[المبحث الأول وقفة مع الشهادات]
الفصل الرابع
شهادات الناس للدعوة قديما وحديثا
المبحث الأول
وقفة مع الشهادات إن من أقوى الوسائل لفصل النزاع بين المختلفين بعد التحاكم إلى الأصول الشرعية، والبراهين العقلية، شهادات الآخرين، وقد شهد لهذه الدعوة المباركة، وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها، كثيرون من أهل العلم والفكر والفضل والإنصاف، من العلماء والأدباء والمفكرين والساسة والدعاة وغيرهم من المؤيدين والمعارضين والمحايدين، من المسلمين وغير المسلمين، ومن كل بلاد العالم، ومنذ نشأة الدعوة إلى يومنا هذا.
وكل الذين شهدوا لهذه الدعوة وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها كانوا يستندون في شهادتهم لها إلى البراهين والدلائل القاطعة، التي لا يمكن أن يتجاوزها المنصف إلا معترفا بها، ولا ينكرها إلا مكابر، وهذه الدلائل بحمد الله شرعية وعلمية وواقعية، وأول هذه الدلائل واقع الحال الذي عليه هذه الدعوة ودعاتها وعلماؤها وحكامها ودولتها وأتباعها في العقيدة والأحكام، والسلوك والتعامل.
فإن فيما قاله أهلها وكتبوه وفعلوه، وفي آثار هذه الدعوة الدينية والدنيوية، العلمية والعملية، في العقيدة والنظام والسياسة، وسائر مناحي الحياة ومناشطها، ما يشهد بالحق، ويدحض الشبهات والمزاعم والتخرصات والاتهامات، علما بأن الدعوة ودولتها لا تملك من وسائل الدعاية والإغراء المادي ما يملكه خصومها، كالأتراك وأشراف مكة والبلاد المجاورة وغير المجاورة.
نعم إن سائر الذين شهدوا لهذه الدعوة قد برهنوا على ما ذهبوا إليه بالحجة والبرهان، بعيدا عن العصبية والهوى والتعسف، وبعيدا عن المؤثرات أيا كان نوعها، ولو اقتصرنا في الدفاع عن الدعوة على أقوال المحايدين وكثير من الخصوم في إنصافها والدفاع عنها، لكان ذلك كافيا في تقرير الحق ودفع الباطل، وفي بيان الحقيقة ورد الشبهات، وإقناع من كان قصده الحق والتجرد من الهوى.
أما من كان دافعه الهوى والحسد أو العصبية أو المذهبية أو نحو ذلك من الدوافع الصارفة
[ ٣٠٧ ]
عن الحق فلا حيلة فيه، كما قال الله تعالى في هذه الأصناف وأمثالهم من أسلافهم: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ - فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٤ - ٥] [سورة الأنعام، الآيات: ٤، ٥] .
فإذا كانت أحوال الدعوة وأقوالها ومؤلفاتها ومواقفها وشهادات عقلاء الناس تشهد لها، فهل بعد هذا البيان من بيان؟ ومن يضلل الله فلا هادي له من بعده، والله حسبنا ونعم الوكيل.
وإنه لمن المفيد بهذا الصدد التأكيد على أن الشهادات التي شهد بها كثيرون لهذه الدعوة المباركة كانت صادقة وطواعية، ونابعة من الضمير، فلم تكن نتيجة إغراءات ولا تطلعات، ولا تضليل إعلامي ولا دعاية، ولا ضغط سياسي، ولا إرجاف ولا تهديد ووعيد (لا رغبة ولا رهبة)؛ لأن أتباع الدعوة ورجالها لم يكونوا يملكون شيئا من ذلك إلا الحجة والبرهان (الدليل الشرعي والعقلي) لكل من ألقى السمع وهو شهيد، ولذلك جاءت شهادة المنصفين مفعمة بالصدق والشفافية والحماس البريء، وخالية من أساليب المجاملات وأي من أشكال التكلف أو دوافع الرغبة أو الرهبة.
والمتأمل للتزكيات والشهادات والأحكام والانطباعات الكثيرة في حق الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة ودولتها وأتباعها يجد منها ما هو شامل، ومنها ما هو جزئي، لكنها كلها تتفق على أن الدعوة ليست كما رماها الجاهلون، وبهتها الخصوم.
ونتائج التزكيات والشهادات التي شهد بها الناس من المحايدين والمنصفين من المسلمين وغير المسلمين تتلخص بما يلي:
١ - لقد شهدوا أن هذه الدعوة المباركة تمثل الإسلام الحق، فقد جددت السنة كما جاء بها النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة، وحاربت البدع بكل صورها وأشكالها ومظاهرها، وهذه الحقيقة هي أكثر الحقائق وضوحا أمام الشهود، وأكثرها تنويها.
٢ - وشهدوا أنها جاءت بالعلاج الناجع لأدواء الأمة الإسلامية اليوم في العقيدة والعبادات والمعاملات علاجا شاملا، وأكثر الذين شهدوا بهذه الحقيقة كانوا يستندون إلى الواقع الذي تعيشه في مجتمعها ودولتها، لا سيما من البلاد التي تشملها الدولة السعودية المعاصرة، التي تميزت بحمد الله بصفاء العقيدة وظهور شعائر الدين، واختفاء البدع ومظاهرها.
٣ - أنها تميزت بالأصالة والنقاء، حيث تمثل الإسلام في شموله، والسنة في صفائها، كما تميزت بإظهار خصائص الدين الإسلامي من التوحيد والشمولية والعدل ونحو ذلك.
[ ٣٠٨ ]
٤ - وشهدوا أنها حققت الغايات التي جاء بها الإسلام، من تعبيد الناس لله وحده لا شريك له، وطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ، وإقامة فرائض الدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتطبيق الحدود، وتحكيم الشريعة الإسلامية في كل شئون الحياة، وابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة.
٥ - وشهدوا أنها رفعت المظالم والمكوس والضرائب التي تثقل كواهل الناس، وسعت إلى تحقيق العدل بالتحاكم إلى شرع الله، وتطبيق نظام القضاء بمقتضى الشريعة الإلهية.
٦ - وشهدوا أنها حررت العقول والنفوس من التعلق بغير الله، من التعلق بالبدع والأوهام، والدجل والشعوذة ونحو ذلك.
٧ - وشهدوا أنها هي الرائد الأول في أسباب النهضة العلمية والفكرية والأدبية الحديثة في جزيرة العرب وما حولها، وسائر البلاد العربية والإسلامية.
٨ - وشهدوا أنها الرائد الأول لحركات الإصلاح والتحرير الحديثة في العالم الإسلامي، وأنها تمثل الأنموذج الصحيح في الدعوة في العصر الحديث، إذ تواترت الشهادات بأن هذه الدعوة المباركة قد تميزت عن الحركات الإصلاحية والدعوات المعاصرة بأنها مثلت الدين الحق، ومنهج الدعوة السليم من حيث الشمولية، مع التركيز على الأهم، وترتيب الأولويات، وإصلاح العقائد والقلوب، وتحرير العقول، وإصلاح الأفراد والمجتمعات، وتخليص الأمة من البدع والأهواء والفرقة والإعراض والتقليد والعصبية، والتزام منهج السلف الصالح في الدعوة ووسائلها وأهدافها وغاياتها.
٩ - كما شهد كثير منهم بأن هذه الدعوة بأصولها ومناهجها وتجاربها هي المؤهلة بأن تنهض بالأمة الإسلامية اليوم، وتعيدها إلى سابق مجدها، وتجمع شملها على الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح.
[ ٣٠٩ ]
[المبحث الثاني سرد لأسماء بعض الشهود من العلماء والمفكرين والباحثين العرب المسلمين وغير المسلمين]
المبحث الثاني
سرد لأسماء بعض الشهود من العلماء
والمفكرين والباحثين العرب المسلمين (١) وغير المسلمين (٢) ما حظيت دعوة من الدعوات الإصلاحية الحديثة بالتأييد والاعتراف والإنصاف والإشادة والإعجاب من عقلاء الناس من المسلمين وغير المسلمين كما حظيت هذه الدعوة، رغم كثرة خصومها وأعدائها الألداء، فقد شهد لها عدد لا يكاد يحصى من سائر الأقاليم والبلاد العربية والإسلامية والأجنبية من المسلمين وغير المسلمين.
من العلماء والمفكرين والأدباء العرب: أبو السمح عبد الظاهر المصري (مصر) . أبو راس الناصر المغربي (المغرب) . أحمد أمين (مصر) . أحمد السباعي (الحجاز) . أحمد العسة. أحمد بن مشرف الأحسائي (الأحساء) . أحمد حسين (مصر) . أحمد سعيد البغدادي (العراق) . أحمد شلبي (مصر) . أحمد عبد الغفور عطار (الحجاز) . أمين سعيد (الشام) . جمال الدين القاسمي (الشام) . حافظ وهبة (مصر) . حسين بن غنام الأحسائي (الأحساء) . حسين بن مهدي النعيمي (اليمن) . خير الدين الزركلي (الشام) . صالح بن دحيل الجار الله (العراق) . طاهر الجزائري (الشام) . طه حسين (مصر) . عباس محمود العقاد (مصر) . عبد الرحمن الجبرتي (مصر) . عبد الرحمن راتب عميرة (مصر) . عبد الرزاق البيطار (الشام) . عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم. عبد الفتاح الغنيمي (اليمن) . عبد العزيز بن عبد الله الشاوي (العراق) .
_________________
(١) لم أذكر أحدا من علماء الدعوة، ولا من أهل نجد لأنهم قد يتهمون بالتحيز.
(٢) راجع كتاب الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التاريخ للرويشد.
[ ٣١١ ]
عبد الكريم الخطيب (مصر) . عبد القادر التلمساني. عبد المتعال الصعيدي (مصر) . عبد الكريم بن فخر الدين الهندي (الهند) . علي السويدي (العراق) . عثمان البصري الوائلي (العراق) . علي عبد الحليم محمود (مصر) . علي طنطاوي (الشام) . الغزالي خليل عبد (مصر) . عمر أبو النصر (مصر) . فؤاد حمزة. محب الدين الخطيب (مصر) . محمد أبو زهرة (مصر) . محمد بن أحمد الحفظي (اليمن) . محمد بن إسماعيل الصنعاني (اليمن) . محمد بن علي السنوسي (الحجاز) . محمد بن علي الشوكاني (اليمن) . محمد بن ناصر الشريف التهامي (الحجاز) . محمد بهجة الأثري (العراق) . محمد تقي الدين الهلالي (المغرب) . محمد جميل بيهم (العراق) . محمد جلال كشك. محمد حامد الفقي (مصر) . محمد جميل غازي (مصر) . محمد رشيد رضا (الشام ومصر) . محمد خليل هراس (مصر) . محمد ضياء الدين الريس (العراق) . محمد شويل المدني. محمد عبده (مصر) . محمد عبد الله ماضي (العراق) . محمد فتحي عثمان (مصر) . محمد عبده ناشر (اليمن) . محمد محمد حسين (مصر) . محمد كامل القصاب (الشام) . محمود شكري الألوسي (العراق) . محمد ناصر الدين الألباني (الشام) . محمد كامل ضاهر. محمود مهدي الإستانبولي (الشام) . مصطفى الحفناوي. مناع القطان (مصر) . منير العجلاني (الشام) . وهبة الزحيلي (الشام) .
ومن المفكرين والأدباء غير العرب: الأمير شكيب أرسلان (الشام) . جودت باشا تركي (تركيا) . الشاه ولي الله الدهلوي صديق خان (الهند) . عثمان بن فودي الأفريقي (أفريقيا) . عمران بن علي بن رضوان الفارسي. غلام رسول مهر (الهند) . محمد إقبال (الهند) . محمد بشير السهسواني الهندي (الهند) .
[ ٣١٢ ]
محمد كرد علي (الشام) . محمد يوسف (الهند) . مسعود الندوي (الهند) . منح هارون (الهند) . ومن المفكرين والأدباء من غير المسلمين (١)
المؤرخ الألماني داكوبرت فون ميكوس. لوثروب ستودارد. المستشرق الألماني كارل بروكلمان. الأستاذ ويلفرد كانتول. المستشرق النمساوي جولد زيهر. المستشرق البريطاني جب. البروفسور ألبرت حوراني. ودائرة المعارف البريطانية. فيليب حتي. الكاتب الألماني ف. و. فرنو. المؤرخ الفرنسي مانجان. بلغريف. المستشرق الدانمركي كارستل نيبوهر. الكاتب الفرنسي أوليفييه كورانسيز. البروفسور الفرنسي برنارد لويس. المؤرخ السوفييتي فلادميير لوتكس. جواهر لال نهرو. البجيكي دوزي. بركارت. ويلمز. برانجس. باديا. هنري لاوست. روسو.
_________________
(١) يلاحظ أن بعض هؤلاء قد يكون له (مع الاعتراف بفضل هذه الدعوة) آراء غير جيدة وأحكام غير سليمة.
[ ٣١٣ ]
[المبحث الثالث نماذج من شهادات المسلمين من العرب وغيرهم]
المبحث الثالث
نماذج من شهادات المسلمين من العرب وغيرهم كثيرون جدا أولئك الذين شهدوا لهذه الدعوة الإصلاحية من المسلمين من العرب والعجم، سواء منهم من تأثروا بمبادئ الدعوة، أو من بقوا على اتجاهاتهم المخالفة، لكنهم شهدوا بالحق، وقد ذكرت في هذا المبحث نماذج من تلك الشهادات فحسب، ومن ذلك:
* شهادة محمد بن رشيد رضا في مقدمة كتاب " صيانة الإنسان " للسهسواني، مبينا فيها أنه كان متأثرا بالدعاية المضادة للدعوة، وأن عامة المسلمين كذلك، وأنه تحقق من كتب الدعوة وحالها أن الدعاية كاذبة، وأن الخصوم يفترون عليها الكذب.
حيث قال: " كنا نسمع من صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله، فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا، ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين، ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم، وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر، والاطلاع على تاريخ الجبرتي، وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم.
وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها، ولا سيما تواريخ الإفرنج الذين بحثوا عن حقيقة الأمر، فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذا لتجدد مجده، وعادت إليه قوته وحضارته، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفا من تجديد ملك العرب، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى على أن العلامة الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت كان ألف كتابا في تاريخ الإسلام ذكر فيه الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقال إنها عين ما دعا إليه النبيون والمرسلون، ولكنه قال إن الوهابيين في عهده متشددون في الدين، وقد عجبنا له كيف تجرأ على مدحهم في عهد السلطان عبد الحميد، ورأيت شيخنا الشيخ محمد عبده في مصر على رأيه في هداية سلفهم، وتشدد خلفهم، وأنه لولا ذلك لكان إصلاحهم عظيما ورجا أن يكون عاما، وقد ربى الملك عبد العزيز الفيصل أيده الله غلاتهم المتشددين منذ سنتين بالسيف تربية يرجى أن تكون تمهيدا لإصلاح عظيم.
[ ٣١٥ ]
ثم اطلعت على أكثر كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله وفتاويه وكتب أولاده وأحفاده ورسائلهم ورسائل غيرهم من علماء نجد في عهد هذه النهضة التجديدية، فرأيت أنه لم يصل إليهم اعتراض ولا طعن فيهم إلا وأجابوا عنه، فما كان كذبا عليهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وما كان صحيحا أو له أصل بينوا حقيقته وردوا عليه، وقد طبعت أكثر كتبهم، وعرف الألوف من الناس أصل تلك المفتريات عنهم " (١) .
شهادة علماء مكة بعد دخول الدولة السعودية الأولى للحجاز، وحين اطلع علماء مكة وغيرهم على الدعوة ومنهجها عن كثب وحاوروا علماءها وأميرها سعود بن عبد العزيز، وعرفوا أنها هي الدين الحق، واعترفوا بهذه الحقيقة قالوا:
" نشهد - نحن علماء مكة، الواضعون خطوطنا، وأختامنا في هذا الرقيم - أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -، ودعا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز، من توحيد الله، ونفي الشرك، الذي ذكره في هذا الكتاب، أنه هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب.
أشهد بذلك، وكتبه الفقير إلى الله تعالى: عبد الملك بن عبد المنعم القلعي الحنفي، مفتي مكة المكرمة، عفا عنه، وغفر له (٢) .
ثم شهد به كل من محمد صالح بن إبراهيم، مفتي الشافعية بمكة، ومحمد بن محمد عربي البناني، مفتي المالكية بمكة المشرفة، ومحمد بن أحمد المالكي، وعبد الحفيظ بن درويش العجيمي، وزين العابدين جمل الليل، وعلي بن محمد البيتي، وعبد الرحمن جمال، وبشر بن هاشم الشافعي " (٣) .
وشهد بذلك وأقر به الشريف غالب، وكان من ألد أعداء الدعوة قائلا: " الحمد لله رب العالمين، أشهد أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ودعانا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز، من توحيد الله ﷿، ونفي الشرك له، وهو الدين الحق الذي
_________________
(١) مقدمة صيانة الإنسان (٨، ٩) .
(٢) الدرر السنية (٣١٤) .
(٣) الدرر السنية (٣١٥) .
[ ٣١٦ ]
جاء به النبي ﷺ، وكتبه الشريف غالب بن مساعد، غفر الله له آمين؛ الشريف غالب " (١) .
وقد شهد العلامة الشوكاني بأن هذه الدعوة أخرجت الناس في البلاد التي تمكنت منها من الظلمات والبدع والجاهليات إلى إقامة فرائض الدين وشعائر الإسلام، مع تحفظه على بعض الخطابات التي تقال عن هذه الدعوة وأميرها، فقال:
فإن صاحب نجد تبلغ عنه قوة عظيمة لا يقوم لمثلها صاحب الترجمة (٢) فقد سمعنا أنه قد استولى على بلاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر، وغالب بلاد الحجاز ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام، وسائر شعائر الإسلام، ودخل في طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة، وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا، ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم بها من عوج، وبالجملة فكانوا جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا، ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها، ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها، ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام (٣) .
ولقد أخبرني أمير حجاج اليمن السيد محمد بن حسين المراجل الكبسي أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن بأنهم كفار، وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى صاحب نجد لينظر في إسلامهم، فما تخلصوا منه إلا بجهد جهيد (٤) وقد صارت جيوش صاحب نجد في بلاد يام، وفي بلاد السراة المجاورة لبلاد أبي عريش، ومن تبعه من هذه الأجناس اعتبط بمتابعته، وقاتل من يجاوره من الخارجين عن طاعته، فبهذا السبب صار معظم تلك البلاد راجعا إليه، وتبلغنا عنه أخبار الله أعلم بصحتها، ومن ذلك أنه يستحل دم من استغاث بغير الله من نبي أو ولي أو غير ذلك، ولا ريب أن ذلك إذا كان من اعتقاد تأثير
_________________
(١) الدرر السنية (٣١٦) .
(٢) يقصد الشريف غالب.
(٣) ليس الكلام على إطلاقه، راجع دعوى التكفير السابقة في هذا البحث.
(٤) ليس هذا منهجهم، وقد يكون هؤلاء من الأعراب والمتعجلين الذين يفتاتون على الدعوة.
[ ٣١٧ ]
المستغاث به كتأثير الله كفر يصير به صاحبه مرتدا كما يقع في كثير من هؤلاء المعتقدين للأموات الذين يسألونهم قضاء حوائجهم، ويعولون عليهم زيادة على تعويلهم على الله سبحانه، ولا ينادون الله - جل وعلا - إلا مقترنا بأسمائهم، ويخصونهم بالنداء منفردين عن الرب، فهذا من الكفر الذي لا شك فيه ولا شبهة، وصاحبه إذا لم يتب كان حلال الدم والمال كسائر المرتدين، ومن جملة ما يبلغنا عن صاحب نجد أنه يستحل سفك دم من لم يحضر الصلاة في جماعة (١) وهذا إن صح غير مناسب لقانون الشرع، نعم من ترك صلاة فلم يفعلها منفردا ولا في جماعة فقد دلت أدلة صحيحة على كفره، وعورضت بأخرى، فلا حرج على من ذهب إلى القول بالكفر، إنما الشأن في استحلال دم من ترك مجرد الجماعة ولم يتركها منفردا.
وتبلغ أمور غير هذه الله أعلم بصحتها، وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحا، فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب، وكان حنبليا، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة، فعاد إلى نجد، وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما، وهما من أشد الناس على معتقدي الأموات، وقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم، وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده، فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة، فالله أعلم بحقيقة الحال.
وأما أهل مكة فصاروا يكفرونه، ويطلقون عليه اسم الكافر (٢) وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة، فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه، وقدم صاحبه في الدين.
وفي سنة (١٢١٥) وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله، أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب كلها في الإرشاد إلى إخلاص التوحيد، والتنفير من الشرك الذي يفعله المعتقدون في القبور، وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة، والمجلد الآخر يتضمن الرد على جماعة من
_________________
(١) هذه من مفتريات الخصوم، فإن المتتبع لأقوال علماء الدعوة وأعمالهم وفتاواهم يجد الأمر خلاف ذلك.
(٢) وهذه شهادة من محايد ثقة عالم بأن خصوم الدعوة يكفرون، ومن يكفرون؟ يكفرون أهل السنة.
[ ٣١٨ ]
المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة ذاكروه في مسائل متعلقة بأصول الدين، وبجماعة من الصحابة، فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة، تدل على أن المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة، وقد هدم عليهم جميع ما بنوه، وأبطل جميع ما دونوه؛ لأنهم مقصرون متعصبون، فصار ما فعلوه خزيا عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة، وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه، وأرسل صاحب نجد مع الكتابين المذكورين بمكاتبة منه إلى سيدي المولى الإمام، فدفع حفظه الله جميع ذلك إلي، فأجبت عن كتابه الذي كتب إلى مولانا الإمام حفظه الله على لسانه بما معناه أن الجماعة الذين أرسلوا إليه بالمذاكرة لا ندري من هم، وكلامهم يدل على أنهم جهال، والأصل والجواب موجودان في مجموعي.
وفي سنة (١٢١٧) دخلت بلاد أبي عريش وأشرافها في طاعة صاحب نجد، ثم تزلزلت الديار اليمنية بذلك، واستولى أصحابه على بعض ديار تهامة، وجرت أمور يطول شرحها، وهي الآن في سريان، وقد أفردت ما بلغنا من ذلك في مصنف مستقل؛ لأن هذه الحادثة قد عمت وطمت، وارتجفت لها أقطار الديار الشامية والمصرية والعراقية والرومية، بل وسائر الديار، ولا سيما بعد دخول أصحاب النجدي مكة المشرفة، وطرد أشرافها عنها، ولله أمر هو بالغه.
ثم في سنة (١٢٢٢) وصل إلينا جماعة من صاحب نجد سعود بن عبد العزيز، لبعضهم معرفة في العلم، ومعهم مكاتيب من سعود إلى الإمام المنصور بالله - ﵀ - تعالى، وإلي أيضا، ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة (١٢٢٧)، ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة (١٢٢٨)، ودار مع هؤلاء الواردين ومع غيرهم من المكاتبة ما لا يتسع المقام لبسطه " (١) .
* ويشهد المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي للدعوة وأهلها فيقول في حوادث سنة (١٢٢١ هـ):
" وفي هذه الأيام أيضا وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين؛ وذلك لشدة ما حصل لهم (٢) من المضايقة الشديدة، وقطع الجالب عنهم من كل ناحية حتى وصل ثمن الأردب المصري من الأرز خمسمائة ريال، والأردب البر ثلاثمائة
_________________
(١) البدر الطالع (٥٢٥ - ٥٢٧) .
(٢) يعني أهل مكة قبل دخول الإمام سعود.
[ ٣١٩ ]
وعشرة، وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك، فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم والدخول في طاعتهم، وسلوك طريقتهم، وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة، وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها وشرب الأراجيل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة، وبالملازمة على الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة، وترك لبس الحرير والمقصبات، وإبطال المكوس والمظالم.
وكانوا (١) خرجوا عن الحدود في ذلك، حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حاله، وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري.
ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم، فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره، فما يشعر على حين غفلة منه إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون: إن سيد الجميع محتاج إليها، فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر.
فعاهده (٢) على ترك ذلك كله، واتباع ما أمر الله تعالى به في كتابه العزيز، من إخلاص التوحيد لله وحده، واتباع سنة الرسول ﷺ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف، وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور، والذبح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق، واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها؛ ليكون الدين كله لله،
_________________
(١) يعني أهل مكة قبل دخول الإمام سعود.
(٢) يقصد أن الشريف غالبا عاهد سعودا على هذه الأمور المذكورة.
[ ٣٢٠ ]
فعاهده على منع ذلك كله، وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة؛ لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهده.
بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك، فعند ذلك أمنت السبل، وسلكت الطريق بين مكة والمدينة، وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار، وكثر وجود المطعومات، وما يجلبه عربات الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال حتى بيع الأردب من الحنطة بأربعة ريالات.
واستمر الشريف غالب يأخذ العشور من التجار، وإذا نوقش في ذلك يقول: هؤلاء مشركون، وأنا آخذ من المشركين، لا من الموحدين " (١) .
* ويقول الأستاذ محمود شكري الألوسي عن عقيدة أهل نجد ومنهجهم، وأنهم على نهج السلف الصالح:
" والحاصل أن مذهبهم في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وأن طريقتهم طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم، بل الأحكم، وهي أنهم يقرون آيات الصفات والأحاديث على ظاهرها، ويكلون معناها إلى الله تعالى كما قال الإمام مالك في الاستواء، ويعتقدون أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى ".
" وأما ما يكذب عليهم بأنهم يفسرون القرآن برأيهم، ويأخذون من الحديث ما وافق فهمهم من دون مراجعة شرح، ولا معول في شيخ، وأنهم يضعون من رتبة النبي ﷺ، وأنه ليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنهم لا يعتمدون أقوال العلماء، وأنهم يتلفون مؤلفات أهل المذاهب لكون الحق والباطل فيها، وأنهم مجسمة، وأنهم يكفرون الناس على الإطلاق من بعد الستمائة إلى هذا الزمان إلا من كان على ما هم عليه، وأنهم لا يقبلون بيعة أحد إلا إذا أقر عليه أنه كان مشركا، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله، وأنهم ينهون عن الصلاة على النبي ﷺ، وأنهم يحرمون زيارة القبور المشروعة مطلقا، وأنهم لا يرون حقا لأهل البيت، وأنهم يجبرونهم على تزويج غير الكفء لهم، إلى غير ذلك من الافتراءات، فكل ذلك زور عليهم وبهتان وكذب
_________________
(١) تاريخ الجبرتي (٣، ١١٧) .
[ ٣٢١ ]
محض من خصومهم أهل البدع والضلال، بل أقوالهم وأفعالهم وكتبهم على خلاف ذلك كله، فمن روى عنهم شيئا من ذلك أو نسبه إليهم فقد كذب عليهم وافترى، ومن شاهد حالهم وحضر مجالسهم وتحقق ما عندهم علم قطعا أن جميع ذلك وضعه عليهم وافتراه أعداء الدين ".
إلى أن قال: " والقصد بما ذكرناه التنبيه على خطأ من نسب إلى القوم ما هم بريئون منه مما يخل بالديانة، حتى أساء الظن بقسم عظيم من الأمة العربية، وانطوى على بغضهم الذي هو من أعظم أسباب النفاق.
وغالب من أشاع ذلك هم أهل البدع والأهواء الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وكذبوا بأقوالهم وأفعالهم على الدين المبين الذي هو بعيد عنهم بمراحل، وهم الدجالون الجالبون على الإسلام كل عار، وإلا فأهل الإيمان هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " (١) .
* ويقول الأستاذ أمين سعيد:
" أما بعد، فسيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي من أحفل السير بالعظات، وأغناها بالفضائل، وأحقها بالبحث والفحص، والتفسير والتعليل، في سيرة مصلح من كرام المصلحين، ومجاهد من كبار المجاهدين، وعالم من خيرة العلماء، أنار الله بصيرته، وهداه سبله، وألهمه التقوى، فدعا أمته للرجوع إلى الله، والعمل بكتابه، وسنة رسوله، ونبذ الشرك وعبادة القبور، فانقادت إليه واقتدت به، واستجابت له، فأخرجها الله به من الظلمات إلى النور، فنجت وفازت، وجنت أطيب الثمار، وسمت إلى مرتبة الأخيار " (٢) .
قال: " وحققت الدعوة لنجد آمالها، وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت، فأنشأت لها مجتمعا إسلاميا سليما، يؤمن بالتوحيد، ويعظم شأنه، ويسير على هداه، ولا يدعو مع الله أحدا، ولا يزال هذا حاله، لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا، فهو يصدع بالحق ويؤمن به " (٣) .
وقال: " وسيجد دارس هذه الدعوة دراسة علم وتدبر، ورغبة صادقة في الوقوف على حقيقتها وبلوغ أعماقها، والإحاطة بتطورها وتحولها أن الإخلاص الكامل والرغبة الصادقة في
_________________
(١) تاريخ نجد للألوسي (٤٥ - ٤٩) باختصار وتصرف يسير.
(٢) هذا هو كتاب سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٧) .
(٣) سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٨، ٩) .
[ ٣٢٢ ]
تطهير الدين من البدع والخرافات، والعودة إلى الإسلام الصحيح، والأخذ بمذهب الإمام أحمد مذهب السلف الصالح هو الحافز الحقيقي الذي حفز صاحبها إلى دعوتها والمناداة بها " (١) .
إلى أن قال: " الشيخ لم يبتدع بدعة، ولم يحدث حدثا، ولم يأت بجديد من عنده، وإنما هو رأي ارتآه، يمكن أن يلخص بهذه الجملة (الرجوع إلى الله، والعمل بما جاء في كتاب الله، والاقتداء بالرسول والسير على سننه) " (٢) .
وقال في موضع آخر: " فإن المنصفين من علماء الشرق والغرب، ولا سيما أولئك الذين جاءوا في الأزمنة المتأخرة، وفوها حقها من التعظيم والتبجيل، بعد أن درسوها حق دراستها، وغاصوا إلى أعماقها، وأحاطوا بما أنتجته من نتائج عظيمة، وما أثمرته من ثمار طيبة للإسلام والعروبة، ولم يكتف بعضهم بجمل عابرة، بل حبر في وصفها الفصول الطوال، ويمكن القول بدون تردد أن تقدير الناس لها وإعجابهم بسمو مقاصدها يزداد كلما ازدادوا دراسة لها، وإحاطة بسيرة مؤسسها باعتبارها أعظم حركة إصلاح ديني واجتماعي ظهرت في الشرق العربي بالعصور المتأخرة.
وهنالك حقيقة أخرى نرى أن نسجلها في هذه المناسبة، وهي أن معظم العلماء الغربيين الذين كتبوا عنها بالغوا كثيرا في تعظيمها، وأسهبوا وأطالوا في وصف نتائجها، لا فرق في ذلك بين العلماء الإنكليز والألمان والأمريكان من الباحثين في شئون الشرق والإسلام، فقد اتفقوا في وصفها بأنها حركة البعث الإسلامي وطليعة هذه النهضة الكبرى التي تنير آفاق الشرق العربي والإسلامي " (٣) .
* وقال الأستاذ منير العجلاني بعد أن ساق عدة تعاريف للدعوة:
" وعندنا أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عودة إلى الإسلام في أول أمره ومطلع فجره، ومتى قلنا ذلك كفينا أنفسنا عناء الجدل العقيم، ذلك أن من دعا إلى الإسلام الأول فإنما يدعو إلى الإسلام كما كان يرى في المدينة، في عهد الرسول ﷺ، ثم في عهود الخلفاء الراشدين.
_________________
(١) سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١٣) .
(٢) سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١٣، ١٤) .
(٣) هذا هو كتاب سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب (١٩١) .
[ ٣٢٣ ]
كان المسلمون يومئذ يقرءون القرآن، لا دلائل الخيرات ونحوها، وكانوا يروون الأحاديث، لا قصص الطواغيت والخرافات، وكانوا يقولون: " لا إله إلا الله " بقلوبهم، لا على أطراف ألسنتهم، وكانوا يفهمون معناها، ويعملون بمقتضاها، فما كانوا يعبدون إلا الله وحده، لا يشركون معه الصالحين ولا الشياطين، وما كانوا يقيمون المباني والقباب على أضرحة الأولياء، ليدعوا أصحابها وينذروا لهم ويستشفعوا بهم، كأنهم وهم رمم بالية قادرون على جلب الخير ودفع الضر.
كان المسلمون يصلون ويزكون ويحجون ويصومون، وكانوا يجاهدون ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وكان الأئمة في بلاد الإسلام يسوسون الناس بالشرع، ويأمرونهم بأوامر الشرع، وينهونهم عن نواهي الشرع، ثم غابت هذه الصورة الكريمة للإسلام الأول، وحلت محلها صورة شوهاء تعاون على صنعها الجهل والفساد، فعاد الناس إلى ما يشبه " الجاهلية " التي سبقت الإسلام.
وحركة محمد بن عبد الوهاب هي حركة تجديد وتطهير، تجديد وإحياء لما أهمله المسلمون من أمور الإسلام وأوامره، وتطهير للإسلام مما أدخلوه عليه من الشركيات والبدع، ولم تكن دعوة محمد بن عبد الوهاب دعوة " فيلسوف " معتزل في غرفته، ولكنها كانت دعوة زعيم مصلح يكافح دون عقيدته، ويعمل لها بلسانه ويده، وبكل قلبه، وبكل عقله، وبكل جهده.
إن دعوة محمد بن عبد الوهاب ليست " نظرية " أو كتابا ألفه ليقرأه الناس، ولكنها منهاج رسمه، وقام وراءه يدعو إلى العمل به بالموعظة أولا، ثم بالقوة، قوة دولة الإسلام التي قامت على أساس الشرع وحده.
فمنهاج الشيخ ليس إصلاحا دينيا خالصا بالمعنى الذي يفهمه الأوربيون اليوم؛ لأنهم يفرقون بين الدين والدنيا، ويجعلون الدين صلة خاصة بين العبد وخالقه، لا يحمل الناس على اتباعه بالقوة، ثم هم يفرقون بين الدين (أو الشرع) وبين القانون، ويقولون: إن الدولة تلزم الأفراد بالقانون الذي تضعه هي لهم، ولكنها لا تلزمهم بالشرع، بل قد يخالف قانونها الشرع.
إن الإسلام وحده دين ودنيا، ودعوة الشيخ لذلك دعوة جامعة للأمور الدينية والسياسية.
[ ٣٢٤ ]
وخلاصة القول:
أن الوهابية حركة قامت بنشر التوحيد، وكافحت الشرك والبدع، واستأنفت الجهاد، وأنشأت دولة إسلامية على أساس الشرع وحده، ونحن بعد هذا نتفق مع القائلين بأن منهاج الحكومة الوهابية كان مستمدا في كثير من أموره من أفكار ابن تيمية في " السياسة الشرعية " وغيرها من كتبه، ومن أفكار تلامذته وخصوصا ابن القيم " (١) .
ويقول الأستاذ منير العجلاني أيضا:
" كثرت الكتابات عن الوهابية قديما وحديثا، وفيها ثناء، وفيها تجريح، وكانت الكتابات في زمن العثمانيين كلها تقريبا حملات جائرة ظالمة، ثم أخذ الناس يتشككون في حقيقة هذه الكتابات، ويتفهمون الأسباب السياسية والدوافع الشخصية التي كانت تمليها على أصحابها.
وأخيرا بدأ العلماء المنصفون يعطون الحركة الوهابية حقها من الإنصاف والتقدير، وإن لم يكونوا من أتباعها وأنصارها، وإذا اختلفوا معها في أشياء فهم يعرفون لها فضلها ومزاياها، ولكنهم إنما يخشون عليها من الغلاة الذين يريدون فرض آرائهم " المتطرفة " على الآخرين؛ لتوهمهم أن الحق معهم وحدهم " (٢) .
ويقول الأستاذ حافظ وهبة تحت عنوان: " ما هي الدعوة الوهابية؟ ":
" لم يكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نبيا كما ادعى نيبهر الدانمركي، ولكنه مصلح مجدد داع إلى الرجوع إلى الدين الحق، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة، ولا آراء خاصة، وكل ما يطبق في نجد من الفروع هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وأما في العقائد فهم يتبعون السلف الصالح، ويخالفون من عداهم، وتكاد تكون عقائدهم وعبادتهم مطابقة تمام المطابقة لما كتبه ابن تيمية وتلاميذه في كتبهم، وإن كانوا يخالفونهم في مسائل معدودة من فروع الدين، وهم يرون فوق ذلك أن ما عليه أكثر المسلمين من العقائد
_________________
(١) تاريخ البلاد العربية السعودية (١ - ٢٤٢) .
(٢) تاريخ البلاد العربية السعودية (١) .
[ ٣٢٥ ]
والعبادات لا ينطبق على أساس الدين الإسلامي الصحيح " (١) .
وإننا نلخص فيما يلي المسائل التي اشتهروا بها، والتي تعد كأنها طابع خاص بالنجديين (٢) .
أولا: " التوحيد " يعتقدون - استنادا (٣) إلى كلام الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة السلف - أن معنى " لا إله إلا الله " البراءة من كل معبود غير الله، وإخلاص التوجه إلى الله وحده، وأن العبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك الغير إلها مع الله، وإن لم يعتقد الفاعل ذلك، فالمشرك مشرك سواء سمي شركه شركا أو توسلا، وليس لديهم من شك في أن من قال: يا رسول الله، أو يا ابن عباس، أو يا عبد القادر، أو غيرهم من المخلوقين، طالبا بذلك دفع شر أو جلب خير في كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهو مشرك يهدر دمه، ويستباح ماله (٤) .
ثانيا: " الشفاعة " لا ينكرون شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة حسبما ورد، وهم يثبتونها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد أيضا، ولكنها تسأل من المالك لها وهو الله، وإذنه فيها لمن شاء من الموحدين، فيقال: اللهم شفع نبينا محمدا فينا يوم القيامة، اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو نحو ذلك، أما ما يجري على ألسنة الناس من قولهم: يا رسول الله، أو يا ولي الله أسألك الشفاعة، أو غيرها كأدركني أو أغثني أو نحو ذلك فإنه من الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح.
ثالثا: " القبور " الكلام على القبور يتناول أولا: البناء عليها وزيارتها، ثانيا: ما يفعله الناس عندها من الدعاء والصلاة وغيرها، ثالثا: ما يقام عليها من القباب والمساجد، رابعا: السفر إليها. أما زيارة القبور فهي مندوبة للاعتبار والاتعاظ والدعاء للميت وتذكر الآخرة، ويراعى فيها الطريقة التي سنها النبي ﷺ في الزيارة، أما الذبح للمقبور
_________________
(١) جزيرة العرب في القرن العشرين (٣٠٨، ٣٠٩) .
(٢) ليس للنجديين اختصاص في شيء من الدين، فهم على نهج السلف الصالح.
(٣) استنادا للأدلة الشرعية أولا.
(٤) بالشروط والضوابط الشرعية، فليس لكل أحد أن يفعل ذلك بلا دليل ولا سلطان.
[ ٣٢٦ ]
والاستغاثة به والسجود له فهي شرك، وأما تجصيص القبور والبناء والكتابة عليها فكلها من الأمور المبتدعة المنهي عنها.
وهم يستدلون على ذلك بأحاديث كثيرة وردت، وبأقوال السلف الصالح وعملهم، ولذا فقد هدموا في مكة والمدينة القبور المرتفعة وسووها بالأرض، كما أزالوا القباب عند استيلائهم على الحرمين الشريفين في القرن الماضي، كما أزالوها مرة أخرى في الفتح الحاضر سنة (١٣٤٣ و١٣٤٤ هـ) (١٩٢٥ و١٩٢٦ م)، أما شد الرحال والسفر إلى القبور فبدعة.
رابعا: إعلان الحرب على البدع الشائعة في الأمصار مثل الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف اعتقادا منه أنه قربة، ومثل الزيادات على الأذان المشروع.
وبالجملة: فإنهم يحرصون على العبادات الشرعية أن تكون على السنة التي وردت عن النبي ﷺ بلا زيادة أو نقص، ويلحق بهذا ما هو شائع في كثير من الأمصار من خروج النساء وراء الجنائز، وخروجهن لزيارة القبور، والاحتفالات السنوية المسماة بالموالد، وإقامة الحفلات للأذكار المبتدعة، وما يفعله بعض الدراويش من الرقص والمزمار، فإن ذلك كله محرم، وقد منعوا ما كان موجودا منه في الحجاز.
وبسبب ذلك كان الخلاف بين الحكومة العربية السعودية وبين الحكومة المصرية على المحمل وقبوله في الحجاز، والنجديون يحتجون بأنه بدعة لا يصح إقرارها في بلد الوحي والدين، والمصريون يقولون: إنه عادة وشعار للحج ليس إلا (١) .
خامسا: " الجهاد ": مما لا جدال فيه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يعتبر ما انصرف من العبادات لغير الله إسلاما، ولذا فإنه كان يبدأ الأمر بالدعوة إلى التوحيد، وتنفيذ أوامر الله بلا هوادة، فمن أطاع فقد سلم، ومن خالف أو عاند فقد حل دمه وماله، وعلى هذا الأساس كانت غزواتهم في نجد وخارج نجد من اليمن والحجاز، وضواحي سوريا والعراق.
كل بلد يدخلونها حربا فهي حلال لهم، إن أمكنهم البقاء بها ألحقوها بأملاكهم،
_________________
(١) لكن أهل البدع لما منع دخول بدعة المحمل تركوا الحج كله، وزعموا أن السعوديين منعوا الحج.
[ ٣٢٧ ]
وإن لم يمكنهم البقاء اكتفوا بما يصل إلى أيديهم من الغنيمة، وهنا يجيء الخلاف بينهم وبين معارضيهم، فإن غيرهم يقول: إن من قال: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " فقد عصم ماله ودمه (١) أما هم فيقولون: إن القول لا عبرة به ما لم يدعمه العمل، فمن قال: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وهو لا يزال يدعو الموتى، ويستغيث بهم، ويسألهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فهو كافر مشرك، حلال الدم والمال، ولا عبرة بقوله، ولهم على هذا أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ليس هنا موضع تفصيلها.
والجهاد - أو إعلان الحرب - من حقوق الإمام، ينظر إلى المصلحة أو دفع المضرة، فإن رأى المصلحة تعين عليه إعلان الجهاد، ووجب على سائر رعيته متابعته والدخول في سلك الجندية، وعلى هذا كانت الغزوات القديمة والحديثة معتبرة من الجهاد الشرعي.
سادسا: " الاجتهاد ": للشيخ محمد بن عبد الوهاب بعض رسائل في الدعوة إلى الاجتهاد، والرد على أهل التقليد والمعاندين، استند في أكثرها إلى ما كتبه ابن القيم في أعلام الموقعين، ولكن الشيخ محمد وإن كان له بعض مسائل اجتهادية - مثل جعل دية المسلم ٨٠٠ ريال بدل مائة ناقة - فإنه في الحقيقة يخطو خطوات الإمام أحمد، ويعتمد على كتب الفروع المؤلفة على طريقته، ومما لا شك فيه أن علماء نجد في بدء النهضة الإصلاحية كانوا أكثر إحاطة بالسنة، وعلما بالشريعة، وأوسع مدارك، وأبعد نظرا في فهمهم للأحكام " (٢) .
* ويقول أحمد عبد الغفور عطار في الدعوة وإمامها ودولتها: " فالشيخ الإمام مصلح ديني واجتماعي وزعيم سياسي، والمصلح الديني في الإسلام ليس الذي يكون في عزلة عن المجتمع أو السياسة أو الحكم أو الدولة، بل يتناول الإصلاح كل أسباب الحياة ومقوماتها، فالمصلح الديني يصلح حياة الأمة ظاهرها وباطنها، وإصلاح الباطن هو إصلاح المعتقد.
_________________
(١) هذا نص، وتفسره وتقيده نصوص ثابتة أخرى، لكنهم جعلوا ذلك مطلقا، وهذا خلاف ما جاءت به النصوص الشرعية الأخرى، وفعل النبي ﷺ وصحابته هو المفسر والمبين لما أطلق، كما سيأتي بيانه.
(٢) جزيرة العرب في القرن العشرين ص (٣٠٨ - ٣١١) .
[ ٣٢٨ ]
وكان الإمام محمد بن عبد الوهاب مصلحا دينيا على هذا المعنى، وكان بصيرا نافذ البصر في شئون الحكم؛ لأنه وقف على نظم الحكم في الإسلام وغير الإسلام، وعرف الحكم الإسلامي الصحيح الذي كان رسول الله ﷺ قد أنشأه وأرسخ قواعده، وتمسك به من بعده خلفاؤه الراشدون الأربعة، ومن بعدهم عمر بن عبد العزيز، وعرف حكم غير هؤلاء من الخلفاء والملوك معرفة ثاقبة.
وأوقفته دراسة القرآن والسنة على أنظمة حكومات مختلفة سبقت الإسلام من جاهلية وغيرها، واختار من كل ذلك أصح حكم إسلامي، ألا وهو حكم رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، وطبقه بقدر ما اتسع له عصره وقدرة الدولة التي بناها.
وكان الوفاق بين الشيخ ومحمد بن سعود تاما، ووجهة نظرهما واحدة، وكان الشيخ يعين الحاكم بعلمه وآرائه، ويريه نهج الإسلام في السياسة وشئون الدولة، والحاكم نفسه ما كان يعمل عملا في الدولة إلا برأي الشيخ الذي كان يعلن الجهاد، ويبعث الرسل والكتب إلى الأمراء والحكام والعلماء والقضاة في البلدان الخارجة عن حكمه ".
إلى أن قال: " وابن عبد الوهاب بنى حكومته وأسسها وشيدها على قواعد الإسلام الثلاث، فدعا إلى الإيمان بالله إيمانا حقا يقضي بصرف العبادات كلها لله وحده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورسالة رسل الله صلى الله عليهم وسلم هي الدعوة إلى الاعتصام بهذه القواعد، وبناء المجتمع وكل نظمه وقوانينه وتصرفاته عليها، وإذا تعرض الإيمان للفساد أو الخطر وجب على المسلم العالم الصالح أن ينهض للإصلاح ورد الخطر عن العقيدة.
وهذا ما صنع الإمام الشيخ، فهو قد رأى مجتمعه فاسد العقيدة، فقام بالإصلاح، ثم رأى العقيدة الصحيحة السليمة الصالحة في خطر من المبتدعين والضالين والمضلين، فنهض للدفاع عنها بأسلوب الإسلام نفسه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنهما تعرضتا مع العقيدة لحرب شنها عليها الحكام المبتدعون، والعلماء الضالون، والعامة المضللون، فاضطر الإمام لاتخاذ سلاح من حاربوه للدفاع عن العقيدة وأصحابها.
[ ٣٢٩ ]
ونصر الله الإمام المصلح ابن عبد الوهاب نصرا مبينا، وقامت دولة الإسلام التي شيدها على قواعده الصحيحة، وأصبح هو إمام هذه الدولة المسئول عن حمايتها ورعايتها.
وإذا كان الإمام محمد بن عبد الوهاب هو صاحب الدعوة التي أسست حكم الإسلام في الدرعية ثم في نجد، وأقامت دولته، فإن محمد بن سعود كان رأس الحكومة الإسلامية، إذ بايعه الإمام على ولاية الأمر، والدعوة في فجرها ما تزال فكرة في أذهان بضعة نفر من المقتنعين بها، وأبرز الشيخ ومحمد بن سعود الدعوة إلى الواقع بعد أن كانت فكرة، وأقاما مجتمعا إسلاميا، ودولة إسلامية " (١) .
* ويقول الأستاذ فؤاد حمزة في كتابه: " قلب جزيرة العرب ":
" وقد أطلق على أهل نجد خطأ في القرن الماضي اسم الوهابيين، ونسب إليهم أنهم أهل مذهب جديد في الإسلام، إلا أن الحقيقة الآن أصبحت معروفة للناس، فأهل نجد سلفيون يقلدون في المسائل الاجتهادية الإمام أحمد بن حنبل، وقد كانت دعوة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) في القرن الماضي دعوة إصلاحية خالصة لوجه الله، سداها ولحمتها الدعوة إلى الرجوع إلى الإسلام الصحيح، وترك البدع، وهدم معالم الشرك والخرافات والأوهام، وأما نسبة المذهب الجديد إليهم فقد حدث بسبب اختلاط الدعاية التي بثت ضدهم بعناصر سياسية بقصد تنفير الناس منهم، وعدهم خارجين على الإسلام، إلا أنهم مسلمون سنيون، موحدون سلفيو العقيدة خالصو الإيمان " (٢) .
* قال الشيخ محمد أبو زهرة: " لقد اتسمت العصور التي جمد فيها العقل بتقديس آراء الأئمة المجتهدين كما أشرنا، وكان من مظاهر ذلك تقديس الصالحين في حياتهم وبعد مماتهم، وزيارة أضرحتهم والطواف حولها بما يشبه الطواف حول بيت الله الحرام، وكان من أثر ذلك أن قامت طائفة تحارب هذا وتشدد في محاربته متبعة في ذلك آراء ابن تيمية، وقد أخرجتها من مرقدها بعد أن طمرتها السنون " (٣) ثم قال:
_________________
(١) محمد بن عبد الوهاب لأحمد عبد الغفور عطار (٨٨ - ٩٢) .
(٢) قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة (١٠٤، ١٠٥) .
(٣) المذاهب الإسلامية (٢١١، ٢١٢) .
[ ٣٣٠ ]
" ظهرت الوهابية في الصحراء العربية نتيجة للإفراط في تقديس الأشخاص والتبرك بهم، وطلب القربى من الله بزيارتهم، ونتيجة لكثرة البدع التي ليست من الدين، وقد سادت هذه البدع في المواسم الدينية والأعمال الدنيوية، فجاءت الوهابية لمقاومة كل هذا وأحيت مذهب ابن تيمية " (١) .
* وقال الزركلي في الأعلام: " محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب ".
" وكانت دعوته وقد جهر بها سنة (١١٤٣ هـ) (١٧٣٠ م) الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله، تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها، فظهر الألوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان، ومحمد عبده بمصر، وجمال الدين القاسمي بالشام، وخير الدين التونسي بتونس، وصديق حسن خان في بهوبال، وأمير علي في كلكتة، ولمعت أسماء آخرين، وعرف من والاه وشد أزره في قلب الجزيرة بأهل التوحيد " إخوان من أطاع الله "، وسماهم خصومهم بالوهابيين (نسبة إليه)، وشاعت التسمية الأخيرة عند الأوربيين فدخلت معجماتهم الحديثة، وأخطأ بعضهم فجعلها " مذهبا " جديدا في الإسلام؛ تبعا لما افتراه خصومه، ولا سيما دعاة من كانوا يتلقبون بالخلفاء من الترك العثمانيين " (٢) .
* ويقول الدكتور محمد فتحي عثمان: " وقيض الله للانتصار لعقيدة التوحيد الصحيحة (دعوة) و(حركة) تهز عامة الناس وعلماءها وحكامها جميعا على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - (١١١٥ - ١٢٠٦ هـ \ ١٧٠٣ – ١٧٩١ م)، وكانت هذه (الحركة) الواسعة العميقة الفعالة هي خصيصة الرجل وميزته بين الدعاة إلى عقيدة السلف من علماء الحق ومعلمي الخير، الذين طالما نادوا بإصلاح العقائد والأقوال والأعمال، كم من المصلحين دعوا مثل هذه الدعوة، فما السبب في نجاح الدعوة الوهابية دون الأخرى؟ السبب في هذه ما أحاط بالدعوة الوهابية من ظروف لم تتهيأ لغيرها.
_________________
(١) المذاهب الإسلامية (٢١١، ٢١٢) .
(٢) الأعلام لخير الدين الزركلي (٧) .
[ ٣٣١ ]
فقد اضطهد في بلده (العيينة) واضطر أن يخرج منها إلى (الدرعية مقر آل سعود) وهناك عرض دعوته على أميرها محمد بن سعود، فقبلها وتعاهدا على الدفاع عن الدين الصحيح، ومحاربة البدع، ونشر الدعوة في شبه جزيرة العرب باللسان عند من يقبلها، وبالسيف عند من لم يقبلها " (١) .
ويقول العقاد: " فالنهضة في مصر بدأت عند أوائل القرن التاسع عشر، ولكنها بدأت في الجزيرة العربية قبل ذلك بنحو ستين سنة بالدعوة الوهابية التي تنسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبدأت نحو هذا الوقت في اليمن بدعوة الإمام الشوكاني صاحب كتاب " نيل الأوطار "، وكلاهما ينادي بالإصلاح على نهج واحد، وهو العود إلى السنن القديم، ورفض البدع والمستحدثات في غير هوادة، وإنما تسامع الناس بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وظلت الدعوة الشوكانية مقصورة على قراءة كتب الفقه والحديث؛ لأن الوهابيين هدموا القباب والأضرحة في الحجاز، واصطدموا بجنود الدولة العثمانية في إبان حربها مع الدولة الأوربية التي اتفقت على تقسيمها، مثل هذا الاصطدام قد أودى بدولة علي بك الكبير في مصر، فانقض عليه أعوانه، وتمكن منه حساده بعد محالفته لروسيا في حرب الخلافة الإسلامية.
ولم تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثا في الجزيرة العربية، ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، فقد تبعه كثير من الحجاج وزوار الحجاز، وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأعجب المسلمين أن سمعوا أن علة الهزائم التي تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه، وأنهم خلقاء أن يستجدوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب البدع، والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه " (٢) .
ويقول الحسن بن علي آل عايض (٣) في رسالة له إلى الحسين بن علي شريف مكة، مفندا ما رمى به ابن سعود (الملك عبد العزيز - ﵀ -) وعلماء الدعوة من أوصاف مشينة:
_________________
(١) السلفية في المجتمعات المعاصرة (٣٢) .
(٢) موسوعة العقاد الإسلامية (٤، ٦٠٩) .
(٣) أمراء عسير قبل أن تضم للدولة السعودية.
[ ٣٣٢ ]
" وإن أمر ابن سعود ليس كما وهمت في رسالتك أنه أعرابي يقود أجلافا طعامهم الجراد، من ضئضئي ذي الخويصرة، وأن دياره ديار فتن، وعلماءه غلاة يكفرون من لم يدخل في طاعته، ويستبيحون ماله ودمه، وينظرون إلى ما سواهم نظرة الازدراء، وأنه من ولد مسيلمة الكذاب، وأن حوله بني حنيفة وبني تميم، إلى آخر ما ذكرت، ولكن الأمر خلاف ذلك، فأكثر من حوله من قحطان، وهي قبائل ذات بأس ومنعة، ولها أخلاق، ودين تدافع في سبيله ".
ثم قال: " وأما علماء نجد فإن لنا بهم صلة، إذ كانوا يأتون عسيرا ويتصلون بأبي وعمي، وكنا نحضر دروسهم ونحن صغار، فنعم الرجال هم، فإنهم شديدون في ذات الله، وليس لديهم مواربة، فلو علموا أن عبد العزيز قد وضع يده مع الإنكليز في معاهدة ضد العثمانيين لوقفوا في وجهه وكفروه " (١) .
إلى أن قال:
" أما أن الديار هي قرن الشيطان فإن الأرض بأهلها، ولا نعرف عنهم إلا خيرا، ويجب ألا نسيء الظن بالمسلمين، بل علينا أن نتغاضى عن سيئاتهم وخاصة العلماء منهم " (٢) .
وقال محمود فهمي باشا (المهندس المصري) في الجزء الأول من تاريخه (البحر الزاخر) في سياق الكلام عن الوهابية: " ومن بعد مدة استمرت في محاربات شديدة ووقائع عتيدة دخل جميع بلاد العرب في العقائد الوهابية، أي العقائد الإصلاحية للديانة الإسلامية، وصارت نجد أيضا في حالة سياسية مدنية جديدة، وبدل أن كانت جهاتها منقسمة إلى عدة عشائر، وشعوب صغيرة منفصلة عن بعضها ومستمرة في حروب وكروب بين بعضها، صارت مقر دولة قوية، وسلطنة سياسية، مثال سلطنة الخلفاء القدماء، ولرئيس هذه الدولة السلطة في الأعمال الدينية والدنيوية ".
" ومع ما كان عليه الوهابيون من الحروب والمبارزات في بلاد العرب لم يعتدوا على حقوق الحكومتين المجاورتين لهم، وهما حكومة بغداد والحجاز، وكانت قوافل الحجاز تمر من وسط أراضيهم
_________________
(١) تاريخ عسير للحفظي (٣٥٨ - ٣٦٠) .
(٢) تاريخ عسير للحفظي (٣٥٨ - ٣٦٠) .
[ ٣٣٣ ]
من غير أن يحصل لأي قافلة ضرر أو انزعاج، وكانوا في أحوال أخوية ودية مع الشريف سرور شريف مكة، وفي سنة (١٧٨١) بعد الميلاد استحصلوا على رخصة منه في أداء حجهم وطوافهم بالكعبة، فتولد من زيادة قوتهم ونفوذ شوكتهم اشتعال نار الحسد في قلب الشريف غالب، وفي ظرف بضع سنين من تقلده الحكومة وتوظفه شريف مكة بعد الشريف سرور أعلن حربا على الوهابية " (١) .
وقال: " ولما انتظمت مخابرات الشريف غالب مع الدولة التركية العثمانية لم يهمل أدنى طريقة يمكنه إجراؤها في تمكين الدولة العثمانية من الدخول بعساكرها في بلاد العرب لأجل الوقوع بالوهابيين إلا وأجراها، وأثبت (أي زعم) أنهم من الملحدين الكافرين، وأن معاملتهم مع قوافل الحجاج التركية من أقبح الأعمال الفاسدة المضرة " (٢) .
ويقول الدكتور طه حسين عن أثر الدعوة الإصلاحي والأدبي: " اعلم أن الباحث عن الحياة العقلية والأدبية في جزيرة العرب لا يستطيع أن يهمل حركة عنيفة نشأت فيها أثناء القرن الثامن عشر، فلفتت إليها العالم الحديث في الشرق والغرب، واضطرته أن يهتم بأمرها، وأحدثت فيها آثارا خطيرة هان شأنها بعض الشيء، ولكنه عاد فاشتد في هذه الأيام وأخذ يؤثر لا في الجزيرة وحدها بل في علاقاتها بالأمم الأوربية أيضا، هذه الحركة هي حركة الوهابيين التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب شيخ من شيوخ نجد.
نشأ محمد بن عبد الوهاب في بيت علم وفقه وقضاء، تثقف على أبيه، ثم رحل إلى العراق فسمع من علماء البصرة وفقهائها، وأظهر فيها آراءه الجديدة القديمة معا، فسخط عليه الناس وأخرج من البصرة، وكان يريد أن يذهب إلى الشام فحال الفقر بينه وبين ذلك، فعاد إلى نجد وأقام مع أبيه حينا يناظر ويدعو إلى آرائه حتى ظهر أمره وانتشر مذهبه.
وانقسم الناس فيه قسمين: فكان له الأنصار، وكان له الخصوم، وتعرضت حياته آخر الأمر للخطر، فأخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر ليجيروه ويحموا دعوته، حتى انتهى به الأمر إلى قرية الدرعية، وهناك عرض نفسه على أميرها محمد بن سعود فأجاره وبايعه على المعونة والنصرة، ومن ذلك اليوم أصبح المذهب الجديد مذهبا رسميا يعتمد على قوة سياسية تؤيده
_________________
(١) البحر الزاخر (١، ١٧٤) نقلا عن (الوهابيون والحجاز) لمحمد رشيد رضا (٥٨، ٥٩) .
(٢) البحر الزاخر (١، ١٧٤) نقلا عن (الوهابيون والحجاز) لمحمد رشيد رضا (٥٨، ٥٩) .
[ ٣٣٤ ]
وتحميه، بل تنشره في أقطار نجد بالدعوة اللينة حينا وبالسيف والحرب في أكثر الأحيان، وعن هذا التحالف بين الدين والسياسة نشأت في الجزيرة العربية دولة سياسية عظم أمرها واشتد خطرها حتى أشفق منها الترك أشد الإشفاق، فقاوموها ما وسعتهم المقاومة، فلما لم يفلحوا استعانوا بالمصريين وكان أمرهم إذ ذاك إلى محمد علي الكبير، فنجح المصريون في إضعاف هذه الحركة وإزالة هذه الدولة الجديدة، ورد أمرائها إلى ما كانوا عليه قبل ذلك من التواضع، فلا بد من وقفة قصيرة عند هذا المذهب الجديد لنعرف ما هو؟ وما مبلغ تأثيره في الحياة العقلية العربية في هذا العصر الحديث؟
قلت: إن هذا المذهب جديد قديم معا، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من كل شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي خالصا لله وحده ملغيا لكل واسطة بين الله وبين الناس، هو إحياء للإسلام العربي وتطهير له مما أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرب، فقد أنكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة، وكانوا يعظمون القبور، ويتخذون بعض الموتى شفعاء عند الله، ويعظمون الأشجار والأحجار، ويرون أن لها من القوة ما ينفع وما يضر.
وكانوا قد عادوا في سيرتهم إلى حياة العرب الجاهليين، فعاشوا من الغزو والحرب، ونسوا الزكاة والصلاة، وأصبح الدين اسما لا مسمى له، فأراد محمد بن عبد الوهاب أن يجعل من هؤلاء الأعراب الجفاة المشركين قوما مسلمين حقا على نحو ما فعل النبي بأهل الحجاز منذ أكثر من أحد عشر قرنا.
ومن الغريب أن ظهور هذا المذهب الجديد في نجد قد أحاطت به ظروف تذكر بظهور الإسلام في الحجاز، فقد دعا صحبه إليه باللين أول الأمر فتبعه بعض الناس، أظهر دعوته فأصابه الاضطراب وتعرض للخطر، ثم أخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر كما عرض النبي نفسه على القبائل، ثم هاجر إلى الدرعية وبايعه أهلها على النصر، كما هاجر النبي إلى المدينة، ولكن ابن عبد الوهاب لم يرد أن يشتغل بأمور الدنيا فترك السياسة لابن سعود، واشتغل هو بالعلم والدين، واتخذ السياسة وأصحابها أداة لدعوته، فلما تم له هذا أخذ يدعو الناس إلى مذهبه، فمن أجاب منهم قبل منه، ومن امتنع عليه أغرى به السيف وشب عليه الحرب، وقد انقاد أهل نجد لهذا المذهب، وأخلصوا له الطاعة، وضحوا بحياتهم في سبيله على نحو ما انقاد العرب للنبي وهاجروا معه.
[ ٣٣٥ ]
ولولا أن الترك والمصريين اجتمعوا على حرب هذا المذهب وحاربوه في داره بقوى وأسلحة لا عهد لأهل البادية بها، لكان من المرجو جدا أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة، كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول " (١) .
ويقول الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم (٢) " أثارت الدعوة السلفية ولا تزال تثير جدلا كثيرا، فأيدها كثيرون وعارضها كثيرون، والحقيقة أنها لم تأت بجديد في الدين الإسلامي، ولم تكن خارجة عن مبادئه، بل إنها دعوة سنية سلفية، فصاحبها وأتباعها يؤمنون بمذهب أهل السنة والجماعة، ويسيرون على طريقة السلف الصالح فيما يتعلق بآيات الصفات وأحاديثها ".
إلى أن قال: " فالدعوة في أصولها تعتمد على مصدرين أصليين للتشريع، هما القرآن والسنة " (٣) .
وقال: " أما أعداء الدعوة فلقد رموها بما لم يكن فيها، وذلك باتهام أتباعها بالقول بأن العصا خير من النبي ﷺ (٤) وباتخاذهم راية شعارها: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " (بحذف ميم محمد) أي ليس هناك رسول الله، ولا شك أن هدفهم من وراء ذلك هو نشر دعاية سيئة للدعوة وأتباعها، وإظهارها أنها بدعة جديدة لتنفير الناس منها " (٥) .
ويقول محمد جلال كشك: " فالطابع السياسي للحركة الوهابية متوفر لمجرد انتمائها للفكر الإسلامي الصحيح ودعوتها للتوحيد، ولكن لماذا انفردت هذه الدعوة بذلك الأثر السياسي، وتميزت عن الدعوات السلفية التي سبقت أو تلتها، مع أن الفكر التوحيدي ورفض الأولياء أو التمسح بالقبور آراء موجودة - كما قلنا - في الفكر الإسلامي، وأشار إليها ودافع عنها أكثر من عالم في كل قرن وفي أكثر من بلد، ودعوة
_________________
(١) الحياة الأدبية في جزيرة العرب (٣٢ - ٣٧) .
(٢) النص له مع الهوامش.
(٣) ٢٧٨.
(٤) خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، أحمد بن زيني دحلان ص (٢٣٠) .
(٥) جزيرة العرب في القرن العشرين، حافظ وهبة ص (٣١٤) .
[ ٣٣٦ ]
التوحيد التي نادى بها الشيخ تقبلها العلماء في شتى بلدان العالم الإسلامي، أو قل: لم يستطع أحد منهم أن يرفضها، بل على العكس ركز خصومها على اتهامها بأنه " لا جديد فيها " واهتموا بمناقشة الشكليات وافتراء الاتهامات، بينما أعلن أكثر من عالم وفقيه أو حتى مستشرق انطباقها على مبادئ الإسلام الصحيحة، وقد كان ابن سند (١) صادقا وسيئ النية في نفس الوقت عندما قال: " إن خطاب سعود في مكة لم يأت بجديد لا يعرفه عوام أهل مكة "، كذلك ذهب ابن بشر إلى أن الشريف غالبا وافق على أفكار الشيخ لولا أن الحاشية حذرته بأن الوهابيين إنما يريدون ملكه وليس ضميره، " فارتعش قلبه وطار ".
ومحمد بن عبد الوهاب اهتم اهتماما كبيرا هو وورثته من بعده بتأكيد أنه لا جديد في دعوته، وأنه لم يأت بمذهب خامس، وهذا صحيح بالطبع، وإن كان الحرص على نفي تهمة المذهب الخامس " أمر مبالغ فيه؛ لأن المذاهب في حد ذاتها ليست أديانا منزلة، وإنما هي اجتهادات " وهم رجال ونحن رجال " (٢) .
وقال الشيخ أحمد الناصري السلاوي المغربي: " وفي هذه السنة - أعني سنة ست وعشرين ومائتين وألف - وجه السلطان المولى سليمان (٣) - ﵀ - ولده الأستاذ الأفضل المولى أبا إسحاق إبراهيم بن سليمان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج مع الركب النبوي الذي جرت العادة بخروجه من فاس على هيئة بديعة من الاحتفال، وإبراز الأخبية لظاهر البلد، وقرع الطبول (٤) وإظهار الزينة ".
إلى أن قال: " حكى صاحب الجيش (٥) أن المولى إبراهيم عندما ذهب إلى الحج استصحب معه جواب السلطان، فكان سببا لتسهيل الأمر عليهم، وعلى كل من تعلق بهم من
_________________
(١) هو عثمان بن سند البصري، أحد خصوم الدعوة.
(٢) السعوديون والحل الإسلامي (٩٤) .
(٣) يعني سلطان المغرب.
(٤) قرع الطبول لا يليق بشعيرة الحج، وهو من البدع، ومن عبادات الجاهلية والأمم الضالة، وهو ما كانت تمنعه الدولة السعودية لما دخلت مكة والمدينة تعظيما لشعائر الله.
(٥) يقصد المصاحب لركب الحجاج المغاربة.
[ ٣٣٧ ]
الحجاج شرقا وغربا حتى قضوا مناسكهم وزيارتهم على الأمن والأمان والبر والإحسان، قال: حدثنا جماعة وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك السنة أنهم ما رأوا من ذلك السلطان (يعني ابن سعود) ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة، وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه ما به الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام، ونهي عن المنكر الحرام، وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام التي كانت تفعل بهما جهارا من غير نكير.
وذكروا أن حاله كحال آحاد الناس، لا يتميز عن غيره بزي، ولا مركوب، ولا لباس، وأنه لما اجتمع بالشريف المولى إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب لأهل البيت الكريم، وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته، وكان الذي تولى الكلام معه هو الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم الزداغي، فكان من جملة ما قاله ابن سعود لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية، فأي شيء رأيتمونا خالفنا من السنة؟ وأي شيء سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا؟
فقال له القاضي: بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوي، فقال لهم: معاذ الله، إنما نقول كما قال مالك: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة " فهل في هذا من مخالفة؟ قالوا: لا، وبمثل هذا نقول نحن أيضا.
ثم قال له القاضي: بلغنا عنكم أنكم تقولون بعدم حياة النبي ﷺ وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم، فلما سمع ذكر النبي ﷺ ارتعد، ورفع صوته بالصلاة عليه، وقال: معاذ الله، إنما نقول: إنه ﷺ حي في قبره، وكذا غيره من الأنبياء حياة فوق حياة الشهداء.
ثم قال له القاضي: وبلغنا أنكم تمنعون من زيارته ﷺ، وزيارة سائر الأموات مع ثبوتها في الصحاح التي لا يمكن إنكارها، فقال: معاذ الله أن ننكر ما أثبت في شرعنا، وهل منعناكم أنتم لما عرفنا أنكم تعرفون كيفيتها وآدابها؟ وإنما نمنع منها العامة الذي يشركون العبودية بالألوهية، ويطلبون من الأموات أن تقضي لهم أغراضهم التي لا تقضيها إلا الربوبية، وإنما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الموتى، وتذكر مصير الزائر إلى ما صار إليه المزور، ثم يدعو له بالمغفرة، ويستشفع به إلى الله تعالى، يسأل الله المنفرد بالإعطاء والمنع بجاه ذلك الميت إن كان ممن يليق أن يستشفع به، هذا قول إمامنا أحمد بن حنبل - ﵁ -، ولما كان
[ ٣٣٨ ]
العوام في غاية البعد عن إدراك هذا المعنى منعناهم سدا للذريعة، فأي مخالفة في هذا القدر؟ اهـ.
ثم قال صاحب الجيش: هذا ما حدث به أولئك المذكورون، سمعنا ذلك من بعضهم جماعة، ثم سألنا الباقي أفرادا فاتفق خبرهم على ذلك " اهـ.
وذكر المؤلف (صاحب الاستقصاء) بعد هذا الخبر بحثا في زيارة القبور، رجح فيه القول بمنع زيارة الأولياء سدا للذريعة مع بيان العلة، وإشهارها بين الناس، وذكر أن سلطان المغرب المولى سليمان - ﵀ - كان يرى هذا، وألف فيه رسالته المشهورة " (١) .
ويقول عبد الرحمن الجبرتي في تاريخه نقلا عن بعض أكابر جيش محمد علي باشا الذين هزمهم أتباع الدعوة في الحجاز سنة ١٢٢٧ هـ:
" ولقد قال لي بعض أكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع: أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة، وفيهم من لا يتدين بدين، ولا ينتحل مذهبا، وصحبتنا صناديق المسكرات، ولا يسمع في عرضينا أذان، ولا تقام به فريضة، ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين؟ والقوم (٢) إذا دخل الوقت أذن المؤذنون وينتظمون صفوفا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذن وصلوا صلاة الخوف، فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الأخرى للصلاة، وعسكرنا يتعجبون من ذلك لأنهم لم يسمعوا به فضلا عن رؤيته، وينادون في معسكرهم هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون، المستبيحين الزنا واللواط، الشاربين الخمور، التاركين للصلاة، الآكلين الربا، القاتلين الأنفس، المستحلين المحرمات، وكشفوا عن كثير من قتلى العسكر فوجدوهم غلفا غير مختونين، ولما وصلوا (٣) بدرا واستولوا عليها وعلى القرى والخيوف، وبها خيار الناس، وبها أهل العلم الصلحاء، نهبوهم وأخذوا نساءهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم، فكانوا يفعلون فيهم ويبيعونهم من بعضهم لبعض ويقولون: هؤلاء الكفار الخوارج (٤) حتى اتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء
_________________
(١) الوهابيون والحجاز لمحمد رشيد رضا (٣٧ - ٣٩) .
(٢) يعني السعوديين.
(٣) يعني عسكر خصوم الدعوة.
(٤) أكثر الخصوم يأخذون على أتباع الدعوة وصف بعض خصومهم بالكفر والشرك لمن قد يستحق هذا الوصف بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يتورعون عن إطلاق الكفر والخروج - كما في هذا النص - على أتباع الدعوة الذين هم أبعد عن هذه الأوصاف في واقع الحال.
[ ٣٣٩ ]
طلب من بعض العسكر زوجته، فقال له: حتى تبيت معي هذه الليلة وأعطيها لك من الغد " (١) .
ويقول محمد كامل ضاهر تحت عنوان: " الدعوة الوهابية والتطور ":
" مضى على ظهور الدعوة الوهابية حوالي قرنين من الزمن، استطاعت خلالهما أن تحافظ على حيويتها رغم الصعاب الشديدة التي واجهتها، وأن تصبح مصدرا روحيا لمعظم حركات التجديد في العالم الإسلامي الحديث، فالعثمانيون حاولوا القضاء عليها عسكريا بعدما شعروا بجسامة خطرها عليهم من الناحيتين السياسية والدينية، لكنهم فشلوا فأخذوا يحرضون الناس ضدها في شتى أنحاء العالم الإسلامي بعد أن اتهموا أتباعها بالكفر، وبالخروج على طاعة الخليفة العثماني، وقد شارك كثير من علماء المسلمين في هذه الحملة التشهيرية بعد أن هددت الدعوة مكانتهم عند الناس، وقوضت الخرافات والبدع التي كانوا يعتبرونها من صميم الدين، وساعد الانجليز أيضا بهذا التشهير بأن لجئوا إلى تشويه مبادئ الدعوة، خاصة وأن بعض الهنود المتأثرين بالتعاليم الوهابية أسسوا دعوات مشابهة لها في بلادهم، فكانت مصدرا لكثير من المتاعب للحكم الإنجليزي.
ساهمت كل هذه الأسباب في تعثر انتشار أفكار الدعوة بين المسلمين، أو التعرف إلى حقيقتها، لكن الوهابيين تخطوا كل هذه الظروف القاسية، واستطاعوا إنشاء دولة لها دورها المتعاظم في مجتمع الدولة المعاصر.
ومن الممكن أن نعلل حيوية الدعوة الوهابية واستمراريتها بالأسباب التالية:
١ - لأنها كانت تعبر بصدق وإخلاص عن تعاليم الإسلام الحقيقية، كما جاءت من منابعها الأولى في القرآن والسنة، وكما مارسها النبي وصحابته، لذلك دعت إلى تطهير هذه التعاليم من البدع والخرافات التي تسربت إليها من مصادر غريبة، فشوهتها وحادت بها عن معانيها الحقيقية.
٢ - لأنها كانت أول حركة إسلامية في العصور الحديثة سعت إلى إعادة توحيد المسلمين دينيا وسياسيا بعدما أنهكتهم الخلافات المذهبية الضيقة، الناتجة عن تعصب كل فريق لمذهبه دون النظر إلى ما في المذاهب الأخرى من أفكار وآراء راجحة.
_________________
(١) الجبرتي في تاريخه (٣، ٣٤٢) .
[ ٣٤٠ ]
٣ - لأنها ثارت ضد التقليد الذي كان أحد أسباب تخلف المسلمين الفكري وتقهقرهم الحضاري، ونادت بفتح الأبواب بين جميع المذاهب الإسلامية تشبها بالأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب الذين دعوا إلى محاربة التقليد بجميع صوره، وإلى أخذ الحقائق من مصادرها أينما وجدت (١) .
وبهذه الثورة ضد مظاهر الجمود والتقليد والتعصب، التي كانت الطابع المميز لمعظم المسلمين في العهد العثماني، كان مؤسس الدعوة في طليعة الذين عملوا في العصر الحديث لفتح الأبواب بين المذاهب السنية الأربعة التي أغلقها الفقهاء الجامدون منذ القرن الخامس الهجري، وأول من شدد على مبدأ الاجتهاد، واعتبروه واجبا على كل مسلم يستطيعه.
ففي الوقت الذي حارب فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي تدخل من جانب العقل في قضايا العقيدة باعتبارها من مصدر إلهي لا يجوز للعقل البشري مسها، فإن دعوته إلى الاجتهاد والثورة على التقليد ردت الاعتبار إلى دور هذا العقل في القضايا الدينية والدنيوية التي لا نص عليها في القرآن والسنة، فالاجتهاد عمل هام من أعمال العقل في تطور الإسلام ومرونته، وقد وجد فيه زعماء الإصلاح الإسلامي المحدثون السبيل المأمون للتطور والإصلاح الاجتماعي داخل الإسلام نفسه وفي خلود هذا الإسلام في العالم المعاصر وفي المستقبل (٢) .
وبهذا الإقرار بمبدأ الاجتهاد الذي يساير التطور في المجتمع البشري برهنت الدعوة الوهابية قبل غيرها من الدعوات الإصلاحية الإسلامية الحديثة، على أنه تتوافر في تعاليم الإسلام منذ البداية مرونة تمكن المجتمع الإسلامي من التطور الطبيعي دون إهمال قواعده الأساسية.
٤ - استعانتها بقوة سياسية وحربية لتضمن لمبادئها الانتشار والفعالية؛ لأن النظريات والمثل العليا لا تستطيع أن تنتصر بقوتها وصدقها فقط، بل بما يؤيدها من قوى سياسية واقتصادية وعسكرية، ومن أجل ذلك اتصل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأمير الدرعية
_________________
(١) راجع مجموعة الرسائل والمسائل النجدية رسائل وفتاوى الشيخ أحمد بن ناصر بن عثمان بن معمر ص (٣٢٥) (محمد كامل) .
(٢) راجع الإسلام في نظر الغرب، ترجمة إسحاق موسى الحسيني (٧٢) (محمد كامل) .
[ ٣٤١ ]
محمد بن سعود، وتعاهد معه على الجهاد، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الدعوة في جزيرة العرب، " باللسان عند من يقبلها، وبالسيف عند من لم يقبلها ".
إن أحد أسباب الفشل الذي منيت به الحركات الإصلاحية الإسلامية قبل الدعوة الوهابية وبعدها إنما يرجع إلى عدم توافر هذا المبدأ، وهو دليل على بعد النظر الذي كان يتصف به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونصيره الأمير محمد بن سعود، وقد ظل هذا الاتحاد بين القوتين الدينية والسياسية ينمو ويتفاعل حتى انبثقت عنه المملكة العربية السعودية التي يزداد حجم تأثيرها الديني والسياسي والاقتصادي على المجتمعين الإسلامي والعربي من ناحية، وعلى المجتمع الدولي وحضارته من ناحية أخرى.
وفي الوقت الذي بدأت فيه الحضارة الغربية تطرح نفسها كمنهج للتطور المادي للشعوب، وتتسرب وسائلها إلى المجتمعات المتخلفة، كانت المملكة العربية السعودية التي (١) تتمسك بالتعاليم الإسلامية بمفهومها الوهابي في طليعة هذه المجتمعات التي فتحت لها أبوابها، واستعانت بها لتطوير حياة شعبها دون أن يمس ذلك بعقيدتها الدينية أو يتعارض معها " (٢) .
وإن من الحق ما شهدت به الخصوم، ومن ذلك ما قاله عن أثر هذه الدعوة خصمها عثمان بن سند البصري، واختصره عنه أمين بن حسن الحواني:
قال: " ومن محاسن الوهابيين أنهم أماتوا البدع ومحوها، ومن محاسنهم أنهم أمنوا البلاد التي ملكوها، وصار كل ما كان تحت حكمهم من هذه البراري والقفار يسلكها الرجل وحده على حمار بلا خفر خصوصا بين الحرمين الشريفين، ومنعوا غزو الأعراب بعضهم على بعض، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام كأنهم إخوان أولاد رجل واحد "، ثم قال: " وبهاتين الدسيستين خدعوا جميع العوام - يعني بمحو البدعة وتأمين الطرقات والسبل خصوصا بين الحرمين -، وأحبهم سائر الأمم، وغفلوا عن باقي معتقداتهم " (٣) .
_________________
(١) راجع الإسلام في نظر الغرب، ترجمة إسحاق موسى الحسيني (٧٣) (محمد كامل) .
(٢) الدعوة الوهابية وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث (٢٠٩ - ٢١١) .
(٣) نقلا عن انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، محمد كمال جمعة (٥٦) .
[ ٣٤٢ ]
[المبحث الرابع نماذج من شهادات غير المسلمين]
المبحث الرابع
نماذج من شهادات غير المسلمين لقد شهد للدعوة وإمامها وأتباعها ودولتها عدد كبير من الغربيين من مختلف الدول الغربية، وكان كثير منهم شاهد عيان، أو ممن بحث هذه المسألة على المنهج العلمي المتجرد، أو وقف على شيء من الحقيقة، وغالبية من وقفوا على حقيقة الدعوة من الرحالة والباحثين والمستشرقين أثنوا عليها وعلى إمامها، ومما يؤسف له أن هؤلاء الأجانب وهم غير مسلمين إلا النادر منهم كانوا أكثر إنصافا في تقويمها، وأصدق لهجة في الثناء عليها، وأكثر عدلا في الحكم عليها من خصوم الدعوة من المنتسبين للإسلام، من أهل البدع والأهواء.
ولعل أهم سبب لذلك أن الدعوة واجهت أهل البدع، وكشفت عوارهم، وصادمت مصالحهم المبنية على رواج البدع وتبعية الدهماء لهم، التي أكسبتهم الجاه والمال والتحكم في مصالح البلاد والعباد، أما أولئك فكانوا بعيدين عن الصراع المباشر مع الدعوة، ولذلك لما قامت دولتها وتوسعت وقفت الدول الغربية وساستها ضدها، وأسهموا في التحريض عليها ومحاربتها بكل الوسائل، لكن بقي كثيرون من أهل الفكر منهم والباحثين أقرب للحياد والإنصاف والموضوعية في نظرتهم وأحكامهم.
يقول الرحالة (بوركهارت) السويسري الأصل (١)
" لم تكن مبادئ محمد بن عبد الوهاب مبادئ ديانة جديدة، بل كانت جهوده موجهة فقط لإصلاح المفاسد التي تفشت بين المسلمين ونشر العقيدة الصافية بين البدو الذين كانوا مسلمين اسميا، لكنهم جهلاء بالدين وغير مبالين بكل فروضه التي أوجبها (٢) وكما
_________________
(١) نقلت الكلام بهوامشه التي علقها الدكتور عبد الله الصالح العثيمين مترجم الكتاب.
(٢) ورد في بعض رسائل الشيخ محمد ما يؤيد ما ذكره المؤلف، بل إنه كان بين البدو من لا يؤمن بالبعث بعد الموت. انظر: روضة الأفكار، ج١ ص (١٠٨ و١٤٤) (العثيمين) .
[ ٣٤٣ ]
هي الحال بالنسبة لكل المصلحين لم يفهم محمد بن عبد الوهاب من قبل أصدقائه ولا من قبل أعدائه (١) فأعداؤه حينما سمعوا بفرقته الجديدة التي تهاجم انحراف الأتراك وتنظر إلى نبيهم محمد ﷺ بغير نظرتهم التقديسية اقتنعوا بسهولة أن عقيدة جديدة قد اعتنقت، وأن الوهابيين لذلك ليسوا مجرد ضالين بل كافرين (٢) وقد تأكد لديهم هذا الاعتقاد أولا بخداع شريف مكة غالب، وثانيا بنذير الخطر الذي حل بكل الباشوات المجاورين (٣) .
فقد كان شريف مكة العدو اللدود لحكومة الوهابيين حريصا على توسيع شقة الخلاف بين هؤلاء وبين الإمبراطورية التركية، ولذلك نشر بمهارة متواصلة تقارير عن الوهابيين بأنهم كفار؛ ليحبط كل محاولة للتفاوض معهم (٤) ولم يكن باشوات بغداد ودمشق والقاهرة القريبون من البدو المفزعين أقل حرصا منه على إظهار مخططات أعداء المفاسد التركية، وبالتالي العقيدة التركية، بأحلك الألوان " (٥) .
" وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك تقارير كثيرة من الحجاج الذين ذهبوا عن طريق البحر إلى جدة ومكة، وعانوا من غطرسة الجنود الوهابيين، ولم يسمح لهم بأداء الحج أحيانا، وبعد عودتهم إلى بلادهم بالغوا في تصوير ما عانوه، ومن المؤكد أن وصفهم للوهابيين لا يمكن أن يكون محايدا، ولذلك لم يكن غريبا أن أصبح من المعتقد في الشرق عامة أن
_________________
(١) أكثر أصدقاء الشيخ محمد قد فهموه فهما جيدا، لكن من عامة أتباعه من جهل مبادئه نوعا ما، أما أعداؤه فمنهم من فهمه لكنه حاربه عنادا، ومنهم من جهله فعارضه بناء على ما أشيع عنه خطأ (العثيمين) .
(٢) ينظر الوهابيون إلى النبي ﷺ نظرة شرعية، يحبونه ويتبعونه، ولكنهم لا يصرفون إليه أي نوع من أنواع العبادة (العثيمين) .
(٣) كانت مبادئ دعوة الشيخ محمد قد وصلت إلى الحجاز قبل أكثر من أربعين سنة من تولي الشريف غالب الحكم، وكانت قد وصلت إلى هناك مشوهة عن طريق معارضيها في نجد، ووقف أشراف الحجاز منها موقفا عدائيا منذ البداية، إذ سجنوا أتباعها ومنعوهم من الحج سنين طويلة، ثم بدءوا يحاربونها عسكريا منذ سنة ١٢٠٥ هـ. انظر تفاصيل ذلك في كتاب: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص (٦٦ - ٦٩) (الدكتور عبد الله العثيمين) .
(٤) في عهد الشريف مسعود بن سعيد - أي قبل تولي الشريف غالب الحكم بأكثر من أربعين سنة - أصدر قاضي الشرع بمكة حكما كفر فيه الشيخ محمدا وأتباعه، فمنعوا من أداء الحج سنين طويلة (العثيمين) .
(٥) من الواضح كره المؤلف للأتراك، على أن عقيدة الأتراك لا تختلف عن عقيدة غيرهم من المسلمين، فقد كانت البدع والخرافات منتشرة لديهم ولدى غيرهم على حد سواء (العثيمين) .
[ ٣٤٤ ]
الوهابيين كانوا يحاولون أن يوجدوا ديانة جديدة تماما، وأنهم يعاملون الأتراك بقسوة متناهية لأنهم مسلمون، وهو اعتقاد لا ينفيه تصرف كثير من الوهابيين (١) على أن أصحاب هذا التصرف من البدو الذين كانوا جهلاء تماما بالإسلام قبل أن يعرفوا الوهابية، والذين لا تزال معرفتهم به غير صحيحة، ولذلك فإن المبادئ الجديدة بدت لهم ديانة جديدة، خاصة بعد أن عرفوا عادات الحجاج الأتراك وسكان المدن العرب ومبادئهم المختلفة، وقارنوها بمبادئهم الخاصة، ولم تسمح لهم روح التعصب التي غذاها رئيسهم بكل ما وسعه أن يفرقوا بين أمور لا يعرفون عنها إلا معرفة غير صحيحة، وهذا يفسر بوضوح كيف حدث أنهم كانوا يتهمون الأتراك بالكفر، وأن الأتراك بدورهم كانوا يتهمونهم بذلك، على أن قليلا من السوريين الأذكياء الذي قاموا بأداء الحج وجدوا فرصا للتحدث مع المطلعين من الوهابيين، واقتنعوا - على الأرجح - أن عقيدة البدو كانت هي عقيدة الإسلام (٢) ومع أن آراءهم قد لا تتفق مع آراء الوهابيين في كل النقاط فقد شعروا أنه من غير الإنصاف تسميتهم كفارا، لكن شهادة مثل هؤلاء إن جسروا على أدائها دون تعريض أنفسهم لتهمة سوء إسلامهم، كانت غير مجدية أمام الصيحة العامة خاصة بعد سنة ١٨٠٣ م حين ردت قوافل الحج، وتكون رأي عام بأن الوهابيين كانوا أعداء لدودين للديانة الإسلامية " (٣) .
" ومنذ أن وطد جيش محمد علي مكانته في الحجاز ولم تعد مكائد الشريف غالب ذات جدوى، وبدأت الاتصالات المباشرة مع زعماء الوهابيين وقادتهم الصغار، وعادت قوافل الحج تسير في طرقها القديمة، عرفت حقيقة الوهابيين أحسن من ذي قبل حتى في الأجزاء البعيدة من المناطق التركية، ومن المرجح أن الاحترام الذي عبر عنه أهل مكة تجاه
_________________
(١) الدعايات المغرضة ضد هؤلاء وتكفيرهم من قبل الأشراف وغيره من الأمور التي حدثت قبل استيلائهم على الحجاز بأكثر من نصف قرن، لكن هذا الاستيلاء وما ترتب عليه من أحداث زاد من تصميم الدولة العثمانية على القضاء عليهم (العثيمين) .
(٢) يظهر المؤلف أحيانا الوهابيين وكأنهم بدو فقط، والواقع أن عماد دعوة الشيخ محمد كانوا من حاضرة نجد، خاصة في المراحل الأولى من قيام الدولة التي قامت على أساسها. (العثيمين) .
(٣) كان منع سعود بن عبد العزيز قوافل الحج من الوصول إلى مكة موجها فقط ضد أولئك الذين لم يتمشوا بما كان يراه من الحق دينيا وسياسيا، كما سيتضح فيما بعد (العثيمين) .
[ ٣٤٥ ]
حكمهم القصير قد أثر بمعظمه على كل حاج استفسر عن تلك الفرقة الجديدة.
وإذا تطلب الأمر دليلا آخر على أن الوهابيين مسلمون محافظون فإن كتبهم توضح ذلك، فحينما استولى سعود على مكة وزع نسخا من تلك الكتب على السكان (١) وأمر أن يحفظها التلاميذ في المدارس العامة، وليس فيما احتوته إلا ما لا بد لكل تركي من أن يعترف بأنه الحق، وكانت لدى سعود فكرة سيئة مؤداها أن سكان تلك المدينة نشئوا على جهل تام بدينهم، ولذلك رغب في أن يعلمهم أصوله الأولى " (٢) .
إلى أن قال: " ولا يوجد في النظام الوهابي أي مبدأ أخلاقي جديد، فقد اتخذ محمد بن عبد الوهاب القرآن والسنة دليله الوحيد، والخلاف بين فرقته وبين الأتراك السنة مهما قيل عنه هو أن الوهابيين يتبعون بدقة نفس الأحكام التي أهملها الآخرون، أو توقفوا عن مزاولتها كلية، ولهذا فإن وصف الديانة الوهابية ما هو إلا تلخيص للعقيدة الإسلامية، ولإيضاح النقاط التي تختلف فيها هذه الفرقة عن الأتراك لا بد من إعطاء قائمة بكل المفاسد التي يدان بها هؤلاء الأخيرون، ويؤيد هذا القول بقوة رأي علماء أجلاء من القاهرة، ففي خريف عام ١٨١٥م أرسل الزعيم الوهابي مندوبين إلى هذه المدينة أحدهما عالم وهابي جليل (٣) .
وقد طلب محمد علي باشا منهما أن يشرحا عقيدتهما لعلماء القاهرة الكبار، فتقابل العالم الوهابي معهم عدة مرات، وأحرز قصب السبق عليهم لأنه كان يبرهن على كل مسألة عن ظهر قلب بآية من القرآن أو حديث من السنة، وهما مما لا يمكن رده بطبيعة الحال، فأعلن أولئك العلماء أنهم لم
_________________
(١) الكتاب الذي وزعه سعود على أهل مكة بعد دخوله إليها هو رسالة الأصول الثلاثة، وهي معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمدا ﷺ، وهذه الرسالة من تأليف الشيخ محمد المطبوعة مرات عديدة، وقد أورد بوركهارت ترجمة لها جعلها من بين ملاحق كتابه هذا. (العثيمين) .
(٢) مواد لتاريخ الوهابيين لبوركهارت (١٣ - ١٧) ترجمة وهوامش الدكتور عبد الله العثيمين.
(٣) العالم الجليل المشار إليه هو عبد العزيز بن حمد بن إبراهيم من آل مشرف، وهو ابن بنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد حوالي سنة ١١٩٠ هـ، وكان قاضيا في الدرعية، وآخر عمل له تولي القضاء في بلدة سوق الشيوخ العراقية حيث توفي بعد سنة ١٢٤٠ هـ. انظر ترجمته في كتاب: علماء نجد خلال ستة قرون، لعبد الله البسام، مكتبة النهضة الحديثة بمكة، ١٣٩٨ هـ، ج٢، ص (٤٤٣ - ٤٤٤) (العثيمين) .
[ ٣٤٦ ]
يجدوا أية بدع لدى الوهابيين، وبما أن هذا الإقرار قد صدر من العلماء المذكورين فإنه لا يرقى إليه أدنى شك، وقد وصل إلى القاهرة أيضا كتاب يشتمل على رسائل مختلفة عن موضوعات دينية كتبها محمد بن عبد الوهاب نفسه، وقرأ كثير من العلماء ذلك الكتاب، فأقروا بالإجماع أنه إذا كانت هذه هي عقيدة الوهابيين فإنهم أنفسهم يؤمنون بتلك العقيدة.
ولأن العامة من المتحمسين في أية فرقة جديدة يندر أن يتشبعوا بروح مؤسسها الحقيقية فقد حدث أن كثيرا من أتباع ابن عبد الوهاب عدوا أمورا ثانوية من الأمور الأساسية في العقيدة، وهذا ما جعل أعداءهم يكونون فكرة خاطئة عما يفترضون أنها ديانة جديدة، وقد انصب هجوم الوهابيين الشديد بعد حربهم للأولياء (١) بصفة رئيسية على الملابس وتدخين التبغ، فملابس الأتراك الأغنياء لا تتفق إلا قليلا مع تعاليم السنة التي تحرم لبس الحرير والذهب، كما تحرم لبس الفضة إلا بكمية قليلة، وقد نظر الوهابيون إلى أثواب الأتراك المزركشة بازدراء، ولأنهم علموا أن النبي ﷺ قد لبس عباءة مثلهم، وحرم الملابس الفخمة، عدوا من الضروري أن يتبعوا طريقته في اللباس كاتباعهم لمبادئه الأخلاقية، وكان يمكن معرفة الوهابيين في جزيرة العرب فورا بملابسهم، فالعربي الذي لم يعتنق دعوتهم من المؤكد أن يكون جزء من ملابسه من الحرير، إما أن يحلي به الغطاء الذي يلفه على رأسه، أو يطرز به بردته.
أما تدخين التبغ فمن المعروف أن كثيرا من العلماء الأتراك قد ذكروا مرارا في كتاباتهم أنه عمل محرم، وهو مكروه في المذهب المالكي، أحد المذاهب السنية الأربعة، وكثير من العلماء في كل جزء في تركيا يمتنعون عن تدخينه على أساس ديني، وقد رغب الزعيم الوهابي أيضا في أن يمنع تدخين النباتات المسكرة المستعملة كثيرا في الشرق لمعارضة ذلك للقرآن، لكنه لم يستطع أن ينجح في هذا الأمر تماما، ولا بد أن ابن عبد الوهاب كان يعلم في الوقت نفسه أن أتباعه في تضحيتهم الكبيرة بامتناعهم عن التدخين سيصبحون بطبيعة الحال أشد أعداء لكل أولئك الذين لا زالوا منغمسين في ذلك الترف، ولم يعتنقوا دعوته بعد (٢)
_________________
(١) لم يحارب الوهابيون الأولياء، ولم ينكروا كراماتهم، ولكنهم حاربوا وأنكروا صرف أي نوع من أنواع العبادة لهم. انظر تفصيل ذلك في كتاب: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص (١١٣ - ١١٤) (العثيمين) .
(٢) حرم أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب تدخين التبغ على أساسين: أحدهما: أنه يسكر خاصة إذا دخن بعد فترة طويلة من الامتناع عن تدخينه. وثانيهما: أنه يسبب رائحة خبيثة، والخبائث محرمة بنص القرآن الكريم. انظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، القاهرة ١٣٤٦ هـ، ج١، ص (٦٥٢) (العثيمين) قلت: أهم سبب في تحريمه ضرره المجمع عليه (الباحث) .
[ ٣٤٧ ]
وكان تحريم التدخين إحدى الوسائل الرئيسية لإثارة أذهان الوهابيين ضد الأتراك، فلقد أصبح كلمة لامة لشمل المعتنقين الجدد للدعوة، لكنه ظل أصعب شيء على نفوس العرب من بين كل المبادئ التي نادى بها المصلح، وقد حرم الوهابيون الدعاء بالمسبحة، وهو أمر شائع لدى المسلمين مع أن الشرع لم ينص عليه، ومنعوا استعماله (١) ويقال أيضا إنهم حرموا شرب القهوة، ولكن ذلك غير صحيح إذ إنهم دائما يشربونها بقدر كبير.
ومن المشكوك فيه ما إذا كانت لدى ابن عبد الوهاب حين دعا إلى الإصلاح في الدرعية أية فكرة في إنشاء حكم جديد يستظل بظله أتباعه من جزيرة العرب (٢) فقوة أسرته وأسر أقاربه لم تكن تمكنه من اتخاذ تلك الخطوة التي يبدو أنها لم تنجح إلا في عهد عبد العزيز بن محمد بن سعود، ولا ينكر أنه كان لابن عبد الوهاب فضل كبير على العرب بدعوتهم إلى مبادئه الجديدة، كما لا يمكن أن يقال: إن شكل الحكومة التي قامت على أساس دعوته غير مفيد لمصالح الأمة العربية جميعها ورفاهيتها، أما أن العقيدة السائدة والتي يقال: إنها محافظة هي الديانة المحمدية الصحيحة أم الوهابية فأمر غير مهم، لكنه أصبح مهما أن يقضى على الشرك الذي انتشر في كل جزيرة العرب، وفي جزء كبير من تركيا، والذي ترك أثرا أكثر ضررا على أخلاق الأمة من الاعتراف المحدد بديانة خاطئة (٣) ولهذا فإن فضيلة الوهابيين ليست أنهم طهروا الديانة الموجودة، لكن
_________________
(١) يرى أتباع الشيخ محمد أن التسبيح باليد أفضل لأنه الوارد عن النبي ﷺ، ولأنه أكثر حضورا للقلب (العثيمين) .
(٢) يبدو أن الشيخ محمدا كان يرى في بداية الأمر أن منطقة نجد هي مدار الدولة التي ستقوم على أساس دعوته، ذلك أنه حين قابل الأمير عثمان بن معمر أمير العيينة قال له: " إني أرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله وتملك نجدا وأعرابها "، وحين قابل الأمير محمد بن سعود بعد انتقاله إلى الدرعية قال له قولا مشابها لذلك. انظر: عنوان المجد، ج١، ص (٢٢ و٢٤) (العثيمين) .
(٣) هكذا وردت العبارة، ولعل بوركهارت قصد أن يقول: إن الأثر الذي تركه انتشار الشرك أكثر ضررا من مخالفة ما جاء به الشيخ محمد من أمور خاطئة في نظر خصومه (العثيمين) .
[ ٣٤٨ ]
لأنهم جعلوا العرب يزاولون بدقة الأخلاق الإيجابية لدين واحد، ذلك أنه بالرغم من أن البدو في كل زمان عبدوا الله بإخلاص فإن المبادئ الإلهية وحدها لم يكن من المعتقد أن تكفي لتعليم أمة جافة صعبة المراس مزاولة الفضيلة والعدل.
ولقد دفعت رغبة ابن عبد الوهاب وخلفائه في إعادة العرب إلى الحالة التي كانوا عليها عند ظهور مؤسس ديانتهم إلى تغيير وضعهم السياسي بمجرد أن رأوا أتباعهم في ازدياد، وكان محمد ﷺ وخلفاؤه القادة السياسيين والدينيين لأمتهم، وتوضح كتب الفقه الإسلامي في كل صفحة من صفحاتها كيف أنه من الضروري وجود زعيم أعلى في الشئون الدينية والدنيوية، وكانت نجد التي أصبحت المركز الرئيسي للقوة الوهابية مقسمة إلى عدد من المناطق والبلدان والقرى الصغيرة المستقل بعضها عن البعض الآخر، وكانت في حالة حرب مستمرة، ولم يكن يعترف فيها خلا بقانون القوي سواء في البادية أو داخل أسوار البلدان، وكان الأمان الشخصي دائما لا يتحقق إلا على حساب الملكية الفردية (١) .
وبالإضافة إلى ذلك كانت الحرية غير المحدودة للقبائل البدوية، وحروبها التي لا تنتهي، وغزواتها ذات السلب والنهب، قد جعلت نجدا وما حولها مسرحا للفوضى الدائمة وسفك الدماء، ولم يبسط عبد العزيز بن محمد ديانته على كل نجد إلا بعد كثير من الصراع الشديد، ولأنه لم يعد زعيم قبيلة، بل رئيس منطقة، تولى السلطة العليا، وجعل حكمه مشابها لذلك الذي زاوله الأوائل من أتباع محمد ﷺ.
وقد رأى عبد العزيز من العبث أن يحاول استرقاق بني جلدته، ولذلك تركهم ينعمون بحريتهم، لكنه أجبرهم على أن يعيشوا بسلام، وأن يحترموا الملكيات الخاصة، ويطيعوا قرارات النظام " (٢) .
ويقول أحد الرحالة الغربيين الذي سمى نفسه (علي بك العباسي) وقد حضر موسم حج سنة ١٨٠٧ م، وكانت الحجاز تحت سلطة الدولة السعودية الأولى:
_________________
(١) لم يكن الأمراء من أسرة عبد العزيز بن محمد الذي حكموا قبله زعماء قبيلة، بل كانوا أمراء لبلدة، وحين توسع حكمهم بعد اتفاقهم مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب أصبحوا أمراء لمنطقة ثم لمناطق متعددة، فآل سعود في الدرعية قبل عبد العزيز وبعده، وكانوا أمراء حاضرة. (العثيمين) .
(٢) المصدر السابق (٢٣ - ٢٨) .
[ ٣٤٩ ]
" لم يلبث الجبل (١) حتى اكتسى وما حوله من الأرض بجموع الوهابيين، وكان مشهدهم يملأ النفوس ذعرا (٢) ولكن إذا ما تغلب الإنسان على هذا الانطباع الأول وجد لديهم خصالا حميدة، فهم لا يسرقون قط، لا عن طريق القوة، ولا عن طريقة الحيلة، إلا إذا اعتقدوا أن المتاع يخص عدوا أو كافرا، وهم يؤدون أثمان كل ما يشترونه، وأجور كل الخدمات التي تقدم إليهم، بالعملة التي لديهم، يطيعون زعماءهم طاعة عمياء، ويتحملون صامتين كل أنواع المشاق، وهم على استعداد لأن يتبعوا قادتهم إلى أقصى أنحاء المعمورة.
" إن الحقيقة تفرض علي أن أعترف أنني وجدت جميع الوهابيين الذين تحدثت إليهم على جانب من التعقل والاعتدال (٣) وقد استقيت منهم كل المعلومات التي أوردوها عن مذهبهم، ولكن على الرغم من اعتدالهم لا يستطيع السكان والحجاج سماع مجرد اسمهم دون أن تتملك الرجفة قلوبهم، ولا يتلفظون به إلا همسا، لذا فإن الناس يهربون منهم، ويتجنبون التحدث إليهم قدر الإمكان، وكلما أردت التحدث إليهم كان علي أن أتغلب على كثير من الصعوبات التي يخلقها لي من يحيطون بي ".
والسبب الأول في هذه العداوة أن الناس لم يفهموا للوهلة الأولى المعنى الإصلاحي لهدم المزارات وتقويض أضرحة الأولياء التي كان المؤمنون يؤدون لها واجب الإجلال، وقد كاد هذا الإجلال يتحول إلى نوع من العبادة التي لا تجب إلا لله وحده، وألغيت بعض العادات التي كان يتبعها الحجاج، كالإبقاء على خصلة من الشعر عند حلاقة الرأس وفقا للتقاليد، وحظرت زيارة بعض الأماكن المقدسة التي دخلت من قبل في تقاليد الحج، وهكذا هدم مزار جبل النور الذي تقول التقاليد إن الملاك جبرائيل أملى فيه على النبي أول سورة من القرآن، وأقيم حاجز كبير في أسفل الجبل للحيلولة دون صعود الحجاج إليه لأداء الصلاة فيه، وكذلك هدم مزار جبل عرفات نفسه.
وقد طبق الوهابيون على عكس ذلك نصوص الشريعة كما وردت في القرآن الكريم تطبيقا مشددا بحماسة كلية، حتى إن أحدا من الحجاج لم يجرؤ على التدخين، وأرسل
_________________
(١) يقصد جبل عرفات.
(٢) هذا بفعل الدعاية المضادة بدليل ما بعده.
(٣) إذن لماذا الذعر؟
[ ٣٥٠ ]
سعود قاضيا وهابيا ليحل محل الحاكم الزنجي الذي كان قد عينه الشريف في مكة، ومنذ ذلك الحين ساد المدينة نظام جديد، فقد عهد إلى الشرطة الخاصة بالمحافظة على مواعيد الصلاة أن تجوب المدينة لحمل الناس على حضور الصلاة العامة خمس مرات في اليوم، وكان الصناعيون والتجار يجدون أنفسهم مضطرين إلى ترك مشاغلهم وحوانيتهم لأداء تلك الفريضة " (١) .
ويقول ر. ب. ويندر في كتابه: " العربية السعودية في القرن التاسع عشر ":
" ونحن لا نعرف إن كانت الوهابية تستطيع مواجهة عصر الذرة والفضاء، ولكن أحدا لا ينكر قيمتها وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث، وأنها استطاعت الانتقال من " الواقعية " إلى " المثالية "، ومما كان عليه الإسلام إلى ما يجب أن يكون عليه، وبقيت محتفظة " بحيويتها " وفكرتها التحريرية.
ويقول المستشرق الفرنسي هنري لاوست بعد أن ذكر حركة الأفغاني ومحمد عبده:
" ويطلق لقب السلفية أيضا على الحركة الوهابية؛ لأنها أرادت إعادة الإسلام إلى صفائه الأول في عهد السلف الصالح، ولكن كلمة السلفية ليست خاصة بالوهابيين أو الحنابلة، ففي كل المذاهب السنية سلفيون " (٢) .
وكتبت (معلمة الإسلام) في نسختها الإنكليزية، تحت عنوان " الوهابية " ما يلي:
" غاية الوهابية تطهير الإسلام، وتجريده من البدع التي أدخلت عليه بعد القرن الثالث الهجري، ولذلك نراهم يعترفون بالمذاهب الأربعة وبكتب الحديث الستة " (٣) .
ويقول الكاتب الأمريكي لوثروب ستودارد في كتابه (حاضر العالم الإسلامي):
" في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق درجة، فاربد جوه، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجا من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، وتلاشى ما كان باقيا من آثار التهذيب العربي، واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة ".
_________________
(١) اكتشاف جزيرة العرب لجاكلين بيرين (٢٠٢، ٢٠٣) .
(٢) تاريخ البلاد العربية السعودية للعجلاني (١) .
(٣) تاريخ البلاد العربية السعودية للعجلاني (١) .
[ ٣٥١ ]
إلى أن قال: " وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرها من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه النبي على من استطاعه ضربا من المستهزآت، وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطا بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهى الإسلام لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان (١) .
وفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته ومدلج في ظلمته إذ بصوت قد يدوي من قلب صحراء شبه الجزيرة مهد الإسلام، يوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، فكان الصارخ هذا الصوت إنما هو المصلح المشهور (محمد بن عبد الوهاب) الذي أشعل نار الوهابية، فاشتعلت واتقدت واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم والعز التليد، فتبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام.
إلى أن قال: " فالدعوة الوهابية إنما هي دعوة إصلاحية خالصة بحتة، غرضها إصلاح الخرق، ونسخ الشبهات، وإبطال الأوهام، ونقض التفاسير المختلفة والتعاليق المتضاربة التي وضعها أربابها في عصور الإسلام الوسطى، ودحض البدع وعبادة الأولياء، وعلى الجملة هي الرجوع على الإسلام، والأخذ به على أوله وأصله، ولبابه وجوهره، أي أنها الاستمساك بالوحدانية التي أوحى الله بها إلى صاحب الرسالة صافية ساذجة، والاهتداء والائتمام بالقرآن المنزل مجردا، وأما ما سوى ذلك فباطل وليس في شيء من الإسلام، ويقتضي ذلك الاعتصام كل
_________________
(١) لو أن فيلسوفا نقريسا من فلاسفة الإسلام، أو مؤرخا عبقريا بصيرا بجميع أمراضه الاجتماعية، أراد تشخيص حالته في هذه القرون الأخيرة ما أمكنه أن يصيب المحز، وأن يطبق المفصل تطبيق هذا الكاتب الأمريكي ستودارد (تعليق: شكيب أرسلان) .
[ ٣٥٢ ]
الاعتصام بأركان الدين وفروضه وقواعد الآداب كالصلاة والصوم وغير ذلك " (١) .
ويقول المستشرق الهولندي كرستيان سنوك هود خرونيه: " لقد ظهر على أرض شرق الجزيرة العربية مصلح للإسلام (٢) كسب إلى جانبه أمراء (٣) الدرعية، الذين ساندوه في دعوته، ثم تدريجيا منت بدعوته كل مراكز الجزيرة العربية، لقد كان هذا المصلح ينوي أن يعيد الحياة للإسلام بكل ما لديه من قوله، ليس في الجزيرة وحدها، بل في كل مكان يستطيع الوصول إليه " (٤) .
إلى أن قال: " لقد كانت السمة التي تميز بها محمد بن عبد الوهاب كونه عالما تثقف بالعلوم الإسلامية، وفهم مقاصدها وأسرارها، واستطاع بجدارة تامة أن يبرز الإسلام بالصورة الصالبة النقية، كما جاء به الرسول ﷺ ".
وقال: " لقد أدرك محمد بن عبد الوهاب الاختلاف بين الإسلام كما جاء به الرسول ﷺ، والإسلام الذي يمارسه الناس في عصره " (٥) .
ثم قال: " لقد التزم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإصلاح، وجعله هدف دعوته، وكان رائده الإخلاص في القول والعمل، وقد سخر لذلك لسانه وقلمه بجانب قوة ابن سعود وسيفه الذي تبنى هذه الحركة الإصلاحية ودعمها، لقد كانت مدرسة الإمام أحمد بن حنبل هي التي رفع لواءها الشيخ، وجعلها أساسا فكريا للإصلاح، وربما تكون هذه المدرسة أكثر المدارس بساطة وقربا من قلوب السكان، الذين يعيش معظمهم في جهل مطبق، مماثل للجهل الذي كان سائدا في عهد الرسول ﷺ، غير أن هؤلاء السكان لم يكونوا أقل انفتاحا من ذي قبل أمام تأثير دين بسيط ميسر، يثبت كل يوم وعن طريق الوسائل المادية أنه يعمل بصفته قوة مؤثرة وحافزة.
لقد كانت العدالة البسيطة المصحوبة بالقوة عند أمراء آل سعود - حماة الدعوة السلفية -، وأيضا النجاح الباهر الذي أحرزوه، والغنائم الوفيرة التي كانت توزع على الأتباع، قد أثارت الميل إليهم في مواقع معينة، والخوف منهم في مواقع أخرى، وفي غضون سنوات قلائل نمت
_________________
(١) حاضر العالم الإسلامي ترجمة عجاج نويهض، تعليق: شكيب أرسلان.
(٢) هو الإمام محمد بن عبد الوهاب.
(٣) هو الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى ونصير الدعوة.
(٤) صفحات من تاريخ مكة (٢٥٣، ٢٥٤) .
(٥) صفحات من تاريخ مكة (٢٥٦، ٢٥٧) .
[ ٣٥٣ ]
الدولة السعودية لتصبح القوة الرئيسة في جزيرة العرب.
لقد قدر العالم فرصة قليلة لنجاح الدعوة السلفية، وربما كان تقدير سكان المدينتين المقدستين لنجاح هذه الحركة أقل من غيرهم؛ لأن ما كانت الدعوة الإصلاحية تقوم عليه وتطالب بإلغائه كان من بين متطلبات الحياة عند سكان المدينتين المقدستين، فالقبور والأضرحة والبيوت المقدسة كانت تجلب الأموال والفوائد للأدلاء والسدنة، والرسول ﷺ الذي كان يتغنى باسمه في كل عيد بأغاني المديح تعد زيارة قبره في المدينة من أكبر الحظوظ، إن كل هذه الأمور تبدو على عكس ما يراه زعماء الإصلاح الجدد، الذين كانوا يرون أن معظم الجاليات الإسلامية في مكة والجنود وكذلك الرعاع تنتاب حياتهم الكثير من البدع، وأن بعض العلماء هنا يتساهل في قبول مثل هذه الأمور البدعية " (١) .
يقول المستشرق الأسباني " أرمانو " الذي طاف عام (١٩٢١) في أنحاء نجد:
" إن كل ما ألصق بالوهابية من سفاسف وأكاذيب لا صحة له على الإطلاق، فالوهابيون قوم يريدون الرجوع بالإسلام إلى عصر صحابة " محمد " ﷺ، وإنما ينقصهم للوصول إلى أهدافهم المقدسة رجال متنورون مثقفون، وهم ويا للأسف قلائل في هذه الديار، كما تنقصهم أيضا الدعاية لأجل إظهارهم على حقيقتهم البريئة الشريفة " (٢) .
ويقول أحد المعاصرين المحايدين، وهو ولي العهد لولاية برليس بماليزيا: حيث قرأ ترجمة كتاب " مجموع رسائل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب " فقال: " وقرأت تلك الترجمة ووجدت أن ما فيها كله مستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، ووجدت أن محمد بن عبد الوهاب في كتابه دعانا إلى توحيد الله والابتعاد عن الشرك والخرافات، وهل مثل هذه التعاليم خطأ ويؤدي إلى الخلاف والتفرقة؟ وأنا أرى أن من قرأ الكتاب سيجد الشيخ أراد أن نفرق بين الحق والباطل وبين الهداية والضلالة " (٣) .
_________________
(١) صفحات من تاريخ مكة (٢٥٨، ٢٥٩) .
(٢) كتاب " الإسلام " للمستشرق الإيطالي (ليبرتيني) نقلا عن كتاب بين الديانات والحضارات لطه المدور (١٤٢) .
(٣) مقتطفات من كلمة ولي عهد ولاية (برليس) بماليزيا في دورة تدريبية لمعلمي اللغة العربية والثقافة الإسلامية التي أقامتها الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عام (١٤١٥ هـ) مناولة الدكتور عبد الله بن محمد الطريقي.
[ ٣٥٤ ]
[المبحث الخامس استطلاع آراء نخبة من طلاب العلم والخريجين من شتى بلاد العالم]
المبحث الخامس
استطلاع آراء نخبة من طلاب العلم والخريجين من شتى بلاد العالم من خلال هذا البحث وفي أثنائه قمت باستطلاع آراء عدد من طلاب العلم والباحثين وخريجي الجامعات وحملة الماجستير والدكتوراه بطرح عدد من الأسئلة المتنوعة حول هذه الدعوة وتسميتها بالوهابية، والأصول التي قامت عليها، وعن واقعها وأثرها في العالم كله، وعن الشبهات التي تثار حولها وجوابها، وعن الملاحظات التي يراها المشارك في هذه الاستبانة على الدعوة وأتباعها وعما لديه من نصائح واقتراحات ووصايا.
وقد قمت بتوزيع الاستبانة عشوائيا دون انتقاء للأسماء والأشخاص ولا البلدان ولا الفئات ولا المؤسسات ولا الجامعات، كما أن أكثر هذه النخبة هم من طلاب المنح في الجامعات السعودية وكثيرون من غيرهم.
وكان حرصي على استطلاع آراء هذه النوعية لأنهم تتوافر فيهم صفات مطمئنة من الثقافة الشرعية والبحث العلمي، واستقلالية الرأي، والنضج الفكري والعقلي، وأقرب إلى التجرد والإنصاف، وأقدر على معرفة حقيقة الدعوة.
ونظرا لما قد يشعر به البعض من الحرج أو العوائق التي قد تمنع من كشف كامل الحقيقة التي يراها من يجيب على هذه الاستبانة، كان ذكر الاسم اختياريا، ولذلك وردت عدة إجابات دون ذكر الأسماء.
وقبل أن أعرض نتائج الاستبانة في الملحق ينبغي أن أشير إلى خلاصة نتائجها بإجمال:
١ - كانت الإجابات عن السؤال الأول: ماذا تعرف عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو ما يسمى (الوهابية) كلها تجمع على معرفة الشيخ ودعوته، وتختلف فيما بعد ذلك، فأكثر الإجابات ركزت على أوصاف الدعوة، أو أصولها، أو أهدافها، أو بعض ذلك.
٢ - وكان السؤال الثاني عن الرأي بهذه التسمية: (الوهابية)، وكانت أغلب الإجابة على أن وصف الدعوة بالوهابية غير مرغوب فيه وليس صحيحا، وأنها جاءت من الخصوم على سبيل اللمز والسخرية، وعدد قليل قال بأنه لا يمانع من إطلاقها لأنها أصبحت علما على دعوة الإسلام والسنة، ولا عبرة بالمصطلحات والألفاظ ما دامت المضامين صحيحة.
[ ٣٥٥ ]
٣ - والسؤال الثالث كان: هل هذه الدعوة معروفة ببلدك؟ وبماذا تسمى؟
وكانت سائر الإجابات تذكر أنها معروفة في كل بلد من البلاد التي ينتمي إليها المشاركون، وعددها (٣٤) بلدا عدا (بنين ويوربا) لا تعرف فيها الدعوة، حسب إفادة كاتبي الاستبانة، وهما واحد من كل بلد من هذين البلدين.
وتذكر الإجابات أن الدعوة تسمى بالوهابية، والسنة، والسلفية، وأهل الحديث، وأهل السنة، وتطلق على كل من يتمسك بالسنن، ويحارب البدع ويتجنبها، أو يدعو لذلك، وتسمى بالخامسية، ونحو ذلك مما سيأتي تفصيله بعد قليل، وأغلب الإجابات تذكر أنها تقال على سبيل السخرية والسب واللمز.
٤ - وكان السؤال الرابع: (هل ترضى أن تنسب لهذه الدعوة، أو أن يقال عنك: (وهابي)؟) .
فكانت أكثر الإجابات على أن الانتساب لهذه الدعوة مرغوب فيه وشرف؛ لأنها دعوة الإسلام والسنة، لكن دون الارتباط بوصف (الوهابية) فهذا غير مرغوب فيه؛ لأنه سب ولمز يحمل مفاهيم خاطئة عن الدعوة في أذهان الناس.
وبعضهم قال: لا مانع من الانتساب (للوهابية) بهذا الوصف؛ لأن العبرة بالمضامين، ولأنها اشتهرت وصفا لهذه الدعوة السلفية، ولا مشاحة في الاصطلاح.
٥ - والسؤال الخامس عن (أهم الأصول التي قامت عليها الدعوة في نظرك) .
وقد اتفقت غالب الإجابات على أن الدعوة هي الدين الحق الإسلام، وأنها تعتمد على القرآن والسنة، ونهج السلف الصالح، وأنها تمثل أهل السنة والجماعة ونحو ذلك، وما عدا ذلك تفاوتت الإجابات في تعداد أصول الدعوة، وكان أهمها أنها سلفية إصلاحية تجديدية، تدعو للتوحيد ومحاربة الشركيات، ونحو ذلك مما سيأتي ذكره تفصيلا خلال الصفحات التالية.
٦ - والسؤال السادس: عن (أهم المزاعم والشبهات والمفتريات التي يقولها الناس عن هذه الدعوة أو " الوهابية ") .
وكانت أكثر الإجابات تقول بأن الناس يشيعون أن الوهابية مجسمة، وأنهم لا يحبون الرسول ﷺ، ولا يحبون الأولياء، ويحرمون التبرك بهم وزيارتهم، وأنها خارجة عن المذاهب الأربعة المعتبرة عند المسلمين، أو (مذهب خامس) وأن أتباعها فيهم غلو وتشدد ونحو ذلك،
[ ٣٥٦ ]
والملاحظ أن الاستبانات تبين أن ما يثار عن الاتهامات والشبهات كان يوجه لأتباع الدعوة غالبا وليس للدعوة نفسها.
٧ - وكان السؤال السابع عن رأي المشارك في هذه المزاعم.
فكانت الإجابات كلها تعتبر التهم التي قيلت حول الدعوة غير صحيحة، ثم تفاوتت التعابير حول وصفها، ومن ذلك: أنها أباطيل ولا تستند إلى دليل، وكذب وبهتان، وبعضهم علل هذه الاتهامات بأنها بسبب الجهل بالدعوة وسوء الفهم أبعد الناس عن دينهم، أو بسبب سوء تصرفات بعض المنتسبين والمؤيدين للدعوة الخاطئة، ونحو ذلك.
٨ - وكان السؤال الثامن عمن تأثروا بهذه الدعوة.
وكانت الإجابات يتفق الكثير منها على أن أبرز الفئات التي تأثرت بهذه الدعوة في العصر الحاضر الشباب، والطبقات الفقيرة والمتوسطة، والمتعلمون، وخريجو الجامعات، وكذلك من المؤسسات والجامعات كأنصار السنة، وجماعات أهل الحديث، وأهل السنة، والسلفية، ومحاربو البدع.
وقد اتفقت غالب الإجابات على أن هذه الدعوة لا تزال متنامية ويزداد قبولها، وأنها لو سلمت من تجاوزات وأخطاء بعض المنتسبين إليها لكان لها شأن أعظم وأثر أكبر.
٩ - وكان السؤال التاسع عن مدى تأثير هذه الدعوة في بلاد المجيب عن الاستبانة، أو غيرها.
فقد اتفقت سائر الإجابات على وجود الأثر الإيجابي للدعوة، وعلى بعض الأصول الكبرى والغايات العامة التي تحققت بسبب هذه الدعوة، ومن ذلك الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر العلوم الشرعية، وتصحيح العقائد والشعائر، واضمحلال البدع، والاعتزاز بالأحكام والشعائر الإسلامية، وانتشار الحجاب، وكثرة المدارس والمساجد والمراكز والمؤسسات الدعوية والتعليمية، وغير ذلك مما سيأتي تفصيله.
١٠ - وكان السؤال العاشر عن المخالفين لهذه الدعوة من الأفراد والمؤسسات والهيئات ونحوها.
وكانت الإجابات صريحة غالبا، وغير دقيقة في بعض الأحيان، وحدث فيها شيء من الخلط أو سوء الفهم أحيانا كذلك، ونظرا لأن الإجابة تضمنت ذكر أشخاص وهيئات ومذاهب وجماعات وفرق وطوائف قائمة، رأيت أنه ليس من الحكمة نشرها لأنها تحتاج إلى تثبت، وتنطلق من آراء شخصية يختلف الناس
[ ٣٥٧ ]
عليها كثيرا، فآثرت الاحتفاظ بالمعلومات وعدم نشرها.
١١ - والسؤال الحادي عشر كان عن (الاقتراحات والوصايا) التي يراها المجيبون عن هذه الأسئلة.
وقد تضمنت الإجابات اقتراحات ووصايا قيمة ومتنوعة ومفيدة جدا، واتفق كثير منها على أهمية وصية أتباع الدعوة ودعاتها بالرفق والحكمة والحلم والصبر والحوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، والتعاون والإحسان، والابتعاد عن أساليب الشدة والجفاء والتسرع.
ونعرض تفاصيل الإجابات في ملحق قبل الفهارس.
[ ٣٥٨ ]