[حال نجد قبل دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب]
[المقصود بنجد]
حال نجد قبل دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (١)
نجد التي سنتحدث عنها هنا هي نجد وسط جزيرة العرب التي انطلقت منها هذه الحركة الإصلاحية المباركة (لا نجد العراق) وهي أعني (نجد الجزيرة) ما بين الحجاز غربًا والدهناء شرقًا، والربع الخالي جنوبًا والنفود الكبرى شمالًا.
وقد استوعبت نجد منذ أيام الجاهلية الكثير من قبائل العرب الكبرى.
[حال نجد في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين]
حال نجد في عهد النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين: لما جاء الإسلام دانت نجد كلها للدين واستجابت لداعي الحق، ومنها اليمامة، وفيها بنو حنيفة، وكانت ذات أهمية اقتصادية وغيرها، إذ هي مصدر من مصادر التموين لمكة والمدينة والطائف، وبخاصة في المنتجات الحيوانية والزراعية، وأهمها الحنطة.
اليمامة: ومن أهم حواضر نجد: (اليمامة) وقراها، كالدرعية والعيينة والرياض وحريملاء، وموقع اليمامة في قلب نجد.
وكان زعيمها حين هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة: هوذة بن علي بن ثمامة الحنفي، وهو ممن دعاهم النبي - ﷺ - إلى الإسلام كسائر الملوك والرؤساء، لكن هوذة لم يستجب لداعي الإسلام.
ثم ملك بعده ثمامة بن أثال، وله مع النبي - ﷺ - قصة عجيبة انتهت بإعلانه للإسلام ونصرته له (٢) .
وفي عام الوفود (٩، ١٠هـ) دخلت سائر القبائل والحواضر والبوادي النجدية في الإسلام (٣) .
_________________
(١) من مراجع هذا الفصل: تاريخ نجد لابن غنام، وعنوان المجد لابن بشر، والمجاز بين اليمامة والحجاز لابن خميس، وسيرة ابن هشام، والبداية والنهاية لابن كثير، وشبه جزيرة العرب (نجد) لمحمود شاكر.
(٢) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٧، ٢٥٣) .
(٣) انظر المصدر السابق (٧) وما بعدها.
[ ١٦ ]
ولما انتقل رسول الله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، خرجت أحياء وقبائل كثيرة عن الولاء للإسلام، وهم بين مرتد عن الإسلام، وبين مانع للزكاة، ولم يبق على الإسلام إلا مكة والمدينة والطائف، وبعض الأفراد والجماعات، ومنهم صاحب اليمامة ثمامة بن أثال ومعه طائفة من قومه، وقد قاتل مسيلمة مع جيوش أبي بكر - ﵁ - وقبلها.
وحين ظهرت دعاوى النبوة الكاذبة، كان في نجد منها، حركة مسيلمة الكذاب، وكان قد ادعى النبوة قبل موت النبي - ﷺ - لكن بعده قويت شوكته والتف حوله المرتدون والمرتابون من أهل اليمامة وما حولها إلى أن هزمتهم جيوش الصديق - ﵁.
ثم عادت اليمامة وسائر الأقاليم والقبائل النجدية إلى الإسلام بعد قتال المرتدين، وبقيت نجد كلها في عهد أبي بكر - ﵁ - وكذلك في عهد عمر - ﵁ - وما بعدها، تنعم بظل الإسلام الوارف وتخضع للدين كله.
[حال نجد في عهد الدولة الأموية]
نجد في عهد الدولة الأموية: وفي عهود الدولة الأموية، كانت نجد في خلافة معاوية - ﵁ - وابنه يزيد وما بعدهما متنازعة بين قوى وسلطات مختلفة، وفي حال تبعيتها لبني أمية كانت غالبًا تتبع البحرين (الأحساء) أو المدينة النبوية (١) .
[حال نجد في عهد الدولة العباسية]
نجد في عهد الدولة العباسية: وفي عهد دولة بني العباس، كانت تبعية نجد للدولة متفاوت قوة وضعفًا؛ ففي أول العهد العباسي إلى ٢٥١هـ كانت نجد خاضعة للحكم العباسي وتتبع الوالي في الحجاز.
وفي سنة (٢٥١هـ) استقلت دويلة بني الأخيضر في الحجاز، وهي دويلة شيعية زيدية اتسمت بالجور وسوء السيرة.
ثم لمّا هزمتهم جيوش العباسيين، فروا إلى نجد وأقاموا فيها إمارة لهم في منتصف القرن الثالث الهجري، وامتدت إماراتهم إلى البحرين (الأحساء) إلى أن جاء القرامطة الباطنية
_________________
(١) انظر: جزيرة العرب (نجد) محمود شاكر (١٣٩ - ١٤٢) .
[ ١٧ ]
وكانت دولتهم قد قامت بالبحرين سنة (٢٨١هـ)، وهم يوافقون بني أخيضر في انتحال التشيع، فلما قويت القرامطة صارت الأخيضرية تتبعها منذ سنة (٣١٧هـ) تقريبًا، وكان لهيمنة هاتين الدولتين على نجد خلال هذه الأحقاب أثر بالغ السوء في انتشار الجهل والبدع والمحدثات والتقاليد الجاهلية، وشيوع البناء على القبور، والمشاهد والآثار واندراس الكثير من السنن، وصرف المسلمين عن إخلاص العبادة لله وحده، إلى التعلق بالمخلوقين، إلى أن جاءت دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب المباركة فأنقذ الله بها العباد والبلاد من أوضار الشركيات والبدع والجهل والفرقة والضعف والهوان، إلى التوحيد والسنة والعلم والجماعة، والقوة والعزة.
وفي الفترة ما بين نهاية الأخيضريين والقرامطة في منتصف القرن الخامس الهجري بقيت نجد ممزقة مشتتة بين زعامات وإمارات صغيرة متنازعة، أو ولاءات رمزية (١) لبعض الولايات المجاورة، ومشيخة القبائل والعشائر المتنافرة.
[حال نجد في عهد الأتراك]
نجد في عهد الأتراك: وكذلك أمر نجد في عهد العثمانيين، لم يكن أحسن حالًا، إذ لم تكن الدولة العثمانية (الأتراك) تأبه بنجد وأحداثها، وليست عندها ذات شأن؛ ولذلك لم يكن لها على نجد سلطة مباشرة، بل كانت مهملة تتنازعها الإمارات المحلية، أو المجاورة، وكان قد اقتصر وجود الدولة العثمانية في جزيرة العرب على اليمن والحجاز والبحرين (الأحساء) وقد يكون لوالي الأحساء من قبل الأتراك شيء من الإشراف غير المباشر على نجد واليمامة بخاصة.
وقد انقطع ذلك باستقلال زعيم بني خالد براك بن غرير بالأحساء عن الدولة العثمانية سنة (١٠٨٠هـ) .
وكذلك من جهة الحجاز لم يكن هناك نفوذ فعلي للأتراك على نجد، وإن كان بعض الأشراف قاموا بغزو بعض البلاد النجدية غزوات متفرقة ما بين سنة ٩٨٦هـ وسنة (١١٠٧هـ) لكن لم يكن لهم استقرار يذكر، ولم يكن للأتراك عليهم سيادة فعلية، عدا التبعية الشكلية والرمزية أحيانًا.
_________________
(١) انظر السابق (١٧٤) .
[ ١٨ ]
ومع ذلك فإن هذه التبعية الشكلية إنما كانت تهدف إلى مجرد الاعتراف بالسيادة وجلب الضرائب، أو تأمين السبل وتوفير المؤن ونحو ذلك، ولم يكن لها تدخل فعلي في الشؤون الداخلية، فكانت ولايات الإمارة والقضاء، والحسبة، والمرافق تتم من قبل أهل الأقاليم أنفسهم وليس للدولة العثمانية وولاتها فيها حل ولا عقد، وهذا مما يُرد به على الذين توهموا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية خرجوا على الخلافة.
[السمات العامة بنجد إبان ظهور الدعوة]
السمات العامة لنجد إبان ظهور الدعوة: لقد اتسمت البيئة العامة في نجد التي ظهرت فيها دعوة الإمام بسمات خاصة كان لها أكبر الأثر في مسار الدعوة منها:
الوضع الاجتماعي والأمني: غلبة السمة القروية والبدوية عليها، ففي نجد عدد كبير من القرى والواحات، ويقطنها عدد أكبر من القبائل التي تعيش في البادية، وليس بين الحاضرة والبادية وئام، وكان العداء والتنافر سائدًا بينهم؛ لعدم وجود السلطان الذي يجمع الشمل ويحفظ الأمن، ويقيم العدل، كانت العلاقات بين البادية والحاضرة في عداء مستمر وسلب ونهب وقتال غالبًا، بل وكذلك الحال بين قرى الحاضرة نفسها، حيث تسودها المنافرة والتشتت والحروب، وكذلك الحياة بين القبائل البدوية تسودها الفوضى والعصبية والحمية الجاهلية، والقتال والسلب والنهب، وتحكمها الأعراف والعادات الجاهلية.
تبعًا لذلك نرى نجد في عهد قيام الدعوة مشتتة ومقسمة إلى إمارات ومشيخات صغيرة ومتناحرة.
حتى وصل الحال إلى أن القرية الواحدة تتنازعها عدة زعامات! ويكثر بينها التنافر والظلم والجور.
الوضع الديني: كما ساد بينهم - من الناحية الدينية - الجهل والإعراض وشيوع البدع، فكان التصوف البدعي سائدًا، بما فيه التصوف الغالي، كمذهب ابن عربي وابن الفارض، والتصوف حيثما حل حلت الخرافة، وساد الجهل، وانتشرت البدع والخرافات والشركيات وشاعت المنكرات.
[ ١٩ ]
وإن كان يوجد - في الحاضرة - شيء من العلم الشرعي والعلماء، وقليل من التعليم (قراءة وكتابة)، ولكن كانت اهتمامات العلماء مقصورة على الفقه غالبًا، أما عنايتهم بالعقيدة والحديث والتفسير واللغة فهي قليلة، وكما أن جهود العلماء أمام البدع والمنكرات ضعيفة.
وقد بين الشيخ الإمام في إحدى رسائله هذه الأوضاع قائلًا: «وعرفت ما عليه الناس من الجهل والغفلة والإعراض عما خُلِقوا له، وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية، وما معهم من الدين النبوي، وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ وأفعال أدركوا عليها أسلافهم، نشأ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير» (١) . إلى أن قال: «فانظر يا رجل حالك وحال أهل هذا الزمان، أخذوا دينهم عن آبائهم ودانوا بالعرف والعادة» (٢) .
وهذا عن الحاضرة، أما البادية فقد ذكر ابن غنام وغيره، أنهم: لا يعرفون الدين ولا يقيمون شعائره، وكثيرون منهم يجحدون، أو يجهلون الإيمان بالبعث (٣) .
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل (١، ٣) .
(٢) مجموعة الرسائل والمسائل (١) .
(٣) انظر: تاريخ نجد لابن غنام، تحقيق د. ناصر الدين الأسد (١، ١٤٤) .
[ ٢٠ ]
[حال العالم الإسلامي أثناء قيام الدعوة]
حال العالم الإسلامي أثناء قيام الدعوة: لم تكن نجد بأسوأ حالًا من كثير من البلاد الإسلامية الأخرى، فقد كان العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري الذي نشأ فيه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب يعيش أوضاعًا سيئة للغاية من جميع الجوانب، الدينية والدنيوية.
وكان الإسلام قد عاد غريبًا كما أخبر بذلك النبي - ﷺ - قال: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» (١) .
وتتجلى غربة الإسلام بمظاهر كثيرة سائدة منها:
- كثرة البدع والمحدثات، والأهواء والفرق والطرق.
- غربة أهل السنة المستمسكين بالحق، والمجانبين للبدع.
- وغلبة الجهل على عامة المسلمين، لا سيما الجهل بالعقيدة، ومهمات الأحكام.
- إعراض كثير من الناس عن الدين، لا يتعلمونه، ولا يعملون به، إلا ما يوافق الأهواء.
- شيوع التقليد الأعمى والتعصب المذهبي المقيت، إلى أن وصل الحال في المسجد الحرام وقبلة المسلمين أن افترق المسلمون في صلاة الجماعة، فصار أتباع كل مذهب يصلون وحدهم. وضعفت الدولة والسلطان، وأصبح غالب الناس فوضى لا سراة لهم، يسودهم السفلة والطغام، وأهل الأطماع والشهوات.
وأعرض الناس عن السنة وقل أهلها، وعاشوا حال الغربة، واستحكمت البدع وأهلها، وزالت مظاهر القوة والعزة والجماعة.
وتفرقت الأمة إلى أشلاء من الفرق المتفرقة، والطرق المبتدعة، والشعوب المتنافرة، والبلدان المتقاطعة.
مما أدى إلى استحكام العدو بالمسلمين، وتمكنه من تحقيق أغراضه في غزو عقائدهم وعقولهم وأفكارهم وديارهم، وتحكمه في مصالحهم وأحوالهم.
وأعظم أدواء المسلمين آنذاك وأخطرها إخلالهم بحق الله تعالى، حيث لم يخلصوا له العبادة، وكثر لدى الغالبية منهم التعلق بغير الله في الدعاء والاستعانة والاستغاثة والذبح
_________________
(١) رواه مسلم برقم (١٣٠) .
[ ٢١ ]
والنذر لغير الله، وكثرت عندهم الشركيات والبدعيات ووسائلها، من القباب على القبور والمشاهد وتعظيم الأشجار والأحجار، وتقديس الأشخاص الأموات والأحياء.
مما جعل الأمة تصاب بحياة الذلة والهوان والشتات، مما مكَّن للأعداء المحتلين من انتهاك أكثر بلاد المسلمين.
[ظهور دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب]
ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب:
في هذه الظروف الصعبة والأحوال السيئة، والأزمان الحالكة، بدأت أنوار الحق والخير تشع في الأفق، حين شرع الإمام محمد بن عبد الوهاب بالنهوض بدعوة التوحيد والسنة، في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وكان ذلك في حياة والده، وكان والده يشاطره هموم الدين والأمة، لكنه كان بحكم الإشفاق عليه يأمره بالتؤدة والأناة، وبعد أن توفي والده عام (١١٥٣هـ) شرع الإمام في كشف الحقيقة؛ يقرِّر التوحيد، ويعلن السنة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينكر البدع والمحدثات في العقيدة والعبادات والعادات، وينشر العلم، ويفضح أحوال الجاهلين وأهل البدع والأهواء والشهوات، ويقيم الحدود.
حينئذٍ اشتهر أمره، وذاع صيته والتف حوله المخلصون والمصلحون، والغيورون، لا سيما حين شرع يقطع الأشجار التي يقدسها الناس في العيينة، ثم هدم القبة التي على قبر زيد بن الخطاب - ﵁ - ورجم الزانية التي اعترفت عنده بعد أن توافرت عنده شروط الحد. ولما فعل هذه الأمور ذاع صيته، واشتهرت دعوته، وكثر مناصروه وخافه المرتابون، وانقسم الناس عليه.
ومن هنا بدأت ردود الأفعال من خصومه من أهل البدع والأهواء والغوغاء، والحسَّاد، وأهل المطامع والمنتفعين مما عليه الحال السيئة الذين شرعوا بالدعاية المضادة، وراسلوا واستعدوا الناس في الداخل والخارج، لا سيما أمراء الأحساء، ثم ولاة الحجاز ونجران الذين استجابوا للمحرضين وبدأت مرحلة المقاومة المباشرة، والتي تمثلت بإعلان المعارضة الجادة للدعوة، وإعلان الحرب ضدها من كل وجه: دينيًا وسياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا واقتصاديًا، مما سنتعرض لشيء منه في هذا الكتاب - إن شاء الله.
[ ٢٢ ]
[إمام الدعوة وأميرها الدعوة ودولتها]
[الإمام المجدد والدعوة]
[نشأته وشمائله]
الإمام المجدد ودعوته نشأته وشمائله: ظهر الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - المولود سنة (١١١٥هـ) المتوفى سنة (١٢٠٦هـ) بدعوته في قلب نجد، وكانت أحوج ما تكون إلى الإنقاذ من براثن البدع والخرافات والتشتت والجهل والإهمال، وكانت البواعث للإصلاح قوية وضرورية، كما سيأتي بيانه بعد قليل.
وقد ولد هذا الإمام ونشأ في بيئة علم وصلاح واستقامة، فكان أبوه وجده وكثيرون من أفراد أسرته من العلماء والوجهاء، ولهم باع في الفتيا والقضاء والتدريس، مما ساعد هذا الناشئ على استغلال مواهبه الفذة وتوجيهها على منهج شرعي متين وأصيل وفي جو علمي مأمون.
ولعل من المفيد أن أشير هنا إلى أهم مقومات الصلاح والإصلاح والزعامة والإمامة في شخصية هذا المصلح الكبير:
فهو منذ نشأته قد ظهرت عليه سمات العبقرية والمواهب الفذَّة والنبوغ من الذكاء والفطنة والحفظ، والقوة في الفهم، والعمق في التفكير، مما أهّله في وقت مبكر للتلقي والرسوخ في العلم والفقه، مع قوة التدين والإيمان والعبادة والخصال الحميدة من الأمانة والصدق والرحمة والإشفاق والسخاء والحلم والصبر وبُعْدُ النظر وقوة العزيمة، وغيرها من الصفات القيادية التي قَلَّ أن توجد إلا في الأفذاذ والنوادر من رجال التاريخ.
وذلك بخلاف ما يشيعه عنه خصومه وما يصورونه به لأتباعهم من الغوغاء والجهلة والمحجوبين عن الحقائق من أنه جاهل وغبي وشرير وعنيف وقليل التدين والورع!، ونحو ذلك من الأوصاف التي يربأ العاقل بنفسه عن ذكرها فضلًا عن اعتقادها أو تصديقها.
وهل يعقل من جاهل وغبي أن يقوم بهذه الأعمال الجليلة وأن يثير حفيظة هؤلاء الخصوم ويحرك جيوشهم ويقض مضاجعهم؟ ! وهل يمكن لقليل الورع والتدين أن يقوم بهذه الحركة الإصلاحية التي ملأت سمع العالم وبصره إلى اليوم؟ ! وينصره الله ويؤيده ويعلي به الدين؟ ! .
[ ٢٣ ]
[ركائز الدعوة]
ركائز الدعوة: لقد قامت دعوته على المنهج الإسلامي السليم وأرست قواعد الدين وأصوله التي أهمها:
تحرير العبادة لله وحده، والتزام طاعة الله وطاعة رسوله - ﷺ -، وما يستلزمه ذلك من:
١ - ترسيخ التوحيد ونبذ الشرك والمحدثات.
٢ - ومن إقامة فرائض الدين وشعائره بإقامة الصلاة والحسبة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٣ - وتحقيق العدل (القضاء وغيره) وإقامة الحدود.
٤ - وبناء مجتمع إسلامي يقوم على التوحيد والسنة والوحدة والفضيلة والأمن والعدل.
وهذه الركائز كلها تحققت في المواطن التي تمكنت فيها الدعوة أو تأثرت بها تأثرًا كبيرًا، وتتجلى هذه الصورة في البلاد التي شملتها الدولة السعودية المباركة التي حملت لواء الحركة الإصلاحية في مراحلها الثلاث، فكانت كلما حَلَّت في بلاد حلَّ فيها التوحيد والإيمان والسنة والأمن والرخاء، وذلك تحقيقًا لوعد الله تعالى في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] [سورة الحج، الآيتان: ٤٠، ٤١.]، وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] [سورة القصص، آية: ٥.] .
[مميزات سيرة الإمام ودعوته]
مميزات سيرة الإمام ودعوته: لقد تميزت سيرة الإمام ودعوته بميزات كثيرة منها:
نقاء السيرة: إن سيرة الشيخ في شخصه وعلمه وتدينه وأخلاقه وتعامله مع الموافقين والمخالفين، وفي سائر أحواله، ما يجلي الحقيقة في فضله واستقامته وزعامته وإمامته من ناحية، ومن ناحية أخرى إن في سيرته ما يبطل دعاوى الخصوم التي تطعن في شخصه أو دعوته ومنهجه ومنهج أتباعه كذلك.
[ ٢٤ ]
هذا وقد شرح دعوته ومنهجه ودافع عن ذلك في رسائله وكتبه وسلوكه - هو وأتباعه كذلك - بما فيه الكفاية لكل مريد للحق ومنصف للخلق، وسنتناول في هذا الكتاب جملة من النقول في ذلك.
صفاء المشرب: فإن المشارب التي تلقى منها الإمام علمه وأدبه وخلقه مشارب شرعية وفطرية وعرقية صافية تتمثل بالكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، بعيدًا عن الفلسفة والتصوف والكلام، وبالفطرة السليمة التي لم تحرفها المناهج البدعية ولا الشهوات ولا الشبهات، وبالبيئة الأسرية النبيلة ذات الفقه والعلم والحسب والنسب.
سلامة المنهج: لقد كان منهج الإمام في نفسه ودعوته وفي أتباعه ومع مخالفيه منهجًا سلفيًا شرعيًا نقيًا خاليًا من الشوائب، يتسم بالأصالة والثبات واليقين والوضوح والشمولية والواقعية والأهلية لإقامة مجتمع مسلم يتسم بالتدين والطهر والأصالة والحيوية والرقي والأمن.
كما كان منهج التأليف وتقرير الدين وعرضه عند الإمام وأتباعه منهجًا شرعيًا سلفيًا صافيًا يعتمد على القرآن والسنة والألفاظ الشرعية النقية خاليًا من التخرصات الفلسفية، والمصطلحات الصوفية، والمحاورات الكلامية، والتميُّعات الأدبية.
اعتماد منهج السلف الصالح: لقد اعتمد الإمام في دعوته منهج السلف الصالح في كل شيء، وبذلك تميز منهجه بالأصالة والشمول والواقعية والثبات واليقين.
وكان من ثمرة اعتماد هذا المنهج، أن قامت شعائر الدين وأصوله على أتم وجه وأكمله من التوحيد والصلاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود والقضاء والعدل والأمن، وظهور الفضائل واختفاء الرذائل، وشيوع الدين والعلم في كل بلاد وصلتها الدعوة واستقرت فيها دولتها (الدولة السعودية) .
[ ٢٥ ]
فالأسس التي قامت عليها الدعوة هي أسس الدين وثوابت الإسلام، ولذلك آتت ثمارها اليانعة بحمد الله على صراط الله المستقيم، وعلى منهاج النبوة.
الطموح وبُعْد النظر: تميز منهج الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بالطموح واليقين في إعلاء كلمة الله ونصر الدين ونشر السنة، ومعالجة أدواء الأمة من البدع والمحدثات والمنكرات، والجهل، والفرقة والظلم والتخلف.
وبُعد النظر والطموح في المنهج العلمي والعملي الذي سلكه في منهج الدعوة يتجلى ذلك بأمور كثيرة منها:
١ - تركيزه على الأصول الكبرى والأولويات كالتوحيد وفرائض الدين، ومع ذلك لم يهمل ما دون ذلك.
٢ - استعداده المبكر وتقديره لما ستواجهه الدعوة من الصعاب والعقبات على وجه يدل على بُعد النظر وحسن التقدير للأمور والاستعداد لذلك.
٣ - اهتمامه المبكر بالبحث عن سلطة قوية ومؤهلة لحمل أعباء الدعوة وحمايتها، وحسن اختياره للأمير محمد بن سعود بعدما خذله ابن معمر.
الجَدَارة والنجاح: كفى الشيخ مجدًا وعزًا وفخرًا أن ينصر الله به الدين ويظهر به السنة، ولم يمت بحمد الله إلا وهو قرير العين. فقد عاش ورأى ثمار دعوته وهو حي متمثلة براية السنة الخفاقة، ودولة التوحيد في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه سعود وهي ترفل بثياب العز والنصر والهيبة والقوة والأمن، واستعلاء الدين وانكماش البدع حتى قامت خلافة مترامية الأطراف في سائر جزيرة العرب. وبمجتمع إسلامي يحاكي مجتمع السلف الصالح في القرون الفاضلة ولله الحمد والمنة.
فكان بحق إمامًا مجددًا، وقد امتدت آثار دعوته إلى جميع بلاد المسلمين بل العالم كله، ولا تزال بحمد الله هذه الدعوة قائمة حيَّة.
وهي قائمة أيضًا في أتباعها أهل السنة والجماعة في بلادها وفي أي بلد كانوا، وهم بحمد الله كثير.
[ ٢٦ ]
[الأمير المؤسس والدولة]
[أسرته]
الأمير المؤسس والدولة (الأمير محمد بن سعود) أسرته: الأمير محمد بن سعود بن مقرن هو المؤسس الأول لدولة الدعوة (الدولة السعودية) وقد ولد سنة (١١٠٠هـ) على الأرجح (١) (١٦٨٩م) .
وقد ولد في أسرة متميزة وعريقة، جمعت بين الديانة والاستقامة، والإمارة والجاه وحسن السمعة، وهي مؤهلات قد تنبه لها الإمام محمد بن عبد الوهاب حينما خذله أمير العيينة ابن معمر.
وكانت أسرة الأمير محمد بن سعود من آل مقرن تتعاقب الإمارة في الدرعية.
[صفاته وشمائله]
صفاته وشمائله: وقد اشتهر الأمير محمد بن سعود على وجه الخصوص بحسن السيرة ورجاحة العقل والحنكة وسداد الرأي، وبالوفاء والكرم والإحسان، والاستقامة والتدين والعبادة، مع قوة العزيمة والشجاعة ورباطة الجأش (٢) .
وبرهان ذلك: استعداده لاستضافة الإمام الداعية محمد بن عبد الوهاب، وقبوله لاحتضان الدعوة والتزامها والقيام بأعبائها، في تلك الظروف الحرجة والمخاطر التي تكتنف الدعوة وإمامها، والمسؤوليات التي لم يستطع ابن معمر أمير العيينة تحملها رُغْمَ ولائه أول الأمر للدعوة وحماسه في نصرتها وشروعه في تنفيذ برامجها قبل أن ترد إليه التهديدات الجادة والكثيرة من جهات عديدة أخطرها تهديد ابن غرير حاكم الأحساء.
ومع ظهور هذه المخاطر فإن ابن سعود تكفل بالنصرة للإمام وطمأنه، وقد صدق ووفَّى جزاه الله عن الإسلام والمسلمين بعامة، وعن هذه البلاد بخاصة خير الجزاء.
ولم يتوف - ﵀ - إلا وقد قرت عينه بنصرة الدين ونشر السنة وقيام الدولة،
_________________
(١) انظر الدرعية العاصمة الأولى للأستاذ عبد الله بن خميس (١٦١)، والإمام محمد بن سعود وجهوده في تأسيس الدولة السعودية الأولى (٥٤) للدكتور عبد الرحمن العريني.
(٢) انظر الإمام محمد بن سعود للعريني (٥٧ - ٥٩) .
[ ٢٧ ]
وبأبناء بررة كرام أبطال ضربوا أروع الأمثلة في الديانة والأمانة والجهاد، والقيام بأعباء الدعوة والدولة بجدارة واقتدار.
وكانت وفاته - ﵀ - سنة (١١٧٩هـ - ١٩٧٦م) .
[مميزات سيرته ودولته]
مميزات سيرة الأمير محمد بن سعود ودولته: إن من أبرز الخصائص التي تميزت بها شخصية الإمام محمد بن سعود الفذة:
أولًا: فقهه في الدين وفهمه للعقيدة السلفية الصافية، وهذه ميزة نادرة لا تكاد توجد في أمراء ذلك الزمان.
ثانيًا: نصرته للدين، وإخلاصه لعقيدة التوحيد، حيث بذل نفسه وجاهه وماله وأولاده، وسخر كل إمكانياته كأمير وكزعيم، في خدمة الدعوة، ويدل على ذلك مبادرته في نصرته للإمام محمد بن عبد الوهاب في ذلك الوقت الحرج.
ثالثًا: وفاؤه بما عاهد عليه الإمام من نصرة الدعوة والقيام بأعبائها.
رابعًا: تأسيسه للدولة الإسلامية بكل معانيها، وإلغاؤه للحكم العشائري (١) الذي يقوم على العصبية والإقليمية الضيقة، فقد أقام الحكم على مقومات الدولة من حيث تحكيم الشرع وتحقيق الشورى، والحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء والموارد والمصارف المالية، وتطبيق الحدود.
خامسًا: جمعه لكلمة المسلمين على إمام واحد تحت راية واحدة، وسعيه الجاد لتوحيد البلاد تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد تحقق الكثير من ذلك في وقته وأكثر منه بعد وفاته.
سادسًا: نشره للعدل والأمن ورفعه الظلم، ومن ذلك إبطالهُ للضرائب والإتاوات التي تثقل كواهل الناس (٢) .
سابعًا: إلغاؤه الأعراف الجاهلية والتقاليد العشائرية التي تنافي الشرع القويم، والعادات
_________________
(١) انظر الإمام محمد بن سعود دولة الدعوة والدعاة، للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ص (١٠٠) .
(٢) انظر الإمام محمد بن سعود/دولة الدعوة والدعاة، للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ص (١٠٠) .
[ ٢٨ ]
السيئة السائدة بين الناس، وكفُّ أيدي العابثين وأصحاب النهب والسلب والغارات العشائرية والقبلية التي كانت تنشر الفوضى والرعب في نفوس الناس، وتوجيه النزعة القتالية إلى الجهاد المشروع الذي يحقق الدين والعدل والأمن والاستقرار والاجتماع.
ثامنًا: عمل مع الإمام محمد بن عبد الوهاب على نشر العلم والفقه في الدين، والعناية بكتاب الله وحديث رسول لله - ﷺ - وعلوم السلف، والعلوم الأخرى النافعة، فقد نشطت الحركة العلمية في وقته وبعده نشاطًا ملحوظًا، وكثرت الدروس والحِلَق وطلاب العلم، وما يخدم ذلك من الوسائل والأوقاف والنفقات، فكان الإمامان ينفقان على نشر العلم وطلابه بسخاء.
تاسعًا: وقد عمل الإمام محمد بن سعود على كل ما يقوِّي دولة التوحيد من القوة العسكرية والمادية والمعنوية، بإعداد الجيوش والأسلحة، وبناء الحصون والقلاع، وحفر الخنادق، وتدريب الناس والشباب بخاصّة على الفتوة والفروسية (١) .
عاشرًا: كما عمل بكل جِدٍّ وإِخلاص على تسخير كل إمكانات الدولة التي شيدها في خدمة الدين والدعوة، فكان يعاضد الإمام محمد بن عبد الوهاب في إرسال الدعاة والمرشدين، ويبعث العلماء لشرح مبادئ الدعوة والدولة ومقاصدها، ورد المفتريات حولها.
حادي عشر: من أبرز ما عمله لنصرة الدين من الأعمال الباقية: تربيته لأبنائه وأحفاده وأبناء أُسرته، ورجال دولته على الدين والفضيلة والعقيدة النقية الصلبة، والكفاح في سبيل ذلك، وبرهان ذلك ما كان عليه ابنه عبد العزيز وحفيده سعود وإخوانهم وسلالتهم من خدمة الدين والعلم والفضيلة، ونصرة أهلها ونشر السنة، ومحاربة البدع والرذائل، والعمل بشرع الله تعالى واحترام العلماء وتقديرهم. والاهتمام بشؤون المسلمين، وتحقيق الأمن والعدل والاستقرار فجزاه الله وجزاهم جميعًا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ص (١٠٢) .
[ ٢٩ ]