلعل المراد بما في حديث همام أعوان الدجال، ووقع الإنذار بهم وبالترك لشدة بأس كل من الطائفتين. والله أعلم.
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «تقاتلون بين يدي الساعة قومًا نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية أحمد: أنه قال: «قريب بين يدي الساعة تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وتقاتلون قومًا صغار الأعين، حمر الوجوه، كأنها المجان المطرقة» .
ولفظ البخاري: قال: «سمعته يقول (وقال هكذا بيده): "بين يدي الساعة تقاتلون قومًا نعالهم الشعر" وهو هذا البارز» . وقال سفيان مرة: «وهم أهل البازر» .
[ ١ / ٣٦٨ ]
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وقع ضبط الأولى بفتح الراء بعدها زاي، وفي الثانية بتقديم الزاي على الراء، والمعروف الأول، ووقع عند ابن السكن وعبدوس بكسر الزاي وتقديمها على الراء، وبه جزم الأصيلي وابن السكن، ومنهم من ضبطه بكسر الراء. قال القابسي: معناه البارزين لقتال أهل الإسلام؛ أي: الظاهرين في براز من الأرض. ويقال: معناه القوم الذين يقاتلون، تقول العرب: هذا البارز: إذا أشارت إلى شيء ضار. وقال ابن كثير: قول سفيان المشهور في الرواية من تقديم الراء على الزاي، وعكسه تصحيف، كأنه اشتبه على الراوي، من البارز، وهو السوق بلغتهم. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق مروان بن معاوية وغيره عن إسماعيل، وقال فيه أيضا: وهم هذا البارز.
وأخرجه أبو نعيم من طريق إبراهيم بن بشار عن سفيان، وقال في آخره: قال أبو هريرة ﵁: وهم هذا البارز؛ يعني: الأكراد. وقال غيره: البارز: الديلم؛ لأن كلا منهما يسكنون في براز من الأرض أو الجبال وهي بارزة عن وجه الأرض. وقيل: هي أرض فارس؛ لأن منهم من يجعل الباء موحدة والزاي سينا.
وقيل غير ذلك. وقيل: البارز ناحية قريبة من كرمان، بها جبال، فيها أكراد، فكأنهم سموا باسم بلادهم". قال: "وقد ظهر مصداق هذا الخبر". انتهى المقصود من كلامه ملخصا.
وعن الحسن؛ قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا ينتعلون الشعر، وحتى تقاتلوا قومًا عراض الوجوه، خنس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، ثم روى بالإسناد نفسه عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثل ذلك.
وعن عمرو بن تغلب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من»
[ ١ / ٣٦٩ ]
«أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبخاري، وابن ماجه.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "هذا والحديث الذي بعده - يعني حديث الأعرج عن أبي هريرة وحديث ابن المسيب عن أبي هريرة - ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك، وقد وقع للإسماعيلي من طريق محمد بن عباد؛ قال: بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر".
قال ابن حجر: " (بابك)؛ بموحدتين مفتوحتين وآخره كاف، يقال له: الخرمي؛ بضم المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم؛ كطبرستان والري، إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومئتين أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين؛ يعني بعد المئتين ". انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغارا الأعين، عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد، وكأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، ويتخذون الدرق، حتى يربطوا خيولهم بالنخل» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وإسناد أحمد صحيح على شرط مسلم، وإسناد ابن ماجه جيد أيضا.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه البزار.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وعن عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد ﵁ مرفوعا: «يوشك خيل الترك مخرمة الآذان أن تربط بسعف نخل نجد» .
رواه ابن قانع، وذكره صاحب "كنز العمال".
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في أثناء القرن الثاني عشر من الهجرة، حين جاء الترك وأعوانهم من المفسدين في الأرض، فعاثوا في بلاد نجد بالقتل والتخريب والإفساد.
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁؛ قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ، فسمعت النبي ﷺ يقول: «إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف (ثلاث مرار)، حتى يلحقوهم بجزيرة العرب: أما السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة؛ فيصطلمون كلهم من بقي منهم ". قالوا: يا نبي الله من هم؟ قال: "الترك". قال: "أما والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين". قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ذلك؛ للهرب مما سمع من النبي ﷺ من البلاء من أمراء الترك» . رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه: أبو داود، والبزار، والحاكم مختصرا، ولفظ الحاكم: قال: «يجيء قوم صغار العيون، عراض الوجوه، كأن وجوههم الحجف، فيلحقون أهل الإسلام بمنابت الشيح، كأني أنظر إليهم وقد ربطوا خيولهم بسواري المسجد. فقيل لرسول الله ﷺ: يا رسول الله! من هم؟ قال: "الترك» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٣٧١ ]
(الحجف): جمع حجفة، وهي الترس.
(الاصطلام): الاستئصال: قال أبو داود: "وهو القطع المستأصل". وقال الخطابي: "أصله من الصلم، وهو القطع". وقال ابن الأثير: "الاصطلام: استئصال الشيء وأخذه جملة".
وعن معاوية بن حديج ﵁؛ قال: «كنت عند معاوية بن أبي سفيان ﵄ حين جاءه كتاب من عامله يخبره أنه أوقع بالترك وهزمهم وكثرة من قتل منهم وكثرة ما غنم، فغضب معاوية من ذلك، ثم أمر أن يكتب إليه: قد فهمت ما ذكرت مما قتلت وغنمت؛ فلا أعلمن ما عدت لشيء من ذلك، ولا قاتلتهم؛ حتى يأتيك أمري. قلت له: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لتظهرن الترك على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم فأنا أكره قتالهم لذلك» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".
قلت: وحديث بريدة يشهد له ويقويه.
وأيضا فقد ظهر مصداقه، وشهد له الواقع بالصحة، وذلك حين ظهرت التتار على المسلمين، وألحقوا العرب بمنابت الشيح والقيصوم من جزيرة العرب.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "يوشك أن لا تأخذوا من الكوفة نقدا ولا درهما". قيل: وكيف؟ قال: "يجيء قوم كأن وجوههم المجان المطرقة، حتى يربطوا خيولهم على السواد، فيجلوكم إلى منابت الشيح، حتى إن البعير والزاد أحب إلى أحدكم من القصر من قصوركم هذه".
رواه ابن أبي شيبة.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: "تضاف العرب إلى منازلها الأولى، حتى يكون خير مالها الشاة والبعير".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لتنزلن طائفة من أمتي أرضًا يقال لها البصرة، يكثر بها عددهم، ويكثر بها نخلهم، ثم يجيء بنو قنطوراء: عراض الوجوه، صغار العيون، حتى ينزلوا على جسر لهم، يقال له: دجلة، فيتفرق المسلمون ثلاث فرق: فأما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل وتلحق بالبادية وهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها، فكفرت؛ فهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالهم خلف ظهورهم ويقاتلون؛ فقتلاهم شهداء، ويفتح الله على بقيتهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأبو داود السجستاني، وابن حبان في "صحيحه".
قال العوام بن حوشب أحد رواته: "بنو قنطوراء هم الترك". ذكره الإمام أحمد في روايته.
«وعن إبراهيم بن صالح بن درهم؛ قال: سمعت أبي يقول: انطلقنا حاجين؛ فإذا رجل، فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها: الأبلة؟ قلنا: نعم. قال: من يضمن لي منكم أن يصلي في مسجد العشار ركعتين أو أربعا، ويقول: هذه لأبي هريرة؟ سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء، لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم» .
رواه أبو داود، وقال: "هذا المسجد بباب النهر".
قال ابن الأثير: " (الأبلة)؛ بضم الهمزة والباء وتشديد اللام: البلد
[ ١ / ٣٧٣ ]
المعروف قرب البصرة من جانبها البحري، قيل: هو اسم نبطي". انتهى.
وعن عقبة بن عمرو بن أوس السدوسي؛ قال: "أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وعليه بردان قطريان وعليه عمامة وليس عليه سربال (يعني: القميص)، فقلنا له: إنك قد رويت عن رسول الله ﷺ ورويت الكتب. فقال: ممن أنتم؟ قال: فقلنا: من أهل العراق. فقال: إنكم يا أهل العراق تكذبون وتكذبون وتسخرون. قال: فقلت: لا والله لا نكذبك ولا نكذب عليك ولا نسخر منك. قال: فإن بني قنطوراء بن كركر لا يخرجون حتى يربطوا خيولهم بنخل الأبلة، كم بينها وبين البصرة؟ قال: فقلنا: أربع فراسخ. قال: فيبعثون أن خلوا بيننا وبينها. قال: فيلحق ثلث بهم وثلث بالكوفة وثلث بالأعراب. ثم يبعثون إلى أهل الكوفة أن خلوا بيننا وبينها، فيلحق ثلث بهم وثلث بالأعراب وثلث بالشام. قال: فقلنا: ما أمارة ذلك؟ قال: إذا طبقت الأرض إمارة الصبيان ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: "يوشك بنو قنطوراء بن كركر أن يخرجوا أهل العراق من أرضهم. قلت: ثم يعودون؟ قال: إنك لتشتهي ذلك؟ قال: ويكون لهم سلوة من عيش".
رواه الحاكم في "مستدركه".
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" والحاكم من طريقه، ولفظه: "قال عبد الله بن عمرو: أوشك بنو قنطوراء أن يخرجوكم من أرض العراق. قال: قلت: ثم يعودون؟ قال: وذاك أحب إليك؟ ثم يعودون ويكون لهم بها سلوة من
[ ١ / ٣٧٤ ]
عيش".
قال الحاكم:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الحاكم: "وبنو قنطوراء هم الترك". وكذا قال الخطابي وابن منظور في "لسان العرب". وقد تقدم قول العوام بن حوشب في ذلك. قال الخطابي: "يقال: إن قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، ولدت له أولادا جاء من نسلهم الترك". وكذا قال ابن الأثير، وابن منظور، وزادا: "أن الصين من نسلها أيضا". قال ابن منظور: "وقيل: بنو قنطوراء هم السودان".
وقال صاحب "القاموس": "بنو قنطوراء هم الترك، أو السودان، أو هي جارية لإبراهيم من نسلها الترك". انتهى.
والقول الأول هو المشهور، ويدل له حديث بريدة وحديث معاوية، وقد تقدم ذكرهما قريبا، ويدل له أيضا حديث ابن مسعود ﵁، وسيأتي في آخر الباب، وحديثه الآخر وسيأتي في الباب بعد هذا. والله أعلم.
وقال ابن حجر في "فتح الباري": "اختلف في أصل الترك: فقال الخطابي: هم بنو قنطوراء، أمة كانت لإبراهيم ﵇. وقال كراع: هم الديلم. وتعقب بأنهم جنس من الترك، وكذلك الغز. وقال أبو عمر: هم من أولاد يافث، وهم أجناس كثيرة. وقال وهب بن منبه: هم بنو يأجوج ومأجوج، لما بنى ذو القرنين السد كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين؛ فتركوا لم يدخلوا مع قومهم؛ فسموا الترك، وقيل: إنهم من نسل تبع، وقيل: من ولد أفريدون بن سام بن نوح. وقيل: ابن يافث لصلبه. وقيل: ابن كومي بن يافث ". انتهى.
والمشهور ما قاله أبو عمر ووهب بن منبه، والله أعلم.
[ ١ / ٣٧٥ ]
قال سعيد بن المسيب: "ولد نوح ﵊ ثلاثة: سام وحام ويافث: فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج".
رواه الحاكم في "مستدركه".
وقد رواه البزار في "مسنده" من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم، والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة، ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان» .
في إسناده محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، وكلاهما ضعيف.
قال ابن كثير: "والمحفوظ عن سعيد من قوله، وهكذا روي عن وهب بن منبه مثله ". انتهى.
وعن عبد الله بن بريدة الأسلمي: "أن سلمان بن ربيعة العنزي حدثه: أنه حج مرة في إمرة معاوية ومعه المنتصر بن الحارث الضبي في عصابة من قراء أهل البصرة. قال: فلما قضوا نسكهم قالوا: والله لا نرجع إلى البصرة حتى نلقى رجلا من أصحاب محمد ﷺ مرضيا يحدثنا بحديث يستظرف نحدث به أصحابنا إذا رجعنا إليهم. قال: فلم نزل نسأل حتى حدثنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ نازل بأسفل مكة فعمدنا إليه؛ فإذا نحن بثقل عظيم يرتحلون ثلاثمائة راحلة، منها مائة راحلة ومئتا زاملة، فقلنا: لمن هذا الثقل؟ قالوا: لعبد الله بن عمرو، فقلنا: أكل هذا له وكنا نحدث أنه من أشد الناس تواضعا؟ ! قال: فقالوا: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق. قال: فقالوا: العيب منكم حق يا أهل العراق، أما هذه المائة راحلة؛ فلإخوانه يحملهم عليها، وأما المئتا زاملة؛ فلمن نزل عليه من الناس. قال: فقلنا: دلونا عليه. فقالوا: إنه
[ ١ / ٣٧٦ ]
في المسجد الحرام. قال: فانطلقنا نطلبه، حتى وجدناه في دبر الكعبة جالسا؛ فإذا هو قصير، أرمص، أصلع، بين بردين وعمامة، ليس عليه قميص، قد علق نعليه في شماله. فقلنا: يا عبد الله! إنك رجل من أصحاب محمد ﷺ؛ فحدثنا حديثا ينفعنا الله تعالى به بعد اليوم. قال: فقال لنا: ومن أنتم؟ قال: فقلنا له: لا تسأل من نحن؛ حدثنا غفر الله لك. قال: فقال: ما أنا بمحدثكم شيئا حتى تخبروني من أنتم؟ قلنا: وددنا أنك لم تنقدنا، وأعفيتنا، وحدثتنا بعض الذي نسألك عنه. قال: فقال: والله لا أحدثكم حتى تخبروني من أي الأمصار أنتم؟ قال: فلما رأيناه حلف ولج؛ قلنا: فإنا ناس من العراق. قال: فقال: أف لكم كلكم يا أهل العراق؛ إنكم تكذبون وتكذبون وتسخرون. قال: فلما بلغ إلى السخرى وجدنا من ذلك وجدا شديدا. قال: فقلنا: معاذ الله أن نسخر من مثلك! أما قولك الكذب؛ فوالله لقد فشا في الناس الكذب وفينا. وأما التكذيب؛ فوالله إنا لنسمع الحديث لم نسمع به من أحد نثق به؛ فإذا نكاد نكذب به. وأما قولك السخرى؛ فإن أحدا لا يسخر بمثلك من المسلمين، فوالله إنك اليوم لسيد المسلمين فيما نعلم نحن؛ إنك من المهاجرين الأولين، ولقد بلغنا أنك قرأت القرآن على محمد ﷺ، وأنه لم يكن في الأرض قرشي أبر بوالديه منك، وأنك كنت أحسن الناس عينا فأفسد عينيك البكاء، ثم لقد قرأت الكتب كلها بعد رسول الله ﷺ، فما أحد أفضل منك علما في أنفسنا، وما نعلم بقي من العرب رجل كان يرغب عن فقهاء أهل مصره حتى يدخل إلى مصر آخر يبتغي العلم عند رجل من العرب غيرك؛ فحدثنا غفر الله لك. فقال: ما أنا بمحدثكم حتى تعطوني موثقا أن لا تكذبوني، ولا تكذبون علي، ولا تسخرون. قال: فقلنا: خذ علينا ما شئت من مواثيق. فقال: عليكم عهد الله ومواثيقه أن لا تكذبوني ولا تكذبون علي ولا تسخرون لما أحدثكم. قال: فقلنا له: علينا ذاك. قال: فقال: إن الله تعالى عليكم كفيل ووكيل؟ فقلنا: نعم.
[ ١ / ٣٧٧ ]
فقال: اللهم اشهد عليهم. ثم قال عند ذاك: أما ورب هذا المسجد والبلد الحرام واليوم الحرام والشهر الحرام، ولقد استسمنت اليمين، أليس هكذا؟ قلنا: نعم قد اجتهدت. قال: ليوشكن بنو قنطوراء بن كركرى: خنس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة في كتاب الله المنزل: أن يسوقوكم من خراسان وسجستان سياقا عنيفا، قوم يوفون اللمم، وينتعلون الشعر، ويحتجزون السيوف على أوساطهم، حتى ينزلوا الأبلة. ثم قال: وكم الأبلة من البصرة؟ قلنا: أربع فراسخ. قال: ثم يعقدون بكل نخلة من نخل دجلة رأس فرس، ثم يرسلون إلى أهل البصرة أن اخرجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل البصرة من البصرة؛ فيلحق لاحق ببيت المقدس، ويلحق آخرون بالمدينة، ويلحق آخرون بمكة، ويلحق آخرون بالأعراب. قال: فينزلون بالبصرة سنة، ثم يرسلون إلى أهل الكوفة أن اخرجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل الكوفة منها، فيلحق لاحق ببيت المقدس، ولاحق بالمدينة، وآخرون بمكة، وآخرون بالأعراب؛ فلا يبقى أحد من المصلين إلا قتيلا أو أسيرا يحكمون في دمه ما شاؤوا. قال: فانصرفنا عنه وقد ساءنا الذي حدثنا، فمشينا من عنده غير بعيد، ثم انصرف المنتصر بن الحارث الضبي، فقال: يا عبد الله بن عمرو قد حدثتنا فطعنتنا؛ فإنا لا ندري من يدركه منا؛ فحدثنا هل بين يدي ذلك علامة؟ فقال عبد الله بن عمرو: لا تعدم عقلك؛ نعم بين يدي ذلك أمارة. قال المنتصر بن الحارث: وما الأمارة؟ قال: الأمارة العلامة. قال: وما تلك العلامة؟ قال: هي إمارة الصبيان، فإذا رأيت إمارة الصبيان قد طبقت الأرض اعلم أن أن الذي أحدثك قد جاء. قال: فانصرف عنه المنتصر، فمشى قريبا من غلوة ثم رجع إليه. قال: فقلنا له: علام تؤذي هذا الشيخ من أصحاب رسول الله ﷺ؟ فقال: والله لا أنتهي حتى يبين لي، فلما رجع إليه بينه".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم
[ ١ / ٣٧٨ ]
يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي الأسود الديلي؛ قال: «انطلقت أنا وزرعة بن ضمرة الأشعري إلى عمر بن الخطاب ﵁، فلقينا عبد الله بن عمرو ﵄، فقال: يوشك أن لا يبقى في أرض العجم من العرب إلا قتيل أو أسير يحكم في دمه. فقال زرعة: أيظهر المشركون على أهل الإسلام؟ فقال: ممن أنت؟ قال: من بني عامر بن صعصعة. فقال: لا تقوم الساعة حتى تدافع نساء بني عامر على ذي الخلصة (وثن كان يسمى في الجاهلية) . قال: فذكرنا لعمر بن الخطاب ﵁ قول عبد الله بن عمرو ﵄، فقال عمر ﵁ (ثلاث مرار): عبد الله بن عمرو أعلم بما يقول. فخطب عمر بن الخطاب ﵁ يوم الجمعة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين حتى يأتي أمر الله. قال: فذكرنا قول عمر لعبد الله بن عمرو. فقال: صدق نبي الله ﷺ، إذا كان ذلك كان الذي قلت» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ". وقد رواه أبو يعلى عن شيخه أبي سعيد. قال الهيثمي: "فإن كان هو مولى بني هاشم فرجاله رجال الصحيح".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "يأتيكم قوم من قبل المشرق: عراض الوجوه، صغار العيون، كأنما نبتت أعينهم في الصخر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حتى يربطوا خيولهم بشط الفرات".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن سيرين: أن ابن مسعود ﵁ قال: "كأني بالترك قد أتتكم على براذين مجذمة الآذان حتى تربطها بشط الفرات".
[ ١ / ٣٧٩ ]
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين. ورواه الحاكم في "مستدركه" من طريق عبد الرزاق ولم يتكلم عليه، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ". ورواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح إن كان ابن سيرين سمع من ابن مسعود ﵁ ".
وعن حذيفة ﵁؛ قال: "كأني بهم مشرقي آذان خيلهم رابطيها بحافتي الفرات".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن يزيد بن معاوية العامري: أنه سمع عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "كيف أنتم إذا رأيتم قوما (أو: أتاكم قوم) فطح الوجوه؟ ! ".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
قوله: "فطح الوجوه"؛ يعني: عراض الوجوه، وقد جاء ذلك صريحا فيما تقدم عن أبي هريرة وعمرو بن تغلب وأبي سعيد وبريدة وأبي بكرة والحسن ﵃. قال ابن منظور في "لسان العرب": "الفطح: عرض في وسط الرأس والأرنبة حتى تلتزق بالوجه، كالثور الأفطح". انتهى.
وعن سمرة بن جندب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يملأ الله ﷿ أيديكم من العجم، ثم يكونون أسدًا لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم، ويأكلون فيأكم» .
رواه: الإمام أحمد بأسانيد صحيحة، والبزار، والطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
وعن أنس وعبد الله بن عمرو وحذيفة ﵃ عن النبي ﷺ
[ ١ / ٣٨٠ ]
نحوه، وفي أسانيدها ضعف.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يكثر فيكم من العجم أسد لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم، ويأكلون فيأكم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
باب
النهي عن تهييج الترك والحبشة
عن أبي سكينة (رجل من المحررين) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: أنه قال: «دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم» .
رواه: أبو داود، والنسائي.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ؛ قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» .
رواه: أبو داود، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف؛ قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» . رواه: الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ غير موسى بن جبير، وهو ثقة.
وعن معاوية بن أبي سفيان ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتركوا الترك ما تركوكم» .
[ ١ / ٣٨١ ]
باب النهي عن تهييج الترك والحبشة
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات".
وعن عمر ﵁: أنه قال: «اتركوا هذه الفطح الوجوه ما تركوكم، فوالله لوددت أن بيننا وبينهم بحرًا لا يطاق» .
رواه ابن أبي شيبة.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «اتركوا الترك ما تركوكم؛ فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عثمان بن يحيى القرقساني، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وقد وقع مصداق هذا الحديث والأحاديث المذكورة في الباب قبله.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وقد كان مشهورا في زمن الصحابة ﵃ حديث: «اتركوا الترك ما تركوكم»، فروى الطبراني من حديث معاوية ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله.
وقاتل المسلمون الترك في خلافة بني أمية، وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدودا، إلى أن فتح ذلك شيئا بعد شيء، وكثر السبي منهم، وتنافس الملوك فيهم؛ لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثم غلب الأتراك على الملك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحدا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم، ثم كان ملوك السامانية من الترك أيضا، فملكوا بلاد العجم، ثم غلب على تلك الممالك آل سبكتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان بقايا أتباعهم بالشام، وهم آل زنكي، وأتباع هؤلاء، وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء أيضا من الترك، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية، وخرج على آل سلجوق في
[ ١ / ٣٨٢ ]
المائة الخامسة الغز، فخربوا البلاد، وفتكوا في العباد، ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتر، فكان خروج جنكز خان بعد الستمائة، فأسعرت بهم الدنيا نارا، خصوصا المشرق بأسره، حتى لم يبق بلد منه إلا دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد وقتل الخليفة المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وستمائة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون، على أن كان آخرهم اللنك، ومعناه: الأعرج، واسمه تمر؛ بفتح المثناة وضم الميم وربما أشبعت، فطرق الديار الشامية، وعاث فيها، وحرق دمشق حتى صارت خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته، إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه البلاد.
وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله ﷺ: «إن بني قنطوراء أول من يسلب أمتي ملكهم»، وهو حديث أخرجه الطبراني من حديث معاوية، وكأنه يريد بقوله: "أمتي": أمة النسب لا أمة الدعوة؛ يعني: العرب. والله أعلم ". انتهى.
باب
ما جاء في تداعي الأمم على المسلمين
عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها. قال: قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن". قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: "حب الحياة وكراهية الموت» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والبيهقي في "دلائل النبوة"، وهذا لفظ أحمد، وإسناده حسن.
[ ١ / ٣٨٣ ]
باب ما جاء في تداعي الأمم على المسلمين
(الغثاء): الزبد، وما ارتفع على الماء مما لا ينتفع به. قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، ونقله عنه البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه". وقال الراغب الأصفهاني: "يضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتد به".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول لثوبان: كيف أنت يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام تصيبون منه؟ قال ثوبان: بأبي وأمي يا رسول الله أمن قلة بنا؟ قال: "لا؛ أنتم يومئذ كثير، ولكن يلقى في قلوبكم الوهن". قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حبكم الدنيا، وكراهيتكم القتال» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط" بنحوه. قال الهيثمي: "وإسناد أحمد جيد".
باب
ما جاء في حصر المسلمين بالمدينة
عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك المسلمون أن يحصروا بالمدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح» .
رواه: أبو داود، والطبراني في "الصغير"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الزهري: " و(سلاح): قريب من خيبر".
رواه أبو داود.
وعن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك أن»
[ ١ / ٣٨٤ ]
باب ما جاء في حصر المسلمين بالمدينة
«يكون أقصى مسالح المسلمين سلاح»، وسلاح: من خيبر.
رواه الطبراني في "الصغير".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث الزهري عن سالم: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: "يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين سلاح"، وسلاح: قريب من خيبر.
وعن أبي هريرة أيضا ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يوشك أن يرجع الناس إلى المدينة، حتى تصير مسالحهم بسلاح» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر".
وهذا الحصر لم يقع إلى الآن، وكذلك الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية ورومية وقتل اليهود؛ فكل ذلك لم يقع إلى الآن. والله المستعان، وعليه التكلان.
باب
ارتفاع الفتن عند وقوع الملاحم
عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين: سيفًا منها، وسيفًا من عدوها» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود؛ بأسانيد جيدة، وفيها إسماعيل بن عياش، وفيه مقال، وقد وثقه أحمد وابن معين ودحيم والفلاس والبخاري والفسوي وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في أهل الحجار، وهذا من روايته عن الشاميين؛ فالحديث لذلك صحيح. والله أعلم.
[ ١ / ٣٨٥ ]
باب
ما جاء في الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية ورومية
عن أبي إدريس (وهو الخولاني)؛ قال: سمعت عوف بن مالك ﵁؛ قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: «اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» .
رواه: البخاري، وابن ماجه، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ ابن ماجه: قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو في غزوة تبوك وهو في خباء من أدم، فجلست بفناء الخباء، فقال رسول الله ﷺ: "ادخل يا عوف! " فقلت: بكلي يا رسول الله؟ قال: "بكلك". ثم قال: "يا عوف احفظ خلالًا ستًا بين يدي الساعة؛ إحداهن: موتي". قال: فوجمت عندها وجمة شديدة، فقال: "قل: إحدى، ثم فتح بيت المقدس، ثم داء يظهر فيكم يستشهد الله به ذراريكم وأنفسكم ويزكي به أعمالكم، ثم تكون الأموال فيكم حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، وفتنة تكون بينكم لا يبقى بيت مسلم إلا دخلته، ثم تكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة، فيغدرون بكم، فيسيرون إليكم في ثمانين غاية، تحت كل اثنا عشر ألفًا» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بنحو رواية البخاري، وزاد: قال الوليد بن مسلم: فذاكرنا هذا الحديث شيخا من شيوخ أهل المدينة قوله: «ثم فتح بيت المقدس»، فقال الشيخ: أخبرني سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁: أنه كان يحدث بهذه الستة عن رسول الله ﷺ، ويقول بدل: «فتح بيت»
[ ١ / ٣٨٦ ]
«المقدس»: «عمران بيت المقدس» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الحاكم أيضا من حديث الشعبي عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: «بينا نحن مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ورسول الله ﷺ في قبة من أدم؛ إذ مررت فسمع صوتي، فقال: "يا عوف بن مالك! ادخل" فقلت: يا رسول الله! أكلي أم بعضي؟ فقال: "بل كلك" قال: فدخلت، فقال: "يا عوف اعدد ستًا بين يدي الساعة". فقلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: "موت رسول الله". فبكى عوف، ثم قال رسول الله ﷺ: "قل إحدى". قلت: إحدى. ثم قال: "وفتح بيت المقدس، قل: اثنين". قلت: اثنين. قال: "وموت يكون في أمتي كقعاص الغنم، قل: ثلاث". قلت: ثلاث. قال: "وتفتح لهم الدنيا حتى يعطى الرجل المائة فيسخطها، قل: أربع. وفتنة لا يبقى أحد من المسلمين إلا دخلت عليه بيته، قل: خمس ". قلت: خمس. "وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر؛ يأتونكم على ثمانين غاية، كل غاية اثنا عشر ألفًا، ثم يغدرون بكم حتى حمل امرأة» . قال: فلما كان عام عمواس؛ زعموا أن عوف بن مالك قال لمعاذ بن جبل: إن رسول الله ﷺ قال لي: «اعدد ستًا بين يدي الساعة»؛ فقد كان منهن ثلاث، وبقي الثلاث. فقال معاذ: إن لهذه مدة، ولكن خمس أظلتكم، من أدرك منهن شيئا، ثم استطاع أن يموت فليمت: أن يظهر التلاعن على المنابر، ويعطى مال الله على الكذب والبهتان، وسفك الدماء بغير حق، وتقطع الأرحام، ويصبح العبد لا يدري أضال هو أم مهتد.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٣٨٧ ]
وقد رواه الإمام أحمد من حديث جبير بن نفير عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: «أتيت النبي ﷺ، فسلمت عليه، فقال: " عوف؟ " فقلت: نعم. فقال: "ادخل". قال: قلت: كلي أو بعضي؟ قال: "بل كلك". قال: "اعدد يا عوف ستًا بين يدي الساعة: أولهن موتي". قال: فاستبكيت حتى جعل رسول الله ﷺ يسكتني. قال: قلت: إحدى. "والثانية فتح بيت المقدس". قلت: اثنين. "والثالثة موتان يكون في أمتي يأخذهم مثل قعاص الغنم". قال: "ثلاثًا. والرابعة فتنة تكون في أمتي (وعظمها)، قل: أربعًا. والخامسة يفيض المال فيكم حتى إن الرجل ليعطى المائة دينار فيتسخطا. قل: خمسًا. والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيسيرون إليكم على ثمانين غاية ". قلت: وما الغاية؟ قال: "الراية، تحت كل راية اثنا عشر ألفًا، فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها: الغوطة، في مدينة يقال لها: دمشق» .
إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أيضا من حديث هشام بن يوسف عن عوف بن مالك ﵁ بنحوه مختصرا، ورواته ثقات. ورواه أيضا من حديث محمد بن أبي محمد عن عوف بن مالك ﵁ بنحوه، وفيه: «وفتنة تدخل بيت كل شعر ومدر»، ورواته ثقات. وروى أبو داود طرفا من أوله، ثم روى عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة؛ قال: إنما قال: "أدخل كلي"؛ من صغر القبة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "قوله: "غاية"؛ أي: راية، وسميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف". قال: "وجملة العدد المشار إليه تسعمائة ألف وستون ألفا، ولعل أصله ألف ألف، فألغيت كسوره. قال المهلب: فيه أن الغدر من أشراط الساعة، وفيه أشياء من علامات النبوة قد ظهر أكثرها. وقال ابن المنير: أما قصة الروم فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد؛ فهي من الأمور التي لم تقع بعد. وفيه بشارة ونذارة،
[ ١ / ٣٨٨ ]
وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه". انتهى.
وقال ابن حجر أيضا: "والسادسة لم تجئ بعد".
قلت: ولم تقع إلى الآن، وستقع بلا شك، والله أعلم متى تكون.
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ست من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقعاص الغنم، وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيتسخطها، وأن تغدر الروم فيسيرون في ثمانين بندًا، تحت كل بند أثنا عشر ألفًا» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، وفيه النهاس بن قهم، وهو ضعيف، وحديث عوف بن مالك يشهد به ويقويه.
قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: " (القعاص): داء يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (القعاص): داء يأخذ في الصدر، كأنه يكسر العنق. والقعاص داء يأخذ الدواب، فيسيل من أنوفها شيء.
والقعاص داء يأخذ الغنم، لا يلبثها أن تموت". انتهى.
وقوله: "حربها": قال ابن الأثير: " (الحرب)؛ بالتحريك: نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له ".. وقال الخطابي: " (الحرب): ذهاب المال والأهل، يقال: حرب الرجل فهو حريب: إذا سلب أهله وماله. و(البند): العلم الكبير، فارسي معرب، قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة، وجمعه بنود". قال ابن منظور: " و(البند): كل علم من الأعلام، وفي المحكم من أعلام الروم يكون للقائد تحت كل علم عشرة آلاف رجل أو أقل أو أكثر".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «دخلت على النبي ﷺ»
[ ١ / ٣٨٩ ]
«وهو يتوضأ وضوءًا مكيثًا، فرفع رأسه، فنظر إلي، فقال: "ست فيكم أيتها الأمة: موت نبيكم ﷺ ". فكأنما انتزع قلبي من مكانه. قال رسول الله ﷺ: "واحدة". قال: "ويفيض المال فيكم حتى إن الرجل ليعطى عشرة آلاف، فيظل يتسخطها ". قال رسول الله ﷺ: "ثنتين". قال: "وفتنة تدخل بيت كل رجل منكم". قال رسول الله ﷺ: "ثلاث". قال: "وموت كقعاص الغنم". قال رسول الله ﷺ: "أربع. وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، يجمعون لكم تسعة أشهر كقدر حمل المرأة، ثم يكونون أولى بالغدر منكم". قال رسول الله ﷺ: "خمس". قال: "وفتح مدينة". قال رسول الله ﷺ: "ست". قلت: يا رسول الله! أي مدينة؟ قال: "قسطنطينية» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه أبو جناب الكلبي، وهو مدلس".
قلت: وحديث عوف بن مالك ﵁ يشهد له ويقويه.
وعن ذي مخمر (رجل من أصحاب النبي ﷺ، وهو ابن أخي النجاشي ﵁): أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «تصالحون الروم صلحًا آمنًا، حتى تغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم، فتنصرون وتغنمون وتنصرفون، حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيقول قائل من الروم: غلب الصليب، ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب، فيتداولانها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم وهم منه غير بعيد فيدفعه، ويثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمين إلى أسلحتهم، فيقتتلون، فيكرم الله ﷿ تلك العصابة من المسلمين بالشهادة، فيقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب، فيغدرون، فيجتمعون للملحمة، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» .
[ ١ / ٣٩٠ ]
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وهذا لفظه، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن إسحاق بن عبد الله: «أن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أتى رسول الله ﷺ في فتح له، فسلم عليه، ثم قال: هنيئًا لك يا رسول الله! قد أعز الله نصرك، وأظهر دينك، ووضعت الحرب أوزارها بجرانها. قال: ورسول الله ﷺ في قبة من أدم، فقال: "ادخل يا عوف! ". فقال: أدخل كلي أو بعضي؟ فقال: "ادخل كلك". فقال: "إن الحرب لن تضع أوزارها حتى تكون ست: أولهن موتي". فبكى عوف. قال رسول الله ﷺ: "قل: إحدى. والثانية فتح بيت المقدس، والثالثة موت يكون في الناس كقعاص الغنم، والرابعة فتنة تكون في الناس، لا يبقى أهل بيت إلا دخل عليهم نصيبهم منها، والخامسة يولد في بني الأصفر غلام من أولاد الملوك يشب في اليوم كما يشب الصبي في الجمعة، ويشب في الجمعة كما يشب الصبي في الشهر، ويشب في الشهر كما يشب الصبي في السنة، فلما بلغ اثنتي عشرة سنة ملكوه عليهم، فقام بين أظهرهم فقال: إلى متى يغلبنا هؤلاء القوم على مكارم أرضنا؟ إني رأيت أن أسير إليهم حتى أخرجهم منها. فقام الخطباء، فحسنوا له رأيه، فبعث في الجزائر والبرية بصنعة السفن، ثم حمل فيها المقاتلة، حتى ينزل بين أنطاكية والعريش» . قال ابن شريح (أحد رواته): فسمعت من يقول: «"إنهم اثنا عشر غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا، فيجتمع المسلمون إلى صاحبهم ببيت المقدس، فأجمعوا رأيهم أن يسيروا إلى مدينة الرسول ﷺ حتى يكون مسالحهم بالسرح وخيبر» . قال ابن أبي جعفر: قال رسول الله ﷺ: «يخرجون أمتي من منابت الشيح» . قال: وقال الحارث بن يزيد: إنهم سيقيمون فيها هنالك، «فيفر منهم الثلث، فيهزمهم الله بالثلث»
[ ١ / ٣٩١ ]
«الصابر» . وقال خالد بن يزيد: «يومئذ يضرب الله بسيفه ويطعن برمحه، ويتبعهم المسلمون حتى يبلغوا المضيق الذي عند القسطنطينية، فيجدونه قد يبس ماؤه، فيجيزون إلى المدينة حتى ينزلوا بها، فيهدم الله جدرانهم بالتكبير، ثم يدخلونها، فيقسمون أموالهم بالأترسة» . وقال أبو قبيل المعافري: «فبينما هم على ذلك إذ جاءهم راكب، فقال: أنتم هاهنا والدجال قد خالفكم في أهليكم؟ وإنما كانت كذبة، فمن سمع العلماء في ذلك أقام على ما أصابه، وأما غيرهم فانفضوا، ويكون المسلمون يبنون المساجد في القسطنطينية، ويغزون وراء ذلك، حتى يخرج الدجال، السادسة» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعا.
قلت: ولبعضه شواهد مما تقدم وما يأتي.
عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «فتح لرسول الله ﷺ فتح، فقلت: يا رسول الله! اليوم ألقى الإسلام بجرانه، ووضعت الحرب أوزارها. فقال رسول الله ﷺ: "إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالًا ستًا: أولهن موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم فئتان من أمتي دعواهم واحدة يقتل بعضهم بعضًا، ويفيض المال حتى يعطى الرجل المائة دينار فيتسخط، وموت يكون كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب فيه قومه، فيملكونه؛ يقولون: نرجو أن يربك علينا ملكنا! فيجمع جمعًا عظيمًا، ثم يسير حتى يكون فيما بين العريش وأنطاكية، وأميركم يومئذ نعم الأمير، فيقول لأصحابه: ما ترون؟ فيقولون: نقاتلهم حتى يحكم الله»
[ ١ / ٣٩٢ ]
«بيننا وبينهم. فيقول: لا أرى ذلك؛ نحرز ذرارينا وعيالنا، ونخلي بينهم وبين الأرض، ثم نغزوهم وقد أحرزنا ذرارينا. فيسيرون، فيخلون بينهم وبين أرضهم، حتى يأتوا مدينتي هذه، فيستهدون أهل الإسلام، فيهدونهم، ثم يقول: لا ينتدبن معي إلا من يهب نفسه لله حتى نلقاهم نلقاهم فنقاتل حتى يحكم الله بيني وبينهم. فينتدب معه سبعون ألفًا، ويزيدون على ذلك، فيقول: حسبي سبعون ألفًا؛ لا تحملهم الأرض، وفيهم عين لعدوهم. فيأتيهم، فيخبرهم بالذي كان، فيسيرون إليهم، حتى إذا التقوا سألوا أن يخلى بينهم وبين من كان بينهم وبينه نسب، فيدعونهم، فيقولون: ما ترون فيما يقولون؟ فيقول: ما أنتم بأحق بقتالهم ولا أبعد منهم. فيقول: فعندكم؛ فاكسروا أغمادكم. فيسل الله سيفه عليهم، فيقتل منهم الثلثان، ويفر في السفن الثلث، وصاحبهم فيهم، حتى إذا تراءت لهم جبالهم بعث الله عليهم ريحًا، فردتهم إلى مراسيهم من الشام، فأخذوا، فذبحوا عند أرجل سفنهم عند الساحل؛ فيومئذ تضع الحرب أوزارها» .
رواه ابن أبي حاتم.
وقد رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، ولفظه: قال: «فتح لرسول الله ﷺ فتح لم يفتح له مثله منذ بعثه الله، فقلت له: يهنيك الفتح يا رسول الله! قد وضعت الحرب أوزارها. فقال: "هيهات، هيهات، والذي نفسي بيده إن دونها يا حذيفة لخصالًا ستًا: أولهن موتي". قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. "ثم يفتح بيت المقدس، ثم يكون بعد ذلك فتنة تقتتل فيها فئتان عظيمتان يكثر فيها القتل ويكثر فيها الهرج؛ دعوتهما واحدة، ثم يسلط عليكم موت، فيقتلكم قعصًا كما تموت الغنم، ثم يكثر المال فيفيض، حتى يدعى الرجل إلى مائة دينار، فيستنكف أن يأخذها، ثم ينشأ لبني الأصفر غلام من أولاد ملوكهم". قلت: ومن بنو الأصفر يا رسول الله؟ قال: "الروم. فيشب في اليوم الواحد كما يشب»
[ ١ / ٣٩٣ ]
«الصبي في الشهر، ويشب في الشهر كما يشب الصبي في السنة، فإذا بلغ أحبوه واتبعوه ما لم يحبوا ملكًا قبله، ثم يقوم بين ظهرانيهم، فيقول: إلى متى تترك هذه العصابة من العرب لا يزالون يصيبون منكم طرفًا ونحن أكثر منهم عددًا وعدة في البر والبحر؟ ! إلى متى يكون هذا؟ ! فأشيروا علي بما ترون! فيقوم أشرافهم فيخطبون بين أظهرهم ويقولون: نعم ما رأيت، والأمر أمرك» .
وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده؛ ليأرزن الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأزر الحية إلى جحرها، وليأرزن الإيمان إلى المدينة كما يحوز السيل الدمن، فبينما هم على ذلك استغاث العرب بأعرابها، فخرجوا في مجلبة لهم كالصالح ممن مضى وخير من بقي، فاقتتلوا هم والروم؛ فتنقلب بهم الحرب حتى يردوا عميق أنطاكية، فيقتتلون بها ثلاث ليال، فيرفع الله النصر عن كلا الفريقين حتى تخوض الخيل في الدم إلى ثنتها، وتقول الملائكة: أي رب! ألا تنصر عبادك؟ ! فيقول: حتى تكثر شهداؤهم. فيستشهد ثلث، وينصر ثلث، ويرجع ثلث شاكًا فيخسف بهم. فتقول الروم: لن ندعكم إلا أن تخرجوا إلينا كل من كان أصله منا. فتقول العرب للعجم: الحقوا بالروم. فتقول العجم: الكفر بعد الإيمان؟ ! فيغضبون عند ذلك، فيحملون على الروم، فيقتتلون، فيغضب الله عند ذلك، فيضرب بسيفه ويطعن برمحه» . قيل: يا عبد الله بن عمرو! وما سيف الله ورمحه؟ قال: سيف المؤمن ورمحه، «"حتى يهلك الروم جميعًا، فيفتحون حصونها ومدائنها بالتكبير؛ يكبرون تكبيرة فيسقط جدار، ثم يكبرون تكبيرة أخرى فيسقط جدار، ثم يكبرون تكبيرة أخرى فيسقط جدار آخر، ويبقى جدارها البحري لا يسقط، ثم يستجيزون إلى رومية، فيفتحونها بالتكبير، ويتكايلون يومئذ غنائمهم كيلًا بالغرائز» .
رواه نعيم بن حماد.
[ ١ / ٣٩٤ ]
قوله: «حتى تخوض الخيل في الدم إلى ثننها»: قال ابن الأثير: " (الثنن): شعرات في مؤخر الحافر من اليد والرجل".
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ قال: "أتيت عبد الله بن عمرو ﵄ في بيته، وحوله سماطان من الناس، وليس على فراشه أحد، فجلست على فراشه مما يلي رجليه، فجاء رجل أحمر عظيم البطن، فجلس، فقال: من الرجل؟ قلت: عبد الرحمن بن أبي بكرة. فقال: ومن أبو بكرة؟ فقال: وما تذكر الرجل الذي وثب إلى رسول الله ﷺ من سور الطائف؟ فقال: بلى. فرحب، ثم أنشأ يحدثنا، فقال: يوشك أن يخرج ابن حمل الضأن (ثلاث مرات) . قلت: وما حمل الضأن؟ قال: رجل أحد أبويه شيطان؛ يملك الروم، يجيء في ألف ألف من الناس، خمسمائة ألف في البر وخمسمائة ألف في البحر، ينزلون أرضا يقال لها: العميق، فيقول لأصحابه: إن لي في سفينتكم بقية، فيحرقها بالنار، ثم يقول: لا رومية لكم ولا قسطنطينية لكم؛ من شاء أن يفر، ويستمد المسلمون بعضهم بعضا، حتى يمدهم أهل عدن أبين، فيقول لهم المسلمون: الحقوا بهم! فكونوا سلاحا واحدا. فيقتتلون شهرا، حتى تخوض في سنابكها الدماء، وللمؤمن يومئذ كفلان من الأجر على من كان قبله؛ إلا ما كان من أصحاب محمد ﷺ، فإذا كان آخر يوم من الشهر؛ قال الله ﵎: اليوم أسل سيفي وأنصر ديني، وأنتقم من عدوي. فيجعل الله لهم الدائرة عليهم، فيهزمهم الله حتى تستفتح القسطنطينية، فيقول أميرهم: لا غلول اليوم. فبينما هم كذلك يقتسمون بترسهم الذهب والفضة؛ إذ نودي فيهم: ألا إن الدجال قد خلفكم في دياركم، فيدعون ما بأيديهم ويقتلون الدجال".
رواه البزار موقوفا، وله حكم الرفع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات".
[ ١ / ٣٩٥ ]
وسيأتي نحوه في حديث طويل في ذكر نزول عيسى ابن مريم إن شاء الله تعالى.
وعن ابن سيرين عن عقبة بن أوس الدوسي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: "يكون على الروم ملك لا يعصونه (أو: لا يكادون بعصونه)، فيجيء حتى ينزل بأرض كذا وكذا". قال عبد الله: "أنا ما نسيتها". قال: "ويستمد المؤمنون بعضهم بعضا، حتى يمدهم أهل عدن أبين على قلصاتهم". قال عبد الله: "إنه لفي الكتاب مكتوب: فيقتتلون عشرا لا يحجز بينهم إلا الليل، ليس لكم طعام إلا ما في أداويكم، لا تكل سيوفهم وأنتم أيضا كذلك، ثم يأمر ملكهم بالسفن فتحرق (يعني: ملك الروم) ".
قال: "ثم يقول: من شاء الآن فليفر. فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة لم ير مثلها (أو: لا يرى مثلها)، حتى إن الطائر ليمر بهم فيقع ميتا من نتنهم، للشهيد يومئذ كفلان على من مضى قبله من الشهداء، وللمؤمن يومئذ كفلان على من مضى قبله من المؤمنين". قال: "وبقيتهم لا يزلزلهم شيء أبدا، وبقيتهم يقاتل الدجال". قال ابن سيرين: فكان عبد الله بن سلام يقول: إن أدركني هذا القتال وأنا مريض؛ فاحملوني على سريري حتى تجعلوني بين الصفين.
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ورواته ثقات.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق (أو: بدابق)، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون؛ إذ صاح فيهم الشيطان: إن»
[ ١ / ٣٩٦ ]
«المسيح قد خلفكم في أهليكم! فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف؛ إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﷺ، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» .
رواه مسلم.
قال النووي: " (الأعماق) و(دابق): موضعان بالشام بقرب حلب". وقال صاحب "القاموس": " (الأعماق): بلد بين حلب وأنطاكية، مصب مياه كثيرة لا تجف إلا صيفا، وهو العمق، جمع بأجزائه". وذكر مرتضى الحسيني في "تاج العروس" أنه بقرب دابق. وقال صاحب "القاموس" أيضا: " (دابق): قرية بحلب". قال مرتضى الحسيني: "وهي على أربعة فراسخ من حلب".
وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيش الروم على وال من عترتي، اسمه يواطئ اسمي، فيلتقون بمكان يقال له: العماق، فيقتتلون، فيقتل من المسلمين الثلث أو نحو ذلك، ثم يقتتلون يومًا آخر، فيقتل من المسلمين نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الثالث، فيكون على الروم، فلا يزالون حتى يفتحوا القسطنطينية، فبينما هم يقتسمون فيها بالأترسة؛ إذ أتاهم صارخ أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم» .
رواه الخطيب في "المتفق والمفترق".
وعن يسير بن جابر؛ قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى إلا يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة. قال: فقعد وكان متكئا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة. ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام، فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل
[ ١ / ٣٩٧ ]
الإسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة (إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها)، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة، فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد؛ فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم؟ ! فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، (أو: من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ)» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم. وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وزاد بعد قوله: "أو أي ميراث يقاسم؟ ": "قال معمر: وكان قتادة يصل هذا الحديث. قال: فينطلقون حتى يدخلوا قسطنطينية، فيجدون فيها من الصفراء والبيضاء ما إن الرجل يتحجل حجلا". وزاد أيضا بعد قوله: «هم خير الفوارس في الأرض»: «فيقاتلهم الدجال فيستشهدون» .
قوله: (هجيرى)؛ بكسر الهاء والجيم المشددة؛ أي: شأنه ودأبه ذلك.
وعن عمرو بن عوف ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «"لا»
[ ١ / ٣٩٨ ]
«تقوم الساعة حتى تكون رابطة من المسلمين ببولان، يا علي (قال المزني: يعني: علي بن أبي طالب ﵁) قال: لبيك يا رسول الله. قال: أعلم أنكم ستقاتلون بني الأصفر ويقاتلهم من بعدكم من المؤمنين، ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير، فيهدوا حصنهما، ويصيبوا مالًا عظيمًا لم يصيبوا مثله قط، حتى يقتسموا بالترسة، ثم يصرخ صارخ: يا أهل الإسلام! قد خرج المسيح الدجال في بلادكم وذراريكم. فينقبض الناس عن المال، فمنهم الآخذ ومنهم التارك، فالآخذ نادم والتارك نادم، ثم يقولون: من هذا الصارخ - ولا يعلمون من هو - فيقولون: ابعثوا طليعة إلى لد، فإن يكن المسيح قد خرج فسيأتيكم بعلمه، فيأتون فيبصرون ولا يرون شيئًا، ويرون الناس ساكنين، فيقولون: ما صرخ الصارخ إلا إلينا؛ فاعتزموا ثم ارشدوا، فنخرج بأجمعنا إلى لد، فإن يكن بها المسيح الدجال؛ نقاتله حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين، وإن تكن الأخرى فإنها بلادكم وعشائركم وعساكركم رجعتم إليها» .
رواه: ابن ماجه مختصرا، والطبراني وهذا لفظه، والحاكم في "مستدركه" بنحوه. قال الهيثمي: "وفيه كثير بن عبد الله، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه".
وقد رواه الديلمي مختصرا، ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يفتح الله على المؤمنين القسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير» .
قال ابن الأثير وابن منظور: " "فيخرج إليهم روقة المؤمنين"؛ أي: خيارهم وسراتهم، وهي جمع رائق، من: راق الشيء: إذا صفا وخلص". انتهى.
وقد زعم أبو عبية في تعليقه على هذا الحديث في (صفحة ٧٧) من
[ ١ / ٣٩٩ ]
"النهاية" لابن كثير: أن روقة الإسلام يهزمون أعداءهم بقوة الإيمان وثبات اليقين الذي ينعكس أثره على الألسنة تسبيحا وتكبيرا. انتهى.
وهذا واضح في إنكاره أن يكون الفتح بالتسبيح والتكبير الذي يكون للمؤمنين في ذلك الزمان أعظم من الأسلحة الثقلية والفتاكة.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم في " صحيحه": «أن المسلمين إذا نزلوا على المدينة التي جانب منها في البر وجانب منها في البحر؛ لم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم؛ قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر؛ فيفرج لهم فيدخلوها» .
ونظير هذا ما يأتي في باب قتال اليهود: «أن الحجر والشجر يقول: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي؛ فتعال فاقتله» .
وهذا من كرامات الأولياء وخوارق العادات، ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، فمن لم يصدق بما ثبتت به الأخبار من ذلك فقد اتبع غير سبيل المؤمنين. والله أعلم.
وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «"سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها (قال ثور - وهو ابن زيد الديلي أحد رواته -: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر)، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما»
[ ١ / ٤٠٠ ]
«هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون» .
رواه مسلم.
قوله: «من بني إسحاق»: قال النووي: "قال القاضي: كذا هو في جميع أصول "صحيح مسلم ": «من بني إسحاق» . قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: «من بني إسماعيل»، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما أراد العرب، وهذه المدينة هي القسطنطينية ".
قلت: ومما يدل على أنه إنما أراد العرب - وهم بنو إسماعيل - ما تقدم في حديث ذي مخمر ﵁: أن الروم يقولون لصاحبهم: كفيناك حد العرب، ثم يغدرون ويجتمعون للملحمة. فدل هذا على أن الملحمة تكون بين العرب وبين الروم.
وظواهر أحاديث هذا الباب تدل على ذلك أيضا، والذين يباشرون القتال في الملحمة الكبرى هم الذين يفتحون القسطنطينية.
ويدل على ذلك أيضا قوله في حديث عمرو بن عوف ﵁: «ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز»، فدل على أنهم بنو إسماعيل لا بنو إسحاق. والله أعلم.
وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم ستفتحون مدينة هرقل (أو قيصر)، وتقتسمون أموالها بالأترسة، ويسمعهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في أهاليهم، فيلقون ما معهم، ويخرجون فيقاتلونه» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وقد رواه
[ ١ / ٤٠١ ]
نعيم بن حماد في "الفتن"، ولفظه: قال: «لا تقوم الساعة حتى تفتح مدينة قيصر أو هرقل، ويؤذن فيها المؤمنون، ويقتسمون الأموال فيها بالأترسة، فيقبلون بأكثر أموال على الأرض، فيلقاهم الصريخ أن الدجال قد خلفكم في أهليكم، فيلقون ما معهم ويجيئون فيقاتلونه» .
ورواه ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "إنكم ستغزون القسطنطينية ثلاث غزوات: الأولى يصيبكم فيها بلاء، والثانية يكون بينكم وبينهم صلح حتى تبنوا في مدينتهم مسجدا، وتغزون أنتم وهم عدوا وراء القسطنطينية، ثم ترجعون إلى القسطنطينية، وأما الثالثة؛ فيفتحها الله عليكم بالتكبيرات، فيخرب ثلثها، ويحرق الله ثلثها، وتقتسمون الثلث الباقي كيلا".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: "لا تذهب الليالي والأيام حتى يغزو العادي رومية، فيفعل إلى القسطنطينية، فيرى أن قد فعل".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ورجاله كلهم ثقات.
وعن عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش» . قال: فدعاني مسلمة بن عبد الملك، فسألني فحدثته، فغزا القسطنطينية.
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله، والبزار، وابن خزيمة، والطبراني.
قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٤٠٢ ]
وعن أبي قبيل؛ قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق. قال: فأخرج منه كتابا. قال: فقال عبد الله: «بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب؛ إذ سئل رسول الله ﷺ: أي المدينتين تفتح أولًا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ: "مدينة هرقل تفتح أولًا»؛ يعني: قسطنطينية.
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير أبي قبيل، وهو ثقة". ورواه الدارمي في "سننه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أنس بن مالك ﵁: أنه قال: " فتح القسطنطينية مع قيام الساعة".
رواه الترمذي؛ قال: "وقال محمود (وهو ابن غيلان شيخ الترمذي): هذا حديث غريب، والقسطنطينية هي مدينة الروم، تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فتحت في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ ". انتهى كلام الترمذي.
قال ابن كثير: "هكذا قال: إنها فتحت في زمن الصحابة! وفي هذا نظر؛ فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري ﵁، ولكن لم يتفق فتحها، وحاصرها مسلمة بن عبد الملك بن مروان في زمان دولتهم، ولم تفتح أيضا، ولكن صالحهم على بناء مسجد بها".
قلت: وقد فتحت القسطنطينية في سنة سبع وخمسين وثمانمائة على يد السلطان العثماني التركماني محمد الفاتح (وسمي الفاتح لفتحه القسطنطينية)، ولم تزل القسطنطينية في أيدي العثمانيين إلى زماننا هذا في آخر القرن الرابع
[ ١ / ٤٠٣ ]
عشر من الهجرة، وهذا الفتح ليس هو المذكور في الأحاديث التي تقدم ذكرها؛ لأن ذاك إنما يكون بعد الملحمة الكبرى، وقبل خروج الدجال بزمن يسير؛ كما تقدم بيان ذلك في عدة أحاديث من أحاديث هذا الباب، وكما سيأتي أيضا في حديثي معاذ وعبد الله بن بشر ﵄، ويكون فتحها بالتسبيح والتهليل والتكبير لا بكثرة العدد والعدة؛ كما تقدم مصرحا به في غير ما حديث من أحاديث هذا الباب، ويكون فتحها على أيدي العرب لا أيدي التركمان؛ كما يدل على ذلك قوله في حديث عمرو بن عوف ﵁: «ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير» . وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: «فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ» .
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «ويستمد المسلمون بعضهم بعضًا حتى يمدهم أهل عدن أبين» . وفي حديث ذي مخمر ﵁: «أن الروم يقولون لصاحبهم: كفيناك حد العرب، ثم يغدرون ويجتمعون للملحمة» . فدل هذا على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب والروم، والذين يباشرون القتال في الملحمة الكبرى هم الذين يفتحون القسطنطينية، وأمير الجيش الذي يفتحها في آخر الزمان عند خروج الدجال هو الممدوح هو وجيشه؛ كما تقدم ذلك في حديث عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه ﵁، وتقدم في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه الخطيب في "المتفق والمفترق ": "أن أمير الجيش إذ ذاك من عترة النبي ﷺ ".
والمقصود هاهنا التنبيه على أن الفتح المنوه بذكره في أحاديث هذا الباب لم يقع إلى الآن، وسيقع في آخر الزمان عند خروج الدجال، ومن حمل ذلك على ما وقع في سنة سبع وخمسين وثمانمائة؛ فقد أخطأ وتكلف ما لا علم له به. والله أعلم.
[ ١ / ٤٠٤ ]
باب
علامة فتح القسطنطينية
عن أبي ثعلبة الخشني صاحب رسول الله ﷺ ﵁: أنه قال وهو بالفسطاط في خلافة معاوية ﵁ - وكان معاوية أغزى الناس القسطنطينية - فقال: "والله؛ لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم، إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته؛ فعند ذلك فتح القسطنطينية ".
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وإسناد كل منهما صحيح على شرط مسلم، وقد روى أبو داود طرفا منه، وقال فيه: "قال رسول الله ﷺ "، ورواته ثقات.
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال. ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال: إن هذا الحق كما أنك هاهنا (أو: كما أنك قاعد)»؛ يعني: معاذا.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود. وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: وثقه دحيم. وقال يعقوب بن شيبة: "كان رجل صدق". وقال المنذري: "كان رجلا صالحا، وثقه بعضهم، وتكلم فيه غير واحد". وبقية رجالهما ثقات. وقال ابن كثير في "النهاية" بعد إيراد هذا الحديث بإسناده عند الإمام أحمد وأبي داود ما نصه: "وهذا إسناد جيد وحديث حسن، وعليه نور الصدق وجلالة النبوة". انتهى.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" موقوفا على معاذ ﵁، وقال: "إسناده صحيح"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٤٠٥ ]
قال ابن كثير: "وليس المراد أن المدينة تخرب بالكلية قبل خروج الدجال، وإنما ذلك في آخر الزمان؛ كما سيأتي بيانه في الأحاديث الصحيحة، بل يكون عمارة بيت المقدس سببا في خراب المدينة النبوية؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث أن الدجال لا يقدر على دخولها، يمنع من ذلك بما على أنقابها من الملائكة بأيديهم السيوف الصلتة". انتهى.
باب
في تواتر الملاحم في آخر الزمان
عن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال؛ في سبعة أشهر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وفي الباب عن الصعب بن جثامة وعبد الله بن بسر وعبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري ﵃".
وعن عبد الله بن بسر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج المسيح الدجال في السابعة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، ورواته كلهم ثقات، وقد صرح بقية بن الوليد بالتحديث في رواية الإمام أحمد، فزال ما يخشى من تدليسه.
قال أبو داود: "وهذا أصح من حديث عيسى، يعني الحديث الذي قبله".
[ ١ / ٤٠٦ ]
باب في تواتر الملاحم في آخر الزمان
وهذا جواب عما يقال بين المحدثين من التعارض، فأشار أبو داود إلى أن الحديث الثاني أقوى إسنادا، فلا يعارضه الحديث الأول. وقيل: يمكن أن يكون بين أول الملحمة وآخرها ست سنين، ويكون آخرها وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر، وفي هذا جمع بين الحديثين. والله أعلم.
وعنه ﵁: أنه قال: "يابن أخي! لعلك تدرك فتح القسطنطينة؛ فإياك إن أدركت فتحها أن تترك غنيمتك منها؛ فإن بين فتحها وبين خروج الدجال سبع وسنين ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعنه ﵁: أنه قال: "إذا أتاكم خبر الدجال وأنتم فيها فلا تدعوا غناءمكم فيها؛ فإن الدجال لم يخرج".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
في معاقل المسلمين من الملاحم
عن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، ورجالهما رجال الصحيح؛ سوى زيد بن أرطاة، وهو ثقة.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: «يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير»
[ ١ / ٤٠٧ ]
باب في معاقل المسلمين من الملاحم
«منازل المسلمين يومئذ» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووفقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جبير بن نفير؛ قال: حدثنا رجل من أصحاب محمد ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: «ستفتح عليكم الشام، فإذا خيرتم المنازل فيها؛ فعليكم بمدينة يقال لها: دمشق؛ فإنها معقل المسلمين من الملاحم، وفسطاطها منها بأرض يقال لها: الغوطة» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناد ضعف.
وعن الحسن بن جابر وأبي الزاهرية عن كعب؛ قال: "إن المعاقل ثلاثة: فمعقل الناس يوم الملاحم بدمشق، ومعقل الناس يوم الدجال نهر أبي قطرس، ومن الناس من يقول: بيت المقدس، ومعقلهم يوم يأجوج ومأجوج بطور سيناء".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال الذهبي: "منقطع".
وقد رواه ابن أبي شيبة عن أبي الزاهرية مرسلا، ولفظه: قال: "معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور".
باب
في تأييد الدين بالموالي إذا وقعت الملاحم
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثًا من الموالي، هم أكرم العرب فرسًا، وأجوده سلاحًا،»
[ ١ / ٤٠٨ ]
باب في تأييد الدين بالموالي إذا وقعت الملاحم
«يؤيد الله بهم الدين» .
رواه: ابن ماجه، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه "، وقال الذهبي في "تلخيصه": "وعلى شرط مسلم ".
باب
ما جاء في قتال اليهود
عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «تقاتلكم اليهود، فتسلطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي.
وفي رواية لمسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي؛ فتعال فاقتله» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر، فيقول الحجر: يا مسلم! هذا يهودي يختبئ ورائي تعال فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ أحمد، ولفظ البخاري نحوه.
ولفظ مسلم: قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي؛ فتعال فاقتله؛ إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» .
[ ١ / ٤٠٩ ]
باب ما جاء في قتال اليهود
ورواه الإمام أحمد أيضا بهذا اللفظ.
قال النووي: " (الغرقد): نوع من شجر الشوك، معروف ببلاد بيت المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود". وقال أبو حنيفة الدينوري: "إذا عظمت العوسجة؛ صارت غرقدة".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وفي الحديث ظهور الآيات قرب قيام الساعة؛ من كلام الجماد من شجر وحجر، وظاهره أن ذلك ينطق حقيقة، ويحتمل المجاز؛ بأن يكون المراد أنهم لا يفيدهم الاختباء، والأول أولى".
قلت: بل هو المتعين، ولا ينبغي أن يقال فيه باحتمال المجاز، لا سيما وقد صرح في حديث أبي أمامة الآتي بأن الجمادات والدواب تنطق بالدلالة على اليهود، وهذا ينفي احتمال المجاز، وصرح أيضا في حديث سمرة الآتي بأن الجمادات تنادي المسلمين وتدلهم على اليهود، وهذا أيضا ينفي احتمال المجاز، وأيضا فحمل كلام الجمادات وندائها على المجاز ينفي وجود المعجزة في قتال اليهود في آخر الزمان، ويقتضي التسوية بينهم وبين غيرهم من أصناف الكفار الذين قاتلهم المسلمون وظهروا عليهم، إذ لا بد أن يختبئ المختبئ منهم بالأشجار والأحجار، ومع هذا لم يرد في أحد منهم مثل ما ورد في اليهود، فعلم اختصاص قتال اليهود بهذه الآية، وأن الجمادات تنطق حقيقة بنداء المسلمين ودلالتهم على اليهود.
ونظير هذا قوله ﷺ: «والذي نفسي بيده؛ لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله
[ ١ / ٤١٠ ]
عنه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وروى الإمام أحمد أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه.
فتكليم السباع للإنس وتكليم العذبة والشراك والفخذ مثل نداء الشجر والحجر بالدلالة على اليهود، وذلك كله على الحقيقة لا على المجاز. والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: "وفيه أن الإسلام يبقى إلى يوم القيامة.
وفي قوله ﷺ: «تقاتلكم اليهود»: جواز مخاطبة الشخص، والمراد من هو منه بسبيل؛ لأن الخطاب كان للصحابة، والمراد من يأتي بعدهم بدهر طويل، لكن لما كانوا مشتركين معهم في أصل الإيمان ناسب أن يخاطبوا بذلك". انتهى.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال (فذكر الحديث بطوله وفيه:) «فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب! فيفتح، ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها. فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء؛ لا حجر»
[ ١ / ٤١١ ]
«ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله» .
رواه ابن ماجه.
قال الجوهري: " (السياج): الطيلسان الأخضر، والجمع سيجان". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (السياج): الطيلسان الضخم الغليظ. وقيل: هو الطيلسان المقور ينسج كذلك. وقيل: هو طيلسان أخضر". وقال ابن الأعرابي: " (السيجان): الطيالسة السود واحدها ساج".
وعن ثعلبة بن عباد العبدي من أهل البصرة؛ قال: شهدت يوما خطبة لسمرة بن جندب ﵁، فذكر في خطبته حديثا عن رسول الله ﷺ، فقال: بينا أنا وغلام من الأنصار نرمي في غرضين لنا (فذكر الحديث في كسوف الشمس، وصلاة النبي ﷺ بهم، وخطبته بعد الصلاة، وإخباره بخروج الدجال، وفيه:) «وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالًا شديدًا، ثم يهلكه الله ﵎ وجنوده، حتى إن جذم الحائط وأصل الشجرة لينادي: يا مؤمن (أو قال: يا مسلم) ! هذا يهودي (أو قال: هذا كافر)؛ تعال فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني في "الكبير" وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن سمرة أيضا ﵁ مرفوعا: «لا تقوم الساعة حتى يدل الحجر على الرجل اليهودي مختبئًا كان يطرده رجل مسلم، فاطلع قدامه فاختبأ؛ يقول الحجر: يا عبد الله! هذا ما تبتغي» .
رواه الطبراني.
[ ١ / ٤١٢ ]
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطًا مخافة أن تخرج إليه، ثم يسلط الله المسلمين عليه فيقتلونه ويقتلون شيعته، حتى إن اليهودي ليختبئ تحت الشجرة أو الحجر، فيقول الحجر أو الشجرة للمسلم: هذا يهودي تحتي؛ فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس".
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال (فذكر الحديث بطوله، وأن عيسى ﵊ يقتل الدجال، وقال في آخره:) حتى إن الشجرة والحجر ينادي: يا روح الله هذا يهودي؛ فلا تترك ممن كان يتبعه أحدًا؛ إلا قتله» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهذا آخر الجزء الأول من كتاب "إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة "، ويليه الجزء الثاني، وأوله: "كتاب أشراط الساعة".
[ ١ / ٤١٣ ]