[ ٤ / ٩٩٩ ]
(المسلك الأول) أنه ظهرت معجزات كثيرة على يده ﷺ
الفصَّل الأول: (في إثبات نبوة محمد ﷺ
وفيه ستة مسالك) .
[معجزات النبي ﷺ]
(المسلك الأول) أنه ظهرت معجزات كثيرة على يده ﷺ وأذكر نبذًا منها في هذا المسلك من القرآن والأحاديث الصحيحة بحذف الإسناد وأوردها في نوعين.
وقد عرفت في الفصل الثالث من الباب الخامس على أتم تفصيل أنه لا شناعة عقلًا ونقلًا في اعتبار الروايات اللسانية المشتملة على شروط الرواية المعتبرة عند علمائنا رحمهم الله تعالى.
[ ٤ / ١٠٠٠ ]
النوع الأول ففي بيان أخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة
وفيه نوعان
(أما النوع الأول) ففي بيان أخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة، أما الماضية فكقصص الأنبياء ﵈ وقصص الأمم البالية من غير سماع من أحد ولا تلقن من كتاب كما عرفت في الأمر الرابع من الفصل الأول من الباب الخامس وقد أشير إليه بقوله تعالى: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ .
والمخالفة التي وقعت بين القرآن وكتب أهل الكتاب في بيان بعض هذه القصص فقد عرفت حالها في الفصل الثاني من الباب الخامس في جواب الشبهة الثانية، وأما المستقبلة فكثيرة. عن حذيفة ﵁ أنه قال: (قام فينا مقامًا فما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه وأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه) رواه البخاري ومسلم.
[ ٤ / ١٠٠١ ]
وقد عرفت في الأمر الثالث من الفصل الأول من الباب الخامس اثنين وعشرين خبرًا من الأخبار المندرجة في القرآن وقال الله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ .
فوعد الله المسلمين في هذا القول بأنهم يزلزلون حتى يستقيؤه ويستنصروه. وقال النبي ﷺ لأصحابه: (سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم) . وقال أيضًا: (أن الأحزاب سائرون إليكم تسعًا أو عشرًا) . فجاء الأحزاب كما وعد الله ورسوله وكانوا عشرة آلاف وحاصروا المسلمين وحاربوهم محاربة شديدة إلى مدة شهر وكان المسلمون في غاية الضيق والشدة والرعب وقالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وأيقنوا بالجنة والنصر. كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾ . وقد خرج أئمة الحديث ﵃:
١- أن النبي ﷺ أخبر الصحابة بفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق.
٢- وأن الأمن يظهر حتى ترحل المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف
[ ٤ / ١٠٠٢ ]
إلا الله.
٣- وأن خيبر تفتح على يد علي ﵁ في غد يومه.
٤- وأنهم يقسمون كنوز ملك فارس وملك الروم.
٥- وأن بنات فارس تخدمهم. وهذه الأمور كلها وقعت في زمن الصحابة ﵃ كما أخبر.
[ ٤ / ١٠٠٣ ]
٦- وأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة.
٧- وأن فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا أبدًا، والروم ذات قرون كلما هلك قرن خلف مكانه قرن أهل صخر وبحر هيهات آخر الدهر. والمراد بالروم الفرنج والنصارى وكان كما أخبر ما بقي من سلطنة الفرس أثر ما بخلاف الروم، فإن سلطنتهم وإن زالت عن الشام في عهد خلافة عمر ﵁ وانهزم هرقل من الشام إلى أقصى بلاده لكن لم تزل سلطنتهم بالكلية بل كلما هلك قرن خلفه قرن آخر.
٨- وأن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي
[ ٤ / ١٠٠٤ ]
ما زوى لي منها) . والمعنى جمع الله لي الأرض مرة واحدة بتقريب بعيدها إلى قريبها حتى اطلعت على ما فيها، وستفتحها أمتي جزءًا فجزءًا حتى تمتلك جميع أجزائها، ولأجل تقييدها بمشارقها ومغاربها انتشرت ملته في المشارق والمغارب ما بين أرض الهند التي هي أقصى المشرق إلى بحر طنجة الذي في أقصى المغرب، ولم تنتشر في الجنوب والشمال مثل انتشارها في المشرق والمغرب، ولعل في إتيانهما بلفظ الجمع، وفي تقديم المشارق، إيماء إلى ما هنالك وإلى ظهور كثرة العلماء منهما بالنسبة إلى غيرهما، وأن علماء المشرق أكثر وأظهر من علماء المغرب.
٩- وأنه لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) . وفي حديث آخر رواية أبي أمامة: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك وقيل: يا رسول الله وأين هم قال: ببيت المقدس) والمراد عند جمهور العلماء بأهل الغرب أهل الشام لأنه
[ ٤ / ١٠٠٥ ]
غرب الحجاز بدلالة رواية وهم بالشام.
١٠- وأن الفتن لا تظهر ما دام عمر حيًا وكان كما أخبر، وكان عمر ﵁ سد باب الفتنة.
١١- وأن المهدي ﵁ يظهر.
١٢- وأن عيسى ﵇ ينزل.
١٣- وأن الدجال يخرج.
[ ٤ / ١٠٠٦ ]
وهذه الأمور الثلاثة ستظهر إن شاء الله تعالى والله أعلم.
١٤- أن عثمان يقتل وهو يقرأ في المصحف.
١٥ - وأن أشقى الآخرين من يصبغ هذه من هذه. يعني لحية علي من دم رأسه، يعني يقتله وهما ﵄ استشهدا كما أخبر.
١٦- وأن عمارًا تقتله الفئة الباغية فقتله أصحاب معاوية.
[ ٤ / ١٠٠٧ ]
١٧- وأن الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا عضوضًا بعد ذلك) فكانت الخلافة الحقة كذلك بمضي مدة خلافة الحسن بن علي ﵄، لأن خلافة أبي بكر ﵁ كانت سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يومًا، وخلافة عمر ﵁ عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان ﵁ إحدى عشرة سنة وإحدى عشر شهرًا وثمانية عشر يومًا، وخلافة علي ﵁ أربع سنين وعشرة أشهر وتسعة أيام، وبتمامها خلافة الحسن ﵁.
١٨- وأن هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش والمراد يزيد وبنو
[ ٤ / ١٠٠٨ ]
مروان.
١٩- وأن الأنصار يقلون حتى يكونوا كالملح في الطعام، فلم يزل أمرهم يتفرق حتى لم يبق لهم جماعة. ووقع كما أخبر.
٢٠- وأنه يكون في ثقيف كذاب ومبير أي مهلك، فرأوهما
[ ٤ / ١٠٠٩ ]
المختار والحجاج.
٢٠- وأن الموتتين أي الوباء والطاعون يكون بعد فتح بيت المقدس، وكان هذا الوباء في خلافة عمر ﵁ بعمواس من قرى بيت المقدس، وبها كان عسكره، وهو أول طاعون وقع في الإسلام مات به سبعون ألفًا في
[ ٤ / ١٠١٠ ]
ثلاثة أيام.
٢٢- وأنهم يغزون في البحر كالملوك على الأسرة ففي الصحيحين: (كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان من خالات النبي ﷺ من الرضاع وكانت تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها يومًا فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه فنام، ثم استيقظ يضحك فقالت: ممَّ تضحك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ٢ ملوكًا على الأسرة أو كالملوك على الأسرة. فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم ٣ فقال: أنت من الأولين. فركبت البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها بعد خروجها منه فهلكت) .
[ ٤ / ١٠١١ ]
٢٣- وأن الإيمان لو كان منوطًا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس وفيه إشارة إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة الكوفي رحمه الله تعالى أيضًا.
٢٤- وأن فاطمة أول أهله لحوقًا به فماتت ﵂ بعد ستة
[ ٤ / ١٠١٢ ]
أشهر من وفاته ﷺ.
٢٥- (وأن ابني هذا) أي الحسن ابن علي ﵄ (سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين) ووقع كما أخبر، فأصلح الله به بين أتباعه وأهل الشام.
٢٦- وأن أبا ذر يعيش وحيدًا، ويموت. فكان كما أخبر.
٢٧- (وأن أسرع أزواجه لحوقًا به أطولهن يدًا) فكانت زينب بنت جحش ﵂ أسرعهن لحوقًا به لطول يدها بالصدقة.
[ ٤ / ١٠١٣ ]
٢٨- (وأن الحسين بن علي ﵄ يقتل بالطف) وهو بفتح الطاء وتشديد الفاء مكان بناحية الكوفة على شط نهر الفرات، والآن اشتهر بكربلاء، فاستشهد الحسين ﵁ في الطف كما أخبر.
٢٩- وقال لسراقة بن جعشم: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟
[ ٤ / ١٠١٤ ]
فلما أتى بهما عمر ﵁ ألبسهما إياه وقال: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة.
٣٠- وقال لخالد ﵁ حين وجهه لاكيدر: إنك تجده يصيد البقر. فكان كما أخبر.
[ ٤ / ١٠١٥ ]
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الشيخين: (أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز يضيء لها أعناق الإبل ببصرى) .
وقد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، وكان ابتداؤها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها، ثم ظهرت ظهورًا اشترك فيه الخاص والعام، ولعدم ظهورها ظهورًا معتدًا إلى يوم الثلاثاء خفي عن البعض وقال ابتداؤها كان ثالث الشهر، وفي يوم الأربعاء ظهرت ظهورًا شديدًا، واشتدت حركتها واضطربت الأرض بمن عليها، وارتفعت الأصوات
[ ٤ / ١٠١٦ ]
لخالقها، ودامت آثار الحركة حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلاك وزلزلوا زلزالًا شديدًا فلما كان يوم الجمعة نصف النهار ثار في الجو دخان متراكم أمره متفاقم ثم شاع النار وعلا حتى غشى الأبصار، فسكنت بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف كشراريف الحصون وأبراج ومآذن، ويرى رجال يقودونها لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر أزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور والجبال بين يديه.
وكان يأتي المدينة ببركة النبي ﷺ نسيم بارد. وكان انطفاؤها في السابع والعشرين من شهر رجب ليلة الإسراء والمعراج وللشيخ قطب الدين القسطلاني تأليف في بيان حال هذه النار سماه بحمل الإيجاز في الإعجاز بنار الحجاز. فهذا الخبر من الأخبار العظيمة أيضًا لأن النبي ﷺ أخبر بخروج هذه النار قبل ظهورها بمقدار ستمائة وخمسين سنة تقريبًا، وكتب في البخاري قبل ظهورها بمقدار أربعمائة سنة تقريبًا، وصحيح البخاري في غاية درجة القبول من زمان التأليف إلى هذا الحين حتى
[ ٤ / ١٠١٧ ]
أخذ تسعون ألف رجل سنده من الإمام المرحوم بلا واسطة في مدة حياته فلا مجال لعناد معاند في تكذيب هذا الخبر الصريح الصادق.
وروى مسلم في كتاب الفتن من حديث ابن مسعود ﵁ في أمر الدجال من طريق أبي قتادة عن يسير بن جابر قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة فجاء رجل ليس له هجيري فقال: ألا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة. قال: فقعد وكان متكئًا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة. ثم قال: بيده هكذا ونحاها نحو الشام.
فقال: عدو يجتمعون لأهل الشام ويجتمع لهم أهل الشام. قلت: الروم يعني. قال: نعم. ويكون عند ذلك القتال ردة شديدة أي هزيمة، فيشترط المسلمون شرطة الموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى
[ ٤ / ١٠١٨ ]
يحجز بينهم الليل، فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة الموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة الموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم (أي الروم) فيقتتلون مقتلة، أما قال: لا يرى مثلها، وأما قال: لم ير مثلها حتى أن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتًا فيتعاد بنو الأب، كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم. فبينما هم كذلك إذ سمعوا بناس هم أكثر من ذلك فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون الحديث. عصمنا الله من فتنة الدجال.
واعلم أن علماء بروتستنت على ما هو عادتهم يغلطون العوام باعتراضات مموهة على الإخبارات المستقبلة المندرجة في القرآن والحديث، فأنقل ههنا بعض الإخبارات المنسوبة إلى الأنبياء الإسرائيلية ﵈ عن كتبهم المقدسة ليعلم المخاطب أن اعتراضاتهم ليست بشيء، وليس غرضي سوء الاعتقاد في أقوال الأنبياء ﵈ لأنها ليست بثابتة الإسناد إليهم ثبوتًا قطعيًا، بل حكمها حكم الروايات الضعيفة المروية بروايات الآحاد، فالغلط منها ليس بقولهم يقينًا والاعتراض عليه حق فأقول:
الأول: الخبر المنقول في الباب السادس من سفر التكوين.
[ ٤ / ١٠١٩ ]
والثاني: الخبر المنقول في الآية الثامنة من الباب السابع من كتاب أشعيا.
والثالث: الخبر المنقول في الباب التاسع والعشرين من كتاب أرمياء.
والرابع: الخبر المندرج في الباب السادس والعشرين من كتاب حزقيال.
والخامس: الخبر المندرج في الباب الثامن من كتاب دانيال.
والسادس: الخبر المندرج في الباب التاسع من الكتاب المذكور.
والسابع: الخبر المندرج في الباب الثاني عشر من الكتاب المذكور.
والثامن: الخبر المندرج في الباب السابع من سفر صموئيل الثاني.
[ ٤ / ١٠٢٠ ]
والتاسع: الخبر المندرج في الآية ٣٩ و٤٠ من الباب الثاني عشر من إنجيل متى.
والعاشر: الخبر المندرج في الآية السابعة والعشرين والثامنة والعشرين من الباب السادس عشر من إنجيل متى.
والحادي عشر: الخبر المندرج في الباب الرابع والعشرين من إنجيل متى.
والثاني عشر: الخبر المندرج في الباب العاشر من إنجيل متى.
وكلها غلط كما عرفت هذه الأمور في الباب الأول، فإن أراد أحد منهم أن يعترض على أخباره من الإخبارات المستقبلة المندرجة في القرآن والحديث فعليه أن يبين أولًا صحة هذه الإخبارات المندرجة في كتبهم التي أشرت إليها الآن ثم يعترض.
[ ٤ / ١٠٢١ ]
النوع الثاني ففي الأفعال التي ظهرت منه ﵇ على خلاف العادة
وأما
النوع الثاني ففي الأفعال التي ظهرت منه ﵇ على خلاف العادة وهي تزيد على ألف وأكتفي على ذكر أربعين:
١- قال الله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ .
فهذه الآية والأحاديث الصحيحة تدل على أن المعراج كان في اليقظة بالجسد، أما دلالة الأحاديث ففي غاية الظهور، وأما دلالة الآية فلأن لفظ العبد يطلق على مجموع الجسد والروح. قال الله تعالى: ﴿أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى)، وقال أيضًا في سورة الجن: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا﴾ .
ولا شك أن المراد في الموضعين من العبد مجموع الروح والجسد، فكذا المراد بالعبد ههنا. ولأن الكفار استبعدوا هذا المعراج وأنكروه وارتد بسماعه ضعفاء المسلمين وافتتنوا به فلو لم يكن المعراج بالجسد وفي اليقظة لما كان سببًا لاستبعاد الكفار وإنكارهم وارتداد ضعفاء المسلمين وافتتانهم. إذ مثل هذا في المنامات لا يعد من المحال ولا يستبعد ولا ينكر ألا ترى أن أحدًا لو ادعى أنه
[ ٤ / ١٠٢٢ ]
سار في نومه مرة في الشرق ومرة في الغرب وهو لم يتحول عن مكانه ولم تتبدل حاله الأولى، لم ينكره أحد ولم يستبعد، ولا استحالة فيه عقلًا ونقلًا.
أما عقلًا فلأن خالق العالم قادر على كل الممكنات، وحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد ﷺ ممكن، فوجب كونه تعالى قادرًا عليه وغاية ما في الباب أنه خلاف العادة والمعجزات كلها تكون كذلك.
وأما نقلًا فلأن صعود الجسم العنصري إلى الأفلاك ليس بممتنع عند أهل الكتاب.
١ - قال القسيس وليم اسمت في كتابه المسمى بطريق الأولياء في بيان حال أخنوخ الرسول الذي كان قبل ميلاد المسيح بثلاث آلاف سنة وثلثمائة واثنتين وثمانين سنة هكذا: (أن الله نقله حيًا إلى السماء لئلا يرى الموت كما هو مرقوم أنه لم يوجد لأن الله نقله فترك الدنيا من غير أن يحمل المرض والوجع والألم والموت ودخل بجسده في ملكوت السماء) انتهى.
وقوله كما هو مرقوم إشارة إلى الآية الرابعة والعشرين من الباب الخامس من سفر التكوين.
وفي الباب الثاني من سفر الملوك الثاني هكذا: ١ (وكان لما أراد الرب أن يصعد ايليا بالعجاج إلى السماء انطلق ايليا واليسع من الجلجال
[ ٤ / ١٠٢٣ ]
١١ وبينما هما يسيران ويتكلمان إذ بعجلة من نار وخيل من نار فاقتربت فيما بينهما وصعد ايليا بالعجاج إلى السماء) .
وقال آدم كلارك المفسر في شرح هذا المقام: (لا شك أن إيليا رفع إلى السماء حيًا) انتهى كلامه.
والآية التاسعة عشر من الباب السادس عشر من إنجيل مرقس هكذا: (ثم الرب بعد ما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله) .
وقال بولس في حال معراجه في الباب الثاني عشر من رسالته الثانية إلى أهل قورنيثوس هكذا: ٢ (أعرف إنسانًا في المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم الله يعلم اختطف هذا إلى السماء الثالثة ٣ وأعرف هذا الإنسان أفي الجسد أم خارج الجسد لست أعلم الله يعلم أنه اختطف إلى الفردوس ٤ وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها)
[ ٤ / ١٠٢٤ ]
فادعى معراجه إلى السماء الثالثة وإلى الفردوس وبسماع كلمات لا ينطق بها، وليس لإنسان أن يتكلم بها ٥ وقال يوحنا في الباب الرابع من المكاشفات ١ (وبعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح في السماء والصوت الأول الذي سمعته كبوق يتكلم قائلًا اصعد إلى ههنا فأريك ما لا بد أن يصير بعد هذا ٢ وللوقت صرت في الروح وإذا عرش موضوع في السماء وعلى العرش جالس) .
فهذه الأمور مسلمة عند المسيحيين فلا مجال للقسيسين أن يعترضوا على معراج النبي ﷺ عقلًا أو نقلًا. نعم يرد عليهم أنه لا وجود للسماوات على حكم علم الهيئة الجديد، فكيف يصدق عندهم أن أخنوخ وإيليا والمسيح ﵈ رفعوا إلى السماء وجلس المسيح على يمين الله واختطف مقدسهم إلى السماء الثالثة وإلى الفردوس. وقد عرفنا مطهر البابويين وجهنمهم كما مر في الفصل الثاني من الباب الخامس لكنا ما عرفنا فردوس المسيحيين أهو على السماء الثالثة الموهومة كأنياب الأغوال عندهم أو فوقها أو هو عبارة عن جهنم كما يفهم بملاحظة الإنجيل وكتاب عقائدهم، لأن المسيح قال للسارق المصلوب معه وقت الصلب إنك اليوم تكون معي في الفردوس.
وهم يصرخون في
[ ٤ / ١٠٢٥ ]
العقيدة الثالثة من عقائدهم أنه نزل إلى جهنم، فإذا لاحظنا الأمرين يعلم أن الفردوس عندهم جهنم.
قال جواد بن ساباط في البرهان السادس عشر من المقالة الثانية من كتابه أن القسيس كياروس سألني في حضور المترجمين: ماذا يعتقد المسلمون في معراج محمد ﷺ؟ قلت: إنهم يعتقدون أنه من مكة إلى أورشليم ومنه إلى السماء.
قال: لا يمكن صعود الجسم إلى السماء. قلت: سألت بعض المسلمين عنه فأجاب أنه يمكن كما أمكن لجسم عيسى ﵇. قال القسيس: لِمَ لَمْ تستدل بامتناع الخرق والالتئام على الأفلاك؟ قلت: استدللت به لكنه أجاب أنهما ممكنان لمحمد ﷺ كما كانا ممكنين لعيسى ﵇.
قال القسيس: لِمَ لَمْ تقل أن عيسى إله له أن يتصرف ما يشاء في مخلوقاته؟ قلت: قد قلت ذلك لكنه قال أن ألوهية عيسى باطلة لأنه يستحيل أن يطرأ على الله علامات العجز كالمضروبية والمصلوبية والموت والدفن. انتهى.
ونقل بعض الأحياء أن قسيسًا في بلد بنارس من بلاد الهند كان يقول في
[ ٤ / ١٠٢٦ ]
بعض المجامع تغليطًا لجهال المسلمين البدويين كيف تعتقدون المعراج وهو أمر مستبعد فأجابه مجوسي من مجوس الهند أن المعراج ليس بأشد استبعادًا من كون العذراء حاملة من غير زوج، فلو كان مطلق الأمر المستبعد كاذبًا فهذا أيضًا يكون كاذبًا فكيف تعتقدونه فبهت القسيس.
٢- قال الله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ أخبر الله بوقوع الانشقاق بلفظ الماضي فيجب تحققه، وحمله على معنى سينشق بعيد لأربعة أوجه:
الأول: أن قراءة حذيفة وقد انشق القمر وهي صريحة في الزمان الماضي والأصل توافق القراءتين.
والثاني: أن الله أخبر بإعراضهم عن آياته والإعراض الحقيقي عنها لا يتصور قبل وقوعها.
والثالث: أن المفسرين المشهورين صرحوا بأن انشق بمعناه، وردوا قول من قال بمعنى سينشق.
والرابع: أن الأحاديث الصحيحة تدل على وقوعه قطعًا. ولذلك قال
[ ٤ / ١٠٢٧ ]
شارح المواقف: (وهذا متواتر قد رواه جمع كثير من الصحابة كابن مسعود وغيره) انتهى كلامه.
وقال العلامة أبو نصر عبد الوهاب ابن الإمام علي بن عبد الكافي بن تمام الأنصاري السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب في الأصول: (والصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن مروي في الصحيحين وغيرهما) انتهى كلامه.
وأقوى شبهات المنكرين أن الأجرام العلوية لا يتأتى فيها الخرق والالتئام وأن هذا الانشقاق لو وقع لم يخف على أهل الأرض كلهم ونقله مؤرخو العالم.
(والجواب) أن هذه الشبهة ضعيفة جدًا نقلًا وعقلًا. أما نقلًا فلسبعة أوجه:
[ ٤ / ١٠٢٨ ]
الوجه الأول: أن حادثة طوفان نوح ﵇ كانت ممتدة إلى سنة، وفنى فيه كل ذي حياة من الطيور والبهائم والحشرات والإنسان غير أهل السفينة، وما نجا من الإنسان غير ثمانية أشخاص على ما هو مصرح به في الباب السابع والثامن من سفر التكوين.
وفي الآية العشرين من الباب الثالث من الرسالة الأولى لبطرس هكذا: (في أيام نوح إذ كان الفلك يبني الذي فيه خلص قليلون أي ثمانية أنفس بالماء) .
والآية الخامسة من الباب الثاني من رسالته الثانية هكذا: (ولم يشفق على العالم القديم بل إنما حفظ نوحًا ثامنًا كارزا للبر إذ جلب طوفانًا على عالم الفجار) . وما مضت على هذه الحادثة مدة إلى هذا اليوم على زعم أهل الكتاب إلا مقدار أربعة آلاف ومائتين واثنتي عشرة سنة شمسية ولا يوجد هذا الحال في تواريخ مشركي الهند وكتبهم. وهم ينكرون هذا الأمر إنكارًا بليغًا ويستهزئ به علماؤهم كافة ويقولون: لو قطع النظر عن الزمان السالف ونظر إلى زمان كرشن الأوتار، الذي كان قبل هذا اليوم بمقدار أربعة آلاف وتسعمائة وستين سنة على شهادة كتبهم، لا مجال لصحة هذه الحادثة العامة لأن الأمصار العظيمة الكثيرة من ذلك العهد إلى هذا الحين مغمورة وثبت بشهادة تواريخهم أنه يوجد من ذلك العهد إلى هذا الحين في إقليم الهند
[ ٤ / ١٠٢٩ ]
مليونات كثيرة في كل زمان من الأزمنة، ويدعون أن حال زمان كرشن لوجود كثرة التواريخ كحال أمس.
وقال ابن خلدون في المجلد الثاني من تاريخه: (واعلم أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط) انتهى كلامه بلفظه. وقال العلامة تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزي في المجلد الأول من كتابه المسمى بكتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: (الفرس وسائر المجوس والكلدانيون أهل بابل والهند وأهل الصين وأصناف الأمم المشرقية ينكرون الطوفان، وأقر به بعض الفرس لكنهم قالوا لم يكن الطوفان بسوى الشام والمغرب ولم يعم العمران كله ولا غرق إلا بعض الناس ولم يجاوز عقبة حلوان ولا بلغ إلى ممالك المشرق) انتهى كلامه بلفظه.
[ ٤ / ١٠٣٠ ]
وأبناء صنف القسيسين ينكرون هذا الطوفان ويستهزئون به. وأنقل كلام جان كلارك الملحد عن رسالته الثالثة المندرجة في كتابه المطبوع سنة ١٨٣٩ في ليدس فقال في الصفحة ٥٤: (هذا) يعني الطوفان، غير صحيح على شهادة علم الفلسفة وأنا أتعجب! أمات الحيتان في ماء هذا الطوفان؟.
ولما كان بحكم الآية الخامسة من الباب السادس من سفر التكوين أفكار قلوب الإنسان ذميمة فلماذا أبقى الله ثمانية أشخاص. لِمَ لَمْ يخلق الإنسان مرة أخرى بعد إهلاك الكل؟ ولماذا أبقى بضاعته القديمة التي بقيت الأفكار الذميمة باقية بسببها؟ لأن الشجرة الرديئة لا تثمر ثمرة جيدة كما قال متى في الآية السادسة عشر من الباب السابع، هل يجتنبون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا؟. ونوح كان شارب الخمر وبهيمة وظالمًا (والعياذ بالله) . كما يفهم من الآية ٢١ و٢٥ من الباب التاسع من سفر التكوين فكيف يرجى منه أن يكون نسله صالحًا.
وانظروا أنه لم يكن صالحًا كما يظهر من الآية الثانية من الباب الثاني من رسالة بولس إلى أهل أفسيس والآية الثالثة من الباب الثالث من
[ ٤ / ١٠٣١ ]
رسالته إلى تيطس والآية الثالثة من الباب الرابع من الرسالة الأولى لبطرس والآية [ص ١٩٠] الخامسة من الزبور الحادي والخمسين) انتهى كلامه. ثم استهزأ في هذه الصفحة ٩٣ استهزاءً بليغًا جاوز الحد في إساءة الأدب، فلا أرضى بنقل كلامه القبيح.
(الوجه الثاني) في الباب العاشر من كتاب يوشع، على وفق الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: ١٢ حينئذ تكلم يسوع أمام الرب في اليوم الذي دفع الأموري في يدي بني إسرائيل، وقال أمامهم أيتها الشمس مقابل جبعون لا تتحركي والقمر مقابل قاع ايلون ١٣ (فوقف الشمس والقمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم، أليس هذا مكتوبًا في سفر الأبرار فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تكن تعجل إلى الغروب يومًا تامًا) .
وفي الباب الرابع من الحصة الثالثة من كتاب تحقيق الدين الحق، المطبوع سنة ١٨٤٦ في الصفحة ٣٦٢ هكذا: (أما غربت الشمس بدعاء يوشع إلى أربع وعشرين ساعة) انتهى كلامه.
[ ٤ / ١٠٣٢ ]
وهذه الحادثة عظيمة وكانت على زعم المسيحيين قبل ميلاد المسيح بألف وأربعمائة وخمسين سنة فلو وقعت لظهرت على الكل ولا يمنع السحاب الغليظ علمه أيضًا، وهو ظاهر ولا اختلاف في الآفاق لأنا لو فرضنا أن بعض الأمكنة كان فيها الليل في هذا الوقت لأجل الاختلاف فلا بد أن تظهر لامتداد ليلهم بقدر أربع وعشرين ساعة. وهذه الحادثة العظيمة ليست مكتوبة في كتب تواريخ أهل الهند ولا أهل الصين ولا الفرس. وأنا سمعت من علماء مشركي الهند تكذيبها، وهم يجزمون بأنها غلط يقينًا، وأبناء صنف القسيسين يكذبونها ويستهزئون بها وأوردوا عليها اعتراضات:
الاعتراض الأول: أن قول يوشع أيتها الشمس لا تتحركي، وقوله فوقفت الشمس، يدلان على أن الشمس متحركة والأرض ساكنة، وإلا كان عليه أن يقول أيتها الأرض لا تتحركي فوقفت الأرض، وهذا الأمر باطل بحكم علم الهيئة الجديد الذي يعتمد عليه حكماء أوروبا كلهم الآن ويعتقدون ببطلان القديم، لعل يوشع ما كان يعلم هذه الحال، أو هذه القصة كاذبة.
[ ٤ / ١٠٣٣ ]
والاعتراض الثاني: أن قوله فوقفت الشمس في كبد السماء يدل على أن هذا الوقت كان نصف النهار وهذا مخدوش أيضًا بوجوه: أما أولًا: فلأن بني إسرائيل كانوا قتلوا من المخالفين ألوفًا وهزموهم ولما هربوا أمطر الرب عليهم حجارة كبارًا من السماء، وكان الذين ماتوا بالحجارة أكثرمن الذين قتلهم بنو إسرائيل، وهذه الأمور حصلت قبل نصف النهار على ما هو مصرح به في الباب فلا وجه لاضطراب يوشع ﵇ في هذا الوقت لأن المظفرين من بني إسرائيل كانوا كثيرين جدًا والباقون من المخالفين قليلين جدًا وكان الباقي من النهار مقدار النصف، فقتلهم قبل الغروب كان في غاية السهولة. وأما ثانيًا: فلأن الوقت لما كان نصف النهار فكيف رأوا القمر في هذا الوقت على أن توقيفه لغو على قواعد الفلسفة. وأما ثالثًا: فلأن الوقت لما كان نصف النهار وكان بنو إسرائيل مشتغلين بالمحاربة والاضطراب، وما كان لهم شك في المقدار الباقي من النهار، وما كانت الساعات عندهم في ذلك الزمان. فكيف علموا أن الشمس قامت على دائرة نصف النهار بمقدار اثنتي عشرة ساعة وما مالت إلى هذه المدة إلى جانب المغرب.
والاعتراض الثالث: قال جان كلارك: (إن الله كان وعد أن جميع أيام الأرض زرع وحصاد، برد وحر، صيف وشتاء، ليل ونهار، لا تهدأ كما هو مصرح به في الآية الثانية والعشرين من الباب الثامن من سفر التكوين فإذا
[ ٤ / ١٠٣٤ ]
لم تغرب الشمس إلى المدة المذكورة هدأ الليل في ذلك الوقت) .
(الوجه الثالث) في الآية الثامنة من الباب الثامن والثلاثين في بيان رجوع الشمس بمعجزة أشعيا هكذا: (فرجعت الشمس عشر درجات في المراقي التي كانت قد انحدرت) .
وهذه الحادثة عظيمة، ولما كانت في النهار فلا بد أن تظهر لأكثر أهل العالم، وكانت قبل ميلاد المسيح بسبعمائة وثلاث عشرة سنة شمسية، وهذه الحادثة ليست مكتوبة في تواريخ أهل الهند والصين والفرس. وأيضًا يفهم منها حركة الشمس وسكون الأرض، وهذا أيضًا باطل على حكم علم الهيئة الجديد.
على أنا لو قطعنا النظر عن هذا، فنقول أن ههنا ثلاثة احتمالات أما أن رجع النهار فقط بمقدار عشر درجات، أو الشمس رجعت في السماء بهذا المقدار كما هو الظاهر، أو رجعت حركة الأرض من المشرق إلى المغرب بهذا المقدار. وهذه الاحتمالات الثلاثة باطلة بحكم الفلسفة. وهذه الحوادث الثلاثة مسلمة عند اليهود والنصارى والحوادث الباقية التي أذكرها تختص بالنصارى.
(الوجه الرابع) في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى: ٥١ (وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل والأرض تزلزلت، والصخور تشققت ٥٢ والقبور تفتحت وقام كثير من أجسام القديسين الراقدين ٥٣ وخرجوا من القبور بعد قيامه ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين) .
[ ٤ / ١٠٣٥ ]
وهذه الحادثة كاذبة يقينًا كما عرفت في الفصل الثالث من الباب الأول، ولا توجد في تواريخ المخالفين القديمة من الرومانيين واليهود، ولم يذكر مرقس ولوقا تشقق الصخور، وتفتح القبور، وخروج كثير من أجساد القديسين ودخولهم في المدينة المقدسة، مع أن ذكرها كان أولى من ذكر صراخ عيسى ﵇ عند الموت الذي اتفقا على ذكره. وتشقق الصخور من الأمور التي يبقى أثرها بعد الوقوع، والعجب أن متى لم يذكر أمر هؤلاء الموتى بعد انبعاثهم لأي الناس ظهروا، وكان اللائق ظهورهم على اليهود وبيلاطس ليؤمنوا بعيسى ﵇ كما كان اللائق على عيسى ﵇ أن يظهر على هؤلاء بعد قيامه من الأموات ليزول الاشتباه ولا يبقى المجال لليهود أن تلاميذه أتوا ليلًا وسرقوا جثته. وكذا لم يذكر أن هؤلاء الموتى بعد الانبعاث رجعوا إلى أجسادهم أو بقوا في الحياة. وقال بعض الظرفاء: لعل متى فقط رأى هذه الأمور في المنام. على أنه يفهم من عبارة لوقا أن انشقاق حجاب الهيكل كان قبل وفاة عيسى ﵇ خلافًا لمتى ومرقس.
(الوجه الخامس) كتب متى ومرقس ولوقا في بيان صلب المسيح، أن الظلمة كانت على الأرض كلها من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، وهذه الحادثة لما كانت في النهار على الأرض كلها وممتدة إلى أربع ساعات، فلا بد أن لا تخفى على أكثر أهل العالم، ولا يوجد ذكرها في تواريخ أهل الهند والصين والفرس.
[ ٤ / ١٠٣٦ ]
(الوجه السادس) أن متى كتب في الباب الثاني قصة قتل الأطفال، ولم يكتبها غيره من الإنجيليين والمؤرخين.
(الوجه السابع) في الباب الثالث من إنجيل متى ولوقا، وفي الباب الأول من إنجيل مرقس هكذا: (فساعة طلع من الماء رأى السماوات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلًا عليه، وكان صوت من السماوات (أنت ابني الحبيب الذي به سررت) انتهى بعبارة مرقس.
فانشقاق السماوات لما كان في النهار، فلا بد أن لا يخفى على أكثر أهل العالم، وكذا رؤية الحمامة وسماع الصوت لا يختص بواحد دون واحد من الحاضرين، ولم يكتب أحد هذه الأمور غير الإنجيليين.
وقال "جان كلارك" مستهزئًا بهذه الحادثة: (إن متى أبقانا محرومين من الاطلاع العظيم، وهو أنه لم يصرح أن السماوات لما انفتحت هل انفتحت أبوابها الكبيرة؟ أم المتوسطة؟ أم الصغيرة؟ وهل كانت هذه الأبواب في هذا الجانب من الشمس أو في ذلك الجانب؟ ولأجل هذا السهو الذي صدر عن متى قسوسنا يضربون الرؤوس متحيرين في تعيين الجانب، ثم قال: وما أخبرنا أيضًا أن هذه الحمامة هل أخذها أحد وحبسها في القفص، أم رأوها راجعة إلى جانب السماء. ولو رأوها راجعة ففي هذه الصورة لا بد أن تبقى أبواب السماوات مفتوحة إلى هذه المدة، فلا بد أنهم رأوا باطن السماء بوجه حسن لأنه لا يعلم أن بوابًا كان عليها قبل وصول بطرس هناك، لعل هذه الحمامة كانت جنية) انتهى كلامه.
[ ٤ / ١٠٣٧ ]
(وأما بطلانها عقلًا) فلوجوه ثمانية.
(الأول) أن انشقاق القمر كان في الليل وهو وقت الغفلة والنوم والسكون عن المشي والتردد في الطرق سيما في موسم البرد، فإن الناس يكونون مستريحين في دواخل البيوت وزواياها مغلقين أبوابها، فلا يكاد يعرف من أمور السماء شيئًا إلا من انتظره واعتنى به، ألا ترى إلى خسوف القمر فإنه يكون كثيرًا، وأكثر الناس لا يحصل لهم العلم به حتى يخبرهم أحد به في السحر.
(والثاني) أن هذه الحادثة ما كانت ممتدة إلى زمان كثير، فما كان للناظر أن يذهب إلى الغير الذي هو بعيد عنه وينبهه، أو يوقظ النائم ويريه.
(والثالث) أنها لم تكن متوقع الحصول لأهل العلم لينظروها في وقتها ويروها كما أنهم يرون هلال رمضان والعيدين والكسوف والخسوف في أوقاتها غالبًا لأجل كونها متوقع الحصول، ولا يكون نظر كل واحد إلى السماء في كل جزء من أجزاء النهار أيضًا فضلًا عن الليل. فلذلك رأى الذين كانوا طالبين
[ ٤ / ١٠٣٨ ]
لهذه المعجزة وكذلك من وقع نظره في هذا الوقت إلى السماء كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الكفار لما رأوها قالوا: سحركم ابن أبي كبشة فقال أبو جهل: هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا رأوا ذلك أم لا؟ فأخبر أهل آفاق مكة أنهم رأوه منشقًا، وذلك لأن العرب يسافرون في الليل غالبًا ويقيمون بالنهار فقالوا: هذا سحر مستمر.
وفي المقالة الحادية عشر من تاريخ "فرشته" أن أهل مليبار من إقليم الهند رأوه أيضًا، وأسلم والي تلك الديار التي كانت من مجوس الهند بعد ما تحقق له هذا الأمر.
[ ٤ / ١٠٣٩ ]
وقد نقل الحافظ المري عن ابن تيمية ٦ أن بعض المسافرين ذكر أنه وجد في بلاد الهند بناءً قديمًا مكتوبًا عليه: "بني ليلة انشق القمر".
(والرابع) أنه قد يحول في بعض الأمكنة وفي بعض الأوقات بين الرائي والقمر، سحاب غليظ أو جبل، ويوجد التفاوت الفاحش في بعض الأوقات في الديار التي ينزل فيها المطر كثيرًا، بأنه يكون في بعض الأمكنة سحاب غليظ ونزول المطر بحيث لا يرى الناظر في النهار الشمس ولا هذا اللون الأزرق إلى ساعات متعددة، وكذا لا يرى في الليل القمر والكواكب ولا اللون المذكور. وفي بعض أمكنة أخرى لا أثر للسحاب ولا للمطر وتكون المسافة بين تلك الأمكنة والأمكنة الأولى قليلة، وأهل البلاد الشمالية كالروم والفرنج في موسم نزول الثلج والمطر لا يرون الشمس إلى أيام، فضلًا عن القمر.
(والخامس) أن القمر
[ ٤ / ١٠٤٠ ]
لاختلاف مطالعه ليس في حد واحد لجميع أهل الأرض، فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على آخرين، فيظهر في بعض الآفاق وبعض المنازل على أهل بعض البلاد دون بعض، ولذلك نجد الخسوف في بعض البلاد دون بعض، ونجده في بعض البلاد باعتبار بعض أجزاء القمر، وفي بعضها مستوفيًا أطرافه كلها، وفي بعضها لا يعرفها إلا الحادقون في علم النجوم، وكثيرًا ما يحدث الثقات من العلماء بالهيئة الفلكية بعجائب يشاهدونها من أنوار ظاهرة ونجوم طالعة عظام تظهر في بعض الأوقات أو الساعات من الليل، ولا علم لأحد بها من غيرهم.
(والسادس) أنه قلما يقع أن يبلغ عدد ناظري أمثال هذه الحوادث النادرة الوقوع إلى حد يفيد اليقين، وأخبار بعض العوام لا يكون معتبرًا عند المؤرخين في الوقائع العظيمة، نعم يعتبر أخبارهم أيضًا في الحوادث التي يبقى أثرها بعد وقوعها، كالريح الشديد، ونزول الثلج الكثير، والبرد. فيجوز أن مؤرخي بعض الديار لم يعتبروا أخبار بعض العوام في هذه الحادثة، وحملوه على تخطئة أبصار المخبرين العوام، وظنوا أنها تكون نحوًا من الخسوف.
(والسابع) أن المؤرخين كثيرًا ما يكتبون الحوادث الأرضية ولا يتعرضون للحوادث السماوية إلا قليلًا سيما مؤرخي السلف، وكان في زمان النبي ﷺ في ديار إنكلترة وفرانس شيوع الجهل، واشتهارها بالصنائع والعلوم إنما هو بعد زمانه ﷺ بمدة طويلة.
(والثامن) أن المنكر إذا علم أن الأمر الفلاني معجزة أو كرامة للشخص الذي ينكره تصدى لإخفائها، ولا يرضى بذكرها وكتابتها غالبًا. كما لا يخفى على من طالع الباب الحادي عشر من إنجيل يوحنا، والباب الرابع والخامس
[ ٤ / ١٠٤١ ]
من كتاب الأعمال، فظهر أن لا اعتراض عقلًا ونقلًا على معجزة شق القمر.
وقال صاحب ميزان الحق في النسخة المطبوعة سنة ١٨٤٣ في مر زابور: (معنى الآية على قاعدة التفسير منسوب إلى يوم القيامة، لأن لفظ الساعة المعروف باللام، قصد منه الساعة المعلومة والوقت المعلوم أعني القيامة، كما أن هذا اللفظ جاء بهذا المعنى في الآيات التي هي في آخر هذه السورة، ولأجل ذلك فسر بعض المفسرين منهم القاضي البيضاوي وغيره لفظ الساعة بمعنى القيامة وقالوا: أن من علامات يوم القيامة بحكم هذه الآية هذه العلامة أيضًا، أن القمر سينشق) انتهى كلامه.
فادعى أمرين الأول: أن الصحيح على قاعدة التفسير أن يكون انشق بمعنى سينشق. والثاني: أن بعض المفسرين منهم القاضي البيضاوي وغيره فسروه هكذا.
وكلاهما غلطان.
أما (الأول) فلأن انشق صيغة ماض، وحمله على معنى سينشق مجاز ولا يصار إلى المجاز ما لم يتعذر الحمل على الحقيقة، وههنا لم يتعذر بل يجب الحمل على معناه الحقيقي كما عرفت آنفًا.
أما (الثاني) فلأنه بهتان صرف على البيضاوي، وهو ما فسر انشق بينشق بل فسر بمعناه الماضي، لكنه بعد ما فسر على مختاره، نقل قول البعض بصيغة التمريض، ثم رد قوله فهذا القول مردود عنده.
[ ٤ / ١٠٤٢ ]
ولما اعترض صاحب الاستفسار على مؤلف الميزان على العبارة المذكورة وقال: (أن القسيس إما غالط أو مغلط للعوام) . تنبه المؤلف المذكور وغير هذه العبارة في النسخة الجديدة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٤٩، ونسخة أردو المطبوعة سنة ١٨٥٠ وقال: (لفظ الساعة المعرف باللام في حالة الأفراد جاء في كل موضع من القرآن بمعنى يوم القيامة، وجملة انشق القمر بسبب واو العطف ألحقت بجملة اقتربت الساعة، وتوجد في كل من الجملتين صيغة الماضي، فكما أن الفعل الأول اقتربت بمعنى المستقبل يعني سيجيء يوم القيامة، فكذا الفعل الثاني انشق أيضًا بمعنى سينشق يعني إذا جاء يوم القيامة ينشق القمر، وبعض العلماء المفسرين أيضًا فسروا هكذا مثل الزمخشري والبيضاوي، وإن اعتقدا في تفسيرهما أن هذه الآية معجزة محمد ﷺ، لكنهما صرحا هكذا أيضًا. وعن بعض الناس أن معناه ينشق يوم القيامة، وفي قراءة حذيفة وقد انشق القمر أي اقتربت الساعة، وقد
[ ٤ / ١٠٤٣ ]
حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق وقال البيضاوي: وقيل معناه سينشق يوم القيامة) انتهى كلامه.
فتنبه صاحب الميزان وغير العبارة، لكنه أعجب في تلخيص عبارة الكشاف حيث أسقط بعض العبارة زاعمًا أنها غير مفيدة ونقل قوله: وفي قراءة حذيفة وقد انشق القمر الخ. وهذا القول لا يناسب مقصوده لأنه نص في ثبوت المعجزة المذكورة أن قيل: نقل هذا القول طردًا قلت فحينئذ لا وجه لإسقاط بعض العبارة، وعبارة الكشاف هكذا: (وعن بعض الناس أن معناه ينشق يوم القيامة. وقوله: وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر يرده وكفى به ردًا قراءة حذيفة قد انشق القمر أي اقتربت الساعة، وقد حصل من آيات اقترابها إن القمر قد انشق كما تقول أقبل الأمير وقد جاء البشير بقدومه وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وأن القمر قد انشق على عهد نبيكم) انتهى كلامه بلفظه.
قوله: لفظ الساعة المعروف باللام الخ. وكذا قوله جملة: انشق القمر بسبب واو العطف الخ. لا يحصل منهما مقصوده، لعله فهم أن لفظ الساعة لما كان بمعنى القيامة وانشقاق القمر من علاماته، فلا بد أن
[ ٤ / ١٠٤٤ ]
يكون متصلًا بها واقعًا فيها، وهذا غلط نشأ من عدم التأمل. قال الله تعالى في سورة محمد: ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾ . فقوله: فقد جاء أشراطها يدل على أن أشراطها قد تحققت، لأن لفظة قد إذا دخلت على الماضي تكون نصًا على وجود الفعل في الزمان الماضي القريب من الحال، فلذلك فسر المفسرون هذا القول هكذا في البيضاوي (لأنه قد ظهرت إماراتها كمبعث النبي وانشقاق القمر) .
وفي التفسير الكبير (الأشراط العلامات قال المفسرون: هي مثل انشقاق القمر ورسالة محمد ﵇، وفي الجلالين أي علاماتها منها مبعث النبي ﷺ، وانشقاق القمر والدخان) .
[ ٤ / ١٠٤٥ ]
وعبارة الحسيني كالبيضاوي قوله: فكما أن الفعل الأول اقتربت بمعنى المستقبل غلط لأنه بمعناه الماضي وترجمته بالفارسية يعني (رزو قيامت خواهد آمد) ليست بصحيحة، وما روي عن بعض الناس مردود عند المفسرين.
ثم قال: (ولو سلمنا أن شق القمر وقع، لا يكون معجزة محمد ﷺ أيضًا، لأنه لم يصرح في هذه الآية ولا في آية أخرى أن هذه المعجزة ظهرت على يد محمد ﷺ) انتهى.
أقول: يدل على كونها معجزة الآية الثانية والأحاديث الصحيحة التي صحتها بحسب الضابطة العقلية زائدة على صحة هذه الأناجيل المحرفة المملوءة بالأغلاط، والاختلافات المروية برواية الآحاد المفقود أسانيدها المتصلة، كما علمت في الباب الأول والثاني.
ثم قال: (إن علاقة الآية الثانية بالآية الأولى أن المنكرين يرون في آخر الزمان علامات القيامة ولا يؤمنون بها، بل يقولون على عادة كفار السلف أنها سحر فاحش لا غير) انتهى كلامه.
وهذا أيضًا غلط بوجهين:
الأول: أن المنكر لا ينكر عنادًا، والكافر لا ينسب الأمر الخارق للعادة إلى السحر إلا إذا كان أحد ادعى أن هذا الأمر الخارق من معجزاتي أو كراماتي. وإذا ظهرت علامات القيامة في آخر الزمان من غير الادعاء فكيف ينكرها المنكرون، وكيف يقولون: أنها سحر فاحش لا غير.
[ ٤ / ١٠٤٦ ]
والثاني: أن انشقاق القمر في المستقبل لا يكون إلا في يوم القيامة، خاصة وفي هذا اليوم لا يقول الكفار إنه سحر مستمر لظهور أمر القيامة في هذا اليوم على كل أحد. إلا أن يكون أحد منهم عاقلًا معاندًا مثل هذا الموجه فلعله يقول بزعمه، أو يتفوه بهذا القول هذا الموجه بنفسه أو أمثاله من علماء بروتستنت، بعد انبعاثهم من أحداثهم لرسوخ عناد الدين المحمدي في قلوبهم.
ثم قال: (لو ظهرت هذه المعجزة على يد محمد لأخبر المعاندين الذين كانوا يطلبون منه معجزة بأني شققت القمر في الوقت الفلاني فلا تكفروا) وستطلع على جوابه في الفصل الثاني على أتم وجه إن شاء الله.
وقال صاحب وجهة الإيمان منكرًا لهذه المعجزة: (عدة أشخاص من المفسرين مثل الزمخشري والبيضاوي فسروا هذا المقام بأن القمر ينشق يوم القيامة، ولو وقع لاشتهر في جميع العالم ولا معنى لاشتهاره في إقليم واحد) انتهى كلامه ملخصًا.
وقد ظهر لك مما ذكرنا أن كلا الأمرين ليسا بصحيحين يقينًا، وهذا القسيس فاق مؤلف الميزان، حيث أورد الدليل النقلي والعقلي، وصرح باسم الكشاف، أيضًا لعله رأى في النسخة القديمة للميزان لفظًا كالبيضاوي وغيره، فظن أن المراد بالغير الكشاف، لأن البيضاوي له مناسبة كثيرة بالكشاف بالنسبة إلى التفاسير الأخر، فصرح باسم الكشاف ليحصل له الفضل على مؤلف الميزان.
وصاحب الكشاف قال في مبدأ تفسير هذه
[ ٤ / ١٠٤٧ ]
السورة: (انشقاق القمر من آيات رسول الله ﷺ ومن معجزاته النيرة) انتهى كلامه.
وقال صاحب الرسالة التي ألفها في جواب مكتوب الفاضل نعمت على الهند معترضًا على هذه المعجزة: (لا يثبت من هذه الآية أن هذه المعجزة صدرت عن محمد ﷺ، ولا يثبت هذا الأمر من التفاسير) انتهى.
وهذا الثالث بالخير المنبثق من الأولين فاق كليهما حيث قال: لا يثبت هذا الأمر من التفاسير لعله اعتقد أن القسيس الأول صادق في قوله كالبيضاوي وغيره، والقسيس الثاني صادق في قوله مثل الزمخشري والبيضاوي، ثم قاس حال سائر التفاسير على هذين التفسيرين فقال: ولا يثبت هذا الأمر من التفاسير، ليحصل له الفضل على القسيسين الأولين، ويظهر تبحره عند قومه بأنه طالع التفاسير كلها، فظهر أن كل لاحق من هؤلاء الثلاثة على سابقه، وهذا ليس بعجيب لأن مثل هذا الأمر قد شاع بين المسيحيين في القرن الأول كما يظهر من رسائل الحواريين، وصار من المستحسنات الدينية في القرن الثاني من القرون المسيحية كما قال المؤرخ موشيم في بيان حال علماء القرن الثاني من القرون المسيحية في الصفحة ٦٥ من المجلد الأول من تاريخه المطبوع سنة ١٨٣٢: (كان بين متبعي رأي أفلاطون وفيثاغورس مقولة مشهورة أن الكذب والخداع لأجل أن يزداد الصدق وعبادة الله ليسا بجائزين فقط بل قابلان للتحسين، وتعلم أولًا منهم يهود مصر هذه المقولة قبل المسيح، كما يظهر هذا جزمًا من كثير من الكتب القديمة، ثم أثر
[ ٤ / ١٠٤٨ ]
وباء هذا الغلط السوء في المسيحيين كما يظهر هذا الأمر من الكتب الكثيرة التي نسبت إلى الكبار كذبًا) انتهى كلامه.
وقال آدم كلارك في المجلد السادس من تفسيره في شرح الباب الأول من رسالة بولس إلى أهل غلاطية:
(هذا الأمر محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في أول القرون المسيحية وكثرة هذه الأحوال الكاذبة الغير الصحيحة هيجت لوقا على تحرير الإنجيل، ويوجد ذكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة، والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية) انتهى.
وإذا نسب أسلافهم أكثر من سبعين إنجيلًا إلى المسيح والحواريين ومريم ﵈، فأي عجب لو نسب هؤلاء القسوس لأجل تغليط عوام أهل الإسلام بعض الأمور إلى تفاسير القرآن.
واعلم أن الرسالة الأخيرة كانت مشتهرة في الهند، وكان القسيسيون يقسمونها كثيرًا في بلاده، لكن لما كتب عدة من علماء الإسلام عليها ردًا واشتهر ما كتبوا تركوها وطبع ثلاثة كتب من كتب الرد عليها. الأول: "التحفة المسيحية" لسيد الدين الهاشمي. والثاني: "تأييد المسلمين" لبعض أقارب مجتهد شيعة لكنهوا. والثالث: "خلاصة سيف المسلمين" للفاضل حيدر علي القرشي.
٣- في البيضاوي: (روى أنه لما طلعت قريش من العقنقل، قال ﷺ: هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني. فأتاه جبريل ﵇ وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول كفًا من الحصباء فرمى بها في وجوههم. وقال:
[ ٤ / ١٠٤٩ ]
شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر فيقول الرجل قتلت وأسرت) انتهى.
وقال الله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ يعني ﴿وما رميت﴾ يا محمد رميًا توصلها إلى أعينهم ولم تقدر عليه ﴿إذ رميت﴾ أي أتيت بصورة الرمي ﴿ولكن الله رمى﴾ أتى بما هو غاية الرمي، فأوصلها إلى أعينهم جميعًا حتى انهزموا، وتمكنتم من قطع دابرهم.
وقال الفخر الرازي عليه الرحمة: (والأصح) أن هذه الآية نزلت في يوم بدر، وإلا لدخل في أثناء القصة كلام أجنبي عنها وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) انتهى كلامه.
وقد عرفت في المقدمة حال ما تفوه به صاحب ميزان الحق على هذه المعجزة فلا أعيده.
[ ٤ / ١٠٥٠ ]
٤- نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ في مواطن متعددة، وهذه المعجزة أعظم من تفجر الماء من الحجر كما وقع لموسى ﵇، فإن ذلك من عادة الحجر في الجملة، وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره ﷺ. عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول الله ﷺ بوضوء فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤوا منه قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ فتوضأ الناس حتى توضؤوا عن آخرهم) وهذه المعجزة صدرت بالزوراء عند سوق المدينة.
[ ٤ / ١٠٥١ ]
٥- عن جابر ﵁: (عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه وقالوا: ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون) وكان الناس ألفًا وأربعمائة.
٦- عن جابر ﵁ (قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا جابر ناد بالوضوء وذكر الحديث بطوله وأنه لم نجد إلا قطرة في عزلاء شجب
[ ٤ / ١٠٥٢ ]
فأتى به النبي ﷺ فغمره وتكلم بشيء لا أدري ما هو وقال: ناد بجفنة الركب فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبي ﷺ بسط يده في الجفنة وفرق أصابعه وصب جابر عليه وقال: بسم الله. قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت. وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا. فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى) وهذه المعجزة صدرت في غزوة بواط.
٧- عن معاذ بن جبل في قصة غزوة تبوك، وأنهم وردوا العين وهي
[ ٤ / ١٠٥٣ ]
تبض بشيء من ماء مثل الشراك، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله ﷺ وجهه فيه ويديه ثم أعاده فيها، فجرت بماء كثير فاستقى الناس. قال في حديث ابن إسحاق: فانهرق من الماء ما له حس كحس الصواعق، ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت بك الحياة أن ترى ما ههنا قد مليء جنانًا) .
٨- عن عمران بن الحصين ﵄ أنه قال: (حين أصاب النبي ﷺ وأصحابه عطش في بعض أسفارهم، فوجه رجلين من أصحابه
[ ٤ / ١٠٥٤ ]
وأعلمهما أنهما يجدان امرأة بمكان كذا معها بعير عليه مزادتان الحديث فوجداها وأتيا بها النبي ﷺ فجعل في إناء من مزاديتها وقال فيه ما شاء الله، ثم أعاد الماء في المزادتين ثم فتحت عزليها وأمر الناس فملؤوا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئًا إلا ملؤه. قال عمران: ويخيل لي أنهما لم تزدادا إلا امتلاء، ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملؤوا ثوبها وقال: اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئًا ولكن الله سقانا) .
٩- في حديث عمر ﵁ في جيش العسرة وذكر ما أصابهم من العطش، حتى أن الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر إلى النبي في الدعاء، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت ٢ السماء فانسكبت فملؤوا ما معهم من آنية ولم تجاوز العسكر.
[ ٤ / ١٠٥٥ ]
١٠- عن جابر ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فاستطعمه شطر وسق شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم.
١١- عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ أطعم ثمانين رجلًا من أقراص من شعير، جاء بها أنس تحت يده أي إبطه.
١٢- عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أطعم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق ٣ قال جابر ﵁: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وأن برمتنا لتغط كما هي وأن عجيننا ليخبز، وكان رسول الله ﷺ بصق في العجين والبرمة وبارك.
[ ٤ / ١٠٥٦ ]
١٣- عن أبي أيوب ﵁ أنه صنع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر زهاء ما يكفيهما فقال له النبي ﷺ: ادع ثلاثين من أشراف الأنصار فدعاهم فأكلوا حتى تركوا، ثم قال: ادع ستين فكان مثل ذلك، ثم قال: ادع سبعين فأكلوا حتى تركوه. وما خرج منهم أحد حتى أسلم وبايع. قال أبو أيوب ﵁: فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلًا.
١٤- عن سمرة بن جندب أتى النبي ﷺ بقصعة فيها لحم
[ ٤ / ١٠٥٧ ]
فتعاقبوها من غدوة حتى الليل، يقوم قوم ويقعد آخرون.
١٥- عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: كنا عند النبي ﷺ ثلاثين ومائة. وذكر في الحديث أنه عجن صاع من طعام وصنعت شاة فشوى سواد بطنها. وقال: وأيم الله ما من الثلاثين ومائة إلا قد حز له حزة، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون وفضل في القصعتين فحملته على البعير.
١٦- عن سلمة بن الأكوع وأبي هريرة وعمر بن الخطاب رضي الله
[ ٤ / ١٠٥٨ ]
عنهم فذكروا مخمصة أصابت الناس مع رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فدعا ببقية الأزواد، فجاء الرجل بالحثية ٤ من الطعام وفوق ذلك، وأعلاهم الذي يأتي بالصاع من التمر فجمع على نطع وقال سلمة: فحززته كربضة العنز، ثم دعا الناس بأوعيتهم فما بقي في الجيش وعاء إلا ملؤه وبقي منه.
١٧- عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ حين ابتنى بزينب، أمره أن يدعو له قومًا سماهم حتى امتلأ البيت والحجرة، فقدم لهم تورًا فيه قدر من تمر جعل
[ ٤ / ١٠٥٩ ]
حيسًا، فوضعه وغمس ثلاث أصابعه، وجعل القوم يتغدون ويخرجون، وبقي التور نحوًا مما كان.
١٨- عن علي بن أبي طالب ﵁ أن فاطمة طبخت قدرًا لغدائهما، ووجهت عليًا إلى النبي ﷺ ليتغذى معهما، فأمرها فغرفت لجميع نسائه صحفة صحفة، ثم له ﵇، ثم لعلي، ثم لها، ثم رفعت القدر وأنها لتفيض. قالت: فأكلنا منها ما شاء الله.
١٩- عن جابر ﵁ في دين أبيه بعد موته، وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ماله فلم يقبلوه، ولم يكن في ثمرها كفاف دينهم، فجاءه النبي ﷺ بعد أن أمره بجذها وجعلها بيادر في أصولها، فمشى فيها ودعا. فأوفى منه جابر غرماءه وفضل مثل ما كانوا يجدون كل سنة.
[ ٤ / ١٠٦٠ ]
٢٠- قال أبو هريرة ﵁: أصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله ﷺ: هل من شيء؟ فقلت: نعم شيء من التمر في المزود. قال: فآتى به. فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة. ثم قال: ادع عشرة فأكلوا حتى شبعوا، ثم عشرة كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا. وقال: خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبه، فقبضت على أكثر ما جئت به فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إلى أن قتل عثمان فانتهب مني فذهب.
ومعجزة تكثير الطعام ببركة دعائه مروية عن بضعة عشر صحابيًا، ورواه عنهم أضعافهم من التابعين، ثم من لا يعد بعدهم، وأكثرها وردت في قصص مشهورة ومجامع مشهورة، ولا يمكن التحدث عنها إلا على وفق الصدق حذرًا من التكذيب، وإنما حصل النبي ﷺ أولًا الماء القليل أو الطعام القليل ثم كثره، ولم يخترع من بدء الأمر من العدم إلى الوجود الماء الكثير، أو الطعام الكثير، مراعاة للأدب بحسب الظاهر ليعلم أن الموجد هو الله. وإنما حصلت البركة بسبب النبي ﷺ. وإن كان التكثير أيضًا في الحقيقة من جانب الله كالإيجاد. وهكذا فعله الأنبياء كما يظهر من معجزة ايلياء ﵇ في تكثير الدقيق والزيت في بيت امرأة أرملة على ما صرح به في الباب السابع عشر من سفر الملوك الأول،
[ ٤ / ١٠٦١ ]
ومن معجزة اليسع ﵇ في تكثير عشرين خبزًا من شعير وسنبل مفروك في منديل حتى أكل مائة رجل وفضل، كما هو مصرح به في الباب الرابع من سفر الملوك الثاني، ومن معجزة عيسى ﵇ في تكثير خمسة أرغفة وسمكتين على ما صرح به في الباب الرابع عشر من إنجيل متى.
٢١- عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فدنا منه أعرابي، فقال: يا أعرابي أين تريد؟ قال: أهلي، قال: هل لك إلى خير؟ قال: وما هو؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: من يشهد لك على ما تقول، قال: هذه الشجرة السمرة، وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا. فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى مكانها.
[ ٤ / ١٠٦٢ ]
٢٢- عن جابر ﵁ ذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فلم ير شيئًا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده. وذكر جابر أنه فعل بالأخرى كذلك حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال: التئما علي بإذن الله فالتأمتا، فجلس خلفهما فخرجت أخضر. وجلست أحدث نفسي فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مقبلًا والشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق.
٢٣- عن ابن عباس ﵄ قال لأعرابي: أرأيت
[ ٤ / ١٠٦٣ ]
إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. فدعاه فجعل ينقد حتى أتاه فقال: ارجع. فعاد إلى مكانه.
٢٤- عن جابر ﵁ كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، وكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر، سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، وفي رواية أنس: حتى ارتج المسجد لخواره، وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا به، وفي رواية المطلب: حتى تصدع وانشق حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت.
[ ٤ / ١٠٦٤ ]
والخبر بأنين الجذع وحنينه باعتبار مبناه مشهور عند السلف والخلف، وباعتبار معناه متواتر يفيد العلم القطعي. رواه من الصحابة بضعة عشر منهم أُبَيِّ بن كعب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو سعيد الخدري، وبريدة، وأم سلمة،
[ ٤ / ١٠٦٥ ]
والمطلب بن أبي وداعة، ﵃ كلهم يحدثون بمعنى هذا الحديث وإن كانت ألفاظهم مختلفة في باب التحديث، فلا شك في حصول التواتر المعنوي.
٢٥- عن ابن عباس ﵄ قال: كان حول البيت ستون وثلثمائة صنم مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجارة، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد عام الفتح، جعل يشير بقضيب في يده إليها ولا يمسها ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا، فما أشار إلى وجه صنم إلا وقع لقفاه ولا لقفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم.
[ ٤ / ١٠٦٦ ]
٢٦- دعا النبي ﷺ رجلًا إلى الإسلام، فقال: لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي. فقال ﷺ: أرني قبرها فأراه إياه، فقال ﷺ: يا فلانة. قالت: لبيك وسعديك. فقال النبي ﷺ: أتحبين أن ترجعي إلى الدنيا؟ فقالت: لا والله يا رسول الله إني وجدت الله خيرًا لي من أبوي، ووجدت الآخرة خيرًا من الدنيا.
٢٧- ذبح جابر ﵁ شاة وطبخها وثرد في جفنة. وأتى بها رسول الله ﷺ فأكل القوم، وكان ﵊ يقول لهم: كلوا ولا تكسروا عظمًا. ثم إنه ﷺ جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا الشاة قامت تنفض ذنبها.
٢٨- عن سعد بن ابى وقاص ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ ليناولني
[ ٤ / ١٠٦٧ ]
السهم لأتصل به فيقول: ارم به، وقد رمى رسول الله ﷺ يومئذ عن قوسه، حتى اندقت وأصيبت يومئذ عين قتادة يعني ابن النعمان حتى وقعت على وجنتيه، فردها رسول الله ﷺ فكانت أحسن عينيه.
٢٩- عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال لرسول الله: ادع الله أن يكشف لي عن بصري. قال: فانطلق فتوضأ ثم صلِ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف لي عن بصري، اللهم شفعه في. قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره.
[ ٤ / ١٠٦٨ ]
٣٠- ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء، فبعث إلى النبي ﷺ، فأخذ بيده حثوة من الأرض فتفل عليها فأعطاها رسوله، فأخذها متعجبًا يرى أن قد هزئ به فأتاه بها وهو على شفاء فشربها فشفاه الله تعالى.
٣١- عن حبيب بن فديك، أن أباه ابيضت عيناه فكان لا يبصر بهما شيئًا فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فرأيته يدخل الإبرة وهو ابن ثمانين.
[ ٤ / ١٠٦٩ ]
٣١- تفل في عيني علي ﵁ يوم خيبر وكان رمدًا فأصبح بارئًا.
٣٣- نفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع يوم خيبر فبرأت.
٣٤- أتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم فأتى بماء فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إياه، وأمرها بسقيه ومسه به، فبرأ الغلام وعقل عقلًا يفضل عقول الناس.
٢٥- عن ابن عباس ﵄: جاءت امرأة بابن لها به جنون، فمسح صدره، فثع ثعة، فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي.
[ ٤ / ١٠٧٠ ]
٣٦- انكفأت القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل، فمسح عليه، ودعا له وتفل فيه، فبرأ لحينه.
٣٧- كانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها للنبي ﷺ، فما زال يطحنها حتى رفعها ولم يبق لها أثر.
٣٨- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قالت أمي: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له. فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة.
[ ٤ / ١٠٧١ ]
٣٩- دعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه، فلم تبق له باقية ولا بقيت لفارس رياسة في سائر أقطار الدنيا.
٤٠- عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أخرجت جبة طيانسة وقالت: إن رسول الله ﷺ كان يلبسها، فنحن تغسلها للمرضى يستشفى بها. وهذه المعجزات، وإن لم يتواتر كل واحد منها، فالقدر المشترك بينها متواتر بلا شبهة، كشجاعة علي، وسخاوة حاتم، وهذا القدر يكفي، والحالات التي
[ ٤ / ١٠٧٢ ]
نقلها مرقس ولوقا كلها آحاد ليس اعتبارها مثل الأحاديث الصحيحة المروية بروايات الآحاد الثابتة أسانيدها المتصلة، بل الحالات التي اتفق على نقلها الإنجيليون الأربعة آحاد لا يزيد اعتبارها عندنا على رواية الآحاد كما عرفت في الباب الأول.
المسلك الثاني: أخلاقه وأوصافه ﷺ
[أخلاق النبي ﷺ]
أنه قد اجتمع فيه من الأخلاق العظيمة، والأوصاف الجزيلة، والكمالات العلمية والعملية، والمحاسن الراجعة إلى النفس والبدن والنسب والوطن، ما يجزم العقل بأنه لا يجتمع في غير نبي، فإن كل واحد منها وإن كان يوجد في غير النبي أيضًا، لكن مجموعها مما لا يحصل إلا للأنبياء، فاجتماعها في ذاته ﷺ من دلائل النبوة وقد أقر المخالفون أيضًا بوجود أكثر هذه المحاسن في ذاته ﷺ، مثلًا "اسبان هميس المسيحي" من الذين هم أشد أعداء النبي ﷺ والطاعنين في حقه، لكنه اضطر في الإقرار بوجود أكثر الأمور المذكورة في ذاته ﷺ. كما نقل سيل قوله في مقدمة ترجمة القرآن في الصفحة السادسة من النسخة المطبوعة سنة ١٨٥٠ هكذا: (أنه كان حسن الوجه وزكيًا وكانت طريقته مرضية، وكان الإحسان إلى المساكين شيمته، وكان يعامل الكل بالخلق الحسن، وكان شجاعًا على الأعداء، وكان يعظم اسم الله تعظيمًا عظيمًا، وكان يشدد على المفترين، والذين يرمون البرآء، والزانين، والقاتلين، وأهل الفضول، والطامعين، وشهود الزور، تشديدًا بليغًا، وكانت كثرة وعظه في الصبر والجود والرحم والبر والإحسان وتعظيم الأبوين والكبار وتوقيرهم وتكريمهم، وكان عابدًا مرتاضًا في الغاية) انتهى كلامه.
[ ٤ / ١٠٧٣ ]
(المسلك الثالث) من نظر إلى ما اشتملت شريعته
(المسلك الثالث) مَنْ نظر إلى ما اشتملت شريعته الغراء عليه مما يتعلق بالاعتقادات والعبادات والمعاملات والسياسات والآداب والحكم، علم قطعًا أنها ليست إلا من الوضع الإلهي، والوحي السماوي، وأن المبعوث بها ليس إلا نبيًا. وقد عرفت في الباب الخامس، أن اعتراضات القسيسين عليها ضعيفة جدًا، منشؤها العناد الصرف والاعتساف.
(المسلك الرابع) ظهور دينه على سائر الأديان في مدة قليلة
أنه ﵇ ادعى بين قوم لا كتاب لهم ولا حكمة فيهم: أني بعثت من عند الله بالكتاب المنير والحكمة الباهرة لأنور العالم بالإيمان والعمل الصالح. وانتصب مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه وأنصاره، مخالفًا لجميع أهل الأرض آحادهم وأوساطهم وسلاطينهم وجبابرتهم، فضلل آراءهم وسفه أحلامهم وأبطل مللهم وهدم دولهم، وظهر دينه على الأديان في مدة قليلة شرقًا وغربًا، وزاد على مر الأعصار والأزمان، ولم يقدر الأعداء مع كثرة عددهم وعددهم وشدة شوكتهم وشكيمتهم، وفرط تعصبهم وحميتهم وبذل غاية جهدهم في إطفاء نور دينه وطمس آثار مذهبه. فهل يكون ذلك إلا بعون إلهي وتأييد سماوي، ولنعم ما قال غمالائيل معلم اليهود لهم في حق الحواريين: (يا أيها الرجال الإسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس فيما أنتم مزمعون أن تفعلوا) . ٣٦ (لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس قائلًا عن نفسه: أنه
[ ٤ / ١٠٧٤ ]
شيء الذي التصق به عدد من الرجال نحو أربعمائة، الذي قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء) . ٣٧ (بعد هذا قام يهودا الجليلي في أيام الاكتتاب، وأزاغ وراءه شعبًا غفيرًا، فذاك أيضًا هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا) . ٣٨ (والآن أقول لكم تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم لأنه إن كان هذا الرأي وهذا العمل من الناس فسوف ينتقض) ٣٩ (وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنتقضوه لئلا توجدوا محاربين لله أيضًا) كما هو مصرح به في الباب الخامس من كتاب الأعمال، والآية السابعة من الزبور الأول هكذا: (لأن الرب يعرف طريق الصديقين وطريق المنافقين تهلك) والآية السادسة من الزبور الخامس هكذا: (وتهلك كل الذين يتكلمون بالكذب، الرجل السافك الدماء والغاش يرذله الرب) .
والآية السادسة عشرة من الزبور الرابع والثلاثين هكذا: (وجه الرب على الذين يعملون المساوئ ليبيد من الأرض ذكرهم) وفي الزبور السابع والثلاثين هكذا ١٧: (لأن سواعد الخطاة تنكر، والرب يعضد الصديقين) ٢٠ (الخطاة فيهلكون، وأعداء الرب جميعًا إذ يمجدون ويرتفعون، يبيدون، وكالدخان يفنون) .
[ ٤ / ١٠٧٥ ]
(المسلك الخامس) أنه ظهر في وقت كان الناس محتاجين إلى من يهديهم
فلو لم يكن محمد ﷺ من الصديقين لأهلك الرب طريقه ورذله وأباد ذكره من الأرض، وكسر سواعده وأفناه كالدخان. لكنه لم يفعل شيئًا منها، فكان محمد ﷺ من الصديقين، ولعمري أن علماء بروتستنت في تكذيب الدين المحمدي محاربون الله لكن الوقت قريب فسوف يعلمون ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ ولا يقدرون على نقضه البتة كما وعد الله ﴿يريدون ليطفئوا نور الله﴾ أي دين الإسلام ﴿بأفواههم﴾ أي بأقوالهم الباطلة ﴿والله متم نوره﴾ أي مبلغه غايته ﴿ولو كره الكافرون﴾ أي اليهود والنصارى والمشركون، ولنعم ما قيل:
ألا قل لمن ظل لي حاسدًا * أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعله * لأنك لم ترض لي ما وهب
(المسلك الخامس) أنه ظهر في وقت كان الناس محتاجين إلى من يهديهم إلى الطريق المستقيم، ويدعوهم إلى الدين القويم لأن العرب كانوا على عبادة الأوثان، ووأد البنات. والفرس على اعتقاد الإلهين ووطء الأمهات والبنات.
[ ٤ / ١٠٧٦ ]
والترك على تخريب البلاد وتعذيب العباد. والهند على عبادة البقر، والسجود للشجر والحجر. واليهود على الجحود ودين التشبيه، وترويج الأكاذيب المفتريات. والنصارى على القول بالتثليث، وعبادة الصليب وصور القديسين والقديسات. وهكذا سائر الفرق في أودية الضلال والانحراف عن الحق والاشتغال بالمحال، ولا يليق بحكمة الله الملك المبين أن لا يرسل في هذا الوقت أحدًا يكون رحمة للعالمين، وما ظهر أحد يصلح لهذا الشأن العظيم ويؤسس هذا البنيان القويم غير محمد بن عبد الله ﷺ. فأزال الرسوم الزائغة والمقالات الفاسدة، وأشرقت شموس التوحيد وأقمار التنزيه، وزالت ظلمة الشرك والوثنية والتثليث والتشبيه، عليه من الصلاة أفضلها ومن التحيات أكملها، وإليه أشار الله تعالى بقوله: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾ . قال الفخر الرازي قدس سره في
[ ٤ / ١٠٧٧ ]
(المسلك السادس) أخبار الأنبياء المتقدمين عليه، عن نبوته ﵇
(الأمر الأول)
تفسير هذه الآية: (الفائدة في بعثة محمد ﷺ عند فترة من الرسل هي أن التغير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب وصار ذلك عذرًا ظاهرًا في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا يا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد، فبعث الله تعالى في هذا الوقت محمدًا ﷺ إزالة لهذا العذر) انتهى كلامه بلفظه.
(المسلك السادس) أخبار الأنبياء المتقدمين عليه، عن نبوته ﵇، ولما كان القسيسون يغلطون العوام في هذا الباب تغليطًا عظيمًا استحسنت أن أقدم على نقل تلك الأخبار أمورًا ثمانية تفيد للناظر بصيرة:
وقدم فيه قبل تلك الأخبار أمورًا ثمانية:
(الأمر الأول) أن الأنبياء الإسرائيلية مثل أشعيا وأرميا ودانيال وحزقيال وعيسى ﵈، أخبروا عن الحوادث الآتية كحادثة بختنصر وقورش واسكندر وخلفائه وحوادث أرض أدوم ومصر ونينوى وبابل، ويبعد كل البعد أن لا يخبر أحد منهم عن خروج محمد ﷺ الذي كان وقت ظهوره كأصغر البقول، ثم صار شجرة عظيمة تأوي طيور السماء في أغصانها، فكسر الجبابرة والأكاسرة وبلغ دينه شرقًا وبلغ دينه شرقًا وغربًا وغلب الأديان وامتد دهرًا بحيث مضى على ظهوره مدة ألف ومائتين وثمانين إلى هذا الحين ويمتد إن شاء الله إلى آخر بقاء الدنيا، وظهر في أمته ألوف ألوف من العلماء الربانيين
[ ٤ / ١٠٧٨ ]
(الأمر الثاني)
والحكماء المتقنين والأولياء ذوي الكرامات والمجاهدات والسلاطين العظام، وهذه الحادثة كانت أعظم الحوادث، وما كانت أقل من حادثة أرض أدوم ونينوى وغيرهما فكيف يجوز العقل السليم أنهم أخبروا عن الحوادث الضعيفة وتركوا الإخبار عن الحادثة العظيمة.
(الأمر الثاني) أن النبي المتقدم إذا أخبر عن النبي المتأخر، لا يشترط في إخباره أن يخبر بالتفصيل التام بأنه يخرج من القبيلة الفلانية في السنة الفلانية في البلد الفلاني، وتكون صفته كيت وكيت، بل يكون هذا الإخبار في غالب الأوقات مجملًا عند العوام، وأما عند الخواص فقد يصير جليًا بواسطة القرائن، وقد يبقى خفيًا عليهم أيضًا لا يعرفون مصداقه إلا بعد ادعاء النبي اللاحق أن النبي المتقدم أخبر عني وظهور صدق ادعائه بالمعجزات وعلامات النبوة، وبعد الادعاء وظهور صدقه يصير جليًا عندهم بلا ريب ولذلك يعاتبون كما عاتب المسيح ﵇ علماء اليهود بقوله: (ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم) كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل لوقا،
[ ٤ / ١٠٧٩ ]
وعلى مذاق المسيحيين قد يبقى خفيًا على الأنبياء فضلًا عن العلماء بل قد يبقى خفيًا على النبي المخبر عنه على زعمهم في الباب الأول من إنجيل يوحنا هكذا: ١٩ (وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت) ٢٠ (فاعترف ولم ينكروا قرأني لست أنا المسيح) ٢١ (فسألوه ماذا إذًا أنت، إيلياء؟ فقال لست أنا إيلياء فسألوه أنت النبي فأجاب لا) ٢٢ (فقالوا له من أنت لنعطي جوابًا للذين أرسلونا ماذا تقول عن نفسك) ٢٣ (قال أنا صوت صارخ في البرية قوّموا طريق الرب كما قال أشعيا النبي) ٢٤ (وكان المرسلون من الفريسيين) ٢٥ (فسألوه وقالوا له فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي) .
والألف واللام في لفظ النبي الواقع في الآية ٢١ و٢٥ للعهد، والمراد النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى ﵇ في الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء على ما صرح به العلماء المسيحية، فالكهنة واللاويون كانوا من علماء اليهود وواقفين على كتبهم وعرفوا أيضًا أن يحيى ﵇ نبي، لكنهم شكوا في أنه المسيح ﵇ أو إيلياء ﵇ أو النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى ﵇، فظهر منه أن علامات هؤلاء الأنبياء الثلاثة لم تكن مصرحة في كتبهم بحيث لا يبقى الاشتباه للخواص فضلًا عن العوام فلذلك سألوا أولًا أنت المسيح فبعد ما أنكر يحيى ﵇ عن كونه مسيحًا سألوه أنت إيلياء فبعد ما أنكر عن كونه إيلياء أيضًا سألوه أنت النبي المعهود.
ولو كانت
[ ٤ / ١٠٨٠ ]
العلامات مصرحة لما كان للشك محل بل ظهر منه أن يحيى ﵇ لم يعرف نفسه أنه إيلياء حتى أنكر، فقال لست أنا وقد شهد عيسى أنه إيلياء في الباب الحادي عشر من إنجيل متى. قول عيسى ﵇ في حق يحيى ﵇ هكذا: (وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيلياء المزمع أن يأتي) وفي الباب السابع عشر من إنجيل متى هكذا: ١٠ (وسأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة أن إيلياء ينبغي أن يأتي أولًا) ١١ (فأجاب يسوع وقال لهم أن إيلياء يأتي أولًا ويرد كل شيء) ١٢ (ولكني أقول لكم أن إيلياء قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا، كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألم منهم) ١٣ (حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان) . وظهر من العبارة الأخيرة أن علماء اليهود لم يعرفوه بأنه إيلياء وفعلوا به ما فعلوا وأن الحواريين أيضًا لم يعرفوه بأنه إيلياء مع أنهم كانوا أنبياء في زعم المسيحيين وأعظم رتبة من موسى ﵇ وكانوا اعتمدوا من يحيى ورأوه مرارًا، وكان مجيئه ضروريًا قبل إلههم ومسيحهم.
وفي الآية ٣٣ من الباب الأول من إنجيل يوحنا قول يحيى هكذا: (وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلًا ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس) ومعنى قوله: (وأنا لم أكن أعرفه) على زعم القسيسين أنا لم أكن أعرفه معرفة جيدة بأنه المسيح الموعود، فعلم أن يحيى ﵇ ما كان يعرف عيسى ﵇ معرفة يقينية بأنه المسيح الموعود به إلى ثلاثين سنة ما لم ينزل الروح القدس، لعل كون ولادة المسيح من العذراء لم يكن من العلامات المختصة بالمسيح،
[ ٤ / ١٠٨١ ]
وإلا فكيف يصح هذا، لكني أقطع النظر عن هذا وأقول أن يحيى أشرف الأنبياء الإسرائيلية بشهادة عيسى ﵇ كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل متى وأن عيسى ﵇ إلهه وربه على زعم المسيحيين، وكان مجيئه ضروريًا قبل المسيح، وكان كونه إيلياء يقينيًا، فإذا لم يعرف هذا النبي الأشرف نفسه إلى آخر العمر، ولم يعرف إلهه وربه إلى المدة المذكورة، وكذا لم يعرف الحواريون الذين هم أفضل من موسى وسائر الأنبياء الإسرائيلية مدة حياة يحيى أنه إيلياء، فماذا رتبة العلماء والعوام عندهم في معرفة النبي اللاحق بخبر النبي المتقدم عنه وترددهم فيه، وقيافا رئيس الكهنة كان نبيًا على شهادة يوحنا، كما هو مصرح به في الآية الحادية والخمسين من الباب الحادي عشر من إنجيله وهو أفتى بقتل عيسى ﵇ وكفره وأهانه، كما هو مصرح به في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى، ولو كانت علامات المسيح في كتبهم مصرحة بحيث لا يبقى الاشتباه على أحد، ما كان لهذا النبي المفتي بقتل إلهه وبكفره أن يفتي بقتله وكفره.
ونقل متى ولوقا في الباب الثالث، ومرقس ويوحنا في الباب الأول من أناجيلهم خبر أشعيا في حق يحيى ﵉، وأقر يحيى ﵇
[ ٤ / ١٠٨٢ ]
بأن هذا الخبر في حقه على ما صرح به يوحنا. وهذا الخبر في الآية الثالثة من الباب الأربعين من كتاب أشعيا هكذا: (صوت المنادي في البرية، سهلوا طريق الرب، أصلحوا في البوادي سبيلًا لإلهنا) ولم يذكر فيه شيء من الحالات المختصة بيحيى ﵇ لا من صفاته ولا من زمان خروجه، ولا مكان خروجه، بحيث لا يبقى الاشتباه، ولو لم يكن ادعاء يحيى ﵇ بأن هذا الخبر في حقه، وكذا ادعاء مؤلفي العهد الجديد، لما ظهر هذا للعلماء المسيحية وخواصهم فضلًا عن العوام، لأن وصف النداء في البرية يعم أكثر الأنبياء الإسرائيلية الذين جاؤوا من بعد أشعيا ﵇، بل يصدق على عيسى ﵇ أيضًا. لأنه كان ينادي مثل نداء يحيى ﵇: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماء.
وسيظهر لك في الأمر السادس حال الإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇ عن الأنبياء المتقدمين ﵈، ولا ندعي أن الأنبياء الذين أخبروا عن محمد ﷺ كان إخبار كل منهم بصفته مفصلًا بحيث لا يكون فيه مجال التأويل للمعاند.
قال الإمام الفخر الرازي في ذيل تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ واعلم أن الأظهر في الباء في
[ ٤ / ١٠٨٣ ]
قوله بالباطل أنها باء [ص ٢٢٠] الاستعانة كالتي في قولك كتبت بالقلم. والمعنى لا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد ﵇ نصوصًا خفية تحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات) . انتهى كلامه بلفظه.
قال المحقق عبد الحكيم السيالكوتي في حاشيته على البيضاوي: (هذا فصل يحتاج إلى مزيد شرح وهو يجب أن يتصور أن كل نبي أتى بلفظة معرضة وإشارة مدرجة لا يعرفها إلا الراسخون في العلم وذلك لحكمة إلهية، وقد قال العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي ﷺ، لكن بإشارات، ولو كان منجليًا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضًا بنقله من لسان إلى لسان من العبراني إلى السرياني ومن السرياني إلى العربي، وقد ذكرت محصلة ألفاظ من التوراة والإنجيل إذا اعتبرتها وجدتها دالة على صحة نبوته ﵇ بتعريض هو عند الراسخين في العلم جلي وعند العامة خفي) . انتهى كلامه بلفظه.
[ ٤ / ١٠٨٤ ]
(الأمر الثالث)
(الأمر الرابع)
(الأمر الثالث) ادعاء أن أهل الكتاب ما كانوا ينتظرون نبيًا آخر غير المسيح وإيلياء، ادعاء باطل لا أصل له بل كانوا منتظرين لغيرهما أيضًا، لما علمت في الأمر الثاني أن علماء اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ سألوا يحيى ﵇ أولًا: أنت المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أنت إيلياء؟ ولما أنكر سألوه: أنت النبي؟ أي النبي المعهود الذي أخبر به موسى، فعلم أن هذا النبي كان منتظرًا مثل المسيح وإيلياء وكان مشهورًا بحيث ما كان محتاجًا إلى ذكر الاسم بل الإشارة إليه كانت كافية.
وفي الباب السابع من إنجيل يوحنا بعد نقل قول عيسى ﵇ هكذا: ٤٠: (فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي) ٤١: (وآخرون قالوا هذا هو المسيح) وظهر من هذا الكلام أيضًا أن النبي المعهود عندهم كان غير المسيح ولذلك قابلوا بالمسيح.
(الأمر الرابع) ادعاء أن المسيح خاتم النبيين ولا نبي بعده باطل، لما عرفت في الأمر الثالث أنهم كانوا منتظرين للنبي المعهود الآخر الذي يكون غير المسيح وإيلياء ﵈، ولما لم يثبت بالبرهان مجيئه قبل المسيح فهو بعده ولأنهم يعترفون بنبوة الحواريين وبولس بل بنبوة غيرهم أيضًا.
وفي الباب الحادي عشر من كتاب الأعمال هكذا: ٢٧ (في تلك الأيام انحدر الأنبياء من أورشليم إلى أنطاكية) ٢٨ (وقام واحد معهم اسمه أغابوس وأشار بالروح أن جوعًا عظيمًا كان عتيدًا أن يصير على جميع
[ ٤ / ١٠٨٥ ]
المسكونة الذي صار في أيام كلوديوس) (قيصر) فهؤلاء كلهم كانوا أنبياء على تصريح إنجيلهم وأخبر واحد منهم اسمه أغابوس عن وقوع الجدب العظيم.
وفي الباب الحادي والعشرين من الكتاب المذكور هكذا: ١٠ (وبينما نحن مقيمون أيامًا كثيرة انحدر من اليهودية نبي اسمه أغابوس) ١١ (فجاء إلينا وأخذ منطقة بولس وربط يد نفسه ورجليه وقال هذا بقوله الروح القدس، الرجل الذي له هذه المنطقة، هكذا سيربطه اليهود في أورشليم ويسلمونه إلى أيدي الأمم) .
وفي هذه العبارة أيضًا تصريح بكون أغابوس نبيًا، وقد يتمسكون لإثبات هذا الادعاء بقول المسيح المنقول في الآية الخامسة عشر من الباب السابع من إنجيل متى هكذا: (احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتوكم بثبات الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة) .
[ ٤ / ١٠٨٦ ]
والتمسك به عجيب لأن المسيح ﵇ أمر بالاحتراز من الأنبياء الكذبة لا الأنبياء الصدقة أيضًا ولذلك قيد بالكذبة، نعم لو قال احترزوا من كل نبي يجيء بعدي لكان بحسب الظاهر وجه للتمسك وإن كان واجب التأويل عندهم، لثبوت نبوة الأشخاص المذكورين، وقد ظهر الأنبياء الكذبة الكثيرون في الطبقة الأولى بعد صعوده كما يظهر من الرسائل الموجودة في العهد الجديد في الباب الحادي عشر من الرسالة الثانية إلى أهل قورنثيوس هكذا: ١٢ (ولكن ما أفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضًا فيما يفتخرون به) ١٣ (لأن مثل هؤلاء رسل كذبة فعله ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح) فمقدسهم ينادي بأعلى نداء أن الرسل الكذبة الغدارين ظهروا في عهده وقد تشبهوا برسل المسيح.
وقال آدم كلارك المفسر في شرح هذا المقام: (هؤلاء الأشخاص كانوا يدعون كذبًا أنهم رسل المسيح، وما كانوا رسل المسيح في نفس الأمر وكانوا يعظون ويجتهدون، لكن مقصودهم ما كان إلا جلب المنفعة) .
وفي الباب الرابع من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا: (أيها الأحياء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأن الأنبياء الكذبة كثيرون قد خرجوا إلى العالم) . فظهر من العبارتين أن الأنبياء الكذبة قد ظهروا في عهد الحواريين.
وفي الباب الثامن من كتاب الأعمال هكذا: ٩ (وكان قبلًا في المدينة
[ ٤ / ١٠٨٧ ]
رجل اسمه سيمون يستعمل السحر، ويدهش شعب السامرة قائلًا أنه شيء عظيم) ١٠ (وكان الجميع يتبعونه من الصغير إلى الكبير قائلين هذا هو قوة الله العظيمة) .
وفي الباب الثالث عشر من الكتاب المذكور هكذا: (ولما اجتازا الجزيرة إلى باقوس وجدا رجلًا ساحرًا نبيًا كذابًا يهوديًا اسمه باريشوع) وكذا سيظهر الدجالون الكذابون يدعي كل منهم أنه المسيح كما أخبر عيسى ﵇ وقال: (لا يضلكم أحد فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو [ص ٢٢٣] المسيح ويضلون كثيرين) كما هو مصرح به في الباب الرابع والعشرين من إنجيل متى فمقصود المسيح ﵇ التحذير من هؤلاء الأنبياء الكذبة والمسحاء
[ ٤ / ١٠٨٨ ]
(الأمر الخامس)
الكذبة لا من الأنبياء الصادقين أيضًا، ولذلك قال بعد القول المذكور في الباب السابع (من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا) .
ومحمد ﷺ من الأنبياء الصادقين، كما يدل عليه ثماره على ما عرفت في المسالك المتقدمة، ولا اعتبار لمطاعن المنكرين كما ستعرف في الفصل الثاني، ولأن كل شخص يعلم أن اليهود ينكرون عيسى بن مريم ﵉ ويكذبونه وليس عندهم رجل أشر منه، من ابتداء العالم إلى زمان خروجه، وكذا ألوف من الحكماء والعلماء الذين هم من أبناء صنف القسيسين وكانوا مسيحيين ثم خرجوا عن هذه الملة لاستقباحهم إياها، ينكرونه ويستهزؤون به وبملته وألفوا رسائل كثيرة لإثبات آرائهم واشتهرت هذه الرسائل في أكناف العالم، ويزيد متبعوهم كل يوم في ديار أوربا، فكما أن إنكار اليهود وهؤلاء الحكماء والعلماء في حق عيسى ﵇ غير مقبول عندنا، فكذا إنكار أهل التثليث في حق محمد ﷺ غير مقبول عندنا.
(الأمر الخامس) الإخبارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى ﵇ لا تصدق عليه، على تفاسير اليهود وتأويلاتهم، ولذلك هم ينكرونه أشد
[ ٤ / ١٠٨٩ ]
الإنكار، والعلماء المسيحية لا يلتفتون في هذا الباب إلى تفاسيرهم وتأويلاتهم ويفسرونها ويؤولونها بحيث تصدق في زعمهم على عيسى ﵇. قال صاحب ميزان الحق في الفصل الثالث من الباب الأول في الصفحة ٤٦ من النسخة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٤٩: (المعلمون القدماء من الملة المسيحية ادعوا هذه الدعوى الصحيحة فقط أن اليهود أوّلوا الآيات التي كانت إشارة إلى يسوع المسيح بتأويلات غير صحيحة وغير لائقة وبينوها خلاف الواقع) انتهى.
وقوله ادّعوا هذه الدعوى الصحيحة فقط غلط يقينًا لأن المعلمين القدماء كما ادعوا هذه الدعوى ادعوا أن اليهود حرفوا الكتب تحريفًا لفظيًا كما عرفت في الباب الثاني، لكني أقطع النظر عن هذا وأقول كما أن تأويلات اليهود في الآيات المذكورة مردودة غير صحيحة وغير لائقة عند المسيحيين، كذلك تأويلات المسيحيين في الإخبارات التي هي في حق محمد ﷺ مردودة غير مقبولة عندنا، وسترى أن الإخبارات التي ننقلها في حق محمد ﷺ أظهر صدقًا من الإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇، فلا بأس علينا إن لم نلتفت إلى تأويلاتهم الفاسدة، وكما أن اليهود ادعوا في حق بعض الإخبارات التي هي في حق عيسى ﵇ على زعم المسيحيين أنها في حق مسيحهم المنتظر أو في حق غيره أو ليست في حق أحد، والمسيحيون يدعون أنها في حق عيسى ﵇ ولا يبالون بمخالفتهم، فكذا نحن لا نبالي بمخالفة المسيحيين في حق بعض الإخبارات التي هي في حق محمد ﷺ
[ ٤ / ١٠٩٠ ]
(الأمر السادس)
لو قالوا أنها في حق عيسى ﵇، وسترى أيضًا أن صدقها في حق محمد ﷺ أليق من صدقها في حق عيسى ﵇، فادعاؤنا أحق من ادعائهم.
(الأمر السادس) مؤلفوا العهد الجديد باعتقاد المسيحيين ذوو إلهام وقد نقلوا الإخبارات في حق عيسى ﵇ فيكون هذا النقل على زعمهم بالإلهام، فأذكر نبذًا منها بطريق الأنموذج ليقيس المخاطب حال هذه الإخبارات بالإخبارات التي أنقلها في هذا المسلك في حق محمد ﷺ، وإن سلك أحد من القسيسين مسلك الاعتساف وتصدى لتأويل الإخبارات التي أنقلها في هذا المسلك يجب عليه أن يوجه أولًا الإخبارات التي نقلها مؤلفوا العهد الجديد في حق عيسى ﵇، ليظهر للمنصف اللبيب حال الإخبارات التي نقلها الجانبان، ويقابلهما باعتبار القوة والضعف وإن غمض النظر عن توجيه الإخبارات العيسوية التي نقلها المؤلفون المذكورون.
وأول الإخبارات المحمدية التي أنقلها في هذا المسلك يكون محمولًا على عجزه وتعصبه، لأنك قد علمت في الأمر الثاني والخامس أن المعاند له مجال واسع للتأويل في أمثال هذه الإخبارات، وإنما اكتفيت على نبذ مما نقله مؤلفو العهد الجديد، لأنه إذا ظهر أن البعض منها غلط يقينًا، والبعض منها محرف، والبعض منها لا يصدق على عيسى ﵇ إلا بالادعاء البحت والتحكم الصرف، ظهر أن حال الإخبارات الأخر التي نقلها المسيحيون الذين ليسوا ذوي إلهام ووحي، يكون أسوأ، فلا حاجة إلى نقلها.
[ ٤ / ١٠٩١ ]
(الخبر الأول) ما هو المنقول في الباب الأول من إنجيل متى، وقد عرفت في بيان الغلط الخمسين في الفصل الثالث من الباب الأول أنه غلط، على أن كون مريم عذراء وقت الحبل غير مسلم عند اليهود والمنكرين، ولا يتم عليهم حجة، لأنها قبل ولادة عيسى ﵇، كانت في نكاح يوسف النجار على تصريح الإنجيل واليهود المعاصرون لعيسى ﵇، ويقولون أنه ولد يوسف النجار كما هو مصرح به في الآية ٥٥ من الباب ١٣ من إنجيل متى والآية ٤٥ من الباب ١ والآية ٤٢ من الباب السادس من إنجيل يوحنا، وإلى الآن يقولون هكذا بل أشنع منه، والعلامة الأخرى المختصة بعيسى ﵇ غير مذكورة في هذا الخبر.
(والخبر الثاني) ما هو المنقول في الآية السادسة من الباب الثاني من إنجيل متى، وهو إشارة إلى الآية الثانية من الباب الخامس من كتاب ميخا، ولا تطابق عبارة متى عبارة ميخا، وأحدهما محرفة، وقد عرفت في الشاهد
[ ٤ / ١٠٩٢ ]
الثالث والعشرين من المقصد الأول من الباب الثاني، أن محققيهم اختاروا تحريف عبارة ميخا، لكن ادعاؤهم هذا لأجل محافظة الإنجيل فقط، وعند المخالف باطل.
(والخبر الثالث) ما هو المنقول في الآية الخامسة عشر، من الباب المذكور من إنجيل متى.
(والخبر الرابع) ما هو منقول في الآية ١٧ و١٨ من الباب المذكور.
(والخبر الخامس) ما هو المنقول في الآية الثالثة والعشرين من الباب المذكور. وهذه الأخبار الثلاثة غلط كما عرفت في الفصل الثالث من الباب الأول.
(والخبر السادس) الآية التاسعة من الباب السابع والعشرين من إنجيل متى، وقد عرفت في الشاهد التاسع والعشرين من المقصد الثاني من الباب الثاني أنه غلط، على أن هذا الحال يوجد في الباب الحادي عشر من كتاب زكريا، ولا مناسبة له بالقصة التي نقلها متى، لأن زكريا ﵇ بعد ما ذكر اسمي
[ ٤ / ١٠٩٣ ]
عصوين ورعى قطيع يقول هكذا ترجمة عربية سنة ١٨٤٤: ١٢ (وقلت لهم إن حسن في أعينكم فهاتوا أجري وإلا فكفوا فوزنوا أجري ثلاثين من الفضة) ١٣ (وقال لي الرب ألقها إلى صناع التماثيل ثمنًا كريمًا أثموني به فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها في بيت الرب إلى صناع التماثيل) . فظاهر كلام زكريا أنه بيان حال، لا إخبار عن الحادثة الآتية، وأن يكون آخذ الدراهم من الصالحين مثل زكريا ﵇ لا من الكافرين مثل يهودا.
(والخبر السابع) ما نقله مقدسهم بولس في الآية السادسة من الباب الأول من الرسالة العبرانية، وقد عرفت حاله في الفصل الثالث أنه غلط لا يصدق على عيسى ﵇.
(والخبر الثامن) الآية الخامسة والثلاثون من الباب الثالث عشر من إنجيل متى هكذا: (لكي يتم ما قيل بالنبي القائل سأفتح بأمثال فمي وأنطق بمكتوبات منذ تأسيس العالم) وهو إشارة إلى الآية الثانية من الزبور الثامن والسبعين، لكنه ادعاء محض وتحكم بحت، لأن عبارة هذا الزبور هكذا: ٢ (أفتح بالأمثال فمي وأنطق بالذي كان قديمًا) ٣ (كل ما سمعناه وعرفناه وآباؤنا أخبرونا) ٤ (ولم يخفوه عن
[ ٤ / ١٠٩٤ ]
أولادهم إلى الجيل الآخر إذ يخبرون بتسابيح الرب وقواته وعجائبه التي صنع) ٥ (إذ أقام الشهادة في يعقوب، ووضع الناموس في إسرائيل كل الذي أوصى آباؤنا ليعرفوا به أبناءهم) ٦ (لكيما يعلم الجيل الآخر بينهم المولدين) ٧ (فيقومون أيضًا ويخبرون به أبناؤهم) ٨ (لكي يجعلوا اتكالهم على الله ولا ينسوا أعمال الله ويلتمسوا وصايا) ٩ (لئلا يكونوا مثل آبائهم الجيل الأعرج المتمرد الذي لم يستقم قلبه ولا آمنت بالله روحه) . وهذه الآيات صريحة في أن داود ﵇ يريد نفسه، ولذا عبر عن نفسه بصيغة المتكلم، ويروي الحالات التي سمعها من الآباء ليبلغ إلى الأبناء على حسب عهد الله لتبقى الرواية محفوظة، وبين من الآية العاشرة إلى الخامسة والستين، حال إنعامات الله والمعجزات الموسوية، وشرارة بني إسرائيل وما لحقهم بسببها. ثم قال: ٦٥ (واستيقظ الرب كالنائم مثل الجبار المفيق من الخمر) ٦٦ (فضرب أعداءه في الوراء وجعلهم عارًا إلى الدهر) ٦٧ (وأبعد محله يوسف ولم يختر سبط إفرام) ٦٨ (بل اختار سبط يهوذا لجيل صهيون الذي أحب) ٦٩ (وبنى مثل وحيد القرن قدسه وأسسه في الأرض إلى الأبد) ٧٠ (واختار داود عبده وأخذه من مراعي الغنم) ٧١ (ومن خلف المرضعات، أخذه ليرعى يعقوب عبده وإسرائيل ميراثه) ٧٢ (فرعاهم بدعة قلبه وبفهم يديه أهداهم) .
[ ٤ / ١٠٩٥ ]
وهذه الآيات الأخيرة أيضًا دالة صراحة في أن هذا الزبور في حق داود ﵇ فلا علاقة لهذا بعيسى ﵇.
(والخبر التاسع) في الباب الرابع من إنجيل متى هكذا: ١٤ (لكي يتم ما قيل بأشعيا النبي القائل) ١٥ (أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم) ١٦ (الشعب الجالس في ظلمة، أبصر نورًا عظيمًا والجالسون في كورة الموت وظلاله، أشرق عليهم نور) وهو إشارة إلى الآية الأولى والثانية من الباب التاسع من كتاب أشعيا وعبارته هكذا: (في الزمان استخفت أرض زبلون وأرض نفتالي وفي الآخر تثقلت طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم) ٢ (الشعب السالك في الظلمة رأى نورًا عظيمًا، الساكنون في بلاد ظلال الموت أشرق عليهم نور) . وفرق ما بين العبارتين فإحداهما محرفة ومع قطع النظر عن هذا، لا دلالة لكلام أشعيا على ظهور شخص، بل الظاهر أن أشعيا ﵇ يخبر أن حال سكان أرض زبلون ونفتالي كان سقيمًا في سالف الزمان ثم صار حسنًا
[ ٤ / ١٠٩٦ ]
(الأمر السابع)
كما تدل عليه صيغ الماضي، أعني استخفت وتثقلت ورأى وأشرق وإن عدلنا عن الظاهر وحملنا على المجاز بمعنى المستقبل وقلنا أن رؤية النور وإشراقه عليهم، عبارة عن مرور الصلحاء بأرضهم، فادعاء أن مصداق هذا الخبر عيسى ﵇ فقط تحكم صرف، لأن كثيرًا من الأولياء والصلحاء مر بتلك الأرض، سيما أصحاب محمد ﷺ وأولياء أمته أيضًا الذين زالت ظلمة الكفر والتثليث من هذه الديار بسببهم، وظهر نور التوحيد وتصديق المسيح كما ينبغي. وأكتفي خوفًا من التطويل على هذا القدر ونقلت الأخبار الأخر أيضًا في إزالة الأوهام وغيره من مؤلفاتي وبينت وجوه ضعفها.
(الأمر السابع) أن أهل الكتاب سلفًا وخلفًا عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالبًا الأسماء في تراجمهم ويوردون بدلها معانيها، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد وأنهم يزيدون تارة شيئًا بطريق التفسير في الكلام الذي هو كلام الله في زعمهم، ولا يشيرون إلى الامتياز. وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم، ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة وأنا أورد أيضًا بطريق الأنموذج بعضًا منها.
١- في الآية الرابعة عشر من الباب السادس عشر من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (لذلك دعت اسم تلك البيرني بير الحي الناظر، فترجموا اسم البئر الذي كان في العبراني بالعربي.
[ ٤ / ١٠٩٧ ]
٢- وفي الآية الرابعة عشر من الباب الثاني والعشرين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ هكذا: (سمى إبراهيم اسم الموضع مكان يرحم الله زائره) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤: (دعا اسم ذلك الرب يرى) فترجم المترجم الأول الاسم العبراني بمكان يرحم الله زائره والمترجم الثاني بالرب يرى.
٣- وفي الآية العشرين من الباب الحادي والثلاثين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (فكتم يعقوب أمره عن حميه) وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٢٥ لفظ لابان موضع حميه فوضع مترجمو العربية لفظ الحمى موضع الاسم.
٤- وفي الآية العاشرة من الباب التاسع والأربعين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤: (فلا يزول القضيب من يهودا والمدير من فخذه حتى يجيء الذي له الكل وإياه تنتظر الأمم) . فقوله (الذي له الكل) ترجمة لفظ شيلوه وهذه الترجمة موافقة الترجمة اليونانية.
[ ٤ / ١٠٩٨ ]
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (فلا يزول القضيب من يهودا والرسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له وإليه يجتمع الشعوب) . وهذا المترجم ترجم لفظ شيلوه (بالذي هو له) وهذه الترجمة موافقة للترجمة السريانية وترجم هذا اللفظ محققهم المشهور ليكلرك بعاقبته، وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٢٥ وقع لفظ شيلا، وفي الترجمة اللاتينية ولتكيت (الذي سيرسل) . فالمترجمون ترجموا لفظ شيلوه بما ظهر وترجح عندهم وهذا اللفظ كان بمنزلة الاسم للشخص المبشر به.
٥- وفي الآية الرابعة عشر من الباب الثالث من سفر الخروج في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤ فقال الله لموسى (أهيه أشراهيه) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (قال له الأزلي الذي لا يزال) . فلفظ أهيه أشراهيه كان بمنزلة اسم الذات فترجمه المترجم الثاني بالأزلي الذي لا يزال.
٦- وفي الآية الحادية عشر من الباب الثامن من سفر الخروج في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (تبقى في النهر فقط) .
[ ٤ / ١٠٩٩ ]
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ هكذا: (تبقى في النيل فقط) .
٧- وفي الآية الخامسة عشر من الباب السابع من سفر الخروج في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (فابتنى موسى مذبحًا ودعا اسمه الرب عظمتي) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (وبنى مذبحًا وسماه الله علمي) . وترجمة أردو موافقة لهذه الأخيرة، فأقول مع قطع النظر عن الاختلاف أن المترجمين ترجموا الاسم العبراني.
٨- وفي الآية الثالثة والعشرين من الباب الثلاثين من سفر الخروج في الترجمتين المذكورتين هكذا: (من ميعة فائقة) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (من المسك الخالص، وبين الميعة والمسك فرق ما، ففسروا الاسم العبراني بما ترجح عندهم) .
٩- وفي الآية الخامسة من الباب الرابع والثلاثين من سفر الاستثناء في الترجمتين المذكورتين هكذا: (فمات هناك موسى عبد الرب) .
[ ٤ / ١١٠٠ ]
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ هكذا: (فمات هناك موسى رسول الله) . فهؤلاء المترجمون لو بدلوا في البشارات المحمدية، لفظ رسول الله بلفظ آخر فلا استبعاد منهم.
١٠- وفي الآية الثالثة عشر من الباب العاشر من كتاب يوشع، في الترجمة المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (أليس هذا مكتوبًا في سفر الأبرار) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (أليس هو مكتوبًا في سفر المستقيم) . وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٣٨ لفظ (يا صار) موضع الأبرار أو المستقيم. وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٤٥ لفظ (ياشر) . وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٣٥ لفظ (يا شا لعل يا صار) أو (يا شر أو يا شا) اسم مصنف الكتاب، فترجم مترجمو العربية، هذا الاسم على آرائهم بالأبرار أو المستقيم.
١١- وفي الباب الثامن من كتاب أشعيا، في الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٣٩ هكذا: ١ (وخدا وندمر افرمودكه لوحي بزرك بكيرواز قلم كند كاردر باب مهر شالال جاشنر بنويس) ٣ (أورامهر شالال جشنر نام ينه) . وترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٢٥ توافقها.
[ ٤ / ١١٠١ ]
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: ١ (وقال لي الرب خذ لك مدرجًا عظيمًا واكتب فيه بكتابة إنسان انتهب مستعجلًا أسلب سريعًا) ٣ (ادع اسمه أغنم بسرعة وانهب عاجلًا) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ هكذا: (وقال لي الرب: خذ لك مدرجًا صحيحًا صحيفة جديدة كبيرة، واكتب فيها بكتابة إنسان حاد ليضع نهب الغنائم لأنه حضر) ٣ (ادع اسمه أغنم بسرعة وانهبوا نجده) . فكان اسم الابن مهر شالال جاشنر، فترجم مترجمو العربية هذا الاسم على آرائهم، وخالفوا فيما بينهم. ومع قطع النظر عن المخالفة، زاد مترجم العربية المطبوعة سنة ١٨١١ ألفاظًا من قبل نفسه، فأمثال هؤلاء لو بدلوا في البشارات المحمدية أسماء من أسماء النبي ﷺ أو زادوا شيئًا، فلا استبعاد منهم، لأن هذا الأمر يصدر عنهم بحسب عادتهم.
١٢- وفي الآية الرابعة عشر من الباب الحادي عشر من إنجيل متى، في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (فإن أردتم أن تقبلوه فهو إيلياء المزمع أن يأتي)، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦: (فإن أردتم أن تقبلوه فهذا هو المزمع بالإتيان) . فالمترجم الأخير بدل لفظ إيلياء بهذا، فأمثال هؤلاء لو بدلوا اسمًا من أسماءالنبي ﷺ في البشارة، فلا عجب.
[ ٤ / ١١٠٢ ]
١٣- وفي الآية الأولى من الباب الرابع من إنجيل يوحنا في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١، وسنة ١٨٣١، وسنة ١٨٤٤ هكذا: (لما علم يسوع) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦، وسنة ١٨٦٠: (لما علم الرب) . فبدل المترجمان الأخيران لفظ يسوع، الذي كان علم عيسى ﵇ بالرب الذي هو من الألفاظ التعظيمية، فلو بدلوا اسمًا من أسماء النبي ﷺ بالألفاظ التحقيرية لأجل عادتهم وعنادهم، فلا عجب. وهذه الشواهد تدل على ترجمة الأسماء، وإيراد لفظ آخر بدلها.
[١] في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا: (ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا: إيلي إيلي، لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني) . وفي الباب الخامس عشر من إنجيل مرقس هكذا: (وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا: الوى الوى لما شبقتني، الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني) . فلفظ أي إلهي إلهي لماذا تركتني في إنجيل متى، وكذا لفظ الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني في إنجيل مرقس، ليسا من كلام الشخص المصلوب يقينًا، بل ألحقا بكلامه.
[ ٤ / ١١٠٣ ]
[٢] في الآية السابعة عشر من الباب الثالث من إنجيل مرقس هكذا: (لقبهما ببوان رجس أي ابني الرعد) . فلفظ أي ابني الرعد ليس من كلام عيسى ﵇ بل هو إلحاقي.
[٣] في الآية الحادية والأربعين من الباب الخامس من إنجيل مرقس هكذا: (وقال لها طليثا قومي الذي تفسيره يا صبية لك أقول قومي) . فهذا التفسير إلحاقي ليس من كلام عيسى ﵇.
[٤] في الآية الرابعة والثلاثين من الباب السابع من إنجيل مرقس في الترجمة المطبوعة سنة ١٨١٦: (ونظر إلى السماء وتأوه وقال افثا يعني انفتح)، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (ونظر إلى السماء وتنهد وقال افاثا الذي هو انفتح) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (ونظر إلى السماء وتنهد وقال له انفتح الذي هو انفتح) .
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ هكذا: (ورفع نظره نحو السماء وأنّ وقال له افثا أي انفتح) .
[ ٤ / ١١٠٤ ]
ومن هذه العبارة، وإن لم يعلم صحة اللفظ العبراني أهو افثا أو افاثا، لأجل اختلاف التراجم التي منشأ اختلافها عدم صحة ألفاظ أصولها، لكنه يعلم يقينًا أن لفظ أي انفتح أو الذي هو انفتح، إلحاقي ليس من كلام عيسى ﵇. وهذه الأقوال المسيحية الأربعة التي نقلتها من الشاهد الأول إلى ههنا، تدل على أن المسيح ﵇ كان يتكلم باللسان العبراني الذي كان لسان قومه، وما كان يتكلم باليوناني وهو قريب القياس أيضًا، لأنه كان عبرانيًا ابن عبرانية، نشأ في قومه العبرانيين. فنقل أقواله في هذه الأناجيل في اليوناني نقل بالمعنى، وهذا أمر آخر زائد على كون أقواله مروية برواية الآحاد.
[٥] في الآية الثامنة والثلاثين من الباب الأول، من إنجيل يوحنا هكذا: (فقالا له ربي الذي تفسيره يا معلم) . فقوله الذي تفسيره يا معلم إلحاقي، ليس من كلامهما.
[٦] في الآية الحادية والأربعين من الباب المذكور في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ وسنة ١٨٤٤: (قد وجدنا مسيا الذي تأويله المسيح) . وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦: (ما مسيح راكه ترجمة آن كرسطوس ميبا شديا فتيم) . وترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨١٤ توافق الفارسية، فيعلم من الترجمتين العربيتين أن اللفظ الذي قاله أندراوس هو مسيا
[ ٤ / ١١٠٥ ]
وأن المسيح ترجمته، ومن الترجمة الفارسية وأردو أن اللفظ الأصل هو المسيح وكرسطوس ترجمته، ويعلم من ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٣٩ أن اللفظ الأصل خرسته وأن المسيح ترجمته، فلا يعلم من كلامهم أن اللفظ الأصل أي لفظ كان أمسيا أو المسيح أو خرسته، وهذه الألفاظ وإن كان معناها واحدًا لكن لا شك أن الذي قاله أندراوس هو واحد من هذه الثلاثة يقينًا، وإذا ذكر اللفظ والتفسير فلا بد من ذكر اللفظ الأصل أولًا ثم من ذكر تفسيره. لكني أقطع النظر عن هذا وأقول أن التفسير المشكوك أيًا ما كان إلحاقيًا ليس من كلام أندراوس.
[٧] في الآية الثانية والأربعين من الباب الأول من إنجيل يوحنا، قول عيسى ﵇ في حق بطرس الحواري في الترجمة العربية سنة ١٨١١ هكذا: (أنت تدعى ببطرس الذي تأويله الصخرة) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦: (ستسمى أنت بالصفا المفسر ببطرس) . وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦: (ترابكيفاس كه ترجمة آن سنك است ندا خواهند كرد) أمطر الله حجارة على تحقيقهم وتصحيحهم لا يتميز من كلامهم المفسر عن المفسر، لكني أقطع النظر عن هذا وأقول أن التفسير ليس من كلام المسيح ﵇ بل هو إلحاقي، وإذا كان حال تراجمهم وحال تحقيقهم في لقب إلههم ولقب خليفته كما علمت فكيف نرجو منهم صحة بقاء لفظ محمد أو أحمد أو لقب من ألقابه ﷺ.
[ ٤ / ١١٠٦ ]
[٨] في الآية الثانية من الباب الخامس من إنجيل يوحنا في حق البركة في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤: (تسمى بالعبرانية بيت صيدا) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠: (يقال لها بالعبرانية بيت حسدا) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (تسمى بالعبرانية بيت حصدا أي بيت الرحمة) . فالاختلاف بين صيدا وحسدا وحصدا وإن كان ثمرة من ثمرات تصحيحهم الكتب السماوية، لكني أقطع النظر عنه وأقول المترجم الأخير زاد التفسير من جانب نفسه في الكلام الذي هو كلام الله في زعمه، فلو زادوا شيئًا بطريق التفسير من جانب أنفسهم في البشارات المحمدية فلا بعد منهم.
[٩] في الآية السادسة والثلاثين من الباب التاسع من كتاب الأعمال هكذا: (وكان في يافا تلميذة اسمها طابيثا الذي ترجمته غزالة) .
[ ٤ / ١١٠٧ ]
[١٠] في الآية الثامنة من الباب الثالث عشر من كتاب الأعمال، في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤: (فناصبهما اليماس الساحر لأن هكذا يترجم اسمه) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠: (فقاومهما عليم الساحر لأن هكذا يترجم) . وفي بعض تراجم أردو لفظ الماس، وفي بعضها الماء، فمع قطع النظر عن الاختلاف في أن اسمه اليماس أو عليم أو الماس أو الماء، أقول أن ترجمة اسمه إلحاقية.
[١١] في آخر رسالة بولس الأولى إلى أهل قورنثيوس، في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦: (ألا ومن لا يحب المسيح فليكن ملعونًا مارن أتى) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (ومن لا يحب ربنا يسوع المسيح فليكن محرومًا ماران أتى) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠: (إن كان أحد لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن أنا ثيما ماران أثا) .
[ ٤ / ١١٠٨ ]
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (من لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن مفروزًا مارن أتى أي الرب قد جاء) . فمع قطع النظر عن صحة اللفظ الأصل، أقول أن المترجم الأخير قد زاد من جانب نفسه التفسير وقال أي الرب قد جاء.
وهذه شواهد التفسير فثبت مما ذكرنا أن ترجمة الأسماء أو تبديلها بألفاظ أخر، وكذا إلحاق التفسيرات من جانب أنفسهم، من عاداتهم الجبلية سلفًا وخلفًا، فلا بعد في أن ترجموا اسمًا من أسماء النبي ﷺ أو بدلوه بلفظ آخر، أو زادوا بطريق التفسير أو غير التفسير شيئًا بحيث يخل الاستدلال بحسب الظاهر، ولا شك أن اهتمامهم في هذا الأمر كان زائدًا على الاهتمام الذي كان لهم في مقابلة فرقهم، وما قصروا في التحريف في مقابلتهم على ما عرفت في الباب الثاني من قول هورن: (أن هذا الأمر أيضًا محقق أن بعض التحريفات القصدية صدرت عن الذين كانوا من أهل الديانة والدين، وكانت هذه التحريفات ترجح بعدهم لتؤيد بها مسألة مقبولة أو يدفع بها الاعتراض الوارد، مثلًا ترك قصدًا الآية الثالثة والأربعين من الباب الثاني والعشرين من إنجيل لوقا لأن بعض أهل الديانة ظنوا أن تقوية الملك للرب مناف لألوهيته، وتركت قصدًا في الباب الأول من إنجيل متى، هذه الألفاظ قبل أن يجتمعا في الآية الثامنة عشر، وهذه الألفاظ ابنها البكر في الآية
[ ٤ / ١١٠٩ ]
الخامسة والعشرين، لئلا يقع الشك في البكارة الدائمة لمريم ﵍، وبدل لفظ اثنتي عشرة بأحد عشر في الآية الخامسة من الباب الخامس عشر من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس، لئلا يقع إلزام الكذب على بولس، لأن يهوذا الأسخريوطي كان قد مات قبل وترك بعض الألفاظ في الآية الثانية والثلاثين من الباب الثالث عشر من إنجيل مرقس، ورد هذه الألفاظ بعض المرشدين أيضًا لأنهم تخيلوا أنها مؤيدة لفرقة أيرين وزيد بعض الألفاظ في الآية الخامسة والثلاثين من الباب الأول من إنجيل لوقا في الترجمة السريانية والفارسية والعربية واتهيوبك وغيرها من التراجم، وفي كثير من نقول المرشدين في مقابلة فرقة يؤتى كينس لأنها كانت تنكر
أن عيسى فيه صفتان) انتهى كلامه.
فإذا كانت خصلة أهل الدين والديانة ما عرفت، فما ظنك بغير أهل الديانة بل الحق أن التحريف القصدي بالتبديل والزيادة والنقصان من خصالهم كلهم أجمعين، فبعض الإخبارات التي نقلها العلماء الأسلاف من أهل الإسلام مثل الإمام
[ ٤ / ١١١٠ ]
القرطبي وغيره، ولا تجدها موافقة في بعض الألفاظ للتراجم المشهورة الآن، فسببه غالبًا هذا التغير، لأن هؤلاء العلماء من أهل الإسلام نقلوا عن الترجمة العربية التي كانت رائجة في عهدهم، وبعد زمانهم وقع الإصلاح في تلك الترجمة، ويحتمل أن يكون ذاك السبب، اختلاف التراجم، لكن الأول هو المعتمد لأنا نرى أن هذه العادة جارية إلى الآن في تراجمهم ورسائلهم ألا ترى إلى ميزان الحق أن نسخه ثلاث، الأولى النسخة القديمة ورد عليها صاحب الاستفسار، ولما رد عليها وتنبه مصنفها أصلح النسخة القديمة، فزاد في بعض المواضع ونقص في البعض وبدل في البعض، ثم طبع هذه النسخة المصلحة وكتب جواب الاستفسار وسماه بحل الإشكال، ثم كتبت الرد على تلك النسخة الثانية لميزان الحق، ونبهت في كل موضع خالفت فيه هذه النسخة الجديدة للنسخة القديمة، وسميته بمعدل اعوجاج الميزان.
لكن كتابي هذا لم يطبع في الهند لأجل بعض الحوادث، وكتب بعض أحبابي الرد على حل الإشكال في جواب الاستفسار وسماه بالاستبشار، وطبع هذا الرد واشتهر في الهند وفي زمان طبعه واشتهاره كان مؤلف الميزان في الهند، ومضت مدةعشر سنين على طبعه وما كتب المؤلف المذكور في جوابه شيئًا،
[ ٤ / ١١١١ ]
(الأمر الثامن)
وسمعت من بعض الثقات أنه أصلح في المرة الثالثة الميزان الذي طبعه بالتركي وغير في المواضع التي رأى فيها التغير واجبًا، مثل التغير في ابتداء الفصل الثاني من الباب الأول وغيره، ومن رأى الاستفسار ولم تصل إليه النسخة القديمة للميزان، بل وصلت إليه النسخة الثانية أو الثالثة، وأراد أن يصحح نقل صاحب الاستفسار كلام مؤلف الميزان بهاتين النسختين، وجده غير مطابق لهما في بعض المواضع، وكذا من رأى معدل اعوجاج الميزان، ولم تصل إليه النسخة الأولى ولا الثانية بل وصلت إليه النسخة الثالثة التركية، وأراد تصحيح النقل بهذه التركية، وجد في بعض المواضع النقل مطابق لها، فإن لم يكن واقفًا على هذا التغير والإصلاح، يظن أن الراد والناقل أخطأ في النقل، وليس كذلك بل حصل هذا الأمر من تغير المردود عليه وتحريفه والراد [و] الناقل مصيب، فالحاصل أن أمثال هذا الإصلاح والتحريفات جارية في كتبهم وتراجمهم ورسائلهم إلى هذا الحين.
(الأمر الثامن) أن بولس وإن كان عند أهل التثليث في رتبة الحواريين، لكنه غير مقبول عندنا ولا نعده من المؤمنين الصادقين، بل من المنافقين الكذابين ومعلمي الزور والرسل الخداعين، الذين ظهروا بالكثرة بعد عروج المسيح، كما عرفت في الأمر الرابع، وهو خرق الدين المسيحي، وأباح كل محرم لمعتقديه، وكان في ابتداء الأمر مؤذيًا للطبقة الأولى من المسيحيين، جهرًا، لكنه لما رأى أن هذا الإيذاء الجهري لا ينفع نفعًا معتدًا به، دخل على سبيل النفاق في هذه الملة وادعى رسالة المسيح، وأظهر الزهد الظاهري. ففعل في هذا الحجاب ما فعل، وقبله أهل التثليث لأجل زهده الظاهري، ولأجل فراغ ذمتهم عن جميع التكاليف الشرعية. كما قبل أناس كثيرون من المسيحيين في
[ ٤ / ١١١٢ ]
القرن الثاني منتش الذي كان زاهدًا مرتاضًا وادعى أنه هو الفارقليط الموعود به، فقبلوه لأجل زهده ورياضته كما سيجيء ذكره في البشارة الثامنة عشر، ورده المحققون من علماء الإسلام سلفًا وخلفًا.
قال الإمام القرطبي ﵀ في كتابه في حق بولس هذا، مجيبًا لبعض القسيسين في بحث مسألة الصوم هكذا: (قلنا ذلك) أي بولس (هو الذي أفسد عليكم أديانكم وأعمى بصائركم وأذهانكم، ذلك هو الذي غير دين المسيح الصحيح، الذي لم تسمعوا له بخبر ولا وقفتم منه على أثر، هو الذي صرفكم عن القبلة وحلل لكم كل محرم كان في الملة، ولذلك كثرت أحكامه عندكم وتداولتموها بينكم) انتهى كلامه بلفظه. وقال صاحب تخجيل من حرف الإنجيل في الباب التاسع من كتابه، في بيان فضائح النصارى في حق بولس هذا هكذا: (وقد سلبهم بولس هذا من الدين بلطيف خداعه إذ رأى عقولهم قابلة لكل ما يلقى إليها وقد طمس هذا الخبيث رسوم التوراة) انتهى كلامه بلفظه.
[وفي المجلد الثاني من فتوح الشام قول مقوقس سلطان مصر في خطاب أركان دولته هكذا: "وقد أضلّكم بولس وأغواكم حين غرّ بكم وبدّل شرعكم
[ ٤ / ١١١٣ ]
وسمّاكم باسم لا يليق بكم، وكيف وقد عاد بكم من الطريق الواضح وأحلّ لكم جميع ما حُرّم عليكم من قبل، وهذا هو عين المحال وداعية العمى أن تتعدّوا ما قال نبيكم، وكيف ينبغي لروح الله عيسى بن مريم أن يكلمكم بما لم يرسله الله إليكم. ثم إنّ بولس قال لكم إنّه أحلّ لكم الخنزير وشرْب الخمر وارتكاب المعاصي ما ظهر منها وما بطن، فأطعتم أمره وصدّقتم قوله، وحاشا المسيح أن يفعل ذلك". انتهى كلامه.
وقال يوقنّا صاحب حلب -وقد كان أسلم- في خطاب بنته ناصحًا لها هكذا: "وإنّما غرّر بالنصارى وحيّدهم عن طريق الحق رجل يقال له بولس، كان من اليهود، أضلّهم عن الطريق المستقيم وشرع لهم الضلال
[ ٤ / ١١١٤ ]
القديم" انتهى كلامه] .
وهكذا أقوال علمائنا الآخرين فكلامه عندنا مردود ورسائله المتضمنة بالعهد العتيق كلها واجبة الرد ولا نشتري قوله بحبة خردل فلا أنقل عن أقواله في هذا المسلك شيئًا ولا يكون قوله حجة علينا، وإذ عرفت هذه الأمور الثمانية أقول أن الإخبارات الواقعة في حق محمد ﷺ توجد كثيرة إلى الآن أيضًا مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن عرف أولًا طريق أخبار النبي المتقدم عن النبي المتأخر على ما عرفت في الأمر الثاني، ثم نظر ثانيًا بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇، وقد عرفت نبذًا منها في الأمر السادس، جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة. وأنقل في هذا المسلك عن الكتب المعتبرة عند علماء بروتستنت ثماني عشرة بشارة.
[ ٤ / ١١١٥ ]
(البشارة الأولى)
البشارات:
(البشارة الأولى) في الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء هكذا: ١٧ (فقال الرب لي نعم جميع ما قالوا) ١٨ (وسوف أقيم لهم نبيًا مثلك من بين إخوتهم وأجعل كلامي في فمه ويكلمهم بكل شيء آمره به) ١٩ (ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا أكون المنتقم من ذلك) ٢٠ (فأما النبي الذي يجترئ بالكبرياء ويتكلم في اسمي ما لم آمره بأنه يقوله أم باسم إلهه غيري فليقتل) ٢١ (فإن أحببت وقلت في قلبك كيف أستطيع أن أميز الكلام الذي لم يتكلم به الرب) ٢٢ (فهذه تكون لك آية أن ما قاله ذلك النبي في اسم الرب ولم يحدث فالرب لم يكن تكلم به، بل ذلك النبي صورة في تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه) .
وهذه البشارة ليست بشارة يوشع ﵇ كما يزعم الآن أحبار اليهود، ولا بشارة عيسى ﵇ كما زعم علماء بروتستنت، بل هي بشارة محمد ﷺ لعشرة أوجه:
(الوجه الأول) قد عرفت في الأمر الثالث أن اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ كانوا ينتظرون نبيًا آخر مبشرًا به في هذا الباب، وكان هذا المبشر به عندهم غير المسيح، فلا يكون هذا المبشر به يوشع، ولا عيسى ﵉.
(والوجه الثاني) أنه وقع في هذه البشارة لفظ مثلك ويوشع وعيسى ﵉ لا يصح أن يكونا مثل موسى ﵇،
[ ٤ / ١١١٦ ]
أما أولًا: فلأنهما من بني إسرائيل، ولا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى كما تدل عليه الآية العاشرة من الباب الرابع والثلاثين من سفر الاستثناء وهي هكذا: ٥ (ولم يقم بعد ذلك من بني إسرائيل مثل موسى يوفه الرب وجهًا لوجه) فإن قام أحد مثل موسى بعده من بني إسرائيل، يلزم تكذيب هذا القول. وأما ثانيًا: فلأنه لا مماثلة بين يوشع وبين موسى ﵉ لأن موسى ﵇ صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواهي، ويوشع ليس كذلك، بل هو متبع لشريعته، وكذا لا توجد المماثلة التامة بين موسى وعيسى ﵉، لأن عيسى ﵇ كان إلهًا وربًا على زعم النصارى وموسى ﵇ كان عبدًا له، وأن عيسى ﵇ على زعمهم، صار ملعونًا لشفاعة الخلق كما صرح به بولس في الباب الثالث من رسالته إلى أهل غلاطية، وموسى ﵇ ما صار ملعونًا لشفاعتهم، وأن عيسى ﵇ دخل الجحيم بعد موته كما هو مصرح به في عقائد أهل التثليث، وموسى ﵇ ما دخل الجحيم، وأن عيسى ﵇ صلب على زعم النصارى ليكون كفارة لأمته، وموسى ﵇ ما صار كفارة لأمته بالصلب،
[ ٤ / ١١١٧ ]
وأن شريعة موسى مشتملة على الحدود والتعزيزات وأحكام الغسل والطهارات والمحرمات من المأكولات والمشروبات، بخلاف شريعة عيسى ﵇، فإنها فارغة عنها على ما يشهد به هذا الإنجيل المتداول بينهم، وأن موسى ﵇ كان رئيسًا مطاعًا في قومه نفاذًا لأوامره ونواهيه، وعيسى ﵇ لم يكن كذلك.
(الوجه الثالث) أنه وقع في هذه البشارة لفظ من بين إخوتهم، ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذاك الوقت مع موسى ﵇ حاضرين عنده، فلو كان المقصود كون النبي المبشر به منهم، قال منهم لا من بين إخوتهم. لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ أن لا يكون المبشر به له علاقة الصلبية والبطنية ببني إسرائيل كما جاء لفظ الأخوة بهذا الاستعمال الحقيقي في وعد الله هاجر في حق إسماعيل ﵇ في الآية الثانية عشر من الباب السادس
[ ٤ / ١١١٨ ]
عشر من سفر التكوين، وعبارتها في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (وقبالة جميع إخوته ينصب المضارب) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ هكذا: (بحضرة جميع أخوته يسكن) . وجاء بهذا الاستعمال أيضًا، في الآية الثامنة عشر من الباب الخامس والعشرين من سفر التكوين في حق إسماعيل في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (منتهى إخوته جميعهم سكن) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ هكذا: (أقام بحضرة جميع أخوته) . والمراد بالأخوة ههنا بنو عيسو وإسحاق وغيرهم من أبناء إبراهيم ﵇. وفي الآية الرابعة عشرة من الباب العشرين من سفر العدد هكذا: (ثم
[ ٤ / ١١١٩ ]
أرسل موسى رسلًا من قادس إلى ملك الروم قائلًا هكذا: (يقول أخوك إسرائيل أنك قد علمت كل البلاء الذي أصابنا) وفي الباب الثاني من سفر الاستثناء هكذا: ٢ (وقال لي الرب ٤ ثم أوص الشعب أنكم ستجوزون في تخوم أخوتكم بني عيسو الذين في ساعير وسيخشونكم ٨ فلما جزنا أخوتنا بني عيسو الذين يسكنون ساعير الخ) .
والمراد بأخوة بني إسرائيل بنو عيسو، ولا شك أن استعمال لفظ أخوة بني إسرائيل في بعض منهم كما جاء في بعض المواضع من التوراة، استعمال مجازي ولا تترك الحقيقة ولا يصار إلى المجاز ما لم يمنع عن الحمل على المعنى الحقيقي مانع قوي، ويوشع وعيسى ﵉ كانا من بني إسرائيل، فلا تصدق هذه البشارة عليهما.
(الوجه الرابع) أنه وقع في هذه البشارة لفظ سوف أقيم، ويوشع ﵇ كان حاضرًا عند موسى ﵇، داخلًا في بني إسرائيل، نبيًا في هذا الوقت، فكيف يصدق عليه هذا اللفظ.
(الوجه الخامس) أنه وقع في هذه البشارة لفظ أجعل كلامي في فمه، وهو إشارة إلى أن ذلك النبي ينزل عليه الكتاب، وإلى أنه يكون أميًا حافظًا
[ ٤ / ١١٢٠ ]
للكلام، وهذا لا يصدق على يوشع ﵇ لانتفاء كلا الأمرين فيه.
(الوجه السادس) أنه وقع في هذه البشارة، ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به، فأنا أكون المنتقم من ذلك. فهذا الأمر لما ذكر لتعظيم هذا النبي المبشر به فلا بد أن يمتاز ذلك المبشر به بهذا الأمر عن غيره من الأنبياء، فلا يجوز أن يراد بالانتقام من المنكر العذاب الأخروي، الكائن في جهنم، أو المحن والعقوبات الدنيوية التي تلحق المنكرين من الغيب، لأن هذا الانتقام لا يختص بإنكار نبي دون نبي، بل يعم الجميع فحينئذ يراد بالانتقام، الانتقام التشريعي، فظهر منه أن هذا النبي يكون مأمورًا من جانب الله بالانتقام من منكره. فلا يصدق على عيسى ﵇ لأن شريعته خالية عن أحكام الحدود، والقصاص، والتعزيز، والجهاد.
(الوجه السابع) في الباب الثالث من كتاب الأعمال في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (فتوبوا وارجعوا كي تمحى خطاياكم ٢٠ حتى إذا تأتي أزمنة الراحة من قدام وجه الرب، ويرسل المنادي به لكم وهو يسوع المسيح ٢١ الذي إياه ينبغي للسماء أن تقبله إلى الزمان الذي يسترد فيه كل شيء تكلم به الله على أفواه أنبيائه القديسين منذ الدهر ٢٢ أن موسى قال إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيًا من أخوتكم مثلي له تسمعون في كل ما يكلمكم به ٢٣ ويكون كل نفس لا تسمع ذلك النبي تهلك من الشعب) .
[ ٤ / ١١٢١ ]
وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦، وسنة ١٨٢٨، وسنة ١٨٤١، وسنة ١٨٤٢، هكذا: ١٩ (تونيه نما يدوباز كشت كند تاكه كناهان شمامحو شودتا كه زمان تازه كيراز حضور خداوند بيابيد) ٢٠ (ويسوع مسيح راكه ندا بشمامي شودباز فرستد) ٢١ (زيراكه بايد كه آسمان أورنكا هدارد تاوقت ثبوت انجه خداوندبزبان بيغمبران مقدس خودازايام قديم فرموده است) . ٢٢ (كه موسى بيدران ما كفت كه خداى شماخداوند بيغمبري رامثل من ازبراى شما ازميان برادران شما مبعوث خواهد ثمود وهرجه أوبشما كويد شمار است كه أطاعت نماييد) ٢٣ (واينجنين خواهد بودكه هركس كه سخن آن بيغمبر رانشنودازقوم بريده خواهدشد) . فهذه العبارة سيما بحسب التراجم الفارسية تدل صراحة على أن هذا النبي غير المسيح ﵇، وأن المسيح لا بد أن تقبله السماء إلى زمان ظهور هذا النبي.
ومن ترك التعصب الباطل من المسيحيين، وتأمل في عبارة بطرس ظهر له هذا القول من بطرس يكفي لإبطال ادعاء علماء بروتستنت أن هذه البشارة في حق عيسى ﵇، وهذه الوجوه السبعة التي ذكرتها تصدق في حق محمد ﷺ على أكمل صدق لأنه غير المسيح ﵇ ويماثل موسى ﵇ في أمور كثيرة:
[١] كونه عبد الله، ورسوله. [٢] كونه ذا الوالدين. [٣] كونه [ص ٢٤٤] ذا نكاح وأولاد. [٤] كون شريعته مشتملة على السياسات المدنية.
[ ٤ / ١١٢٢ ]
[٥] كونه مأمورًا بالجهاد. [٦] اشتراط الطهارة وقت العبادة في شريعته. [٧] وجوب الغسل للجنب والحائض والنفساء في شريعته. [٨] اشتراط طهارة الثوب من البول، والبراز. [٩] حرمة غير المذبوح، وقرابين الأوثان. [١٠] كون شريعته مشتملة على العبادات البدنية، والرياضات الجسمانية. [١١] أمره بحد الزنا. [١٢] تعيين الحدود، والتعزيرات، والقصاص. [١٣] كونه قادرًا على إجرائها. [١٤] تحريم الربا. [١٥] أمره بإنكار من يدعو إلى غير الله. [١٦] أمره بالتوحيد الخاص. [١٧] أمره الأمة بأن يقولوا له عبد الله ورسوله، لا ابن الله أو الله والعياذ بالله. [١٨] موته على الفراش. [١٩] كونه مدفونًا كموسى. [٢٠] عدم كونه ملعونًا لأجل أمته.
[ ٤ / ١١٢٣ ]
وهكذا أمور أخر تظهر إذا تؤمل في شريعتهما، ولذلك قال الله تعالى في كلامه المجيد: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولًا شاهدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا﴾ .
وكان من أخوة بني إسرائيل لأنه من بني إسماعيل، وأنزل عليه الكتاب وكان أميًا جعل كلام الله في فمه، وكان ينطق بالوحي كما قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وكان مأمورًا بالجهاد، وقد انتقم الله لأجله من صناديد قريش والأكاسرة والقياصرة وغيرهم، وظهر قبل نزول المسيح من السماء وكان للسماء أن تقبل المسيح ﵇ إلى ظهوره ليرد كل شيء إلى أصله، ويمحق الشرك والتثليث وعبادة الأوثان ولا يرتاب أحد من كثرة أهل التثليث في هذا الزمان الأخير، لأن هذا الصادق المصدوق قد أخبرنا على أتم تفصيل وأكمل وجه، بحيث لا يبقى ريب ما بكثرتهم وقت قرب ظهور المهدي ﵁، وهذا الوقت قريب إن شاء الله، وسيظهر الإمام ويظهر الحق عن قريب، ويكون الدين كله لله، جعلنا الله من أنصاره وخدامه آمين.
(الوجه الثامن) أنه صرح في هذه البشارة بأن النبي الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره يقتل، فلو لم يكن محمد ﷺ نبيًا حقًا لكان يقتل، وقد قال الله في القرآن المجيد أيضًا: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ وما قتل بل قال الله في حقه: ﴿والله يعصمك من
[ ٤ / ١١٢٤ ]
الناس﴾ وأوفى وعده ولم يقدر على قتله أحد حتى لقي الرفيق الأعلى ﷺ، وعيسى ﵇ قتل وصلب على زعم أهل الكتاب. فلو كانت هذه البشارة في حقه لزم أن يكون نبيًا كاذبًا كما يزعمه اليهود والعياذ بالله.
(الوجه التاسع) أن الله بين علامة النبي الكاذب أن إخباره عن الغيب المستقبل لا يخرج صادقًا ومحمد ﷺ أخبر عن الأمور الكثيرة المستقبلة كما علمت في المسلك الأول، وظهر صدقه فيها فيكون نبيًا صادقًا لا كاذبًا.
(الوجه العاشر) أن علماء اليهود سلموا كونه مبشرًا به في التوراة لكن بعضهم أسلم وبعضهم بقي في الكفر، كما أن قيافا وكان رئيس الكهنة ونبيًا على زعم يوحنا عرف أن عيسى هو المسيح الموعود به، ولم يؤمن بل أفتى بكفره وقتله، كما صرح به يوحنا في الباب الحادي عشر والثامن عشر من إنجيله من حديث مخيريق وكان حبرًا عالمًا كثير المال من النخل، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته، وغلبت عليه ألفة دينه فلم يزل على ذلك حتى كان يوم
[ ٤ / ١١٢٥ ]
أحد وكان يوم السبت، فقال: يا معشر اليهود والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: فإن اليوم يوم السبت قال: لا سبت ثم أخذ سلاحه وخرج حتى أتى إلى النبي ﷺ بأحد وكان يوم السبت وعهد إلى من وراءه من قومه إن قتلت هذا اليوم فمالي لمحمد يصنع فيه ما أراه الله تعالى، فقاتل حتى قتل فكان رسول الله ﷺ يقول: مخيريق خير يهودي، وقبض رسول الله ﷺ أمواله، فعامة صدقات رسول الله ﷺ بالمدينة منها. وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ بيت المدراس فقال: أخرجوا إلي أعلمكم، فقال: عبد الله بن صوريا، فخلا به رسول الله ﷺ فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المن والسلوى وظللهم من الغمام، أتعلم أني رسول الله قال: اللهم نعم، وأن القوم يعرفون ما أعرف وأن صفتك ونعتك لمبين في التوراة ولكن حسدوك قال: فما يمنعك أنت، قال: أكره خلاف قومي عسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم.
وعن صفية بنت حيي ﵂، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة
[ ٤ / ١١٢٦ ]
ونزل قباء، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مفلسين فلم يرجعا حتى كان غروب الشمس فأتيا، كالين، كسلانين، ساقطين، يمشيان الهوينا، فهششت إليهما فالتفت إلى أحد منهما مع ما بهما من الهم فسمعت عمى أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو (أي المبشر به في التوراة) قال: نعم والله، قال: أتثبته وتعرفه قال: نعم، قال: فما
[ ٤ / ١١٢٧ ]
في نفسك منه قال: عداوته والله ما بقيت أبدًا فتلك عشرة كاملة فإن قيل أن أخوة بني إسرائيل لا تنحصر في بني إسماعيل لأن بني عيسو وبني أبناء قطورا زوجة إبراهيم ﵉ من أخوتهم أيضًا، قلت: نعم هؤلاء أيضًا من أخوة بني إسرائيل لكنهم لم يظهر أحد منهم يكون موصوفًا بالأمور المذكورة، ولم يكن وعد الله في حقهم أيضًا بخلاف بني إسماعيل فإنهم كان وعد الله في حقهم لإبراهيم ولهاجر ﵉، مع أنه لا يصلح أن يكون مصداق هذا الخبر بني عيسو على ما هو مقتضى دعاء إسحاق ﵇ المصرح به في الباب السابع والعشرين من سفر التكوين.
ولعلماء بروتستنت اعتراضان، نقلهما صاحب الميزان في كتابه المسمى بحل الإشكال في جواب الاستفسار.
الأول: أنه وقع في الآية الخامسة عشر من الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء هكذا: (فإن الرب إلهك يقيم من بينك من بين أخوتك) الخ.
[ ٤ / ١١٢٨ ]
فلفظ من بينك يدل دلالة ظاهرة على أن هذا النبي يكون من بني إسرائيل لا من بني إسماعيل.
والثاني: أن عيسى ﵇ نسب هذه البشارة إلى نفسه فقال في الآية السادسة والأربعين من الباب الخامس من إنجيل يوحنا أن موسى كتب في حقي أقول آية الاستثناء على وفق التراجم الفارسية وتراجم أردو هكذا: (فإن الرب إلهك يقيم من بينك من بين أخوتك نبيًا مثلي فاسمع منه) والقسيس أيضًا نقلها هكذا (والجواب) أن اللفظ المذكور لا ينافي مقصودنا لأن محمدًا ﵇ لما هاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره، وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم، فقد قام من بينهم ولأنه إذا كان من أخوتهم فقد قام من بينهم، ولأن قوله من بين أخوتك بدل من قوله من بينك، بدل اشتمال على رأي ابن الحاجب ومتبعيه القائلين بكفاية علاقة الملابسة غير الكلية والجزئية في تحقيق هذا البدل، نحو جاءني زيد أخوه وجاءني زيد غلامه، وبدل إضراب على رأي ابن مالك، وعلى كلا التقديرين
[ ٤ / ١١٢٩ ]
المبدل منه غير مقصود ويدل على كونه غير مقصود، أن موسى ﵇ لما أعاد هذا الوعد من كلام الله في الآية الثامنة عشر لا يوجد فيه لفظ من بينك، ونقل بطرس الحواري أيضًا هذا القول ولا يوجد فيه هذا اللفظ كما علمت في الوجه السابع، وكذا نقله استفانوس أيضًا ولا يوجد في نقله أيضًا هذا اللفظ كما صرح به في الباب السابع من كتاب الأعمال وعبارته هكذا: (هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من أخوتكم له تسمعون) فسقوطه في هذه المواضع دليل على كونه غير مقصود فاحتمال البدل قوي جدًا. وقال صاحب الاستفسار: (إن لفظ من بينك إلحاقي زيد تحريفًا ويدل عليه ثلاثة أمور:
(الأول) أن المخاطبين في هذا الموضع كانوا بني إسرائيل كلهم لا البعض، فقوله من بينك خطاب إلى جميع القوم فصار لفظ من أخوتك لغوًا محضًا لا معنى له، لكن لفظ من أخوتك جاء في الموضع الآخر فيكون صحيحًا، ولفظ من بينك إلحاقيًا زيد تحريفًا.
(والثاني) أن موسى ﵇ لما نقل كلام الله لإثبات قوله، لا يوجد فيه هذا اللفظ ولا يجوز أن يكون ما قال موسى مخالفًا لما قاله الله.
(والثالث) أن الحواريين كلما نقلوا هذا الكلام لا يوجد فيه لفظ من بينك،
[ ٤ / ١١٣٠ ]
وإن قلتم: إن المحرف إذا حرف فَلِمَ لَمْ يحرف الكلام كله، قلت: نحن نرى في محكمات العدالة دائمًا أن القبالجات المحرفة يثبت تحريف الألفاظ المحرفة فيها من مواضع أخرى منها غالبًا، وأن شهود الزور يؤخذون ببعض بياناتهم، فالوجه الوجيه على أن عادة الله جارية بأنه لا يهدي كيد الخائنين ويظهر خيانة خائن الدين بمقتضى مرحمته، فبمقتضى هذه العادة يصدر عن الخائن شيء ما تظهر به خيانته، على أنه لا توجد ملة يكون أهلها كلهم خائنين، فالخائنون الذين حرفوا كتب العهدين كان لهم لحاظ ما من جانب بعض المتدينين فلذلك ما بدلوا الكل، انتهى.
أقول هذا الجواب بالنسبة إلى عادة أهل الكتاب النسيب كما عرفت في الأمر السابع وأقول في (الجواب) عن الاعتراض الثاني أن آية الإنجيل هكذا: (لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني) وليس فيها تصريح بأن موسى ﵇ كتب في حقه في المواضع الفلاني، بل المفهوم منه أن موسى كتب في حقه، وهذا يصدق إذا وجد في موضع من مواضع التوراة إشارة إليه، ونحن نسلم هذا الأمر كما ستعرف في ذيل بيان البشارة الثالثة، لكنا ننكر أن يكون قوله إشارة إلى هذه البشارة للوجوه التي عرفتها وقد ادعى هذا المعترض في الفصل الثالث من الباب الثالث من الباب الثاني من الميزان أن
[ ٤ / ١١٣١ ]
(البشارة الثانية)
الآية الخامسة عشر من الباب الثالث من سفر التكوين إشارة إليه، فهذا القدر يكفي لتصحيح قول عيسى ﵇، نعم لو قال عيسى ﵇ أن موسى ﵇ ما أشار في أسفاره الخمسة إلى نبي من الأنبياء إلا إليّ لكان لهذا التوهم مجال في ذلك الوقت.
(البشارة الثانية) الآية الحادية والعشرون من الباب الثاني والثلاثين من سفر الاستثناء هكذا: (هم أغاروني بغير إله وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة وأنا أيضًا أغيرهم بغير شعب وبشعب جاهل أغضبهم) والمراد بشعب جاهل العرب لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال، وما كان عندهم علم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية، وما كانوا يعرفون سوى عبادة الأوثان والأصنام، وكانوا محقرين عند اليهود لكونهم من أولاد هاجر الجارية. فمقصود الآية أن بني إسرائيل أغاروني بعبادة المعبودات الباطلة فأغيرهم باصطفاء الذين هم عندهم محقرون وجاهلون، فأوفى بما وعد فبعث من العرب النبي ﷺ فهداهم إلى الصراط المستقيم كما قال الله تعالى في سورة الجمعة: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو
[ ٤ / ١١٣٢ ]
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ .
وليس المرد بالشعب الجاهل اليونانيين كما يفهم من ظاهر كلام مقدسهم بولس في الباب العاشر من الرسالة الرومية، لأن اليونانيين قبل ظهور عيسى ﵇ بأزيد من ثلثمائة سنة كانوا فائقين على أهل العالم كلهم في العلوم والفنون، وكان جميع الحكماء المشهورين مثل سقراط وبقراط وفيساغورس وأفلاطون وأرسطاطاليس وأرشميدس وبليناس وأقليدس وجالينوس وغيرهم الذين كانوا أئمة الإلهيات والرياضيات
[ ٤ / ١١٣٣ ]
(البشارة الثالثة)
والطبيعيات وفروعها قبل عيسى ﵇، وكان اليونانيين في عهده على غاية درجة الكمال في فنونهم، وكانوا واقفين على أحكام التوراة وقصصها وسائر كتب العهد العتيق أيضًا بواسطة ترجمة سبتوجنت التي ظهرت باللسان اليوناني قبل المسيح بمقدار مائتين وست وثمانين سنة، لكنهم ما كانوا معتقدين للملة الموسوية وكانوا متفحصين عن الأشياء الحكمية الجديدة كما قال مقدسهم هذا في الباب الأول من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس هكذا: (لأن اليهود يسألون آية واليونانيين يطلبون حكمة) ٢٣ (ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا لليهود عثرة ولليونانيين جهالة) فلا يجوز أن يكون المراد بالشعب الجاهل اليونانيين، فكلام مقدسهم في الرسالة الرومية إما مؤوّل أو مردود وقد عرفت في الأمر الثامن أن قوله ساقط عن الاعتبار عندنا.
(البشارة الثالثة) في الباب الثالث والثلاثين من سفر الاستثناء في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (وقال جاء الرب من سينا وأشرق لنا من ساعيرا ستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من
[ ٤ / ١١٣٤ ]
نار) .
فمجيئه من سيناء وإعطاؤه التوراة لموسى ﵇ وإشراقه من ساعير وإعطاؤه الإنجيل لعيسى ﵇، واستعلانه من جبل فاران إنزاله القرآن لأن فاران جبل من جبال مكة في الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل ﵇ هكذا: ٢٠ (وكان الله معه ونما وسكن في البرية وصار شابًا يرمي بالسهام ٢١ وسكن برية فاران وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر) . ولا شك أن إسماعيل ﵇ كانت سكونته بمكة، ولا يصح أن يراد أن النار لما ظهرت من طور سينا ظهرت من ساعير ومن فاران أيضًا فانتشرت في هذه المواضع، لأن الله لو خلق نارًا في موضع، لا يقال جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا أتبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة أو ما أشبه ذلك، وقد اعترفوا أن الوحي اتبع تلك في طور سيناء فكذا لا بد أن يكون في ساعير وفاران.
[ ٤ / ١١٣٥ ]
(البشارة الرابعة)
(البشارة الرابعة) في الآية العشرين من الباب السابع عشر من سفر التكوين، وعد الله في حق إسماعيل ﵇ لإبراهيم ﵇ في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (وعلى إسماعيل أستجيب لك هو ذا أباركه وأكبره وأكثره جدًا فسيلد اثني عشر رئيسًا وأجعله لشعب كبير) . وقوله أجعله لشعب كبير يشير إلى محمد ﷺ لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره وقد قال الله تعالى ناقلًا دعاء إبراهيم وإسماعيل في حقه ﵈ في كلامه المجيد أيضًا: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ .
وقال الإمام القرطبي في الفصل الأول من القسم الثاني من كتابه وقد تفطن بعض النبهاء ممن نشأ على لسان اليهود وقرأ بعض كتبهم، فقال يخرج مما ذكر من عبارة التوراة في موضعين اسم محمد ﷺ بالعدد على ما يستعمله اليهود فيما بينهم الأول: قوله جدًا جدًا بتلك اللغة بمادماد وعدد هذه الحروف اثنان وتسعون لأن الباء اثنان والميم أربعون والألف واحد والدال أربعة والميم الثانية أربعون والألف واحد والدال أربعة، وكذلك
[ ٤ / ١١٣٦ ]
الميم من محمد أربعون والحاء ثمانية والميم أربعون والدال أربعة. والثاني: قوله لشعب كبير بتلك اللغة لغوي غدول، فاللام عندهم ثلاثون والغين ثلاثة لأنه عندهم في مقام الجيم إذ ليس في لغتهم جيم ولا صاد والواو ستة والياء عشرة والغين أيضًا ثلاثة والدال أربعة والواو ستة واللام ثلاثون، فمجموع هذه أيضًا اثنان وتسعون انتهى كلامه.
بتلخيص ما وعبد السلام كان من أحبار اليهود ثم أسلم في عهد السلطان المرحوم بايزيد خان، وصنف رسالة صغيرة سماها بالرسالة الهادية فقال فيها: (أن أكثر أدلة أحبار اليهود بحرف الجمل الكبير وهو حرف أبجد، فإن
[ ٤ / ١١٣٧ ]
(البشارة الخامسة)
أحبار اليهود حين بنى سليمان النبي ﵇ بيت المقدس، اجتمعوا وقالوا يبقى هذا البناء أربعمائة وعشرة سنين ثم يعرض له الخراب، لأنهم حسبوا لفظة بزات) ثم قال: (واعترضوا [ص ٢٥٢] على هذا الدليل بأن الباء في بمادماد ليست من نفس الكلمة بل هي أداة وحرف جيء به للصلة فلو أخرج منه اسم محمد لاحتاج إلى باء ثانية ويقال ببمادماد، قلنا من المشهور عندهم إذا اجتمع الباآن أحدهما أداة والآخر من نفس الكلمة تحذف الأداة وتبقى التي هي من نفس الكلمة، وهذا شائع عندهم في مواضع غير معدودة فلا حاجة إلى إيرادها) انتهى كلامه بلفظه. أقول قد صرح العلماء بأن أسمائه ﷺ مادماد كما في شفاء القاضي عياض.
(البشارة الخامسة) الآية العاشرة من الباب التاسع والأربعين من سفر التكوين هكذا ترجمة عربية سنة ١٧٢٢ وسنة ١٨٣١:
[ ٤ / ١١٣٨ ]
(فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الذي له الكل وإياه تنتظر الأمم) وفي ترجمة عربية سنة ١٨١١ (فلا يزول القضيب من يهوذا والرسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له وإليه تجتمع الشعوب) . ولفظ الذي له الكل أو الذي هو له، ترجمة لفظ شيلوه، وفي ترجمة هذا اللفظ اختلاف كثير فيما بينهم وقد عرفت في الأمر السابع أيضًا، وقال عبد السلام في الرسالة الهادية هكذا: (لا يزول الحاكم من يهوذا ولا راسم من بين رجليه حتى يجيء الذي له وإليه تجتمع الشعوب) .
وفي هذه الآية دلالة على أن يجيء سيدنا (محمد) ﷺ بعد تمام حكم موسى وعيسى، لأن المراد من الحاكم هو موسى، لأنه بعد يعقوب ما جاء صاحب شريعة إلى زمان موسى إلا موسى، والمراد من الراسم هو عيسى، لأنه بعد موسى إلى زمان عيسى ما جاء صاحب شريعة إلا عيسى وبعدهما ما جاء صاحب شريعة إلا محمد، فعلم أن المراد من قول يعقوب في آخر الأيام هو نبينا محمد ﵇، لأنه في آخر الزمان بعد مضي حكم الحاكم والراسم ما جاء إلا سيدنا محمد ﵇، ويدل عليه أيضًا قوله حتى يجيء الذي له أي الحكم بدلالة مساق الآية وسياقها،
[ ٤ / ١١٣٩ ]
وأما قوله: وإليه تجتمع الشعوب فهي علامة صريحة ودلالة واضحة على أن المراد منها هو سيدنا، لأنه ما اجتمع الشعوب إلا إليه وإنما لم يذكر الزبور لأنه لا أحكام فيه، وداود النبي تابع لموسى والمراد من خبر يعقوب هو صاحب الأحكام) انتهى كلامه بلفظه.
أقول إنما أراد من الحاكم موسى ﵇، لأن شريعته جبرية انتقامية، ومن الراسم عيسى ﵇، لأن شريعته ليست بجبرية ولا انتقامية، وأن أريد من القضيب السلطنة الدنيوية ومن المدبر الحاكم الدنيوي، كما يفهم من رسائل القسيسين من فرقة بروتستنت ومن بعض تراجمهم، فلا يصح أن يراد بشيلوه مسيح اليهود كما هو مزعومهم، ولا عيسى ﵇ كما هو مزعوم النصارى.
أما الأول: فظاهر لأن السلطنة الدنيوية والحاكم الدنيوي زالا من آل يهوذا من مدة هي أزيد من ألفي سنة من عهد بختنصر ولم يسمع إلى الآن حسيس مسيح اليهود.
وأما الثاني: فلأنهما زالتا من آل يهوذا أيضًا قبل ظهور عيسى ﵇ بمقدار ستمائة سنة من عهد بختنصر وهو أجلى بني يهوذا إلى بابل وكانوا
[ ٤ / ١١٤٠ ]
في الجلاء ثلاثًا وستين سنة لا سبعين كما يقول بعض علماء بروتستنت تغليطًا للعوام وقد عرفت في الفصل الثالث من الباب الأول، ثم وقع عليهم أنتيوكس ما وقع فإنه عزل أونياس حبر اليهود وباع منصبه لأخيه ياسون بثلثمائة وستين وزنة ذهب يقدمها له خراجًا كل سنة، ثم عزله وباع ذلك لأخيه مينالاوس بستمائة وستين وزنة، ثم شاع خبر موته فطلب ياسون أن يسترد لنفسه الكهنوت ودخل أورشليم بألوف من الجنود فقتل كل من كان يظنه عدوًا له وهذا الخبر كان كاذبًا فهجم أنتيوكس على أورشليم وامتلكها ثانية في سنة ١٧٠ قبل ميلاد المسيح وقتلمن أهلها أربعين ألفًا وباع مثل ذلك عبيدًا، وفي الفصل العشرين من الجزء الثاني من مرشد الطالبين في بيان الجدول التاريخي في الصفحة ٤٨١ من النسخة المطبوعة سنة ١٨٥٢ من الميلاد (أنه نهب أورشليم وقتل ثمانين ألفًا) انتهى. وسلب ما كان في الهيكل من الأمتعة النفيسة التي كانت قيمتها ثمانمائة وزنة ذهب وقرب خنزيرة وقودًا على المذبح للإهانة، ثم رجع إلى إنطاكية وأقام فيلبس أحد الأراذل حاكمًا على اليهودية، وفي رحلته الرابعة إلى مصر أرسل أبولوينوس بعشرين ألفًا من جنوده وأمرهم أن يخربوا أورشليم ويقتلوا كل من بها من الرجال ويسبو النساء والصبيان فانطلقوا إلى هناك.
وبينما كان الناس في المدينة مجتمعين للصلاة يوم السبت هجموا عليهم على غفلة فقتلوا الكل، إلا من أفلت إلى الجبال واختفى في المغاير، ونهبوا أموال المدينة وأحرقوها وهدموا أسوارها وأخربوا منازلها ثم ابتنوا لهم من بسائط ذلك الهدم قلعة حصينة
[ ٤ / ١١٤١ ]
على جبل اكرا، وكانت العساكر تشرف منها على جميع نواحي الهيكل ومن دنا منه يقتلونه، ثم أرسل انتيوكس أثانيوس ليعلم اليهود طقوس عبادة الأصنام اليونانية ويقتل كل من لا يمتثل ذلك الأمر، فجاء أثانيوس إلى أورشليم وساعده على ذلك بعض اليهود الكافرين، وأبطل الذبيحة اليومية ونسخ كل طاعة للدين اليهودي عمومًا وخصوصًا، وأحرق كل ما وجده من نسخ كتب العهد العتيق بالفحص التام، وكرس الهيكل للمشتري ونصب صورة ذلك على مذبح اليهود وأهلك كل من وجده مخالف أمر انتيوكس، ونجا متاثياس الكاهن مع أبنائه الخمسة في هذه الداهية وفروا إلى وطنهم مودين في سبط دان فانتقم من هؤلاء الكفار انتقامًا ما قدروا عليه على استطاعته كما هو مصرح به في التواريخ، فكيف يصدق هذا الخبر على عيسى ﵇ وإن قالوا أن المراد ببقاء السلطنة والحكومة امتياز القوم كما يقول بعضهم الآن، قلنا هذا الأمر كان باقيًا إلى ظهور محمد ﷺ، وكانوا في أقطار العرب ذوي حصون وأملاك غير مطيعين لأحد مثل يهود خيبر وغيرهم كما يشهد به التواريخ، وبعد ظهور محمد ﷺ ضربت عليهم الذلة والمسكنة وصاروا في كل إقليم مطيعين للغير، فالأليق أن يكون المراد بشيلوه النبي ﷺ لا مسيح
[ ٤ / ١١٤٢ ]
(البشارة السادسة)
اليهود ولا عيسى ﵇.
(البشارة السادسة) الزبور الخامس والأربعون هكذا: (فاض قلبي كلمة صالحة أنا أقول أعمالي للملك) ١ (لساني قلم كاتب سريع الكتابة) ٢ (بهي في الحسن أفضل من بني البشر) ٣ (انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الدهر) ٤ (تقلد سيفك على فخذك أيها القوي بحسنك وجمالك) ٥ (أستله وأنجح وأملك من أجل الحق والدعة والصدق وتهديك بالعجب يمينك) ٦ (نبلك مسنونة أيها القوي في قلب أعداء الملك الشعوب تحتك يسقطون) ٧ (كرسيك يا الله إلى دهر الداهرين عصا الاستقامة عصا ملكك) ٨ (أحببت البر وأبغضت الإثم لذلك مسحك الله إلهك بدهن الفرح أفضل من أصحابك) ٩ (المر والميعة والسليخة من ثيابك من منازلك الشريفة العاج التي أبهجتك) ١٠ (بنات الملوك في كرامتك قامت الملكة من عن يمينك مشتملة بثوب مذهب موشى) ١١ (اسمعي يا بنت وانظري وأنصتي بأذنيك وانسي شعبك وبنت أبيك) ١٢ (فيشتهي الملك حسنك لأنه هو الرب إلهك وله تسجدين) ١٣ (بنات صور يأتينك بالهدايا لوجهك يصلي كل أغنياء الشعب) ١٤ (كل مجد ابنة الملك من داخل مشتملة بلباس الذهب
[ ٤ / ١١٤٣ ]
الموشى) ١٥ (يبلغن إلى الملك عذارى في أثرها قريباتها إليك يقدمن) ١٦ (يبلغن بفرح وابتهاج يدخلن إلى هيكل الملك) ١٧ (ويكون بنوك عوضًا من آبائك وتقيمهم رؤساء على سائر الأرض) ١٨ (سأذكر اسمك في كل جيل وجيل من أجل ذلك تعترف لك الشعوب إلى الدهر والى دهر الداهرين) .
وهذا الأمر مسلم عند أهل الكتاب أن داود ﵇ يبشر في هذا الزبور بنبي يكون ظهوره بعد زمانه، ولم يظهر إلى هذا الحين عند اليهود نبي يكون موصوفًا بالصفات المذكورة في هذا الزبور، ويدعى علماء بروتستنت أن هذا النبي عيسى ﵇، ويدعي أهل الإسلام سلفًا وخلفًا أن هذا النبي محمد ﷺ. فأقول أنه ذكر في هذا الزبور من صفات النبي المبشر به هذه الصفات:
[ص ٢٥٦] [١] كونه حسنًا. [٢] كونه أفضل البشر. [٣] كون النعمة منسكبة على شفتيه. [٤] كونه مباركًا إلى الدهر. [٥] كونه متقلدًا بالسيف. [٦] كونه قويًا.
[ ٤ / ١١٤٤ ]
[٧] كونه ذا حق ودعة وصدق. [٨] كونه هداية يمينه بالعجب. [٩] كون نبله مسنونة. [١٠] سقوط الشعب تحته. [١١] كونه محبًا للبر ومبغضًا للإثم. [١٢] خدمة بنات الملوك إياه. [١٣] إتيان الهدايا إليه. [١٤] انقياد كل أغنياء الشعب له. [١٥] كون أبنائه رؤساء الأرض بدل آبائهم. [١٦] كون اسمه مذكورًا جيلًا بعد جيل. [١٧] مدح الشعوب إياه إلى دهر الداهرين.
وهذه الأوصاف كلها توجد في محمد ﷺ على أكمل وجه.
أما الأول: فلأن أبا هريرة ﵁ قال: (ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ، كأن الشمس تجري في وجهه وإذا ضحك يتلألأ في الجدار) .
[ ٤ / ١١٤٥ ]
وعن أم معبد ﵂ قالت في بعض ما وصفته به: (أجمل الناس من بعيد وأحلاهم وأحسنهم من قريب) .
وأما الثاني: فلأن الله تعالى قال في كلامه المحكم: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) الآية. وقال أهل التفسير أراد بقوله ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ محمدًا ﷺ أي رفعه على سائر الأنبياء من وجوه متعددة، وقد أشبع الكلام في تفسير هذه الآية الإمام الهمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير. وقال ﷺ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) أي لا أقول ذلك فخرًا لنفسي بل تحدثًا بنعمة ربي.
وأما الثالث: فغير محتاج إلى البيان حتى أقر بفصاحته الموافق والمخالف، وقال الرواة في وصف كلامه: إنه كان أصدق الناس لهجة فكان من
[ ٤ / ١١٤٦ ]
الفصاحة بالمحل الأفضل والموضع الأكمل.
وأما الرابع: فلأن الله تعالى قال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ وألوف ألوف من الناس يصلون عليه في الصلوات الخمس.
وأما الخامس: فظاهر وقد قال هو بنفسه أنا رسول الله بالسيف.
وأما السادس: فكانت قوته الجسمانية على الكمال، كما ثبت أن ركانة خلا برسول الله ﷺ في بعض شعاب مكة قبل أن يسلم فقال: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه. فقال: لو أعلم والله ما تقول حقًا لاتبعتك. فقال: أرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق قال: نعم، فلما بطش به صلى الله تعالى عليه وسلم أضجعه لا يملك من أمره شيئًا، ثم قال: يا محمد عد فصرعه أيضًا فقال: يا محمد إن ذا لعجب. فقال ﷺ: وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله وتبعت أمري. قال: ما هو قال: أدعو لك هذه الشجرة فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يديه صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال لها: ارجعي مكانك. فرجع ركانة إلى قومه فقال: يا بني عبد مناف ما رأيت أسحر منه ثم أخبرهم بما رأى. وركانة
[ ٤ / ١١٤٧ ]
هذا كان من الأقوياء والمصارعين المشهورين. وأما شجاعته فقد قال ابن عمر ﵄: (ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود من رسول الله ﷺ) وقال علي كرم الله وجهه: (وإنا كنا إذا حمى البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا) .
وأما السابع: فلأن الأمانة والصدق من الصفات الجليلة له ﷺ، كما قال النضر بن الحارث لقريش: (قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم
[ ٤ / ١١٤٨ ]
فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة. حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم إنه ساحر، لا والله ما هو بساحر) . وسأل هرقل عن حال النبي ﷺ أبا سفيان فقال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. قال: لا.
وأما الثامن: فلأنه رمى يوم بدر وكذا يوم حنين وجوه الكفار بقبضة
[ ٤ / ١١٤٩ ]
تراب فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا وتمكن المسلمون منهم قتلًا وأسرًا فأمثال هذه من عجيب هداية يمينه.
وأما التاسع: فلأن كون أولاد إسماعيل أصحاب النبل في سالف الزمان، غير محتاج إلى البيان وكان هذا الأمر مرغوبًا له وكان يقول: (ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه) . ويقول: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا) . ويقول ﵇: (من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا) .
وأما العاشر: فلأن الناس دخلوا أفواجًا في دين الله في مدة حياته.
وأما الحادي عشر: فمشهور يعترف به المعاندون أيضًا، كما عرفت في المسلك الثاني.
وأما الثاني عشر: فقد صارت بنات الملوك والأمراء، خادمة للمسلمين في
[ ٤ / ١١٥٠ ]
الطبقة الأولى، ومنها شهربانو بنت يزدجرد، كسرى فارس، كانت تحت الإمام الهمام الحسين ﵁.
وأما الثالث عشر والرابع عشر: فلأن النجاشي ملك الحبشة ومنذر بن ساوى ملك البحرين وملك عمان انقادوا وأسلموا، وهرقل قيصر الروم أرسل إليه بهدية، والمقوقس ملك القبط أرسل إليه ثلاث جوار، وغلامًا أسود وبغلة شهباء، وحمار أشهب، وفرسًا وثيابًا وغيرها.
وأما الخامس عشر: فقد وصل من أبناء الإمام الحسن ﵁ إلى الخلافة، وألوف في أقاليم مختلفة من الحجاز واليمن ومصر والمغرب والشام
[ ٤ / ١١٥١ ]
وفارس والهند وغيرها. وفازوا بالسلطنة والإمارة العلية، وإلى الآن أيضًا في ديار الحجاز واليمن، وفي غيرهما توجد الأمراء والحكام من نسله ﷺ، وسيظهر إن شاء الله المهدي ﵁ من نسله، ويكون خليفة الله في الأرض، ويكون الدين كله لله في عهده الشريف.
وأما السادس عشر والسابع عشر: فلأنه ينادي ألوف ألوف جيلًا بعد جيل في الأوقات الخمسة، بصوت رفيع في أقاليم مختلفة: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) . ويصلي عليه في الأوقات المذكورة الغير المحصورين من المصلين، والقراء يحفظون منشوره، والمفسرين يفسرون معاني فرقانه، والوعاظ يبلغون وعظه، والعلماء والسلاطين يصلون إلى خدمته، ويسلمون عليه من وراء الباب، ويمسحون وجوههم بتراب روضته ويرجون شفاعته.
ولا يصدق هذا الخبر في حق عيسى ﵇. كما يدعيه علماء بروتستنت ادعاء باطلًا، لأنهم يدعون أن الخبر المندرج، في الباب الثالث والخمسين من كتاب أشعيا، في حق عيسى ﵇، ووقع في هذا الخبر في حقه هكذا: (ليس له منظر وجمال ورأيناه ولم يكن له منظر واشتهيناه مهانًا، وآخر الرجال رجل الأوجاع مختبرًا بالأمراض، وكان مكتومًا وجهه ومزدولًا ولم نحسبه، ونحن
[ ٤ / ١١٥٢ ]
حسبناه كأبرص ومضروبًا من الله ومخضوعًا، والرب شاء أن يستحقه) .
وهذه الأوصاف ضد الأوصاف التي في الزبور المذكور، فلا يصدق عليه كونه حسنًا، ولا كونه قويًا. وكذا لا يصدق عليه كونه متقلدًا بالسيف، ولا كون نبله مسنونة، ولا انقياد الأغنياء، ولا إرسالهم إليه الهدايا، بل هو على زعم النصارى، أخذوه وأهانوه واستهزؤوا به، وضربوه بالسياط، ثم صلبوه. وما كان له زوجة ولا ابن، فلا يصدق دخول البنات في بيته، ولا كون أبنائه بدل آبائه رؤساء الأرض.
(فائدة) ترجمة الآية الثامنة التي نقلتها مطابقة للترجمة الفارسية للزبور كانت عندي، ولتراجم أردو للزبور، وموافقة لنقل مقدسهم بولس، لأنه نقل هذه الآية في الباب الأول من رسالته العبرانية. هكذا ترجمة عربية سنة ١٨٢١، وسنة ١٨٣١، وسنة ١٨٤٤: (أحببت البر وأبغضت الإثم، لذلك مسحك الله إلهك بدهن الفرح أفضل من أصحابك) . والتراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦، وسنة ١٨٢٨، وسنة ١٨٤١. وتراجم أردو المطبوعة سنة ١٨٣٩، وسنة ١٨٤٠، وسنة ١٨٤١. مطابقة للتراجم العربية. فالترجمة التي تكون مخالفة لما نقلت تكون غير صحيحة. ويكفي لردها إلزامًا كلام مقدسهم. وقد عرفت في مقدمة الباب الرابع أن
[ ٤ / ١١٥٣ ]
(البشارة السابعة)
إطلاق لفظ الإله والرب وأمثالهما، جاء على العوام فضلًا عن الخواص. والآية السادسة من الزبور الثاني والثمانين هكذا: (أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كلكم) . فلا يرد ما قال صاحب مفتاح الأسرار أنه وقع في الآية المذكورة هكذا: (أحببت البر وأبغضت الشر، من أجل ذلك يا الله مسح إلهك بدهن البهجة أفضل من رفقائك، ولا يقال لشخص غير المسيح يا الله مسح إلهك) الخ، لأنا لا نسلم أولًا: صحة ترجمته لكونها مخالفة لكلام مقدسهم. وثانيًا: لو قطعنا النظر عن عدم صحتها، أقول ادعاؤه صريح البطلان. لأن لفظ الله ههنا بالمعنى المجازي لا الحقيقي ويدل عليه قوله إلهك، لأن الإله الحقيقي لا إله له. فإذا كان بالمعنى المجازي يصدق في حق محمد ﷺ كما يصدق في حق عيسى ﵇.
(البشارة السابعة) في الزبور المائة والتاسع والأربعين هكذا: ١ (سبحوا الرب تسبيحًا جديدًا، سبحوه في مجمع الأبرار) ٢ (فليفرح إسرائيل بخالقه، وبنو صهيون يبتهجون بملكهم) ٣ (فليسبحوا اسمه بالمصاف بالطبل والمزمار يرتلوا له) ٤ (لأن الرب يسر بشعبه ويشرف المتواضعين بالخلاص) ٥ (تفتخر الأبرار بالمجد، ويبتهجون على مضاجعهم) ٦ (ترفيع الله في حلوقهم وسيوف ذات فمين في أياديهم) ٧ (انتقامًا في الأمم وتوبيخات في الشعوب) ٨ (ليقيدوا ملوكهم بالقيود وأشرافهم بأغلال من حديد ليضعوا بهم حكمًا مكتومًا) ٩ (هذا المجد يكون لجميع أبراره) .
[ ٤ / ١١٥٤ ]
(البشارة الثامنة)
ففي هذا الزبور عبر عن المبشر به بالملك وعن مطيعه بالأبرار، وذكر من أوصافهم افتخارهم بالمجد وترفيع الله في حلوقهم، وكون سيوف ذات فمين في أياديهم، وانتقامهم من الأمم وتوبيخاتهم للشعوب، وأسرهم الملوك والأشراف بالقيود والأغلال من حديد. فأقول المبشر به محمد ﷺ وأصحابه ﵃ ويصدق جميع الأوصاف المذكورة في هذا الزبور عليه وعلى أصحابه، وليس المبشر به سليمان ﵇ لأنه ما وسع مملكته على مملكة أبيه على زعم أهل الكتاب، ولأنه صار مرتدًا عابدًا الأصنام في آخر عمره على زعمهم، ولا عيسى ابن مريم ﵉ لأنه بمراحل عن الأوصاف المذكورة فيه لأنه أسر ثم قتل على زعمهم، وكذا أسر أكثر حواريه بالقيود والأغلال، ثم قتلوا بأيدي الملوك والأشراف الكفار.
(البشارة الثامنة) في الباب الثاني والأربعين من كتاب أشعيا هكذا: ٩ (التي قد كانت أولاها قد أتت وأنا مخبر أيضًا بأحداث قبل أن تحدث وأسمعكم إياها) ١٠ (سبحوا للرب تسبيحة جديدة حمده من أقاصي الأرض راكبين في البحر وملؤه الجزائر وسكانهن) ١١ (يرتفع البرية ومدتها في البيوت نحل قيدار سبحوا يا سكان الكهف من رؤوس الجبال يصيحون) ١٢ (يجعلون للرب كرامة وحمده يخبرون به في الجزائر) ١٣ (الرب كجبار، يخرج مثل
[ ٤ / ١١٥٥ ]
رجل مقاتل يهوش الغير يصوت ويصيح، على أعدائه يتقوى) ١٤ (سكت دائمًا صمت صبرت صبرًا فأتكلم مثل الطائفة ما بدد وابتلع معًا) ١٥ (أخرب الجبال والآكام وكل نباتهن أجفف واجعل الأنهار جزائر والبحيرات أجففهن) ١٦ (وأقيد العمى في طريف لم يعرفوها والسبل لم يعلموا أسيرهم فيها أصير أمامهم الظلمة نورًا والعقب سهلًا هذا الكلام صنعته لهم ولا أخذلهم) ١٧ (اندبروا إلى ورائهم والمتكلمون على المنحوتة القائلون للمسبوكة أنكم آلهتنا ليخزون خزيًا) . والآية السابعة عشر في الترجمة الفارسية هكذا: (كسانيكة برشكل تراشيده توكل دارند هزيمت وبشيماني تمام خواهند يافت) .
وظهر من الآية التاسعة أن أشعيا ﵇ أخبر أولًا عن بعض الأشياء، ثم يخبر عن الأخبار الجديدة الآتية في المستقبل، فالحال الذي يخبر عنه من هذه الآية إلى آخر الباب غير الحال الذي أخبر عنه قبلها، ولذلك قال في الآية الثالثة والعشرين هكذا: (من هو بينكم أن يسمع هذا يصغي ويسمع الآية) .
[ ٤ / ١١٥٦ ]
والتسبيحة الجديدة عبارة عن العبادة على النهج الجديد التي هي في الشريعة المحمدية، وتعميمها على سكان أقاصي الأرض وأهل الجزائر وأهل المدن والبراري، إشارة إلى عموم نبوته ﷺ، ولفظ قيدار أقوى إشارة إليه لأن محمدًا ﷺ في أولاد قيدار بن إسماعيل، وقوله من رؤوس الجبال يصيحون إشارة إلى العبادة المخصوصة التي تؤدى في أيام الحج، يصيح ألوف ألوف من الناس بلبيك اللهم لبيك، وقوله حمده يخبرون به في الجزائر إشارة إلى الآذان يخبر به ألوف ألوف في أقطار العالم في الأوقات الخمسة بالجهر، وقوله الرب كجبار يخرج مثل رجل مقاتل يهوش الغيرة يشير إلى مضمون الجهاد إشارة حسنة، بأن جهاده وجهاد تابعيه يكون لله وبأمره، خاليًا عن حظوظ الهوى النفسانية، ولذلك عبر الله عن خروج هذا النبي وخروج تابعيه بخروجه، وبين في الآية الرابعة عشر سبب مشروعية الجهاد وأشار في الآية السادسة عشر إلى حال العرب لأنهم كانوا غير واقفين على أحكام الله وكانوا يعبدون الأصنام وكانوا مبتلين بأنواع الرسوم القبيحة الجاهلية، كما قال الله تعالى في حقهم: ﴿وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ وقوله لا أخذلهم إشارة إلى كون أمته مرحومة ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ وإلى تأييد شريعته، وقوله والمتوكلون على المنحوتة القائلون للمسبوكة أنكم آلهتنا ليخزون خزيًا، وعد بأن عابدي الأصنام والأوثان كمشركي العرب وعابدي الصليب
[ ٤ / ١١٥٧ ]
(البشارة التاسعة)
وصور القديسين يحصل لهم الخزي والهزيمة التامة، ووفى بما وعد. فإن مشركي العرب وهرقل عظيم الروم وكسرى فارس ما قصروا في إطفاء النور الأحمدي لكنهم ما حصل لهم سوى الخزي التام وعاقبة الأمر، لم يبق أثر الشرك في إقليم العرب، وزالت دولة كسرى مطلقًا وزالت حكومة أهل الصليب من الشام مطلقًا.
وأما في الأقاليم الأخر، فمن بعضها انمحى أثره مطلقًا كبخارى وكابل وغيرهما، ومن بعضها قل كالهند والسند وغيرهما وانتشر التوحيد شرقًا وغربًا.
(البشارة التاسعة) في الباب الرابع والخمسين من كتاب أشعيا هكذا: ١ (سبحي أيتها العاقر التي لست تلدين انشدي بالحمد وهللي التي لم تلدي
[ ٤ / ١١٥٨ ]
من أجل أن الكثيرين من بني الوحشة أفضل من بني ذات رجل يقول الرب) ٢ (أوسعي موضع خيمتك وسرادق مضاربك ابسطي لا تشفقي طول حبالك ثبتي أوتادك) ٣ (لأنك تنفذين يمنة ويسرة وزرعك يرث الأمم ويعمر المدن الخربة) ٤ (لا تخافي لأنك لا تخزين ولا تخجلين فإنك لا تستحيين من أجل أنك خزي صبائك تنسين وعار ترملك لا تذكرين أيضًا) ٥ (فإنه يتولى عليك الذي صنعك رب الجنود اسمه وفاديك قدوس إسرائيل إله جميع الأرض يدعى) ٦ (إنما الرب دعاك مثل الامرأة المطلقة والحزينة الروح وزوجة منذ الصبا مرذولة قال إلهك) ٧ (الساعة في قليل تركتك وبرحمات عظيمة أجمعك) ٨ (في ساعة الغضب أخفيت قليلًا وجهي عنك وبالرحمة الأبدية رحمتك قال فاديك الرب) ٩ (مثلما في أيام نوح لي هذا الذي حلفت له أن لا أصب مياه نوح على الأرض، هكذا حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبخك) ١٠ (فإن الجبال ترتجف والتلال تتزلزل ورحمتي لا تزول عنك، وعهد سلامي لا يتحرك قال رحيمك الرب) ١١ (فقيرة مستأصلة بعاصف بلا تعزية ها أنا ذا أبلط بالرتبة حجارتك وأوئسسك بالسفير) ١٢ (وأجعل يسبا محاضك وأبوابك حجارة منقوشة وجميع حدودك الأحجار مشتهية) ١٣ (جميع بنيك متعلمين من الرب وكثرة السلام لبنيك) ١٤ (وبالبر تؤسسين فابتعدي من الظلم لأنك لا تخافين ومن الهيبة لأنها لا تقرب منك) ١٥ (ها يأتي الجار الذي لم يكن معي والذي قد كان قريبًا يقترب إليك) ١٦ (ها أنا ذا خلقت صائغًا الذي ينفخ في النار جمرًا ويخرج إناء لعمله وأنا خلقت
قتولًا للإهلاك) ١٧ (كل إناء مجبول ضدك لا ينجح وكل لسان يخالفك في القضاء تحكمين عليه هذا هو ميراث عبيد الرب وعدلهم
[ ٤ / ١١٥٩ ]
عندي يقول الرب) .
فأقول: المراد بالعاقر في الآية الأولى مكة المعظمة، لأنها لم يظهر منها نبي بعد إسماعيل ﵇ ولم ينزل فيها وحي، بخلاف أورشليم لأنه ظهر فيها الأنبياء الكثيرون، وكثر فيها نزول الوحي. وبني الوحشة عبارة عن أولاد هاجر لأنها كانت بمنزلة المطلقة المخرجة عن البيت ساكنة في البر، ولذلك وقع في حق إسماعيل في وعد الله هاجر (هذا سيكون إنسانًا وحشيًا) كما هو مصرح به في الباب السادس عشر من سفر التكوين.
[ ٤ / ١١٦٠ ]
وبنو ذات رجل عبارة عن أولاد سارة.
فخاطب الله مكة آمرًا لها بالتسبيح والتهليل وإنشاد الشكر، لأجل أن كثيرين من أولاد هاجر صاروا أفضل من أولاد سارة، فحصلت الفضيلة لها بسبب حصول الفضيلة لأهلها، ووفى بماوعد بأن بعث محمدًا ﷺ رسولًا أفضل البشر خاتم النبيين من أهلها في أولاد هاجر، وهو المراد بالصائغ الذي ينفخ في النار جمرًا، وهو القتول الذي خلق لإهلاك المشركين، وحصل لها السعة بواسطة هذا النبي وما حصل لغيرها من المعابد في الدنيا إذ لا يوجد معبد مثل الكعبة من ظهور محمد ﷺ إلى هذا الحين، والتعظيم الذي يحصل لها من القرابين في كل سنة من مدة ألف ومائتين وثمانين، لم يحصل لبيت المقدس إلا مرتين، مرة في عهد سليمان ﵇ لما فرغ من بنائه، ومرة في السنة الثامنة عشر من سلطنة يوشيا، ويبقى هذا التعظيم لمكة إلى آخر الدهر إن شاء الله كما وعد الله بقوله: (لا تخافي لأنك لا تخزين ولا تخجلين لأنك لا تستحين) وبقوله: (برحمات عظيمة أجمعك وبالرحمة الأبدية رحمتك) وبقوله: (حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبخك)، وبقوله: (رحمتي لا تزول عنك وعهد سلامي لا يتحرك)، وملك زرعها شرقًا وغربًا وورثوا الأمم وعمروا المدن في مدة قليلة لا تتجاوز اثنين وعشرين سنة من الهجرة، ومثل هذه الغلبة في مثل هذه
[ ٤ / ١١٦١ ]
المدة القليلة، لم يسمع من عهد آدم ﵇ إلى زمان محمد ﷺ لمن يدعي الدين الجديد.
وهذا مفاد قول الله، وزرعك يرث الأمم، ويعمر المدن الخربة سلاطين الإسلام سلفًا وخلفًا اجتهدوا اجتهادًا تامًا في بناء الكعبة والمسجد الحرام وتزيينهما، وحفر الآبار والبرك والعيون في مكة ونواحيها، ومن المدة الممتدة هذه الخدمة الجليلة متعلقة بسلاطين آل عثمان، غفر الله لأسلافهم ورضي الله عنهم وزاد الله إقبال أخلافهم ووسع مملكتهم في الجهات، ووفقهم للعدل والحسنات، فهم خدموا ويخدمون الحرمين المعظمين أدام الله شرفهما من هذه المدة إلى هذا الحين كما هي، حتى صار لقب خادم الحرمين الشريفين عندهم أشرف الألقاب وأعزها، والغرباء يحبون مجاورتها من ظهور الإسلام إلى هذا الحين، سيما في هذا الزمان، وألوف من الناس يصلون إليها في كل سنة من أقاليم مختلفة وديار بعيدة، ووفى بما وعد بقوله كل إناء مجبول بضدك لا ينجح، لأن كل شخص من المخالف قام بضدها أذله الله كما وقع بأصحاب الفيل، روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم لما ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي، بنى كنيسة بصنعاء
[ ٤ / ١١٦٢ ]
وسماها القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج وحلف أن يهدم الكعبة، فخرج بالحبشة ومعه فيل له اسمه محمود وكان قويًا عظيمًا وأفيال أخرى، فخرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى، وعبأ جيشه، وقدم الفيل فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول، فأرسل الله طيرًا مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر
[ ٤ / ١١٦٣ ]
(البشارة العاشرة)
من الحمصة، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا وهلكوا في كل طريق ومنهل، وذوى أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي، فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه
الحجر فخر ميتًا بين يديه، وقد أخبر الله عن حال هؤلاء في سورة الفيل وبحسب الوعد المذكور لا يدخل الأعور الدجال مكة ويرجع خائبًا كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
(البشارة العاشرة) في الباب الخامس والستين من كتاب أشعيا هكذا: ١ (طلبني الذين لم يسألوني قبل ووجدني الذين لم يطلبوني قلت ها أنا ذا إلى الأمة الذين لم يدعوا باسمي) ٢ (بسطت يدي طول النهار إلى شعب غير مؤمن الذي يسلك بطريق غير صالح وراء أفكارهم) ٣ (الشعب الذي يغضبني أمام وجهي دائمًا الذين يذبحون في البساتين ويذبحون على اللبن) ٤ (الذين يسكنون في القبور في مساجد الأوثان يرقدون الذين يأكلون لحم
[ ٤ / ١١٦٤ ]
الخنزير والمرق المنجس في آنيتهم) ٥ (الذين يقولون أبعد عني لا تقرب مني لأنك نجس هؤلاء يكونون دخانًا في رجزي نارًا متقدة طول النهار) ٦ (ها مكتوب قدامي لا أسكت بل أردوا كافي جزاء في حضنهم) . فالمراد بالذين لم يسألوني والذين لم يطلبوني العرب، لأنهم كانوا غير واقفين على ذات الله وصفاته وشرائعه، فما كانوا سائلين عن الله وطالبين له كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ . ولا يجوز أن يراد بهم اليونانيين كما عرفت في البشارة الثانية، والوصف المذكور في الآية الثانية والثالثة يصدق على كل واحد من اليهود والنصارى، والأوصاف المذكورة في الآية الرابعة
[ ٤ / ١١٦٥ ]
(البشارة الحادية عشر)
ألصق بحال النصارى، كما أن الوصف المذكور في الخامسة ألصق بحال اليهود فردهم الباري واختار الأمة المحمدية.
(البشارة الحادية عشر) في الباب الثاني من كتاب دانيال في حال الرؤيا التي رآها بختنصر ملك بابل ونسي، ثم بين دانيال ﵇ بحسب الوحي تلك الرؤيا وتفسيرها. ٣١: (فكنت أنت الملك ترى وإذ تمثال واحد جسيم وكان التمثال عظيمًا ورفيع القامة واقفًا قبالك ومنظره مخوفًا) ٣٢: (رأس هذا التمثال هو من ذهب إبريز والصدر والذراعان من فضة والبطن والفخذان من نحاس) ٣٣: (والساقان من حديد والقدمان قسم منهما من حديد وقسم منهما من خزف) ٣٤: (فكنت ترى هكذا حتى انقطع حجر من جبل لا بيدين وضرب التمثال في قدميه من حديد ومن خزف فسحقهما) ٣٥: (فانسحق حينئذ مع الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب وصارت كغبار البيدر في الصيف فذرتها الريح ولم يوجد لها مكان والحجر الذي قد ضرب التمثال صار جبلًا وملأ الأرض بأسرها) ٣٦: (فهذا هو الحلم وتنبئ أيضًا قدامك يا أيها الملك بتفسيره) ٣٧: (أنت هو ملك الملوك وإله السماء أعطاك الملك والقوة والسلطان والمجد) .
٣٨: (وجميع ما يسكن فيه بنو الناس ووحوش الحقل وأعطى بيدك طير السماء أيضًا وجعل جميع الأشياء تحت سلطانك فأنت هو الرأس من الذهب) ٣٩: (وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك من فضة ومملكة ثالثة أخرى من نحاس وتتسلط على جميع الأرض) ٤٠: (والمملكة الرابعة تكون مثل الحديد كما أن الحديد يسحق ويغلب الجميع هكذا هي تسحق وتكسر جميع هذه) ٤١: (أما فيما رأيت قسم القدمين وأصابعهما من الخزف الفاخوري وقسمًا من حديد تكون المملكة مفترقة وإن كان يخرج من نصبة الحديد حسبما رأيت الحديد
[ ٤ / ١١٦٦ ]
مختلطًا بالخزف من طين) ٤٢: (وأصابع القدمين قسم من حديد وقسم من خزف فتكون المملكة بقسم صلبة وبقسم مسحوقة) ٤٣: (فيما رأيت الحديد مختلطًا بالخزف من طين أنهم يختلطون بزرع بشري بل لا يتلاصقون مثل ما ليس بممكن أن يمتزج الحديد بالخزف) ٤٤: (فأما في أيام تلك الممالك يبعث إله السماء مملكة وهي لن تنقضي قط، ملكها لا يعطى لشعب آخر وهي تسحق وتفنى جميع هذه الممالك أجمعين وهي تثبت إلى الأبد) ٤٥: (وكما رأيت أن من جبل انقطع حجر لا بيدين وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب، فالإله العظيم أظهر للملك ما سيأتي من بعد والحلم هو حقيقي وتفسيره صحيح) .
[ ٤ / ١١٦٧ ]
فالمراد بالمملكة الأولى سلطنة بختنصر، وبالمملكة الثانية سلطنة المادئين الذين تسلطوا بعد قتل بلشاصر بن بختنصر كما هو مصرح به في الباب الخامس من الكتاب المذكور، وسلطنتهم كانت ضعيفة بالنسبة إلى سلطنة الكلدانيين، والمراد بالمملكة الثالثة سلطنة الكيانيين لأن قورش ملك إيران الذي هو بزعم القسيسين كيخسر وتسلط على بابل قبل ميلاد المسيح بخمسمائة وست وثلاثين سنة، ولما كان الكيانيون على السلطنة القاهرة فكأنهم كانوا متسلطين على جميع الأرض والمراد بالمملكة الرابعة سلطنة اسكندر بن فيلفوس الرومي الذي تسلط على ديار فارس قبل ميلاد المسيح بثلثمائة وثلاثين سنة، فهذا السلطان كان في القوة بمنزلة الحديد ثم جعل هذا السلطان سلطنة فارس منقسمة على طوائف الملوك فبقيت هذه السلطنة ضعيفة
[ ٤ / ١١٦٨ ]
(البشارة الثانية عشر)
إلى ظهور الساسانيين ثم صارت قوية بعد ظهورهم فكانت ضعيفة تارة وقوية تارة وتولد في عهد نوشيروان (محمد بن عبد الله) ﷺ وأعطاه الله السلطنة الظاهرية والباطنية وقد تسلط متبعوه في مدة قليلة شرقًا وغربًا وعلى جميع ديار فارس التي كانت هذه الرؤيا وتفسيرها متعلقين بها، فهذه هي السلطنة الأبدية التي لا تنقضي وملكها لا يعطى لشعب آخر وسيظهر كمالها عن قريب في زمان الإمام المهدي ﵁ لكن الوهن والضعف يقع قبل ظهوره بمدة قليلة كما يشاهد بعض علاماته الآن ثم يزول بظهوره ويكون الدين كله لله، فهذا الحجر الذي انقطع لا بيدين من جبل وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب وصار جبلًا عظيمًا وملأ الأرض بأسرها هو محمد ﷺ.
(البشارة الثانية عشر) نقل يهوذا الحواري في رسالته الخبر الذي تكلم
[ ٤ / ١١٦٩ ]
به أخنوخ الرسول الذي كان سابعًا من آدم ﵇ ومن عروجه إلى ميلاد المسيح مدة ثلاثة آلاف وسبع عشرة سنة على زعم مؤرخيهم. وأنا أنقل عبارته من الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤: (الرب قد جاء في ربواته المقدسة ليدائن الجميع ويبكت جميع المنافقين على كل أعمال نفاقهم التي نافقوا فيها وعلى كل الكلام الصعب الذي تكلم به ضد الله الخطاة المنافقون) وقد عرفت في مقدمة الباب الرابع أن استعمال لفظ الرب بمعنى المخدوم والمعلم شائع فلا حاجة إلى الإعادة، وأما لفظ المقدس أو القديس فيطلق في العهدين على المؤمن الموجود في الأرض إطلاقًا شائعًا.
[١] الآية الأولى من الباب الخامس من سفر أيوب هكذا: (فادع الآن أن كان لك مجيب وإلى أحد من القديسين التفت) فالمراد بالقديسين ههنا المؤمنون الموجودون على الأرض، أما عند علماء
[ ٤ / ١١٧٠ ]
بروتستنت فظاهروا ما عند علماء كاتلك فلأن مطهرهم الذي هو موضع آلام أرواح الصالحين إلى أن يحصل لها النجاة بمغفرة البابا، وجد بعد المسيح ﵇ ولم يكن في زمن أيوب.
[٢] والآية الثانية من الباب الأول من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس هكذا: (إلى جماعة الله التي بقورنثية المقدسين بيسوع المسيح المدعوين قديسين) الخ. فالمراد بالمقدسين والقديسين المؤمنون بالمسيح الموجودون في قورنثية.
[٣] والآية الثالثة عشر من الباب الثاني عشر من الرسالة الرومية هكذا: (مشاركين لحاجة القديسين) الخ.
[٤، ٥] في الباب الخامس عشر منها هكذا: (ولكن الآن أنا ذاهب إلى أورشليم لأخدم القديسين) ٢٦ (لأن أهل مكدونية واحائية استحسنوا أن يصنعوا توزيعًا لفقراء القديسين الذين في أورشليم
[ ٤ / ١١٧١ ]
فالمراد بالقديسين في الموضعين المؤمنون الموجودون في أورشليم.
[٦] والآية الأولى من الباب الأول من الرسالة إلى أهل فيلبسيوس هكذا: (من بولس وطيماثاوس عبدي يسوع المسيح إلى جميع القديسين بيسوع المسيح بفيلبسيوس) الخ. فالمراد بالقديسين ههنا المؤمنون الموجودون بفيلبسيوس) .
[٧] ووقع في الآية العاشرة من الباب الخامس من الرسالة الأولى إلى طيماثاوس في حال الشماسات هكذا: (غسلت أرجل القديسين) فالمراد بالقديسين ههنا المؤمنون الموجودون على الأرض بوجهين: الأول: أن القديسين الموجودون في السماء أرواح ليس لهم أرجل والثاني: أن الشماسات لا يمكنهن العروج إلى السماء وإذا عرفت استعمال لفظ الرب والمقدس أو القديس فأقول إن المراد بالرب محمد ﷺ وبالربوات المقدسة الصحابة والتعبير عن مجيئه بقد جاء لكونه أمرًا يقينيًا فجاء محمد ﷺ في ربواته المقدسة فدان الكفار، وبكت المنافقين والخطاة على أعمال النفاق وعلى أقوالهم القبيحة في الله ورسله، فبكت المشركين لعدم تسليم توحيد الله ورسالة رسله مطلقًا وعبادتهم الأصنام والأوثان، وبكت اليهود على تفريطهم في حق عيسى
[ ٤ / ١١٧٢ ]
(البشارة الثالثة عشر)
ومريم ﵉ وبعض عقائدهم الواهية، وبكت أهل التثليث مطلقًا على تفريطهم في توحيد الله وإفراطهم في حق عيسى ﵇، وبكت أكثرهم على عبادة الصليب والتماثيل وبعض عقائدهم الواهية.
(البشارة الثالثة عشر) في الباب الثالث من إنجيل متى هكذا: (وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية) ٢ (قائلًا توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات) . وفي الباب الرابع من إنجيل متى هكذا: ١٢ (ولما سمع يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى الجليل) ١٧ (من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات) ٢٣ (وكان يسوع يطوف كل الجليل ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت الخ) . وفي الباب السادس من إنجيل متى في بيان الصلاة التي علمها عيسى ﵇ تلاميذه هكذا: (ليأت ملكوتك) ولما أرسل الحواريين إلى البلاد الإسرائيلية للدعوة والوعظ، وصاهم بوصايا منها هذه الوصية أيضًا: (وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين أنه قد اقترب ملكوت السماوات) كما هو مصرح به في الباب العاشر من إنجيل متى
[ ٤ / ١١٧٣ ]
ووقع في الباب التاسع من إنجيل لوقا هكذا: ١ (ودعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم قوة وسلطانًا على جميع الشياطين وشفاء أمراض) ٢ (وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله يشفوا المرضى) . وفي الباب العاشر من إنجيل لوقا هكذا: (وبعد ذلك عين الرب سبعين آخرين أيضًا وأرسلهم) الخ (فقال لهم) الخ ٨ (وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم فكلوا مما يقدم لكم) ٩ (واشفوا المرضى الذين فيها وقولوا لهم قد اقترب منكم ملكوت الله) ١٠ (وأية مدينة دخلتموها ولم يقبلوكم فاخرجوا إلى شوارعها وقولوا) ١١ (حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم ولكن اعلموا هذا أنه قد اقترب منكم ملكوت الله) .
فظهر أن كلًا من يحيى وعيسى والحواريين والتلاميذ السبعين بشر بملكوت السماوات، وبشر عيسى ﵇ بالألفاظ التي بشر بها يحيى ﵇، فعلم أن هذا الملكوت كما لم يظهر في عهد يحيى ﵇ فكذلك لم يظهر في عهد عيسى ﵇ ولا في عهد الحواريين والسبعين بل كل منهم مبشر به ومخبر عن فضله ومترجّ لمجيئه، فلا يكون المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى ﵇، وإلا لما قاله عيسى ﵇ والحواريون والسبعون أن ملكوت السماوات قد اقترب، ولما علم التلاميذ أن يقولوا في الصلاة وليأت ملكوتك لأن هذه طريقة قد ظهرت بعد ادعاء عيسى ﵇ النبوة بشريعته، فهو عبارة عن طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد ﷺ،
[ ٤ / ١١٧٤ ]
فهؤلاء كانوا يبشرون بهذه الطريقة الجليلة، ولفظ ملكوت السماوات بحسب الظاهر يدل على أن هذا الملكوت يكون في صورة السلطنة لا في صورة المسكنة، وأن المحاربة والجدال فيه مع المخالفين يكونان لأجله، وأن مبنى قوانينه لا بد أن يكون كتابًا سماويًا، وكل من هذه الأمور يصدق على الشريعة المحمدية، وما قال العلماء المسيحية أن المراد بهذا الملكوت، شيوع الملة المسيحية في جميع العالم وإحاطتها كل الدنيا بعد نزول عيسى ﵇، فتأويل ضعيف خلاف الظاهر، ويرده التمثيلات المنقولة عن عيسى ﵇ في الباب الثالث عشر من إنجيل متى، مثلًا قال: (يشبه ملكوت السماوات إنسانًا زرع زرعًا جيدًا في حقله)، ثم قال: (يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله)، ثم قال: (يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع) .
فشبه ملكوت السماوات بإنسان زارع لا بنمو الزراعة وحصادها، وكذلك شبه بحبة خردل لا بصيرورتها شجرة عظيمة، وشبه بخميرة لا باختمار جميع الدقيق. وكذا يرد هذا التأويل قول عيسى ﵇ بعد بيان التمثيل المنقول في الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا: (لذلك أقول أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره) فإن هذا القول يدل على أن المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة نفسها لا شيوعها في جميع العالم وإحاطتها كل العالم، وإلا لا معنى لنزع
[ ٤ / ١١٧٥ ]
(البشارة الرابعة عشر)
(البشارة الخامسة عشر)
الشيوع والإحاطة من قوم وإعطائهما لقوم آخرين، فالحق أن المراد بهذا الملكوت هي المملكة التي أخبر عنها دانيال ﵇ في الباب الثاني من كتابه، فمصداق هذا الملكوت، وتلك المملكة نبوة محمد ﷺ والله أعلم وعلمه أتم.
(البشارة الرابعة عشر) في الباب الثالث عشر من إنجيل متى هكذا: ٣١ (قدم لهم مثلًا آخر قائلًا يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله) ٣٢ (وهي أصغر جميع البذور ولكن متى نمت فهي أكبر البقول وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتأوي في أغصانها)، فملكوت السماء طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد ﷺ، لأنه نشأ في قوم كانوا حقراء عند العالم لكونهم أهل البوادي غالبًا، وغير واقفين على العلوم والصناعات، محرومين عن اللذات الجسمانية والتكلفات الدنيوية سيما عند اليهود لكونهم من أولاد هاجر، فبعث الله منهم محمدًا ﷺ فكانت شريعته في ابتداء الأمر بمنزلة حبة خردل أصغر الشرائع بحسب الظاهر، لكنها لعمومها نمت في مدة قليلة وصارت أكبرها وأحاطت شرقًا وغربًا، حتى أن الذين لم يكونوا مطيعين لشريعة من الشرائع تشبثوا بذيل شريعته.
(البشارة الخامسة عشر) في الباب العشرين من إنجيل متى هكذا: ١ (فإن ملكوت السماوات يشبه رجلًا رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر
[ ٤ / ١١٧٦ ]
فعلة لكرمه) ٢ (فاتفق مع العملة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه) ٣ (ثم خرج نحو الساعة الثالثة، ورأى آخرين قيامًا في السوق بطالين) ٤ (فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم فمضوا) ٥ (وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك) ٦ (ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قيامًا بطالين فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين) ٧ (قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحد قال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم) ٨ (فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله ادع الفعلة وأعطهم الأجر مبتدئًا من الآخرين إلى الأولين) ٩ (فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة وأخذوا دينارًا دينارًا) ١٠ (فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا هم دينارًا دينارًا) ١١ (وفيما هم يأخذون تذمروا على رب البيت) ١٢ (قائلين هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر) ١٣ (فأجاب وقال لواحد منهم يا صاحب ما ظلمتك أما اتفقت معي على دينار) ١٤ (فخذ الذي لك واذهب فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك) ١٥ (أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بما لي أم عينك شريرة لأني أنا صالح) ١٦ (هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون) .
[ ٤ / ١١٧٧ ]
(البشارة السادسة عشر)
فالآخرون أمة محمد ﷺ فهم يقدمون في الأجر، وهم الآخرون الأولون كما قال النبي ﷺ: (نحن الآخرون السابقون) وقال: (إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي) .
(البشارة السادسة عشر) في الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا: ٣٣ (اسمعوا مثلًا آخر كان إنسان رب بيت غرس كرمًا وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجًا وسلمه إلى كرامين وسافر) ٣٤ (ولما قرب
[ ٤ / ١١٧٨ ]
وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين وسافر ليأخذ أثماره) ٣٥ (فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضًا وقتلوا بعضًا ورجموا بعضًا) ٣٦ (ثم أرسل أيضًا عبيدًا آخرين أكثر من الأولين ففعلوا بهم كذلك) ٣٧ (فأخبرا أرسل إليهم ابنه قائلًا يهابون ابني) ٣٨ (وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه) ٣٩ (فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه) ٤٠ (فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين) ٤١ (قالوا له أولئك الأردياء يهلكهم هلاكًا رديًا ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطونه الأثمار في أوقاتها) ٤٢ (قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب، الحجر الذي رفضه البناءون، هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا) ٤٣ (لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره) ٤٤ (ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه) ٤٥ (ولما سمع رؤساء الكهنة، والفريسيون أمثاله، عرفوا أنه تكلم عليهم) .
أقول: إن رب بيت كناية عن الله، والكرم كناية عن الشريعة، وإحاطته بسياج وحفر المعصرة فيه وبناء البرج، كنايات عن بيان المحرمات والمباحات والأوامر والنواهي، وأن الكرامين الطاغين كناية عن اليهود، كما فهم رؤساء الكهنة، والفريسيون، أنه تكلم عليهم، والعبيد المرسلين كناية عن الأنبياء ﵈، والابن كناية عن عيسى ﵇، وقد عرفت في الباب الرابع أنه لا بأس بإطلاق هذا اللفظ عليه، وقد قتله اليهود أيضًا في زعمهم. والحجر الذي رفضه البناءون كناية عن محمد ﷺ، والأمة
[ ٤ / ١١٧٩ ]
التي تعمل أثماره كناية عن أمته ﷺ، وهذا هو الحجر الذي كل من سقط عليه ترضض، وكل من سقط هو عليه سحقه، وما ادعى العلماء المسيحية بزعمهم، أن هذا الحجر عبارة عن عيسى ﵇، فغير صحيح لوجوه:
(الأول) أن داود ﵇، قال في الزبور المائة والثامن عشر هكذا: ٢٢ (الحجر الذي رذله البناءون هو صار رأسًا للزاوية) ٢٣ (من قبل الرب كانت هذه، وهي عجيبة في أعيننا) . فلو كان هذا الحجر عبارة عن عيسى ﵇ وهو من اليهود من آل يهوذا من آل داود ﵇، فأي عجب في أعين اليهود عمومًا لكون عيسى ﵇ رأس الزاوية سيما في عين داود ﵇ خصوصًا لأن مزعوم المسيحيين، أن داود ﵇ يعظم عيسى ﵇ في مزاميره تعظيمًا بليغًا، ويعتقد الألوهية في حقه بخلاف آل إسماعيل، لأن اليهود كانوا يحقرون أولاد إسماعيل غاية التحقير، وكان كون أحد منهم رأسًا للزاوية عجيبًا في أعينهم.
(والثاني) أنه وقع في وسط هذا الحجر كل من سقط على هذا الحجر ترضض، وكل من سقط هو عليه سحقه، ولا يصدق هذا الوصف على عيسى ﵇ لأنه قال: (وإن سمع أحد كلامي، ولم يؤمن، فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم) . كما هو في الباب الثاني عشر من إنجيل يوحنا، وصدقه على محمد ﷺ غير محتاج إلى البيان، لأنه كان مأمورًا بتنبيه الفجار الأشرار، فإن سقطوا عليه ترضضوا، وإن سقط هو عليهم سحقهم.
[ ٤ / ١١٨٠ ]
(البشارة السابعة عشر)
(الثالث) قال النبي ﷺ: (مثلي ومثل الأنبياء، كمثل قصر أحسن بنيانه، وترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار، يتعجبون من حسن بنيانه، إلا موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان، وختم بي الرسل) . ولما ثبتت نبوته بالأدلة الأخرى كما ذكرت نبذًا منها في المسالك السابقة، فلا بأس بأن استدل في هذه البشارة بقوله أيضًا.
(والرابع) أن المتبادر من كلام المسيح أن هذا الحجر غير الابن.
(البشارة السابعة عشر) في الباب الثاني من المشاهدات هكذا: ٢٦ (ومن يغلب، ويحفظ أعمالي إلى النهاية، فسأعطيه سلطانًا على الأمم) ٢٧ (فيرعاهم بقضيب من حديد، كما تكسر آنية من خزف، كما أخذت أيضًا من عند أبي) ٢٨ (وأعطيه كوكب الصبح) ٢٩ (من له أذن فليسمع ما يقول الروح بالكنائس) . فهذا الغالب الذي أعطى سلطانًا على الأمم، ويرعاهم بالقضيب من حديد،
[ ٤ / ١١٨١ ]
هو محمد ﷺ. كما قال الله في حقه: ﴿وينصرك الله نصرًا عزيزًا﴾ وقد سماه سطيح الكاهن صاحب الهراوة، روى أن ليلة ولادته ﷺ انشق إيوان كسرى أنو شروان، وسقط من ذلك أربع عشرة شرافة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغارت بحيرة ساوة بحيث صارت يابسة، ورأى الموبذان في نومه أن إبلًا صعابًا تقود خيلًا عرابًا فقطعت
[ ٤ / ١١٨٢ ]
دجلة وانتشرت في بلادها، فخاف كسرى من حدوث هذه الأمور وأرسل عبد المسيح إلى سطيح الكاهن الذي كان في الشام، ولما وصل عبد المسيح إليه، وجده في سكرات الموت فذكر هذه الأمور عنده، فأجاب سطيح: (إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست بابل للفرس مقامًا، ولا الشام لسطيح منامًا، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت) . ثم مات سطيح من ساعته، ورجع عبد المسيح، فأخبر أنو شروان بما قال سطيح، قال كسرى إلى أن يملك أربعة عشر ملكًا، كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان ﵁، فهلك آخرهم يزدجر في خلافته. والهراوة بكسر الهاء العصا الضخمة، وكوكب الصبح عبارة عن القرآن، قال الله تعالى في سورة النساء:
[ ٤ / ١١٨٣ ]
﴿وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا﴾، وفي سورة التغابن: ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا﴾ .
قال صاحب صولة الضيغم بعد نقل هذه البشارة، قلت للقسيسين ويت، ووليم عند المناظرة: إن صاحب هذا القضيب من حديد محمد ﷺ، فاضطربا بسماع هذا الأمر، وقالا: إن عيسى ﵇، حكم بهذا الكنيسة ثياثيرًا، فلا بد أن يكون ظهور مثل هذا الشخص هناك، ومحمد ﷺ ما راح هناك، قلت: هذه الكنيسة في أية ناحية كانت. فرجعا إلى كتب اللغة، وقالا: كانت في أرض الروم، قريبة من استانبول. قلت: راح أصحاب محمد
[ ٤ / ١١٨٤ ]
(البشارة الثامنة عشر)
ﷺ في خلافة الفاروق الأعظم، عمر ﵁، إلى هذه البلاد، وفتحوها، وبعد الصحابة، ﵃، كان المسلمون أيضًا متسلطين عليها في أكثر الأوقات، ثم تسلط سلاطين آل عثمان، أدام الله سلطنتهم من المدة المديدة، وهم متسلطون إلى هذا الحين، فهذا الخبر صريح في حق محمد، ﷺ، انتهى كلامه.
قلت: الفاضل عباس علي الجاجموي الهندي، صنف أولًا كتابًا، كبيرًا في رد أهل التثليث، وسماه صولة الضيغم على أعداء ابن مريم، ثم ناظر هو ﵀ ويت، ووليم القسيسين في البلد كانفور من بلاد الهند وألزمهما، ثم اختصر كتابه، وسمىّ المختصر خلاصة صولة الضيغم، ومناظرته كانت قبل أن ناظر صاحب ميزان الحق في أكبر آباد بمقدار اثنتين وعشرين سنة.
(البشارة الثامنة عشر) وهذه البشارة واقعة في آخر أبواب إنجيل يوحنا، وأنا أنقل عن التراجم العربية المطبوعة سنة ١٨٢١ وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤ في بلدة لندن، فأقول: في الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ١٥ (إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي) ١٦ (وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد) ١٧ (روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه لأنه مقيم عندكم وهو ثابت فيكم) ٢٦ (والفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلته لكم) ٣٠ (والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون) .
[ ٤ / ١١٨٥ ]
وفي الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (فأما إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينبثق هو يشهد لأجلي) ٢٧ (وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء) . وفي الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ٧ (لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن انطلق لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فأما إن انطلقت أرسلته إليكم) ٨ (فإذا جاء ذاك فهو يوبخ العالم على خطية وعلى بر وعلى حكم) ٩ (أما على الخطية فلأنهم لم يؤمنوا بي) ١٠ (وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب ولستم ترونني بعد) ١١ (وأما على الحكم فإن أركون هذا العالم قد دين) ١٢ (وأن لي كلامًا كثيرًا أقوله لكم ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن) ١٣ (وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يعلمكم جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي) ١٤ (وهو يمجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم) ١٥ (جميع ما هو الأب فهو لي فمن أجل هذا قلت أن مما هو لي يأخذ ويخبركم) .
[ ٤ / ١١٨٦ ]
وأنا أقدم قبل بيان وجه الاستدلال بهذه العبارات أمرين:
الأمر الأول: أنك قد عرفت في الأمر السابع، أن أهل الكتاب سلفًا وخلفًا عادتهم أن يترجموا غالبًا الأسماء، وأن عيسى ﵇ كان يتكلم باللسان العبراني لا باليوناني، فإذًا لا يبقى شك في أن الإنجيلي الرابع ترجم اسم المبشر به باليوناني بحسب عادتهم، ثم مترجمو العربية عربوا اللفظ اليوناني بفارقليط، وقد وصلت إلى رسالة صغيرة في لسان أردو من رسائل القسيسين في سنة ألف ومائتين وثمان وستين من الهجرة، وكانت هذه الرسالة طبعت في كلكته وكانت في تحقيق لفظ فارقليط، وادعى مؤلفها أن مقصوده أن ينبه المسلمين على سبب وقوعهم في الغلط من لفظ فارقليط، وكان ملخص كلامه: (أن هذا اللفظ معرب من اللفظ اليوناني فإن قلنا أن هذا اللفظ اليوناني الأصل باراكلي طوس فيكون بمعنى المعزي والمعين والوكيل، وإن قلنا أن اللفظ الأصل بيركلو طوس يكون قريبًا من معنى محمد وأحمد، فمن استدل من علماء الإسلام بهذه البشارة فهم أن اللفظ الأصل بيركلو طوس ومعناه قريب من معنى محمد وأحمد، فادعى أن عيسى ﵇ أخبر بمحمد أو أحمد لكن الصحيح أنه باراكلي طوس) انتهى ملخصًا من كلامه.
فأقول أن التفاوت بين اللفظين يسير جدًا وأن الحروف اليونانية كانت متشابهة، فتبدل بيركلو طوس بياراكلي طوس في بعض النسخ من الكاتب قريب القياس، ثم رجح أهل التثليث المنكرين هذه النسخة على النسخ الأخر، ومن تأمل في الباب الثاني من هذا الكتاب والأمر السابع من هذا المسلك
[ ٤ / ١١٨٧ ]
السادس بنظر الإنصاف، اعتقد يقينًا بأن مثل هذا الأمر من أهل الديانة من أهل التثليث ليس ببعيد، بل لا يبعد أن يكون من المستحسنات.
والأمر الثاني: أن البعض ادعوا قبل ظهور محمد ﷺ، أنهم مصاديق لفظ، فارقليط مثلًا منتنس المسيحي الذي كان في القرن الثاني من الميلاد، وكان مرتاضًا شديدًا وأتقى عهده، ادعى في قرب سنة ١٧٧ من الميلاد في آسيا الصغير الرسالة وقال إني هو الفارقليط الموعود به الذي وعد بمجيئه عيسى ﵇ وتبعه أناس كثيرون في ذلك كما هو مذكور في بعض التواريخ.
وذكر وليم ميور حاله وحال متبعيه في القسم الثاني من الباب الثالث من تاريخه بلسان أردو المطبوع سنة ١٨٤٨ من الميلاد هكذا: (أن البعض قالوا أنه ادعى أني فارقليط يعني المعزي روح القدس وهو كان أتقى ومرتاضًا شديدًا ولأجل ذلك قبله الناس قبولًا زائدًا) انتهى كلامه. فعلم أن انتظار فارقليط كان في القرون الأولى المسيحية أيضًا ولذلك كان الناس يدعون مصاديقه وكان المسيحيون يقبلون دعاويهم. وقال صاحب لب التواريخ: (أن اليهود والمسيحيين من معاصري محمد ﷺ كانوا منتظرين لنبي فحصل لمحمد من هذا الأمر نفع عظيم لأنه ادعى أني هو ذاك المنتظر) انتهى ملخص كلامه.
فيعلم من كلامه أيضًا أن أهل الكتاب كانوا منتظرين لخروج نبي في زمان النبي ﷺ، وهو الحق لأن النجاشي ملك الحبشة لما وصل إليه كتاب محمد ﷺ (فقال أشهد بالله أنه للنبي الذي ينتظره أهل الكتاب) وكتب
[ ٤ / ١١٨٨ ]
الجواب وكتب في الجواب (أشهد أنك رسول الله صادقًا ومصدقًا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك أي جعفر بن أبي طالب، وأسلمت على يديه لله رب العالمين) وهذا النجاشي قبل الإسلام كان نصرانيًا، وكتب المقوقس ملك القبط في جواب كتاب النبي ﷺ هكذا: (لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعوا إليه، وقد علمت أن نبيًا قد بقي وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك) والمقوقس هذا وإن لم يسلم لكنه أقر في كتابه أني قد علمت أن نبيًا قد بقي وكان نصرانيًا، فهذان الملكان ما كانا يخافان في ذلك الوقت من محمد ﷺ لأجل شوكته الدنيوية، وجاء الجارود بن العلاء في قومه إلى رسول الله ﷺ فقال: والله لقد
[ ٤ / ١١٨٩ ]
جئت بالحق ونطقت بالصدق، والذي بعثك بالحق نبيًا لقد وجدت وصفك في الإنجيل وبشر بك ابن البتول فطول، التحية لك والشكر لمن أكرمك، لا أثر بعد عين ولا شك بعد يقين، مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله)، ثم آمن قومه وهذا الجارود كان من علماء النصارى وقد أقر بأنه قد بشر بك ابن البتول أي عيسى ﵇، فظهر أن المسيحيين أيضًا كانوا منتظرين لخروج نبي بشر به عيسى ﵇، فإذا علمت ذلك فأقول أن اللفظ العبراني الذي قاله عيسى ﵇ مفقود، واللفظ اليوناني الموجود ترجمة، لكني أترك البحث عن الأصل، وأتكلم على هذا اللفظ اليوناني الأصل بيركلو طوس فالأمر ظاهر، وتكون
بشارة المسيح في حق محمد ﷺ بلفظ هو قريب من محمد، وأحمد، وهذا وإن كان قريب القياس بلحاظ عاداتهم لكني أترك هذا الاحتمال، لأنه لا يتم عليهم إلزامًا وأقول إن كان اللفظ اليوناني الأصل بارا كلي طوس كما يدعون فهذا لا ينافي الاستدلال أيضًا، لأن
[ ٤ / ١١٩٠ ]
معناه المعزي، والمعين، والوكيل، على ما بين صاحب الرسالة، أو الشافع، كما يوجد في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦، وهذه المعاني كلها تصدق على محمد ﷺ. وأنا أبين الآن أولًا أن المراد بفارقليط النبي المبشر به أعني محمدًا ﷺ لا الروح النازل على تلاميذ عيسى ﵇ يوم الدار، الذي جاء ذكره في الباب الثاني من كتاب الأعمال. وأذكر ثانيًا شبهات العلماء المسيحية وأجيب عنها فأقول:
أما الأول: فيدل عليه أمور:
[١] أن عيسى ﵇ قال: (أولًا، إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي) ثم أخبر عن فارقليط فمقصوده ﵇، أن يعتقد السامعون بأن ما يلقى عليهم يعد ضروري واجب الرعاية، فلو كان فارقليط عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كانت الحاجة إلى هذه الفقرة، لأنه ما كان مظنونًا أن يستبعد الحواريون نزول الروح عليهم مرة أخرى، لأنهم كانوا مستفيضين به من قبل أيضًا، بل لا مجال للاستبعاد أيضًا لأنه إذا نزل على قلب أحد وحل فيه يظهر أثره لا محالة ظهورًا بينًا، فلا يتصوّر إنكار المتأثر منه وليس ظهوره عندهم في صورة يكون فيه مظنة يكون الاستبعاد، فهو عبارة عن النبي المبشر به، فحقيقة الأمر أن المسيح ﵇ لما علم بالتجربة وبنور النبوّة أن الكثيرين من أمته ينكرون النبي المبشر به عند ظهوره، فأكد أولًا بهذه الفقرة ثم أخبر عن مجيئه.
[ ٤ / ١١٩١ ]
[٢] أن هذا الروح متحد بالأب مطلقًا وبالابن، نظرًا إلى لاهوته اتحادًا حقيقيًا فلا يصدق في حقه (فارقليط آخر) بخلاف النبي المبشر به فإنه يصدق هذا القول في حقه بلا تكلف.
[٣] أن الوكالة والشفاعة من خواص النبوّة لا من خواص هذا الروح المتحد بالله، فلا يصدقان على الروح ويصدقان على النبي المبشر به بلا تكلف.
[٤] أن عيسى ﵇ قال: (هو يذكركم كل ما قلته لكم) . ولم يثبت من رسالة من رسائل العهد الجديد، أن الحواريين كانوا قد نسوا ما قاله عيسى ﵇، وهذا الروح النازل يوم الدار ذكرهم إياه.
[٥] أن عيسى ﵇ قال: (والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون) . وهذا يدل على أن المراد به ليس الروح لأنك قد عرفت في الأمر الأول أنه ما كان عدم الإيمان مظنونًا منهم وقت نزوله، بل لا مجال للاستبعاد أيضًا، فلا حاجة إلى هذا القول، وليس من شأن الحكيم العاقل أن يتكلم بكلام فضول فضلًا عن شأن النبي العظيم الشأن، فلو أردنا به النبي المبشر به يكون هذا الكلام في محله، وفي غاية الاستحسان لأجل التأكيد مرة ثانية.
[٦] أن عيسى ﵇ قال: (هو يشهد لأجلي) . وهذا الروح ما شهد لأجله بين يدي أحد، لأن تلاميذه الذين نزل عليهم ما كانوا محتاجين إلى الشهادة، لأنهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة قبل نزوله أيضًا، فلا فائدة للشهادة بين أيديهم، والمنكرون الذين كانوا محتاجين للشهادة فهذا الروح ما شهد بين أيديهم بخلاف محمد ﷺ فإنه شهد لأجل المسيح عليه [ص ٢٨٤] السلام وصدقه وبرأه عن ادعاء الألوهية، الذي هو أشد أنواع
[ ٤ / ١١٩٢ ]
الكفر والضلال، وبرأ أمه عن تهمة الزنا، وجاء ذكر براءتهما في القرآن في مواضع متعددة، وفي الأحاديث في مواضع غير محصورة.
[٧] أن عيسى ﵇ قال: (وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء، وهذه الآية في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦ هكذا: (وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم كنتم معي من الابتداء) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ هكذا: (وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الابتداء) فيوجد في هذه التراجم الثلاث لفظ أيضًا، وكذا يوجد في التراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٢٨ وسنة ١٨٤١ وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨١٤ ترجمة لفظ أيضًا، فلفظ أيضًا سقط من التراجم التي نقلت عنها عبارة يوحنا سهوًا أو قصدًا، فهذا القول يدل دلالة ظاهرة على أن شهادة الحواريين غير شهادة فارقليط، فلو كان المراد به الروح النازل يوم
[ ٤ / ١١٩٣ ]
الدار فلا توجد مغايرة الشهادتين، لأن الروح المذكور لم يشهد شهادة مستقلة غير شهادة الحواريين، بل شهادة الحواريين هي شهادته بعينها، لأن هذا الروح مع كونه إلهًا متحدًا بالله اتحادًا حقيقيًا بريًا من النزول والحلول والاستقرار والشكل التي هي من عوارض الجسم والجسمانيات، نزل مثل ريح عاصفة وظهر في أشكال ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم يوم الدار، فكان حالهم كحال من عليه أثر الجن، فكما أن قول الجن يكون قوله في تلك الحالة فكذلك كانت شهادة الروح هي شهادة الحواريين، فلا يصح هذا القول بخلاف ما إذا كان المراد به النبي المبشر به، فإن شهادته غير شهادة الحواريين.
[٨] أن عيسى ﵇ قال: (إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فأما إن انطلقت أرسلته إليكم) . فعلق مجيئه بذهابه وهذا الروح عندهم نزل على الحواريين في حضوره لما أرسلهم إلى البلاد الإسرائيلية، فنزوله ليس بمشروط بذهابه، فلا يكون مرادًا بفارقليط، بل المراد به شخص لم يستفض منه أحد من الحواريين قبل زمان صعوده، وكان مجيئه موقوفًا على ذهاب عيسى ﵇، ومحمد ﷺ كان كذلك، لأنه جاء بعد ذهاب عيسى ﵇، وكان مجيئه موقوفًا على ذهاب عيسى ﵇، لأن وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلتين في زمان واحد غير جائز، بخلاف ما إذا كان الآخر متبعًا لشريعة الأول أو يكون كل من الرسل متبعًا لشريعة واحدة، لأنه يجوز في هذه الصورة وجود اثنين أو أكثر في زمان واحد ومكان واحد، كما ثبت وجودهم ما بين زمان موسى ﵇ وعيسى ﵇.
[ ٤ / ١١٩٤ ]
[٩] أن عيسى ﵇ قال: (يوبخ العالم) . فهذا القول بمنزلة النص الجلي لمحمد ﷺ، لأنه وبخ العالم سيما اليهود على عدم إيمانهم بعيسى ﵇ توبيخًا لا يشك فيه إلا معاند بحت، وسيكون ابنه الرشيد محمد المهدي رفيقًا لعيسى ﵇ في زمان قتل الدجال الأعور ومتابعيه، بخلاف الروح النازل يوم الدار، فإن توبيخه لا يصح على أصول أحد، وما كان التوبيخ منصب الحواريين بعد نزوله أيضًا، لأنهم كانوا يدعون إلى الملة بالترغيب والوعظ، وما قال رانكين في كتابه المسمى بدافع البهتان الذي هو بلسان أردو في رده على خلاصة صولة الضيغم: (إن لفظ التوبيخ لا يوجد في الإنجيل ولا في ترجمة من تراجم الإنجيل، وهذا المستدل أورد هذا اللفظ ليصدق على محمد صدقًا بينًا لأجل أن محمد ﷺ وبخ وهدد كثيرًا، إلا أن مثل هذا التغليط ليس من شأن المؤمنين والخائفين من الله) انتهى كلامه فمردوده. وهذا القسيس إما جاهل غالط أو مغلط ليس له إيمان ولا خوف من الله، لأن هذا اللفظ يوجد في التراجم العربية المذكورة التي نقلت عنها عبارة يوحنا، وفي الترجمة المطبوعة ١٦٧١ في الرومية العظمى، وعبارة الترجمة العربية المطبوعة في بيروت سنة ١٨٦٠ هكذا: (ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية الخ) .
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٢٥، وفي التراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٢٨ وسنة ١٨٤١ يوجد لفظ الإلزام، ولفظ التبكيت والإلزام أيضًا قريبان من التوبيخ لكن لا شكاية منه، لأن مثل هذا الأمر من عادات علماء بروتستنت ولذلك ترى أن مترجمي
[ ٤ / ١١٩٥ ]
الفارسية وأردو تركوا لفظ فارقليط لشهرته عند المسلمين في حق محمد ﷺ، ومترجم ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٣٩ فإن هؤلاء أسلافه أيضًا، حيث أرجع إلى الروح ضمائر المؤنث ليحصل الاشتباه للعوام أن مصداق هذا اللفظ مؤنث وليس بمذكر.
[١٠] قال عيسى ﵇: (أما على الخطية فلأنهم لم يؤمنوا بي) وهذا يدل على أن فارقليط يكون ظاهرًا على منكري عيسى ﵇ موبخًا لهم على عدم الإيمان به، والروح النازل يوم الدار ما كان ظاهرًا على الناس موبخًا لهم.
[١١] قال عيسى ﵇: (إن لي كلامًا كثيرًا أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن) . وهذا ينافي إرادة الروح النازل يوم الدار لأنه ما زاد حكمًا على أحكام عيسى ﵇، لأنه على زعم أهل التثليث كان أمر الحواريين بعقيدة التثليث وبدعوة أهل العالم كله، فأي أمر حصل لهم أزيد من أقواله التي قال لهم إلى زمان صعوده. نعم بعد نزول هذا الروح، أسقطوا جميع أحكام التوراة التي هي ما عدا بعض الأحكام العشرة المذكورة في الباب العشرين من سفر الخروج، وحللوا جميع المحرمات وهذا الأمر لا يجوز في حقه أن يقال أنهم ما كانوا يستطيعون حمله، لأنهم استطاعوا حمل سقوط حكم تعظيم السبت الذي هو أعظم أحكام التوراة، الذي كان اليهود ينكرون كون عيسى ﵇ مسيحًا موعودًا به لأجل عدم مراعاته هذا الحكم، فقبول سقوط جميع الأحكام كان أهون عندهم، نعم قبول زيادة الأحكام لأجل ضعف الإيمان، وضعف القوة إلى زمان صعوده كما يعترف به علماء بروتستنت،
[ ٤ / ١١٩٦ ]
كان خارجًا عن استطاعتهم. فظهر أن المراد بفارقليط نبي تزاد في شريعته أحكام بالنسبة إلى الشريعة العيسوية ويثقل حملها على المكلفين الضعفاء وهو محمد ﷺ.
[١٢] أن عيسى ﵇ قال: (ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع) .
وهذا يدل على أن فارقليط يكون بحيث يكذبه بنو إسرائيل، فاحتاج عيسى ﵇ أن يقرر حال صدقه فقال هذا القول، ولا مجال لمظنة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار، على أن هذا الروح عندهم عين الله فلا معنى لقوله بل يتكلم بما يسمع. فمصداقه محمد ﷺ، فإنه كان في حقه مظنة التكذيب وليس هو عين الله وكان يتكلم بما يوحى إليه كما قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقال: ﴿إن اتبع إلا ما يوحى إليَّ﴾ .
[١٣] أن عيسى ﵇ قال: (أنه يأخذ مما هو لي) . وهذا لا يصدق على الروح، لأنه عند أهل التثليث قديم وغير مخلوق وقادر مطلق ليس له كمال منتظر بل كل كمال من كمالاته حاصل له بالفعل، فلا بد أن يكون الموعود به من الجنس الذي يكون له كمال منتظر، ولما كان هذا الكلام موهمًا أن يكون هذا النبي مطيعًا لشريعته، دفعه بقوله فيما بعد:
[ ٤ / ١١٩٧ ]
(الشبهة الأولى)
(جميع ما للأب فهو لي فلأجل هذا قلت مما هو لي يأخذ) . يعني أن كل شيء يحصل لفارقليط من الله فكأنه يحصل مني، كما اشتهر من كان لله كان الله له، فلأجل هذا قلت أن مما هو لي يأخذ.
وأما الثاني أعني الشبهات التي توردها علماء بروتستنت فخمسة:
الشبهه على البشارة الثامنة عشر:
(الشبهة الأولى) جاء في هذه العبارة تفسير فارقليط بروح القدس وروح الحق وهما عبارتان عن الأفنوم الثالث، فكيف يصح أن يراد بفارقليط محمد ﷺ أقول في الجواب: أن صاحب ميزان الحق يدعي في تأليفاته كون ألفاظ روح الله وروح القدس وروح الحق وروح الصدق وروح فم الله بمعنى واحد، وقال في الفصل الأول من الباب الثاني من مفتاح الأسرار في الصفحة ٥٣ من النسخة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٥٠: (أن لفظ روح الله ولفظ روح القدس في التوراة والإنجيل بمعنى واحد) انتهى. فادعى أن هذين اللفظين يستعملان بمعنى واحد في العهدين وقال في حل الإشكال في جواب كشف الأستار: (من له شعور ما بالتوراة والإنجيل فهو يعرف أن ألفاظ روح القدس وروح الحق وروح فم الله وغيرها بمعنى روح الله فلذلك ما رأيت إثباته ضروريًا) انتهى. فإذا عرفت هذا القول نحن نقطع النظر عن صحة ادعائه وعدم صحته ههنا ونسلم ترادف هذه الألفاظ على زعمه لكنا ننكر أن استعمالها في كل موضع من مواضع العهدين بمعنى الأقنوم الثالث ونقول قولًا مطابقًا
[ ٤ / ١١٩٨ ]
لقوله من له شعور ما بكتب العهدين، يعرف أن هذه الألفاظ تستعمل في غير الأقنوم كثيرًا، في الآية الرابعة عشر من الباب السابع والثلاثين من كتاب حزقيال قول الله تعالى في خطاب ألوف من الناس الذين أحياهم بمعجزة حزقيال ﵇ هكذا: (فأعطى فيكم روحي) .
ففي هذا القول روح الله بمعنى النفس الناطقة الإنسانية لا بمعنى الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم، وفي الباب الرابع من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا ترجمة عربية سنة ١٧٦٠: ١ (أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأن الأنبياء الكذبة كثيرون قد خرجوا إلى العالم) ٢ (بهذا تعرفون روح الله، كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله) ٦ (نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا، ومن ليس من الله لا يسمع لنا، من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال) . وهذه الجملة الواقعة في الآية الثانية: (بهذا تعرفون روح الله) .
وفي التراجم الأخر هكذا ترجمة عربية سنة ١٨٢١، وسنة ١٨٣١، وسنة ١٨٤٤: (وبهذا يعرف روح الله) . ترجمة عربية سنة ١٨٢٥: (فإنكم تميزون روح الله ولفظ روح الله في الآية الثانية، ولفظ روح الحق في الآية السادسة، بمعنى الواعظ الحق لا بمعنى الأقنوم الثالث، ولذلك ترجم مترجم ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٤٥ لفظ كل روح بكل واعظ، ولفظ الأرواح
[ ٤ / ١١٩٩ ]
(الشبهة الثانية)
(الشبهة الثالثة)
بالواعظين في الآية الأولى ولفظ روح في الآية الثانية بالواعظ من جانب الله، ولفظ روح الحق في الآية السادسة بالواعظ الصادق، وترجم لفظ روح الضلال بالواعظ المضل، وليس المراد بروح الله وروح الحق الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم وهو ظاهر فتفسير فارقليط بروح القدس وروح الحق لا يضرنا لأنهما بمعنى الواعظ الحق، كما أن لفظ روح الحق وروح الله بهذا المعنى في الرسالة الأولى ليوحنا، فيصح إطلاقهما على محمد ﷺ بلا ريب.
(الشبهة الثانية) أن المخاطبين بضميرهم الحواريون، فلا بد أن يظهر فارقليط في عهدهم، ومحمد ﷺ لم يظهر في عهدهم، أقول هذا أيضًا ليس بشيء، لأن منشأه أن الحاضرين وقت الخطاب لا بد أن يكونوا مراضين بضمير الخطاب وهو ليس بضروري في كل موضع، ألا ترى أن قول عيسى ﵇ في الآية الرابعة والستين من الباب السادس والعشرين من إنجيل متى في خطاب رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع هكذا: (وأيضًا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء) . وهؤلاء المخاطبون قد ماتوا ومضت على موتهم مدة هي أزيد من ألف وثمانمائة سنة، وما رأوه آتيًا على سحاب السماء، فكما أن المراد بالمخاطبين ههنا الموجودون من قومهم وقت نزوله من السماء، فكذلك فيما نحن فيه المراد الذين يوجدون وقت ظهور فارقليط.
(الشبهة الثالثة) أنه وقع في حق فارقليط أن العالم لا يراه ولا يعرفه، وأنتم تعرفونه وهو لا يصدق على محمد ﷺ، لأن الناس رأوه وعرفوه
[ ٤ / ١٢٠٠ ]
أقول هذا أيضًا ليس بشيء، وهم أحوج الناس تأويلًا في هذا القول بالنسبة إلينا، لأن روح القدس عين الله عندهم والعالم يعرف الله أكثر من معرفة محمد ﷺ، فلا بد أن نقول أن المراد بالمعرفة المعرفة الحقيقية الكاملة، ففي صورة التأويل لا اشتباه في صدق هذا القول على محمد ﷺ، ويكون المقصود أن العالم لا يعرفه معرفة حقيقية كاملة، وأنتم تعرفونه معرفة حقيقية كاملة، والمراد بالرؤية المعرفة، ولذا لم يعد عيسى ﵇ لفظ الرؤية بعد لفظ أنتم بل قال وأنتم تعرفونه.
ولو حملنا الرؤية على الرؤية البصرية يكون نفي الرؤية محمولًا على ما هو المراد في قول الإنجيلي الأول في الباب الثالث عشر من إنجيله، وأنقل عبارته عن الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٢٥: ١٣ (فلذلك أضرب لهم الأمثال لأنهم ينظرون ولا يبصرون، ويسمعون ولا يستمعون ولا يفهمون) ١٤ (وقد كمل فيهم تنبأ أشعيا حيث قال إنكم تستمعون سمعًا ولا تفهمون وتنظرون نظرًا ولا تبصرون) . فلا إشكال أيضًا وأمثال هذين الأمرين وإن كانت معاني مجازية لكنها بمنزلة الحقيقة العرفية. ووقعت في كلام عيسى ﵇ كثيرًا: في الآية السابعة والعشرين من الباب الحادي عشر من إنجيل متى هكذا: (وليس أحد يعرف الابن إلا الأب ولا أحد يعرف الأب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له) .
[ ٤ / ١٢٠١ ]
(الشبهة الرابعة)
وفي الآية الثامنة والعشرين من الباب السابع من إنجيل يوحنا هكذا: (الذي أرسلني حق الذي أنتم لستم تعرفونه) .
وفي الباب الثامن من إنجيل يوحنا هكذا: (لستم تعرفوني أنا ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا) ٥٥ (ولستم تعرفونه أي الله) الخ.
وفي الآية الخامسة والعشرين من الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (أيها الأب إن العالم لم يعرفك أما أنا فعرفتك) .
وفي الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ٧ (لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه) ٨ (قال له فيلبس يا سيد أرنا الأب وكفانا) ٩ (قال له يسوع أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الأب، فكيف تقول أنت أرنا الأب) .
فالمراد في هذه الأقوال بالمعرفة المعرفة الكاملة وبالرؤية المعرفة، وإلا لا تصح هذه الأقوال يقينًا، لأن العوام من الناس كانوا يعرفون عيسى ﵇ فضلًا عن رؤساء اليهود، والكهنة، والمشايخ، والحواريين، ورؤية الله بالبصر في هذا العالم ممتنعة عند أهل التثليث أيضًا.
(الشبهة الرابعة) أنه وقع في حق فارقليط: (أنه مقيم عندكم، وثابت فيكم) . ويظهر من هذا القول أن فارقليط كان في وقت الخطاب مقيمًا عند الحواريين، وثابتًا فيهم، فكيف يصدق على محمد ﷺ.
أقول: إن هذا القول في التراجم الأخرى هكذا ترجمة عربية سنة
[ ٤ / ١٢٠٢ ]
١٨١٦، وسنة ١٨٢٥: (لأنه مستقر معكم، وسيكون فيكم) . والتراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦، وسنة ١٨٢٨، وسنة ١٨٤١. وترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨١٤، وسنة ١٨٣٩، كلها مطابقة لهاتين الترجمتين، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ هكذا: (ماكث معكم، ويكون فيكم) . فظهر أن المراد بقوله ثابت فيكم الثبوت الاستقبالي يقينًا، فلا اعتراض به لوجه من الوجوه، وبقي قوله مقيم عندكم فأقول: لا يصح حمل هذا القول على معنى هو مقيم عندكم الآن، لأنه ينافي قوله: (أنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر)، وقوله: (قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون)، وقوله: (إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط)، وإذا أُول نقول أنه بمعنى الاستقبال، كما أن القول الذي بعده بمعنى الاستقبال، ومعناه يكون مقيمًا عندكم في الاستقبال، فلا خدشة في صدقه أيضًا على محمد ﷺ. والتعبير عن الاستقبال بالحال بل بالماضي في الأمور المتيقنة كثير في العهدين، ألا ترى أن حزقيال ﵇ أخبر أولًا عن خروج يأجوج ومأجوج، في الزمان المستقبل، وإهلاكهم حين وصولهم إلى جبال إسرائيل.
ثم قال في الآية الثامنة من الباب التاسع والثلاثين من كتابه هكذا: (ها هو جاء وصار يقول الرب الإله هذا هو اليوم الذي قلت عنه) . فانظروا إلى قوله ها هو جاء وصار، وهذا القول في الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٣٩ هكذا: (ابنك رسيد وبوقوع يبوست) فعبر عن الحال المستقبل بالماضي لكونه يقينًا لا شك فيه وقد مضت مدة أزيد من ألفين
[ ٤ / ١٢٠٣ ]
(الشبهة الخامسة)
وأربعمائة وخمسين سنة ولم يظهر خروجهم.
وفي الآية الخامسة والعشرين من الباب الخامس من إنجيل يوحنا هكذا: (الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون) فانظروا إلى قوله وهي الآن وقد مضت مدة أزيد من ألف وثمانمائة ولم تجيء هذه الساعة والى الآن أيضًا مجهولة لا يعرف أحد متى تجيء.
(الشبهة الخامسة) في الباب الأول من كتاب الأعمال هكذا: ٤ (وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الأب الذي سمعتموه مني) ٥ (لأن يوحنا عمد بالماء وأما أنتم فستعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير) . وهذا يدل على أن فارقليط، هو الروح النازل يوم الدار. لأن المراد بوعد الأب هو فارقليط، أقول الادعاء بأن المراد بموعد الأب هو فارقليط، ادعاء محض، بل هو غلط لثلاثة عشر وجهًا وقد عرفتها، بل الحق أن الإخبار عن فارقليط شيء، والوعد بإنزال الروح عليه مرة أخرى شيء آخر وقد وفى الله بالوعدين، وقد عبر بالوعد الأول بمجيء فارقليط، وههنا بموعد الأب. غاية الأمر أن يوحنا نقل بشارة فارقليط، ولم ينقلها الإنجيليون الباقون، ولوقا نقل موعد نزول الروح الذي نزل يوم الدار ولم ينقله يوحنا.
ولا بأس فيه فإنهم قد يتفقون في نقل الأقوال الخسيسة، كركوب عيسى ﵇ على الحمار وقت الذهاب إلى
[ ٤ / ١٢٠٤ ]
أورشليم، اتفق على نقله الأربعة، وقد يتخالفون في نقل الأحوال العظيمة، ألا ترى أن لوقا انفرد بذكر إحياء ابن الأرملة من الأموات في نابين، وبذكر إرسال عيسى ﵇ سبعين تلميذًا، وبذكر إبراء عشرة برص، ولم يذكر هذه الحالات أحد الإنجيليين مع أنها من الحالات العظيمة، وأن يوحنا انفرد بذكر وليمة العرس في قانا الجليل وظهر من يسوع فيه معجزة تحويل الماء خمرًا، وهذه المعجزة أول معجزاته، وسبب ظهور مجده وإيمان التلاميذ به، وبذكر إبراء السقيم في بيت صيدا في أورشليم، وهذه أيضًا معجزة عظيمة، والمريض كان مريضًا من ثمان وثلاثين سنة، وبذكر قصة امرأة أخذت في زنا، وبذكر إبراء الأكمه وهذا أيضًا من أعظم معجزاته، وهي مصرحة بهما في الباب التاسع، وبذكر إحياء
[ ٤ / ١٢٠٥ ]
العاذار من بين الأموات، ولم يذكرها أحد من الإنجيليين مع أنها حالات عظيمة. وهكذا حال متى ومرقس فإنهما انفردا بذكر بعض المعجزات والحالات التي لم يذكرهما غيرهما.
ولما طال البحث في هذا المسلك، فلنقتصر على هذا القدر من البشارات التي نقلتها عن كتبهم المعتبرة عندهم في زماننا، وأما البشارات التي توجد في كتب أخرى هي ليست معتبرة عندهم في زماننا فما نقلتها. وبعد ما فرغت أنقل عنها بشارة واحدة أيضًا على سبيل الأنموذج.
فأقول: القسيس سيل نقل في مقدمة ترجمته للقرآن المجيد من إنجيل برنايا بشارة محمدية هكذا: (اعلم يا برنابا أن الذنب وإن كان صغيرًا يجزي الله عليه لأن الله غير راض عن الذنب، ولما اجتنى أمي وتلاميذي لأجل الدنيا سخط الله لأجل هذا الأمر، وأراد باقتضاء عدله أن يجزيهم في هذا العالم على هذه العقيدة الغير اللائقة ليحصل لهم النجاة من عذاب جهنم، ولا يكون لهم أذية هناك، وإني وإن كنت بريًا لكن بعض الناس لما قالوا في حقي أنه الله وابن الله، كره الله هذا القول واقتضت مشيئته بأن لا تضحك الشياطين يوم القيامة علي ولا يستهزئون بي، فاستحسن بمقتضى لطفه ورحمته أن يكون الضحك والاستهزاء في الدنيا بسبب موت يهوذا، ويظن كل شخص أني صلبت، لكن هذه الإهانة والاستهزاء تبقيان إلى أن يجيء محمد رسول الله، فإذا جاء في الدنيا ينبه كل مؤمن على هذا الغلط، وترتفع هذه الشبهة من قلوب الناس) انتهت ترجمة كلامه.
[ ٤ / ١٢٠٦ ]
(أقول) هذه البشارة عظيمة وإن اعترضوا أن هذا الإنجيل رده مجالس علمائنا السلف (أقول) لا اعتبار لردهم وقبولهم كما علمت بما لا مزيد عليه في الباب الأول، وهذا الإنجيل من الأناجيل القديمة ويوجد ذكره في كتب القرن الثاني والثالث، فعلى هذا كتب هذا الإنجيل قبل ظهور محمد ﷺ بمئتين سنة، ولا يقدر أحد أن يخبر بغير الإلهام بمثل هذا الأمر قبل وقوعه بمئتين سنة، فلا بد أن يكون هذا قول عيسى ﵇، وإن قالوا أن أحدًا من المسلمين حرف هذا الإنجيل بعد ظهور محمد ﷺ، قلت: هذا الاحتمال بعيد جدًا لأن المسلمين ما التفتوا إلى هذه الأناجيل الأربعة أيضًا، فكيف إلى إنجيل برنابا، ويبعد أن يؤثر تحريف أحد من المسلمين في إنجيل برنابا تأثيرًا يتغير به النسخ الموجودة عند المسيحيين أيضًا، وهم يزعمون أن علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أسلموا، نقلوا
[ ٤ / ١٢٠٧ ]
عن كتب العهدين البشارات المحمدية وحرفوها، فعلى زعمهم أقول أن هؤلاء العلماء الكبار حرفوا على زعمهم، ولم يؤثر تحريف هؤلاء في كتبهم التي كانت موجودة عندهم في مواضع هذه البشارات، فكيف أثر تحريف بعض المسلمين في إنجيل برنابا في النسخ التي كانت عندهم، فهذا الاحتمال واه ضعيف جدًا واجب الرد.
(تنبيه) نقلنا هذا الإخبار أولًا في الكتاب الإعجاز العيسوي، عن الترجمة المطبوعة سنة ١٨٥٠ من الميلاد، وطبع هذا الكتاب سنة ١٢٧١ من الهجرة وسنة ١٨٥٤ من الميلاد واشتهر في أقطار الهند وتراجمهم، وكتبهم تتغير في الطبع المتأخر بالنسبة إلى الطبع المتقدم تغيرًا ما، كما قد نبهت في مقدمة الكتاب أيضًا، فإن لم يجد الناظر هذه البشارة في بعض نسخ الترجمة المذكورة المطبوعة في سنة غير السنة المذكورة لا يقع في شك سيما إذا كان هذا البعض من النسخ المطبوعة في سنة متأخرة عن ألف وثمانمائة وأربع وخمسين من الميلاد، لأن علماء بروتستنت لو أسقطوا في طبعهم هذه البشارة من الترجمة المذكورة فلا يستبعد من عادتهم التي صارت، بمنزلة الأمر الطبيعي لهم.
وقال الفاضل حيدر علي القرشي في كتابه المسمى بخلاصة سيف المسلمين الذي هو بلسان أردو في الصفحة ٦٣ و٦٤: (أن القسيس أو سكان الأرمني ترجم كتاب أشعيا باللسان الأرمني في سنة ألف وستمائة وست
[ ٤ / ١٢٠٨ ]
وستين سنة، وطبعت هذه الترجمة في سنة ألف وسبعمائة وثلاث وثلاثين في مطبع انتوني بورتولي ويوجد في هذه الترجمة في الباب الثاني والأربعين هذه الفقرة: (سبحوا الله تسبيحًا جديدًا وأثر سلطنة على ظهره واسمه أحمد) انتهت. وهذه الترجمة موجودة عند الأرامن فانظروا فيها) انتهى كلامه.
(أقول) هذه الترجمة لم تصل إلي وما اطلعت عليها لكن هذا الفاضل لعله رآها واطلع عليها، ولا شك أن هذه الفقرة عظيمة النفع، وإن لم تكن هذه الترجمة معتبرة عند علماء بروتستنت، ومن أسلم من علماء اليهود والنصارى في القرن الأول شهد بوجود البشارات المحمدية في كتب العهدين، مثل عبد الله بن سلام وابني سعية
[ ٤ / ١٢٠٩ ]
وبنيامين ومخيريق وكعب الأحبار وغيرهم، من علماء اليهود، ومثل بحير
[ ٤ / ١٢١٠ ]
اونسطور الحبشي وضفاطر وهو الأسٍقف الرومي الذي أسلم على يد دحية الكلبي وقت الرسالة فقتلوه، والجارود، والنجاشي، والسوس، والرهبان الذين جاؤوا مع جعفر بن أبي طالب ﵁، وغيرهم من علماء النصارى، وقد اعترف بصحة نبوته، وعموم رسالته، هرقل قيصر الروم، ومقوقس صاحب مصر، وابن صوريا، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب وغيرهم ممن حملهم الحسد على الشقاء، ولم يسلموا.
[ ٤ / ١٢١١ ]
وروي أنه ﵇ لما أراد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم، فقال ﵇: إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم، فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك، فلما رجعوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوته، وقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيًا إلا هلكوا وإن أبيتم إلا ألف دينكم. فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتوا رسول الله ﷺ، وقد غدا محتضنًا الحسين، وآخذًا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي ﵁ خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا. فقال أسقفهم: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهًا، لو سألوا الله أن يزيل جبلًا من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا. فأذعنوا لرسول الله ﷺ وبذلوا له الجزية ألفي حلة حمراء وثلاثين درعًا من حديد. فقال ﵊: لو باهلوا لمسخوا قردة، وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتى الطير على الشجر،
[ ٤ / ١٢١٢ ]
وهذه الواقعة دلت على نبوته بوجهين:
(الأول) أنه ﵊ خوّفهما بنزول العذاب عليهم، ولو لم يكن واثقًا بذلك لكان ذلك منه سعيًا في إظهار كذب نفسه، لأنه لو باهل ولم ينزل العذاب ظهر كذبه، ومعلوم أنه كان من أعقل الناس، فلا يليق به أن يعمل عملًا يفضي إلى ظهور كذبه، فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقًا بوعد الله.
(والثاني) أن القوم كانوا يبذلون النفوس، والأموال، في المنازعة مع الرسول ﷺ، فلو لم يعرفوا أنه نبي لما تركوا مباهلته.
[ ٤ / ١٢١٣ ]
الفصل الثاني: (في دفع المطاعن) .
اعلم أرشدك الله تعالى في الدارين أن المسيحيين يدعون أن الأنبياء إنما يكونون معصومين في تبليغ الوحي فقط، تقريرًا كان أو تحريرًا. وأما في غير التبليغ، فليسوا بمعصومين لا قبل النبوّة ولا بعدها. فيصدر عنهم بعدها جميع الذنوب قصدًا، فضلًا عن الخطأ والنسيان، فيصدر عنهم الزنا بالمحارم فضلًا عن الأجنبيات، ويصدر عنهم عبادة الأوثان، وبناء المعابد لها، ولا يخرج عندهم نبي من إبراهيم إلى يحيى ﵉ لا يكون زانيًا أو من أولاد الزنا أعاذنا الله من أمثال هذه العقائد الفاسدة في حق الأنبياء ﵈.
وقد عرفت في الأمر السابع من مقدمة الكتاب، وفي الفصل الثالث والرابع من الباب الأول، وفي المقصد الأول من الباب الثاني أن ادعاءهم العصمة في التبليغ أيضًا باطل لا أصل له على أصولهم. ويصدر هذا الادعاء عنهم لتغليط العوام، فمطاعنهم على محمد ﷺ في بعض الأمور التي يفهمونها ذنوبًا في زعمهم الفاسد، لا تقدح في نبوته على أصولهم. وإني وإن كنت أستكره أن أنقل ذنوب الأنبياء والكفريات المفتريات عن كتبهم ولو إلزامًا، ولا أعتقد في حضرات الأنبياء إنصافهم بهذه الذنوب والكفريات حاشا وكلا. لكني لما رأيت أن علماء بروتستنت أطالوا ألسنتهم إطالة فاحشة في حق محمد ﷺ في الأمور الخفيفة، وجعلوا الخردلة جبلًا لتغليط العوام الغير الواقفين على كتبهم، وكان مظنة وقوع السذج في الاشتباه بتمويهاتهم الباطلة، نقلت بعضها إلزامًا، وأتبرأ عن اعتقادها بألف
[ ٤ / ١٢١٤ ]
لسان وليس نقلها إلا كنقل كلمات الكفر، ونقل الكفر ليس بكفر، وقدمت نقلها على نقل مطاعنهم في محمد ﷺ والجواب عنها، وكتب القسيس وليم اسمت من علماء بروتستنت كتابًا في لسان أردو وطبعه في البلد مرزابور من بلاد الهند في سنة ١٨٤٨ من الميلاد، وسماه طريق الأولياء، وكتب فيه حال الأنبياء من آدم إلى يعقوب ﵈ ناقلًا عن سفر التكوين وتفاسيره المعتبرة عند علماء بروتستنت، فأنقل في بعض المواضع عن هذا الكتاب أيضًا.
[١] قصة آدم ﵇ عندهم مشهورة، وفي الباب الثالث من سفر التكوين مسطورة، وهم يعترفون أنه أذنب عمدًا ولم يعترف بذنبه لما طلبه الله، ولم تثبت توبته عندهم إلى آخر حياته في الصفحة ٢٣ من طريق الأولياء: (يا أسفي على أنه لم تثبت توبته وعلى أنه ما استغفر الله لذنبه مرة واحدة أيضًا) انتهى.
[٢] في الباب التاسع من سفر التكوين هكذا: ١٨ (فكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك سام وحام ويافت وحام أبو كنعان) ٢٠ (وبدا
[ ٤ / ١٢١٥ ]
نوح فلاح يحرث في الأرض وغرس كرمًا) ٢١ (وشرب خمرًا فسكر وتكشف في خبا) ٢٢ (فلما نظر حام أبو كنعان ذلك أي عورة أبيه أنها مكشفة أخبر أخوته خارجًا) ٢٤ (فلما استيقظ نوح من الخمر، وعلم بما عمل به ابنه الأصغر) ٢٥ (فقال ملعون كنعان، فيكون عبد العبيد لأخوته) . ففيه تصريح بأن نوحًا شرب الخمر وسكر وصار عريانًا، والعجب أن المذنب بالنظر إلى عورة أبيه هو حام أبو كنعان، والذي عوقب باللعنة ابنه كنعان، وأخذ الابن بذنب الأب خلاف العدل. قال حزقيال في الآية العشرين من الباب الثامن عشر من كتابه: (النفس التي تخطئ فهي تموت، والابن لا يحمل إثم الأب، والأب لا يحمل إثم الابن وعدل العادل يكون عليه، ونفاق المنافق يكون عليه) .
ولو فرضنا أنه حمل إثم الأب على الابن خلاف العدل. فما وجه تخصيص كنعان لأن أبناء حام كانوا أربعة، كوش ومصرايم وفوط وكنعان، كما هو مصرح به في الباب العاشر) .
[٣] في الصفحة ٧٤ من طريق الأولياء في حال إبراهيم هكذا: (لا يعلم حاله إلى سبعين سنة من عمره وهو تربى في الوثنيين، ومضى أكثر عمره فيهم ويعلم أن أبويه ما كانا يعرفان الإله الحق. ويحتمل أن إبراهيم أيضًا
[ ٤ / ١٢١٦ ]
كان يعبد الأصنام ما لم يظهر الله عليه، ثم ظهر عليه وانتخبه من أبناء العالم، وجعله عبدًا خاصًا) انتهى. فظهر أن المظنون عند المسيحيين أن إبراهيم إلى سبعين سنة من عمره كان يعبد الأصنام. أقول كونه عابد الأصنام إلى أن بلغ سبعين سنة، قريب اليقين، نظرًا إلى أصولهم. لأن أهل العالم في هذا الوقت عندهم كانوا وثنيين، وهو تربى فيهم، وأبواه أيضًا كانا منهم. ولم يظهر عليه الرب إلى ذلك الوقت، والعصمة عن عبادة الأوثان ليست بشرط بعد النبوة، فضلًا عن أن تكون شرطًا قبل النبوة. وإذا ظهر حال أبي الأنبياء هذا إلى سبعين سنة من عمره قبل النبوّة، فانقل حاله بعد النبوة.
[٤] في الباب الثاني عشر من سفر التكوين هكذا: ١١ (فلما قرب أن يدخل إلى مصر، قال لسارة زوجته إني علمت أنك امرأة حسنة) ١٢ (ويكون إذا رآك المصريون فإنهم سيقولون أنها امرأته ويقتلوني ويستبقونك) ١٣ (والآن أرغب منك فقولي أنك أختي، ليكون لي خير بسببك، وتحيي نفس من أجلك) . فسبب الكذب ما كان مجرد الخوف، بل رجاء حصول الخير أيضًا، بل الخير كان أقوى. ولذلك قدمه وقال ليكون لي خير بسببك، وتحيي نفسي من أجلك. وحصل له الخير أيضًا، كما هو مصرح به في الآية السادسة عشر. على أن خوفه من القتل مجرد وهم، لا سيما إذا كان راضيًا بتركها فإنه لا وجه لخوفه بعد ذلك أصلًا، وكيف يجوز العقل أن يرضى إبراهيم بترك حريمه وتسليمها ولا يدافع دونها، ولا يرضى بمثله من له غيرة ما، فكيف يرضى مثل إبراهيم الغيور.
[ ٤ / ١٢١٧ ]
[٥] في الباب العشرين من سفر التكوين هكذا: ١ (وارتحل إبراهيم من هناك إلى أرض التيمن، وسكن بين قادس وسور والتحى في جرارا) ٢ (قال عن سارة امرأته إنها أختي، ووجه أبي مالك ملك جرارا وأخذها) ٣ (فجاء الله إلى أبي مالك في الحلم بالليل، وقال له: هو ذا أنت تموت من أجل الامرأة التي أخذتها لأنها ذات بعل) ٤ (ولم يكن أبو مالك قربها، فقال: يا رب أتهلك شعبًا بارًا لا علم له) ٥ (أليس هو القائل إنها أختي، وهي قالت إنه أخي) . كذب هناك إبراهيم وسارة مرة ثانية، ولعل السبب هاهنا ما عدا الخوف أيضًا، كان حصول المنفعة، وقد حصلت كما هي مصرحة بها في الآية الرابعة عشر، على أنه لا وجه للخوف إذا كان راضيًا بتسليمها بدون المقاتلة في الصفحة ٩٩ من طريق الأولياء هكذا: (لعل إبراهيم لما أنكر كون سارة زوجة له في المرة الأولى، عزم في قلبه أنه لا يصدر عنه مثل هذا الذنب، لكنه وقع في شبكة الشيطان السابقة مرة أخرى بسبب الغفلة) انتهى.
[٦] في الصفحة ٩٢ و٩٣ من طريق الأولياء: (لا يمكن أن يكون إبراهيم غير مذنب في نكاح هاجر، لأنه كان يعلم جيدًا قول المسيح المكتوب في
[ ٤ / ١٢١٨ ]
الإنجيل، أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى، وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا) انتهى. أقول كما لا يمكن هذا، فكذا لا يمكن أن يكون غير مذنب في نكاح سارة، لأنه كان يعلم جيدًا قول موسى المكتوب في التوراة: (لا تكشف أختك من أبيك كانت أو من أمك التي ولدت في البيت أو خارجًا من البيت. وكذا قوله: (أي رجل تزوج أخته ابنة أبيه أو أخته ابنة أمه، ورأى عورتها ورأت عورته، فهذا عار شديد، فيقتلان أمام شعبهما. وذلك لأنه كشف عورة أخته فيكون إثمهما في رأسهما) . وكذا قوله: (يكون ملعونًا من يضاجع أخته من أبيه أو أمه) . كما عرفت في الباب الثالث من هذا الكتاب، ومثل هذا النكاح مساوٍ للزنا عند علماء بروتستنت. فيلزم أن يكون إبراهيم ﵇ زانيًا قبل النبوة وبعدها، ويكون أولاده كلهم من سارة أولاد الزنا، ولو جوز نكاح الأخت في شريعته لزم عليهم تجويز تعدد النكاح أيضًا في تلك الشريعة، فلا اعتراض باعتبار هاجر ولا باعتبار سارة وهو الحق عندنا، لكنه يلزم على أصلهم الفاسد أن هذا النبي
[ ٤ / ١٢١٩ ]
أبا الأنبياء، كما كان كاذبًا، فكذا كان زانيًا من أول عمره إلى آخره، ومع هذا كان خليل الله، أيكون خليل الله مثله.
[٧] في الباب التاسع عشر من سفر التكوين هكذا: ٣٠ (فصعد لوط من صاغر وسكن الجبال وابنتاه معه وخاف أن يسكن صاغر وأوى إلى كهف هو وابنتاه معه) ٣١ (فقالت الكبرى منهما للصغرى إن أبانا قد شاخ وليس رجل على الأرض يستطيع يدخل علينا كالمرسوم لكل الأرض) ٣٢ (فهلمي نسقيه خمرًا ونضطجع معه ونقيم من أبينا خلفًا) ٣٣ (فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة ودخلت الكبرى فاضطجعت مع أبيها وهو لم يعلم عند انضجاع ابنته ولا نهوضها) ٣٤ (ولما كان الغد قالت الكبرى للصغرى هو ذا قد اضطجعت البارحة مع أبي فلنسقه خمرًا في ليلتنا هذه أيضًا وادخلي فاضطجعي معه فنقيم نسلًا من أبينا) ٣٥ (فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا ودخلت الصغرى فاضطجعت مع أبيها ولم يعلم عند انضجاعها ولا نهوضها) ٣٦ (فحملت ابنتا لوط من أبيهما) ٣٧ (وولدت الكبرى ابنًا ودعت اسمه مواب وهو أبو الموابيين
[ ٤ / ١٢٢٠ ]
إلى يومنا هذا) ٣٨ (وولدت الصغرى أيضًا ابنًا ودعت اسمه عمان، أي ابن جنسي فهو أبو العمانيين إلى اليوم) .
وفي الصفحة ١٢٨ من طريق الأولياء بعد نقل هذا الحال هكذا: (حاله حري أن يبكى عليه ونحن بعد التأسف والخوف والخشية على أنفسنا نتعجب منه، أهو الذي بقي نقي الثوب عن جميع شرور سادوم، وكان قويًا في السلوك على صراط الله، وبعيدًا عن جميع نجاسات تلك البلدة وغلب عليه الفسق بعد ما خرج إلى البر، فأي شخص يكون مأمونًا في بلد أو بر أو كهف) انتهى كلامه. فلما بكى [ص ٣٠٤] القسيسون على حاله فلا حاجة لنا إلى الإطالة، وبكاؤهم يكفي غير أني أقول أن مواب وعمان الذين تولدا بالزنا ما قتلهما الله، وقتل الولد الذي تولد بزنا داود ﵇ بامرأة أوريا، لعل الزنا بامرأة الغير أشد من الزنا بالبنات عندهم، بل هم كانا من المقبولين عند الله. أما مواب فلأن عوبيد جد داود ﵇ اسم أمه راعوث كما هو مصرح به في الباب الأول من إنجيل متى وراعوث هذه كانت موابية من أولاد مواب، فهي من جدات داود وسليمان وعيسى ﵈، وداود ابن الله البكر وسليمان أيضًا ابن الله وعيسى ابن الله الوحيد، بل الله على زعم المسيحيين.
[ ٤ / ١٢٢١ ]
وأما عمان فلأن رحبعام ابن سليمان، من أجداد عيسى ﵇، كما هو مصرح به في الباب الأول من إنجيل متى أيضًا، وأمه كانت عمانية من أولاد عمان كما هو مصرح به في الباب الرابع عشر من سفر الملوك الأول، فهي أيضًا من جدات ابن الله الوحيد، بل الله على زعمهم.
والآية التاسعة عشر من الباب الثاني من سفر الاستثناء هكذا: (وتدنو إلى قرب بني عمان احذر تقاتلهم ولا تحترك إلى محاربهم فإني لا أعطيك شيئًا من أرض بني عمان إني أعطيتها بني لوط ميراثًا) . فأي شرف لمواب وعمان ولدي الزنا، أزيد من أن بعض بنات الأول صارت جدة معظمة لأبناء الله، بل الله على زعمهم. وبعض بنات الثاني صارت جدة لابن الله الوحيد، بل الله على زعمهم. وأن الله منع بني إسرائيل الذين كانوا أبناء الله بنص التوراة عن توريث أرض أولاده، لكنه بقيت خدشة وهي أنه إذا وصل نسب عيسى ﵇ باعتبار هاتين الجدتين المعظمتين إلى مواب وعمان صار موابيًا وعمانيًا، وما كان للعمانيين والموابيين أن يدخلوا جماعة الرب إلى الأبد.
الآية الثالثة من الباب الثالث والعشرين من كتاب الاستثناء هكذا:
[ ٤ / ١٢٢٢ ]
(والعمانيون والموابيون بعد عشر أحقاب أيضًا لا يدخلون جماعة الرب إلى الأبد) .
فكيف دخل عيسى ﵇ جماعة الرب بل صار رئيسهم، بل ابن الله على زعمهم، وإن قيل أن اعتبار النسب بالآباء لا بالأمهات، فلا يكون عيسى ﵇ عمانيًا ولا موابيًا، قلت لو كان كذا يلزم أن لا يكون إسرائيليًا يهوديًا أو داوديًا سليمانيًا أيضًا، إذ حصول هذه الأوصاف له أيضًا من جانب الأم لا الأب، فلا يكون مسيحًا موعودًا به، واعتبار هذه الأوصاف باعتبار الأم وعدم اعتبار كونه عمانيًا وموابيًا من جهة الجدات، ترجيح بلا مرجح، وهذا وارد على داود وسليمان ﵉ أيضًا باعتبار راعوث، لكني لا أطيل الكلام في هذا وأرجع إلى أصل القصة، وأقول: أن لوطًا ﵇ هذا الذي حاله حري بأن يبكى عليه عند القسيسين، لا شك أنه بحكم الإنجيل بار قديس، لم يقع الوهن عندهم في قديسيته بعد هذه الحركة الشنيعة التي لم يسمع مثلها في الأراذل الذين يكونون مخمورين أكثر الأوقات، لأنهم يميزون في حال الخمر أيضًا بناتهم عن الأجنبيات، وإذ سقط الامتياز بين البنات وغيرها لشدة الخمر، لا يبقى السكران في هذا الوقت قابلًا للجماع كما شهد به المولعون بشرب الخمر، وما سمعنا إلى الآن في الهند أن رذيلًا من الأراذل فعل هذا الأمر في الخمر ببنته أو بأمه، فإذا كان الخمر موصلًا إلى هذه الرتبة، فوا أسفي على حال أهل أوربا من المسيحيين، كيف يرجى نجاة أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم من أيدي الأبناء والآباء والأخوة، لأنهم في أغلب الأوقات يكونون سكرانين رجالهم
[ ٤ / ١٢٢٣ ]
ونساؤهم، سيما إذا قسنا الحال بالنسبة إلى أراذلهم.
والعجب أن هذا القديس كما ابتلي في الليلة الأولى، ابتلي في الليلة الثانية، إلا أن يقال إن هذا الأمر كان أمرًا مقضيًا ليتولد أبناء الله، بل الله من بعض بناته ويدخل هو في سلسلة نسب ابن الله الوحيد، ومثل هذا لو وقع لبعض آحاد الناس ضاقت عليه الأرض بما رحبت حزنًا وهمًا، فالعجب من لوط. أعوذ بالله من هذه الخرافات، وأقول إن هذه القصة الكاذبة من المفتريات: في الباب الثاني من الرسالة الثانية لبطرس هكذا: ٧ (وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة) ٨ (إذا كان البار بالنظر والسمع وهو الساكن بينهم يعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بالأفعال الأثيمة) . فأطلق بطرس البار على لوط ﵇ ومدحه، فأنا أشهد أيضًا أنه كان بارًا بريًا مما نسبوه إليه.
[٨] في الباب السادس والعشرين من سفر التكوين هكذا: ٦ (فمكث إسحاق في جرارة) ٧ (وسأله رجال ذلك الموضع عن زوجته، فقال هي أختي لأنه خاف أن يقول أنها زوجته لئلا يقتلوه من أجل حسنها) . فكذب إسحاق عمدًا أيضًا مثل أبيه، وقال لزوجته أنها أخته. في الصفحة ١٦٨ من طريق الأولياء: (زل إيمان إسحاق لأنه قال لزوجته أنها أخته) . ثم في الصفحة ١٦٩ (يا أسفي إنه لا يوجد كمال في أحد من بني آدم غير الواحد العديم النظير، والعجب أن شبكة الشيطان التي وقع فيها إبراهيم، وقع فيها إسحاق أيضًا، وقال عن زوجته أنها أخته، فيا أسفي أن أمثال هؤلاء المقربين عند الله محتاجون إلى الوعظ) انتهى كلامه. ولما تأسف القسيسون تأسفًا بليغًا على مزلة إيمانه وعدم وجود كمال فيه
[ ٤ / ١٢٢٤ ]
ووقوعه في شبكة الشيطان التي وقع فيها إبراهيم ﵇ وكونه محتاجًا إلى الوعظ فلا نطيل الكلام فيه.
[٩] في الباب الخامس والعشرين من سفر التكوين هكذا: ٢٩ (فطبخ يعقوب طبيخًا ولما جاء عيسو إليه تعبان من الحقل) ٣٠ (فقال له أطعمني من هذا الطبيخ الأحمر فإني تعبان جدًا ولهذا السبب دعى اسمه أدوم) ٣١ (فقال له يعقوب بع لي بكوريتك) ٣٢ (فأجاب وقال هو ذا أنا أموت فماذا تنفعني البكورية) ٣٣ (فقال له يعقوب احلف لي فحلف له عيسو وباع البكورية) ٣٤ (فقدم يعقوب لعيسو خبزًا ومأكولًا من العدس فأكل وشرب ومضى وتهاون في أنه باع البكورية) . فانظروا إلى ديانة عيسو الذي هو الولد الأكبر لإسحاق ﵇، أنه باع البكورية، التي كان بها استحقاق منصب النبوة والبركة عنده ما كانا في رتبة هذا الخبز والأدام من العدس، وكذا انظروا إلى محبة يعقوب ﵇ وإلى جوده، أنه ما أعطى للأخ الأكبر الجائع التعبان هذا المأكول إلا بالبيع وما راعى المحبة الأخوية والإحسان بلا عوض.
[١٠] من طالع الباب السابع والعشرين من سفر التكوين، علم يقينًا أن يعقوب ﵇ كذب ثلاث مرات وخادع أباه، وخداعه كما أثر عند إسحاق ﵇، أثر عند الله أيضًا، لأن إسحاق ﵇ كان بصميم قلبه واعتقاده داعيًا لعيسو لا ليعقوب ﵇، فكما لم يميز إسحاق بين
[ ٤ / ١٢٢٥ ]
الأخوين في الدعاء، فكذا لم يميز الله بينهما عند إجابة الدعاء، فالعجب أن ولاية الله والنبوة والصلاح تحصل بالمحال. وأنا تذكرت قصة مناسبة لهذا المقام وهي: أن فاجرًا من فرقة بانو طلب حشيشًا من الحمّار لأجل حصانه وما أعطاه الحمار فقال إن لم تعطني أدع على حمارك فيموت الليلة، وراح فمات حصانه في تلك الليلة، فلما استيقظ ووجد حصانه ميتًا، حرك رأسه متعجبًا فقال: يا عجبًا يا عجبًا أنه مضى مليونات من السنين على ألوهية إلهنا ولا يميز الحصان من الحمار إلى هذا الحين، دعوت على الحمار وأهلك حصاني، ولو كان حال ديانة أبي الأنبياء الإسرائيلية هكذا أو حال علم الله هكذا، فللمنكر أن يقول: يجوز أن يكون مبنى معاملات الأنبياء الإسرائيلية مع الله أيضًا على الخداع كأبيهم الأعلى، ويجوز أن يكون عيسى ﵇ وعد الله أن تعطيني قدرة الكرامات، أدع الخلق إلى توحيدك وربوبيتك، لكن الله ما ميز الصدق عن الكذب فأعطاه القدرة فدعا إلى ربوبية نفسه وبغى على الله. أعوذ بالله من هذه الأمور الواهية.
وأنقل بعض فقرات طريق الأولياء من الصفحة ١٧٩ و١٨٠ و١٨١، قال أولًا: (هذا مقام غاية الخوف أن مثل هذا الشخص تفوه بكذب بعد كذب وأشرك اسم الله في خداعه)، ثم قال ثانيًا: (قال يعقوب قولًا هو نهاية الكفران إرداة الله كانت أني وجدت الصيد سريعًا)،
[ ٤ / ١٢٢٦ ]
ثم قال ثالثًا: (نحن لا نعتذر من جانب يعقوب في هذا الأمر بعذر ما وليتنفر كل صالح وليفر عن مثل هذا الأمر)، ثم قال رابعًا: (خلاصة الكلام أنه أساء ليحصل الخير وفي الإنجيل يجب الجزاء على مثله)، ثم قال خامسًا: (كما أذنب يعقوب أذنبت أمه أزيد منه لأنها كانت بانية هذا الفساد وهي أمرت يعقوب بفعل هذه الأمور الخادعة) انتهى.
[١١] في الباب التاسع والعشرين من سفر التكوين هكذا: ١٥ (ثم قال ليعقوب لعل أنك أخي مجانًا تخدمني ما أجرتك) ١٦ (فكانت له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل) ١٧ (وكان بعيني ليا استرخاء وراحيل جميلة الوجه وحسنة المنظر) ١٨ (فأحب يعقوب راحيل وقال أنا أتعبد لك براحيل ابنتك الصغرى سبع سنين) ١٩ (فقال له لابان أنت أحق بها من غيرك فأقم عندي) ٢٠ (وتعبد يعقوب براحيل سبع سنين وكانت عنده مثل أيام قليلة لما دخله من محبتها) ٢١ (فقال للابان أعطني امرأتي لأني قد أكملت الأيام لكي أدخل إليها) ٣٢ (فجمع لابان جمعًا كثيرًا من المحبين وصنع عرسًا) ٢٣ (ولما كان المساء أدخل ابنته ليا على يعقوب) ٣٤ (وأعطى لابان أمة اسمها زلفا لابنته ودخل عليها يعقوب كالعادة ولما كان الصبح رآها أنها ليا) ٢٥ (فقال للابان ما هذا الذي صنعت بي ألم أتعبد لك براحيل فلم خدعتني) ٢٦ (أجاب لابان ليس في أرضنا عادة أن تزوج الصغرى قبل الكبرى) ٢٧ (فأكمل الأسبوع هذه فأعطيك الأخرى عوضًا عن العمل الذي تعمل لي سبع سنين أخرى) ٢٨ (ففعل يعقوب هكذا وبعد ما دخل الأسبوع
[ ٤ / ١٢٢٧ ]
تزوج براحيل) ٢٩ (ودفع لابان إلى ابنته راحيل أمة اسمها بلها) ٣٠ (فدخل على راحيل وأحبها أكثر من ليا وتعبد له وخدمه سبع سنين أخرى) ويرد عليه ثلاثة اعتراضات:
(الأول) أن يعقوب ﵇ كان يقيم في بيت لابان وكان يرى بنتيه ويعرفهما معرفة جيدة، باعتبار وجوههما وأجسامهما وأصواتهما، وكان في ليا علامة بينة هي استرخاء العينين، فالعجب كل العجب أن تكون ليا في فراشه جميع الليل ويراها ويضاجعها ويلمسها ولا يعرفها، إلا أن يقولوا أنه كان سكرانًا كلوط ﵇، فكما لم يميز لوط ﵇ فكذا هو.
(والثاني) أنه أحب راحيل وخدم لأجلها أباها أولًا سبع سنين، وكانت عنده مثل أيام قليلة لأجل عشقها وفرط محبتها، ثم لما خادع لابان وزوجه بنته الكبرى، خاصمه يعقوب، وأخذ راحيل بخدمة سبع سنين أخرى، وهذه الأمور على زعم المسيحيين لا تناسب رتبة النبوة، وكما خادع أباه خودع من صهره.
(والثالث) أنه ما اكتفى على زوجة واحدة، ولا يجوز نكاح امرأتين سيما أختين على زعمهم الفاسد.
واعتذر صاحب طريق الأولياء في الصفحة ١٨٩ من كتابه هكذا: (الظاهر أن يعقوب إن لم يخادعه لابان لم يتزوج غير راحيل ولا يستدل بها على جواز تعدد الزوجات، لأنه ما كان بحكم الله ولا برضا يعقوب) انتهى.
أقول: هذا العذر بارد لا يسمن ولا يغني ولا يحصل النجاة ليعقوب ﵇ عن الحرمة، لأنه ما كان مكرهًا ومجبورًا على النكاح الثاني، وكان عليه أن يكتفي بزوجة واحدة.
[ ٤ / ١٢٢٨ ]
وأقول: كما قال هذا المعتذر في طعن إبراهيم ﵇، أن يعقوب ﵇ كان يعلم جيدًا قول المسيح المكتوب في الإنجيل، أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى الخ. وكذا كان يعلم جيدًا قول موسى ﵇ إن الجمع بين الأختين حرام قطعًا، كما علمت في الباب الثالث. فأحد النكاحين باطل، والامرأة التي كان نكاحها باطلًا يلزم أن يكون أولادها وأولاد أولادها أولاد الزنا، فيلزم على كلا التقديرين كون كثير من الأنبياء الإسرائيلية كذلك والعياذ بالله. فانظروا إلى ديانة المسيحيين إنهم لأجل صيانة أصولهم الفاسدة كيف يتهمون الأنبياء، وينسبون القبائح إليهم. على أن هذا العذر الأعرج، لا يمشي في زلفا، وبلها اللتين تزوجهما يعقوب بإشارة ليا وراحيل كما هو مصرح به في الباب الثلاثين من سفر التكوين، وأولادهما كافة تكون أولاد الزنا على أصولهم.
[١٢] في الباب الحادي والثلاثين من سفر التكوين هكذا: ١٩ (وقد كان لابان ذهب ليجز غنمه، وراحيل سرقت أصنام أبيها) ٢٠ (فكتم يعقوب ﵇ أمره عن حميه، ولم يعلمه أنه هارب) ٢١ (وهرب هو، وجميع ما كان له، وعبر النهر، وتوجه نحو جبل جلعاد) ٢٢ (وبلغ لابان في اليوم الثالث أن يعقوب قد هرب) ٢٣ (فأخذ لابان أخوته، وتبعه مسيرة سبعة أيام ولحقه في جبل جلعاد) ٢٩ (وقال ليعقوب: لماذا فعلت هكذا، وسقت بناتي خفيًا عني مثل من قد
[ ٤ / ١٢٢٩ ]
سبي بالسيف) ٣٠ (والآن قد انطلقت، وإنما حملك على ذلك الشهوة أن تمضي إلى بيت أبيك فلم سرقت آلهتي) ٣١ (أجاب يعقوب الخ) ٣٢ (وأما ما توبخني به في سرقته فمن وجدت عنده آلهتك يقتل قدام أخوتنا الخ) ٣٣ (فدخل لابان إلى خباء يعقوب وليا والأمتين فلم يجدها، ولما دخل إلى خباء راحيل) ٣٤ (فهي أسرعت، وخبت الأصنام تحت حداجة جمل، وجلست عليه، ففتش لابان الخباء كله، ولم يجد شيئًا) ٣٥ (وقالت لا تؤاخذني يا سيدي إني لا أستطيع النهوض نحوك لأني في علة النساء، وفتش لابان جميع ما في البيت فلم يجد) .
فانظروا إلى راحيل كيف سرقت أصنام أبيها، وكيف كذبت، والظاهر أنها سرقت لعباداتها، كما يدل عليه ظاهر عبارة الباب الخامس والثلاثين من سفر التكوين، كما ستعرف في الشاهد الآتي، ولأنها كانت من بيت الوثنيين وأن أباها كان وثنيًا يعبد الأصنام، كما دلت عليه الآية الثلاثون، والثانية والثلاثون والظاهر أنها تكون على دين أبيها، فهذه الزوجة المحبوبة ليعقوب ﵇ كانت سارقة، كاذبة، وعابدة للأصنام.
[١٣] في الباب الخامس والثلاثين من سفر التكوين هكذا: ٢ (وقال يعقوب لأهله، وجميع من معه اعزلوا الآلهة الغرباء من بينكم وتطهروا، وأبدلوا ثيابكم) ٤ (فدفعوا له جميع الآلهة الغرباء التي كانت في أيديهم والأقرطة التي كانت في آذانهم، فدفنها تحت البطمة التي عند شخيم) .
والظاهر من هذه العبارة أن أهل بيت يعقوب ﵇، ومن معه إلى هذا الحين كانوا يعبدون الأصنام، وهذا الأمر بالنظر إلى بيته شنيع جدًا أما نهاهم
[ ٤ / ١٢٣٠ ]
قبل هذا عن عبادة الأوثان، وإذا دفعوا إليه جميع الآلهة الغرباء، فالظاهر أن راحيل أيضًا دفعت الآلهة المسروقة أيضًا، فكان على يعقوب ﵇ أن يرسلها إلى لابان لا أن يدفنها تحت البطمة التي عند شخيم، ويعذر راحيل على سرقتها.
[١٤] في الباب الرابع والثلاثين من سفر التكوين هكذا: ١ (وخرجت دينا ابنة ليا لتنظر إلى بنات ذلك البلد) ٢ (فنظرها شخيم بن حمور الحاوي، رئيس الأرض فأحبها فأخذها وضاجعها وذلها) ٣ (وتعلقت نفسه بها، وأحبها وكلمها بما وافقها، ووقع بقلبها) ٤ (فقال شخيم لحمور أبيه خذ هذه الجارية لي زوجة) ٨ (فكلمهم حمور) الخ ١٣ (فأجاب بنو يعقوب الخ) ١٤ (لا نستطيع نصنع ما تطلبان، ولا أن نعطي أختنا لرجل أغلف فإن ذلك عار علينا) ١٥ (بهذا نشبهكم إذا ما صرتم مثلنا لكي تختنوا كل ذكوركم) ٢٤ (فارتضى جميعهم واختتن كل من كان منهم ذكرًا) ٢٥ (فلما كان اليوم الثالث وقد بلغ منهم الوجع جدًا، أخذ ابنا يعقوب شمعون ولاوى أخوا دينا، كل واحد منهما سيفه، ودخلا المدينة على طمأنينة، وقتلا كل ذكر) ٢٦ (وحمور، وشخيم ابنه، وأخذا دينا [ص ٣١٢] أختهما من بيت شخيم) ٢٧ (وخرجا ودخل بنو يعقوب على القتلى، ونهبوا المدينة التي فضحت فيها دينا أختهم) ٢٨ (وأخذوا غنمهم، وبقرهم، وحميرهم، وكل ما في البيوت، وكل ما في الحقل وسبوا صبيانهم، ونساءهم) .
فانظروا إلى عصمة دينا بنت يعقوب أنها زنت، وتعشقت بشخيم كما يدل عليه قوله: ووقع بقلبها. وانظروا إلى ظلم أبناء يعقوب، أنهم قتلوا ذكور
[ ٤ / ١٢٣١ ]
أهل البلدة كلهم، وسبوا نساءهم وصبيانهم، ونهبوا جميع أموالهم. فخطؤهم وظلمهم ظاهر، وخطأ يعقوب ﵇ أنه لم يمنعهم عن هذه الحركة الشنيعة قبل وقوعها، وما أخذ القصاص منهم، وما رد النساء والصبيان والأموال المسلوبة، وإن كان غير قادر على منعهم، ورد هذه الأشياء، وأخذ القصاص، فكان عليه أن يترك رفاقة هذه الظلمة، على أنه يبعد كل البعد أن يقتل رجلان أهل البلدة كلهم، ولو فرضنا أنهم كانوا في وجع الختان.
[١٥] في الباب الخامس والثلاثين من سفر التكوين هكذا: (مضى روبيل، وضاجع بلها سرية أبيه فسمع إسرائيل) .
فانظروا إلى روبيل الولد الأكبر ليعقوب ﵇، أنه زنى بزوجة أبيه، وإلى يعقوب أنه ما أجرى الحد أو التعزيز، لا على ابنه، ولا على هذه الزوجة، والظاهر أن حد الزنا في هذا الوقت كان إحراق الزاني والزانية بالنار، كما يفهم من الآية الرابعة والعشرين من الباب الثامن والثلاثين من سفر التكوين، ودعا على هذا الابن في آخر حياته كما هو مصرح به في الباب التاسع والأربعين من هذا السفر.
[١٦] في الباب الثامن والثلاثين من سفر التكوين: ٦ (وأن يهوذا زوج ابنه بكره عير امرأة اسمها ثامار) ٧ (وكان عبر بكر يهوذا رديئًا بين أيدي الرب فقتله الرب)
[ ٤ / ١٢٣٢ ]
(وقال يهوذا لابنه أونان: ادخل على امرأة أخيك، وكن معها، وأقم زرعًا لأخيك) ٩ (فلما علم أونان أن الخلف لغيره كان إذا دخل إلى امرأة أخيه، يفسد على الأرض لئلا يكون زرعًا لأخيه) ١٠ (فظهر ذلك منه سوء أمام الرب لفعله ذلك، وقتله الرب) ١١ (فقال يهوذا لثامار كنته اجلسي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر شيلا ابني) الخ ١٣ (فاعلموا ثامار قائلين هو ذا حموك صاعدًا إلى تمنت ليجز غنمه) ١٤ (فطرحت عنها ثامار ثياب الترمل وأخذت رداء وتزينت، وجلست في قارعة الطريق) الخ ١٥ (فلما رآها يهوذا ظن أنها زانية لأنها كانت قد غطت وجهها لئلا تعرف) ١٦ (ودخل عندها وقال لها دعيني أدخل إليك، لأنه لم يعلم أنها كنته. فقالت له: ماذا تعطيني حتى تدخل إليّ) ١٧ (فقال لها: أنا أرسل لك جديًا ماعزًا من القطان، وهي قالت له: أعطني رهنًا حتى ترسله) ١٨ (فقال يهوذا: أي شيء أعطيك رهنًا. فقالت: خاتمك، وعمامتك، وعصاك التي بيدك. فأعطاها لها، ودخل عليها فحبلت منه) ١٩ (وقامت فمضت، وطرحت عنها لبسها ورداءها، ولبست ثياب ترملها) ٢٤ (فلما كان بعد ثلاثة أشهر أخبروا يهوذا قائلين: زنت ثامار كنتك وهو ذا قد حبلت من الزنا.
فقال يهوذا أخرجوها لتحرق) ٢٥ (وإذا هم أخرجوها، أرسلت إلى حميها قائلة: مِنَ الرجل الذي هذه له، حبلت أنا، فاعرف لمن هو الخاتم والعمامة، والعصا) ٢٦ (فعرفها يهوذا، وقال تبررت هي أكثر مني لموضع أني لم أعطها لشيلا ابني، ولكنه لم يعد يعرفها بعد ذلك) ٢٧ (وكان لما دنا
[ ٤ / ١٢٣٣ ]
وقت الولادة وإذا توأم في بطنها فعند طلقها، الواحد سبق وأخرج يده فأخذت القابلة قرمزًا وربطته في يده قائلة: هذا يخرج أولًا) ٢٩ (فهاضم يده إليه للوقت، وخرج أخوه فقالت: هي لماذا من أجلك انقطع السياح، ولذلك دعت اسمه فارض) ٣٠ (وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز، فدعت اسمه زارح) .
ههنا أمور: الأول: أن الرب قتل عير لكونه رديئًا ورداءته لم تبين أكانت هذه الرداءة أشد من رداءة عمه الكبير حيث زنا بزوجة أبيه، ومن رداءة عميه الآخرين شمعون ولاوى حيث قتلا ذكور أهل البلدة كلهم، ومن رداءة أبيه وجميع أعمامه حيث نهبوا أموال تلك البلدة وسبوا نساءها وأطفالها، ومن رداءة أبيه حيث زنى بزوجته بعد موته. أهؤلاء كانوا قابلين للرأفة وعدم القتل وكان عير قابلًا للقتل فقتله الرب.
والثاني: العجب أن الرب قتل أونان على خطأ عزل المني، وما قتل أعمامه وأباه على الخطيآت المذكورة. أهذا العزل أشد ذنبًا من هذه الخطيآت.
والثالث: أن يعقوب لم يجر الحد ولا التعزيز على هذا الولد العزيز ولا على هذه الامرأة الفاجرة، بل لم يثبت من هذا الباب ولا من باب آخر أنه تنغص لأجل هذا الأمر من يهوذا، والباب التاسع والأربعون من سفر التكوين شاهد صدق على عدم تكدره حيث ذم روبيل وشمعون ولاوى على ما صدر عنهم، وما ذم يهوذا على ما صدر عنه، بل سكت عما صدر عنه ومدحه مدحًا
[ ٤ / ١٢٣٤ ]
بليغًا ودعا له دعاء كاملًا ورجحه على أخوته.
والرابع: أن ثامار شهد في حقها يهوذا صهرها بشدة البر، فسبحان الله نعم البار ونعمت البارة الفائقة في البر من الباب المذكور كيف لا تكون بارة شديدة حيث لم تكشف عورتها إلا لأبي زوجها وما زنت إلا بحميها أو حصلت منه بهذا الزنا الواحد ابنين كاملين.
والخامس: أن داود وسليمان وعيسى ﵈ كلهم في أولاد فارض الذي حصل بالزنا كما هو مصرح به في الباب الأول من إنجيل متى.
والسادس: أن الله ما قتل فارض وزارح مع كونهما ولدي الزنا، بل أبقاهما كابني لوط اللذين كانا ولدي زنا، وما قتلهما كما قتل ولد داود ﵇ الذي تولد بزناه بامرأة أوريا، لعل الزنا بامرأة الغير أشد من الزنا بزوجة الابن.
[١٧] في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج هكذا: ١ (ورأى الشعب أن موسى قد تأخر أن يهبط من الجبل فاجتمع الشعب إلى هارون وقالوا له قم فاجعل لنا آلهة يسيرون أمامنا من أجل أن موسى هذا الرجل الذي
[ ٤ / ١٢٣٥ ]
أصعدنا من أرض مصر لا ندري ماذا أصابه) ٢ (فقال لهم هارون: انزعوا قرطة الذهب التي في آذان نسائكم وأبنائكم وبناتكن وائتوني بها) ٣ (فنزع الشعب الأقرطة التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون) ٤ (فأخذها منهم وصيرها عجلًا سبيكًا وقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر) ٥ (فلما نظر هارون ذلك بنى مذبحًا أمامه ونادى وقال غدًا عيد للرب) ٦ (فقاموا بالغداة وقربوا وقودًا وذبائح مسلمة وجلس الشعب يأكلون ويشربون وقاموا يلعبون) . فظهر من هذه العبارة أن هارون صنع عجلًا وبنى مذبحًا أمامه ونادى وقال: غدًا عيد للرب. فعبد العجل وأمر بني إسرائيل بعبادته فقربوا وقودًا وذبائح، ولا شك أنه رسول.
كتب القسيس اسمت في القسم الأول من كتابه المسمى بتحقيق الدين الحق المطبوع سنة ١٨٤٢ في الصفحة ٤٢: (كما أنه لم يكن بينهم) أي بين بني إسرائيل (سلطان لم يكن بينهم نبي غير موسى وهارون وسبعين من المعينين) انتهى. ثم قال: (لم يكن غير موسى وهارون ومعينيهما نبيًا لهم) انتهى. فظهر أن هارون نبي عند المسيحيين.
ولا بد أن يعلم الناظر أني نقلت هاتين العبارتين من النسخة المطبوعة سنة ١٨٤٢ وكتبت الرد على هذه النسخة، وسميته تقليب المطاعن، ورد صاحب الاستفسار أيضًا على هذه النسخة، وسمعت أن هذا القسيس بعد الرد حرف كتابه فزاد في بعض المواضع ونقص في البعض، وبدل البعض، كما فعل صاحب ميزان الحق
[ ٤ / ١٢٣٦ ]
في نسخة الميزان مثله، فلا أعلم أن هذا القسيس ألقى هاتين العبارتين في النسخة الأخيرة المحرفة أم لا، وعبارات العهد العتيق تدل على نبوته أيضًا وكونه متبعًا لشريعة موسى ﵇ لا ينافي نبوته، كما لا ينافي هذا الأمر نبوة يوشع وداود وأشعيا وأرمياء وحزقيال وغيرهم من الأنبياء الإسرائيلية، الذين كانوا ما بين زمان موسى وعيسى ﵈. في الآية السابعة والعشرين من الباب الرابع من سفر الخروج هكذا: (فقال الرب لهارون اذهب وتلق موسى إلى البرية فمضى وتلقى به إلى جبل الله وقبله) . وفي الباب الثامن عشر من سفر العدد هكذا: ١ (وقال الرب لهارون) الخ ٨ (ثم كلم الرب هارون وقال له) الخ ٢٠ (ثم قال الرب لهارون) الخ. وفي هذا الباب من الأول إلى الآخر هو المخاطب حقيقة. وفي الباب الثاني والرابع والرابع عشر والسادس عشر والتاسع عشر توجد هذه العبارة: (وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما) في ستة مواضع. وفي الآية الثالثة عشر من الباب السادس من سفر الخروج هكذا: (فكلم الرب موسى وهارون وأوصاهما وأرسلهما إلى بني إسرائيل وإلى فرعون ملك مصر ليخرجا بني إسرائيل من مصر) .
فظهر من هذه العبارات أن الله أوحى إلى هارون ﵇ منفردًا وبشركة موسى ﵇، وأرسله إلى بني إسرائيل وفرعون كما أرسل موسى
[ ٤ / ١٢٣٧ ]
﵇، ومن طالع كتاب الخروج يظهر له أن المعجزات التي صدرت في مقابلة فرعون، ظهر أكثرها على يد هارون ﵇، وكانت مريم أخت موسى وهارون ﵉ أيضًا، نبيئة كما هو مصرح به في الآية العشرين من الباب الخامس عشر من سفر الخروج هكذا: (وأخذت مريم النبيئة أخت هارون دفًا في يدها) الخ. والآية السادسة والعشرون من الزبور المائة والخامس هكذا: (أرسل موسى عبده وهارون الذي انتخبه) . والآية السادسة عشر من الزبور المائة والسادس هكذا: (واغضبوا موسى في المعسكر وهارون قديس الرب) . فإنكار صاحب ميزان الحق نبوة هارون في الصفحة ١٠٥ من كتابه المسمى بحل الإشكال المطبوع سنة ١٨٤٧ ليس بشيء.
[١٨] في الباب الثاني من سفر الخروج هكذا: ١١ (وفي تلك الأيام لما شب موسى خرج إلى أخوته وأبصر تعبدهم ورأى رجلًا من أهل مصر يضرب رجلًا من أخوته العبرانيين) ١٢ (فالتفت إلى الجانبين فلم ير أحدًا فقتل المصري ودفنه) . فقتل موسى ﵇ بعصبية قومه المصري.
[١٩] في الباب الرابع من سفر الخروج هكذا: ١٠ (فقال موسى أرغب إليك يا رب إني لست برجل فصيح الكلام من أمس ولا من أول منه أيضًا
[ ٤ / ١٢٣٨ ]
ولا من حين خاطبت عبدك إني ألثغ وثقيل اللسان) ١١ (فقال له الرب من الذي خلق فم الإنسان، أو من صنع الأخرس والأصم والبصير والأعمى أليس أنا) ١٢ (فاذهب وأنا أكون في فيك وأعلمك ما تتكلم) ١٣ (فأما هو فقال أرغب إليك يا رب أن ترسل من أنت ترسل) ٢٤ (فاشتد غضب الرب على موسى) الخ. فاستعفى موسى ﵇ عن النبوة، وقد كان الرب وعده وجعله مطمئنًا، فاشتد عليه غضب الرب.
[٢٠] في الآية التاسعة عشر من الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج هكذا: (فلما دنا من المحلة وأبصر العجل وجوق المغنيين فاشتد غضب موسى ورمى باللوحين من يده فكسرهما في أسفل الجبل) . وهذان اللوحان كانا من عمل الله وخط الله، كما هو مصرح به في هذا الباب، فكسرهما خطأ، ولم يحصل بعد ذلك مثلهما، لأن اللوحين اللذين حصلا بعدهما كانا من عمل موسى ومن خطه، كما هو مصرح به في الباب الرابع والثلاثين من سفر الخروج.
[٢١] الآية الثانية عشر من الباب العشرين من سفر العدد هكذا: (وقال الرب لموسى وهارون من أجل إنكما لم تصدقاني وتقدساني قدام بني إسرائيل، من أجل ذلك لا تدخلان أنتما بهذه الجماعة إلى الأرض التي وهبت لهم) .
[ ٤ / ١٢٣٩ ]
وفي الباب الثاني والثلاثين من سفر الاستثناء هكذا: ٤٨ (وكلم الرب موسى في ذلك اليوم وقال له) ٤٩ (ارق هذا الجبل عبريم وهو جبل المجازاة إلى جبل نابو الذي في أرض مواب تلقاء أريحاء، ثم انظر إلى أرض كنعان التي أنا أعطيها لبني إسرائيل ليرثوها ثم مت في الجبل) ٥٠ (الذي تصعد إليه ويجتمع إلى شعوبك، كما مات أخوك هارون في هور الطور واجتمع إلى شعبه) ٥١ (على أنكما عصيتماني في بني إسرائيل عند ماء الخصام في قادس برية صين ولم تطهراني في بني إسرائيل) ٥٢ (فإنك ستنظر إلى الأرض التي أنا أعطيها بني إسرائيل من تلقائها، وأما أنت فلا تدخلها) . ففي هاتين العبارتين تصريح بصدور الخطأ عن موسى وهارون ﵉ بحيث صارا محرومين عن الدخول في الأرض المقدسة، وقد قال الله زاجرًا: إنكما لم تصدقاني وتقدساني وإنكما عصيتماني.
[ ٤ / ١٢٤٠ ]
[٢٢] زنى شمسون الرسول بامرأة زانية، كانت في غزة، ثم تعشق امرأة اسمها دليلي التي كانت من أهل وادي شوارق، وكان يدخل إليها، فأمرها كفار فلسطين أن تسأله، كيف يقدر الفلسطانيون عليه ويوثقونه، ولا يقدر هو على كثر الوثاق، ووعدوا العطية الجزيلة. فسألته فكذب ثلاث مرات، فقالت له هذه الفاجرة كيف تقول أنك تحبني وقلبك ليس معي وقد كذبتني ثلاث دفعات، وضيقت عليه بكلامها أيامًا كثيرة فأطلعها على كل شيء، وقال: إن حلقوا شعر رأسي زالت عني قوتي وصرت كواحد من الناس. فلما رأت أنه قد أظهر ما في قلبه فدعت رؤساء أهل فلسطين، وأنامته على ركبتها، ودعت الحلاق فحلق سبع خصال شعر رأسه. فزالت عنه قوته، فأسروه وقلعوا عينيه وحبسوه في السجن، ثم
[ ٤ / ١٢٤١ ]
استشهد هناك. وهذه القصة مصرح بها في الباب السادس عشر من سفر القضاة وشمسون نبي وتدل على نبوته الآية ٥ و٢٥ من الباب الثالث عشر. والآية ٦ و١٩ من الباب الرابع عشر، والآية ١٤ و١٨ و١٩ من الباب الخامس عشر من السفر المذكور، والآية الثانية والثلاثون من الباب الحادي عشر من الرسالة العبرانية.
[٢٣] في الباب الحادي والعشرين من سفر صموئيل الأول في حال داود، لما فر من خوف شاوول ملك إسرائيل، ووصل إلى نوبا عند أخيملك الكاهن هكذا: ١ (وأتى داود إلى نوبا أخيملك الحبر، فتعجب أخيملك من إتيان داود وقال له لماذا جئت وحدك وليس معك أحد) ٢ (فقال داود لأخيملك الكاهن إن الملك أمرني بشيء وقال لي لا يعلم أحد بهذا فيما أبعثك وأمرتك، فأما الفتيان فقد فرضت لهم ذلك الموضع وذلك) ٣ (والآن إن كان
[ ٤ / ١٢٤٢ ]
شيء تحت يدك أو خمسة من الخبز فادفع إلي أو مهما وجدت) ٦ (وأعطاه الخبز خبز القدس الخ) ٨ (وقال داود لإخيملك أهنا تحت يدك سيف أو حربة، لأن سيفي وحربتي لم آخذ معي، لأن كان أمر الملك مسرعًا) . فكذب داود ﵇ كذبًا بعد كذب، وصارت ثمرة هذا الكذب أن شاوول السفاك ملك بني إسرائيل قتل أهل نوبا كلهم، ذكورهم ونساءهم وأطفالهم ودوابهم من البقر والغنم والحمر، وقتل في هذه الحادثة خمسة وثمانون كاهنًا، ونجا في هذه الحادثة ابن لإخيملك اسمه ابيثار، وفر ووصل إلى داود ﵇. وأقر داود ﵇ بأني سبب لقتل أهل بيتك كلهم، كما هو مصرح به في الباب الثاني والعشرين من السفر المذكور.
[٢٤] في الباب الحادي عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (قام داود ﵇ من فراشه بعد الظهر يتمشى على سطح مجلس ملكه، فأبصر امرأة تغتسل على سطحها وكانت جميلة جدًا، فأرسل داود ﵇ وسأل عن الامرأة وقالوا له إنها بنت شباع امرأة أوريا، فأرسل داود رسلًا وأخذها ونام معها، ثم رجعت إلى بيتها فحبلت وأخبرته وقالت إني قد حبلت. فأرسل داود ﵇ إلى يواب قائلًا له: أرسل إلى أوريا، فأرسل يواب أوريا، وسأل داود ﵇ أوريا عن سلامة يواب وعن سلامة الشعب وعن الحرب، ثم قال: انزل إلى بيتك.
[ ٤ / ١٢٤٣ ]
فخرج أوريا فرقد بباب بيت الملك ولم ينحدر إلى بيته، وأخبروا داود ﵇، أن أوريا لم ينزل إلى بيته. فقال داود ﵇: لماذا لم تنحدر إلى بيتك. فقال أوريا: تابوت الله وإسرائيل ويهوذا في الخيام وسيدي يواب وعبيد سيدي في القفر وأنا أنطلق إلى بيتي وآكل وأشرب وأنام مع امرأتي، لا وحياتك وحياة نفسك أني لا أفعل هذا. وقال داود ﵇: أقم اليوم أيضًا ههنا، وإذا كان الغد أرسلك.
وبقي أوريا في أورشليم ذلك اليوم، وفي اليوم الآخر داعه داود ﵇ ليأكل قدامه ويشرب فسكره، وخرج وقت المساء فنام مكانه على جانب عبيد سيده ولم ينحدر إلى بيته، فلما كان الصباح كتب داود ﵇ صحيفة إلى يواب، وأرسلها بيد أوريا وقال صيروا أوريا في أول الحرب، وإذا اشتبك الحرب ارجعوا واتركوه وحده ليقتل، فلما نزل يواب حول القرية أقام أوريا في المكان الذي يعلم أن الرجال الشجعان هناك، فخرج أهل القرية فقاتلوا يواب فسقط من الشعب قوم من عبيد داود ﵇ وأوريا فمات، وأرسل يواب إلى داود ﵇ وأخبره، وسمعت امرأة أوريا أن زوجها قد مات فناحت عليه، فلما انقضت مناحتها، أرسل داود ﵇ فأدخلها بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنًا، وساء هذا الفعل الذي فعل داود أمام الرب) انتهى ملخصًا. وفي الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني حكم الرب لداود على لسان ناثان النبي ﵉ هكذا: ٩ (ولماذا أزريت بوصية الرب وارتكبت القبيح أمام عيني وقتلت أوريا الحيتاني في الحرب وامرأته أخذتها لك امرأة وقتلته بسيف بني عمون) ١٤ (ولكن لأنك أشمت بك أعداء الرب
[ ٤ / ١٢٤٤ ]
بهذه الفعلة فالابن الذي ولد لك موتًا يموت) فصدر عن داود ثمانية خطيئات:
(الأولى) أنه نظر إلى امرأة أجنبية بنظر الشهوة، وقد قال عيسى ﵇ أن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه، كما هو مصرح به في الباب الخامس من إنجيل متى.
(والثانية) أنه ما اكتفى على نظر الشهوة، بل طلبها وزنى بها، وحرمة الزنا قطعية، ومن الأحكام العشرة المشهورة. كما قال الله في التوراة لا تزن.
(والثالثة) أن هذا الزنا كان بزوجة الجار، وهذا أشد أنواع الزنا، وذنب آخر كما هو مصرح به في الأحكام العشرة المشهورة.
(والرابعة) ما أجرى حد الزنا لا على نفسه، ولا على هذه الامرأة. والآية العاشرة من الباب العشرين من سفر الأحبار هكذا: (ومن زنى بامرأة لها رجل فليقتل الزاني، والزانية) . والآية الثانية والعشرون من الباب الثاني والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: (إن اضطجع رجل مع امرأة غيره فكلاهما يموتان الزاني والزانية، وارفع الشر من إسرائيل) .
(والخامسة) أن داود ﵇ طلب أوريا من المعسكر، وأمره أن يذهب إلى بيته، وجل غرض داود ﵇ أن يلقي على عيبه سترًا، ويكون هذا الحبل منسوبًا إلى أوريا. ولما لم يذهب لأجل ديانته، وحلف أنه لا يروح، فأقامه
[ ٤ / ١٢٤٥ ]
داود ﵇ اليوم الثاني، وجعله سكران يسقي الخمر الكثير ليروح إلى بيته في حالة الخمار، لكنه لم يرح في هذه الحالة أيضًا مراعيًا لديانته، ولم يلتفت إلى زوجته الجميلة التي كانت جائزة له شرعًا وعقلًا. فسبحان الله العزيز حال ديانة العوام عند أهل الكتاب في ترك الأمر الجائز لأجل الديانة هكذا، وحال ديانة الأنبياء الإسرائيلية في ارتكاب الفواحش هكذا.
(والسادسة) أنه لما لم تحصل ثمرة مقصوده على إسكار أوريا، عزم داود ﵇ على قتله، فقتله بسيف بني عمون، وفي الآية السابعة من الباب الثالث والعشرين من سفر الخروج: (لا تقتل البار الزكي) .
(والسابعة) أنه لم يتنبه على خطأه، ولم يتب ما لم يعاتبه ناثان النبي ﵇.
(والثامنة) أنه قد وصل إليه حكم الله بأن هذا الولد الذي تولد بالزنا يموت، ومع هذا دعا لأجل عافيته، وصام وبات على الأرض.
[٢٥] في الباب الثالث عشر من سفر صموئيل الثاني، أن حمنون الولد الأكبر لداود زنى بثامار قهرًا ثم قال لها أخرجي، ولما امتنعت عن الخروج أمر خادمه فأخرجها، وأغلق الباب خلفها فخرجت صارخة، وسمع داود ﵇ هذه الأمور، وشقت عليه، لكنه لم يقل لحمنون شيئًا لمحبته له ولا لثامار، وكانت ثامار هذه أختًا لأبي شالوم بن داود ﵇ يقينًا،
[ ٤ / ١٢٤٦ ]
ولذلك بغض أبيشالوم حمنون، وعزم على قتله، ولما قدر عليه قتله.
[٢٦] في الآية الثانية والعشرين من الباب السادس عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (فضربوا لأبيشالوم خيمة على السطح، ودخل على سراري أبيه تجاه جميع إسرائيل) ثم حارب أبيشالوم الأب حتى قتل في تلك المحاربة عشرون ألفًا من بني إسرائيل كما هو مصرح به في الباب الثامن عشر، فابن داود ﵇ هذا فاق روبيل الولد الأكبر ليعقوب ﵇ بثلاثة أوجه:
(الأول) أنه زنى بجميع سراري أبيه بخلاف روبيل فإنه زنى بسرية واحدة.
(والثاني) أنه زنى تجاه جميع إسرائيل علانية بخلاف روبيل فإنه زنى خفية.
(والثالث) أنه حارب أباه حتى قتل عشرون ألفًا من بني إسرائيل. وداود ﵇ مع صدور هذه الأمور عن هذا الخلف السوء، كان وصى رؤساء العسكر أن لا يقتله أحد، لكن يواب خالف أمره، وقتل هذا الخلف السوء، ولما سمع داود ﵇ بكى بكاءً شديدًا، وحزن عليه. وأنا لا أتعجب من هذه الأمور لأن أمثالها لو صدرت عن أولاد الأنبياء، بل الأنبياء، ليست عجيبة على حكم كتبهم المقدسة، بل أتعجب ان زناءه بسراري
[ ٤ / ١٢٤٧ ]
أبيه كان بعدل الرب، وهو كان هيج هذا الزاني، لأنه كان وعده على لسان ناثان النبي ﵇ لما زنى داود ﵇ بامرأة أوريا. في الباب الثاني عشر من السفر المذكور هكذا: ١١ (فهذا ما يقول الرب هو ذا أنا مثير عليك شرًا من بيتك، وآخذ نساءك عيانك فأعطي صاحبك فينضجع مع نسائك عيان هذه الشمس) ١٢ (فإنك أنت فعلت هذا خفيًا، وأنا أجعل هذا الكلام أمام جميع إسرائيل، ومقابل الشمس) فوفى الله بما وعد.
[٢٧] في الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول هكذا: ١ (وكان سليمان الملك قد أحب نساء كثيرة غريبة، وابنة فرعون، ونساء من بنات الموابيين، ومن بنات عمون، ومن بنات أدوم، ومن بنات الصيدانيين، ومن بنات الحيثانيين) ٢ (من الشعوب الذين قال الرب لبني إسرائيل لا تدخلوا إليهم، ولا يدخلوا إليكم لئلا يميلوا قلوبكم إلى آلهتكم، وهؤلاء التصق بهم سليمان بحب شديد) ٣ (وصار له سبعمائة امرأة حرة، وثلثمائة سرية، وأغوت نساءه قلبه) ٤ (فلما كان عند كبر سليمان أغوت نساءه إلى آلهة أخر، ولم يكن قلبه سليمًا لله ربه مثل قلب داود أبيه) ٥ (وتبع سليمان عستروت إله الصيدانيين وملكوم
[ ٤ / ١٢٤٨ ]
صنم بني عمون) ٦ (وارتكب سليمان القبح أمام الرب ولم يتم أن يتبع الرب مثل داود أبيه) ٧ (ثم نصب سليمان نصبة لكاموش صنم مواب في الجبل الذي قدام أورشليم، ولملكوم وثن بني عمون) ٨ (وكذلك صنع لجميع نسائه الغرباء، وهن يبخرن، ويذبحن لآلهتهن) ٩ (فغضب الرب على سليمان حيث مال قلبه عن الرب إله إسرائيل الذي ظهر له مرتين) ١٠ (ونهاه عن هذا الكلام أن لا يتبع آلهة الغرباء، ولم يحفظ ما أمره به الرب) ١١ (فقال الرب لسليمان: إنك فعلت هذا الفعل، ولم تحفظ عهدي ووصاياي التي أمرتك بهن، أشق شقًا ملكك، وأصيره إلى عبدك) . فصدر عن سليمان ﵇ خمس خطيئات:
(الأولى) وهي أعظمها أنه ارتد في آخر عمره، الذي هو حين التوجه إلى الله. وجزاء المرتد في الشريعة الموسوية الرجم، ولو كان نبيًا ذا معجزات كما هو مصرح به في الباب الثالث عشر، والسابع عشر من سفر الاستثناء، ولا يعلم من موضع من مواضع التوراة، أنه يقبل توبة المرتد، ولو كان توبة المرتد مقبولة، لما أمر موسى ﵇ بقتل عبدة العجل، حتى قتل ثلاثة وعشرين ألف رجل على خطأ عبادته.
(والثانية) أنه بنى المعابد العالية للأصنام في الجبل قدام أورشليم، وهذه المعابد كانت باقية مئتين سنة حتى نجسها، وكسر الأصنام يوسنا بن آمون ملك
[ ٤ / ١٢٤٩ ]
يهوذا في عهده، بعد موت سليمان ﵇ بأزيد من ثلثمائة وثلاثين سنة، كما هو مصرح به في الباب الثالث والعشرين من سفر الملوك الثاني.
(والثالثة) أنه تزوج نساء من سفر الشعوب، التي كان الله منع من الالتصاق بهم، في الباب السابع من الاستثناء هكذا: (ولا تجعل معهم زيجة فلا تعط ابنتك لابنه، ولا تتخذ ابنته لابنك) .
(والرابعة) تزوج ألف امرأة، وقد كانت كثرة الأزواج محرمة على من يكون سلطان بني إسرائيل في الآية السابعة عشر من الباب السابع عشر من سفر الاستثناء هكذا: (ولا تكثر نساؤه لئلا يخدعن نفسه) .
(والخامسة) أن نساءه كن يبخرن ويذبحن للأوثان، وقد صرح في الباب الثاني والعشرين من سفر الخروج: (من يذبح للأوثان فليقتل) . فكان قتلهن واجبًا، وأيضًا أنهن أغوين قلبه، فكان رجمهن واجبًا على ما هو مصرح به في الباب الثالث عشر من سفر الاستثناء، وهو ما أجرى عليهم الحدود إلى آخر حياته.
[ ٤ / ١٢٥٠ ]
فالعجب أن داود وسليمان ﵉ ما أجريا حدود التوراة على أنفسهما، ولا على أهل بيتهما فأية مداهنة أزيد من هذا، أهذه الحدود التي فرضها الله للإجراء على المساكين المفلوكين فقط. ولم تثبت توبة سليمان ﵇ من موضع من مواضع العهد العتيق، بل الظاهر عدم توبته لأنه لو تاب لهدم المعابد التي بناها، وكسر الأصنام التي وضعها في تلك المعابد، ورجم تلك النساء المغويات. على أن توبته ما كانت نافعة لأن حكم المرتد في التوراة ليس إلا الرجم، وما ادعى صاحب ميزان الحق في الصفحة الخامسة والخمسين من طريق الحياة المطبوعة سنة ١٨٤٧ من توبة آدم وسليمان ﵉، فادعاء بحت وكذب صرف.
[٢٨] قد عرفت في الأمر السابع من مقدمة الكتاب أن النبي الذي كان في بيت أيل كذب في تبليغ الوحي، وخدع رجل الله المسكين، وألقاه في غضب الرب وأهلكه.
[٢٩] في الباب العاشر من سفر صموئيل الأول في حق شاوول ملك إسرائيل السفاك المشهور هكذا: ١٠ (وأتوا إلى الرابية وإذا صف من الأنبياء استقبله، وحل عليه روح الرب فتنبأ بينهم) ١١ (وحينما نظره الذين يعرفونه من أمس، وقبل من الأمس فإذا هو مع الأنبياء متنبي، قال كل امرئ منهم لصاحبه: ما هذا الذي أصاب ابن قيس شاوول في الأنبياء) ١٢ (فأجاب بعضهم البعض وقالوا: من أبوهم من أجل هذا صار مثلًا هل أيضًا شاوول في
[ ٤ / ١٢٥١ ]
الأنبياء) ١٣ (وفرغ مما تنبيء فأتى إلى الخضيرة) .
والآية السادسة من الباب الحادي عشر من سفر صموئيل الأول هكذا: (فاستقام روح الله على شاوول حين سمع هذا القول، واحتمى غضبه جدًا) .
يعلم من هذه العبارات أن شاوول كان مستفيضًا بروح القدس، وكان يخبر عن الحالات المستقبلة.
وفي الباب السادس عشر من السفر المذكور: (وابتعد روح الله من شاوول وصار روح ردي يعذبه بأمر الرب) .
ويعلم منه أن هذا النبي سقط عن درجة النبوة فابتعد عنه روح الله، وتسلط عليه روح الشيطان.
وفي الباب التاسع عشر من السفر المذكور هكذا: ٢٣ (فانطلق شاوول إلى نويت التي في الرامة، وحلت عليه أيضًا روح الرب، فجعل يسير ويتنبأ حتى انتهى الأمر إلى نويت في الرامة) ٢٤ (وخلع هو ثيابه وتنبا هو أيضًا أمام صموئيل، وسقط عريان نهاره ذلك كله وليلته تلك كلها، فصار مثلًا هل شاوول في الأنبياء) .
فحصل لهذا النبي الساقط عن درجة النبوة هذه الدرجة العليا مرة أخرى، ونزل عليه روح القدس نزولًا قويًا، بحيث رمى ثيابه وصار عريانًا، وكان على هذه الحالة يومًا بليلته، فهذا النبي الجامع بين الروح الشيطاني والرحماني، كان
[ ٤ / ١٢٥٢ ]
مجمع العجاب، فمن شاء فلينظر حال ظلمه وعتوه في السفر المذكور.
[٣٠] يهوذا الأسخريوطي كان أحد الحواريين، وكان مستفيضًا بروح القدس، وممتلئًا عنة، صاحب الكرامات، كما هو مصرح به في الباب العاشر من إنجيل متى، وهذا النبي باع دينه بدنياه، وسلم عيسى ﵇ بأيدي اليهود بطمع ثلاثين درهمًا، ثم خنق نفسه ومات، كما هو مصرح به في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى، وشهد يوحنا في حقه في الباب الثاني عشر من إنجيله أنه كان سارقًا، وكان الكيس عنده، وكان يحمل ما يلقى فيه. أيكون النبي مثل هذا السارق البائع دينه بدنياه.
[٣١] فر الحواريون الذين هم في زعمهم أفضل من موسى وسائر الأنبياء الإسرائيلية ﵈، في الليلة التي أخذ اليهود فيها عيسى ﵇ وتركوه في أيدي الأعداء، وهذا ذنب عظيم، وإن قيل أن هذا الأمر إن صدر عنهم لجبنهم، والجبن أمر طبعي. أقول: لو سلم هذا فلاعذر لهم في شيء آخر، هو كان أسهل الأشياء، وهو أن عيسى ﵇ كان في غاية الاضطراب في هذه الليلة، وقال لهم إن نفسي حزينة جدًا، امكثوا ههنا واسهروا معي، ثم تقدم قليلًا للصلاة، ثم جاء إليهم فوجدهم نيامًا، فقال لبطرس أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة، اسهروا وصلوا. فمضى مرة ثانية للصلاة ثم جاء فوجدهم نيامًا فتركهم ومضى ثم جاء
[ ٤ / ١٢٥٣ ]
إلى تلاميذه وقال لهم ناموا واستريحوا. كما هو مصرح به في الباب السادس والعشرين من إنجيل متى. ولو كان لهم محبة ما لما فعلوا هذا الأمر، ألا ترى أن العصاة من أهل الدنيا إذا كان مقتداهم أو قريب من أقاربهم في غاية الاضطراب، أو المرض الشديد في ليلة، لا ينامون في تلك الليلة ولو كانوا أفسق الناس.
[٣٢] أن بطرس الحواري الذي هو رئيس الحواريين، وخليفة عيسى ﵇ على ادعاء فرقة كاتلك، وإن كان متساوي الأقدام في الأمر المتقدم مع الحواريين الباقين، لكنه حصل له الفضل بأن اليهود لما أخذوا عيسى ﵇، تبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة، فجلس خارج الدار فجاءت جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع الجليلي. فأنكر قدام الجميع، ثم رأى أخرى وقالت للذين هناك، هذا كان مع يسوع الناصري. فأنكر أيضًا يقسم إني لست أعرف هذا الرجل، وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس حقًا أنت أيضًا منهم، فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف: إني لا أعرف هذا الرجل. وللوقت صاح الديك، فتذكر بطرس كلام عيسى ﵇، إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات كما هو مصرح به في الباب السادس والعشرين من إنجيل متى. وقد قال المسيح ﵇ له: اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله، لكن تهتم بما للناس، كما هو مصرح به في الباب السادس عشر من إنجيل متى.
[ ٤ / ١٢٥٤ ]
وكتب مقدسهم بولس في الباب الثاني من رسالته إلى أهل غلاطية هكذا: ١١ (ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية، قاومته مواجهة لأنه كان ملومًا) ١٢ (لأنه قبل ما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم، ولكن لما أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه خائفًا من الذين هم من أهل الختان) ١٣ (ورأى معه باقي اليهود أيضًا حتى أن برنابا أيضًا انقاد إلى ريائهم) ١٤ (لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل، قلت لبطرس قدام الجميع إن كنت وأنت يهودي تعيش أمميًا، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا) .
وكان بطرس يتقدم على الحواريين في القول، لكنه في بعض الأوقات لا يدري ما يقول كما صرح به في الآية الثالثة والثلاثين من الباب التاسع من إنجيل لوقا، وفي الرسالة الثانية من كتاب الثلاث عشرة رسالة المطبوعة سنة ١٨٤٩ في بيروت في الصفحة ٦٠: (أن أحد الآباء يقول إنه كان به شديدًا داء التجبر والمخالفة) . يوحنا فم الذهب مقاله ٨٢ و٨٣ في متى ثم في الصفحة ٦١: (يقول فم الذهب أنه كان ضعيفًا متخلخل العقل، والقديس اغوستينوس يقول عن بطرس: أنه كان غير ثابت لأنه كان يؤمن أحيانًا ويشك أحيانًا، وتارة يعرف أن المسيح غير مائت، وتارة يخاف أن يموت، وكان المسيح يقول له مرة طوبى لك، وأخرى يقول له يا شيطان) انتهى بلفظه.
فهذا الحواري عندهم أفضل من موسى وسائر
[ ٤ / ١٢٥٥ ]
(المطعن الأول) مطعن الجهاد
الأنبياء الإسرائيلية، فإذا كان حال الأفضل من موسى كما علمت. فماذا يعتقد في حق المفضولين.
[٣٣] كان رئيس الكهنة قيافا نبيًا بشهادة يوحنا في الآية الحادية والخمسين من الباب الحادي عشر من إنجيل يوحنا، قوله في حق قيافا في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤١ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (ولم يقل هذا من نفسه، لكن من أجل أنه كان عظيم الكهنة في تلك السنة، فتنبأ أن يسوع كان مزمعًا أن يموت بدل الأمة) . فقوله تنبأ يدل على نبوته، وهذا النبي أفتى بقتل عيسى ﵇، وكفره وأهانه، فلو كانت هذه الأمور بالنبوة والإلهام، فعيسى ﵇ واجب الرد والعياذ بالله. وإن كانت بإغواء الشيطان، فأي ذنب أكبر من هذه. وأكتفي على هذا القدر وأقول أن الذنوب المذكورة وأمثالها، مصرح بها في كتب العهدين، ولم تقدح هذه الذنوب في نبوة أنبيائهم، أفلا يستحيون أن يعترضوا على (محمد) ﷺ في أمور خفيفة.
وإذا عرفت هذا فالآن أشرع في نقل مطاعنهم والجواب عنها وأقول:
(المطعن الأول) مطعن الجهاد، وهو من أعظم المطاعن في زعمهم، ويقررونه في رسائلهم بتقريرات عجيبة مموهة، منشؤها العناد الصرف، وأنا أمهد قبل تحرير الجواب أمورًا خمسة:
(الأمر الأول) أن الله يبغض الكفر ويجازي عليه في الآخرة يقينًا، وكذا
[ ٤ / ١٢٥٦ ]
يبغض العصيان وقد يعاقب الكفار والعصاة في الدنيا أيضًا، فيعاقب الكفار تارة بالإغراق عمومًا في عهد نوح ﵇، فإنه أهلك كل ذي حياة غير أهل السفينة بالطوفان، وتارة بالإغراق خصوصًا، كما في عهد موسى ﵇ حيث أغرق فرعون وجنوده، وتارة بالإهلاك مفاجأة، كما أهلك أكبر الأولاد لكل إنسان وبهيمة من أهل مصر في ليلة خرج بنو إسرائيل فيها من مصر، كما هو مصرح به في الباب الثاني عشر من سفر الخروج، وتارة بإمطار الكبريت والنار من السماء، وقلب المدن، كما في عهد لوط ﵇، فإنه أهلك سادوم وعمورة ونواحيهما بإمطار الكبريت والنار وقلب المدن، وتارة بإهلاكهم بالأمراض، كما أهلك الأسدوديين بالبواسير، كما هو مصرح به في الباب الخامس من سفر صموئيل الأول، وتارة بإرسال الملك لإهلاكهم، كما فعل بعسكر الآثوريين، حيث أرسل ملكًا، فقتل منهم في ليلة واحدة مائة وخمسة وثمانين ألفًا، كما هو مصرح به في الباب التاسع عشر من سفر الملوك الثاني، وتارة بجهاد الأنبياء ومتبعيهم، كما ستعرف في الأمر الثاني، وكذا يعاقب العصاة أيضًا تارة بالخسف والنار، كما أهلك قورح وداثان وأبيرم وغيرهم لما خالفوا موسى ﵇، فانفلقت الأرض وابتلعت
[ ٤ / ١٢٥٧ ]
قورح وداثان وأبيرم ونسائهم وأولادهم وأثقالهم، ثم خرجت نار فأكلت مائتين وخمسين رجلًا كما هو مصرح به في الباب السادس عشر من سفر العدد.
وتارة بالإهلاك مفاجأة كما أهلك أربعة عشر ألفًا وسبعمائة لما خالف بنو إسرائيل في غد هلاك قورح وغيره، ولو لم يقم هارون ﵇ بين الموتى والأحياء، ولم يستغفر للقوم، لهلك الكل بغضب الرب في هذا اليوم، كما هو مصرح به في الباب المذكور. وكما أهلك خمسين ألفًا وسبعين رجلًا من أهل بيت الشمس على أنهم رأوا تابوت الله، كما هو مصرح به في الباب السادس من سفر صموئيل الأول. وتارة بإرسال الحيات المؤذية، كما أن بني إسرائيل لما خالفوا موسى ﵇ مرة أخرى، أرسل الله عليهم الحيات المؤذية، فجعلت تلدغهم، فمات كثير منهم كما هو مصرح به في الباب الرابع والعشرين من سفر العدد. وتارة بإرسال الملك كما أهلك سبعين ألفًا في يوم واحد، على أن داود ﵇ عد بني إسرائيل، كما هو مصرح به في الباب الرابع والعشرين من سفر صموئيل الثاني. وقد لا يعاقب الكفار والعصاة في الدنيا. ألا ترى أن الحواريين على زعم المسيحيين كانوا أفضل من موسى وسائر الأنبياء الإسرائيلية، ومن تابوت الله. وأن قاتليهم عند المسيحيين أسوأ من كفار عهد نوح ولوط وموسى ﵈. وقتل نيرو الظالم المشرك، الذي كان ملك ملوك الروم، بطرس الحواري وزوجته وبولس وكثيرًا من المسيحيين بأشد أنواع القتل.
[ ٤ / ١٢٥٨ ]
وكذا أكثر الكفار الحواريين وتابعيهم. وما أهلكهم الله بالإغراق ولا بإمطار الكبريت والنار وقلب المدن، ولا بقتل أكبر أولادهم، ولا بابتلائهم بالأمراض ولا بإرسال الملك، ولا بإرسال الحيات، ولا بوجه آخر.
(الأمر الثاني) أن الأنبياء السابقين أيضًا قتلوا الكفار وسبوا نسائهم وذراريهم، ونهبوا أموالهم. ولا تختص هذه الأمور بشريعة محمد ﷺ. كما لا يخفى على من طالع كتب العهدين. وله شواهد كثيرة أكتفي على إيراد بعضها.
١- في الباب العشرين من كتاب الاستثناء هكذا: ١٠ (وإذا دنوت من قرية لتقاتلها ادعهم أولًا إلى الصلح) ١١ (فإذا قبلت وفتحت لك الأبواب فكل الشعب الذي بها يخلص ويكونون لك عبيدًا يعطونك الجزية) ١٢ (وإن لم ترد تعمل معك عهدًا وتبتدئ بالقتال معك فقاتلها أنت) ١٣ (وإذا سلمها الرب إلهك بيدك اقتل جميع من بها من جنس الذكر بفم السيف) ١٤ (دون النساء والأطفال والدواب وما كان في القرية غيرهم، واقسم للعسكر الغنيمة بأسرها وكل من سلب أعدائك الذي يعطيك الرب إلهك) ١٥ (وهكذا فافعل بكل القرى البعيدة منك جدًا وليست من هذه القرى التي ستأخذها ميراثًا) ١٦ (فأما القرى التي تعطى أنت إياها فلا تستحي منها نفسًا البتة) ١٧ (ولكن أهلكهم إهلاكًا كلهم بحد السيف الحيثي والأموري والكنعاني والفرزي
[ ٤ / ١٢٥٩ ]
والحوايي واليابوسي كما أوصاك الرب إلهك) . فظهر من هذه العبارة أن الله أمر في حق القبائل الست، أعني الحيثانيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوايين واليابوسيين، أن يقتل بحد السيف كل ذي حياة منهم ذكورهم وإناثهم وأطفالهم. وأمر فيما عداهم، أن يدعوا أولًا إلى الصلح، فإن رضوا به وقبلوا الإطاعة وأداء الجزية فيها، وإن لم يرضوا يحاربوا، فإذا حصل الظفر عليهم، يقتل كل ذكر منهم بالسيف ويسبي نساؤهم وأطفالهم، وينهب دوابهم وأموالهم، وتقسم على المجاهدين، وهكذا يفعل بكل القرى التي هي بعيدة من قرى الأمم الست. وهذه العبارة الواحدة تكفي من جوابهم عن تقريراتهم الواهية، وقد نقلها العلماء الإسلامية سلفًا وخلفًا في مقابلتهم لكنهم يسكتون عنها كأنهم لم يروها في كلام المخالف، ولا يجيبونه عنها لا بالتسليم ولا بالتأويل.
٢- في الباب الثالث والعشرين من سفر الخروج هكذا: ٢٣ (وينطلق ملاكي أمامك فيدخلونك على الأموريين والحيثانيين والفرزانيين والكنعانيين والحوايين واليابوسانيين الذين أنا أخرجهم) ٢٤ (لا تسجدن لآلهتهم ولا تعبدها، ولا تعمل كأعمالهم، ولكن خربهم تخريباُ واكسر أوثانهم) .
٣- في الباب الرابع والثلاثين من سفر الخروج في حق الأمم الست هكذا: ١٢ (فاحذر أن تعاهد البتة سكان تلك الأرض الذين تأتيهم لئلا يكونوا لك عثرة) ١٣ (ولكن اهدم مذابهحم وكسر أصنامهم واقطع أنساكهم) .
٤- في الباب الثالث والثلاثين من سفر العدد: ٥١ (مر بني إسرائيل
[ ٤ / ١٢٦٠ ]
وقل لهم إذا عبرتم الأردن وأنتم داخلون أرض كنعان) ٢٥ (فأبيدوا كل سكان تلك الأرض واسحقوا مساجدهم واكسروا أصنامهم المنحوتة جميعها واعقروا مذابحها كلها) ٥٥ (ثم أنتم إن لم تبيدوا سكان الأرض فالذين يبقون منهم يكونون لكم كأوتاد في أعينكم ورماح في أجنابكم ويشقون عليكم في الأرض التي تسكنونها) ٥٦ (وما كنت عزمت أني أفعل بهم سأفعله بكم) .
٥ - في الباب السابع من سفر الاستثناء هكذا: ١ (إذا أدخلك الرب إلهك الأرض التي تدخل لترثها، وتبيد الشعوب الكثيرة من قدامك الحيثي والجرحيثاني والأموراني والكنعاني والفرزاني والحوايي واليوساني، سبعة أمم أكثر منكم عددًا وأشد منكم) ٢ (وسلمهم الرب إلهك بيدك فاضربهم حتى إنك لا تبقي منهم بقية، فلا تواثقهم ميثاقًا ولا ترحمهم) ٥ (ولكن فافعلوا بهم هكذا خربوا مذابحهم وكسروا أصنامهم وقطعوا مناسكهم وأوقدوا أوثانهم) . فعلم من هذه العبارات أن الله أمر بإهلاك كل ذي حياة من الأمم السبع وعدم الرحمة عليهم، وعدم المعاهدة معهم وتخريب مذابحهم، وكسر أصنامهم، وإحراق أوثانهم، وقطع مناسكهم، وشدد في إهلاكهم تشديدًا بليغًا، وقال: إن لم تهلكوهم أفعل بكم ما كنت عزمت أن أفعله بهم. ووقع في حق هذه الأمم السبعة (أنهم أكثر منكم عددًا وأشد منكم) . وقد
[ ٤ / ١٢٦١ ]
ثبت في الباب الأول من سفر العدد أن عدد بني إسرائيل الذين كانوا صالحين لمباشرة الحروب، وكانوا أبناء عشرين سنة وما فوقها، كان ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلًا، وأن اللاويين مطلقًا ذكورًا أو إناثًا، وكذا إناث سائر الأسباط الإحدى عشر مطلقًا، وكذا ذكورهم الذين لم يبلغوا عشرين سنة خارجون عن هذا العدد، ولو أخذنا عدد جميع بني إسرايل، وضممنا المتروكين والمتروكات كلهم بالمعدودين، لا يكون الكل أقل من ألفي ألف وخمسمائة ألف، أعني مليونين ونصف مليون، وهذه الأمم السبعة إذا كانت أكثر منهم عددًا وأشد منهم، فلا بد أن يكون عدد هذه الأمم، أكثر من عددهم. وألف القسيس دقتركيث كتابًا باللسان الإنكليزي، في بيان صدق الإخبارات عن الحوادث المستقبلة المندرجة في كتبهم المقدسة، وترجمه القسيس مريك باللسان الفارسي وسماه كشف الآثار في قصص أنبياء بني إسرائيل.
وهذه الترجمة طبعت في أدن برغ سنة ١٨٤٦ من الميلاد وسنة ١٢٦٢ من الهجرة. ففي الصفحة ٢٦ من هذه الترجمة: (علم من الكتب القديمة أن البلاد اليهودية كان فيها قبل خمسمائة وخمسين سنة من الهجرة ثمانية كرورات) أي ثمانون مليونًا (من ذي حياة) انتهى. فالغالب أن هذه البلاد في عهد موسى ﵇، كانت معمورة مثلها أو أزيد منها، فأمر الله بقتل ثمانين مليونات أو أكثر منها من ذي حياة.
٦- في الآية العشرين من الباب الثاني والعشرين من سفر الخروج هكذا: (من يذبح للأوثان فليقتل) .
[ ٤ / ١٢٦٢ ]
٧- من طالع الباب الثالث عشر من سفر الاستثناء، علم أن الداعي إلى عبادة غير الله، ولو كان نبيًا صاحب معجزات، واجب القتل، وكذا الداعي إلى عبادة الأوثان واجب الرجم، وإن كان من الأقارب أو من الأصدقاء. وإن عبدها أهل القرية، يقتل هؤلاء كلهم ودوابهم بحد السلاح وتحرق القرية ومتاعها وأموالها بالنار وتجعل تلًا، ثم لا تبنى.
٨- في الباب السابع عشر من سفر الاستثناء هكذا: ٢ (إذا وجد عندك جوأة أحد أبوابك التي يعطيك الرب إلهك رجل أو امرأة، تعمل سيئة قدام الرب إلهك ويعدوا ميثاقه) ٣ (ليذهبوا ويعبدوا آلهة أخرى ويسجدوا لها ويسجدوا للشمس والقمر، ولكل أجناد السماء ما لم آمر به أنا) ٤ (وأنت أخبرت بذلك وسمعت ذلك، وفحصت عنه بحرص فوجدت أن ذلك حق، وأنها قد صنعت رجاسة فاخرج الرجل الذي فعل الفعل السيء أو الامرأة إلى أبواب قريتك وارجموه بالحجارة) .
٩- في الباب الثالث من سفر الخروج هكذا: ٢١ (وأعطى نعمة لهذا الشعب قدام المصريين وإذا ما أردتم الخروج، فلا تخرجوا فارغين) ٢٢ (بل تسأل الامرأة مِنْ جارتها، ومِن التي هي ساكنة دارها، أواني فضة، وذهب، وثيابًا وتضعونها على بنيكم، وبناتكم، وتسلبون مصر) . ثم في الباب الحادي عشر من السفر المذكور قول الله لموسى ﵇ هكذا: ١ (فتحدث في مسمع الشعب أن يسأل الرجل صاحبه، والمرأة من صاحبتها أواني فضة، وأواني ذهب) ٣ (والرب يعطي لشعبه نعمة قدام المصريين) .
[ ٤ / ١٢٦٣ ]
ثم في الباب الثاني عشر من السفر المذكور هكذا: ٣٥ (وفعل بنو إسرائيل كما أمر موسى، واستعاروا من المصريين أواني فضة، وذهب، وشيئاَ كثيرًا من الكسوة) ٣٦ (فأما الرب أوهب نعمة لشعبه أمام المصرين أن يعيروهم واستلبوا المصريين) . فإذا كان عدد بني إسرائيل كما علمت، واستعار رجالهم ونساؤهم من المصريين، يكون ما استعاروه مالًا غير محصور، كما وعد الله أولًا بأنكم تسلبون مصر، ثم أخبر ثانيًا واستلبوا المصريين لكنه أجاز لهم السلب بحيلة الاستعارة، التي هي في الظاهر خديعة وغدر.
١٠- في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج في حال عبادة العجل هكذا: ٢٥ (فنظر موسى ﵇ الشعب أنه قد صار عريانًا إنما عراه هارون لعار النجاسة، وجعله عريانًا بين الأعداء) ٢٦ (فوقف في باب المحلة، وقال من كان من حزب الرب فليقبل إلي فاجتمع إليه جميع بني لاوى) ٢٧ (وقال لهم هذا ما يقول الرب إله إسرائيل ليتقلد كل رجل منكم سيفه فجوزوا في وسط المحلة من باب إلى باب، وارتدوا وليقتل الرجل منكم أخاه، وصاحبه، وقريبه) ٢٨ (فصنع بنو لاوى كما أمرهم موسى ﵇ فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل) . فقتل موسى ﵇ على عبادة العجل ثلاثة وعشرين ألفًا. واعلم أنه وقع في الترجمة العربية سنة ١٨٣١، وسنة ١٨٤٤، وسنة ١٨٤٨ التي نقلت عنها هذه العبارة لفظ ثلاثة وعشرين ألف رجل.
١١- في الباب الخامس والعشرين من سفر العدد، أن بني إسرائيل لما زنوا
[ ٤ / ١٢٦٤ ]
ببنات الموات، وسجدوا لآلهتهن، أمر الرب بقتلهم، فقتل موسى أربعة وعشرين ألفًا منهم.
١٢- من طالع الباب الحادي والثلاثين من سفر العدد، ظهر له أن موسى ﵇ لما أرسل اثني عشر ألف رجل مع فنيحاس بن العازار لمحاربة أهل مديان، فحاربوا وانتصروا عليهم، وقتلوا كل ذكر منهم، وخمسة ملوكهم وبلعام، وسبوا نسائهم، وأولادهم، ومواشيهم كلها، وأحرقوا القرى والدساكر والمدائن بالنار، فلما رجعوا غضب عليهم موسى ﵇، وقال: لِمَ استحييتم النساء، ثم أمر بقتل كل طفل مذكر، وكل امرأة ثيبة، وإبقاء الأبكار، ففعلوا كما أمر، وكانت الغنيمة من الغنم ستمائة وخمسة وسبعين ألفًا، ومن البقر اثنين وسبعين ألفًا، ومن الحمير أحدًا وستين ألفًا، ومن الأبكار اثنتين وثلاثين ألفًا، وكان لكل مجاهد ما نهب من غير الدواب، والإنسان، وما بين مقداره في هذا الباب غير أن رؤساء الألوف والمئين، أعطوا الذهب لموسى والعازار ستة عشر ألفًا وسبعمائة وخمسين مثقالًا. وإذا كان عدد النساء الأبكار اثنتين وثلاثين ألفًا، فكم يكون مقدار المقتولين من الذكور مطلقًا، شيوخًا كانوا أو شبانًا أو صبيانًا، ومن النساء الثيبات.
١٣- عمل يوشع ﵇ بعد موت موسى ﵇ على الأحكام المندرجة في التوراة، فقتل المليونات الكثيرة، ومن شاء فليطالع هذا في كتابه من الباب الأول إلى الباب الحادي عشر، وقد صرح في الباب الثاني
[ ٤ / ١٢٦٥ ]
عشر من كتابه، أنه قتل إحدى وثلاثين سلطانًا من سلاطين الكفار، وتسلط بنو إسرائيل على مملكتهم.
١٤- في الباب الخامس عشر من سفر القضاة في حال شمشون هكذا: (ووجد فكًا أعني خد حمار، فمد يده وأخذه، وقتل به ألف رجل) .
١٥ - في الباب السابع والعشرين من سفر صموئيل الأول: ٨ (وصعد داود ورجاله، وكانوا ينهبون أهل جاسور وجرز وعمالق، لأن هؤلاء كانوا سكان الأرض من الدهر من حد سورًا حتى حد مصر) ٩ (وكان يخرب داود كل الأرض، ولم يكن يبقى منهم رجلًا، ولا امرأة، ويأخذ الغنم، والبقر، والحمير، والجمال، والأمتعة، وكان يرجع ويأتي إلى أخيس) . انظروا إلى فعل داود ﵇ أنه كان يخرب الأرض، وما كان يبقي رجلًا، ولا امرأة من أهل جاسور، وجرز، وعمالق، وينهب دوابهم وأمتعتهم.
١٦- في الباب الثامن من سفر صموئيل الثاني: ٢ (وضرب الموابيين ومسحهم بالحبال وأضجعهم على الأرض، ومسح حبلين للقتل وكمل حبلًا
[ ٤ / ١٢٦٦ ]
واحدًا للاستحياء، وكان الموابيون عبيدًا لداود يؤدون إليه الخراج) ٣ (وضرب داود أيضًا هدر عازار بن راحوب ملك صوبا) الخ ٥ (فأتت أرام دمشق ليعينوا هدر عازار ملك صوبا، وضرب داود من أرام اثنين وعشرين ألف رجل) . فانظروا إلى فعل داود ﵇ بالموابيين، وهدر عازار، وجيشه وجيش أرام.
١٧- الآية الثامنة عشر من الباب العاشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (وهرب السريانيون من بين يدي إسرائيل، وقتل داود من السريانيين سبعمائة مركب، وأربعين ألف فارس، وسوباك رئيس الجيش ضربه فمات في ذلك المكان) .
١٨- وفي الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: ٢٩ (فجمع داود جميع الشعب، وسار إلى راية فحارب أهلها، وفتحها) ٣٠ (وأخذ تاج ملكهم عن رأسه وكان وزنه قنطارًا من الذهب، وكان فيه جواهر مرتفعة ووضعوه على داود، وغنيمة القرية أخرجها كثيرة جدًا) ٣١ (والشعب الذي كانوا فيها أخذهم ونشرهم بالمناشير وداسهم بموارج حديد، وقطعهم
[ ٤ / ١٢٦٧ ]
بالسكاكين وأجازهم بقمين الأجاجر، كذلك صنع بجميع قرى بني عمون، ورجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم) . ونقلت هذه العبارة لفظًا لفظًا، عن الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٣١، وسنة ١٨٤٤. فانظروا كيف قتل داود ﵇ بني عمون قتلًا شنيعًا، وأهلك جميع القرى بمثل هذا العذاب العظيم الذي لا يتصور فوقه.
١٩- في الباب الثامن عشر من سفر الملوك الأول: أن إيليا ﵇ ذبح أربعمائة وخمسين رجلًا من الذين يدعون أنهم أنبياء بعل.
٢٠- لما فتح أربعة ملوك سادوم، وعامورة، ونهبوا جميع أموال أهاليهما، وأسروا لوطًا ﵇، ونهبوا ماله أيضًا. ووصل هذا الخبر إلى إبراهيم ﵇، خرج إبراهيم ﵇ ليخلص لوطًا ﵇.
[ ٤ / ١٢٦٨ ]
ففي بيان هذا الحال في الباب الرابع عشر من سفر التكوين هكذا: ١٤ (فلما سمع إبرام أن لوطًا ابن أخيه سبي فأحصى غلمانه أولاد بيته ثلثمائة وثمانية عشر، وانطلق في أثرهم حتى أتى دان) ١٥ (وفرق أرفاقه، ونزل عليهم ليلًا، وضربهم، وطردهم إلى حوبا التي هي من شمال دمشق) ١٦ (واسترد المقتنى كله، ولوطًا ابن أخيه وماله، والنسوة أيضًا، والشعب) ١٧ (وخرج ملك سادوم للقائه بعد ما رجع من قتل كدرلغمور، والملوك الذين معه في وداي شوا الذي هو وادي الملك) .
٢١- في الباب الحادي عشر من الرسالة العبرانية هكذا: ٣٢ (وماذا أقول أيضًا لأنه يعوزني الوقت أن أخبرت عن جدعون، وباراق، وشمسون ويفتاح، وداود، وصموئيل، والأنبياء) ٣٣ (الذين بالإيمان قهروا ممالك صنعوا برًا نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود) ٣٤ (أطفؤا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا أشداء في الحرب، هزموا جيوش غرباء) . فظهر من كلام مقدسهم بولس، أن قهر هؤلاء الأنبياء ممالك، وإطفائهم النار ونجاتهم من حد السيف، وهزمهم جيوش الكفار، كان من جنس البر، لا من جنس الإثم. وكان منشؤها قوة الإيمان، ونيل مواد الرحمن، لا قساوة القلب
[ ٤ / ١٢٦٩ ]
والظلم. وإن كان أفعال بعضهم في صورة أشد أنواع الظلم، سيما في قتل الصغار الذين ما كانوا متدنسين بدنس الذنوب، وقد عد داود ﵇ جهاداته من الحسنات حيث قال في الزبور الثامن عشر: ٢٠ (ويجازيني الرب مثل بري ومثل طهارة يدي يكافئني) ٢١ (لأني حفظت طرق الرب، ولم أكفر بإلهي) ٢٢ (لأن جميع أحكامه قدامي، وعدله لم أبعده عني) ٢٣ (وأكون طهارة يدي قدام عينيه) . وقد شهد الله أن جهاداته وسائر أفعاله الحسنة كانت مقبولة عند الله في الآية الثامنة من الباب الرابع عشر من سفر الملوك. الأول قول الله هكذا: (داود عبدي الذي حفظ وصاياي، وتبعني من كل قلبه وعمل بما حسن أمامي) .
فما قال صاحب ميزان الحق وغيره من علماء بروتستنت، أن جهادات داود ﵇ كانت لأجل سلطنته ومملكته، فمنشؤه قلة الديانة، لأن قتل النساء والأطفال وكذا جميع أهل بعض البلاد ما كان ضروريًا لأجل هذا المصلحة، على أنا نقول أنا لو فرضنا أن هذا القتل كان لأجل السلطنة، لكنه لا يخلو إما أن يكون مرضيًا لله وحلالًا له، أو يكون مبغوضًا عند الله ومحرمًا عليه، فإن كان الأول ثبت مطلوبنا، وإن كان الثاني لزم كذب قوله وقول مقدسهم، وكذب شهادة الله في حقه، ولزوم أن يكون دماء ألوف من المعصومين، وغير واجبي القتل في ذمته. ودم البريء الواحد يكفي للهلاك، فكيف تحصل له النجاة الأخروية.
[ ٤ / ١٢٧٠ ]
في الباب الثالث من الرسالة الأولى ليوحنا: (وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة أبدية ثابتة فيه) . وفي الباب الحادي والعشرين من المشاهدات: (وأما الجبانون والكفار والمرذولون والقتلة والزناة والسحرة وعبدة الأوثان، وكل الكذابين يكون نصيبهم في البحيرة الموقدة بالنار والكبريت) . هذا هو الأمر الثاني والعياذ بالله، وحذرًا من التطويل أكتفي على هذا القدر.
(الأمر الثالث) لا يشترط أن تكون الأحكام العملية الموجودة في الشريعة السابقة، باقية في الشريعة اللاحقة بعينيها، بل لا يشترط أن تكون هذه الأحكام العملية في شريعة واحدة من أولها إلى آخرها، بل يجوز أن تختلف هذه الأحكام بحسب اختلاف المصالح والأزمنة والمكلفين، وقد عرفت هذه الأمور في الباب الثالث بما لا مزيد عليه، فكان الجهاد مشروعًا في الشريعة الموسوية على طريق هو أشنع أنواع الظلم عند منكري النبوة، ولم تبق مشروعيته في الشريعة العيسوية، وما كان بنو إسرائيل مأمورين بالجهاد قبل خروجهم عن مصر، وصاروا مأمورين به بعد خروجهم، وعيسى ﵇ يقتل الدجال وعسكره بعد نزوله. كما هو مصرح به في الباب الثاني من الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيقي، والباب التاسع عشر من المشاهدات. وكذا لا يشترط أن تكون معاملة تنبيه الكفار والعصاة على طريقة واحدة
[ ٤ / ١٢٧١ ]
كما علمت في الأمر الأول، فلا يجوز لمن يعتقد النبوة والوحي أن يعترض في مثل هذه الأمور على شريعته، فلا يجوز له أن يقول أن إهلاك كل ذي حياة غير أهل السفينة في طوفان نوح ﵇، وإهلاك أهل سادوم وعامورة ونواحيهما في عهد لوط ﵇، وإهلاك كل ولد أكبر من أولاد الإنسان والبهيمة من أهل مصر، ليلة خروج بني إسرائيل عنها في عهد موسى ﵇، كان ظلمًا سيما إهلاك ألوف في حادثة الطوفان، وإهلاك ألوف في الحادثتين الأخيرتين من أولاد الإنسان الصغار، وأولاد البهيمة التي هي ما كانت مدنسة بذنب من الذنوب.
وكذا لا يجوز أن يقول أن قتل الأمم السبعة كلها بحيث لا تبقى منهم بقية ما سيما قتل أولادهم الصغار الذين ما كانوا اقترفوا ذنبًا ظلم، أو أن يقول أن قتل الرجال وسبي الذراري ونهب الأموال من غير الأمم السبعة، أو أن قتل ذكور المديانيين كلهم حتى الطفل الرضيع، وكذا قتل نسائهم الثيبات كلها وإبقاء الأبكار لأجل أنفسهم، ونهب الأموال والدواب ظلم، أو أن يقول أن جهادات داود ﵇، وجهادات سائر الأنبياء الإسرائيلية ﵈، أو أن ذبح إيليا ﵇ أربعمائة وخمسين رجلًا من أنبياء بعل، أو أن قتل عيسى ﵇ بعد نزوله الدجال وعسكره ظلم، لا يجوز العقل أن يفعل الله أو يأمر أحدًا بأمثال هذا الظلم، وكذا لا يجوز أن يقول أن قتل الذابح للأوثان، وكذا قتل من يرغب إلى عبادة غير الله، وكذا قتل أهل القرية كلها إذا ثبت منهم الترغيب، وكذا قتل موسى ﵇ ثلاثة وعشرين ألفًا من عبدة العجل، وكذا قتل موسى ﵇ أربعة وعشرين ألفًا من الذين زنوا ببنات مواب وسجدوا لآلهتهن ظلم شنيع،
[ ٤ / ١٢٧٢ ]
وفي هذه الأحكام إجبار بأن يثبت الإنسان على الشريعة الموسوية لأجل خوف القتل والرجم، وظاهر أن الإيمان القلبي لا يمكن أن يحصل بالإجبار بل يستحيل أن يحصل للإنسان محبة الله أيضًا بالإجبار. فأمثال هذه الأحكام لا تكون من جانب الله، نعم من لا يكون معتقدًا بالنبوة والشرائع، ويكون ملحدًا وزنديقًا وينكر أمثال هذه الأمور لم تستبعد منه، لكنا لا كلام لنا معه في هذا الكتاب، بل كلامنا فيه مع المسيحيين عمومًا وعلماء بروتستنت خصوصًا.
(الأمر الرابع) أن علماء بروتستنت يدعون كذبًا أن دين الإسلام شاع بالسيف، وهذا الادعاء غير صحيح كما علمت في الأمر السابع من مقدمة الكتاب، وأفعالهم غير أقوالهم، فإنهم وكذا أسلافهم من أهل التثليث إذا تسلطوا تسلطًا تامًا، اجتهدوا في إمحاء المخالفين، وأنا أنقل بعض الحالات من كتبهم ورسائلهم فأنقل حالهم بالنسبة إلى اليهود من كتاب كشف الآثار في قصص أنبياء بني إسرائيل الذي عرفته في بيان الأمر الثاني فأقول:
قال صاحبه في الصفحة ٢٧: (القسطنطين الأعظم الذي كان قبل الهجرة بثلثمائة سنة تقريبًا أمر بقطع آذان اليهود وإجلائهم إلى أقاليم مختلفة، ثم أمر ملك الملوك الرومي في القرن الخامس من القرون المسيحية، بإخراجهم من البلدة السكندرية التي كانت مأمنهم من مدة، وكانوا يجيئون إليها من كل جانب، فيستريحون فيها. وأمر بهدم كنائسهم ومنع عبادتهم، وعدم قبول شهادتهم وعدم نفاذ الوصية أن أوصى أحد منهم لأحد في ماله، ولما ظهر
[ ٤ / ١٢٧٣ ]
منهم بغاوة ما لأجل هذه الأحكام نهب جميع أموالهم وقتل كثيرًا منهم، وسفك الدماء بظلم ارتعد به جميع يهود هذا الإقليم.
ثم قال في الصفحة ٢٨: (أن يهود البلد انطيوح لما أسروا بعد ما صاروا مغلوبين، قطع أعضاء البعض، وقتل البعض، وأجلى الباقين منهم كلهم، وظلم ملك الملوك في جميع مملكته هؤلاء المشاركين بأنواع الظلم، ثم أجلاهم من مملكته آخر الأمر. وهيج ولاة الممالك الأخرى على أن يعاملوا اليهود هذه المعاملة، فكان حالهم أنهم تحملوا الظلم من آسيا إلى أقصى حد أوربا، ثم بعد مدة قليلة كلفوا في مملكة اسبنيول لقبول شرط من الشروط الثلاثة: أن يقبلوا الملة المسيحية فإن أبوا عن قبولها يكونون محبوسين، وإن أبوا عن كليهما يجلون من أوطانهم، وصار مثل هذه المعاملة معهم في ديار فرانس. فهؤلاء المساكين كانوا ينتقلون من إقليم إلى إقليم ولا يحصل لهم موضع القرار، ولم يحصل لهم الأمن في آسيا الكبير أيضًا بل قتلوا في كثير من
[ ٤ / ١٢٧٤ ]
الأوقات كما قتلوا في ممالك الفرنج.
ثم قال في الصفحة ٢٩: (أن أهل ملة كتلك كانوا يظلمونهم باعتقاد أنهم كفار وعظماء هذه الملة عقدوا مجلسًا للمشورة، وأجروا عليهم عدة أحكام: (الأول): من حمى يهوديًا على ضد مسيحي يكون ذا خطأ، ويخرج عن الملة. (والثاني): أنه لا يعطى يهودي منصبًا في دولة من الدول. (والثالث): لو كان مسيحي عبد يهودي فهو حر. (والرابع): لا يأكل أحد مع اليهودي، ولا يعامله. (والخامس): أن ينزع الأولاد منهم وتربى في الملة المسيحية، وهكذا كان أحكام أخر) . أقول لا شك أن الحكم الخامس أشد أنواع الإكراه. ثم قال: (كانت عادة أهل البلدة ثولوس من إقليم فرانس أنهم كانوا يلطمون وجوه اليهود في عيد الفصح، وكان رسم البلدة بزيرس أن أهلها من أول يوم الأحد من أيام العيد إلى يوم العيد، كانوا يرمون اليهود بالحجارة، وكان
[ ٤ / ١٢٧٥ ]
يكثر القتل أيضًا في هذا الرمي، وكان حاكم البلدة المسيحي المذهب يهيج أهلها على هذا الفعل.
ثم قال في الصفحة ٣٠ و٣١: (دبر سلاطين فرانس في حق اليهود أمرًا، وهو أنهم كانوا يتركون اليهود إلى أن يصيروا متمولين بالكسب والتجارة، ثم يسلبون أموالهم، وبلغ هذا الظلم لأجل الطمع غايته، ثم لما صار فلب أوك سطس سلطانًا في فرانس، أخذ أولًا الخمس من ديون اليهود التي كانت على المسيحيين، وأبرأ من الباقي ذمة المسيحيين، وما أعطى اليهود حبة، ثم أجلى اليهود كلهم من مملكته، ثم جلس على سرير السلطنة سنط لوئيس وهو يطلب اليهود مرتين في مملكته وأجلاهم مرتين، ثم أجلى جرلس السادس اليهود من مملكة فرانس، وقد ثبت من التواريخ، أن اليهود أجلوا من مملكة فرانسا
[ ٤ / ١٢٧٦ ]
سبع مرات، وعدد اليهود الذين أخرجوا من مملكة اسبنيول لو فرض في جانب القلة، لا يكون أقل من ألف وسبعين ألف بيت، وفي مملكة نمسا قتل كثير منهم ونهب كثير منهم ونجا منهم قليل وهم الذين تنصروا، ومات كثير منهم بأن سدوا أولًا أبوابهم، ثم أهلكوا أنفسهم وأولادهم وأزواجهم وأموالهم، إما بالإغراق في البحر أو بالإحراق بالنار، وقتل غير المحصورين منهم في الجهاد المقدس، وكان الإنكليز اتفقوا على أن يظلموا اليهود، فلما حصل اليأس العظيم ليهود البلدة يرك بسبب الظلم، قتل بعضهم بعضًا فقتل ألف وخمسمائة من الرجال والنساء والأطفال، وصاروا أذلاء في هذه المملكة بحيث إذا بغى الأمراء على السلطان قتلوا سبعمائة يهودي ونهبوا أموالهم، لأجل أن يظهروا شوكتهم على الناس، وسلب رجار دوجان وهنري
[ ٤ / ١٢٧٧ ]
الثالث من سلاطين إنكلترة مرارًا، أموال اليهود ظلمًا سيما هنري الثالث، فإنه كانت عادته أنه كان ينهب اليهود بكل طريق على وجه الظلم، وعدم الرحم، وكان جعل أغنيائهم الكبار فقراء وظلمهم بحيث رضوا على الجلاء، واستجازوا أن يخرجوا من مملكته، لكنه ما قبل هذا الأمر منهم أيضًا.
ولما جلس ادورد الأول على سرير السلطنة، ختم الأمر بأن نهب أموالهم كلها ثم أجلاهم من مملكته، فأجلى أزيد من خمسة عشر ألف يهودي في غاية العسر) .
ثم قال في الصفحة ٣٢: (نقل مسافر اسمه سوتي أنه كان حال قوم برتكال قبل خمسين عامًا، أنهم كانوا يأخذون اليهودي ويحرقونه بالنار، ويجتمع رجالهم ونساؤهم يوم إحراقه كاجتماع يوم العيد، وكانوا يفرحون وكانت النساء يصحن وقت إحراقه لأجل الفرح) .
[ ٤ / ١٢٧٨ ]
ثم قال في الصفحة ٣٣: (أن البابا الذي هو عظيم فرقة كاتلك قرر عدة قوانين شديدة في حق اليهود) . انتهى كلام كشف الآثار في قصص أنبياء بني إسرائيل.
وقال صاحب سير المتقدمين: (أن السلطان السادس من قسطنطين الأول، أمر بمشورة أمرائه في سنة ٣٧٩ أن يتنصر كل من هو في السلطنة الرومية ويقتل من لم يتنصر) انتهى. وأي إكراه أزيد من هذا.
ولطامس نيوتن تفسير على الإخبار عن الحوادث المستقبلة المندرجة في الكتب المقدسة. وطبع هذا التفسير سنة ١٨٠٣ في البلد لندن. ففي الصفحة ٦٥ من المجلد الثاني في بيان تسلط أهل التثليث على أورشليم هكذا: (فتحوا أورشليم في الخامس عشر من شهور تموز الرومي سنة ١٠٩٩ بعد ما حاصروا خمس أسبوعات وقتلوا غير المسيحيين، فقتلوا أزيد من سبعين ألفًا من المسلمين وجمعوا اليهود وأحرقوهم ووجدوا في المساجد غنائم عظيمة) انتهى.
[ ٤ / ١٢٧٩ ]
وإذا عرفت حال ظلمهم في حق اليهود خصوصًا، وفي حق رعية السلطنة عمومًا، وما فعلوا عند تسلطهم على أورشليم، فالآن أذكر نبذًا مما فعل كاتلك بالنسبة إلى غيرهم من المسيحيين، وأنقل هذه الحالات عن كتاب الثلاث عشرة رسالة الذي طبع في بيروت سنة ١٨٤٩، من الميلاد باللسان العربي فأقول:
قال في الصفحة ١٥ و١٦: (أما الكنيسة الرومانية فقد استعملت مرات كثيرة الاضطهادات والطرد المزعج ضد البروتستانت، أي الشهود أو بالحري الشهداء، وذلك في ممالك أوربا. ويظن أنها أحرقت في النار أقل ما يكون مائتين وثلاثين ألفًا من الذين آمنوا بيسوع دون البابا، واتخذوا الكتب المقدسة وحدها هدى وإرشادًا لإيمانهم وأعمالهم، وقد قتلت أيضًا منهم ألوف وربوات بحد السيف والحبوس والكلبتين، وهي آلة لتخليع المفاصل بالجذب، وأفظع العذابات المتنوعة. ففي فرنسا قتل في يوم واحد ثلاثون ألف رجل وذلك في اليوم الملقب بيوم ماريرثو لماوس، وعلى هذا الأسلوب أذيالها مختضبة بدماء القديسين) انتهى كلامه بلفظه.
وفي الصفحة ٣٣٨ في الرسالة الثانية عشر من الكتاب المذكور: (يوجد
[ ٤ / ١٢٨٠ ]
قانون وضع في المجمع الملتم في توليد وفي سبانيا يقول أننا نضع قانونًا: أن كل من يقبل إلى هذه المملكة فيما بعد، لا تأذن له أن يصعد إلى الكرسي إن لم يحلف أولًا أنه لا يترك أحدًا غير كاثوليكي يعيش في مملكته، وإن كان بعد ما أخذ الحكم يخالف هذا العهد فليكن محرومًا، فدام الإله السرمدي وليصر كالحطب للنار الأبدية) . مجموع المجامع من كارتراوجه ٤٠٤ (والمجمع اللاتراني يقول أن جميع الملوك والولاة وأرباب السلطنة فليحلفوا أنهم بكل جهدهم وقلوبهم يستأصلون جميع رعاياهم المحكوم عليهم من رؤساء الكنيسة بأنهم أراتقة، ولا يتركون أحدًا منهم في نواحيهم، وأن كانوا لا يحفظون هذه اليمين فشعبهم محلول من الطاعة لهم) .
[ ٤ / ١٢٨١ ]
رأس ٣ (وهذا القانون قد ثبت أيضًا في مجمع قسطنطيا) جلسة ٤٥ (ومن رسم البابا مرتينوس الخامس) عن ضلال فيكل. (وفي اليمين التي حلفت بها الأساقفة تحت رياسة البابا بولينوس الثالث سنة ١٥٥١ يوجد هذا الكلام: أن الأراتقة وأهل الانشقاق والعصاة على سيدنا البابا وخلفائه هؤلاء بكل قوتي أطردهم وأبيدهم) . والمجمع اللاتراني ومجمع قسطنطيا يقولون: (أن الذي يمسك الأراتقة له إذن وسلطة أن يأخذ منهم كل ما لهم ويستعمله لنفسه من غير مانع) مجمع لا تراني ٤ مجلد ٢ فصل ١ وجه ١٥٢ ومجمع قسطنطيا جلسة ٤٥ مجلد ٧ (والبابا اينوشنيسوس الثالث يقول أن هذا القصاص على الأراتقة نحن نأمر به كل الملوك والحكام ونلزمهم إياه تحت القصاصات الكنائسية) رسم ٧ كتاب ٥.
وفي سنة ١٧٢٤ وضع الملك لويس الحادي عشر ثمانية عشر قانونًا.
[ ٤ / ١٢٨٢ ]
أولها: أننا نأمر أن الديانة الكاتوليكية وحدها، مأذونة في مملكتنا، وأما الذين يتمسكون بديانة أخرى فليذهبوا إلى الاعتقال طول حياتهم، والنساء فلتقطع شعورهن ويحبسن إلى الموت.
وثانيها: أننا نأمر أن جميع الواعظين الذي جمعوا جماعات على غير العقائد الكاتوليكية، والذين علموا أو مارسوا عبادة مخالفة لها يعاقبون بالموت. وفي مخاطبة الأساقفة في سبانيا للملك سنة ١٧٦٥ يقولون له أعط الرسوم كل قوتها، والديانة كل مجدها، لكن تسبب هذه المقالة منا تجديد قوانين سنة ١٧٢٤ المذكورة: (وكان من جملة رسوم إنكلترا تحت رياسة البابا أن كل من يقول أنه لا يجوز أن يسجد للايفونات يحبس في السجن الشديد حتى يحلف أنه يسجد لها، والأسقف أو القاضي الكنايسي له سلطان أن يحضر إليه، أو يحبس كل من يقع عليه الشبهة أنه أراتيكي، والأراتيكي العنيد فليحرق بالنار قدام الشعب، وجميع الحكام فليحلفوا أنهم يعينون هذا القاضي على استئصال الأراتقة الذين عندما تظهر أرتقتهم تسلب أموالهم ويسلمون إليه، وتمحى خطاياهم بلهيب النار) . كوك فرائض عدد ٣ وجه ٤٠ و٤١ وأيضًا عدد ٤ وجه ١٥ (وبارونيوس يقول أن الملك كارلوس الخامس، كان يظن برأيه الباطل، أنه
[ ٤ / ١٢٨٣ ]
يستأصل الأراتقة ليس بالسيف بل بالكلام، وفي فهرس الكتاب المقدس المطبوع في رومية باللاتيني والعربي تحت حرف الهاء يوجد هذا التعليم: أن الأراتقة ينبغي لنا أن نهلكهم ويورد الإثبات على ذلك أن الملك ياهو قتل الكهنة الكذبة وإيليا ذبح كهنة باعل، وغير ذلك. فإذن هكذا ينبغي لأولاد الكنيسة أن يهلكوا الأراتقة) .
ثم في الصفحة ٣٤٧ و٣٤٨: (المؤرخ منتوان المتقدم في رياسة الكرمليين مع غيره من المؤرخين، يخبرنا عن كاروز بالإنجيل معتبر يقال له ثوما من رودن، أحرقه البابا بالنار لأنه كرز ضد فسادات الكنيسة الرومانية، والمؤرخون يدعونه قديسًا وشهيدًا حقيقيًا للمسيح) .
وفي الصفحة ٣٥٠ إلى ٣٥٥: (في سنة ١١٩٤ أمر الديفونسو ملك
[ ٤ / ١٢٨٤ ]
اراغون في إسبانيا بنفي الواضيين من بلاده، لأنهم أراتقة.. وفي سنة ١٢٠٦ رغمًا عن الأمير رايمون وإلى مدينة ثولوس، أرسل البابا قضاة بيت التفتيش إلى تلك المدينة، لأن الأمير المذكور كان قد أبى أن ينفي هؤلاء الواضيين، ثم بعد قليل أرسل ملك فرنسا بطلب البابا إلى تلك المدينة ونواحيها عسكرًا، عدده ثلثمائة ألف، فحاصر الأمير رايمون في مدينته لأجل المحاماة عن نفسه، ولكي يدفع القوة بالقوة، فانذبح في ذلك القتال ألف ألف، وانكسر أهل رايمون وأحاط بهم كل صنف من الإهانات والعذابات، وكان البابا في حركة هذه الحروب يقول لقومه: إننا نعظمكم ونحتم عليكم أن تجتهدوا في ملاشاة هذه الأرتقة الخبيثة أرتقة الألبجيين
[ ٤ / ١٢٨٥ ]
أي الواضيين وتطردوهم بيد قوية أشد مما يكون ضد الساراجين أي المسلمين.. وفي سنة ١٤٠٠ في آخر شهر كانون الأول، قام أهل البابا بغتة على الواضيين في أوديابيت مونت بلاد ملك سردينيا، فهربوا من وجوههم بلا قتال، ولكن قتل كثيرون بالسيف وكثيرون ماتوا بالثلج، ثم أن البابا بعد ذلك بسبع وثمانين سنة، كلف البرتوس ارشيديا كونوس في مدينة كريمونا أن يحارب الواضيين في النواحي القبلية من فرنسا، وفي أوديابيت مونت، حيث بقي البعض منهم من الذين رجعوا بعد الحرب في سنة ١٤٠٠، وهذا الرجل المذكور تقدم حالًا ومعه ثمانية عشر ألف محارب، وأقام تلك الحرب التي استمرت نحو ثلاثين سنة على المسيحيين الذين قالوا:
[ ٤ / ١٢٨٦ ]
نحن في كل وقت نكرم الملك ونؤدي الجزية، ولكن أرضنا وديانتنا التي ورثناها من الله ومن آبائنا لا نريد أن نتركها، وفي كالابريا من بلاد إيطاليا سنة ١٥٦٠ قتل ألوف ألوف، من البروتستنتيين، بعضهم قتل من العسكر وبعضهم من محكمة بيت التفتيش.
قال أحد المعلمين الرومانيين: إنني أرتعد كلما أفتكر بذلك الجلاد والخنجر الدموي بين أسنانه والمنديل يقطر دمًا بيده وهو متلطخ بيديه إلى الأكارع، يسحب واحدًا بعد واحد من السجن، كما يفعل الجزار بالغنم.. وفي سنة ١٦٠١ نفى دوك السافوي خمسمائة عيلة من الواضيين.. وأيضًا سنة ١٦٥٥ وسنة ١٦٧٦ تجددت الاضطهادات عليهم في أوديابيد مونت، لأن الملك لويس الرابع عشر بإشارة من البابا تقدم إليهم بجيشه، وهم في بيوتهم بغاية الطمأنينة، فذبح العسكر خلقًا كثيرًا منهم، ووضعوا في الحبس أكثر من عشرة آلاف، فمات كثير منهم من الزحام والجوع، والذين سلموا أخرجوهم لكي ينزحوا من تلك البلاد، وكان ذلك اليوم شديد البرد والأرض مغطاة
[ ٤ / ١٢٨٧ ]
بالثلج. والجليد، فكان كثير من الأمهات وأولادهن في أحضانهن موتى على جانب الطريق من البرد.. وكارلوس الخامس سنة ١٥٢١، أخرج أمرًا في طرد البروتستنتيين في بلاد فلامنك عن رأي البابا، وبسبب ذلك قتل خمسمائة ألف نفر..
وبعد كارلوس تولى ابنه فيلبس، ولما ذهب إلى إسبانيا سنة ١٥٥٩، استخلف الأمير ألفًا على طرد البروتستنتيين، والمذكور في أشهر قليلة قتل على يد الجلاد الملوكي الشرعي ثمانية عشر ألفًا، وبعد ذلك كان يفتخر بأنه قتل في كل المملكة ستة وثلاثين ألفًا، والقتيل الذي يذكره المعلم كين في عيد ماربرثولماس، كان في ٢٤ آب سنة ١٥٧٢ في وقت السلامة الكاملة وكان (الملك ملك فرنسا قد وعد بأخته لأمير نافار وهو من علماء البروتستنتيين وأشرافهم، ثم اجتمع هو
[ ٤ / ١٢٨٨ ]
وأصدقاء أعيان كنيستهم في باريس لأجل استتمام الوعد بالزواج، ولما ضربت النواقيس لأجل الصلاة الصباحية، قاموا بغتة حسب اتفاقهم السابق على الأمير وأصحابه، وعلى جميع البروتستنتيين في باريس، فذبحوا منهم للوقت عشرة آلاف نفر، وهكذا جرى أيضًا في روين وليون وأكثر المدن في تلك البلاد، حتى قال البعض من المؤرخين أنه قتل نحو ستين ألفًا، واستمر هذا الاضطهاد مدة ثلاثين سنة، لأن البروتستنتيين مسكوا سلاحهم لكي يدفعوا القوة بالقوة، ومات في هذا الحرب منهم تسعمائة ألف، ولما سمع في رومية فعل ملك فرنسا في عيد ماربرثولماوس أطلقوا المدافع من الأبراج، وذهب البابا مع الكرديناليين ليرتل مزمور الشكر في كنيسة ماربطرس،
[ ٤ / ١٢٨٩ ]
وكتب شكرًا وتعظيمًا للملك على الخير والجميل الذي صنعه مع الكنيسة الرومانية بهذا العمل، فلما جلس الملك هنري الرابع على كرسي فرنسا قطع هذا الاضطهاد سنة ١٥٩٣. ولكن يظن أنه قتل لأجل عدم تسليمه بالاغتصاب في أمر الدين. ثم إنه في سنة ١٦٧٥ تجدد الاضطهاد وبعد ما قتل خلق كثير يقول المؤرخون أن خمسين ألفًا اضطروا أن يتركوا بلادهم لكي ينجوا من الموت) انتهى كلامه، ونقلت عبارة هذا الكتاب بألفاظها من الرسالة الثانية عشر.
وإذا عرفت حال ظلم فرقة كاتلك، فاعلم أن حال ظلم فرقة بروتستنت قريب منه، وأنقل هذا الحال عن كتاب مرآة الصدق الذي ترجمه القسيس طامس انكلس من علماء كاتلك، من اللسان الإنكليزي إلى أردو، وطبع سنة ١٨٥١ من الميلاد. ويوجد هذا الكتاب عند أهل هذه الفرقة في الهند كثيرًا. في الصفحة ٤١ و٤٢: (سلب بروتستنت في ابتداء أمرهم ستمائة وخمسة وأربعين رباطًا، وتسعين مدرسة، وألفين وثلثمائة وستة وسبعين كنيسة، ومائة وعشر مارستانات من ملاكها، فباعوا بثمن بخس وقاسمها الأمراء
[ ٤ / ١٢٩٠ ]
فيما بينهم، وأخرجوا ألوفًا من المساكين المفلوكين عريانين من هذه الأمكنة) . ثم قال في الصفحة ٥٤: (امتد طمعهم أنهم ما تركوا الأموات أيضًا آذوا أجسادهم في نوم العدم وسلبوا أكفانهم) .
ثم قال في الصفحة ٤٨ و٤٩: (وضاعت في هذه الغنائم كتبخانات ذكرها جيء بيل متحسرًا بهذه الألفاظ: إنهم سلبوا كتبًا واستعملوا أوراقها في الشواء، وفي تطهير الشمعدانات والنعال، وباعوا بعض الكتب على العطارين وباعة الصابون، وباعوا كثيرًا منها ما وراء البحر على أيدي المجلدين، وما كانت هذه الكتب مائة أو خمسين، بل المراكب كانت مملوءة منها، وأضاعوها بحيث تعجب الأقوام الأجنبية، وإني أعلم تاجر اشترى كتبخانتين كلا منهما بعشرين ربية. وبعد هذه المظالم ما تركوا من خزائن الكنائس إلا جدارًا عريانة، ثم ظنوا أنفسهم من أهل الوقار وملؤوا الكنائس من أناس من أهل ملتهم) . ثم قال في الصفحة الثانية والخمسين إلى الصفحة السادسة والخمسين: (فلنلاحظ الآن أفعال الجور التي فعلها بروتستنت في حق فرقة كاتلك إلى هذا الحين، أنهم قرروا أزيد من مائة قانون كلها خلاف العدل والرحمة، لأجل الظلم، ونحن نذكر عدة من هذه القوانين الجورية:
[ ٤ / ١٢٩١ ]
[١] لا يرث كاتلك تركة أبويه.
[٢] لا يشتري واحد منهم أرضًا بعد ما يجاوز عمره ثماني عشر سنة إلا أن يصير بروتستنت.
[٣] لا يكون لهم مكتب.
[٤] لا يشتغل أحد منهم بالتعليم ومن خالف هذا الحكم يحبس دائمًا.
[٥] من كان من هذه الملة يؤدي ضعف الخراج.
[٦] إن صلى أحد من قسوسهم فعليه أداء ثلثمائة وثلاثين ربية من ماله، وإن صلى أحد منهم ولا يكون قسيسًا فعليه أداء ربية ويسجن سنة.
[٧] إن أرسل أحد منهم ولده خارج إنكلترا للتعليم، يقتل هو وولده ويسلب أمواله ومواشيه كلها.
[٨] لا يعطى لهم منصب من الدولة.
[٩] من لم يحضر منهم يوم الأحد أو العيد في كنيسة بروتستنت، تؤخذ منه مائتا ربية في كل شهر، ويكون خارجًا عن الجماعة، ولا يعطى له منصب.
[١٠] من ذهب منهم بعيدًا من لندن مسافة خمسة أميال، يؤخذ منه ألف ربية مصادرة.
[١١] لا يسمع استغاثة أحد منهم عند الحكام بحسب القانون.
[١٢] ما كان أحد منهم يسافر أزيد من خمسة أميال، مخافة أن ينهب ماله ومتاعه، وكذا ما كان أحد منهم يقدر على الاستغاثة في أمر عند
[ ٤ / ١٢٩٢ ]
الحكام، مخافة أن يؤخذ منه ألف ربية مصادرة.
[١٣] لا تنفذ أنكحتهم ولا تجهيز موتاهم ولا تكفين الموتى ولا تعميد أولادهم، إلا إذا كانت هذه الأمور على طريقة كنيسة إنكلترا.
[١٤] إن تزوجت إحدى نساء هذه الملة، تأخذ الدولة من جهازها ثلثين، ولا ترث من تركة زوجها، ولا يوصي زوجها لها من تركته بشيء، ونساؤهم كن يحبسن إلى أن يعطي أزواجهن عشر ربيات في كل شهر أو يعطوا ثلث أراضيهم إلى الدولة.
[١٥] ثم صدر الحكم عاقبة الأمر إن لم يصر كلهم بروتستنت يسجنون ثم يجلون من أوطانهم مدة حياتهم، وإن أبوا عن الحكم أو رجعوا من الجلاء بدون الأمر كانوا ملزمين بإلزام عظيم.
[١٦] لا يحضر القسيس عند قتلهم ولا عند تجهيزهم وتكفينهم.
[١٧] لا يكون السلاح في بيت أحد منهم.
[١٨] لا يركب أحد منهم على حصان يكون ثمنه أزيد من خمسين ربية.
[١٩] إن أدى قسيس منهم أمرًا من الخدمات المتعلقة به يسجن دائمًا.
[٢٠] القسيس الذي يكون مولده إنكلترا، ولا يكون من ملة بروتستنت، إن أقام أزيد من ثلاثة أيام في إنكلترا يتصور أنه غدار ويقتل.
[٢١] من أنزل القسيس المذكور على مكانه يقتل.
[٢٢] لا تقبل شهادة كاتلك في العدالة.. وقتل على هذه القوانين الجورية في عهد الملكة اليصابت مائتان وأربعة
[ ٤ / ١٢٩٣ ]
أشخاص. كان مائة وأربعة منهم قسيسين والباقون من أهل الغنى، وما كان ذنبهم غير أنهم أقروا أنهم من ملة كاتلك، ومات تسعون قسيسًا وكبار آخرون في السجن، وأجلى مائة وخمسة أشخاص مدة حياتهم، وضرب كثيرًا منهم بالسياط وصودروا وحرموا من أموالهم، حتى هلك عشيرتهم، وقتلت ميري المشهورة ملكة أسكات، وكانت بنت الخالة للملكة اليصابت، لأجل كونها من ملة كاتلك) .
[ ٤ / ١٢٩٤ ]
ثم قال في الصفحة الحادية والستين إلى السادسة والستين: (حمل كثير من رهبانهم وعلمائهم بأمر الملكة اليصابت في المراكب، ثم أغرقوا في البحر. جاء عساكرها إلى إيرلاند ليدخلوا أهل ملة كاتلك في ملة بروتستنت، فأحرقوا كنائس كاتلك وقتلوا علماءهم، وكان يصطادونهم كاصطياد الوحوش البرية، وكانوا لا يؤمنون أحدًا وإن أمنوا أحد قتلوه أيضًا بعد الأمان، وذبحوا العسكر الذي كان في حصن سمروك وأحرقوا القرى والبلاد، وأفسدوا الحبوب والمواشي وأجلوا أهلها بلا امتياز المنزلة والعمر. ثم أرسل بارلمنت سنة ١٦٤٣ وسنة ١٦٤٤ الباشوات ليسلبوا جميع
[ ٤ / ١٢٩٥ ]
أموال كاتلك وأراضيهم بلا امتياز بينهم، وبقي أنواع الظلم إلى زمن الملك جيمس الأول وحصل التخفيف في الظلم في عهده ثم رحمهم الملك سنة ١٧٧٨، لكن البروتستنتيين سخطوا عليه وقدموا عرضحال إلى السلطان من جانب أربعة وأربعين ألفًا من فرقة بروتستنت في ثاني حزيران سنة ١٧٨٠، واستدعوا أن يبقى بارلمنت القوانين الجورية في حق ملة كاتلك كما كانت. لكن بارلمنت ما التفتوا إليه فاجتمع مائة ألف من بروتستنت في لندن وأحرقوا الكنائس وهدموا أمكنة كاتلك. وكان الحريق يرى من موضع واحد في ستة وثلاثين مكانًا، وكانت هذه الفتنة قائمة إلى ستة أيام، ثم أوجد الملك قانونًا آخر سنة ١٧٩١ وأعطى ملة كاتلك حقوقًا هي حاصلة لهم إلى هذا الحين.
ثم قال في الصفحة ٧٣ و٧٤: (ما سمعتم حال جارتراسكول الذي هو في ايرلاند هذا الأمر محقق، أن بروتستنت يجمعون في كل سنة مقدار مائتي ألف وخمسين ألف ربية، وكراء أكثر المكانات الكبيرة، ويشترون بها أولاد فرقة كاتلك الذين هم من المساكين المفلوكين. ويرسلوا بهم في العربيات إلى إقليم آخر بالخفية، لئلا يرى آباؤهم وأمهاتهم، ويقع كثيرًا أن هؤلاء الأشقياء إذا رجعوا إلى أوطانهم، تزوجوا بأخواتهم أو إخوتهم أو آبائهم أو أمهاتهم للجهل وعدم الامتياز) انتهى كلامه.
والظلم الذي صدر عن بعض فرق بروتستنت بالنسبة إلى بعض آخر، لا أنقله حذرًا من التطويل، وأكتفي على هذا القدر، وأقول: انظروا إلى هؤلاء الطاعنين على الملة المحمدية إنهم كيف أشاعوا ملتهم بالجور والظلم.
[ ٤ / ١٢٩٦ ]
(الأمر الخامس) أن حكم الجهاد في الشريعة المحمدية هكذا يدعى الكفار أولًا بالموعظة الحسنة إلى الإسلام، فإن قبلوه فبها ويكونون كأمثالنا، وإن لم يقبلوا فإن كانوا من مشركي العرب فحكمهم القتل، كما كان هذا الحكم في الشريعة الموسوية في حق الأمم السبعة والمرتد والذابح للأوثان والداعي إلى عبادتها، وإن كانوا من غيرهم يدعون إلى الصلح بقبول الجزية والإطاعة، فإن قبلوا صارت دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا، وإن لم يقبلوا فيحاربون، مع مراعاة الشروط التي هي مصرح بها في كتب الفقه. كما كان مثله في الشريعة الموسوية في حق غير الأمم السبعة. والخرافات الني نقلها علماء بروتستنت في بيان هذه المسألة بعضها مفتريات وبعضها هذيانات.
وأنقل كتاب خالد بن الوليد ﵁ إلى رئيس عسكر فارس وكتاب الأمان من عمر ﵁ لنصارى الشام ليظهر الحال على الناظر اللبيب.
أما الأول فصورته هكذا: (بسم الله الرحمن الرحيم من خالد ابن الوليد إلى رستم ومهران في ملأ فارس. سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإنا ندعوكم إلى الإسلام فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قومًا يحبون القتل في سبيل الله، كما يحب فارس الخمر. والسلام على من اتبع الهدى) .
[ ٤ / ١٢٩٧ ]
وأما الثاني فصورته هكذا: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أمانًا لأنفسهم وكنائسهم
[ ٤ / ١٢٩٨ ]
وصلبانهم سقيمها وبرها وسائر ملتها، أنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من صلبانهم ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم ولا يسكن إيلياء أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعتهم وصليبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وعلى صليبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان فيها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء رجع إلى أرضه وأنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله ﷺ وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.
شهد على ذلك من الصحابة ﵃ خالد بن الوليد ﵁ وعمرو بن العاص ﵁ وعبد الرحمن بن عوف ﵁
[ ٤ / ١٢٩٩ ]
ومعاوية بن أبي سفيان ﵁) وكل الناس يعترفون أن أمير المؤمنين عمر ﵁ كان شديدًا في الإسلام في غاية الشدة، وكان جهاد الشام من أعظم جهاداته وكان جاء بنفسه الشريف عند محاصرة إيلياء، ولما تسلط على إيلياء وقبل المسيحيون الجزية ما قتل أحدًا ولا أكره على الإيمان وأعطاهم شروطًا حسنة، وقد اعترف به مؤرخوهم ومفسروهم أيضًا، كما عرفت من كلام طامس نيوتن في الفصل الثالث من الباب الأول، وقد عرفت في الأمر الرابع من هذا المبحث من كلام المفسر المذكور ما فعل المسيحيون في حق المسلمين واليهود إذ تسلطوا على إيلياء.
والفرق بين الشريعة المحمدية والموسوية في مسألة الجهاد أن الشريعة المحمدية أن يدعى الكافر فيها:
أولًا: بالموعظة الحسنة إلى الإسلام بخلاف الشريعة الموسوية وظاهر أنه لا قبح في هذه الدعوة، والامتناع بعد الإيمان عن القتل عين الإنصاف.. في الآية الحادية عشر من الباب الثالث والثلاثين من كتاب حزقيال: (يقول الرب الإله لست أريد موت المنافق بل أن يتوت المنافق من طريقه) . والآية السابعة من الباب الخامس والخمسين من كتاب أشعيا هكذا:
[ ٤ / ١٣٠٠ ]
(فليترك المنافق طريقه ورجل السوء أفكاره، وليرجع إلى الرب فيرحمه وإلى آلهنا لأنه كثير الغفران) .
والثاني: أنه كان حكم قتل النساء والصبيان إذا كانوا من الأمم السبعة في الشريعة الموسوية، بخلاف الشريعة المحمدية، فإن هؤلاء لا يقتلون وإن كانوا من مشركي العرب، كما كانوا لا يقتلون في الشريعة الموسوية أيضًا إذا كانوا من غير الأقوام السبعة.
فإذا تمهدت هذه الأمور الخمسة أقول لا شناعة في مسألة الجهاد الإسلامي نقلًا وعقلًا. أما نقلًا فلما عرفته في الأمور المذكورة وأما عقلًا فلأنه قد ثبت بالبرهان الصحيح أن إصلاح القوة النظرية مقدم على إصلاح القوة العملية فإصلاح العقائد مقدم على إصلاح الأعمال، وهذه مقدمة مسلمة عند كافة الملبين، ولذلك لا تفيد الأعمال الصالحة بدون الإيمان عندهم. ولا يعاندنا المسيحيون أيضًا في هذا الباب لأن الأعمال الصالحة بدون الإيمان بالمسيح لا تنجي عندهم أيضًا. وأن الجواد الحليم المتواضع الكافر بعيسى ﵇ أشر عندهم من البخيل الغضوب المتكبر المؤمن بعيسى ﵇. وكذا قد ثبت بالتجربة الصحيحة أن الإنسان قد تنبه على خطأه وقبحه بتنبيه الغير، وكذا قد ثبت بالتجربة الصحيحة أن الإنسان لا يطيع الحق غالبًا لأجل وجاهة قومه وشوكتهم، ولا يصغي إلى قول رجل من صنف آخر بل يأنف من سماع كلامه، سيما إذا كان هذا القول مخالفًا لطبائع صنفه وأصولهم، ويكون في قبوله لزوم المشقة في أداء العبادات البدنية والمالية بخلاف ما إذا انكسرت وجاهة قومه وشوكتهم فلا يأنف من الإصغاء،.
[ ٤ / ١٣٠١ ]
وكذا قد ثبت بالتجربة أن العدو إذا رأى أن مخالفه مائل إلى الدعة والسكون يطمع في التسلط على مملكته، وهذا هو السبب الأغلبي في زوال الدول القديمة وبعد تسلطه تحصل المضرة العظيمة للدين والديانة ولذلك أضطر المسيحيون كافة إلى ما يخالف إنجيلهم المتداول:
فقال أهل ملة كاتلك: أن الكنيسة الرومانية لها سلطان حقيقي على كل مسيحي بواسطة العماد، لكون كل معتمد خاضعًا للكنيسة الرومانية ومرؤوسًا منها وهي ملتزمة بقصاص العصاة بالعقوبات الكنائسية، وبأن تسلم المصرين على ضلالهم والمضرين للجمهور، إلى ذوي الولاية ليعاقبوهم بالموت، وبالتالي يمكنها إلزامهم بحفظ الإيمان الكاتلكي والشرائع الكنائسية تحت أي قصاص كان.
[ ٤ / ١٣٠٢ ]
وقد نقل قولهم هذا إسحاق برد كان من علماء بروتستنت، في كتابه المسمى بكتاب الثلاث عشرة رسالة في الرسالة الثانية عشر في الصفحة ٣٦٠ من النسخة المطبوعة سنة ١٨٤٩ في بيروت.
وقال علماء بروتستنت من أهل إنكلترا سعادة الملك له الحكم الأعلى في مملكة إنكلترا هذه وفي ولاياته الأخر، وله السلطنة الأولى على جميع متعلقات هذه المملكة سواء كانت كنائسية أو مدنية في كل حال، وما هي خاضعة بل لا يصح أن تخضع لحاكم أجنبي، ويجوز للمسيحيين أن يتقلدوا السلاح بأمر الحكام ويباشروا الحروب. كما هو مصرح به في العقيدة السابعة والثلاثين من عقائد دينهم، فترك كلا الفريقين ظاهر أقوال عيسى ﵇ أعني (لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا، ومن سخرك ميلًا واحدًا فاذهب معه اثنين من سألك فأعطه) . فإن هذه الأقوال تخالف ما مهدوه ولو عملوا على هذه الأقوال لا أقوال أزيد من هذا، إن سلطنة الإنكليز تزول من الهند في أيام معدودة ويخرجهم أهل الهند بلا كلفة.
ولذلك قال بعض الظرفاء الأذكياء أطال الله حياته قادحًا
[ ٤ / ١٣٠٣ ]
على هذه الأقوال إلزامًا: (تكليف للإنسان بما ليس في وسعه، ولا يمكن لدولة ما أن تعمل به، ولا يمكن إلزام أحد به إلا بعض الصيادين الذين لا رداء لهم فيؤخذ منهم ولا يعبؤون بإضاعة الوقت) انتهى كلامه.
ثم قال: (وذلك كله غير مذكور في مرقص ويوحنا مع أن النصارى كافة على إلقائهم العمل بهذه الأحكام ما زالوا يحتجون بها وبها يستدلون على أفضلية مذهبهم، فكيف ساغ إذا لمرقس ويوحنا أن يهملا ذلك ويتواطآ معًا على قصة حل الجحش. فهل من دأب المؤرخين أن يذكروا الخسيس من الأمور ويسكتوا عن الجليل، ولا سيما أنهم هم المخاطبون به ويمكن أن يقال أن من ذكره فإنما نظر إلى تكليف غيره، ومن سكت عنه فإنما خشي تكليف نفسه) انتهى كلامه بلفظه.
وقال بعض الملاحدة: إن هذه الأحكام التي يفخر بها المسيحيون لا تخلوا إما أن تكون مستحبة نظرًا إلى بعض الحالات أو واجبة. فإن كانت مستحبة فلا بأس بها. لكنها لا تختص بالملة المسيحية فإن هذا الاستحباب نظرًا إلى بعض الحالات يوجد في غير ملتهم أيضًا، وإن كانت واجبة فلا شك أنها منابع المفاسد والشرور وأسباب زوال الدول والراحة والاطمئنان والسرور وإذ ثبت ما ذكرت فلا شك في استحسان الجهاد عقلًا إذا كان جامعًا للشروط المذكورة في الشريعة المحمدية.
[ ٤ / ١٣٠٤ ]
وتذكرت حكاية مناسبة للمقام:
جاء بعض القسيسين في محكمة المفتي من محكمات الدولة الإنكليزية في الهند فقال: يا جناب المفتي لي سؤال على المسلمين أمهل المجيب إلى سنة لأداء جوابه. فأشار المفتي إلى ناظر المحكمة وكان رجلًا ظريفًا فقال: أي سؤال هذا قال القسيس: إن نبيكم ادعى أنه مأمور بالجهاد وما كان موسى مأمور به ولا عيسى. فقال الناظر: [ص ٣٥٩] أهذا هو السؤال الذي تمهلنا إلى سنة لنتفكر في جوابه. قال القسيس: نعم. قال الناظر: لا نستمهلك، وأجيبك الآن لسببين: أما أولًا فلأنا متعلقون بالدولة الإنكليزية ولا فرصة لنا إلا في أيام التعطيل فمن يمهلنا إلى سنة. وأما ثانيًا فلأن هذا السؤال لا يحتاج في جوابه إلى تأمل.. ماذا تقول في حق لجج (يعني الحاكم الإنكليزي الذي يكون بمنزلة القاضي في الشرع) أيجوز له بحسب القوانين الإنكليزية أن يقتل القاتل قصاصًا إذا ثبت القتل عليه عنده، قال القسيس: لا، لأنه ليس بمأمور بهذا، بل منصبه أن يرسل هذا القاتل إلى شيشن جج (يعني الحاكم الكبير منه) . قال: أيجوز لهذا الحاكم الكبير بحسب القوانين أن يقتله إذا ثبت القتل عنده. قال القسيس: لا، لأنه ليس بمأمور أيضًا، بل منصبه أن يحقق الأمر ثانيًا ويخبر الحاكم الذي هو أعلى منه حتى يصدر حكم القتل عن هذا الأعلى ثم يحكم هذا الكبير بقتله. فقال الناظر: أهؤلاء الحكام الثلاثة ليسوا بمتعلقين بالدولة الواحدة الإنكليزية. قال القسيس: بلى لكن اختلاف الاقتدار لأجل مناصبهم. فقال الناظر: الآن ظهر الجواب من كلامك، فلا بد أن تعلم أن موسى وعيسى ﵉ بمنزلة الحاكمين الأولين ونبينا بمنزلة الحاكم الثالث الأعلى، فكما لا يلزم من عدم اقتدار الحاكمين الأولين عدم اقتدار الثالث فكذا لا يلزم من عدم اقتدار موسى وعيسى ﵇ عدم اقتدار محمد ﷺ.
فسكت القسيس وخرج خائبًا.
[ ٤ / ١٣٠٥ ]
فمن نظر إلى ما ذكرت بنظر الإنصاف، وتجنب عن العناد والاعتساف، علم يقينًا أن التشدد في مسألة الجهاد، وقتل المرتد والمرغب إلى عبادة الأوثان في الشريعة الموسوية، أشد وأكثر من التشدد الذي فيها في الشريعة المحمدية، وأن طعن المسيحيين خلاف الإنصاف جدًا، وأتعجب من حالهم أنهم لا ينظرون إلى أن أسلافهم كيف أشاعوا ملتهم بالظلم وكيف قرروا القوانين الجورية لمخالفيهم. ولما طال هذا البحث لا أتعرض لهوساتهم المندرجة في رسائلهم. وفيما ذكرت كفاية لذفع هذه الهوسات وبالله التوفيق.
(المطعن الثاني) عدم ظهور المعجزات على يد محمد ﷺ
من شروط النبوة ظهور المعجزات على يد من يدعيها وما ظهرت معجزة على يد محمد ﷺ. كما يدل عليه ما وقع في سورة الأنعام: ﴿ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق، وهو خير الفاصلين﴾ . وكذا ما وقع في تلك السورة: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند الله، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) . وكذا ما وقع في سورة بني إسرائيل: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا، أو تأتي بالله، والملائكة قبيلًا، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا﴾ . وكذا بعض الآيات الأخر.
[ ٤ / ١٣٠٦ ]
(والجواب) أن الأمور الثلاثة التي ذكرها السائل تغليطات.
أما الأول: فلأن صدور المعجزة ليس من شروط النبوة على حكم هذا الإنجيل المتعارف، فعدم صدورها لا يدل على عدم النبوة.. في الآية الحادية والأربعين من الباب العاشر من إنجيل يوحنا هكذا: (فأتى إليه كثيرون، وقالوا إن يوحنا لم يفعل آية واحدة) .. وفي الآية السابعة والعشرين من الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا: (يوحنا عند الجميع نبي) .. وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٣٥ (كلهم يحسبون يحيى نبيًا) . وقد وقع في الباب الحادي عشر من إنجيل متى قول عيسى ﵇ في حقه: (إنه أفضل من نبي) . فهذا الأفضل من الأنبياء لم تصدر عنه معجزة من المعجزات على شهادة كثيرين مع أن نبوته مسلمة عند المسيحيين.
وأما الأمر الثاني: فغلط بحت كما عرفت في الفصل الأول.
والأمر الثالث: إما غلط منهم أو تغليط. لأن المراد بما في قوله
[ ٤ / ١٣٠٧ ]
تعالى ما تستعجلون به الواقع في الآية الأولى، العذاب الذي استعجلوه بقولهم: ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتنا بعذاب أليم﴾، ومعنى الآية ﴿ما عندي ما تستعجلون به﴾ أي العذاب الذي تستعجلون به ﴿إن الحكم إلا لله﴾ في تعجيل العذاب، وتأخيره ﴿يقص الحق﴾ أي يقضي القضاء الحق من تعجيل وتأخير، ﴿وهو خير الفاصلين﴾ أي القاضين. فحاصل الآية أن العذاب ينزل عليكم في الوقت الذي أراد الله إنزاله، ولا قدرة لي على تقدمه، أو تأخيره. وقد نزل عليهم يوم بدر وما بعده فلا تدل هذه الآية على أن محمدًا ﷺ لم تصدر عنه معجزة.
وأما الآية الثانية فمعناها ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ مصدر في موضع الحال ﴿لئن جاءتهم آية﴾ من مقترحاتهم ﴿ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله﴾ هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء ﴿وما يشعركم﴾ استفهام إنكار ﴿أنها﴾ أي الآية المقترحة ﴿إذا جاءت لا يؤمنون﴾ أي لا تدرون أنهم لا يؤمنون بها، وهذا القول يدل على أنه تعالى إنما لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون.
وأما الآية الثالثة فمعناها ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض﴾ أي أرض مكة ﴿ينبوعًا﴾ أي عينًا غزيرة لا ينضب ماؤها ﴿أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفًا من السماء﴾، ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا﴾ أي شاهدًا على صحة ما تدعيه ضامنًا لدركه ﴿أو يكون
[ ٤ / ١٣٠٨ ]
لك بيت من زخرف﴾ أي من ذهب ﴿أو ترقى في السماء﴾ أي في معارجها ﴿ولن نؤمن لرقيك﴾ وحده ﴿حتى تنزل علينا كتابًا﴾ من السماء فيه تصديقك. عن ابن عباس: قال عبد الله بن أبي أمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلمًا، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ﴿نقرؤه قل سبحان ربي﴾ تعجبًا من اقتراحاتهم ﴿هل كنت إلا بشرًا رسولًا﴾ كسائر الرسل. وما كان مقصودهم بهذه الاقتراحات إلا العناد، واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا هذا سحر. كما قال الله ﷿: ﴿ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس﴾، ﴿ولو فتحنا عليهم بابًا من السماء﴾، وكذا حال بعض آيات أخر، يفهم منه في الظاهر نفي إظهار الآية، لكن المقصود به نفي المعجزة المقترحة، ولا يلزم من هذا النفي، نفي المعجزات مطلقًا، ولا يلزم على الأنبياء أن يظهروا معجزة كلما طلبها المنكرون، بل هم لا يظهرون إذا طلب المنكرون عنادًا أو امتحانًا أو استهزاء، وأورد لهذا الأمر شواهد من العهد الجديد:
[ ٤ / ١٣٠٩ ]
(الأول) في الباب الثامن من إنجيل مرقس هكذا: ١١ (فخرج الفريسيون وابتدؤوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه) ١٢ (فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية الحق، أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية، فالفريسيون طلبوا معجزة من عيسى ﵇ على سبيل الامتحان، فما أظهر معجزة، ولا أحال في ذلك الوقت إلى معجزة صدرت عنه فيما قبل، ولا وعد بإظهارها فيما بعد أيضًا، بل قوله لن يعطى هذا الجيل آية، يدل على أن المعجزة لا تصدر عنه فيما بعد هذا البتة، لأن لفظ الجيل يشمل الجميع الذين كانوا في زمانه.
(الثاني) في الباب الثالث والعشرين من إنجيل لوقا هكذا: ٨ (وأما هيردوس فلما رأى يسوع فرح جدًا لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يرى آية تصنع منه) ٩ (وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء) ١٠ (ووقف رؤوساء الكهنة، والكتبة يشتكون عليه باشتداده) ١١ (فاحتقره هيردوس مع عسكره واستهزأ به، وألبسه لباسًا لامعًا ورده إلى بيلاطس) فعيسى ﵇ ما أظهر معجزة في ذلك الوقت، وقد كان هيردوس
[ ٤ / ١٣١٠ ]
يترجى أن يرى منه آية، والأغلب أنه لو رأى لألزم اليهود على اشتكائهم ولما احتقر مع عسكره ولما استهزأ.
(الثالث) في الباب الثاني والعشرين من إنجيل لوقا هكذا: ٦٣ (والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزؤون به وهم يجلدونه) ٦٤ (وغطوه، وكانوا يضربون وجهه، ويسألونه قائلين تنبأ من هو الذي ضربك، وأشياء أخر كثيرة، كانوا يقولون عليه مجدفين) . ولما كان سؤالهم استهزاء وتوهينًا، ما أجابهم عيسى ﵇.
(الرابع) في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا: ٣٩ (وكان المجتازون يجدفون عليه، وهم يهزؤن رؤوسهم) ٤٠ (قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلص نفسك إن كنت ابن الله فانزل الآن عن الصليب) ٤١ (وكذلك رؤساء الكهنة أيضًا وهم يستهزؤون مع الكتبة والشيوخ قالوا خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به) ٤٣ (قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده لأنه قال أنا ابن الله) ٤٤ (وبذلك أيضًا كان اللصان اللذان صلبا معه ليعيرانه) فما خلص نفسه عيسى ﵇ في هذا الوقت، وما نزل عن الصليب وإن عيره المجتازون، ورؤساء الكهنة، والكتبة، والشيوخ، واللصان. ورؤساء الكهنة، والكتبة، والشيوخ كانوا يقولون إنه إن نزل عن الصليب نؤمن به، فكان عليه لدفع العار، ولإلزام الحجة أن ينزل مرة عن الصليب
[ ٤ / ١٣١١ ]
ثم يصعد.. ولكنهم لما كان مقصودهم العناد، والاستهزاء، ما أجابهم عيسى ﵇.
(الخامس) في الباب الثاني عشر من إنجيل متى هكذا: ٣٨ (حينئذ أجاب قوم من الكتبة، والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية) ٣٩ (فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي) ٤٠ (لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام، وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام، وثلاث ليال) فطلب الكتبة والفريسيون معجزة، فما أظهرها عيسى ﵇ في هذا الوقت، وما أحالهم إلى معجزة صدرت عنه فيما قبل هذا السؤال، بل سبهم وأطلق عليهم لفظ الفاسق والشرير، ووعد بالمعجزة التي لم تصدر عنه، لأن قوله كما كان يونان في بطن الحوت الخ، غلط بلا شبهة كما علمت في الفصل الثالث من الباب الأول وإن قطعنا النظر عن كونه غلطًا فمطلق قيامه لم ير الكتبة، والفريسيون بأعينهم، ولو قام عيسى ﵇ من الأموات، كان عليه أن يظهر نفسه على هؤلاء المنكرين الطالبين آية ليصير حجة عليهم، ووفاء بالوعد. وهو ما أظهر نفسه عليهم، ولا على اليهود الآخرين، ولو مرة واحدة، ولذلك لا يعتقدون هذا القيام، بل هم يقولون من ذاك العهد إلى هذا الحين، أن تلاميذه سرقوا جثته من القبر ليلًا.
(السادس) في الباب الرابع من إنجيل متى هكذا: (فتقدم إليه المجرب، وقال له إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا) ٤ (فأجاب وقال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان بل بكل كلمة تخرج من
[ ٤ / ١٣١٢ ]
فم الله) ٥ (ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة، وأوقفه على جناح الهيكل) ٦ (وقال له إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى الأسفل لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أياديهم يحملونك لا تصدم بحجر رجلك) ٧ (قال له يسوع مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك) . فطلب إبليس على سبيل الامتحان من عيسى ﵇ معجزتين، فما أجاب بواحدة منهما، واعترف في المرة الثانية أنه لا يليق بالمربوب أن يجرب ربه، بل مقتضى العبودية مراعاة الأدب وعدم التجربة.
(السابع) في الباب السادس من إنجيل يوحنا هكذا: ٢٩ (أجاب يسوع وقال لهم هذا هو عمل الله لن تؤمنوا بالذي هو أرسله) ٣٠ (فقالوا له: فأية آية تصنع لنرى ونؤمن بك) ٣١ (ماذا تعمل آباؤنا أكلوا المن في البرية كما هو مكتوب أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا) . فاليهود طلبوا معجزة فما أظهرها عيسى ﵇، ولا أحال إلى معجزة فعلها قبل هذا السؤال، بل تكلم بكلام مجمل، لم يفهمه أكثر السامعين بل ارتد كثير من تلاميذه بسببه. كما هو مصرح به في الآية السادسة والستين من الباب المذكور وهي في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ هكذا: (ومن هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء، ولم يعودوا يمشون معه) .
[ ٤ / ١٣١٣ ]
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٣٥: (ومن ثم ارتد كثير من تلاميذه على أعقابهم ولم يماشوه بعد ذلك أبدًا) .
(الثامن) في الباب الأول من الرسالة إلى أهل قورنيثوس هكذا: ٢٢ (فإن اليهود يسألون معجزة واليونانيون يطلبون حكمة) ٢٣ (ونحن نكرز بالمسيح المصلوب وذلك معثرة لليهود وحماقة لليونانيين) . فاليهود كما كانوا يطلبون المعجزة من المسيح ﵇ كانوا يطلبونها من الحواريين أيضًا، وأقر مقدسهم بولس بأنهم يطلبون المعجزة ونحن نكرز بالمسيح المصلوب. فظهر من هذه العبارات المنقولة أن عيسى ﵇ والحواريين ما أظهروا معجزة بين أيدي الطالبين في الأوقات التي طلبوا المعجزات فيها، ولا أحالوا المنكرين إلى معجزة فعلوها قبل هذه الأوقات، فلو استدل أحد بالآيات المذكورة على أن عيسى ﵇ والحواريين، ما كان لهم قدرة على إظهار أمر خارق للعادات، وإلا لصدر عنهم في الأوقات المذكورة وأحالوا المنكرين إلى أمر خارق صدر عنهم قبل هذه الأوقات. فلما لم يظهر منهم أحد الأمرين ثبت أنهم ما كان لهم قدرة على إظهاره، يكون هذا الاستدلال عند القديسين محمولًا على الاعتساف ويكون قوله خلاف الإنصاف، فكذا قول القسيسين عندنا بالتمسك ببعض الآيات القرآنية التي عرفت حالها خلاف الإنصاف وعين الاعتساف، كيف لا وأن المعجزات المحمدية مصرح بها في القرآن والأحاديث الصحيحة، كما عرفت في الفصل الأول وجاء ذكرها إجمالًا أيضًا في مواضع متعددة من القرآن:
[ ٤ / ١٣١٤ ]
١- في سورة الصافات: ﴿وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين) .. في الكشاف ﴿وإذا رأوا آية﴾ من آيات الله البينة كانشقاق القمر ونحوه ﴿يستسخرون﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.. وفي التفسير الكبير: (والرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عنهم أنهم قالوا إن هذا إلا سحر مبين، يعني أنهم إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها، والسبب في تلك السخرية اعتقادهم أنها من باب السحر، وقوله مبين: معناه أن كونه سحرًا أمر بين لا شبهة لأحد فيه) انتهى كلامه.. وفي البيضاوي: ﴿وإذا رأوا آية﴾ تدل على صدق القائل ﴿يستسخرون﴾ يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ﴿وقالوا إن هذا﴾ يعنون ما يرونه ﴿إلا سحر مبين﴾ ظاهر سحريته انتهى.. وفي الجلالين ﴿وإذا رأوا آية﴾ كانشقاق القمر ﴿يستسخرون﴾
[ ٤ / ١٣١٥ ]
يستهزؤون بها ﴿وقالوا﴾ فيها ﴿إن﴾ ما ﴿هذا إلا سحر مبين﴾ بين. انتهى، ومثله في الحسيني.
٢- وفي سورة القمر: ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ وقد عرفتها في الفصل الأول.
٣- وفي سورة آل عمران: ﴿كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات﴾ .. في الكشاف في تفسير قوله (البينات) الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوّة. انتهى كلامه، ولفظ البينات إذا كان موصوفه مقدرًا فيستعمل في القرآن غالبًا بمعنى المعجزات، واستعماله في غيرها في تلك الصورة قليل جدًا فلا يحمل على المعنى القليل، بدون القرينة القوية في سورة البقرة: ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات﴾، وفي سورة النساء: ﴿ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات﴾، وفي سورة المائدة: ﴿إذ جئتهم بالبينات﴾، وفي سورة الأعراف: ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ وفي سورة يونس: ﴿وجاءتهم رسلهم بالبينات﴾، ثم في تلك السورة: ﴿فجاؤوهم بالبينات﴾، وفي سورة النحل: ﴿بالبينات والزبر﴾، وفي سورة طه:
[ ٤ / ١٣١٦ ]
﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات﴾، وفي سورة المؤمن: ﴿وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾، وفي سورة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾، وفي سورة التغابن: ﴿ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات﴾ وكذا في غير هذه المواضع.
٤- في سورة الأنعام: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون﴾ .. في البيضاوي: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا﴾ كقولهم الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴿أو كذب بآياته﴾ كأن كذبوا بالقرآن والمعجزات وسموها سحرًا، وإنما ذكر أو وهم جمعوا بين الأمرين تنبيهًا على أن كلًا منها وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس انتهى.
.. وفي الكشاف جمعوا بين أمرين متناقضين فكذبوا على الله وكذبوا بما ثبت بالحجة والبينة والبرهان الصحيح، حيث قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، وقالوا والله أمرنا بها
[ ٤ / ١٣١٧ ]
وقالوا الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا بالقرآن والمعجزات، وسموها سحرًا ولم يؤمنوا بالرسول، انتهى.
.. وفي التفسير الكبير والنوع الثاني من خسارتهم تكذيبهم بآيات الله والمراد منه قدحهم في معجزات النبي ﷺ وطعنهم فيها، وإنكارهم كون القرآن معجزة باهرة بينة، انتهى.
.. وفي تلك السورة أيضًا: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته، سيصيب الذين أجرموا صغار
[ ٤ / ١٣١٨ ]
عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ .
..وفي التفسير الكبير في تفسير قوله: ﴿وإذا جاءتهم﴾ أنهم متى ظهرت لهم معجزة باهرة. انتهى.
والبابا الكزندر كان يعتقد أن محمدًا ﷺ صاحب الإلهام، وإن لم يكن ذلك الإلهام عنده واجب التسليم، وقع في المجلد الخامس من كتابه المسمى بدنيد هي هذه الفقرة (يا محمد إن الحمامة عند أذنك) ونقلت هذه الفقرة عن المجلد المطبوع سنة ١٨٩٧ وسنة ١٨٠٦ في لندن، لكنها في النسخة الأولى في الصفحة ٢٦٧، وفي النسخة الثانية في الصفحة ٣٠٣، ولعل البابا أسند إلهام محمد ﷺ إلى الحمامة، لأن الإلهام عند المسيحيين يكون بواسطة روح القدس، وقد نزل روح القدس على عيسى ﵇ بعد ما فرغ من الاصطباغ على صورة الحمامة. كما هو مصرح به في الباب الثالث من إنجيل متى، فظن أن إلهام محمد ﷺ يكون بواسطة الحمامة.
(المطعن الثالث) باعتبار النساء وهو على خمسة أوجه:
(الأول) أن المسلمين لا يجوز لهم أزيد من أربع زوجات، ومحمد ﷺ لم
[ ٤ / ١٣١٩ ]
يكتف بها بل أخذ تسعًا لنفسه، وأظهر حكم الله في حقه أن الله أجازني لأن أتزوج بأزيد من أربع.
(والثاني) أن المسلمين يجب العدل عليهم بين نسائهم، وأظهر حكم الله في حقه أن هذا العدل ليس بواجب عليه.
(والثالث) أنه دخل بيت زيد بن حارثة ﵁، فلما رفع الستر وقع نظره على زينب بنت جحش زوجة زيد ﵄، فوقعت في نفسه وقال سبحان الله. فلما اطلع زيد على هذا الأمر طلقها فتزوج بها، وأظهر أن الله أجازني للتزويج.
(والرابع) أنه خلا بمارية القبطية ﵂، في بيت حفصة
[ ٤ / ١٣٢٠ ]
﵂. في يوم نوبتها، فغضبت حفصة ﵂، فقال محمد ﷺ: حرمت مارية على نفسي، ثم لم يقدر أن يبقى على التحريم. فأظهر أن الله أجازه لإبطال اليمين بأداء الكفارة.
(والخامس) أنه يجوز في حق متبعيه، إن مات أحد منهم أن يتزوج الآخر زوجته، بعد انقضاء عدتها، وأظهر حكم الله في حقه أنه لا يجوز لأحد أن يتزوج زوجة من زوجاته بعد مماته.
وهذه الوجوه الخمسة منتهى جهدهم في المطعن باعتبار النساء. وتوجد هذه الوجوه كلها أو بعضها في أكثر رسائلهم مثل ميزان الحق، وتحقيق الدين الحق، ودافع البهتان، ودلائل إثبات رسالة المسيح، ودلائل النبوة، ورد اللغو وغيرها. وأنا أمهد أمورًا ثمانية يظهر منها جواب هذه الوجوه كلها فأقول:
(الأمر الأول) أن تزوج أكثر من امرأة واحدة كان جائزًا في الشرائع السابقة:
لأن إبراهيم ﵇ تزوج بسارة ثم بهاجر في حياة سارة، وهو كان خليل الله، وكان الله يوحي إليه ويرشده إلى أمور الخير، فلو لم يكن النكاح الثاني جائزًا لما أبقاه عليه بل أمره بفسخه وحرمته.
[ ٤ / ١٣٢١ ]
ولأن يعقوب ﵇ تزوج بأربع نسوة، ليا وراحيل وبلها وزلفا، فالأوليان منهما أختان ابتنا لابان خاله، والأخريان جاريتان. والجمع بين الأختين حرام قطعي في شريعة موسى ﵇، كما علمت في الباب الثالث. فلو كان التزوج بأكثر من امرأة واحدة حرامًا، لزم أن يكون أولاده من تلك الأزواج، أولاد حرام والعياذ بالله، وكان الله يوحي إليه ويرشده إلى أمور الخير، فكيف يتصور أن يرشده في أمور خسيسة، ولا يرشده في هذا الأمر العظيم. فإبقاء الله يعقوب ﵇ على نكاح تلك الأربعة سيما الأختين دليل بين على جواز مثل هذا التزوج في شريعته.
ولأن جدعون بن يواش تزوج نساء كثيرة في الباب الثامن من سفر القضاة هكذا: ٣٠ (وكان له سبعون ابنًا خرجوا من صلبه لأن كانت له نساء كثيرة) ٣١ (وسريته التي كانت له في شخيم ولدت له ابنًا اسمه ابيمالك) . ونبوته ظاهرة من الباب السادس والسابع من السفر المذكور، ومن الباب الحادي عشر من الرسالة العبرانية.
[ ٤ / ١٣٢٢ ]
ولأن داود ﵇ تزوج نساء كثيرة. تزوج أولًا ميخال بنت شاوول، وكان بدل المهر مائة غلفة من غلف الفلسطانيين، وأعطاه داود ﵇ مائتي غلفة من غلفهم، فأعطى شاوول داود ﵇ ابنته ميخال.. الآية السابعة والعشرون من الباب الثامن عشر من سفر صموئيل الأول هكذا: (فمضت أيام قليلة وقام داود ﵇ وانطلق هو ورجاله وقتل من الفلسطانيين مائتي رجل وأتى داود ﵇ بغلفهم إلى الملك ودفعها للملك بالتمام ليكون له ختنًا فأعطى شاوول ميخال ابنته له امرأة) .
والملاحدة يستهزؤون بهذا البدل من المهر، ويقولون أكان شاوول يريد أن يسوي من هذه الغلف حميلًا ويعيطه بنته في الجهاز، أم كان غرضه شيئًا آخر. لكني أقطع النظر عن استهزائهم وأقول: لما بغى داود ﵇ على شاوول، أعطى شاوول ميخال فلطى بن ليس الذي هو من جليم، كما هو مصرح به في آخر الباب الخامس والعشرين من السفر المذكور. وتزوج داود ﵇ بست نساء أخرى - احينعام الازراعايلية ١ بيغال ٢
[ ٤ / ١٣٢٣ ]
ومعهما ابنة تلمى ملك جاشور ٣ وحجبت ٤ وابيطل ٥ وعجلا ٦ - كما هو مصرح به في الباب الثالث من سفر صموئيل الثاني. ومع كون هذه الست، ما زالت محبة ميخال عن قلبه الشريف، وإن كانت في فراش الغير فلذلك لما قتل شاوول، طلب داود من اسباسوت بن شاوول زوجته ميخال، وقال له: رد على امرأتي ميخال التي خطبتها بمائة غلفة من غلف أهل فلسطين. فأخذها أسباسوت قهرًا من فلطى بن ليس وأرسلها إلى داود، فجاء هذا فلطى باكيًا خلفها إلى بحوريم ثم رجع. كما هو مصرح به في الباب المذكور. فبعد ما وصلت ميخال إلى داود ﵇ مرة أخرى صارت له زوجة، وكمل عدد الزوجات السبع، ثم أخذ داود نساء أخرى، وسراري لم يصرح بعددها في كتبهم المقدسة..
[ ٤ / ١٣٢٤ ]
الآية الثالثة عشر من الباب الخامس من سفر صموئيل الثاني هكذا: (وأخذ داود أيضًا نساء وسراري من أورشليم من بعد أن أتى من هارون وولد لداود أيضًا بنون وبنات) .
.. ثم زنى بامرأة أوريا وقتل زوجها بالحيلة، ثم أخذها. فعاتبه الله على هذا الزنا كما علمت في أول هذا الفصل. وداود ﵇، وإن كان خاطئًا في هذا الزنا والتزويج بتلك الامرأة، لكنه لم يكن عاصيًا في تزوج جم غفير من نساء أخرى، وإلا لعاتبه الله على تزوجهن كما عاتبه على تزوج امرأة أوريا، فعاتبه الله على تزوجها. بل أظهر رضاه على هذا التزوج، ونسب إعطاءها إلى نفسه وقال: وإذا كانت هذه قليلة أزيد مثلهن ومثلهن، وقول الله تعالى في حق داود ﵇ على لسان ناثان النبي ﵇.. في الآية الثامنة من الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني، في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٢٢ وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤ في لندن على النسخة المطبوعة في رومية العظمى سنة ١٦٧١ هكذا: (ووهبت لك بيت مولاك ونساء سيدك اضطجعت في حضنك ووهبت لك بيت إسرائيل ويهوذا وإذا كانت هذه قليلة فأزيدك مثلهن ومثلهن) . فقوله وهبت على صيغة المتكلم في الموضعين، وقوله إذا كانت هذه قليلة فأزيدك مثلهن ومثلهن يدلان على ما قلت. وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ الجملة الأخيرة هكذا: (فإذا كانت عندك قليلة كان ينبغي لك أن تقول فأزيد مثلهن ومثلهن) .
[ ٤ / ١٣٢٥ ]
. وتزوج في آخر عمره شابة عذراء أخرى اسمها أبى شاغ الشونامية وكانت جميلة جدًا، كما هو مصرح به في الباب الأول من سفر السلاطين الأول.
ولأن سليمان ﵇، تزوج بألف امرأة، سبعمائة منهن حرات من بنات السلاطين وثلثمائة جوار. وارتد بإغوائهن في آخر عمره وبنى المعابد للأصنام، كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول.
ولا يفهم من موضع من مواضع التوراة، حرمة التزوج بأزيد من امراة واحدة، ولو كان حرامًا لصرح موسى ﵇ بحرمته، كما صرح بسائر المحرمات وشدد في إظهار تحريمها، بل يفهم جوازه من مواضع. لأنك قد علمت في جواب الطعن الأول أن الأبكار التي كانت من غنيمة المديانيين، كانت اثنتين وثلاثين ألفًا وقسمت على بني إسرائيل، سواء كانوا ذوي زوجات أو لم يكونوا، ولا يوجد فيه تخصيص العزب.
وفي الباب الحادي والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: ١٠ (وإذا خرجت إلى القتال مع أعدائك وأسلمهم الرب إلهك في يدك وسبيتهم) ١١ (ورأيت في جملة المسبيين امرأة حسنة وأحببتها، وأردت أن تتخذها لك امرأة) ١٢ (فأدخلها إلى بيتك وهي تحلق رأسها وتقص أظفارها) ١٣ (وتنزع عنها الرداء الذي سبيت به وتجلس في بيتك وتبكي على أبيها وأمها مدة شهر ثم تدخل إليها
[ ٤ / ١٣٢٦ ]
وترقد معها ولتكن لك امرأة) ١٤ (فإن كانت بعد ذلك لا تهواها نفسك فسرحها حرة ولا تستطيع أن تبيعها بثمن ولا تقهرها أنك قد ذليتها) ١٥ (وإن كان لرجل امرأتان الواحدة محبوبة والأخرى مبغوضة ويكون لهما منه بنون وكان ابن المبغوضة بكرًا) ١٦ (وأراد أن يقسم رزقه بين أولاده فلا يستطيع يعمل ابن المحبوبة بكرًا ويقدمه على ابن المبغوضة) ١٧ (ولكنه يعرف ابن المبغوضة أنه هو البكر ويعيطه من كل ما كان له الضعف من أجل أنه هو أول بنيه ولهذا تجب البكورية) . فقوله ورأيت في جملة المسبيين الخ. لا تختص بمخاطب لا تكون له زوجة بل أعم، سواء كانت له زوجة أو لم تكن، ولا يوجد فيه التصريح أيضًا بأن هذا الحكم يختص بمسبية واحدة فقط، بل الظاهر أنه إذا رأى المخاطب أزيد من واحدة، وأراد أن يتخذها نساء كان له جائزًا، فجاز لكل إسرائيلي أخذ نساء كثيرة. ودلالة قوله وإن كان لرجل امرأتان الواحدة محبوبة والأخرى مبغوضة الخ. على ما ادعينا ظاهرة غير محتاجة إلى البيان. فثبت أن كثرة الأزواج ما كانت محرمة في شريعة موسى، فلذلك أخذ جدعون وداود وغيرهما من صالحي الأمة الموسوية نساء.
(الأمر الثاني) الصحيح في قصة زينب ﵂، أنها بنت عمة رسول الله ﷺ، وكانت عند مولاه زيد بن حارثة ﵁ ثم طلقها زيد ولما انقضت عدتها تزوج بها رسول الله ﷺ.
وأنا أنقل بعض آيات سورة الأحزاب المتعلقة بهذه القصة مع عبارة التفسير الكبير وهي هكذا:
[ ٤ / ١٣٢٧ ]
﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه﴾ وهو زيد، أنعم الله عليه بالإسلام ﴿وأنعمت عليه﴾ بالتحرير والإعتاق ﴿أمسك عليك زوجك﴾ همَّ زيد بطلاق زينب فقال له النبي ﷺ: أمسك، أي لا تطلقها ﴿واتق الله﴾ قيل في الطلاق وقيل في الشكوى من زينب فإن زيد قال فيها إنها تتكبر علي بسبب النسب وعدم الكفاءة ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ من أنك تريد التزوج بزينب ﴿وتخشى الناس﴾ من أن يقولوا أخذ زوجة الغير أو الابن ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ . ليس إشارة إلى أن النبي ﷺ، خشي الناس ولم يخش الله، بل المعنى الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخش أحدًا معه، وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضًا، فاجعل الخشية له وحده كما قال تعالى: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله﴾ ثم قال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾ أي لما طلقها زيد وانقضت عدتها، وذلك لأن الزوجة ما دامت في نكاح الزوج فهي تدفع حاجته، وهو محتاج إليها فلم يقض منها الوطر بالكلية ولم يستغن، وكذلك إذا كانت في العدة، له بها تعلق لإمكان شغل الرحم، فلم يقض منها بعد وطره، وأما إذا طلق وانقضت عدتها استغنى عنها، ولم يبق له معها تعلق فيقضي منها الوطر. وهذا موافق لما في الشرع لأن التزوج بزوجة الغير أو بمعتدته لا يجوز، فلهذا قال: فلما قضى.
وكذلك قوله: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا﴾ أي إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي ﷺ لم يكن لقضاء شهوة النبي ﵇ بل لبيان الشريعة بفعله، فإن الشرع يستفاد من فعل النبي ﷺ ﴿وكان أمر الله مفعولًا﴾ أي مقضيًا ما قضاه كائن. ثم بين أن تزوجه ﵇
[ ٤ / ١٣٢٨ ]
بها، مع أنه كان مبينًا لشرع مشتمل على فائدة، كان خاليًا عن المفاسد، انتهى كلامه بلفظه.
فظهر أن زينب ﵂، كانت تتكبر على زيد بسبب النسب وعدم الكفاءة، وهذا الأمر كان سبب عدم المحبة بينهما، فأراد زيد ﵁ أن يطلقها، فمنعه النبي ﷺ، لكنه طلقها آخر الأمر. فلما انقضت عدتها تزوجها رسول الله ﷺ، لبيان الشريعة لا لأجل قضاء الشهوة. وكان قبل نزول الحكم مخفيًا لهذا الأمر لأجل عادة العرب، ولا بأس فيه كما ستعرف في الأمر الثالث إن شاء الله تعالى. والرواية التي وقعت في البيضاوي، ضعيفة عند محققي أهل الحديث. كما صرح به المحقق المحدث الشيخ عبد الحق الدهلوي في بعض تصنيفاته وفي شرح المواقف: (وما يقال أنه أحبها
[ ٤ / ١٣٢٩ ]
حين رآها فما يجب صيانة النبي ﷺ عن مثله) انتهى.
(الأمر الثالث) أن الأمور الشرعية، لا يجب أن تكون متحدة في جميع الشرائع، أو مطابقة لعادات الأقوام وآرائهم. أما الأول فقد عرفت بما لا مزيد عليه في الباب الثالث، وقد عرفت فيه أن سارة زوجة إبراهيم ﵇ كانت أختًا علانية له، وأن يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، وأن عمران أبا موسى ﵇ تزوج بعمته، وهذه الزوجات الثلاث محرمة في الشريعة الموسوية والعيسوية والمحمدية، وبمنزلة الزنا سيما نكاح الأخت العلانية والعمة، وهذه الزوجات أقبح القبائح عند علماء مشركي الهند، فهم يشنعون تشنيعًا بليغًا ويستهزؤون بهؤلاء المتزوجين غاية الاستهزاء، وينسبون أولادهم إلى أشد أنواع الزنا.
وفي الباب الخامس من إنجيل لوقا هكذا: ٢٩ (والذين كانوا متكئين معه كانوا جمعًا كثيرًا من عشارين وآخرين) ٣٠ (فتذمر كتبتهم والفريسيون على تلاميذه قائلين لماذا تأكلون وتشربون مع عشارين وخطاة) ٣٣ (وقالوا لماذا يصوم تلاميذ يوحنا كثيرًا ويقدمون طلبات وكذلك تلاميذ الفريسيين أيضًا وأما تلاميذك فيأكلون ويشربون فالكتبة والفريسيون الذين من أعظم فرق اليهود وأشرفها كانوا يشنعون على
[ ٤ / ١٣٣٠ ]
تلاميذ عيسى ﵇ بأنهم يأكلون ويشربون مع الخطاة والعشارين وأنهم لا يصومون) .
وفي الباب الخامس عشر من إنجيل لوقا هكذا: ١ (وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه) ٢ (فتذمر الفريسيون، والكتبة قائلين هذا يقبل الخطاة ويأكل معهم) فالفريسيون كانوا يشنعون على عيسى ﵇ أنه يأكل مع الخطاة ويقبلهم.
وفي الباب الحادي عشر من كتاب الأعمال: ٢ (ولما صعد بطرس إلى أورشليم خاصمه الذين من أهل الختان) ٣ (قائلين إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة وأكلت معهم) .
وفي الباب السادس من إنجيل مرقس هكذا: ١ (واجتمع إليه الفريسيون وقوم من الكتبة قادمين من أورشليم) ٢ (ولما رأوا بعضًا من تلاميذه يأكلون خبزًا بأيد دنسة أي غير مغسولة لاموا) ٣ (لأن الفريسيين وكل اليهود إن لم يغسلوا أيديهم باعتناء لا يأكلون متمسكين بتقليد الشيوخ) ٤ (ومن السوق إن لم يغتسلوا لا يأكلون، وأشياء أخر كثيرة تسلموها للتمسك بها من غسل كؤوس وأباريق، وآنية نحاس، وأسرة) ٥ (ثم سأله الفريسيون، والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقاليد الشيوخ بل يأكلون خبزًا بأيد غير مغسولة) .
[ ٤ / ١٣٣١ ]
وفي ملة براهمة الهند، وغيرهم من أقوام مشركي الهند تشددات عظيمة، وعندهم لو أكل أحد منهم مع المسلم أو اليهودي والنصراني خرج عن ملته، ونكاح زوجة المتبنى بعد الطلاق، كان قبيحًا عند مشركي العرب. ولما كان زيد بن حارثة ﵁ متبنى محمد ﷺ، كان محمد ﷺ أيضًا يخاف أولًا من طعن عوام المشركين في نكاح زينب ﵂، فلما أمره الله تزوج بها لبيان الشريعة، ولم يبال بعادة المشركين.
(الأمر الرابع) أن الطاعنين من علماء بروتستنت، لا يستحيون ولا ينظرون إلى بضاعات كتبهم المقدسة من الاختلافات، والأغلاط، والأحكام التي عرفت نبذًا منها في الباب الأول، والفصل الثاني والثالث من الباب الخامس. ومن ذنوب الأنبياء وعشائرهم وأصحابهم التي قد عرفتها في ابتداء هذا الفصل. وأريد أن لا أترك هذا الموضع أيضًا خاليًا عن ذكر بعض الأمور المندرجة في التوراة، وإن حصل للناظر إطلاع على أمور كثيرة فيما سبق:
١ - في الباب الثلاثين من سفر التكوين هكذا: ٣٧ (فأخذ يعقوب
[ ٤ / ١٣٣٢ ]
عصيًا خضرة من حور، ولوز، ومن دلب، وكشف من بياضها والخضرة ظاهرة فيها فظهرت العصي المقشرة بلقاء، وبيضاء) ٣٨ (ووتد العصى في مساقي الماء لكي إذا جاءت الغنم لتشرب تتوحم الغنم على العصى، وفي نظرها إليها تحمل) ٣٩ (وصار أنه في حمية التوحم، النعاج تتبصر بالعصى، وتنتج منقطة ومتمرة مختلفة اللون) ٤٠ (وعزل يعقوب القطيع، ووضع القضبان في المساقي أمام الكباش فكانت البيض، والسود كلها للابان، والباقي ليعقوب، والقطعان مفترقة بعضها عن بعض) ٤١ (فكان في كل عام ما حمل من الغنم أولًا جعل يعقوب القضبان قدام الغنم في المساقي ليتوحم الغنم على العصى) ٤٢ (وما حمل منها أخيرًا لم يجعلها فصار آخر نتاج الغنم للابان، وأوله ليعقوب) ٤٣ (فاستغنى الرجل جدًا جدًا، وصارت له مواشي كثيرة، وإماء، وعبيد، وإبل، وحمير) .
وهذا عجيب أيضًا، فإن الأولاد بحسب جرى العادة، غالبًا تكون على شبه ألوان أصولهم، وأما كونهم على شبه ما يرونه من العصى وغيرها، فلا يتوهمه أحد من العقلاء أصلًا، وإلا يلزم أن يكون الأولاد المتولدة في الربيع خضرًا كلهم.
[ ٤ / ١٣٣٣ ]
٢- في الباب الثالث عشر من سفر الأحبار هكذا: ٤٦ (وإن كان في رداء أو في ثوب ضربة البرص من الصوف كان الثوب أو من الكتان) ٤٧ (في السدا أو في اللحمة أو في جلدة أو في عمل أديم) ٤٨ (فإن كانت الضربة بيضاء أو حمراء في الرداء أو في الجلد في السداء أو في اللحمة، أو في كل جلود الأديم فإنها ضربة برص فليروه) ٤٩ (فينظر الحبر إلى الضربة ويحجز الحبر عليها سبعة أيام) ٥٠ (وينظر إليها في اليوم السابع فإن رآها قد مشت في الرداء أو في السدا أو اللحمة أو في أديم أو في كل أدم يصنع الصنعة فإنها ضربة برص مر وهو نجس) ٥١ (فليحرق الحبر الرداء أو السدا أو لفافة الصوفة أو الكتان أو كل أديم من جلد يكون فيه ضربة من أجل أنه برص فيحرقونه بالنار) ٥٢ (وإن رأى الحبر أن الضربة لم تفش في الثوب أو في السدا أو في اللحمة أو في كل أديم من جلود) ٥٣ (فليأمر الحبر فليغسل ما فيه الضربة، ويحجز عليه الحبر سبعة أيام أخر) ٥٤ (وينظر الحبر إلى الضربة من بعد ما غسلوها فإن لم تكن تغير لونها، والضربة لم تتغير فإنه خبيث أحرقوه بالنار فإنها ضربة في جدته أو في بلاه) ٥٥ (وإن رأى الحبر أنها قد استوت من بعد ما غسلت فليأمر الحبر فليلقط من الرداء أو من الجلد أو من السدا أو من اللحمة) ٥٦ (فإن رأى أيضًا في الرداء أو في السدا أو في اللحمة أو في كل جلود الأدم جميع ما يستعمل من الجلود، فألقوه في النار فإن الضربة قد كثرت فيه) ٥٧ (وكل رداء أو سدا أو لحمة أو أديم يذهب منه إذا غسل، فيغسل مرتين فيطهر) ٥٨ (هذه سنة البرص في رداء الصوف أو الكتان أو السدا أو اللحمة أو كل جلود الأدم يطهره أو ينجسه) .
[ ٤ / ١٣٣٤ ]
فانظروا إلى هذه الأحكام فإنها ثمرات الأوهام، أيليق إحراق الجلود والثياب بأمثال هذه الوساوس.
٣- في الباب الرابع عشر من سفر الأحبار هكذا: ٣٤ (إذا دخلتم أرض كنعان التي أعطيكم ميراثًا إن كان ضربة برص في بيت) ٣٥ (يخبر رب البيت الكاهن ويقول له إن ظهر في بيتي ضربة كأنها برص) ٣٦ (يأمرهم الكاهن فيفرغون البيت قبل أن يدخل البيت لينظر إليه لئلا يتنجس كل ما في البيت ثم يدخل الكاهن لينظر ضربة البيت) ٣٧ (فإن كان ضربة في حيطان البيت قشورًا صفراء أو حمراء ومنظرها أغمق من الحائط) ٣٨ (فليخرج الكاهن خارجًا من البيت، وليقم بابه، ويحجز على ذلك البيت سبعة أيام) ٣٩ (ثم يرجع في اليوم السابع فينظر، فإن رأى الضربة قد فشت في حيطان البيت) ٤٠ (فليأمر الكاهن بالحجارة التي فيها الضربة فتنقض، وتلقى خارجًا من القرية في موضع نجس) ٤١ (ويقشر ذلك البيت من داخل باستدارته، ويلقي التراب الذي قشر خارجًا من القرية في موضع نجس) ٤٢ (تدخل حجارة أخرى في مكان تلك الحجارة، ويأخذون ترابًا غير ذلك ويطلون به ويطين) ٤٣ (فإن فشت الضربة، وكثرت في البيت من بعد ما قشر البيت وطين) ٤٤ (فيدخل الكاهن وينظر إن كانت الضربة قد فشت في البيت، فليعلم أن في البيت برصًا مرًا وهو نجس) ٤٥ (ولساعته يهدمونه، ويلقون حجارته، وخشبه، وطينه بأسرها خارجة من القرية في موضع نجس) ٤٦ (ومن دخل ذلك البيت وهو محجوز عليه يكون نجسًا إلى الليل) ٤٧ (ومن رقد فيه أو أكل فيه شيئًا فليغسل كسوته) ٤٨ (وإن دخل الكاهن، ورأى البرص لم يفش في البيت بعد ما طين ثانيًا فليطهره الكاهن من أجل أنه قد برئ من ضربته) .
فهذه الأحكام أيضًا من ثمرات الأوهام، أتهدم البيوت بمثل هذه الأوهام،
[ ٤ / ١٣٣٥ ]
التي هي أوهن من نسج العنكبوت، أيعتقد عقلاء أوربا أن يكون الثوب، أو الجلد، أو البيت، أبرص قابلًا للإحراق أو الهدم.
٤- في الباب الخامس عشر من سفر الأحبار هكذا: ١٢ (وأي إناء من فخار مسه من يقطر زرعه فليكسر، وإن كان إناء من خشب أو نحاس فليغسل بالماء) ١٦ (وأيما رجل جنب أو خرجت منه جنابة يغسل جسده كله بالماء، ويكون نجسًا إلى الليل) ٢٣ (ومن مس ثوبًا جلست عليه امرأة، وهي طامث يغسل ثيابه، ويستحم بالماء، ويكون نجسًا إلى الليل) ٢٤ (وإن اضطجع معها رجل فأصابه من حيضتها فإنه يكون جنبًا سبعة أيام، وكل مضطجع يضطجع فإنه يكون نجسًا) .
ففي الحكم الأول بالنسبة إلى إناء الفخار إضاعة المال، وظاهر أنه لا يسري شيء بمجرد المس فيه وإن توهم سريان شيء فيه، فَلِمَ لَمْ يكتف فيه بغسله بالماء، كما اكتفى في إناء الخشب، والنحاس. وفي الحكم الثاني ما معنى كونه نجسًا إلى الليل بعد ما غسل الجسد كله بالماء. وفي الحكم الثالث أيضًا نظر لأن الظاهر أنه لا يسري شيء بمجرد مس الثوب، الذي جلست عليه الحائض في جسد الماس، وإن توهم سريان شيء، كان غسل العضو الذي به مس الثوب كافيًا، وإن توهم سريان شيء بمجرد المس في سائر جسده، فما معنى كونه نجسًا إلى الليل، بعد ما غسل الثياب، والجسد كلها، والعجب أن الرجل إذا جامع، أو احتلم، وصار جنبًا، لا يجب عليه غسل الثياب بل يكفي غسل الجسد. وههنا بمجرد مس الثوب يلزم غسل الثياب أيضًا. والحكم الرابع أعجب من الثلاثة فإن الرجل بمجرد إصابة شيء من الحيض بم صار حكمه حكم الحائض، فكما هي تكون نجسة إلى سبعة أيام يكون هو أيضًا نجسًا إلى سبعة أيام،
[ ٤ / ١٣٣٦ ]
وفي أحكام الحائض والمستحاضة أيضًا، تشددات عجيبة مذكورة في هذا الباب. وبالنظر إلى هذه الأحكام نجد النصارى كلهم أنجس الناس لأنهم لا يراعونها مطلقًا.
٥- في الباب السادس عشر من سفر الأحبار هكذا: ٧ (ثم يأخذ الجديين ويقيمهما أمام الرب مذبوحين في باب قبة الزمان) ٨ (ويقترع عليهما قرعتين قرعة واحدة للرب وقرعة أخرى لعزرائيل) ٩ (ويقرب هارون الجدي الذي أصابته قرعة الرب ويصيره قربانًا بدل الخطيئة) ١٠ (والجدي الذي وقعت قرعة عزرائيل يقوم حيًا أمام الرب ليستغفر عليه ويسرحه لعزرائيل إلى القفر) .
وهذا الحكم عجيب أيضًا، وما معنى القربان لعزرائيل وتسريحه إلى القفر، ولا ريب إنه لقربان لغير الله، ورأيت مشركي الهند أنهم يتركون الثيران على أسماء آلهتهم، لكنهم يتركونها في الأسواق لا في القفر حتى تموت جوعًا وعطشًا.
٦- في الباب الخامس والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: ٥ (إذا سكن أخوة جميعًا فمات أحدهم وليس له ولد فلا تتزوج امرأة الميت برجل غريب، ولكن يأخذها أخوه ويقيم زرع أخيه) ٦ (والولد البكر الذي يكون منها فليسمه باسم أخيه لئلا يبطل اسمه من إسرائيل) ٧ (فإن لم يرض أن يأخذ امرأة أخيه التي تحق له بالسنة فتذهب المرأة إلى باب القرية إلى المشيخة وتقول لهم أن أخا زوجي لا يريد أن يقيم اسم أخيه في إسرائيل ولا يريد أن يأخذني له زوجة) ٨ (ولوقتهم يطلبونه ويسألونه فإن أجاب وقال لا أريد أن أتزوجها) ٩ (فتدنو المرأة منه قدام المشايخ وتخلع الخف من رجله وتبصق في وجهه وتقول
[ ٤ / ١٣٣٧ ]
هكذا يفعل بكل رجل لا يعمر بيت أخيه) ١٠ (ويدعي اسمه في إسرائيل بيت مخلوع الخلف) .
وهذا الحكم عجيب أيضًا، لأن امرأة الميت، قد تكون عوراء، أو عمياء، أو عرجاء، أو شوهاء قبيحة الصورة، أو غير عفيفة، أو معيبة بعيب آخر، فكيف يرضى بها الرجل، وهذه الإقامة لزرع أخيه أيضًا عجيبة، وأعجب منها أن علماء بروتستنت تركوا هذا الحكم العظيم الشأن وقالوا: (لا يحل للرجل أن يتزوج زوجة أخيه) . كما هو مصرح به في جدول القرابة والنسب، من كتاب الصلاة العامة، وغيرها من رسوم الكنيسة وطقوسها، على موجب استعمال الكنيسة الإنكليزية والأرلندية المطبوع سنة ١٨٤٠ في قالته، مع أن بيان المحرمات، لا يوجد في الإنجيل، وما أخذوها إلا من التوراة.
(الأمر الخامس) أن المتقشف، إذا كان جل همته الاعتساف، يعترض بأمثال اعتراضاتهم على المسيح ﵇ والحواريين.
في الباب السابع من إنجيل لوقا هكذا: ٣٣ (جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزًا ولا يشرب خمرًا فتقولون به شيطان) ٣٤ (وجاء ابن الإنسان يأكل
[ ٤ / ١٣٣٨ ]
ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة) ٣٦ (وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه فدخل بيت الفريسي واتكأ) ٣٧ (وإذا امراة في المدينة كانت خاطئة إذ علمت أنه متكئ في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب) ٣٨ (ووقفت عند قدميه من ورائه باكية وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب) ٣٩ (فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك تكلم في نفسه قائلًا لو كان هذا نبيًا لعلم مَنْ هذه الامرأة التي تلمسه وما هي إنها خاطئة) ٤٤ (ثم التفت إلى المرأة وقال لسمعان انتظر هذه المرأة أني دخلت بيتك وماء لأجل رجلي لم تعط وأما هي فقد غسلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها) ٤٥ (قبلة لم تقبلني وأما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلي) ٤٦ (بزيت لم تدهن رأسي وأما هي فقد دهنت بالطيب رجلي) ٤٧ (من أجل ذلك أقول قد غفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرًا والذي يغفر له قليل يحب قليلًا) ٤٨ (ثم قال لها مغفور لك خطاياك) ٤٩ (فابتدأ المتكؤون معه يقولون في أنفسهم من هذا الذي يغفر خطايا أيضًا) ٥٠ (فقال للمراة إيمانك قد خلصك اذهبي بسلام) .
وفي الباب الحادي عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ١ (وكان إنسان مريضًا وهو لعازر من بيت عينًا قرية مريم ومرثا أختها) ٢ (وكانت مريم التي كان لعازر أخوها هي التي دهنت الرب بطيب ومسحت رجليه بشعرها) ٥ (وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر) .
[ ٤ / ١٣٣٩ ]
فهذه المحبوبة مريم هي التي كانت دهنت ومسحت رجلي عيسى ﵇.
وفي الباب الثالث عشر من إنجيل يوحنا: ٢١ (لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم أن واحدًا منكم سيسلمني) ٢٢ (فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون فيمن قال عنه) ٢٣ (وكان متكئًا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه) ٢٤ (فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه) ٢٥ (فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو) . ووقع في حق التلميذ، في الآية السادسة والعشرين من الباب التاسع عشر، والآية الثانية من الباب العشرين، والآية السابعة والآية العشرين من الباب الحادي والعشرينمن إنجيل يوحنا، أن يسوع كان يحبه.
وفي الباب الثامن من إنجيل لوقا هكذا: ١ (وعلى أثر ذلك كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر) ٢ (وبعض نساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض مريم التي تدعي المجدلية التي خرج منها سبعة شاطين) ٣ (وبونا امرأة خوزي وكيل هيرودس وسوسنة وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن) .
[ ٤ / ١٣٤٠ ]
وظاهر أن الخمر أم الخبائث وقبيحة عند الله وسبب للضلال والكفر والهلاك ولا يناسب شربها للأتقياء وإزالة العقل من خواصها اللازمة سواء كان الشارب نبيًا أو غير نبي ولذلك حرم الله شربها على هارون وأولاده إذا أرادوا الدخول في قبة الشهادة لأجل الخدمة وجعلها سبب الموت وجعل حرمتها عهدًا أبديًا معهم.
في الباب العاشر من سفر الأخبار هكذا: ٨ (وقال الرب لهارون) ٩ (لا تشربوا خمرًا ولا شيئًا آخر يسكر لا أنت ولا بنوك إذا أردتم الدخول في قبة الشهادة لئلا تموتوا ويكون هذا عهدًا لكم إلى الأبد في أجيالكم) . ولذلك منع ملك الرب، زوجة ما نوح من شرب الخمر، وشرب كل مسكر وقت حملها، ليكون ولدها من الأتقياء، ولا يسري خبث المسكرات في هذا الولد التقي، وأكد على زوجها أيضًا، في هذا الباب في الباب الثالث عشر من سفر القضاء هكذا: ٤ (إياك من شرب الخمر والمسكر ولا تأكلي شيئًا نجسًا) ١٣ (فقال ملاك الرب لمنوح فليحذر عن جميع ما قلت لامرأتك) ١٤ (ولا تأكل شيئًا مما يخرج من الكرم ولا تشرب خمرًا ولا مسكرًا ولا تأكل شيئًا نجسًا وتحفظ بكل ما أمرتها به وتفعل ما قلت لها) ولذلك لما بشر الملك زكريا، بولادة يحيى ﵉، بين من أوصاف تقوى يحيى، أنه لا يشرب خمرًا ولا مسكرًا آخر.
[ ٤ / ١٣٤١ ]
الآية الخامسة عشر من الباب الأول من إنجيل لوقا هكذا: (لأنه يكون عظيمًا أمام الرب وخمرًا ومسكرًا لا يشرب) . ولذلك أشعيا ﵇، ذم شارب المسكر، وشهد أن الأنبياء والكهنة، ضلوا بسبب شرب الخمر والمسكرات.
الآية الثانية والعشرون من الباب الخامس من كتاب أشعيا هكذا: (الويل للأقوياء منكم على شرب الخمر والمقتدرين أن يمزجوا المسكرة) .
والآية السابعة من الباب الثامن والعشرين من كتابه هكذا: (وهؤلاء أيضًا لم يفهموا بسبب الخمر وضلوا من المسكر الكاهن والنبي لم يعلموا للمسكر غرقوا في الخمر تاهوا من المسكر لم يعلموا الرؤيا ولم يفهموا القضاء) .
وقد عرفت في أول هذا الفصل، أن نوحًا ﵇، شرب الخمر، وزال عقله، وصار عريانًا. وأن لوطًا شرب الخمر، وزال عقله، وفعل بابنتيه ما فعل، بحيث لم يسمع مثله من المولعين بشربها.
وفي الباب الثالث عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتزر بها ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها) .
وقال اللوذعي الألمعي الظريف فارس مضمار البلاغة أطال الله بقاءه إلزامًا هكذا: (هذا يوهم أن عيسى ﵇ وقتئذ كان قد سرت فيه الخمرة حتى لم يكن يدري ما يفعل، فإن غسل الأقدام لا يوجب التجرد عن الثياب) انتهى كلامه بلفظه.
[ ٤ / ١٣٤٢ ]
وقال سليمان الحكيم النبي ﵇ في ذم الشراب في كتابه سفر الأمثال في الباب الثالث والعشرين هكذا: ٣١ (لا تنظر إلى الخمر إذا اصفر وإذا شعشع لونه في الزجاج ويدخل لذيذًا) ٣٢ (وفي نهاية أمره يلدغ كالحية ومثل ملك الحيات يسكب سمومه) .
وكذا اختلاط النساء الشواب الأجنبيات مع الرجال الشبان، آفة شديدة لا ترجى العصمة، سيما إذا كان الرجل شابًا عزبًا شارب الخمر، والمرأة فاحشة محبوبة وهي تدور معه وتخدمه بمالها ونفسها. وقد عرفت حال داود ﵇، أن نظرًا واحدًا إلى الامرأة الأجنبية، بلغه إلى ما بلغ، مع أنه كان كثير الأزواج وجاوز الخمسين. وكذا قد عرفت حال سليمان ﵇، أن النساء قد أزلن عقله وجعلناه مرتدًا وثنيًا في شيخوخته، بعد ما كان نبيًا صالحًا في شبابه، ولما حصل له التجربة الكاملة من حال أبيه وأمه، ومن حال أخيه وأخته أمنون وثامار، ومن حال أسلافه مثل روبيل ويهودا، سيما من حال نفسه. شدد في هذا الباب تشديدًا بليغًا في سفر الأمثال فقال:
في الباب الخامس: (لا تصغ إلى مكر الامرأة) ٣ (لأن شفتي
[ ٤ / ١٣٤٣ ]
الامرأة الأجنبية تسكبان عسلًا، وحنجرتها ألطف من الدهن) ٤ (ثم عاقبتها مرة كالعلقم، ومرهفة كسيف ذي فمين) ٥ (رجلاها تنحدران إلى الموت وخطوتها تنفذ إلى الجحيم) ٦ (تسلك أنت سبيل الحيات لأن طرقها ضالة لا تدرك) ٧ (والآن يا ابني اسمع مني، ولا تبعد عن أقوال فمي أجعل طريقك منها بعيدًا، ولا تدن إلى أبواب منزلها) ٢٠ (لماذا تضلك يا ابني الامرأة الغريبة وتحاضنك أجنبية) .
ثم قال في الباب السادس: ٢٤ (لنحفظك من امرأة رضية ومن لطافة لسان غريبة لا يشتهي قلبك جمالها ولا تقتنصك غمزاتها) ٢٦ (فإن قيمة الزانية مقدارها خبزة واحدة وامرأة الرجل تصطاد النفس الكريمة) ٢٧ (أيستطيع رجل أن يخفي في حجره نارًا وما تحترق ثيابه) ٢٨ (أم يتمشى على جمر وما تحترق رجلاه) ٢٩ (هكذا من يدخل إلى امرأة غريبة لا يتبرأ إذا لمسها) .
ثم قال في الباب السابع: ٢٤ (فالآن يا ابني استمعني وأصغ إلى أقوال فمي) ٢٥ (لا تحنحن قلبك إلى طرقها ولا تضلن في مناهجها) ٢٦ (فإنها قد طرحت كثيرين جرحى وهي قتلت كل قوي) ٢٨ (بيتها هو طرق الجحيم محدرة إلى مطابق الموت) .
ثم قال في الباب الثالث والعشرين: ٣٣ (عيناك تنظران الأجنبيات وقلبك يتكلم بالملتويات) ٣٤ (وتكون كنائم في قلب البحر وكمدير راقد إذ تلفت الدفة) .
[ ٤ / ١٣٤٤ ]
وكذا اختلاط الأمارد آفة بل أخوف من اختلاط النساء وأشنع كما شهد به المجربون، وإذا عرفت هذا، أقول أن عيسى ﵇ لما كان شارب الخمر، حتى كان معاصروه يقولون أنه أكول شريب خمر، وكان شابًا عزبًا، فإذا بلت مريم قدميه بدموعها، ولم تكف عن تقبيلهما منذ دخلت، وكانت تمسحهما بشعر رأسها، وكانت في هذا الوقت فاحشة مشهورة. فكيف نسى عيسى ﵇ حال أسلافه، يهوذا وداود وسليمان ﵉، وكيف نسي أقوال سليمان ﵇، وكيف لم يعلم أن قيمتها مقدار خبزة واحدة، وأن من لمسها لا يتبرأ، كما لا يمكن أن يخفى رجل في حجره نارًا، وما تحترق ثيابه، أو يمشي على جمر النار، وما تحترق رجلاه. فكيف أجاز لها بهذه الأمور، حتى اعترض عليه الفريسي، وكيف يتصور أن هذه الأمور لم تكن من مقتضى الشهوات النفسانية، وكيف غفر خطاياها وذنوبها على هذا الفعل. أهذه الأمور هي اللائقة لذات الله العادل المقدس.
ولذلك قال اللوذعي السابق ذكره: (وقد كانت وقتئذ بغيًا مباحة، فهل يليق الآن بأحد مطارنة النصارى، إذا كان ضيفًا في بيت أحد معارفه، أن يأذن لقبيحة فاحشة في أن تغسل رجليه بمحضر ملأ من الناس، من غير أن تبدي أمارة التوبة من قبل، لا سرًا ولا جهرًا) انتهى كلامه.
وكان يحب مريم، ويدور هو والاثنا عشر تلاميذه ومعهم نساء كثيرة يخدمنه من أموالهن. فكيف يتصور أنه لم تزل أقدامهم مع هذه المخالطة الشديدة، كما زل قدم روبيل، حتى زنى بزوجة أبيه، وقدم يهودا حتى زنى بكنته، وقدم
[ ٤ / ١٣٤٥ ]
داود ﵇ حتى زنى بامرأة أوريا، وقدم أمنون حتى زنى بأخته.
ولذلك قال اللوذعي السابق ذكره: (وأغرب منه ما ذكره لوقا من أن عيسى وتلاميذه كانوا يجولون في القرى ومعهم نساء، منهن مريم هذه التي كان أمرها مشهورًا بالفجور والزنا، وأنت خبير بأنه لا يتأتى لكل واحد في البلاد الشرقية، وخصوصًا في القرى، أن يبيت وحده في محل مخصوص. فلا بد أن هؤلاء الأولياء كانوا يبيتون مع تلك الوليات معًا) انتهى كلامه بلفظه.
واحتمال مزلة أقدام الحواريين أقوى، لأنهم ما كانوا كاملين في الإيمان، قبل صعود المسيح ﵇، على ما أقر علماؤهم. فلا يظن في حقهم العصمة من الزنا، ألا ترى أن الأساقفة والشمامسة من فرقة كاتلك، لا يتزوجون ويدعون أن هذا الأمر من العفاف، ويفعلون ما لا يفعله الفاسق الغني من أهل الدنيا، كأن كنائسهم بيوت الفاحشات الزانيات.
في الصفحة ١٤٤ و١٤٥ من كتاب الثلاث عشرة رسالة، في الرسالة الثانية هكذا: (القديس برنردوس يقول [١] وعظ عدد ٦٦ في نشيد الإنشاد (نزعوا من الكنيسة الزواج المكرم والمضجع الذي هو بلا دنس فملؤوها بالزنا في المضاجع مع الذكور والأمهات والأخوات وبكل أنواع الأدناس) .
والفاروس بيلاجيوس أسقف سلفا في بلاد البورتكال سنة ١٣٠٠ يقول:
[ ٤ / ١٣٤٦ ]
يا ليت أن الأكليروسيين لم يكونوا نذروا العفة، ولا سيما أكليروس سبانيا، لأن أبناء الرعية هناك أكثر عددًا بيسير من أبناء الكهنوت.
ويوحنا أسقف سالتزبرج في الجيل الخامس عشر، كتب: (أنه وجد قسوسًا قلائل غير معتادين على نجاسة متكاثرة مع النساء، وأن أديرة الراهبات متدنسة مثل البيوت المخصوصة للزنا) انتهى كلامه بلفظه ملخصًا.
وشهادة قدمائهم هذه، تكفي في حق عصمة هؤلاء القسوس التي ادعوها، فلا حاجة إلى أن أزيد على هذه، بل أترك ذكرهم وأقول: مثلهم حال فقراء مشركي الهند الذين يدعون العصمة، ويفهمون الزواج أنه أشد المعائب لفقرهم وطريقتهم، وهم أفجر الناس وأفسقهم، لا يحصل للأمراء الفساق ما يحصل لهم.
وتذكرت حكاية: أن بعض المسافرين، لما وصل إلى قرية من قرى الهند، رأى جارية كاعبة تجيء من القرية، فسألها يا بنت أنت من بنات القرية أم من كناتها؟ فأجابت هذه اللاكعة: أيها السائل إني من بنات القرية، لكني أفضل من كناتها في قضاء الشهوة يحصل لي ما لم يحصل لإحداهن في الرؤيا والمنام.
[ ٤ / ١٣٤٧ ]
فهؤلاء المجردون ذوو حظ جسيم من المتزوجين، فعند المنكرين كان عيسى ﵇، مستغنيًا عن الزواج مطلقًا، وكان تلاميذه مستغنين إما عن الزواج مطلقًا، أو عن كثرة الأزواج مثل حضرات الشمامسة والقسوس من فرقة كاتلك، ومثل فقراء مشركي الهند. وكذا محبة عيسى ﵇ لتلميذه، محل تهمة عند الذين ابتلوا بهذا الفحش القبيح.
ولذلك قال الألمعي السابق ذكره، على قول الإنجيلي الرابع أعني، فاتكأ ذاك على صدر يسوع، هكذا: (كالمرأة التي تحاول شيئًا من عاشقها فتتغنج له) انتهى كلامه بلفظه.
واعلم أني ما كتبت في هذا الأمر الخامس، كتبته إلزامًا، وإلا فإني أتبرأ من أمثال هذه التقريرات. ولا اعتقد أمرًا منها في حق عيسى ﵇، ولا في حق حواريه الأمجاد، كما صرحت في مقدمة الكتاب، ومواضع متعددة.
(الأمر السادس) في الجلالين في سورة التحريم هكذا: (من الإيمان تحريم الأمة) انتهى. فقول النبي ﷺ حرمت مارية على نفسي يمين بهذا المعنى.
(الأمر السابع) إذا قال النبي لا أفعل هذا الأمر ثم فعل، لأجل أنه كان جائزًا من الأصل، أو جاء إليه حكم الله، لا يقال أنه أذنب، بل في الصورة الثانية لو لم يفعل يكون عاصيًا البتة. وعندهم يوجد مثله في حق الله في كتب العهد العتيق، فضلًا عن الأنبياء كما عرفت بما لا مزيد عليه، في أمثلة
[ ٤ / ١٣٤٨ ]
القسم الثاني من الباب الثالث، وفي جواب الشبهة الخامسة من الفصل الرابع من الباب الخامس. ويوجد في العهد الجديد، في حق عيسى ﵇، في الباب الخامس عشر من إنجيل متى، أن امرأة كنعانية استغاثت لأجل شفاء بنتها، فأبى عيسى ﵇ فأجابت جوابًا حسنًا استحسنه عيسى ﵇، ودعا لابنتها فشفيت. وفي الباب الثاني من إنجيل يوحنا أن أم عيسى ﵇ استدعت منه في عرس قانا الجليلي، أن يحول الماء خمرًا، وقال ما لي ولك يا امرأة لم تأت ساعتي، ثم حوله.
(الأمر الثامن) لا بأس بأن يخصص أولياء الله بخصائص، ألا ترى أن هارون وأولاده كانوا مخصصين بأمور كثيرة، من خدمة قبة الشهادة، وما يتعلق بها، وما كانت هذه الأمور جائزة لبني لاوى الآخرين، فضلًا عن غيرهم من بني إسرائيل.
وإذا عرفت الأمور الثمانية، ظهر لك جواب مطعنهم بالوجوه الخمسة، لكني أتعجب كل العجب من هؤلاء المعاندين، أنهم لو رأوا في شريعة الغير أمرًا لا يكون حسنًا في آرائهم، يقولون أن هذا الأمر لا يجوز أن يكون من جانب الله. المقدس الحكيم العادل، أو يقولون أن هذا ليس بلائق بمنصب النبوة. ولو وجد أمر أشنع منه في شرائعهم، يكون من جانب الله، أو لائقًا بمنصب النبوة. فأمر الله لحزقيال ﵇ أن يحمل إثم آل إسرائيل وآل يهوذا على
[ ٤ / ١٣٤٩ ]
نفسه، وأن يأكل إلى ثلثمائة وتسعين يومًا، خبزًا ملطخًا ببراز الإنسان. وكذا أمر الله لأشعيا ﵇، أن يمشي مكشوف العورة الغليظة، وعريانًا بين النساء والرجال إلى ثلاث سنين، مع كونه في قيد العقل. وكذا أمره لهوشع أن يأخذ لنفسه زوجة زانية وأولاد الزنا، وأن يتعشق بامرأة فاسقة محبوبة لزوجها. يكون كلها عندهم أمورًا من جانب الله الحكيم المقدس، ولائقًا بمناصب هؤلاء الأنبياء المقدسين. وإجازة نكاح زينب بعد طلاق زوجها وانقضاء عدتها لا يمكن أن يكون من جانب الله، ولا يكون لائقًا بمنصب نبوة محمد ﷺ. وكذا لا يسقط عن درجة النبوة، يعقوب ﵇ الذي هو ابن الله البكر بنص التوراة، بسبب أن تعشق راحيل، وخدم أباها أربع عشرة سنة، وأخذ أربع زوجات، وجمع بين الأختين، وكذا لا يسقط عنها داود ابن الله البكر الآخر، بنص الزبور، بسبب أن أخذ نساء كثيرة، وجواري كثيرة، قبل أن يزني بامرأة أوريا بل تكون هذه النساء كلها بهبة الله ورضاه، ويكون داود ﵇ قابلًا لأن يقول الله في حقه: فإذا كانت عندك قليلة كان ينبغي لك أن تقول فأزيد مثلهن. ولا يصدر العتاب عليه على تكثير النساء، بل على أنه زنى بامرأة الغير، وقتل ذلك الغير بالحيلة، وأخذ تلك الامرأة.
وكذا لا يسقط عنها سليمان ﵇، الذي هو ابن الله بشهادة كتبهم المقدسة
[ ٤ / ١٣٥٠ ]
بسبب أن أخذ ألف امرأة من الزوجات والجواري، وارتد في آخر عمره وعبد الأصنام، بل يبقى مسلم النبوة ويكون كتبه الثلاثة، أعني الأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد، كتبًا إلهية. وكذا لا يسقط لوط عنها، بسبب الزنا بابنتيه. وكذا لا يسقط عنها ابن الله الوحيد وحواريه الأمجاد، بسبب حب الفاحشة، وبعض التلاميذ، والجولان مع النساء في قرى البلاد الشرقية. بل لا يتهمون أيضًا بشيء مع هذه المخالطة الشديدة وكونهم شاربي الخمر وشبانًا. ويسقط محمد ﷺ عن درجة النبوة بكثرة الأزواج، ونكاح زينب، وتحليل جاريته بعد تحريمها. لعل منشأ هذه الأمور أن الله لما كان واحدًا حقيقيًا، لا تكثر في ذاته بوجه من الوجوه عند أهل الإسلام، فذاته المقدسة لا تسع أمرًا غير مناسب، وعندهم لما كان ذاته مشتملة على الأقانيم الثلاثة المتصف كل منهم بصفات الألوهية كلها، الممتاز كل منهم عن الآخر امتيازًا حقيقيًا تسع أمرًا غير مناسب. لأن الامتياز الحقيقي، لا يمكن أن يفارق التعدد، بل يستلزمه البتة وإن لم يقروا بحسب الظاهر به، كما عرفت في الباب الرابع والثلاثة أكثر من الواحد.
فلعل إلههم في زعمهم أقوى من إله المسلمين، وكذلك لما لم تكن العصمة من ذنب من الذنوب، حتى الشرك وعبادة العجل والأصنام والزنا والسرقة والكذب حتى في تبليغ الوحي وغيرها من المعاصي، شرط للنبوة عندهم، كانت ساحة النبوة عندهم أوسع من ساحتها عند المسلمين
[ ٤ / ١٣٥١ ]
(المطعن الرابع) أن محمد ﷺ كان مذنبا
أو لعل. منشأها أن يعقوب وداود وسليمان وعيسى لما كانوا أبناء الله، فلهم أن يفعلوا في مملكة أبيهم ما يشاؤون، بخلاف محمد ﷺ، فإنه لما كان عبد الله بن عبد الله، لا يجوز له أن يفعل في مملكة مالكه وسيده ما يشاء. نعوذ بالله من التعصب الباطل والاعتساف ومن المكابرة وعدم الإنصاف.
(المطعن الرابع) أن محمد ﷺ كان مذنبًا، وكل مذنب لا يصح أن يكون شافعًا للمذنبين الآخرين. أما الصغرى فلما وقع:
في سورة المؤمن: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ .
وفي سورة محمد: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ .
وفي سورة الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ .
وفي الحديث: (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت) . ونحوه مما وقع في الأحاديث الأخرى.
[ ٤ / ١٣٥٢ ]
(والجواب) أن الصغرى والكبرى كلتاهما غير صحيحتين، فالنتيجة كاذبة يقينًا، وأنا أمهد لتوضيح بطلانهما أمورًا خمسة:
(الأمر الأول) أن الله رب وخالق، والخلق كله مربوب ومخلوق، فكل ما صدر عن حضرة الرب الخالق في حق العبد المربوب المخلوق، من الخطاب والعتاب والاستعلاء فهو في محله ومقتضى المالكية والخالقية. وكذا كل ما يصدر عن العباد، من الأدعية والتضرعات إليه، فهو في موقعه أيضًا، ومقتضى المخلوقية والعبودية والأنبياء عباد الله المخلصون، فهم أحق من غيرهم، والحمل على المعنى الحقيقي في كل موضع، من أمثال هذه المواضع، في كلام الله وفي أدعية الأنبياء وتضرعاتهم خطأ وضلال وشواهده كثيرة في كتب العهدين، سيما الزبور. وأنا أنقل على سبيل الأنموذج بعضًا منها:
[١] في الباب العاشر من إنجيل مرقس، والثامن عشر من إنجيل لوقا هكذا: ١٧ (وفيما هو خارج إلى الطريق، ركض واحد وجثا له وسأله أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية) ١٨ (فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحًا ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله) انتهى بعبارة مرقس. فأقر عيسى ﵇ بأني لست صالحًا ولا صالح إلا الله وحده.
[٢] في الزبور الثاني والعشرين هكذا: ١ (إلهي إلهي انظر لماذا تركتني تباعد عني خلاصي بكلام جهلي) ٢ (إلهي بالنهار أدعوك فلم تستجب لي وبالليل فلم تحفل بي) . ولما كان آيات هذا الزبور راجعة إلى عيسى ﵇، على زعم أهل التثليث، فكان القائل بها عندهم هو عيسى ﵇.
[ ٤ / ١٣٥٣ ]
[٣] الآية السادسة والأربعون من الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا: (ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني) .
[٤] في الباب الأول من إنجيل مرقس هكذا: ٤ (كان يوحنا يعمد في البرية ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا) ٥ (وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه في نهر الأردن معترفين بخطاياهم) ٩ (وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن) .
وكانت هذه المعمودية، معمودية التوبة، بمغفرة الخطايا. كما صرح مرقس في الآية الرابعة والخامسة
[ ٤ / ١٣٥٤ ]
والآية الثالثة من الباب الثالث من إنجيل لوقا هكذا: (فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودة التوبة لمغفرة الخطايا) . وفي الآية الحادية عشر من الباب الثالث من إنجيل متى هكذا: (أنا أعمدكم بماء للتوبة) الخ. وفي الآية الرابعة والعشرين من الباب الثالث عشر من كتاب الأعمال هكذا: (إذ سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة لجميع شعب إسرائيل) . والآية الرابعة من الباب التاسع عشر من كتاب الأعمال هكذا: (فقال بولس أن يوحنا عمد بمعمودية التوبة) الخ.
فهذه الآيات كلها، تدل على أن هذه المعمودية، كانت معمودية التوبة لمغفرة الخطايا، فمتى سلم اعتماد عيسى من يحيى ﵉، لزم تسليم اعترافه بالخطايا والتوبة منهما أيضًا، لأن حقيقة هذا الاعتماد ليست غير ذلك.
وفي الباب السادس من إنجيل متى في الصلاة التي علمها عيسى ﵇ تلاميذه هكذا: (اغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر أيضًا للمذنبين إلينا ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير) .
والظاهر أن عيسى ﵇، كان يصلي تلك الصلاة التي علمها تلاميذه، ولم يثبت من موضع من مواضع الإنجيل أنه ما كان يصلي هذه الصلاة. وستعرف في الأمر الثاني أنه كان كثير الصلاة، فلزم أن يكون دعاؤه باغفر لنا ذنوبنا مرات كثيرة بلغت الآلاف.
والعصمة من الذنوب، وإن لم تكن من شروط النبوة عند أهل التثليث، لكنهم يدعونها في حق عيسى ﵇، باعتبار
[ ٤ / ١٣٥٥ ]
الناسوت أيضًا. وكان عيسى ﵇ بهذا الاعتبار أيضًا عندهم، صالحًا ومقبولًا لله لا متروكًا فهذه الجمل:
[١] لماذا يدعوني صالحًا الخ. [٢] إلهي إلهي لماذا تركتني. [٣] تباعد عني خلاصي بكلام جهلي. [٤] بالنهار أدعوك فلم تستجب لي. [٥] ألفاظ التوبة والاعتراف بالخطايا عند الاعتماد. [٦] اغفر لنا ذنوبنا. لا تكون محمولة على المعاني الحقيقية الظاهرية عند أهل التثليث، وإلا يلزم أنه لم يكن صالحًا، وكان متروكًا لله بعيدًا عن الخلاص، بسبب كلام الجهل. غير مستجاب الدعاء، خاطئًا مذنبًا. فلا بد أن يقال أن هذه التضرعات بمقتضى المخلوقية والمربوبية باعتبار الناسوت.
وفي الزبور الثالث والخمسين هكذا: ٣ (الرب من السماء اطلع على بني البشر لينظر هل من يفهم أو يطلب الله) ٤ (كلهم قد زاغوا جميعًا والتطخوا وليس من يعمل صلاحًا حتى ولا أحد) .
وفي الباب التاسع والخمسين من كتاب أشعيا هكذا: ٩ (فلذلك تباعد الحكم عنا ولا يدركنا العدل انتظرنا النور فيها الظلام انتظرنا الشعاع فها سرنا في الظلمة) ١٢ (من أجل أن آثامنا تكاثرت قدامك وخطايانا أجابتنا لأن فجورنا معنا وآثامنا عرفناها) ١٣ (أن نخطئ ونكذب على الرب واندبرنا إلى
[ ٤ / ١٣٥٦ ]
خلف حتى أن لا نسلك وراء إلهنا لنتكلم بالظلم والتعدي حبلنا وتكلمنا من القلب بكلام كاذب) .
وفي الباب الرابع والستين من كتاب أشعيا هكذا: ٦ (وصرنا جميعنا كالنجس وكخرقة الحائض كل براتنا وسقطنا مثل الورق نحن جميعًا وآثامنا كالريح ذرونا) ٧ (ليس من يدعو باسمك ومن يقوم ويمسكك أخفيت وجهك عنا واطرحتنا بيد إثمنا) .. ولا شك أن كثيرًا من الصلحاء كانوا موجودين في زمان داود ﵇، مثل ناثان النبي وغيره، ولو فرضنا أنهم لم يكونوا معصومين على زعم أهل التثليث، فلا ريب أنهم لم يكونوا مصداق الآية الرابعة من الزبور المذكور أيضًا، ووقعت في عبارتي أشعيا ﵇، صيغ التكلم مع الغير، وأشعيا وغيره من أنبياء عهده وصلحاء زمانه، وإن لم يكونوا معصومين لكنهم لم يكونوا مصاديق الأوصاف المصرحة، في العبارتين قطعًا أيضًا، فلا تكون عبارة الزبور وهاتان العبارتان محمولات على معانيها الحقيقية الظاهرية، بل لا بد فيها من الرجوع إلى أن تلك التضرعات بمقتضى العبودية. وكذا وقع في الباب التاسع من كتاب دانيال، والباب الثالث والخامس من مراثي أرمياء، والباب الرابع من الرسالة الأولى لبطرس.
(الأمر الثاني) أن أفعال الأنبياء كثيرًا ما تكون لتعليم الأمة، لتستن بهم.
[ ٤ / ١٣٥٧ ]
ولا يكونون محتاجين إلى هذه الأفعال لأجل أنفسهم.
في الباب الرابع من إنجيل متى، أن عيسى ﵇ صام أربعين نهارًا، أو أربعين ليلة. والآية الخامسة والثلاثون من الباب الأول من إنجيل مرقص هكذا: (وفي الصبح باكرًا جدًا قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك) . والآية السادسة عشر من الباب الخامس من إنجيل لوقا هكذا: (وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي وقضى الليل كله في الصلاة لله) .
ولما كان اتحاد المسيح بذات الله على زعم أهل التثليث، فلا حاجة له إلى هذه التكاليف الشديدة، فلا بد أن تكون هذه الأفعال لأجل التعليم.
(الأمر الثالث) أن الألفاظ المستعملة في الكتب الشرعية، مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج والنكاح والطلاق وغيرها، يجب أن تحمل على معانيها الشرعية ما لم يمنع عنها مانع، ولفظ الذنب في هذا الاصطلاح الشرعي، إذا استعمل في حق ألأنبياء، يكون بمعنى الزلة. وهي عبارة عن أن يقصد معصوم عبادة أو أمرًا مباحًا، ويقع بلا قصد وشعور في ذنب لمجاورة العبادة أو الأمر المباح بهذا الذنب، كما أن السالك يكون قصده قطع الطريق، لكنه قد يزل قدمه أو يعثر بسبب طين أو حجر واقع في ذلك الطريق، أو يكون
[ ٤ / ١٣٥٨ ]
بمعنى ترك الأولى.
(الأمر الرابع) أن وقوع المجاز في كلام الله وكلام الأنبياء كثير، كما عرفت بما لا مزيد عليه، في مقدمة الباب الرابع. وقد عرفت أيضًا في جواب الشبهة الرابعة من الفصل الرابع من الباب الخامس، أن حذف المضاف كثير في كتبهم المقدسة.
(الأمر الخامس) أن الدعاء قد يكون المقصود به محض التعبد كما في قوله تعالى: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ فإن إيتاء ذلك الشيء واجب، ومع ذلك أمرنا بطلبه. كقوله تعالى: ﴿رب احكم بالحق) مع أنا نعلم أنه لا يحكم إلا بالحق.
وإذا عرفت الأمور الخمسة، أقول أن الاستغفار طلب الغفران، والغفران الستر على القبيح، وهذا الستر يتصور على وجهين:
الأول: بالعصمة منه لأن من عصم فقد ستر عليه قبائح الهوى.
والثاني: بالستر بعد الوجود.
فالغفران في الآيتين الأوليين بالوجه الأول، في حق النبي ﷺ. وفي الثانية بالوجه الثاني في حق المؤمنين والمؤمنات.
[ ٤ / ١٣٥٩ ]
قال الإمام الهمام الفخر الرازي قدس سره في ذيل تفسير الآية الثانية هكذا:
(وفي هذه الآية لطيفة، وهي أن النبي ﷺ له أحوال ثلاثة: حال مع الله، وحال مع نفسه، وحال مع غيره، فأما مع الله فوحده، وأما مع نفسه فاستغفر لذنبك واطلب العصمة من الله، وأما مع المؤمنين فاستغفر لهم، واطلب الغفران لهم من الله) انتهى كلامه بلفظه.
أو أن المقصود من الأمر بالاستغفار في الآيتين محض التعبد كما في قوله تعالى: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ وكقوله: ﴿رب احكم بالحق﴾ كما عرفت في الأمر الخامس.
أو أن المقصود من هذا الأمر أن يكون الاستغفار مسنونًا في أمته، فاستغفاره ﷺ كان لتعليم الأمة.. في الجلالين ذيل تفسير الآية الثانية هكذا: (قيل له ذلك مع عصمته ليستن به أمته) انتهى.
أو أن المضاف في الآيتين محذوف. والتقدير في الآية الأولى: (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنب أمتك) الآية. وفي الثانية: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنب أهل بيتك ولذنب المؤمنين والمؤمنات الذين ليسوا من أهل بيتك، فلا بعد في ذكر المؤمنين والمؤمنات) . وقد عرفت في الأمر الرابع، أن حذف المضاف كثير شائع في كتبهم، أو أن المراد بالذنب في الآيتين الزلة أو ترك الأفضل.
[ ٤ / ١٣٦٠ ]
وسمعت من الأحباء، أن بعض من بلغ سن الخرافة من علماء بروتستنت، اعترض على هذا التوجيه في بعض تأليفه الجديد وقال: فرضنا أنه ما ظهر من محمد ﷺ ذنب من الذنوب غير ترك الأولى، فترك الأولى أيضًا ذنب على ما يحكم به كلام الله أعني التوراة والإنجيل فيكون محمد ﷺ مذنبًا.
قال يعقوب في الآية السابعة عشر من الباب الرابع من رسالته هكذا: (فمن يعرف أن يعمل حسنًا ولا يعمل فذلك خطيئة له) انتهى.
أقول: هذا منشؤه خرافة السن، لأنه لا شك أن ترك شرب الخمر حسن، حتى مدح الله يحيى ﵇ على هذا، وقال الأنبياء في حقها ما قالوا، وكذا لا شك أن عدم الإذن لفاحشة مباحة بغي في غسل الرجلين ومسحهما بشعر رأسها بمحضر ملأ من الناس حسن. وكذا ترك المخالفة الشديدة بالنساء الأجنبيات الشواب، والجولان معهن في القرى الشرقية حسن، سيما إذا كان الرجل المخالط شابًا عزبًا. وما فعل هذه الأمور الحسنة عيسى ﵇، حتى أن المخالفين طعنوا عليه كما عرفت في جواب المطعن الثالث، فيلزم على رأيه أن يكون إلهه أيضًا مذنبًا. على أن هذا المعترض زاد لفظ التوراة لأجل تغليط العوام، ولا يوجد هذا الحكم في التوراة، وهو ما أورد سندًا لهذا، إلا من رسالة يعقوب التي ليست إلهامية، على تحقيق العلماء الأعلام من فرقة بروستنت، سيما على تحقيق إمامه ومقتداه لوطر، كما عرفت في الفصل الرابع من الباب الأول. فكلام يعقوب على هؤلاء العلماء ليس بحجة
[ ٤ / ١٣٦١ ]
فاعتراضه واه بلا شبهة.
وأما الآية الثالثة فالمضاف محذوف، أو المراد بالذنب ترك الأفضل، أو المراد بالغفران العصمة.
وقال الإمام السبكي وابن عطية: أن المقصود من هذه الآية، ليس إثبات صدور ذنب وغفرانه، بل المقصود منها تعظيم رسول الله ﷺ وإكرامه فقط. لأن الله أظهر تعظيمه وإحسانه في أول هذه السورة، فبشر أولًا بالفتح المبين، ثم جعل غاية هذا الفتح الغفران وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم وإعطاء النصر العزيز. فلو فرض صدور ذنب ما يكون مخلًا لبلاغة الكلام، فمقتضاها التكريم والتعظيم. كما أن السيد إذا رضي عن خادمه يقول تارة لإكرامه وإظهار رضاه: عفوت عنك خطيئاتك المتقدمة والمتأخرة، ولا أؤاخذك عليها وإن لم يصدر عن هذا الخادم خطيئات.
وأما الدعاء المذكور في الحديث، فتوجيهه أن رسول الله ﷺ، لما كان أرفع الخلق عند الله درجة وأتمهم به معرفة، وكان حاله عند خلوص قلبه عن ملاحظة غير ربه، إقباله بكليته عليه أرفع حاليه، بالنسبة إلى غير ذلك كان يرى شغله بما سواه، وإن كان ضروريًا نقصًا وانحطاطًا من رفيع كماله، فكان يستغفر الله من ذلك طلبًا للمقام الأعلى، فكان هذا الشغل الضروري أيضًا عنده، بمنزلة الذنب الذي لا بد أن يستغفر عنه بالنسبة إلى أعلى حاله، أو كان صدور مثل هذا الدعاء بمقتضى العبودية. كما أن عيسى ﵇
[ ٤ / ١٣٦٢ ]
أيضًا بمقتضى العبودية، نفى الصلاح عن نفسه، واعترف بالخطايا عند الاعتماد، ودعا مرارًا باغفر لنا ذنوبنا، وتفوه بهذه الجمل: ١ (إلهي إلهي لماذا تركتني) ٢ (وتباعد عني خلاصي بكلام جهلي) ٣ (إلهي بالنهار أدعوك فلم تستجب لي) أو كان هذا الدعاء لأجل التعبد المحض كما عرفت في الأمر الخامس ٤ أو كان لأجل تعليم الأمة ٥ وأن الذنب المذكور فيها بمعنى الزلة، وترك الأولى، كما عرفت في الأمر الثالث، وعلى كل تقدير لا يرد شيء، وهذه التوجيهات الخمسة تجري كلها أو بعضها في الأحاديث، التي تكون مثل الحديث المذكور. وإذا لم يثبت من الآيات والأحاديث المذكورة التي استدل بها المعترض، كون محمد ﷺ مذنبًا، ثبت كذب الصغرى.
وأما كذب الكبرى، فلأن كليتها ممنوعة، لأنها إما أن يثبتها المعترض بعندية أهل التثليث، أو بالبرهان النقلي.
فإذا كان الأول فعنديتهم هذه لا تتم علينا، كما لا تتم أكثر عندياتهم على ما عرفت في الفصل الثاني من الباب الخامس.
وإن كان الثاني فعليهم بيان ذلك البرهان، وعلينا النظر في مقدماته، وأنى لهم ذلك ولا استبعاد في أن يغفر الله ذنوب واحد بلا واسطة، ثم يقبل
[ ٤ / ١٣٦٣ ]
شفاعته في حق الآخرين، على أن قبح الذنب عقلًا ما لم يغفر، فإذا غفر لا يبقى قبحه لوجه ما، وقد يوجد التصريح في الآية الثالثة التي نقلوها بزعمهم الفاسد، لإثبات الذنب بأن قال: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ . فإن صارت ذنوب محمد ﷺ متقدمة كانت أو متأخرة مغفورة، في هذه الدار الدنيا، فما بقي شيء مانع في أن يكون شفيعًا للآخرين في الدار الأخرى.
وإن كان الثالث فغلط يقينًا، ألا ترى أن بني إسرائيللما عبدوا العجل، أراد الله أن يهلك الكل، فشفع موسى ﵇ لهم، فقبل الله شفاعته، وما أهلك. كما هو مصرح به في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج، ثم قال الرب لموسى: اذهب أنت وبنو إسرائيل إلى أرض كنعان وأنا لا أذهب معكم، فشفع موسى فقبل الله شفاعته، وقال: أنا أذهب معك. كما هو مصرح به في الباب الثالث والثلاثين من سفر الخروج. ثم لما عصوا أراد الله مرة أخرى أن يهلكهم، فشفع موسى وهارون ﵉ فقبل الله شفاعتهما. ثم لما عصوا مرة أخرى أرسل الله عليهم حيات تلدغهم، فجاؤوا إلى موسى مستشفعين، فشفع لهم فقبل الله شفاعته، كما هو مصرح به في الباب السادس عشر والباب الحادي والعشرين من سفر العدل. فلا استحالة عقلًا ولا نقلًا في كون محمد ﷺ شفيع المذنبين، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، وارزقنا شفاعته يوم القيامة. وليكن هذا آخر الباب.
[ ٤ / ١٣٦٤ ]
وقد ابتدأت في تأليف هذا الكتاب، في اليوم السادس عشر من شهر رجب المنسلك في سنة ألف ومائتين وثمانين من هجرة سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وفرغت منه في آخر ذي الحجة من السنة المذكورة، والحمد لله رب العالمين وصار تاريخ ختمه (تأييد الحق برحمة الله ١٢٨٠) .
فأعوذ بالله من الحاسد الذي لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلًا، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضًا، ولا ينال من الخلق إلا جزعًا وغمًا، ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولاُ، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالًا. وأفوض أمري إلى اللطيف الخبير، إنه نعم المولى ونعم النصير. وأقول متضرعًا ومترجيًا:
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
[ ٤ / ١٣٦٥ ]