* يشتمل هذا الباب على فصلين:
الفصل الأول: التعريف بابن حزم
١ - أصله وأسرته
٢ - مولده ونشأته
٣ - بداية تعلمه
٤ - شيوخه
٥ - مكانته العلمية
٦ - تلاميذه
٧ - مصنفاته
٨ - وفاته
الفصل الثاني: عصر ابن حزم
١ - الحالة السياسية
٢ - الحالة الاجتماعية
٣ - الحالة العلمية
* * * *
[ ١٥ ]
الفصل الأول: التعريف بابن حزم
١ - أصله وأسرته:
ابن حزم هو المكنى بأبي محمد واسمه علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد. ويزيد هذا فارسي أسلم وكان مولى ليزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموى القرشي، وهو المعروف بيزيد الخير أخو معاوية، ونائب أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁ على دمشق.
وأول من دخل الأندلس من هذه الأسرة خلف بن معدان في زمن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام المعروف بالداخل. وسكن قرية "منت ليشم" من إقليم الزاوية من عمل "أونبه" على بعد نصف فرسخ منها وهي من كورة "لبلة" من غرب الأندلس. (^١)
وقد ولد أحمد بن سعيد - والد المترجم له - بقرية الزاوية كما قال المقرى التلمساني. (^٢) فعليه يكون أحمد بن سعيد الوزير هو أول من
_________________
(١) انظر في هذا جذوة المقتبس للحميدي ص ٣٠٨. وكتاب الصلة لابن بشكوال جـ ٢ ص ٣٩٥. ووفيات الأعيان لابن خلكان جـ ٣ ص ٣٢٥، وسير النبلاء للذهبي جزء خاص بترجمة ابن حزم ص ٢١. ومعجم الأدباء لياقوت جـ ١٢ ص ٢٣٧.
(٢) انظر نفح الطيب للمقري التلمساني جـ ٢ ص ٢٨٨.
[ ١٧ ]
سكن قرطبة من آل حزم، وفيها ولد أبو محمد بن حزم فيما ذكره صاعد بن أحمد. (^١) قال: "كتب إلى أبو محمد بن حزم بخطه يقول: ولدت بقرطبة في الجانب الشرقي من ربض منية المغيرة" (^٢) وتعيين قرطبة موضع ولادته محل إجماع.
هذا ما يتفق عليه أكثر المؤرخين القدماء الذين ترجموا لأبي محمد بن حزم، من أنه ﵀ فارسي الأصل. وأن جده الأقصى "يزيد" هو أول من أسلم من أجداده، وأنه مولى ليزيد بن أبي سفيان. ويخالف هذا أبو مروان ابن حيان المؤرخ، وابن سعيد صاحب المغرب. يقول ابن حيان: "وقد كان من غرائبه انتماؤه في فارس. واتباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبة من الدهر تولى فيها أبوه الوزير المعقل في زمانه والراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم لبنى أمية أولياء نعمة لا عن صحة ولاية لهم عليه فقد عهده الناس خامل الأبوة مولد الأرومة من عجم لبلة جده الأدنى حديث الإسلام لم يتقدم لسلفه نباهة فأبوه أحمد - على الحقيقة - هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رابية وعمده بالخلال الفاضلة من الرجاحة والمعرفة والدهاء، والرجولة والرأى. فاغتدى جرثومة سلف لمن نماهم أغنتهم عن الرسوخ في أول السابقة فما من شرف إلا مسوق عن خارجية ولم يكن إلا كلا ولا حتى تخطى على - صاحب الترجمة -
_________________
(١) هو صاعد بن أحمد المالقي أبو القاسم القرطبي الأندلسي قاضى طليطلة. كان عالما بالأخبار، صنف التعريف بطبقات الأمم قيل إنه توفى سنة ٤٩٧ هـ. انظر هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي ج ٥ ص ٤٢١.
(٢) كتاب الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٣٩٦.
[ ١٨ ]
هذا رابية لبلة فارتقى قلعة اصطخر (^١) من أرض فارس فالله أعلم كيف ترقاها إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالة بل وصله بها وسع علم وشجته رحم معقومة (^٢) بلها بمستأخر الصلة ﵀. (^٣)
ويقول ابن سعيد: "وكان متشيعًا في بني أمية منحرفا عمن سواهم من قريش وادعى أنه من الفرس وهو خامل الأبوة من عجم لبلة". (^٤)
ويذهب إلى ما ذهب إليه أبن حيان وابن سعيد المؤرخ الأسباني سانتشث البرنس فيقول: "ومن ثم كان ابن حزم أسبانيا تعرب ثقافة، ولم يكن عربيًا أسبانيًا. ابن أحد وزراء المنصور بن أبي عامر دكتاتور الأندلس، وكان معاصروه وتلاميذه من شبه الجزيرة يرونه حفيدًا لولدين، أي أنه ينحدر أبا من أصول أسبانية أسلمت وكانت الأم أسبانية على التأكيد، لأن مسلمي الأندلس حتى الخلفاء منهم ولدوا لأمهات ينحدرن من سلالات أسبانية عريقة فهم من هذا الجانب أسبانيون جميعا". (^٥)
ويقول بهذا القول كثير من الباحثين المستشرقين، ويسايرهم في
_________________
(١) هي بلدة بفارس طولها ٣٩ وعرضها ٣٢ وهي من أعيان حصون فارس ومدنها أول من أنشأها اصطخر ابن طهمورث ملك الفرس، وفتحها المسلمون سنة ٢٨ هـ. انظر معجم البلدان جـ ١ ص ٢١١، ٢١٢. وجمل فتوح الإسلام لابن حزم ص ٣٤٧.
(٢) كذا في معجم الأدباء ولعلها "معقوقة".
(٣) معجم الأدباء لياقوت جـ ١٢ ص ٢٥٠، ٢٥١.
(٤) المغرب في حلى المغرب لابن سعيد ج ١ ص ٣٥٥.
(٥) ابن حزم قمة إسبانية للمؤرخ الأسباني سانتشث البرنس ترجمة الدكتور: الطاهر مكى ضمن كتابه دراسات عن ابن حزم وطوق الحمامة ص ١٤٣.
[ ١٩ ]
ذلك الدكتور طه الحاجرى إذ يقول: "ابن حزم هذا هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم - فحزم هذا، وهو كما نرى جد أبيه - وهو الذي إليه ينتسب وبه يعرف، فهو كما يبدو رأس هذه الأسرة ولكن نسبه المدون لا يقف عند هذا الرجل بل يمضى مطردا حتى ينتهي إلى رجل اسمه يزيد. قالوا إنه فارسي الجنس وإنه من موالي يزيد بن أبي سفيان أحد رجال الفتوح الشامية والمتوفي سنة ثمانية عشر للهجرة.
على أنه ينبغي ألا يخدعنا هذا النسب المتسلسل الذي يذكره ياقوت، والذهبي والمقرى ومن إليهم ممن تعرض لترجمة ابن حزم، وإن أسند بعضهم حكاية هذا النسب إلى ابن حزم نفسه. أو زعم أنه رآه بخطه فأمر الأنساب في المغرب - كما كان في المشرق - أمر تحيط به الريب وتكتنفه الشبه وصناعة الأنساب وتلفيقها وتنسيقها صناعة كانت رائجة في الأندلس رواجها في العراق .. إلى أن قال: وربما كان للرجل من قوة شخصيته وكمال خلقه واعتداده بنفسه، ما يجعله يتحرج عن مثل هذا الصنيع، فلا يعدم من تلاميذه وأتباعه المكبرين له والمعجبين به من يغار له، ويأنف عنه أن يكون في جملة الموالي فاذا به يرى له ما لا يراه لنفسه، ويعرف من أمره ما ينكره هو فيتبرع له بنسب يجعله عربيًا صليبة، بدلا من أن يكون عربيًا بالولاء إلى أن يقول - وإذن فمن الحق علينا ألا نطمئن بادىء ذي بدء إلى هذه السلسلة النسبية المنسوقة التي تلحق بابن حزم والتي يخرج بفضلها من الجنس الأسباني المغلوب ويدخل في عداد العنصر الإسلامي الغالب، ولعل أول ما يريبنا في هذا النسب هو هذا النسب نفسه. إذ ينتهي إلى يزيد ذلك المولى الفارسي، فمتى كان الموالى عامة ممن يعنون بحفظ أنسابهم والحرص على تخليدها؟ فلو أن هذا النسب
[ ٢٠ ]
كان ينتهي إلى رجل عربى صميم لكان لقائل أن يقول، أما وهو ينتهي إلى مولى لا شان له ولا خطر وليس في أسمائه اسم يعرف بمأثرة، أو يقرن به ما عسى أن يخلده أو يشهره، فمن العجيب حقا أن نراه مخلدا محفوظا كأنساب السادة البارزين .. ثم يقول بعد أن ساق كلام ابن حيان - وإذن فابن حزم خرج من أسرة من أهل أسبانيا الغربية وكانت تقيم في لبلة وكانت تدين بالنصرانية وظلت على نصرانيتها بعد الفتح الإسلامي أمدا غير قصير حتى اعتنق حزم - الذي يحمل اسمه وينتسب إلي صاحبنا - الإسلام في منتصف القرن الثالث الهجري فيما نقدر .. ". (^١)
تلك نصوص أقوال بعض القائلين بإسبانية ابن حزم - ابن حيان، وابن سعيد، وسانتشث، والحاجرى - ونحب بعد هذا العرض لها ووضعها جلية أمام القارىء من غير تحريف لكلماتها أو تغيير لعباراتها، أن نقلب بعض طياتها لنرى هل لهذا الرأي قاعدة اعتمد عليها أو أنه ظهر بدونها، وسنبدأ المناقشة من الطرف.
فعن قول الدكتور الحاجري ومحاولته الجادة ترجيح أسبانية ابن حزم. نقول: أما قوله إن "حزم هو رأس هذه الأسرة" - وقد نفى بعد ذلك أن يكون هو الذي ادعى لنفسه هذا النسب المتسلسل وأنه من صنع تلاميذه وأتباعه - يخالف هذا ذكر أبي محمد في كتابه طوق الحمامة اسم جده، "غالب" إذ يقول: "عن ابن عمه أبي المغيرة عبد الوهاب أحمد بن عبد الرحمن بن حزم بن غالب" (^٢) فيظهر لنا أن حزما ليس رأس هذه الأسرة وإن أراد بكونه رأس هذه الأسرة. أنه أول من أسلم من أجداده على ما ذكر بعد ذلك، فيخالف هذا ذكر
_________________
(١) ابن حزم صورة أندلسية للدكتور طه الحاجري ص ١٤ - ١٧.
(٢) طوق الحمامة لابن حزم ص ٢١٧.
[ ٢١ ]
"غالب" أيضا إذ أنه إسم عربي. ويحق لنا القول، من أين علم الحاجري أن "حزم" أول من اعتنق الإسلام من أجداده؟
إن كان من قول ابن حيان: "جده الأدنى حديث عهد بالإسلام. (^١) فجده الأدنى "سعيد".
وإن كان من قول الحميدي: (^٢) "جده الأقصى في الإسلام" (^٣) فقد نص الحميدي على أنه "يزيد" فليس للحاجري مستند على هذا فيما أعلم.
وأما عن قوله "على أنه ينبغي ألا يخدعنا هذا النسب المتسلسل الذي يذكره ياقوت والذهبي والمقرى ومن إليهم".
الصحيح أنه ينبغي أن لا يخدعنا ما يقوله متعصبو الغرب، وأن ننظر في الأمور بعقولنا لا بمناظيرهم المنحرفة عن الحقيقة بدافع التعصب.
وأما احتمال أن أحد تلاميذه أو المكبرين له صنع له هذا النسب لأنه أنف أن يكون في جملة الموالى. فلم يتحقق هذا لأنه بالنسب المذكور مولى "ليزيد بن أبي سفيان" فالمحذور واقع. فلا يصح هذا الاحتمال.
واحتمال أن الهدف من صنع هذا النسب إلحاقه بالجنس الغالب
_________________
(١) معجم الأدباء لياقوت جـ ١٢ ص ٢٥٠.
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر بن فتوح الأزدي الحميدي. من أهل جزيرة ميورقة، وأصله من قرطبة. كان دؤبا على طلب العلم، ذكيا فطنا حافظا ألف الجمع بين الصحيحين، وكتاب جذوة المقتبس أكثر من الرواية عن ابن حزم وكان ظاهريا. توفى سنة ٤٨٨ من الهجرة عن سبعين عاما. انظر: الصلة جـ ٢ ص ٥٣٠، ٥٣١. وشذرات الذهب جـ ٣ ص ٣٩٢.
(٣) جذوة المقتبس للحميدي ص ٣٠٨.
[ ٢٢ ]
الفاتح للأندلس ولو من غير العرب. أمر يبعد أن يرضاه لنفسه أو يرضاه له أحد ممن يكبره - وهو هذا القمة - بالانتساب إلى من بالمرتبة الأقل وهو يستطيع الأعلى لأنه على هذا المبدأ لا يمنع من الأعلى مانع كالآخر. أما عن قوله "متى كان الموالى ممن يعنون بحفظ أنسابهم والحرص على تخليدها".
فهنا أمران: أولهما: أن هذا النسب ليس طويلا ولا صعبا على هذه الأصة الطلعة - ذات الذكاء والحفظ - أن تحفظ أسماء آبائها وتتناقله وإن كانت من الموالى ويوجد مثل هذا كثير في أيامنا هذه من أسر ليست ذات نباهة ولا شأن.
وثانيهما: أن ولاء هذه الأصة ليس لأصة خاملة فهو "ليزيد بن أبي سفيان القرشى" نائب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على دمشق، وأخو أمير المؤمنين معاوية. والمعروف عند العرب أن مولاهم يعرف بهم فينتسب إليهم ويفتخر بهم.
وأحب أن أقول للدكتور الحاجري: لو سلمنا كل ما ذكر هل من الممكن أن يصمت وأن لا يشهر بهذا الادعاء الذي ادعاه ابن حزم لنفسه أو ادعاه له غيره أعداؤه الذين هم جل أهل الأندلس وقد عملوا المستحيل لإيذائه والتضييق عليه، وأن لا يظهر هذا إلا من ابن حيان وقلة معه إن هذا بعيد كل البعد.
مناقشة قول سانتشث البرنس:
قوله: "إن معاصريه وتلاميذه، يرونه حفيدا لمولدين" ليس صحيحا ولم يرو هذا من معاصريه فيما - اطلعت عليه - أحد إلا أبو مروان ابن حيان. وأما تلاميذه ومن ترجموا له من غيرهم فهم على
[ ٢٣ ]
خلاف هذا فيما أعلم، وحسبك بتلميذه العالم الورع "الحميدي" الذي يقول في نسب أستاذه: "إن أصله من الفرس". (^١)
أما عن أسبانيته التي يثبتها من جهة الأم، فليس هناك ما يثبت ذلك بالتأكيد. ولم أر أحدًا تعرض لها ممن ترجموا له، ولم يرد ذكرها على لسانه في كتابه طوق الحمامة الذي بين فيه الكثير من جوانب حياته، وقد انتظرنا منه أن يتعرض لها في أثناء كلامه على الحب وماهيته، إذ كيف يغيب عن ذهنه ذلك الحب الذي تكنه الأم بين جوانحها، وهو الوفي الذي يقول عن نفسه إنه جبل على طبيعتين إحداهما: "وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة، والغيب، والباطن، والظاهر، تولده الألفة التي لم تعزف بها نفسي عما دريته ولا "تتطلع إن عدم من صحبته". (^٢)
ولكني لا أستبعد إسبانية أمه لإشارة منه في كتابه طوق الحمامة حين قال: "وعنى أخبرك أنى أحببت في صباى جارية لي شقراء الشعر فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت لا تؤاتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي ﵁ وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله.
وأما جماعة خلفاء بنى مروان - ﵏ - ولاسيما ولد الناصر منهم فهم مجبولون على تفضيل الشقرة لا يختلف في ذلك مخهم مختلف، وقد رأيناهم ورأينا من رآهم من لدن دولة الناصر إلى الآن
_________________
(١) جذوة المقتبس للحميدي ص ٣٠٨.
(٢) طوق الحمامة في الألفة والألاف لابن حزم ص ٢٥٦.
[ ٢٤ ]
فما منهم إلا أشقر نزاعا إلى أمهاتهم، حتى قد صار ذلك فيهم خلقه حاشى سليمان الظافر ﵀ فإني رأيته أسود اللمة واللحية.
وأما الناصر، والحكم المستنصر ﵄ فحدثني الوزير أبي ﵀ وغيره أنهما كان أشقرين أشهلين (^١).
فمن هذا النص الذي يتضح فيه تفضيل ابن حزم لشقرة الشعر ويقول إنه لا يحلو له سواه، وإنه يجد ذلك في أصل تركيبه، ويؤكد ذلك بأن هذا العارض عرض لأبيه حتى وافاه أجله، فالأقرب أن "أم" صاحبنا كانت من ذوات الشعر الأشقر، ثم سياقه أن ذلك رغبه خلفاء بنى أمية وهم العرب الخلص تبرير لهذا العارض الذي عرض له ولأبيه قبله، وإني لأشم من هذا النص ترجيحا لعدم أسبانية ابن حزم حيث يرى أن محبته الشقرة عارضة، ثم تبريره هذه الرغبة بوجودها في خلفاء بني أمية، وهي خلاف جنسهم، ليؤكد أنها ليست بدعا في زمنهم.
ولو أن ابن حزم كان أسبانيا من عجم أسبانيا لما احتاج إلى تبرير هذه المحبة، وذكر أنها عارضة لأنها أصيلة وليس فيها خروج عن الأصل.
فإن صح أن "أم" ابن حزم أسبانية هل يكون إسبانيا بهذا، كما يقول: سانتشث؟ أما عندنا نحن المسلمين فالنسب يكون من جهة الأب، وأما عند غير المسلمين - من الغرب - فالذي نراه أن المرأة بعد زواجها تلحق بزوجها وتنسب إليه. وأما الأبناء فمن الزوجة الشرعية ينتسبون إلى أبيهم، ومن غيرها ينتسبون إلى أمهاتهم إن لم تعترف بهم الزوجة الشرعية. وابن حزم مسلم من أسرة مسلمة، وأولاده
_________________
(١) طوق الحمامة ص ٩٨، ٩٩.
[ ٢٥ ]
المسلمين من زوجاتهم وامائهم يلحقون بآبائهم وإن صح أسبانية "أم" ابن حزم فليس هو أسبانيًا بل فارسيًا تبعا لأبيه.
مناقشة قول ابن سعيد، وابن حيان:
أما ما ذكره صاحب المغرب فلا يزيد على ما قال أبو مروان ابن حيان.
وقول ابن حيان في عدم فارسية ابن حزم وإن جده الأدنى حديث الإسلام، هو ركيزة كل من قال بجذور ابن حزم الاسبانية. وهنا يردنا هذا السؤال، على أي مصدر استند أبو مروان في إثبات اسبانية ابن حزم. وخبر الأنساب يؤخذ بالنقل من المنتسبين أنفسهم، وممن لهم مساس بهم وخلوص إليهم؟ والمعروف عند تلاميذ ابن حزم ومعاصريه فارسيته، وكما هو يثبت ذلك ويفتخر به.
ولكن اللهجة العدائية تغلب على أسلوب أبي مروان فلعل ما جاء في ثناياه كان من دوافع الخصومة.
وسنلقي الضوء على بعض قول ابن حيان فنقول:
لو أن أبا محمد انتمى لفارس على غير حقيقة - كما يقول ابن حيان - لكان أول من يكذبه ابن عمه أبو المغيرة عبد الوهاب الوزير، لما كان بينهما من المنافسة والمخالفة وقد عاب الأخير بعض مؤلفات الأول. (^١)
ولا يتصور أن يقر ابن عمه عبد الوهاب بهذا الانتماء - الذي يلحق
_________________
(١) انظر لسان الميزان لابن حجر ج ٤ ص ٢٠٠ - ٢٠١.
[ ٢٦ ]
بنسبه - لو لم يكن صحيحًا ولو سلمنا اتباع ابن عمه، وأهل بيته له. - كما يراه ابن حيان من غرائبه - فلا يتصور سكوت أعداء ابن حزم وقد عابوه بالحق وبالباطل.
وأما قوله: "فقد عهده الناس خامل الأبوة مولد الأرومة" فهذا ما يخالفه الفتح ابن خاقان بقوله "وبنو حزم فتية علم وأدب وثنية مجد وحسمب". (^١)
وقوله: "جده الأدنى حديث الإسلام" يخالف هذا جل من ترجم لابن حزم حيث نصوا على أن جده "يزيد" هو أول من أسلم من أجداده وأنه من الفرس وهذه نصوص أقوال بعض من ترجموا له:
يقول الحميدي: "علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب أبو محمد أصله من الفرس وجده الأقصى في الإسلام اسمه "يزيد" مولى ليزيد بن أبي سفيان" (^٢)
ويقول ابن بشكوال: "علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي" (^٣)
ويقول ياقوت: "علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي مولى يزيد بن أبي سفيان" (^٤)
ويقول ابن خلكان: "ابن حزم الظاهري، أبو محمد علي بن أحمد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن
_________________
(١) نفح الطيب للمقرى جـ ٢ ص ١٤٩.
(٢) جذوة المقتبس للحميدى ص ٣٠٨، وانظر بغية الملتمس لابن عميرة الضبى ص ٣٠٤.
(٣) كتاب الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٣٩٥.
(٤) معجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٣٥، ٢٣٦.
[ ٢٧ ]
سفيان بن يزيد مولى يزيد بن ابى سفيان .. وجده يزيد أول من أسلم من أجداده وأصله من فارس وجده خلف أول من دخل الأندلس من أجداده" (^١)
ويقول الذهبي: "أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي الأصل الأموي اليزيدي القرطبي الظاهري صاحب التصانيف كان جدهم خلف أول من دخل الأندلس" (^٢)
ويقول اليافعي: "أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأموى مولاهم الفارسي الأصل الأندلسي القرطبي". (^٣)
ويقول ابن كثير: "أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معد (^٤) بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموى أصل جده من فارس أسلم وخلف المذكور وهو أول من دخل بلاد المغرب منهم". (^٥)
_________________
(١) وفيات الأعيان ج ٣ ص ٣٢٥.
(٢) تذكرة الحافظ للذهبي ج ٣ ص ١١٤٦. وسير النبلاء له جزء خاص بترجمة ابن حزم تحقيق سعيد الأفغاني ص ٢١.
(٣) مرآة الجنان لليافعى ج ٣ ص ٧٩.
(٤) انفرد بقول "معد" ابن كثير والظاهر أنه خطا في النسخ إذ الكل قال: "معدان" بزيادة الألف والنون.
(٥) البداية والنهاية لابن كثير جـ ١٢ ص ٩١. وقد انفرد بهذا القول - أن سفيان هو أول من دخل بلاد المغرب منهم - وغيره نص على أن خلف بن معدان هو أول من دخل الأندلس منهم، كما مر ذلك في الصلب.
[ ٢٨ ]
ويقول ابن حجر: علي بن أحمد بن سعيد بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي أبو محمد القرطبي". (^١)
وعلى هذا المنهج يسير الأتابكي في كتابه النجوم الزاهرة. (^٢) والمقرى التلمساني في كتابه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. (^٣) وابن العماد الحنبلى في كتابه شذرات الذهب. (^٤)
فجميع هؤلاء المؤرخين الثقات قد أكدوا نسب ابن حزم الفارسي، وقدم إسلام هذه الأسرة مع أن أغلب هؤلاء إن لم نقل جميعهم قد اطلعوا على رواية ابن حيان ولم يعيروها اهتمامهم، وقد ساقها ياقوت في كتابه معجم الأدباء بعد أن ذكر أولا النسب الفارسي، وليس هناك ما يدعو هؤلاء المؤرخين جميعهم إلى التحيز للنسب الفارسي ضد النسب الأسباني وقد ساوى الإسلام بين الأمم جميعا.
وأرى أنه لو لم يصل إلينا من هذه الروايات الكثيرة التي تثبت نسب ابن حزم الفارسي، وقدم إسلام أسرته إلا رواية الحميدي. مقابل رواية ابن حيان "القائلة بنسبه الاسباني" لكان لترجيح رواية الحميدي، وجه قوى إذ أنه تلميذ ابن حزم، ثم هو زيادة على هذا لم يثبت له نسبا أفضل مما أثبته ابن حيان بل قال بفارسيته وولائه فليس هناك ما يدعو لرد روايته إذ لم يدع له جاها ولا شرفا بهذا النسب.
_________________
(١) لسان الميزان لابن حجر ج ٤ ص ١٩٨.
(٢) انظر ج ٥ ص ٧٥ منه.
(٣) انظر جـ ٤ ص ٢٨٣ منه.
(٤) انظر ج ٤ ص ٢٩٩ منه.
[ ٢٩ ]
ورواية ابن حيان في أسبانيته قد يخرج بها من كونه مولى، وإن وردت منه في الأسلوب الهجومي. وفي رأيي أن إثبات الأسبانية لابن حزم مقابل الفارسية أرفع لشأنه - مع أن الأنساب لا ترفع الشأن - لأن الأسبانيين مسيحيون أهل دين سماوى - بخلاف الفرس فهم وثنيون يعبدون النار.
وأرى أن مما يرجح فارسية ابن حزم، عدم تعرضه في كتابه جمهرة أنساب العرب لنسب النصارى وقد تعرض بعد ذكر أنساب العرب لذكر البربر وبيوتاتهم بالأندلس (^١). ثم أتى بنبذة من نسب بني اسرائيل. (^٢) وقطعة من نسب الفرس. (^٣) ثم إنه أيضا قد هاجم المسيحية كثيرًا وهذا يؤكد من بعض الوجوه أنه لم يكن في آبائه مسيحيون.
وقد أشرت قبل هذا (^٤) إلى أن من مرجحات فارسيته كون محبته لذوات الشعر الأشقر عارضة له ولأبيه قبله، فلو أنه أسبانيا لكانت به أصيلة، ثم محاولته تبرير هذا المنحى العارض بأنه حصل مع العرب الأقحاح من خلفاء بني أمية.
وفوق هذا كله افتخاره بنسبه الفارسي وولائه لبني أمية في إحدى قصائده التي منها:
_________________
(١) جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ٤٩٥ - ٤٩٨.
(٢) المرجع السابق ص ٥٠٣.
(٣) المرجع السابق ص ٥١١.
(٤) انظر ص ٢٤.
[ ٣٠ ]
سما بى ساسان ودارا بعدهم قريش العلى أعياصها (^١) والعنابس (^٢)
فما أخرت حرب مراتب سؤددي ولا قعدت بي عن ذرى المجد فارس (^٣)
* * * **
_________________
(١) الأعياص هم "العاصي" وأبو العاصي، والعيص، وأبو العيص، والعويص، وأبو عمرو من ولد أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، سموا بذلك أخذا من أسمائهم، انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ٧٨. ونهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندى ص ٨٣.
(٢) العنابس هم عمرو، وأبو سفيان وحرب وأبو حرب وعنبسة قيل هو أبو سفيان من ولد أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وهم أخوة الأعياص غلب عليهم اسم عنبسة، انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ٧٨، ونهاية الأرب للقلقشندى ص ٨٣.
(٣) انظر تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة للدكتور إحسان عباس ص ٣٥٤، وقد أحالها على الملحق من ديوان ابن حزم الذي لم يتح لي الاطلاع عليه.
[ ٣١ ]
(مولده)
يقول الشيخ أبو زهرة: "لا يكاد الباحث الدارس يجد عالمًا عظيمًا قد عرف وقت ميلاده بطريق التعيين ولكن يعرف، وقت وفاته بالتعيين، لأنه ولد مغمورًا، ومات مشهورا فكان وقت الولادة غير معلوم على وجه التحقيق ووقت الوفاة كان معلومًا، وإن ابن حزم على غير ذلك فقد عرف وقت ولادته وعين لا بالسنة فقط، بل بالشهر واليوم وجزء اليوم الذي ولد فيه" (^١).
فذكر صاعد بن أحمد أنه كتب إليه أبو محمد بخطه يقول: "ولدت بقرطبة في الجانب الشرقي من ربض منية المغيرة قبل طلوع الشمس وبعد سلام الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الإربعاء آخر يوم من شهر رمضان المعظم وهو اليوم السابع من نوفمبر سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بطالع العقرب". (^٢)
وتكاد تجمع المصادر على تعيين هذا التاريخ وكلهم عيال على صاعد فيما رواه عن أبي محمد في تحديد ميلاده، ولم أعرف من خالف هذا، غير ياقوت في كتابه معجم الأدباء حيث قال: "إنه ولد بعد صلاة الصبح من آخر يوم في شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة إلا شهرًا". (^٣)
_________________
(١) ابن حزم حياته وعصره آراؤه وفقهه لأبي زهرة ص ٢٢.
(٢) كتاب الصلة لابن بشكوال جـ ٢ ص ٣٩٦. ونفح الطيب للمقرى جـ ٢ ص ٢٨٤.
(٣) معجم الأدباء لياقوت جـ ١٢ ص ٢٣٧.
[ ٣٢ ]
وقد قال قبل ذلك: "مات فيما ذكره صاعد بن أحمد الجياني في كتاب أخبار الحكماء في سلخ شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة" (^١).
وبالنظر إلى رواية ياقوت هذا التاريخ عن صاعد نجد أنها مخالفة لكل من روى عنه نفس هذا التاريخ، ثم تحديد ياقوت عمره باثنتين وسبعين سنة إلا شهرًا في روايته لا تتفق مع ما رواه بأنه ولد في آخر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وتوفى سلخ شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة، إذ عليه يكون عمره ثلاثا وسبعين سنة إلا شهرًا وهذا ما لم يقله ولا غيره فالتحريف في النسخ ثابت، وهو ظاهر من ذات العبارة في تحديد عمره. (^٢)
* * *
(نشأته)
بالنظر إلى رواية صاعد - السابقة - عن أبي محمد في تحديد ميلاده، ندرك أنه ولد في مجتمع ذي شأن عظيم وفي وسط يحرص أفراده كل الحرص على تخليد أخبار مواليدهم فيؤرخون ذلك بالدقة التي وصلتنا عن تاريخ ميلاد أبي محمد. نعم إنه ولد في عهد وزارة أبيه للحاجب المنصور ابن أبي عامر في عصر من أزهى عصور الدولة الأندلسية، فالدار التي ولد فيها أبو محمد بجانب الزاهرة كما حددها في كتابه طوق الحمامة بأنها تقع في الجانب الشرقي بقرطبة في الشارع
_________________
(١) معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٣٦، ٢٣٧.
(٢) انظر ابن حزم لأبي زهرة ص ٢٢، ٢٣، وابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة. لسعيد الأفغاني ص ٢٠.
[ ٣٣ ]
الآخذ من النهر الصغير على الدرب المتصل بقصر الزاهرة. (^١)
وعن صفة هذه الدار يحدثنا في موضع آخر من الطوق عند ذكر قصة الفتاة التي ألفها في أيام صباه. يقول: "فلعهدي بمصطنع كان في دارنا لبعض ما يصطنع له في دور الرؤساء، تجمعت فيه دخلتنا ودخلة أخي - ﵀ - من النساء ونساء فتياتنا ومن لاث بنا من خدمنا، ممن يخف موضعه ويلطف محله فلبثن صدرًا من النهار ثم انتقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان الدار، ويطلع منها على جميع قرطبة وفحوصها مفتحة الأبواب فصرن ينظرن من خلال الشراجيب وأنا بينهن فإنى لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه أنسا بقربها متعرضا للدنو منها، فما هو إلا أن ترانى في جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد غيره في لطف الحركة، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره". (^٢)
تصف لنا هذه القصة القصر الذي عاش فيه أبو محمد وأنه ذو شرفات تطل على قرطبة وما كان يحيط به من الحدائق، ثم الحالة الاجتماعية في هذا القصر الكبير، لأن المنصور عندما بنى الزاهرة، وانتقل إليها أقطع ما حولها لوزرائه وكتابه وقواده فابتنوا به مساكنهم على ما يتلاءم مع - الزاهرة التي كانت في غاية الجمال فتنافس الشعراء بوصفها فكان لها أثر كبير في الحركة الأدبية.
نشأ أبو محمد في هذا البيت في عز وجاه عريض، ومن الغريب سكوت المصادر التي اطعلنا عليها عن "أمه" مع أنه من أبناء كبار
_________________
(١) انظر طوق الحمامة ص ١٦٨.
(٢) المرجع السابق ص ٢٤٩.
[ ٣٤ ]
الوزراء ثم هي أيضًا أم الوزير أبي محمد ثم العالم الأوحد البحر ذي العلوم والمعارف كما وصفه الذهبي (^١).
ولقد كان كتاب ابن حزم "طوق الحمامة" مصدرًا لكثير من معرفة أحواله ولكنه لم يتعرض لذكر أمه، ولعل مرجع ذلك إلى أنه لم يعرفها معرفة واعية وأنها ماتت وهو في سن الطفولة، ولكن الظاهر أنها كانت أسبانية من ذوات الشعر الأشقر فلعله كان صورة في مخيلته فألفه وأحبه ولم يرق له سواه وقد أشرت إلى هذا من قبل. (^٢)
ترعرم أبو محمد ربيب النعمة وقد حرص عليه والده فكلف النساء بتربيته وتعليمه يقول عن نفسه: "ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلم غيري، لأني ربيت في حجورهن ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تفيّل (^٣) وجهى، وهن علمننى القرآن ورويننى كثيرًا من الأشعار ودربنني في الخط ولم يكن وكدى (^٤) وأعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جدًّا إلا تعرف أسبابهن والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك وأنا لا أنسى شيئًا مما أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديد طبعت عليها، وسوء ظن في جهتهن فطرت به فأشرفت من أسبابهن على غير قليل". (^٥) عاش أبو محمد حياته الأولى
_________________
(١) سير النبلاء - جزء خاص بترجمة ابن حزم ص ٢١.
(٢) انظر ص ٢٤.
(٣) تفيل يقال تفيل النبات اكتهل، والشاب زاد، وفلان سمن، انظر لسان العرب جـ ١٤ ص ٥٠، والقاموس المحيط جـ ٤ ص ٣٣.
(٤) وكدى. مرادى وهمى. انظر لسان العرب جـ ٤ ص ٤٨٣. والقاموس جـ ١ ص ٣٤٦.
(٥) طوق الحمامة لابن حزم ص ١٤٠، ١٤١، وانظر أخبار وتراجم أندلسية مستخرجة من معجم السفر للسلفى ص ٥٢، ٥٣.
[ ٣٥ ]
بين الجوارى في قصر والده لا يغادره ولا يتصل بغير مربياته منهن فقد أدرك مع صغر سنه أن والده جعل منهن رقيبات على حركاته داخل هذا القصر فكان لهذا الأثر الكبير في سلوكه من بعد.
ويحدد لنا أبو محمد حضوره مجلس المظفر بن أبي عامر وأنها أول مرة وصل إلى هذا المجلس وهو في الثالثة عشر من عمره يقول الحميدي: "وأخبرني أبو محمد علي بن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم أنه سمع أبا العلا صاعد بن الحسن ينشد:
إليك حدوت ناجية الركاب محملة أماني كالهضاب
بين يدي المظفر في يوم عيد الفطر سنة ست وتسعين وثلاثمائة. قال أبو محمد: وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر ولما رآني أستحسنها وأصغى إليها، كتبها لي بخطه وأنفذها إلى" (^١). بدأ الوزير أحمد بن سعيد يصطحب ابنه محمد في المجالس العامة، ونرى كيف كان يتذوق الشعر مع صغر سنه مما جعل صاعد بن الحسن يكتب له القصيدة التي ألقاها بين يدي المظفر.
ثم إن والده كان حريصًا على تربيته وتنشئته، فبعد أن تعلم القرآن وحفظ كثيرًا من الأشعار وجهه إلى صحبة رجل مستقيم النفس والخلق فكان لهذه الصحبة الأثر القوي في سلوكه وعفته، يقول عن نفسه أثناء كلامه عن قبح المعاصي: "ومع هذا يعلم الله وكفى به عليما أنى برىء الساحة، سليم الأديم صحيح البشرة، نقى الحجرة، وأنى أقسم بالله أجل الأقسام أنى ما حللت مئزرى على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة ألزنا مذ عقلت إلى يومي
_________________
(١) جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٤١.
[ ٣٦ ]
هذا والله المحمود على ذلك والمشكور فيما مضى والمستعصم فيما بقى .. وكان السبب فيما ذكرته أنى كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقطورًا محضرًا على بين رقباء ورقائب، فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسى (^١) في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدى (^٢) شيخنا وأستاذي ﵁ وكان أبو علي المذكور عاقلًا عاملًا عالمًا ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة وأحسبه كان حصورًا لأنه لم تكن له امرأة قط وما رأيت مثله جملة علمًا وعملًا ودينًا وورعًا فنفعني الله به كثيرًا وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي (^٣).
كشف لنا أبو محمد سر هذه العفة والاستقامة في تلك الحياة الناعمة في ظل والده الذي أحاطه بالعناية التامة وجعل من مربياته رقيبات عليه فكان حريصا كل الحرص على تنشئته تنشئة قوية في تلك الرفاهية التامة. ثم لما ترعرع قاده تلك القيادة النفسية فوجهه إلى صحبة رجل مستقيم هو أبو الحسين الفاسي.
تلك هي نشأة أبي محمد بن حزم الأولى صافية نقية لا يشوبها كدر، ولكن ذلك العيش الهنىء وتلك السعادة التامة لم يستمرا لهذا
_________________
(١) ستأتي ترجمة مع شيوخ ابن حزم انظر ص ٥٢.
(٢) أبو القاسم هذا مصرى قدم الأندلس سنة ٣٩٤ هـ روى عن أبي علي بن السكن وأبي العلاء بن ماهان وغيرهما، وحدث عنه أبو عمرو بن الجذاء وقال كان رجلا أديبا شاعرا حلوا حافظا للحديث وأسماء الرجال والأخبار، وخرج من الأندلس وقت الفتنة إلى مصر وبها توفى سنة عشرة وأربعمائة. وكان قد ولد بها ليلة الجمعة مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. انظر الصلة لابن بشكوال ج ١ ص ٣٣٧.
(٣) طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٧٤، ٢٧٥.
[ ٣٧ ]
الناشىء الطرى ولا لأصته المترفة. فمنذ بلغ الخامسة عشر من عمره تقريبًا عاش فترة من تاريخ الأندلس مملوءة بالاضطرابات والفتن.
فقد توفي الحاجب المظفر في السادس عشر من شهر صفر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وخلفه أخوه عبد الرحمن بن المنصور وكان على الضد من أبيه، وأخيه فمنه انفتح باب الفتنة العظمى فقد خلط وتسمى ولي العهد وبقى كذلك أربعة أشهر إلى أن قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار. يوم الثلاثاء لثمان عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. فخلع هشام بن الحكم وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن محمد ابن أبي عامر فقتل وصلب. (^١)
وتسمى محمد بن هشام بالمهدي، ويصور لنا أبو محمد بن حزم ما جرى لهم في هذا الأثناء بانتقالهم من دورهم المحدثة إلى القديمة فيقول: "ثم انتقل أبي ﵀ من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة وانتقلت أنا بانتقاله وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (^٢).
ذاقت أصة أحمد بن حزم الوزير معه مرارة هذه المحنة بإجلائهم من منازلهم التي سبق وصفها، (^٣) واستقروا في منازلهم القديمة أيام محمد المهدى ولكنها لم تطل فقد ائتمر على الغدر به بعض العبيد العامريين فقتلوه يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة أربعمائة
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس للحميدي ص ١٧، ١٨.
(٢) طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٥٠، ٢٥١.
(٣) انظر ص ٣٣، ٣٤.
[ ٣٨ ]
وأعادوا هشام بن الحكم المؤيد إلى الأمر، وبعد هذا اشتدت المحنة على الوزير يقول أبو محمد: "ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال، والترقيب، والإغرام، الفادح، والاستتار، وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا". (^١)
وفي هذا الأثناء كانت جيوش البربر تحاصر قرطبة مع سليمان بن الحكم بن سليمان، وقد اجتاحها الطاعون يقول أبو محمد: "توفى أخي - ﵀ - في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة وهو ابن اثنتين وعشرين سنة". (^٢)
ثم ماتت زوجته بعده بسنة، (^٣) ثم دهى صاحبنا بوفاة والده بنفس الشهر الذي ماتت فيه زوجة أخيه تقريبًا، وقد كان امتحانهم مستمرًا إلى حين وفاة والده (^٤) لأنه كان من أجله لولائه لبني عامر.
فكانت هذه الأرزاء التي أصابت ابن حزم عظيمة وفادحة، وقد تبعها حدث دهاه قبل أن يبلغ العشرين من العمر يقول: "وعني أخبرك أني أحد من دهى بهذه الفادحة، وتعجلت له هذه المصيبة وذلك أنى كنت أشد الناس كلفًا وأعظمهم حبا بجارية لي، كانت فيما خلا اسمها نُعْم. وكانت أمنية المتمنى وغاية الحسن خَلْقًا وخُلقًا وموافقة لي، وكنت أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة ففجعتني بها
_________________
(١) طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٥١.
(٢) المرجع السابق ص ٢٦٠.
(٣) المرجع السابق نفس الصفحة.
(٤) طوق الحمامة ص ٢٥١.
[ ٣٩ ]
الأقدار، واخترمتها الليالي، ومر النهار، وصارت ثالثة التراب والأحجار، وسنى حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي، ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن. ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعًا طائعًا، وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكرها، ولا أنست بسواها، ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده". (^١) ويمكن أن هذا الحادث كان في سنة ثلاث وأربعمائة تقريبًا.
ولم يصف الجو لصاحبنا بعد هذه الرزايا الفادحة بل تتابعت عليه المصائب كنظام انقطع سلكه، فأعقب ما ذكرنا بزمن قليل، انتهاب جند البربر منازلهم، وأجلو منها، وأوثق من يحكى تلك الوقائع من وقعت عليه ومن أثرها حز في نفسه، وهو أبو محمد إذ يقول في الإخبار عن هذه الكارثة: "ثم ضرب الدهر ضرباته وأجلينا من منازلنا، وتغلب علينا جند البربر فخرجت من قرطبة أول الحرم سنة أربع وأربعمائة". (^٢)
ويذكر هذه الحادثة في موضع آخر وما جرى له بعدها من تقلبات الأحوال ما بين نكب واعتقال إلى حوالي سنة تسع وأربعمائة فيقول: "ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها .. وتقلبت بي الأمور إلى الخروج من قرطبة وسكني مدينة
_________________
(١) المرجع السابق ص ٢١٦، ٢١٧.
(٢) طوق الحمامة ص ٢٥٢.
[ ٤٠ ]
المرية (^١) .. إلى أن انقضت دولة بني مروان، وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين وظهرت دولة الطالبية، وبويع علي بن حمود الحسني المسمى بالناصر بالخلافة، وتغلب على قرطبة وتملكها واستمر في قتاله إياها بجيوش المتغلبين والثوار في أقطار الأندلس، وفي أثر ذلك نكبني خيران صاحب المرية، إذ نقل إليه من لم يتق الله ﷿ من الباغين - وقد انتقم الله منهم - عنى وعن محمد بن اسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقلنا عند نفسه أشهرًا ثم أخرجنا على جهة التعريب فصرنا إلى حصن القصر، ولقينا صاحبه أبا القاسم عبد الله بن هذيل النجيبى المعروف بابن المقفل، فأقمنا عنده شهورًا في خير دار إقامة وبين خير أهل وجيران، وعند أجل الناس همة وأكملهم معروفًا، وأتمهم سيادة ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية (^٢) عند ظهور أمير المؤمنين المرتضي عبد الرحمن بن محمد وساكناه بها". (^٣)
لما سكن أبو محمد بن حزم بلنسيه عند المرتضي أصبح وزيرًا (^٤) له وسار مع جيوشه إلى قرطبة ووقفت أمامهم جيوش غرناطة فنشبت الحرب بين الفريقين وانتهت بهزيمة المرتضي لخيانة وقعت بجيشه،
_________________
(١) المرية بالفتح ثم الكسر وتشديد الياء مدينة كبيرة بالأندلس على الساحل الشرقى فيها مرفأ ومرسى للسفن، انظر معجم البلدان ج ٥ ص ١١٩. والقاموس جـ ٤ ص ٣٩٥.
(٢) بلنسية مدينة مشهورة بالأندلس تقع شرق قرطبة، برية بحرية تعرف بمدينة التراب، انظر معجم البلدان جـ ١ ص ٤٩٠، ٤٩١.
(٣) طوق الحمامة ص ٢٦١، ٢٦٢.
(٤) انظر ابن حزم الأندلسي لسعيد الأفغاني ص ٢٧. وابن حزم الأندلسي للدكتور عبد الكريم خليفة ص ٦٣.
[ ٤١ ]
ووقع أبو محمد في أسر الغرناطيين ثم أطلقوا سراحه. (^١) وكان ذلك في أواسط سنة تسع وأربعمائة تقريبًا، وقد كان أبو محمد يتوقع دخول قرطبة دخول الفاتحين بهذا الجيش مع المرتضي. وكان على قرطبة آنذاك القاسم بن حمود الذي نادى بالأمان، وعدل عن سياسة الشدة إلى سياسة اللين.
لما سمع ابن حزم بهذا النداء من القاسم بن حمود توجه إلى قرطبة يقول: "دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة فنزلت على بعض نسائنا". (^٢)
عاد ابن حزم إلى قرطبة وهو في السادسة والعشرين من عمره وقد قاسى خلال العشر سنين الماضية من عمره ألوان المحن والصائب فكان لها الأثر القوي على تكوين شخصيته ونضوجه. فتابع بناء حياته التي بها بلغ الآفاق وصار إمامًا فواصل دراساته في الحديث والفقه وأنواع المعارف، ومع هذا لم تنقطع آماله السياسية فكان على صلة بجماعة الأمويين، لأنه يرى أحقيتهم بالإمامة يقول ابن حيان: "وكان مما يزيد في شنئانه تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم واعتقاده بصحة إمامتهم حتى نسب إلى النصب" (^٣)
ظل أبو محمد في قرطبة وقد ساءت الأحوال في الأندلس عامة بتعاقب الأمراء من العلويين في هذا الأثناء - القاسم بن حمود، ويحيى بن علي - إلى أن اتفق أهل قرطبة على رد الأمر لبني أمية فبويع من بين ثلاثة اختاروهم، عبد الرحمن بن هشام المستظهر في الثالث
_________________
(١) انظر ابن حزم الأندلسي للدكتور عبد الكريم خليفة ص ٥٤، ٥٥.
(٢) طوق الحمامة ص ٢٥٢، وانظر أيضًا ص ٢٦٣ منه.
(٣) تذكرة الحفاظ للذهبي ج ٣ ص ١١٥٢.
[ ٤٢ ]
عشر من رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة ثم قتل في نفس العام لثلاث بقين من ذي القعدة. (^١) وقد توزر له أبو محمد بن حزم ولكنها كانت مدة قليلة. (^٢) انتهت بإلقائه في غياهب السجون هو وابن عمه أبي المغيرة عبد الوهاب، ولا ندري كم لبث أبو محمد في هذا السجن، ولكن عهد المستكفي لم يطل فقد انقضت أيامه في سنة ستة عشر وأربعمائة، ورد الأمر إلى يحيى بن علي الحسيني وكان في مالقه، (^٣) وتأخر عن دخول قرطبة باختياره، وعين عليها أميرًا فأتيح لأبي محمد أن يخرج من السجن ولكن قرطبة كانت في أشد حالات الفوضى والاضطراب. (^٤) فخرج منها ويخبرنا عن نفسه وقد سكن مدينة شاطبه. (^٥) وذلك حين ورد إليه كتاب من صديقه من مدينة المرية يطلب منه أن يصنف له رسالة في الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه. (^٦) ثم يذكر في آخر هذه الرسالة - طوق الحمامة - ما يدل على أنه ما زال خارج وطنه يقول: "والكلام في مثل هذا - الحب ومعانيه وأسبابه - إنما هو من خلاء الذرع وفراغ القلب، وإن حفظ شيء وبقاء رسم
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٦.
(٢) انظر تاريخ الحكماء للقفطى ص ٢٣٢. ومعجم الأدباء لياقوت ج ١٢، ص ٢٣٧، وسير النبلاء للذهبى جزء خاص بترجمة ابن حزم ص ٢٦. وتذكرة الحفاظ له جـ ٣ ص ١١٤٨.
(٣) مالقة بفتح اللام والقاف كلمة عجمية، وهي مدينة بالأندلس على شاطىء البحر انظر معجم البلدان جـ ٥ ص ٤٣. والقاموس جـ ٣ ص ٢٨٤.
(٤) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٤، ٢٥. وابن حزم صورة أندلسية للدكتور طه الحاجرى ص ١٤٢.
(٥) شاطبة مدينة كبيرة قديمة في شرق الأندلس، انظر معجم البلدان لياقوت جـ ٣ ص ٣٠٩، ٣١٠.
(٦) انظر طوق الحمامة ص ٥١ - ٥٣، ١٢٣.
[ ٤٣ ]
وتذكر فائت لمثل خاطري لعجب على ما مضى ودهمني، فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطان وتغير الأخوان، وفساد الأحوال وتبديل الأيام وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد والغربة في البلاد، وذهاب المال، والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر، وانتظار الأقدار لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه، وأعادنا إلى أفضل ما عودنا". (^١)
ويقول الدكتور عبد الكريم خليفة: "وهناك إشارة توقت زمن كتابة ابن حزم كتابه طوق الحمامة وأنه كان قبل سنة عشرين وأربعمائة وهي السنة التي مات فيها الحكم بن المنذربن سعيد". (^٢) والإشارة هي: "وحكم المذكور في الحياة في حين كتابتي إليك بهذه الرسالة فقد كف بصره وأسن جدا". (^٣)
ويحتمل أن أبا محمد رجع إلى قرطبة بعد بيعة هشام المعتد بالله، لأن أهل قرطبة اتفقوا على رد الأمر لبني أمية لما قطعت دعوة يحيى بن علي من قرطبة سنة سبع عشرة وأربعمائة وبايعوا هشامًا في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وبقى مترددا في الثغور ثلاثة أعوام غير شهرين. دارت هناك فتن كثيرة إلى أن اتفق أمرهم إلى أن يصير إلى قرطبة قصبة الملك فدخلها يوم منى ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربعمائة. (^٤) وتوزر أبو محمد بن حزم لهشام بن محمد على ما ذكر
_________________
(١) طوق الحمامة ص ٣٢٣ - ٣٢٤.
(٢) ابن حزم الأندلسي للدكتور عبد الكريم خليفة ص ٥٩.
(٣) طوق الحمامة لابن حزم ص ١٣١.
(٤) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٧، ٢٨.
[ ٤٤ ]
ياقوت. (^١) ولكن مجرى تاريخ حياة أبي محمد الوزارية لم يتغير، فأطيح بعهد هشام المعتد بالله في ذي القعدة سنة اثنين وعشرين وأربعمائة، ونودى في قرطبة بأن لا يبقى بها أحد من بني أمية، (^٢) وبانتهاء المعتد بالله تنتهي وزارة ابن حزم وبعدها ترك السياسة أو تركته على الصحيح كما رأينا، بانتهاء وزارته الأولى بوقوعه بالأسر، ثم قتل المرتضي، والثانية بالسجن والثالثة باطاحة عرش المعتد بالله واجلاء بني أمية من قرطبة ومطاردتهم وهم الذين يتعصب لهم أبو محمد، وينتمي بالولاء لهم. فأدرك بعد تلك التجارب أن في الإعراض عن السياسة ولأوائها راحة لبدنه وهدوء الفكره، وأن في الخلوص إلى العلم وطلبه لذة لا يدركها الملوك، وفي الجهاد الفكري دفاعا عن الدين، وردا على المنحرفين، فاتخذ أبو محمد من الكتاب صديقا أنس غربته، وأمن سريرته فلا يشك في صدق مودته فنال في هذا المسلك ما لم ينله غيره، وإن الناظر إلى حال صاحبنا في نشأته الأولى ثم حاله فيما بعد ذلك ليدهش لما أصابه من تقلبات الأحوال، وعدم تخاذله أمامها ويدرك أن حياته صورة للإرادة التي لا تعرف التردد.
* * *
_________________
(١) انظر معجم الأدباء جـ ١٢ ص ٢٣٧.
(٢) انظر جذوة المقتبس ص ٢٨. وابن حزم الأندلسى للدكتور عبد الكريم خليفة ص ٦١.
[ ٤٥ ]
٣ - بداية تعلمه:
تعلم أبو محمد في أول حياته ما يتعلم أمثاله من حفظ القران وبعض الأحاديث، ورواية كثير من الأشعار، وتعلم القراءة والخط وكان على أيدي النساء كما ذكرنا. (^١) ثم بدأ يلازم الشيوخ ويرتاد مجالسهم فقد ذكر صحبته للفاسى بقوله: "صحبت أبا علي الفاسي في مجلس القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخنا وأستاذي ﵁". (^٢)
وكان أول سماعه من أبي عمر أحمد بن الجسور. (^٣) روى الحميدي عنه: "أنه أول شيخ سمع منه قبل الأربعمائة" (^٤) وخالف هذا الذهبي وابن حجر فقالا إن أول سماعه في سنة أربعمائة". (^٥)
_________________
(١) انظر ص ٣٥.
(٢) طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٧٥.
(٣) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد بن الحباب بن الجسور الأموى مولى لهم من أهل قرطبة يكنى أبا عمر، وقيل أبا عمير روى عن قاسم بن أصبع، ومحمد بن معاوية القرشى، ووهب بن مسرة، وغيرهم كثير. وحدث عنه أبو عمر بن عبد البر، وأبو عبد الله الخولانى، قال أبو محمد هو أول شيخ سمعت منه قبل الأربعمائة. ومات بقرطبة سنة ٤٠١ هـ في وباء الطاعون وكان مولده سنة تسع عشرة، أو ستة وعشرين وثلاثمائة، انظر في هذا: جذوة المقتبس للحميدى ص ١٠٧، الصلة لابن بشكوال جـ ١ ص ٢٩، ٣٠ وبغية الملتمس للضبى ص ١٤٣.
(٤) جذوة المقتبس ص ١٠٧، وانظر الصلة جـ ١ ص ٢٩، ٣٠ وبغية الملتمس ص ١٤٣، ونفح الطيب للمقرى جـ ٢ ص ٢٨٣.
(٥) انظر تذكرة الحفاظ للذهبي جـ ٣ ص ١١٤٦. ولسان الميزان لابن حجر جـ ٤ ص ١٩٨.
[ ٤٦ ]
والفرق بين التحديدين قليل، وأرى أن الأول أقرب إلى الصواب، لأنه رواية تلميذه وقد ذكر معها ما يرجحها، وهو ذكر أستاذه الذي بدأ السماع منه.
وعلى هذا فابن حزم طلب الحديث، وتلقاه ولما يبلغ السادسة عشرة.
ولكن يروى لنا ياقوت في معجم الأدباء عن أبي محمد بن العربي (^١) أنه بلغ السادسة والعشرين ولم يبتدىء بتعلم الفقه، كما يروى لنا سبب تعلمه:
ونص الرواية الأولى: "وأقام - أبو محمد - في الوزارة من وقت بلوغه إلى انتهاء سنه ستا وعشرين سنة وقال: إنني بلغت إلى هذا السن وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات". (^٢)
ونص الرواية الثانية - سبب تعلمه الفقه -: "أخبرني الشيخ الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة لرجل كبير من إخوان أبيه فدخل المسجد قبل صلاة العصر والخلق فيه فجلس ولم يركع فقال له أستاذه - يعني الذي رباه - بإشارة أن قم فصل تحية المسجد فلم يفهم فقال له بعض المجاورين له: أبلغت هذا السن ولا تعلم أن تحية المسجد واجبة؟ وكان قد بلغ حينئذ ستة وعشرين عاما، قال: فقمت وركعت
_________________
(١) هو عبد الله بن محمد الأشبيلى المالكى. الوزير رحل إلى المشرق ومكث بالشام مدة وفي عودته إلى المغرب توفى بمصر في محرم سنة ٤٩٣ هـ. انظر: شذرات الذهب ج ٤ ص ١٤١، ١٤٢.
(٢) معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٠، ٢٤١.
[ ٤٧ ]
وفهمت إذا إشارة الأستاذ لي بذلك. قال: فلما انصرفنا من الصلاة على الجنازة إلى المسجد مشاركة للأحباء من أقرباء الميت، دخلت المسجد فبادرت بالركوع فقيل لي: إجلس إجلس ليس ذا وقت صلاة، فانصرفت عن الميت وقد خزيت ولحقني ما هانت على به نفسي وقلت للأستاذ، دلني على دار الشيخ الفقيه المشاور أبي عبد الله بن دحون. (^١) فدلني فقصدته من ذلك المشهد وأعلمته بما جرى فيه، وسألت الابتداء بقراءة العلم، واسترشدته فدلني على كتاب الموطأ لمالك بن أنس - ﵁ - فبدأت به عليه قراءة من اليوم التالي لذلك اليوم ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام وبدأت بالمناظرة". (^٢)
فهاتان الروايتان - عدم معرفته جبر الصلاة، وتحية المسجد - عن أبي محمد بن العربي لا تتفقان مع ما ثبت من تعلمه في صغره، وتلقيه الحديث مبكرًا.
وإن سلمنا عدم معرفته جبر الصلاة - بسجود السهو - لقلة وقوعه. فإن سياق قصة حياته ينافي جهله بتحية المسجد، وبجبر الصلاة - على معنى قضاء الفائت منها، أو اتمامها - لما أحاطه به والده من العناية. فقد عنى بتربيته وتعليمه فلا يعقل أن يتركه بدون معرفة
_________________
(١) كذا في معجم الأدباء. وهو أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أحمد الأموى يعرف بابن دحون من أهل قرطبة. أخذ عن أبي بكر بن زرى، وأبي عمر الأشبيلى وغيرهما من جلة العلماء، وكان فقيها عارفا بالفتوى حافظًا للرأى على مذهب مالك عارفا بالشروط وعللها مشاورا فيها. توفى سنة ٤٣١ هجرية، انظر الصلة لابن بشكوال جـ ١ ص ٢٦٠.
(٢) معجم الأدباء لياقوت الحموى جـ ١٢ ص ٢٤١، ٢٤٢، وانظر تذكرة الحافظ للذهبي جـ ٣ ص ١١٥٠، ١١٥١.
[ ٤٨ ]
للمعارف الأولى في الفقه في الصلاة فرائضها ونوافلها.
ثم ارتياده مجالس العلماء لطلب الحديث في المساجد مما يبعد جهله بتحية المسجد. والأخذ بهذه الرواية يؤدي حتمًا إلى القول إنه لم يدخل المسجد قبل ذلك، أو لم يدخله إلا قليلًا، ولم يصل جماعة وهذا غير معقول بالنسبة له أن يجهل ذلك وقد بلغ السادسة والعشرين.
يقول أبو زهرة: "وإنَّ الخبر في ذاته يحمل دليل بطلان أن يكون ابن حزم في هذه السن. وذلك لأنه ذكر أن مربيه وأستاذه قد صحبه، وأشار إليه بذلك. ومن كان في السادسة والعشرين، وبلغ مرتبة الوزارة لا يذكر الناس من يشير إليه على أنه مربيه.
وإن المعقول أو القريب من المعقول أن يكون ذلك وهو في السادسة عشرة من عمره، وأن يكون في الكلام تصحيف من النساخ وقد كتبوا بدل العشر عشرين". (^١)
وأرى أنه ليس بعيدا عدم معرفته تحية المسجد، وجبر الصلاة وهو في السادسة عشرة من عمره لأنه قريبًا بدأ يخرج من بيت والده، ويجالس كما قال عن تربيه في حجور النساء: ونشأته بينهن وعدم معرفته لغيرهن حتى كبر. (^٢)
ويؤيد ذلك ما روى عن أول سماعه. وما روى عمر بن واجب قال: "بينما نحن عند أبي ببلنسية وهو يدرس المذهب إذ بأبي محمد بن حزم يسمعنا ويتحجب، ثم سأل الحاضرين مسألة من الفقه جووب
_________________
(١) ابن حزم لأبي زهرة ص ٣٣، ٣٤.
(٢) انظر طوق الحمامة ص ١٤١.
[ ٤٩ ]
فيها فاعترض في ذلك فقال له بعض الحضار: "هذا العلم ليس من منتحلاتك" فقام وقعد ودخل منزله فعكف، ووكف منه وابل فما كف وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع فناظر أحسن مناظرة، وقال فيها: أنا أتبع الحق وأجتهد ولا أتقيد بمذهب". (^١)
هذه الرواية تؤيد كونه بدأ دراسة الفقه في السادسة عشرة من عمره مع بداية سماعه للحديث لأن الحديث والفقه أخوان متلازمان لا يمكن أن يطلب الحديث إلا مع الفقه، وأن ما ذكر في الروايتين عن ابن العربي فيه تصحيف من النساخ، لأن فيما روى عن عمر بن واجب أنه بعد أشهر من وقوع القصة، وكان عمره آنذاك بين ثلاثة وعشرين وخمسة وعشرين تقريبًا، وقد قال إنه لا يتقيد بمذهب، والمعروف أنه درس الفقه المالكي بادىء الأمر، لأنه هو المذهب السائد في المغرب، وقد ابتدأ دراسة موطأ مالك على ابن دحون كما عرفنا قريبًا، ثم تحول شافعيًا فاشتهر به قبل أن يذهب إلى مذهب أهل الظاهر. (^٢)
ذكر ياقوت في معجم الأدباء عن أبي مروان ابن حيان أن أبا محمد بن حزم: "مال أولًا النظر به في الفقه إلى رأي محمد بن ادريس الشافعي - ﵀ - وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب سواه حتى وسم به ونسب إليه فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظاهر مذهب داود بن
_________________
(١) سير النبلاء جزء خاص بترجمة الإمام ابن حزم للذهبى تحقيق سعيد الأفغاني ص ٢٩. وتذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٤٨.
(٢) انظر لسان الميزان لابن حجر ج ٤ ص ١٩٨.
[ ٥٠ ]
علي. (^١) ومن اتبعه من فقهاء الأمصار فنقحه ونهجه (^٢) وجادل عنه ووضع الكتب في بسطه وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله - ﵀ - ". (^٣)
وقال ابن خلكان: "وكان .. مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر". (^٤)
وقال الذهبي: "وكان شافعيًا ثم انتقل إلى القول بالظاهر ونفى القول بالقياس". (^٥)
_________________
(١) داود بن علي بن خلف الأصبهاني. أبو سليمان الملقب بالظاهري، ولد بالكوفة، وسكن بغداد ونال شهرة في العلم، فهو أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام، ولقب بالظاهري، لأخذه بظواهر النصوص وإعراضه عن التأويل والرأي والقياس. وكان أول من جهر بهذا القول. ذكر ابن تيمية أنه من المثبتين للصفات على مذهب أهل السنة والحديث. ويذكر الأشعري أن قوله في القرآن، أنه محدث غير مخلوق، وأن الله لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل قادرًا على الكلام. وكان زاهدًا ورعًا ونال مكانة في العلم قيل: كان يحضر مجلسه كل يوم أربعمائة صاحب طيلسان أخضر، قال ثعلب: كان عقل داود أكبر من علمه وله تصانيف كثيرة منها الإيضاح، وكتاب الإفصاح، وكتاب الدعوات والبينات وغير ذلك، توفي سنة ٢٧٠ من الهجرة وكان مولده سنة ٢٠١ هـ. انظر: وفيات الأعيان ج ٢ ص ٢٥٥ - ٢٥٧. والفهرست لابن النديم ص ٣٠٣ - ٣٠٥، وشذرات الذهب ج ٢ ص ١٨٥ - ١٨٦، ومقالات الإسلاميين ج ٢ ص ٢٥٦، وشرح الأصفهانية ص ٧٧.
(٢) أي وضع مناهجه وطرقه.
(٣) معجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٤٧.
(٤) وفيات الأعيان ج ٣ ص ٣٢٥.
(٥) تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٤٦.
[ ٥١ ]
إذا علمنا هذا ترجح لدينا أنه ابتدأ دراسة الفقه مبكرًا، وأنه بدأ يستقل برأيه ويجتهد بعد أن تجاوز الرابعة والعشرين من عمره أو في أثنائها.
٤ - شيوخه:
تلقى أبو محمد بن حزم العلم عن كثير من العلماء من ذوى الرأي والإحاطة من علماء عصره، وقد صحب في صغره أبا علي الحسين بن علي الفاسي وكان هذا كما وصفه ابن حزم: "عاقلا عالمًا ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح، والزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة - إلى أن قال - وما رأيت مثله جملة علمًا وعملًا ودينًا وورعًا فنفعني الله به كثيرًا". (^١)
وكانت هذه الصحبة في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي (^٢) شيخه وأستاذه، وقد تلقى عليه الحديث والنحو واللغة. (^٣)
وكان أبو محمد مصاحبًا للشيخ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري. (^٤)
_________________
(١) طوق الحمامة ص ٢٧٥. بتصرف.
(٢) سبقت ترجمته ص ٣٧.
(٣) انظر طوق الحمامة ص ٨١، ١٨٢، ٢٧٥.
(٤) انظر البداية والنهاية لابن كثير جـ ١٢ ص ٩٢، وسير النبلاء للذهبي جزء خاص بترجمة ابن حزم ص ٢٢. وأبو عمر هذا فقيه حافظ مكثر عالم بالقراءات وبالخلافات في الفقه وعلوم الحديث، والرجال قديم السماع كثير الشيوخ على أنه لم يخرج من الأندلس وله مؤلفات نافعة وكان يميل في الفقه إلى مذهب الشافعي، من مؤلفاته التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد=
[ ٥٢ ]
وممن سمع منهم، أبي عمر أحمد بن الجسور وهو أول من سمع منه. (^١) ومن يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ابن وجه الجنة (^٢) صاحب قاسم بن أصبغ، (^٣) فهوأعلى شيخ عنده.
_________________
(١) = سبعون جزءا يقول ابن حزم وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه، وله الاستيعاب في أسماء المذكورين في الروايات والسير والمصنفات من الصحابة وغير ذلك كثير وقد كان مولده سنة ٣٦٢ أو ٣٦٨، ووفاته ٤٦٠ أو ٤٦٣ من الهجرة، انظر: جذوة القتبس ص ٣٦٧ - ٣٦٩، والصلة جـ ٢ ص ٦٤٠ - ٦٤٢ وهدية العارفين ب ٦ ص ٥٥٠ - ٥٥١.
(٢) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٣٠٨. وبغية الملتمس ص ٤٠٣. وتذكرة الحفاظ للذهبي ج ٣ ص ١١٤٦. وانظر مما سمع منه في طوق الحمامة في ص ١٥١، ٢٤٥، ٢٧٠، ٣٠٦، ٣٢٢. وفي حجة الوداع ص ٢٢٠، ٢٤٩، ٣٥٤.
(٣) يكنى يحيى هذا بأبي بكر ويعرف بابن وجه الجنة من أهل قرطبة سمع من قاسم بن أصبغ ومن أحمد بن سعيد بن حزم وحدث عنه جماعة من العلماء روى عنه أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وكان يلتزم صناعة الخرازين وكان مولده سنة ٣٠٤ ووفاته ٤٠٢ للهجرة نظر جذوة المقتبس ص ٣٧٧. والصلة ج ٢ ص ٦٢٧.
(٤) هو قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء البيانى أبو محمد مولى الوليد بن عبد الملك كان إماما حافظا أصله من بيانه وسكن قرطبة سمع محمد بن وضاح ومحمد بن عبد السلام الحسنى وغيرهم ورحل فسمع إسماعيل بن إسحاق القاضي وأبا إسماعيل الترمذي والحارث بن أبي أسامة. وأبا قلابة الرقاش. وغيرهم، توفي في قرطبة سنة ٣٤٠ هجرية عن سن عالية ولم يسمع منه شىء قبل موته بسنتين. انظر: معجم الأدباء لياقوت ج ١٦ ص ٢٣٦، ٢٣٧. * * * * *
[ ٥٣ ]
ويونس بن عبد الله بن مغيث القاضي، (^١) وحمام بن أحمد القاضي، (^٢) ومحمد بن سعيد بن نبات. (^٣) وعبد الله بن ربيع التميمي (^٤). وعبد الله بن محمد بن عثمان (^٥). وأبي عمر أحمد بن محمد
_________________
(١) يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث أبو الوليد قاضى الجماعة بقرطبة يعرف بابن الصغار من أعيان أهل العلم سمع أبا بكر محمد بن معاوية وغيره كثير. وروى عنه أبو عمر النمرى، وأبو محمد بن حزم وكان زاهدا فاضلا محققا، من كتبه المنقطعين إلى الله، مولده سنة ٣٣٨ ووفاته ٤٢٩ للهجرة انظر: الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٦٤٦، ٦٤٧.
(٢) حمام بن أحمد بن حمام القرطبي أبو بكر القاضي المحدث قال عنه ابن حزم كان واحد عصره في البلاغة وفي سعة الرواية ضابطا لما قيده روى عنه الباجى وابن عائذ وغيرهما توفى بقرطبة سنة ٤٢١ وكان مولده ٣٥٧ للهجرة: انظر: الصلة جـ ١ ص ١٥٣.
(٣) هو محمد بن سعيد بن محمد بن عمر بن سعيد بن نبات الأموى القرطبى شيخ من شيوخ الحديث، وكان مفتيا بالآثار جامعا للسنن ثقة في روايته ضابطا لكتبه وكان شيخا فاضلا صالحا دينا ورعا وكان مولده سنة ٣٣٥ ووفاته ٤٢٩ للهجرة. انظر: الصلة ج ٢ ص ٤٩٢، ٤٩٣.
(٤) هو عبد الله بن محمد بن ربيع بن صالح التميمى يكنى أبا محمد. من أهل قرطبة روى عن كثيرين من أهل الأندلس ورحل إلى المشرق فحج وروى عن جماعة من علمائه ورجع إلى الأندلس فروى عنه كثير؛ منهم ابن حزم وكان تقة ثبتا دينا فاضلا وكان مولده سنة ٣٣٠ ووفاته ٤١٥ للهجرة. انظر: الصلة ج ١ ص ٢٥٤، ٢٥٣.
(٥) هو العمرى البطليوسي أبو محمد نحوى فقيه شاعر أديب مات حوالي سنة ٤٤٠ للهجرة. انظر: جذوة المقتبس ص ٢٦٣ والصلة ج ١ ص ٢٦٦. * * * * *
[ ٥٤ ]
الطلمنكى. (^١) وعبد الله بن يوسف بن نامى. (^٢)
وسمع من أحمد بن أصبغ. (^٣) وأحمد بن عمر بن العذرى. (^٤)
_________________
(١) أبو عمر الطلمنكى فقيه حافظ محدث منسوب إلى بلده وكان إماما في القراءات مذكورا، وثقة في الروايات، رحل فسمع من كثير من العلماء في المشرق وسمع بالأندلس كثيرا وسمع منه أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وجماعة كان مولده سنة ٣٤٠ ووفاته ٤٢٨ للهجرة. انظر جذوة المقتبس ص ١١٤. وبغية الملتمس ص ١٥١.
(٢) عبد الله بن يوسف بن نامى الرهونى القرطبى يكنى أبا محمد روى عن أبي الحسن الأنطاكى وغيره وكان رجلا صالحا خيرا فاضلا لا يقف بباب أحد وكان مجودا للقراءات حسن الخلق شديد الانقباض جيد العقل توفى سنة ٤٣٥ وكان مولده ٣٤٨ للهجرة. انظر الصلة ج ١ ص ٢٦٢. وانظر فيمن ذكر سماع ابن حزم من أولئك. سير النبلاء للذهبى جزء خاص بترجمة ابن حزم ص ٢٢. وتذكرة الحفاظ له جـ ٣ ص ١١٤٦.
(٣) هو أحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ البياني يكنى أبا عمر، من أهل قرطبة روى عن أبيه عن جده جميع ما رواه وكان عفيفا طاهرا شديد الانقباض توفى سنة ٤٣٠ من الهجرة. انظر الصلة ج ١ ص ٥٢.
(٤) هو المعروف بابن الدلاني من أهل الرية يكنى أبا العباس رحل إلى المشرق وجاور بالبيت الحرام أعواما وسمع من أهل الرواية من أهل الأمصار الواردين إلى مكة وصحب أبا ذر الهروى وسمع منه صحيح البخاري مرات ورجع إلى الأندلس فسمع منه جماعة منهم أبو عمر بن عبد البر وابن حزم وتوفى بالمرية سنة ٤٧٨ وكان مولده سنة ٣٩٣ من الهجرة. انظر: جذوة المقتبس ص ١٣٦ - ١٣٩. والصلة ج ١ ص ٦٩، ٧٠ وذكر سماع ابن أصبغ والعذري والذهبي في سير النبلاء انظر ص ٢٢. جزء خاص بترجمة ابن حزم. * * * * *
[ ٥٥ ]
وسمع من عبد الله الأزدي المعروف بابن الفرضى. (^١) ومن القاضي أبي عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن حجاف العافري وقد قال عنه إنه أفضل قاض رأيته. (^٢)
ومن عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني. وقد سمع منه في مسجد القمري في قرطبة. (^٣) ومن محمد بن عبد الله بن هاني بن هابيل
_________________
(١) انظر طوق الحمامة ص ٢٦٢، ٢٦٣. وابن الفرضى هو: عبد الله بن محمد بن يوسف المعروف بابن الفرضى أبو الوليد القاضي كان حافظا متقنا عالما ذا حظ من الأدب سمع بالأندلس وبمصر وبمكة وله تاريخ في العلماء والرواة للعلم بالأندلس وغيره، وأخبر عنه ابنه أبو بكر وأبو محمد بن حزم وغيرهما ومات في الفتنة أيام دخول البربر قرطبة سنة ٤٠٠ من الهجرة. انظر: جذوة المقتبس ص ٢٥٤ - ٢٥٦.
(٢) انظر طوق الحمامة ص ٢٩٤، ٢٩٥. وحجة الوداع ص ٢٥٢، ٣١٧، ٣٥٩، ذكر بعض ما سمع من أبي عبد الرحمن. وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحجاف المعافرى القاضي، فقيه محدث من أهل بيت قضاء وعلم وجلالة ومنازلهم ببلنسية روى عنه أبو محمد بن حزم الحديث وقال هو أفضل قاض رأيته دينا وعقلا وتصاونا مع حظه الوافر من العلم، توفى سنة ٤١٧ أو ٤١٨ من الهجرة. انظر طوق الحمامة ص ٢٩٤، ٢٩٥. وجذوة المقتبس ص ٢٦٢. والصلة ج ١ ص ٢٥٥، ٢٥٦.
(٣) انظر طوق الحمامة ص ٢٩١، ٢٩٦، ٢٩٧. وحجة الوداع ص ٢٣١، ٢٤٣. والهمدانى هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمدانى الوهراني ويعرف بابن الخراز من أهل بجانه ويكنى أبا القاسم، روى بالمشرق عن أبى محمد المروزي وعن غيره وكان رجلا صالحا منقبضا توفي سنة ٤١١ وكان مولده ٣٣٨ من الهجرة. انظر: الصلة لابن بشكوال ج ١ ص ٣٠٥. * * * * *
[ ٥٦ ]
اللخمي البزار. (^١) ومن محمد بن إسحق، (^٢) وعلي بن سعيد العبدري: (^٣) وقال أبو محمد: إنه طلب الحديث على سائر شيوخ المحدثين بقرطبة. (^٤)
وقرأ الفقه على عبد الله بن يحيى بن أحمد بن دحون الفقيه الذي كان عليه مدار الفتيا بقرطبة. (^٥) وذكروا من شيوخ ابن حزم، مسعي بن سليمان بن مفلت، وعنه - على ما يظهر - أخذ القول بالظاهر حتى
_________________
(١) وهو من أهل قرطبة يكنى أبا عبد الله سمع من أحمد بن سعيد بن حزم ومن غيره، ورحل إلى المشرق فحج وكتب الحديث عن كثير وكان فقيها محدثا كثير الحفظ لأخبار فقهاء الأندلس حدث عنه الخولانى وأبو محمد بن حزم وغيرهما وتوفى سنة ٤١٠ وكان مولده ٣٢٨ من الهجرة. انظر: الصلة ج ٢ ص ٢٧٦.
(٢) وهو أبو عبد الله كان رجلا صالحا مذكورا، وعلى طريقة من الزهد، وله كلام يدل على إخلاصه وصدقه طويته حدث عنه أبو محمد بن حزم وغيره انظر: جذوة المقتبس ص ٤٤. وذكره ابن حزم في طوق الحمامة ص ٣٢٣.
(٣) انظر: ابن حزم الأندلسى لسعيد الأفغاني ص ٣٥. وعلي بن سعيد العبدرى من أهل الفضل والمعرفة والأدب، وهو من أهل جزيرة ميورقة يكنى أبا الحسن. وسمع من أبي محمد بن حزم وعنه أخذ أيضا ابن حزم، ورحل إلى المشرق فحج ودخل بغداد، وترك مذهب ابن حزم، وكان قد اعتنقه، وتفقه عند أبى بكر الشاشى وله تعليق في مذهب الشافعي، توفى سنة ٤٩٣ من الهجرة. انظر: الصلة ج ٢ ص ٤٠١، ٤٠٢. وهدية العارفين ج ٥ ص ٦٩٤.
(٤) انظر طوق الحمامة ص ٢٦٣.
(٥) انظر طوق الحمامة ص ٢٦٤، ومعجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤١. * * * * *
[ ٥٧ ]
صار فيه إمامًا. (^١)
وقد أخذ المنطق عن محمد بن الحسن المذحجي المعروف بابن الكتاني. (^٢)
وقد قرأ معلقة طرفه بن العبد مع شرحها على أبي سعيد مولى الحاجب جعفر، عن أبي بكر المقرى، عن أبي جعفر النحاس - ﵏ - في المسجد الجامع بقرطبة. (^٣)
هكذا تلقى - أبو محمد بن حزم - الحديث وغيره من العلوم على أولئك العلماء وغيرهم كثير من الذين التقى بهم في صغره بقرطبة، وحتى بعد ذهابه عنها وتجوله في الأندلس بعقل لا يكل، ونفس لا تمل فلم يفارق الطلب، والسماع إلى أن صار إمامًا، لم تتمن به الأندلس أن تكون كالعراق. كما قال الفتح بن خاقان (^٤).
_________________
(١) انظر بغية الملتمس ص ٤٥٣. وابن حزم الأندلسى لسعيد الأفغانى ص ٣٥. ومسعود بن سليمان بن مفلت الشنترينى هذا من أهل قرطبة يكنى أبا الخيار، أديب محدث داودى المذهب لا يرى التقليد، ويقال إنه لم يزل عالما متعلما متواضعا إلى أن لقى الله ﷿ وذلك سنة ٤٢٦ من الهجرة. انظر: الصلة ج ٢ ص ٥٨٣.
(٢) انظر وفيات الأعيان لابن خلكان ج ٣ ص ٣٢٦. والبداية والنهاية لابن كثير جى ١٢ ص ٩٢. وتذكرة الحفاظ للذهبى ج ٣ ص ١١٤٧. وابن الكتاني: هو أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجى المعروف بابن الكتانى. له مشاركة قوية في علم الأدب والشعر وله تقدم في علم المنطق، والطب وكلام في الحكم وله رسائل في كل ذلك وكتب معروفة له كتاب سماه "محمد وسعدى" مليح في معناه كما قال الحميدى وعاش بعد الأربعمائة بمدة. انظر: جذوة المقتبس ص ٤٩.
(٣) انظر طوق الحمامة ص ١٧٩، ٢٩٢.
(٤) انظر نفح الطيب للمقرى التلمسانى ج ٥ ص ٩٦.
[ ٥٨ ]
٥ - مكانته العلمية:
انصرف أبو محمد بن حزم - بعد انهيار العهد الأموي، أو تفككه - إلى العلم انصرافًا تامًا فأقبل على دراسة العلوم الشائعة في عصره من النقول، والمعقول فلم يترك بابًا من أبواب العلم الإسلامي إلا خاض فيه خوض العارف بمراميه الدرك بمغازيه فيقبل الحق الذي يعتقده حقا، ويرد في عنف ما يراه باطلا. واطلع كذلك على كثير من العلوم الإسلامية، فرد على الفلاسفة، واليهود، والنصارى، وهو بكل هذا يسلك طريقته الصريحة الحرة. وقد ساعده على كل هذا ما وهبه الله تعالى من الحافظة القوية الواعية التي جعلته يستولى على أبواب العلم استيلاء يقل نظيره، ثم طلبه المتواصل، ومثابرته العديمة النظير حتى إنه لشدة حرصه على الحفظ كان يأكل اللبان لاعتقادهم أنه يقوي الحافظة قال الخطاب بن دحية: "كان ابن حزم قد برص من أكل اللبان وأصابه زمانة". (^١)
وإن الناظر في سيرة ابن حزم - ما جرى عليه من تقلبات الحياة "فبعد أن كان في صباه يلبس الحرير، ولا يرضى من المكان إلا بالسرير" (^٢) وما عقب هذا من الإجلاء عن الأوطان، وتغير الأحوال، ثم يرى مبلغه من العلم ومقدار مصنفاته - يدرك تمام الإدراك أنه صورة للعزيمة الصادقة القوية التي لا تقبل التردد بحال. يروي ياقوت: "أن ابن حزم اجتمع يومًا مع الفقيه أبي الوليد سليمان بن
_________________
(١) سير النبلاء ص ٣٦. قال الذهبى في نفس الصفحة من السير: "وكذلك كان الشافعي ﵀ يستعمل اللبان لقوة الحفظ فولد له رمى الدم".
(٢) انظر سير النبلاء ص ٢٨، ٢٩. وينسب هذا القول لليسع ابن حزم.
[ ٥٩ ]
خلف بن سعيد بن أيوب الباجى (^١) صاحب كتابي المنتقى، والاستغناء وغيرهما من التواليف وجرت بينهما مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على سراج الحراس. قال ابن حزم: وتعذرني أيضا فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب، والفضة، أراد أن الغنى أضيع لطلب العلم من الفقر". (^٢)
وهذا هو المعروف والواقع المشاهد. ولكن همة ابن حزم كانت أعلى من أن يمنعها الغنى ودواعيه من طلب العلم الذي رأى به العز والرفعة في الدين والدنيا. فنال بالعلم مكانة علمية يندر أن تنال.
قال عنه تلميذه الحميدي: "كان حافظا عالما بعلوم الحديث وفقهه مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة متفننًا في علوم جمة عاملًا بعلمه زاهدًا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير المالك متواضعًا ذا فضائل جمة وتواليف كثيرة في كل ما تحقق به من العلوم وما رأينا مثله - ﵀ - فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين". (^٣)
_________________
(١) هو أحد علماء الأندلس وحفاظها سكن شرق الأندلس، ورحل إلى المشرق سنة ٤٢٦ من الهجرة تقريبا فبقى في المشرق قرابة ١٣ عاما. وروى عن كثير من الحفاظ ودرس الفقه، ودرسه. وأخذ الكلام عن أبى جعفر التلمسانى بالموصل. وتولى القضاء بعد رجوعه إلى الأندلس. وتوفى سنة ٤٧٤ وكان مولده سنة ٤٠٣ من الهجرة. انظر: وفيات الأعيان ج ٢ ص ٤٠٨، ٤٠٩. وشذرات الذهب ج ٣ ص ٣٤٤، ٣٤٥.
(٢) معجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٣٩، ٢٤٠.
(٣) جذوة المقتبس ص ٣٠٨، ٣٠٩. بتصرف، وانظر بغية الملتمس للضبى ص ٤٠٣. ووفيات الأعيان لابن خلكان ج ٣ ص ٣٢٥.
[ ٦٠ ]
وقال عنه القاضي صاعد بن أحمد: "كان أبو محمد بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار". (^١)
وبمثل ما وصفه الحميدي، وصاعد، وصفه كثير من العلماء، كأبي مروان بن حيان. (^٢) واليسع بن حزم الغافقي، (^٣) والقفطي، (^٤) والذهبي، (^٥) وابن حجر، (^٦) وابن كثير وزاد بأنه طبيب ومتضلع من علم المنطق. (^٧)
شهد لأبي محمد بن حزم من أشرنا إليهم وغيرهم كثير، بكثرة علمه، وسعة آفاقه، حيث إنه طرق أبواب العلوم الكثيرة وتمثلها وصار له في كل منها رأي واجتهاد، وترك في أكثرها تواليف جمة ضخمة تدل على ثروته الواسعة فيها وتمكنه القوي من ناصيتها، وقد وصفه ابن بسام: "البحر لا تكف غواربه ولا يروي شاربه". (^٨)
فهو بحق العالم المحقق المستوعب وقد شهد له أكثر العلماء بالاجتهاد كالحميدي، (^٩) والذهبي وقد قال: "ابن حزم رجل من
_________________
(١) الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٣٩٥.
(٢) انظر: معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٧.
(٣) انظر: سير النبلاء للذهبى ص ٢٨.
(٤) انظر: تاريخ الحكماء ص ٢٣٢، ٢٣٣.
(٥) انظر تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٤٦.
(٦) انظر: لسان الميزان ج ٤ ص ١٩٨.
(٧) انظر: البداية والنهاية ج ١٢ ص ٩٢.
(٨) الذخيرة لابن بسام - القسم الأول - المجلد الأول - ص ١٦٧.
(٩) انظر جذوة المقتبس ص ٣٠٨.
[ ٦١ ]
العلماء الكبار فيه أدوات الاجتهاد كاملة تقع له المسائل المحررة، والمسائل الواهية"، (^١) وعلى الجملة فهو نسيج وحده، (^٢) وأنه لمن الصعب جدًّا على الدارس، استقصاء ثقافته، وتعيين شتى المجالات العلمية التي برع فيها فهو كما وصفه زكريا إبراهيم: "المفكر الظاهري الموسوعي". (^٣)
ونورد هنا نموذجًا ندرك منه سرعة استحضار ذهنه ومبلغ إحاطته بالعلم والعلماء المصنفين السابقين له وكيفية ترتيبه لهم وهو ما أورده الذهبي في سير النبلاء قال: "ورأيته قد ذكر قول من يقول: أجل المصنفات الموطأ فقال: "بل أولى الكتب بالتعظيم صحيحا البخاري، ومسلم، وصحيح ابن السكن، ومنتقى ابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ، ومصنف أبي جعفر الطحاوي .. (^٤) ثم قال: ومسند البزار، ومسند ابن أبي شيبه، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق، ومسند الطيالسي ومسند الحسن بن أبي سفيان، ومسند ابن سنجر، ومسند عبد الله بن محمد المسندي، ومسند يعقوب بن أبي شيبة، ومسند علي بن المديني، ومسند ابن أبي غرزة، وما جرى مجرى هذه الكتب التي أفردت لكلام رسول الله ﷺ صرفًا.
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٥٣، ١١٥٤.
(٢) انظر: نفح الطيب للمقرى ج ٢ ص ٢٨٤.
(٣) ابن حزم الأندلسى للدكتور زكريا إبراهيم ص ١. العنوان.
(٤) يقول الذهبي بعد هذا: "ما ذكر سنن ابن ماجة ولا جامع أبي عيسى فإنه ما رآها ولا دخلا إلى الأندلس إلا بعد موته" سير النبلاء ص ٤١.
[ ٦٢ ]
ثم الكتب التي فيها كلامه، وكلام غيره، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبه، ومصنف بقى بن مخلد، وكتاب محمد بن نصر المروزى، وكتاب ابن المنذر الأكبر، والأصغر، ثم مصنف حماد بن سلمه، وموطأ مالك بن أنس، وموطأ ابن أبي ذيب، وموطأ ابن وهب، ومصنف وكيع، ومصنف محمد بن يوسف الفريابي، ومصنف سعيد بن منصور ومسائل أحمد بن حنبل وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور". (^١)
وبحق إن هذا يدل على فرط ذكائه وسعة علومه، وسنتكلم على مؤلفاته قريبا ونرى مكانة بعض هذه المؤلفات عند العلماء وما قالوا عنها. وقد وصفه المستشرقون الأوربيون بمؤسس علم الأديان المقارن من أجل كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل. (^٢)
وبعد أن عرفنا هذه المنزلة العلمية الرفيعة التي احتلها أبو محمد بن حزم بشهادات العلماء من معاصريه، ومن بعدهم إلى عصرنا الحاضر في أنواع العلوم المختلفة، وقلما يؤلف مؤلف بعد ابن حزم في فن من الفنون الكثيرة التي طرقها إلا رجع إلى مؤلفاته واستشهد بأقواله، وكفى بهذا دليلا على منزلته العلمية، فلهذا يصعب علينا ويطول لو حاولنا أن نتعرض، لبيان طريقته في كل ما طرق، ومنهجه في كل ما نهج، ولكننا علمنا بشكل عام منزلته العلمية، عند العلماء الذين أشرنا إلى بعض كلامهم عنه.
وقد وصف لنا ابن حيان، طريقة جدله ومناظراته بعد أن ذكر كثرة علمه: بأنه يحمل هذا العلم ويجادل من خالفه على استرسال في
_________________
(١) سير النبلاء للذهبي ص ٤١، ٤٢.
(٢) انظر ابن حزم الأندلسي للدكتور عبد الكريم خليفة ص ١٣٥.
[ ٦٣ ]
طباعه وبذل بأسراره، ولم يكن يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يرقه بتدريج، بل يصك به من عارضه صك الجندل، وينشقه متعلقة انشاق الخردل. (^١)
وكان كل اعتماده في المناقشة والاستدلال على مصدرين:
أولهما: المبادىء العقلية المقررة في أوائل الحس وبدائة العقل.
وثانيهما: النصوص، فيرفض التأويل أو القياس أو التعليل مؤكدا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه وجهر لا سر تحته كله برهان لا مسامحة فيه، ولم يكن عند الرسول ﷺ سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه. (^٢)
٦ - تلاميذه:
مال أبو محمد في أول أمره إلا رأي محمد بن إدريس الشافعي ﵀، وهذا خلاف ما عليه جمهور أهل الأندلس. فهم على مذهب الإمام مالك. فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ، ولكنه لم يستمر على هذا فعدل إلى ما هو أشذ وهو قول أصحاب الظاهر، يقول عن نفسه:
"وذي عذل فيمن سباني حسنه يطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن حسن وجه لاح لم تر غيره ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل؟
فقلت له أسرفت في اللوم فاتئد فعندي رد لو أشاء طويل
ألم تر أني ظاهري وأنني على ما بدا حتى يقوم دليل" (^٣)
_________________
(١) انظر معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٨.
(٢) انظر ابن حزم الأندلسى. للدكتور زكريا إبراهيم ص ١٥٦.
(٣) سير النبلاء ص ٤٦. ووفيات الأعيان ج ٣ ص ٣٢٧.
[ ٦٤ ]
وكان ﵀ زيادة على ظاهريته. صريحًا لا يعرف المجاملة، وحاد المزاج عنيفًا في مناظراته ومجادلاته.
يقول أبو مروان ابن حيان: "وكان لمجمل علمه هذا ويجادل من خالفه فيه على استرسال في طباعه وبذل بأسراره، واستناد على العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده "لتبيننه للناس ولا تكتمونه" (^١) فلم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يرقه بتدريج بل يصك به معارضه صك الجندل، وينشقه متعلقه انشاق الخردل، فنفر عنه القلوب وتوقع به الندوب حتى استهدف إلى فقهاء وقته فتمالؤوا على بغضه وردوا أقواله فأجموا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه وطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به منقطع أثره بتربة بلدة من بادية لبلة". (^٢)
تلك حصائد طول لسانه الموصوف بأنه شقيق سيف الحجاج باستخفافه بالكبار ووقوعه في أئمة الاجتهاد، وصراحته بما يراه الحق وتعصبه له، وعدم مجاملته للأمراء والحكام، عوامل عديدة أحاطت بابن حزم فقللت من مصاحبته، وهناك عامل دعا علماء عصره إلى التألب ضده غير ما ذكر. الحسد لما كانت عليه حاله من الثراء، ثم مع هذا كثرة تحصيله العلمي. قال عن نفسه:
"أنا العلق (^٣) الذي لا عيب فيه سوى بلدي وأني غير طاري
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٨٧).
(٢) معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٨.
(٣) العلق بالكسر النفيس من كل شىء وجمعه أعلاق. مختار الصحاح ص ٤٥٠ والقاموس ج ٣ ص ٢٦٧.
[ ٦٥ ]
تقر لي العراق ومن يليها وأهل الأرض إلا أهل داري
طووا حسدًا كل أدب وفهم وعلم ما يشق له غباري
فمهما طار في الآفاق ذكرى فما سطع الدخان بغير نار" (^١)
ومع ما ذكر فقد استمر أبو محمد سالكا طريقته بعزيمة صادقة لا تعرف التردد سائرا في طريقته لا يلتفت إلى من يخالفه يبث علمه فيمن ينتابه من الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة ولا يسمعون أصوات المحذرين عنه لثقتهم به ومعرفتهم بحقيقته.
فممن قرأ عليه وأكثر الرواية عنه محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي الحميدي. (^٢) وابنه الفضل أبو رافع (^٣) وهما أكثر من روى عنه. (^٤) والإمام الوزير أبو محمد بن العربي وقد قرأ عليه أكثر مصنفاته، قال: "صحبت ابن حزم سبعة أعوام وسمعت منه جميع مصنفاته سوى المجلد الأخير من كتاب الفصل وهو من ستة مجلدات، وقرأنا عليه من كتاب الإيصال أربعة مجلدات في سنة ست وخمسين وأربعمائة وهو أربعة وعشرون مجلدًا ولى منه إجازة غير مرة". (^٥)
وقد سمع عليه الفقه أحد شيوخه الذين سمع منهم وهو علي بن سعيد العبدري حين حل ابن حزم جزيرة ميورقة. واتبع - العبدري - المذهب الظاهري، ولما رحل إلى المشرق وحج تركه واعتنق المذهب
_________________
(١) معجم الأدباء لياقوت جـ ١٢ ص ٢٤٦.
(٢) انظر الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٥٣٠. وتذكرة الحفاظ للذهبى ج ٣ ص ١١٤٦.
(٣) ستأتي ترجمته ص ٦٩.
(٤) انظر تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٤٦.
(٥) سير النبلاء ص ٣٧. وتذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٥١.
[ ٦٦ ]
الشافعي. (^١)
وممن سمع عليه أيضا محمد بن الوليد الفهري. (^٢) وعبد الباقي بن محمد بن سعيد بن بريال الأنصاري. (^٣)
وآخر من روى عنه مروياته بالإجازة أبو الحسن شريح بن محمد المقرى. (^٤)
هؤلاء بعض ممن تتلمذ على أبي محمد ولاشك أنه يصعب حصرهم. ومعرفتهم جميعًا خلال الدة الطويلة التي قضاها في سبيل
_________________
(١) انظر الصلة ج ٢ ص ٤٠١، ٤٠٢.
(٢) انظر الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٥٤٥. وبغية الملتمس ص ١٢٥ - ١٢٩. وفيهما هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهرى يكنى أبا بكر ويعرف بابن أبي وندقه صحب القاضي أبا الوليد الباجى، ورحل إلى المشرق وحج ودخل البصرة وبغداد وتفقه على العلماء هناك. وكان عالما زاهدا ورعا توفى بالإسكندرية سنة ٥٢٠ هـ.
(٣) انظر أخبار وتراجم مستخرجة من معجم السفر للسلفى ص ٥٢. وابن بريال: من أهل وادى الحجارة يكنى أبا بكر كان عالما ورعا وشاعرا سكن في آخر عمره المرية وتوفى في مدينة بلنسية سنة ٥٠٢ وكان مولده ٤١٦ من الهجرة. انظر الصلة ج ٢ ص ٣٦٦، ٣٦٧ وبغية الملتمس ص ٣٨٥.
(٤) انظر سير النبلاء ص ٢٢، ٢٣. ولسان الميزان ج ٤ ص ١٩٨. وشذرات الذهب ج ٤ ص ١٢٢. وأرى أن الذي روى عن ابن حزم ليس شريحا وإنما والده محمد. لأن شريح ولد سنة ٤٥١ هـ كما في الصلة ج ١ ص ٢٢٩، ٢٣٠، وشذرات الذهب ج ٤ ص ١٢٢. ووفاة ابن حزم سنة ٤٥٦ هـ فسنه عند وفاة ابن حزم خمس سنوات فلا يمكن أن يأخذ عنه بهذا السن. ومحمد بن شريح الذي رأينا أنه هو الذي روى عن ابن حزم من أهل إشبيلية يكنى أبا عبد الله رحل إلى المشرق وسمع عن الكثير وله كتب منها الكافى في القراءات والتذكرة وكان ثقة توفي سنة ٤٧٦ وكان مولده سنة ٣٩٢ هـ. انظر: الصلة ج ٢ ص ٥٢٣، ٥٢٤.
[ ٦٧ ]
العلم والحرص الشديد على نشره بين الناس قال:
مناى من الدنيا علوم أبثها وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنة التي تناسى رجال ذكرها في المحاضرا (^١)
* * * * *
٧ - مصنفاته:
عرفنا بداية تعلم ابن حزم، وكثرة شيوخه الذين أخذ أنواع العلوم عنهم، ثم شهادات العلماء بفضله. وتواليفه الكثيرة في علم الحديث والمصنفات، والمسندات، وأصول الفقه، وفروعه على مذهبه الذي ينتحله مذهب داود بن علي الاصفهاني، ومن قال بقوله من أهل الظاهر (^٢). وفي الملل والنحل والمنطق والتاريخ، وله في الأدب والشعر نفس واسع وباع طويل وكان يقول الشعر على البديهة من ذلك: ما حكى أنه قصد أبا عامر شهيد في يوم غزير المطر والوحل، شديد الريح. فلقيه أبو عامر، وأعظم قصده على تلك الحال وقال له يا سيدي مثلك يقصدني في مثل هذا اليوم فأنشد أبو محمد بديهيا:
فلو كانت الدنيا دوينك لجة وفي الجو صعق دائم وحريق
لسهل ودي فيك نحوك مسلكا ولم يتعذر لي إليك طريق (^٣)
_________________
(١) سير النبلاء ص ٤٥.
(٢) انظر معجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٣٨. وتاريخ الحكماء للقفطى ص ٢٣٣.
(٣) انظر نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقرى ج ٢ ص ٢٨٨.
[ ٦٨ ]
وعن مقدار تواليفه وفي أي فن كانت يقول صاعد بن أحمد: "أخبرني ابنه الفضل المكنى أبا رافع (^١) أن مبلغ تواليفه في الفقه والحديث، والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المعارض نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في دولة الإسلام قبله إلا لأبى جعفر محمد بن جرير الطبري (^٢) فانه أكثر أهل الإسلام تصنيفا .. فقد حسبت أيام حياته، وحسبت تصانيفه فكان لكل يوم أربع عشرة ورقة. ثم قال: ولأبى محمد ابن حزم بعد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة وقسم صالح من قرض الشعر وصناعة الخطابة (^٣). ولكنا نستطيع أن نفرق بين مؤلفات ابن جرير، وابن حزم فأكثر مؤلفات الأخير في الفقه وأصوله وفي الملل والنحل، والأول في التفسير بالأثر والتاريخ.
وأن ما ذكر الفضل عن مبلغ تواليف والده لم يكتب الله تعالى للكثير منها البقاء، وكانت هناك عوامل عديدة دعت إلى ذهابها وعدم
_________________
(١) هو الفضل بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم من أهل قرطبة يكنى أبا رافع وهو ابن الحافظ أبي محمد روى عن أبيه وعن غيره وكتب بخطه علما كثيرا، وكان أديبا ذا نباهة وذكاء، توفي سنة ٤٧٩ من الهجرة انظر: الصلة جـ ٢ ص ٤٤٠.
(٢) الطبري هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، كان إماما في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وكان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها. وكان من الأئمة المجتهدين له مصنفات منها التفسير الكبير المعروف والتاريخ الشهير، توفى ببغداد سنة ٣١٠ وكانت ولادته سنة ٢٢٤ من الهجرة. انظر: وفيات الأعيان ج ٤ ص ١٩١، ١٩٢. وشذرات الذهب ج ٢ ص ٢٦٠.
(٣) معجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٣٨، ٢٣٩ بتصرف.
[ ٦٩ ]
انتشارها: من ذلك مذهبه الذي يخالف به أهل الأندلس. وحدة لسانه، وتطاوله على العلماء هناك، للدفاع عن هذا المذهب قال أبو العباس بن العريف: "كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف الثقفي شقيقين". (^١)
فضاق به علماء عصره فأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا العوام من الدنو إليه والأخذ عنه حتى إن حاكم أشبيلية أحرق قسطا من كتبه من جراء تأليب العلماء عليه، قال أبو محمد في هذا:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدرى
يسير معي حيث استقلت ركائبي وينزل إن أنزل ويدفن في قبرى
دعوني من إحراق رق وكاغد وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدرى
وإلا فعودوا في المكاتب بدأة فكم دون ما تبغون لله في ستر
كذاك النصارى يحرقون - إذا علت أكفهم - القرآن في مدن الثغر (^٢)
ولكنه على الرغم مما قوبل به من الفقهاء والرؤساء لا يرتدع ولا يرجع إلى ما أرادوا يبث علمه فيمن ينتابه من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف حتى كمل من مصنفاته في فنون العلم المختلفة وقر بعير لم تتجاوز باديته كما قال ابن حيان. (^٣) وقال "ولهذا الشيخ أبى محمد مع يهود لعنهم الله ومع غيرهم من أولى المذاهب المرفوضة من أهل
_________________
(١) وفيات الأعيان لابن خلكان جـ ٣ ص ٣٢٨. وانظر سير النبلاء جزء خاص بترجمة ابن حزم ص ٣٦.
(٢) سير النبلاء للذهبى ص ٤٤.
(٣) انظر معجم الأدباء جـ ١٢ ص ٢٤٨، ٢٤٩.
[ ٧٠ ]
الإسلام مجالس محفوظة وأخبار مكتوبة وله مصنفات في ذلك معروفة". (^١)
ويدرك المطلع في مؤلفات ابن حزم بوجه عام مقدرته العقلية العجيبة في الفهم الدقيق والنظر الشامل وفي الاستنباط الدقيق وفي نقد آراء الغير ومجادلتهم، وهذه خاصة عقلية تلحظها في عموم كتبه فلا تكاد تجده مرة مسترخي الذهن، أو نائم العقل، أو مستسلما للنقل، وإنما هو حاضر العقل يقظ الذهن ما يقول لابد أنه مر من رأسه، وتردد بين تلافيف مخه، لذا تراه إذا عرض الموضوع الذي يريد لا يفرض عليه شيئا من أطرافه المتشعبة ويصل إلى الهدف الذي رسمه في مبدأ الطريق بخط مستقيم وهذه صفة نادرة في العلماء الواسعي الثقافة، وتراه مع كل هذا سالكا طريقته الحرة الصريحة التي لا يسير فيها وراء أحد مهما كانت منزلته ما دام يخالف ظاهر الكتاب والسنة، أو يأتى بقول لا يدلان عليه أو لا يعتمد فيه على صريحهما أو يخالف بدائه العقول.
وسأبين بحول الله تعالى أسماء ما توصلت إلى معرفته من مؤلفاته مرتبة على حروف المعجم، وإليك بيانها:
١ - الآثار التي ظاهرها التعارض ونفى التناقض عنها. (^٢)
٢ - إبطال القياس، والرأى والاستحسان والتقليد. (^٣)
٣ - الاتصال. (^٤)
_________________
(١) انظر المرجع السابق ص ٢٥١.
(٢) انظر سير النبلاء للذهبى ص ٣٢.
(٣) بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥، وقد لخصه مؤلفه، ونشر بتحقيق سعيد الأفغاني.
(٤) كشف الظنون لحاجى خليفة ج ٢ ص ١٣٨٤.
[ ٧١ ]
٤ - الإجماع ومسائله على أبواب الفقه. (^١)
٥ - أجوبة "كالأجوبة على المسائل المستغربة من البخاري" لابن عبد البر. (^٢)
٦ - الإحكام لأصول الأحكام. (^٣)
٧ - اختصار كلام جالينوس في الأمراض الحادة. (^٤)
٨ - اختلاف الفقهاء الخمسة - مالك، وأبى حنيفة، والشافعي، وأحمد، وداود (^٥).
٩ - الأخلاق والسير، في مداواة النفوس، أو رسالة في مداواة
* * * * *
_________________
(١) ابن حزم الأندلسى ورسالة المفاضلة بين الصحابة. لسعيد الأفغاني ص ٥٧.
(٢) كشف الظنون ج ١ ص ٥٤٥.
(٣) انظر المحلى ج ١ ص ٧٥. وجذوة المقتبس للحميدى ص ٣٠٩. وفيات الأعيان لابن خلكان ج ٣ ص ٣٢٥. وقد نشرت بتحقيق الشيخ أحمد شاكر بمطبعة السعادة سنة ١٣٤٥ هـ. ونشره زكريا علي يوسف طبعة جديدة سنة ١٩٧٠ م وكلا الطبعتين في ثمانية أجزاء في مجلدين.
(٤) سير النبلاء للذهبى ص ٣٦. وذكره أبو عبد الرحمن بن عقيل ضمن المفقودات من مؤلفات ابن حزم مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦٠.
(٥) المرجع السابق نفس الصفحة. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات، مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦٠.
[ ٧٢ ]
النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل. (^١)
١٠ - أخلاق النفس. (^٢)
١١ - الأدوية المفردة. (^٣)
١٢ - الاستجلاب. (^٤)
١٣ - الاستقصاء. (^٥)
١٤ - أسماء الخلفاء المهديين، والأئمة أمراء المؤمنين، وأسماء الولاة من قريش، ومن بني هاشم أمور المسلمين، وذكر مددهم إلى زماننا. (^٦)
_________________
(١) نشر عدة مرات مع اختلاف في عنوانه. فنشره محمد أفندى هاشم الكتبى. ونشر بعناية أحمد عمر المحمصانى الأزهرى على نسخة قديمة ظفر بها وسماها "الأخلاق والسير في مداواة النفوس " ذكر أنه جاء بها بعض زيادات عن الأولى وذلك سنة ١٣٢٥ هـ. والطبعة الأولى كانت سنة ١٣٢٣ هـ. انظر معجم المطبوعات العربية إلياس سركيس ج ١ ص ٨٦. وأخيرا نشرته مع ترجمة فرنسية ند توميس طبعة بيروت. انظر معجم المخطوطات المطبوعة لصلاح الدين المنجد ج ٢ ص ٢٠.
(٢) انظر معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٥٢. عن أبى حيان. ولعله ما ذكر قبلة باسم الأخلاق والسير.
(٣) سير النبلاء للذهبى ص ٣٦. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات من مؤلفات ابن حزم مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦٠.
(٤) انظر سير النبلاء للذهبى ص ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات في مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦٠.
(٥) انظر ابن حزم لسعيد الأفغانى ص ٥١.
(٦) نشر في ذيل جوامع السيرة بتحقيق الدكتور إحسان عباس، والدكتور ناصر الدين الأسد. دار المعارف بمصر وهو يبدأ من ص ٣٥٣ - ٣٨١.
[ ٧٣ ]
١٥ - أسماء الصحابة الرواة وما لكل من العدد. (^١)
١٦ - أسماء الله الحسنى. (^٢)
١٧ - أسواق العرب. (^٣)
١٨ - أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا. (^٤)
١٩ - الأصول، والفروع. (^٥)
٢٠ - إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل، وهذا معنى لم يسبق
_________________
(١) يوجد مخطوط في دار الكتب المصرية في عشر ورقات، انظر الفهرس ج ١ ص ١٥٨، مصطلح الحديث. وبروكلمان الذيل ج ٢ ص ٦٩٦. ونشر في ذيل جوامع السيرة للمحققين السابق ذكرهما من ص ٢٧٥ - ٣١٥.
(٢) انظر المقصد الأسني شرح أسماء الله الحسنى للغزالي ص ١٦٤، ويقول الغزالى: "ولم أعرف أحدا من العلماء اعتنى بمطلب ذلك - أسماء الله الحسنى - وجمعه سوى رجل من حفاظ المغرب يقال له علي بن حزم فانه قال: "صح عندي قريب من ثمانين اسما يشتمل عليها الكتاب والصحاح من الأخبار والباقى ينبغى أن يطلب عن الأخبار بطريق الاجتهاد انظر نفس الصفحة من المقصد. وتذكرة الحفاظ للذهبي ج ٣ ص ١١٤٧. وقد ذكره ابن عقيل ضمن المفقودات مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦٢.
(٣) انظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥.
(٤) نشر محققا في ذيل جوامع السيرة المطبوعة بمصر في دار المعارف سنة ١٩٥٦ م بتحقيق الدكتور إحسان عباس، وناصر الدين الأسد وهو من ص ٣١٩ - ٣٣٥.
(٥) يوجد ضمن مجموعة رسائل لابن حزم مخطوطة في مكتبة شهيد علي باستنبول رقم ٢٧٠٤. وهي من ص ١ - ٩٠. وقد نشر بتحقيق الدكتور محمد عاطف العراقى، والدكتور سهيل فضل الله. والدكتور إبراهيم هلال سنة ١٩٧٨ م.
[ ٧٤ ]
إليه كما قال ابن خلكان. (^١)
٢١ - الإظهار لما شنع به على الظاهرية (^٢)
٢٢ - الإعتقاد. (^٣)
٢٣ - الإعراب عن الحيرة والإلتباس الواقعين في مذهب أهل الرأي والقياس (^٤).
٢٤ - الإمامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها. (^٥)
(٢٥) - الإملاء في قواعد الفقه. (^٦)
_________________
(١) انظر وفيات الأعيان لابن خلكان ج ٣ ص ٣٢٦. وجذق المقتبس ص ٣٠٩. ومرآة الجنان لليافعي ج ٣ ص ٧٩. وهو مطبوع ضمن الفصل ج ٢ من ص ٢ - ٩١.
(٢) انظر سير النبلاء ص ٣٤. وذكره ابن عقيل من المفقودات ص ٦١ من مجلة الفيصل. عدد ٢٦.
(٣) انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ج ٣ ص ١١٤٩. وهذه الرسالة ذكر أبو بكر بن العربي أنه رد عليها قال: "إنه نقضها برسالة الغرة" نفس المرجع.
(٤) انظر ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان "تحقيق سعيد الأفغاني ص ٣. وسماه ابن حزم في "المحلى" الإعراب في كشف الالتباس ج ٩ ص ٥٠٣. وانظر إيضاح المكنون ج ٢ ص ٣٥٧. ومعجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٥٢. وتذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٥٢. ونفح الطيب للمقرى ج ٢ ص ٢٨٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٥) انظر معجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٥٢، وسماه المقرى "الإمامة والخلافة" نفح الطيب ج ٦ ص ٢٠٥.
(٦) انظر سير النبلاء ص ٣٣. وذكره في الإحكام ج ٣ ص ٥٧ وج ٥ ص ٣١، باسم "ذي القواعد" والأقرب أنه هو لأنه يبعد أن يكون له كتابين في موضع واحد. ولو كان له ذلك لوضح المقصود عند الإحالة. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ مجلة الفيصل عدد ٢٦.
[ ٧٥ ]
٢٦ - أمهات الخلفاء (^١)
٢٧ - الإنصاف. (^٢)
٢٨ - أن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس. (^٣)
٢٩ - أوقات الأمراء. (^٤)
٣٠ - أوهام الصحيحين. (^٥)
٣١ - الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال ولحرام والسنة والإجماع. أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين ﵃ أجمعين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها وهو كتاب كبير كما قال ابن خلكان، ويقول الوزير أبو محمد بن العربي: "وكان عند الإمام أبى محمد بن حزم كتاب الإيصال في أربع وعشرين مجلدا بخط يده وكان في غاية الإدماج". (^٦)
_________________
(١) نشرها صلاح الدين المنجد في مجلة المجمع العلمى بدمشق المجلد الأول "٣٤" ١٩٥٩ م ص ٢٩١ - ٢٩٩ ثم طبعت على حده بدمشق في ١٦ صفحة انظر معجم المخطوطات المطبوعة للمنجد ج ١ ص ١٤.
(٢) انظر لسان الميزان لابن حجر ج ٦ ص ٢١٧.
(٣) انظر الفيصل لابن حزم ج ١ ص ١٠٧.
(٤) انظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥.
(٥) انظر مقال ابن عقيل بعنوان "مؤلفات ابن حزم المفقودة" في مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦٢.
(٦) انظر وفيات الأعيان ج ٣ ص ٣٢٥. وتذكرة الحفاظ للذهبي ج ٣، ص ١١٤٧. وانظر الفصل لابن حزم ج ١ ص ١١٤. ومعجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٢، ٢٤٣ وقد ذكره ابن عقيل ضمن المفقودات انظر مجلة الفيصل ص ٦٢ عدد ٢٦.
[ ٧٦ ]
٣٢ - الإيمان في الرد على عطاف بن دوناس القيروانى. (^١)
٣٣ - بلغة الحكيم (^٢).
٣٤ - البلقاء في الرد على عبد الحق بن محمد الصقلى. (^٣)
٣٥ - البيان عن حقائق الإيمان (^٤)
٣٦ - بيان غلط عثمان بن سعيد الأعور في المسند والمرسل (^٥)
٣٧ - بيان الفصاحة والبلاغة (^٦)
٣٨ - تارك الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها لا قضاء عليه فيما قد خرج من وقته (^٧).
٣٩ - التأكيد (^٨)
_________________
(١) انظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥.
(٢) انظر سير النبلاء ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٣) انظر المرجع السابق ص ٣٣. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٤) يوجد ضمن مجموعة رسائل لابن حزم مخطوطة في مكتبة شهيد على باستنبول رقم ٢٧٠٤. وهو من ص ٩٠ - ٩٨. وانظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٦ وقد طبع بتحقيق الدكتور إحسان عباس.
(٥) انظر سير النبلاء للذهبى ص ٣٥. وقد ذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٦) انظر المرجع السابق ص ٣٥. وقد ذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٥ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٧) انظر ابن حزم الأندلسى حياته وأدبه للدكتور عبدالكريم خليفة ص ١٣٣.
(٨) انظر سير النبلاء للذهبي ص ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
[ ٧٧ ]
٤٠ - التبيين في هل علم المصطفى ﷺ أعيان المنافقين. (^١)
٤١ - التحقيق في نقد زكريا الرازي في كتابه العلم الإلهي (^٢)
٤٢ - ترتيب سؤالات عثمان الدارمى لابن معين. (^٣)
٤٣ - الترشيد في الرد على كتاب الفريد لابن الراوندى في اعتراضه على النبوات. (^٤)
٤٤ - تسمية الشعراء الوافدين على ابن أبي عامر. (^٥)
٤٥ - تسمية شيوخ مالك. (^٦)
٤٦ - التصفح في الفقه. (^٧)
٤٧ - التعقب على الإفليلى في شرحه لديوان المتنبى. (^٨)
_________________
(١) انظر المرجع السابق ص ٣٣. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٢) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج ١ ص ٣، ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٣) انظر سير النبلاء للذهبي ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٤) انظر المرجع السابق ص ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٥) انظر المرجع السابق ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٦) انظر المرجع السابق ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٧) انظر المرجع السابق ص ٣٣. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
(٨) انظر المرجع السابق ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠ من مجلة الفيصل عدد ٢٦.
[ ٧٨ ]
٤٨ - تفسير قوله تعالى: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا" (^١) (^٢)
٤٩ - التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بألفاظ العامية، والأمثلة الفقهية قال الحميدي: "فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب الممخرقين به طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمناه (^٣) " ويذكر ابن حيان أنه زل وسقط في المنطق وضل في شكول المسالك وخالف أرسطاطا ليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه. (^٤)
٥٠ - التلخيص لوجوه التخليص في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها في الكتاب ولا الحديث. (^٥)
_________________
(١) سورة يوسف آية (١١٠).
(٢) انظر مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦١. مقال ابن عقيل مؤلفات ابن حزم المفقودة.
(٣) جذوة المقتبس للحميدي ص ٣٠٩. وانظر وفيات الأعيان ج ٣ ص ٣٢٦. وتاريخ الحكماء للقفطي ص ٢٣٢. وقد نشر بتحقيق الدكتور إحسان عباس بعنوان "التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية". انظر معجم المخطوطات المطبوعات لصلاح الدين المنجد ج ١ ص ١٥. ويشير أبو محمد في الفصل ج ١ ص ٤. إلى كتاب له إسمه "الموسوم بالتقريب في حدود الكلام" لعله هذا. وفي ص ١٩ من نفس الجزء يشير إلى أن له كتبا في حدود المنطق.
(٤) انظر معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٧.
(٥) انظر المرجع السابق نفس الجزء ص ٢٥٢. وبروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٧. وهذا المؤلف رد على سائل يطلب الرأي عند ابن حزم في قضايا كثيرة، منها سؤال عن الموقف الذي يجب على المرء أن "يتبعه" من أمر هذه الفتنة" وملابسة الناس بها مع ما ظهر من تربص بعضهم ببعض. وكان جواب ابن حزم، المخلص لنا الإمساك للألسنة جملة واحدة، إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن =
[ ٧٩ ]
٥١ - تنوير المقباس. (^١)
٥٢ - تواريخ أعمامه، وأبيه، وإخوته، وبنيه، وبناته، مواليدهم وتاريخ من مات منهم في حياته (^٢)
٥٣ - التوفيق إلى شارع النجاة باختصار الطريق (^٣)
٥٤ - الجامع (^٤)
٥٥ - الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد. (^٥)
٥٦ - جمل فتوح الإسلام بعد رسول الله ﷺ. (^٦)
_________________
(١) = المنكر وذم جميعهم فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التقية تسعه، وقد ذم ملوك الطوائف جميعهم في رسالته هذه. انظر دراسات عن ابن حزم وكتابه طوق الحمامة للدكتور الطاهر مكى الأنصارى ص ٩٥. وانظر الرسالة نفسها ضمن مجموعة رسائل لابن حزم ص ١٣٧ - ١٨٥. تحت عنوان الرد على ابن النغريلة اليهودى ورسائل أخرى تحقيق الدكتور إحسان عباس مطبعة المدني.
(٢) انظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٧. وابن حزم الأندلسي ورسالة المفاضلة لسعيد الأفغاني ص ٥٤.
(٣) انظر مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦٠. مقال لأبي عبد الرحمن بن عقيل تحت عنوان مؤلفات الإمام ابن حزم المفقودة.
(٤) توجد ضمن مخطوطة رسائل ابن حزم في شهيد على ص ١٤١ - ١٦٣، وانظر ابن حزم ورسالة المفاضلة ص ٥٤.
(٥) انظر مجلة الفيصل عدد ٢٦ ص ٦٠. مقال لأبي عبد الرحمن بن عقيل تحت عنوان مؤلفات الإمام ابن حزم المفقودة.
(٦) انظر إيضاح المكنون للبغدادي ج ١ ص ٣٥٦. ونفح الطيب للمقرى ج ٢ ص ٢٨٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات. ص ٦١.
(٧) نشر محققا في ذيل جوامع السيرة ص ٣٣٩ - ٣٥٠. ونشر بتحقيق أبي عبد الرحمن بن عقيل، وعبد الحليم عويس بعنوان "جمل من التاريخ".
[ ٨٠ ]
٥٧ - جمهرة أنساب العرب. (^١)
٥٨ - جوامع السيرة. (^٢)
٥٩ - حجة الوداع. (^٣)
٦٠ - الحد والرسم. (^٤)
٦١ - حد الطب. (^٥)
٦٢ - الحدود. (^٦)
٦٣ - حديثان أحدهما في صحيح البخاري، والآخر في صحيح مسلم زعم أنهما موضوعان رواية أبى عبد الله محمد بن نصر الحميدي. (^٧)
_________________
(١) نشرت بتحقيق عبد السلام محمد هارون طبع دار المعارف بمصر سنة ١٣٨٢ هـ.
(٢) نشرت بتحقيق الدكتور إحسان عباس. والدكتور ناصر الدين الأسد، ومعه خمس رسائل أخرى وهو من ص ١ - ٢٢٦. دار المعارف بمصر.
(٣) نشر بتحقيق وتقديم ممدوح حقي دمشق سنة ١٩٥٩ م ونشر ثانية ١٩٦٦ م بيروت.
(٤) انظر سير النبلاء للذهبي ص ٣٥.
(٥) انظر سير النبلاء للذهبي ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٦) انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ج ٧ ص ١٨٥. وابن حزم ورسالة المفاضلة ص ٥٥.
(٧) انظر نوادر المخطوطات العربية في مكتبات تركيا جمعها الدكتور رمضان ششن ج ١ ص ٧٤.
[ ٨١ ]
٦٤ - حكم من قال إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين. (^١)
٦٥ - الدرة فيما يلزم الإنسان اعتقاده والقول به في الملة والنحلة باختصار وبيان (^٢)
٦٦ - ديوان شعره (^٣).
٦٧ - رد على إسماعيل بن إسحاق "في كتابه في الخمس " قال أبو محمد "وهو كتاب مشهور معلوم ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه وفضحناه بحول الله وقوته". (^٤)
٦٨ - الرد على ابن النغريلا. (^٥)
٦٩ - الرد على أنا جيل النصارى. (^٦)
_________________
(١) انظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٦. ولعله المضمن للفصل باسم "الكلام في بقاء أهل الجنة والنار أبدا" في ج ٤ ص ٨٣ - ٨٦. وهو مخطوط ضمن رسائل ابن حزم في مكتبة شهيد علي باستانبول تحت رقم ٢٧٠٤، ويقع في المخطوط ص ٢٢٧ - ٢٣٢.
(٢) انظر المحلى ج ١ ص ٧٥. وهو ضمن مخطوطة شهيد على باسم "الدرة في تدقيق الكلام " ص ١٠٠ - ١٤١. وبروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٦. وذكره الذهبي في سير النبلاء ص ٣٥، وقال الدرة فيما يلزم المسلم جزءان.
(٣) يوجد الديوان في مكتبة الجامعة الليبية في بنغازي. انظر مجلة معهد المخطوطات العربية المجلد العشرون ج ١ ص ١٨٧. تقرير عن المخطوطات الليبية بقلم محمد مرسى الخولى. وانظر تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة للدكتور إحسان عباس في الهامش ص ٣٠٤.
(٤) انظر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج ٣ ص ٢٦٦. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١.
(٥) نشر بتحقيق الدكتور إحسان عباس مع رسائل أخرى وهو ص ٤٥ - ٨١ - مطبعة المدنى القاهرة سنة ١٣٨٠ هـ ١٩٦٠ م.
(٦) انظر سير النبلاء ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
[ ٨٢ ]
٧٠ - الرد على من اعترض على الفصل. (^١)
٧١ - الرد على من كفر المتأولين من المسلمين (^٢)
٧٢ - الرد على الهاتف من بعيد. (^٣)
٧٣ - رسالتان أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيهما سؤال التعنيف (^٤).
٧٤ - الرسالة اللازمة لأولي الأمر. (^٥)
٧٥ - زجر الغاوي. (^٦)
٧٦ - السعادة في الطب. (^٧)
٧٧ - السياسة. (^٨)
٧٨ - السيرة النبوية. (^٩)
_________________
(١) انظر المرجع السابق ص ٣٣. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٢) انظر إيضاح المكنون للبغدادي ج ٢ ص ٦٢. وسماه الصادع والرادع على من كفر أهل التأويل من فرق المسلمين. ونفح الطيب للمقرى ج ٢ ص ٢٨٤.
(٣) ضمن مخطوطة شهيد على ص ١٦٣ - ١٦٨. وانظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٦.
(٤) نشر بتحقيق الدكتور إحسان عباس مع رسائل أخرى ص ٨٣ - ١٣٥. وهو ضمن مخطوطة شهيد على ص ١٧٢ - ٢٢٥، وانظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥.
(٥) انظر سير النبلاء للذهبى ص ٣٤. وذكرها ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٦) انظر المرجع السابق نفس الصفحة. وذكرها ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٧) انظر المرجع السابق ص ٣٥. وذكرها ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١
(٨) نشر منه شذرات إبراهيم الكتاني ظهرت في مجلة تطور المغرب العدد الخامس سنة ١٩٦٠ م ص ٩٤ - ١٠٧. انظر معجم المخطوطات المطبوعة لصلاح الدين المنجد ج ١ ص ١٤.
(٩) انظر تذكرة الحفاظ للذهبى ج ٣ ص ١١٤٧.
[ ٨٣ ]
٧٩ - تفسير الموطأ، أو شرح أحاديث الموطأ والكلام على مسائله. (^١)
٨٠ - شرح فصول بقراط. (^٢)
٨١ - شفاء الضد بالضد. (^٣)
٨٢ - شيء في العروض (^٤).
٨٣ - الصمادحية في الوعد والوعيد (^٥).
٨٤ - الضاد والظاء (^٦).
٨٥ - الطب النبوى. (^٧)
٨٦ - طوق الحمامة في الألفة والألَّاف (^٨).
_________________
(١) انظر الأصول والفروع لابن حزم ج ١ ص ٢٥٧ ومعجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٥١. وذكر الذهبى في سير النبلاء ص ٣٣. "الإملاء في شرح الموطأ" وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات عن ٦٢.
(٢) انظر سير النبلاء للذهبى ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٣) انظر المرجع السابق، نفس الصفحة، وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٤) انظر المرجع السابق نفس الصفحة.
(٥) انظر المرجع السابق نفس الصفحة، وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١.
(٦) انظر سير النبلاء للذهبى ص ٣٥.
(٧) انظر المرجع السابق نفس الصفحة. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١.
(٨) اشتهر هذا الكتاب كثيرا وقد كشف عنه المستشرق دوزى وطبع لأول مرة سنة ١٩١٤ م بعناية المستشرق "بتروف" ثم أعيد طبعه في مصر، ودمشق، وطبع أخيرا في لبنان سنة ١٩٧٥ م. وهذا المطبوع مختصر كما ثبت في آخره. انظر ص ٣٢٤ من الطبعة اللبنانية. وانظر ص ١٣١ من ابن حزم الأندلسى للدكتور عبد الكريم خليفة.
[ ٨٤ ]
٨٧ - العتاب على أبى مروان الخولانى. (^١)
٨٨ - عدد ما لكل صاحب في مسند بقى بن مخلد. (^٢)
٨٩ - غزوان المنصور بن أبي عامر. (^٣)
٩٠ - الغناء الملهى أمباح هو أم محظور. (^٤)
٩١ - "رسالة في آية" (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك (^٥» من سورة يونس آية "٩٤".
٩٢ - مجموع فتاوى عبد الله بن عباس (^٦)
٩٣ - كتاب الفرائض. (^٧)
٩٤ - الفصل في الملل والأهواء والنحل (^٨)، سألقي الضوء على هذا الكتاب لما له من أهمية بالنسبة لموضوع هذه الرسالة التي نحن بصددها، فهو يحوى الكثير من آراء ابن حزم في الإلهيات
_________________
(١) انظر سير النبلاء للذهبى ص ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٥٩.
(٢) انظر المرجع السابق ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٢.
(٣) انظر المرجع السابق نفس الصفحة.
(٤) يوجد ضمن مخطوطة شهيد على ص ٢٣٢ - ٢٣٥. وانظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥.
(٥) انظر مؤلفات ابن حزم المفقودة مقال لابن عقيل في مجلة الفيصل ص ٦١ عدد ٢٦.
(٦) انظر الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم ص ٥٢. يقول ابن القيم "قال أبو محمد بن حزم" جمعت فتاويه "ابن عباس" في سبعة أسفار كبار.
(٧) انظر سير النبلاء ص ٣٣. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١.
(٨) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٣٠٩. ونفح الطيب ج ٢ ص ٢٨٤. ووفيات الأعيان ج ٣ ص ٣٢٦.
[ ٨٥ ]
صلب بحثنا وكتاب الفصل (^١) كما تدل عليه تسميته هو مجموعة من الرسائل المتفرقة. كرسالة المفاضلة بين الصحابة وإظهار تبديل اليهود والنصارى للتوارة والإنجيل، والإمامة، وذكر العظائم المخرجة إلى الكفر. وحكم من قال إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين، وهو بمجموعه يشتمل على ستة مجلدات كما ذكر ذلك أبو محمد بن العربي (^٢). وقد كتبه أبو محمد في أوقات مختلفة اذ لا يمكن ان يكون كتبه في سن مبكرة، لأن ما يشتمل عليه لا يحصل الا بعد اطلاع واسع على كثير من المصادر والمراجع وبعد نضوج عقلي تام. وقد ذكر في جزء منه ما يدل على أنه كتبه في حدود أربعين وأربعمائة من الهجرة تقريبًا. (^٣)
ويسمى أبو محمد هذا الكتاب أحيانا الديوان (^٤) وهو عبارة عن تاريخ انتقادي للمذاهب البشرية عموما أهل الأديان وغيرهم، وهو لا يتناول فيه نحلة إلا عرف دقائقها، وحاور فيه كأحسن ما يحاور فيلسوف، وقد جادل جدالا استأثر بكل ما فيه من ذكاء وعمق وبصر نافذ، وهو لا يبارى في نقد تلك الأديان، وكذلك في نقد الفرق الإسلامية وقد خص معظم الجزء الأول والثاني لمناقشة أقوال الفلاسفة، وكل اعتماده في
_________________
(١) الفصل بكسر الفاء جمع فصله، وهي النخلة المنقولة أي مفتصلة عن موضعها. وإن كانت التسمية بفتح الفاء فالمقصود ظاهر أي القضاء بين الحق والباطل في الملل والأهواء والنحل. انظر القاموس ج ٤ ص ٣٠.
(٢) انظر معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٢.
(٣) انظر الفصل ٣/ ٢١.
(٤) انظر الفصل له ج ١ ص ١٠٧، وج ٤ ص ١٧٨، وج ٥ ص ٧٠.
[ ٨٦ ]
مناقشته على النص والعقل. والكمال لله تعالى ففي عرض بعض آراء الفرق لم يعتمد في أخذها على أصحابها، فقد ينقلها من الخصوم، فيخالف الدقة في هذا. ولكن الكتاب بوجه عام لم يؤلف في موضوعه مثله فيما أعلم، وقد ترجم إلى الاسبانية واحتل مكانة كبيرة عند الأوروبيين إذ لقبوا مؤلفه من أجله بلقب مؤسس علم الأديان المقارن. (^١)
٩٥ - كتاب الفضائح. (^٢)
٩٦ - فضائل الأندلس وأهلها. (^٣)
٩٧ - فضل العلم وأهله. (^٤)
٩٨ - فهرست شيوخ ابن حزم. (^٥)
٩٩ - القراءات المشهورة في الأمصار الآتية مجيء التواتر. (^٦)
١٠٠ - قصر الصلاة. (^٧)
_________________
(١) انظر ابن حزم الأندلسى للدكتور عبد الكريم خليفة ص ١٣٥.
(٢) انظر معجم البلدان لياقوت ج ١ ص ٣٦٩. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١.
(٣) انظر فهرسة ما رواه عن شيوخه ابن خير ص ٢٢٦. ونشر مع ثلاث رسائل جمعها ونشرها صلاح الدين المنجد. وانظر معجم المخطوطات المطبوعة للمنجد ج ٣ ص ١٩.
(٤) انظر مؤلفات ابن حزم المفقودة مقال لابن عقيل في مجلة الفيصل ص ٦٢، عدد ٢٦.
(٥) انظر فهرسة ما رواه عن شيوخه ص ٤٢٩. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٢.
(٦) نشر محققًا في ذيل جوامع السيرة بتحقيق إحسان عباس، وناصر الدين الأسد سنة ١٩٥٦ م دار المعارف بمصر، ويقع من ص ٢٦٩ - ٢٧١.
(٧) انظر سير النبلاء ص ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١.
[ ٨٧ ]
١٠١ - قصيدة في الهجاء ردًا على قصيدة نقفور، وقصيدة ميمية أخرى مطلعها:
لك الحمد يا رب والشكر ثم لك الحمد ما باح بالشكر فم (^١)
١٠٢ - ما خالف فيه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي جمهور العلماء، وما انفرد به كل واحد، وقطعة فيما خالف فيه كل واحد الإجماع المتيقن المقطوع به (^٢).
١٠٣ - المجلى بالاختصار (^٣).
١٠٤ - المحلى بالآثار، شرح المجلى بالاختصار (^٤). قال عن هذا الكتاب عز الدين بن عبد السلام: "ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المحلى لابن حزم، والمغنى للشيخ الموفق (^٥)
١٠٥ - المحاكمة بين التمر والزبيب في الطب (^٦).
١٠٦ - نحتصر كتاب الساجى في الرجال (^٧).
_________________
(١) انظر فهرسة ما رواه عن شيوخه ص ٤١٠، ٤١٧.
(٢) انظر المحلى لابن حزم ج ١٠ ص ٣٤٩.
(٣) انظر سير النبلاء ص ٣٢. وإيضاح المكنون ج ٢ ص ٤٤٤.
(٤) نشر عدة مرات وهو مشهور متداول. واختصره أبو عبد الله محمد الذهبى المتوفى سنة ٧٤٨. ومحمد بن علي المعروف بابن العربى المتوفى سنة ٥٤٦ هـ. وأبو حيان محمد بن يوسف وسمى مختصره "الأنور الأعلى في اختصار المحلى" وأبو حيان توفى سنة ٧٤٥. انظر كشف الظنون ج ٢ ص ١٦١٧.
(٥) تذكرة الحفاظ للذهبى جـ ٣ ص ١١٥٠.
(٦) انظر سير النبلاء ص ٣٦. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٧) انظر ميزان الاعتدال ج ٣ ص ٩٠. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٢.
[ ٨٨ ]
١٠٧ - مختصر الملل والنحل. (^١)
١٠٨ - مختصر الموضح لأبى الحسن المغلس الظاهري. (^٢)
١٠٩ - مراتب الإجماع. (^٣)
١١٥ - مراتب الديانة. (^٤)
١١١ - مراتب العلماء وتواليفهم. (^٥)
١١٢ - مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلق بعضها ببعض. (^٦)
١١٣ - مراقبة أحوال الإمام. (^٧)
١١٤ - المرطار في اللهو والدعابة. (^٨)
١١٥ - مسائل أصول الفقه. (^٩)
١١٦ - مسألة الإيمان. (^١٠)
_________________
(١) انظر سير النبلاء ص ٣٤.
(٢) انظر المرجع السابق ص ٣٣. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١.
(٣) نشر بمصر سنة ١٣٥٧ هـ مطبعة القدس. وانظر بروكلمان الذيل ج ١، ص ٦٩٥. ونشرته دار الآفاق الجديدة في بيروت سنة ١٩٧٨ م مع نقده لابن تيمية.
(٤) انظر مؤلفات ابن حزم المفقودة لابن عقيل مجلة الفيصل ٦١ عدد ٢٦.
(٥) انظر سير النبلاء للذهبي ص ٣٤.
(٦) انظر وفيات الأعيان لابن خلكان جـ ٣ ص ٣٢٦. وكشف الظنون لحاجي خليفة ص ١٦٥٠. وبروكلمان الذيل جـ ١ ص ٦٩٧. وهو ضمن مخطوطة شهيد علي ص ٢٥٤ - ٢٦٥.
(٧) انظر سير النبلاء للذهبى ص ٣٤.
(٨) انظر مؤلفات ابن حزم المفقودة ص ٦٢.
(٩) نشر بتعليق ابن الأمير الصنعانى، ويوجد ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ج ١ ص ٧٧ - ٩٩. وهو في المحلى ج ١ ص ٦٥ - ٩٣. وانظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥.
(١٠) انظر سير النبلاء ص ٣٥. وبروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥.
[ ٨٩ ]
١١٧ - مسألة في الروح. (^١)
١١٨ - مسألة الكلب. (^٢)
١١٩ - مسألة هل السواد لون أم لا.؟ (^٣)
١٢٠ - المعارضة "رسالة". (^٤)
١٢١ - معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها. (^٥)
١٢٢ - معنى الفقه والزهد. (^٦)
١٢٣ - المفاضلة بين الصحابة. (^٧)
١٢٤ - مقالة النحل. (^٨)
١٢٥ - ملخص إبطال القياس والرأى والاستحسان والتقليد والتعليل. (^٩)
١٢٦ - من ترك الصلاة عمدًا. (^١٠)
_________________
(١) انظر المرجع السابق نفس الصفحة.
(٢) توجد ضمن مخطوطة شهيد علي ص ١٦٨ - ١٧٢. وانظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٥.
(٣) انظر سير النبلاء ص ٣٥. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٤) انظر المرجع السابق ص ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٥) يوجد ضمن مخطوطة شهيد علي ص ٩٨ - ١٠٠. وانظر بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٧.
(٦) انظر سير النبلاء ص ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦١.
(٧) توجد ضمن الفصل تحت عنوان "الكلام في وجوه الفضل والمفاضلة بين الصحابة" ج ٤ ص ١١١ - ١٥٣. ونشر بتحقيق سعيد الأفغاني مع ترجمة لابن حزم - دمشق ١٣٥٩ هـ. وأعيد طبعه ثانية ١٣٨٩ هـ.
(٨) انظر سير النبلاء ص ٣٦. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
(٩) نشر بتحقيق سعيد الأفغاني سنة ١٣٧٩ هـ بدمشق.
(١٠) انظر سير النبلاء ص ٣٤.
[ ٩٠ ]
١٢٧ - منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف. (^١)
١٢٨ - مهم السنن. (^٢)
١٢٩ - الناسخ والمنسوخ. (^٣)
١٣٠ - النبذة الكافية في أصول أحكام الدين. (^٤)
١٣١ - نسب البرير. (^٥)
١٣٢ - النصائح المنجية من الفضائح المخزية والقبائح المردية. (^٦)
_________________
(١) انظر معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٥٢. وإيضاح المكنون للبغدادي ج ٢ ص ٥٦٩.
(٢) انظر كشف الظنون لحاجي خليفة ص ١٩١٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٢.
(٣) انظر إيضاح المكنون للبغدادي ج ٢ ص ٦١٥. وقد طبع على هامش تفسير الجلالين بمصر سنة ١٣٠٨ و١٣٢١ هـ كتاب في معرفة الناسخ والمنسوخ. وطبع أيضا على هامش تنوير المقباس من تفسير ابن عباس للفيروز أبادى صاحب القاموس بالمطبعة الأزهرية سنة ١٣١٦ هـ. وفيهما نسب لأبى عبد الله محمد بن حزم فأحدث هذا شكا عند بعض من كتب عن أبى محمد بن حزم في نسبة هذا الكتاب إليه وهذا وارد ولكن يمكن أن يكون لأبى محمد بن حزم كتاب بهذا الاسم غير هذا المطبوع ولأبى عبد الله محمد بن حزم كتاب أيضا بهذا العنوان هو هذا المطبوع أو غيره ولا منافاة. انظر: معجم المطبوعات إلياس سركيس ج ١ ص ٨٥، ٨٦.
(٤) توجد مخطوطة في مكتبة أزمير بتركيا رقم "٧٦٤" انظر نوادر المخطوطات العربية في مكتبات تركيا جمعها الدكتور رمضان ششن ج ١ ص ٧٤. وهي أيضا ضمن مخطوطة ببرلين رقم "٥٣٧٦" انظر دائرة المعارف الإسلامية ج ١ ص ١٤١. وقد ذكرها ابن حزم في المحلى ج ١ ص ٧٥.
(٥) انظر سير النبلاء ص ٣٤. وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٢.
(٦) يوجد ضمن الفصل ج ٤ ص ١٧٨ - ٢٢٧ - وذكر بعنوان "ذكر العظائم المخرجة إلى الكفر" ونص على إضافته إلى الفصل في الفصل نفسه ج ٢ ص ١١٦.
[ ٩١ ]
١٣٣ - نقط العروس في النوادر (^١).
١٣٤ - نكت الإسلام (^٢).
١٣٥ - هل للموت آلام أم لا؟ (^٣).
١٣٦ - اليقين في نقض تمويه المعتذرين عن إبليس وسائر المشركين (^٤).
هذا مبلغ معرفتي من مؤلفات ابن حزم ولا شك أنه قليل من كثير من مؤلفاته. ويدرك المطلع في سيرته الكثير من العوامل الداعية لفقدها وإتلافها، ومن ذلك عدم تأييد معاصريه ومن بعدهم لمذهبه، والتحذيرات الكثيرة من كتبه خاصة. ثم ما طرأ على الأندلس عامة - من وقت ابن حزم إلى أن استولى النصارى عليها وأخرجوا المسلمين - من كثرة الحروب والخلافات بين الحكام، والتي من نتائجها الهدم للمكتبات وإحراقها وامتداد أيدي السوء إليها إلى غير ذلك من العوامل.
_________________
(١) انظر إيضاح المكنون ج ٢ ص ٦٧٥. وكشف الظنون ص ١٩٧٥. وقد طبعه مع ترجمة أسبانية سيبوله. انظر دائرة المعارف الإسلامية ج ١ ص ١٣٨.
(٢) انظر المحلى ج ١ ص ٧٥. وتذكرة الحفاظ للذهبى ج ٣ ص ١١٤٩. وذكر أبو بكر ابن العربى أنه رد عليه قال: وقد جاءنى رجل بجزء لابن حزم سماه نكت الإسلام فيه دواهى فجردت عليها نواهى.
(٣) توجد ضمن مخطوطة شهيد على ص ٢٢٦. يقع في صفحة واحدة. وانظر: بروكلمان الذيل ج ١ ص ٦٩٧.
(٤) انظر سير النبلاء ص ٣٣، ٣٤، وذكره ابن عقيل ضمن المفقودات ص ٦٠.
[ ٩٢ ]
٨ - وفاته:
عاش ابن حزم حياة زاخرة بالمحن والمصائب، فلم يستذل لها، ولا انقادت له فلم يستقر بعد بلوغه العشرين من العمر تقريبا في مدينة أو قرية معينة بل كان يتنقل بين المدن والقرى الأندلسية ولم يغادر الأندلس إلى سواها (^١).
انتقل أولا من قرطبة إلى المرية ثم منها نفى إلى حصن القصر. ثم ذهب إلى بلنسية ثم رجع إلى قرطبة، ولم يطل استقراره هناك، وقد نزل شاطبة وبها ألف كتابه الطوق (^٢). وكانت مناظرته للباجي في ميورقه، وأحرق المعتضد كتبه في أشبيليه وقد صور لنا حاله في آخر كتابه الطوق وهو أول مؤلفاته كما نعلم وقد استمرت حاله على ما كان، قال: "الكلام في مثل هذا إنما هو مع خلاء الذرع وفراغ القلب .. وأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالى مهصر بما نحن فيه من نبو الديار والخلاء عن الأوطان .. وتغير الزمان ونكبات السلطان
_________________
(١) ذكر كثير ممن ترجموا لابن حزم أنه انتقل إلى القيروان في المغرب وقد اعتمدوا على ما جاء في طوق الحمامة: "ولقد سألنى يوما أبو عبد الله محمد بن كليب من أهل القيروان أيام كونى بالمدينة" ص ١٣٢. ولفظة المدينة هنا محرفة عن "المرية" جرى بها قلم ناسخ المخطوطة الوحيدة التي اعتمد في طبعه عليها. وقد ثبت ذهابه للمرية. ولو رحل إلى المغرب لقابل هناك غير ابن كليب من أهل القيروان وغيرها من أهل المغرب، ورحلاته ليست عادية ففي كلها له أثر وعليه تأثير لو صح ذهابه لجاء له ذكر كثير عنده واتضح أثر ذلك خاصة في كتابه الطوق. انظر دراسات عن ابن حزم وكتاب الطوق، ص ٧، ٨. وابن حزم صورة أندلسية ص ٩٤.
(٢) انظر الطوق ص ٥١.
[ ٩٣ ]
وتغير الإخوان، وفساد الأحوال وتبدل الأيام وذهاب الوفر. والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الاباء والأجداد والغربة في البلاد وذهاب المال والجاه والفكر في صيانة الأهل والولد واليأس من الرجوع إلى موضع الأهل (^١).
وقد استقرت النوى بهذا المجاهد العظيم بعد أن طوف في مدن الأندلس وقراها بقرية بلده من بادية لبله، وقيل في منت ليشم، وهي قرية ابن حزم، فتوفى فيما ذكره صاعد نقلا من خط ابنه أبى رافع أن أباه: "توفى ﵀ عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة فكان عمره - ﵀ - إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر، وتسعة وعشرين يوما (^٢) ".
وعلى هذا جرى كثير ممن أرخوا لابن حزم، ولم يرو خلافه، إلا عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن العربي: "بأنه توفي جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة (^٣) "، وهذه رواية شاذة مخالفة للجمهور.
_________________
(١) طوق الحمامة ص ٣٢٣، ٣٢٤.
(٢) الصلة ب ٢ ص ٣٩٦. وانظر وفيات الأعيان ج ٣ ص ٣٢٨. ومعجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٣٦، ٢٤٨، وسير النبلاء ص ٥٢، وتذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٥٤. ومرآة الجنان جـ ٣ ص ٧٩. والبداية والنهاية جـ ١٢ ص ٩٢. وتاريخ الحكماء ص ٢٣٣.
(٣) انظر معجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٤٠. وتذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٥٤.
[ ٩٤ ]
الفصل الثاني: عصر ابن حزم
تمهيد:
لقد ثبت أن الظروف التي تحيط بالشخص والبيئة التي يعيش فيها لهما دخل كبير في تكييف حياته، وطبعها بطابع خاص، فالشخصية تتكون وتبرز متأثرة بالبيئة التي هي فيها ولا يلزم من هذا التأثر أن تتجاوب لروح العصر مجاوبة تامة بحيث لا تختلف عنها، بل إن التأثر قد يكون بمخالفة الغير إذ أن البيئات تختلف بالنسبة للأشخاص الموجودين في عصر واحد فللتربية التي يتلقاها الشخص في البيت وفي المدرسة والكتب التي يقرؤها والأحوال السياسية والاجتماعية والعلمية القائمة في عصره كل أولئك عناصر هامة في تكوين الشخصية وتعيين اتجاهها فمن الضروري عند دراسة شخصية من الشخصيات التي كان لها أثر بارز في ناحية من نواحي الحياة أن تدرس الظروف والبيئة المحيطة بتلك الشخصية حتى يوقف منها على العوامل التي أدت إلى ظهورها، وابن حزم أحد الشخصيات التي كان لها شأن عظيم، فهو من أنبغ الثمرات التي انشق عنها فردوسنا المفقود "الأندلس" فهو من أعلام الدين، والشعر والأدب والتاريخ والفلسفة والسياسة، وقد تعرض للنكبات والنفي، ومجاوبته لروح عصره كانت واضحة في كل مسلك سلكه لذا وجب علينا أن نتكلم في عصر ابن حزم عن أحوال السياسة والاجتماع، والعلم في الأندلس من أول القرن الرابع إلى ما بعد النصف من القرن الخامس الهجري تقريبا لأن ما حصل في هذه الفترة من تلك الأحوال يكون له انعكاس على حياته وتأثير على خط سيره، ولنبتدىء بالكلام على الأحوال السياسية.
[ ٩٥ ]
١ - الأحوال السياسية:
تولى على بلاد الأندلس منذ فتحت إلى أن دخلها عبد الرحمن بن معاوية الملقب بالداخل قرابة عشرين أميرًا من قبل أئمة المسلمين بالشرق طوال دولة بني أمية وأ يكن الأمر مضبوطًا في الجملة بيد حازمة من قبل أولئك الأفراد لضعفهم وبعدهم عن مقر الخلافة وكون الأندلسيين من عناصر متباينة فكثرت الخلافات والفتن بينهم. (^١) إلى أن نفذ عبد الرحمن الداخل إلى المغرب - بعد أن تغلب العباسيون على الأمويين في الشرق. فأصبح أميرًا على الأندلس وضبط الأمور ووحد الكلمة وكان يلقب بالأمير وعلى هذا جرى بنو من بعده فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين تأدبًا مع الخلافة بمقر الإسلام في المشرق. حتى كان عبد الرحمن الناصر وهو ثامن أمراء بني أمية بالأندلس فتسمى بأمير المؤمنين لما رأى من ضعف خلفاء بني العباس وغلبة الأعاجم عليهم وكونهم لم يتركوا لهم غير الاسم، وذلك في عام سبعة عشر وثلاثمائة تقريبا. (^٢) وقد تولى الإمارة في مطلع القرن الرابع الهجري بعد وفاة جده الأمير عبد الله بن محمد والذي اضطربت الأندلس في عهده وكثر المتغلبون في نواحيها. (^٣) فهدأ عبد الرحمن ذلك الاضطراب فاستقامت له الأندلس في سائر جهاتها
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقرى ج ١ ص ٢٣٣.
(٢) انظر المرجع السابق نفس الجزء ص ٣٥٩. وانظر جذوة المقتبس ص ١٢، ١٣.
(٣) جذوة المقتبس للحميدى ص ١٢.
[ ٩٦ ]
بعد نيف وعشرين سنة من أيامه واستولى على سبته وفاس من بلاد المغرب. (^١) وكان كثير الجهاد بنفسه فأوطأ عساكر المسلمين من بلاد الإفرنج ما لم يطؤوه من قبل ومدت إليه أمم النصرانية يد الإذعان وأرسلوا إليه رسلهم وهداياهم في سبيل المهادنة والسلم فبلغت دولة الإسلام في عهده مبلغا لا ينال. (^٢) يقول ابن حزم: "إن دولة بني أمية بالأندلس كانت أنبل دول الإسلام وأنكاها في العدو قد بلغت من العز والنصر ما لا مزيد عليه". (^٣)
وقد دامت خلافة عبد الرحمن الناصر نصف قرن من الزمن بلغت بلاد الأندلس فيها الذروة من العز والسؤود والرفعة، فقد قضى على الاضطرابات السائدة وأدب الخارجين عليه وقهر أعداءه وأرهب الأسبان فعم الرخاء والأمن أرجاء الأندلس وما تبعه من المغرب إلى أن توفي سنة خمسين وثلاثمائة فأتى بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن ويلقب بالمستنصر بالده وكان حسن السيرة وسار على سيرة أبيه ولكن مدته لم تطل كأبيه حيث توفي سنة ٣٦٦ هـ، (^٤) وبوفاته انقضى العصر الذهبي للأندلس وبدأ عصر الفوضى والاضطراب والتغلب على الخليفة، ولم يأت بعده من الأمويين خلفاء كالسابقين إلا إسما حيث تولى بعد الحكم المستنصر ابنه هشام المؤيد وكان دون البلوغ فمن الطبيعي أن يستبد بالأمر أحد الأوصياء على الخليفة الصغير فظهر المنصور ابن أبي عامر وضبط الأمور بقوة شخصيته ودهائه ونجح في السيطرة على مقاليد الأمور ورسم لنفسه خطة بارعة للقضاء على
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقرى ج ١ ص ٣٤٠.
(٢) انظر المرجع السابق ص ٣٣٠، ٣٣١.
(٣) انظر المرجع السابق ص ٣٠٦.
(٤) وقد دامت خلافته ست عشرة سنة. انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ١٦.
[ ٩٧ ]
الخصوم والمنافسين. كل ذلك عن هشام وخطه وتوقيعه وتسمى بالحاجب. وأجبر الأندلسيين على الخضوع لهذه الحكومة العسكرية الاستبدادية التي اعتمد في تكوينها على عناصر من غير العرب واتخذ الوزراء - وكان منهم أحمد بن سعيد والد علي بن حزم - ونفذت الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه وأمر بالدعاء له على المنابر عقب الدعاء للخليفة ومحا رسم الخلافة بالجملة ولم يبق لهشام المؤيد من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء له على المنابر وكتب اسمه في السكة، وقد كان من نتائج هذه السياسة الإرهابية أن اضطرمت نيران الفتنة بعد وفاته بزمن قليل ولم تنطفىء إلا بعد أن قضت على الإسلام في الأندلس - وكانت الأحوال طوال أيام حجابته على ما كانت عليه في عهد الحكم المستنصر فحمى الثغور وساد الأمن بلاد الأندلس فهو من أعظم السلاطين دهاء وحزما وهيبة في القلوب فكان يجهز الجيوش ويغزو بنفسه حتى إن غزواته تجاوزت الخمسين غزوة في سائر أيام ملكه ولم تنكس له راية ولا فل له جيش وما أصيب له بعث وما هلكت له سرية. (^١) إلى أن توفي سنة ٣٩٢ هـ وقد دامت أيامه سبعا وعشرين سنة. فخلفه ابنه عبد الملك وتلقب بالمظفر فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو وكانت أيامه أعيادا دامت سبع سنين. وكانت تسمى بالسابع تشبيهًا بسابع العروس ولم يزل مثل اسمه إلى أن مات سنة ٣٩٨ هـ على الراجح. (^٢)
فخلفه على الحجابة أخوه عبد الرحمن وتلقب بالناصر - وقيل بالمأمون - وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقرى ج ١ ص ٣٧٤، ٣٧٨.
(٢) انظر المرجع السابق نفس الجزء ص ٤٠٠.
[ ٩٨ ]
والاستبداد عليه ثم ثاب له رأى في الاستئثار بما بقى من رسوم الخلافة فحمل الخليفة المستضعف هشامًا المؤيد على العهد له بالخلافة بعده. فنقم عليه أهل الدولة ذلك وثارت ثائرة الأمويين والمضريين وكانت فتنة خلع فيها هشام المؤيد وسجن وبويع محمد بن هشام بن عبد الجباربن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعقاب الخلفاء، ولقبوه المهدي بالته، وكان عبد الرحمن الناصر - الحاجب - في إحدى غزواته فلما علم عاد لتلافي الأمر فوجد أنصاره قد انصرفوا عنه وثار به جنده وقتلوه سنة ٣٩٩ هـ وانتهى بذلك أمر الدولة العامرية. (^١)
وبدأ المهدي يشدد الوطأة على البرابرة لأن الأموية كانت تعتد عليهم مظاهرتهم العامريين وتنسب تغلبهم إليهم فأمر أن لا يركبوا ولا يتسلحوا، ورد بعض رؤسائهم من باب القصر وألحق بهم ما أزعجهم عن المدينة. فثاروا وهاجموها وخلعوا المهدى ففر، وبايعوا من بعده سليمان بن الحكم بن الناصر الذي تلقب بالمستعين سنة ٤٠٠ هـ ولكن المهدي لم يستكن فذهب إلى ملك قسطيلة الأسباني واستعان به فاسترد ملكه وخرج المستعين من قرطبة، وقامت موقعة أخرى بين البربر ومعهم المستعين، والمهدي ومعه النصارى فانهزم المهدي وقتل فأخرجوا هشامًا المؤيد وأعادوا الأمر له مرة ثانية سنة ٤٠٣ هـ فناوأه المستعين فعاد إلى قرطبة بجيش من البربر من نفس السنة وقتل هشام المؤيد سرًّا. فبدأت المهازل تترى بين المتقاتلين على الإمارة فتوزع الملك البرابرة وجعلوه قسمة بينهم واستقل كل منهم
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقري ج ١ ص ٤٠٢. وانظر جذوة المقتبس للحميدي ص ١٧.
[ ٩٩ ]
بإقليم. (^١) وقد وصف لنا أبو محمد بن حزم خراب دورهم بقرطبة من جراء هذه الأحداث بعد أن استخبر من ورد إليه منها. وكان قد أجلى. فقال: "ولقد أخبرني بعض الوارد من قرطبة وقد استخبرته عنها أنه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد أمحت رسومها وطمست أعلامها وخفيت معاهدها، وغيرها البلى وصارت صحارى مجدبة بعد العمران وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابًا مفزعة بعد الأمن ومأوى للذئاب ومعازف للغيلان وملاعب للجان ومكامن للوحوش". (^٢)
في تلك الأيام المملوءة بالفتن والاضطرابات السياسية نهض خيران العامري حاكم المرية وكاتب الأدارسة وحرض على قتل المستعين حتى جاء علي بن حمود العلوي من الأدارسة وفتح قرطبة سنة ٤٠٧ هـ وقتل المستعين وتلقب بالناصر فبدأت دولة العلويين فأحس خيران خيفة من ابن حمود فسعى سرًّا ليعيد الأمر إلى الأمويين بعد أن سعى قبل ذلك بخروجه منهم، وظهر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن الناصر ببلنسية فبايعه أكثر أهل الأندلس وتقلب بالمرتضي وذلك سنة ٤٠٨ هـ وقد قدم عليه ابن حزم فاتخذه وزيرًا له وقد سار المرتضي ومعه ابن حزم بجيشه الذي يضم خيران العامري وصاحبه المنذر بن يحيى إلى قرطبة لحرب بني حمود ولكن وقفت أمامهم جيوش غرناطة وعليها في ذلك الوقت شيخ البربر زاوى بن زيرى الصنهاجى فنشبت الحرب بين الفريقين وانتهت بهزيمة المرتضي لخيانة وقعت من خيران وصاحبه ووقع أبو محمد في
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ١٨ - ٢٠.
(٢) طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٢٠، ٢٢٢.
[ ١٠٠ ]
الأسر ثم أطلق سراحه ونجا المرتضي بنفسه وقت الهزيمة ولكن دس عليه خيران من قتله غيلة وكان ذلك سنة ٤٠٩ هـ تقريبًا فاستمر الأمر في قرطبة بيد بني حمود؛ تعاقبه علي بن حمود، القاسم بن حمود، يحيى بن علي. (^١) وفي جمادى الثانية سنة ٤١٤ هـ ثار أهل قرطبة بالبربر وأعلنوا خلع القاسم وأرغموه على مغادرة القصر وأجمعوا على رد الأمر لبني أمية فبايعوا عبد الرحمن بن هشام المستظهر من بين ثلاثة اختاروهم في رمضان سنة ٤١٤ هـ وكان أبو محمد بن حزم من المؤيدين له فأصبح من وزرائه مع غيره من وزراء بني أمية القدامى وكان المستظهر كما وصفه ابن حيان: "لبقًا ذكيًا وأديبًا لوذعيًا لم يكن في بيته يومئذ أبرع منه منزلة وكان قد نقلته المخاوف وتقاذفت به الأسفار فتحنك وتخرج وتمرن فيها". (^٢) ولكن خلافته لم تدم أكثر من شهرين إذ ثار عليه محمد بن عبد الرحمن الملقب بالمستكفي وقتله في سبع وعشرين ذي القعدة سنة ٤١٤ هـ، واستقل بأمر قرطبة ثم بعد ستة عشر شهرًا من بيعته رجع الأمر إلى المعتلي يحيى بن علي بن حمود سنة ٤١٦ هـ. ثم بدا لأهل قرطبة فخلعوا المعتلي بن حمود سنة ٤١٧ هـ وبايعوا هشام بن محمد أخا المرتضي وذلك سنة ٤١٨ هـ وتلقب بالمعتد بالله وكان بالثغر ولم ينزل دار الخلافة إلا في آخر سنة ٤٢٠ هـ. (^٣) وقد كان من وزرائه أبو محمد بن حزم ولكن لم تطل مدته إذ خلعه الجند سنة ٤٢٢ هـ ونودى في قرطبة بأن لا يبق فيها أحد من بني أمية وبانتهاء المعتد بالله انتهت حياة ابن حزم الوزارية.
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٢ - ٢٥. والذخيرة لابن بسام ج ١ القسم الأول ص ٤٥٣.
(٢) انظر الذخيرة لابن بسام القسم الأول المجلد الأول ص ٤٨.
(٣) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٥، ٢٦.
[ ١٠١ ]
يقول المقري في وصف تلك الأحوال وما جري! بعد ذلك:
"وانقطعت الدولة الأموية من الأرض وانتثر سلك الخلافة بالمغرب وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات واقتسموا خطتها وتغلب بعضهم على بعض واستقل أخيرًا بأمرها منهم ملوك استفحل أمرهم وعظم شأنهم ولاذوا بالجزى للطاغية أن يظاهر عليهم أو يبتزهم ملكهم وأقاموا على ذلك برهة من الزمان حتى قطع عليهم البحر ملك العدوة وصاحب مراكش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني فخلعهم وأخلى منهم الأرض". (^١)
وفي هذا العصر المضطرب الزاخر بالأحداث السياسية عاش أبو محمد علي بن حزم فشاهد انحلال الخلافة الأموية واستقلال كل وال بولايته وشاهد الفترة الأولى من ملوك الطوائف. بنو عباد ملوك أشبيلية والذي أحرق ثانيهم المعتضد كتبه، وبنو جهور بقرطبة وغيرهم كثير، هذه هي حالة الأندلس في عصر ابن م حزم. ملك قوي لم يذقه إلا في نعومة أظفاره ثم اضطراب وفتن عكرت صفو شبابه وغيرت مجرى حياته ثم خضوع وصغار لأعداء الإسلام حتى دفعت الأتاوات لطاغية النصارى واستمرت تلك الحال طوال حياته وقد شاهد سقوط الدولة العامرية وبه كان سقوط وزارة أبيه، واقتحام البربر قرطبة وتنازع الأمراء على كرسي الإمارة، وقد رأى أن أهل الأندلس لم يجتمعوا إلا على بنب أمية وأن خراب البلاد واضطرابها كان من البربر. وحيث إنه من أسرة لها في السياسة شأن رأى أن عليه واجبًا نحو دينه وقومه وهو أن يشارك بما يراه سبيلًا إلى رجوع الأحوال على ما كانت عليه فناصر ثلاثة من بني أمية - المرتضى، والمستظهر،
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقري جـ ١ ص ٤١٣.
[ ١٠٢ ]
والمعتد بالله - ولم تطل مدتهم لتغير الأحوال وتدخل النصارى والاستعانة بهم من قبل بعض الأمراء المسلمين حتى بلغت الأحوال بهم إلى دفع الإتاوات لهم. رأى كل هذا فأثر في نفسه تأثيرات متشعبة، شعور بالألم والحزن على قرطبة التي كانت فردوس الأندلس ونور المعرفة فيها، واستفحال أمر النصارى وضعف أمر المسلمين. وهو المؤمن التقي، والعالم المحدث الذي يرى أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وقد رأى أن سبب ذلك هو اضطراب حبل الأمور وتفرق الكلمة وذهاب الوحدة وقد فشلت تلك المحاولات التي دخل فيها السياسة فتركها يائسًا من نجاحها واجتماع الأمر لأحد، وليس بعجيب أن ينصرف عنها لما رأى من اضطراب الأمور فخلص للعلم وحده حين رأى تلك الأحوال وقد ذم ملوك الطوائف جميعهم في رسالته التلخيص لوجوه التخليص. (^١)
وكان من الطبعي أن لا ينظر ابن حزم نظرة إكبار إلى الأمراء الذين كانوا يستعينون بالنصارى أو يمدون أيديهم إليهم بالولاء يستجدونهم أو بالإتاوة يدفعونها، وكذلك كانت نظرته إلى العلماء الذين يوالون أولئك الأمراء لهذا كان بينهم وبينه عداوة كان من مظاهرها إحراق كتبه، ومضايقته بتنفير الطلاب عنه وتحذير العوام من فتنته، ومن مظاهرها أن جفته الديار حتى آوى إلى ضيعته التي ورثها من آبائه فأقام فيها يدرس ويصنف إلى أن انتقار إلى جوار ربه. (^٢)
_________________
(١) انظر دراسات عن ابن حزم وكتاب الطوق للطاهر مكي الأنصارى ص ٩٥، وانظر الرسالة بتحقيق الدكتور إحسان عباس ص ١٣٧ - ١٨٥ ضمن مجموعة الرد على ابن النغريلة اليهودي ورسائل أخرى.
(٢) انظر ابن حزم الأندلسى لأبي زهرة ص ١٠٠.
[ ١٠٣ ]
٢ - الأحوال الاجتماعية:
بعد أن عرضنا الحالة السياسية في عصر ابن حزم، لابد من أن نشير إلى المجتمع الأندلسي فيه فأثره لا يقل عن أثرها. ولاسيما أن هذا المجتمع أثار كوامن الفكر في ابن حزم، وكوامن الإحساس حتى جعل منه ذلك العالم الذي يكتب في الحب كما يكتب في الفقه والعقائد.
فكان هذا المجتمع يموج بعناصر مختلفة جمعها المكان. فكان فيهم العرب الخلص، وهم الذين كان لثقافتهم وللغتهم السلطان الكامل. لذا كان للأندلس مظهر أدبي وفكري واحد وحدته تلك اللغة السامية لغة القرآن الكريم. (^١)
وكان فيهم البربر وكانوا غالبية الجيش حين الفتح الإسلامي للأندلس. (^٢) وقد تزايدوا بعد الفتح لقرب الأندلس من بلادهم. وفيهم حدة طباع ونفرة شديدة أحيانًا. (^٣) ولذلك كانوا وقود الفتن وموقديها. (^٤)
وكان في ذلك المجتمع الصقالبة ومن اعتنق الإسلام من سكان البلاد الأصليين ومن بقي على ديانته ذميًا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
_________________
(١) انظر ابن حزم لأبى زهرة ص ١٥٦.
(٢) انظر نفح الطيب للمقري جـ ١ ص ٢١٥، ٢١٦.
(٣) انظر ابن حزم لأبى زهرة ص ١٥٦.
(٤) انظر طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٦١. ونفح الطيب ج ٢ ص ٢٧.
[ ١٠٤ ]
اجتمعت تلك العناصر بهذه البلاد التي خصها الله تعالى كما قال المقري: "من الريع وغدق السقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وصحة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وفنون الصنائع وشهامة الطباع ونفوذ الإدراك، وأحكام التمدن والاعتمار بما حرمه الكثير من الأقطار مما سواها". (^١) ولكن لكل أرومته ولكل سلالة خصائصها. جاء في نفح الطيب وصف أهل الأندلس "أنهم عرب في الأنساب والعز والأنفة وعلو الهمم وفصاحة الألسن وطيب النفوس وإباء الضيم، وقلة احتمال الذل والسماحة بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع واتيان الدنية، هنديون في فرط عنايتهم بالعلوم وحبهم فيها وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم وحسن نظرهم وجودة قرائحهم ولطافة أذهانهم وحدة افكارهم ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للماء ومعاناتهم لضروب الغراسات واختيارهم لأجناس الفواكه وتدبيرهم لتركيب الشجر وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر وصنوف الزهر فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة .. وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاسات النصب في تحسين الصنائع أحذق الناس بالفروسية وأبصرهم بالطعن والضرب". (^٢)
هذه صفات وخواص تلك العناصر المختلفة التي تجمعت داخل بلاد الأندلس وبمجموعها حصلت تلك الصفات المتباينة التي لا
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقري ج ١ ص ١٢٤، ١٢٥.
(٢) المرجع السابق ج ٤ ص ١٤٦، ١٤٧.
[ ١٠٥ ]
توجد في عنصر منها بمفرده إذ ليس كل أندلسي فيه تلك الصفات إلا فصاحة الألسن فكانت هي القاسم المشترك التقريبي بينهم، قال أبو علي القالي الذي وفد على الأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر في وصف اللغة العربية في الأندلس: "لما وصلت القيروان وأنا أعتبر من أمر به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في العبارات وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصة ومقايسه. قال أبو علي: "فقلت إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم فسأحتاج إلى ترجمان في هذه الأوطان. قال ابن بسام: فبلغني أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم ويتغطى عنهم عند المباحثة والمناقشة ويقول لهم: إن علمي علم وواية وليس علم دراية فخذوا عني ما نقلت فلم آل لكم أن صححت هذا. مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم وكثرة الروايات والأخذ عن الثقات". (^١)
وهكذا كان أهل الأندلس ذلك المزيج الذي ازدهرت به الحضارة فأحيا الآداب والفنون العلوم، وكانت اللغة العربية وعاء ذلك ولم تكن كتاباتهم بلغة العلم الجافة بل كانت تمتاز بسلامة التعبير وجودة التصوير وقد ظهر في الأندلس على خلاف البلاد الإسلامية كثرة الأديبات والشاعرات من النساء من الحرائر والجواري وقد وجد من الجواري الشاعرات عدد كثير كان من بينهن من يجدن العلوم. (^٢)
_________________
(١) نفح الطيب للمقري جـ ٤ ص ١٥٠. وانظر الذخيرة لابن بسام القسم الأول المجلد الأول ص ١٤، ١٥.
(٢) انظر ابن حزم لأبي زهرة ص ١١٠.
[ ١٠٦ ]
وكان لكثرة الغزوات التي غزاها السلمون إلى جنوب فرنسا وغيرها من جزر البحر الأبيض وعودتهم بالسبايا وفيها الجواري الحسان التي ثقفت ثقافة أدبية عالية أثر على النفس العربية المرهفة الحس نحو الجمال فانطلقت خواطر الشعراء وجادت قرائح الأدباء وانبثقت العواطف الإنسانية، بعض التزم الجادة، وآخر لم يحكمه زمام العقل وقيود الفكر وجلال الشرع. وقد جمع أبو محمد بن حزم مادة كتابه "طوق الحمامة" من هذا المجتمع الملىء بالعناصر المختلفة فكل ما يقرره فيه مستمد منه، وقد صور هذا أتم تصوير وأحكمه وذكر الوقائع المؤيدة والشاهدة لذلك. ثم إنه - ﵀ - صورة صادقة للفضيلة الإنسانية في مجتمعه، وكان قلبه يفيض بالأحاسيس نحو الجمال، ولكن في دائرة الحلال لا يعدوها فهو لم يرتكب حرامًا ولم يرتع في مراتع الحرام، وقد أقسم بالأيمان المغلظة أنه لم يحل إزاره على حرام. (^١)
وقد عاش المجتمع الأندلسي القرن الرابع الهجري كاملًا في هدوء واستقرار وأمن وازدهار. وكان قمة عهد المسلمين في الأندلس ما قبله صعود انتهى إليه وما بعده انحدار ابتدأ منه وقد عاش المسلمون في هذا القرن حياة عز ورفعة وجاه. وقد رتعوا في بحبوحة من العيش. رغد ورخاء دائم ونعيم مقيم. وقد طغت على المجتمع مظاهر البذخ والترف وتشييد القصور وتحسين الطرقات وتجميل المنتزهات، حيث اتسعت أبواب العيش وكثرة الموارد عندهم حتى إنهم أصبحوا، يستقبحون التسول، وإذا رأوا شخصًا صحيحًا قادرًا
_________________
(١) انظر طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٧٤، ٢٧٥.
[ ١٠٧ ]
على الخدمة يمارس هذه العادة سبوه وأهانوه فضلا عن أن يتصدقوا عليه. (^١)
وقد استمر هذا الرخاء في العيش بعد ذلك رغم ما حدث من الاضطرابات والزعازع السياسية في الأندلس. وقد بقيت قرطبة تقريبًا هي أشد المجتمعات تحفظا وتظاهرا بالدين والتمسك بالأخلاق، يقول المقري عن قرطبة: "ومن محاسنها .. ظرف اللباس، وتظاهر بالدين والمواظبة على الصلاة وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم وكسر أواني الخمر حينما تقع عين أحد من أهلها عليها والتستر بأنواع المنكرات والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم وهي أكثر بلاد الأندلس كتبا وأهلها أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب". (^٢) حتى ممن لا يقرأ حيث أصبح وضع المكتبة في البيت مما يتباها فيه أهل تلك البلاد حتى إن بعضهم يشترى الكتاب بأضعاف ما يستحق ليملأ به فراغًا في خزانته.
وبجوار هذا كان اللهو الماجن أحيانًا في متنزهات قرطبة وغيرها من مدن الأندلس وكان القول العابث فيها مستراد ومذهب. (^٣) وهذا بلا شك نتيجة لكون السكان من عناصر كثيرة، وقد قضى أبو محمد قرابة عشرين عامًا من حياته الأولى في قرطبة. ويطول بنا المقام لو تتبعنا الوسط الاجتماعي الذي عاش في كنفه ابن حزم بعد ذلك في الحديث، ولكن بحسبنا أن نقول إن هذا الوسط كان حافلًا بشتى مظاهر الاختلاط فمن اختلاط بين الجنسين إلى اختلاف بين
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقري ج ١ ص ٢٠٥.
(٢) المرجع السابق ص ١٠، ١١.
(٣) المرجع السابق ص ١٥٤.
[ ١٠٨ ]
العناصر والسلالات ومن احتكاك بين المسلمين والنصارى إلى صراع بين أصحاب الفرق والمذاهب. ولا شك في أن كل هذه المظاهر المختلفة من الاختلاط قد عملت على تنشيط الحركة الفكرية في أرجاء بلاد الأندلس على الرغم مما صحبها من مظاهر الانحلال الخلقي والتفكك الاجتماعي، وقد قوى واشتد اختلاط المسلمين بالنصارى. لما ضعف شأن الأمراء المسلمين وصاروا يستعينون ببعض النصارى ويدفعون لهم الإتاوات أحيانًا. وكان اختلاط ابن حزم بتلك الجماعات عاملًا قويًّا في تحديد نوع اتجاهه الفكري وصبغ تفكيره بطابع جدلي. وفي الحق أن كل شيء في الأندلس كان يتجه إلى تكوين عالم جليل كابن حزم، إن توافرت الواهب التي تكون كمواهبه والمنزع القوي الذي يكون كمنزعه، وقد توافرت تلك العناصر فكان إمام الأندلس وفقيهها. (^١)
ولكن ظاهرة اجتماعية سيطرت على الأندلس كغيرها. وهي اتخاذ الدين وسيلة إلى الدنيا وذريعة إلى الغض من الخصوم، وكان السلاطين لا يعفون عن إثارة الناس على من يحقدون عليه كما كان بعض العلماء أسرع استجابة إلى تهييج الجماهير على من يخالف لهم مذهبًا أو ينافسهم في جاه أو ينتزع منهم سلطة. أو من يخشى إقبال الناس عليه لمواهبه وفضله وكفايته. وقد حصل لأبي محمد بن حزم التشريد من الأوطان من الأمراء والولاة والتخطئة والتجهيل وتحذير الناس منه وتزهيد الطلاب فيه من العلماء فجفته الديار ونفر منه الأصحاب وإن خفت صوته في حياته وبعد وفاته بزمن قليل فقد ظهر واشتد بعد ذلك.
_________________
(١) انظر ابن حزم لأبي زهرة ص ١١٥.
[ ١٠٩ ]
٣ - الأحوال العلمية:
كان الكثير من خلفاء بني أمية في الأندلس من أهل العلم والأدب .. فعبد الرحمن الداخل كان عالمًا وأديبًا شاعرًا. (^١) ومحمد بن عبد الرحمن (^٢) كان محبًا للعلوم ومؤثرًا لأهل الحديث وقد ناصر بقى بن مخلد (^٣) لما دخل الأندلس بكتاب "مصنف" أبي بكر ابن أبي شيبة وأنكر جماعة من أهل الرأي على بقى ما فيه من الخلاف واستشنعوه ومنحوا من قراءته فاتصل بقى بالأمير محمد فاستحضره وإياهم واستحضر الكتاب كله وجعل يتصفحه جزءا جزءا إلى أن أتى على آخره وقد ظنوا أنه يوافقهم في الانكار عليه ثم قال لخازن الكتب هذا كتاب لا تستغنى خزانتنا عنه فانظر في نسخة لنا. ثم قال لبقى أنشر علمك وارو ما عندك من الحديث وإجلس للناس حتى ينتفعوا بك، ونهاهم أن يتعرضوا له. (^٤)
فهذا دليل علم واهتمام، وعناية من الخلفاء بالعلم وأهله وحث على طلبه ولم يكن لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم بل يقرأون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرأون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريًا.
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس للحميدي ص ٩.
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل توفى سنة ٢٧٣ هـ. انظر جذوة المقتبس ص ٩ - ١١.
(٣) هو أبو عبد الرحمن بقى بن مخلد الأندلسى الحافظ أحد الأئمة الأعلام سمع أحمد بن حنبل وكثير من طبقته صنف التفسير الكبير والمسند الكبير يقول ابن حزم أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسير بقى. توفى سنة ٢٧٦ هـ انظر: شذرات الذهب ج ٢ ص ١٦٩.
(٤) انظر: جذوة المقتبس للحميدى ص ١١.
[ ١١٠ ]
وكان حالهم في فنون العلوم هو التحقيق والإنصاف، وهم أحرص الناس على التميز، فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغًا عالة على الناس لأن هذا في نهاية القبح.
والعالم عندهم معظم من الخاصة والعامة يشار إليه، ويحال عليه وينبه قدره، وذكره عند الناس، ويكرم في جوار وابتياع حاجة وما أشبه ذلك.
وللفقه عندهم رونق وجاهة، والمنتشر عندهم مذهب الإمام مالك ويقرأون القرآن بالسبع. وكانوا يعنون برواية الحديث، ويتحرون فيها الدقة، وعلم الأصوال عندهم متوسط الحال. والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة. وللشعر عندهم حظ عظيم، وللشعراء من ملوكهم وجاهة. (^١) وقد عرفنا حالة الأندلس السياسية من أول القرن الرابع إلى ما بعد النصف من القرن الخامس ورأينا أنها في القرن الرابع في غاية من الازدهار والاستقرار السياسي. وقد اقترن هذا بضروب من الازدهار الفكري وذلك في عهد عبد الرحمن الناصر فهو الذي رفع للعلم صرحًا باذخًا فأغدق العطايا على العلماء وأوسع لهم مجالسه وشجعهم على دراسة سائر العلوم الدينية وغيرها كالرياضيات والفلك، كما أشرك بعضًا من علماء اليهود في الثقافة الأندلسية فبدأت في عهده دراسة التوراة والتلمود في أسبانيا، وتكونت في قصر الخليفة الأندلسي العظيم مكتبة كبرى كانت هي الدليل الواضح على الدرجة العليا التي بلغتها الثقافة الأندلسية في
* * * *
_________________
(١) انظر نفح الطيب ج ١ ص ٢٠٥ - ٢٠٧.
[ ١١١ ]
عهده وكان من حظ الأندلس أن دامت خلافته خمسين سنة. (^١)
ثم جاء بعده ابنه الحكم وهو أعلم الأمويين وأحكمهم على الإطلاق وقد سار على نهج أبيه وأخاف خصومه فعقدوا معه المعاهدات فتفرغ لتنشيط الحركة العلمية - وكان قد بدأ ازدهارها في عهد أبيه - فكان يكلف بعض أتباعه استنساخ كل الكتب القيمة - قديمة كانت أو حديثة - في سائر مدن الشرق يقول عنه ابن حزم: "كان رفيقًا بالرعية محبًا في العلم. ملأ الأندلس بجميع كتب العلم وأخبرني تليد الفتى وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربعة وأربعون فهرسة في كل فهرسة خمسون (^٢) ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط". (^٣)
ويقول ابن خلدون: "وكان يبعث في شراء الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار ويرسل إليهم الأموال لشرائها حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه وبعث في كتاب "الأغاني" إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني وكان نسبه في بني أمية وأرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرج إلى العراق وكذلك
_________________
(١) انظر ابن حزم الأندلسى للدكتور زكريا إبراهيم ص ١٤. وابن حزم الأندلسي ورسالة المفاضلة بين الصحابة لسعيد الأفغاني ص ١٠.
(٢) روى ابن خلدون عن ابن حزم أن في كل فهرسة "عشرون ورقة" وكذلك المقرى. وأرى أن ما ورد في جمهرة أنساب العرب وهو "خمسون" أصح لكونها نص كلام ابن حزم في كتابه. انظر: العبر لابن خلدون ج ٤ ص ١٤٦ ونفح الطيب ج ١ ص ٣٧١.
(٣) جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ١٠٠.
[ ١١٢ ]
فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري. (^١) المالكي في شرحه لمختصر بن عبد الحكم (^٢) وأمثال ذلك وجمع في داره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والاجادة في التجليد فأوعى (^٣) من ذلك كله واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده". (^٤)
ويذكر بعض المؤرخين مبلغ اهتمامه بجمع الكتب الكثيرة والنفيسة حتى قيل إنها تبلغ أربعمائة ألف مجلد وأنهم لا نقلوها أقاموا ستة أشهر في نقلها. فبالطبع لا يأتي هذا الحرص إلا من عالم ذي غرام بالعلم فهو بحق كان في المعرفة بالرجال والأخبار والأنساب أحوذيًا نسيج وحده يؤكد هذا أنه قلما يوجد كتاب من خزائنه الكثيرة إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته ويأتي من بعد ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لعنايته بهذا الشأن. (^٥)
_________________
(١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح أبو بكر التميمى الأبهرى شيخ المالكية في العراق له تصانيف في لضرح مذهب الإمام مالك والرد على مخالفيه منها الأصول، وإجماع أهل المدينة وشرح المختصر الكبير والصغير لابن الحكم. انظر ترتيب المدارك جـ ٣ ص ٣٦٦. وشذرات الذهب ج ٣ ص ٨٥، ٨٦ والأعلام ج ٦ ص ٢٢٥.
(٢) هو عبد الله بن عبد الحكم. وبلغ بنوا الحكم بمصر من الجاه والتقدم ما لم يبلغه أحد. وكان لعبد الله مؤلفات منها المختصر الكبير والأوسط والصغير انظر ترتيب المدارك ج ٣ ص ٣٦٤ - ٣٦٦.
(٣) يقال وعاه يعيه أي حفظه وجمعه. انظر القاموس ج ٤ ص ٤٠٥.
(٤) العبر لابن خلدون جـ ٤ ص ١٤٦. وانظر نفح الطيب ج ١ ص ٣٦٢.
(٥) انظر نفح الطيب للمقرى ج ١ ص ٣٧١، ٣٧٢.
[ ١١٣ ]
وقد تسابق الناس على جمع الكتب، والاعتناء بالمكتبات لما رأوا تلك العناية من أمرائهم. حتى ممن ليس عنده معرفة فيشتري الكتاب الحسن الخط والجيد التجليد بأضعاف ما يستحق إذا اضطره إلى ذلك فراغ في خزانته بمقدار ذلك الكتاب. (^١)
ولكن ما بعد ارتفاع الشمس في كبد السماء إلا زوالها كما يقال فقد توفي الحكم المستنصر سنة ٣٦٦ هـ وبوفاته انتهى العصر الذهبي للأندلس. فأتى بعده المنصور بن أبي عامر حاجبا للخليفة الصغير المؤيد ابن الحكم. واستبد بالحكم وكان من نتائج هذا الاستبداد أن تعثرت الحضارة الأندلسية في سيرها على أيامه فأحرقت كتب الفلسفة والفلك وغيرها من العلوم التي كانت موجودة في مكتبة القصر بأمره هو نفسه استرضاء منه لجمهور الفقهاء الذين كانوا قد بدأوا يؤلبون عليه العامة. (^٢) ولم تستمر الأحوال بعد ابن أبي عامر فجاء عصر الاضطراب والدمار على قرطبة وغيرها ولا شك في أن لهذا الدمار والتخريب أثرًا قويًّا في إتلاف التراث العلمي الموجود. يقول ابن خلدون في الكلام عن مكتبة المستنصر: "ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر، وأمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور بن أبي عامر، ونهب ما بقى منها عند دخول البربر قرطبة واقتحامهم إياها عنوة". (^٣)
ولكن ليس في نهب هذه الكتب وبيعها ذهابها وليس في تخريب قرطبة قضاء على العلم بل توزعت تلك الكتب التي كانت محصورة في مكتبة القصر، وتفرق العلماء في سائر مدن الأندلس وقراها وكان
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقرى ج ٢ ص ١١.
(٢) المرجع السابق جـ ١ ص ٢٠٥.
(٣) المرجع السابق جـ ١ ص ٣٦٢ - ٣٦٣.
[ ١١٤ ]
في ذلك نشر للعلم والمعرفة في الأندلس - وإن لم يكن كل ذلك إيجابيًا - وقد كان أبو محمد ابن حزم ممن خرج من قرطبة وتجول في مدن الأندلس وقراها - فلم تقترن تلك الاضطرابات بانحلال فكري بل لقد شهدت بلاد الأندلس حتى في عهد الطوائف نهضة علمية كبرى نتيجة للتنافس الشديد بين الدويلات الصغيرة في مضمار العلوم والآداب فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول العالم الفلاني عند الملك الفلاني والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم. (^١) وأقبل المفكرون في هذا الأثناء على وضع المؤلفات القيمة في كل فن وكان من ذلك أن كتب ابن حزم في تاريخ الأديان وعلم النفس متقدمًا في ذلك على مفكري أوروبا وغيرهم بقرون كثيرة. (^٢) وكتب أبو مروان ابن حيان والحميدي في تاريخ الأندلس وغيرهم كثير كتبوا في كل فن وإن رسالة ابن حزم في علماء الأندلس تعطي صورة وافية عن العلماء الذين كانوا في بلاد الأندلس وأنهم ليسوا بأقل من العلماء الموجودين في الشرق مرتبة وقد وازن بين بعض المشهورين من العلماء في المشرق والمغرب ويقرر أنه لا يوجد رجل يعد من مفاخر الشرق إلا كان له نظير من مفاخر الأندلس. (^٣)
فالحاصل أن العلم لم يضعف بضعف السياسة، ولم يأفل نجم العلماء كما أفل نجم السياسيين، ولا شك أن لاحتكاك المسلمين بالنصارى في الأندلس والاحتكاك بين العناصر والسلالات الأخرى والصراع بين أصحاب الفرق والمذاهب المختلفة أثرًا في تنشيط
_________________
(١) انظر نفح الطيب جـ ٤ ص ١٧٩، ١٨٠.
(٢) انظر ابن حزم الأندلسى للدكتور عبد الكريم خليفة ص ١٣٥.
(٣) انظر نفح الطيب جـ ٤ ص ١٥٤ - ١٧١. وانظر ابن حزم الأندلسى للدكتور زكريا إبراهيم ص ٢٦.
[ ١١٥ ]
الحركة الفكرية في أرجاء بلاد الأندلس على الرغم مما صحبها من مظاهر الصراع والذي نجم عنه ترق في العلوم والآداب، والفنون والصناعات، وقد كانت مدينة قرطبة في أول الأمر مركز ذلك التقدم العلمي وكانت مركز المحدثين والفقهاء والمتكلمين وملتقى الشعراء والأدباء كما كانت في ذلك الوقت أكثر بلاد الأندلس كتبا وأحفلها بالخزائن والمكتبات ثم انتثر كل ذلك في سائر أرجاء الأندلس. وأبو محمد بن حزم ممن عاش الحالتين، فالفترة التي عاش فيها كانت بمثابة فترة انتقال من عهد الخلافة الأموية إلى عهد حكم الطوائف فلم يكن من الغريب على ابن حزم أن يتأثر في تفكيره وأسلوب حياته بما اعتور بلاده من تقلبات وما اختلف عليها من أحداث جعلته لا يستقر بمكان وقد انعكس ذلك على حياته الفكرية فاتسعت آفاقه فألم بالكثير من العلوم والمعارف فهو الإمام المحدث والفقيه المجتهد وهو الأديب الشاعر والفلسفي المنطقي والمؤرخ العالم بالأنساب فكان دوحة وارفة الظلال قد بسقت في مهد العلم ونمت في معدنه وتغذت من نبوعه وبذلك نستطيع أن نقول إنه قد توافرت له أسباب المعرفة كاملة. وكان لما عانى من التشريد والنفي والاشتراك في المؤامرات والتدبيرات التي لم تنجح من جراء الخيانات من ذلك المجتمع عضب اللسان ينازل العلماء والفقهاء ويتحدى بجدله العنيف آراء وعقائد في الفقه والفلسفة والدين فقوبل ذلك من خصومه بالاضطهاد ورموه بالضلال فلم يثن ذلك عزمه ولم يحد من إقدامه فهو المفكر الذي يتحمس لدينه لا تأخذه في الله لومة لائم إلى أن مضى لسبيله. (^١)
_________________
(١) انظر ابن حزم الأندلسي للدكتور زكريا إبراهيم ص ٢٥، ٢٨.
[ ١١٦ ]