[المبحث الأول وقفة مع الاتهامات والمنهج]
الفصل الثاني
في منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في الدين ما يرد الاتهامات
المبحث الأول
وقفة مع الاتهامات والمنهج إن الناظر في المفردات الجزئية والقواعد الفرعية، والأحكام العلمية النظرية، والتطبيقات العملية لكل دعوة أو مبدأ قد يجد فيها الكثير من الأخطاء والتجاوزات والتصرفات الشاذة والأقوال النادة والأحكام الخاطئة، أو الأمور المشكلة والمشتبهة التي تحتاج إلى تثبت أو تفسير أو تدقيق أو استقراء للوصول إلى حكم علمي تطمئن إليه النفس.
لكن أهل العلم وعقلاء الناس لديهم موازين علمية وعقليَّة وقواعد شرعية يزنون بها الأمور.
فالأديان والمبادئ والمذاهب والدعوات لها عقائد وأصول ومبادئ ومناهج وقواعد تكون هي المرجع والميزان الذي ترد إليها المفردات الجزئية ودقائق الأمور، ومفردات التصرفات والأقوال والأفعال والأحكام والمواقف، وتكون هذه الأصول هي المرجع والمحتكم والمردّ عند التنازع والاختلاف بين الأتباع أنفسهم، وبينهم وبين مخالفيهم، ومع الموافقين والمعارضين، ومن المتلقين والناقدين.
ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تخضع لهذه القاعدة، إذ هي دعوة إسلامية محضة، وسلفية خالصة، تسير على منهج السلف الصالح، فمردُّ الخلاف بينها وبين مخالفيها: الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح وما يتهمها به خصومها من الاتهامات على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: من الكذب الصريح والافتراء والبهتان وقد ورد ذكر كثير منه في هذا البحث.
النوع الثاني: مما يكون من اللوازم غير اللازمة، أو التلبيس، أو التفسير الخاطئ ونحو ذلك مما يلتبس فيه الحق بالباطل ويجب رده إلى النصوص والأصول الشرعية والقواعد المعتبرة عند العقلاء، والمنهج الذي عليه الدعوة وأهلها.
النوع الثالث: أخطاء وتجاوزات وزلات ليست على المنهج الذي عليه الدعوة، أو اجتهادات خاطئة أو مرجوحة، وقد تصدر من أي من العلماء أو الولاة أو العامة، والمنتسبين للدعوة. وكثير من الشبهات والاتهامات التي يتعلق بها الخصُوم للطعن في الإمام وأتباعه ودعوته من هذا النوع.
[ ٥٩ ]
ومن هذا المنطلق خصصت هذا الفصل في بيان منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وأنه امتداد لمنهج السلف الذي يقوم على: الاعتماد على القرآن وما صح من السنة بفهم السلف الصالح ومنهجهم، من الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال والعلم والعمل، واتباع آثارهم والاقتداء بهديهم؛ لأن ذلك هو سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] [سورة النساء، آية: ١١٥]
وقد عرضت هذا المنهج هنا ليكون القاعدة والميزان في تقويم الدعوة، وبيان مدى الظلم والإجحاف الحاصل لها ولأهلها في الاتهامات التي قيلت وذاعت عند الكثيرين، بل ومدى البهتان والكذب من قبل بعض الخصوم، والذين صدقوهم دون تثبت ولا نظر في المنهج والأصول التي عليها المعوَّل في النقد والتقويم، ودون اعتبار للحال والواقع الذي تعيشه الدعوة وأهلها.
[ ٦٠ ]
[المبحث الثاني معالم المنهج عند الإمام وأتباعه وأنهم على منهج السلف الصالح]
المبحث الثاني
معالم المنهج عند الإمام محمد بن عبد الوهاب
وأتباعه وأنهم على منهج السلف الصالح لا يتفرد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وعامة أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا بشيء من الدين - عقيدة ومنهاجًا - عن سائرهم (كما أسلفت) .
فإن قولهم في أصول الدين وقطعياته ومسلَّماته واحد؛ في أركان الإيمان وأركان الإسلام وشروطها ومستلزماتها كذلك.
وفي أسماء الله وصفاته وأفعاله.
وفي مسائل الإيمان والأسماء والأحكام والقدر.
وفي حقوق النبي - ﷺ - وآله.
وفي الشفاعة والرؤية.
وفي الصحابة والإمامة والأولياء والصالحين وعامة المؤمنين.
وفي السمع والطاعة بالمعروف.
وفي الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي قطعيات الأحكام والآداب.
ونحو ذلك من المنهاج الذي عليه السلف الصالح في العقيدة والعلم والعمل والتعامل، فإن السلف الصالح أهل السنة والجماعة ومنهم إمام الدعوة وأتباعها كلهم متفقون على هذه الأصول، وهي أصول الدين والاعتقاد، ولهذا فإن كل من نظر في أقوال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة ومن سلك سبيلهم من أهل السنة يجزم بأنهم مثَّلوا منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والقول والعمل ومنهج التعامل.
ولذلك نجد أن المخالفين (أهل الأهواء والافتراق والبدع) في العصر الحديث يعيرون كل من كان على نهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة بأنه (وهابيًّا) فهي - بحمد الله - تزكية من الخصوم لا تقدّر بثمن؛ لأنهم صاروا يطلقون وصف (الوهابية) على التمسك بالسنة والتزام سبيل السلف الصالح.
وقد تبين بالدليل والبرهان أن ما يزعمه خصوم السنة، (أهل البدع والأهواء
[ ٦١ ]
والافتراق) بأن الإمام وأتباعه جاءوا ببدع من الدين، أو مذهب خامس، أو أنهم متشددون ومتزمتون، أو أنهم خوارج، ونحو ذلك من المفتريات، إنما هو من البهتان؛ لأن حقيقة الدعوة ومنهجها وواقعها (من أئمتها وعلمائها ودولتها وأتباعها، وكذلك آثارها ومؤلفاتها وجميع أحوالها) تدل على خلاف ما يزعم خصومها والجاهلون بحقيقتها، ومن أراد الحقيقة فليرجع إلى ذلك كله أو بعضه وليتأمل ويدرس وينظر إلى المسألة بتجرد وموضوعية وعدل.
وسيتوصل (إن سلم من الهوى) إلى ما توصل إليه المنصفون والباحثون المتجردون من المفكرين والعلماء وغيرهم، كما سأذكر نماذج من شهاداتهم في آخر هذا المؤلف إن شاء الله.
وبالجملة فإن أبرز معالم هذا المنهج الذي قامت عليه الدعوة ولا تزال بحمد الله:
١ - الدخول في الدين كله وتطبيق شمولية الإسلام منهاجًا للحياة في العقيدة والأحكام والعلم والعمل والتعامل في حياة الفرد والجماعة، والدولة والأمة والبشرية كلها.
٢ - سلامة مصادر التلقي ومنهج الاستدلال، بالاعتماد على القرآن وصحيح السنة وآثار السلف الصالح على المنهج الشرعي السليم.
٣ - الاقتداء والاتباع لمنهج السلف وسبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة.
٤ - تحقيق غايات الدين: من التوحيد والسنة والفضائل والعدل، ونفي ما يضادها من الشركيات والبدع والمنكرات والظلم، والسعي إلى كل ما يسعد الإنسان ويليق بكرامته في الدنيا والآخرة.
٥ - القيام بواجب النصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله - ﷺ - ولأئمة المسلمين وعامتهم. كما أوصى بذلك النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح قال: «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١) .
٦ - الاستعداد لليوم الآخر، والفوز بالجنة والنعيم الأبدي الذي لا يحصل إلا برضى الله وطاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، واتباع شرعه، كما قال الله سبحانه في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] [سورة العصر، الآيات: ١ - ٣] .
هذا وسنعرض في المباحث التالية ما يثبت التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لنهج السلف الصالح في الدين جملة وتفصيلًا. والله المستعان.
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٦)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٢) من حديث تميم الداري - ﵁ -) .
[ ٦٢ ]
[المبحث الثالث عرض نماذج عن منهجهم في الدين وسلوكهم طريق السلف الصالح وفيه]
[الأنموذج الأول بيان الإمام لعقيدته ورده على مفتريات الخصوم]
المبحث الثالث
عرض لنماذج من منهجهم العام في الدين
واقتفائهم نهج السلف الصالح الأنموذج الأول: بيان الشيخ الإمام لعقيدته ومنهجه ورده لاتهامات الخصوم.
الأنموذج الثاني: عرض لمنهج أئمة الدعوة ودولتها بعده.
[ ٦٣ ]
الأنموذج الأول
عرض الشيخ الإمام لعقيدته ومنهجه ورده على اتهامات الخصوم نظرًا لكثرة خوض الخائضين بالهوى أو الجهل - أو هما معًا - في عقيدة الشيخ الإمام ومنهجه، وما أشاعوه من مفتريات وتهم ومزاعم عليه وعلى دعوته واتباعه، أسوق في هذا المقام رسالة واحدة من رسائله الكثيرة التي عبر فيها بنفسه عن عقيدته ومنهجه وموقفه من الاتهامات والدعاوى التي أشيعت عنه، وهي رسالته التالية التي بعثها إلى أهل القصيم وهي كالتالي:
[التزامه لعقيدة أهل السنة والجماعة. قال] (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم: أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة [أركان الإيمان]، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره؛ [صفات الله تعالى] ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله - ﷺ - من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله – ﷾ -: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيِّف، ولا أمثِّل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سميَّ له، ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه.
فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون، من أهل التكييف، والتمثيل؛ وعما نفاه عنه النافون، من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] [سورة الصافات، آية: ١٨٠ - ١٨٢]
_________________
(١) أثبت هنا الرسالة كاملة من الدرر السنية (١)، وقد أضفت عناوين إيضاحية بين القوسين [] .
[ ٦٤ ]
[ثم قال مبينًا وسطية أهل السنة والجماعة]: «والفرقة الناجية: وسط في باب أفعاله تعالى، بين القدرية والجبرية؛ وهم وسط في باب وعيد الله، بين المرجئة والوعيدية؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة؛ وبين المرجئة والجهمية؛ وهم وسط في باب أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الروافض، والخوارج» .
[ثم قال مبينًا التزامه لعقيدة السلف في القرآن]: «وأعتقد: أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود؛ وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، نبينا محمد - ﷺ -» .
[ثم قرر الحق في القدر فقال:] «وأومن: بأن الله فعَّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور» .
[عقيدته فيما بعد الموت قال:] «وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلًا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣] [سورة المؤمنون، آية: ١٠٢ - ١٠٣] وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله» .
[عقيدته في حوض نبينا محمد - ﷺ - قال:] «وأومن: بحوض نبينا محمد - ﷺ - بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا؛ وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم» .
[إيمانه بشفاعة نبينا محمد - ﷺ - قال:] «وأومن بشفاعة النبي - ﷺ - وأنه أول شافع، وأول مشفع؛ ولا ينكر شفاعة النبي - ﷺ - إلا أهل البدع والضلال؛ ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى
[ ٦٥ ]
: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [سورة النجم، آية: ٢٦]، وهو: لا يرضى إلا التوحيد؛ ولا يأذن إلا لأهله؛ وأما المشركون: فليس لهم من الشفاعة نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [سورة المدثر، آية: ٤٨] .
[عقيدته في الجنة والنار والرؤية قال:] «وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان؛ وأن المؤمنين يرون ربّهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته» .
[عقيدته في ختم النبوة بمحمد - ﷺ - ورسالته ونبوته - ﷺ - قال:] «وأومن بأنّ نبينا محمد - ﷺ - خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته» .
[عقيدته في الصحابة وأمهات المؤمنين قال:] «وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق؛ ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين؛ ثم علي المرتضى؛ ثم بقية العشرة؛ ثم أهل بدر؛ ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان؛ ثم سائر الصحابة - ﵁ -؛ وأتولى أصحاب رسول الله - ﷺ - وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم؛ وأعتقد فضلهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] [سورة الحشر، آية: ١٠] وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء» .
[عقيدته في الأولياء وكراماتهم قال:] «وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلاّ أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله» .
[عقيدته في المسلمين وأنه لا يكفرهم قال:] «ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله - ﷺ -
[ ٦٦ ]
ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
[عقيدته في الجهاد مع المسلمين والصلاة خلفهم قال:] «وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام: برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا - ﷺ - إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل» .
[عقيدته في السمع والطاعة للأئمة المسلمين قال:] «وأرى وجوب السمع والطاعة: لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته؛ وحرم الخروج عليه» .
[موقفه من أهل البدع قال:] «وأرى هجر أهل البدع، ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله؛ وأعتقد: أنّ كل محدثة في الدين بدعة» .
[عقيدته في الإيمان قال:] «وأعتقد أن الإيمان: قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ وهو: بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة، حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل» .
[نفيه للمفتريات والاتهامات في التي قيلت فيه قال:] «ثم لا يخفى عليكم: أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم (١) قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورًا لم
_________________
(١) أحد خصوم الدعوة الأوائل.
[ ٦٧ ]
أقلها، ولم يأت أكثرها على بال.
فمنها:
١ - (١) قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة.
٢ - وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
٣ - وإني أدعي الاجتهاد.
٤ - وإني خارج عن التقليد.
٥ - وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
٦ - وإني أكفر من توسل بالصالحين.
٧ - وإني أكفر البوصيري، لقوله: يا أكرم الخلق.
٨ - وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله - ﷺ - لهدمتها.
٩ - ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت لها ميزابًا من خشب.
١٠ - وإني أحرم زيارة قبر النبي - ﷺ -.
١١ - وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما.
١٢ - وإني أكفر من حلف بغير الله.
١٣ - وإني أكفر ابن الفارض، وابن عربي.
١٤ - وإني أحرق دلائل الخيرات، وروض الرياحين، وأسميه روض الشياطين» .
[ثم قال]: «جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم؛ وقبله من بهت محمدًا - ﷺ - أنه يسب عيسى بن مريم، ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب، وقول الزور، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] [سورة النحل، آية: ١٠٥] بهتوه - ﷺ - بأنه يقول: إن الملائكة، وعيسى، وعزيرًا في النار؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] [سورة الأنبياء: آية: ١٠١]» .
_________________
(١) الترقيم من عندي وليس في الأصل.
[ ٦٨ ]
[دفاعه عن أقواله الموافقة للحق والدليل:] قال: «وأما المسائل الأُخر، وهي:
١ - أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله.
٢ - وأني أعرّف من يأتيني بمعناها.
٣ - وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله، وأخذ النذر لأجل ذلك.
٤ - وأن الذبح لغير الله كفر، والذبيحة حرام.
فهذه المسائل حق، وأنا قائل بها؛ ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين، كالأئمة الأربعة؛ وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة، إن شاء الله تعالى.
ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] [سورة الحجرات، آية: ٦]» (١) .
وبهذه الرسالة يثبت قطعًا أنه على عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة. وأنه تبرأ مما اتهمه به الخصوم وافتروا عليه، من المزاعم والدعاوى الكاذبة والشبهات الملبسة، وقد كرر الإمام هذه العقيدة وعمل عليها وتعامل على أساسها، مع المؤيدين والمعارضين، وكرر نفي هذه المفتريات وغيرها، وكل ذلك فعله بالدليل والبرهان، وإشهاد الناس على ما يقول ويفعل، ولم نجد من استطاع أن يثبت أن الشيخ الإمام على خلاف ما يقول ويدعي والحمد لله.
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
[ ٦٩ ]
[الأنموذج الثاني بيان أئمة الدعوة وحكامها من بعده لعقيدتهم والتزامهم بنهج السلف]
الأنموذج الثاني
عرض لمنهج أئمة الدعوة ودولتها بعده (١)
وأسوق للقارئ أنموذجًا لمنهج الدعوة العام في الدين، كما بينه ورسمه أحد علمائها الكبار وهو الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وأحد ولاتها الأفذاذ وهو الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد، وهو المنهج الذي يمثل منهج السلف الصالح، أهل السنة والجماعة في جميع الجوانب، في العقيدة والأحكام والتعامل في البيان الذي كتبه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أثناء دخولهم مكة ملبين منتصرين سنة (١٢١٨هـ)، وقد أعلنوا الأمان لسكان البيت الحرام:
[البدء بالبسملة والحمد]: أول مظاهر التزام السنة بدؤه بالبسملة والحمد والصلاة على رسول الله - ﷺ -، قال:
«
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين» (٢) .
ثم حمده لله وشكره له، على ما مَنَّ به على أهل السنة من التمكين، ولم يظهر منهم ما يفعله خصومهم من العُجب والكبر والغرور والتعالي على الخلق قال:
«وبعد: فإنا معاشر غزو الموحدين، لما منّ الله علينا - وله الحمد - بدخول مكة المشرفة نصف النهار، يوم السبت في ثامن شهر محرم الحرام، سنة ١٢١٨هـ» (٣) .
تحقيقهم للأمن والأمان لأهل مكة والحجاج: وكانوا يرعون حق الله تعالى ويعظمون شعائره ويقفون عند حدوده ويرعون حقوق الناس، ويتقون الله فيهم لا سيما سكان البيت الحرام، ويرغبون في تحقيق الأمن والسلم
_________________
(١) عرضت هذه الوثيقة عرضًا تفصيليًا؛ لأنها تمثل الشمولية في المنهج في العقيدة، ومنهج التعامل في السلم والحرب وفي الدعوة والدولة؛ مما ينفى سائر الاتهامات.
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) الدرر السنية (١) .
[ ٧٠ ]
والتسامح، ويحبون العفو عند المقدرة كما كان النبي - ﷺ - يفعل. لذا نجد أن الأمير سعود استجاب لطلب أشراف مكة وعلمائها، بل والعامة في ضمان أمنهم وحقوقهم، رغم أنهم كانوا قد عزموا على حشد الحشود لصد أهل الحق. أما ما أصاب بعض أهل البدع من الرعب آنذاك فهو من مظاهر النصر التي وعد الله بها المؤمنين الصادقين المتقين كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: ««ونصرت بالرعب مسيرة شهر» (١) . قال:
«بعد أن طلب أشراف مكة، وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو [سعود] الأمان، وقد كانوا تواطئوا مع أمراء الحجيج، وأمير مكة على قتاله، أو الإقامة في الحرم، ليصدوه عن البيت، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم، فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذٍ الأمان لمن بالحرم الشريف» (٢) .
دخولهم كان بملابس الإحرام والنسك: فقد دخلوا بمنتهى التواضع والتذلل لله تعالى، معلنين للتوحيد، كما أعلنه رسول الله - ﷺ -، غير متلبسين بشيء من البدع والمحدثات، ولا المنكرات التي يفعلها في هذه المواقف وغيرها كثيرون، كما أنهم لم يدخلوا بالقتال، ولم يريقوا الدماء كما يزعم كثيرون من خصومهم والجاهلين بحالهم. قال:
«ودخلنا وشعارنا التلبية، آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين، غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين» (٣) .
أدبهم وانضباطهم في مكة المكرمة: وكانوا أثناء دخولهم لمكة المكرمة على غاية السكينة، والانضباط والأدب وتعظيم شعائر الله تعالى، بخلاف ما يشيعه عنهم خصومهم والجاهلون بحقيقة أمرهم من أنهم
_________________
(١) جزء من حديث جابر رواه البخاري (١، ٢١٢)، ومسلم (١١٦٣)، وهو حديث متواتر. راجع إرواء الغليل (١) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) الدرر السنية (١) .
[ ٧١ ]
متوحشون وغير مؤدبين قال:
«ومن حين دخل الجند الحرم، وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا به شجرًا، ولم ينفروا صيدًا» (١) .
ولم يباشروا قتالًا في الحرم: ثم حين دخلوا الحرم كانوا - بخلاف ما يشاع عنهم - حريصين على رعاية حرمة مكة، وحقن دماء المسلمين. قال:
«ولم يريقوا دمًا إلا دم الهدي، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع» (٢) .
شرح منهجهم وما يدعون إليه ويقاتلون الناس عليه: ولما أدوا مناسكهم لم يحتجبوا عن الناس، ولم يلزموهم الحق بالقوة كما يزعم خصومهم، بل عرضوا منهجهم علنًا، وبينوا بالدلائل والبراهين أنهم جاءوا لنصر التوحيد والسنة وإعلانها، وإزالة مظاهر الشرك والبدع وإنكارها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما كانت طريقة المرسلين، وسنة خاتم النبيين محمد - ﷺ - وصحابته والتابعين والسلف الصالح. قال: «ولما تمت عمرتنا: جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير - ﵀ - على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتل عليه؛ وهو: إخلاص التوحيد لله تعالى وحده؛ وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين:
أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد - ﷺ -، واستمر دعاؤه برهة من الزمن بعد النبوة إلى ذلك التوحيد، وترك الإشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه» (٣) .
_________________
(١) المصدر السابق (١ - ٢٢٣) .
(٢) المصدر السابق (١ - ٢٢٣) .
(٣) المصدر السابق (١) .
[ ٧٢ ]
موافقة علماء مكة وأشرافها وغيرهم لدعوة الحق ومبايعتهم على ذلك: ولما سمع أهل العلم والعقل والحلم من علماء مكة وأشرافها وأعيانها ما كان عليه أهل الدعوة، وما يدعون إليه، وما جاءوا من أجله، ورأوا الحقيقة الجليَّة صافية نقية سالمة من حجب البهتان والتزوير والتضليل أذعنوا للحق، واستبانت لهم المحجة. قال: «فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلًا، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة» (١) .
الرفق بالعلماء والعامة والعفو عنهم: ثم أخذوا الجميع بالرفق والتلطف، واستمرت بين الطرفين المحاورات والتناصح والمذاكرة، وعاملهم الأمير سعود بالصفح والعفو. قال: «وقبل منهم وعفا عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق، لا سيما العلماء، ونقرر لهم حال اجتماعهم، وحال انفرادهم لدينا: أدلة ما نحن عليه، ونطلب منهم المناصحة والمذاكرة وبيان الحق» (٢) .
إعلانهم الاستعداد لقبول الحق بدليله: وأعلن الأمير سعود ومن معه من العلماء المنهج الشرعي الذي يجمع عليه المسلمون: من التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، وأنهم مستعدون لقبول الحق بدليله، وأنه لا مساومة على هذا المبدأ المجمع عليه، ولما عرضوا على أهل مكة ذلك، وطلبوا منهم التحاكم فيما اختلفوا فيه إلى هذه القاعدة لم يكن منهم إلا التسليم بالحق. قال: «وعرفناهم: بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم، بأنا قابلون وما وضحوا برهانه، من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين، المأمورين باتباعهم، بقوله - ﷺ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٣) أو
_________________
(١) المصدر السابق (١) .
(٢) المصدر السابق (١) .
(٣) جزء من حديث العرباض بن سارية - ﵁ - رواه أبو داود (٧)، والترمذي (٢ - ١١٣) وغيرهما، وصححه غير واحد منهم الترمذي، والبزار، والحاكم. راجع: إرواء الغليل (٨)، وصحيح الجامع (٣٣١٢) .
[ ٧٣ ]
عن الأئمة الأربعة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث، لقوله - ﷺ -: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١) .
وعرفناهم: أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمرًا» (٢) .
تقرير منع طلب الحاجات من الأموات وإذعان المخالفين للحق: ثم شرعوا مع علماء مكة بمناقشة القضية الكبرى بين دعوة السنة وبين أهل البدع، بل بين الرسل والدعاة دائمًا، وبين خصومهم، وهي قضية الشركيات والبدع، كطلب الحاجات من الأموات. ولما وردت بعض الشبهات، ردها أهل الحق بالأدلة من الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، وبذلك اعترف الآخرون بالحق والحمد لله.
قال: «فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات، إن بقي لديهم شبهة؟ فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين، فرددناها بالدلائل القاطعة، من الكتاب والسنة، حتى أذعنوا ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب، فيما قاتلنا الناس عليه، أنه الحق الجلي، الذي لا غبار عليه» (٣) .
انشراح صدور الناس للحق حين سمعوه ورأوا الحقيقة: قال: «وحلفوا لنا الأيمان المغلظة، من دون استحلاف لهم، على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم: أنه لم يبق لديهم شك في أن من قال يا رسول الله - ﷺ -، أو يا ابن عباس أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين، طالبًا بذلك دفع شر أو جلب خير، من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه،
_________________
(١) جزء من حديث ابن مسعود مرفوعًا رواه البخاري (٣٦٥٠)، ومسلم (٢٥٣٣) . وله شاهد من حديث عمران بن حصين عند الترمذي (٢، ٤٩)، وابن حبان (٢٢٨٥)، وسنده صحيح على شرط مسلم. راجع: السلسلة الصحيحة للألباني (٦٦٩) .
(٢) الدرر السنية (١ - ٢٢٤) .
(٣) الدرر السنية (١ - ٢٢٤) .
[ ٧٤ ]
ونحو ذلك: أنه مشرك شركًا أكبر يهدر دمه، ويبيح ماله، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون، هو الله تعالى وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء، مستشفيًا بهم ومتقربًا بهم، لقضاء حاجته من الله بسرهم، وشفاعتهم له فيه أيام البرزخ» (١) .
وقد يقول قائل: إن ذلك الذي حدث من علماء مكة من الإذعان للحق كان تحت الإكراه والخوف، والمداراة التي قد تكون في مثل هذه المواقف. فنقول:
إنه لا داعي للخوف ولا المداراة وقد كانوا أخذوا الأمان ورأوا كامل الوفاء والاحترام من الإمام سعود. كما أنهم حين حلفوا الأيمان المغلظة دون أن يطلب منهم ذلك - وهم علماء - فإن هذا وحده دليل كاف على أن هذا هو عين الحقيقة. ويضاف لذلك أن ما عرض هنا مما أعلنوه وأقروا به هو الحق الذي لا خلاف عليه أصلًا، لكن أعداء الدعوة كانوا يوهمون الناس بخلافه، فقد كان ذلك كله في مجالس حوار وتناصح، وليس مجلس حكم وتسلط كما قد يتوهم البعض.
كشف حقيقة الأضرحة والشركيات عندها: فقد تم البيان بأن غاية هذه الدعوة المباركة هي الغاية العظمى التي بعث الله بها النبيين والمرسلين وندب لها الدعاة والمصلحين، وهي إخلاص العبادة لله وحده، وتحرير الناس من أوضار الشرك والبدع ووسائلها.
قال: «وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين: صارت هذه الأزمان أصنامًا تقصد لطلب الحاجات، ويتضرع عندها، ويهتف بأهلها في الشدائد، كما كانت تفعله الجاهلية الأولى، وكان من جملتهم (٢) مفتي الحنفية، الشيخ / عبد الملك القلعي، وحسن المغربي مفتي المالكية، وعقيل بن يحيى العلوي، فبعد ذلك: أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ويرجى النفع والنصر بسببه، من جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في تلك البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك» (٣) .
_________________
(١) المصدر السابق (١، ٢٢٥) .
(٢) يعني علماء مكة الذين أعلنوا الحق حين استبان لهم.
(٣) المصدر السابق (١، ٢٢٥) .
[ ٧٥ ]
رفع المظالم من المكوس والضرائب: ومن الحسنات التي تميزت بها هذه الدعوة المباركة ودولتها أنها كلما تمكنت من بلد رفعت عن أهلها المظالم والمكوس ونحوها، بل كان هذا المبدأ الشرعي من الأصول التي تعاقد عليها الإمامان: محمد بن عبد الوهاب المجدد إمام الدعوة، ومحمد بن سعود مؤسس الدولة التي احتضنت الدعوة، وبهذا المبدأ عامل الإمام سعود أهل مكة وغيرهم.
قال الشيخ عبد الله: «ثم رفعت: المكوس والرسوم» (١) .
إزالة المنكرات ووسائلها الظاهرة: وأعلنت الدعوة المباركة الأصل الشرعي العظيم الذي جعله الله من خصائص هذه الأمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي جعله الله شرطًا للتمكين والعزة والنصر. وهل يخالف في هذا المبدأ الكبير مسلم يخشى الله ويتقيه؟
قال: «وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه، وأحرقت أماكن الحشاشين، والمشهورين بالفجور» (٢) .
الأمر بصلاة الجماعة وجمع المسلمين على إمام واحد: وكان من ثمار هذه الدعوة المباركة في كل بلد وصلت إليها إزالة مظاهر التعصب المذهبي والفرقة والشتات والفشل الذي أصاب كثير من بلاد المسلمين، بسبب إعراضهم عن التفقه في دين الله وعن طلب الدليل، وبسبب هيمنة البدع والمحدثات والفرق والطرق، كما ساد الإعراض عن الصلاة وترك الجماعات!
حتى وصل الحال من الفرقة أنه بمكة بالبلد الحرام (بل بالمسجد الحرام) أنه كانت تقام أكثر من جماعة وأكثر من إمام في الفرض الواحد.
فسعت هذه الدعوة المباركة إلى ما أمر الله به، وما أوحى به رسوله - ﷺ - من الجماعة والاجتماع، ونبذ كل مظاهر الفرقة والتنازع.
_________________
(١) المصدر السابق (١) .
(٢) المصدر السابق (١) .
[ ٧٦ ]
فقام الأمير سعود بجمع المسلمين في الحرم على إمام واحد (دون اعتبار لمذهبه الفقهي) لأن المذاهب الأربعة كلها على السنة، والخلاف بين الأئمة الأربعة وأتباعهم كان في الاجتهاديات قال: «ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك، بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد، ويكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة، رضوان الله عليهم؛ واجتمعت الكلمة حينئذ، وعبد الله وحده، وحصلت الألفة، وسقطت الكلفة» (١) .
حرصهم على حفظ الولاية والأمن والتيسير على الناس: وقام الأمير سعود بما أوجبه الله عليه من رعاية مصالح المسلمين، وتولية من يرعى شؤونهم ويقيم بينهم العدل والأمن، وييسر لهم أمورهم، ويحفظ دماءهم وأقوالهم وأعراضهم، ويدفع عنهم المشقة والحرج.
قال: «وأمر عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد، والحمد لله رب العالمين» (٢) .
تبصير المسلمين بالحق وتعليمهم الضروري من دينهم ونشر العلم: ثم شرع العلماء وطلاب العلم بتنفيذ النهج الذي تميزت به هذه الدعوة استجابة لأمر الله وأمر رسوله - ﷺ - وهو تعليم الناس ضروريات دينهم في العقيدة والعبادة والأحكام والمعاملات.
قال: «ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد في التوحيد المتضمنة للبراهين، وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات والأحاديث المتواترة، مما يثلج الصدر؛ واختصر من ذلك رسالة مختصرة للعوام، تنشر في مجالسهم، وتدرس في محافلهم، ويبين لهم العلماء معانيها، ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة، فيتضح لهم الشرك، فينفروا عنه، وهم على بصيرة آمنين» (٣) .
_________________
(١) المصدر السابق (١) .
(٢) المصدر السابق (١) .
(٣) المصدر السابق (١، ٢٢٦) .
[ ٧٧ ]
الاستعداد للحوار والمناقشة والإجابة على الشبهات: واتسعت صدورهم لمن كان لديه شيء من الشبهات، ومن رغب في استمرار الحوار والمناقشة للمسائل محل الخلاف بين أهل السنة وبين المخالفين لهم كمسألة الشفاعة التي يرى أهل السنة (بالدليل) أن منها المشروع، وهو ما توافرت فيه الشروط الواردة في القرآن والسنة، ومنها الممنوع (البدعي أو الشركي) حين لا تتوافر فيها الشروط.
قال: «وكان فيمن حضر من علماء مكة، وشاهد غالب ما صار: حسين بن محمد بن الحسين الإبريقي الحضرمي، ثم الحياني، ولم يزل يتردد علينا، ويجتمع بسعود وخاصته، من أهل المعرفة، ويسأل عن مسألة الشفاعة، التي جرد السيف بسببها، من دون حياء ولا خجل، لعدم سابقة جرم له» (١) .
التزامهم لمنهج السلف جملة وتفصيلًا: التأكيد على التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وأتباعها بنهج السنة والجماعة جملة وتفصيلًا.
قال: «فأخبرناه: بأن مذهبنا في أصول الدين، مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، خلافًا لمن قال طريق الخلف أعلم» (٢) .
مذهبهم في الصفات مذهب السلف الصالح: قال: «وهي: أنا نقرأ آيات الصفات، وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى؛ فإن مالكًا - وهو من أجل علماء السلف - لما سئل عن الاستواء، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] [سورة طه، آية: ٥.] قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (٣) .
_________________
(١) المصدر السابق (١، ٢٢٦) .
(٢) المصدر السابق (١) .
(٣) المصدر السابق (١) .
[ ٧٨ ]
وفي القدر كذلك: قال: «ونعتقد: أن الخير والشر، كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد؛ فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله، بل له كسب، رتب عليه الثواب فضلًا، والعقاب عدلًا، ولا يجب على الله لعبده شيء» (١) .
ويؤمنون بالرؤية كسائر أهل السنة: قال: «وأنه يراه المؤمنون في الآخرة، بلا كيف ولا إحاطة» (٢) .
وهم على مذهب الإمام أحمد ويقرون المذاهب الأخرى المعتبرة عند أهل السنة:
أما ما بهتهم به خصومهم والجاهلون بحقيقة منهجهم من أنهم جاءوا (بمذهب خامس) أو أنهم يحرمون الاجتهاد، وأنهم ينتقصون علماء الأمة كل ذلك محض افتراء.
قال: «ونحن أيضًا: في الفروع، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلّد أحد الأئمة الأربعة، دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير؛ الرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم؛ ولا نقرهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة» (٣) .
لا يدّعون الاجتهاد المطلق لكنهم يأخذون بما صح به الدليل: وكذلك هم لا يدَّعون الاجتهاد المطلق، بل يلتزمون مصادر التلقي ومناهج الاستدلال المعتبرة عن أئمة المسلمين، ومع أنهم على مذهب الإمام أحمد - أحد أئمة السنة الأربعة - إلا أنهم لا يتعصبون للمذهب، بل يدورون مع الدليل حيث دار، ومع من قال به من الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة السنة.
قال: «ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدَّعيها، إلا أننا في بعض المسائل، إذا صح لنا نص جلي، من كتاب أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض
_________________
(١) المصدر السابق (١، ٢٢٧) .
(٢) المصدر السابق (١، ٢٢٧) .
(٣) المصدر السابق (١) .
[ ٧٩ ]
بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به، وتركنا المذهب، كإرث الجدة والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالف مذهب الحنابلة» (١) .
لا ينازعون المخالف ولا يلزمونه في الاجتهاديات: فقد نفوا في هذه الوثيقة فرية من أكبر المفتريات التي يشيعها الخصوم عنهم من أنهم يلزمون الناس في الأمور الخلافية، وأنهم يضيقون بالاجتهاد، وأنهم لا يقرون للمذاهب الأخرى المعتبرة لدى أهل السنة، وأنَّهم يتعصبون لمذهبهم ورأيهم.
قال: «ولا نفتش على أحد في مذهبه، ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي، مخالفًا لمذهب أحد الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلًا، بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين؛ فإذا قوي الدليل: أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرًا جدًا؛ ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة، إلى اختيارات لهم في بعض المسائل، مخالفين للمذهب، الملتزمين تقليد صاحبه» (٢) .
يلتزمون منهج السلف وكتبهم في التلقي والاستدلال: وكذلك ينفون ما أشاعه الخصوم عنهم أنهم يفسرون القرآن والحديث بهواهم وأنهم لا يعتبرون تفسير العلماء والسلف، وأنهم لا يعنون بالعلوم الأخرى.
قال: «ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله، بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم. وعلى فهم الحديث، بشروح الأئمة المبرزين، كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير.
_________________
(١) المصدر السابق (١) .
(٢) المصدر السابق (١) .
[ ٨٠ ]
ونحرص على كتب الحديث، خصوصًا: الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولًا وفروعًا وقواعد وسيرًا ونحوًا وصرفًا وجميع علوم الأمة» (١) .
يحترمون كتب العلم إلا ما أوقع الناس في خلل الشرك: وما أشيع عنهم من أنهم يحرقون كتب العلماء من غيرهم مطلقًا فهو من البهتان إلا ما كان في الكتب المفسدة للعقيدة والدين، ككتب الشركيات والسحر وكتب المنطق الفلسفية، أما المنطق العلمي الصحيح فمنهم من قد يدرسه بعضهم.
قال: «ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلًا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، كروض الرياحين، أو يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق، فإنه قد حرمه جمع من العلماء، على أنا لا نفحص عن مثل ذلك كالدلائل، إلا إن تظاهر به صاحبه معاندًا أتلف عليه» (٢) .
يتبرءون مما يفعله بعض الجهلة: ومع ذلك فإنه قد تحدث بعض التصرفات الطائشة كإحراق الكتب من بعض جهلة المنتسبين إليهم من العوام والأعراب والغوغاء، الذين لا يسلم من الابتلاء بهم أحد، ومع ذلك لما حدث من بعض المنتسبين للدعوة من الأعراب ونحوهم شيءٌ من ذلك أدّبوه وزجروه.
قال: «ومما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف، إنما صدر منه لجهله وقد زُجر هو وغيره عن مثل ذلك» (٣) .
لا يرون سبي العرب ولا قتل النساء والأطفال في الحرب: وما افتراه عليهم خصومهم من أنهم يسبون العرب ويقتلون النساء والأطفال والشيوخ في الحرب إنما هو من البهتان.
_________________
(١) المصدر السابق (١) .
(٢) المصدر السابق (١) .
(٣) المصدر السابق (١) .
[ ٨١ ]
قال: «ومما نحن عليه: أنا لا نرى سبي العرب ولم نفعله ولم نقاتل غيرهم، ولا نرى قتل النساء والصبيان» (١) .
تفنيدهم لشبهات الخصوم: وحينما شاعت عن إمامهم وعنهم وعن دعوتهم الشبهات الكثيرة، والمفتريات والبهتان بغير حق ولا برهان، دافعوا عن الحق الذي يحملون وكشفوا الحقائق، وردوا المفتريات بقولهم وسيرتهم ومؤلفاتهم وحواراتهم، وبكل ما يملكون من وسائل قليلة ومحدودة، إزاء ما يملكه خصومهم من إمكانات كبرى، ووسائل عظيمة لكنها كانت كالزبد يذهب جفاء.
قال: «وأما ما يكذب علينا: سترًا للحق وتلبيسًا على الخلق بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد - ﷺ - بقولنا النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مع كون الآية مدنية.
وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب؛ لكونها فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق، أهل زماننا ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركًا وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله.
وأنا ننهى عن الصلاة على النبي - ﷺ -. ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقًا، وأن من دان بما نحن عليه، سقط عنه جميع التبعات حتى الديون.
وأنا لا نرى حقًا لأهل البيت - رضوان الله عليهم - وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم.
وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شابًا إذا ترافعوا إلينا.
_________________
(١) المصدر السابق (١) .
[ ٨٢ ]
فلا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استَفْهَمَنا عنها من ذُكِر أولًا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك، سبحانك هذا بهتان عظيم، فمن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى» (١) .
وكانت أكبر وسيلة، وبرهان يدفع عنهم المفتريات ويبين سلامة النهج الذي كانوا عليه:
دعوة الناس إلى ما يشهد به الواقع وحال الدعوة وأهلها: قال: «ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا علم قطعًا: أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره. ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨.]، فإنا نعتقد: أن من فعل أنواعًا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا والربا وشرب الخمر وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة» (٢) .
_________________
(١) المصدر السابق (١، ٢٣٠) .
(٢) المصدر السابق (١، ٢٣٠) .
[ ٨٣ ]
تعظيمهم لقدر النبي - ﷺ -، وحقوقه - ﷺ -: وكانت من أشنع الأكاذيب والبهتان الذي يشاع عن هذه الدعوة المباركة وأئمتها وأتباعها دعوى: أنهم لا يحترمون النبي - ﷺ - ولا يقدرونه حق قدره، وأنهم ينقصونه، لكن الله حسبنا ونعم الوكيل.
قال: «والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد - ﷺ - أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلِّم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه - ﵊ - الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه» (١) .
والحق أنهم إن لم يكونوا هم وأمثالهم أحباء الرسول - ﷺ - وأولياؤه حقًا لاتباعهم سنته، وبذلهم الأرواح والأموال، والمهج في سبيل محبته واتباع هديه وطاعته ونصرة دينه، وتطهيره من البدع والشركيات. إن لم يكن هؤلاء أحباءه فمن؟ إن أهل البدع والأهواء والافتراق الذي جانبوا سنته هم الذين لا يحبونه حقًا، ولم يقدروه حق قدره وإن زعموا ذلك، فالحب ليس بمجرد الدعوى، لكن بالاتباع والعمل بسنته.
حقيقة مذهبهم في الأولياء وكراماتهم وحقوقهم:
وكذلك كذب عليهم خصومهم، وأشاعوا (كذبًا وبهتانًا) بأنهم لا يحبون الأولياء والصالحين، وحقيقة الأمر أنهم أولى بالأولياء والصالحين ممن آذوا الأحياء والأموات، بالبدع والخرافات والمكاء والتصدية، والسماعات المحدثة، والتبركات المبتدعة.
قال: «ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادات، لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم، فقد
_________________
(١) المصدر السابق (١، ٢٣١) .
[ ٨٤ ]
جاء في الحديث: «دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه» (١) الحديث، وأمر - ﷺ - عمر (٢) وعليًا (٣) بسؤال الاستغفار من " أويس " ففعلا (٤) .
وعقيدتهم في شفاعة النبي - ﷺ - هي الحق بمقتضى النصوص: وما أشاعه عنهم خصومهم من أنهم ينكرون شفاعة النبي - ﷺ - وغيرها من الشفاعات الثابتة بالنصوص الصحيحة كل ذلك من البهتان:
قال: «ونثبت الشفاعة لنبينا محمد - ﷺ - يوم القيامة حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضًا، ونسألها من المالك لها، والآذان فيها لمن يشاء من الموحدين، الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد بأن يقول أحدنا - متضرعًا إلى الله تعالى -: اللهم شفع نبينا محمد - ﷺ - فينا يوم القيامة، أو: اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك أو نحو ذلك، مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها، كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف: أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله - ﷺ -» (٥) .
_________________
(١) رواه مسلم (٣٧٣٢)، وعند أبي الدرداء بلفظ «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب قال الملك ولك بمثل ذلك»، وقال العجلوني: ورواه أبو بكر في الخلافيات عن أم كريب بلفظ: «دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب مستجابة وملك عند رأسه يقول آمين ولك بمثل ذلك. .»، رواه البزار عن عمران بن حصين كشف الخفاء (١، ٤٨٨) .
(٢) رواه مسلم (٢٤٩٢) من حديث أسير بن جابر.
(٣) رواه الحاكم (٣) من حديث علي - ﵁ - وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٨١٢)، وهذا سند ضعيف من أجل شريك ويزيد بن أبي زياد فإنهما ضعيفان من قبل حفظهما فحديثه حسن في الشواهد.
(٤) المصدر السابق (١، ٢٣١) .
(٥) المصدر السابق (١، ٢٣٢) .
[ ٨٥ ]
بيان الحق في مسألة الحلف بغير الله: قال: «فإن قلت: ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به؟ قلت: ننظر إلى حال المقسم إن قصد به التعظيم، كتعظيم الله أو أشد كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا، إذا استحلف بشيخه أي: معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه، لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذبًا أو شاكًا، وإذا استحلف بالله فقط رضي، فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعًا، وإن لم يقصد التعظيم بل سبق لسانه إليه، فهذا ليس بشرك أكبر، فينهى عنه ويزجر ويؤمر صاحبه بالاستغفار عن تلك الهفوة» (١) .
بيان الحق في مسألة التوسل ورفع الصوت بالصلاة على النبي - ﷺ - مع الأذان: قال: «أما التوسل وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد - ﷺ -، أو بحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهذا من أقسام البدع المذمومة، ولم يرد بذلك نص، كرفع الصوت بالصلاة على النبي - ﷺ - عند الأذان» (٢) .
رعايتهم لحقوق آل البيت من غير غلو ولا تفريط: قال: «وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت - رضوان الله عليهم - لا شك في طلب حبهم ومودتهم، ولما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدور المجالس، والبداءة بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم ونحو ذلك، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم.
وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم على من هو أمثل منه،
_________________
(١) المصدر السابق (١) .
(٢) المصدر السابق (١) .
[ ٨٦ ]
حتى إنه إذا لم يقبل يده كلما صافحه عاتبه وصارمه أو ضاربه أو خاصمه، فهذا لم يرد به نص ولا دل عليه دليل، بل منكر تجب إزالته، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر أو لمشيخة علم أو في بعض الأوقات لطول غيبه فلا بأس، إلا أنه لما أُلف في الجاهلية الأخرى: أن التقبيل صار علمًا لمن يعتقد فيه أو في أسلافه أو عادة المتكبرين من غيرهم، نهينا عنه مطلقًا، لا سيما لمن ذكر حسمًا لذرائع الشرك ما أمكن» (١) .
هدم القباب على القبور حسمًا لمادة الشرك: ومما أثاره عليهم خصومهم - أهل البدع - وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم، وأوغروا صدور عوام المسلمين الجاهلين بحقيقة الأمر مسألة هدمهم للقباب والمزارات والمشاهد البدعية. وهذا من التلبيس وقلب الحقائق، فإن ذلك مما يمدحون به ويشكر لهم لأنهم إنما فعلوا ذلك امتثالًا لأمر النبي - ﷺ -، فقد صح عنه الأمر بذلك والنهي عن البناء على القبور.
قال: «وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء، حسمًا لتلك المادة، وتنفيرًا عن الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه فإنه لا يغفر، وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى، إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي﴾ [الروم: ٢٨] [سورة الروم، آية: ٢٨]» (٢) .
بيان حكم تزويج الفاطمية لغير الفاطمي: قال: «وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي: فجائز إجماعًا، بل ولا كراهية في ذلك، وقد زَوَّج علي عمر بن الخطاب، وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي، بأربعة ليس فيهم فاطمي، بل ولا هاشمي، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار، إلا أنا لا نجبر أحدًا على تزويج موليته ما لم تطلب هي، وتمتنع من غير الكفء، والعرب: أكفاء بعضهم لبعض، فما اعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر، وطلب التعظيم، وقد يحصل
_________________
(١) المصدر السابق، (١، ٢٣٣) .
(٢) المصدر السابق، (١، ٢٣٣) .
[ ٨٧ ]
بسبب ذلك فساد كبير كما ورد، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء، وقد تزوج زيد - وهو من الموالي - زينب أم المؤمنين وهي قرشية، والمسألة معروفة عند أهل المذاهب، انتهى» (١) .
تورعهم عن التكفير وبيان أن لازم الكفر عندهم ليس بلازم: وكانت من القضايا الكبرى بينهم وبين خصومهم دعوى: أنهم يكفرون المسلمين وقد تبرءوا من ذلك، وكتاباتهم وفتواهم ومواقفهم تكذب هذه الفرية، وهم في مسألة التكفير متبعون لنصوص القرآن والسنة، فلا يكفرون إلا بدليل شرعي وبينات، فهم يكفرون من كفَّره الله ورسوله، ولا يكفرون عموم المسلمين كما زعم خصومهم، بل يتورعون عن تكفير المسلمين ويحذرون من مذهب الخوارج في ذلك:
قال: «فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له: يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة: أنه مشرك مهدر الدم، أن يقال بكفر غالب الأمة ولا سيما المتأخرين، لتصريح علمائهم المعتبرين: أن ذلك مندوب، وشنوا الغارة على من خالف في ذلك! قلت: لا يلزم؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر، ومثل ذلك: لا يلزم أن نكون مجسمة، وإن قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك» (٢) .
لا يحكمون على أموات المسلمين إلا بخير: قال: «ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت» (٣) .
ولا يكفرون إلا بالشروط وانتفاء الموانع: قال: «ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرًا معاندًا كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات» (٤) .
_________________
(١) المصدر السابق، (١، ٢٣٤) .
(٢) السابق (١، ٢٣٥) .
(٣) السابق (١، ٢٣٥) .
(٤) السابق (١، ٢٣٥) .
[ ٨٨ ]
لا يلزم من القتال التكفير: قال: «وغير الغالب: إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله ورضاه به، ولتكثير سواد من ذكر والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله» (١) .
الاعتذار عمن مضى من المسلمين ولم تقم عليه الحجة: قال: «ونعتذر عمن مضى: بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعًا» (٢) .
الخطأ وارد على سائر أفراد الأئمة: قال: «ومن شن الغارة فقد غلط (٣) ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه، كمثل عمر بن الخطاب - ﵁ - فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك، يعرف ذلك في سيرته. بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا - ﷺ - بين أظهرهم سار فيهم نوره، فقالوا اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» (٤) .
والمجتهد المخطئ معذور ما لم تقم عليه الحجة: قال: «فإن قلت: هذا فيمن ذهل، فلما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة؟ واستمر مصرًا على ذلك حتى مات؟ قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطئ (٥) وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين: التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسًا، ومن اطلع عليه أعرض عنه، قبل أن يتمكن في قلبه، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق
_________________
(١) السابق (١) .
(٢) السابق (١) .
(٣) أي في الإنكار والتغليظ على المخالف.
(٤) الدرر السنية (١) .
(٥) كذا في الأصل.
[ ٨٩ ]
النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم.
هذا: وقد رأى معاوية وأصحابه - ﵁ - منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - وقتاله ومناجزته الحرب وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعًا، بل ولا تفسيقه، بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد وإن كانوا مخطئين، كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة» (١) .
بيان الحق في زلة العالم وحفظ مكانته: قال: «ونحن كذلك: لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ لأنه من جملة علماء المسلمين» (٢) .
دعوة المنصفين إلى حقيقة الأمر الذي هم عليه: قال: «هذا ما نحن عليه مخاطبين من له عقل وعلم، وهو متصف بالإنصاف خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف ينظر إلى ما يقال لا إلى من قال» (٣) .
ومن أصر على الباطل يؤخذ بالحزم: قال: «وأما من شأنه لزوم مألوفه وعاداته سواء كان حقًا أو غير حق، فقلد من قال الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] [سورة الزخرف، آية: ٢٣]، عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف حتى يستقيم أوده ويصح معوجه، وجنود التوحيد - بحمد الله - منصورة، وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] [سورة الشعراء، آية: ٢٢٧]،
_________________
(١) السابق (١، ٢٣٦) .
(٢) السابق (١، ٢٣٧) .
(٣) السابق (١، ٢٣٧) .
[ ٩٠ ]
و﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] [سورة المائدة، آية: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] [سورة الصافات، آية: ١٧٣]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] [سورة الروم، آية: ٤٧]، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] [سورة الأعراف، آية: ١٢٨] .
بيان حقيقة البدعة شرعًا: قال: «هذا ومما نحن عليه: أن البدعة هي: ما حدثت بعد القرون الثلاثة مذمومًا مطلقًا، خلافًا لمن قال حسنة وقبيحة، ولمن قسمها خمسة أقسام، إلا إن أمكن الجمع، بأن يقال: الحسنة ما عليه السلف الصالح شاملة: للواجبة والمندوبة والمباحة، ويكون تسميتها بدعة مجازًا، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة: للمحرمة والمكروهة، فلا بأس بهذا الجمع» (١) .
نماذج من البدع المذمومة: وكذلك نفوا ما يزعمه الخصوم عنهم من أنهم يُبدِّعون من صلى على النبي - ﷺ - ويمنعون من الأذكار المشروعة وبيّنوا أن ذلك من الكذب عليهم، وأنهم إنما منعوا البدع ونهوا عنها.
قال: «فمن البدع المذمومة التي ننهى عنها: رفع الصوت في مواضع الأذان بغير الأذان، سواء كان آيات أو صلاة على النبي - ﷺ - أو ذكرًا أو غير ذلك بعد الأذان، أو في ليلة الجمعة أو رمضان أو العيدين، فكل ذلك بدعة مذمومة» (٢) .
إبطال البدع المألوفة بمكة: قال: «وقد أبطلنا ما كان مألوفًا بمكة، من التذكير والترحيم ونحوه، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة.
ومنها: قراءة الحديث عن أبي هريرة بين يدي خطبة الجمعة، فقد صرح شارح الجامع الصغير بأنه بدعة، ومنها الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف، اعتقادًا أنه قربة مخصوصة مطلوبة دون علم السير، فإن ذلك لم يرد.
ومنها: اتخاذ المسابح، فإنا ننهى عن التظاهر باتخاذها.
_________________
(١) السابق (١) .
(٢) السابق (١) .
[ ٩١ ]
ومنها: الاجتماع على رواتب المشائخ برفع الصوت، وقراءة الفواتح والتوسل بهم في المهمات، كراتب السمان وراتب الحداد ونحوهما، بل قد يشتمل ما ذكر على شرك أكبر، فيقاتلون على ذلك، فإن سلموا من أرشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة بل بدعة فذاك، فإن أبوا عزرهم الحاكم بما يراه رادعًا» (١) .
الأوراد المشروعة لا تنكر: قال: «وأما أحزاب العلماء، المنتخبة من الكتاب والسنة، فلا مانع من قراءتها، والمواظبة عليها فإن الأذكار، والصلاة على النبي - ﷺ - والاستغفار، وتلاوة القرآن ونحو ذلك مطلوب شرعًا؛ والمعتني به مثاب مأجور، فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابًا، لكن على الوجه المشروع، من دون تنطع ولا تغيير ولا تحريف، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] [سورة الأعراف، آية: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] [سورة الأعراف، آية: ١٨٠] ولله در النووي في جمعه كتاب الأذكار؛ فعلى الحريص على ذلك به، ففيه الكفاية للموفق.
عودة إلى أنواع البدع المذمومة: ومنها: ما اعتيد في بعض البلاد، من قراءة مولد النبي - ﷺ - بقصائد بألحان، وتخلط بالصلاة عليه، وبالأذكار والقراءة، ويكون بعد صلاة التراويح، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب، بل تتوهم العامة أن ذلك من السنن المأثورة، فينهى عن ذلك، وأما صلاة التراويح فسنة، لا بأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها.
ومنها: ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان، وهذه من البدع المنكرة إجماعًا فيزجرون عن ذلك أشد الزجر، ومنها رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت أو عند رش القبر بالماء وغير ذلك مما لم يرد عن السلف، وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتابًا نفيسًا سماه [الحوادث والبدع] واختصره أبو شامة المقدسي فعلى المعتني بدينه بتحصيله» (٢) .
_________________
(١) السابق، (١، ٢٣٨) .
(٢) السابق (١، ٢٣٩) .
[ ٩٢ ]
التفريق بين ما هو بدعي وما ليس ببدعي من المحدثات: قال: «وإنما ننهى عن البدع المتخذة دينًا وقربة؛ وأما ما لا يتخذ دينًا وقربة كالقهوة وإنشاء قصائد الغزل ومدح الملوك فلا ننهى عنه، ما لم يخلط بغيره إما ذكر أو اعتكاف في مسجد ويعتقد أنه قربة؛ لأن حسان رَدَّ على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - وقال: قد أنشدته بين يدي من هو خير منك، فقبل عمر» (١) .
مشروعية اللعب المباح: قال: «ويحل كل لعب مباح؛ لأن النبي - ﷺ - أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد في مسجده - ﷺ - ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة، والتدريب على الحرب بأنواعه، وما يورث الحماسة فيه كطبل الحرب دون آلات الملاهي، فإنها محرمة والفرق ظاهر، ولا بأس بدف العرس وقد قال - ﷺ -: «بعثت بالحنيفية السمحة» (٢) وقال: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة» (٣)» (٤) .
إمامة ابن تيمية وابن القيم في الدين: قال: «هذا وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه، إماما حق من أهل السنة وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمد - ﷺ -، ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل، منها طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس، فإنا نقول به تبعًا للأئمة الأربعة، ونرى الوقف صحيحًا والنذر جائزًا، ويجب الوفاء به في غير المعصية» (٥) .
_________________
(١) السابق (١، ٢٣٩) .
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد رقم (٣٨٧) بلفظ أي الأديان أحب إلى الله ﷿؟ قال: «الحنيفية السمحة»، وأحمد (٥)، (٦، ٢٣٣)، والطبراني في الكبير (١١) وغيرهم، راجع كشف الخفا للعجلاني (١)، والسلسلة الصحيحة للألباني رقم (٨٨١) .
(٣) رواه أحمد (٦، ٢٣٣) .
(٤) الدرر السنية (١، ٢٤٠) .
(٥) السابق (١) .
[ ٩٣ ]
عودة إلى أنواع البدع والتحذير منها: قال: «ومن البدع المنهي عنها: قراءة الفواتح للمشائخ بعد الصلوات الخمس، والإطراء في مدحهم والتوسل بهم على الوجه المعتاد في كثير من البلاد، وبعد مجامع العبادات، معتقدين أن ذلك من أكمل القرب، وهو ربما جر إلى الشرك من حيث لا يشعر الإنسان، فإن الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به لخفائه، ولولا ذلك لما استعاذ النبي - ﷺ - منه بقوله: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، إنك أنت علام الغيوب» (١) .
وينبغي المحافظة على هذه الكلمات، والتحرز عن الشرك ما أمكن؛ فإن عمر بن الخطاب قال: إنما ينقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا دخل في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، أو كما قال. وذلك لأنه يفعل الشرك، ويعتقد أنه قربة، نعوذ بالله من الخذلان، وزوال الإيمان» (٢) .
ثم قال الشيخ عبد الله بعد هذا البيان:
«هذا ما حضرني حال المراجعة مع المذكور (٣) مدة تردده، وهو يطالبني كل حين بنقل ذلك وتحريره، فلما ألح علي نقلت له هذا من دون مراجعة كتاب، وأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من أمور الغزو» (٤) .
دعوة الناس إلى التحقق من حال الدعوة ومنهجها: ثم إنهم قد أنصفوا من أنفسهم وأقاموا الحجة بالدعوة إلى التثبت مما يشاع عنهم والاطلاع على حقيقة حالهم.
_________________
(١) رواه ابن حبان في المجروحين (٣)، وأعلّه "بيحيى بن كثير"، ورواه أبو يعلى (٥٨) بسند فيه ليث بن أبي سليم، وقد ضعّف. راجع مجمع الزوائد (١٠) . وله شاهد عند أحمد (٤)، والطبراني في الأوسط (٤٩٤٠) . وله شاهد أيضًا عن عائشة وابن عباس كما في حلية الأولياء (٣) (٨) .
(٢) الدرر السنية (١، ٢٤١) .
(٣) يقصد حسين بن محمد الحضرمي الحياني.
(٤) السابق (١) .
[ ٩٤ ]
قال: «فمن أراد تحقيق ما نحن عليه، فليقدم علينا الدرعية، فسيرى ما يسر خاطره، ويقر ناظره، من الدروس في فنون العلم، خصوصًا التفسير والحديث؛ ويرى ما يبهره بحمد الله وعونه، من إقامة شعائر الدين، والرفق بالضعفاء والوفود والمساكين» (١) .
بيان حقيقة التعبد المشروع والتصوف المأمون: وهم حين ينكرون التصوف البدعي، والطرق المحدثة فإنهم يقرون بالتنسك والتعبد المشروع على منهاج السنة والسلف الصالح، وإن سمي ذلك تصوفًا أو طريقة صوفية إذا كان على الاستقامة والسنة وسلم من البدع والمحدثات.
قال: «ولا ننكر الطريقة الصوفية، وتنزيه الباطن من رذائل المعاصي، المتعلقة بالقلب والجوارح، مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي، والمنهج القويم المرعي، إلا أنا لا نتكلف له تأويلات في كلامه ولا في أفعاله» (٢) .
لا يفوضون أمورهم كلها إلا إلى الله تعالى: قال: «ولا نعول، ونستعين، ونستنصر، ونتوكل في جميع أمورنا إلا على الله تعالى، فهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على محمد وآله وصحبة وسلم» (٣) .
وبعد:
فإن هذه الوثيقة قد كشفت للناس منهج الدعوة وحقيقة ما هي عليه وأتباعها ودولتها بوضوح وصراحة، وكشفت بالدليل والبرهان الكثير من الزيوف والبهتان الذي يقال عنها.
فهل بعد هذا من بيان لمن ألقى السمع وهو شهيد؟
_________________
(١) السابق (١) .
(٢) السابق (١) .
(٣) السابق (١) .
[ ٩٥ ]
[المبحث الرابع منهجهم في التلقي مصادر الدين ومنهج الاستدلال هو منهج أهل السنة]
[توقيرهم للعلماء واحترامهم لهم]
المبحث الرابع
أ - منهجهم في التلقي (مصادر الدين ومنهج الاستدلال)
هو منهج أهل السنة يتميز المنهج الذي عليه الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وعامة أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا في مصادر الدين ومنهج التلقي والاستدلال بالأصالة والسلامة والثبات واليقين.
فقد التزموا المنهج الشرعي السليم الذي عليه علماء الأمة من أهل الحديث والفقه والأصول، من سلامة مصادر التلقي ومراعاة قواعد الاستدلال، فهم يعتمدون في تلقي الدين وتقريره والعمل به على الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ الصحيحة (الوحي) .
وإجماع السلف معتبر عندهم؛ لأن الإجماع لا يكون إلا على ما له دليل من الكتاب والسنة، كما يعتمدون أقوال علماء الأمة المعتبرين من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم
ويعتمدون في الاستدلال على المنهج الشرعي السليم، منهج السلف الصالح، على ما يأتي بيانه في قواعد الاستدلال عندهم.
وهم يستخدمون ما أنعم الله به على عباده من الفطرة النقية والعقل السليم في فهم كلام الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ واستنباط الدلالات والأحكام منهما، والاجتهاد والفقه في دين الله تعالى.
ويستخدمون العقل في التفكر في خلق الله وآلائه ونعمه، والتوصل بذلك إلى عبادة الله تعالى وذكره وشكره بما شرع.
كما يستخدمون العقل وسائر المواهب التي منحها الله للإنسان في الاجتهاديات والعلوم الطبيعية في عمارة الأرض والاستخلاف فيها وبذل الأسباب؛ أسباب الرزق والقوة والعزة والتمكين، وأسباب النجاح والفلاح وسعادة البشرية في الدنيا والآخرة على ما شرعه الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ.
لكنهم يتجنبون مسالك أهل الأهواء من الفلاسفة والعقلانيين والمتكلمين، ومن سلك سبيلهم من تقديس العقل القاصر المحدود الفاني، المعرض لعوارض النقص وتقديمه على الوحي المعصوم الكامل (كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) .
[ ٩٧ ]
فالعقل مهما بلغ من الإدراك والتحصيل فإنه تبع للشرع، لا يمكن أن يقدم على الوحي المعصوم ولا أن يحكم فيه.
وهذا المنهج القويم - أعني منهج التلقي والاستدلال على قواعد شرعية مأمونة - يعد من أكبر الفوارق بين أهل السنة وبين مخالفيهم أهل الأهواء والافتراق والابتداع.
ومصادر التلقي تعدُّ أهم ركيزة يبني عليها دين المسلم في العقيدة والأحكام والسلوك ومنهج الحياة كلها؛ لأن التلقي إنما يعنى: تلقي الدين جملة وتفصيلًا وذلك لا يكون إلا عن الله تعالى وما أمر به من التلقي عن رسوله ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] [سورة الحشر، آية (٧) .] .
وإذا كان مبدأ التلقي عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ (القرآن والسنة) معلومًا بالضرورة عند كل مسلم، ويدعيه المحق والمبطل، والمتبع والمبتدع.
فإن مجرد الدعوى لا تكفي، بل لا بد من تحقيق وبرهان، وعند التحقيق نجد أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة، ومنهم إمام هذه الدعوة الإصلاحية المباركة، وأتباعها، هم الذين سلمت عندهم مصادر التلقي نقية صافية، وكذلك منهج الاستدلال بخلاف خصومهم أهل البدع والأهواء والافتراق الذين حادوا عن الحق، ولبسوا على الناس، وسلكوا طريق الغواية وسبل الضلالة، حينما أخذوا يستمدون دينهم أو بعض دينهم من المصادر الداخلية، ومن أوهام العقول، ودعاوي العصمة لمن هم دون الرسول ﷺ، من الأئمة وغيرهم، من الصالحين والطالحين، والأولياء والأدعياء، وكذلك دعاوي الكشف والذوق ونحو ذلك، مما يفعله كثيرون من أهل الكلام والفلسفة والتصوف والرفض، ومن سلك سبيلهم.
ولذا فإن دعوى الاتباع للكتاب والسنة عند هذه الفئات، دعوى كاذبة وملبسة فهم: (يلبسون الحق بالباطل) .
فكان لزامًا على أهل الحق وأهل العلم أن يبينوا وجه الحق ويكشفوا عن وجه الباطل في هذه المسألة، وهذا ما فعله وقام به إمام الدعوة وعلماؤها وأتباعها، وسائر أهل السنة، ولأن المنهج الحق في التلقي والاستدلال بين واضح بحمد الله لا لبس فيه ولا غموض.
فقد اجتهدت في هذا الفصل في بيان القواعد التي اعتمدها أهل السنة والجماعة، من علماء هذه الدعوة ومن سبقهم من علماء الأمة ومجتهديها على مقتضى الكتاب والسنة
[ ٩٨ ]
ونهج السلف الصالح - في تلقي الدين والعمل به.
والكشف عن مناهج المخالفين وسبلهم المعوجة الخارجة عن السنة في هذا الموضوع، التي هي سبل الشيطان ومسالك البدعة والضلالة - نسأل الله السلامة - ليحذر منها من وفقه الله وهداه، وتقوم بها الحجة على المكابر والمعاند.
وإن من سمات هذه الدعوة وعلمائها وأتباعها - بحمد الله - الحرص على التفقه في دين الله، والتأصيل الشرعي والتزام السنة والجماعة - من مقل ومكثر - والرجوع إلى أهل العلم، والتزام أصول الدين، وإعلان شعائره في كل مكان.
وهذه سمات تبشر بخير فالرجوع إلى مصادر الدين النقية الصافية، ومناهج السلف في العقيدة والتلقي والاستدلال والتعامل والأحكام - هو وحده - الطريق الذي فيه السلامة والضمانة في تحصيل ما وعد الله به المسلمين من النصر والرفعة والتمكين والاجتماع.
فالعقيدة السليمة وهي التي تجمع المسلمين، والشريعة الإلهية وهي التي تحكمهم - لا يمكن استمدادها إلا من مصادرها النَّقيَّة الصافية (القرآن والسنة) وعلى نهج سليم وهو نهج السلف الصالح وهو: (سبيل المؤمنين) وهذا ما تميزت به هذه الدعوة الإصلاحية المباركة التي يسمونها (الوهابية) عن سائر الدعوات الإصلاحية الحديثة، وهذا من أسباب قوتها وتأثيرها وانتشارها.
أما المصادر الدخيلة في الدين والمناهج المعوجة في الاستدلال التي عليها خصوم الدعوة وخصوم السنة (أهل الأهواء والبدع والافتراق) فلن يكون فيها إلا الفرقة والشتات والتنازع والذلة والهوان، كما هو مبين في النصوص الشرعية ويصدقه الواقع - وكما بينه إمام الدعوة وعلماؤها.
وهذا مصداق قول النبي ﷺ «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك » الحديث (١) .
وقد أصَّل أهل السنة والجماعة - ومنهم إمام الدعوة وعلماؤها - هذا المنهج الشرعي القويم في التلقي ومنهج الاستدلال بقواعد علمية منهجية متينة، وموازين شرعية استمدوها من القرآن والسنة ونهج السلف الصالح.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد برقم (١٧١٤٢) وقال المحقق «صحيح بطرقه وشواهده» (٢٨)، وابن أبي عاصم في السنة برقم (٣٣) .
[ ٩٩ ]
وهذا الأصل العظيم هو ما قرره الإمام محمد بن عبد الوهاب واتباعه بقوة ووضوح ودعا إليه كل المخالفين، واستعد للمباهلة عليه فقال: «وأنا أدعو من خالفني إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسوله ﷺ، وإما إلى إجماع أهل العلم. فإن عاند دعوته إلى المباهلة كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض، وكما دعا إليها سفيان والأوزاعي في مسألة رفع اليدين وغيرهما من أهل العلم» (١) .
وقال في رسالته لرئيس بادية الشام، فاضل آل مزيد: «وأنا أذكر لك أمرين قبل أن أذكر لك صفة الدين:
الأمر الأول: أني أذكر لمن خالفني أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي ﷺ أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم انظروا فيها ولا تأخذوا من كلامي شيئًا! لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ الذي في كتبكم فاتبعوه ولو خالفه أكثر الناس» (٢) .
ثم قال ناصحًا: «واعلم أنه لا ينجيك إلا اتباع رسول الله ﷺ» (٣) .
وقال بعد أن ذكر أدلة التوحيد من القرآن: «فهذا كلام الله، والذي ذكره لنا رسول الله ﷺ ووصانا به» (٤) .
ثم قال بعد أن بين اعتراض الخصوم على دعوته له للتوحيد: «هذا كلامهم وهذا كلامي أسنده عن الله ورسوله، وهذا هو الذي بيني وبينكم، فإن ذكر عني شيء غير هذا فهو كذب وبهتان» (٥) .
وقد جعلوا اتباع الدليل من دينهم وعقيدتهم، فقد سئل ابنا الإمام حسين، وعبد الله، عن عقيدة الشيخ في العمل وفي العبادة؟
فأجابا: «عقيدة الشيخ - رحمه الله تعالى - التي يدين الله بها، هي: عقيدتنا، وديننا الذي ندين الله به؛ وهو: عقيدة سلف الأمة وأئمتها، من الصحابة، والتابعين لهم
_________________
(١) الدرر السنية (١/ ٥٥) .
(٢) الرسائل الشخصية (٣٢) .
(٣) الرسائل الشخصية (٣٣) .
(٤) الرسائل الشخصية (٣٣) .
(٥) الرسائل الشخصية (٣٣) .
[ ١٠٠ ]
بإحسان؛ وهو: اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ وعرض أقوال العلماء على ذلك؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله.
وهذا: هو الأصل الذي أوصانا الله به في كتابه، حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] [سورة النساء، آي: ٥٩] أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة، ليس هذا موضع بسطها» (١) .
ب - توقيرهم للعلماء واحترامهم لهم: من نهج السلف الصالح، أهل السنة والجماعة احترام علماء الأمة وأقوالهم من أهل السنة والاستقامة، وسؤالهم والرجوع إليهم كما أمر الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] [سورة النحل، آية: ٤٣] وتوقيرهم، لكن ليس لأحد منهم عصمة فقد يزل العالم فلا يتبع على زلته، ولا ينقص من قدره.
وهذا المنهج القويم هو الذي سلكه إمام الدعوة وأتباعه وكثيرًا ما يعوَّل عليه، وكانوا - كما هو مسطور في كتبهم وآثارهم - يعتمدون كتب العلماء من أهل الحديث والتفسير والفقه والأصول والعقيدة واللغة، ويعتدون بما أجمع عليها العلماء، ويحترمون الموافق والمخالف في الاجتهاديات.
وقد أكد هذا الأصل الإمام وأتباعه، وذلك لمَّا لجَّت القضية بينه وبين خصومه من أهل البدع والأهواء والذين قد ينتسب بعضهم إلى مذاهب العلماء المتبوعة، فصار يحاكمهم (بعد الكتاب والسنة) إلى قول العلماء المعتبرين.
إذ قال عن بعض خصومه: «وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم، ما ذكره الله ورسوله، وما
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
[ ١٠١ ]
ذكره أهل العلم، من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا، في اتخاذ الأحبار، والرهبان، أربابًا من دون الله، قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء، والصالحين، والأولياء؛ والله تعالى ناصر لدينه، ولو كره المشركون.
وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم، من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله، ورسوله، وكتابه، ودينه؛ ولم تأخذه في ذلك لومة لائم» (١) .
ثم ساق أقوال العلماء من أئمة المذاهب الأربعة الحنابلة، والحنفية، والشافعية، والمالكية (٢) .
وقال في محاجته لمخالفيه حينما دعا إلى توحيد الله تعالى والنهي عن الشرك، وأنكروا عليه فقال: «قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي، بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كل: أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم، الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعدما صرحت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه، فلم يزدهم إلا نفورًا» (٣) .
قال: «ولا خلاف بيني وبينكم: أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم؛ وإنما الشأن إذا اختلفوا، هل يجب عليّ أن أقبل الحق ممن جاء به، وأرد المسألة إلى الله والرسول، مقتديًا بأهل العلم؟ أو أنتحل بعضهم من غير حجة؟ وأزعم أن الصواب في قوله؟» (٤) .
وقال مبينًا موقفه من علماء الأمة، الأئمة الأربعة وغيرهم: «وأما ما ذكرتم: من حقيقة الاجتهاد، فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح
_________________
(١) الدرر السنية (٢ ) .
(٢) انظر: الدرر السنية (٢ ) .
(٣) الدرر السنية (١، ٨٢) .
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ١٠٢ ]
سلف الأمة، وما عليه الاعتماد، من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى» (١) .
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله، بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم. وعلى فهم الحديث، بشروح الأئمة المبرزين: كالعسقلاني، والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير.
ونحرص على كتب الحديث، خصوصًا: الأمهات الست، وشروحها؛ ونعتني بسائر الكتب، في سائر الفنون، أصولًا، وفروعًا، وقواعد، وسيرًا، ونحوًا، وصرفًا، وجميع علوم الأمة» (٢) .
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) الدرر السنية (١) .
[ ١٠٣ ]
[المبحث الخامس منهجهم في العقيدة تفصيلًا واقتفاؤهم لعقيدة السلف الصالح]
[التزامهم منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة]
المبحث الخامس
منهجهم في العقيدة تفصيلًا واقتفاؤهم عقيدة السلف الصالح التزامهم منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ومجانبة الفرق المفارقة: لقد التزم الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وسائر أتباعها منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة اعتقادًا وقولًا وعملا، وصرح الإمام بذلك فقال: «أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة» .
ثم ذكر الاعتقاد مفصلًا وقال: «والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج» (١) .
وقال مخاطبًا كل المسلمين:
«من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من المسلمين: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: أخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي وديني الذين أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم، إلى يوم القيامة» (٢) .
وقال في رسالته للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي، ابن العالم العراقي المشهور، بنحو الكلام السابق: «وأخبرك أني - والله - متبع لست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم، إلى يوم القيامة» (٣) .
والناظر فيما ذكره الشيخ وأتباعه وقرروه وكتبوه من تفصيلات أصول العقيدة ومسائلها، يجد أن ذلك ليس مجرد دعوى، فقد التزموا مذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة في كل ذلك جملة وتفصيلا.
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) الدرر السنية (١.
(٣) الدرر السنية (١) .
[ ١٠٥ ]
ويقول حفيد الإمام: إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، مبينًا أن منهج الشيخ ما كان عليه السلف الصالح:
«قد عرف واشتهر، واستفاض من تقارير الشيخ، ومراسلاته، ومصنفاته، المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره، ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته، أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين، أهل الفقه، والفتوى، في باب معرفة الله، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها، ويؤمنون بها، ويمرونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين، من أهل العلم، والإيمان، من سلف الأمة؛ كسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وكمجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وأمثاله؛ كعلي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن مسلم الزهري، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وكحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وابن المبارك، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، ومسلم، ونظرائهم من أهل الفقه والأثر؛ لم يخالف هذا الشيخ ما قالوه، ولم يخرج عما دعوا إليه واعتقدوه» (١) .
هذا من حيث الإجمال، ومن حيث التفصيل نجد التالي:
[قولهم في الإيمان]
قولهم في الإيمان. وقولهم في الإيمان وأركانه وحقيقته ومسائله قول السلف الصالح أهل السنة والجماعة جملة وتفصيلًا إذ يؤمنون بأركان الإيمان الستة كما جاءت في حديث جبريل، وكذلك يقولون بقول السلف في حقيقة الإيمان ومسائله فيعتقدون أن الإيمان قول وعمل،
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٥١٧) .
[ ١٠٦ ]
(اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح) وأنه شعب يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وأنه يجوز الاستثناء في الإيمان.
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (١) .
[عقيدتهم في أسماء الله تعالى وصفاته]
عقيدتهم في الله تعالى وأسمائه وصفاته. إن عقيدة من يسميهم الخصوم (الوهابية) في أسماء الله وصفاته وأفعاله وغيرها، هي: عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأهل الحديث وسائر أئمة الدين المعتبرين.
ففي أسماء الله تعالى وصفاته، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله – ﷾ - ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] [سورة الصافات، آية: ١٨٠ - ١٨٢]» (٢) .
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، مبينًا أن عقيدتهم هي العقيدة التي كان عليها علماء السلف: «وهي أنا نقرأ آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها - إلى الله تعالى - فإن مالكًا - وهو من أجل علماء السلف - لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] [سورة طه، آية: ٥]، قال الاستواء معلوم
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) الدرر السنية (١ - ٣٠)، ومؤلفات الشيخ الإمام - القسم الخامس ص (٨) .
[ ١٠٧ ]
والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (١) .
وقد بين الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب مذهب السلف الصالح في كتابه (جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية) قائلا: «مذهب السلف الصالح ﵏: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وعلى هذا مضى السلف كلهم، ولو ذهبنا نذكر ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لخرج بنا عن المقصود في هذا الجواب، فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه» (٢) .
ولما سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، عن آيات الصفات الواردة في الكتاب، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] [سورة طه، آية: ٥]، وكذلك قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] [سورة طه، آية: ٣٩]، وقوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] [سورة طه، آية: ٤٦] وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] [سورة المائدة، آية: ٦٤]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] [سورة ص، آية: ٧٥]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] [سورة الفجر، آية: ٢٢]، وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] [سورة الزمر، آية: ٦٧]، وغير ذلك في القرآن.
ومن السنة قوله: «قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٣) وكذلك النفس، وقوله: «إن ربكم ليضحك» (٤) وقوله: «حتى يضع رجله فيها فتقول قط قط» (٥) وغير ذلك مما لا يحصره هذا القرطاس، وعلى ما تحملون هذه الآيات وهذه الأحاديث؟
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) انظر: جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية، ضمن كتاب: في عقائد الإسلام، ص (١٠٠ - ١٠١) .
(٣) أخرجه مسلم بلفظ آخر برقم (٢٦٥٤)، وأحمد في المسند برقم (٦٥٦٦)، وانظر: تعليق المحققين للمسند (١١)، ورواه الترمذي برقم (٣٥٢٢)، وقال: حديث حسن.
(٤) أخرجه مسلم، برقم (٨٩٠)، ولفظه: «يضحك الله إلى رجلين. . .» الحديث، وأحمد في المسند برقم (٨٢٢٤) وغيرهم، انظر هامش المسند (١٣) .
(٥) رواه البخاري، برقم (٤٨٥٠)، ومسلم برقم (٢٨٤٦) .
[ ١٠٨ ]
أجابوا بقولهم: «الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها ما قال الله ورسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من أصحاب رسول الله، ومن اتبعهم بإحسان، وهو الإقرار بذلك، والإيمان من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال الإمام مالك لما سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] [سورة طه، آية: ٥]، كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك وعلته الرحضاء - يعني العرق - وانتظر القوم ما يجيء منه، فرفع رأسه إليه، وقال: الاستواء مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأحسبك رجل سوء، وأمر به فأخرج، ومن أوّل الاستواء باستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك، وسلك غير سبيله، وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف، في جميع الصفات مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها، فيقال في النزول: والنزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وهذا يقال في سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة» (١) .
وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى في كتابه (تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي) عن معتقد السلف الصالح في هذا الباب، ردًا على من رماهم بالتشبيه:
«وسئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر - رحمه الله تعالى -: وما قولكم أدام الله النفع بعلومكم، في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك، مثل قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] [سورة الفتح، آية: ١٠]، وقول النبي ﷺ: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» (٢) وقوله ﷺ: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٣) إلى غير ذلك مما ظاهره يوهم التشبيه؛ فأفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - تعالى في ذلك؟ وكيف مذهبه؟ ومذهبكم من بعده؟ هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره، مع التنزيه؟ أم تؤولون؟ ابسطوا الكلام على ذلك، وأجيبوا جوابًا شافيًا، تغنموا أجرًا وافيًا» (٤) .
_________________
(١) الدرر السنية (٣ - ١٤) .
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) الدرر السنية (٣) .
[ ١٠٩ ]
فأجاب بما نصه: «الحمد لله رب العالمين، قولنا في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك، ما قاله الله ورسوله، وما قاله سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وغيرهم من علماء المسلمين، فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل بل نؤمن بأنه الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [سورة الشورى، آية: ١١]، فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، - ﵁ - عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا؛ فهو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تكييف ولا تمثيل خلافًا للمشبهة، ومن غير تحريف ولا تعطيل خلافًا للمعطلة.
فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشائخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة - ﵁ - فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، قال الإمام أحمد - ﵀ -: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، ولا يتجاوز القرآن، والحديث، وهكذا مذهب سائرهم، كما سننقل عباراتهم بألفاظ إن شاء الله تعالى.
ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون، فإنه يصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، ولا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نفيًا وإثباتًا، وهم أشد تعظيمًا لله، وتنزيهًا له عما لا يليق بجلاله، فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه (١) .
_________________
(١) الدرر السنية (٣ - ٥٥)، والفواكه العذاب ص (٤١ - ٥٠) .
[ ١١٠ ]
وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة: وما قرره الإمام عبد الوهاب وسائر أئمة الدعوة هو مذهب كافة السلف والأئمة الأربعة وإليك البيان:
قول الإمام مالك: فعن جعفر بن عبد الله، قال: «كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فما وجد مالك شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء - يعني العرق - ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج» (١) .
قول الإمام الشافعي: وكذلك الإمام الشافعي قال: «نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه كما نفاه عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] [سورة الشورى، آية: ١١]» (٢) .
يقول: وقد سئل عن صفات الله ﷿ وما يؤمن به، فقال: لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل به، وصح عن رسول الله ﷺ القول به، فيما روي عنه العدل.
فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله، وأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر معذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرَّويَّة والفكر.
ونحو ذلك إخبار الله سبحانه إيانا، أنه سميعٌ بصير، وأن له يدان، يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] [سورة المائدة، آية: ٦٤]،
_________________
(١) أخرجه أبونعيم في الحلية (٦ «٥ - ٣٢٦)، والصابوني في عقيدة السلف الصالح أصحاب الحديث، ص (١٧ - ١٨)، من طريق جعفر بن عبد الله عن مالك وابن عبد البر في التمهيد (٧)، من طريق عبد الله بن نافع عن مالك والبيهقي في الأسماء والصفات ص (٤٠٨)، من طريق عبد الله بن وهب عن مالك قال الحافظ بن حجر في الفتح (١٣ - ٤٠٧): إسناده جيد، وصححه الذهبي في العلو ص (١٠٣)، وانظر: اعتقاد أئمة السلف للخميس ص (٢٧ - ٢٨) .
(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠) .
[ ١١١ ]
وأن له يمينًا، بقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] [سورة الزمر، آية: ٦٧]، وأن له وجهًا، بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] [سورة القصص، آية: ٨٨] وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] [سورة الرحمن، آية: ٢٧]، وأن له قدمًا لقوله ﷺ:» حتى يضع الرب فيها قدمه «(١) يعني جهنم، وأنه يضحك من عبده المؤمن بقوله ﷺ للذي قتل في سبيل الله:» إنه لقي الله وهو يضحك إليه «(٢) وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله بذلك (٣) وأنه ليس بأعور لقول رسول الله ﷺ إذ ذُكر الدجال، فقال:» إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور «(٤) وإن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر (٥) وأن له إصبعًا بقول النبي ﷺ:» ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿ «(٦) فإن هذه المعاني التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ فيما لا يدرك حقيقة ذلك بالفكر والرَّويِّة.
ولا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، وإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم بالفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة بما عاين وسمع من رسول الله ﷺ، ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه تعالى، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]» [سورة الشورى، آية: ١١] (٧) .
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري (٨)، ومسلم (٤) وغيرهم.
(٢) انظر: صحيح البخاري (٦)، ومسلم (١٥٠٤) .
(٣) بهذا اللفظ ورد في عدة أحاديث لا تخلوا من مقال، انظر: العرش ح (٨٥)، والصفات للداراقطني ح (٧٤)، وأما أحاديث النزول فمتواترة.
(٤) انظر: صحيح البخاري (١٣)، ومسلم (١) .
(٥) الحديث مروي عن جمع من الصحابة، فرواه البخاري (٨)، ومسلم (٢) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٦) صحيح مسلم (٢٦٥٤) .
(٧) اعتقاد الشافعي، لأبي الحسن الهكاري ص (٢٠ - ٢١)، بتحقيق الدكتور: عبد الله بن صالح البراك (والهوامش له) .
[ ١١٢ ]
قول الإمام أبي حنيفة: وقال الإمام أبو حنيفة في تقرير عقيدته - عقيدة السلف - في الصفات: «لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة وهو يغضب ويرضى، ولا يقال: غضبه عقوبته ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وحيُّ قادر سميع عليم بصير عالم، يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه ووجهه ليس كوجوه خلقه» (١) .
وقال: «وله يد ووجه ونفس، كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال» (٢) وقال: «ولا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئًا تبارك الله وتعالى رب العالمين» (٣) .
ولما سئل عن النزول الإلهي، قال: «ينزل بلا كيف» (٤) .
[دفع فرية التجسيم عنهم]
دفع فرية التشبيه والتجسيم عنهم (٥) .
لقد رمى خصوم الدعوة إمامها وأتباعها وأهل السنة جميعًا بفرية عظيمة وداهية كبرى هي وصفهم بأنهم في أسماء الله وصفاته (مجسمة) .
_________________
(١) الفقه الأبسط ص (٥٦)، وانظر: اعتقاد أئمة السلف للدكتور محمد الخميس، ص (١٣) .
(٢) الفقه الأكبر ص (٣٠٢)، وانظر: اعتقاد أئمة السلف للدكتور الخميس، ص (١٣) .
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (٢)، تحقيق الدكتور: عبد الله التركي، وجلاء العينين ص (٣٦٨)، وانظر: اعتقاد أئمة السلف للدكتور: محمد الخميس، ص (١٣) .
(٤) عقيدة السلف أصحاب الحديث ص (٤٢)، ط دار السلفية، الأسماء والصفات للبيهقي ص (٤٥٦)، وشرح العقيدة الطحاوية ص (٢٤٥)، تخريج الألباني، وشرح الفقه الأكبر للقاري ص (٦٠)، وانظر: اعتقاد أئمة السلف للدكتور: الخميس، ص (١٣) .
(٥) توسعت في دفع هذه الفرية لأنها لا تزال تثار على أهل السنة من قبل أهل الأهواء ويكثر فيها اللبس والتلبيس، وتستثار فيها عواطف العامة والجهلة ضد الدعوة وأتباعها.
[ ١١٣ ]
ولكنّ النقول والنصوص السابقة تثبت أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وسائر علماء الدعوة السلفية بريئون مما رماهم به خصومهم أهل البدع من أنهم مجسمة ومشبهة، والحق أنهم كانوا على سبيل المؤمنين، وهو منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، كما هو كذلك في كل أصول الدين.
إن المنهج والأسلوب الذي سلكه المخالفون أهل الأهواء والبدع من خصوم السنة المعاصرين في اتهام الإمام محمد بن عبد الوهاب وغيره من علماء الدعوة السلفية وأتباعهم، هو نفسه المنهج والأسلوب الذي سلكه خصوم السلف الصالح أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع والافتراق في كل زمان.
ومنذ أن نشأت بدع الجهمية والمعتزلة وسائر أهل الكلام المعطلة والمؤولة، ومقالاتهم البدعية التي ينفون بها أسماء الله وصفاته ويؤولونها أو بعضها نشأت معها دعوى أن إثبات الأسماء والصفات لله تعالى أو بعضها نوع من التجسيم والتشبيه. ومن أجل ذلك سموا من يثبت أسماء الله وصفاته كما جاءت في القرآن وصحيح السنة، مجسمًا ومشبهًا ونحو ذلك.
ومن هنا فإن وصف أهل السنة والجماعة، السلف الصالح بأنهم مجسمة ومشبهة ظهر في أوائل القرن الثاني الهجري على لسان طلائع تلك الفرق الكلامية.
وقد أعلن الإمام محمد بن عبد الوهاب ما يرد هذه الفرية، بقوله السابق ذكره ومنه: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله – ﷾ - ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له ولا يقاس بخلقه» (١) .
وساق الإمام مذهب السلف الصالح، أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته؛ على أنه اعتقاده، فكيف يرمونه ويرمون سائر سلف الأمة بالتجسيم؟! نعم لأن أهل البدع والأهواء يزعمون أن الإثبات الحق تجسيمٌ والمثبت عندهم مجسمًا، والله حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) الدرر السنية (١ - ٣٠) .
[ ١١٤ ]
وقد أنكر الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه، هذه الشبهة وبين أن أهل الكلام والبدع يسمون طريقة الرسول والسلف الصالح في إثبات صفات الله تعالى تشبيهًا وتجسيمًا، فيقول: «ومما يهون عليك مخالفة من خالف الحق، وإن كان من أعلم الناس وأذكاهم، وأعظمهم جاهًا، ولو اتبعه أكثر الناس، وما وقع في هذه الأمة من افتراقهم في أصول الدين، وصفات الله تعالى، وغالب من يدعي المعرفة، وما عليه المخالفون المتكلمون، وتسميتهم طريقة رسول الله ﷺ حشوًا وتشبيهًا وتجسيمًا، مع أنك إذا طالعت في كتاب من كتب الكلام - مع كونه يزعم أن هذا واجب على كل أحد، وهو أصل - تجد الكتاب من أوله إلى آخره لا يستدل على مسألة منه بآية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله، اللهم إلا أن يذكره ليحرفه عن مواضعه.
وهم معترفون أنهم لم يأخذوا أصولهم من الوحي، بل من عقولهم، معترفون أنهم مخالفون للسلف في ذلك» (١) .
وقال الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، بعد أن ساق أقوال الإمام محمد وبعض علماء الدعوة: «وأخيرًا ندرك - من خلال النصوص السابقة - طريق النجاة الذي سلكه أئمة هذه الدعوة السلفية، تأسيًا واقتداء بالرعيل الأول، من وصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ، لا يتجاوزون القرآن والحديث في ذلك.
ونلاحظ أن مزاعم خصوم هذه الدعوة السلفية التي تكذب على إمام الدعوة الإصلاحية الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتبهته بأنه مجسِّم ومشبِّه في الصفات، نلاحظ أن من مبررات الخصوم في القذف بهذا البهتان هو أن الشيخ - ﵀ - وكذا أتباعه من بعده كسائر السلف، يثبتون جميع الصفات التي وردت في الكتاب والسنة، ويمرونها - كما جاءت - على ظاهرها دون تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، ويفوضون العلم بالكيفية إلى الله – ﷾ -.
فجعل الخصوم هذا الإثبات مبررًا في رمي الشيخ بالتشبيه والتجسيم، لذا يأتي مع هذه الفرية غالبًا بيان لبعض الصفات التي يثبتها الشيخ لله - ﷿ - وهو كما تقدم لا يصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه رسوله ﷺ. .. مثل صفة الاستواء والعلو والنزول ونحوها، ويسوق
_________________
(١) الدرر السنية (١ ) .
[ ١١٥ ]
الخصوم هذا الإثبات زعمًا منهم أنه تجسيم وتشبيه، ولا يكتفون بذلك بل يختلقون زيادة في الإفك والبهتان، فيزعمون أن الشيخ يثبت لله الجلوس والجنب واللسان، بل يكذبون عليه أشنع من قبل، ويبهتونه بأنه يقول إن الله جسم كالحيوان تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا» (١) .
وقال: «وبهذا يتضح من مزاعم هؤلاء الخصوم - من أهل البدع - أنهم يلصقون فرية التشبيه والتجسيم بالإمام وأنصار دعوته، وبكافة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، بحجة أنهم يأخذون بظواهر النصوص في آيات الصفات وأحاديثها.
وإذا انتقلنا إلى مقام الدحض والرد لفرية التجسيم والتشبيه، فإن من أبلغ الردود وأقواها ما أوردناه من النقول المتعددة (٢) التي تصرح بإثبات الصفات لله – ﷾ - على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل ولا تكييف.
وقد أظهر علماء السنة الحجج الدامغة والبراهين الساطعة في دحض هذه الفرية الكاذبة الخاطئة» (٣) .
فقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرد على الذي زعم أن إثبات الصفات يلزم منه التجسيم: «قوله: وقد أردت أن تنزه ربك بما يلزم منه التجسيم كذب ظاهر؛ لأنا قد بينا أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله حق وصدق وصواب، ولازم الحق حق بلا ريب، ولا نسلم أن ذلك يلزم منه التجسيم، بل جميع أهل السنة المثبتة للصفات يتنازعون في ذلك، ويقولون لمن قال لهم ذلك لا يلزم منه التجسيم، كما لا يلزم من إثبات الذات لله تعالى، والحياة والإرادة والكلام تجسيم وتكييف عند المنازع، ومعلوم أن المخلوق له ذات ويوصف بالحياة والقدرة والإرادة والكلام، ومع هذا لا يلزم من إثبات ذلك لله تعالى إثبات للتجسيم والتكييف تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ومعلوم أن هذه الصفات في حق المخلوق إما جواهر وإما أعراض، وأما في حقه ﵎ فلا يعلمها إلا هو بلا تفسير ولا تكييف» (٤) .
_________________
(١) دعاوى المناوئين ص (١٢٥)، بتصرف يسير.
(٢) انظر: دعاوى المناوئين (١٢ ٥ - ١٢٩) .
(٣) دعاوى المناوئين ص (١٢٩)، بتصرف.
(٤) مجموعة الرسائل والمسائل، جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية (٤) .
[ ١١٦ ]
[عقيدتهم في القرآن]
عقيدتهم في القرآن: وكذلك عقيدتهم في القرآن لا تخرج عما أجمع عليه السلف الصالح.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ» (١) .
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن:
«ونعتقد: أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وسمعه جبرائيل من الباري سبحانه، ونزل به على رسول الله ﷺ، ولا نقول بقول الأشاعرة، ولا غيرهم، من أهل البدع» (٢) .
[عقيدتهم في الملائكة والكتب والرسل]
عقيدتهم في الملائكة والكتب والرسل (٣) وكذلك عقيدتهم في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل جملة وتفصيلًا كما جاءت بها النصوص وهذه الأصول الثلاثة لم يرد عليهم فيها مزاعم تذكر من خصومهم ولذلك لا نحتاج إلى الوقف عندها طويلًا، ونكتفي بما قاله الإمام محمد بن عبد الوهاب «أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرق الناجية أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله..» (٤) .
[عقيدتهم في رسول الله وحقوقه وخصائصه]
عقيدتهم في رسول الله ﷺ وحقوقه وخصائصه: أهل السنة والجماعة - السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان - ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه - هم أولى الناس برسول الله ﷺ لأنهم هم الذين يحبونه حق المحبة، ويوقرونه حق التوقير، فهم الذين اتبعوا سنته، والتزموا ما كان عليه ﷺ
_________________
(١) الدرر السنية (١.
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) سيأتي الحديث عن عقيدتهم في اليوم الآخر والقدر.
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ١١٧ ]
هو وأصحابه، وأخذوا بوصيته بالتزام السنة والجماعة، والحذر من الفرقة والبدع ومحدثات الأمور، ولا يزالون على الحق والسنة، ظاهرين بحمد الله وسعوا إلى نيل أسمى المطالب وهي محبة الله تعالى ورضاه التي لا تدرك إلا بمحبة الرسول ﷺ واتباعه كما أمر الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] [سورة آل عمران، آية (٣١) .] فالإمام محمد بن عبد الوهاب - وهو أحد أئمة السنة - وأتباعه وسائر أهل السنة اليوم - وقبل وبعد - إنما هم على أثر السلف الصالح، في تحقيق ما أمر الله به من الإيمان برسول الله ﷺ ومحبته وتوقيره واتباع سنته والدعوة إليها وحماية حقوقه ﷺ، وحقوق آله وصحابته وزوجاته أمهات المؤمنين والإيمان كشفاعته وحوضه.
وأنه ﷺ أفضل الخلق أجمعين، وخاتم النبيين والمرسلين.
وأن من توقيره وتعظيمه ألا يرفع إلى مقام الربوبية والألوهية ونحوها مما هو من خصائص الرب ﷿.
فالذين اتهموا الإمام وأتباعه ويسمونهم (الوهابية) بأنهم ينتقصون من حق النبي ﷺ أو يبغضونه، أو ينكرون شيئًا من فضائله أو حقوقه، ونحو ذلك من المزاعم.
إنما قالوا بهتانًا وزورًا، والناظر في حقيقة الأمر يعلم بداهة أنه ما يفتري ذلك إلا جاهل، أو مبتدع، أو مقلد على غير بصيرة، وحاسد ومغرض، أو صاحب هوى أضله هواه عن سبيل الحق، كما سيأتي بيانه في الفصل الثالث.
إن هذه المفتريات ونحوها كلها تخالف الحقيقة والواقع، والبرهان الساطع فقد أفصح الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة عن إيمانهم بسائر الحقوق المشروعة لرسوله ﷺ دون تفريط في مقامه اللائق به ﷺ ودون إفراط ولا إطراء امتثالًا لقوله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله» (١) .
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «والرسل: عليهم البلاغ المبين؛ وقد بلَّغوا البلاغ المبين؛ وخاتم الرسل محمد ﷺ أنزل الله عليه كتابه مصدقًا لما بين يديه من الكتاب،
_________________
(١) البخاري رقم (٣٤٤٥)، ومسلم (١٦٩١)، وأخرجه أحمد في المسند برقم (١٥٤)، ورقم (١٦٤)، وقال المحقق: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ١١٨ ]
ومهيمنًا عليه، فهو المهيمن على جميع الكتب، وقد بَيَّن أبين بلاغ وأتمه وأكمله، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيما، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين، فأسعد الخلق، وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة: أعظمهم اتباعًا له، وموافقة علمًا وعملًا» (١) .
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره، حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس (٢) ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه - ﵊ - الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه» .
وقال الإمام عبد العزيز بن سعود بن محمد في رسالته إلى أحمد بن علي القاسمي:
«وأما قولك: إن أناسًا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار ﷺ.
فنقول: بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي ﷺ، وتوقيره، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، والناس أجمعين، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه، وإطرائه، بل هو ﷺ نهى عن ذلك، فيما ثبت عنه في الصحيح، أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٣) (٤) .
_________________
(١) الدرر السنية (٢) .
(٢) وهم بهذا يقرون بمشروعية زيارة قبر النبي ﷺ خلاف ما يزعمه خصومهم عنهم - لكنهم لا يرون مشروعية شد الرحال لذلك مستدلين بحديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» الحديث، رواه البخاري (١٨٦٤)، ومسلم (٣٣٨٤)، وغيرهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -) .
(٣) الحديث سبق تخريجه.
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ١١٩ ]
وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وهو من كبار علماء الدعوة: «ونحن - بحمد الله - من أعظم الناس إيجابًا لرعاية الرسول ﷺ، تصديقًا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملًا بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] [سورة الأعراف، آية: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] [سورة الأنعام، آية: ١٥٥] .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «من سليمان بن سحمان، إلى عبد العزيز العلجي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد بلغني أنك استدركت عليّ فيما تزعم، كلمات في أبيات، وذلك في قولي:
على السيد المعصوم والآل كلهم وأصحابه مع تابعي نهجهم بعد
فزعمت: أنا ننكر، ونشدد على من قال: سيدنا محمد ﷺ، وأن هذا مذهبنا أهل "نجد" وهذا كذب، وافتراء علينا، ما أنكر ذلك منا أحد، ولا كان ذلك مذهبنا» .
إلى أن قال: «وأما نحن: فلا ننكر ذلك، لقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) وقوله: «إن ابني هذا سيد» (٢) وقوله للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» (٣) وقوله: ««من سيدكم يا بني سلمة» فقالوا له: الجد بن قيس، على أنا نبجله فينا، ثم قال ﷺ: «بل سيدكم عمرو بن الجموح»» (٤) إذا فهمت هذا، فمن أين لك أنا ننكر ذلك ونشدد فيه؟ ومن حدثك بهذا؟ أو نقل عنا؟ وفي أي كتاب وجدت ذلك؟ وقد كان لي عدة رسائل، ومناظيم، وكل ذلك قد ذكرته فيها» (٥) .
_________________
(١) رواه مسلم (٢٢٧٨)، وأبو داود (٤٦٧٣)، وأحمد (٢) (٣) .
(٢) رواه البخاري رقم (٧١٠٩)، وأبو داود (٤٦٦٢) .
(٣) رواه البخاري رقم (٣٠٤٣)، ورقم (٣٨٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) رواه البخاري في الأدب المفرد ص (١١١) رقم (٢٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧) بمعناه من حديث جابر - ﵁ -) .
(٥) الدرر السنية (٣) .
[ ١٢٠ ]
[رد مفتريات الخصوم في أن الإمام وأتباعه ينتقصون من حق النبي ﷺ]
رد مزاعم الخصوم في أن الإمام وأتباعه ينتقصون حق النبي ﷺ: من أعظم التلبيس الذي سلكه خصوم الإمام (خصوم السنة) وهم أهل البدع والأهواء والافتراق رميهم الإمام وعموم أهل السنة بأنهم لا يحبون النبي ﷺ وأنهم ينتقصونه وذلك لأن أهل السنة لا يرفعون النبي ﷺ إلى مقام الربوبية والألوهية، ولا يطرونه كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وأهل البدع يطرونه ويزعمون أن من لم يفعل ذلك فإنه لا يحب النبي ﷺ وأنه ينتقصه، وهذا من التلبيس والبهتان، ومن إغواء الشيطان حيث دخل عليهم من باب التنطع والإطراء.
ولخطورة هذه الافتراءات ورواجها بين الذين يجهلون الحقيقة وينساقون وراء تضليلات الخصوم والمغرضين والحاسدين، دون تثبت ولا روية ولا تبصر، أسوق مزيدًا من الأقوال والنقول التي تكشف زيف هؤلاء الخصوم ويتبين الحق لمن يريده:
فإن خصوم الإمام وهم خصوم السنة وأهلها من أهل الأهواء والافتراق والبدع ومن شايعهم سلكوا مسلك الكذب والافتراء في كثير من الأحيان، وأحيانًا أخرى مسلك التلبيس والتمويه، فمن ذلك:
قول أحدهم: «أنه (يعني الإمام محمد بن عبد الوهاب) أحرق دلائل الخيرات لأجل قول سيدنا ومولانا» (١) وأنه قال: «الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة تهوي بصاحبها إلى النار» (٢) وأن «تعظيم الرسول ﷺ شرك» (٣) وزعموا أنه قال: «لو أقدر على حجرة الرسول ﷺ هدمتها» (٤) وأنه «يحرم زيارة قبر النبي ﷺ» (٥) .
وهذا كله كذب صريح وقد تبرأ منه الإمام نفسه وقال بعد أن ساق هذه المفتريات وغيرها: «سبحانك هذا بهتان عظيم» (٦) وفي مقام آخر قال في هذه المزاعم ونحوها «فكل هذا كذب وبهتان مما افتراه عليَّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل » (٧) .
_________________
(١) روضة الأفكار لحسين بن غنام (١، ١١٣) .
(٢) مؤلفات الشيخ محمد عبد الوهاب (الرسائل الشخصية) (٥) .
(٣) مؤلفات الشيخ محمد عبد الوهاب (الرسائل الشخصية) (١٢، ٥٢) .
(٤) مؤلفات الشيخ محمد عبد الوهاب (الرسائل الشخصية) (١٢، ٥٢) .
(٥) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (الرسائل الشخصية) (٥) .
(٦) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (الرسائل الشخصية) (١٢، ٥٢) .
(٧) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (الرسائل الشخصية) (١٢، ٥٢) .
[ ١٢١ ]
وقد قال في رده على أحد الذين بهتوه بانتقاص النبي ﷺ: «سبحانك هذا بهتان عظيم، وقبله من بهت محمد ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور » (١) .
وقال في رد مقولة أنه ينهى عن الصلاة عن النبي ﷺ: «وأما إحراقها (يعني كتاب دلائل الخيرات) والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان، فنسبة هذا إليَّ من الزور والبهتان» (٢) .
ويقول صاحب كتاب (المقالات الوفية) مفتريًا على الإمام: «وكذا تنقيصه الرسل والأنبياء وهدم قببهم ومنعه من قراءة خبر مولد النبي ﷺ، وضرب رقاب من يناجي في المنارة للصلاة على النبي ﷺ» (٣) وهذا من الكذب والتلبيس على الإمام محمد وأتباعه، أما القِبَاب فهي من البدع التي جاء النهي الصريح عنها في السنة وفي هدمها إزالة للبدع، وكذلك قراءة خبر مولد النبي ﷺ والنداء بالصلاة على النبي ﷺ على نحو ما يفعله المبتدعة من المحدثات والبدع.
ويقول صاحب كتاب (تبيين الحق والصواب) عن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب: «ومما يدل على استنقاصهم واستخفافهم لقدر نبينا محمد ﷺ هذه اللفظة المجردة عن الأدب والحياء وهي (محمد لا يعلم الغيب) (٤) . ونقول له: إنه ليس من تعظيم النبي ﷺ أن ندعي له شيئًا من خصائص الرب تعالى وهو علم الغيب، فهو لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياه، قال الله ﷿ له ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [سورة الأعراف، آية: ١٨٨] .
وهذه المقولات كلها أكاذيب ومفتريات وإفك ظاهر، ونبدأ في كشف هذا الإفك العظيم بما ذكره الشيخ محمد منظور النعماني في كتابه (دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب) قال: «وقد سمعت وقتئذٍ أكذوبة عجيبة: أن رجلًا يحمل اسم عبد الوهاب
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) المقالات الوفية ص (١٨٨) وانظر دعاوى المناوئين ص (٩٧) .
(٤) تبيين الحق والصواب ص (١٨، ١٩) .
[ ١٢٢ ]
النجدي وكان يتزعم الطائفة الوهابية، كان قد بلغ من عدوانه للنبي ﷺ إلى أن ورد المدينة المنورة يتظاهر بالصلاح والتقوى وسكن بيتًا على الكراء من أجل أن يتخذ في داخل الأرض سربًا من بيته إلى روضة النبي ﷺ حتى يتمكن من العبث بالجثة المطهرة - نعوذ بالله من ذلك - إلا أنه لم يستطع تحقيق أمنيته حيث تراءى النبي في المنام للملك الذي كان يحكم الحجاز آنذاك، وقال له في المنام: إن رجلًا من نجد خبيثًا رقيعًا يتخذ النفق في الأرض من أجل الغرض الخبيث، فبحث الملك عن الرجل عبد الوهاب النجدي، وقبض عليه فعلًا وضرب عنقه.
ولا أزال أذكر أن الناس كانوا يتناقلون هذه الأكذوبة كحقيقة تاريخية معلومة مقررة، ولذلك فلم أشك فيها قط، لأني لم أجد أحدًا يرفضها أو يشك فيها» (١) .
ويقول الإمام نفسه في تكذيب المزاعم: «وما ذكره المشركون عليّ أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول لو أن لي أمرًا هدمت قبة النبي ﷺ أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهى عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه عليّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل» (٢) .
ويقول في رسالته إلى الشيخ عبد الرحمن السويدي أحد علماء العراق مفندًا ما نسب إليه: «يا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون، وكذلك قولهم أنه يقول لو أقدر أهدم قبة النبي ﷺ لهدمتها (أي من البهتان)، وأما (دلائل الخيرات) فله سبب، وذلك أني أشرت إلى من قبل نصيحتي من إخواني، أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله، ويظنّ أن القراءة فيه أجلّ من قراءة القرآن، وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان فهذا من البهتان» (٣) .
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب مبيّنًا المنهج الذي كانوا عليه إبان دخولهم مكة عام (١٢١٨هـ): «وأما ما يكذب علينا: سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق،
_________________
(١) دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص (١٥، ١٦) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) مجموعة مؤلفات الشيخ (الرسائل الشخصية) ص (٣٧)، وانظر الدرر السنية (١، ٨١) .
[ ١٢٣ ]
بأنّا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيخ، وأنّا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، مع كون الآية مدنية » إلى أن قال: «فجميع هذه الخرافات، وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولًا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك، سبحانك هذا بهتان عظيم، فمن روى عنّا شيئًا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى.
ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا، علم قطعًا: أن جميع ذلك وضعه، وافتراه علينا، أعداء الدين، وإخوان الشياطين» .
إلى أن قال: «والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه ﷺ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه» (١) .
وقال الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد: «فحق النبي ﷺ محبته المقدمة على محبة النفس والولد والأهل والمال وتصديقه وطاعته» (٢) .
وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في رسالته إلى أحمد بن علي القاسمي: «وأما قولك أن ناسًا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار ﷺ، فنقول بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي ﷺ وتوقيره، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم والناس أجمعين، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه وإطرائه، بل هو ﷺ نهى عن ذلك» (٣) .
ويقول الشيخ محمد بن عثمان الشاوي في كتابه (القول الأسد في الردَّ على الخصم
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٢٣٠) .
(٢) عن دعاوى المناوئين ص (٩٤، ٩٥) .
(٣) الدرر السنية (١) .
[ ١٢٤ ]
الألد) ردًا على خصوم الدعوة السلفية: «وقد رموهم بعظائم يعلم الله تعالى أنها لم تصدر منهم، ونسبتهم إلى تنقص الرسول وعدم الصلاة عليه، وما ذاك إلا أنهم لم يغلوا امتثالًا لقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (١) وإلا فهم بحمد الله أعظم الناس محبة للرسول ومتابعة له، ورعاية لحقه، وهو أجل في عيونهم من أن يخالفوا سنته، أو يخالفوا أقواله، بمجرد العوائد الباطلة، أو الأقيسة الفاسدة، بخلاف كثير من هؤلاء الذين جمعوا بين الإفراط والتفريط، فأفرطوا بالغلو فيه وإطرائه، حتى رفعوه من منزلة العبودية إلى منزلة الإلهية والربوبية، وفرطوا في اتباعه، فنبذوا سنّته وراء ظهورهم، ولم يعبئوا بأقواله، وخالفوا نصوصه الصريحة الصحيحة بغير مسوغ، ولم يكتفوا بذلك حتى جعلوا يعيبون على من جدّ واجتهد في اتباعه، لما ألفوه من العوائد الباطلة، والنبي ﷺ إنما حقه هو تعزيره وتوقيره واتباع ما جاء به، واقتفاء أثره، وتصديقه، وتقديم محبته على الأهل والمال، وأما العبادة فهي له وحده، لا يشركه فيها ملك مقرب، ولا نبي مرسل» (٢) .
ويقول مسعود الندوي في كتابه (محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه): «إن الزمان لغريب، وإن نوادره لعجيبة، فالرجل الذي يقوم ويقعد وينام تحت ظل ظليل من سنّة الرسول ﷺ وكأنها هي غطاءه، وفراشه يُتهم بإنكار الحديث» (٣) .
ويقول صاحب كتاب (النفخة على النفحة) ردًّا على هذه الفرية: «وأما المصطفى ﷺ فلا تظن أن أحدًا من المسلمين على كرة الأرض يهم بتنقيصه، أو يبغضه، وفي مذهب الحنابلة أن شاتم الرسول يقتل تاب أو لم يتب» (٤) .
ويقول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي في كتاب (نقض كلام المفترين) عن الإمام وأتباعه في تعظيمهم لرسول الله ﷺ وما جاء به من الحق والهدى: «والشيخ محمد - ﵀ - ألّف (مختصر السيرة)، وقد طبع عدة مرات، وانتشر في سائر الأقطار، فلو لم يكن محبًا
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) القول الأسد ص (٧) نقلًا عن دعاوى المناوئين ص (١٠٤) .
(٣) محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ص (١٧٣) .
(٤) النفخة على النفحة ص (٤١)، تحقيق الدكتور/ عبد العزيز العبد اللطيف.
[ ١٢٥ ]
للرسول لما ألف سيرة له، ومن لا يحب الرسول لا يكون مسلمًا بل يكون يهوديًا أو نصرانيًا والشيخ وأتباعه يحثون الناس على التمسك بسنّة الرسول الصحيحة، ويشددون النكير على من يخالف سنّة الرسول ويدعونه مبتدعًا، أما هذا دليل على كمال حبهم وتعظيمهم لرسول الله ﷺ؟ ولكن المنحرفين يرون حب الرسول ﷺ في قراءة الأناشيد والأشعار والاستغاثات
فمن عمل بهذا فهو محب للرسول، وإن ارتكب الموبقات وتلطخ بقاذورات المبتدعات ومن لا فلا» (١) .
ويشهد حافظ وهبة بأن ما نسب إلى علماء الدعوة السلفية وأتباعها هم أبرياء منه. فيقول تحت عنوان:
«ما ينسب إلى النجديين وهم أبرياء منه»: ثم يقول: «لا شك أن الحرب النجدية المصرية في القرن الماضي وما أعقب ذلك من خلاف بين آل سعود والأتراك قد صحبه كثير من الدعايات السيئة ضد النجديين. وكثير من الأشياء التي نسبت إليهم مكذوبة.
١ - لقد نسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب والآخذين بدعوته كراهية النبي ﷺ، والحط من شأنه وشأن سائر الأنبياء والأولياء الصالحين.
لقد نسب هذا إلى الإمام ابن تيمية وإلى تلاميذه، كما لا يزال ينسب إلى كثير من العقلاء والمصلحين في الهند وغيرها حتى ممن ليست لهم أي صلة بنجد وأهلها.
إن منشأ هذه النسبة هو أن النجديين استنادًا إلى حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٢) يرون أن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يعملها أحد من الصحابة أو التابعين، ولم يأمر بها النبي ﷺ، وقد سبق ابن تيمية وابن عبد الوهاب طوائف كثيرة من العلماء المتقدمين بهذا الرأي.
٢ - إن النجديين يمنعون استقبال قبر الرسول ﷺ عند الدعاء، كما يمنعون السجود عند قبره وقبر غيره، ويمنعون التمسح والتمرغ عند القبر، كما يمنعون كل ما من شأنه الاستغاثة أو الطلب مما شاع عمله عند قبر النبي ﷺ وقبور الصالحين في مصر وبغداد والهند وكثير من الأمصار.
_________________
(١) نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين، ص (٦٧، ٦٨)، وانظر دعاوى المناوئين ص (١٠٨) .
(٢) تقدم تخرجه.
[ ١٢٦ ]
٣ - هدم القباب والأبنية المقامة على القبور وإبطالهم لسائر الأوقاف التي رصدت على القبور والأضرحة:
٤ - إنكارهم على البوصيري قوله في البردة:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وقوله:
ومن علومك علم اللوح والقلم.
وقوله:
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن هذا القول مجازفة وغلو، وفيه مخالفة صريحة لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة؛ وهم - فوق هذا - يعتقدون أن من اعتقد هذا على ظاهره فهو مشرك كافر.
فاتهمهم خصومهم بكراهية النبي، ونسبوا إليهم أقوالًا هم أبرياء منها، نسبوا إليهم القول بأن العصا خير من النبي، إلى غير ذلك من التهم الباطلة. ولقد سمعت في نجد أن حكام نجد الشمالية أثناء خصومتهم مع آل سعود كانوا يكتبون إلى الأتراك أن آل سعود اتخذوا راية شعارها: لا إله إلا الله مَحَدْ رسول (بحذف ميم محمد) أي لا أحد رسول الله، وهذا كله تنفير للأتراك من خصومهم، وهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب.
ولقد حضر إلى مكة أثناء الحرب الحجازية النجدية في سنة (١٩٢٥م) بعض أفاضل السنغاليين وَتِطْوَان، وكانوا أثناء حديثهم يبكون لشدة تأثرهم؛ لقد أخبرونا أنهم سمعوا في الإسكندرية أشياء كثيرة تنسب إلى النجديين، لم يجدوا لها أثرًا في الحجاز، لقد سمعوا من بعض الناس: أن الوهابيين هدموا الكعبة لأنها حجر، وسمعوا أنهم في الأذان يقولون «أشهد أن لا إله إلا الله» فقط ولا يقولون «أشهد أن محمدا رسول الله» .
إن النجديين أحرص الناس على محبة الرسول ﷺ، ولكنهم يكرهون الغلو، ويقاومون البدع مهما كان نوعها، ومهما كان الدافع لها، ويقولون: إن المحبة للرسول ﷺ هي الاهتداء بهدي الرسول واتباعه، أما الابتداع وتعطيل الشريعة وتقديم الأهواء فهو كراهة لا محبة، وفي القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .
_________________
(١) جزيرة العرب في القرن العشرين (٣١٢ - ٣١٤) .
[ ١٢٧ ]
[دفع فرية التلويح بدعوى النبوة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب]
دفع فرية التلويح بدعوى النبوة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب: وبعد عرض ما كان عليه أهل السنة من تعظيم مقام النبي ﷺ ورفع مكانته التي فضله الله بها. يحسن الوقوف عند تهمة مكشوفة، وكذبة ظاهرة لُمِز بها الإمام محمد بن عبد الوهاب من قبل بعض أهل الأهواء والبدع والافتراق وهي تلكم التهمة الصلعاء التي أثارها بعض خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب حين زعموا أنه يلوّح حول دعوى النبوة، بل زعم بعضهم أنه يدعيها!! (١) وهذه فرية شنيعة وبهتان عظيم.
فإنه في حين لا نجد في منهج الإمام وآثاره وأعماله ما يشير إلى شيء من ذلك - أي دعوى النبوة - فإن العكس هو الواقع المحتم، إذ أن الإمام أكَّد في عقيدته ودروسه وشروحه ورسائله وخطبه ومؤلفاته عقيدة ختم النبوة بمحمد ﷺ وأن خلاف ذلك كفر يجب قتل مدَّعيها ومن يصدقه.
قال فيما يجب على كل مسلم بعد أن ذكر الحقوق الواجبة على المسلم:
«وأعظمها حق النبي ﷺ، وأفرضه شهادتك له أنه رسول الله، وأنه خاتم النبيين وتعلم أنك لو ترفع أحدًا من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافرًا» (٢) .
وقال: «وأؤمن بأن نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته» (٣) .
ومن علامات الافتراء والخذلان لمروجي هذه الفرية أن أول من روَّجها، وأكثر الذي تابعوه، زعموا أنه (الإمام محمد بن عبد الوهاب) ادعى النبوة بلسان حاله، وأنه كان يُضمر دعوى النبوة في قلبه! (٤) .
_________________
(١) راجع ما قاله بعض الخصوم في كتبهم من ذلك:
(٢) خلاصة الكلام لدحلان (٢٣٩) .
(٣) والدرر السنية في الرد على الوهابية (٤٧) لأحمد بن دحلان كذلك.
(٤) ومصباح الأنام (٤) لعلوي حداد.
(٥) وفصل الخطاب (ق٣٦) لأحمد علي القباني.
(٦) والفجر الصادق للزهاوي) .
(٧) الدرر السنية (١) .
(٨) الدرر السنية (١ «) .
(٩) راجع دعاوى المناوئين (٨١ - ٩٠) .
[ ١٢٨ ]
وهذه حيلة العاجز المهزوم إذ كيف اطلعوا على ما في القلوب مما لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب ﷾، مع أن الحقيقة الثابتة أنه قال وأعلن الحق بدليله، ثم ما القرائن التي دلت بلسان الحال على هذه الفرية؟ لم يذكروا شيئًا.
ولما شاع هذا البهتان العظيم، وروَّجه الخصوم من أهل الأهواء والبدع والافتراق الذين يكرهون السنة وأهلها، وتلقفته ألسنة الغوغاء والهمج، من أتباع الفرق والطرق - تصدى له علماء السنة في بلاد الشيخ الإمام وغيرها من سائر بلاد المسلمين، ممن شهدوا بالحق، وأنصفوا الخلق (١) .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «إن الشيخ (يعني محمد بن عبد الوهاب) قد ذكر في كتاب التوحيد ما رواه البرقاني في صحيحه قوله في الحديث:» وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان وإنه سيكون من أمتي كذّابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي «(٢) . ..» إلى آخر الحديث.
وقال (يعني محمد بن عبد الوهاب) في المسائل المستنبطة من هذا الباب، «الثامنة: العجب العجاب خروج من يدعي النبوة مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه أنه من هذه الأمة وأن الرسول حق وأن القرآن حق» (٣) .
وفيه أن محمدًا خاتم النبيين ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح وقد خرج المختار في آخر عهد الصحابة، فكيف يضمر مع هذا دعوى النبوة، وكيف يزعم هذا ويرمي به الشيخ رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، وبهذا تعلم أن هذا من تزوير من شرق بهذا الدين من أعداء الله ورسوله وتنفيرًا للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله بالعبادة» (٤) .
_________________
(١) انظر: دعاوى المناوئين ص (٨٤) .
(٢) الحديث جزء من رواية أصلها عند مسلم (٢٨٨٩)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٢٩٥)، وقال المحققون: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب (٥٣) .
(٤) الأسنة الحداد لابن سحمان (١٢، ١٣)، وانظر: دعاوى المناوئين للدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (٨٤ - ٨٦) .
[ ١٢٩ ]
كما رد الشيخ ناصر الدين الحجازي (١) على هذه الفرية بأسلوب آخر، وذلك في رسالته "النفخة على النفحة"، حيث يزعم صاحب كتاب (النفحة الزكية) أن الإمام قد ادعى النبوة، فكان جواب الشيخ ناصر الدين الحجازي على هذا الإفك: «وأما قولك وكان يضمر دعوى النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها فهذه دعوى كشف واطلاع على ما في القلوب، فهي بين أمرين إما تصريح بالكذب وإما مشاركة لله تعالى في قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] [سورة غافر، آية: ١٩] .
فاختر أي الشقين شئت، وإن كنت مدعيًا فعليك الدليل من كتبه التي طبعت في الهند وفي مصر وسارت في الأقطار» (٢) .
[عقيدتهم في شفاعة النبي ﷺ]
عقيدتهم في شفاعة النبي ﷺ. وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه كسائر السلف الصالح أهل السنة والجماعة في شفاعة النبي ﷺ، فيثبتون كل ما صح من شفاعاته ﷺ كالشفاعة العظمى، والمقام المحمود، وشفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغيرها.
يقول الإمام محمد: «وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [سورة النجم، آية: ٢٦]، وهو لا يرضى إلا التوحيد؛ ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [سورة المدثر، آية: ٤٨]» (٣) .
_________________
(١) ذكر الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف في (دعاوى المناوئين) أن ناصر الدين الحجازي هو اسم أطلقه الشيخ محمد بن علي بن تركي على نفسه عند تأليفه لهذا الرد.
(٢) النفخة على النفحة (١٤) تحقيق الدكتور/ عبد العزيز العبد اللطيف.
(٣) الدرر السنية (١) .
[ ١٣٠ ]
وهذا ينفي المزاعم والمفتريات التي زعمها خصومهم بأنهم ينكرون شفاعة النبي ﷺ.
وقال في الرد على الذين يزعمون أنه وسائر أهل السنة ينكرون شفاعة النبي «ثم بعد هذا يذكر لنا أن عدوان الإسلام، الذين ينفرون الناس عنه، يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود، نسأل الكريم رب العرش العظيم: أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه» (١) .
ويقول ابنه الشيخ عبد الله: «ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة، حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء، والملائكة، والأولياء، والأطفال حسب ما ورد أيضًا؛ ونسألها من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين، الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحدنا - متضرعًا إلى الله تعالى -: اللهم شفع نبينا محمدا ﷺ فينا يوم القيامة أو: اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك، مما يطلب من الله، لا منهم فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله لك الشفاعة أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو اشفني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ، كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك؛ بل ورد الكتاب، والسنة، وإجماع السلف: أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله ﷺ» (٢) .
[عقيدتهم في آل بيت رسول الله ﷺ]
عقيدتهم في آل بيت رسول الله ﷺ وكذلك عقيدتهم في آل بيت رسول الله لا تخرج عما أوصى به النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح من محبة آل البيت ومودتهم ورعاية حقوقهم.
كل ذلك على المنهج الشرعي؛ بلا تقصير كما فعلت الخوارج الناصبة ومن وافقهم، ولا غلو كما فعلت الرافضة ومن سلك سبيلهم، فليس من حق آل البيت الغلو فيهم، ولا اعتقاد قداستهم، ولا عصمتهم.
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٦٤) .
(٢) الدرر السنية (١، ٢٣٢) .
[ ١٣١ ]
ورعاية حقوق آل بيت رسول الله ﷺ مشروطة بشروطها وهي استقامتهم على منهاج النبوة، أما من خرج عن الحق والسبيل فلا حق له.
يقول الشيخ الإمام في حق أحد الأشراف ومبينًا خطأ الذين أنكروا هذا الحق.
«وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله ﷺ على الناس حقوقًا فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقهم ويظن أنه من التوحيد بل هو من الغلو ونحن ما أنكرنا إلا إكرامهم لأجل ادعاء الألوهية فيهم أو إكرام المدعي لذلك» (١) .
ويقول الشيخ: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «وأما أهل البيت: فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت - رضوان الله عليهم - لا شك في طلب حبهم ومودتهم، لما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم، والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدور المجالس، والبداءة بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم، ونحو ذلك، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم» (٢) .
وقال الإمام عبد العزيز بن سعود بن محمد «من عبد العزيز بن سعود: إلى جناب أحمد بن علي القاسمي، هداه الله، لما يحبه ويرضاه.
أما بعد:
فقد وصل إلينا كتابك، وفهمنا ما تضمنه من خطابك، وما ذكرت من أنه قد بلغكم: أن جماعة من أصحابنا، صاروا ينتقمون على من هو متمسك بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ممن مذهبه مذهب أهل البيت الشريف.
فليكن لديك معلومًا أن المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما عليه أهل البيت الشريف فهو لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
ولكن الشأن: في تحقيق الدعوى بالعمل» .
ثم قال: «وأما ما ذكرت: من أن مذهب أهل البيت أقوى المذاهب، وأولاها
_________________
(١) مؤلفات الشيخ الإمام (٥) الرسائل الشخصية ص (٢٨٤) .
(٢) الدرر السنية (١، ٢٣٣) .
[ ١٣٢ ]
بالاتباع، فليس لأهل البيت مذهب إلا اتباع الكتاب، والسنة، كما صح عن علي بن أبي طالب - ﵁ - «أنه قيل له: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يؤتيه الله عبدًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة » الحديث؛ وهو مخرج في الصحيحين» (١) .
وقال: «فإن أصل دين رسول الله ﷺ، وأهل بيته، ﵈، هو: توحيد الله بجميع أنواع العبادة، لا يدعى إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه؛ كما دل على ذلك الكتاب العزيز.
فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤] [سورة الرعد، آية: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . [سورة الأنبياء، آية: ٢٥] .
فهذا التوحيد، هو: أصل دين أهل البيت - ﵈ - من لم يأت به، فالنبي ﷺ وأهل بيته: براء منه، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] [سورة التوبة، آية: ٣] .
ومن مذهب أهل البيت: إقامة الفرائض، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ومن مذهب أهل البيت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإزالة المحرمات، ومن مذهب أهل البيت محبة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وأفضل السابقين الأولين: الخلفاء الراشدون، كما ثبت ذلك عن علي من رواية ابنه محمد بن الحنفية، وغيره من الصحابة، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر، والأدلة: الدالة على فضيلة الخلفاء الراشدين، أكثر من أن تحصر.
فإذا كان مذهب أهل البيت: ما أشرنا إليه، وأنتم تدعون أنكم متمسكون بما عليه
_________________
(١) رواه البخاري (١ )، والترمذي (١)، وصححه، والدارمي (٢)، وغيرهم من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -) .
[ ١٣٣ ]
أهل البيت، مع كونكم على خلاف ما هم عليه؛ بل أنتم مخالفون لأهل البيت، وأهل البيت براء مما أنتم عليه؟ فكيف يدعي اتَّباع أهل البيت: من يدعو الموتى؟! ويستغيث بهم في قضاء حاجاته، وتفريج كرباته؟! والشرك ظاهر في بلدهم، فيبنون القباب على الأموات، ويدعونهم مع الله، والشرك بالله هو أصل دينهم، مع ما يتبع ذلك من ترك الفرائض، وفعل المحرمات، التي نهى الله عنها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، وسب أفاضل الصحابة أبو بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة» (١) .
وقال أبناء الإمام محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر المعمَّر:
«وأما السؤال عما ورد في فضائل أهل بيت النبي ﷺ؟ فنقول: قد صح في فضائل أهل البيت أحاديث كثيرة؛ وأما كثير من الأحاديث، التي يرويها من صنف في فضائل أهل البيت، فأكثرها لا يصححه الحفاظ؛ وفيما صح في ذلك كفاية» (٢) .
[عقيدتهم في الصحابة]
عقيدتهم في الصحابة والإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه عقيدتهم في الصحابة لا تخرج عن عقيدة سائر أهل السنة والسلف الصالح جملة وتفصيلًا، والمتأمل لمزاعم أهل البدع خُصُوم السنة يجد أنهم مع كثرة شبهاتهم على الدعوة وأهلها، لم يكن لهم دعاوى حول عقيدتهم في الصحابة إلا نادرًا. ولذا أوجزت الحديث عن عقيدتهم في الصحابة. يقول الإمام محمد:
«وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة - ﵁ - وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] [سورة الحشر، آية: ١٠]
_________________
(١) الدرر السنية (١ - ٢٧٢) .
(٢) الدرر السنية (١ - ٢١٣) .
[ ١٣٤ ]
وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء» (١) .
وسئل أبناء الإمام، وحمد بن ناصر - ﵏ - عن مذهبهم في الصحابة - ﵃ -؟
فأجابوا: «مذهبنا في الصحابة، هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو: أن أفضلهم بعد رسول الله ﷺ، أبو بكر، وأفضلهم بعد أبي بكر: عمر؛ وأفضلهم بعد عمر: عثمان؛ وأفضلهم بعد عثمان: علي - ﵃ -. ومنزلتهم في الخلافة، كمنزلتهم في الفضل؛ وقد نازع بعض أهل السنة، في أفضلية عثمان على علي؛ فجزم قوم بتفضيل علي على عثمان؛ ولكن الذي عليه الأئمة الأربعة، وأتباعهم، هو: الأول» (٢) .
[عقيدتهم في الشفاعة عمومًا]
عقيدتهم في الشفاعة عمومًا وكذلك في الشفاعة عمومًا، فإنهم يثبتون من الشفاعات ما جاء به الشرع وثبت بالنص.
يقول الإمام محمد: «وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفَّع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال» (٣) .
وقال: «والشفاعة شفاعتان؛ شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة، فالشفاعة المنفية هي التي تطلب من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] [سورة البقرة، آية: ٢٥٤]، والمثبتة هي التي تطلب من الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله، بعد الإذن، والدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥]» (٤) .
_________________
(١) الدرر السنية (١ «) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) الرسائل الشخصية (٩) .
(٤) الدرر السنية (٢، ٢٥) .
[ ١٣٥ ]
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «ونؤمن بشفاعة النبي ﷺ، وأنه أول شافع، وأول مشفع، ولا ينكرها إلا مبتدع ضال، وأنها لا تقع إلا بعد الإذن والرضا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [سورة النجم، آية: ٢٦]، وهو سبحانه، لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، قال أبو هريرة - ﵁ - للنبي ﷺ «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه» (١) فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص، بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [سورة المدثر، آية: ٤٨]» (٢) .
[عقيدتهم في اليوم الآخر والجنة والنار والرؤية]
عقيدتهم في اليوم الآخر والجنة والنار والرؤية ويؤمنون باليوم الآخر وأحواله ومشاهده كما ثبت في النصوص.
قال الإمام: «وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلًا تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله» (٣) .
وقال الإمام: «وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان» (٤) .
_________________
(١) رواه البخاري (١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) الدرر السنية (١ - ٣١) .
(٤) الدرر السنية (١ «) .
[ ١٣٦ ]
[عقيدتهم في الرؤية]
عقيدتهم في الرؤية وقال: «وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته» (١) .
[عقيدتهم في القدر]
عقيدتهم في القدر وفي القدر هم على ما كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة.
قال الإمام «وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور» (٢) .
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «وأن الله تعالى قد علم الأشياء قبل وجودها إجمالًا وتفصيلًا وعلم ما يتعلق بها، وقدَّر في الأزل لكل شيء قدرا، فلا يزيد ولا ينقص، ولا يتقدم ولا يتأخر، وأنه لا يوجد شيء إلا بإرادة الله ومشيئته، والله بكل شيء عليم، وما قدر الله يكون، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن» (٣) .
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في القدر: «ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله، بل له كسب مرتب عليه الثواب فضلًا والعقاب عدلا، ولا يجب على الله لعبده شيء» (٤) .
[عقيدتهم في الأولياء وكراماتهم]
عقيدتهم في الأولياء وكراماتهم كثرت مزاعم أهل البدع والأهواء ومفترياتهم على أهل السنة ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه حول موقفهم في الأولياء وكراماتهم، وسائرها تدور على الزعم
_________________
(١) الدرر السنية (١ «) .
(٢) الدرر السنية (١.
(٣) الرد على الرافضة (٤٣) .
(٤) الدرر السنية (١ - ٢٢٧) .
[ ١٣٧ ]
بأنهم يبغضون الأولياء وينتقصونهم ويؤذونهم، وأنهم ينكرون كراماتهم، والحق أن الأمر على خلاف ذلك، فإن أقوالهم وأفعالهم تثبت أنهم يحبون أولياء الله ويؤمنون بكراماتهم.
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله» (١) .
وقال: «ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال» (٢) .
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:
«ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم؛ فقد جاء في الحديث:» دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه «الحديث، وأمر ﷺ عمر، وعليا بسؤال الاستغفار من " أويس " ففعلا» (٣) .
[عقيدتهم في أئمة المسلمين والسمع والطاعة]
عقيدتهم في أئمة المسلمين والسمع والطاعة يقول الإمام: «وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه» (٤) .
وقال: «وقد أمر رسول الله ﷺ بالسمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدًا حبشيًا» (٥) وقال مبينًا أن عدم السمع والطاعة لولاة الأمور من خصال الجاهلية: «وقد أمر
_________________
(١) الدرر السنية (١ «) .
(٢) كشف الشبهات ضمن مؤلفات الشيخ الإمام (العقيدة والآداب) (١٦٩) .
(٣) الدرر السنية (١)، وتقدم تخريج الأحاديث والآثار الواردة هنا.
(٤) الدرر السنية (١) .
(٥) ستة أصول عظيمة (٣٩٤)، وتقدم تخريج الحديث في ذلك.
[ ١٣٨ ]
رسول الله ﷺ بالصبر على جور الولاة وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك، وأبدى فيه وأعاد» (١) .
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «ونرى وجوب السمع والطاعة، لأئمة المسلمين، برهم، وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية، ونرى هجر أهل البدع، ومباينتهم، ونرى أن كل محدثة في الدين، بدعة» (٢) .
وكذلك عقيدتهم في الجهاد مع أئمة المسلمين، فإنهم يلتزمون في ذلك وصية النبي ﷺ، وما عليه السلف الصالح، من مشروعية الجهاد مع ولاة المسلمين أبرارًا كانوا أو فجارا.
قال الإمام: «وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة» (٣) .
أما ما يثار على الدعوة من دعوى الخروج على الدولة التركية فقد ناقشته في مبحث مستقل (٤) .
[موقفهم من عموم المسلمين]
موقفهم من عموم المسلمين يعتقدون أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ فهو المسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، أما من لا يقر بالشهادتين، أو أتى بما ينافيهما فليس بمسلم. فلا يكفرون المسلم ولا يخرجونه من دائرة الإسلام إلا إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام كالشرك، والاستهزاء بالله أو برسوله ﷺ أو بالدين، أو نحو ذلك مما قام الدليل على أنه من نواقض الإسلام وموجبات الردة، ويترحمون على أموات المسلمين، ولا يشهدون لأحد منهم بالجنة أو النار إلا من جاء به النص الصحيح.
ويؤدون واجب النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم.
_________________
(١) مسائل الجاهلية (١٢، ١٣) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) الدرر السنية (١ «) .
(٤) انظر: المبحث السادس من الفصل الثالث التالي.
[ ١٣٩ ]
قال الشيخ الإمام: «وإني لا أعتقد كفر من كان عند الله مسلما، ولا إسلام من كان عند الله كافرًا» (١) .
قال الإمام: «ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة أو نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء» (٢) .
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «ونحن نقول فيمن مات - يعني من المسلمين - تلك أمة قد خلت» (٣) .
[عقيدتهم في مرتكبي الكبيرة]
قولهم في مرتكب الكبيرة وهم في مسألة مرتكب الكبيرة يلتزمون الدليل (القرآن وما صح من السنة) ومنهج السلف الصالح.
ويعتقدون أن التكفير من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة فلا يرون تكفير مسلم بقول أو فعل، ما لم يدل دليل شرعي على ذلك، ولا يلزم عندهم من إطلاق حكم الكفر على قول أو فعل ثبوت موجبه في حق المعين، إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع. والتكفير من أخطر الأحكام فيوجبون التثبت والحذر من تكفير المسلم.
إذ يرون أن الكفر الوارد ذكره في الألفاظ الشرعية قسمان: أكبر مخرج من الملة، وأصغر غير مخرج من الملة، ويسمى أحيانًا بالكفر العملي، أو كفر دون كفر.
وعليه فإنهم يعتقدون أن مرتكب الكبير التي دون الكفر والشرك لا يخرج من الإيمان، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخرة تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة وإن عذّب منهم بالنار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط.
وما اتهموا به من التكفير ونحوه فهو من البهتان والجهل من خصومهم بحقيقة منهجهم.
وقد أفردت لهذه الفرية بحثًا مستقلًا فليراجع (٤) .
_________________
(١) الرد على الرافضة (٢٠) .
(٢) الدرر السنية (١ «) .
(٣) الدرر السنية (١») .
(٤) انظر: المبحث الخامس من الفصل الثالث التالي.
[ ١٤٠ ]
يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف حسن: «ونؤمن بآيات الوعيد، والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ، ولا نقول بتخليد أحد من المسلمين من أهل الكبائر في النار، كما تقول الخوارج والمعتزلة لما ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة في أنه يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإخراجهم من النار، بشفاعة نبينا محمد ﷺ فيمن يشفع له من أهل الكبائر من أمته، وشفاعة غيره من الملائكة والأنبياء، ولا نقف في الأحكام المطلقة، بل نعلم أن الله يدخل النار من يدخلها من أهل الكبائر، وآخرون لا يدخلونها لأسباب تمنع من دخولها، كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحوها» (١) .
[عقيدتهم في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
عقيدتهم في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرون الجهاد من فرائض الدين، وأنه قائم وماض إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك النبي ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (٢) كما يرون الجهاد مع ولاة الأمر أبرارًا كانوا أو فجارًا كما سبق بيانه.
قال الإمام: «والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» (٣) .
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «ونرى الجهاد مع كل إمام برًا كان أو فاجرًا، منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال» (٤) .
وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الدين وواجباته عندهم كما جاءت به النصوص.
قال الإمام: «وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٥٧٣) .
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الدرر السنية (١ «- ٣٣) .
(٤) الدرر السنية (١» - ٣٣) .
[ ١٤١ ]
الشريعة المحمدية الطاهرة» (١) .
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف: «ونرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على كل قادر بحسب قدرته واستطاعته بيده، فإن تعذر فبلسانه، فإن تعذر فبقلبه، كما في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٢) (٣) .
[قولهم في الاجتهاد والتقليد]
قولهم في الاجتهاد والتقليد ومنهجهم في مسألة الاجتهاد والتقليد لا تخرج عما كان عليه علماء السلف كالأئمة الأربعة وغيرهم، فيرون الاجتهاد سائغ بشروطه، والتقليد لمن لم يقدر على الاجتهاد، وأن الحق مع الدليل ولا معصوم إلا الرسول ﷺ.
يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير الرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم، ولا نقرهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة.
ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب، أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به وتركنا المذهب، كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالف مذهب الحنابلة (٤) .
ولا نفتش على أحد في مذهبه، ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي، مخالفًا لمذهب أحد الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمام الصلاة، فنأمر
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) رواه مسلم (٧٨)، والترمذي (٢١٧٢)، والنسائي (٤٧) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٣) الدرر السنية (١) .
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ١٤٢ ]
الحنفي، والمالكية مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين، فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرًا جدا ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة، إلى اختيارات لهم في بعض المسائل، مخالفين للمذهب، الملتزمين تقليد صاحبه» (١) .
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب في ذلك: «وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد، فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد، من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى» (٢) .
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، في الفروع، والأحكام، ولا ندعي الاجتهاد، وإذا بانت لنا سنة صحيحة، عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد، كائنًا من كان، بل نتلقاها بالقبول والتسليم؛ لأن سنة رسول الله ﷺ في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عليها قول أحد، فهذا الذي نعتقده وندين الله به، فمن نسب عنا خلاف ذلك، أو تقول علينا ما لم نقل، فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين» (٣) .
[موقفهم من البدع وأهلها]
موقفهم من البدع وأهلها ويرون أن «كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٤) كما ثبت عن النبي ﷺ، وأنه يجب رد البدعة والإنكار على أهلها، وهجر من يصر عليها.
_________________
(١) الدرر السنية (١ - ٢٢٨) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) الدرر السنية (١) .
(٤) ثبت ذلك في الحديث وقد تقدم تخريجه.
[ ١٤٣ ]
قال الإمام: «وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة» (١) .
وقال في رسالته إلى علماء الإسلام: «وجب اتباع سنة رسول الله ﷺ وترك البدع وإن اشتهرت بين أكثر العوام وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم في تحقيق هذه المسائل» (٢) .
وقد كان من أهم بواعث قيام الدعوة محاربة البدع بكل أنواعها وأشكالها وتخليص قلوب المسلمين وعباداتهم وأعمالهم من أوضار البدع التي حرفتهم عن حقيقة الدين وفرقتهم إلى فرق وطرق ومذاهب ومناهج متعادية وأوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وكثير منهم في الشركيات والكبائر حتى سارت مظاهر البدعة والشركيات في كثير من بلاد المسلمين.
وبعد: فهذه عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وهذا منهجهم في الدين، الذي هو بحذافيره منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ومن سلك سبيلهم ولم يبتدع ولم يبدل.
وبهذا تسقط مزاعم المفترين حين يعيرونهم بالوهابية، وحين يزعمون أنهم مذهب خامس، أو خوارج، أو نحو ذلك من البهتان.
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) الرسائل الشخصية (١٨٠) .
[ ١٤٤ ]