الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبذكره تتنزل الرحمات، وبشكره تزيد الخيرات، له الحمد والشكر والفضل وله الثناء الحسن.
أحمده سبحانه الذي أحْيَا بما شاء مآثر آثَار الشريعة بعد الدُّثور، وبتوفيقه وصلنا العلم بالإسناد من الخبر الْمَأْثُور، وهدانا إلى اتباع آثار النبي المصطفى المختار عليه أفضل الصلاة والتسليم.
كما أحمده سبحانه على تفضّله وإكرامه بإتمام هذه الرسالة الموسومة ب: إحياء الآثار، دراسة عقدية، المكوّنة من مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول، وخاتمة وفهارس، والتي سأستخلص بعون الله أهم نتائجها بما يلي:
١ أن الآثار النبوية الحديثية المروية الصحيحة أعظم وأشرف ما خلّفه النبي ﷺ من آثار؛ لأنها وحي من الله ﷾ أوحاه إلى رسوله ﷺ، وليست كسائر الآثار.
٢ أن دعوى وجود آثار النبي ﷺ المنفصلة عن جسده في زماننا هذا، دعوى مجردة عن البرهان والدليل القاطع، إذ إنها تصنف ضمن الآثار المزيفة.
٣ التبرك المشروع فيما اتصل أو انفصل عن جسد النبي ﷺ اختص به أهل عصره ومن بعدهم بقليل، الذين حصل لهم شيء من آثاره ﷺ، وآخر من صح أنه كان عنده شيء من شعر النبي ﷺ هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
أما أهل الأزمنة المتأخرة فقد فاتهم ذلك، وإن كان قد فاتهم هذا فلم تفتْهُم بركة إحياء آثاره الحديثية المروية الصحيحة بالاستقامة على هديه، واقتفاء سننه، واتباع طريقه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﷺ.
[ ٥٤٥ ]
٤ لا يشرع تتبع آثار مقامات النبي ﷺ بقصد التعبد والقربة.
٥ أُمرنا بتعظيم النبي ﷺ ومحبته واتباعه وإحياء سننه، ولم نؤمر بتعظيم الآثار والبقاع المتعلقة بمقامه ومواضع مكثه ﷺ، والتي وردت عنه ﷺ عرضًا بدون قصد، ولا خُصت من الشرع بميزة.
٦ أن آثار المواسم الزمانية تقسّم من حيث حكم إحيائها، إلى قسمين، هما:
أ مواسم مستحب إحياؤها: وهي الأوقات التي حث الشرع على إحيائها وخصها بمزيد فضل: كصيام عرفة، وعاشوراء، وإحياء رمضان وعشر من ذي الحجة بكثرة الصلاة والذكر، والاستغفار، والدعاء، وتلاوة القرآن، والتزود بالطاعات، والتعبد والتقرب إلى الله بما شرع وثبت بالأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة.
ب مواسم محرم إحياؤها: وهي الأوقات التي ليس لها أصل في الشرع؛ كالاحتفال بذكرى المولد النبوي، والاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص شهر رجب بجملة من العبادات، … وغيرها من الأزمنة المُحدثة، التي يحرم إحياؤها ويمنع من عدة أوجه سبق ذكرها.
٧ على المسلم التقيد في العبادة بما شرع الله تعالى، امتثالًا لأمره، وتأسيًا برسوله ﷺ صورةً وقصدًا، ولا يبالغ في التعبد بحجة الحب والتعظيم، ويخرج عن المشروع عند إحياء آثار المساجد وأماكن التعبد.
٨ لا يجوز زيارة مواضع الهلاك، ولا إنشاء السير لها بالأبدان لغير حاجة، وأن زيارتها والدخول لها بقصد الاتعاظ والاعتبار غير مشروع؛ لأن الصورة الموافقة لرسولنا الكريم ﷺ، أنه خرج لغزوة تبوك ومرّ بديار ثمود غير قاصدٍ لها، وتقنّع وأمر بالإسراع في تجاوزها مع الخوف والبكاء، ولم ينزلها ﷺ.
وكذلك لم يأتِ في الشرع الأمر بزيارتها للاتعاظ أو الدخول إليها للاعتبار، وإنما جاء النهي عن دخولها والتحذير من المكث بها، فالاتعاظ والاعتبار هو المنهج النبوي لمن جاءت في طريقه.
[ ٥٤٦ ]
٩ أن الله ﷻ أغنى المسلمين بأعظم تاريخ وأروع سيرة تتعلق بأفضل البشر نبيّنا محمد ﷺ، وسيرة خلفائه ﵃ ومن بعدهم من الأئمة والحفاظ والقادة والفاتحين، والعلماء الأفذاذ، بما تشحذ به عقول المسلمين اليوم بما يغنيهم عن التعلق بالتاريخ الجاهلي القديم، والتي لو تحقق ثبوتها لم يكن لها أثر في إصلاح واستقامة.
١٠ أن الانتماء والاعتزاز بغير الإسلام من أمور الجاهلية التي أذهبها الله بالإسلام وأبدل المسلمين خيرًا منها، حيث إن الجاهلية مذمومة في كل أحوالها: كحمية الجاهلية، وظن الجاهلية، وتبرج الجاهلية، وعزاء الجاهلية، ودعوى الجاهلية، وحكم الجاهلية.
١١ شدة نكير السلف على من بنى على القبور وشيد المشاهد والأضرحة وعظمها، لما لاقت من قِبل دعاة الضلالة القبورية من التقديس والعناية ما لم تلقه اللات والعزى، ولا ظفرت بها مناة الثالثة الأخرى، ولا تمتع بها هبل في الجاهلية!!
١٢ يتأكد التحريم في حق النساء من زيارة مدائن صالح والأهرامات وغيرهما؛ لوجود القبور، وقد جاء بيان تحريم دخول النساء المقابر بالإطلاق يُراجع في موضعه.
١٣ أن زيارة القبور لا تخرج عن ثلاثة أحوال، وهي:
أ زيارة القبور الشرعية؛ للاتعاظ والاعتبار، وللسلام على الموتى، والدعاء لهم دون شد الرحال؛ اتباعًا للسُّنَّة النبوية: وهي الزّيارة الشرعيّة للقبر فاعلها مثاب، إذا كانت زيارته خالصةً صوابًا.
ب زيارة القبور والمشاهد؛ للتقرب إلى الله بالموتى، والدعاء بهم أو شدّ الرحال لزيارتها: وهي الزّيارة البدعية، فاعلها فاسق مستحق للمقت والعقوبة من الله تعالى، ولكن لا يخرج عن دائرة الإسلام، وفعله ذريعة إلى الشرك.
[ ٥٤٧ ]
ت زيارة القبور والمشاهد؛ للتقرّب إلى الموتى، ودعائهم؛ لقضاء الحوائج: وهي الزّيارة الشركية، فاعلها خارج عن الإسلام؛ لنقضه توحيد الألوهية والربوبيّة، وارتكابه الشرك الأكبر الذي يكفر صاحبه.
١٤ وبالجملة فإن الآثار على تنوعها واختلاف أحكامها لا تخرج عن أحد هذه الحالات:
آثار ثابت إحياؤها، وخص الشرع قصدها لأمور:
أ التعبّد بها تقربًا إلى الله ﷿ مثالها: الآثار النبوية الحديثية المروية، آثار المواسم الدينية الزمانية المشروعة.
ب التعبّد عندها تقربًا إلى الله ﷿ مثالها: آثار المساجد وما يلحق بها من أماكن التعبّد المشروعة.
ج الاتعاظ والاعتبار، والتذكير بالآخرة: كزيارة القبور بشكل عام، وزيارة قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، ومقبرة البقيع، وشهداء أُحد، على الخصوص دون شدّ رحال.
آثار غير ثابت إحياؤها، وليس لها خصوصية في الشرع، ولا تقصد لا بالعبادة ولا بالزيارة، فضلًا عن شد الرحال إليها، مثالها:
١ آثار مقامات النبي ﷺ المكانية.
٢ آثار المواسم الدينية الزمانية المحدثة.
٣ الآثار الوثنية الجاهلية.
٤ آثار الأمم الهالكة.
٥ آثار المشاهد البدعية.
١٥ المتأمل لأحوال المخالفين للمنهج القويم يجد أنهم اهتموا بالآثار المرئية وعظموها، وأهملوا الآثار المروية الصحيحة وعطلوها، فعجبًا لمن أنكر الأثر المروي اليقيني، وأهمله، وأثبت الأثر المرئي الظني، واهتم به وعظمه!
[ ٥٤٨ ]
١٦ أغلب انحرافات الفرق ومخالفاتهم المتعلقة بالآثار المرئية، تعود إلى تفريطهم بالآثار النبوية الحديثية المروية، الذي هو أحد الأسباب الأساسية الناتجة عن انحرافهم، ومن المعلوم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن.
١٧ الأمة اليوم ليست بحاجة إلى إحياء آثار ترابية، وإقامة متاحف مرئية، وإنما هي بأمسِّ الحاجة إلى إحياء الآثار النبوية الحديثية المروية الصحيحة، التي بها صلاح الأمة وسعادتها الحقيقية.
١٨ من مخاطر الاهتمام بعلم الآثار والتنقيب عنها، وإحيائها في بلاد المسلمين: الغزو الفكري: من خلال إحياء الانتمائية الوثنية والجاهلية وتعظيمها، والغزو العسكري: من خلال إرسال الحملات والبعثات الآثارية؛ لطمس الهوية الإسلامية، والتوهين الاقتصادي العام: من خلال رصد الأموال لحفظ هذه الآثار، وإنشاء المعاهد والمؤسسات التي تُصرف لها الميزانيات الضخمة؛ فيكثر التوجه له، وفي المقابل تُغفل الميزانيات الأخرى الأكثر أهمية، وهو نوع من توهين الاقتصاد العام للدول الإسلامية، وإشغال أبنائها بما لا يفيد بل يضر.
حيث إن الدول التي اعتمدت أو جعلت المعالم الأثرية أحد مصادر الدخل الاقتصادي لها لم تحقق الرخاء بل جعلها أكثر ضعفًا؛ لتعلقها بما يسهل الإضرار به، بخلاف الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والدفاع وغيرها من مشاريع التنمية التي تعدّ من أقوى مصادر الدخل وأنفعها، وكذلك الاهتمام بها يرمز إلى التقدّم.
١٩ أبرز أسباب المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار: الجهل، واتباع الهوى، والاعتماد على الآراء، وانتشار الآثار المروية الموضوعة والحكايات والقصص المختلقة، وتبنِّي دعاة الضلالة كثيرًا منها، والغلو في الصالحين، وفي العقل، والتعصب للآراء والأشخاص، والتشبه بالكفار وتقليدهم، والتقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تفشت البدع والخرافات.
[ ٥٤٩ ]
٢٠ الجهل أصل كل المخالفات وأساسها، وهو السبب الرئيس، وغيره من الأسباب فرع عنه، فلا مجال لمقاومة أي مخالفة وانحراف إلا بالعلم والعلماء، فإذا فُقد العلم والعلماء، أُتيحت الفرصة للبدع والشركيات بالظهور ولأهل الضلال بالانتشار.
٢١ أهم وسائل مقاومة الانحرافات العقدية: نشر العلم، والدعوة إلى المنهج الحق، وإزالة وسائل الغلو، وذرائع الشرك ومظاهره.
٢٢ أبرز المفاسد المترتبة على إحياء الآثار: عودة المظاهر الشركية، وزعزعة الولاء والبراء لدى المسلمين، وإساءة سمعة الدين الإسلامي، وتفشي القومية والعنصرية، ووقوع الكذب بكل أشكاله، وتسلط أعداء المسلمين على بلادهم.
وأخيرًا أوّد أن أنبّه إلى أن الباحث مهما ظن أنه أتقن وأجاد، إلا أنه سيلحظ فيما بعد ما غاب عنه، ويتبين له قصوره فيما قدّمه، فالعمل البشري من الطبيعي أن يسبقه الجهل وقلة علم، ويتخلله العيب والنقصان، ويعتريه فيما بعد النسيان.
وأقول ما قاله الحريري في منظومة ملحة الإعراب (ص ٦٣):
وإنْ تجدْ عيبًا فسدَّ الخللا
فجلَّ مَنْ لا عيبَ فيه وعلا
وكما قال أحد الفضلاء: إني رأيتُ أنه لا يكتب أحدٌ كتابًا في يومهِ إلا قال في غَدِهِ: لوُ غُيّرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحَسن ولو قُدِّم هذا لكان أفضل ولو تُرِك هذا لكان أجمل، وهذا أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
والله أسأل أن ينفع بهذه الرسالة التي قدمتها للمسلمين دفاعًا عن العقيدة، وتوحيد رب العالمين، قد توخيت فيها الحق وتحريت الصدق والإنصاف، وأردت فيها الخير لي ولعامة المسلمين وخاصتهم، فإن أصبت فذلك قد قصدت، وإلا فالخير توخيت والحق أردت.
[ ٥٥٠ ]
وما جهدي في هذه الرسالة إلا جهد المقل فإذا رأيت نقصًا أو خللًا؛ فبادر إلى إصلاحه، ولا تطر به في الآفاق، فما سَلِم إلا كتاب الواحد الخلاّق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
تمت ولله الحمد هذه الرسالة مساء يوم الخميس الموافق: ٢٥/ ٥/ ١٤٤٠ من هجرة الرسول ﷺ
[ ٥٥١ ]