[ ٣ / ٦٨١ ]
(الأمر الأول)
(الأمر الثاني)
(الأمر الثالث)
مقدمة
أما
المقدمة ففي بيان اثني عشر أمرًا تفيد الناظر بصيرة في الفصول.
(الأمر الأول) أن كتب العهد العتيق ناطقة بأن الله واحد أزلي أبدي لا يموت، قادر يفعل ما يشاء ليس كمثله شيء لا في الذات ولا في الصفات، بريء عن الجسم والشكل، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد.
(الأمر الثاني) أن عبادة غير الله حرام، وحرمتها مصرحة في مواضع شتى من التوراة مثل الباب العشرين والرابع والثلاثين من سفر الخروج، وقد صرح به في الباب الثالث عشر من سفر الاستثناء أنه لو دعا نبي أو من يدعي الإلهام في المنام إلى عبادة غير الله يقتل هذا الداعي، وإن كان ذا معجزات عظيمة، وكذا لو أغرى أحدٌ من الأقرباء أو الأصدقاء إليها يُرْجَم هذا المُغْري ولا يرجم عليه، وفي الباب السابع عشر من السفر المسطور أنه لو ثبتت على أحد عبادة غير الله يُرْجَم رجلًا كان أو امرأة.
(الأمر الثالث) في الآيات الكثيرة الغير المحصورة من العهد العتيق إشعار بالجسمية والشكل والأعضاء لله تعالى مثلًا في الآية ٢٦ و٢٧ من الباب الأول من سفر التكوين والآية ٦ من الباب التاسع من السفر المذكور إثبات الشكل والصورة لله،
[ ٣ / ٦٨٢ ]
وفي الآية ١٧ من الباب التاسع والخمسين من كتاب أشعياء إثبات الرأس، وفي الآية ٩ من الباب السابع من كتاب دانيال إثبات الرأس والشعر، وفي الآية ٣ من الزبور الثالث والأربعين إثبات الوجه واليد والعضد، وفي الآية ٢٢ و٢٣ من الباب الثالث والثلاثين من كتاب الخروج إثبات الوجه والقفا، وفي الآية ١٥ من الباب الثالث والثلاثين إثبات العين والأذن، وكذا في الآية ١٨ من الباب التاسع من كتاب دانيال إثبات العين والأذن، وفي الآية ٢٩ و٥٢ من الباب الثامن من سفر الملوك الأول وفي الآية ١٧ من الباب السادس عشر والآية ١٩ من الباب الثاني والثلاثين من كتاب أرمياء والآية ٢١ من الباب الرابع والثلاثين من كتاب أيوب، والآية ٢١
[ ٣ / ٦٨٣ ]
من الباب الخامس والآية ٣ من الباب الخامس عشر من كتاب الأمثال إثبات العين، وفي الآية ٤ من الزبور العاشر إثبات العين والأجفان، وفي الآية ٦ و٨ و٩ و١٥ من الزبور السابع عشر إثبات الأذن والرجل والأنف والنفس والفم، وفي الآية ٢٧ من الباب الثلاثين من كتاب أشعياء إثبات الشَّفة واللسان، وفي الباب الثالث والثلاثين من سفر الاستثناء إثبات اليد والرجل، وفي الآية ١٨ من الباب الحادي والثلاثين من سفر الخروج إثبات الأصابع، وفي الآية ١٩ من الباب الرابع من كتاب أرمياء إثبات البطن والقلب، وفي الآية ٣ من الباب الحادي والعشرين من كتاب أشعياء إثبات الظهر،.
[ ٣ / ٦٨٤ ]
وفي الآية ٧ من الزبور الثاني إثبات الفرج، وفي الآية ٢٨ من الباب العشرين من أعمال الحواريين إثبات الدم، وللتنزيه في التوراة آيتان وهما
الآية الثانية عشرة والآية الخامسة عشرة من الباب الرابع من سفر الاستثناء وهما هكذا: ١٢ "فكلمكم الرب من جوف النار فسمعتم صوت كلامه ولم تروا الشبه ألبتة" ١٥ "فاحفظوا أنفسكم بحرص فإنكم لم تروا شبيهًا يومًا كلمكم الرب في حوريب من جوف النار" ولما كان مضمون هاتين الآيتين مطابقًا للبرهان العقلي، وجب تأويل الآيات الغير المحصورة لا [عدم] تأويلهما، وأهل الكتاب ههنا أيضًا يوافقوننا ولا يرجحون الآيات الغير المحصورة على هاتين الآيتين، وكما يوجد الإشعار بالجسمية لله تعالى فكذا يوجد بإثبات المكان لله تعالى في الآيات الغير محصورة من العهد العتيق والجديد مثل الآية ٨ باب ٢٥، والآية ٤٥ و٤٦ من باب ٢٩ من سفر الخروج، وفي الآية ٣ باب ٥ و٣٤ باب ٣٥ من سفر العدد، وفي الآية ١٥ من الباب السادس والعشرين من سفر الاستثناء، وفي الآية ٥ و٦ من الباب السابع من سفر صموئيل الثاني، وفي الآية ٣٠ و٣٢ و٣٤ و٣٦ و٣٩ و٤٥ و٤٩ من الباب الثامن من سفر الملوك الأول،.
[ ٣ / ٦٨٥ ]
وفي الآية ١١ من الزبور التاسع، وفي الآية ٤ من الزبور العاشر، وفي الآية ٨ من الزبور الخامس والعشرين، وفي الآية ١٦ من الزبور السابع والستين، وفي الآية ٢ من الزبور الثالث والسبعين وفي الآية ٢ من الزبور الخامس والسبعين وفي الآية ١ من الزبور الثامن والتسعين وفي الآية ٢١ من الزبور المائة والرابع والثلاثين، وفي الآية ١٧ و٢١ من الباب الثالث من كتاب يوتيل، وفي الآية ٢ من الباب الثامن من كتاب زكريا وفي الآية ٤٥ و٤٨ باب ٥ و١ و٩ و١٤ و٢٦ باب ٦ و١١ و٢١ باب ٧ و٣٢ و٣٣ باب ١٠ و٥٠ باب ٢ و١٣ باب ١٥ و١٧ باب ١٦ و١٠ و١٤ و١٩ و٣٥ باب ١٨ و١٩ و٢٢ باب ٢٣ من إنجيل متى، ولا توجد في العهد العتيق والجديد الآيات الدالة على تنزيه الله عن المكان إلا قليلة مثل الآية
١ و٢ من الباب السادس والستين من كتاب أشعياء، والآية ٤٨ من الباب السابع من أعمال الحواريين، لكن لما كان مضمون هذه الآيات القليلة موافقًا للبراهين أولت الآيات الكثيرة الغير المحصورة المشعرة بالمكان لله تعالى لا هذه الآيات القليلة، وأهل الكتاب أيضًا يوافقوننا في هذا التأويل،.
[ ٣ / ٦٨٦ ]
(الأمر الرابع)
فقد ظهر من هذا الأمر الثالث أن الكثير إذا كان مخالفًا للبرهان يجب إرجاعه إلى القليل الموافق له، ولا يعتد بكثرته فكيف إذا كان الكثير موافقًا والقليل مخالفًا فإن التأويل فيه ضروري ببداهة العقل.
(الأمر الرابع) قد علمت في الأمر الثالث أنه ليس لله شبه وصورة وقد صرح به في العهد الجديد أيضًا في مواضع عديدة أن رؤية الله في الدنيا غير واقعة، في الآية الثامنة عشرة من الباب الأول من إنجيل يوحنا هكذا: "الله لم يره أحد قط" وفي الآية السادسة عشرة من الباب السادس من الرسالة الأولى إلى تيموثاوس: "لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه" وفي الآية الثانية عشرة من الباب الرابع من رسالة يوحنا الأولى: "الله لم ينظره أحد قط" فثبت من هذه الآيات أن من كان مرئيًا لا يكون إلهًا قط، ولو أطلق عليه في كلام الله أو الأنبياء أو الحواريين لفظ الله ومثله فلا يغتر أحدٌ بمجرد إطلاق مثل لفظ الله، ولا يدعي أن التأويل مجاز فكيف يرتكب لأن المصير إلى المجاز يجب عند القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة سيما إذا دل البرهان القطعي على المنع، نعم يكون لإطلاق مثل هذه الألفاظ على غير الله وجه مناسب لكل محل، مثلًا إن إطلاقها في الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇ على بعض الملائكة لأجل ظهور جلال الله فيه أزيد من الغير،.
[ ٣ / ٦٨٧ ]
وفي الباب الثالث والعشرين من سفر الخروج قول الله سبحانه هكذا: ٢٠ "أنا أرسل ملاكي أمامك ليحفظك في الطريق ويدخلك إلى المكان الذي أن استعديت ٢١ فاحتفظ به وأطع أمره ولا تشاقّه، إنه لا يغفر إذا أخطأت، إن اسمي معه ٢٣ وينطلق ملاكي أمامك فيدخلك على الأموريين والحيثانيين والفرزانيين والكنعانيين والحوايين واليانوسانيين الذين أنا أخرجهم".
[ ٣ / ٦٨٨ ]
فقوله: أرسل ملاكي أمامك، وكذا قوله ينطلق ملاكي، نصان على أن الذي كان يسير مع بني إسرائيل في عمود سحاب في النهار وعمود نار في الليل كان ملكًا من الملائكة وقد أطلق عليه مثل هذه الألفاظ كما ستطّلع عليه لأجل ما قلت، كما يظهر من قوله إن اسمي معه، وقد جاء إطلاقها في
مواضع غير محصورة على الملك والإنسان الكامل، بل على آحاد الناس، بل على الشيطان الرجيم، بل على غير ذوي العقول أيضًا، وقد علم من بعض المواضع تفسير بعض هذه الألفاظ، وفي بعض المواضع يدل سوق الكلام بحيث لا يشتبه على الناظر في بادئ الرأي، وها أنا أورد عليك شواهد هذا الباب وأنقل في هذا الباب عبارة كتب العهد العتيق عن الترجمة العربية التي طبعت في لندن سنة ١٨٤٤ من الميلاد وعبارة العهد الجديد، إما من الترجمة المذكورة وإما من الترجمة العربية التي طبعت في بيروت سنة ١٨٦٠ ولا أنقل جميع عبارة الموضع المستشهد به بل أنقل الآيات التي يتعلق الغرض بها في هذا المقام وأترك الآيات الغير المقصودة، في الباب السابع عشر من سفر التكوين هكذا: ١ "ولما صار أبرام ابن تسعة وتسعين سنة تراءى له الرب وقال أنا الله ضابط الكل فسر أمامي وكن تامًا" ٤ " وقال له الله أنا هو وعهدي معك وستكون أبًا لأمم كثيرة" ٧ "وأقيم
[ ٣ / ٦٨٩ ]
ميثاقي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك بأجيالهم ميثاقًا أبديًا لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك" ٨ "وسأعطي لك ولنسلك أرض غُربتك جميع أرض كنعان مِلْكًا إلى الدهر، وأكون لهم إلهًا" ٩ "فقال الله لإبراهيم ثانية الخ" ١٥ وقال "الله أيضًا لإبراهيم الخ" ١٨ "وقال الله الخ" ٢٢ "ولما فرغ الله من خطابه صعد عن إبراهيم" وكان هذا المتكلم المرئي ملكًا لما علمت، ولقوله صعد عن إبراهيم، ففي هذه العبارة أطلق عليه لفظ الله والرب والإله، وأطلق هو على نفسه "أنا الله ضابط الكل لأكون إلهك ولنسلك من بعدك وأكون إلهًا لهم" وكذا أطلق أمثال هذه الألفاظ في الباب الثامن عشر من سفر التكوين على الملك الذي ظهر على إبراهيم ﵇ مع الملكين الآخرين، وبشره بولادة إسحاق وأخبر بأن قرى لوط ستخرب
[ ٣ / ٦٩٠ ]
في أزيد من أربعة عشر موضعًا، وفي الباب
الثامن والعشرين من السفر المذكور في حال يعقوب ﵇ إذ سافر إلى بلد حاله هكذا: ١٠ "وخرج يعقوب من بير سبع ماضيًا إلى حرّان" ١١ "وأتى إلى موضع وبات هناك فأخذ حجرًا من حجارة ذلك الموضع ووضعه تحت رأسه ونام هناك" ١٢ "فنظر في الحلم سلمًا قائمًا على الأرض ورأسه يصل إلى السماء وملائكة الله يصعدون ويهبطون فيه" ١٣ "والرب كان ثابتًا على رأس السلم، وقال أنا هو الله إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق فالأرض التي أنت عليها راقد أعطيكها لك ولنسلك" ١٤ "ويكون نسلك مثل رمل الأرض، ويتسع إلى المغرب والمشرق، ويتيمن ويتبارك بك وبزرعك جميع قبائل الأرض" ١٥ "وأحفظك حيثما انطلقت، وأعيدك إلى هذه الأرض ولا أخليك حتى أعمل ما قلته لك" ١٦ "فاستيقظ يعقوب من نومه وقال حقًا إن الرب في هذا المكان وأنا لم أكن أعلم" ١٧ " وخاف وقال ما أخوف هذا الموضع ما هذا إلا بيت الله وباب السماء" ١٨ "وقام يعقوب بالغداة وأخذ الحجر الذي كان توسد به وأقامه نصبة وسكب عليه دهنًا" ١٩ "ودعا اسم المدينة بين إيل التي كانت أولًا لوزًا" ٢٠ "ونذر نذرًا
[ ٣ / ٦٩١ ]
قائلًا إن كان الله يكون معي ويحفظني في الطريق الذي أنا سائر به ويرزقني خبزًا آكل وكسوة ألبس" ٢١ "ورجعت بسلام إلى بيت أبي فالرب يكون لي إلهًا" ٢٢ "وهذا الحجر الذي أقمته نصبة يدعى بيت الله وكل ما أعطيتني أديت إليك عشوره".
وفي الباب الحادي والثلاثين من السفر المذكور قول يعقوب ﵇ في خطاب زوجته لِيَا وراحيل هكذا: ١١ "فقال لي ملاك الله في الحلم يا يعقوب فقلت هو ذا أنا" ١٢ "فقال لي الخ" ١٣ "أنا إله بيت إيل حيث مسحت قائمة الحجر ونذرت لي نذرًا والآن قم فاخرج من هذه الأرض وارجع إلى أرض ميلادك" وفي الباب الثاني والثلاثين من السفر المذكور هكذا: ٩ "وقال يعقوب يا إله أبي إبراهيم وإله أبي إسحاق أيها الرب الذي قلت لي ارجع إلى أرضك وإلى مكان ميلادك وأباركك" ١٢ "فأنت تكلمت وقلت إنك تحسن إلي وتوسع نسلي مثل رمل البحر الذي لا يحصى لكثرته" وفي الباب الخامس والثلاثين من السفر المذكور هكذا: "وقال الله ليعقوب قم فاصعد إلى بيت إيل واسكن هناك، وانصب هناك مذبحًا لله الذي ظهر لك وأنت هارب من وجه عيصو أخيك" ٢ "وقال يعقوب لأهله الخ" ٣ "نصعد إلى بيت إيل لنصنع هناك مذبحًا لله الذي استجاب لي في ضيقتي وكان معي في طريقي" ٦ "فجاء يعقوب إلى لوزا التي في أرض كنعان هذه بيت إيل الخ" ٧ "وبنى هناك مذبحًا ودعا اسم المكان بيت الله لأن هناك ظهر له الله الخ".
[ ٣ / ٦٩٢ ]
وفي الباب الثامن والأربعين من السفر المذكور هكذا: ٣ "إن الله الضابط الكل استعلن عليّ في لوزا بأرض كنعان وباركني" ٤ "وقال لي أني منميك وجاعلك بجماعة الشعوب وأعطيك هذه الأرض ولنسلك من بعدك ميراثًا إلى الدهر" فظهر من الآية الحادية عشرة والثالثة عشرة من الباب الحادي والثلاثين أن الذي ظهر على يعقوب ﵇، ووعده وعهد ونذر يعقوب ﵇ معه كان ملكًا، وجاء إطلاق لفظ مثل الله عليه في العبارات المذكورة في أزيد من ثمانية عشر موضعًا وقال هذا الملك: "أنا هو الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق، وقال يعقوب ﵇ في حقه "يا إله أبي إبراهيم وإله أبي إسحاق أيها الرب وإن
الله ضابط الكل استعلن عليّ" وفي الباب الثاني والثلاثين من السفر المذكور هكذا: ٢٤ "وتخلف هو وحده وهو ذا رجل فكان يصارعه إلى الفجر" ٢٥ "وحين نظر أنه لا يقوى به فجس عرق وركه ولساعته ذبل" ٢٦ "وقال له أطلقني لأنه قد أسفر الصبح وقال له لا أطلقك أو تباركني" ٢٧ "فقال له ما اسمك فقال يعقوب" ٢٨ "قال لا يدعي اسمك يعقوب بل إسرائيل من أجل أنك إن كنت قويت مع الله فكم بالحري لك قوة في الناس" ١٩ "فسأله يعقوب عرفني ما اسمك فقال له لم تسأل عن اسمي وباركه فيذلك المكان" ٣٠ "فدعا يعقوب اسم ذلك المكان فنوائل قائلًا رأيت الله وجهًا لوجه وتخلصت نفسي".
[ ٣ / ٦٩٣ ]
وهذا المصارع كان ملكًا لما عرفت ولأنه يلزم أن يكون إله بني إسرائيل في غاية العجز والضعف حيث صارع يعقوب ﵇ إلى الفجر، ولم يغلب عليه بدون الحيلة، ولأن كلام هوشع نص في هذا الباب في الباب الثاني عشر من كتابه هكذا: ٣ "في البطن عقب أخاه وفي جبروته أفلح معه الملاك" ٤ "وغلب الملك وتقوّى وبكى وسأله ووجده في بيت إيل وهناك كلمنا" فأطلق عليه لفظ الله في الموضعين وفي الباب الخامس والثلاثين من سفر التكوين هكذا: ٩ "فظهر الله ليعقوب أيضًا من بعد ما رجع من بين نهري سورية وباركه" ١٠ "قائلًا لا يدعي اسمك بعدها يعقوب بل يكون اسمك إسرائيل ودعا اسمه إسرائيل" ١١ "وقال له أنا الله الضابط الكل أتم وأكثر الأمم ومجامع الشعوب تكون منك والملوك من صلبك يخرجون ١٢ والأرض التي أعطيت إبراهيم وإسحاق فلك أعطيها وأعطي نسلك هذه الأرض من بعدك ١٣ وارتفع الله عنه ١٤ ونصب يعقوب حجرًا في الموضع الذي كلمه فيه الله قائمة حجرية ودفق عليه مدفوقًا وصب عليه دهنًا ١٥ ودعا اسم الموضع الذي كلمه الله هناك بيت إيل" وهذا الذي ظهر هو الملك المذكور فأطلق عليه لفظ الله في خمسة مواضع وقال هو
"أنا الله الضابط الكل" وفي الباب الثالث من سفر الخروج ٢ "وتراءى له الرب بلهيب النار من وسط العليقة فنظر إلى العليقة تتوقد فيها النار، وهي لم تحترق ٤ ورأى الله
[ ٣ / ٦٩٤ ]
أنه جاء الخ ٦، وقال له إني أنا الله إله آبائك إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، فغطى موسى وجهه من أجل أنه خشي أن ينظر نحو الله ٧ فقال له الرب الخ ١١ فقال موسى لله الخ ١٢ فقال له الله أنا أكون معك وهذه علامة لك أني أنا أرسلتك إذا أخرجت شعبي من مصر يعملون ذبيحة قدّام الله على هذا الجبل ١٣ فقال موسى لله هو ذا أنا أذهب إلى بني إسرائيل، وأقول لهم إله آبائكم أرسلني إليكم، فإن قالوا لي ما اسمه ماذا أقول لهم؟ ١٤ فقال الله لموسى اهية اشراهيه، وقال له: هكذا تقول لبني إسرائيل اهية أرسلني إليكم ١٥ وقال الله أيضًا لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل الرب إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم هكذا اسمي إلى الدهر، وهذا هو ذكري إلى جيل الأجيال ١٦ فاذهب اجمع شيوخ بني إسرائيل وقل لهم الرب إله آبائكم استعلن عليّ إله إبراهيم وإله يعقوب الخ".
فالذي ظهر على موسى وكلمه قال في حقه "إني أنا الله إله آبائك إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" ثم قال "اهية اشراهية" ثم أمر موسى ﵇ أن يقول لبني إسرائيل "اهية أرسلني والرب إله آبائكم إله
[ ٣ / ٦٩٥ ]
إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم" وقال "هذا اسمي إلى الدهر وهذا هو ذكري إلى جيل الأجيال" وأطلق عليه في هذه العبارة لفظ الله والرب وأمثالهما في أزيد من خمسة وعشرين موضعًا، وأطلق عليه المسيح ﵇ أيضًا لفظ الله كما نقل مرقس في الباب الثاني عشر، ومتى في الباب الثاني والعشرين، ولوقا في الباب العشرين قول المسيح ﵇ في خطاب الصدوقيين هكذا: "أفما قرأتم في كتاب موسى في أمر العليقة كيف كلمه الله قائلًا أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" انتهى بعبارة مرقس، وهذا كان مَلكًا لما عرفت، ولذلك في أكثر التراجم الهندية والفارسية بدل لفظ الله لفظ فرشته الذي هو ترجمة الملك، والآية الأولى من الباب السابع من سفر الخروج هكذا: "فقال الرب لموسى انظر فإني قد جعلتك إلهًا لفرعون وهارون أخوك يكون لك نبيًا" والآية السادسة عشرة من الباب الرابع من سفر الخروج هكذا: "هو يتكلم مع الشعب عوضك، وهو يكون لك وأنت تكون له في أمور الله" فوقع لفظ الإله والله في حق موسى ﵇، ومن ههنا يظهر ترجيح اليهود على المسيحيين في هذه العقيدة لأنهم مع ادعاء محبتهم لموسى وترجيحه على سائر الأنبياء ما أوصلوه إلى رتبة الألوهية متمسكين بمثل هذه الأقوال،.
[ ٣ / ٦٩٦ ]
وفي الباب الثالث عشر من سفر الخروج هكذا: ٢١ "وكان الرب يسير أمامهم ليريهم الطريق في النهار بعمود سحاب وفي الليل بعمود نار ليهديهم الطريق نهارًا وليلًا ٢٢ لم يزل قط عمود السحاب نهارًا ولا عمود النار ليلًا من قدام الشعب" ثم في الباب الرابع عشر من السفر
المذكور هكذا: ١٩ "فانطلق ملاك الله الذي كان يسير قدّام عسكر إسرائيل، ومشى خلفهم وعمود الغمام أيضًا معه فتحوّل من قدام وجوههم إلى ورائهم ٢٤ فلما كان عند محرس السحر نظر الرب إلى محلة المصريين بعمود النار والغمامة وقتل عسكرهم"، وهذا السائر كان ملكًا كما صرح به في الآية ١٩ وأطلق عليه لفظ الرب على وفق الترجمة العربية ولفظ يَهُواه على وفق الهندية الموجودة عندي، وفي الباب الأول من سفر الاستثناء هكذا: ٣٠ "فإن الرب الإله الذي يسير أمامكم فهو يقاتل عنكم كما عمل في مصر، والكل ينظرون ٣١ وفي البرية أنت رأيت بعينيك، حملك الرب إلهك كما أنه يحمل الرجل ولده الخ" ٣٢ "ولم تؤمنوا في ذلك بالرب إلهكم ٣٣ الذي سار أمامكم في الطريق، وحدد لكم المكان الذي كان فيه يجب أن تنصبوا الخيام، في الليل يريكم الطريق بالنار، وفي النهار بعمود الغمام، فجاء إطلاق لفظ الرب الإله في ثلاثة مواضع على الملك المذكور، لأنه كان سائرًا أمامهم وقاتلًا لعسكر المصريين.
وفي الباب الحادي والثلاثين من السفر المذكور هكذا: ٣ "فالرب إلهك هو يعبر قدامك الخ" ٤ "فيصنع الرب الخ" ٥ "فإذا
[ ٣ / ٦٩٧ ]
أمكنكم الرب الخ" ٦ فاجترءوا عليهم وتقووا ولا تخافوا ولا ترهبوا إذا نظرتموهم "إن الرب إلهك فهو يسير أمامك الخ ٨ والرب الذي هو السائر أمامكم فهو يكون معك الخ" ففي هذه العبارة أيضًا إطلاق لفظ الرب إلهك والرب على الملك المذكور: والآية ٢٢ من الباب الثالث عشر من كتاب القضاة في حق الذي تكلم مع نوح وامرأته وبشرهما بالولد هكذا: "فقال منوح لامرأته بموت نموت لأننا عاينا الله" وصرح به في الآية ٣ و٩ و١٣ و١٥ و١٦ و١٨ و٢١ من هذا الباب أنه كان ملكًا فأطلق عليه لفظ الله، وكذا جاء هذا الإطلاق على الملك في الباب السادس من كتاب أشعياء، والباب الثالث من سفر صموئيل الأول، والباب الرابع والتاسع من كتاب حزقيال، والباب السابع من كتاب عاموص والآية السادسة من الزبور الحادي والثمانين على وفق الترجمة العربية، ومن الزبور الثاني والثمانين على وفق التراجم الأخر هكذا: "أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كلكم" فجاء ههنا إطلاق الآلهة وأبناء الله على العوام فضلًا عن الخواص،.
[ ٣ / ٦٩٨ ]
وفي الباب الرابع من الرسالة الثانية إلى أهل قورنيثوس هكذا: ٣ "ولكن إن كان إنجيلنا مكتومًا فإنما هو مكتوم في الهالكين ٤ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان الغير المؤمنين لئلا تضيء لهم نارة إنجيل مجد المسيح" والمراد بإله الدهر الشيطان على ما زعم علماء البروتستنت، فجاء مثل هذا الإطلاق على الشيطان الرجيم على زعمهم فضلًا عن الإنسان، وإنما قلت على زعمهم لأنهم يريدونه ههنا لئلا يلزم نسبة الإعماء إلى الله تعالى، فيلزم كون الله خالق الشر، وهذا هو هوس من هوساتهم لأن خالق الشر على وفق كتبهم المقدسة يقينًا هو الله تعالى، وأنقل ههنا
شاهدين وستطلع على شواهد أخر أيضًا في موضعه.
الآية السابعة من الباب الخامس والأربعين من كتاب أشعياء هكذا: "المصور النور والخالق الظلمة الصانع السلام والخالق الشر أنا الرب الصانع هذه جميعًا" وقال مقدسهم بولس في الباب الثاني من الرسالة الثانية إلى أهل تسالو نيقي: "سيرسل إليهم الله عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سروا بالإثم" ولما كان زعمهم كما ذكرنا والمقصود النقل على سبيل الإلزام فالمقصود حاصل، وهو أن إطلاق إله الدهر جاء على الشيطان والآية ١٦ من الباب الثالث من رسالة بولس إلى أهل فيلبس هكذا: "الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم" فأطلق مقدسهم على البطن لفظ الإله،.
[ ٣ / ٦٩٩ ]
(الأمر الخامس)
وفي الباب الرابع من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا: ٨ "ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة ١٦، ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه" فيوحنا أثبت اتحاد المحبة بالله، وقال في الموضعين الله محبة ثم أثبت التلازم هكذا من يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه، وإطلاق الآلهة على الأصنام كثير جدًا في الكتب السماوية، فلا حاجة إلى نقل شواهد. وكذا إطلاق الرب بمعنى المخدوم والمعلم كثير جدًا يعني عن نقل شواهده. التفسير الواقع في الآية ٣٨ من الباب الأول من إنجيل يوحنا هكذا: "فقال ربي تفسيره يا معلم" إذا علمت ما ذكرت فقد حصلت لك البصيرة التامة أنه لا يجوز لعاقل أن يستدل بإطلاق بعض هذه الألفاظ على بعض الحوادث التي حدوثها وتغيرها وعجزها من الحسيات أنه إله أو ابن الله، وينبذ جميع البراهين العقلية القطعية، وكذا البراهين النقلية وراءه.
(الأمر الخامس) إن وقوع المجاز في غير المواضع التي مرّ ذكرها في الأمر الثالث والرابع كثير: مثلًا وعد الله إبراهيم ﵇ في تكثير أولاده هكذا الآية السادسة عشرة من الباب الثالث عشر من سفر التكوين: "وأجعل نسلك مثل تراب الأرض فإن استطاع أحد من الناس أن يحصي تراب الأرض فإنه يستطيع أن يحصي نسلك".
[ ٣ / ٧٠٠ ]
والآية السابعة عشرة من الباب الثاني والعشرين من السفر المذكور: "أباركك وأكثر نسلك كنجوم السماء ومثل الرمل الذي على شاطئ البحر الخ" وهكذا وعد يعقوب ﵇ بأن نسلك يكون مثل رمل الأرض كما عرفت في الأمر الرابع، وأولادهما لم يبلغ مقدارهم عدد رطل رمل في الدنيا في وقت من الأوقات فضلًا عن مقدار رمل شاطئ البحر أو رمل الأرض، ووقع في مدح الأرض التي كان وعد الله إعطاءها في الآية الثامنة من الباب الثالث من سفر الخروج وغيرها من الآيات بأنه يسيل فيها اللبن والعسل ولا أرض في الدنيا كذلك، ووقع في الباب الأول من سفر الاستثناء هكذا: "والقرى عظيمة محصّنة إلى السماء" ووقع في الباب التاسع من السفر المذكور هكذا: "وأشد منك مدنًا كبيرة حصينة مشيدة إلى السماء" وفي الزبور السابع والسبعين هكذا: ٦٥: "واستيقظ الرب كالنائم مثل الجبار المفيق من الخمر ٦٦ فضرب أعداءه في الوراء وجعلهم عارًا إلى الدهر"، والآية الثالثة من الزبور المائة والثالث في وصف الله هكذا: "والمسقف بالمياه علاليه الذي جعل السحاب مركبه الماشي على أجنحة الرياح".
[ ٣ / ٧٠١ ]
وكلام يوحنا مملوء من المجاز قلما تخلو فقرة لا يحتاج فيها إلى تأويل كما لا يخفى على ناظر إنجيله ورسائله ومشاهداته، وأكتفي ههنا على نقل عبارة واحدة من عبارته قال في الباب الثاني عشر من المشاهدات هكذا: ١ "وظهرت آية عظيمة في السماء: امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها
إكليل من اثني عشر كوكبًا ٢ وهي حبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلده ٣ وظهرت آية أخرى في السماء هو ذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان ٤ وذنبه يجر ثلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت ٥ فولدت ابنًا ذكرًا أن يرعى جميع الأمم بعصى من حديد واختطف ولدها إلى الله وإلى عرشه ٦ والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله لكي يعولوها هناك ألفًا ومائتين وستين يومًا ٧ وحدثت حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين وملائكته" إلى آخر كلامه وهذا الكلام في الظاهر كلام المجاذيب فلو لم يؤول فمستحيل قطعًا، وتأويله أيضًا يكون بعيدًا لا سهلًا وأهل الكتاب يؤوّلون الآيات المذكورة وأمثالها يقينًا ويعترفون بكثرة وقوع المجاز في الكتب السماوية قال صاحب (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين) في الفصل الثالث عشر من كتابه: "وأما اصطلاح الكتاب المقدس فإنه ذو استعارات وافرة غامضة وخاصة العهد العتيق" ثم قال: "واصطلاح العهد الجديد أيضًا هو استعاري جدًا وخاصة مسامرات مخلصنا وقد اشتهرت آراء كثيرة فاسدة لكون بعض معلمي
[ ٣ / ٧٠٢ ]
النصارى شرحوها شرحًا حرفيًا، ولأجل ذلك نقدم بعض أمثال لنرى بها أن تأويل الاستعارات حرفيًا ليس صوابًا، وذلك كقول المسيح عن هيرودس اذهبوا وقولوا لذلك الثعلب، فمن المعلوم أن المراد بلفظة الثعلب في هذه العبارة جبار ظالم لأن ذلك الحيوان المدعو هكذا معروف بالحيلة والغدر أيضًا، قال ربنا لليهود: أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء فكل من أكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطيه هو جسدي سوف أعطيه لحياة العالم، يوحنا ص ٦ عدد ١٥، فاليهود الشهوانيون فهموا هذه العبارة بالمعنى الحرفي
وقالوا كيف يقدر هذا الرجل أن يعطينا جسده لنأكله؟ آية ٥٢ ولم يلاحظوا أنه عني بذلك ذبيحته التي وهبها كفارة لخطايا العالم، وقد قال مخلصنا أيضًا عن الخبز عند تعيينه العشاء السري: هذا هو جسدي، وعن الخمر هذا هو دمي، متّى ص ٢٦ عدد ٢٦، فمنذ الدهر الثاني عشر جعلت الرومانيون الكاثوليكيون لهذا القول معنى آخر معكوسًا ومغايرًا لشواهد أخرى في الكتب المقدسة وللدليل الصحيح، وحتموا أن ينتجوا من ذلك تعليمهم عن الاستحالة أي تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه الجوهريين عندما يلفظ الكاهن بكلمات التقديس الموهوم، مع أنه قد يظهر لكل الحواس الخمسة أن الخبز والخمر باقيان على جوهرهما ولم يتغيرا،.
[ ٣ / ٧٠٣ ]
فأما التأويل الصحيح لقول ربنا فهو أن الخبز بمثل جسده والخمر بمثل دمه" انتهى كلامه بلفظه. فاعترافه بين لا خفاء فيه لكن لا بد من النظر في قوله فمنذ الدهر الثاني عشر إلى آخره فإنه رد على الرومانيين في اعتقاد استحالة الخبز والخمر إلى جسد المسيح ﵇ ودمه بشهادة الحس، وأوّلَ قول المسيح ﵇ بحذف المضاف وإن كان ظاهر القول كما فهموا لأنه هكذا: ٢٦ "وفيم هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ قال خذوا كلوا هذا هو جسدي ٢٧ وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلًا اشربوا منها كلكم ٢٨ لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا"، فقالوا: إن لفظ هذا يدل على جوهر الشيء الحاضر كله، ولو كان جوهر الخبز باقيًا لما صح هذا الإطلاق، وإنهم كانوا قبل ظهور فرقة
[ ٣ / ٧٠٤ ]
البروتستنت أكثر المسيحيين في العالم وأنهم كثيرون من هذه الفرقة إلى هذا الحين أيضًا.
فكما أن هذه العقيدة غلط بشهادة الحس عند هذه الفرقة فكذلك عقيدة التثليث غلط، ولو فرضنا دلالة بعض الأقوال المتشابهة بحسب الظاهر عليها بل محال بالأدلة القطعية، فإن قالوا ألسنا من ذوي العقول فكيف نعترف بها لو كانت محالًا؟ قلنا أليس الرومانيون من ذوي العقول مثلكم، وفي المقدار أكثر منكم إلى هذا الحين فضلًا عن سالف الزمان، فكيف اعترفوا وأجمعوا على ما هو غير صحيح عندكم ويشهد ببطلانه الحس أيضًا؟ وهو باطل في نفس الأمر أيضًا بوجوه:
(الأول) أن الكنيسة الرومانية تزعم أن الخبز وحده يستحيل جسد المسيح ودمه ويصير مسيحًا كاملًا، فأقول إذا استحال مسيحًا كاملًا حيًا بلاهوته وناسوته الذي أخذه من مريم ﵉، فلا بد أن يشاهد فيه عوارض الجسم الإنساني ويوجد فيه الجلد والعظام والدم وغيرها من الأعضاء لكنها لا توجد فيه بل جميع عوارض الخبز باقية الآن كما كانت فإذا نظره أحد أو لمسه أو ذاقه لا يحس شيئًا غير الخبز، وإذا حفظه يطرأ عليه الفساد الذي يطرأ على الخبز لا الفساد الذي يطرأ على الجسم الإنساني، فلو ثبتت الاستحالة تكون استحالة المسيح خبزًا لا استحالة الخبز مسيحًا، فلو قالوا إن المسيح استحال خبزًا لكان أقل بعدًا من هذا، وإن كان هو أيضًا باطلًا ومصادمًا للبداهة.
[ ٣ / ٧٠٥ ]
(الثاني) إن حضور المسيح بلاهوته في أمكنة متعددة في آن واحد وإن كان ممكنًا في زعمهم لكنه باعتبار ناسوته غير ممكن لأنه بهذا الاعتبار كان مثلنا حتى كان يجوع ويأكل ويشرب وينام ويخاف من اليهود ويفر وهلم جرّا، فكيف يمكن تعدده بهذا الاعتبار بالجسم الواحد في أمكنة غير محصورة في آن واحد حقيقة؟ والعجب أنه ما وُجد قبل عروجه إلى السماء بهذا الاعتبار في مكانين أيضًا فضلًا عن الأمكنة الغير المتناهية وكذا بعد عروجه إلى السماء فكيف يوجد بعد القرون بعد اختراع هذا الاعتقاد الفاسد بالاعتبار المذكور في أمكنة غير محصورة في آن واحد.
(الثالث) إذا فرضنا أن مليونات من الكهنة في العالم قدسوا في آن واحد واستحالت تقدمة كل إلى المسيح الذي تولد من العذراء، فلا يخلو إمّا أن يكون كل من هؤلاء المسيحيين الحادثين عين الآخر أو غيره، والثاني باطل على زعمهم والأول باطل في نفس الأمر لأن مادة كل غيرُ مادة الآخر.
(الرابع) إذا استحال الخبز مسيحًا كاملًا تحت يد الكاهن فكسر هذا الكاهن هذا الخبز كسرات كثيرة وأجزاء صغيرة فلا يخلوا إمّا أن يتقطع المسيح قطعة قطعة على عدد الكسرات والأجزاء أو يستحيل كل كسرة وجزء مسيحًا كاملًا أيضًا فعلى الأول لا يكون المتناول متناول مسيح كامل، وعلى الثاني من أين جاءت هؤلاء المسحاء لأنه ما حصل بالتقدمة إلا المسيح الواحد؟.
(الخامس) لو كان العشاء الرباني الذي كان قبل صلبه بيسير نفس الذبيحة التي حصلت على الصليب لزم أن يكون كافيًا لخلاص العالم،.
[ ٣ / ٧٠٦ ]
فلا حاجة إلى أن يصلب على الخشبة من أيدي اليهود مرة أخرى لأن المسيح ما جاء إلى العالم في زعمهم إلا ليخلص الناس بذبيحة مرة واحدة، وما أنى لكي يتألم مرارًا كما يدل عليه عبارة آخر الباب التاسع من الرسالة العبرانية صراحة.
(السادس) لو صح ما ادعوه لزم أن يكون المسيحيون أخبث من اليهود لأن اليهود ما آلموه إلا مرة واحدة فتركوا وما أكلوا لحمه، وهؤلاء يؤلمونه ويذبحونه كل يوم في أمكنة غير محصورة، فإن كان القاتل مرة واحدة كافرًا وملعونًا فما بال الذين يذبحونه مرات غير محصورة ويأكلون لحمه ويشربون دمه؟ نعوذ بالله من الذين يأكلون إلههم ويشربون دمه حقيقة فإذا لم ينج من أيدي هؤلاء إلههم الضعيف المسكين فمن ينجو، بعّدنا الله من ساحتهم، ولنعم ما قيل "دوستي نادان سراسَر دُشمني ست " (توضع على الهامش:) يتضمن معنى المثل العربي: عدو عاقل خير من صديق جاهل والترجمة الحرفية: الصديق الجاهل مثل العدو. .
(السابع) وقع في الباب الثاني والعشرين من لوقا قول المسيح في العشاء الرباني هكذا: "اصنعوا هذا لذكري" فلو كان هذا العشاء هو نفس الذبيحة لما صح أن يكون تذكرة لأن الشيء لا يكون تذكرة لنفسه، فالعقلاء الذين عقولهم السليمة تحكم بأمثال هذه الأوهام في الحسيات لو وهموا في ذات الله أو في العقليات فأي استبعاد منهم؟ لكني أقطع النظر عن هذا وأقول في مقابلة علماء البروتستنت: إنه كما اجتمع هؤلاء العقلاء عندكم على هذه العقيدة المخالفة للحس والعقل تقليدًا للآباء أو لغرض آخر
[ ٣ / ٧٠٧ ]
(الأمر السادس)
فكذلك اجتماعهم واجتماعكم في عقيدة التثليث المخالفة للحس والبراهين، والأناس الكثيرون الذين تسمونهم ملاحدة ومقدارهم في هذا الزمان أزيد من مقدار فرقتكم بل من فرقة الرومانيين أيضًا وهم عقلاء مثلكم ومن أبناء أصنافكم ومن أهل دياركم وكانوا مسيحيين مثلكم فتركوا هذا المذهب لاشتماله على أمثال هذه الأمور يستهزؤون بها استهزاء بليغًا لا يستهزؤون بشيء آخر مثلها، كما لا يخفى على من طالع كتبهم، وفرقة يوني نيرين من فرق المسيحيين أيضًا ينكرونها والمسلمون واليهود سلفًا وخلفًا يفهمونها من جنس أضغاث الأحلام.
(الأمر السادس) كان الإجمال يوجد كثيرًا في أقوال المسيح ﵇ بحيث لا يفهمها معاصروه وتلاميذه في كثير من الأحيان ما لم يفسرها بنفسه، فالأقوال التي فسرها من هذه الأقوال المجملة فهموها، وما لم يفسره منها فهموا بعضها بعد مدة مديدة وبقي البعض عليهم مبهمًا إلى آخر الحياة، ونظائره كثيرة أكتفي هنا على بعضها.
وقع في الباب الثاني من إنجيل يوحنا مكالمة المسيح ﵇ مع اليهود الذين كانوا يطلبون المعجزة هكذا: ١٩ "أجاب يسوع وقال لهم انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" ٢٠ "فقال اليهود في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟ " ٢١ "وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده" ٢٢ "فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع" فهنا لم يفهم التلاميذ فضلًا عن اليهود، لكن فهم التلاميذ بعد ما قام من الأموات،
[ ٣ / ٧٠٨ ]
وقال المسيح لينقود بموس من علماء اليهود: إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله، فلم يفهم ينقود بموس مقصوده، وقال كيف يمكن أن يولد الإنسان وهو شيخ أيقدر أن يدخل في بطن أمه ثانية ويولد ففهمه المسيح مرة أخرى فلم يفهم مقصوده في هذه المرة أيضًا، وقال كيف يمكن هذا فقال المسيح ألا تفهم وأنت معلم إسرائيل؟، وهذه القصة مفصلة في الباب الثالث من إنجيل يوحنا، وقال المسيح في مخاطبة اليهود: "أنا خبز الحياة إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي"، فخاصم اليهود بعضهم بعضًا قائلين كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل، فقال لهم المسيح: "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان ولم تشربوا دمه فليس لكم حياة، فيكم من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه كما أرسلني الأب الحي وأنا حي بالأب، فمن يأكلني فهو يحيا بي" فقال كثيرون من تلاميذه إن هذا الكلام مَنْ يقدر أن يسمعه؟ فرجع كثير منهم عن صحبته، وهذه القصة مفصلة في الباب السادس من إنجيل يوحنا، فهنا لم يفهم اليهود كلام المسيح والتلاميذ استصعبوه، وارتد كثير منهم.
وفي الباب الثامن من إنجيل يوحنا هكذا: ٢١ "قال لهم يسوع أيضًا أنا أمضي وستطلبونني وتموتون في خطبتكم حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن
[ ٣ / ٧٠٩ ]
تأتوا ٢٢ فقال اليهود: لعله يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ٥١ الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد ٥٢ فقال له اليهود الآن علمنا أن بك شيطانًا، قد مات إبراهيم والأنبياء وأنت تقول إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد" وههنا أيضًا لم يفهم اليهود مقصوده في الموضعين بل نسبوه في الموضع الثاني إلى الجنون.
وفي الباب الحادي عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ١١ "قال لهم لعاذر حبيبنا قد نام لكني أذهب لأوقظه ١٢ فقال تلاميذه يا سيد إن كان قد نام فهو يُشفى ١٣ وكان يسوع يقول عن موته وهم ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم ١٤ فقال لهم يسوع حينئذ علانية لعاذر مات" وههنا لم يفهم تلاميذ المسيح ﵇ كلامه حتى صرح به، وفي الباب السادس عشر من إنجيل متى هكذا: ٦ "وقال لهم يسوع انظروا وتحرّزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين ففكروا في أنفسهم أننا لم نأخذ خبزًا ٨ فعلم يسوع وقال لهم لماذا تفكرون في أنفسكم يا قليلي الإيمان إنكم لم تأخذوا خبزًا ١١ كيف لا تفهمون أني ما قلت لكم عن الخبز أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين" ١٢ "حينئذ فهموا أنه لم يقل أن يتحرزوا من خمير الخبز بل من تعليم الفريسيين والصدوقيين" وههنا أيضًا لم يفهم تلاميذ المسيح ﵇ مقصوده قبل التنبيه،.
[ ٣ / ٧١٠ ]
وفي الباب الثامن من إنجيل لوقا في حال الصبية التي أحياها المسيح ﵇ بإذن الله هكذا: ٥٢ "وكان الجميع يبكون عليها ويلطمون فقال لا تبكوا لم تمت لكنها نائمة" ٥٣ "فضحكوا عليه عارفين أنها ماتت" وههنا لم يفهم الجميع مقصود المسيح ﵇، ولذلك ضحكوا عليه، وفي الباب التاسع من إنجيل لوقا قول المسيح في مخاطبة الحواريين هكذا: ٤٤ "ضعوا أنتم هذا الكلام في آذانكم إن ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس" ٢٥ "وأما هم فلم يفهموا هذا القول وكان مخفي عنهم لكيلا يفهموه وخافوا أن يسألوه عن هذا القول" وههنا لم يفهم الحواريون ولم يسألوه خوفًا منه، وفي الباب الثامن عشر من إنجيل لوقا هكذا: ٣١ "وأخذ الاثني عشر وقال لهم ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان" ٣٢ "لأنه يسلم إلى الأمم ويستهزؤ به ويشتم ويُتْفَل عليه" ٣٣
"ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم" ٣٤ "وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا وكان هذا الأمر مخفيًا عنهم، ولم يعلموا ما قيل" وههنا أيضًا لم يفهم الحواريون مع أن هذا التفهيم كان في المرة الثانية ولم يكن في الكلام إجمال أيضًا بحسب الظاهر، لعل سبب عدم الفهم هو أنهم كانوا سمعوا من اليهود أن المسيح يكون سلطانًا عظيم الشأن فلما آمنوا بعيسى ﵇ وصدقوه
[ ٣ / ٧١١ ]
بالمسيحية فكانوا يظنون أنه سيجلس على سرير السلطنة، ونحن أيضًا نجلس على أسرة السلطنة، لأن عيسى ﵇ كان وعدهم أنهم يجلسون على اثني عشر سريرًا ويحكم كل منهم على فرقة من فرق بني إسرائيل، وكانوا حملوا هذه السلطنة الدنياوية كما هو الظاهر، وكان هذا الخبز مخالفًا لما ظنوه، ولما يرجونه، فلذا لم يفهموا، وستعرف عن قريب أنهم كانوا يرجون هكذا، وأيضًا قد شُبِّه على تلاميذ عيسى ﵇ من بعض الأقوال المسيحية أمران ولم يزل هذا الاشتباه من أكثرهم أو كلهم إلى الموت (الأول) أنهم كانوا يعتقدون أن يوحنا لا يموت إلى القيامة (الثاني) أنهم كانوا يعتقدون أن القيامة تقوم في عهدهم كما عرفت مفصلًا في الباب الأول، وهذا الأمر يقيني أن ألفاظ عيسى ﵇ بعينها ليست بمحفوظة في إنجيل من الأناجيل، بل في كل توجد ترجمتها باليوناني على ما فهم الرواة، وقد عرفت مفصلًا في الشاهد الثامن عشر من المقصد الثالث من الباب الثاني أن إنجيل متى لم يبق بل الباقي ترجمته، ولم يعلم أيضًا اسم مترجمه بالجزم إلى الآن، ولا يثبت بالسند المتصل أن الكتب الباقية من الأشخاص المنسوبة إليهم، وقد ثبت أن التحريف وقع في هذه الكتب يقينًا وثبت أن أهل الدين والديانة كانوا يحرفون قصد التأييد مسألة مقبولة أو لدفع اعتراض، وقد عرفت في الشاهد الحادي والثلاثين من المقصد الثاني بالأدلة
القوية أنه ثبت
[ ٣ / ٧١٢ ]
(الأمر السابع)
تحريفهم في هذه المسألة فزادوا في الباب الخامس من الرسالة الأولى ليوحنا هذه العبارة: "في السماء وهم ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض"، وزادوا بعض الألفاظ في الباب الأول من إنجيل لوقا وأسقطوا بعض الألفاظ من الباب الأول من إنجيل متّى، وأسقطوا الآية الثامنة من الباب الثاني والعشرين من إنجيل لوقا، ففي هذه الصورة لو وجد بعض الأقوال المسيحية المتشابهة الدالة على التثليث لا اعتماد عليها مع أنها ليست صريحة كما ستعرف في الأمر الثاني عشر من المقدمة.
(الأمر السابع) قد لا يدرك العقل ماهية بعض الأشياء وكنهها كما هي لكن مع ذلك يحكم بإمكانها ولا يلزم من وجودها عنده استحالة ما ولذا تعد هذه الأشياء من الممكنات، وقد يحكم بداهة أو بدليل قطعي بامتناع بعض
[ ٣ / ٧١٣ ]
(الأمر الثامن)
الأشياء، ويلزم من وجودها عنده محال ما، ولذا تعد هذه الأشياء من الممتنعات، وبين الصورتين فرق جليّ، ومن القسم الثاني اجتماع النقيضين الحقيقيين وارتفاعهما، وكذا اجتماع الوحدة والكثرة الحقيقيتين في زمان واحد من جهة واحدة، وكذا اجتماع الزوجية والفردية وكذا اجتماع الأفراد المختلفة، وكذا اجتماع الأضداد مثل النور والظلمة والسواد والبياض والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والعمى والبصر، والسكون والحركة في المادة الشخصية مع اتحاد الزمان والجهة، واستحالةُ هذه الأشياء بديهية يحكم بها عقل كل عاقل، وكذا من القسم الثاني لزوم الدور والتسلسل وأمثالهما يحكم العقل ببطلانها بأدلة قطعية.
(الأمر الثامن) إذا تعارض القولان فلا بد من إسقاطهما إن لم يمكن التأويل، أو من تأويلهما إن أمكن، ولا بد أن يكون التأويل بحيث لا يستلزم المحال أو الكذب، مثلًا الآيات الدالة على الجسمية والشكل تعارضت ببعض الآيات الدالة على التنزيه فيجب تأويلها كما عرفت في الأمر الثالث، لكن لا بد أن لا يكون التأويل بأن الله متصف بصفتين أعني الجسمية والتنزيه، وإن لم تدرك عقولنا هذا الأمر فإن هذا التأويل باطل محض واجب الرد لا يرفع التناقض.
[ ٣ / ٧١٤ ]
(الأمر التاسع)
(الأمر العاشر)
(الأمر الحادي عشر)
(الأمر التاسع) العددُ لما كان قسِمًا من الكَم لا يكون قائمًا بنفسه بل بالغير، وكل موجود لا بد أن يكون معروضًا للوحدة أو الكثرة. والذوات الموجودة بالامتياز الحقيقي المتشخصة بالتشخص تكون معروضة للكثرة الحقيقية، فإذا صارت معروضة لها لا تكون معروضة للوحدة الحقيقية وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين كما عرفت في الأمر السابع، نعم يجوز أن تكون معروضة للوحدة الاعتبارية بأن يكون المجموع كثيرًا حقيقيًا وواحدًا اعتباريًا.
(الأمر العاشر) المنازعة بيننا وبين أهل التثليث والتوحيد كليهما حقيقيان وإن قالوا التثليث حقيقي والتوحيد اعتباري فلا نزاع بيننا وبينهم لكنهم يقولون إن كلًا منهما حقيقي كما هو مصرح به في كتب علماء البروتستنت، قال صاحب ميزان الحق في الباب الأول من كتابه المسمى بحل الإشكال هكذا: "إن المسيحيين يحملون التوحيد والتثليث كليهما على المعنى الحقيقي".
(الأمر الحادي عشر) قال العلامة المقريزي في كتابه المسمى بالخطط في بيان الفرق المسيحية التي كانت في عصره: "النصارى فرق كثيرة الملكانية والنسطورية واليعقوبية والبوذعانية والمرقولية وهم الرهاويون الذين كانوا بنواحي حران وغير هؤلاء" ثم قال "والملكانية واليعقوبية والنسطورية كلهم متفقون على
[ ٣ / ٧١٥ ]
أن معبودهم ثلاثة أقانيم، وهذه الأقانيم الثلاثة هي واحد وهو جوهر قديم ومعناه أب وابن وروح القدس إله واحد" ثم قال "قالوا الابن اتحد بإنسان مخلوق فصار هو وما اتحد به مسيحًا واحدًا، وإن المسيح هو إله العباد وربهم، ثم اختلفوا في صفة الاتحاد فزعم بعضهم أنه وقع بين جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي اتحاد، ولم يخرج الاتحاد كل واحد منهما عن جوهريته وعنصره، وإن المسيح إله معبود وإنه ابن مريم الذي حملته وولدته، وإنه قتل وصلب، وزعم قوم أن المسيح بعد الاتحاد جوهران أحدهما لاهوتي والآخر ناسوتي، وأن القتل والصلب وقعا من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وأن مريم حملت بالمسيح وولدته من جهة ناسوته، وهذا قول النسطورية، ثم يقولون إن المسيح بكماله إله معبود وإنه ابن الله تعالى الله عن قولهم،.
[ ٣ / ٧١٦ ]
وزعم قوم أن الاتحاد وقع بين جوهرين لاهوتي وناسوتي فالجوهر اللاهوتي بسيط غير منقسم ولا متجزئ، وزعم قوم أن الاتحاد على جهة حلول الابن في الجسد ومخالطته إياه، ومنهم من زعم أن الاتحاد على جهة الظهور كظهور كتابة الخاتم والنقش، إذا وقع على طين أو شمع وكظهور صورة الإنسان في المرآة إلى غير ذلك من الاختلاف الذي لا يوجد مثله في غيرهم، والملكانية تنسب إلى ملك الروم وهم يقولون إن الله اسم لثلاثة معان فهو واحد ثلاثة وثلاثة واحد، واليعقوبية يقولون إنه واحد قديم، وإنه كان لا جسم ولا إنسان ثم تجسم وتأنس، والمرقولية قالوا الله واحد علمه غيره قديم معه
والمسيح ابنه على جهة الرحمة، كما يقال إبراهيم خليل الله" انتهى كلامه بلفظه،.
[ ٣ / ٧١٧ ]
(الأمر الثاني عشر)
فظهر لك أن آراءهم في بيان علامة الاتحاد بين أقنوم الابن وجسم المسيح كانت مختلفة في غاية الاختلاف، ولذا ترى البراهين المورَدة في الكتب القديمة الإسلامية مختلفة، ولا نزاع لنا في هذه العقيدة مع المرقولية إلا باعتبار إطلاق اللفظ الموهم، وفرقة البروتستنت لما رأوا أن بيان علاقة الاتحاد لا يخلو عن الفساد البين تركوا آراء الأسلاف، وعجزوا أنفسهم واختاروا السكوت عن بيانها وعن بيان العلاقة بين الأقانيم الثلاثة.
(الأمر الثاني عشر) عقيدة التثليث ما كانت في أمة من الأمم السابقة من عهد آدم إلى عهد موسى ﵇، وهَوْسات أهل التثليث بتمسكهم ببعض آيات سفر التكوين لا تتم علينا لأنها في الحقيقة تحريف لمعانيها، ويكون المعنى على تمسكهم من قبيل كون المعنى في بطن الشاعر، ولا أدعي أنهم
[ ٣ / ٧١٨ ]
لا يتمسكون بزعمهم بآية من آيات السفر المذكور بل أدعي أنه لم يثبت بالنص كون هذه العقيدة لأمة من الأمم السالفة، وأما أنها ليست بثابتة في الشريعة الموسوية وأمته فغير محتاج إلى البيان لأنه من طالع هذه التوراة المستعملة لا يخفى عليه هذا الأمر، ويَحْيى ﵇ كان إلى آخر عمره
[ ٣ / ٧١٩ ]
شاكًا في المسيح ﵇ بأنه المسيح الموعود به أم لا، كما صرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل متى أنه أرسل اثنين من تلاميذه وقال له أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟، فلو كان عيسى ﵇ إلهًا يلزم كفره إذ الشك في الإله كفر، وكيف يتصوّر أنه لا يعرف إلهه وهو نبيه، بل هو أفضل الأنبياء بشهادة المسيح كما هي مصرحة في هذا الباب، وإذا لم يعرف الأفضل مع كونه معاصرًا فعدم معرفة الأنبياء الآخرين السابقين على عيسى أحق بالاعتبار، وعلماء اليهود من لدن موسى ﵇ إلى هذا الزمان لا يعترفون بها، وظاهر أن ذات الله وصفاته الكمالية قديمة غير متغيرة موجودة أزلًا وأبدًا، فلو كان التثليث حتمًا لكان الواجب على موسى ﵇ وأنبياء بني إسرائيل أن يبينوه حق التبيين، فالعجب كل العجب أن تكون الشريعة الموسوية التي كانت واجبة الإطاعة لجميع الأنبياء إلى عهد عيسى ﵇ خالية عن بيان هذه العقيدة التي هي مدار النجاة على زعم أهل التثليث، ولا يمكن نجاة أحد بدونها نبيًا كان أو غير نبي، ولا يبين موسى ولا نبي من الأنبياء الإسرائيلية هذه العقيدة ببيان واضح،
بحيث تفهم منه هذه العقيدة صراحة ولا يبقى شك ما، ويبين موسى ﵇ الأحكام التي هي عند مقدس أهل التثليث ضعيفة ناقصة جدًا بالتشريح التام ويكررها مرة بعد أولى وكرة بعد أخرى، ويؤكد على
[ ٣ / ٧٢٠ ]
محافظتها تأكيدًا بليغًا، ويوجب القتل على تارك بعضها، وأعجبُ منه أن عيسى ﵇ أيضًا ما بين هذه العقيدة إلى عروجه ببيان واضح مثلًا بأن يقول إن الله ثلاثة أقانيم الأب والابن وروح القدس، وأقنوم الابن تعلق بجسمي بعلاقة فلانية أو بعلاقة فهمها خارج عن إدراك عقولكم فاعلموا أني أنا الله لا غير، لأجل العلاقة المذكورة أو يقول كلامًا آخر مثله في إفادة هذا المعنى صراحة، وليس في أيدي أهل التثليث من أقواله إلا بعض الأقوال المتشابهة: قال صاحب ميزان الحق في كتابه المسمى بمفتاح الأسرار: "إن قلت لِمَ لَمْ يبين المسيح ألوهيته ببيان أوضح مما ذكره، ولِمَ لَمْ يقل واضحًا ومختصرًا أني أنا الله لا غير؟ " فأجاب أولًا بجواب غير مقبول لا يتعلق غرضنا بنقله في هذا المحل، ثم أجاب ثانيًا "بأنه ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه" يعني من الأموات "وعروجه فلو قال صراحة لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني وهذا الأمر كان باطلًا جزمًا فدرك هذا المطلب أيضًا من المطالب التي قال في حقها لتلاميذه إن لي أمورًا كثيرة أيضًا
[ ٣ / ٧٢١ ]
لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كان ما يسمع يتكلم ويخبركم بأمور آتية" ثم قال "إن كبار ملة اليهود أرادوا مرارًا أن يأخذوه ويرجموه، والحال أنه ما كان بَيَّن ألوهيته بين أيديهم إلا على طريق الإلغاز" فعلم من كلامه عذران: (الأول) عدم قدرة فهم أحد قبل العروج (والثاني) خوف اليهود وكلاهما ضعيفان في غاية
الضعف، أما الأول فإنه كان هذا القدر يكفي لدفع الشبهة: أن علاقة الاتحاد التي بين جسمي وبين أقنوم الابن فهمها خارج عن وسعكم فاتركوا تفتيشها واعتقدوا بأني لست إلهًا باعتبار الجسم بل بعلاقة الاتحاد المذكور، وأما نفس عدم القدرة على فهمها فباقية بعد العروج أيضًا حتى لم يعلم عالم من علمائهم إلى هذا الحين كيفية هذه العلاقة والوحدانية، ومن قال ما قال فقوله رَجْم بالغيب لا يخلو عن مَفْسَدة عظيمة، ولذا ترك علماء فرقة البروتستنت بيانها رأسًا، وهذا القسيس يعترف في مواضع من تصانيفه بأن هذا الأمر من الأسرار خارج عن درك العقل، وأما الثاني فلأن المسيح ﵇ ما جاء عندهم إلا لأجل أن يكون كفارة لذنوب الخلق ويصلبه اليهود، وكان يعلم يقينًا أنهم يصلبونه ومتى يصلبونه فأي محل للخوف من اليهود في بيان العقيدة؟، والعجب أن خالق
[ ٣ / ٧٢٢ ]
الأرض والسماء والقادر على ما يشاء يخاف من عباده الذين هم من أذل أقوام الدنيا، ولا يبين لأجل خوفهم العقيدة التي هي مدار النجاة.
وعباده من الأنبياء مثل أرمياء وأشعياء ويحيى ﵈ لا يخافون منهم في بيان الحق ويؤذَوْن إيذاء شديدًا ويقتل بعضهم، وأعجب منه أن المسيح ﵇ يخاف منهم في بيان هذه المسألة العظيمة، ويشدد عليهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غاية التشديد حتى تصل النوبة إلى السب، ويخاطب الكتبة والفريسيين مشافهة بهذه الألفاظ: ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون، وويل لكم أيها القادة العميان وأيها الجهال العميان، وأيها الفريسي الأعمى، وأيها الحيات والأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم، ويظهر قبائحهم على رؤوس الأشهاد، حتى شكا بعضهم بأنك تشتمنا كما هو مصرح به في الباب الثالث والعشرين من إنجيل متّى والحادي
[ ٣ / ٧٢٣ ]
عشر من إنجيل لوقا، وأمثال هذا مذكورة في المواضع الأخر من الإنجيل أيضًا، فكيف يظن بالمسيح ﵇ أن يترك بيان العقيدة التي هي مدار النجاة لأجل خوفهم؟. حاشا ثم حاشا أن يكون جنابه هكذا، وعلم من كلامه أن المسيح ﵇ ما بين هذه المسألة عند اليهود قط إلا بطريق الإلغاز وأنهم كانوا ينكرون هذه العقيدة أشد الإنكار حتى أرادوا رجمه مرارًا على البيان الإلغازي.
[ ٣ / ٧٢٤ ]
(البرهان الأول)
الفصل الأول: في إبطال التثليث بالبراهين العقلية
(البرهان الأول) لما كان التثليث والتوحيد حقيقيين عند المسيحيين بحكم الأمر العاشر من المقدمة فإذا وجد التثليث الحقيقي لا بد من أن توجد الكثرة الحقيقية أيضًا بحكم الأمر التاسع من المقدمة ولا يمكن بعد ثبوتها التوحيد الحقيقي وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين بحكم الأمر السابع من المقدمة وهو محال، فلزم تعدد الوجباء وفات التوحيد يقينًا. فقائل التثليث لا يمكن أن يكون موحدًا لله تعالى بالتوحيد الحقيقي، والقول بأن التثليث الحقيقي والتوحيد الحقيقي وإن كانا ضدين حقيقين في غير الواجب لكنهما ما ليسا كذلك، فيه سفسطة محضة لأنه إذا ثبت أن الشيئين بالنظر إلى ذاتيهما ضدان حقيقيان أو نقيضان في نفس الأمر فلا يمكن اجتماعهما في أمر واحد شخصي في زمان واحد من جهة واحدة واجبًا كان ذلك الأمر أو غير واجب، كيف وإن الواحد الحقيقي ليس له ثلث صحيح والثلاثة لها ثلث صحيح، وهو واحد وأن الثلاثة مجموع آحاد ثلاثة، والواحد الحقيقي ليس مجموع آحاد رأسًا،.
[ ٣ / ٧٢٥ ]
(البرهان الثاني)
وإن الواحد الحقيقي جزء الثلاثة فلو اجتمعا في محل واحد يلزم كون الجزء كلًا والكل جزءًا وأن هذا الاجتماع يستلزم كونَ الله مركّبًا من أجزاء غير متناهية بالفعل لاتحاد حقيقة الكل والجزء على هذا التقدير، والكل مركب، فكل جزء من أجزائه أيضًا مركب من الأجزاء التي تكون عين هذا الجزء وهلم جرّا، وكون الشيء مركّبًا من أجزاء غير متناهية بالفعل باطل قطعًا، وأن هذا الاجتماع يستلزم كون الواحد ثُلث نفسه وكون الثلاثة ثلاثة أمثال نفسها، والواحد ثلاثة أمثال الثلاثة.
(البرهان الثاني) لو وُجِد في ذات الله ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي كما قالوا فمع قطع النظر عن تعدد الوجباء يلزم أن لا يكون الله حقيقة محصَّلة بل مركبًا اعتباريًا فإن التركيب الحقيقي لا بد فيه من الافتقار بين الأجزاء، فإن الحجر الموضوع يجنب الإنسان لا يحصل منهما أحدية، ولا افتقار بين الواجبات، لأنه من خواص الممكنات، فالواجب لا يفتقر إلى الغير وكل جزء منفصل عن الآخر وغيرُه وإن كان داخلًا في المجموع، فإذا لم يفتقر بعض الأجزاء إلى بعض آخر لم تتألف منها الذات الأحدية، على أنه يكون الله في الصورة المذكورة مركبًا، وكل مركب يفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، والجزء غير الكل بالبداهة، فكل مركب مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته فيلزم أن يكون الله ممكنًا لذاته وهذا باطل.
[ ٣ / ٧٢٦ ]
(البرهان الثالث)
(البرهان الرابع)
(البرهان الخامس)
(البرهان السادس)
(البرهان الثالث) إذا ثبت الامتياز الحقيقي بين الأقانيم فالأمرالذي حصل به هذا الامتياز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون، فعلى الشِّق الأول لم يكن جميع صفات الكمال مشتركًا فيه بينهم، وهو خلاف ما تقرر عندهم أن كل أقنوم من هذه الأقانيم متصف بجميع صفات الكمال، وعلى الشق الثاني فالموصوف به يكون موصوفًا بصفة ليست من صفات الكمال، وهذا نقصان يجب تنزيه الله عنه.
(البرهان الرابع) الاتحاد بين الجوهر اللاهوتي والناسوتي إذا كان حقيقيًا لكان أقنوم الابن محدودًا متناهيًا وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكنًا، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدّر، وكل ما كان كذلك فهو محدث فيلزم أن يكون أقنوم الابن محدثًا ويستلزم حدوثه حدوث الله.
(البرهان الخامس) لو كان الأقانيم الثلاثة ممتازة بامتياز حقيقي وجب أن يكون المميِّز غير الوجوب الذاتي، لأنه مشترك بينهم، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيكون كل واحد منهم مركبًا من جزأين وكل مركب ممكن لذاته، فيلزم أن يكون كل واحد منهم ممكنًا لذاته.
(البرهان السادس) مذهب اليعقوبية باطل صريح لأنه يستلزم انقلاب القديم بالحادث والمجرد بالمادي، وأما مذهب غيرهم فيقال في إبطاله: إن هذا الاتحاد إما بالحلول أو بغيره فإن كان الأول فهو باطل من وجوه ثلاثة على وَفق عدد التثليث.
[ ٣ / ٧٢٧ ]
أما أولًا فلأن ذلك الحلول لا يخلو إما أن يكون كحلول ماء الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم، وهذا باطل لأنه إنما يصح لو كان أقنوم الابن جسمًا، وهم وافقونا على أنه ليس بجسم، وإما أن يكون كحصول اللون في الجسم وهذا أيضًا باطل لأن المعقول من هذه التبعية حصول اللون في الحيِّز لحصول محله في هذا الحيز، وهذا أيضًا إنما يُتَصّور في الأجسام، وإما أن يكون كحصول الصفات الإضافية للذوات، وهذا أيضًا باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج، فلو ثبت حلول أقنوم الابن بهذا المعنى في شيء كان محتاجًا فكان ممكنًا مفتقرًا إلى المؤثر وذلك محال، وإذا ثبت بطلان جميع التقارير امتنع إثباته.
وأما ثانيًا فلأنا لو قطعنا النظر عن معنى الحلول نقول: إن أقنوم الابن لو حلّ في الجسم فذلك الحلول إما أن يكون على سبيل الوجوب أو على سبيل الجواز، ولا سبيل إلى الأول لأن ذاته إما أن تكون كافية في اقتضاء هذا الحلول أو لا تكون كافية في ذلك، فإن كان الأول استحال توقف ذلك الاقتضاء على حصول شرط فيلزم إما حدوث الله أو قدم المحل، وكلاهما باطلان وإن كان الثاني كان كونه مقتضيًا لذلك الحلول أمرًا زائدًا على ذاته حادثًا فيه، فيلزم من حدوث الحلول حدوث شيء فيه فيكون قابلًا للحوادث، وذلك محال لأنه لو كان كذلك لكانت تلك القابلية من لوازم
[ ٣ / ٧٢٨ ]
ذاته، وكانت حاصلة أزلًا، وذلك محال لأن وجود الحوادث في الأزل محال، ولا سبيل إلى الثاني على هذا التقدير يكون ذلك الحلول زائدًا على ذات الأقنوم فإذا حل في الجسم وجب أن يحل فيه صفة محدثة، وحلولها يستلزم كونه قابلًا للحوادث، وهو باطل كما عرفت.
وأما ثالثًا فلأن أقنوم الابن إذا حل في جسم عيسى ﵇ فلا يخلو إما أن يكون باقيًا في ذات الله أيضًا أو لا فإن كان الأول لزم أن يوجد الحال الشخصي في محلين، وإن كان الثاني لزم أن يكون ذات الله خالية عنه فينتفي لأن انتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل، وإن كان ذلك الاتحاد بدون الحلول فنقول إنّ أقنوم الابن إذا اتحد بالمسيح ﵇ فهما في حال الاتحاد إن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فلا اتحاد، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضًا لا يكون اتحادًا بل عدم الشيئين وحصول شيء ثالث، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالموجود لأنه يستحيل أن يقال المعدوم بعينه هو الموجود، فظهر أن الاتحاد محال، ومن قال إن الاتحاد على جهة الظهور كظهور كتابة الخاتم إذا وقع على طين أو شمع أو كظهور صورة الإنسان في المرآة فقوله لا يثبت الاتحاد الحقيقي بل يثبت التغاير، لأنه كما أن كتابة الخاتم الظاهرة على طين أو شمع غير الخاتم وصورة الإنسان في المرآة غير الإنسان، فكذلك يكون أقنوم الابن غير المسيح ﵇، بل غاية ما يلزم أن يكون ظهور أثر صفة الأقنوم فيه أكثر
[ ٣ / ٧٢٩ ]
(البرهان السابع)
من ظهوره في غيره، كما أن ظهور تأثير شعاع الشمس في بدخشان في بعض الأحجار التي تتولد منها الجواهر المعروفة أزيد من تأثيره في الأحجار التي هي غير تلك الأحجار، ولنعم ما قيل:
محال لا يساويه محال * وقول في الحقيقة لا يقال
وفكر كاذب وحديث زور * بدا منهم ومنشؤه الخيال
تعالى الله ما قالوه كفر * وذنب في العواقب لا يقال.
(البرهان السابع) فرقة البروتستنت ترد على فرقة الكاثلك في استحالة الخبز إلى المسيح في العشاء الرباني بشهادة الحس وتستهزئ بها، فهذا الرد والهزء يرجعان إليهما أيضًا لأن الذي رأى المسيح ما رأى منه إلا شخصًا واحدًا إنسانًا، وتكذيب أصدق الحواس الذي هو البصر يفتح باب السفسطة في الضروريات، فيكون القول به باطلًا كالقول بالاستحالة، والجهلاء من المسيحيين من أية فرقة من فرق أهل التثليث كانوا قد ضلوا في هذه العقيدة ضلالًا بينًا، ولا يميزون بين الجوهر اللاهوتي والناسوتي كما يميز بحسب الظاهر علماؤهم، بل يعتقدون ألوهية المسيح ﵇ باعتبار الجوهر الناسوتي ويخبطون خبطًا عظيمًا،.
[ ٣ / ٧٣٠ ]
نقل أنه تنصر ثلاثة أشخاص وعلمهم بعض القسيسين العقائد الضرورية سيما عقيدة التثليث أيضًا، وكانوا في خدمته فجاء محب من أحبَّاء هذا القسيس وسأله عمن تنصر؟ فقال: ثلاثة أشخاص تنصروا، فسأل هذا المحب: هل تعلموا شيئًا من العقائد الضرورية، فقال: نعم، وطلب واحدًا منهم ليرى محبه فسأله عن عقيدة التثليث، فقال: إنك علمتني أن الآلهة ثلاثة أحدهم الذي هو في السماء والثاني تولد من بطن مريم العذراء والثالث الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة، فغضب القسيس وطرده، وقال: هذا مجهول، ثم طلب الآخر منهم وسأله فقال: إنك علمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة
[ ٣ / ٧٣١ ]
وصلب واحد منهم فالباقي إلهان، فغضب عليه القسيس أيضًا وطرده، ثم طلب الثالث وكان ذكيًا بالنسبة إلى الأولين وحريصًا في حفظ العقائد فسأله فقال: يا مولاي حفظت ما علمتني حفظًا جيدًا وفهمت فهمًا كاملًا بفضل الرب المسيح أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد وصلب واحد منهم ومات فمات الكل لأجل الاتحاد، ولا إله الآن وإلا يلزم نفي الاتحاد (أقول) لا تقصير للمسؤولين فإن هذه العقيدة يخبط
فيها الجهلاء هكذا ويتحير علماؤهم، ويعترفون بأنا نعتقد ولا نفهم، ويعجزون عن تصويرها وبيانها، ولذا قال الفخر الرازي في تفسيره ذيل تفسير سورة النساء: "واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدًا" ثم قال: "لا نرى مذهبًا في الدنيا أشدّ ركاكة وبعدًا من العقل من مذهب النصارى" وقال في تفسير سورة المائدة: "ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فسادًا وأظهر بطلانًا من مقالة النصارى" فإذا علمت بالبراهين العقلية القطعية أن التثليث الحقيقي ممتنع في ذات الله فلو وجد قول من الأقوال المسيحية دالًا بحسب الظاهر على التثليث يجب تأويله، لأنه لا يخلو إما أن نعمل بكل واحد من دلالة البراهين ودلالة القول.
وإما أن نتركهما، وإما أن نرجح النقل على العقل، وإما أن نرجح العقل على النقل،
[ ٣ / ٧٣٢ ]
والأول باطل قطعًا ولا يلزم كون الشيء الواحد ممتنعًا وغير ممتنع في نفس الأمر، والثاني أيضًا محال وإلا يلزم ارتفاع النقيضين، والثالث أيضًا لا يجوز لأن العقل أصل النقل فإن ثبوت النقل موقوف على وجود الصانع وعلمه وقدرته وكونه مرسلًا للرسل، وثبوتها بالدلائل العقلية، فالقدح في العقل قدح في العقل والنقل معًا، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل، والتأويل عند أهل الكتاب ليس بنادر ولا قليل لما عرفت في الأمر الثالث من المقدمة أنهم يؤولون الآيات الغير المحصورة الدالة على جسمية الله وشكله لأجل الآيتين اللتين مضمونهما مطابق للبرهان العقلي، وكذلك يؤولون الآيات الكثيرة الغير المحصورة الدالة على المكان لله تعالى لأجل الآيات القليلة الموافقة للبرهان، وعرفت في الأمر الرابع والخامس أيضًا مثله مشروحًا لكن العجب من عقلاء الكاثلك ومَنْ تبعهم أنهم تارةً يبطلون حكم الحس والعقل معًا، ويحكمون أن الخبز والخمر اللذين حدثا بين أعيننا بعد مدة أزيد من ألف وثمانمائة سنة من عروج المسيح ﵇ يتحولان في العشاء الرباني إلى لحمه ودمه حقيقة فيعبدونهما ويسجدون لهما، وتارةً يبطلون حكم العقل والبداهة وينبذون البراهين العقلية وراء ظهورهم، ويقولون:
[ ٣ / ٧٣٣ ]
التثليث الحقيقي والتوحيد الحقيقي يمكن اجتماعهما في أمر واحد شخصي في زمان واحد من جهة واحدة، والعجب من فرقة البروتستنت أنهم خالفوهم في الأولى دون الثانية، فلو كان العمل على ظاهر النقل ضروريًا وإن كان مخالفًا للحس والعقل فالإنصاف أن فرقة الكاثلك خير من فرقتهم لأنها بالغت في إطاعة ظاهر قول المسيح ﵇ حتى اعترفت بمعبودية ما يصادمه الحس والبداهة، وكما أن أهل التثليث
يغالون في شأن المسيح ﵇ ويوصلونه إلى رتبة الألوهية فكذلك يفرطون في شأنه وشأن آبائه فيعتقدون أنه لعن وبعد ما مات نزل جهنم وأقام فيها ثلاثة أيامٍ كما ستعرف، وأن داود وسليمان ﵉ وكذا الآباء الآخرون للمسيح ﵇ في أولاد فارض الذي ولدته تامارا بالزنا من يهوذا، وأن داود ﵇ زنى بامرأة أوريا وأن سليمان ﵇ ارتد في آخر عمره كما عرفت.
وكان سيل من العلماء المسيحية، وكان قد حصل بعض العلوم الإسلامية أيضًا، وكان ترجم القرآن المجيد بلسانه وترجمته مقبولة عند المسيحيين وصَّى قومه في بعض الأمور، وأنقل وصيته عن ترجمته المطبوعة سنة ١٨٣٦ من الميلاد: الأول: "لا يقع الجبر منكم على المسلمين، والثاني: لا تعلموهم المسائل التي هي مخالفة للعقل، لأنهم ليسوا حمقاء نغلب عليهم في هذه المسائل كعبادة الصنم والعشاء الرباني، لأنهم يعثرون كثيرًا من هذه
[ ٣ / ٧٣٤ ]
المسائل، وكل كنيسة فيها هذه المسائل لا تقدر أن تجذبهم إلى نفسها" فانظر كيف وصى وأظهر أن مثل عبادة الصنم ومسألة العشاء الرباني مخالفة للعقل الإنصاف، إن أهل هذه المسائل مشركون يقينًا هداهم الله إلى الصراط المستقيم.
[ ٣ / ٧٣٥ ]
(القول الأول)
الفصل الثاني: في إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇.
بسم الله الرحمن الرحيم
(القول الأول): في الآية الثالثة من الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا قول عيسى ﵇ في خطاب الله هكذا: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته) فبين عيسى ﵇ أن الحياة الأبدية، عبارة عن أن يعرف الناس أن الله واحد حقيقي وأن عيسى ﵇ رسوله. وما قال إن الحياة الأبدية
[ ٣ / ٧٣٦ ]
(القول الثاني)
أن يعرفوا أن ذاتك ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي وأن عيسى إنسان وإله، أو أن عيسى إله مجسم ولما كان هذا القول في خطاب الله في الدعاء فلا احتمال ههنا للخوف من اليهود فلو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لبينه، وإذ ثبت أن الحياة الأبدية اعتقاد التوحيد الحقيقي لله واعتقاد الرسالة للمسيح فضدهما يكون موتًا أبديًا وضلالًا بينًا ألبتة، والتوحيد الحقيقي ضد للتثليث الحقيقي كما عرفت مفصلًا في الفصل الأول، وكون المسيح رسولًا ضد لكونه إلهًا، لأن التغاير بين المرسِل والمرسَل ضروري، وهذه الحياة الأبدية توجد في أهل الإسلام بفضل الله. وأما غيرهم فالمجوس ومشركو الهند والصين محرومون منها لانتفاء الاعتقادين فيهم، وأهل التثليث من المسيحيين محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الأول، واليهود كافة محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الثاني.
(القول الثاني): في الباب الثاني عشر من إنجيل مرقس هكذا ٢٨: (فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هي أول الكل) ٢٩: (فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد. [٣٠]: وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى
[ ٣ / ٧٣٧ ]
وثانية مثلها هي أن تحب قريبك كنفسك ليس وصية أخرى أعظم من هاتين [٣٢] فقال له الكاتب جيدًا يا معلم بالحق قلت لأنه) أي الله (واحد وليس آخر سواه) ٣٣ (ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح) ٣٤ (فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له لست بعيدًا عن ملكوت الله) . وفي الباب الثاني والعشرين من إنجيل متى في قوله ﵇ بعد بيان الحكمين المذكورين هكذا: (بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس والأنبياء) . فعلم أن أول الوصايا الذي هو مصرح به في التوراة وفي جميع كتب الأنبياء وهو الحق وهو سبب قرب الملكوت، أن يعتقد أن الله واحد ولا إله غيره ولو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لكان مبينًا في التوراة وجميع كتب الأنبياء لأنه أول الوصايا، ولقال عيسى ﵇: أول الوصايا الرب واحد ذو أقانيم ثلاثة ممتازة بامتياز حقيقي، لكنه لم يبين في كتاب من كتب الأنبياء صراحة ولم يقل عيسى ﵇ هكذا فلم يكن مدار النجاة.
فثبت أن مدارها هو اعتقاد التوحيد الحقيقي لا اعتقاد التثليث، وهوسات التثليثيين باستنباطه من بعض كتب الأنبياء لا يتم على المخالف لأن هذا الاستنباط خفي جدًا مردود بمقابلة النص، وغرض المخالف هذا أن اعتقاد التثليث لو كان له دخل ما في النجاة لبينه الأنبياء الإسرائيلية بيانًا
[ ٣ / ٧٣٨ ]
واضحًا، كما بينوا التوحيد في الباب الرابع من كتاب الاستثناء - ٣٥ (لتعلم أن الرب هو الله وليس غيره) ٣٩ (فاعلم اليوم واقبل بقلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت وليس غيره) . وفي الباب السادس من السفر المذكور ٤ (اسمع يا إسرائيل إن الرب إلهنا فإنه رب واحد) ٥ (حِب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك) وفي الباب الخامس والأربعين من كتاب أشعياء ٥ (أنا هو الرب وليس غيري وليس دوني إله شددتك ولم تعرفني) ٦ (ليعلم الذين هم من مشرق الشمس والذين هم من المغرب أنه ليس غيري أنا الرب وليس آخر) . فالواجب على أهل المشرق والمغرب أن يعلموا أن لا إله إلا الله وحده لا أن يعلموا أن الله ثالث ثلاثة. وفي الآية التاسعة من الباب السادس والأربعين من كتاب أشعياء ٢ (إني أنا الله وليس غيري إلهًا وليس لي شبه) .
(تنبيه) حرّف صاحب الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ م قول المسيح ﵇ بتبديل ضمير المتكلم بضمير الخطاب، وترجم هكذا: (الرب إلهك إله واحد) وضيع بهذا التحريف المقصود الأعظم لأن ضمير المتكلم ههنا دال على أن عيسى ليس برب بل عبد مربوب بخلاف ضمير الخطاب والظاهر أن هذا التحريف قصدي.
[ ٣ / ٧٣٩ ]
(القول الثالث)
(القول الرابع)
(القول الثالث) في الآية الثانية والثلاثين من الباب الثالث عشر من إنجيل مرقس قول المسيح ﵇ هكذا: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب) وهذا القول ينادي على بطلان التثليث لأن المسيح ﵇ خصص علم القيامة بالله ونفى عن نفسه كما نفى عن عباد الله الآخرين وسوى بينه وبينهم في هذا، ولا يمكن هذا في صورة كونه إلهًا سيما إذا لاحظنا أن الكلمة وأقنوم الابن عبارتان عن علم الله وفرضنا اتحادهما بالمسيح وأخذنا هذا الاتحاد على مذهب القائلين بالحلول أو على مذهب اليعقوبية القائلين بالانقلاب فإنه يقتضي أن يكون الأمر بالعكس ولا أقل من أن يعلم الابن كما يعلم الأب، ولما لم يكن العلم من صفات الجسد فلا يجري فيه عذرهم المشهور أنه نفى عن نفسه باعتبار جسميته فظهر أنه ليس إلهًا لا باعتبار الجسمية ولا باعتبار غيرها.
(القول الرابع): في الباب العشرين من إنجيل متى هكذا: ٢٠ (تقدمت إليه أم ابني زيدي مع ابنيها وسجدت وطلبت منه شيئًا) ٢١ (فقال لها ماذا تريدين قالت له قل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك) ٢٢ (فأجاب يسوع) إلخ ٢٣ (الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدلهم من أبي) انتهى ملخصًا فنفى عيسى ﵇ ههنا عن نفسه القدرة وخصصها بالله كما نفى عن نفسه علم الساعة وخصصه بالله ولو كان إلهًا لما صح هذا.
[ ٣ / ٧٤٠ ]
(القول الخامس)
(القول السادس)
(القول الخامس): في الباب التاسع عشر من إنجيل متى هكذا: ١٦ (وإذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية) ١٧ (فقال له لماذا تدعوني صالحًا ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله) فهذا القول يقلع أصل التثليث وما رضي تواضعًا أن يطلق عليه لفظ الصالح أيضًا ولو كان إلهًا لما كان لقوله معنى ولكان عليه أن يبين لا صالح إلا الأب وأنا وروح القدس، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وإذا لم يرض بقوله الصالح فكيف يرضى بأقوال أهل التثليث التي يتفوهون بها في أوقات صلاتهم (يا ربنا وإلهنا يسوع لا تضيع من خلقت بيدك) حاشا جنابه أن يرضى بها.
(القول السادس): في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا: ٤٦ (ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني) ٥٠ (فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح) . وفي الآية السادسة والأربعين من الباب الثالث والعشرين من إنجيل لوقا هكذا: (ونادى يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك أستودع روحي) وهذا [ص ٧] القول ينفي ألوهية المسيح رأسًا سيما على مذهب القائلين بالحلول أو الانقلاب لأنه لو كان إلهًا لما استغاث بإله آخر بأن قال إلهي إلهي لماذا تركتني، ولما
[ ٣ / ٧٤١ ]
قال يا أبتاه في يدك أستودع روحي ولامتنع العجز والموت عليه.. الآية الثامنة والعشرون من الباب الأربعين من كتاب أشعيا هكذا: (أما عرفت أو ما سمعت إله سرمدي الرب الذي خلق أطراف الأرض لن يضعف ولن يتعب وليس فحصًا عن حكمته) . والآية السادسة من الباب الرابع والأربعين من الكتاب المذكور هكذا: (هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود أنا الأول وأنا الآخر وليس إله غيري) . والآية العاشرة من الباب العاشر من كتاب أرسياء هكذا: (أما الرب هو إله حق هو إله حي وملك سرمدي) إلخ. وفي الآية الثانية عشرة من الباب الأول من كتاب حقوق هكذا: (يا رب إله قدوسي ولا تموت) . وفي الآية السابعة عشرة من الباب الأول من الرسالة الأولى إلى تيموثاوس هكذا: (وملك الدهور الذي لا يفنى لا يرى الإله الحكيم وحده) . فكيف يعجز ويموت الذي هو إله سرمدي بريء من الضعف والتعب حي قدوس لا يموت ولا إله غيره أيكون الفاني العاجز إلهًا حاشا وكلا بل الإله الحقيقي هو الذي كان عيسى ﵇ يستغيث به هذا الوقت على زعمهم. والعجب أنهم لا يكتفون بموت الإله بل يعتقدون أنه بعد ما مات دخل جهنم أيضًا.
[ ٣ / ٧٤٢ ]
نقل جواد ابن ساباط هذه العقيدة من كتاب الصلاة المطبوع سنة ١٥٠٦ هكذا: (كما أن المسيح مات لأجلنا ودفن فكذا لا بد أن نعتقد أنه دخل جهنم) انتهى.
(وفيلبس كوادنولس) الراهب كتب في رد رسالة أحمد الشريف ابن زين العابدين الأصفهاني كتابًا بلسان العرب سماه بخيالات فيلبس وطبع هذا الكتاب سنة ١٦٦٩ في الرومية الكبرى في بسلوقيت وحصلت لي بطريق العارية نسخة قديمة من هذا الكتاب من كتبخانة إنكليز في بلدة دهلي فكتب الراهب المستور في كتابه المذكور هكذا: (الذي تألم لخلاصنا وهبط إلى الجحيم ثم في اليوم الثالث قام من بين الأموات) انتهى. وفي بريئربوك في بيان عقيدة أتهانييش التي تؤمن بها المسيحيون لفظ
[ ٣ / ٧٤٣ ]
(هل) موجود ومعناه الجحيم وقال جواد بن ساباط إن القسيس مارطيروس قال لي في توجيه هذه العقيدة إن المسيح لما قبل الجسم الإنساني فلا بد عليه أن يتحمل جميع العوارض الإنسانية فدخل جهنم وعُذب أيضًا ولما خرج من جهنم أخرج منها كل من كان معذبًا فيها قبل دخوله.
فسألته هل لهذه العقيدة دليل نقلي قال إنها غير محتاجة إلى الدليل، فقال رجل مسيحي من أهل ذلك المحفل على وجه الطرافة إن الأب كان قاسي القلب وإلا لما ترك الابن في الجحيم فغضب القسيس وطرده من المحفل فجاء هذا الرجل عندي وأسلم لكن أخذ العهد مني ألا أظهر حال إسلامه ما دام حيًا ودخل يوسف ولف بلدة لكهنو سنة ١٢٤٨ من الهجرة وسنة ١٨٣٣ من الميلاد وكان من القسيسين المشهورين وكان يدعي الإلهام لنفسه وكان يدعي أن نزول المسيح يكون في سنة ١٨٤٧ من الميلاد ووقعت المناظرة فيما بينه وبين مجتهد الشيعة تحريرًا وتقريرًا في هذا الباب فسأله مجتهد الشيعة عن هذه العقيدة أيضًا فقال نعم دخل المسيح الجحيم وعذب لكن
[ ٣ / ٧٤٤ ]
لا بأس فيه لأن هذا الدخول كان لنجاة أمته، وبعض فرقهم يعتقدونها بأشنع حالة، قال بل في تاريخه في بيان فرقة مارسيوني. هذه الفرقة كانت تعتقد أن عيسى ﵇ بعد ما مات دخل جهنم ونجى أرواح قابيل وأهل سدوم لأنهم حضروا عنده وكانوا غير مطيعين لإله خالق الشر وأبقى أرواح هابيل ونوح وإبراهيم والصلحاء الآخرين من القدماء في جهنم لأنهم خالفوا الفرقة الأولى. (وهذه الفرقة كانت تعتقد أن خالق العالم ليس منحصرًا في الإله الذي أرسل عيسى ولذلك ما كانت تسلم كون كتب العهد العتيق إلهامية) انتهى.
فكانت عقيدة هذه الفرقة مشتملة على أمور:
١- جميع الأرواح سواء كانت أرواح الأنبياء والصلحاء أو الأشقياء كانت معذبة في جهنم قبل دخول عيسى ﵇.
٢- أن عيسى ﵇ دخل جهنم.
٣- أن عيسى ﵇ نجى أرواح الأشقياء من العذاب وأبقى أرواح الأنبياء والصلحاء فيه.
٤- أن هؤلاء الصلحاء مخالفون لعيسى والأشقياء موافقون له.
٥- أن خالق العالم إلهان خالق الخير وخالق الشر وعيسى ﵇ رسول الأول والأنبياء الآخرون المشهورون رسل الثاني.
[ ٣ / ٧٤٥ ]
٦-كتب العهد العتيق ليست إلهامية.
وقال صاحب ميزان الحق في كتابه المسمى بحل الإشكال في جواب كشف الأستار هكذا: (الحق أنه توجد في العقيدة المسيحية أن المسيح دخل جهنم وقام في اليوم الثالث وعرج إلى السماء لكن المراد ههنا من جهنم هاوس وهو موضع ما بين جهنم والفلك الأصلي والمعنى أنه دخل هاوس ليرى أهله جلاله وينبههم على أني مالك الحياة وأني أعطيت كفارة الذنب بالموت الصليبي وجعلت الشيطان وجهنم مغلوبين وللمؤمنين كالمعدومين) انتهى ملخصًا.
(أقول) أولًا: ثبت من ظاهر كتاب الصلاة وكلام فيلبس كوادلونس وثبت صراحة من إقرار مارطيروس ويوسف ولف ومن عقيدة اتهاني سيش أن جهنم على معناه، واعترف هو أيضًا أنه يوجد هذا في العقيدة ثم أول، فتأويله بدون الدليل لا يقبل ولا بد عليه أن يثبت من كتبه أن ما بين جهنم والفلك الأصلي مكان يسمى بهاوس ثم يثبت من هذه الكتب أن دخول المسيح في جهنم كان لأجل الإراءة والتنبيه المذكورين على أنه لا وجود للأفلاك عند حكماء أوروبا، وعلماء بروتستنت من المتأخرين يتابعونهم في هذا الرأي فكيف يصح هذا التوجيه على زعمهم.
(ثم أقول) ثانيًا: إن هذا الهاوس محل السرور والثواب أو محل المحن والعقاب، فإن كان الأول فلا حاجة إلى تنبيه أهله لأنهم كانوا قبل هذا في سرور وعيشة راضية، وإن كان الثاني فلا فائدة في التأويل لأن جهنم الأرواح لا يكون إلا محل عذابها.
[ ٣ / ٧٤٦ ]
(ثم أقول) ثالثًا: إن كون الموت الصليبي كفارة الذنب غير معقول يقينًا لأن المراد بهذا الذنب على زعمهم الذنب الأصلي الذي صدر عن آدم ﵇ لا الذنب الذي يصدر عن أولاده، ولا يجوز أن يعاقب أولاده على هذا الذنب الأصلي لأن الأبناء لا يؤاخذون بذنوب الآباء ولا بالعكس بل هو خلاف العدل.. الآية العشرون من الباب الثامن عشر من كتاب حزقيال هكذا: (النفس التي تخطئ فهي تموت والابن لا يحمل إثم الأب والأب لا يحمل إثم الابن وعدل العادل يكون عليه ونفاق المنافق يكون عليه) .
(ثم أقول) رابعًا: ما معنى جعل الشيطان مغلوبًا بالموت لأنه على حكم إنجيلهم مقيد بقيود أبدية قبل ميلاد عيسى ﵇. الآية السادسة من رسالة يهودا هكذا: (والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام) . ثم العجب أنهم لا يكتفون بموت إلههم المزعوم ودخوله جهنم بل يزيدون عليهما أنه صار ملعونًا أيضًا والعياذ بالله وملعونيته مسلمة عند المسيحيين ويسلمها صاحب ميزان الحق أيضًا بكمال رضا الخاطر ويصرح بها في كتبه وصرح بها مقدسهم بولس أيضًا. الآية الثالثة عشرة من الباب الثالث من رسالته إلى أهل غلاطية هكذا: (المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة) وعندنا إطلاق مثل هذا اللفظ شنيع جدًا بل لاعن الله واجب الرجم بحكم التوراة ورجم واحد على هذا الخطأ في عهد موسى ﵇ كما
[ ٣ / ٧٤٧ ]
(القول السابع)
(القول الثامن)
هو مصرح به في الباب الرابع والعشرين من سفر الأخبار، بل لاعن الأبوين أيضًا واجب القتل فضلًا عن لاعن الله كما هو مصرح في الباب العشرين من السفر المذكور.
(القول السابع): في الآية السابعة عشرة من الباب العشرين من إنجيل يوحنا قول المسيح ﵇ في خطاب مريم المجدلية هكذا: (لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) فسوى بينه وبين الناس في هذا القول (أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولوا إنه إله أو ابن إله فكما أن تلاميذه عباد الله وليسوا بأبناء الله حقيقة بل بالمعنى المجازي فكذلك هو عبد الله وليس بإبن الله حقيقة ولما كان هذا القول بعد ما قام عيسى ﵇ من الأموات على زعمهم قبل العروج بقليل ثبت أنه كان يصرح بأني عبد الله إلى زمان العروج وهذا القول يطابق ما حكى الله عنه في القرآن المجيد: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ .
(القول الثامن): في الآية الثامنة والعشرين من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا قول المسيح ﵇ هكذا: (إن أبي أعظم مني) ففيه أيضًا نفي لألوهيته لأن الله ليس كمثله شيء فضلًا عن أن يكون أعظم منه.
[ ٣ / ٧٤٨ ]
(القول التاسع)
(القول العاشر)
(القول الحادي عشر)
(القول التاسع): في الآية الرابعة والعشرين من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا قول المسيح ﵇ هكذا: (الكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للأب الذي أرسلني) ففيه أيضًا تصريح بالرسالة وبأن الكلام الذي تسمعونه وحي من جانب الله.
(القول العاشر): في الباب الثالث والعشرين من إنجيل متى قول المسيح ﵇ في خطاب تلاميذه هكذا: ٩ (ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السماوات) ١٠ (ولا تدعوا معلمين لأن معلمكم واحد المسيح) فهنا أيضًا صرح (بأن الله واحد وإني معلم لكم) .
(القول الحادي عشر): في الباب السادس والعشرين من إنجيل متى هكذا: ٣٦ (حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جشيماني فقال للتلاميذ اجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلي هناك) ٣٧ (ثم أخذ معه بطرس وابني زيدي وابتدأ يحزن ويكتئب) ٣٨ (فقال لهم نفسي حزينة جدًا حتى الموت امكثوا ههنا واسهروا معي) ٣٩ (ثم تقدم قليلًا وخر على وجهه وكان يصلي قائلًا يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ليس كما أريد بل كما تريد أنت) ٤٠ (ثم جاء إلى التلاميذ الخ) ٤٢ (فمضى أيضًا ثانية وصلى قائلًا يا أبتاه إن لم يكن أن تعبر عني هذه الكأس ألا أشربها فلتكن مشيئتك) ٤٣ (ثم جاء الخ) ٤٤ (فتركهم ومضى أيضًا وصلى ثالثة قائلًا ذلك الكلام بعينه) فأقواله وأحواله المندرجة في هذه العبارات تدل على عبوديته ونفى ألوهيته. أيحزن ويكتئب الإله ويموت ويصلي لإله آخر ويدعو بغاية التضرع
[ ٣ / ٧٤٩ ]
(القول الثاني عشر)
لا والله. ولما جاء جنابه الشريف إلى العالم وتجسد ليخلص العالم بدمه الكريم من عذاب الجحيم فما معنى الحزن والاكتئاب وما معنى الدعاء: بأن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس.
(القول الثاني عشر): كان من عادته الشريفة أنه إذا عبر عن نفسه كان يعبر بابن الإنسان غالبًا كما لا يخفى على ناظر هذا الإنجيل المروج أيضًا: مثلًا في الآية ٢٠ باب ٨ و٦ باب ٩ و١٣ و٢٧ باب ١٦ و٩ و١٢ و٢٢ باب ١٧ و١١ باب ١٨ و٢٨ باب ١٩ و١٨ و٢٨ باب ٢٠ و٢٧ باب ٢٤ و٢٤ و٤٥ و٦٤ باب ٢٦ من إنجيل متى وهكذا في غيره وظاهر أن ابن الإنسان لا يكون إلا إنسانًا.
[ ٣ / ٧٥٠ ]
الفصل الثالث: في إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح
قد عرفت في الأمر الخامس من المقدمة أن كلام يوحنا مملوء من المجاز قلما تجد فقرة لا تحتاج إلى التأويل وقد عرفت في الأمر السادس أن الإجمال يوجد كثيرًا في أقوال المسيح ﵇ بحيث لم يفهمها معاصروه ولا تلاميذه في كثير من الأحيان ما لم يفسرها بنفسه وقد عرفت في الأمر الثاني عشر أن عيسى ﵇ ما بين ألوهيته إلى العروج ببيان لا يبقى فيه شبهة ويفهم منه صراحة هذا المعنى، فالأقوال الذي يتمسك بها المسيحيون غالبًا مجملة منقولة من إنجيل يوحنا وعلى ثلاثة أقسام
-بعضها لا يدل بحسب معانيها الحقيقية على مقصودهم فاستنباط الألوهية منها مجرد زعمهم، وهذا الاستنباط والزعم ليسا بمعتدّين ولا جائزين في مقابلة البراهين العقلية القطعية والنصوص العيسوية كما عرفت في الفصلين المذكورين،
-وبعضها أقوال يفهم تفسيرها من الأقوال المسيحية الأخرى ومن بعض مواضع الإنجيل ففيها أيضًا لا اعتبار لرأيهم
-وبعضها أقوال يجب تأويلها عندهم أيضًا فإذا وجب التأويل فنقول لا بد أن يكون هذا التأويل بحيث لا يخالف البراهين والنصوص، وأنى لهم
[ ٣ / ٧٥١ ]
الدليل (الأول)
ذلك؟! فلا حاجة إلى نقل الكل بل أنقل الأكثر ليتضح منه للناظر حال استدلالهم ويقيس الباقي عليه.
الدليل (الأول): من إطلاق لفظ ابن الله على المسيح ﵇: أقول هذا الدليل في غاية الضعف بوجهين:
أما أولًا فلأن هذا الإطلاق معارض بإطلاق ابن الإنسان كما عرفت وبإطلاق ابن داود فلا بد من التطبيق بحيث لا يثبت المخالفة للبراهين العقلية ولا يلزم منه محال، وأما ثانيًا فلأنه لا يصح أن يكون لفظ الابن بمعناه الحقيقي لأن معناه الحقيقي باتفاق لغة أهل العالم من تولد من نطفة الأبوين وهذا محال ههنا، فلا بد من الحمل على المعنى المجازي المناسب لشأن المسيح وقد علم من الإنجيل أن هذا اللفظ في حقه بمعنى الصالح. الآية التاسعة والثلاثون من الباب الخامس عشر من إنجيل مرقس هكذا: (ولما رأى قائد المائة الواقف مقابله أنه صرح هكذا وأسلم الروح قال حقًا كان هذا الإنسان ابن الله) ونقل لوقا قول القائد في الآية السابعة والأربعين
[ ٣ / ٧٥٢ ]
من الباب الثالث والعشرين من إنجيله هكذا: (بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا) ففي إنجيل مرقس لفظ ابن الله وفي إنجيل لوقا بدله لفظ البار واستعمل مثل هذااللفظ في حق الصالح غير المسيح أيضًا، كما استعمل مثل ابن إبليس في حق الصالح في الباب الخامس من إنجيل متى هكذا: (و) (طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون) ٤٤ (وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعدائكم باركوا لأعينكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسبونكم) ٥٤ (لكي تكون أبناء أبيكم الذي في السماوات) فأطلق عيسى ﵇ على صانعي السلام والصلح على العاملين بالأعمال المذكورة لفظ أبناء الله وعلى الله لفظ الأب بالنسبة إليهم.
وفي الباب الثامن من إنجيل يوحنا في المكالمة التي وقعت بين اليهود والمسيح هكذا: ٤١ (أنتم تعملون أعمال أبيكم فقالوا له إننا لم نولد من زنا لنا أب واحد وهو الله) ٤٢ (فقال لهم يسوع لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني) الخ ٤٤ (أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا ذاك كان قتالًا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذب وأبو الكذب) فاليهود ادعوا أن لنا أبًا واحدًا وهو الله وقال المسيح ﵇ لا بل أبوكم الشيطان وظاهر أن الله والشيطان ليس أبًا لهم بالمعنى الحقيقي فلا بد من الحمل على المعنى المجازي فغرض اليهود نحن صالحون ومطيعون لأمر الله، وغرض المسيح ﵇ إنكم لستم كذلك بل أنتم طالحون مطيعون للشيطان.
[ ٣ / ٧٥٣ ]
وفي الباب الثالث من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا: ٩ (كل من هو مولود من الله لا يفعل خطيئة لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله) ١٠ (بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس) الخ وفي الآية السابعة من الباب الرابع من الرسالة المذكورة: (وكل من يحب فقد ولد من الله) وفي الباب الخامس من الرسالة المذكورة: (كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضًا) ٢ (بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه) والآية الرابعة عشرة من الباب الثامن من الرسالة الرومية هكذا: (لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله) وفي الباب الثاني من رسالة بولس إلى أهل فيلبس هكذا: ١٤ (افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة) ١٥ (لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء أولاد الله بلا عيب) ودلالة هذه الأقوال على ما قلت غير خفية، وإذا لم يفهم من إطلاق لفظ الله ومثله الألوهية كما
عرفت في الأمر الرابع من المقدمة فكيف يفهم من لفظ ابن الله ومثله سيما إذا لاحظنا كثرة وقوع المجاز في كتب العهد العتيق والجديد، كما عرفت في المقدمة وسيما إذا لاحظنا أن استعمال الأب والابن في كتب العهدين جاء في المواضع الغير المحصورة وأنقل بعضها بطريق الأنموذج:
-[١] قال لوقا في الباب الثالث من إنجيله في بيان نسب المسيح ﵇ أنه ابن يوسف وآدم ابن الله وظاهر أن آدم ﵇ ليس
[ ٣ / ٧٥٤ ]
ابنًا لله بالمعنى الحقيقي ولا إلهًا لكن لما ولد بلا أبوين نسبه إلى الله. ولله در لوقا لقد أجاد ههنا لأنه لما كان المسيح ﵇ مولودًا بلا أب فقط نسبه إلى يوسف النجار ولما كان آدم ﵇ مولودًا بلا أبوين نسبه إلى الله.
-[٢] في الباب الرابع من سفر الخروج قول الله هكذا: ٢٢ (وتقول له هذا ما يقول الرب ابني بكري إسرائيل) ٣٣ (فقلت له أطلق ابني ليعبدني وإن أبيت أن تطلقه هو ذا أنا سأقتل ابنك بكرك) فأطلق على إسرائيل لفظ ابن الله في الموضعين بل أطلق عليه لفظ الابن البكر.
-[٣] في الزبور الثامن والثمانين قول داود ﵇ في خطاب الله هكذا: ١٩ (حينئذ كلمت نبيك بالوحي وقلت إني وضعت عونًا على القوي ورفعت منتخبًا من شعبي) ٢٠ (وجدت داود عبدي فمسحته بدهن قدسي) ٢٦ (هو يدعونني أنت أبي وإلهي وناصر خلاصي) ٢٧ (وأنا أيضًا أجعله بكرًا أعلى من كل ملوك الأرض) فأطلق على الله لفظ الأب وعلى داود لفظ القوي
[ ٣ / ٧٥٥ ]
والمنتخب والمسيح وابن الله البكر وأعلى من كل ملوك الأرض.
-[٤] الآية التاسعة من الباب الحادي والثلاثين من كتاب أرساء قول الله هكذا: (إني صرت أبًا لإسرائيل وأفرام هو بكري) فأطلق على أفرام لفظ ابن الله البكر فلو كان إطلاق مثل هذه الألفاظ موجبًا للألوهية لكان إسرائيل وداود وأفرام أحقاء بالألوهية لأن الابن البكر أحق بالإكرام من غيره بحسب الشرائع السابقة وبحسب الزواج العام أيضًا وإن قالوا جاء في حق عيسى ﵇ لفظ الابن الوحيد قلنا إن الوحيد لا يمكن أن يكون بمعناه لأن الله أثبت له أخوة كثيرين وقال في حق الثلاثة منهم لفظ الابن البكر بل لا بد أن يكون بالمعنى المجازي مثل الابن.
-[٥] في الباب السابع من سفر صموئيل الثاني قول الله تعالى في حق سليمان هكذا: (وأنا أكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا) فلو كان إطلاق هذا اللفظ سببًا للألوهية لكان سليمان ﵇ أحق من المسيح ﵇ لسبقه وكونه من آباء المسيح ﵇.
-[٦] في الآية الأولى من الباب الرابع عشر والآية التاسعة عشرة من الباب الثاني والثلاثين من كتاب الاستثناء، والآية الثانية من الباب الأول والآية الأولى
[ ٣ / ٧٥٦ ]
من الباب الثلاثين، والآية الثامنة من الباب الثالث والستين من كتاب أشعيا، والآية العاشرة من الباب الأول من كتاب هوشع، جاء إطلاق أبناء الله على جميع بني إسرائيل.
-[٧] في الآية السادسة عشرة من الباب الثالث والستين من كتاب أشعيا، قول أشعيا في خطاب الله هكذا: (فإنك أنت أبونا وإبراهيم لم يعرفنا وإسرائيل جهلنا أنت يا رب أبونا فخلصنا من الدهر اسمك) . الآية الثامنة من الباب الرابع والستين من الكتاب المذكور هكذا: (والآن يا رب أنت أبونا) الخ، فصرح أشعيا ﵇ في حقه وحق غيره من بني إسرائيل: بأن الله أبونا.
-[٨] الآية السابعة من الباب الثامن والثلاثين من كتاب أيوب هكذا: (إذا كان تسبح لي نجوم الصبح جميعًا ويفرحون جميع بني الله) .
-[٩] قد عرفت في صدر الجواب أنه جاء إطلاق أبناء الله على الصالحين وعلى المؤمنين بالمسيح وعلى المحبين وعلى المطيعين لأمر الله، وعلى العاملين بالأعمال الحسنة.
-[١٠] الآية الخامسة من الزبور السابع والستين هكذا: (أبو اليتامى وحاكم الأرامل الله في موضع قدسه) . فأطلق على الله لفظ أبي اليتامى.
-[١١] في الباب السادس من سفر الخليقة هكذا ٢: (فرأى بنو الله بنات الناس أنهن حسنات، واتخذوا لهم نساء من كل ما اختاروا) ٤: (فأما الجبابرة كانوا في تلك الأيام على الأرض لأن من بعد ما دخل أبناء الله على بنات الناس وولدن، فهؤلاء هم أقوياء منذ الدهر مشهورون) .
[ ٣ / ٧٥٧ ]
والمراد بأبناء الله بنو الأشراف وببنات الناس بنات العامة، ولذا ترجم مترجم الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ م الآية الأولى هكذا: (رأى بنو الأشراف بنات العامة حسانًا فاتخذوا لهم نساء) فجاء إطلاق أبناء الله على أبناء الأشراف مطلقًا، وفهم منه صحة إطلاق الله على الشريف أيضًا.
-[١٢] جاء في المواضع الكثيرة من الإنجيل، إطلاق لفظ أبيكم على الله في خطاب التلاميذ وغيرهم.
-[١٣] قد يضاف لفظ الابن والأب إلى شيء له مناسبة ما، بمعناها الحقيقي كإطلاق أبي الكذب على الشيطان كما عرفت، وكإطلاق أبناء جهنم وأولاد أورشليم على اليهود في كلام المسيح ﵇ في الباب الثالث والعشرين من إنجيل متى، وجاء إطلاق أبناء الدهر على أهل الدنيا، وجاء إطلاق أبناء الله وأبناء القيامة على أهل الجنة، في قول المسيح ﵇ في الباب العشرين من لوقا. وفي الآية الخامسة من الباب الخامس من الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيقي جاء إطلاق أبناء النور وأبناء النهار
[ ٣ / ٧٥٨ ]
الدليل الثاني
على أهل تسالونيقي.
الدليل الثاني في الآية الثالثة والعشرين من الباب الثامن من إنجيل يوحنا هكذا: (فقال لهم أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق، أنتم من هذا العالم أما أنا فلست من هذا العالم) يعني أني إله نزلت من السماء وتجسمت.
(أقول): لما كان هذا القول مخالفًا للظاهر لأن عيسى ﵇ كان من هذا العالم فأولوا بهذا التأويل وهو غير صحيح بوجهين: (الأول): أنه مخالف للبراهين العقلية والنصوص. (والثاني): أن عيسى ﵇ قال مثل هذا القول في حق تلاميذه أيضًا في الآية التاسعة عشرة من الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته، ولكن إنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم) . وفي الباب السابع من إنجيل يوحنا هكذا ١٤: (لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم) [١٦] (ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم) فقال في حق تلاميذه: إنهم ليسوا من العالم، وسوّى بينه وبينهم في عدم الكون من هذا العالم، فلو كان هذا مستلزمًا للألوهية كما زعموا، لزم أن يكونوا كلهم آلهة والعياذ بالله، بل التأويل الصحيح: أنتم طالبو الدنيا الدنية وأنا لست كذلك، بل طالب الآخرة ورضاء الله، وهذا المجاز شائع في الألسنة يقال للزهاد والصلحاء إنهم ليسوا من الدنيا.
[ ٣ / ٧٥٩ ]
الدليل الثالث
الدليل الثالث: في الآية الثلاثين من الباب العاشر من إنجيل يوحنا هكذا: (أنا والأب واحد) فهذا يدل على اتحاد المسيح بالله. أقول هذا الاستدلال غير صحيح بوجهين: (الأول): أن المسيح ﵇ عندهم أيضًا إنسان ذو نفس ناطقة، وليس بمتحد بهذا الاعتبار. فيحتاجون إلى التأويل فيقولون: كما أنه إنسان كامل فكذلك إله كامل، فبالاعتبار الأول مغاير، وبالاعتبار الثاني متحد. وقد عرفت أن هذا التأويل باطل. (والثاني): إن مثل هذا وقع في حق الحواريين في الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا ٢١: (ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الأب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني) ٢٢ (وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد) ٣٣ (أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكملين إلى واحد) . فقوله ليكون الجميع واحدًا وقوله [ص ٢٠] ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. وقوله يكونوا مكملين إلى واحد، تدل على اتحادهم. وسوّى في القول الثاني بين اتحاده بالله وبين اتحاده فيما بينهم. وظاهر أن اتحاده فيما بينهم ليس حقيقيًا، فكذا اتحاده بالله، بل الحق أن الاتحادبالله عبارة عن إطاعة أحكامه والعمل بالأعمال الصالحة، وفي نفس هذا الاتحاد المسيح والحواريون وجميع أهل الإيمان متساوية الأقدام، وإنما الفرق باعتبار القوة والضعف، فاتحاد المسيح بهذا المعنى أشد وأقوى من اتحاد غيره. والدليل على كون الاتحاد عبارة عن هذا المعنى قول يوحنا في الباب الأول من رسالته الأولى وهو هكذا ٥: (وهذا هو الخبر الذي سمعناه منه ونخبركم به أن الله نور
[ ٣ / ٧٦٠ ]
الدليل الرابع
وليس فيه ظلمة ألبتة ٦ إن قلنا إن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق ٧ ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض) .
والآية السادسة والسابعة في التراجم الفارسية هكذا: ٦ (اكر كونييم كه باوى متحديم ودرظلمت رفتا رنماييم در وغكوييم ودر راستي عمل نتماييم) . ٧ وأكردر رو شنائى رفتا رنماييم جنا نجه أودر روشنائي مى باشد بايكد يكر متحد هستيم) فوقع فيها بدل لفظ الشركة لفظ الاتحاد فعلم أن الاتحاد بالله أو الشركة بالله عبارة عما قلنا.
الدليل الرابع: في الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ٩ (الذي رآني فقد رأى الأب فكيف تقول أنت أرنا الأب ١٠ ألست تؤمن أني أنا في الأب والأب فيّ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الأب الحالّ فيّ هو يعمل الأعمال) فقوله: الذي رآني فقد رأى الأب، وقوله أنا في الأب والأب فيّ، وقوله الأب الحالّ فيّ دالة على اتحاد المسيح بالله، وهذا الاستدلال أيضًا ضعيف بوجهين: (أما الأول): فلأن رؤية الله في الدنيا ممتنعة عندهم كما عرفت في الأمر الرابع من المقدمة فيؤلونها بالمعرفة، ومعرفة المسيح باعتبار الجسمية أيضًا لا تفيد الاتحاد، فيقولون إن المراد بالمعرفة باعتبار الألوهية، والحلول الذي وقع في القول الثاني والثالث واجب التأويل عند جمهور أهل التثليث، فيقولون إن المراد به الاتحاد الباطني. فبعد هذه التأويلات
[ ٣ / ٧٦١ ]
يقولون إنه لما كان إنسانًا كاملًا، وإلهًا عاملًا. صح أقواله الثلاثة بالاعتبار الثاني، وقد عرفت مرارًا أنه باطل لأن التأويل يجب أن لا يخالف البراهين والنصوص. (وأما الثاني): فلأن الآية العشرين من الباب المذكور هكذا: (في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيّ وأني فيكم) وقد عرفت في جواب الدليل الثالث أن المسيح قال في حق الحواريين: (أنا فيهم وأنت فيّ) وبديهي أن حال الحال، حال في محل الحال. والآية التاسعة عشرة من الباب السادس من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس هكذا: (أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم) . والآية السادسة عشرة من الباب السادس من الرسالة الثانية إلى قورنيثوس هكذا: (وآية موافقة لهيكل الله مع الأوثان فإنكم أنتم هيكل الله الحي) الخ.
والآية السادسة من الباب الرابع من الرسالة إلى أهل أفسس هكذا: (إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم) .
[ ٣ / ٧٦٢ ]
فلو كان الحلول مشعرًا بالاتحاد ومثبتًا للألوهية لزم أن يكون الحواريون بل جميع أهل قورنيثوس وكذا جميع أهل أفسس آلهة بل الحق أن الأدنى إذا كان من اتباع الأعلى كأن يكون رسوله أو عبده أو تلميذه أو قريبًا من أقربائه. فالأمر المنسوب إلى الأدنى من التعظيم والتحقير والمحبة وغيرها، ينسب إلى الأعلى مجازًا ولذلك قال المسيح ﵇ في حق الحواريين: (من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني) . كما وقع في الآية الأربعين من الباب العاشر من إنجيل متى وقال في حق الولد الصغير: (من قبل هذا الولد باسمي يقبلني ومن قبلني يقبل الذي أرسلني) كما هو مصرح في الآية في الآية الثامنة والأربعين من الباب التاسع من إنجيل لوقا. وقال في حق السبعين الذين أرسلهم اثنين اثنين إلى البلاد (الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني) كما هو مصرح في الآية السادسة عشرة في الباب العاشر من إنجيل لوقا.. وهكذا وقع في حق أصحاب اليمين وأصحاب الشمال في الباب الخامس والعشرين من إنجيل متى ولذلك قال الله على لسان أرمياء: (أكلني ابتلعني يختنصر ملك بابل جعلني كإناء فارغ ملأ بطنه من رخصتي وطردني) كما هو مصرح في الباب الحادي والخمسين من كتاب أرمياء
[ ٣ / ٧٦٣ ]
ومثل هذا وقع في القرآن المجيد أيضًا: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ . وقال مولانا المعنوي قدس سره في مثنويه:
كرتو خواهي همنشيتي باخدا * رونشين تودر حضور اوليا
فمعرفة المسيح بهذا الاعتبار بمنزلة معرفة الله وأما حلول الغير في الله أو حلول الله فيه، وكذا حلول الغير في المسيح أو حلول المسيح فيه، فعبارة عن إطاعة أمرهما. في الباب الثالث من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا: (من يحفظ وصاياه يثبت فيه وهو فيه. وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا) .
[ ٣ / ٧٦٤ ]
وقد يتمسكون على ألوهيته ببعض حالاته فيستدلون تارة أنه ولد بلا أب وهذا الاستدلال ضعيف جدًا، لأن العالم حادث بأسره وما مضى على حدوثه إلى هذا الزمان ستة آلاف سنة على زعمهم. وكل مخلوق من السماء والأرض والجماد والنبات والحيوان وآدم، خلق عندهم في أسبوع واحد فجميع الحيوانات مخلوقة بلا أب وأم فكل من هذه يشارك المسيح في كونه مخلوقًا بلا أب، ويفوق عليه في كونه بلا أم، وتتولد أصناف من الحشرات في كل سنة في موسم نزول المطر بلا أب وأم فكيف يكون هذا الأمر سببًا للألوهية. (ولو نظرنا إلى نوع الإنسان فآدم ﵇ يفوق عليه، وكذلك ملكي صادوق الكاهن الذي هو معاصر إبراهيم ﵇) . في الآية الثالثة من الباب السابع من الرسالة العبرانية حاله هكذا: (بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداية أيام له ولا نهاية حياة) فيفوق المسيح في كونه بلا أم وفي كونه لا بداية له ويستدلون تارة بمعجزاته، وهذا أيضًا ضعيف لأن من أعظم معجزاته إحياء الموتى مع قطع النظر عن ثبوته، وعن أنه يفهم من هذا الإنجيل المتعارف تكذيبه.
[ ٣ / ٧٦٥ ]
أقول إن عيسى ﵇ بحسب هذا الإنجيل ما أحيا إلى زمان الصلب إلا ثلاثة أشخاص كما عرفت في الباب الأول، وأحيا حزقيال ﵇ ألوفًا كما هو مصرح في الباب السابع والثلاثين من كتابه، فهو أولى بأن يكون إلهًا، وأحيا إيليا ﵇ ميتًا كما هو مصرح في الباب السابع عشر من سفر الملوك الأول، وأحيا اليسع ﵇ أيضًا ميتًا كما هو مصرح في الباب الرابع من سفر الملوك الثاني، وصدرت هذه المعجزة عن اليسع بعد موته، أن ميتًا ألقي في قبره فحيي بإذن الله كما هو مصرح في الباب الثالث عشر من السفر المذكور، وأبرأ الأبرص من برصه، كما هو مصرح في الباب الخامس من السفر المذكور. وقد يتمسكون ببعض آيات كتب العهد العتيق وببعض أقوال
[ ٣ / ٧٦٦ ]
الحواريين.
وإني قد نقلت هذه التمسكات مع أجوبتها في كتاب إزالة الأوهام، فمن أراد الاطلاع عليها فليرجع إليه، وتركت ذكرها في هذا الكتاب لأن التمسكات الأولية ضعيفة جدًا ومع قطع النظر عن الضعف لا يثبت منها الألوهية على زعمهم أيضًا ما لم يعترف أن المسيح إنسان كامل وإله كامل، وهذا التأويل باطل، كما عرفت مرارًا، والتمسكات الثانوية حالها كحال التمسكات بالأحوال المسيحية غالبًا فيعامل بها معاملة أقوال المسيح من الحالات الثلاث كما عرفت في صدر هذا الفصل. ولو فرضنا أن بعض القول منهم نص على هذا الأمر، فيحمل على أنه بحسب اجتهادهم. وقد عرفت في الباب الأول أن جميع تحريراتهم ليست بالإلهام، وأنه قد وقع منهم الأغلاط والاختلافات والتناقض يقينًا، وقول مقدسهم بولس غير مسلم عندنا لأنه ليس بحواري ولا واجب التسليم عندنا، بل لا نسلم وثاقته. واعلم أرشك الله تعالى إنما نقلت الأقوال المسيحية وأولتها لأجل إتمام الإلزام وإثبات أن تمسكهم بها ضعيف، وكذا ما قلت من أقوال الحواريين إنما هو على تقدير تسليم أنها أقوالهم، ولا يثبت عندنا أنها أقوال المسيح ﵇ والحواريين لأجل فقدان إسناد هذه الكتب كما عرفت في الباب الأول، ولأجل وقوع التحريف فيها عمومًا وفي هذه المسألة خصوصًا أيضًا كما عرفت في الباب الثاني أن عادتهم في مثل هذه الأمور كانت كذلك وعقيدتي أن المسيح والحواريين كانوا برآء من هذه العقيدة الكفرية يقينًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وأن الحواريين رسل رسول الله.
[ ٣ / ٧٦٧ ]
ووقعت بين الإمام الهمام الفخر الرازي عليه الرحمة وبين بعض القسيسين مناظرة بخوارزم ولما كان نقلها لا يخلو عن فائدة فأنقلها: قال قدس سره في المجلد الثاني من تفسيره في سورة آل عمران تحت تفسير قوله تعالى: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾ الآية. اتفق أني حين كنت بخوارزم أخبرت أنه جاء نصراني يدعي التحقيق والتعمق في مذهبهم فذهبت إليه وشرعنا في الحديث، فقال لي ما الدليل على نبوة محمد ﷺ. فقلت له: كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء ﵈، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد ﷺ فإن رددنا التواتر أو قبلناه لكن قلنا إن المعجزة لا تدل على الصدق فحينئذ بطلت نبوة سائر الأنبياء ﵈، وإن اعترفنا بصحة التواتر واعترفنا بدلالة
[ ٣ / ٧٦٨ ]
المعجزة على الصدق ثم إنهما حاصلان في حق محمد ﷺ، وجب الاعتراف قطعًا بنبوة محمد ﵇ ضرورة. إذ عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول.. فقال النصراني لا أقول في عيسى ﵇ إنه كان نبيًا، بل أقول إنه كان إلهًا. فقلت له الكلام في النبوة لا بد وأن يكون مسبوقًا بمعرفة الإله، وهذا الكلام الذي تقوله باطل ويدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته، يجب ألا يكون جسمًا ولا متحيزًا ولا عرضًا، وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدومًا، وقتل بعد أن كان حيًا على قولكم، وكان طفلًا أولًا ثم صار مترعرعًا، ثم صار شابًا. وكان يأكل ويشرب وَيُحْدِث وينام ويستيقظ. وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديمًا. والمحتاج لا يكون غنيًا والممكن لا يكون واجبًا والمتغير لا يكون دائمًا.
(والوجه الثاني) في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حيًا على الخشبة، وقد مزقوا ضلعه وأنه كان يحتال في الهرب منهم وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد. فإن كان إلهًا أو كان الإله حالًا فيه أو كان جزء من الإله حالًا فيه فَلِمَ لَمْ يدفعهم عن نفسه ولِمَ لَمْ يهلكهم بالكلية، وأية حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم. وبالله إنني لأتعجب جدًا أن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول، ويعتقد صحته. فتكاد أن تكون بداهة العقل شاهدة بفساده.
[ ٣ / ٧٦٩ ]
(الوجه الثالث) وهو أنه إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد، أو يقال حل الإله بكليته. أو حل بعض الإله وجزأ منه فيه والأقسام الثلاثة باطلة: أما الأول، فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم فحين قتله اليهود كان ذلك قولًا بأن اليهود قتلوا إله العالم فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إله. ثم إن أشد الناس ذلًا ودناءة اليهود فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز. وأما الثاني وهو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم فهو أيضًا فاسد لأن الإله إن لم يكن جسمًا ولا عرضًا امتنع حلوله في الجسم، وإن كان جسمًا فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ذلك الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله. وإن كان عرضًا كان محتاجًا إلى المحل وكان الإله محتاجًا إلى غيره. وكل ذلك سخيف. وأما الثالث وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله وجزء من أجزائه فذلك أيضًا محال، لأن ذلك الجزء إن كان معتبرًا في الإلهية فعند انفصاله عن الإله وجب أن لا يبقى الإله إلهًا وإن لم يكن معتبرًا في تحقيق الإلهية لم يكن جزءًا من الإله. فثبت فساد هذه الأقسام فكان قول النصارى باطلًا.
(الوجه الرابع) في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر من أن عيسى ﵇ كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة ولو كان إلهًا لاستحال ذلك لأن الإله لا يعبد نفسه. فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور دالة على فساد قولهم.
ثم قلت للنصراني وما الذي دلك على كونه إلهًا
[ ٣ / ٧٧٠ ]
فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإله تعالى. فقلت له هل تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول أم لا. فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فأقول لما جوزت حلول الإله في بدن عيسى ﵇ فكيف عرفت أن الإله ما حل بدني وبدنك ومن بدن كل حيوان ونبات وجماد. فقال الفرق ظاهر وذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول لأنه ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه، والأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي ولا على يدك فعلمنا أن ذلك الحلول مفقود ههنا. فقلت له تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، وذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإله في بدن عيسى ﵇، فعدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل، فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك بل وفي حق الكلب والسنور والفأر، ثم قلت إن مذهبًا يؤدي القول به إلى تجويز حلول ذات الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية الخسة والركاكة. ثم إن قلب العصا حية أبعد في العقل من إعادة الميت
[ ٣ / ٧٧١ ]
حيًا، لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبان، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى ﵇ إلهًا وابنًا للإله فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلهية كان ذلك أولى وعند هذا انقطع النصراني ولم يبق له كلام والله أعلم. انتهى كلامه بعبارته الشريفة.
[ ٣ / ٧٧٢ ]