[المبحث الأول كلمة حول آثار الدعوة الإصلاحية وثمارها إجمالا]
الفصل الخامس
في آثار الدعوة ما يرد على الخصوم
المبحث الأول
كلمة حول آثار الدعوة الإصلاحية وثمارها إجمالا حين قامت هذه الدعوة المباركة على أسس الدين الحق، وقواعد الملة الحنيفية، واعتمدت على الوحي المعصوم (كتاب الله وسنة رسوله ﷺ)، وسلكت سبيل المؤمنين - السلف الصالح أهل السنة والجماعة -، فأعلنت راية التوحيد، ورسخته في القلوب، وأزالت مظاهر الشرك والبدعة، وحكمت بشرع الله تعالى، شاع بذلك الأمن والعدل والألفة، وانتشر العلم، واختفت مظاهر الظلم والشتات والجهل والبدعة والخرافة.
نعم لقد آتت هذه الدعوة المباركة أكلها طيبة يانعة، وتحقق فيها وعد الله تعالى حين ارتكزت على الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ - تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] [سورة إبراهيم، آية: ٢٤، ٢٥] .
وتحقق لأهلها ما وعد الله تعالى به عباده المتقين كما قال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] [سورة الحج، آية: ٤٠، ٤١] .
وإن عناية هذه الدعوة وأتباعها ودولتها بإعلاء كلمة التوحيد، ونفي الشركيات والبدع، وبإقامة الصلاة، وصوم رمضان، وإيتاء الزكاة، وحج البيت الحرام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هي أعظم سماتها التي تتسم بها إلى اليوم، وهي أعظم ما ينقمه عليها الخصوم وأهل الأهواء والشهوات ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] [سورة البروج، آية: ٨] .
لقد كانت لهذه الدعوة المباركة آثار عظيمة وكبيرة غيرت معالم التاريخ، وعدلت مسار الحياة في الأمة الإسلامية كلها في جميع نواحي الحياة الدينية والعلمية والسياسية والاجتماعية وغيرها.
ولم يقتصر أثرها الطيب على جزيرة العرب (ونجد بخاصة) التي ارتفعت في
[ ٣٦١ ]
ربوعها راية التوحيد خفاقة، وعلت فيها معالم السنة، وزالت آثار البدعة والفرقة والجهل، وساد فيها الأمن والوفاق، بل تجاوز أثرها إلى بقية أقاليم الجزيرة العربية وإلى سائر أقطار المسلمين، فقام علماء ومصلحون، وقامت دعوات وحركات تسير على نهج هذه الدعوة السلفية النقية الصافية في الحجاز وعسير واليمن والشام والعراق ومصر والمغرب والسودان، وكثير من البلاد الأفريقية، وفي باكستان وأفغانستان والهند والبنغال وجاوة وسومطرة، وسائر الجزر الإندونيسية وغيرها.
وكان من أبرز ثمار هذه الدعوة قيام دولة إسلامية قوية مهيبة احتلت موقعا مرموقا بين دول العالم كله والعالم الإسلامي بخاصة، هي (دولة آل سعود) منذ أن ناصر مؤسسها إمام الدعوة وآزره على إعلاء كلمة الله، فقد كتب الله لها التمكين، وأعلنت التوحيد، وحكمت بشرع الله تعالى، ومع ما تعرضت له هذه الدعوة والدولة من تحديات كبيرة وخصوم أشداء إلا أنها كانت تنتصر في النهاية.
لقد تعرضت الدعوة والدولة (السعودية) في مراحلها الأولى لضربات موجعة، لكنها كانت - حين قامت على التوحيد والدين والعدل والسنة - لا تلبث أن تنهض قوية فتية لأنها كانت تسكن القلوب، وقد ذاق الناس في حكمها طعم الإيمان والأمن والعلم والاجتماع.
ولا يزال الأنموذج الحي للدعوة ودولتها قائما - بحمد الله - تحتله هذه البلاد المباركة (المملكة العربية السعودية) التي أرسى قواعدها الملك عبد العزيز طيب الله ثراه على الأسس المتينة التوحيد والشرع والعلم، وبناء دولة حديثة تجمع بين الأصالة في تحكيم شرع الله وحمايته والدعوة إليه وتعظيم شعائره وخدمة مشاعره، وبين المعاصرة بالأخذ بأسباب القوة والنهضة والرقي من غير إخلال بالدين والفضيلة.
ونسأل الله لهذه الدعوة وهذه الدولة المزيد من التمكين والنصر والتوفيق، وأن يجمع بها كلمة المسلمين على الحق والسنة.
وهذه الآثار الطيبة والثمار البالغة الممتدة طيلة قرنين ونصف هي الرد العملي والعلمي، الشرعي والمنطقي والواقعي على مفتريات الخصوم، ففي الحال ما يغني عن المقال، لكن حين عميت أبصار أهل الأهواء وبصائرهم عن إدراك الحقيقة والاعتراف بها، وحين حجبت الحقائق عن الجاهلين، كان لا بد من تجلية الحقيقة، والله المستعان.
[ ٣٦٢ ]
[المبحث الثاني أبرز الآثار المباركة والثمار الطيبة للدعوة تفصيلا]
[تحقيق العبودية لله تعالى وحده]
المبحث الثاني
أبرز الآثار المباركة والثمار الطيبة للدعوة تفصيلا أشرت في أول هذا الكتاب إلى شيء من ذلك في بواعث قيام الدعوة وأهدافها الكبرى، فإن البواعث والغايات والأهداف إذا تحققت صارت ثمارا وآثارا، ومن ذلك:
١ - تحقيق العبودية لله تعالى وحده:
تحرير العبادة لله تعالى وحده، وتحصيل الغاية العظمى من خلق الخلق، ومن بعث الرسل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية: ٣٦] .
فقد نجحت هذه الدعوة المباركة في تحقيق هذه الغاية العظيمة والمطلب السامي في كل من تأثر بها، وفي كل بلاد وصلت إليها، من توجيه قلوب العباد وأعمالهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، وتعظيم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وأن لا يعبد الله تعالى إلا بما شرعه الله، وبما سنه رسوله ﷺ.
[نشر السنن ومحاربة البدع]
٢ - نشر السنن ومحاربة البدع: لقد استطاعت هذه الدعوة المباركة أن تعلي السنن وتنشرها اعتقادا وقولا وعملا، وأن تحارب البدع والشركيات وتحذر منها ومن وسائلها، كما تمكنت من إزالة مظاهر البدع والشركيات في كل بلد وصلت إليه دولتها، من المشاهد والمزارات والقباب وبدع المقابرية والصوفية والتشيع والبدع الكلامية والفلسفية، وسلمت من أوضار الشعارات القومية والفكرية والسياسية ونحوها.
[التزام نهج السلف الصالح وإظهاره]
٣ - التزام نهج السلف الصالح وإظهاره: لقد نجحت هذه الدعوة في التزام سنة النبي ﷺ ونهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان كالأئمة الأربعة وأهل الحديث وسائر علماء الأمة المهتدين، والاقتداء بسيرتهم، والاهتداء بهديهم، واقتفاء آثارهم، دون غلو ولا تفريط.
[تحرير مصادر الدين]
٤ - تحرير مصادر الدين: وذلك بالعودة إلى مصادر الدين الحق، والمعين الصافي (القرآن والسنة)، ونهج السلف الصالح، وتنقية مصادر التلقي مما أحدثه أهل البدع والأهواء والافتراق من المحدثات،
[ ٣٦٣ ]
والاعتماد على أوهام العقول، وآراء الرجال، والأحلام، والكشوف، والأذواق، والأحاديث الموضوعة، والحكايات، ودعاوى العصمة لغير الرسول ﷺ، والتقليد الأعمى، ونحو ذلك مما جعله أهل البدع وسائل وذرائع ومصادر لمبتدعاتهم.
فقد أعادت هذه الدعوة المباركة الأمة إلى الاعتماد على الوحي المعصوم، بعيدا عن الفلسفات والكلاميات والخرافات والتخرصات والأهواء.
[تحرير منهج الاستدلال]
٥ - تحرير منهج الاستدلال: كما أعادت هذه الدعوة إلى الأمة المنهج السليم في الاستدلال، منهج السلف الصالح المتمثل بالاستدلال بالقرآن والسنة الثابتة، ورد النصوص بعضها إلى بعض، واعتماد فهم الصحابة وأئمة السلف وآثارهم علما وعملا، واعتماد قواعد الاستدلال المعتبرة عند العلماء الراسخين، ومجانبة مناهج أهل الأهواء والافتراق والبدع التي تقوم على الاستدلال حسب الأهواء والأوهام والظنون، والتخرصات والفلسفات وتحريف النصوص، والكذب والوضع، والتقليد الأعمى، والتأويلات الفلسفية والباطنية، ونحو ذلك.
[نشر العلم ومحاربة الجهل]
٦ - نشر العلم ومحاربة الجهل: قامت أسس الدعوة على تعليم كتاب الله تعالى، وسنة الرسول ﷺ، وآثار السلف الصالح، وتعليم جميع المسلمين (رجالا ونساء) ضروريات الدين، وتشجيع طلاب العلم على التعمق في العلوم الشرعية والفقه في الدين، في التفسير والحديث والعقيدة، والفقه وأصوله، والعربية وعلومها، والفرائض، وغيرها من العلوم النافعة.
[الإسهام في النهضة العلمية الحديثة]
٧ - الإسهام في النهضة العلمية الحديثة: لقد حركت هذه الدعوة المباركة الساكن، وأسهمت في تنشيط العلوم النافعة، وتحريك النهضة العلمية، والمؤلفات والرسائل والردود والمناظرات، والشعر والخطابة، وسائر العلوم والفنون المشروعة.
[إظهار شعائر الدين والفضائل وحمايتها]
٨ - إظهار شعائر الدين والفضائل وحمايتها: أظهرت الدعوة الاعتزاز بالدين، وإعلان شعائره من البراءة من الشرك والبدع، وإظهار التوحيد والسنن، وفي إقامة الصلاة وسائر أركان الإسلام على السنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإعلان الفضائل، وكبت الرذائل والفواحش، والقيام بواجب الدعوة والجهاد، والعدل والإحسان، وإقامة الحدود.
[ ٣٦٤ ]
[إقامة دولة مسلمة ومجتمع مسلم]
٩ - إقامة دولة مسلمة ومجتمع مسلم: تحقق على يد هذه الدعوة ما كان يراه كثير من الناس من الأحلام والمثاليات التي لا يمكن تحقيقها بعد القرون الفاضلة، وهو إقامة دولة مسلمة، ومجتمع مسلم يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وقد تحقق هذا الحلم، فقد قامت دولة إسلامية ومجتمع مسلم على التوحيد والسنة، يطبق شرع الله ويقيم حدوده في سائر نواحي الحياة الفردية والجماعية، يسوده الدين والفضيلة والأمن والعدل، وذلك في كل المراحل التي كان للدعوة فيها كيان ودولة منذ عهد الإمامين المؤسسين (محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود) إلى يومنا هذا.
[تحقيق الجماعة الشرعية والطاعة]
١٠ - تحقيق الجماعة الشرعية والطاعة: أقامت الدعوة ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ من الجماعة والطاعة، وهو إقامة أمة مسلمة تجتمع على السنة، ويجتمع أفرادها ومجموعاتها على أهل الحل والعقد من العلماء والأمراء، ومن لهم حق الطاعة والرأي والمشورة منهم، وعلى الولاة الذين ولاهم الله أمرهم، وبيعتهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والسمع والطاعة لهم بالمعروف في غير معصية الله، وتحريم الخروج على الوالي وعدم منازعته ما لم يروا كفرا بواحا عندهم عليه من الله برهان، وبهذا المنهج الشرعي السلفي الأصيل تحقق جمع الشمل وتوحيد الكلمة، والتناصح بين الراعي والرعية.
[تثبيت الأمن]
١١ - تثبيت الأمن: لقد شهد الواقع (بحمد الله) أنه كلما تمكنت الدعوة في بلاد وصار لها سلطان عليها نشرت الأمن والاستقرار، والأمن شرط لحفظ الضرورات الخمس التي جاء الدين برعايتها وهي: الدين، والعقل، والنفس، والنسل، والمال، وأكبر عوامل الأمن في بلاد الدعوة (المملكة العربية السعودية) غرس التدين في قلوب الناس على نهج سليم، وتطبيق الشريعة، لا سيما الحدود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة العدل بالقضاء الشرعي، ونحو ذلك مما هو من ركائز هذه الدعوة المباركة.
[تحرير العقول والقلوب والنفوس]
١٢ - تحرير العقول والقلوب والنفوس: إن الدعوة نشرت الدين والسنة، والدين والسنة يحرران العقول من الأوهام
[ ٣٦٥ ]
والظنون والتيه والخرافة والضلالة، ويحرران القلوب من العبودية لغير الله، ومن التعلق بغير الله، ويحرران النفوس من الشقاء والقلق والتعاسة.
[تحكيم شرع الله حتى كان الدين كله لله]
١٣ - تحكيم شرع الله حتى كان الدين كله لله: كلما تمكنت الدعوة من بلد عملت فيه بشرع الله تعالى في سائر أمور الحياة، وعملت على هيمنة الدين الحق على جميع أحوال الناس، وجميع مناحي الحياة دون التفريق المبتدع بين الدين والدولة، أو بين الدين والسياسة، أو بين الدين والحياة الدنيا.
[إقامة الحجة على الناس]
١٤ - إقامة الحجة على الناس: بالأنموذج الذي عرضته هذه الدعوة من خلال علمائها وأتباعها ودولتها، ومن خلال مؤلفاتها ومحاورتها ورسائلها وإعلامها، ومن خلال تجربتها الحية في الدين والمجتمع والدولة وبسائر أحوالها، بهذا الأنموذج قامت الحجة على الخلق كلهم، على المسلمين المجانبين للسنة والمعرضين عن شرع الله، وعلى غير المسلمين، فقد تحقق فيهم وعد الله وخبر رسوله ﷺ: " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين. . .» " الحديث (١) وإعلان شعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.
[إلغاء مظاهر الجاهلية وأعمالها]
١٥ - إلغاء مظاهر الجاهلية وأعمالها: حين تمكنت الدعوة في أغلب جزيرة العرب، وصار لها كيان في مراحل الدولة السعودية، والتي استقرت فيما يسمى الآن (المملكة العربية السعودية)، ألغت ومحت بالسنة والشريعة السمحة كل مظاهر الجاهلية التي سادت بعد القرون الفاضلة، من العصبية القبلية، والأعراف والتقاليد العشائرية، والحروب والمنازعات، والفرقة والشتات، والظلم والعدوان وقطع الطريق، والإعراض عن الدين والعلم.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٤٠) (٣٦٤١)، ومسلم (١٩٢٠) .
[ ٣٦٦ ]
[المبحث الثالث استعراض بعض النقول والشهادات عن آثار الدعوة]
المبحث الثالث
استعراض بعض النقول والشهادات عن آثار الدعوة حين أردت عرض نتائج الدعوة وآثارها وثمارها الطيبة على جميع المستويات وجدت أن أغلب فصول هذا الكتاب ومباحثه تؤكد على هذه الحقيقة، أعني أنه من خلال بيان غايات الدعوة ومنهجها، وعرض أقوال إمامها وعلمائها ومواقفهم، وعرض شهادات النخبة من العلماء والمفكرين من المسلمين وغير المسلمين، وتزكيتهم لهذه الدعوة، من خلال ذلك وغيره مما ورد في ثنايا الكتاب تتجلى الثمار الطيبة والآثار المباركة للدعوة، لذا اقتصرت في هذا الفصل على ذكر آثار الدعوة مجملة، وذكر نماذج من وصف هذه الآثار من أئمة الدعوة ومن غيرهم.
وأول ذلك وصف أحد علماء الدعوة وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن مذكرا أتباع هذه الدعوة، وما أنعم الله عليهم به في الدين والدنيا:
" وقد من الله عليكم - رحمكم الله - في هذا الزمان الذي غلبت فيه الجهالات، وفشت بين أهله الضلالات، من يجدد لكم أمر هذا الدين، ويدعو إلى ما جاء به الرسول الأمين، من الهدى الواضح المستبين، وهو شيخ الإسلام والمسلمين، ومجدد ما اندرس من معالم الملة والدين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فبصر الله به من العماية، وهدى بما دعا إليه من الضلالة، وأغنى بما فتح عليكم وعليه من العالة، وحصل من العلم ما يستبعد على أمثالكم في العادة حتى ظهرت المحجة البيضاء، التي كان عليها صدر هذه الأمة وأئمتها في باب توحيد الله، بإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، والإيمان بقدره وحكمه في أفعاله، فإنه قرر ذلك.
وتصدى - ﵀ - للرد على من نكب عن هذا السبيل على اختلاف نحلهم وبدعهم، متبعا - ﵀ - ما مضى عليه السلف الصالح من أهل الإيمان، وما درج عليه القرون المفضلة بنص الحديث، ولم يلتفت - ﵀ - إلى ما عدا ذلك، فوضح معتقد السلف الصالح بعدما سفت عليه السوافي، وذرت عليه الذواري، وندر من يعرفه من أهل القرى والبوادي، إلا ما كان مع العامة من أصل الفطرة، فإنه قد يبقى ولو في زمن الغربة والفترة، وتصدى أيضا للدعوة
[ ٣٦٧ ]
إلى ما يقتضيه هذا التوحيد ويستلزمه، وهو وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة، والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله.
وقد عمت في زمنه البلوى بعبادة الأولياء والصالحين وغيرهم، وفي كل مصر من الأمصار، وبلد من البلدان، وجهة من الجهات، من الآلهة والأنداد لرب العالمين ما لا يحصيه إلا الله على اختلاف معبوداتهم، وتباين اعتقاداتهم، فمنهم من يعبد الكواكب، ويخاطبها بالحوائج، ويبخر لها التبخيرات، ويرى أنها تفيض عليه، أو على العالم، وتقضي لهم الحاجات، وتدفع عنهم البليات.
ومنهم من لا يرى ذلك، ويكفر أهله، ويتبرأ منهم، لكنه قد وقع في عبادة الأنبياء والصالحين، فاعتقد أنه يستغاث بهم في الشدائد والملمات، وأنهم هم الواسطة في إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فتراه يصرف وجهه إليهم، ويسوي بينهم وبين الله في الحب والتعظيم والتوكل والاعتماد والدعاء والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادات، وهذا هو دين جاهلية العرب الأميين، كما أن الأول هو دين الصابئة الكنعانيين، وقد بعث الله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ".
وقد بلغ الشيطان مراده من أكثر الخلق، وصدق عليهم إبليس ظنه، فاتبعه الأكثرون، وتركوا ما جاءت به الرسل من دين الله الذي ارتضاه لنفسه.
" فأتاح الله بمنه في هذه البلاد النجدية والجهات العربية من أحبار الإسلام وعلمائه الأعلام من يكشف الشبهة، وينصح الأمة، ويدعو إلى محض الحق وصريح الدين، فنافح عن دين الله ودعا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، وصنف الكتب والرسائل، وانتصب للرد على كل مبطل، واجتمع له من عصابة الإسلام والإيمان طائفة يأخذون عنه، وينتفعون بعلمه، وينصرون الله ورسوله، حتى ظهر واستنار ما دعا إليه، وعلت كلمة الله، حتى أعشى إشراقها وضوؤها كل مبطل ومماحل، وذل لها كل منافق مجادل.
وحقق الله وعده لأوليائه وجنده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [سورة غافر، آية: ٥١]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] الآية [سورة النور، آية: ٥٥]، فزال بحمد الله ما كان بنجد وما يليها
[ ٣٦٨ ]
من القباب والمشاهد والمزارات والمغارات وقطع الأشجار التي يتبرك بها العامة، وبعث السعاة لمحو آثار البدع الجاهلية من الأوتار والتعاليق والشركيات.
وألزم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت، وسائر الواجبات، وحث من لديه من القضاة والمفتين على تجريد المتابعة لما صح وثبت عن سيد المرسلين، مع الاقتداء في ذلك بأئمة الدين والسلف الصالح المهديين، وينهاهم عن ابتداع قول لم يسبقهم إليه إمام يقتدى به، أو علم يهتدى به.
وأنكر ما كان عليه الناس في تلك البلاد وغيرها من تعظيم الموالد والأعياد الجاهلية التي لم ينزل في تعظيمها سلطان، ولم يرد به حجة شرعية ولا برهان؛ لأن ذلك فيه من مشابهة النصارى الضالين في أعيادهم الزمانية والمكانية، ما هو باطل مردود في شرع سيد المرسلين.
وكذلك أنكر ما أحدثه جهلة المتصوفة وضلال المبتدعة من التدين والتعبد، والمكاء والتصدية والأغاني التي صدهم بها الشيطان عن سماع آيات القرآن، وصاروا بها من أشباه عباد الأوثان الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] [سورة الأنفال، آية: ٣٥]، وكل من عرف ما جاء به الرسول ﷺ تبين له أن هؤلاء من أضل الفرق، وأخبثهم نحلة وطريقة، والغالب على كثير منهم النفاق وكراهة سماع كلام الله ورسوله.
وأنكر - ﵀ - ما أحدثته العوام والطغام من اعتقاد البركة والصلاح في أناس من الفجار والطواغيت، الذين يترشحون لتأله العباد بهم، وصرف قلوبهم إليهم باسم الولاية والصلاح، وأن لهم كرامات ومقامات ونحو هذا من الجهالات، فإن هؤلاء من أضر الناس على أديان العامة، وأنكر - ﵀ - ما يعتقده العامة في البله والمجاذيب وأشباههم، الذين أحسن أحوال أحدهم أن يرفع عنه القلم، ويلحق بالمجانين.
وأرشد - ﵀ - إلى ما دل عليه الكتاب وسنة رسول الله ﷺ من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وساق الأدلة الشرعية التي يتميز بها كل فريق، ويعتمدها أهل الإيمان والتحقيق، فإن الله جل ذكره وصف الأبرار ونعتهم بما يمتازون به، ويعرفون بحيث لا يخفى حالهم، ولا يلتبس أمرهم، وكذلك وصف تعالى أولياء الشيطان
[ ٣٦٩ ]
من الكفار والفجار، ونعتهم بما لا يخفى معه حالهم، ولا يلتبس أمرهم على من له أدنى نظر في العلم، وحظ من الإيمان.
وكذلك قام بالنكير على أجلاف البوادي وأمراء القرى والنواحي فيما يتجاسرون عليه ويفعلونه من قطع السبيل، وسفك الدماء، ونهب الأموال المعصومة، حتى ظهر العدل واستقر، وفشا الدين واستمر، والتزمه كل من كانت عليه الولاية من البلاد النجدية وغيرها، والحمد لله على ذلك، والتذكير بهذا يدخل فيما امتن الله به على المؤمنين، وذكرهم به من بعث الأنبياء والرسل.
وكل خير حصل في الأرض من ذلك فأصله مأخوذ من الرسل والأنبياء؛ إذ هم الأئمة الدعاة الأمناء وأهل العلم، عليهم البلاغ ونقل ذلك إلى الأمة، فإنهم واسطة في إبلاغ العلم ونقله.
ولذلك صار لشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - ولطائفة من أنصاره من الملك والظهور والنصر بحسب نصيبهم وحظهم من متابعة نبيهم ﷺ، والتمسك بدينه، فقهروا جمهور العرب من الشام إلى عمان، ومن الحيرة إلى اليمن، وكلما كان أتباعهم وأنصارهم أقوى تمسكا كانوا أعز وأظهر، وربما نال منهم العدو وحصل عليهم من المصائب ما تقتضيه الذنوب والمخالفة، والخروج عن متابعة نبيهم، وما يعفو الله عنه من ذلك أكثر وأعظم.
والمقصود أن كل خير ونصر وعز وسرور حصل فهو بسبب متابعة الرسول ﷺ، وتقديم أمره في الفروع والأصول، وقد من الله عليكم في هذه الأوقات بما لم يعطه سواكم في غالب البلاد والجهات من النعم الدينية والدنيوية والأمن في الأوطان، فاذكروا الله يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم، و﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] [سورة التحريم، آية: ٦] بمعرفة الله، ومحبته وطاعته، وتعظيمه وتعليم أصول الدين، والمحافظة على توحيد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وترك الفواحش الباطنة والظاهرة، وسد الوسائل التي توقع في المحذور، وتفضي إلى ارتكاب الآثام والشرور " (١) .
_________________
(١) الدرر السنية (١/ ٤٦٦ - ٥٤٤) باختصار.
[ ٣٧٠ ]
ويقول الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي تحت عنوان:
" أثر الدعوة في البلاد النجدية ":
" ١ - قضت هذه الدعوة المباركة قضاء تاما على ما كان شائعا في " نجد " من الخرافات، وما كان شائعا من تعظيم القبور والنذر لها، والاعتقاد في بعض الأشجار، وأحيت معالم الشريعة بعد اندثارها.
٢ - إن أهل نجد قد رجعوا إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك والوثنية، كما رجعوا إلى الكتاب والسنة المطهرة، وحكموها في جليل الأمور وحقيرها.
٣ - كانوا متفرقين، لا تجمعهم رابطة، ولا يجمعهم حكم شرعي، ولا قانوني، بل كانوا مختلفين ومتفرقين في المشارب والنزعات، فوحدت هذه الدعوة كلمتهم، وجمعت شملهم، وجعلتهم تحت راية واحدة، وأخضعتهم لسلطان واحد، يسوسهم بكتاب الله المجيد وسنة رسوله.
٤ - كانوا في نهاية من الجهل والغباوة إلى حد أن اعتقدوا في الأشجار والغيران، فنشرت الدعوة فيهم علوم الشريعة المطهرة وآلاتها من التفسير والحديث والتوحيد، والفقه والسير والتواريخ، والنحو، وما إلى ذلك من العلوم.
وأصبحت الدرعية كعبة العلوم والمعارف، يفد إليها طلاب العلوم من سائر النواحي من أرجاء نجد واليمن والحجاز والخليج العربي، وانتشر العلم في جميع الطبقات حتى قال المؤرخون: أصبح الراعي يرعى المواشي في الفيافي ولوح التعليم في عنقه، حتى من قوة انتشار العلم وسريانه ظهر العلماء الراسخون، وألفوا الكتب القيمة في مختلف العلوم، بعد ذلك الجهل العظيم الذي خيم على أرجاء نجد، وتركها تتخبط في دياجير الظلمات والأوهام.
٥ - انتشر الأمن في جميع أرجاء نجد حتى إن الماشي والراكب يمشي المسافات الطويلة، ذات الليالي والأيام، لا يخاف إلا الله، ولو كان عنده من الأموال ما تنوء بحملها عصبة من الرجال.
٦ - لم تكن نجد معروفة لدى الأمم، وكانت حقيرة، وليس لها حساب، ولا ميزان، ولا قيمة، ولم يكن لها ملك، ولا حاكم معروف، ما عدا بعض الأمراء الصغار الذين كانوا يحكمون قرية أو قريتين، فأصبحت نجد ببركة هذه الدعوة مملكة موحدة طار صيتها في الآفاق، ووضعت في صف الأمم.
[ ٣٧١ ]
وكانت الدولة إذ ذاك الدولة العثمانية حسبت لها ألف حساب وحساب، وخافت على سلطتها وسيطرتها من هذه الدولة السعودية المباركة، حتى جرت الجيوش الجرارة لمحاربتها وإماتتها.
٧ - إنه بقي من آثارها هذه الدولة السعودية الحاضرة الممتد سلطانها من الخليج العربي شرقا إلى البحر الأحمر غربا، دولة الكتاب والسنة والتوحيد النقي، دولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دولة نشرت العدل والأمن والسلام، دولة عززت من مركز العلم، وقامت بنشره بين جميع أفراد الرعية، وكل من يفد إليها، فأسست المعاهد العلمية والكليات والمدارس، وأنفقت الأموال الطائلة للمدرسين والدارسين، سواء كانوا من الوطنيين أو من غيرهم.
دولة تمثل الصدر الأول والسلف الصالح في أحكامها، وهيمنتها على الأخلاق، وتحكيمها للكتاب والسنة، دولة تسهر على مصالح الرعية، وتعمل لرفاهية الشعب ومحاربة الفقر، ورفع مستوى المعيشة، كما تسهر على راحة الحجاج، وبذل جميع الوسائل لرفاهية الحجاج، وتذليل جميع العقبات أمامهم، وترغيبهم في العودة المرة بعد المرة إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.
وبالجملة فهي أحسن الدول العربية في تحكيم الشرع، ونشر الأمن والعدل والعلم، ومحاربة أهل البدع والضلال، والأخذ على أيدي السفهاء والعابثين بالأخلاق، والمنتهكين الحرمات، أيدها الله، ووفقها للخير والنفع العام " (١) .
ثم تحدث عن: " انتشارها في الخارج " قائلا:
" انتشرت دعوة الشيخ في خارج نجد من أجل استيلاء الدولة السعودية على مكة المكرمة سنة ١٢١٨ هـ، وأصبح حجاج البلاد الإسلامية يفدون إلى مكة المكرمة، ويشاهدون علماء هذه الدعوة الحقة، ويستمعون خطبهم ومواعظهم، وإرشاداتهم السديدة، وتوجيهاتهم
_________________
(١) الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأحمد بن حجر أبو طامى (٧٤ - ٧٧) ط (٢) .
[ ٣٧٢ ]
القيمة، كما شاهدوا سيرة الدولة السعودية إذ ذاك، وما هي عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر الأمن والعدل والإنصاف.
فتأثر بعض الحجاج بدعوة الشيخ، فأخذ ينشر في بلاده التوحيد، ويحارب الخرافات الشائعات في بلاده، كما قام بصد القبوريين والداعين إلى تقديس القبور، وبناء القباب عليها، فانتقلت هذه المبادئ الإصلاحية إلى السودان في إفريقيا، وسومطرة في آسيا والهند، كما انتشرت في العراق والشام ومصر والجزائر وجاوة وعمان وفارس، وكان هدف رعاتها في كل مكان تحل به هو محاربة الفساد، والقضاء على البدع والخرافات، وتصحيح العقيدة الدينية " (١) .
ويقول الأستاذ أمين سعيد في وصف الأثر الطيب للدعوة: " وحققت الدعوة لنجد آمالها، وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت، فأنشأت لها مجتمعا إسلاميا سليما، يؤمن بالتوحيد، ويعظم شأنه، ويسير على هداه، ولا يدعو مع الله أحدا، ولا يزال هذا حاله، لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا، فهو يصدع بالحق ويؤمن به.
وانبثق عن هذا المجتمع دولة عربية كريمة، نشأت في ظل الدعوة وآمنت بها، فكانت أول دولة عربية كبرى يؤسسها العرب في داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين، فاتبعت طريقهم، وترسمت خطاهم، فسادت وشادت ووسعت حدودها، وضمت إليها قطر الحجاز وبلاد عسير وتهامة، ودقت أبواب العراق واكتسحت حدوده، وبلغت مشارف الشام وامتلكت بعض أجزائه، ووضعت يدها على الضفة الغربية للخليج (الخليج العربي)، وتمتد من المحيط الهندي جنوبا إلى شط العرب شمالا، ولا يقل طولها عن ألف ميل، فزينت راية التوحيد شطآنها، ورفرفت على ربوعها.
وانتشرت الدعوة في بلاد العرب وبلاد الشام، وسرى نورها في أرجائها، فأقبل عليها الكثيرون، وأخذوا بها، وتفاعلوا معها، واستجابوا لها، فكانت الأم الكبرى لهذه النهضات التي تعم بلاد العرب وبلاد المسلمين، وتعم الشعوب العربية والشعوب الإسلامية، فأحيت ميت الهمم، وأيقظت خامد النفوس.
_________________
(١) الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأحمد أبو طامى (٧٤ - ٧٧) ط (٢) .
[ ٣٧٣ ]
وضرب الشيخ صاحب الدعوة الوهابية الأمثال على تجرده ونزاهته، وعلى أنه لم يرد من دعوته سوى وجه الله وحده، وإصلاح حال أمته، والنهوض بها، وإنقاذها من ظلمات الجهالة التي كانت تغمرها، وتقيمها وتقعدها، فاعتزل السياسة سنة ١١٨٧ بعدما استقرت الدعوة واستقام عودها، وزال كل خطر يهددها، وتضاعف عدد أنصارها المؤمنين بها، وعكف على عبادة ربه، يشكره على نصره وتأييده، وابتعد عن الدنيا وزخارفها، لا يبغي حكما ولا سلطانا ولا مالا ولا نسبا، وظل هذا شأنه يصوم النهار ويقوم الليل عابدا مجتهدا، خالصا لله مخلصا، حتى وافته منيته سنة ١٢٠٦، فذهب إلى لقاء ربه راضيا مرضيا بما قدم وأسلف.
على أن هذا لا يمنعنا من القول بأن الدعوة الوهابية نفسها لم تلق من عناية علماء نجد وأدبائها وكتابها ما كان يجب أن تلقاه، ولعل مصدر ذلك انزواء نجد في قلب الجزيرة سحابة القرنين الماضيين، وصعوبة الاتصال بها، وقلة وسائل النشر لديها، على أن هذا كله زال الآن، فتيسرت الأسباب، وفتحت الأبواب، وازدهرت رياض العلم، مما نرجو أن يضاعف اهتمامهم، ويشحذ عزائمهم، فسيرة الشيخ محمد من أحفل السير بالعظات، ومن أجدرها بالدرس، لها جوانبها المحددة، ومصادرها الكثيرة، يضاف إلى ذلك كله أن الشيخ خلف ثروة عظيمة وكنوزا حافلة من الكتب والمؤلفات في حاجة إلى إعادة الطبع والترجمة إلى اللغات الأجنبية ليعم نفعها، ويستفيد الناس منها، ويغترفوا من بحر فضلها " (١) .
ثم قال مبينا أثر التمسك بالشريعة الإسلامية في الحياة العامة، وأثر الانصراف عنها:
" إن العقيدة الراسخة عند النجديين - أمرائهم وعلمائهم - أن الله مكنهم في جزيرة العرب، وأن سلطانهم في تلك الجزيرة لإحياء معالم الشريعة، وإظهار دين الله، وجعل سلطان التوحيد في الجزيرة هو السلطان الأول، وإزالة كل أثر من آثار الشرك، ولقد قال الإمام سعود في خطبته بعد دخول مكة سنة ١٢١٨ هـ " إنا كنا من أضعف العرب، ولما أراد الله ظهور هذا الدين دعونا إليه، وكل يهزأ بنا ويقاتلنا ".
وكان الملك عبد العزيز - ﵀ - في كل مناسبة يشير إلى هذا، ذاكرا فضل الله
_________________
(١) هذا هو كتاب سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٩ - ١١) .
[ ٣٧٤ ]
عليه وعلى أجداده من قبل، وأن ما وقع على آل سعود في أيامهم الأولى لم يكن إلا عقوبة لهم من الله لتهاونهم في أمر المحافظة على الدين، والانصراف إلى أمور الدنيا، وكذلك جلالة الملك سعود مد الله في عمره.
ولذا فإن المشايخ - من وقت لآخر - ما زالوا يقدمون النصيحة لإمامهم، ويوصونه بالمحافظة على الدين، والأخذ على أيدي المتهاونين به، إذا رأوا شيئا من التراخي والتهاون من ذوي النفوذ والسلطان، ففي أيام الإمام فيصل كان الشيخ عبد الرحمن بن حسن وولده الشيخ عبد اللطيف لا يتوانيان عن النصيحة، ولفت نظر الإمام إلى عماله ورعاياه، وتذكيره بعاقبة التفريط، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (١) .
وسبق ذكر ما قاله الدكتور طه حسين مبينا أثر الدعوة على الحركة الدينية والأدبية والعلمية والفكرية والعقلية وسائر نواحي الحياة (في الفصل السابق) (٢) .
ويقول محمد جلال كشك: " إذا كان محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من الناحية السياسية مجدد ومبتدع ومبدع، ولقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعا إلى التغريب، فمع الهزيمة الشاملة التي أصابت العالم الإسلامي أمام الغزو الأوربي الذي كاد أن يشبه القدر المحتوم، كان الظن أو اتجاه الأحداث هو خضوع العالم الإسلامي للقانون الحضاري العام، وهو فناء المهزوم بالاندماج في حضارة المنتصر.
فجاء الشيخ من أعماق نجد يعلن أن الإسلام هو الطريق، وأن المشكلة ليست في العقيدة، بل في الانحراف عنها، وأن العودة إلى جوهرها الصافي كفيل بإعطاء المسلمين القدرة على مواجهة التحدي الأوروبي وقهره، صحيح أنه لم يواجه قوة أوروبية بشكل مباشر وشامل، لا هو ولا خلفاؤه، فقد شغلتهم حروبهم مع الرافضين المسلمين والعرب، إلا أن انتصاراتهم على التخلف، وقدرتهم على خلق المحارب الذي يكاد ألا يقهر، عززت حجة
_________________
(١) سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣١٥) .
(٢) انظر: ص (٥٥٨)، والحياة الأدبية (٣١ - ٤١) .
[ ٣٧٥ ]
الرافضين لمنطق الهزيمة، وأبقت الفرضية مطروحة إلى اليوم، وهي اكتساب القوة المادية بنفس الأسلوب الذي اكتسبها به أجدادنا المسلمون الأوائل.
وتلك هي أهمية الدعوة الوهابية في المرحلتين الأولى في عهد عبد العزيز بن سعود، والثانية في النصف الأول من عهد عبد العزيز، فقد جرت المحاولتان في مناخ الهزيمة الشاملة للعالم الإسلامي، فضربتا المثل على إمكانية النصر بالإسلام، وإمكانية أن يكون الحل الشامل لمشكلة العالم الإسلامي مستمدا ومطابقا للحل الجزئي الذي جرب ونجح في أشد مناطق هذا العالم تخلفا وفقرا في الإمكانيات المادية، وفي نفس الوقت عجزت المحاولتان عن تقديم الحل الشامل والجذري للمشكلة، ومن ثم فقد أبقتا الجدل مستمرا، إذ منعتا التاريخ من أن يحسمه في اتجاه رفض الحل الإسلامي، ولكنهما لم تعطيا أنصار هذا الحل الحجة الحاسمة ولا المنهاج، فقد فشلت التجربتان في إجبار التاريخ على الاستجابة لهذا الاختيار، وما زلنا في نفس الوضع.
فحركة البعث الإسلامي، والجامعة الإسلامية، ودعاة الإصلاح الديني، وانتفاضات المهديين والسنوسيين، ليست كلها إلا استجابة متفاوتة الفهم والوضوح لذلك الجواب الذي طرحه السعوديون: العودة للإسلام تحرر المسلمين من الهزيمة المطبقة، وساعد الحل السعودي على البقاء في الساحة " (١) .
ويقول أيضا في موضع آخر في سياق كشف اعتراف خصوم الدعوة:
" بتلك " الدرة السنية "، بل أثمن الدرر، وهي تحويل البدوي أو الشرقي المتخلف إلى نموذج فريد في تفوقه، ونقطة أخرى تثير إعجاب المراقبين بالإجماع، مهما اختلف موقفهم من التجربة السعودية، وهي الأمن، ومن محاسن الوهابية أنهم أماتوا البدع ومحوها، ومن محاسنهم أنهم أمنوا البلاد التي ملكوها، وصار كل ما كان تحت حكمهم من هذه البراري والقفار يسلكها الرجل وحده على حمار بلا خفر، خصوصا بين الحرمين الشريفين، ومنعوا غزو الأعراب بعضهم لبعض، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام كأنهم إخوان
_________________
(١) السعوديون والحل الإسلامي (١٠٩، ١١٠) .
[ ٣٧٦ ]
أولاد رجل واحد، إلى أن عدم الشر في زمان ابن سعود، وانتقلت أخلاق الأعراب من التوحش إلى الإنسانية، وتجد في بعض الأراضي المخصبة هذا بيت عنزي، وبجانبه بيت عتيبي، وبقربه بيت حربي، وكلهم يرتعون كأنهم إخوان، ورأيت لهم عقيدة منظومة يحفظها حتى رعاة غنمهم، منها:
وما الدين إلا أن تقام شعائر وتأمن سبل بيننا وشعاب
فكأنهم جعلوا تأمين الطرقات ركنا من أركان الدين ".
ويبدو أن الشيخ قد اكتشف القانون الحضاري الذي يبدأ بتوفير الأمن، فيقول: إن " تحقيق الأمن يدفع الناس للاشتغال بالزراعة والتجارة وتربية الماشية للتكسب، فإذا اشتغلوا بالكسب الحلال فلا ينهبون ولا يسرقون ولا يقتلون "، ثم يلخص لنا اكتشافه: " فكأن المسألة أشبه بالدورية (١) أي: أنه متى وجد الأمان ارتفع السارق والقاتل لاشتغالهم بمعاشهم الحلال، ومتى اشتغلوا بالمعاش الحلال وجد الأمان ".
أفادكم الله.
وصاحب هذه الشهادة هو الشيخ عثمان بن سند البصري الفيلكاوي، فهو أقرب أن يكون كويتيا، وإن كان يصنف كمؤرخ عراقي، وهو من خصوم الوهابيين، وقد زعم أن هذا الأمن الذي حققه الحكم السعودي " كان دسيسة خدعوا بها العوام "، يبدو أن الدولة العثمانية ووالي البصرة لم يكونا بحاجة إلى دسيسة من هذا النوع " فذهب الأمن، وبطلت المعايش، وتدهور الوطن الإسلامي إلى ما هو معروف ".
وقد انتشى ابن بشر في وصف حالة الأمن في ظل الحكم السعودي حتى قال برعي الذئب مع الغنم، بل بما هو أخطر: ترك الملكية بلا حراسة من الإنسان، فقال:
" فسماها الأعراب سنين الكما؛ لأنهم كموا عليهم عن جميع المظالم الصغار والجسام، فلا يلقى بعضهم في المفازات والمخوفات إلا بالسلام عليكم، وعليكم السلام، والرجل يجلس ويأكل مع قاتل أبيه وأخيه كالإخوان، وزالت سنين الجاهلية، وزال البغي والعدوان، وسيبت الخيل والجياد والبقر وجميع المواشي في الفلوات، فكانت تلقح وتلد وهي
_________________
(١) أي: الحلقة المفرغة.
[ ٣٧٧ ]
في مواضعها آمنات مطمئنات، وليس عندها من يرعاها ويحميها إلا من يأتيها غبا ويسقيها ".
لقد أثبتت التجربة السعودية في جميع عصورها أنه بتطبيق الشريعة، ولو جزئيا، وفي حدود الإمكانيات المتاحة لكل مجتمع، أي بتطبيق قانون العقوبات، يمكن أن يتحقق أول شرط من شروط المجتمع الإنساني، وهو الأمن الفردي، الأمن على النفس والمال والعرض، بل أول شرط يجب توفره للحديث عن تطور اجتماعي أو حضاري، وهو ما كان الشرق يفتقر إليه، وما كان الغرب يستغله للتشهير بالشرقيين، وتبرير حملاته وغزواته واسترقاقه للشرق بحجة توفير الأمن بين الشعوب المتوحشة الهمجية، وما كانت بعض القطاعات - ولا تزال إلى اليوم - تحمده للاستعمار الأوروبي، فأثبتت الوهابية في تألقها في الدولة الأولى، وفي عهد عبد العزيز، بل حتى في فترات انكماشها، أن الشريعة الإسلامية، بما تخلقه من حس بالعدل في نفوس المؤمنين بها، وما تفرضه من سيادة للقانون بقوة السلطة، يمكن أن تحقق أمنا يفوق قدرة أي مجتمع وأية حضارة عرفها التاريخ، وكتب الغربيين حافلة بالنوادر المدهشة المذهلة للمواطن الأوروبي الأمريكي، ليس في عصرنا هذا حيث اختل الأمن، وتحولت مدن الغرب إلى غابات مفزعة، يخشى السير فيها بعد غروب الشمس، وتزود غرف فنادقها بالسلاسل، بل والأقفال الإلكترونية التي تتغير كل ٢٤ ساعة، بل كان الأمن السعودي مثيرا لدهشة الغربيين حتى في العصر الذي كان يضرب به المثل على قوة الردع الكامنة في عصا رجل الشرطة البريطاني، المحظور عليه - وقتها - حمل السلاح مكتفيا بهيبة أو رعب القانون المتمثل في عصا رجل الشرطة.
حتى في هذا الوقت استطاع السعوديون أن يقولوا: " نظامنا أفضل، ولسنا بحاجة إلى قوانين الغرب وأنظمته، عندنا الحل الأفضل ".
" وقد شهد بوركهارت للوهابيين ضد الأتراك فقال: " وما الوهابية إن شئنا أن نصفها إلا الإسلام في طهارته الأولى، وإذا ما أردنا أن نبين الفرق بين الوهابيين والترك فما علينا إلا أن نحصي الخبائث التي اشتهر بها الترك ".
صدقت!
وقال: " لكي نصف الدين " الوهابي فإن ذلك يعني وصف العقيدة الإسلامية، ولذا فإن علماء القاهرة أعلنوا أنهم لم يجدوا أية هرطقة (بدعة أو خروج عن الدين) في الوهابية، وحتى بعد سقوط الدولة السعودية فإن ظاهرة الانفجار الإسلامي ستظل تجذب المستكشفين، وسيأتي جورج
[ ٣٧٨ ]
والين ١٨٤٥ - ١٨٤٨ ليقول عن السعوديين: " إنهم لا يدعون أنفسهم وهابيين أبدا، فهذا الوصف استخدمه خصومهم، أما هم فيصفون أنفسهم ببساطة بأنهم " المسلمون أو الموحدون ".
وقال: " إن بعض الكتاب المعاصرين يزعم أن الوهابيين أنشئوا مذهبا خاصا بهم، وهو زعم خاطئ، فالوهابيون مجرد إصلاحيين، يتبعون المذهب الحنبلي ".
" ثم المقيم السياسي في الخليج، بل الذي سيشهد الأيام الأخيرة في حياة فيصل بن تركي، والليدي بلنت (١٨٧٩ - ١٢٩٧) التي ستشاهد بقايا الوهابية في جبل شمر وبلاط ابن الرشيد، وسيستمر التدفق حتى شكسبير وفيلبي، وما زال " (١) .
ولم يكن تأثير الدعوة الإصلاحي قاصرا على البلاد التي حكمتها دولة الدعوة، بل تعداه إلى سائر البلاد الإسلامية وبلاد الأقليات المسلمة في كل أنحاء العالم، ومن أكثر البلاد المجاورة تأثرا بالدعوة (اليمن)، وقد عرض الدكتور عبد الله بن محمد أبو داهش هذا الأمر عرضا جيدا إذ قال:
" ومن الواضح أن الناس في اليمن عندئذ قد طلبوا الاستغاثة من غير الله في مجال معاشهم في البر والبحر (٢) ورفعوا الرايات فوق مشاهد الموتى بعبارات الاستجارة بهم من النار (٣) وربما غشيت تلك القبور طوائف كثيرة من الناس، قد يضاهي بها لديهم الحجاج في عرفات (٤) هذا إلى جانب أن الناس في اليمن قد اعتادوا في بعض الأحيان " السجود للمعتقد " (٥) وتخصيص شيء من أموالهم له (٦) وكانوا " يوقدون السرج على القبور، ويرحلون بنسائهم (٧) " لزياراتها، وقد أنكر عليهم بعض العلماء في اليمن إهمال بيوت الله،
_________________
(١) السعوديون والحل الإسلامي (١٣٢ - ١٣٤) .
(٢) محمد ناصر الخازمي، كتابه السابق (إيقاظ الوسنان)، ورقة ٤، ١١، ٢٤.
(٣) حسين بن مهدي النعمي، كتابه السابق، ص (١٥٦) [معارج الألباب] .
(٤) معارج الألبابص (١٦١) .
(٥) معارج الألباب ص (١٦٠) .
(٦) معارج الألباب ص (١٩٢) .
(٧) محمد ناصر الخازمي (إيقاظ الوسنان)، ورقة ١٦.
[ ٣٧٩ ]
وترك العناية بها في وقت كانت مشاهد الأموات تزدان بالحرير والسجاد الفاخر وغيرها (١) .
ورغم ذلك وجد من علماء اليمن في القرن الثاني عشر الهجري من يحارب مثل هذه الضلالات، ويتخذ منها موقفا معاديا، ولعل من أشهر أولئك العلماء: الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير (١٠٩٩ - ١١٨٢ هـ)، والشيخ حسين بن مهدي النعمي (١١٨٧ هـ)، إذ برز موقف الأمير جليا تجاه هذه الأمور المحدثة منذ عام ١١٦١ هـ \ ١٧٤٨ م حينما أرشد إمام اليمن حينذاك إلى هدم صنم المخا، وألف من أجله رسالة (٢) وقد قال فيه صديق بن حسن القنوجي بأن " له صولة في الصدع بالحق، واتباع السنة، وترك البدع " (٣) أما النعمي فقد اشتهر برفضه لهذه المعتقدات الباطلة منذ ألف في هذا الجانب وكتب فيه (٤) .
وربما كان نشوء هذين الموقفين عند النعمي والأمير بسبب تأثرهما بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبخاصة إذا أدرك موقف محمد بن إسماعيل الأمير من هذه الدعوة حينما قال: " ما زالت تبلغنا الأخبار من سنة ١١٦٠ هـ بأنه ظهر في نجد رجل يدعو إلى اتباع السنة النبوية وينهى عن الابتداع، والاعتقاد في العباد من الأحياء والأموات، وينهى عما نهى عنه رسول الله ﷺ من العمارة على القبور المشاهد والقباب (٥) "، كذلك يدل على تأثر حسين بن مهدي النعمي بالدعوة السلفية قوله بأن سبب تأليفه لكتابه معارج الألباب يعود إلى أنه وقف في عام (١١٧٧ هـ \ ١٧٦٣ م) على سؤال حول هدم بعض المشاهد والقباب، وأنه كان من قبل هذا التاريخ قد ألقي إليه كتاب من مكة المكرمة ورد فيه: " أنه وصل إلى هنالك سؤال
_________________
(١) حسين مهدي النعمي، كتابه السابق، ص (١٦٥) .
(٢) محمد محمد زبارة، نشر العرف، ج٢، ص٩١٥، انظر: كتاب تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد للأمير نفسه، وقد قال في مقدمة هذا الكتاب: " وبعد فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، وجب علي تأليفه لما رأيته وعلمته يقينا من عموم اتخاذ العباد الأنداد في جميع الأمصار والقرى، وجميع البلاد من اليمن والشام ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام، وهو الاعتقاد في القبور، أو في الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات. " ورقة ١٩٩.
(٣) أبجد العلوم، ص (١٩٢) .
(٤) انظر: كتابه معارج الألباب، ورسالته مدارج العبور على مفاسد الأمور.
(٥) إرشاد ذوي الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبد الوهاب، ورقة ٣٩٣.
[ ٣٨٠ ]
في هذه المسألة، وأنه أجاب عليه مفتو الأربعة المذاهب بما يتضمن التشنيع على من دل على هدم القباب والمشاهد (١) "، وربما أوحى قول الأمير من قبل وكذلك النعمي إلى أنهما قد تأثرا بهذه الدعوة، وأنها وافقت ما عندهما كما قال الأمير في شعره.
وإذا كان هذا حال هذين العالمين، ومدى تأثرهما بالدعوة السلفية في القرن الثاني عشر الهجري، فإن من أكثر علماء اليمن تأثرا بمنهج الدعوة السلفية في مجال تطهير الاعتقاد فيما بعد إبراهيم بن محمد الأمير (١١٤١ - ١٢١٣ هـ)، ومحمد بن علي الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠ هـ)، إذ عرف إبراهيم الأمير بمواقفه تجاه القبوريين (٢) وكان الشوكاني ينكر على المعتقدين في غير الله أفعالهم، ويرى أنهم قد خالفوا بذلك مقتضى إفراد العبادة لله وحده (٣) .
أما الأثر الفعلي لهذه الدعوة السلفية في اليمن فقد ظهر منذ العقد الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، عندما بدأ العلماء يدركون حقيقة هذه الدعوة، وما تدعو إليه من إخلاص التوحيد لله تعالى، بالإضافة إلى ارتياد نفر من علمائها ودعاتها لكثير من بلدان اليمن خلال تلك الفترة، كما أن وفرة الرسائل التي كان يتبادلها العلماء في اليمن وأمثالها في نجد ورجال ألمع (٤) قد ساعد على إيجاد أثر فعلي لهذه الدعوة، إذ بدأ الناس في اليمن يلمسون إلحاح علمائها وأمرائها في نشر هذه المبادئ وحقيقتها بتلك الأنحاء.
ولعل من أهم آثار الدعوة السلفية في ميدان تطهير الاعتقاد وذم البدع باليمن اقتناع الأئمة بتلك الأنحاء وعلمائهم بهدم القباب وإزالتها، فقد دلت المصادر على أن الإمام المنصور هدم قبة عابدين المشهورة بصنعاء عام ١٢٢٠ هـ \ ١٨٠٧ م (٥) وأنه قبل عام ١٢٢٤ هـ " وقع الهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء، وفي كثير من الأمكنة المجاورة لها، وفي جهة ذمار
_________________
(١) معارج الألباب، ص (٤، ٥) .
(٢) الحسن بن أحمد عاكش، عقود الدرر، ورقم ٢١.
(٣) أدب الطلب، ص (١٦٨)، انظر كذلك: الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني نفسه.
(٤) انظر: مجموع (٥٦٧) مكتبة الرياض السعودية، ومجموع ١٨٦ المكتبة الغربية بجامع صنعاء الكبير، وانظر كذلك: نفحات من عسير ص (٨٥) .
(٥) لطف الله جحاف، كتابه السابق، ورقم ٣٩١، (درر نحور العين) .
[ ٣٨١ ]
وما يتصل بها " (١) وكان هذا الأمر فيما يبدو قد شجع إمام اليمن المتوكل فيما بعد، وجعله يفضي إلى علماء اليمن برغبته في هدم القباب وإزالتها، وذلك على إثر وصول نفر من علماء الدعوة السلفية إلى صنعاء عام (١٢٢٩ هـ \ ١٨١٣ م) (٢) وقد كان موقف علماء صنعاء عندئذ موجبا لهدم تلك القباب، إذ يبدو أن أثر الدعوة قد وقع في قلوبهم مما جعل الإمام المتوكل حينذاك يباشر هدم معظم القباب المشهورة بصنعاء، ويأمر بإبلاغ أمره بهدم القباب بعامة إلى بقية بلدان اليمن (٣) ويؤيد هذا قول عبد الرحمن بن عبد الله الزميلي بأن شيخه القاضي أحمد العنسي ذكر له، وهو يتلقى العلم على يديه بمدينة إب عام (١٣٥٩ هـ \ ١٩٤٠ م) أن بمدينتهم تلك آثارا لقباب مهدمة وأماكن محرقة من عهد الإمام سعود بن عبد العزيز (٤) (١٢٢٩ - ١٢١٨هـ)، وإذا صح هذا فإن معظم بلدان اليمن إذن قد أدركت شيئا من أثر الدعوة السلفية، وأن ذلك الأثر قد كان في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري.
وبمثلما أثرت الدعوة السلفية في صنعاء وما حولها أثرت كذلك في تهامة اليمن وفي حضرموت، أما تهامة اليمن فبعد أن تمادى أهلها في تعظيم القبور وأقر علماؤها " ما يحدث من أنواع الشرك بمرأى ومسمع (٥) " أصبحت بعد ذلك في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري " صافية عن تلك الأمور التي كان يتلوث بها أهلها، فلا يقدر أحد
_________________
(١) محمد بن علي الشوكاني، البدر الطالع، ج٢، ص (٢٦٢، ٢٦٣) .
(٢) مجهول، حوليات يمانية، ص (٧) .
(٣) المصدر نفسه، ص (٨)، قال صاحب حوليات يمانية في أخبار عام ١٢٢٩ هـ: إن جماعة من الدعاة السلفيين وفدوا إلى صنعاء " وخاطبوا المتوكل في خراب القباب المنصوبة على قبور الصالحين والأئمة الهاديين، فجمع الإمام أعيان دولته وعلماء حضرته، وأجاب عليه العلماء بأنه إذا كان العمل بالشريعة حقيقة لا على أنها مداهنة للنجدي وقبول قوله، فهذه القباب ورفع القبور بدعة لا على الوجه المشروع، كما روي عن أمير المؤمنين بهدمها وتسويتها بالأرض، فرجح المتوكل بهدمها وهدمت (الذي) في صنعاء وما حولها: قبة صلاح الدين، وقبة المنصور حسين في الأبهر، وقبة الفليحي، وسدة قبة المهدي العباس التي فيها القبر، وهدمت قبة أحمد بن الحسن في الغراس، وأرسل إلى بقية النواحي بهذا "، ص (٧، ٨) .
(٤) مقابلة شخصية مع عبد الرحمن بن عبد الله الزميلي (شوحط في ٩ هـ) .
(٥) محمد بن علي الشوكاني، أدب الطلب، ص (١٧١، ١٧٢) .
[ ٣٨٢ ]
منهم يستغيث بغير الله سبحانه أو ينادي ميتا من الأموات " (١) ورغم أن الشوكاني حينما أخبر بذلك لم يذكر سببا مباشرا لتأثرهم غير إعمال السيف فيهم (٢) فهل كان ذلك العمل من قبل أمراء الدعوة في تلك الأنحاء (٣) أم هو عمل أئمة صنعاء الذين تأثروا بالدعوة من قبل، وباشروا إزالة ما يمس العقيدة وينافي التوحيد في بلدانهم؟ والحق أن لكل من الاحتمالين السابقين أثرا فعالا في دفع تلك المعتقدات ونزعها، وبخاصة إذا أدرك قبول تلك الأجزاء من تهامة اليمن للدعوة السلفية من قبل، وأحيط بجهود أئمة اليمن في سبيل إزالة تلك المنكرات ونبذها.
أما حضرموت فقد ذكرت المصادر أن دعاة هذه الدعوة حينما وفدوا إلى تلك الأنحاء عام ١٢٢٤ هـ هدموا " القباب، وحطموا التوابيت، ومنعوا الرواتب، واعتقلوا المناصب " (٤) وذلك لما وجد عليه الناس بحضرموت من الضلال والجهل العميق، وقد ذكرت بعض المصادر أن أولئك الدعاة السلفيين كانوا يهدمون رءوس القباب (٥) إشعارا بخرابها وإقلالا من شأنها (٦) وذلك ربما لكثرتها وسعة انتشارها، ولم يكتف أولئك الدعاة في تلك الفترة بهدم القباب فحسب، بل أوجدوا من الدعاة بحضرموت من يبث الدعوة ويدعو إليها (٧) وذلك يشير إلى مدى اتساع أثر هذه الدعوة السلفية بحضرموت وما حولها في تلك الفترة في مجال تطهير الاعتقاد ونبذ البدع، ولعل ذلك ما دعا أحد علماء حضرموت أن يقول مشيرا إلى أولئك الدعاة السلفيين: " لو لم يقيض الله أولئك القوم لتلك النهضة لعكف الناس على القبور " (٨) .
_________________
(١) محمد بن علي الشوكاني، أدب الطلب، ص (١٧١، ١٧٢) .
(٢) أدب الطلب، ص (١٧٢) .
(٣) يؤكد هذا القول عمل الأمير علي بن مجثل المغيدي عام ١٢٤٦ هـ، حينما عمد إلى هدم القباب وما إليها بهذه الأنحاء، انظر: في ربوع عسير لمحمد عمر رفيع ص (٢١٨) .
(٤) صلاح البكري، في جنوب الجزيرة العربية، ص (١٤١) .
(٥) عبد الله بن محمد السقاف، كتابه السابق، ص (١١٥) .
(٦) فهي لا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا.
(٧) صلاح البكري، كتابه السابق، ص (١٤١) .
(٨) مجلة المنار ج١١، مج٩، ذو القعدة ١٣٢٤، ص (٨٢٧) .
[ ٣٨٣ ]
ويبدو أن اهتمام أمراء الدعوة السلفية ودعاتها بهدم القباب وإزالتها في جنوبي الجزيرة العربية، قد عم بلدان اليمن، وأصبح من الأعمال المحببة عند أولئك الدعاة، فقد أثبتت المصادر أن أمراء عسير عندما دخلوا تهامة اليمن عام ١٢٢١ هـ باشروا هدم قبة جامع بيت الفقيه (١) كذلك دلت هذه المصادر على رغبة أولئك الأمراء في تطهير المعتقدات وتنقيتها، إذ إنهم ظلوا حريصين على تثقيف الناس وإصلاح معتقداتهم بتلك الأنحاء، فقد عمد الأمير علي بن مجثل المغيدي عام ١٢٤٧ هـ إلى هدم عدد من المشاهد والمزارات بضواحي مور (٢) كما اتضح من بعد ذلك هدم بعض القباب خارج مدينة تعز عام ١٢٥٠ هـ \ ١٨٣٤م (٣) وكان أثر الدعوة السلفية في مجال البدع الأخرى واضحا من قبل، إذ كان محمد بن إسماعيل الأمير يؤيد قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بإحراق كتاب دلائل الخيرات (٤) كما برز موقف محمد بن علي الشوكاني من الصوفية وطرقهم حين ذم أفعالهم المبتدعة، وألف فيهم رسالته الموسومة بـ " الصوارم الحداد " (٥) وكل ذلك يدل على استمرار أثر هذه الدعوة بتلك النواحي من جزيرة العرب خلال تلك الحقبة.
وربما كان لقضاء الترك والمصريين على أمراء الدعوة السلفية في نجد أثر في إضعاف نشاطها بهذه الجهات، إذ دلت المصادر اليمنية على غبطة نفر من علماء اليمن حيال ذلك المصير، حيث بدأت منذ ذلك الحين تظهر مواقفهم تجاه هدم القباب ونحوها، فقد زعم أحد أولئك العلماء أن الدافع وراء هدمها من قبل السلفيين يكمن في الرغبة " لما فيها من الفضة والذهب " (٦) ودلل على ذلك بآيات من القرآن الكريم (٧) وكان هذا التعصب والتمادي في الباطل سببا في تعطيل نشاط هذه الدعوة وإضعاف تأثيرها فيما بعد، فالواقع أن إقامة القباب
_________________
(١) عبد الله علي مسفر، السراج المنير ص (٥٨) .
(٢) هاشم سعيد النعمي، كتابه السابق، ص (١٧٩) [تاريخ عسير] .
(٣) أحمد أحمد النعمي، تاريخه، ورقة ٢١٠.
(٤) ديوانه، ورقة ٥٦.
(٥) أدب الطلب، ص (١٧٣، ١٧٥) .
(٦) مجموع (١٢٩)، المكتبة الغربية بجامع صنعاء، ورقة (١٣٨) .
(٧) مجموع (١٢٩)، المكتبة الغربية بجامع صنعاء، ورقة (١٣٨) .
[ ٣٨٤ ]
على القبور وجعلها مكانًا للعبادة ينافي حقيقة الشريعة الإسلامية (١) بما يجعلها «من علامات الكفر» (٢) وأن من استغاث بالصالحين أو دعاهم لكشف ضر أو نحوه فقد أشرك (٣) . وذلك ما جعل أثر الدعوة السلفية في اليمن يقل ويضمحل إلى حد كبير، إذ لم يكد هذا الأثر يظهر مرة أخرى بوضوح إلا في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري وما بعده» .
إلى أن قال: «ويبدو أن الأثر الحقيقي لهذه الدعوة السلفية في مجال تطهير الاعتقاد وذم البدع بنواحي اليمن قد كان في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، ذلك لتبصر أهل اليمن عندئذ في أمور دينهم، واتصال العلماء منهم بغيرهم من علماء نجد، ورغبة طلبة العلم عندهم في الرحيل إلى خارج بلدانهم في سبيل العلم. ولعل ما يُشاهد الآن من انتشار كتب السنة وتدريسها في جامع صنعاء الكبير (٤) ووفرة المساجد السلفية بصنعاء (٥) يدل بوضوح على أثر هذه الدعوة المحمود.
وقد كان من أثر الدعوة السلفية في اليمن أن وجدت الرغبة الأكيدة لدى كثير من أبناء اليمن في النزوح إلى نجد، وطلب العلم فيها، فقد وفد من أولئك الرجال على سبيل المثال: أحمد بن سنان اليماني (١٣٣٩هـ) عام ١٣٣٥هـ في نفر من أهل بلدته قَهْلان (٦) إذ بلغ عدد المهاجرين في سبيل العلم من بعد ذلك إلى نجد ما يقارب خمسمائة رجل معظمهم من قبيلة الحداء بمخلاف الكُمَيم، وقد كانت نتائج تلك الرحلات مثمرة ناجحة، إذ استجاب أهلها لتعاليم هذه الدعوة وأصبحت قراها خالية من المشاهد والمزارات، حيث نبذ رجالها المعتقدات الباطلة، وهدموا ما يثير الشبه حول تقديس القبور من القباب ونحوها (٧) .
_________________
(١) محمد بن عبد الوهاب، كتاب التوحيد، ص (٩٥ - ١٠٠) .
(٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ج١، ص (٢٤٦) .
(٣) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ج٤، ص (٤٨، ٤٩) .
(٤) زيارة علمية إلى صنعاء في عام ١٤٠٠هـ، ١٤٠٢هـ.
(٥) مقابلة شخصية مع أحمد محمد زبارة (صنعاء ١٧ هـ) .
(٦) صالح محمد الغفيلي، «الشيخ محمد بن عبد الوهاب»، مجلة الجندي المسلم، ع٢٠، ص٦، ١٣٩٩هـ، ص (٧٠) . وقد ذكر محمد بن أحمد بن سنان أن أباه وفد إلى نجد سنة ١٣٢٥هـ في جملة من أصحابه.
(٧) الشيخ محمد بن عبد الوهاب»، مجلة الجندي المسلم، ع٢٠، ص (٦٧، ٦٨، ٧٠) .
[ ٣٨٥ ]
كذلك نجم عن أثر هذه الدعوة السلفية في اليمن أن أقبل الناس في بلدان مختلفة بتلك الأنحاء على تطهير معتقداتهم، والتخلص مما علق بأذهانهم من شوائب الشرك والاعتقاد في غير الله، فقد سعى صالح بن حسين أبو حيدر في أوائل النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري إلى نهي الناس عن التبرك ببعض القبور بهمدان، والاعتقاد فيها، كما أن رجالًا من غيل همدان نفسه قد خلعوا التابوت الذي كان موجودًا بمسجد عبيد ببلدتهم، إذ فتن الناس به من أهل همدان وغيرها، وكانوا ينادونه يا عبيدة (١) ونحوه، وتلك الأعمال دون شك من آثار الدعوة السلفية باليمن في مجال تطهير الاعتقاد ونبذ البدع، إذ إن بروز هذا الجانب في نشاط الدعوة السلفية بتلك الأنحاء يدل على اهتمام دعاتها والقائمين عليها بدفع هذا الباطل من أن يمس العقيدة ووحدانية الله، مما أوجد أثرًا حقيقيًّا في بقية أنواع البدع الأخرى (٢) التي بدأ الناس في اليمن يهذبون أنفسهم من درنها ويتخلصون من شيوعها في مجتمعاتهم.
ومما تقدم يتجلى أثر هذه الدعوة السلفية في هذه المجتمعات الواسعة من جنوبي الجزيرة العربية. وذلك على الرغم من وفرة الاتجاهات الدينية وتعدد المعتقدات الباطلة في غير الله، فقد تفاوتت أزمان ذلك التأثير ومراحله، إذ بدأ منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجري، ثم انحسر مده السياسي والديني فلم يبق أثره إلا في عسير وما حولها، وما لبث أن عاد مرة أخرى في غضون القرن الرابع عشر الهجري، حيث جدد الملك عبد العزيز آل سعود أمر هذه الدعوة، ودعا إلى نبذ ما يخالفها في القول والعمل، مما جعل فائدتها تعم أرجاء الجزيرة العربية، وتؤثر في مدارك الناس، فقد تخلوا عما ألفوه من البدع والمعتقدات الباطلة من قبل، وأخذوا في العمل بالكتاب والسنة "بدلًا من الأعراف والعادات وتحكيم الأشخاص" (٣)» (٤) .
وعن أثر الدعوة في العالم الإسلامي يقول الدكتور محمد كامل ضاهر:
_________________
(١) مقابلة شخصية مع يحيى أحمد صالح أبو حيدر (الرياض في ١٨ هـ) .
(٢) مثل الرجبية وغيرها.
(٣) عطية محمد سالم، دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها، ص (٣٠) .
(٤) أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الفكر والأدب بجنوبي الجزيرة العربية للدكتور عبد الله بن محمد أبو داهش ٨٨ - ٩٦ (مع الهوامش بتصرف يسير) .
[ ٣٨٦ ]
«لم يقتصر أثر الدعوة الوهابية على الحركة الإصلاحية في مصر، بل تعداه إلى كثير من المثقفين المسلمين في أقطار إسلامية أخرى كسوريا والعراق والمغرب العربي واليمن والهند. وقد احتل بعض هؤلاء مراكز كبرى في حقل التعليم الإسلامي في حلب ودمشق وطرابلس والقدس والهند.
كانت مواسم الحج السنوية فرصًا ثمينة يتحينها الوهابيون لشرح أفكارهم للحجاج المسلمين القادمين إلى مكة من مشارق الأرض ومغاربها، وتبادل الآراء معهم في الدين والدنيا. واستطاعوا بهذه الوسيلة إقناع بعض الشخصيات الإسلامية بأفكارهم، وترتب على ذلك قيام حركات إصلاحية إسلامية خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين متأثرة إلى حد كبير بمبادئ الدعوة الوهابية وأفكارها.
ففي اليمن، كان الإمام الزيدي محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني (١١٧٢ - ١٢٥٠هـ ١٧٥٨ - ١٨٣٤م) معاصرًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب ويدعو مثله إلى محاربة البدع والخرافات، والثورة على التقليد والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، والرجوع في العقائد إلى مذهب أهل السلف، وفهم الصفات الإلهية المذكورة في القرآن على ظاهرها، وترك التأويل والتحريف فيها. وكتب في ذلك رسالة بعنوان: «التحف بمذهب السلف» .
«يبدو أن الإمام الشوكاني كان على اطلاع واسع بمبادئ الدعوة الوهابية وتعاليمها؛ لأن أفكاره إنما تعبر تعبيرًا يكاد يكون حرفيًّا عن تعاليم هذه الدعوة. ويتضح ذلك في القصيدة الطويلة التي رثى فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما بلغه نبأ وفاته وبيَّن فيها مدى احترامه له وتفجعه عليه. ولا يذكر المؤرخون شيئًا عن أي لقاء تم بين الإمامين» .
أثر الدعوة في مسلمي الهند: تحتل الهند مكانًا مميزًا في دراسة نمو الأفكار الدينية وتفاعلها نظرًا لتعدد أجناس سكانها ومعتقداتهم المختلفة.
وجد الوهابيون في هذا المجتمع تربة خصبة لبث أفكارهم بين المسلمين والهنود الذين تتفشى بينهم صور شتى من البدع والخرافات المأخوذة عن طقوس وعقائد الديانات الهندية الأخرى. وقد وصلت التعاليم الوهابية إلى تلك البلاد عن طريق زعيم إسلامي هندي يدعى
[ ٣٨٧ ]
السيد أحمد بن عرفان البرلوي (١٧٨٦ - ١٨٣١م) الذي وفد إلى الحج في أوائل القرن التاسع عشر واعتنق خلاله الأفكار الوهابية. ولما عاد إلى بلاده أصبح من أكبر دعاة هذه الأفكار، وقام بنشرها في البنجاب، وأنشأ دولة وهابية فيها، وامتد سلطانه حتى هدد شمال الهند حيث تقطن طائفة السيخ.
كان السيد أحمد البرلوي ذا حمية شديدة في الدين، فعمل على تطهير الإسلام من أدران الشرك التي شوهته تشويهًا صارخًا، مثل عبادة الأولياء وما يتصل بها من التقاليد الخرافية الوثنية، ونادى بإعادة الحياة الإسلامية إلى بساطتها الأولى كما كانت أيام النبي - ﷺ - وصحابته. ثم قام بحملة دينية واسعة النطاق بين الهنود لترغيبهم في اعتناق الإسلام. توفي سنة ١٨٣١ خلال حملته على طائفة السيخ في شمال الهند، لكن أفكاره الدينية ظلت قوية الأثر بين المسلمين الهنود، وتابع تلاميذه حركته الإصلاحية، فأنتجوا أدبًا دينيًا ضخمًا، كتبوه باللغة الأوردية ليضمنوا نشر تعاليمهم بين الشعب، كما آثر أتباعه الاشتغال بالنشاط التجاري وعدم الالتحاق بالوظائف الحكومية تحت حكم الإنجليز.
أثر الدعوة في بلاد الشام والعراق: كان للدعوة الوهابية أنصار كثيرون بين علماء بلاد الشام في بداية هذا القرن، ومن أشهرهم الشيخ جمال الدين القاسمي الذي قاضته الحكومة التركية بتهمة العمل على نشر مبادئ الدعوة الوهابية وإذاعتها بين الناس. وهناك أيضًا المشايخ: عبد الرزاق البيطار، وطاهر الجزائري، ومحمد كامل القصاب، وحسين الجسر، وعبد القادر المغربي، والأمير شكيب أرسلان الذين درسوا تعاليم الدعوة الوهابية وقدروها تقديرًا كبيرًا، إذ وجدوا فيها صورة عن تعاليم الإسلام الحقيقية، فعملوا على نشر مبادئها في سوريا.
وفي العراق عرف عن الألوسيين: أبو الثناء شهاب الدين محمود الألوسي (١٨٠٢ - ١٨٥٣)، ومحمود شكري الألوسي (١٨٥٦ - ١٩٢٤) تأثرهما الشديد بمبادئ الدعوة الوهابية وأفكارها. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب الأول: «روح المعاني» الذي دعا فيه إلى اتباع أهل السلف في مسائل العقيدة وتنقية الإسلام مما علق به من الشوائب، وإنكار التوسل لغير الله أو التشفع بأهل القبور.
[ ٣٨٨ ]
أما محمود شكري الألوسي فكان مصلحًا دينيًا سلفيًا «جمع بين مبادئ الدعوة الوهابية في الرجوع إلى القرآن والسنة ومحاربة البدع الدينية والطرق الصوفية من ناحية، وبين مبادئ النهضة العلمية العربية الحديثة في الاهتمام بالعلوم غير الدينية مثل التاريخ والفلك من ناحية أخرى. من مؤلفاته «تاريخ نجد» الذي تناول فيه تاريخ نجد المعاصر وسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
أثر الدعوة الوهابية في المغرب العربي والسودان: وعن طريق الحج أيضًا انتقلت أفكار الدعوة الوهابية إلى المغرب العربي. إذ حملها إليه السيد محمد بن علي السنوسي (١٧٨٧ - ١٨٥٩) بعد عودته من مكة إلى وطنه الجزائر متأثرًا بتعاليمها، وأخذ ينشرها بين أبناء بلده. وبعد ذلك انتقل إلى برقة بليبيا حيث أسس طريقة دينية خاصة، فيها الكثير من الأفكار الوهابية، مثل ضرورة الرجوع إلى بساطة الإسلام الأولى التي كان عليها الرسول وصحابته، وتنقية العقيدة من البدع والخرافات التي شوهتها. ولكن تأثر السنوسية بالمفاهيم الصوفية بعد ذلك أبعدها عن فلك التعاليم الوهابية وأهدافها.
وتتفق الدعوتان أيضًا في الأخذ بالاجتهاد ومحاربة البدع بجميع صورها. وتختلفان في أن الحركة الوهابية لجأت إلى الجهاد لنشر تعاليمها وهداية الناس إلى أفكارها، بينما سلكت الحركة السنوسية الطريق الصوفي. وقد أعجب بمبادئ الدعوة أيضًا سلطان مراكش سيدي محمد بن عبد الله الذي كان يقول: إنني مالكي المذهب وهابي المبدأ (١) . كما تأثر بها صاحب الدعوة المهدية في السودان محمد بن أحمد بن السيد عبد الله (١٨٨٥م) كما نجد أثرها الواضح في مؤلفات المفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي.
أثر الدعوة في الحياة الأدبية للجزيرة العربية: اعتنق سكان الجزيرة العربية أفكار الدعوة الوهابية وتشددوا فيها، بعد أن زرعت فيهم بعض الثقافة، رغم أميتهم، لكنها كانت ثقافة دينية محورها تعاليم الدعوة، وأفكار ابن تيمية ومذهب أحمد بن حنبل. واستطاعت تعاليم هذه الدعوة أن تدفع الناس إلى حل قضاياهم عن طريق الشرع والقضاء بدلًا من وسائل العنف والعادات القبلية. كما استطاعت أن تقضي على حياة التشرد والترحال في البادية، وتغل أيدي
_________________
(١) انظر كتاب: CH. A. Julien: Histoire de I، Afrique du nord payot - paris ١٩٦٦. P: ٢٤٣.
[ ٣٨٩ ]
اللصوص والمجرمين الذين كانوا يعيثون فسادًا في مختلف مناطق الجزيرة. ثم شجعت البدو على الاستقرار في مناطق زراعية بعد أن هيأت لهم المنازل ووسائل العيش الكريم. وقد ربطت الدعوة الوهابية أتباعها بالله مباشرة، وعلمتهم ألا يرهبوا أحدًا سواه، وطردت من عقولهم صور الجن والخرافات والأوهام، ومنعتهم من الوقوف المذل أمام الأحجار والقبور والأشجار للتوسل والاستغاثة، وعودتهم ألا يطلبوا ذلك إلا من الله وحده. . .
لم تقتصر آثار الدعوة على هذه المسائل فقط، بل كان لها أثر كبير في الحركة الفكرية في الجزيرة العربية خلال القرن الثامن عشر. ففي مراحلها الأولى ظهر بعض الشعراء والمؤرخين الذين اعتنقوا مبادئها، وأخذوا يدافعون عنها ويهاجمون خصومها. وكان في طليعة هؤلاء من المؤرخين عثمان بن بشر، وحسين بن غنام مؤرخا الدعوة المشهوران» (١) .
وبعد: فإن هذه الثمار الطيبة والنتائج المباركة قد ملأت سمع العالم وبصره ودان بها الموافق، واعترف بها المخالف، وإن جحدها المعاند والحاسد فلا يضرها ذلك. وهي بحد ذاتها الرد والجواب العلمي والعملي، والمنطقي والواقعي على سائر الشبهات والمفتريات، والدعاوى والاتهامات التي قيلت حول الدعوة، وإمامها وعلمائها ودولتها (الدولة السعودية في كل مراحلها) وأتباعها ومؤيديها.
فإنها بحمد الله الشجرة الطيبة التي قالت الحق، وعملت بالحق، ودعت إلى الحق، وأثمرت الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟
تنبيه:
أثر الدعوة على الدعوات التي عاصرتها، والتي جاءت بعدها إلى اليوم أثر مؤكد لا شك فيه ويتفاوت في درجته قوة وضعفًا، ومطابقة ومخالفة بحسب نوع التأثر والتأثير، واختلاف العوامل المؤثرة.
والذي يظهر لي أن هناك من الدعوات من يسير على المنهج في العموم كبعض أهل الحديث، وأنصار السنة في مصر والسودان.
_________________
(١) الدعوة الوهابيَّة وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد كامل ضاهر ١٩٩ - ٢٠٥ باختصار.
[ ٣٩٠ ]
وبعض الجماعات السلفية المعتدلة في سائر العالم الإسلامي اليوم. وغالبًا نجد هذه الفئات تُعَيَّرُ من قِبَلِ أهل البدع والأهواء بأنها وهابية ولا شك أن هذه تزكية غالية لمن كان على المنهج السلفي الحق.
لكن هناك من بالغ في تأثير الدعوة على بعض الأشخاص أو بعض الحركات الإصلاحية.
كالمهدية في السودان، والسنوسية في شمال أفريقية، وحركة عثمان بن فودي، وحركة محمد عبده، وبعض الحركات الإصلاحية في الهند.
إلى حد أن اعتبرها بعضهم مطابقة تمامًا أو على الأغلب لدعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب.
والحق أنه لم تكن هناك دعوة تحمل المنهج نفسه تمامًا عقيدة وعملًا، إنما تأثرت أكثر الدعوات في بعض المبادئ العامة مثل نزعة الإصلاح العام، ونبذ المنكرات والتحرير من التقليد والعصبية والمذهبية. والنزوع إلى تطبيق الشريعة والحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد (١) أما الخاصية الكبرى لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي: الدعوة إلى التوحيد والعقيدة السلفية النقية الصافية، ونبذ الشركيات والبدع ومحاربتها بجد وحزم، فإن الذين حملوا هذه الرسالة بهذا المستوى من الدعاة والحركات قليل. والله أعلم.
تقريب المخالفين للحق:
من الآثار العامة الطيبة لهذه الدعوة المباركة أنها جرَّت بعض المخالفين إلى الاقتراب من مناهج الحق قليلًا أو كثيرًا بحسب الأحوال. ومن ذلك أنها لفتت أنظارهم إلى أهمية الاستدلال بالنصوص الشرعية وآثار السلف الصالح والتحاكم إليها، وترك بعض الانحرافات في التلقي والاستدلال، كالاعتماد على ما ليس بدليل كالكشف والذوق، والوجد، والرؤى
_________________
(١) ناقش هذه المسألة: الدكتور صالح بن عبد الله العبود في كتابه (عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية) (٢) . وانظر: دعاوى المناوئين للدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (٢٤) .
[ ٣٩١ ]
والأحلام، والخوارق، ودعوى العصمة للرجال. والاستدلال بالحكايات والأحاديث الموضوعة والضعيفة فإن أكثر الفرق والأشخاص الذين يعولون على هذه الأوهام صار بعضهم يقلل من هذا المسلك، ويستحي منه.
كما جرتهم الدعوة إلى ترك التعصب والتقليد الأعمى للمذاهب والأشخاص وعلقتهم بالعلم الشرعي، والاهتمام بالسنن، وبالبحث والتأليف والاستنباط.
إن المخالفين من الفرق والأفراد والمذاهب والطرق وإن لم يستجب كثير منهم إلى الحق والسنة، بل بعضهم زاد عتوًّا وغلوًّا وإصرارًا على الباطل. إلا أنه صار كثير منهم لديه الاستعداد للحوار الجاد وخففوا من غلوهم، وصححوا بعض عقائدهم ومناهجهم، أو عدَّلوها، وهذا ولا شك تخفيف للشر، وذلك من مطالب الدين وغايات الدعوة المرحلية ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] [سورة هود، الآيتان: ١١٨، ١١٩] .
[ ٣٩٢ ]