* يشتمل هذا الباب بعد تعريف الإلهيات على خمسة فصول:
الفصل الأول: وجود الله تعالى
الفصل الثاني: وحدانية الله تعالى.
الفصل الثالث: التنزيهات.
الفصل الرابع: الصفات.
الفصل الخامس: أفعال الله تعالى.
* * * *
[ ١١٧ ]
الإلهيات
الإلهيات جمع إلهية، وهي نسبة للصفة إذ يقال هذا علم إلهي، وصفة إلهية، وإله بيِّن الإلهية. (^١) وإله من أله بمعنى عبد فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه أي معبود، بحمع إله على آلهة. (^٢)
وإذا أطلق لفظ الإله فالمقصود الله ﷾ مع أن إله وضع في الأصل لكل معبود، لكن غلب بأل على المعبود الحق. (^٣)
والإلهيات اصطلاح يطلق "على كل ما يتعلق بذات الإله وصفاته وأفعاله. (^٤)
_________________
(١) انظر اللسان جـ ١٧ ص ٣٥٩، والمعجم الكبير لمجمع اللغة العربية جـ ١ ص ٤٤٢ وتأتي هذه النسبة عن العلماء كثيرًا. انظر المقصد الأسنى للغزالي ص ٤٨. وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ج ١ ص ١٣٧، ٣٧٢، ٣٧٣ وج ٢ ص ٧٥.
(٢) انظر تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٢٥، ٢٦ ومختار الصحاح ص ٢٢ واللسان جـ ١٧ ص ٣٦١. واقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٦١ والقاموس جـ ٤ ص ٢٨٠.
(٣) انظر اللسان ج ١٧ ص ٣٦١. والمعجم الكبير جـ ١ ص ٤٤٠. ودائرة المعارف الإسلامية جـ ٤ ص ٢٨٦.
(٤) انظر الموقف الخامس في الإلهيات للأيجي. طبع بشرح الجرجانى، بتحقيق الدكتور أحمد المهدي، والمعجم الكبير لمجمع اللغة العربية جـ ١ ص ٤٤٣ والمعجم الوسيط جـ ١ ص ٢٥. ومحيط المحيط لبطرس البستانى ص ١٥.
[ ١١٩ ]
فصاحب المواقف، (^١) في علم الكلام جعل كتابه في ستة مواقف، الموقف الخامس منها في الإلهيات، وتناول في البحث تحت هذا العنوان:
الذات الإلهية، وتنزيهها، والتوحيد، والصفات، وما يجوز عليه سبحانه، وأفعاله، وأسماءه تعالى، وتقدس.
* * **
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار البكرى الأيجي الشيرازي. عضد الدين كان إماما في المعقولات والمعانى والبيان والنحو. له مؤلفات منها المواقف، والعقائد العضدية، وجواهر الكلام، وأشرف التواريخ، توفى سنة ٧٥٦، وكان مولده سنة ٧٠٨ من الهجرة. انظر طبقات الشافعية للسبكى ج ١٠ ص ٤٦، ٤٧. وشذرات الذهب جـ ٦ ص ١٧٤ وذكره في وفيات سنة ٧٥٣ هـ.
[ ١٢٠ ]
الفصل الأول وجود الله تعالى
سلك أبو محمد بن حزم ﵀ في الاستدلال على وجود الله تعالى:
أولًا: طريق حدوث العالم.
ثانيًا: الاستدلال بما في الفلك من الآثار المحمولة فيه من نقلة زمانية وحركة دورية إلى غير ذلك مما في المخلوقات من التوافق والاختلاف والإتقان، فقال تحت عنوان: "من قال بأن العالم لم يزل وأنه لا مدبر له"، "لا يخلو العالم من أحد وجهين إما أن يكون لم يزل أو أن يكون محدثًا لم يكن ثم كان فذهبت طائفة إلى أنه لم يزل وهم الدهرية، (^١) وذهب سائر الناس إلى أنه محدث". (^٢)
وقد ناقش هذه الفرقة "الدهرية" القائلة بقدم العالم فأورد اعتراضاتهم ونقضها واحدًا واحدًا ولم يكتف بابطال حججهم بل أتى بالبراهين الظاهرة والنتائج الموجبة والقضايا الضرورية على إثبات حدوث العالم.
_________________
(١) طائفة قديمة جحدوا الصانع الدبر العالم القادر. وزعموا أن العالم قديم ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان كذلك كان وكذلك يكون فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر. انظر الأصفهانية ص ١٠٩، ١١٠. والملل والنحل ج ٣ ص ٧٩ المنقذ من الضلال للغزالى ص ٤٠، وتلبيس إبليس ص ٤١.
(٢) الفصل في الملل لابن حزم جـ ١ ص ٩.
[ ١٢١ ]
وسنكتفي بإيراد طريقه الإثباتي، دون إيراده اعتراضات الدهرية وردوده عليهم حيث لم يكتف بتلك الردود طريقًا للإثبات بل أورد الحجج والبراهين التي رأى أنها ضرورية لإثبات حدوث العالم بعد أن لم يكن وتحقيق أن له محدثًا لم يزل لا إله إلا هو.
الطريق الأول:
طريق حدوث العالم
في هذا الطريق - قال:
- البرهان الأول: العالم عبارة عن أشخاص بأعراضها وأزمانها والشاهد بالحس والعيان تناهي كل ما في العالم من الأشخاص بأعراضها وأزمانها.
أما تناهي الشخص فظاهر بمساحته - أول جرمه وآخره - وبزمان وجوده. وتناهى العرض المحمول فيه بين بتناهي الحامل له.
وتناهى الزمان موجود باستئناف ما يأتي منه بعد الماضى وفناء كل وقت بعد وجوده، واستئناف اخر يأتي بعده إذ كل زمان فنهايته الآن وهوحد الزمانين فهو نهاية الماضى، وما بعده ابتداء للمستقبل وهكذا أبدا يفنى زمان ويبتدىء آخر وإذا ثبت تناهي الأجزاء التي تركب منها العالم فهو متناهي إذ الكل ليس هو شيئًا غير الأجزاء التي ينحل إليها ويستحيل كون أجزاء الزمان متناهية وذات أول ويكون هو غير
ذي أول وبالله التوفيق. (^١)
_________________
(١) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل جـ ١ ص ١٤، ١٥. والمحلى له جـ ١ ص ٤.
[ ١٢٢ ]
- البرهان الثاني: العالم موجود بالفعل وكل موجود بالفعل فقد حصره العدد وأحصته طبيعته، (^١) وحصر العدد وإحصاء الطبيعة نهاية صحيحة إذ ما لا نهاية له فلا إحصاء له ولا حصر له فإن العالم كله ذو نهاية وسواء في ذلك ما وجد في مدة واحدة أو مدد كثيرة إذ ليست تلك المدد إلا مدة محصاة إلى جنب مدة محصاة فهي مركبة من مدد محصاة، وكل مركب من أشياء فهو تلك الأشياء التي ركب منها فهي كلها مدد محصاة فصح أن ما لا نهاية له فلا سبيل إلى وجوده بالفعل وما لم يوجد إلا بعد ما لا نهاية له فلا سبيل إلى وجوده بالفعل وما لم يوجد إلا بعد ما لا نهاية له فلا سبيل إلى وجوده أبدا إذ أن ما لا نهاية له فلا بعد له والأشياء كلها موجودة بعضها بعد بعض فهي ذات نهاية وقد نبه الله على هذا الدليل وسابقه بقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾. (^٢) (^٣)
- البرهان الثالث: ثبوت أن للزمان أولًا وأجزاء فنهاية، لأن الزمان هو مدة بقاء الجرم ساكنًا أو متحركًا. ولو فارقه لم يكن الجرم موجودًا، ولا كان الزمان أيضًا موجودًا. وكلاهما موجود ذو أول اذ لو لم يكن له أول يكون به متناهيًا في عدده الآن لكان كل ما زاد فيه ويزيد مما يأتي من الأزمنة فإنه لا يزيد ذلك في عدد الزمان شيئًا وبشهادة الحس أن كل ما وجد من الأعوام على الأبد إلى زماننا هذا هو أكثر من كل ما
_________________
(١) الطبيعة هي القوة التي تكون في الشيء فتحرك بها كيفيات ذلك الشيء على ما هي عليه. انظر الفصل جـ ١ ص ١٥. والملل جـ ٢ ص ١٧٠. والفلسفة اليونانية لمحمد بيصار. ص ٦٢.
(٢) سورة الرعد آية (٨).
(٣) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل جـ ١ ص ١٥، ١٦. والمحلى جـ ١ ص ٥، ٤.
[ ١٢٣ ]
وجد من الأعوام على الأبد إلى وقت هجرة رسول الله ﷺ، ولا شك في أن الزمان مذ كان إلى وقت الهجرة جزء للزمان مذ كان إلى وقتنا هذا، وهو كل له ولما بعده إلى وقتنا هذا. ولا يخلو الحكم في هذه القضية من أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون الزمان مذ كان موجودًا إلى وقتنا هذا أكثر من الزمان مذ كان إلى عصر الهجرة. وإما أن يكون أقل منه أو مساويًا له، وعلى الأخيرين يكون الكل أقل من الجزء ومساويًا له وهذا محال. وعلى الأول وهو الذي لا شك فيه فالزمان مذ كان إلى وقت الهجرة ذو نهاية لأنه جزء الزمان إلى وقتنا الحاضر والكل والجزء واقعان في كل ذي أبعاض والعالم ذو أبعاض هكذا توجد حاملاته ومحمولاته وأزمانها فالعالم كل لأبعاضه وأبعاضه أجزاء له، والنهاية كما تقدم لازمة لكل ذي كل وذي أجزاء، وما لا نهاية له فلا سبيل إلى الزيادة فيه، وقد نبه الله تعالى على هذا الدليل وحصره في قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. (^١) (^٢)
- البرهان الرابع: أن ما لا أول له ولا نهاية لا يقع عليه العد والإحصاء وقد أحصى العدد والطبيعة كل ما خلا من العالم حتى بلغ إلينا وحيث ثبت هذا، فالإحصاء منا إلى أولية العالم صحيح موجود بلا شك وإذ ذلك كذلك فللعالم أول ضرورة وبالله التوفيق. (^٣)
- البرهان الخامس: أن ما يقع عليه العدد لا سبيل إلى وجود ثان منه إلا بعد أول، ولا ثالث إلا بعد ثان وهكذا أبدًا.
_________________
(١) سورة فاطر آية (١).
(٢) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم جـ ١ ص ١٦ - ١٨، والمحلى جـ ١ ص ٤، ٥.
(٣) انظر الفصل جـ ١ ص ١٨.
[ ١٢٤ ]
وفي وجودنا جميع الأشياء التي في العالم معدودة إيجاب أنها ثالث بعد ثان، وثان بعد أول وفي صحة هذا وجوب أول ضرورة، وقد نبه الله تعالى على هذا الدليل وعلى الذي قبله وحصرهما في قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. (^١) والآخر والأول من باب المضاف فالآخر آخر للأول والأول أول للآخر. ولو لم يكن أول لم يكن آخر. (^٢)
فثبت بكل ما سبق من البراهين أن العالم ذو أول. وإذا كان ذا أول فلابد ضرورة من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها وهي: إما أن يكون أحدث ذاته وإما أن يكون حدث بغير أن يحدثه غيره، وبغير أن يحدث هو نفسه. وإما أن يكون أحدثه غيره. فإن كان هو أحدث ذاته فلا يخلو من أحد أربعة أوجه لا خامس لها وهي إما أن يكون أحدث ذاته وهو معدوم وهي موجودة. أو أحدث ذاته وهو موجود وهي معدومة أو أحدثها وكلاهما موجود أو أحدثها وكلاهما معدوم وكل هذه الأربعة الأوجه محال ممتنع لا سبيل إلى شيء منها لأن الشيء وذاته هي هو وهو هي وكل ما ذكرنا من الوجوه يوجب أن يكون الشيء غير ذاته وهذا محال وباطل بالمشاهدة والحس. وإن كان خرج عن العدم إلى الوجود بغير أن يخرج هو ذاته أو يخرجه غيره فهو أيضًا محال لأنه لا حال أولى بخروجه إلى الوجود من حال أخرى ولا حال أصلًا هنالك فإذًا لا سبيل إلى خروجه وخروجه مشاهد متيقن فحال الخروج غير حال اللاخروج وحال الخروج هي علة كونه وهذا لازم
_________________
(١) سورة الجن آية (٢٨).
(٢) انظر الفصل لابن حزم جـ ١ ص ١٨، ١٩.
[ ١٢٥ ]
في تلك الحال. (^١) وهكذا في كل حال فإن تمادي الكلام وجب بما قدمناه اللانهاية، واللانهاية في العالم من مبدأه باطل ممتنع محال. فاذا قد بطل أن يخرج العالم بنفسه وبطل أن يخرج دون أن يخرجه غيره فقد ثبت الوجه الثالث ضرورة اذ لم يبق غيره البتة فلابد من صحته وهو أن العالم أخرجه غيره من العدم إلى الوجود، وهذا المخرج هو الله الواحد ﵎. (^٢)
الطريق الثاني:
هو طريق الاستدلال بما في الفلك من الآثار وما في المخلوقات من الدقة والإتقان والتوافق والاختلاف.
- تقرير ذلك:
أن الفلك بكل ما فيه ذوآثار محمولة فيه من نقلة زمانية وحركة دورية في كون كل جزء من أجزائه في مكان الذي يليه والأثر مع المؤثر من باب المضاف فوجب بذلك أنه لابد لهذه الآثار الظاهرة من مؤثر أثرها ولا سبيل إلى أن يكون الفلك أو شيء مما فيه هو المؤثر لأنه يصير هو المؤثر والمؤثر فيه مع أن المؤثر والأثر من باب المضاف أيضًا معنى هذا أن الأثر والمؤثر فيه يقتضيان مؤثرًا ولابد ولم يرد أن الباري تعالى يقع تحت الاضافة فلابد ضرورة من مؤثر ليس مؤثرا فيه وليس هو
_________________
(١) أي أن حال الخروج يلزم في حدوثها مثل ما لزم في حدوث العالم من أن تكون أخرجت نفسها أو أخرجها غيرها أو خرجت بغير هذين الوجهين - الفصل ج ١ ص ٢١.
(٢) انظر الفصل جـ ١ ص ٢١.
[ ١٢٦ ]
شيئًا مما في العالم فهو بالضرورة الخالق الأول الواحد ﵎، هذا إلى ما يرى ويشاهد بالحواس من آثار الصنعة التي لا يشك فيها ذو عقل.
ومن بعض ذلك تراكيب الأفلاك وتداخلها ودوام دورانها على اختلاف مراكزها. ثم أفلاك تداويرها والبون بين حركة أفلاك التداوير والأفلاك الحاملة لها ودوران الأفلاك كلها من غرب إلى شرق ودوران الفلك التاسع (^١) الكلي بخلاف ذلك من شرق إلى غرب وإدارته لجميع الأفلاك مع نفسه كذلك فحدث من ذلك حركتان متعارضتان في حركة واحدة فبالضرورة نعلم أن لها محركًا على هذه الوجوه المختلفة.
ومن ذلك تراكيب أعضاء الإنسان والحيوان من إدخال العظام المحدبة في المقعرة وتركيب العضل على تلك المداخل والشد على ذلك بالعصب والعروق صناعة ظاهرة لا شك فيها لا ينقصها إلا رؤية الصانع فقط.
ومن ذلك ما يظهر في الأصباغ الموضوعة في جلود كثير من الحيوان وريشه ووبره وشعره وظفره وقشره على رتبة واحدة ووضع واحد لا تخالف فيه. ومنها ما يأتي مختلفًا. فبالضرورة والحس نعلم أن لذلك صانعًا مختارا يفعل ذلك له كما شاء ويحصيه إحصاء لا يضطرب أبدا عما شاء من ذلك وليس يمكن البتة في حس العقل أن تكون هذه المختلفات المضبوطة ضبطًا لا تفاوت فيه من فعل طبيعة ولابد لها من صانع قاصد إلى صنعه كل ذلك.
_________________
(١) هو الفلك الأطلس. انظر مجموع فتاوي ابن تيمية جـ ٨ ص ١٧٠، ومنهاج السنة له جـ ١ ص ١٩٢.
[ ١٢٧ ]
ومن ذلك ما يرى في ليف النخل والدوم من النسج المصنوع يقينًا بنيرين (^١) وسدى (^٢) كالذي يصنعه النساج ما تنقصنا إلا رؤية الصانع فقط وليس هذا البتة من فعل طبيعة ولا بنسج ناسج ولا بناء ولا صانع أصباغ مرتبة. بل هو صنعة صانع مختار قاصد إلى ذلك غير ذي طبيعة لكنه قادر على ما يشاء هذا أمر معلوم بضرورة العقل وأوله يقينًا كما نعلم أن الثلاثة أكثر من الاثنين فصح بكل هذا أن العالم كله محدث وأن له محدثًا هو غيره. وهو الله الخالق الأول الواحد الحق الذي لا يشبه شيئًا من خلقه البتة لا إله إلا هو الواحد القهار. (^٣)
إن هذا المسلك الذي سلكه أبو محمد بن حزم في الاستدلال على حدوث العالم - ثم إثبات المحدث له - بتناهي مكوناته. ليس مسلكًا جديدًا فقد قال به يعقوب بن إسحق الكندي، (^٤) فبينه في كثير من رسائله، واهتم بعرضه وتفصيله، وقال به أيضًا أبو منصور
_________________
(١) النيرين القصب والخيوط إذا اجتمعت، وعلم الثوب جمع أنيار. ونرت الثوب نيرًا ونيرته وأنرته جعلت له نيرا. وهدب الثوب ولحمته. انظر: القاموس ج ٢ ص ١٥١.
(٢) السدى بفتح السين ضد اللحمة، والسداة مثله تقول منه أسدى الثوب ويقال سدى الثوب يسديه وستاه يستيه. انظر مختار الصحاح ص ٢٩٢، ٢٩٣ ولسان العرب ج ١٩ ص ٩١. والقاموس ج ٤ ص ٣٤١.
(٣) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج ١ ص ٢٢، ٢٣.
(٤) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندى، له معرفة واسعة في العلوم القديمة، ويسمى فيلسوف العرب وله كتب في علوم مختلفة مثل المنطق والفلسفة والهندسة والحساب، والموسيقى والنجوم وغير ذلك. انظر الفهرست لابن النديم ص ٣٥٧ - ٣٦٥. ولسان الميزان ج ٦ ص ٣٥٥.
[ ١٢٨ ]
الماتريدي. (^١) لكن طريقة ابن حزم في البرهنة على حدوث العالم بتناهي أشخاصه بأعراضها وأزمانها كثيرة الشبه بطريقة الكندي. فلعل ابن حزم قد اطلع على فلسفة الكندي وتأثر بها.
يقول الدكتور إحسان عباس: إن هناك صلة بين بعض الأفكار عند الكندي وابن حزم، إلا أن ابن حزم لم يذكر الكندي فيما أعلم. إلا في نقل واحد في كتابه جمهرة أنساب العرب (^٢) ثم يذكر بعضًا من وجوه الاتفاق. (^٣)
وسأعرض نموذجًا من مسلك الكندي بتناهي بعض مكونات العالم - الجرم - حتى نرى مدى التشابه الكبير بينهما.
يرى الكندي أن العالم، جرم، وزمان وحركة. وجميع هذه متناهية فلا يمكن أن يكون جرم أزليًا ولا غيره مما له كمية، أو كيفية لا نهاية له بالفعل، وأن لا نهاية له إنما هو في القوة. ويعتمد في برهانه هذا على مقدمات بدهية هي:
١ - أن كل الأجرام التي ليس منها شيء أعظم من شيء متساوية.
٢ - والمتساوية أبعاد ما بين نهاياتها متساوية بالفعل والقوة.
_________________
(١) انظر استدلاله في كتاب التوحيد ص ١٢. والماتريدي: هو محمد بن محمد بن محمود، من أئمة علماء الكلام له مؤلفات كثيرة منها تأويلات أهل السُّنة، وأوهام المعتزلة ومآخذ الشرائع، توفى بسمرقند سنة ٣٣٣ هـ. انظر كتاب الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص ١٩٥. والأعلام جـ ٧ ص ١٩.
(٢) الصحيح أن ابن حزم ذكر الكندى في كتابه جمهرة أنساب العرب ثلاث مرات انظر ص ٢٥، ٣٢٨، ٤٢٦ من الجمهرة.
(٣) انظر مقدمة الرد على ابن النغريلة ورسائل أخرى للدكتور إحسان عباس ص ٣٥، ٤٠.
[ ١٢٩ ]
٣ - وذا النهاية ليس لا نهاية.
٤ - وكل الأجرام المتساوية إذا زيد على واحد منها جرم كان أعظم منها، وكان أعظم مما كان قبل أن يزاد عليه ذلك الجرم.
٥ - وكل جرمين متناهيى العظم، إذا جمعا كان الجرم الكائن عنهما متناهي العظم، وهذا واجب أيضًا في كل عظم وفي كل ذي عظم.
وبعد هذه المقدمات يسوق بطلان أن يكون جرم لا نهاية له فيقول إنه لو كان هناك جرم لا نهاية له ثم فصل منه جرم متناهي، فإن الباقي إما أن يكون متناهيا أو لا متناهي وعلى التقدير الأول:
إذا رد المفصول من الجرم عليه صار مجموعهما متناهي العظم، وهو الذي كان لا متناهي فهو والحالة هذه متناه لا متناهي وهذا خلف لا يمكن.
وعلى الثاني:
إذا رد المفصول فإما أن يكون أعظم مما كان قبل أن يرد عليه ما فصل منه أو مساويًا له.
فإن كان أعظم فقد صار ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له، وأصغر الشيئين بعد أعظمهما أو بعد بعضه، فأصغر الجرمين اللذين لا نهاية لهما بعد أعظمهما أو بعد بعضه.
وإن كان بعده فهو بعد بعضه لا محالة، فأصغرهما مساو بعض أعظمهما والمتساويان هما اللذان متشابهاتهما أبعاد ما بين نهاياتهما واحدة فهما إذن ذو نهايات.
[ ١٣٠ ]
فالذي لا نهاية له الأصغر متناه، وهذا خلف لا يمكن فليس أحدهما أعظم من الآخر.
وإن كان مساويًا له فقد زيد على جرم جرم فلم يزد شيئًا وهذا المزيد جزؤه، فمعنى هذا أن الجزء مثل الكل وهذا خلف لا يمكن فقد تبين أنه لا يمكن أن يكون جرم لا نهاية له.
وعلى هذا النهج يسير الكندي في بيان تناهي كل الكميات.
والزمان كمية فليس يمكن أن يكون زمان لا نهاية له بالفعل بل هو ذو مبدأ ونهاية، وكل الأشياء المحمولة في المتناهي متناهية اضطرارًا فكل محمول في الجرم من كم، أو مكان أو حركة، أو زمان الذي هو مفصول بالحركة فمتناه أيضًا، (^١) ويمكن أن يقام عليه الدليل الذي أقيم في بيان تناهي الجرم.
أرى أن هذا القدر كاف في بيان تشابه مسلك ابن حزم بمسلك الكندي، فالطريق الذي بين به الكندي تناهى الجرم هو الذي بين به ابن حزم تناهي الزمان حيث إنه يصدق على كل ما يمكن أن يقال فيه أنه لا متناهى.
والكندي يرى أن الجرم والحركة، والزمان متلازمة. (^٢) وهذا ما نراه واضحًا في البرهان الثالث من البراهين التي أقامها ابن حزم لبيان حدوث العالم، وهو في بيان تناهي الزمان.
_________________
(١) انظر كتاب الكندي إلى المعتصم في الفلسفة الأولى ص ٩٠ - ١٠٠ والإبانة في تناهي العام له ص ١، - مخطوط والتفكير الفلسفي في الإسلام لعبد الحليم محمود جـ ٢ ص ٣١٤ - ٣١٦.
(٢) هذا رأى أرسطو وهو تلازم الجسم والحركة والزمان. انظر الطبيعة لأرسطو جـ ٢ ص ٤٨٩. وما بعدها. والكون والفساد له ص ٢٥٣.
[ ١٣١ ]
ثم إن نتيجة هذا الدليل الذي ساقه ابن حزم - تابعًا فيه الكندي على ما أرى - على حدوث العالم بتناهي مكوناته، وإثبات المحدث له وهو الله ﵎، هي نتيجة دليل الجوهر والغرض التي يستدل بها المتكلمون، أو بكل واحد منهما إما بإمكانه، أو بحدوثه بناء على أن علة الحاجة عندهم، إما الحدوث وحده، أو الإمكان مع الحدوث شرطًا أو شطرًا. (^١) وهي أيضًا نتيجة دليل الإمكان الذي يستدل به بعض المتكلمين مع اختلاف في طرق الإثبات بين مسلك ابن حزم وبينهم.
وقد تواصلوا بتلك الأدلة إلى النتيجة المرجوة، وإن لم تسلم لهم كل طرق الاستدلال.
أما دليل ابن حزم - وإن لم يقتصر عليه - فهو دليل رياضي سليم.
مع أن فيه تطويلًا يغني عنه بالوصول إلى تلك النتيجة الاستدلال بالممكنات بطريقة مختصرة سليمة هي أن يقال:
إننا نشاهد من حدوث الحوادث حدوث الحيوان والنبات وغيرها، وهي ليست ممتنعة حيث وجدت، ولا واجبة الوجود بنفسها لأنها كانت معدومة، ثم وجدت فعدمها ينفي وجوبها، ووجودها ينفي امتناعها، فحدوثها دليل على المحدث لها المخالف لما هي عليه وهو الله ﵎. (^٢) وهذه الطريقة عقلية صحيحة، وشرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها وبينها وأرشد إليها. يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ
_________________
(١) انظر شرح المواقف في علم الكلام الموقف الخامس ص ٥.
(٢) انظر شرح الأصفهانية ص ١٥، ١٦، وشرح حديث النزول ص ٢٨ والطبيعة وما بعدها ليوسف كرم ص ١٥١.
[ ١٣٢ ]
مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، (^١) وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (^٢) وقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. (^٣) والآيات على هذا النحو كثيرة. فكون الشارع استدل به وأمر أن يستدل به وبينه واحتج به فهو دليل شرعي.
وهو عقلي لأن بالعقل تعلم صحته فان نفس كون الإنسان حادثًا بعد أن لم يكون ومولودًا ومخلوقًا من نطفة ثم من علقة هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول ﷺ بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم سواء أخبر به أو لم يخبر. (^٤)
أما الطريق الثاني الذي استدل به ابن حزم على وجود الله:
فهو الطريق الذي جاء في القرآن الكريم في غير ما موضع منه وهو إثبات وجود الله عن طريق بيان عظمته وهيمنته وتدبيره، وقدرته على كل ما في العالم وبيان عنايته ورعايته وإحكامه المحكم وإبداعه المتقن لكل ما يسرى في العالم من قوانين ونواميس.
_________________
(١) سورة الحج آية (٥).
(٢) سورة مريم الآيتان (٦٦، ٦٧).
(٣) سورة يس الآيتان (٧٨، ٧٩).
(٤) انظر كتاب النبوات لابن تيمية ص ٤٨.
[ ١٣٣ ]
فاستدل ابن حزم بما في الفلك من نقلة زمانية وحركة دورية وما في المخلوقات من الدقة والاتفاق وما فيها من التوافق والاختلاف.
وهو موافق للمنهج القرآني في استدلاله، وهذا الدليل هو أقوى الأدلة وأوضحها على وجود الله تعالى، ثم هو أسهلها، وقد استخدمه الأقدمون ولا يزال المحدثون يستخدمونه، وقد استدل بهذا الدليل على هذا النهج قبل ابن حزم من المسلمين الكندي، (^١) وأبو منصور الماتريدي. (^٢) ولكن تطبيق ابن حزم الاستدلال على ما في الكون شبيه بما ذهب إليه أفلاطون، (^٣) وأرسطو، (^٤) من فلاسفة اليونان عن استدلالهم على وجود الله. فقد توصل أفلاطون عند ربطه بين العلة ومعلولها، أو بين العقل والمادة إلى استنتاج ظاهرتين أساسيتين في هذا الوجود هما:
_________________
(١) انظر التفكير الفلسفي في الإسلام لعبد الحليم محمود جـ ٢ ص ٣١٨ - ٣٢٠.
(٢) انظر كتاب التوحيد للماتريدى ص ١٨.
(٣) هو أفلاطون بن أرسطين بن أرسطو قليس، من أثينة وهو معروف بالتوحيد والحكمة، ولد في زمن أردشير بن دارا. وتتلمذ على سقراط ولما اغتيل سقراط جلس على كرسيه، وحكى عنه أنه يقول: إن للعالم محدثًا مبدعا أزليا واجبا بذاته توفى سنة ٣٤٧ ق. م وكان مولده سنة ٤٢٧ ق. م على الراجح. انظر: طبقات الأطباء لابن جلجل ص ٢٣ - ٢٥. وتاريخ الحكماء ص ١٧ - ٢٧.
(٤) هو أرسطو طاليس بن نيقوما خوس من أهل أسطاخيرا وهو المقدم المشهور والمعلم الأول، والحكيم المطلق عندهم ولما بلغ السابعة سلمه أبوه إلى أفلاطون لتأديبه فمكث عنده نيفا وعشرين سنة وله كتب في الطبيعيات والإلهيات تعاطى أول حياته الطب وألف فيه كتاب "الصحة والمرض" وفلسفته أسسها المحسوسات والمشاهدات. توفى سنة ٣٢٢ ق. م وكان مولده سنة ٣٨٤ ق. م انظر طبقات الأطباء لابن جلجل ص ٢٥ - ٢٧. وتاريخ الحكماء للقفطي، ص ٢٧ - ٥٣ ودائرة معارف القرن العشرين جـ ١ ص ١٦٤، ١٦٥.
[ ١٣٤ ]
١ - الحركة الجارية في هذا الوجود.
٢ - النظام البادىء في كل جزء من أجزائه.
ومنهما استمد الاستدلال على وجود الله تعالى. حيث قال عن دلالة الحركة:
إن الحركات سبع، حركة دائرية، وحركة من اليمين إلى اليسار وبالعكس ومن أمام إلى خلف وبالعكس. ومن أعلى إلى أسفل وبالعكس.
والأولى هي التي تخص العالم وهي منظمة لا يستطيعها العالم بذاته، فهي معلولة لعلة عاقلة هي الله، والست الباقية طبيعية، ومنع العالم من أن يجرى بها لأنها لا تتضمن له العناية والنظام.
ويقول عن النظام:
إن ما يبدو في هذا العالم آية فنية، ولا يمكن أن يكون هذا النظام البادىء فيما بين الأشياء على وجه الاجمال، وفيما بينها على وجه التفصيل نتيجة علل اتفاقية لكنه صنع عقل توخى الخير ورتب له الأسباب الكفيلة بإيصاله عن قصد وإرادة (^١). فنجد أن أفلاطون قاده منطق التفكير إلى إدراك الألوهية والإعتراف بوجود إله مدبر لهذا الكون البديع الصنع. وقد أحال أرسطو كل ما يجري في العالم من حركات إلى علة أولى ونسبه إلى محرك أول. يحرك ولا يتحرك ضرورة أنه دائم الفعل في غيره دون أن ينفعل هو بغيره وماهية هذا المحرك:
١ - أن ليس جسمًا، فليس بمكان.
٢ - أنه يحرك كغاية.
_________________
(١) انظر تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم ص ٨١. والفلسفة اليونانية مقدمات ومذاهب للدكتور محمد بيصار ص ١٠٧ - ١٠٩.
[ ١٣٥ ]
٣ - أنه معقول ومعشوق.
فيقول: إن كل متحرك لابد له من محرك، ولا يستمر الأمر إلى ما لا نهاية بل لابد من محرك أزلي يحرك ولا يتحرك، أو يفعل في غيره، ولا ينفعل بغيره، وإلا لما كان أولًا، وذلك هو "الله" ولكنه لا يقول، إن هذا المحرك خالق للعالم، ولم يكن تحريكه له حقيقيًا، وإنما هو تحريك بالشوق، أي أنه يشتهي أن يحيا حياة شبيهة بحياة المحرك ما أمكن فلا يستطيع لأنه مادي فيحاكيه بالتحرك محاولة للوصول إلى الكمال. (^١)
هذا ملخص لما استدل به أفلاطون، وأرسطو على وجود الله تعالى رأينا عرضه ليتضح ما قلنا من التشابه في تطبيق ابن حزم استدلاله بما في الكون على وجود الله تعالى، وما استدل به أفلاطون وأرسطو ونعرف مدى تأثره بهما.
فقول ابن حزم في حركة الأفلاك ودورانها وعناية الله بتركيب أعضاء الإنسان وغيره مما يشاهد بالحواس من الأصباغ الموضوعة في جلود كثير من الحيوان وريشه ووبره في اتفاق واختلاف مضبوط (^٢).
شبيه بما ذكرنا من استدلال أفلاطون بالحركة، والجمال الظاهر في الكون على العلة العاقلة التي هي "الله" وهذا ظاهر عند النظر في الأدلة.
_________________
(١) انظر الطبيعة لأرسطو طاليس ترجمة إسحق بن حنين مع شروح ابن السمح، وابن عدى ومتى بن يونس وأبي الفرج بن الطيب جـ ٢ ص ٧٣٣ - ٧٣٩. والفلسفة الإغريقية للدكتور محمد غلاب جـ ١ ص ٢٧١، ٢٧٢. وتاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم ص ١٨٠ - ١٨٢. والفلسفة اليونانية للدكتور محمد بيصار ص ١٢٩ - ١٣١.
(٢) انظر الفصل جـ ١ ص ٢٢، ٢٣.
[ ١٣٦ ]
وقول ابن حزم: - إن الفلك بما فيه من النقلة الزمانية والحركة الدورية .. وإن الأثر مع المؤثر من باب المضاف فلابد لهذه الآثار من مؤثر أثرها ولا يتسلسل ذلك. (^١)
وهذه هي طريقة أرسطو في استدلاله على "المحرك الأول" والتشابه ظاهر في طريقة الاستدلال. ولكن ابن حزم وإن تأثر بأرسطو فلم يقتف أثره تمامًا لأنه يختلف عنه من حيث إن الأخير لا يرى أن الله خالق للعالم، وإنما هو علة له، ويستتبع مذهبه أيضًا أن الله لا يعلم العالم ولا يعنى به، (^٢) لذلك صرح الأول في دليله بالخلق فقال: "فلابد ضرورة من مؤثر ليس مؤثرًا فيه وليس هو شيئًا مما في العالم فهو بالضرورة الخالق الأول الواحد ﵎" (^٣)
فقد جمع ابن حزم بين قولي أفلاطون، وأرسطو، وقد تأثر في هذا الجمع بالكندي (^٤)
ومما يؤيد تأثر ابن حزم بالأفكار اليونانية القديمة ما ذكر من أن
* * * * *
_________________
(١) انظر المرجع السابق جـ ١ ص ٢٢.
(٢) انظر الفلسفة الإغريقية للدكتوب غلاب جـ ٢ ص ٨٩.
(٣) الفصل جـ ١ ص ٢٢.
(٤) انظر تقديم الدكتور أحمد الأهواني لكتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى ص ٦٩.
[ ١٣٧ ]
الأفلاك تسعة، (^١) وهذه نظرية قد أبطلت. (^٢)
بعد عرض استدلال ابن حزم على وجود الله تعالى وبيان هل كان من استنتاجه، أو مما سبق إليه. ومدى تأثره بمن سبقه. وهل تلك الأدلة صحيحة وسليمة، أو غيرها أولى منها - حسب علمنا - بقى ذكر الطريق الذي نراه الأولى في الإستدلال على الموجود الواجب الوجود لذاته، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الدليل، وهو دليل ابن حزم الثاني، وقلت إنه موافق للمنهج القرآني في استدلاله على إثبات الصانع، وقد بين استدلاله وطبقه على مظاهر الكون وأن من تاملها عرف أنه موجود بعد العدم، وأن له موجدًا قادرًا عليمًا حكيمًا، ثم بآثار الصنعة التي لا يشك فيها ذو عقل فإن كل فعل لابد له من فاعل وكل مصنوع لابد له من صانع وهذا حق لا مراء فيه.
ويجب أن نزيد على هذا ونوضحه فنقول ولا قوة إلا بالله:
إن إثبات وجود الله ﵎ من حيثما هو موجود لم يكن من الأهداف القرآنية، ولم يكن ذلك هدفًا من أهداف الرسول صلى الله
_________________
(١) يقصد المتأخرون من علماء الهيئة بالأفلاك التسعة العرش، والكرسي، والسموات السبع لما رأوا أن الأفلاك تسعة وأن التاسع محيط بها مستدير كاستدارتها وهو الذي يحركها الحركة المشرقية وسمعوا في الأخبار عن الأنبياء ذكر عرش الله وكرسيه وسمواته فظنوا أن هذه تلك. انظر الرسالة العرشية لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل جـ ٤ ص ١٥٤.
(٢) يقول محمد رشيد رضا: "إنه قد تبين .. بما ارتقى إليه علم الهيئة الفلكية بالآلات الحديثة المقربة للابعاد بطلان القول بالأفلاك التسعة التي تخيلها اليونان وتبعهم فيها علماء العرب" هامش الرسالة العرشية لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل جـ ٤ ص ١٠٧، ويذكر ابن تيمية في نفس الصفحة من الأصل بأنه ليس عندهم ما يثبت ذلك وما ينفي غيره فذلك ظن وليس بحقيقة.
[ ١٣٨ ]
عليه وسلم أو أحد أصحابه، لأن الإيمان بوجود الله ﵎ أمر فطرت عليه القلوب أعظم من فطرتها على الإقرار بغيره من الموجودات، فهو سبحانه أبين وأظهر من أن يجهل فيطلب الدليل على وجوده.
يقول ابن القيم: "سمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (^١)
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما". (^٢)
ولكن قد وجد من انحرفت فطرهم فقالوا بأن العالم لم يزل وهم الدهرية.
وقد رد القران الكريم على هؤلاء بما يضطر العقول إلى الإعتراف بالحق والرجوع إلى الصواب.
ومما سبق ندرك أن الإستدلال في القرآن على وجود الله ﵎ أتى من طريقين، ليس الهدف منهما هو الإستدلال على وجوده تعالى فدلالتهما عليه استنتاجًا:
_________________
(١) البيت لأبي الطيب المتنبي انظر ديوانه بشرح العكبرى جـ ٣ ص ٩٢. وفيه بدل "الأذهان" "الأفهام". وهو في مختصر الصواعق جـ ١ ص ١٧٥، ومدارج السالكين جـ ١ ص ٦٥، وفي كتاب العلو للذهبي ص ٥٩. كما ذكرناه. ولم ينسب إلى قائل.
(٢) مدارج السالكين جـ ١ ص ٦٠. وانظر مختصر الصواعق جـ ١ ص ١٧٠.
[ ١٣٩ ]
أحدهما: الرد على من انحرفت فطرهم.
وثانيهما: ما سبقت الإشارة إليه، وهو من طريق نصوص جاءت لبيان عظمة الله وتدبيره المحكم وعنايته التامة بكل صغيرة وكبيرة وبيان ما في العالم من تناسق وتضامن وانسجام وترابط بين أجزائه ووحداته.
الطريق الأول:
الرد على من انحرفت فطرهم:
هؤلاء هم من أنكروا الخالق ﵎. وقالوا إن الله تعالى لم يخلقهم ابتداء، ولا يعيدهم مآلًا، وإنما الحياة بالطبع والفناء بالدهر يقول تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^١) أي ما ثم خالق ولا مميت فالحياة والموت عندهم عبارة عن تركب الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وتحللها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر فكذبهم الله ﵎ بقوله ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (^٢) أي أن نسبتهم الحياة والموت للطبع والدهر قول بغير علم مبني على الظن والتخمين، لأن من كان طلبه وجدان الحق يكفيه النظر إلى حدوث الحياة في الأجسام الجمادية دليلا على أن هناك موجدًا للحياة ومنعما بها وهو الله ﵎، وإن ظهور الحياة في حد ذاته دليل كاف للإقناع بوجود الله
_________________
(١) سورة الجاثية آية (٢٤).
(٢) سورة الجاثية آية (٢٤).
[ ١٤٠ ]
الخالق يقول تعالى: " ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. (^٣) وقد رد الله عليهم بضرورات فكرية وآيات فطرية يقول ﵎ حاكيا قول رسل الأمم المنكرة للخالق: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، (^٤) فهو سبحانه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وشهادتها عليه. يقول ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (^٥) ويقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ (^٦) ويقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٧) ويقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (^٨) ويقول: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٩) ويقول: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (^١٠) ويقول: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ
_________________
(١) سورة الحج آية (٧٣).
(٢) سورة الطارق الآيتان (٥، ٦).
(٣) سورة الغاشية آية (١٧).
(٤) سورة إبراهيم آية (١٠).
(٥) سورة إبراهيم آية (١٩).
(٦) سورة المؤمنون آية (١٧).
(٧) سورة فصلت آية (٩).
(٨) سورة الشورى آية (٢٩).
(٩) سورة الأعراف آية (١٨٥).
(١٠) سورة الرعد آية (١٦).
[ ١٤١ ]
يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١) ويقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (^٢) ويقول: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. (^٣)
هذه الآيات ونظائرها في القران كثيرة جدًّا، يثبت الله ﵎ بها الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق بالنظر في ملكوت السموات والأرض حيث إن معرفة جواهر الأشياء، والوقوف على الاختراع الحقيقي في الموجودات يهب معرفة المخترع حقًّا، وهو الخالق لكل شيء ابتداء وإعادة، وحده لا شريك له، ويؤكد جل ثناؤه هذا بمبادئ مقررة تضطر المتفكر بها إلى الاعتراف بأن الشيء لا يمكن أن يوجد من غير موجد، ولا أن يوجد نفسه بقوله: "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون". (^٤) أي لا هذا ولا هذا بل الله هو الذي أنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا (^٥).
* * * *
_________________
(١) سورة النمل آية (٦٤).
(٢) سورة الروم آية (٢٠).
(٣) سورة ق آية (١٥).
(٤) سورة الطور آية (٣٥).
(٥) انظر الملل والنحل جـ ٣ ص ٧٩. والكشاف للزمخشرى ج ٢ ص ٣٦٩. وجـ ٣ ص ٥١٢، ٥١٣، وجـ ٤ ص ٢٥، ومناهج الأدلة لابن رشد ص ١٥٢، ١٥٣. وشرح حديث النزول لابن تيمية ص ٢٨ - ٣٠ وتفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ ٦ ص ٢٦٩، ٤٣٦ والتفكير الفلسفي في الإسلام جـ ١ ص ٦٤، ٦٥.
[ ١٤٢ ]
وبيان الطريق الثاني:
"العناية الإلهية بما يرى في العالم".
إذا نظرنا إلى هذا العالم وجدناه منظمًا مترابطًا سائرًا بهذا النظام المحكم الدقيق في كله وأجزائه، ومقدرًا على الأمر الأتقن والأنفع، وأن جميع الموجودات، موافقة لوجود الإنسان.
وفي النظر إلى الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وفصول السنة الأربعة ندرك هذه الموافقة، ونراها في الأرض، والماء والنار، والهواء وفي كثير من الحيوانات، والنباتات والجمادات وتظهر العناية الإلهية بموافقة أعضاء الإنسان والحيوان لحياته ومعاشه. يقول تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (^١) فإن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، فإذا نظر فيها وجد آثار التدبير فيه ظاهرة، والعناية الإلهية بالغة، ومن أظهر ما يدركه المدرك ما جعل الله في الإنسان من أبواب يجده في أمس الحاجة إليها، وقد هيأها الله ﵎ لتؤدي ما جعل إليها من أعمال، فكملها بما يصونها مما يؤذيها لتؤدي مهمتها وقد وضعها في أماكن على وضع تبدو منه جميلة ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (^٢) وهذه الأبواب هي، بابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للشم والتنفس، وباب للكلام والطعام والشراب وللتنفس أيضًا وبابان لخروج الفضلات وفي كل باب من التراكيب والفوائد ما
_________________
(١) سورة الذاريات، آية (٢١).
(٢) سورة المؤمنون آية (١٤).
[ ١٤٣ ]
يطول شرحه. (^١)
وفي النظر إلى الحيوانات، والحشرات، وما فيها من الفوائد وما تقوم به من أعمال متقنة منظمة على أوجه دقيقة عجيبة، ومن هذه الحشرات على وجه التمثيل النحل.
يقول ابن القيم: تأمل أحوال النحل، وما فيها من العبر، والآيات فانظر إليها، وإلى اجتهادها في صنعة العسل، وبنائها البيوت المسدسة التي هي من أتم الأشكال وأحسنها استدارة، وأحكمها صنعا، فإذا انضم بعضها إلى بعض لم يكن بينها فرجة ولا خلل، كل هذا بغير مقياس ولا آلة، وتلك من أثر صنع الله وإلهامه إياها وإيحائه إليها كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. (^٢) فتأمل كمال طاعتها وحسن ائتمارها لربها، اتخذت بيوتها في هذه الأمكنة الثلاثة في الجبال وفي الشجر وفي بيوت الناس حيث يعرشون، فلا يرى للنحل بيت في غير هذه الثلاثة.
ومن عجيب أمرها أن لها أميرًا يسمى اليعسوب، لا يتم لها رواح ولا إياب إلا به، فهي مؤتمرة لأمره سامعة له مطيعة يدبرها كما يدبر الملك أمر رعيته حتى إنها إذا آوت إلى بيوتها وقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى، ولا تقدم عليها في العبور بل تعبر بيوتها
_________________
(١) انظر التبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص ٢٢٢.
(٢) سورة النحل الآيتان (٦٨، ٦٩).
[ ١٤٤ ]
واحدة تلو الأخرى بغير تزاحم ولا تصادم ولا تراكم. (^١)
فالرائي بهذا - ونحوه مما هو كثير في الحيوانات والحشرات - بعقل وتفكر يدرك أن لها خالقًا بالغ العناية بها أوحى إليها بهذا العمل الذي فيه صلاحها وفوائدها.
ومن تفحص هذه المعاني، وعرفها علم أنها أتت من قبل فاعل قاصد لذلك كله مريد له حيث لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة. وإن في الظاهر من هذا الكون للحواس السليمة لأوضح دلالة على عناية فاعل مختار لما يفعل وهو اللطيف الخبير وقد ذكر ﷾ في كثير من المواضع من كتابه العزيز عنايته بهذا الإنسان ورعايته له فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾، (^٢) ويقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ (^٣) ويقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. (^٤)
_________________
(١) مفتاح دار السعادة لابن القيم ج ١ ص ٢٤٨، ٢٤٩. بتصرف، وانظر شفاء العليل ص ١٤٥ - ١٤٩. وكلام ابن القيم يوحي بالمراد للاستدلال. وقد أصبحت المعرفة عن النحل أدق.
(٢) سورة الجاثية الآيتان (١٢، ١٣).
(٣) سورة النبأ الآيات (٦ - ١٦).
(٤) سورة عبس الآيات (٢٤ - ٣٢).
[ ١٤٥ ]
هذه الآيات وغيرها في القران كثير جدًّا يذكر المولى ﵎ فيها عنايته بنا ورعايته لما يصلحنا بما سخر لنا مما به معاشنا وعليه قوام حياتنا من الانتقال إلى الأماكن البعيدة، وحمل الأثقال وتبادل المنافع بين الأقطار بوساطة الفلك في البحر، والأساطيل الجوية في السماء والحيوانات والسيارات على الأرض التي قد مهدت وجعلت ذلولا لتوطأ بالأقدام وتضعرب بالمعاول، وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال وقد هيئت لما يراد منها تهيئة تامة، من إخراج الماء والمرعى، وشق الأنهار فيها، وجعل السبل والفجاج فتبارك الله رب العالين، واقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها الجبال وبها أرساها لئلا تميد وليستقو عليها من فوقها من مخلوقاته جل وعلا، وغير هذا مما نعلم أكثر وما لا نعلم من الحكم والمنافع أكثر وأعظم. ولو حاولنا أن نعد نعم الله سبحانه علينا لعيينا يقول سبحانه ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (^١) ويظهر مصداق هذا لو أردنا معرفة ما أنعم الله تعالى علينا به من نعمة حاسة من الحواس فقط فكيف بباقي النعم الكثيرة والمستمرة. (^٢)
_________________
(١) سورة إبراهيم آية (٣٤).
(٢) انظر مناهج الأدلة لابن رشد مع المقدمة ص ١٥٢، ١٥٣، وبيان تلبيس الجهمية ج ١ ص ١٧٢ - ١٧٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج ٦ ص ٢٦٥ والتبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص ٢١٦، ٢١٧ والتفكير الفلسفي في الإسلام لعبد الحليم محمود جـ ١ ص ٦٦.
[ ١٤٦ ]
"آيات تجمع بين الدليلين":
ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات دالة على الموجود الواجب ﷾، وهي تجمع بين الدليلين السابقين، دليل الخلق، وهو ما ذكرنا إنه أتى للرد على المنكرين للصانع ودليل على العناية الإلهية بالمخلوقات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. (^١) فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تنبيه على دلالة الخلق، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ الآية إشارة إلى العناية الإلهية الدالة على الخالق، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (^٢) ففي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تنبيه على دلالة الخلق. وقوله ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى قوله ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ تنبيه إلى دلالة العناية الإلهية بالإنسان بما سخر له مما ذكر في الآيتين وغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان (٢١، ٢٢).
(٢) سورة إبراهيم الآيتان (٣٢، ٣٣).
[ ١٤٧ ]
تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١) ففي قوله ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. إلى قوله ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ تنبيه على دلالة الخلق. وفي قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ إلى قوله "وزينة" تنبيه على دلالة العناية، وقوله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيها التنبيه على دلالة الخلق أيضًا. ثم ذكر بعد ذلك عنايته بهذا المخلوق البشري وما هيأ له مما فيه خدمته وصلاحه في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (^٢) اشتملت الآيات على بيان عناية المولى جل وعلا بنا ورعايته لنا فمن هذه العناية إنزال الماء الذي منه قوام الحياة وقد عد الله في الآيات بعض تلك المنافع قال تعالى في موضع آخر ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٣) ومن عنايته تسخيره الليل والنهار بالتعاقب للسكون والعمل ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ﴾ أجراهن في السماء لمصالح خلقه وذللهن لمنافعهم
_________________
(١) سورة النحل الآيات (٣ - ٨).
(٢) سورة النحل الآيات (١٠ - ١٦).
(٣) سورة الأنبياء (٣٠).
[ ١٤٨ ]
من التدفئة والإضاءة والإهتداء بهن في الأسفار ليلًا ونهارًا وليعلموا بجريهن عدد السنين والحساب ويفصلوا بهن بين الليل والنهار. وذكر سبحانه ما خلق لنا من صنوف النعم المختلفة الألوان في الأرض وما في البحار من لحوم طرية وحلي زكية وهما من أعظم النعم أكلًا ولبسًا. وقد سخر البحر لتجري الفلك فيه بأمره ليسهل الحصول عليهما والانتفاع من غيرهما بالأسفار والاتجار.
ثم ذكر تعالى نعمة عظيمة امتن بها علينا وهي القاء الرواسي في الأرض حتى لا تضطرب فلا يستقر عليها شيء يقول ابن القيم: "لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ فيه تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ذلولًا". (^١) فأجرى فيها الأنهار وسلك فيها الطرق بين الجبال والأودية يقول ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ في سيركم من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر ومن إقليم إلى إقليم (^٢) وجعل العلامات التي يهتدي بها المسافرون في الليل والنهار وفي البر والبحر كالشمس والجبال وغيرهما نهارًا في البر، والشمس نهارًا في البحر، وليلًا بالقمر والنجوم برًا وبحرًا.
ومن الآيات التي تجمع بين دليل الخلق ودليل العناية قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (^٣) ففي إحياء الأرض الميتة بالنبت إشارة إلى الخلق والإيجاد، وفي قوله ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ "تنبيه على دلالة العناية الإلهية والآيات التي تجمع الدليلين في القرآن كثيرة جدًّا وكلها تتضمن ما عداها من
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص ٢١٧. وقول ابن القيم فيه نظر.
(٢) انظر جامر البيان عن تأويل القرآن للطبري تحقيق وتخريج محمود شاكر جـ ١٦ ص ٣٢٦.
(٣) سورة يس آية (٣٣).
[ ١٤٩ ]
أدلة فتضمنت إثبات خلق الله ﵎ لكل شيء وعنايته التامة بهذه المخلوقات حتى تستمر وتكون على الوجه الذي أراده ﷾. من هذا ندرك أن العالم غير واجب بنفسه وأنه حادث بعد أن لم يكن ومخلوق مفتقر إلى خالق ونستخلص من هذه المقدمات أن غير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه والحادث لا يكون إلا بالقديم والمخلوق لا يكون إلا بالخالق والمفتقر لا يكون إلا بغني.
فيلزم وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه ذلك الله رب العالمين. (^١)
* * * * *
_________________
(١) انظر تلبيس الجهمية لابن تيمية جـ ١ ص ١٧٤ - ١٧٦.
[ ١٥٠ ]
الفصل الثاني: وحدانية الله
بعد أن بينا الطريقة السليمة - على ما رأينا - في معرفة وجود الموجود الواجب الوجود لذاته الخالق ﷾، نبين طريقة إثبات وحدانية هذا الواجب، ونفي الألوهية عن غيره، وإثباتها له وحده دون سواه، والكلام أولا على مذهب ابن حزم في هذا ثم نقده.
فتكلم أبو محمد على الوحدانية عند ذكره القائلين أن فاعل العالم ومدبره أكثر من واحد، وقد أرجع الفرق القائلة بذلك إلى فرقتين فقال:
"فإحدى الفرقتين تذهب إلى أن العالم غير مدبريه وهم القائلون بتدبير الكواكب السبعة، (^١) وأزليتها وهم المجوس (^٢). .
_________________
(١) هي زحل، المشتري، المريخ، الشمس، الزهرة، عطارد، القمر. والقائلون بتدبير هذه الكواكب من فرق الصابئة يقال لهم أصحاب الهياكل لما عرفوا أن لا بد للإِنسان من متوسط يرى فيتوجه إليه فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع فتعرفوا كل شيء عنها وكانوا يسمونها أربابا آلهة. انظر الملل والنحل جـ ٢ ص ٨٦، ١٠٧، واعتقادات فرق المسلمين والمشتركين للرازي ص ٩٠.
(٢) هؤلاء أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين يقتسمان الخير والشر والنفع والضر والصلاح والفساد يسمون فاعل الخير النور وفاعل الشر الظلمة ومسائلهم كلها تدور على قاعدتين بيان سبب الامتزاج، وبيان سبب الخلاص. انظر الملل جـ ٢ ص ٣٧، ٣٨. وعلى هذا فكلام ابن حزم بأن المجوس هم القائلون بتدبير الكواكب السبعة وأزليتها غير صحيح.
[ ١٥١ ]
وأما الفرقة الثانية، فإنها تذهب إلى أن العالم هو مدبروه لا غيرهم البتة وهم الديصانية، (^١) والمزقونية (^٢)، والمنانية (^٣) القائلون بأزلية الطبائع الأربع (^٤) بسائط غير ممتزجة ثم حدث الامتزاج فحدث العالم بامتزاجها" (^٥).
ثم استدل على وحدانية فاعل العالم ومدبره فقال:
إن العالم لو كان مخلوقًا لاثنين فصاعدًا لكانا مشتبهين أو مختلفين
_________________
(١) هم أصحاب ديصان أثبتوا أصلين نورا وظلمة فالنور يفعل الخير قصدا، والظلام يفعل الشر طبعا، وزعموا أن النور حي عالم قادر والظلام بعكس ذلك، والنور جنس واحد وكذا الظلام. انظر الملل جـ ٢ ص ٥٥، ٥٦ والفصل جـ ١ ص ٣٦. واعتقادات فرق المسلمين للرازي ص ٨٨.
(٢) لعل الصواب أنها المرقيونية، وهم أصحاب مرقيون، أثبتوا أصلين قديمين متضادين النور والظلمة وثالث هو العدل الجامع وهو سبب المزاج وهو درجة بين النور والظلمة. انظر الملل جـ ٢ ص ٥٧، والفصل جـ ١ ص ٣٦ واعتقادات فرق المسلمين ص ٨٩.
(٣) هم أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور أردشير وقتله بهرام بن هرمز بن سابور. يقولون بنبوة عيسى دون موسى ﵉ ويقولون بنبوة زرادشت وماني ودين ماني الذي أحدث بين المجوسية والنصرانية وزعم أن العالم من أصلين قديمين النور والظلمة وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم. انظر الفصل جـ ١ ص ٣٥، ٣٦ والملل جـ ٢ ص ٤٩ - ٥٤.
(٤) هي اليبوسة، والرطوبة، والحرارة والبرودة. وهذه هي طبائع الأركان التي ركب منها الإنسان والأركان هي: التراب، والماء، والهواء، والنار. ويعتقد الطبائعيون أنها أصل كل شيء انظر الملل جـ ٢ ص ٧٩. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٤٣. وشرح الهراس لنونيه ابن القيم جـ ٢ ص ٤٣٥.
(٥) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم جـ ١ ص ٣٤، ٣٥.
[ ١٥٢ ]
ولابد إذ عدم الاشتباه، والاختلاف بين الموجودين محال.
وعلى حال الاشتباه فقد ثبت لهما معان اشتبها فيها كالوجود والفعل وكونهما لم يزالا، ولا يجوز كون هذه الصفات ليست غيرهما لأنها صفات عمتهما فإن كان الاشتباه هو هما فهما شيء واحد.
وعلى حال الاختلاف بينهما وأن كلا منهما غير الآخر فإن كان هذا الاختلاف فيهما هو غيرهما فههنا ثالث وهكذا أيضًا أبدًا، وإن كان الاشتباه هو هما والاختلاف هو هما فالاشتباه هو الاختلاف وهذا محال، إذ لابد من معنى في المختلف ليس اشتباهًا لأنه لا يجوز أن يكون الشيئان مشتبهين بالاختلاف. فإذا ثبت هذا فلابد من اشتباه أو اختلاف هو معنى غيرهما فهو ثالث. وإذا لزم فيهم ثلاثتهم مثل ما لزم في الاثنين من التشابه والاختلاف وهكذا، وهذا يوجب التركيب في كل واحد منهما من ذاته ومن المعنى الذي به أشبه الآخر أوخالفه والمركب محدث فهما محدثان لغيرهما ولابد، وإن ثبت التركيب لواحد منهما فقط وكان الآخر هو الفاعل له فقد عاد الأمر إلى واحد غير مركب ولابد ضرورة.
ثم إن ما كان أكثر من واحد فهو واقع تحت جنس العدد فهو نوع من أنواعه، والنوع مركب من الجنس والفصل فهو ذو موضوع ومحمول والمركب مع المركب من باب المضاف، وأما الواحد فليس عددًا، لأن العدد مركب من واحد يراد به الفرد وواحد كذلك، وواحد كذلك إلى نهاية العدد المنطوق به، فخاصته أن يوجد عدد آخر مساو له وعدد آخر ليس مساويًا له هذا شيء لا يخلو منه عدد أصلًا فالعدد ليس هو الواحد وهو ليس العدد وإنما العدد مركب من الآحاد التي هي الأفراد.
[ ١٥٣ ]
فالله واحد لم يزل إذ لو لم يكن كذلك لكان من جملة العالم تعالى الله عن ذلك، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١)، وقال تعالى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٢) (^٣).
ذكرنا في نقد استدلال ابن حزم على وجود الله تعالى أنه تأثر بيعقوب بن إسحق الكندي وبينا هناك ما رأيناه دالًا على ما قلنا.
وهنا عند استدلاله على الوحدانية نرى أيضًا أنه لم يذهب بعيدًا عما ذهب إليه الكندي في الاستدلال على الوحدانية فنجد أن استدلال ابن حزم على الوحدانية مبنى على القواعد التي بنى عليها الكندي دليله إلا أن الأول أعطى استدلاله شيئًا من البسط والتوضيح. ولتوضيح هذا نقدم ملخصًا لدليل الكندي هو:
أن محدث العالم سبحانه واحد لا شريك له ولا تركب في ذاته، ولو فرض أن العالم مخلوق لأكثر من إله لكانوا مركبين من صفة تعمهم ومن صفة أوصفات تميز كلًا منهم، والتسليم بوجود الصفات تسليم بوجود الكثرة في كل إله فيجب أن نقف على العلة في وجود التركيب في كل إله، ولو فرض وجود علة وجب البحث عن علة لهذه العلة وهكذا دواليك ولا يمكن الانتقال في سلسلة العلل فيجب الوقوف عند حد. فيلزمنا القول بوجود إله برىء من كل كثرة أو
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) سورة الإِخلاص آية (٤).
(٣) انظر الفصل لابن حزم جـ ١ ص ٤٤ - ٤٦، ٥٣، ٦٤. والمحلى له جـ ١ ص ٥.
[ ١٥٤ ]
تركيب لأن الكثرة في كل الخلق وليست فيه البتة (^١).
وبأدنى نظر إلى ما استدل به الكندي وابن حزم يدرك التشابه الكبير بينهما وأنهما دليل واحد.
وقد ذكر ابن حزم في استدلاله: "أن ما كان أكثر من واحد فهو واقع تحت جنس العدد فهو نوع من أنواعه .. الخ. فذكره هذا بهذه العبارات مما يؤيد قولنا بأنه تأثر بالكندى في استدلاله على الوحدانية فذكر الثاني قوانين ليبني عليها استدلاله على تناهي الزمان وبيان حدوثه فمما قال عن خواص الأزلي. أنه لا قوامه من غيره وأنه لا علة له فلا موضوع له ولا محمول ولا فاعل ولا سبب وقال: "فالأزلي لا جنس له لأنه إن كان له جنس فهو نوع والنوع مركب من جنسه المغاير له ولغيره ومن فصل ليس في غيره فله موضوع وهو الجنس القابل لصورته وصورة غيره ومحمول وهو الصورة الخاصة له دون غيره فله موضوع ومحمول" (^٢).
فنجد أن ما ذكر ابن حزم عن الجنس هو بعينه ما ذكره الكندي إلا أن الكندي ساقه في بيان منافاة ما دخل تحت الجنس للأزلية، وابن حزم ساقه لبيان أن ما كان أكثر من واحد فهو واقع تحت جنس العدد وما يقع تحت جنس العدد فهو مناف للوحدة لما ذكر.
وهذا المسلك الذي تبعه الإمام ابن حزم في البرهنة على وحدانية الله ﵎ بإثبات ربوبيته واعتقاد أنه وحده خالق العالم مسلك
_________________
(١) انظر رسالة الكندي إلى المعتصم في الفلسفة الأولى ص ١٢١، ١٢٢. ومناهج الأدلة لابن رشد مقدمة الدكتور محمود قاسم ص ٢٩. والتفكير الفلسفي في الإسلام جـ ٢ ص ٣٢٠.
(٢) رسالة الكندي إلى المعتصم في الفلسفة الأولى ص ٩٠، ٩١.
[ ١٥٥ ]
منطقي لإثبات هذا النوع من التوحيد وليس تحقيق هذا النوع بالدليل هو غاية التوحيد الذي دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام وإثبات وحدانية فاعل العالم اقتصارًا على أنه واحد في ذاته لا قسيم له أو لا جزء له وأنه واحد في صفاته لا شبيه له وأنه واحد في أفعاله لا شريك له (^١). ليس هو التوحيد الكامل والمقر بهذا النوع من التوحيد فقط لا يكون موحدًا ولا مؤمنًا فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله تعالى هو الخالق للسموات والأرض ومن فيهن وما بينهما وكانوا يعبدون غيره فهم مشركون كما أخبر الله عنهم فلم يجعلهم هذا الإقرار موحدين قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (^٣).
فهم قد أثبتوا أن الله خالق الكون كله وأنه ربه وبيده ملكوت كل شيء ولكنهم لم يؤمنوا بأن لا إله إلا هو، لأن الإِقرار بها، إقرار بأنه وحده هو الإِله المستحق للعبادة (^٤).
_________________
(١) انظر المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار بن أحمد جـ ٤ ص ٢٤١، ٢٤٢. والاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي ص ٦٩، ٧٠. ومتن العقيدة المسماة بأم البراهين ص ١ - ب ضمن مجموعة رسائل مخطوطة في لاله لي باستانبول رقم ٢٢٤٠ وهي من المجموعة ص ١٢٣ - ١٢٦.
(٢) سورة العنكبوت آية (٦١).
(٣) سورة المؤمنون الآيات (٨٤ - ٨٩).
(٤) انظر موافقة صحيح المنقول لابن تيمية جـ ١ ص ١٣٦ ورسالة في أهل الصفة والأباطيل فيهم وفي الأولياء ضمن الرسائل والمسائل جـ ١ ص ٣٤، ٣٥.
[ ١٥٦ ]
وقد اشتهر عند المتكلمين إثبات الوحدانية بدليل التمانع استنادًا إلى بعض الآيات القرآنية وفيه يحصل إثبات وحدة الصانع وتفرده بالألوهية دون سواه.
ويمكن تقرير هذا الدليل كالآتي:
لو قدرنا وجود إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم في وقت معين، وأراد الآخر سكونه في ذلك الوقت - لأن كلًا منهما أمر ممكن في نفسه، وكذا تعليق الإِرادة بكل منهما إذ لا تضاد بين الإِرادتين بل بين المرادين - وقصد كل واحد منهما إلى تنفيذه مراده، فلا يخلو إما أن يقدر حصول المرادين أو انتفاؤهما أو حصول أحدهما، وانتفاء الآخر.
فإن قدر حصول المرادين كان ذلك محالا، إذ يلزم من تقدير حصولهما اجتماع النقيضين. وإن قدر انتفاؤهما كان ذلك محالًا أيضًا، لاستحالة عرو الجسم القابل للحركة والسكون عنهما وهو ممتنع، على أنه لو قدر امتناع المرادين لدل ذلك على نقص كل واحد منهما وخروجهما عن الإِلهية.
وإن قدر حصول مراد أحدهما دون الآخر، فالذي حصل مراده هو الغالب، والذي لم يحصل مراده، مع قصده حصوله هو الممنوع الضعيف المهين، والممنوع المنعوت بالنقص لا يستوجب صفة الإِلهية (^١).
_________________
(١) انظر اللمع للأشعري ٢٠، ٢١. والتوحيد للماتريدي ص ٢٠، ٢١ والتمهيد للباقلاني ص ٢٥. والإنصاف له ص ٣٤، والمغني للقاضي عبد الجبار جـ ٤ ص ٢٧٥، ٢٧٦ وشرح الأصول الخمسة له من ٢٧٧، ٢٧٨ وأصول الدين للبغدادي ص ٨٥، ٨٦ والمعتمد لأبي يعلى ص ٤١. والشامل للجويني ص ٣٥٢. وإحياء علوم الدين للغزالي جـ ١ ص ١٠٨ ونهاية =
[ ١٥٧ ]
وإلى هذا الدليل الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^١)، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^٢).
أي لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق، وكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلوا بعضهم على بعض فما كان ينتظم الوجود والمشاهد انتظامه يقول تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (^٣) فليس هناك آلهة بل إله واحد لا إله إلا هو سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ودليل التمانع دليل عقلي مبني على السبر والتقسيم، وليس في الآيات ذلك التقسيم، وإنما فيها الإشارة إلى المعنى، وتأييد نتيجة ذلك الدليل، وهي فساد المصنوع عند تعدد الصانع، وقد رد ابن رشد (^٤) على من قال بتضمن الآية لدليل التمانع الذي صوره
_________________
(١) = الإقدام للشهرستاني ص ٩١ - ٩٣ وغاية المرام للآمدي ص ١٥١، ١٥٢ وشرح العقائد النسفية ص ٦٢ - ٦٥ وشرح المواقف ص ٦٨ - ٧١. وشرح الطحاوية ص ٢١، ٢٢.
(٢) سورة المؤمنون آية (٩١).
(٣) سورة الأنبياء آية (٢٢).
(٤) سورة الملك آية (٣).
(٥) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي المالكي محدث طبيب. أقبل على الكلام والفلسفة حتى صار يضرب به المثل فيها له مؤلفات كثيرة منها فلسفة ابن رشد. والتحصيل. وفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. توفي سنة ٥٩٥ وكان مولده في سنة ٥٢٠ من الهجرة. انظر بغية الملتمس للضبي ص ٥٤ وشذرات الذهب جـ ٤ ص ٣٢٠ والأعلام جـ ٥ ص ٣١٨.
[ ١٥٨ ]
المتكلمون فقال: "إن ما فهمه المتكلمون من الآية ليس هو الدليل الذي تضمنته حيث قسموا الأمر إلى ثلاثة أقسام وليس في الاية تقسيم فدليلهم هذا هو الذي يعرفه أهل المنطق بالقياس الشرطي المنفصل (^١) ويعرفونه هم بدليل السبر والتقسيم.
والدليل الذي تضمنته الآية هو الذي يعرف في صناعة المنطق بالشرطي المتصل (^٢). وهو غير المنفصل والفرق بين الدليلين ظاهر. ويكون المعنى في الآية، أنا لو فرضنا وجود أكثر من إله لفسد العالم. لكن هذا الفرض غير صحيح لأن العالم ليس فاسدًا فليس هناك إلا إله واحد سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا (^٣).
ويرى بعض المتكلمين أن قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^٤) حجة إقناعية للمسترشد وإن لم تفد إفحامًا للجاحد،
_________________
(١) هو ما كانت إحدى مقدمتيه قضية شرطية منفصلة، والأخرى حملية، والشرطية هي الكبرى. وله ثلاث حالات، لأنه إما أن تكون الشرطية المنفصلة مانعة جمع وخلو "حقيقة" أو مانعة جمع فقط، أو مانعة خلو فقط. انظر معيار العلم للغزالي ص ١٢٦، ١٢٧. وتحرير القواعد المنطقية لمحمود الرازي شرح الرسالة الشمسية للقزويني ص ١٦٤. والمنطق الصوري والرياضي لعبد الرحمن بدوي ص ٢١٩ - ٢٢١ والمرشد السليم في المنطق الحديث والقديم لعوض الله ص ١٦٧.
(٢) هو ما كانت القضية الكبرى فيه شرطية متصلة، والاستثنائية حملية والنتيجة إما أن تكون مثبتة للتالي أو نافية للمقدم، والحالة الأولى تسمى حالة الوضع، والحالة الثانية تسمى حالة الرفع. انظر معيار العلم ص ١٢٣، ١٢٤. وتحرير القواعد المنطقية شرح الرسالة الشمسية ص ١٦٤. والمنطق الصوري والرياضي ص ٢١٦. والمرشد السليم ص ١٦٥، ١٦٦.
(٣) انظر مناهج الأدلة لابن رشد مع المقدمة ص ٣٤، ١٥٩.
(٤) سورة الأنبياء آية (٢٢).
[ ١٥٩ ]
والملازمة بين تعدد الآلهة وفساد السموات والأرض عادية فإن العادة جارية بوجود التمانع والتغالب عند تعدد الحاكم على ما أشير إليه بقوله تعالى "ولعلا بعضهم على بعض" وإلا فإن أريد الفساد بالفعل أي خروجهما عن هذا النظام المشاهد فمجرد التعدد لا يستلزم الفساد لجواز الاتفاق على هذا النظام. وإن أريد إمكان الفساد فلا دليل على انتفائه بل النصوص شاهد بطي السموات وخرابها ورفع هذا النظام الذي يسير به الكون بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^١) ويقول: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (^٢) ويقول. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ (^٣) ويقول: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ (^٤)، وما معنى هذه الآيات إلا خراب هذا الكون ونظامه وتغيره في يوم القيامة يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٥) فهو ممكن لا محالة ولا يمكن القول بأن الملازمة قطعية والمراد بفسادهما عدم تكوينهما أي أن وجود أكثر من صانع يوجد بينهم تمانع في الأفعال فلا يكون واحد منهم صانعًا فلم يوجد مصنوع لأن القول بإمكان التمانع لا يستلزم إلا عدم تعدد الصانع لا انتفاء المصنوع على
_________________
(١) سورة الأنبياء آية (١٠٤).
(٢) سورة الانفطار الآيات (١ - ٤).
(٣) سورة الانشقاق الآيات (١ - ٥).
(٤) سورة التكوير الآيات (١ - ٣).
(٥) سورة إبراهيم: آية (٤٨).
[ ١٦٠ ]
أنه يرد منع الملازمة إن أريد به عدم التكون بالفعل، ومنع انتفاء اللازم إن أريد به الإمكان فإن قيل مقتضى كلمة "لو" أي انتفاء الثاني في الماضي بسبب انتفاء الأول فيه فلا يفيد الدلالة على أن انتفاء الفساد في الزمان الماضي بسبب انتفاء التعدد قلنا نعم بحسب أصل اللغة كذلك لكن قد يستعمل للاستدلال بانتفاء الجزاء على انتفاء الشرط من غير دلالة على تعيين زمان كما في قولنا لو كان العالم قديما لكان غير متغير والآية من هذا القبيل (^١).
والآية دليل على إثبات وحدانية الله ﵎ بإلهيته سواء قررت دلالتها بطريق التمانع، أو بنفي صدور الفعل الواحد عن فاعلين حيث إن الفعلين من نوع واحد إذا اجتمعا على محل واحد فسد المحل ضرورة (^٢).
ومما ورد في القرآن الكريم نافيًا الآلهة مع الله ﵎ قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (^٣).
ويرى بعض الفسرين أن معنى قوله ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ أي لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلًا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض" (^٤) وهذا القول له وجه من الصحة ويعضده بعض ما قيل في دلالة الآيتين السابقتين.
_________________
(١) انظر شرح العقائد النسفية للتفتازاني مع حاشية الكستلي ص ٦٤، ٦٥.
(٢) انظر مناهج الأدلة لابن رشد ص ١٥٦، ١٥٧.
(٣) سورة الإسراء آية (٤٢).
(٤) الكشاف للزمخشري جـ ٢ ص ٤٥١.
[ ١٦١ ]
وقيل المعنى إنه لو كان فيهما آلهة نسبتهم إلى هذا العالم واحدة لوجب أن يكونوا على العرش معه فكان يوجد موجودون متماثلين ينسبون إلى محل واحد نسبة واحدة وهذا لا يصح لأنه إذا اتحدت النسبة اتحد المنسوب والمقصود أنهم لا يجتمعون في النسبة إلى محل واحد كما لا يحلون في محل واحد إذا كانوا ممن شأنهم أن يقوموا بالحل، وإن كان الأمر في نسبة الإله إلى العرش ضد هذه النسبة. (^١).
وأرى بعد هذا القول عن المراد بالآية، وأن الأقرب إلى المراد بها، كما هو الظاهر والله أعلم، أنه لو كان الأمر كما يقول المشركون الزاعمون أن لله شركاء تعبد معه، وتقرب إليه، وتشفع لديه لكان أولئك المعبودون يعبدونه، ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة فاعبدوه أنتم وحده وهذا كقوله تعالى: "أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة" (^٢) فليس لكم حاجة بعبادة غيره ليكون واسطة لكم إليه فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه، فدعا إلى عبادته وحده وأنه المتفرد بالإلهية دون غيره قال الله تعالى: "لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (^٣). وقال هود ﵇ لقومه: "ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (^٤). وقال صالح ﵇ لقومه: "ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (^٥). وقال شعيب ﵇:
_________________
(١) انظر مناهج الأدلة لابن رشد مع المقدمة ص ١٥٧.
(٢) سورة الإسراء آية (٥٧).
(٣) سورة الأعراف آية (٥٩).
(٤) سورة الأعراف آية (٦٥).
(٥) سورة الأعراف آية (٧٣).
[ ١٦٢ ]
﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^١). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. (^٣). وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (^٤). ويقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (^٥). فهذه دعوة الرسل عامة إلى إخلاص العبادة لله دون سواه (^٦).
وقد ذكر الله ﵎ في غير ما آية من كتابه وحدانيته وتفرده بالألوهية دون سواه وأثبت هذه الوحدانية بأدلة تتجه إلى الحس والعقل معًا فبين تفرده بالألوهية عن طريق النظام والعناية والتدبير الموجود في الكون وأن هذه المصنوعات العظيمة المتقنة المسخرة والمهيئة بكل ما فيه قوام الحياة يستحيل صدورها عن أكثر من إله لأن بالتعدد يكون اختلاف المقاصد فلا يتم منها مقصود فيحصل الفساد كما سبق الكلام عن هذا قريبًا.
_________________
(١) سورة الأعراف آية (٨٥).
(٢) سورة النحل آية (٣٦).
(٣) سورة الأنبياء آية (٢٥).
(٤) سورة الممتحنة آية (٤).
(٥) سورة الزخرف آية (٤٥).
(٦) انظر جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري جـ ١٥ ص ٩١. وتفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ ٤ ص ٣١٠، ٣١١، والكشاف للزمخشري جـ ٢ ص ٤٥١ وموافقة صحيح المنقول لابن تيمية ص ١٣٤، ١٣٥. وشرح الطحاوية ص ١٨.
[ ١٦٣ ]
ومن الآيات الدالة على تفرد الله بالألوهية بعد بيان خلق السموات والأرض وما فيهما من العناية بالخلق وما أحيطا به من التدبير المسخر قوله تعالى: "قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ (^١).
ويذكر في موضع آخر من كتابه تفرده بالألوهية وعنايته البالغة بنا ورعايته لمصالحنا بإتيانه بالليل والنهار بالتعاقب المستمر ليحصل لنا العيش والبحث عن الأرزاق والسكون والراحة يقول تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ (^٢) ويقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا
_________________
(١) سورة النمل الآيات (٥٩ - ٦٤).
(٢) سورة القصص الآيات (٧٠ - ٧٢).
[ ١٦٤ ]
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ (^١) ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ (^٢). وهذا الحصر يدل على نفي الشريك مع الله تعالى وتقدس. ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٣) ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (^٤).
يبين تعالى في الآيتين عدم الشريك معه إذ لو كان معه شريك لجلب النفع ودفع الضر فبطل الحصر المذكور في الآيتين.
ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ (^٥) فعدم تأثير ما يدعى من دونه بكشف الضر أو إمساك الرحمة إذا أريد من الله دليل على أنه وحده القادر على ذلك والعاجز لا يكون إلهًا يعبد.
وقد بين تعالى تفرده بالألوهية بأنه الخالق لكل شيء كما قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (^٦) إذ لو كان معه آلهة لكان لهم خلق وغير الخالق لا يصلح للإِلهية.
_________________
(١) سورة فاطر آية (٣).
(٢) سورة الأنعام آية (٤٦).
(٣) سورة الأنعام آية (١٧).
(٤) سورة يونس آية (١٠٧).
(٥) سورة الزمر آية (٣٨).
(٦) سورة الزمر آية (٦٢).
[ ١٦٥ ]
وذكر سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه ما يدل على تفرده بالألوهية كما في قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١).
لأن الأول هو الفرد السابق وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (^٢) ففي نفيه ﵎ علم الغيب عن سواه ما يدل على عدم الشريك إذ لو كان له شريك لكان عالمًا مثله ثم إن الله تعالى صرح بكلمة "لا إله إلا هو في نحو سبعة وثلاثين موضعًا، وبالوحدانية في نحو سبعة عشر موضعًا من كتابه ذكرنا ونذكر بعض هذه المواضع الدالة على نفي الألوهية عن سواه تعالى (^٣).
فالتوحيد الذي جاء به الشرع وبه يكون الإيمان هو توحيد الله تعالى بإفراده بالعبادة وحده دون سواه وتجريد محبته والإِخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضا به ربًا وإلهًا وواليًا وأن لا يجعل له عدلًا في شيء من الأشياء وهو أحد التوحيدين "الذين عليهما مدار كتاب الله تعالى وبتحقيقهما بعث الله ﷾ رسوله ﷺ وإليهما دعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم من أولهم إلى آخرهم. وثانيهما التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله وحده وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل وتنزيهه عن صفات النقص" (^٤) ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر. وقد دل القرآن والسنة على كل منهما وعليهما ومما دل على توحيد الله بإفراده بالعبادة قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
_________________
(١) سورة الحديد آية (٣).
(٢) سورة الأنعام آية (٥٩).
(٣) انظر التفسير الكبير للرازي جـ ٢٢ ص ١٥٣، ١٥٤.
(٤) إجتماع الجيوش الإِسلامية لابن القيم ص ٤٦، ٤٧ بتصرف.
[ ١٦٦ ]
وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (^١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (^٢)، وجملة سورة الأنعام دالة على هذا النوع من التوحيد، وهذا النوع في الطلب والقصد، والنوع الثاني في الإثبات والمعرفة أي إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه وأنه ليس كمثله شيء في ذلك كله كما أخبر بذلك عن نفسه وأخبر عنه رسول الله ﷺ وهذا النوع في القران كثير جدًّا يقول تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^٣) ويقول تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^٤) ويقول: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (^٥)﴾ والآيات الدالة على هذا النوع كثيرة كما في أول سورة آل عمران، وأول سورة السجدة، وآخر سورة الحشر وغير ذلك.
_________________
(١) سورة الكافرون الآيات (١ - ٦).
(٢) سورة آل عمران آية (٦٤).
(٣) سورة الإخلاص الآيات (١ - ٤).
(٤) سورة طه آية (٨).
(٥) سورة الحديد الآيات (١ - ٥).
[ ١٦٧ ]
وقد جاء الكثير من الآيات متضمنا لنوعي التوحيد في غالب سور القرآن الكريم وفي كثير من الأحاديث النبوية يقول تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (^١) ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) إلى غير ذلك، ويقول جابر بن عبد الله في سياق حديثه في حجة الوداع فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (^٣). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة (^٤). والقرآن الكريم كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأَهله وجزائهم؛ لأنه إما خبر عن الله وعن أسمائه وصفاته، أو دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، وهو من مكملات التوحيد، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، وهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يفعل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. (^٥) فالتوحيد هو أول
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٦٣).
(٢) سورة البقرة الآيتان (٢١، ٢٢).
(٣) صحيح الإمام مسلم جـ ٢ ص ٨٨٧.
(٤) انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لابن تيمية جـ ١ ص ١٣٤، ١٣٩ واجتماع الجيوش الإسلامية ص ٤٧، ٤٨ وشرح العقيدة الطحاوية ص ٢٩.
(٥) انظر شرح الطحاوية ص ٢٩، ٣٠.
[ ١٦٨ ]
دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﵎. وأول واجب يجب على المكلف يقول ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله .. الحديث" (^١) ثم هو آخر واجب يقول ﷺ: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (^٢) جعلها الله آخر كلامنا إنه سميع مجيب.
* * * * *
_________________
(١) صحيح الإمام البخاري جـ ١١ ع ١١، صحيح الإمام مسلم جـ ١ ص ٥٣.
(٢) سنن أبي داود جـ ٢ ص ١٦٩. وقد بوب البخاري بقوله: "باب الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله" جـ ١ ص ١٥٢، ١٥٣. وذكر حديث من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة .. الحديث. وانظر أحاديث في نفس المعنى في المستدرك للحاكم جـ ١ ص ٧٢.
[ ١٦٩ ]
الفصل الثالث التنزيهات
* الكلام في هذا الفصل على:
١ - الجسمية، والعرضية، والزمانية، والمكانية، والحركة.
٢ - الصورة.
٣ - الماهية.
٤ - صفات الله تعالى.
٥ - أسماء الله تعالى.
[ ١٧١ ]
١ - الجسمية، والعرضية، والزمانية والمكانية والحركة.
يرى أبو محمد بن حزم أن من توحيد الله تعالى ونفي التشبيه عنه نفي الجسمية، والعرضية، والزمانية، والمكانية، والحركة.
فقال لنفي الجسمية: إنه لم يأت نص بتسميته تعالى جسمًا، ولم يقم البرهان بتسميته بذلك بل البرهان مانع منه. ولو أتانا نص بتسميته تعالى جسمًا لوجب علينا القول بذلك. (^١).
والبرهان المانع من تسميته تعالى جسمًا كما قال: "لا يوجد في العالم إلا جسم أو عرض وكلاهما يقتضي بطبيعته وجود محدث له فبالضرورة نعلم أنه لو كان محدثها جسمًا أو عرضا لكان يقتضي فاعلًا فعله ولا بد فوجب بالضرورة أن فاعل الجسم والعرض ليس جسمًا ولا عرضًا وهذا برهان يضطر إليه كل ذي حس بضرورة العقل ولا بد وأيضًا فلو كان الباري "جسمًا لاقتضى ذلك ضرورة أن يكون له زمان ومكان هما غيره، وهذا إبطال التوحيد وإيجاب الشرك معه تعالى لشيئين سواه، وإيجاب أشياء معه غير مخلوقة وهذا كفر" (^٢).
واستدل على نفي المكان عنه تعالى بقوله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (^٣). وقال إن هذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطًا به من جهة "ما" أو من جهات. وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة، والمكان شيء بلا
_________________
(١) انظر الفصل جـ ٢ ص ١١٨، ١١٩.
(٢) الفصل جـ ٢ ص ١١٧. بتصرف.
(٣) سورة فصلت آية "٥٤".
[ ١٧٣ ]
شك فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطًا بمكانه، هذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة. (^١).
واستدل على نفي الزمان والمكان عنه تعالى بقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (^٣) والزمان والمكان مخلوقان قد كان تعالى دونهما.
والمكان إنما هو للأجسام. والزمان هو مدة كل ساكن أو متحرك أو محمول في ساكن أو متحرك وكل هذا مبعد عن الله ﷿ (^٤).
وقد أبطل قول من وصف الله بالجسمية والحركة والصورة بقوله: إن الضرورة توجب أن كل متحرك فذو حركة، وأن الحركة لمتحرك بها وهذا من باب الإِضافة، فلو كان كل محرك متحركًا لوجب وجود أفعال لا أوائل لها وهذا باطل. فوجب ضرورة، وجود محرك ليس متحركًا ضرورة ولا بد، وهو الباري تعالى محرك المتحركات لا إله إلا هو، وكل ذي حركة فهو ذو عرض محمول فيه فصح أنه تعالى ليس جسمًا ولا متحركًا وبالله التوفيق (^٥).
إن رأي ابن حزم بأن من التوحيد ونفي التشبيه نفي الجسمية، والعرضية والزمانية، والمكانية، والحركة. نفيًا مطلقًا، ليس من التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ. فما جاء به ﵊ لم يكن يتضمن شيئًا من هذا النفي وإنما تضمن
_________________
(١) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٢٥.
(٢) سورة الفرقان آية (٢).
(٣) سورة السجدة آية (٤).
(٤) انظر المحلى جـ ١ ص ٣٥.
(٥) انظر الفصل جـ ٢ ص ١١٩.
[ ١٧٤ ]
إثبات الإِلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالى إلا له، ولا يعادى إلا فيه ولا يعمل إلا لأجله - وقد بينا هذا التوحيد بأدلته عند الكلام على الوحدانية (^١).
وتوحيد الرسل يتضمن إثبات الرسل ما أثبته تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، ونفي ما نفاه عن نفسه (^٢).
والتوحيد بهذا المعنى الذي قال به ابن حزم - تجريد الذات - مأخوذ عن الفلاسفة فهم الذين يثبتون ذاتا منزهة عن الكثرة، ويرون في إثبات الصفات تكثيرًا لها فينفونها ويرجعونها إلى السلوب (^٣).
وكان الأليق بابن حزم والذي يتمشى مع مذهبه - الأخذ بالظاهر وعدم وصف الله وتسميته إلا بما ورد - أن لا ينفي عنه تعالى ما لم ينفه عن نفسه، ولم ينفه عنه رسوله ﷺ ولا صحابته، لأن التوحيد بهذا النفي لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، ولو التزم مذهبه لما نفى عن الله تعالى ما لم ينفه عن نفسه.
والذي يذهب إليه سلف الأمة وأئمتها - في الجسمية، والعرضية والزمانية، والمكانية - عدم إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لأنه بدعة، لما في إثباتها، ونفيها من التلبيس والإيهام، بل لابد من الاستفسار، والاستفصال عند الإطلاق، فإن كان المعنى الراد
_________________
(١) انظر ١٦٦ - ١٦٩.
(٢) انظر درء تعارض العقل والنقل جـ ١ ص ٢٢٤، ٢٢٥. ونقض المنطق ص ١٢٤.
(٣) انظر آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ٣٢، ٣٣. والملل والنحل جـ ١ ص ٥٠. ودرء تعارض العقل جـ ١ ص ٢٨٤. ونقض المنطق ص ١٣٢. والفلسفة اليونانية ليوسف كرم ص ١٣١، ١٣٢.
[ ١٧٥ ]
صحيحًا موافقًا لما ورد في الكتاب وفي السنة قبل وإلا رد (^١).
وقد أجاب الإمام أحمد ﵁ أبا عيسى برغوث (^٢)، حين ناظره في القران وألزمه، بأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا، بأن هذا اللفظ مجمل لا يدرى مقصود المتكلم، ولم يرد به النص، وليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به، أو يأخذوا بمدلوله - وقال أحمد: - إني لا أقول إنه جسم، ولا ليس بجسم: لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإِسلام. فهو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
وبأن هذه الحجة ليست شرعية، فلا يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، وإنما هي بدعة، لا يعرف مقصود المتكلم بها إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها (^٣).
وما احتج به ابن حزم من البراهين على نفي الجسمية، والعرضية والزمانية والمكانية، والحركة، فلن نتعرض لنقضه، لأنا لا نقول بإثبات تلك الأشياء التي نفاها، وإنما نلتزم في ذلك ما يوافق الكتاب
_________________
(١) انظر درء تعارض العقل جـ ١ ص ٢٢٩، ٢٣٢، ٢٣٣. وبيان تلبيس الجهمية جـ ١ ص ٣٩٧. ونقض المنطق ص ١٢٣، ١٢٥. والمنتقى من منهاج الاعتدال ص ١٥٤، ١٠٩.
(٢) هو محمد بن عيسى الملقب ببرغوث، وإليه تنسب البرغوثية وهي من فرق النجارية، وكان على مذهب النجار فانفرد عنه ببعض المسائل كالاستطاعة التي يكون بها الفعل بأنها لا تكون إلا معه، وغيرها، انظر الفرق بين الفرق للبغذادي ص ٢٠٩. والفصل جـ ٣ ص ٢٢، والملل والنحل جـ ١ ص ٨٨، ٩٠.
(٣) انظر درء تعارض العقل مع النقل جـ ١ ص ٢٣٠، ٢٣١. وكتاب الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ضمن كتاب فسلفة ابن رشد ص ٧٩.
[ ١٧٦ ]
والسنة، ونترك الألفاظ المبتدعة التي تحتمل أكثر من معنى فإن تبين أن المراد من ذلك اللفظ صحيح قبل. وإن تبين خلافه رد. فإذا كان مرادهم بنفي الجسم مثلًا. ما يدل عليه اللفظ لغة، وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، أو أنه المركب من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، أو مما يقبل الانقسام، أو التفريق، والانفصال، أو ما كان مفرقًا فاجتمع. فالله ﵎ منزه عن الجسمية بهذه المعاني فهو أحد صمد، وكل هذه المعاني منتفية عنه ﵎.
وإن كان المراد بالجسم، ما يشار إليه، أو ما يرى بالأبصار أو ما كان ذاتًا متصفة بصفات الكمال، من العلم، والقدرة والحياة، والسمع، والبصر، وغير ذلك من الصفات فهذا غير صحيح ولا يقبل نفي الجسمية بهذا المعنى (^١).
وعلى هذا النحو القول في الزمانية والمكانية، والحركة، ونحو ذلك مما هو محتمل. فيستفصل عن المراد فإن كان مما ثبت لله عنه أوعن رسوله ﷺ قبل، وإن كان بخلاف ذلك لم يقبل.
_________________
(١) انظر الرد على المنطقيين لابن تيمية ص ٢٢٣ - ٢٢٧. وشرح حديث النزول له ص ٦٩، ٧٤، ٧٥. ومنهاج السنة جـ ١ ص ١٨٠ - ١٨٣، ١٩٨ - ٢٠٦ والمنتقى من منهاج الاعتدال ص ٨٠، ٨١، ١٠٦، ١٠٧. ومختصر الصواعق المرسلة جـ ١ ص ١١٢. وجـ ٢ ص ٤٠٥.
[ ١٧٧ ]
٢ - الصورة:
يذهب أبو محمد إلى نفي أن يكون لله تعالى صورة لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) حيث إنه تعالى لا يتمثل في صورة شيء مما خلق إذ لو حصل ذلك لكان مثلًا له وهو يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
ثم إن الضرورة توجب أن الصورة في المتصور لمتصور بها، وهذا من باب الإِضافة، فلو كان كل مصمور متصورًا لوجب وجود أفعال لا أوائل لها وهذا باطل. فوجب ضرورة وجود مصور ليس متصورًا ضرورة ولابد وهو الباري تعالى مصور المصورات لا إله إلا هو (^٢).
والقول في الحديث الثابت "خلق الله آدم على صورته" (^٣). إن الإِضافة في الحديث إضافة ملك يريد الصورة التي تخيرها الله ﷾ ليكون آدم مصورًا عليها، وكل فاضل في طبقته فإنه ينسب إلى الله ﷿ كما تقول بيت الله عن الكعبة، وروح الله لجبريل وعيسى وناقة الله لناقة صالح. والبيوت والأرواح والنوق كلها لله تعالى (^٤).
لقد أطلق ابن حزم "نفي الصورة عن الله تعالى" صراحة استدلالًا بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٥) والاية دليل على نفي أن يكون له تعالى وتقدس مثل ومن يقول إن له مثلًا فقد ضل نعوذ بالله
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) انظر الفصل جـ ٢ ص ١١٩. والمحلى، جـ ١ ص ٩.
(٣) انظر صحيح البخاري ج ٤ ص ٦١، وصحيح مسلم جـ ٤ ص ٢٠١٧، ٢١٨٤. ومسند الإِمام أحمد جـ ٢ ص ٢٤٤، ٢٥١، ٣١٥، ٣٢٣، ٤٣٤، ٤٦٣، ٥١٩.
(٤) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٦٧.
(٥) سورة الشورى آية (١١).
[ ١٧٨ ]
من الضلال، ولا تدل على نفي ما ثبت له ﵎ من أسماء أو صفات أما قوله في الحديث الصحيح "خلق الله آدم على صورته" فله وجه نبينه قريبًا إن شاء الله تعالى. ونقول لقد اتفق سلف الأمة على أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه لأنه أعلم بنفسه يقول تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (^١) وبما وصفه به رسوله ﷺ لأنه لا يصف الله تعالى بعد الله أعلم بالله من رسوله ﷺ وقد قال تعالى في حقه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٢) فيجب الإِيمان بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تشبيه لصفات الباري تعالى بصفات خلقه، يدل على هذا قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣) وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٤) وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (^٥) وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^٦) وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٧) ومن ظن أن صفة الخالق تشبه شيئًا من صفات خلقه فهو ضال جاهل، وقد بين تعالى اتصافه بالصفات بعد نفي مماثلتها لشيء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٨) بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهذه إشارة للخلق أن لا ينفوا عنه تعالى صفة سمعه وبصره بحجة أن في الخلق من يسمع ويبصر فيكون في الإثبات تشبيهًا بل عليهم إثبات ذلك على أساس
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٤٠).
(٢) سورة النجم الآيتان (٣، ٤).
(٣) سورة الشورى آية (١١).
(٤) سورة الإِخلاص آية (٤).
(٥) سورة النحل آية (٧٤).
(٦) سورة مريم آية (٦٥).
(٧) سورة البقرة آية (٢٢).
(٨) سورة الشورى آية (١١).
[ ١٧٩ ]
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) لأن الله تعالى له صفات لائقة بكماله وجلاله لا تدرك حقيقة كيفيتها يقول تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (^٢)، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم (^٣).
وعلى هذا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أن لله ﵎ صورة فيجب علينا الإِيمان بذلك وأن لا نروم إدراك كيفيتها ولا نشبهها بالصورة الجسمية (^٤) لأنها صورة خالق غني عما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه فصورة الخالق الغني. تناسب كماله وعظمة جلاله (^٥) روى أبو هريرة ﵁ "أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، شك إبراهيم. فيأيتهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) سورة طه آية (١١٠).
(٣) انظر شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص ٩. ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي ص ٣، ٤، وآداب البحث والمناظرة له القسم الثاني ص ١٢٧ - ١٢٩.
(٤) الصورة بالضم الشكل، وتستعمل بمعنى النوع والصفة، وتعرف الصورة الجسمية بأنها: الجوهر الممتد في الأبعاد كلها المدرك في باديء النظر بالحس. انظر القاموس المحيط جـ ٢ ص ٧٣. والتعريفات للجرجاني ص ١١٩.
(٥) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص ٥٨.
[ ١٨٠ ]
عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب السراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ أللهم سلم سلم "الحديث" (^١) وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ قلنا لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما، ثم قال: ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود ما كنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عُزَيرَ ابن الله، فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون، قالوا نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون؟ فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون فيقولون، نريد أن تسقينا، فيقال اشربوا. فيتساقطون حتى يبقى من كان يعبد الله من برّ أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا. قال: فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون
_________________
(١) صحيح الإِمام البخاري جـ ٤ ص ٢٠٠، وانظر صحيح الإمام مسلم جـ ١ ص ١٦٣ - ١٦٧.
[ ١٨١ ]
الساق، فيكشف عن ساق فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا "الحديث" (^١).
فلهذا نقول إن لله ﵎ صورة يعرفها من عبده إذا رآه يوم القيامة وهي صوره تليق بجلاله وعظمته لا تشبه المخلوقات ولا يحيط بها الإِدراك، ولا يعرف كنهها إلا هو تعالى وتقدس عن مشابهة الممكنات.
أما القول في الحديث "إن الله خلق آدم على صورته" ونص الحديث برواية أبي هريرة "إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" أن الإضافة في قوله "صورته" إضافة ملك يريد الصورة التي تخيرها الله سبحانه ليكون آدم مصورًا عليها وقد ذكر هذا القول ابن حزم فلا داعى لإِعادة تقريره، وقال أبو بكر بن خزيمة: "توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله "على صورته" يريد صورة الرحمن عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر بل معنى قوله "خلق آدم على صورته" الهاء في هذا الموضوع كناية عن اسم المضروب.
أراد ﷺ أن الله خلى آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب" (^٢).
فإن قيل: إن الحديث روى في إحدى الروايات بلفظ "على صورة
_________________
(١) صحيح الإمام البخاري جـ ٤ ص ٢٠١ وانظر صحيح مسلم جـ ١ ص ١٦٧ - ١٧١. وسنن الدرامي جـ ٢ ص ٣٢٦، ٣٢٧. ومسند الإمام أحمد جـ ٣ ص ١٧. والمستدرك على الصحيحين للحاكم جـ ٤ ص ٥٨٢ - ٥٨٤.
(٢) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص ٣٧. وانظر أساس التقديس للرازي فقد أورد هذا ص ٨٧.
[ ١٨٢ ]
الرحمن فأضاف الصورة إلى الرحمن ﵎ من إضافة صفات الذات. قلنا: إن البيهقي قال بعد ما ساق هذه الرواية: "يحتمل أن يكون لفظ الخبر في الأصل كما رويناه في حديث أبي هريرة" بلفظ على صورته "فأداه بعض الرواة على ما وقع في قلبه من معناه" (^١) وهذه الرواية كما روى ابن خزيمة قال: حدثنا يوسف بن موسى قال ثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقبحوا الوجه فإن ابن ادم خلق على صورة الرحمن" وروى الثوري هذا الخبر مرسلا غير مسند حدثناه أبو موسى محمد بن المثنى قال: ثناء عبد الرحمن بن مهدي قال ثناء سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عطا، قال رسول الله ﷺ: "لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" (^٢).
وفي رواة الحديث مقال: قال ابن خزيمة: "والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من جهة النقل موصولًا فإن في الخبر عللًا ثلاثًا إحداهن أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده. فأرسل الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء .. فإن صح هذا الخبر مسندًا - بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت. وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش - فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى
_________________
(١) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص ٢٩١. بتصرف وانظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ٢١٩، ٢٢٠.
(٢) انظر التوحيد لابن خزيمة ص ٣٨.
[ ١٨٣ ]
الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافه الخلق إليه" (^١) فليست الإِضافة في الخبر من إضافة صفات الذات على زعم من توهم ذلك بل إنها إضافة ملك أي الصورة التي تخيرها الله سبحانه ليكون عليها آدم ﵇، وقد سبق ذكرها عند ذكر معنى إضافه الصورة إلى الضمير "الهاء" في قوله "صورته" في الرواية الأولى.
ويكون المعنى فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح. والدليل على صحة هذا التأويل. ما روى عنه ﷺ أنه قال: "خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعا" (^٢) وفي الحديث إشارة إلى أن ادم كان مخلوقًا على صورته كاملًا لم يتنقل في أطوار الخلقه وهي الصورة التي كان عليها بعد الخروج من الجنة، وهي ما علمها أبناؤه، فلم تشوه صورته، ولم تغير خلقته بعدما أخرج من الجنة والله أعلم (^٣).
يقول ابن قتيبة (^٤) "والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع (^٥)، والعين، وإنما وقع الألف
_________________
(١) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص ٣٨ - ٣٩، وانظر أساس التقديس للرازي فقد أشار إلى هذا ص ٨٧.
(٢) صحيح البخاري جـ ٤ ص ٦١، وصحيح مسلم جـ ٤ ص ٢١٨٣، ٢١٨٤. وكتاب التوحيد لابن خزيمة ص ٤٠، والأسماء والصفات للبيهقي ص ٢٨٩.
(٣) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص ٣٩، ٤٠، وأصول الدين للبغدادي ص ٧٦. والأسماء والصفات للبيهقي ص ٢٩٠، ٢٩١. وأساس التقديس للرازي ص ٨٤، ٨٥.
(٤) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد نحوي لغوي كان فاضلًا ثقة سكن بغداد وحدث بها وروى عنه ابنه وغيره له تصانيف كثيرة منها غريب القرآن وعيون الأخبار، ومشكل القرآن، وطبقات الشعراء. توفي سنة ٢٧٦ وكانت ولادته في سنة ٢١٣، انظر وفيات الأعيان جـ ٣ ص ٤٢ - ٤٤. وشذرات الذهب جـ ٢ ص ١٦٩.
(٥) الأصابع لم يرد إثباتها من طريق القرآن بل من طريق السنة فهي كالصورة من طريق ورود إثباتها.
[ ١٨٤ ]
لتلك لمجيئها في القرآن. ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (^١).
فمذهب ابن قتيبة مؤيد لما ذكرنا من إثبات صورة لله تعالى لائقة به كسائر ما ثبت له من الصفات، فلا تشبه الصور المخلوقة تعالى الله وتقدس أن يشابه شيئًا من خلقه.
٣ - المائية (^٢):
يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن لله ﵎ مائية هي أنيته (^٣) نفسها، إذ نفى المائية نفي للذات والحقيقة، ويجاب السائل عن مائية الله تعالى: بأنه حق واحد أول خالق لا يشبه شيئًا من خلقه لذا كان جواب موسى ﵇ حين سأله فرعون: "وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين" (^٤). جوابًا صحيحًا تامًا، ولا جواب لهذا السؤال حتى في علم الله تعالى غيره، لأن الله ﵎ حمده عليه وصدقه فيه، ويستحيل أن يصدقه ويحمده على جواب غير
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٢٢١.
(٢) المائية: هي الماهية قلبت الهمزة هاء لئلا يشتبه بالمصدر المأخوذ من لفظ "ما" وماهية الشيء: ما به الشيء هو هو. والماهية من حيث هي هي. لا موجودة ولا معدومة، ولا كلي ولا جزئي، ولا خاص ولا عام. وهي نسبة إلى "ما" أو إلى "ما هو" وهو الأظهر. جعلت الكلمتان كالكلمة الواحدة. انظر التعريفات للجرجاني ص ١٧١. والفصل لابن حزم جـ ٢ ص ١٧٤. والتفسير الكبير للرازي جـ ٢٤ ص ١٢٨.
(٣) أنية الشيء وجوده فقط. والسؤال عنها بهل. انظر الفصل جـ ٢ ص ١٧٤ وشرح الأصفهانية ص ١٧. والتعريفات للجرجاني ص ٣١.
(٤) سورة الشعراء الآيتان (٢٣، ٢٤).
[ ١٨٥ ]
صحيح (^١).
هذا المذهب الذي ذهب إليه ابن حزم في ماهية الله تعالى: مذهب صحيح موافق لما ذهب إليه أئمة السنة والجماعة من السلف والخلف (^٢).
يقول ابن تيمية: "وإذا كان المخلوق المعين، وجوده الذي في الخارج هو نفس ذاته وحقيقته وماهيته التي في الخارج، ليس في الخارج شيئان فالخالق تعالى أولى أن تكون حقيقته هي وجوده الثابت الذي لا يشركه فيه أحد وهو نفس ماهيته التي هي حقيقته الثابتة في نفس الأمر" (^٣).
فإثبات الماهية لله تعالى إثبات وجود لا إثبات كيفية لأن الكيف بالنسبة لله تعالى وصفاته غير معلوم لأحد فلا يحاط به سبحانه كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (^٤) وقال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (^٥) أي لا تحيط به (^٦).
وأما عن قول ابن حزم: "إنه لا جواب لسؤال فرعون إلا ما أجاب به موسى حتى في علم الله تعالى" (^٧).
فنقول: سؤال فرعون عن الحقيقة، وجواب موسى ﵇ كان بالفاعلية والمؤثرية.
_________________
(١) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٧٤.
(٢) انظر الرسالة في الجواب عمن يقول إنَّ صفات الرب نسب وإضافات لابن تيمية ضمن جامع الرسائل المجموعة الأولى ص ١٧٣. والفرق بين الفرق ص ٢١٤. والملل والنحل ص ٩٠، ٩١.
(٣) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية جـ ١ ص ٢٩٣. وانظر نقض المنطق له ص ٦٠. والتوحيد للماتريدي ص ١٠٧. والتفسير الكبير للرازي جـ ١٢ ص ١٧٣. وشرح المواقف ص ٣٧.
(٤) سورة طه آية (١١٠).
(٥) سورة الأنعام آية (١٠٣).
(٦) انظر حادي الأرواح لابن القيم ص ٢٢٨ - ٢٣٠.
(٧) الفصل جـ ٢ ص ١٧٤.
[ ١٨٦ ]
نفي الجواب لهذا السؤال مطلقًا حتى في علم الله تعالى إلا ما أجاب به موسى ﵇ ليس على إطلاقه.
أما في علم الله تعالى فهو أعلم بحقيقة نفسه، ولا شك بأن له حقيقة هو أعلم بها لا نعلمها.
وأما فيما بيننا فلا جواب إلا ما أجاب به موسى.
وبيان ذلك زيادة على ما ذكر ابن حزم من تصديق الله تعالى له. أن السؤال "بما" طلب لتعريف حقيقة الشيء، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بتلك الحقيقة نفسها، أو بجزء من أجزائها، أو بشيء خارج عنها، أو بما يتركب من الداخل والخارج.
أما تعريف حقيقة الشيء بنفسها فمحال، لأن تعريف الشيء بنفسه لم يفد زيادة على ما هو معلوم فهو تكرار لا تعريف، إذ يلزم أن يكون الشيء معلومًا قبل أن يكون معلومًا وهو محال.
وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فمستحيل ذلك في حق واجب الوجود لأن التعريف بذلك لا يتم إلا إذا كان المعرف مركبًا من أجزاء ويستحيل أن يكون الله تعالى بحاجة إلى غيره أو إلى شيء خارج عن ذاته، ويستحيل لهذا أيضًا التعريف بالأجزاء بالنسبة لواجب الوجود، لأنه ﵎ فرد صمد غني عما سواه. ولما بطل التعريف بتلك الأقسام، ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره واللوازم قد تكون خفية وقد تكون جلية، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لابد من تعريفها باللوازم الجلية وهو ما أجاب به موسى ﵇ فرعون. (^١).
فإن قيل: وهل جواب موسى ﵇ لفرعون هو ما سأل عنه؟
_________________
(١) انظر التفسير الكبير للرازي جـ ٢٤ ص ١٢٨، ١٢٩.
[ ١٨٧ ]
قلنا: سؤال فرعون من حيث هو سؤال عن الماهية الاعتبارية (^١). فهو يطلب معرفة الماهية وخصوصية الحقيقة وموسى ﵇ أجابه بالفاعلية والمؤثرية وهي لا تفيد الحقيقة المسئول عنها. ولما رأى موسى استنكار فرعون لجوابه تعجبًا من هذا الجواب، كرر الجواب موسى ﵇ بما هو أظهر ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (^٢) فقال فرعون عند هذا ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (^٣) فهو لا يفهم السؤال فضلًا عن أن يجيب عنه، فكرر الجواب موسى بما هو أوضح من سابقه بقوله ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٤) أي إن كنت من العقلاء، عرفت أنه لا جواب لهذا السؤال من أحد من العالم بالنسبة لله تعالى إلا هذا الجواب لأن حقيقة الباري ﷾ من حيث هي هي غير معقولة للعالم بل المعقول لهم لوازمه وآثاره سبحانه وهي حقائق ظاهرة تدل بعظمها على أن الفاعل لها فرد صمد قوى قاهر لا يعجزه شيء ولا يحيط به أحد من خلقه تعالى وتقدس. (^٥).
٤ - صفات الله تعالى من حيث الإِطلاق العام:
يذهب أبو محمد بن حزم إلى نفي إطلاق لفظ الصفات لله تعالى لأنه تعالى لم ينص في كلامه المنزل على الصفات، ولا على لفظ الصفة، ولم يحفظ ذلك عن النبي محمد ﷺ، ولم يرد
_________________
(١) الماهية الإعتبارية هي ما لا وجود له إلا في عقل المعتبر ما دام معتبرًا يسأل عنها بما هو. انظر التعريفات للجرجاني ص ١٧٢.
(٢) سورة الشعراء آية (٢٦).
(٣) سورة الشعراء آية (٢٧).
(٤) سورة الشعراء آية (٢٨).
(٥) انظر التفسير الكبير للرازي جـ ٢٤ ص ١٢٩، ١٣٠.
[ ١٨٨ ]
عن أحد من الصحابة ﵃، ولا عن خيار التابعين. ولأن لفظ الصفة في اللغة العربية وفي جميع اللغات عبارة عن معنى محمول في الموصوف بما لا معنى للصفة غير هذا البتة، وهذا أمر لا يجوز إضافته إلى الله تعالى البتة إلا أن يأتي نص بشيء أخبر الله تعالى به عن نفسه فنؤمن به وندري حينئذ أنه اسم علم لا مشتق من صفة أصلًا، وأنه خبر عنه تعالى لا يراد به غيره ﷿ ولا يرجع منه إلى سواه البتة (^١).
لهذا فلا يحل لأحد أن ينطق به.
يقول ابن حزم: "ولو قلنا إن الإجماع قد تيقن على هذه اللفظة لصدقنا فلا يجوز القول بلفظ الصفات، ولا اعتقاده بل هي بدعة منكرة قال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (^٢) " (^٣).
ومن أدلته على نفي الصفات (^٤). قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^٥).
هذا المذهب الذي يذهب إليه أبو محمد بن حزم - في عدم إثبات الصفات لله تعالى، وعدم جواز إطلاق لفظ الصفة أو الصفات له تعالى. وجواز تسميته بما سمى به نفسه من غير أن يشتق له من تلك الأسماء صفات. هو في الحقيقة ما ذهب إليه المعتزلة حيت لا يثبتون
_________________
(١) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٥٩، ١٦١.
(٢) سورة النجم آية (٢٣).
(٣) الفصل جـ ٢ ص ١٢٠، ١٢١. وانظر ص ١٥٩، ١٦١.
(٤) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٢٢.
(٥) سورة الصافات آية (١٨٠).
[ ١٨٩ ]
لله تعالى صفات قديمة أصلًا، ولا ينفون الأسماء. بل يثبتونها لله تعالى، ويسمونه بها.
وإن كان ابن حزم لا يلتزم نفس استدلالهم على النفي. لكنه يتفق معهم في النتيجة، نفي الصفات عن الله تعالى، إذ نفيهم للصفات القديمة فرار من تعدد القدماء مع الله تعالى، لأن القدم أخص صفاته، وفي إثباتها معه مشاركة في الإِلهية - على زعمهم - (^١) ونفى ابن حزم لذلك تمشيًا مع مذهبه الظاهري، وإبقاء على ظاهرية الأسماء التي وردت بالنص وجعلها ألفاظًا فارغة عن المعاني بمنزلة أصوات لا تفيد شيئًا، فلا تكون دليلًا على إثبات صفات له لعدم النص الظاهر على ذلك كما يدعى.
وقد استدل على النفي بقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (^٢). والآية لا تدل على ما ذهب إليه والمقصود بالأسماء في الآية معبودات المشركين. فذكر تعالى في سياق الآيات، اللات، والعزى، ومناة.
فقيل: إن معنى قوله ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ أي كونها إناثًا ومعبودات أسماء لا مسمى لها، فإنها ليست بإناث حقيقة، ولا معبودات.
وقيل: "أسماء" أي قلتم بعضها عزى ولا عزة لها، وقلتم، إنها آلهة وليست بآلهة (^٣).
_________________
(١) انظر شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ١٢٨ - ٢١٣. ففي هذه الصفحات تعرض لنفي الصفات عامة، ثم عرضها صفة صفة. وأورد الاعتراضات وأجاب عنها بما يتمشى مع مذهبه. وانظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص ١١٤. والملل للشهرستاني جـ ١ ص ٤٤. ونهاية الإقدام له ص ٢٠١، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران الدمشقي ص ١٤، ١٥.
(٢) سورة النجم آية (٢٣).
(٣) انظر التفسير الكبير للرازي جـ ٢٨ ص ٢٩٩.
[ ١٩٠ ]
واستدل بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^١). وليس فيها دلالة على نفي صفات الله تعالى، وإنما فيها تنزيه الله تعالى وتقديسه عن كل ما لا يليق بصفات الإِلهية، وفي الآية إثبات ما استدل على نفيه ففي قوله "رب العزة" وصفه بكل ما يليق بإلهيته لأن الربوبية إشارة إلى التربية، وهي دالة على كمال الحكمة والرحمة و"العزة" إشارة إلى كمال القدرة، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكًا له لم يبق لغيره شيء" (^٢).
فليس في الآيتين ما يدل على نفي الصفات عن الباري تعالى كما استدل بهما ابن حزم. يقول ابن تيمية عن الظاهرية: - إن الظاهرية مع انتسابهم إلى الحديث والسنة أنكروا القياس الشرعي المأثور عن السلف والأئمة.
ودخلوا في الكلام الذي ذمه السلف، والأئمة حتى نفوا حقيقة أسماء الله وصفاته.
ويرى ابن تيمية أن إثبات الأسماء دون الصفات سفسطة (^٣) في
_________________
(١) سورة الصافات آية (١٨٠).
(٢) انظر التفسير الكبير للرازي جـ ٢٦ ص ١٧٣. والكشاف للزمخشري جـ ٣ ص ٣٥٨. والبحر المحيط لأبي حيان جـ ٧ ص ٣٨٠. والنهر له على هامش البحر جـ ٧ ص ٣٧٨.
(٣) السفسطة مذهب فلسفي ظهر في البيئة اليونانية، ويسمى أهله السوفسطائية وهم يمارون في حقائق الأمور ويسرفون في المغالطة. والسفسطة أنواع ثلاثة نفي الحقائق، أو الوقوف فيها، أو جعلها تابعة لظنون الناس، وقيل بنوع رابع وهو القول بأن العالم في سيلان فلا يثبت. انظر منهاج السنة جـ ١ ص ٢٤٢ والمنتقى من منهاج الاعتدال ص ١٠٣، والهامش ص ٨٠.
[ ١٩١ ]
العقليات وقرمطة (^١) في السمعيات (^٢).
ودليل السفسطة أن المعلوم اضطرارًا الفرق بين الحي، والعليم والملك، والقدوس، والجبار، والمتكبر، والعزيز والغفور ونحو ذلك وأن العبد إذا قال: رب ارحمني، واغفر لي وتب على إنك أنت الرحيم التواب الغفور كان قد أحسن في مناجاته لرب وفي دعائه له، ولو قال رب ارحمني واغفر لي وتب علي إنك أنت الشديد العقاب الجبار المتكبر لم يكن محسنًا في مناجاته.
ودليل القرمطة: أن الأسماء إذا كانت أعلامًا جامدة لا تدل على معنى لم يكن فرق فيها بين اسم واسم فعلى هذا لا مانع من تسمية الله تعالى بالميت والعاجز والجاهل، بدل الحي العالم القادر تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٣) فأثبت لنفسه الأسماء الحسنى وأمر بالدعاء بها ووعد الملحدين فيها بالجزاء ولو لم يكن فروا فيها لم يلحد أحد في اسم دون اسم ولا ينكر عاقل اسما دون اسم. والله ﵎ له الأسماء الحسنى دون السوآى، وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيء بمعناه فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على
_________________
(١) القرمطة مذهب باطني ظهر في البيئة الإسماعيلية المشتقة من نزعة التشيع ويسمى أهلها القرامطة. وهم في أصلهم الإسماعيلي والشيعي يمارون في مدلولات النصوص ويزعمون أن لها معاني غير التي يفهمها الذين وردت النصوص بلغتهم. انظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص ٨٠ الهامش. والملل جـ ١ ص ١٩١ - ١٩٨.
(٢) انظر شرح الأصفهانية ص ٧٦، ٧٩. ورسالة في الجواب عمن يقول إن صفات الرب نسب لابن تيمية ضمن جامع الرسائل المجموعة الأولى ص ١٧٠، ١٧١. والمنتقى من منهاج الاعتدال ص ٨٠.
(٣) سورة الأعراف آية (١٨٠).
[ ١٩٢ ]
معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى ولكان يكفي منها اسم واحد يدل على هذه الذات، وكان الباقي لغوًا ليس لذكره فائدة تعالى الله بأسمائه وصفاته عن النقائص والعيوب وتنزه عن أن يكون شيء من ذلك لغوًا (^١). ويقال لمن نفى اتصاف الله تعالى بالصفات لماذا لا تنفى الأسماء معها حتى لا يحتج عليك بهذا الإِثبات، لأن هذه الأسامي إذا لزمت ذاتًا من الذوات لزمتها الصفات التي من أجلها وقعت الأسامي، إذ لو جاز أن يكون عالمًا بغير علم أو سميعًا بغير سمع أو بصيرا بغير بصر لجاز أن يكون الجاهل مع عدم العلم عالمًا والأعمى مع فقد البصر بصيرًا والأصم مع غيبوبة السمع سميعا، فلما لم يجز ما ذكر صح أن العالم إنما صار عالمًا لوجود العلم والبصير، والسميع، لوجود السمع، والبصر (^٢).
فإن قال: كيف أنفى أسماء الله تعالى وقد ذكرها في كتابه؟
قلنا: وقد ورد في كتابه تعالى ذكر العلم، والقوة. فذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (^٣). وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (^٤). وذكر القوة فقال: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (^٥). وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (^٦) فيلزمك لهذا إثباتهما.
فإن قال: أنا لا أنفيهما وقولي فيهما "أن علم الله تعالى وقدرته،
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦، ٧٧. ومجموع فتاوى ابن تيمية جـ ٥ ص ٤٩٤. والتفسير الكبير للرازي جـ ١٥ ص ٦٦.
(٢) انظر شرح الأصفهانية ص ٨١. والاعتقاد للبيهقي ص ٢٦.
(٣) سورة النساء آية (١٦٦).
(٤) سورة فاطر آية (١١).
(٥) سورة الذاريات آية (٥٨).
(٦) سورة فصلت آية (١٥).
[ ١٩٣ ]
وقوته حق وليس العلم غير القدرة، ولا القدرة غير العلم، وليس ذلك غير الله، ولا يقال إنه الله" (^١).
قلنا: إن هذا لا يستقيم مع ما ورد في الآيات إذ فيها أن العلم له معنى يخالف معنى القدرة، وتعلقات تخالف تعلقاتها فالعلم يتعلق بالمعلومات، والقدرة تتعلق بالمقدورات فالعلم أعم لتعلقه بالواجب والممكن والمستحيل لأن كل شيء يصلح أن يكون معلومًا (^٢). بخلاف القدرة فلا تتعلق إلا بالممكن.
ولو كان المفهوم من الصفتين واحدًا لوجب أن يعلم بقدرته، ويقدر بعلمه ويكون من علم الذات مطلقًا علم أن له قدرة، وعلمًا، وليس الأمر كذلك فإن هذه حقائق متنوعة، فإن جعلت هذه الحقيقة هي تلك كان بمنزلة من يقول، إن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم، وحقيقة الطعم هي حقيقة اللون وأمثال ذلك مما يجعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة ومن العلوم أن الجسم ليس هو العرض، والموصوف ليس هو الصفة، والذات ليست هي النعوت فمن قال: إن العالم هو العلم، والعلم هو العالم، والقادر هو القدرة، والقدرة هي القادر، فضلا له بين. وكذا القول. إن القدرة هي العالم وأن العلم هو القادر (^٣)، وسيأتي الكلام على العلم والقدرة (^٤). أما قولك "ليس ذلك غير الله، ولا يقال إنه الله" فنفى
_________________
(١) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٢٩، ١٤٠، ١٧٢.
(٢) انظر مجموعة فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية جـ ٥ ص ٤٩٤. ودرء تعارض العقل والنقل له جـ ١ ص ٢٨٥.
(٣) انظر درء تعارض العقل والنقل جـ ١ ص ٢٨٥. وشرح الأصفهانية ص ٨٠. ورد الإمام عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد ٢٢، ٢٣.
(٤) انظر ص ٢٢٦ - ٢٤٠.
[ ١٩٤ ]
القول بأنه الله صحيح. أما كون ذلك ليس غير الله فلفظ "الغير" مجمل ونفيه يوهم معنى فاسدًا، وكذا إثباته، فيجب الاستفصال عن المقصود فإن كان القصد بأنه ليس غير الله، أي ليس غيرًا منفصلًا عنه فهذا حق فإن صفات الباري لا تفارق ذاته.
ثم إن وجود ذات في الخارج غير متصفة بالصفات محال، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يعرض للذهن ذات وصفة كل وحده ووجوده في الخارج، محال وهذا بمنزلة من يقول، أثبت إنسانًا لا حيوانًا، ولا ناطقًا، ولا قائمًا بنفسه ولا بغيره، ولا له قدرة، ولا حياة، ولا حركة، ولا سكون أو نحو ذلك، أو يقول أثبت نخله ليس لها ساق، ولا جذع ولا ليف، ولا غير ذلك. فإن هذا يثبت ما لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل، لأن لفظ "ذات" في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة أي "ذات وجود" "ذات قدرة" "ذات إرادة" إلى غير ذلك، ولم ترد إلا كذلك كما في قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (^١). وقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (^٢). وقول خبيب بن عدي ﵁ حين قدمه كفار قريش للقتل:
ولست أبالي حين أفتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
_________________
(١) سورة الأنفال آية (١).
(٢) سورة آل عمران الآيتان (١١٩، ١٥٤) والمائدة (٧)، والأنفال (٤٣) وهود (٥). ولقمان (٢٣)، وفاطر (٣٨) والزمر (٧). والشورى (٢٤). والحديد (٦)، والتغابن (٤)، والملك (١٣).
[ ١٩٥ ]
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك علي أوصال شلو (^١) ممزغ (^٢)
وقول حسان بن ثابت ﵁ حين أنشد النبي - ﷺ -:
شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذي فوق السموات من عل
وأن أخا الأحقاف إذ يعذلونه يجاهد في ذات الإِله ويعدل (^٣)
فذات كذا بمعنى صاحبة كذا تأنيث "ذو" هذا أصل معنى الكلمة فلا يتصور انفصال الصفات عن الذات، ووجود ذلك في الذهن شيء فرضى لا حقيقة له كما يفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره، وصفة لا تقوم بغيرها، فما هو قائم بنفسه فلابد له من صفة وما كان صفة فلابد له من قائم بنفسه متصف به، وقد سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائمًا بنفسه لا صفة له سواء سموه جوهرًا أو جسمًا أو غير ذلك. ويقولون: - وجود جوهر معرى عن جميع الأعراض ممتنع (^٤).
_________________
(١) الشلو العضو من أعضاء اللحم. مختار الصحاح ص ٣٤٥، واللسان جـ ١٩ ص ١٧٢.
(٢) انظر صحيح البخاري جـ ٤ ص ١٩٦ والكامل في التاريخ لابن الأثير جـ ٢ ص ١٦٨. وفيه "على أي شيء" بدل "على أي جنب" وانظر رسالة تفصيل الإِجمال فيما يحب الله من صفات الكمال لابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل والمسائل جـ ٥ ص ٥٢. وانظر شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي ص ١٥/ أمخطوط وبدائع الفوائد لابن القيم جـ ٢ ص ٦.
(٣) ديوانه جـ ١ ص ٢٠٣. وانظر العلو للذهبي ص ٤١. واجتماع الجيوش الإسلامية ص ٦٦. وشرح الطحاوية ص ٢٢٩. مع اختلاف في بعض الكلمات لا تأثير لها على محل الشاهد.
(٤) انظر كتاب الفنون لابن عقيل الحنبلي القسم الأول ص ٦٥. ورسالة تفصيل الإجمال لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل جـ ٥ ص ٥١، ٥٢، وهو في مجموع الفتاوي له جـ ٦ ص ٩٨، ٩٩. وشرح حديث النزول له ص ٨. وموافقة صحيح المنقول له جـ ٢ ص ١٢٣ - ١٢٥. وشرح المقاصد للتفتازاني جـ ٢ ص ٧٣ وشرح الطحاوية ص ٦٤ - ٦٥. وفي اللغة انظر مختار الصحاح ص ٢٢٤، ٢٢٥.
[ ١٩٦ ]
يقول ابن تيمية: "ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفاة الصفات" معطلة. لأن حقيقة قولهم، تعطيل ذات الله تعالى، وإن كانوا هم لا يعلمون، أن قولهم مستلزم للتعطيل بل يصفونه بالوصفين المتناقضين فيقولون هو موجود قديم واجب ثم ينفون لوازم وجوده، فيكون حقيقة قولهم: موجود ليس بموجود حق ليس بحق، خالق ليس بخالق فينفون عنه النقيضين، إما تصريحًا بنفيهما، وإما إمساكًا عن الإخبار بواحد منهما" (^١).
وإن كان القصد بنفي "الغير" في قوله "ليس غير الله" نفي الصفة الملازمة للذات فهذا غير صحيح فصفات الله لازمة لذاته، وليست غيرا بهذا الاعتبار لما بينا (^٢).
فإن قال: أنا لا أقول، إن لله تعالى صفة مطلقًا لا قائمة به ولا منفصلة عنه (^٣).
قلنا: إذن على هذا فقولك: "إن علم الله ليس غيره" أي ذاته، ونفيك "أنه لا يقال إنه الله" لا معنى له حيث خالفته حقيقة، وهذا عين مذهب أبي الهذيل العلاف (^٤). الذي رددت عليه بأنه سمى الله
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ ٥ ص ٣٢٦، ٣٢٧.
(٢) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية جـ ٦ ص ٩٧. ودرء نعارض العقل والنقل له جـ ١ ص ٢٨١، ٢٨٢. ومنهاج السُّنَّة له جـ ١ ص ٢٣٨، ٢٣٩.
(٣) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٣٣.
(٤) هو محمد بن الهذيل بن عبد الله البصري مولى لعبد القيس. وهو شيخ المعتزلة ومقدم الطائفة، ومقرر الطريقة والمناظر عليها أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء وانفرد بعشر مسائل، مات سنة ٢٢٦، وقيل ٢٣٥. وكان مولده سنة ١٣٥. انظر الفرق بين الفرق ص ١٢١ - ١٣٠. والملل جـ ١ ص ٤٩ - ٥٣. وشذرات الذهب جـ ٢ ص ٨٥.
[ ١٩٧ ]
تعالى من طريق الاستدلال (^١). فوقعت فيما فررت منه، وهذا الرأي مأخوذ عن الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذات الله تعالى واحدة لا كثرة فيها بوجه، والصفات هي الذات وليست معاني وراءها قائمة بها وترجع إلى السلوب واللوازم (^٢).
وقد رد الإمام أبو الحسن الأشعري على من يقول، إن علم الله هو الله فقال: "إذا قلت إن علم الله هو الله فقل يا علم الله اغفر لي وارحمني فإن أبى ذلك لزمته المناقضة، واعلموا يرحمكم الله أن من قال: عالم ولا علم كان مناقضًا كما أن من قال علم ولا عالم كان مناقضًا وكذلك القول في القدرة والقادر، والحياة، والحي والسمع والبصر والسميع والبصير" (^٣) وهذا ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها فهم يثبتون لله تعالى ما ورد من الأسماء ومصادرها لما هو معلوم من أن اسم عالم اشتق من علم وقادر اشتق من قدرة، وحى من حياة وسميع من سمع وبصير من بصر ولا تخلو أسماء الله ﷿ من أن تكون مشتقة فيفيد كل اسم معناه أو على طريق التلقيب ويتنزه الله ﵎ أن تكون أسماؤه على طريق التلقيب باسم ليس فيه إفادة معناه، وليس مشتقًا من صفة، فإذا قيل: إن الله تعالى عالم قادر فليس ذلك تلقيبًا كما تقول زيد، وعمر على مسمى بهما، وعلى هذا إجماع
_________________
(١) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٣٩.
(٢) انظر آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ٣٣. والملل جـ ١ ص ٤٩، ٥٠. ودرء تعارض العقل والنقل جـ ١ ص ٢٨٣، ٢٨٤، ومبادىء الفلسفة تعريب أحمد أمين ١٣٧، ومقدمة مناهج الأدلة لمحمود قاسم في نقد مدارس علم الكلام ص ٤٠.
(٣) الإِبانة عن أصول الديانة للأشعري ص ٣٨ بتصرف قليل وانظر اللمع له ص ٣٠. ولمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة للجويني ص ٨٨.
[ ١٩٨ ]
المسلمين. وإذ لم يكن ذلك تلقيبًا وكان مشتقًا من علم فقد وجب إثبات العلم وإن كان ذلك لإفادة معناه فلا يختلف ما هو لإفادة معناه ووجب. كما إذا كان قولي: موجود مفيدا فينا الإِثبات كان الباري تعالى واجبًا إثباته لأنه ﷾ موجود (^١).
وقد دل القرآن والسنة على إثبات تلك المصادر، لأن إثبات الأسماء المجردة لا معنى له تعالت أسماء الله أن تكون أعلامًا فارغة عن المعاني يقول ابن القيم: - والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به، ولو كان يشتق له اسم باعتبار المخلوق المنفصل لسمى طويلًا، وأبيض وغير ذلك لأنه خالق هذه الصفات فلما لم يطلق عليه اسم من ذلك علم أنه يشتق أسماءه من أفعاله وأوصافه القائمة به، وهو سبحانه لا يتصف بما هو مخلوق منفصل عنه ولا يتسمى باسمه، ولهذا كان قول من قال إنه يسمى مريدًا وخالقًا ونحو ذلك بإرادة منفصلة عنه وبخلق منفصل عنه هو المخلوق قولًا باطلًا مخالفًا للعقل والنقل واللغة مع تناقضه في نفسه، فإن اشتق له اسم باعتبار مخلوقاته لزم طرد ذلك في كل صفة أو فعل خلقه، وإن خص ذلك ببعض الأفعال والصفات دون بعض كان تحكمًا لا معنى له. وحقيقة قول هؤلاء إنه لم يقم به إرادة ولا إحسان ولا فعل البتة ومن تجهم منهم نفى حقائق الصفات وقال لم تقم به صفة ثبوتية فنفوا صفاته وردوها إلى السلوب والإِضافة، ونفوا أفعاله وردوها إلى المصنوعات المخلوقات وحقيقة هذا أن أسماءه تعالى ألفاظ فارغة عن المعاني لا حقائق لها وهذا من الإِلحاد فيها وإنكار أن
_________________
(١) انظر الإِبانة عن أصول الديانة للأشعري ص ٤٠.
[ ١٩٩ ]
تكون حسنى وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١) وقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفًا كقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٢) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (^٣) وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (^٤) وقوله ﷺ: "لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٥) وقول عائشة: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" (^٦) وقوله ﷺ: "أعوذ برضاك من سخطك" (^٧) وقوله: "أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت" (^٨).
ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماءه غير أفعاله وصفاته، فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد، وهو بمنزلة صوت لا يفيد
_________________
(١) سورة الأعراف آية (١٨٠).
(٢) سورة البقرة آية (١٦٥).
(٣) سورة الذاريات آية (٥٨).
(٤) سورة هود آية (١٤).
(٥) انظر صحيح الإِمام مسلم جـ ١ ص ١٦٢. وسُنن ابن ماجه ص ٧٠، ٧١.
(٦) صحيح الإِمام البخاري جـ ٤ ص ١٩٥. وسُنن ابن ماجه جـ ١ ص ٦٧. ومسند أحمد جـ ٦ ص ٤٦.
(٧) صحيح الإِمام مسلم جـ ١ ص ٣٥٢. وسُنن أبي داود جـ ١ ص ٢٣٢ جـ ٢ ص ٦٤ وسُنن الترمذي جـ ٥ ص ٢٥٤، ٥٦١. وسُنن ابن ماجه جـ ١ ص ٣٧٣، وجـ ٢ ص ١٢٦٣. ومسند الإِمام أحمد جـ ١ ص ٩٦، ١١٨، ١٥٠ وجـ ٦ ص ٢٠١، ٥٨.
(٨) صحيح الإِمام البخاري جـ ٤ ص ١٩٤. انظر ص ١٠٨. وانظر صحيح الإِمام مسلم جـ ٤ ص ٢٠٨٦. ومسند الإِمام أحمد جـ ١ ص ٣٠٢.
[ ٢٠٠ ]
شيئًا وهذا غاية الإلحاد (^١).
وحيث تبين أن أسماء الله تعالى مشتقة من وصافه وأفعاله وأن كل اسم يفيد معناه، وأن أسماءه المطلقة كالسميع، والبصير، والغفور، والشكور، والمجيب، والقريب، والرحيم ونحوها، لا يجب أن تتعلق بكل موجود بل يتعلق كل اسم بما يناسبه، ولما كان كل شيء يصلح أن يكون معلومًا كان اسم الله العليم متعلق به (^٢).
فكل ما دلت عليه أسماؤه فهو مما وصف به نفسه فيجب الإيمان بكل ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل كما قال سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣).
وهو المسمى نفسه بأسمائه الحسنى وهو بها لم يزل (^٤). ولنا أن نعترض على نفاة الصفات، وإثبات الذات المجردة، بأنه يلزمهم إثبات قديم لا يقال له الله، إذ أنهم يثبتون ذاتًا مجردة عن الصفات ومعلوم أن ما ليس بحي ولا عليم ولا قدير فليس هو الله، فمن أثبت ذاتًا مجردة فقد أثبت قديمًا ليس هو الله. فإن قال: أنا أقول إنه لم يزل عليمًا قديرًا.
قلنا: إن هذا قول من يثبت الصفات لله تعالى فنفس كونه عالمًا ليس هو كونه قادرًا، وذلك ليس هو كونه ذاتًا متصفة بهذه الصفات
_________________
(١) انظر شفاء العليل ص ٥٦٦، ٥٦٧، والتفسير القيم ص ٣٠، ٣١ وشرح الأسماء الحسنى للقرطبي ص ٤/ أمخطوط.
(٢) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية جـ ٥ ص ٤٩٤.
(٣) سورة الشورى آية (١١).
(٤) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية جـ ٦ ص ٢٠٥.
[ ٢٠١ ]
فهذه معان متميزة في العقل ليس هذا هو هذا.
فإن قلتم هي قديمة، أثبتم معان قديمة، وإن قلتم إنها شيء واحد جعلتم كل صفة هي الأخرى، والصفة هي الموصوف فجعلتم كونه عالما هو كونه قادرًا، وجعلتم ذلك هو نفس الذات وهذه مكابرة وهذه المعاني هي معاني أسمائه الحسنى وهو بها سبحانه لم يزل وهو المسمى بها نفسه. وقد نفى الدارمي (^١) إيمان من لم يعلم أن الذات الإلهية بصفاتها وأسمائها لم تزل ذات واحدة متصفة بالصفات مسماة بالأسماء بقوله: "ولن يدخل الإيمان قلب رجل حتى يعلم أن الله لم يزل إلهًا واحدًا بجميع أسمائه وجميع صفاته لم يحدث له منها شيء كما لم تزل وحدانيته" (^٢). وبعد أن بينا عدم استقامة مذهب ابن حزم ومن يذهب مذهبه بنفي الصفات. نشير إلى أن ابن حزم لم يثبت على هذا المذهب فقد قال بخلافه فقد أثبت أن لله تعالى صفات قال في كتابه الأصول والفروع في أثناء رده على الجهمية القائلين بخلق القرآن: "وكلام الله تعالى صفة قديمة من صفاته، ولا توجد صفاته إلا به ولا تبين منه .. وكلام الله لا ينفد ولا ينقطع أبدًا لأن كلامه صفة من صفاته تعالى لا تنفد ولا تنقطع ولا تفارق ذاته والله ﷿ لم يزل متكلمًا ليس لكلامه أول ولا آخر كما ليس لذاته لا أول ولا آخر وجميع صفاته مثل ذاته وقدرته وعلمه وكلامه ونفسه ووجهه مما وصف به نفسه في كتابه العزيز كل هذه الصفات غير مباينة منه تعالى ولا
_________________
(١) هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني كان إمامًا في الحديث والفقه ثقة حجا ثبتا له مصنفات عديدة منها المسند، والرد على الجهمية توفي سنة ٢٨٠ هـ انظر شذرات الذهب جـ ٢ ص ١٧٦.
(٢) رد عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي ص ١٣.
[ ٢٠٢ ]
متجزئة ولا نافدة ولا منقطعة" (^١) وكرر في هذا الرد أن القرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه صفة من صفاته (^٢).
فإن قيل: إن هذا ليس تناقضا من ابن حزم وإنما كان هذا قوله سابقا ثم رجع عنه: لأن تأليفه لهذا الكتاب متقدم كما يظهر من قوله فيه عند كلامه عن إعجاز القران البلاغي عن أن يأتي أحد بمثله إذ يقول: "ثم عمر الدنيا من البلغاء الذين لا نظائر لهم في الإسلام كثير منذ أربعمائة عام وعشرين عامًا فما منهم أحد تكلف معارضته إلا وافتضح فيه" (^٣).
قلنا وإن ثبت تقدم هذا القول، وتغير رأي ابن حزم عما فيه فإنه لا يسلم مما ذكرنا من تناقضه، حيث ذكر في كتابه الفصل نحو هذا إذ يقول: "ومن البرهان على أن النزول صفة فعل لا صفة ذات أن الرسول ﷺ علق التنزل المذكور بوقت محدود فصح أنه فعل محدث في ذلك الوقت مفعول حينئذ" (^٤) فتناقض ابن حزم في هذه المسألة ثابت، واضطرابه فيها بين فهذا دليل عدم اطمئنانه في النفي والإثبات في مسألة الصفات والله أعلم.
_________________
(١) الأصول والفروع لابن حزم جـ ٢ ص ٣٩٥، ٣٩٦.
(٢) انظر الأصول والفروع جـ ٢ ص ٣٩٥، ٣٩٦، ٣٩٧، ٣٩٩.
(٣) الأصول والفروع جـ ١ ص ٢٠١.
(٤) الفصل جـ ٢ ص ١٧٢.
[ ٢٠٣ ]
٥ - أسماء الله تعالى:
يلتزم ابن حزم في أسماء الله تعالى ما ورد بالنص فيثبت لله تعالى من الأسماء ما سمى به نفسه لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (^١) فمنع تعالى أن يسمى إلا بأسمائه الحسنى. وأخبر أن من سماه بغيرها قد ألحد. والأسماء بالألف واللام لا تكون إلا معهودة ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله تعالى عليه ومن ادعى زيادة على ذلك كلف البرهان على ما ادعى، ولا سبيل إليه، ومن لا برهان له فهو كاذب في قوله ودعواه.
والذي ورد أن لله عز جل تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد وهي أسماؤه الحسنى من زاد شيئًا من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة.
يقول ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة - وفي بعض طرق الحديث - إنه وتر يحب الوتر" (^٢).
وقال تعالى: " ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ
_________________
(١) سورة الأعراف آية (١٨٠).
(٢) انظر صحيح البخاري جـ ٢ ص ٨٣، وجـ ٤ ص ١٩٥، وسُنن الترمذي جـ ٥ ص ٥٣٠، ٥٣١، ومسند الإمام أحمد جـ ٢ ص ٢٥٨، ٢٦٧، ٣١٤، ٤٢٧، ٥٠٣، ٤٩٩، ٥١٦.
[ ٢٠٤ ]
الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى" (^١) فلا يحل لأحد أن يشتق لله تعالى اسمًا لم يسم به نفسه برهان ذلك أنه تعالى قال: " ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ " (^٢) وقال: " ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ " (^٣) وقال: " ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ " (^٤).
فلا يحل لأحد أن يسميه البناء، ولا الكياد، ولا الماكر، ولا المتجبر، ولا المستكبر، لا على أنه المجازي بذلك، ولا على وجه أصلًا، ومن ادعى غير هذا فقد ألحد في أسمائه تعالى: وتناقض وقال على الله تعالى الكذب وما لا برهان له به (^٥).
لا نوافق ابن حزم على اطلاق قوله في أسماء الله تعالى.
أما تسمية الله بما ورد: -
فلا ينكر مسلم أن الله تعالى يسمى بما سمى به نفسه، ويدعى بأسمائه الحسنى لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^٦) ولقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^٧) فقد أثبت أن له الأسماء الحسنى، وأمر بالدعاء بها فظاهر هذا أن له جميع الأسماء الحسنى بحيث لا يجوز نفيها عنه كما فعل الكفار. وأمر بدعائه مسمى بها دون غيرها. وأما عدم الاشتقاق له من أسمائه اسمًا فغير مسلم.
_________________
(١) سورة الحشر الآيتان (٢٣، ٢٤).
(٢) سورة الشمس آية (٥).
(٣) سورة الطارق آية (١٦).
(٤) سورة آل عمران آية (٥٤).
(٥) انظر المحلى جـ ١ ص ٣٦، ٣٧. والفصل جـ ٢ ص ١٦٥.
(٦) سورة الأعراف آية (١٨٠).
(٧) سورة الإسراء آية (١١٠).
[ ٢٠٥ ]
يقول ابن تيمية: "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بشيء وإن لم يحكم بحسنه .. وإن كانت أسماء المخلوق فيها ما يدل على نقصه وحدوثه، وأسماء الله ليس فيها ما يدل على نقص ولا حدوث بل فيها الأحسن الذي يدل على الكمال وهي التي يدعى بها. وإن كان إذا أخبر عنه يخبر باسم حسن أو باسم لا ينفي الحسن ولا يجب أن يكون حسنًا، (^١) وأما في الأسماء المأثورة فما من اسم إلا وهو بدل على معنى حسن" (^٢).
ويقول الرازي: "لله تعالى أن يسمى نفسه بما اختار وليس لأحد أن يسميه بما يوهم النقص من غير ورود الشرع به" (^٣).
وقد وقع الاتفاق على جواز إطلاق أسماء عليه ﵎ ليست من الأسماء الحسنى، لكن معناها حق مثل المريد، والمتكلم، والموجود، والشيء والذات، والأزلي، والأبدي، وغيرها، وقد دلت عليها الأسماء الحسنى الواردة بالنص (^٤).
يقول أبو يعلى: "ويجوز أن يسمى الله تعالى بكل اسم ثبت له
_________________
(١) يريد ابن تيمية أنه إذا أخبر عن الله باسم لا يجب أن يكون هذا الاسم حسنًا في ذاته مثل شيء، وذات ونحوهما فمن حيث ذات الألفاظ لا يحكم عليها بالحسن ولكنها لا تنفيه.
(٢) مجموعة الفتاوى لابن تيمية جـ ٦ ص ١٤٢، ١٤٣.
(٣) التفسير الكبير للرازي جـ ٢٨ ص ٢٩٩.
(٤) انظر شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص ٥. ومجموعة الفتاوى له جـ ٦ ص ١٤٢. والمقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى للغزالي ص ١٥٨.
[ ٢٠٦ ]
معناه في اللغة ودل العقل والتوقيف (^١) عليه إلا أن يمنع من ذلك سمع وتوقيف" (^٢).
وقد فصل أبو حامد الغزالي فيما يطلق على الله تعالى من الأسماء والصفات بأن ما يرجع منها إلى الاسم (^٣)، فموقوف على الإذن، وما يرجع إلى الوصف فلا يقف على الإذن بل الصادق منه مباح دون الكاذب (^٤). وأرى أن هذا المذهب هو مذهب من يجيز تسمية الله تعالى بكل ما ثبت له معناه في اللغة، وصحح العقل إثباته له، لأن من يجيز تسمية الله بذلك لا يسمى الله تعالى بأسماء هي أعلام فارغة عن المعاني وإنما يسميه بما ثبت له معناه في اللغة ودل العقل والتوقيف عليه أي دل على معناه ما ورد من أسماء الله تعالى في الكتاب والسنة، فهذا الإثبات يرجع إلى الوصف، وتفصيل الغزالي هذا هو تفصيل لمذهب المجيزين فحقيقة القولين واحدة.
ويناقض ابن حزم مذهبه - عدم تسمية الله تعالى إلا بما ورد -
_________________
(١) أي ما كان معناه صحيحا، ولم يحل العقل إطلاقه على الله تعالى. وثبت معناه بالسمع.
(٢) المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص ٦٢. وانظر المواقف الموقف الخامس في الإلهيات ص ٣٥٢.
(٣) يقصد بالاسم اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى دون إرادة معناه. أي اسم علم جامد، وكل أسماء الله تعالى التي سمى بها نفسه، أو اسماه بها رسوله - ﷺ - ليست من هذا القبيل لما بيّنا من أن أسماءه تعالى مشتقة من صفاته فلا يجوز أن يسمى الله تعالى باسم لا يدل على معنى، لأن الاسم بهذا الوضع ما سمى به الإنسان نفسه أو سماه به وليه من والديه أو سيده، ووضع الاسم تصرف في المسمى ويستدعى ذلك ولاية وهو لتمييز المسمى فقط. انظر المقصد الأسنى للغزالي ص ١٦٥.
(٤) انظر المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للغزالي ص ١٦٤، ١٦٥.
[ ٢٠٧ ]
فيثبت الذات لله تعالى (^١) من غير أن يستند بذلك إلى نص ظاهر كما هو مذهبه الأخذ بظواهر النصوص، وعدم جواز تسمية الله تعالى بما ثبت له معناه في اللغة ودل العقل على جواز إثبات ذلك المعنى له لتضمنه كمالًا لا نقص فيه وإمكان اتصاف الله تعالى به كما هو رأى كثير من أئمة أهل السنة، فقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه يسمى الله تعالى "دليلًا" (^٢) والدليل على صحة هذه التسمية هو أن "الدليل" هو الهادي، لأنه ﵎ هو الذي هدى خلقه إلى معرفته، وربوبيته، وهدى عباده إلى صراطه المستقيم كما قال: "يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" (^٣) وهدى مخلوقاته إلى ما لابد لهم منه في حياتهم وقضاء حاجاتهم يقول تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" (^٤) ويقول: "والذي قدر فهدى" (^٥) (^٦) ويستدل أبو يعلى على جواز تسمية الله تعالى بالدليل بأن "الدليل" هو الرشد إلى المطلوب وهذا من صفاته سبحانه لأنه يرشد إلى الخير قال تعالى: " ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ " (^٧). (^٨).
تجويز تسمية الله تعالى بما يرجع إلى الوصف، لأنه خبر عن أمر والخبر ينقسم إلى صدق وكذب، والشرع قد دل على تحريم الكذب
_________________
(١) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٧٢.
(٢) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص ٦٢، ٦٨.
(٣) سورة يونس آية (٢٥).
(٤) سورة طه آية (٥٠).
(٥) سورة الأعلى آية (٣).
(٦) انظر المقصد الأسنى شرح الأسماء الحسنى للغزالي ص ١٤٠، ١٤١، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٦٤.
(٧) سورة الكهف آية (٢٤).
(٨) انظر المعتمد لأبي يعلى ص ٦٨.
[ ٢٠٨ ]
في الأصل. والكذب حرام إلا بعارض، ودل على إباحة الصدق، فالصدق حلال إلا بعارض ولا يجوز أن نصف الله تعالى بما يوهم النقص البتة فأما ما لا يوهم نقصًا أو يدل على مدح فذلك مطلق، ومباح بالدليل الذي أباح الصدق مع السلامة عن العوارض المحرمة ولذلك قد يمنع من إطلاق لفظ فإذا قرن به قرينة جاز إطلاقه، فلا يقال لله تعالى "يامذل" ويمال يامعز يامذل فإنه إذا جمع بينهما كان وصف مدح إذ يدل على أن طرفي الأمور بيده وغير هذا كثير (^١).
وقد استدل ابن حزم على منع تسمية الله تعالى إلا بالأسماء الحسنى بقوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه" (^٢) وليس في الآية دلالة على أنه ليس له ﵎ من الأسماء إلا هذه الأسماء، وإنما فيها الأمر بدعائه سبحانه بالأسماء الحسنى دون الاخبار عن حصر أسمائه فيها، وليس الإلحاد فيها الزيادة كما يقول. وإنما هو إما تسميته تعالى بما لا يجوز أن يسمى به، أو بلفظ لايعرف معناه، لأنه ربما كان غير لائق بجلال الله وعظمته، أو الجور عن الحق والعدول عنه، أو تكذيب الأسماء وجعلها لا تدل على معان وقيل غير ذلك (^٣).
ومما استدل به ابن حزم على منع اشتقاق اسم لله تعالى لم يسم به
_________________
(١) انظر المقصد الأسنى للغزالي ص ١٦٦، ١٦٧. وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص ٥. والتفسير الكبير للرازي جـ ١٥ ص ٦٧.
(٢) سورة الأعراف آية (١٨٠).
(٣) انظر التفسير الكبير للرازي جـ ١٥ ص ٧١، ٧٣. وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٠، والدر المنثور للسيوطي جـ ٣ ص ١٤٩.
[ ٢٠٩ ]
نفسه قوله تعالى: " ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ " (^١) وقوله " ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ " (^٢) وقوله " ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ " (^٣) فقال: ولا يحل لأحد أن يسميه البناء ولا الكياد، ولا الماكر، ولا المتجبر، ولا المستكبر، لا على أنه المجازى بذلك ولا على وجه أصلًا.
وتلك الآيات ونحوها مما ورد في القرآن الكريم مثل قوله تعالى " ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ " (^٤) وقوله: " ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ " (^٥) وقوله: " ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ " (^٦) وقوله: " ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ " (^٧) وغير هذا في القرآن كثير، والأسماء المشتقة من هذه الأفعال يحيل العقل معانيها في اللغة على الله تعالى، وقد وردت على طريق الجزاء فلا يشتق لله تعالى من هذه أسماء وما في معناها مما فيه إيهام معنى لا يجوز على الله تعالى (^٨). ولا يطرد هذا فيما ليس فيه إيهام معنى لا يجوز على الله تعالى. فيشتق له من أسمائه الحسنى صفات لأنها تقتضي المدح والثناء بنفسها فما اشتق منها فهي دالة عليه ودلالته دلالتها.
وأما الحديث الذي استدل به ابن حزم على أن أسماء الله تعالى تسعة وتسعون اسما فقط. ويذكر أن الزيادة من الإِلحاد فيها. فهذا
_________________
(١) سورة الشمس آية (٥).
(٢) سورة الطارق آية (١٦).
(٣) سورة آل عمران آية (٥٤).
(٤) سورة الأحزاب آية (٥٧).
(٥) سورة المائدة آية (٣٣).
(٦) سورة التوبة آية (٧٩).
(٧) سورة البقرة آية (١٥).
(٨) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص ٦٢، ٦٣. والمقصد الأسنى للغزالي ص ١٦٧، ١٦٨.
[ ٢١٠ ]
غير مسلم وقد وقع الاتفاق على إثبات أسماء لله ليست مما ثبت بالسمع وقد مر ذكرها قريبًا، فلا داعي لإعادتها، ولما بينا من أن أسامي الله تعالى مشتقة من صفاته فالصفات ثابتة له ولقوله ﷺ في دعاء الكرب "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك. أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي وغمي" (^١).
وقوله ﷺ في حديث الشفاعة: "فأقوم قآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي ﷿، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده. وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي .. الحديث" (^٢). وفي قوله ﷺ في الحديث الأول "استأثرت به في علم الغيب عندك" وقوله في الحديث الثاني "ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي" دليل على أن أسماء الله وصفاته غير محصورة فيما وردت به
_________________
(١) انظر مسند الإمام أحمد جـ ١ ص ٣٩١، ٤٥٢. وهو في المستدرك للحاكم جـ ١ ص ٥٠٩، ٥١٠. وقال هذا الحديث على شرط مسلم إن سلم من أرسال عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فإنه مختلف في سماعه من أبيه. والصحيح ثبوت سماعه كما يرجح هذا البخاري في تاريخه الصغير جـ ١ ص ٧٤. وكما ذكره في التاريخ الكبير جـ ٥ ص ٢٩٩، ٣٠٠. انظر تهذيب التهذيب جـ ٦ ص ٢١٥، ٢١٦. والحديث أيضا في مجمع الزوائد جـ ١٠ ص ١٣٦، ١٣٧. وقال أحمد شاكر في شرح المسند جـ ٥ ص ٢٦٦ - ٢٦٨ وجـ ٦ ص ١٥٣ إسناده صحيح.
(٢) انظر صحيح البخاري جـ ٣ ص ١٠٧، ١٠٨، وصحيح مسلم جـ ١ ص ١٨٤ - ١٨٦. وسُنن الترمذي جـ ٤ ص ٦٢٢ - ٦٢٤ ومسند الإمام أحمد جـ ٢ ص ٤٣٦.
[ ٢١١ ]
الروايات المشهورة. لأن الذي استأثر الله به في علم الغيب عنده غير هذا الوارد المعروف، وحمد الله والثثاء عليه بأسمائه وصفاته المعروفة يجرى على ألسنة أنبياء الله ورسله وعباده المؤمنين، وما يفتح الله على محمد ﷺ من الدعاء بذكر المحامد عند الشفاعة غير هذا لأنه ﷺ قال: "لم يفتح على أحد قبلي" ولا يكون الدعاء بغير أسماء الله وصفاته، فهي زائدة على التسعة والتسعين ولا يجوز حصرها عليها لأنها محامده، ومدائحه وفواضله وهي غير متناهية، والحديث الوارد في ذكر "التسعة والتسعين" يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين، وهذا كقول القائل: إن لزيد ألف درهم مثلا أعدها للصدقة، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، وإنما دلالته أن الذي أعده من الدراهم للصدقة ألف درهم. وكذلك الذي له ألف عبد مثلًا فيقول القائل، إن لفلان تسعة وتسعين عبدا من استظهر بهم لم تقاومه الأعداء فيكون التخصيص لأجل حصول "الاستظهار بهم إما لمزيد قوتهم أو لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من غير حاجة إلى زيادة لا لاختصاص الوجود بهم إذ هم أكثر من ذلك بكثير.
وعلى قول من يجعل الأسامي غير زائدة على التسعة والتسعين فالحديث يشتمل على قضيتين: الأولى: إن لله تسعة وتسعين اسمًا، والثانية أن من أحصاها دخل الجنة. وعلى هذا فلو اقتصر على القضية الأولى كان الكلام تامًا، وعلى المذهب الأول لا يمكن الاقتصار على ذكر القضية الأولى وهذا ما نراه راجحًا، ويبعد حمل الحديث على قضيتين أن في حمله منع أن يكون - من الأسامي ما استأثر الله به في علم الغيب عنده، وهذا يخالف قول الرسول ﷺ في دعاء الكرب. ويؤدي إلى أن يختص بالإحصاء نبي أو ولي
[ ٢١٢ ]
ممن أوتي الاسم الأعظم حتى يتم العدد وإلا فيكون ما أحصى وراء ذلك ناقصًا عن العدد، وإن كان الاسم الأعظم خارجًا عن العدد بطل به الحصر.
ونقول إن المقصود بالتسعة والتسعين اسمًا من أسماء الله، أسماء معينة إذ لو لم تتعين لم تظهر فائدة الحصر والتخصيص واختصت بهذه المزية مع أن هناك غيرها، وكلها أسماء لله، لأن الأسامي يجوز أن تتفاوت فضيلتها لتفاوت معانيها في الجلال والشرف فيكون هذا العدد منها يجمع أنواعًا من المعاني المنبئة عن الجلال لا تكون في غيرها فاختصت من أجل ذلك بزيادة الشرف (^١).
وإن قيل: وهل اسم الله الأعظم داخل في التسعة والتسعين أم لا؟
قلنا: الراجح عندنا أنه داخل فيها لأنها تجمع المعاني المنبئة عن جلال الله وعظمته فلا يكون غيرها أفضل منها، ولا يقال إنه مما استأثر الله به، لأنه لو كان كذلك لا عرفه أحد.
فإن قيل: كيف يكون داخلًا فيها وهي مشهورة، والاسم الأعظم يختص بمعرفته نبي أو ولي وهو سبب كرامات عظيمة لمن عرفه.
قلنا: لا يلزم من دخول الاسم الأعظم في التسعة والتسعين معرفته بعينه منها فلا يهتدي إليه كل أحد، ثم إن الأسماء الحسنى لم يرد ذكر عددها في خبر صحيح يقول ابن تيمية: "والحديث الذي في
_________________
(١) انظر المقصد الأسنى شرح الأسماء الحسنى للغزالي ص ١٥٩، ١٦٠ وشرح الأسماء الحسنى للقرطبي مخطوط ص ٦/ أ، ب، ٧/ ب.
[ ٢١٣ ]
عدد الأسماء الحسنى الذي يذكر فيه المنتقم، وذكر في سياقه البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث، من كلام النبي ﷺ، بل هذا ذكره الوليد بن مسلم (^١) عن بعض شيوخه، ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المشهورة إلا الترمذي، رواه من طريق الوليد بن مسلم بسياق، ورواه غيره باختلاف في الأسماء، وفى ترتيبها يبين أنه ليس من كلام النبي ﷺ، وسائر من روى هذا الحديث عن أبي هريرة عن الأعرج (^٢). ثم عن أبي الزناد (^٣) لم يذكروا أعيان الأسماء بل ذكروا قوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة" وهكذا أخرجه أهل الصحيح
_________________
(١) هو أبو العباس الدمشقي الأموي مولاهم روى عن يحيى الذمار ويزيد بن أبي مريم وخلائق وله مصنفات كثيرة هي سبعون كتابًا. وقال عنه أبو مسهر كان مدلسا ربما دلس عن الكذابين توفي في عودته من الحج سنة ١٩٥ هـ، وكان مولده سنة ١١٩ من الهجرة. انظر ميزان الاعتدال جـ ٤ ص ٣٤٧. وشذرات الذهب جـ ١ ص ٣٤٤. والأعلام جـ ٨ ص ١٢٢.
(٢) هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أبو داود المدني مولى ربيعة بن الحارث روى عن أبي هريرة وغيره، وروى عنه خلق منهم عبد الله بن ذكوان ووثقة ابن سعد، والعجلي وأبو زرعة بن خراش مات بالإسكندرية سنة ١١٧ هـ. انظر تهذيب التهذيب جـ ٦ ص ٢٩٠، ٢٩١. وشذرات الذهب جـ ١ ص ١٥٣.
(٣) هو عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني العروف بأبي الزناد مولى رملة وقيل عائشة بنت شيبة بن ربيعة وقيل غير ذلك. روى عن أنس وغيره وعنه أبناه ووثقه أحمد فيما روى عنه عبد الله ووثقه غيره وكان سفيان يسميه أمير المؤمنين وقال البخاري أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مات سنة ١٣٠ وقيل ١٣١، وقيل ١٣٢ وهو ابن ٦٦ سنة انظر تهذيب التهذيب جـ ٥ ص ٢٠٣ - ٢٠٥. وشذرات الذهب جـ ١ ص ١٨٢.
[ ٢١٤ ]
كالبخاري ومسلم وغيرهما. ولكن روى عدد الأسماء من طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ورواه ابن ماجة وإسناده ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبي ﷺ" (^١).
وإن قيل: فما سبب تخصيص هذا العدد، ولم لم يبلغ مائة؟
قلنا: فيه احتمالان.
أحدهما: أن يقال إن المعاني الشريفة بلغت هذا المبلغ لا لأن العدد مقصود.
الثاني: أن السبب فيه ما ذكره رسول الله ﷺ قال: "مائة إلا واحدا، والله وتر يحب الوتر". إلا أن هذا يدل على أن هذه الأسامي هي التسمية الإرادية الاختيارية لا من حيث انحصار صفات الشرف فيها، لأن ذلك يكون لذاته لا بإرادة (^٢).
_________________
(١) رسالة الإرادة والأمر لابن تيمية ضمن الرسائل الكبرى جـ ١ ص ٣٣٨.
(٢) انظر المقصد الأسنى شرح الأسماء الحسنى للغزالي ص ١٦٢.
[ ٢١٥ ]
الفصل الرابع الصفات
يشتمل هذا الفصل بعد التمهيد في تقسيم الصفات على:
١ - الحياة.
٢ - العلم.
٣ - القدرة.
٤ - الإرادة.
٥ - الكلام.
٦ - السمع والبصر.
٧ - العز والعزة والكبرياء.
٨ - النفس والذات.
٩ - الوجه.
١٠ - العين.
١١ - اليد.
١٢ - الأصابع.
١٣ - الجنب.
١٤ - الساق.
١٥ - القدم.
١٦ - الاستواء.
١٧ - النزول.
١٨ - الرؤية.
[ ٢١٧ ]
التمهيد
للعلماء طرق مختلفة في تقسيم الصفات الإِلهية.
فالسلف يقسمونها إلى قسمين:
صفات ذاتية، وصفات فعلية.
فالصفات الذاتية هي الملازمة للذات المقدسة فلا تنفك عنها وهي قسمان:
سمعية وعقلية: كالقدرة، والإرادة، والعلم
وخبرية: كالوجه واليدين، والعين
والصفات الفعلية: هي الأمور المتعلقة بمشيئة الله وإرادته يفعلها متى شاء، وإذا شاء كيف شاء، وهي قسمان أيضًا: -
سمعية وعقلية: كالخلق والرزق والاعطاء والمنع
وخبرية: كالمجيء، والنزول، والاستواء (^١)
وجمهور الأشاعرة يقسمون الصفات إلى أربعة أقسام:
نفسية، وسلبية، ومعان، ومعنوية.
فالنفسية يعرفونها: بأنها هي الوصف الدال على الذات دون معنى زائد عليه. وهي الوجود.
_________________
(١) انظر شرح الطحاوية ص ٦٢ - ٦٤، وشرح العقيدة الواسطية للهراس ص ٨٩.
[ ٢١٩ ]
والسلبية: ويقصد بها الصفات التي تنفي عن الله تعالى ما لا يليق بجلاله، كالقدم، والبقاء.
وصفات المعاني: ويقصد بها ما يدل على معنى زائد على الذات وهي الصفات السبع، الحياة والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام، والسمع، والبصر.
والمعنوية: ويقصد بها الأحوال الثابتة للذات إذا قامت بها المعاني، عند من يثبت الأحوال (^١).
أما ابن حزم فليس لديه تقسيم للصفات وعند الكلام عليها يعنون بقوله: "الكلام في العلم، الكلام في سميع وبصير" ونحو ذلك فحرصنا أن نعرض مذهبه كما هو قبل أن نبدأ بنقده.
فلم نتعرض لهذه المسالة.
١ - الحياة
يذهب أبو محمد بن حزم إلى تسمية الله ﵎ "بالحي" لورود النص بذلك كما قال تعالى: " ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ " (^٢) وقوله: " ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ " (^٣) وغيرهما من الآيات.
_________________
(١) انظر الشامل في أصول الدين للجويني ص ٣٠٨. وحاشية البيجوري على متن السنوسية ص ١٩. وحاشية الصاوي على شرح الخريده ص ٥٩.
(٢) سورة البقرة: آية (٢٥٥).
(٣) سورة الفرقان: آية (٥٨).
[ ٢٢٠ ]
ويقول: إن النص لم يأت بإثبات أن له حياة فلا نقول بذلك. ثم إنه تعالى لو كان حيًّا بحياة لم تزل، وهي غيره لوجب ضرورة أن يكون تعالى مؤلفًا مركبًا من ذاته وحياته، وسائر صفاته فيكون كثيرًا لا واحدًا وهذا إبطال الإسلام (^١).
لما كان أبو محمد بن حزم يلتزم بإثبات ما ورد الله ﵎ من الأسماء بألفاظها الواردة بحرفيتها إثباتًا مجردًا، دون إثبات ما تدل عليه تلك الأسماء من الصفات أثبت أن الله حي، دون أن يقول بأن له حياة لعدم ورود ذلك بالنص الصريح.
وقد بينا عند الكلام على اتصاف الله بالصفات أن قول سلف الأمة إثبات ما ورد من الأسماء، وما تدل عليه من صفات خلافًا لمن نفى ذلك كابن حزم ولا نكررما سبق فليراجع هناك (^٢).
والذي نقول هنا: إن الله جل وعلا صفة حياة حقيقية لازمة لذاته لائقة بكماله وجلاله (^٣).
يقول البيهقي: فهو حي "الله" وله حياة يباين بها صفة من ليس بحي" (^٤).
واستدل القائلون بأن الله تعالى حياة بما ورد في القرآن الكريم من
_________________
(١) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٢: ١٥٦، ١٥٨) والمحلى له (١: ٤٢).
(٢) انظر ص (١٩٤ - ١٩٨).
(٣) انظر الفقه الأكبر للشافعي ص ١٤. ولمع الأدلة للجويني ص ٨٧، وشرح العقائد النسفية ص ٨٤، وشرح الفقه الأكبر لعبد الكريم تتان ص ١٠. ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي ص ٦.
(٤) الاعتقاد للبيهقي ص ٢٦.
[ ٢٢١ ]
ذكر "الحي" كما في قوله تعالى: " ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ " (^١) وقوله: " ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ " (^٢) وقوله: " ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ " (^٣) وقوله: " ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ " (^٤) على أنه لا يكون حيا إلا بحياة كما هو رأي أهل السنة قاطبة، والحياة عندهم من صفات الكمال بل هي مستلزمة لجميع صفات الكمال وكل كمال لا نقص فيه ثبت لمخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فهو به أولى (^٥).
يقول ابن أبي العز الحنفي: "إن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتها إثبات كال كمال يضاد نفيه كمال الحياة" (^٦).
ومما نستدل به على إثبات صفة الحياة لله تعالى ما استدل به أهل الملل وغيرهم على أن الله "حي" لأن إثبات ذلك مما اتفق عليه الكل (^٧).
_________________
(١) سورة طه: آية (١١١).
(٢) سورة آل عمران: الآيتان (١، ٢).
(٣) سورة الفرقان: آية (٥٨).
(٤) سورة غافر: آية (٦٥).
(٥) انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لابن تيمية جـ ١ ص ١٤، ١٥. وشرح العقيدة الأصفهانية له ص ٨٥.
(٦) شرح العقيدة الطحاوية ص ٦١.
(٧) انظر شرح المواقف الموقف الخامس في الإلهيات ص ١٢٩. وفي إثبات صفة الحياة. عند المعتزلة انظر شرح الأصول الخمسة - للقاضى عبد الجبار ص ١٦٠ - ١٦٧. والملل والنحل للشهرستاني (١: ٤٤) ولمع الأدلة للجويني ص ٨٧.
[ ٢٢٢ ]
فنقول: يدل على أن الله ﵎ حي فيما لم يزل ظهور الأفعال منه لاستحالة ظهورها ممن يجهلها ويعجز عنها فهو عالم قادر ويستحيل قيام العلم والقدرة بغير الحي (^١).
ومعنى هذا الدليل أن من شرط من يتصف بالعلم والقدرة. أن يكون حيًّا إذ أن ما ليس بحي يمتنع أن يكون عالمًا، والعلم بهذا ضروري وهذه الشروط العقلية لا تختلف شاهدا ولا غائبًا فتقدير عالم بلا حياة ممتنع بصريح العقل (^٢).
ونجيب من قال: إن الله تعالى "حي" ولم يقل بأن له حياة، أنا وجدنا اسم حي اشتق من حياة وكذلك سميع وبصير من سمع وبصر، ولا تخلو أسماء الله تعالى من أن تكون مشتقة لإفادة معناه، أو تكون على طريق التلقيب، ولا يجوز أن يسمى الله على طريق التلقيب باسم لا يفيد معناه، وليس مشتقا من صفة كقولنا: زيد، وعمرو. على مسمى بهما. وإذا كان قولنا عن الله ﷿، حي، سميع، بصير. ليس تلقيبًا بل ذلك مشتق من حياة، وسمع، وبصر، فقد وجب إثبات الحياة، وإن كان ذلك لإفادة معناه فلا يختلف ما هو لإفادة معناه، ووجب إذا كان معنى الحي منا أن له حياة، أن يكون كل حي فهو ذو حياة ولا محذور هنا كما إذا كان قولي
_________________
(١) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص ٤٧. والإنصاف للباقلاني ص ٣٥. ولمع الأدلة للجويني ص ٨٣. وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ١٦١. وشرح العقيدة الأصفهانية ص ٤، ٢٥ وشرح المواقف الموقف الخامس في الإلهيات ص ١٢٩. والدليل الصادق على وجود الخالق لعبد العزيز جاب الله (١: ١٢٦).
(٢) انظر مناهج الأدلة لابن رشد. ضمن فلسفة ابن رشد: ص ٧١. وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص ٢٦.
[ ٢٢٣ ]
موجود مفيدًا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبًا إثباته لأنه ﷾ موجود.
وهذا الدليل يدل على إثبات صفات الله تعالى لذاته من القدرة والعلم والسمع، والبصر (^١).
وقول ابن حزم - إنه لو كان له حياة لكانت لم تزل "وهي غيره" فيكون مركبًا من ذاته وحياته فتحصل بذلك الكثرة - غير مسلم، إذ المثبتون لصفة الحياة لا ينكرون قدم هذه الصفة فهي قديمة بقديم، ولا يقولون إنها غيره، ولا إنها ليست غيره (^٢) لما في لفظ الغير من الإجمال، فنفيه وإثباته يوهم معنى فاسدًا فيجب أن يستفصل عن المقصود بلفظ "الغير" فإذا كان القصد بقوله "إنها غيره" غيرًا منفصلًا عنه فهذا غير صحيح لأن صفات الباري ﵎ لازمة لذاته لا تنفك عنه وليست غيرًا بهذا الاعتبار. وإن كان القصد "بالغيرية" أن هناك ذاتًا وصفات يمكن الشعور بالذات دون الصفات، والعلم بها دونهن فليس هذا غيرا حقيقة، وإنما هو مباينة في الذهن لكونه قد يعلم هذا دون هذا، وهو لا ينفي التلازم في نفس الأمر (^٣).
وقول ابن حزم "إن إثبات حياة لم تزل وهي غيره، يحصل بذلك الكثرة من ذات وحياة".
هذا القول هو بعينه مذهب المعتزلة الذين ينفون الصفات خوفًا من تعدد القدماء مع الله تعالى، لأن في إثباتها - كما يزعمون - مشاركة
_________________
(١) انظر الإبانة لأبي الحسن الأشعري ص ٤٠.
(٢) انظر مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦: ٩٦).
(٣) انظر مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦: ٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ٢٢٤ ]
لله في القدم الذي هو أخص صفاته فتشاركه في الإلهية (^١).
وهذا المذهب مأخور عن الفلاسفة الذين لا يثبتون إلا الذات المجردة عن كل كثرة (^٢).
وقد أشرنا قريبًا إلى أن إثبات الصفات ليس فيه إثبات قديم مع الله غيره، ونزيد ذلك وضوحًا فنقول لما كان لفظ "الغير" بالنسبة لصفات الله تعالى من الألفاظ المبتدعة المجملة كان السلف من هذه الإمة لا يطلقون على صفات الله أنها "غيره" ولا أنها ليست غيره، بل يستفصلون ممن أثبت أو نفى. فإن أريد "بالغير" أن ذلك شيء بائن عنه فهذا باطل، وإن أريد به ما يمكن الشعور بأحدهمًا دون الآخر فقد يذكر الله تعالى من لا يشعر حينئذ بكل معاني أسمائه، بل وقد لا يخطر له حينئذ أنه عزيز، وأنه حكيم. وإذا أريد هذا فإنما يفيد المباينة في ذهن الإنسان لكونه قد يعلم هذا دون هذا. وذلك لا ينفي التلازم في نفس الأمر، فهي معان متلازمة لا يمكن وجود الذات دون هذه المعاني، ولا وجود هذه المعاني دون وجود الذات، واسم الله، إذا قيل الحمد لله، أو قيل باسم الله يتناول ذاته وصفاته ولا يتناول ذاتًا مجردة عن الصفات، ولا صفات مجردة عن الذات، فصفاته داخلة في مسمى أسمائه فلا يقال إنها غيره - على معنى أن
_________________
(١) انظر شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ١٨٢ - ٢١٣، والفرق بين الفرق للبغدادي ص ١١٤. والملل والنحل للشهرستاني (١: ٤٤). ونهاية الإقدام له ص ٢٠١، ولمع الأدلة للجويني ص ٨٧.
(٢) انظر آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ٣٢، ٣٣. والملل والنحل للشهرستاني (١: ٥٠)، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١: ٢٨٤). ونقض المنطق له ص ١٢٣، وتاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم ص ١٣١، ١٣٢.
[ ٢٢٥ ]
هناك ذاتًا وصفات كل وحده لأن هذا غير موجود في الخارج، وإنما هو مما يعرض للذهن فليس هناك كثرة على ما يدعون ولا يقال إنها زائدة على الذات. إلا إذا أريد أنها زائدة عى ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة فهو صحيح، فإن أولئك قصروا في الإثبات فزاد المثبتون عليهم فقالوا الرب له صفات زائدة على ما علمتموه.
وإن أريد بالتكثر والزيادة مع الذات وعليها، أي على الموجودة في نفس الأمر فهو كلام متناقض لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال إن الصفات زائدة عليها كما بينا قريبًا، أنه لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات فتخيل وجود أحدهما دون الآخر ثم كثرته معه أو زيادته عليه تخيل باطل (^١).
٢ - العلم
يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الله تعالى علمًا حقيقة لقوله تعالى: " ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ " (^٢)، وعلمه لم يزل، وهو غير مخلوق، وليس هو غير الله تعالى، ولا نقول هو الله (^٣). وليس هو غير القدرة، ولا القدرة غير العلم إذ لم يأت دليل بغير هذا (^٤).
_________________
(١) انظر مجموعة فتاوى ابن تيمية (٥: ٣٢٦) و(٦: ٩٧، ٢٠٥، ٢٠٦). وشرح العقيدة الطحاوية ص ٦٤.
(٢) سورة النساء: آية (١٦٦).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٢٦، ١٢٧).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٢٩، ١٧٢).
[ ٢٢٦ ]
ويقول ابن حزم: "وثبت ضرورة أن علم الله تعالى ليس عرضًا ولا جسمًا أصلًا لا محمولًا فيه ولا في غيره" (^١).
ويقول بعموم علم الله ﵎ وأنه لم يزل عليمًا بكل ما كان أويكون مما دق أوجل لا يخفى كليه شيء لقوله تعالى " ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ " (^٢).
وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه شيء. ويقول تعالى: " ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ " (^٣) والأخفى من السر هو ما لم يكن بعده (^٤).
بعد عرض مذهب ابن حزم في علم الله تعالى.
أرى أن الموافق للصواب منه: إثباته أن الله تعالى علما، وأنه لم يزل، وغير مخلوق، وعموم علمه ﵎ بكل ما كان أو يكون مما دق أو جل لا يخفى عليه شيء، ونفي أن يكون علم الله تعالى جسمًا لا محمولًا فيه ولا في غيره.
والمخالف فيه: جعله العلم ليس غير القدرة، وليسا غير الله. وقد تعرضنا لهذا المنحى عند اتصاف الله تعالى بالصفات وهل هي الذات أو غيرها (^٥).
وأما نفي أن يكون العلم عرضًا فغير مسلم على إطلاقه، لأن لفظ "العرض" لفظ مجمل، فلا بد من فهم المعنى المقصود بهذا اللفظ: فإن أريد به ما هو معروف في اللغة من أن الأعراض، هي الأمراض
_________________
(١) انظر الفصل (٢: ١٣٣).
(٢) سورة البقرة: آية (٢٩)، والأنعام: آية (١٠١)، والحديد: آية (٣).
(٣) سورة طه: آية (٧).
(٤) انظر المحلى (١: ٤٠).
(٥) انظر ص (١٩٤ - ١٩٨).
[ ٢٢٧ ]
والآفات، كما يقال: فلان. عرضه عارض من الحمى ونحوها (^١). وفلان به عارض من الجن فهذا من النقائص التي ينزه الله عنها (^٢).
وإن أريد به اصطلاح خاص كما يقال: إن العرض هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يقوم به (^٣)، فهذا اصطلاح محدث، وليست هذه لغة العرب التي نزل بها القرآن، ولا العرف العام، ولا اصطلاح أكثر الخائضين في العلم بل مبتدعو هذا الاصطلاح، هم من أهل البدع المحدثين في الأمة.
وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح وتسمية العلم عرضًا لا يخرجه عن كونه من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف به أو يمكنه ذلك ولا يتصف به (^٤).
وفي نفي ابن حزم أن يكون علم الله تعالى عرضًا لا محمولًا فيه ولا في غيره إبطال لحقيقة ما أثبت من اتصاف الله تعالى بالعلم. فأصبح إثباته العلم مجرد ظاهر فقط لا معنى له حيث لا يقول بما يتضمن معنى هذا الإثبات، فهو لا يثبت شيئًا اسمه العلم يكون صفة من صفات الذات الإلهية، وإنما يثبت الذات فقط وعلمًا ليس هو غير الذات، أي اسم علم جامد لا يدل على صفة، فهو عنده ليس عالمًا بعلم هو صفة من صفاته فلا معنى لإثباته للعلم، ويكفي
_________________
(١) انظر مختار الصحاح ص ٤٢٥.
(٢) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦: ٩٠، ٩١).
(٣) انظر التعريفات للجرجاني ص ١٢٩.
(٤) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦: ٩١). وكتاب النبوات له ص ٤٢، ٤٣.
[ ٢٢٨ ]
عن هذا المذهب إثبات الذات فقط.
وقوله هذا فيما يؤول إليه كقول أبي الهذيل العلاف حيث يقول: "إن الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته" (^١).
وعندنا أن العلم صفة من صفات ذاته تعالى فهو عالم بعلم قائم بذاته قديم أزلي متعلق بمعلومات غير متناهية (^٢).
والدليل على اتصاف الله تعالى بالعلم قوله تعالى: " ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ " (^٣) وقوله: " ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (^٤). وقوله: " ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ " (^٥). والآيات الدالة على إضافة العلم إلى الله تعالى كثيرة.
ومما يدل على اتصال الله تعالى بالعلم قوله: " ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ " (^٦) وقوله: " ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ " (^٧) والذي يعلم كل شيء لابد أن يعلمها بعلم حيث لا يعقل عالم بلا
_________________
(١) الملل (١: ٤٩). وانظر شرح الأصول الخمسة ص ١٨٣، ومقالات الإسلاميين للأشعري (١: ٢٤٥).
(٢) انظر كتاب الفقه الأكبر للشافعي ص ١٢. والرد على الجهمية للإِمام أحمد ص ٤٠. وأصول الدين للبغدادي ص ٩٥. والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص ٤٩. والأربعين في أصول الدين للغزالي ص ١٦ وقواعد العقائد له ضمن القصور. العوالي (٤: ١٥٠). وغاية المرام في عم الكلام للآمدي ص ٧٦. وشرح حديث النزول لابن تيمية ص ١٢٥.
(٣) سورة النساء: آية (١٦٦).
(٤) سورة هود: آية (١٤).
(٥) سورة البقرة: آية (٢٥٥).
(٦) سورة البقرة: آية (٢٥٥).
(٧) سورة آل عمران: آية (٢٩).
[ ٢٢٩ ]
علم، أي أن كل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته.
ويدل على أنه تعالى عالم إيجاد الأشياء لاستحالة إيجاده الأشياء مع الجهل بها، لأنه ﵎ خالق والخلق يسبقه القصد والقصد يلزم منه العلم إذ كيف يقصد ما لا يعلمه" (^١).
ويدل أيضًا على علمه تعالى أن من المخلوقات من هو عالم والعلم صفة كمال، وكل كمال اتصف به المخلوق فالخالق به أولى، بيان هذا من طريقين:
الأول:
أن الخالق أكمل من المخلوق، والعلم صفة كمال في المخلوق فإذا لم يكن الخالق عالمًا، لزم أن يكون في المخلوقات من هو أكمل منه وذلك محال.
الثاني:
أن كل علم في المخلوقات فهو منه ﵎ ومن الممتنع أن يكون مبدع الكمال وواهبه عاريًا منه بل هو أحق به، وهو أحق بكل كمال وأولى بالتنزه عن كل نقص (^٢).
_________________
(١) انظر اللمع لأبي الحسن الأشعري ص ٢٦، ٢٧. والإنصاف للباقلاني ص ٣٦. والمعتمد في أصول الدين ص ٤٦. والإِقتصاد في الإِعتقاد للغزالي ص ٩٠. والكشف عن مناهج الأدلة ضمن فلسفة ابن رشد ص ٧٠، ٧١. وشرح العقيدة الأصفهانية ص ٤، ٢٤. وشرح العقيدة الطحاوية ص ٨٠.
(٢) انظر الإِبانة للأشعري ص ٤١. والمعتمد في أصول الدين ص ٤٧. وشرح العقيدة الأصفهانية ص ٢٤، ٢٥. وموافقة صحيح المنقول ٢: ١١٩. وشرح العقيدة الطحاوية ص ٨٠.
[ ٢٣٠ ]
وحيث ثبت أنه عالم ثبت أن له علمًا ويدل على أنه تعالى عالم بعلم، أنه لا يخلو إما أن يكون تعالى عالمًا بذاته لا بعلم، أو عالمًا، بعلم هو ذاته، أو بعلم ليس ذاته. فإن كان عالمًا بذاته لا بعلم. ففي هذا نفي لصفة العلم نهائيًا، وإثبات لذات مجردة عن الصفة وهذا محال، لأنه لا يوجد في الخارج ذات غير متصفة بالصفات.
وإن كان عالمًا بعلم هو ذاته فهذا إثبات ذات هي بعينها صفة، أو صفة هي بعينها ذات وهذا لا يصح.
يقول أبو الحسن الأشعري في رد هذا عند استدلاله على أن الله تعالى عالم بعلم: "فإن كان عالمًا بنفسه كانت نفسه علمًا، لأن قائلًا لو قال: إن الله تعالى عالم بمعنى هو غيره لوجب عليه أن يكون ذلك المعنى علمًا، ويستحيل أن يكون العلم عالمًا، أو العالم علمًا، أو يكون الله تعالى بمعنى الصفات. ألا ترى أن الطريق الذي يعلم به أن العلم علم أن العالم به علم، لأن قدرة الإِنسان التي لا يعلم بها لا يجوز أن تكون علمًا. فلما استحال أن يكون الباري تعالى علمًا استحال أن يكون عالمًا بنفسه، فإذا استحال ذلك صح أنه عالم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه" (^١).
والدليل على علمه تعالى بمعلومات غير متناهية: أنه لو لم يتعلق علمه ﷾ بجميع المعلومات لكان كماله بالنسبة إلى ما لم يتعلق به علمه من المعلومات أنقص بالنسبة إلى حال من تعلق به علمه من المخلوقين وهو محال.
_________________
(١) اللمع للأشعري ص ٣٠. وانظر الإِبانة له ص ٣٨. ولمع الأدلة في عقائد أهل السُّنة والجماعة للجويني ص ٨٨.
[ ٢٣١ ]
يقول أبو يعلى: "إنه قد ثبت أنه تعالى قادر في كل وقت على خلق حوادث أكثر مما فعلها أبدًا ولا يجوز أن يأتي عليه زمان لا يصح أن يخلق فيه شيئًا إذ لو جاز ذلك عليه أفضى إلى عجزه. وإذا ثبت أن مقدوراته غير متناهية ثبت أن معلوماته كذلك لأنها لو لم تكن كذلك أفضى إلى جواز الجهل عليه ويتعالى عن ذلك" (^١).
وعلى هذا فالله عالم بعلم لا حد له هو صفة من صقاته.
٣ - القدرة والقوة
يذهب ابن حزم إلى أن قدرة الله تعالى، وقوته حق لقوله " ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ " (^٢) وقوله - ﷺ -: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك" (^٣).
فقدرة الله تعالى عامة فلا يعجز عن شيء، ولا عن كل ما يسأل عنه السائل من محال، أو غيره مما لا يكون أبدًا (^٤)، وسواء كان المحال
_________________
(١) المعتمد في أصول الدين ص ٤٩. وانظر غاية المرام في علم الكلام للآمدي ص ٦٤ - ٧١. بين ذلك في تعلق الإرادة بجميع الكائنات وأحال عليها عند الكلام على العلم قال "وبيان ذلك على نحو بيانه في الإِرادة" ص ٧٩. من نفس المرجع.
(٢) سورة فصلت: آية (١٥).
(٣) انظر صحيح البخاري (١: ١٤٤)، و(٤: ٧٨، ١٩٥)، وسُنن الترمذي (٢: ٣٤٥، ٣٤٦)، ومسند الإِمام أحمد (٣: ٣٤٤).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٨٣ - ١٨٥)، والمحلى (١: ٤٠).
[ ٢٣٢ ]
بالإضافة (^١). أو بالوجود (^٢)، أو في بنية العقل فيما بيننا (^٣)، أو محالًا مطلقًا وهو ما أوجب على ذات البارى ﵎ تغييرًا فهذا هو المحال لعينه وهذا لم يزل محالًا في علم الله تعالى. وبضرورة العقل نعلم يقينًا أن الله تعالى لم يفعله قط، ولا يفعله أبدًا، ولكن لا يجوز أن نصف الله تعالى بعدم القدرة - الذي هو العجز بوجه أصلًا (^٤).
أما المحال في بنية العقل فلا يكون في هذا العالم البتة، وهذا واقع بالنفس بالضرورة، لكن لا يبعد أن يكون الله تعالى يفعله في عالم له آخر (^٥).
والدليل على قدرة الله تعالى على هذا المحال:
أن الله تعالى هو الذي خلق العقل بعد أن لم يكن، وهو قوة من قوى النفس، عرض محمول فيها أحدثه الله تعالى، وأحدث رتبه على ما هي عليه مختارًا لذلك، فما جعله محالًا فيه فإنما كان محالًا مذ جعله الله محالًا، ولو شاء أن لا يجعله محالًا لما كان محالًا، لأن من اخترع شيئًا لم يكن قط لا على مثال سلف، ولا عن ضرورة أوجبت عليه اختراعه وإنما فعل ذلك مختارًا فإنه قادر على ترك اختراعه، وعلى
_________________
(١) المحال بالإضافة. كإحبال ابن ثلاث سنين امرأة، وصوغه الشعر العجيب ونحو هذا. انظر الفصل (٢: ١٨١).
(٢) المحال بالوجود كانقلاب الجماد حيوانًا أو نطق الجماد. انظر الفصل (٢: ١٨١) وبالمحال بالإضافة وبالوجود تأتي الأنبياء ﵈ في معجزاتهم الدالة على صدقهم في النبوة انظر الفصل (٢: ١٨١).
(٣) المحال في بنية العقل مثل كون المرء قاعدًا لا قاعدًا - أي الجمع بين النقيضين - انظر الفصل (٢: ١٨١).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٨١، ١٨٢)، و(١: ٧١).
(٥) انظر الفصل (٢: ١٨١).
[ ٢٣٣ ]
اختراع غيره مثله، أو على خلافه ولو لم يكن كذلك لكان مضطرًا لا مختارًا. (^١).
ويؤيد القول بقدر الله التامة والشاملة لما لم يكن ولا يكون ما ذكر من استطاعته تعالى على هدى من علم أنه لا يهديه، يقول تعالى عن نوح ﵇ أنه قال: " ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ " (^٢).
مع قوله تعالى: "أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن" (^٣) وتعذيب من علم أنه لا يعذب أبدًا:
يقول تعالى " ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ " (^٤). ويقول تعالى: " ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ " (^٥).
وتبديل أزواج قد علم أنه لا يبدلهن أبدًا:
يقول تعالى: " ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ " (^٦).
وهذه نصوص تبين قدرته تعالى على إبطال علمه الذي لم يزل، وعلى تكذيب قوله الذي لا يكذب أبدًا.
_________________
(١) انظر الفصل (٢: ١٨٢)، والمحلى (١: ٤١).
(٢) سورة نوح: الآيات (١٠ - ١٢).
(٣) سورة هود: آية (٣٦).
(٤) سورة الحاقة: الآيات (٤٤ - ٤٦).
(٥) سورة الأنعام: آية (٦٥).
(٦) سورة التحريم: آية (٥).
[ ٢٣٤ ]
وقد دل ﷾ على عموم قدرته بقوله: " ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ " (^١).
وقوله: " ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ " (^٢)، وقوله: " ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ " (^٣).
وقوله: " ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ " (^٤) وقوله: " ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ " (^٥).
في الآيات عموم للقدرة لم يخصص ولو لم يكن تعالى كذلك لكان متناهي القدرة، ولو كان متناهي القدرة لكان محدثًا تعالى الله عن ذلك (^٦).
ولكن ابن حزم مع هذا الإثبات المطلق للقدرة. لا يثبتها صفة من صفات الله تعالى، وإنما هي عنده اسم علم يقول: "وعلم الله تعالى. وقدرته وقوته حق وكل ذلك ليس هو غير الله ولا يقال إنه الله ولا العلم غير القدرة ولا القدرة غير العلم إذ لم يأت دليل بغير هذا" (^٧).
* * * * *
_________________
(١) سورة القمر: آية (٥٥).
(٢) سورة الروم: آية (٥٤).
(٣) سورة فاطر: آية (٤٤).
(٤) سورة آل عمران: الآيتان (٢٩، ١٨٩)، والمائدة: آية (١٩)، وسورة الأنفال: آية (٤١)، وسورة التوبة: آية (٣٩)، وسورة الحشر: آية (٦).
(٥) سورة القصص: آية (٦٨).
(٦) انظر الفصل (٢: ١٨٦) والمحلى (١: ٤١).
(٧) الفصل (٢: ١٢٩) وانظر ص (١٤٠، ١٧٢).
[ ٢٣٥ ]
مذهب ابن حزم في قدرة الله تعالى يتلخص فيما يلي:
١ - عموم قدرة الله تعالى لكل ما يسأل عنه السائل لا يحاشى من ذلك شيئًا.
٢ - أن القدرة ليست غير العلم ولا العلم غير القدرة وكل ذلك ليس هو غير الله تعالى، وفي هذا نفي لصفتي العلم والقدرة، وقد تعرضنا لهذه المسألة عند الكلام على اتصاف الله بالصفات (^١).
أما إثباته عموم القدرة، وعدم وصف الله تعالى بعدم القدرة على شيء ولو كان محالًا مطلقًا، فغير مسلم بالنسبة للمحال المطلق والمحال لذاته. وأما ما سواهما - أي جميع الممكنات - فإنها داخلة تحت القدرة، وهذا ما تؤيده الأدلة.
وأما المحال المطلق، وهو ما أوجب على ذات الباري تغييرا - أي الحق ﵎ وصفاته - فإنه غير داخل تحت القدرة وهذا هو المشهور عند أهل العلم.
يقول ابن تيمية: "ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة فإن ما شاء الله كان، ولا يكون شيء إلا بقدرته، وما تعلقت به القدرة تعلقت به المشيئة فإنه لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته، وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة، وكذلك بالعكس وما لا فلا. وقوله: "إن الله على كل شيء قدير" (^٢)، أي على كل مايشاء
_________________
(١) انظر ص (١٩٤ - ١٩٨).
(٢) سورة البقرة: الآيتان (٢٠، ١٤٨) وآل عمران: آية (١٦٥)، والنحل: آية (٧٧)، والنور: آية (٤٥)، والعنكبوت: آية (٢٠).
[ ٢٣٦ ]
فمنه ما قد شيء فوجد، ومنه ما لم يشأ لكنه شيء في العلم بمعنى أنه قابل لأن يشاء فقوله: "على كل شيء قدير" يتناول ما كان شيئًا في الخارج والعلم، وما كان شيئًا في العلم فقط بخلاف ما لا يجوز أن تتناوله المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته أو الممتنع لنفسه" (^١).
وأما الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين، أي مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا في حال واحدة، فهذا لا حقيقة له ولا يمكن تحققه في الخارج ولا يتصوره الذهن ثابتًا فيه إلا على وجه التمثيل، بأن يقدر في الذهبن اجتماع النقيضين ثم يحكم على ذلك بأنه ممتنع في الخارج إذا كان يمتنع تحققه في الأعيان، وتصوره في الأذهان فهو إذا ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو غير داخل تحت القدرة (^٢).
إذ هي عبارة عن الصفة التي يتأتى بها الإِيجاد والإِعدام، والمصحح للمقدورية هو الإِمكان لأن الوجوب والإِمتناع الذاتيين يحيلان المقدورية (^٣).
وإن قيل: وهل يدخل تحت قدرة الله تعالى ما لم يفعله ولا يفعله مما يصح أن تتعلق به القدرة؟
قلنا: نعم، إذ لو وصفناه تعالى بعدم القدرة عليه وهو مما تتعلق به القدرة؟ لأثبتنا له العجز، وهو عيب ونقص يتنزه الله عنه، ويجب علينا أن ننزه الله تعالى عما نزه عنه نفسه فنفاه عن نفسه كالظلم
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٣٨٣) بتصرف.
(٢) انظر شرح المواقف ص ٩٨، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٨، ٩) وشرح العقيدة الطحاوية ص ٧٥.
(٣) انظر الإقتصاد في الإعتقاد ص ٧٦، ٨٣، وشرح المواقف ص ٨٤، ٩٧، وغاية المرام للآمدي ص ٨٥.
[ ٢٣٧ ]
والكذب والنسيان وغير ذلك. وإذا لم يفعل ﵎ شيئًا لم يكن عدم فعله له عجز، وإنما لعدم إرادته تعالى فعله، ولو وصف تعالى بعدم القدرة على هذا لم يكن تركه له وتنزهه عنه مدحًا، وإنما يأتي المدح إذا لم يفعله وهو مقدور له، وترك فعله، لأن الاتصاف به نقص والله لا يوصف إلا بما هو مدح وثناء في نفسه، أو يتضمن المدح والثناء له ﵎ كالعلم والقدرة والكلام والإِرادة والسمع والبصر .. الخ.
فصح أن الله تعالى قادر على ما لم يفعله مما هو ممكن ولم يشأ فعله ﷾.
والذي نقول عن القدرة أنها صفة من صفات ذات الله تعالى فهو قادر بقدرة قديمة قائمة بذاته متعلقة بجميع المقدورات غير متناهية بالنسبة إلى ذاتها ولا بالنظر إلى متعلقاتها (^١).
والدليل على اتصاف الله تعالى بهذه القدرة، وأنها قائمة به قوله تعالى: " ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ " (^٢). وقوله: " ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ " (^٣). وقوله - ﷺ -: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك" (^٤).
وفي الآيتين والحديث دلالة على إثبات صفة القدرة لله ﵎.
_________________
(١) انظر شرح المواقف ص ٩٥، وغاية المرام للآمدي ص ٨٥.
(٢) سورة فصلت: آية (١٥).
(٣) سورة الذاريات: آية (٥٨).
(٤) مرّ تخريجه قريبًا.
[ ٢٣٨ ]
والآيات الدالة على أن الله ﵎ قادر كثيرًا جدًّا ولا يعقل أن يكون قادرًا إلا من له قدرة قائمة به ومن الآيات قوله ﵎: " ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ " (^١) وقوله تعالى: " ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ " (^٢) وقوله: " ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ " (^٣).
ويدل على أن الله تعالى قادر ظهور الأفعال منه تعالى إيجادًا لاستحالة ظهورها من العاجز (^٤). وإذا ثبت أنه قادر وجب أن يكون له قدرة بيان هذا كما قال ابن تيمية: "إن الفاعل إما مجرد الذات، وإما الذات بصفة فإن كان الأول فمعلوم أن العلة التامة تستلزم وجود المعلول، فإذا كان مجرد الذات هو الواجب فمجرد الذات علة تامة فيلزم وجود المعلول جميعه، ويلزم قدم جميع الحوادث وهو خلاف المشاهد. وإن كان الثاني فالصفة التي يصلح بها الفعل هي القدرة، أو يقال فإذا لم يكن موجبًا لذاته بل بصفة تعين أن يكون مختارًا فإنه إما موجب بالذات، وإما فاعل بالاختيار والمختار، إنما يفعل بالقدرة، إذ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فأما من يلزمه المفعول بدون إرادته فهذا ليس بقادر بل ملزوم بمنزلة الذي تلزمه الحركات الطبيعية التي لا قدرة له على فعلها ولا تركها" (^٥).
ومما يدل أيضًا على أن الله تعالى قادر بقدرة، أنه لا يخلو إما أن يكون تعالى قادرًا بذاته لا بقدرة، أو قادرًا بقدرة هي ذاته أو بقدرة ليست ذاته.
_________________
(١) سورة النحل: آية (٧٠).
(٢) سورة الفرقان: آية (٥٤).
(٣) سورة فاطر: آية (٤٤).
(٤) انظر كتاب اللمع للأشعري ص ٢٦. والإِنصاف للباقلاني ص ٣٥.
(٥) شرح العقيدة الأصفهانية ص ٢٥.
[ ٢٣٩ ]
فإن كان قادرًا بذاته لا بقدرة ففي هذا نفي لصفة القدرة نهائيًا، وإثبات لذات مجردة عن الصفة وهذا محال، لعدم وجود ذات في الخارج غير متصفة بالصفات.
وإن كان قادرًا بقدرة هي ذاته ففي هذا إثبات لذات هي بعينها صفة، أو صفة هي بعينها ذات، وهذا يوجب أن تكون ذاته قدرة، لأن قائلًا لو قال: إن الله تعالى قادر بمعنى هو غيره لوجب عليه أن يكون ذلك المعنى قدرة ويستحيل أن تكون القدرة قادرًا، أو القادر قدرة، أو يكون الله تعالى بمعنى الصفات.
ألا ترى أن الطريق الذي يعلم به أن القدرة قدرة أن القادر به قدر لأن علم الإنسان الذي لا يقدر به، لا يجوز أن يكون قدرة، فلما استحال أن يكون الباري ﵎ قدرة استحال أن يكون قادرا بنفسه فإذا استحال ذلك صح أنه قادر بقدرة يستحيل أن تكون هي نفسه (^١).
تلك بعض الأدلة على أن الله تعالى متصف بالقدرة والله أعلم.
* * * * *
_________________
(١) انظر اللمع للأشعري ص (٣٠، ٣١)، والإبانة له ص ٣٨.
[ ٢٤٠ ]
٤ - الإِرداة
يرى ابن حزم صحة القول بأن الله "أراد، ويريد ما أراد، ولا يريد ما لم يرد" أخذا بظاهر قوله تعالى: " ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ " (^١)، وقوله: " ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ " (^٢) وقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٣). وقوله: " ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ " (^٤). وقوله: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا" (^٥) ونحو هذه الآيات.
ويحكم بالترادف بين المشيئة والإِرادة، ويرى أن كلا منهما مشترك لفظي له معنيان" (^٦).
أحدهما:
الرضى والاستحسان فهذا منهى عن الله تعالى أنه أراده، أوشاءه في كل ما نهى عنه.
_________________
(١) سورة يس: آية (٨٢).
(٢) سورة الرعد: آية (١١).
(٣) سورة البقرة: آية (١٨٥).
(٤) سورة المائدة: آية (٤١).
(٥) سورة الأنعام: آية (١٢٥).
(٦) انظر الفصل (٢: ١٧٦).
[ ٢٤١ ]
والثاني:
أن يقال أراد وشاء بمعنى أراد كونه وشاء وجوده فهذا هو الذي نخبر به عن الله ﷿ في كل موجود في العالم من خير أو شر (^١). ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذا على عمومه موجب أن كل ما في العالم كان أو يكون أي شيء كان فقد شاءه الله تعالى، وما لم يكن ولا يكون فلم يشأه الله تعالى يقول تعالى: " ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (^٢).
والآية نص صريح على أنه تعالى أراد كون كل ذلك (^٣). فأثبت أن المشيئة هي الإِرادة، وأنه يقال أراد الله، ويريد، ولم يرد، ولا يريد، وأن الإِرادة هي الخلق، ولا إرادة له إلا ما خلق، ونفى أن يكون له إرادة لم تزل، وأن يكون مريدا، حيث لم يأت نص بهذا، ولم يأت عن أحد من السلف - ﵃ -، ولأن الإِرادة لو كانت لم تزل لكان المراد لم يزل بنص القرآن يقول تعالى: " ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ " (^٤). فأخبر تعالى أنه إذا أراد الشيء كان وهذا محل إجماع من المسلمين ما شاء الله كان (^٥).
هذا المذهب - إثبات أن الله أراد، ويريد ما أراد ولا يريد ما لم يرد، وأن المشيئة هي الإرادة، ووقوعها على معنيين - رأي، تؤيده الأدلة الصحيحة، وهو ما ذهب إليه سلف الأمة فيثبتون الله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) انظر الفصل (٣: ١٤٢).
(٢) سورة التكوير: الآيتان (٢٨، ٢٩).
(٣) انظر الفصل (٣: ١٤٤، ١٤٨).
(٤) سورة يس: آية (٨٢).
(٥) انظر الفصل (٢: ١٧٦، ١٧٨).
[ ٢٤٢ ]
ويقولون: إن المشيئة هي الإِرادة (^١)، ويقسمون الإِرادة إلى كونية خلقية، وهي المستلزمة لوقوع المراد عمومًا في العالم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وإلى دينية أمرية شرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضا (^٢).
تلك إشارة إلى ما كان محل اتفاق بيننا وبين ابن حزم في القول بالإِرادة ويبدأ الاختلاف بعد ما يجمد ابن حزم على إثبات هذه الظواهر دون ما تدل عليه من معاني فينفي أن يكون الله إرادة لم تزل ويجعلها الخلق، ولا يقول إن الله تعالى مريد.
وهذا الرأي - نَفْيُ أن يكون الله إرادة لم تزل، وأن لا إرادة له إلا ما خلق - يوافق مذهب من ينفي اتصاف الله تعالى بالصفات حيث قال به
_________________
(١) انظر الفرق بين الفرق ص (٣٦). والمعتمد في أصول الدين ص (٧٥، ٧٧). وكتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص (١٣٩). وشرح العقائد النسفية ص (٨٥). وشفاء العليل ص (١٠٠)، وشرح ملا علي القاري على الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص (١٩). وفي كتب اللغة انظر مختار الصحاح ص (٣٥٢). ولسان العرب (١: ٩٧، ٩٨).
(٢) انظر المعتمد في أصول الدين ص (٧٥)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٦: ١١٥، ١١٦، ١٥٩). ورسالة الإرادة والأمر ضمن مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية (١: ٣٢٦). وضمن المجموع أيضًا رسالة مراتب الإِرادة (٢: ٧٦ - ٧٨). ورسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والقدر ضمن الرسائل والمسائل (٥: ١٥١، ١٥٢). وشفاء العليل لابن القيم ص (١٠٥ - ١٠٨، ٥٦٤، ٥٦٥). والمنتقى من منهاج الاعتدال ص (١٢١). وشرح العقيدة الطحاوية ص (٥٣، ٥٤، ١٩٨ - ٢٠٠). وشرح ملا علي القاري على الفقه الأكبر ص (٢٠).
[ ٢٤٣ ]
أبو الهذيل العلاف من المعتزلة فيما حكاه عنه الكعبي (^١).
وقول أهل الإِثبات في الإرادة، أنها صفة من صفات الذات المقدسة.
ويقولون: إن الله مريد بإرادة قديمة النوع حادثة الآحاد (^٢) يقول ابن تيمية: "إنه (الله) لم يزل مريدًا بإرادات متعاقبة فنوع الإِرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته" (^٣).
وعلى هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، فهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ - من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل لقوله سبحانه: " ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ " (^٤). فلا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله لقوله: " ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ " (^٥). ولقوله: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ " (^٦). ولقوله: " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ " (^٧). إلى غير ذلك مما فيه وصف الله تعالى وتفرده بصفات الكمال وتنزهه عن النقائص.
_________________
(١) انظر الفرق بين الفرق ص (١٨٢). والملل للشهرستاني (١: ٥٣، ٧٨). والكعبي هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي كان رأس طائفة من المعتزلة وكان حاطب ليل يدعي في أنواع العلوم خالف البصريين من المعتزلة في أحوال كثيرة توفى سنة ٣١٩ هـ. انظر الفرق بين الفرق ص (١٨١، ١٨٢). والملل (١: ٧٦ - ٧٨). ووفيات الأعيان (٣: ٤٥) وشذرات الذهب (٢: ٢٨١).
(٢) انظر رسالة في تحقيق مسألة علم الله لابن تيمية ضمن جامع الرسائل المجموعة الأولى ص (١٨٢) ومجموع الفتاوى له (١٦: ٣٠٣). وحاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية للسفاريني ص (١٢).
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٦: ٣٠٣).
(٤) سورة الشورى: آية (١١).
(٥) سورة مريم: آية (٦٥).
(٦) سورة البقرة: آية (٢٢).
(٧) سورة الإِخلاص: آية (٤).
[ ٢٤٤ ]
ولا شك أن من يعمل بإرادة واختيار أكمل ممن يكون العمل لازمًا له، لأن الثاني لا يسمى قادرًا على الفعل.
والإِرادة ينقسم جنسها إلى محمود ومذموم كالعدل، والظلم والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم فأتى ما يوصف الله تعالى به من الإرادة في أسماء تخص المحمود كاسمه الحكيم والرحيم والرؤوف والحليم ونحو هذا مما يتضمن معنى الإرادة. ونزه نفسه عن بعض أنواعها بقوله: " ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ " (^١). وقوله: " ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ " (^٢). وأثبت إرادته بما فيه الرأفة والرحمة بالعباد بقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ " (^٣). وقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ " (^٤) (^٥).
الأدلة العقلية على أن الله متصف بالإِرادة:
الدليل الأول:
أن الحي إذا لم يتصف بالإِرادة اتصف بضدها كالسهو والإِكراه وما في معناهما من الآفات. كما أنه إذا لم يكن عالمًا أصلًا كان موصوفًا بضد ذلك من الجهل والسهو والغفلة أو الموت أو ما أشبه ذلك، فيستحيل أن يكون الله تعالى لم يزل موصوفًا بضد الإِرادة لأن هذا
_________________
(١) سورة غافر: آية (٣١).
(٢) سورة البقرة: آية (١٨٥).
(٣) سورة البقرة: آية (١٨٥).
(٤) سورة النساء: آية (٢٨).
(٥) انظر شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص (٥، ٩) ونقض المنطق له ص (٢)، ومجموع الفتاوى (٦: ١٤٢). وشفاء العليل لابن القيم ص (٥٦٣، ٥٦٤).
[ ٢٤٥ ]
يوجب أن لا يريد شيئًا على وجه من الوجوه لأن الله تعالى إذا كان لم يزل متصفًا بضد الإِرادة، وجب أن يكون قديمًا ومحال عدم القديم وحدوثه، فإذا استحال عدمه وجب أن لا يريد الباري شيئًا على وجه من الوجوه، وذلك فاسد، وإذا فسد هذا صح أن الباري لم يزل مريدًا" (^١).
الدليل الثاني:
يدل على أن الله تعالى متصف بالإِرادة ما في العالم من التخصيصات كتخصيص كل شيء بما له من القدر والصفات والحركات كطوله وقصره وطعمه ولونه وريحه وحياته وقدرته وعلمه وسمعه وبصره، وسائر ما فيه، وهو ليس واجب الوجود بنفسه، فهو ممكن أن يكون على خلاف ذلك، والذات المجردة عن الإِرادة لا تخصص فلابد من صفة وراء الذات بها كان التخصيص وتلك هي الإِرادة. (^٢).
الدليل الثالث:
أن الله سبحانه لو لم يكن ذا إرادة، لاستحال منه ترتيب الأفعال ووضعها مواضعها، كاستحالة ذلك ممن ليس بعالم فأفعاله المرتبة
_________________
(١) انظر اللمع للأشعري ص (٣٧، ٣٨).
(٢) انظر شرح العقيدة الأصفهانية ص (٥)، وبيان تلبيس الجهمية (١: ١٢١، ١٢٢). والإِقتصاد للغزالي ص (٩١، ٩٢)، وغاية المرام للآمدي ص (٥٨ - ٦٣)، . وشرح ملا علي القاري على الفقه الأكبر ص (١٩)، ورسالة التوحيد لمحمد عبده ص (٣٩).
[ ٢٤٦ ]
دليل على أنه سبحانه مريد ذلك بإرادة هي صفة من صفاته (^١).
الدليل الرابع:
هو أن المخلوقات تنقسم إلى قسمين: مريد، وغير مريد، والمريد أكمل من غير المريد، لأن غير المريد هو الموات والجماد. فعدم الإِرادة صفة نقص. فثبوتها صفة كمال، وكل كمال هو في المخلوق مستفاد من الخالق فالخالق به أحق وأولى (^٢).
وبثبوت أن الإِرادة صفة من صفات الذات الإِلهية رد لما ذهب إليه ابن حزم من القول "بأن لا إرادة له إلا ما خلق" إذ أن هذا نفي لاتصاف الله تعالى بالصفة، وقد بينا بالأدلة ثبوتها.
وقد احتج على نفي الصفة بعدم ورود النص، والمثبتون للإِرادة يقولون: إن الأسماء الحسنى الثابتة الله تعالى بالنص دالة على وصفه بالصفات، فهو مريد بإرادة (^٣). وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به.
ومن منع هذا جعل أسماءه تعالى ألفاظًا فارغة عن المعاني لا حقائق لها، وهذا هو الإِلحاد فيها، وإنكار أن تكون حسنى وقد قال تعالى: " ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ " (^٤). وقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفًا كقوله: " ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ
_________________
(١) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٧٣).
(٢) انظر قاعدة في صفة الكلام لابن تيمية ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (٢: ٨٠، ٨١) وموافقة صحيح المنقول له (٢: ١١٩).
(٣) انظر قواعد العقائد للغزالي ضمن القصور العوالي (٤: ١٥٠)، فيصف الله تعالى بأنه مريد للكائنات، وشرح الأصفهانية لابن تيمية ص (٥).
(٤) سورة الأعراف: آية (١٨٠).
[ ٢٤٧ ]
جَمِيعًا﴾ " (^١). وقوله: " ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ " (^٢). ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماءه غير أفعاله وصفاته فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد وهو بمنزلة صوت لايفيد شيئًا (^٣).
لهذا اتفق أهل السنة على القول بأن الله ﷾ " ﴿مَرِيدٍ﴾ " لأن معناه حق، ولأنه لا يعقل أن يكون المتصف بإرادة قائمة به ليس مريدًا لما ذكرناه من إثبات مصادر تلك الأسماء (^٤).
قدم إرادة الله تعالى:
إذا قيل إن الله ﵎ لم يزل مريدًا لما شاء وغير مريد لما لم يشأ لم يكن هذا ممتنعًا بل إن هذا هو الواجب، لأن الإِرادة صفة كمال لا نقص فيها والرب أحق أن يتصف بذلك إذ كل كمال لا نقص فيه ثبت للمخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فالخالق أولى به، ولأن الواجب الخالق أحق بالكمال المطلق من المحدث الممكن المخلوق، وكل كمال ثبت لمخلوق فإنما هو من الخالق وما جاز اتصافه به من
_________________
(١) سورة البقرة: آية (١٦٥).
(٢) سورة الذاريات: آية (٥٨).
(٣) انظر شفاء العليل لابن القيم ص (٥٦٦، ٥٦٧)، وبدائع الفوائد له (١: ١٦٩)، والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٤٥، ٤٦)، والملل للشهرستاني (١: ٩٤).
(٤) انظر اللمع لأبي الحسن الأشعري ص (٤٧). والمعتمد في أصول الدين ص (٧٣). واعتقاد أهل السُنة والجماعة لعدي بن مسافر ص (١٦). وغاية المرام ص (٥٢). والأربعين في أصول الدين للرازي ص (١٤٦). وشرح العقيدة الأصفهانية ص (٥). وشرح العقيدة الطحاوية ص (٥٤).
[ ٢٤٨ ]
الكمال وجب له، فإنه لو لم يجب له لكان إما ممتنعًا وهو محال. وإما ممكنا فيتوقف ثبوته له على غيره، والرب لا يحتاج في ثبوت كماله إلى غيره فإن معطي الكمال أحق به، فيلزم أن يكون غيره أكمل منه لو كان غيره معطيًا له الكمال وهذا ممتنع، بل هو بنفسه المقدسة مستحق لصفات الكمال فلا يتوقف ثبوت كونه مريدًا على غيره فيجب ثبوت كونه مريدًا، وأن ذلك لم يزل ولا يزال.
ثم إن من يفعل بإرادة أكمل ممن يكون الفعل لازمًا له بدون إرادة، والذي لم يزل مريدًا لما شاء أكمل ممن صار مريدًا بعد أن لم يكن له إرادة (^١).
والدليل على قدم إرادة الله تعالى قوله: " ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ " (^٢). والفعل والإرادة متلازمان فما أراد أن يفعل فعل، وما فعله فقد أراده فهو سبحانه يفعل بإرادة ومشيئة ولم يزل كذلك، لأنه سبحانه ذكر - فعله لما يريد - في معرض المدح والثناء على نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه ولا يجوز أن يكون عادمًا لهذا الكمال في وقت من الأوقات أزلًا وأبدًا (^٣).
ويدل أيضًا على قدم إرادة الله تعالى، ما ذكرنا في الدليل الأول من أدلة اتصاف الله تعالى بالإِرادة وقد سبق قريبًا (^٤).
_________________
(١) انظر قاعدة في صفة الكلام لابن تيمية ضمن الرسائلة المنيرية المجلد الأول (٢: ٨٠، ٨١). وشرح الأصفهانية ص (٨٥، ٨٦). وموافقة صحيح المنقول (١: ١٤، ١٥).
(٢) سورة البروج: الآيتان (١٥، ١٦).
(٣) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص (٧٠، ٧١).
(٤) انظر ص (٢٤٥، ٢٤٦).
[ ٢٤٩ ]
والقول بنفي الإِرادة القديمة يلزم منه التعطيل قبل ذلك أي أن الله ﷾ لم يزل غير مريد ثم صار مريدًا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا" (^١).
واستدلال ابن حزم على عدم أزلية الإِرادة، بأنها لو كانت لم تزل لكان المراد لم يزل لقوله تعالى: " ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ " (^٢). فغير مسلم، ولا يلزم من قدم الإِرادة قدم المراد بل إن المراد متأخر عنها (^٣).
يقول القاضي أبو يعلى: "والإرادة ليست بموجبة أصلًا سواء كانت مقدورة للمريد ومن فعله أو غير مقدور وغير فعل له، وسواء كانت الإِرادة قديمة أو محدثة أو قبل المراد أو معه .. والدلالة عليه أن كونها موجبة لا يخلو إما أن تكون بمعنى أنها سبب مؤكد للمراد، أو على أنها علة للحكم، أو على أنها فارضة ملزمة له، فيستحيل أن تكون مؤكدة لقيام الدلالة على إرادة قديمة، والإِرادة القديمة لا يصح أن تكون علة للمحدث ولا سببًا له، لأن السبب والعلة لا تتقدم مشيئته ومعلوله، ولا يجوز أن تكون ملزمة وفارضة لأن الملزم لا يكون ملزمًا إلا بالزام وذلك محال في صفة الإِرادة .. لقيام الدلالة على أن جميع أفعال العباد حادثة من قبل الله تعالى، وبقدرته القديمة دون قدرة العبد واستحال كون العبد محدثًا موجدًا" (^٤).
ولنا أن نقول: إذا كانت إرادة الله تعالى غير قديمة فهي محدثة،
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص (٧١، ٧٢).
(٢) سورة يس: آية (٨٢).
(٣) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٥: ٥٣٠)، وشرح الأصفهانية له ص (٤٣).
(٤) المعتمد في أصول الدين ص (٧٩، ٨٠). وانظر بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١: ٢٠٥ - ٢٠٧). وشفاء العليل لابن القيم ص (٤٤٩).
[ ٢٥٠ ]
وإذا كانت محدثة وجب على هذا أن يكون الله تعالى غير مريد قبل ذلك فيكون معطلًا تعالى الله عن هذا علوًا كبيرًا.
ثم لو كانت الإرادة محدثة لم يجز خروجها بدلا من ضدها إلا بإرادة أخرى، وتلك الإرادة بإرادة أخرى إلى غير نهاية، وذلك يحيل الحوادث رأسًا فدل ذلك على أن ارادة الله قديمة (^١).
واستدلال ابن حزم بالآية على ما ذهب إليه، لا يستقيم، وليس في الآية دلالة على قدم مراد الله، إذا كانت إرادته قديمة، وخاصة على مذهب من يقول بتجدد الإرادة عند إرادة الله تعالى إيجاد الأشياء في وقتها المخصص لإيجادها، لأن على مذهب هؤلاء أن الله متصف بالإرادة أزلًا وأبدًا، ولا يقال إن الكه يكون مريدًا في وقت دون وقت، فنوع الإرادة قديم وآحادها متجددة عند إرادة الله تعالى إحداث الأشياء فتحدث عقب إرادته للشيء وقوله تعالى ﴿كُنْ﴾ فيكون عقبة لامعة في الزمان، ولا متراخيًا عنه (^٢).
٥ - الكلام
مذهب ابن حزم في القرآن أنه كلام الله ﷿ على الحقيقة بلا مجاز نزل به جبريل ﵇ على قلب محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ
_________________
(١) انظر المعتمد في أصول الدين ص (٧٣). والإبانة لأبي الحسن الأشعري ص (٤٢).
(٢) انظر فتاوى ابن تيمية (١٦: ٣٨١، ٣٨٢) ومدارج السالكين لابن القيم (٧١: ١).
[ ٢٥١ ]
الْمُنْذِرِينَ﴾ (^١).
ويرى أن القران، وكلام الله لفظ مشترك يعبر به عن خمسة أشياء:
١ - الصوت المسموع يسمى قرآنا حقيقة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (^٣). وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (^٤) وصدق مؤمني الجن في قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ (^٥). فصح بهذا أن المسموع وهو الصوت الملفوظ به هو القران حقيقة وهو كلام الله تعالى. والصوت هو الهواء المندفع من الصدر والحلق والحنك واللسان والأسنان، والشفتين إلى آذان السامعين بحروف الهجاء. وحروف الهجاء والهواء كل ذلك مخلوق. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (^٦). وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٧). واللسان العربي ولسان كل قوم كل ذلك مخلوق بلاشك.
٢ - المفهوم من صوت القارىء يسمى قرآنًا وكلام الله على الحقيقة والمعبر عنه في القران كله مخلوق حاشا الله تعالى وتقدس خالق
_________________
(١) سورة الشعراء: الآيان (١٩٣، ١٩٤).
(٢) سورة التوبة: آية (٦).
(٣) سوة البقرة: آية (٧٥).
(٤) سورة المزمل: آية (٢٠).
(٥) سورة الجن: الآيتان (١، ٢).
(٦) سورة إبراهيم: آية (٤)
(٧) سورة الشعراء: آية (١٩٥).
[ ٢٥٢ ]
كل ما دونه.
٣ - المصحف كله يسمى قرآنًا وكلام الله لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (^١). وقد نهى الرسول ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (^٢). فقد سمى رسول الله ﷺ المصحف قرآنا إذ نهى أن يسافر به إلى أرض الحرب لئلا يناله العدو.
أما الورق، والمداد المكون منه المصحف وحركة اليد في خطه فكل ذلك مخلوق.
٤ - والمستقر في الصدور يسمى قرآنًا لقوله ﷺ: إذ أمر بتعاهد القرآن فقال: "إنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها" (^٣). وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (^٤).
واستقرار القرآن في الصدور عرض والأعراض مخلوقة، وعيسى ﵇ هو كلمة الله تعالى وهو مخلوق، قال تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة الواقعة: الآيتان (٧٧، ٧٨).
(٢) انظر صحيح البخاري (٢: ١١٤)، وصحيح مسلم (٣: ١٤٩٠، ١٤٩١)، وسنن أبي دواد (٣: ٣٦)، وشنن ابن ماجه (٢: ٩٦١) وموطأ مالك (٢: ٤٤٦) ومسند الإمام أحمد (٢: ٦، ٧، ١٠، ٥٥، ٦٣، ٧٦، ١٢٨).
(٣) انظر صحيح البخاري (٣: ١٦٦). وصحيح الإمام مسلم (١: ٥٤٤). وسنن الترمذي (٥: ١٩٣). وسنن الدارمي (٢: ٣٠٨، ٣٠٩، ٤٣٩).
(٤) سورة العنكبوت: آية (٤٩).
(٥) سورة آل عمران: آية (٤٥).
[ ٢٥٣ ]
٥ - وعلم الله تعالى لم يزل وهو كلامه غير مخلوق وليس هو غير الله تعالى برهان ذلك قول الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (^٢).
يقول ابن حزم:
ولما كان اسم القرآن يقع على هذه المعاني الخمسة وقوعًا مستويًا صحيحًا ويعبر عن كل معنى بأنه قرآن وأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة كما ذكرنا منها أربعة مخلوقة كما بينا ذلك وأوحد غير مخلوق لم يجز البتة لأحد أن يقول إن القرآن مخلوق، ولا أن كلام الله مخلوق، لأن قائل هذا كاذب إذ أوقع صفة الخلق على ما لا يقع عليه، مما يقع عليه اسم قرآن، واسم كلام الله ﷿ ووجب ضرورة أن يقال إن القرآن وكلام الله لا خالق له ولا مخلوق، لأن الأربع مسميات منه ليست خالقة، ولأن المعنى الخامس غير مخلوق، . فلا يجوز إطلاق اسم خالق على القرآن أو كلام الله، إذ لا يجوز أن توضع صفة البعض على الكل الذي لا تعمه تلك الصفة بل واجب أن يطلق نفي تلك الصفة التي للبعض على الكل (^٣).
ويرى ابن حزم بأن لله تعالى كلامًا، وأنه كلم موسى، ومن كلم من الأنبياء والملائكة ﵈ تكليمًا حقيقة لا مجازًا بكلام مسموع بالآذان معلوم بالقلوب بخلاف القول فإنه يكون بوسيطة مكلم غير الله تعالى.
_________________
(١) سورة الشورى: آية (١٤).
(٢) سورة الأنعام: آية (١١٥).
(٣) انظر الفصل (٣: ٧ - ١٠) والمحلى (١: ١٥، ١٦، ٣٩، ٤٠).
[ ٢٥٤ ]
ويتناقض عند القول بأن الله تعالى "متكلم".
ففي الفصل والمُحلى، ينفي أن يقال بأن الله تعالى متكلم لأنه تعالى لم يسم بذلك نفسه يقول تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^١) ويقول: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (^٢). ويقول: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (^٣). فهذا ما سمى الله تعالى به نفسه (^٤).
وفي كتاب الأصول والفروع يثبت أن الله لم يزل متكلمًا، وأن الكلام لا يكون إلا من متكلم يقول: "وكلام الله تعالى صفة قديمة من صفاته، ولا توجد صفاته إلا به ولا تبين منه لأنه لم يزل متكلمًا كما أن قدرته لا تبين منه لأن الكلام لا يكون إلا من متكلم، ولا تكون القدرة إلا من قدير .. ويقول: "والله ﷿ لم يزل متكلمًا ليس لكلامه أول ولا آخر (^٥).
تبين لنا من عرض مذهب ابن حزم في كلام الله تعالى أنه قريب من مذهب السلف حيث قال: إن القرآن هو كلام الله تعالى على الحقيقة بلا مجاز ويعبر به عن خمسة أشياء، الصوت المسموع، والمفهوم من الصوت، والمصحف كله، والمستقر في الصدور وعلم الله وهو كلامه. وبين اشتمال الأربعة الأولى على ما هو مخلوق مما هو من صفات العباد، وهو بهذا موافق لمذهب السلف فهم لا يقولون بأن ما هو من أفعال العباد غير مخلوق. ولكنهم لا يطلقون الحكم
_________________
(١) سورة النساء: آية (١٦٤).
(٢) سورة الأعراف: آية (١٤٤).
(٣) سورة البقرة: آية (٢٥٣).
(٤) انظر الفصل (٣: ٨، ٩، ١٣) والمحلى (١: ٤٣، ٤٤).
(٥) الأصول والفروع (٢: ٣٩٥، ٣٩٦).
[ ٢٥٥ ]
جزافًا لما في النفي والإثبات من الاجمال، وكل ما ذكر ابن حزم عند التفصيل أنه مخلوق فالسلف لا يخالفونه فيه. ولكنهم لا يقولون كقوله بأن أربعة الأشياء التي يعبر بالقرآن عنها مخلوقه بل يفصلون فما كان فعلًا للعبد فمخلوق وما ليس بفعل له فغير مخلوق.
ويخالفون ابن حزم في قوله، إن القرآن ليس غير الله، وهذا ما قد تعرضنا له عند الكلام على اتصاف الله بالصفات (^١)، ويخالفونه في قوله إن الله ليس متكلمًا. ويوافقهم في قوله الأخر "إنه لم يزل متكلمًا".
وسأقرر المذهب الذي أرى أنه الصواب في كلام الله تعالى ليتضح ما قلت عن مذهب ابن حزم في كلام الله من نقاط الاتفاق والاختلاف بكلام مختصر عن مسماه، واتصاف الله به ثم بيان كون القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه المتلو والمسموع والمكتوب في المصاحف، وبيان ما يضاف إلى العباد من القراءة والكتابة وغيرهما مما هو من أفعالهم.
مسمى الكلام:
يقال إن مسمى الكلام في الأصل: "هو اللفظ الدال على المعنى، وقيل المعنى المدلول عليه باللفظ، وقيل: لكل منهما بطريق الاشتراك اللفظي، وقيل بل هو اسم عام لهما جميعًا يتناولهما عند الإطلاق، وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة (^٢).
_________________
(١) انظر ص (١٩٤ - ١٩٨).
(٢) انظر كتاب مذهب السلف القويم في تحقيق مسألة كلام الله ضمن مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٥٥).
[ ٢٥٦ ]
اتصاف الله بالكلام:
الكلام صفة كمال، لأن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن ليس كذلك، ومن يتكلم بمشيئة وقدرة أكمل ممن يكون الكلام لازمًا لذاته، ليس له عليه قدرة، ولا له فيه مشيئة، والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له، ومن لم يزل موصوفًا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفًا بها ولو كان حدوثها ممكنًا فكيف إذا كان ممتنعًا فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال منعوتًا بنعوت الجلال ومن أجلّها صفة الكلام (^١). فالله تعالى متكلم (^٢) حقيقة بكلام هو صفة من صفاته اللازمة لذاته.
يدل على هذا ما في القرآن الكريم من الإخبار عن ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ وقوله: "يقول الله" في مواضع كثيرة جدًّا، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٣) وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ
_________________
(١) انظر كتاب مذهب السلف القويم في تحقيق مسألة كلام الله ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٤٤، ٤٥). وشرح الأصفهانية له ص (٧٣). وشرح الطحاوية ص (١٠٨).
(٢) انظر الرد على الزنادقه والجهمية لأحمد بن حنبل ص (٣٦) وذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق ص (٤٩). واعتقاد أهل السُّنة والجماعة لعدي بن مسافر ص (١٦). وقواعد العقائد للغزالي ضمن القصور العوالي (٤: ١٥١). وموافقة صحيح المنقول لابن تيمية (٢: ٤٠، ٤١). وشرح الأصفهانية له ص (٣٠، ٣١). وشرح حديث النزول ص (١٥٦). وشرح قصيدة ابن القيم النونية للهراس (١: ١١٢، ١١٣).
(٣) سورة النساء: آية (١٦٤).
[ ٢٥٧ ]
رَبُّهُ﴾ (^١) والتكليم هو المشافهة، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (^٢)، وما في القرآن من ذكر مناداته ومناجاته بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ (^٣). وذكر سبحانه نداءه لموسى ﵇ في عدة مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (^٤) والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا حادثًا بكلام والكلام لا يكون إلا حروفًا.
ومما يدل على كلام الله أيضًا في القرآن ما ذكر من إنباء الله - وقصصه كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ (^٥) وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (^٦). وما فيه من دكر حديثه كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (^٧) وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (^٨). وغير ذلك مما يدل على أن الله سبحانه متكلم وأن القرآن كلامه.
ثم إنه سبحانه يتكلم بصوت لا مثل له والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة، والصوت الذي سمعه منه موسى ﵇ هو
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (١٤٣).
(٢) سورة الشورى: آية (١٤).
(٣) سورة الأعراف: آية (٢٢).
(٤) سورة مريم: آية (٥٢).
(٥) سورة التوبة: آية (٩٤).
(٦) سورة يوسف: آية (٣).
(٧) سورة النساء: آية (٨٧).
(٨) سورة الزمر: آية (٢٣).
[ ٢٥٨ ]
حروف مؤلفة، وليس شيء من ذلك مخلوقًا، ولا يماثل صفات المخلوقات، لأنه ﵎ يتكلم بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق، وصفات الله تعالى لا تماثل صفات العباد، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (^١).
ولم يتعرض ابن حزم لهذا الجانب - فيما أعلم - فلم يذكر هل تكلم الله بحرف وصوت أم لا؟
وجنس الحروف التي تكلم الله بها بالقرآن وغيره ليست مخلوقة والكلام العربي الذي تكلم الله به ليس مخلوقًا، والحروف المنتظمة فيه جزء منه ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة، والحروف المعينة محدثة لأن لها مبدأ ونهاية، وهي مسبوقة بغيرها وما كان كذلك لم يكن إلا محدثًا (^٢).
الكلام على القرآن:
القرآن كلام الله تعالى منزل مخير مخلوق منه بدأ. أي هو المتكلم
_________________
(١) انظر رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن لأبي محمود الجويني ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (١: ١٧٥، ١٧٦، ١٨٤). وشرح الأصفهانية ص (٣١، ٣٢، ٦٦). وقاعدة في صفة الكلام لابن تيمية ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (٢: ٦١، ٦٢). وكتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل (٣: ٢٢، ٣٦، ٣٧، ٥٣، ٥٨، ٦٢). والتوحيد لابن خزيمة ص (١٤٥). ومختصر الصواعق (٢: ٤٠١) ذكر أن الله تكلم بحرف وصوت.
(٢) انظر كتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٤٦، ٥٦، ٥٧).
[ ٢٥٩ ]
به ابتداء لم يخلقه في غيره - وإليه يعود - أي أنه يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية. (^١).
وقد تكلم الله بلفظه ومعناه بصوت نفسه قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٢) فبين أن الكلام المسموع هو كلام الله تعالى وقد سمعه ﷺ من جبريل ﵇ الذي سمعه من الله تعالى ونزل به إليه وأسمعه محمد ﷺ لأصحاب، وهو الذي نتلو نحن بألسنتنا كما قال ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم" (^٣) وهو الذي بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا كله كلام الله غير مخلوق (^٤).
_________________
(١) انظر ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق ص (٤٩). والعلو للعلي الغفار للذهبي ص (١٠٣) وكتاب بيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني (٥/أ) مخطوط. والعقيدة الواسطية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١: ٤٠١). ومذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل (٣: ٣٥). ورسالة في الجواب عمن يقول إن صفات الرب نسب وإضافات ضمن جامع الرسائل (١: ١٦٢) وشرح الأصفهانية ص (٥، ٦). ومختصر الصواعق (٢: ٣٨٠). وشرح الطحاوية ص (١٢١).
(٢) سورة التوبة: آية (٦).
(٣) انظر صحيح البخاري (٤: ٢١٦). وسنن أبي داود: (٢: ٧٤). وسُنن الدارمي (٢: ٤٧٤). وسُنن ابن ماجه (١: ٤٢٦). ومسند الإمام أحمد (٤: ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤).
(٤) انظر كتاب الفقه الأكبر للشافعي ص (١٥). وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري ص (٧). والاعتقاد للبيهقي ص (٤١). وكتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٢١، ٢٣، ٤٥) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران ص (١٠، ١٢، ١٣).
[ ٢٦٠ ]
والله هو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه بكلام لم يكن أزليًّا قديمًا بقدم الله، وإن كان جنس كلامه ﵎ قديمًا وليس مخلوقًا منفصلًا عنه وهو يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه قائم بذاته تعالى (^١). وهو من علمه وفيه أسماؤه وذلك لا يكون مخلوقًا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).
وفي الآيات دليل على أن الذي جاءه ﷺ من العلم هو القرآن المنزل من عند الله ﵎ (^٥) يقول تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ
_________________
(١) انظر كتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٣٥، ٤٦)، ومجموع الفتاوى له (١٢: ٥٤). والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٨٦، ٨٧). وحاشية الدرة المضيئة للسفاريني ص (١٢).
(٢) سورة آل عمران: آية (٦١).
(٣) سورة البقرة: آية (١٢٠).
(٤) سورة البقرة: آية (١٤٥).
(٥) انظر كتاب السنة لأحمد بن حنبل ص (٤، ١٩). وذكر محنة الإمام لحنبل ص (٤٨، ٦٠، ٦١) ومسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن هانيء (٢: ١٥٣، ١٥٤). والإبانة للأشعري ص (٢٦) والشريعة للآجري ص (٧٥).
[ ٢٦١ ]
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١). ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (^٢). وقال: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٣). وقال: " ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^٤). فأخبر ﷾ أنه منزل من الله. ولم يخبر عن شيء أنه منزل منه إلا كلامه بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد وغير ذلك.
أما نزول الملائكة والمطر فورد مقيدًا بالإنزال من السماء ويراد به العلو أي نزول اللائكة من عند الله، ونزول المطر من السحاب، ونزول الحديد وغيره ورد مطلقًا فلا يختص بنوع من الإنزال فيتناول الإنزال من أعلى إلى أسفل كإنزال الحديد من رؤوس الجبال، والإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء.
والنزول المقيد بأنه من الله لم يرد إلا في نزول القرآن، وليس من الله جل وعلا شيء مخلوق" (^٥).
فالقرآن نزل به جبريل ﵇ بعدما سمعه من الله تعالى وسمعه محمد ﷺ من جبريل، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^٦) وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٧).
_________________
(١) سورة النحل: آية (١٠١).
(٢) سورة الزمر: آية (١).
(٣) سورة غافر: الآيتان (١، ٢).
(٤) سورة فصلت: الآيات (١، ٢، ٣).
(٥) كتاب السُّنة لأحمد بن حنبل ص (٢٥). والشريعة للآجري ص (٧٩).
(٦) سورة البقرة: آية (٩٧).
(٧) سورة الشعراء: الآيات (١٩٣، ١٩٤، ١٩٥).
[ ٢٦٢ ]
وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (^١) فأخبر تعالى أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين جبريل ﵇ من الله بالحق على قلب محمد ﷺ على الحقيقة (^٢).
فليس مخلوقًا يدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣).
يقول أبو الحسن الأشعري: "فلو كان القرآن مخلوقًا لوجب أن يكون مقولًا له كن فيكون، ولو كان الله ﷿ قائلًا للقول كن. كان للقول قولًا وهذا يوجب أحد أمرين:
إما أن يؤول الأمر إلى أن قول الله غير مخلوق، أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله ﷿ قولًا غير مخلوق" (^٤).
ويقول تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٥). ففصل سبحانه بين الخلق والأمر بالواو الذي هو حرف الفصل، ولو كان أمره مخلوقًا لكان كأنه قال ألا له الخلق والخلق، وهذا تكرار من الكلام لا فائدة فيه وينزه
_________________
(١) سورة النحل: آية (١٠٢).
(٢) انظر كتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ١٧، ١٨). ورسالة التبيان في نزول القرآن ضمن المجموعة الكبرى له (١: ٢١٥ - ٢١٧). وقاعدة في صفة الكلام له ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (٢: ٥١) والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٩٠). ومختصر الصواعق (٢: ٣٧٨ - ٣٨٠). وشرح الطحاوية ص (١٢١، ١٢٢).
(٣) سورة النحل: آية (٤٠).
(٤) الإبانة للأشعري ص (١٩، ٢٠). وانظر كتاب اللمع له ص (٣٣ - ٣٥). والاعتقاد للبيهقي ص (٣٢، ٣٣).
(٥) سورة الأعراف: آية (٥٤).
[ ٢٦٣ ]
القرآن عنه. فينبغي أن يحمل على فائدة مجددة.
ويقول تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (^١). فلما جمع سبحانه في الذكر بين القرآن الذي هو كلامه، وصفته وبين الإنسان الذي هو خلقه ومصنوعه. خصص القرآن بالتعليم والإنسان بالتخليق، فلو كان القرآن مخلوقًا كالإنسان لقال: خلق القرآن والإنسان، وقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (^٢) والسماء والأرض لا تقوم بمخلوق (^٣).
يقول الآجري (^٤) "من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله ﷿ مخلوق،، يقول الله ﷿: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فالرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا، والله لا يكون مخلوقًا" (^٥).
_________________
(١) سورة الرحمن: الآيات (١، ٢، ٣).
(٢) سورة الروم: آية (٢٥).
(٣) انظر الإبانة ص (١٩، ٢٦). ومحنة الإمام أحمد لحنبل ص (٥٩). والمعتمد في أصول الدين ص (٨٧). والاعتقاد للبيهقي ص (٣٣).
(٤) هو أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الفقيه الشافعي المحدث كان صالحا عابدا له كتب كثيرة منها كتاب الأربعين حديثًا، وكتاب الشريعة جاور بمكة ثلاثين عامًا وبها توفي سنة ٣٦٠ من الهجرة. والآجري بضم الجيم وتشديد الراء نسبة إلى قرية بالعراق، انظر الفهرست لابن النديم ص (٣٠١، ٣٠٢) ووفيات الأعيان (٤: ٢٩٢، ٢٩٣) وشذرات الذهب (٣: ٣٥).
(٥) كتاب الشريعة للآجري ص (٧٨).
[ ٢٦٤ ]
والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق حيث تصرف أي حيث تلى وكتب وقرىء مما هو في نفس الأمر كلام الله، فهو كلامه لفظه ومعناه قرآن واحد غير مخلوق (^١).
والأدلة على أن القرآن غير مخلوق كثيرة جدًّا، وما ذكرناه إشارة إلى بعضها ويطول بنا المقام لو ذكرناها.
الكلام المتلو والمسموع:
من تكلم مبتدئًا بكلام نسب هذا الكلام إليه، وإن جرى على لسان غيره فيقال: قال فلان، وهذا كلام فلان وتستمر نسبة هذا الكلام إليه، مع أن غيره يؤديه بصوته وحركاته. والسامع يسمعه ممن يلقيه على أنه كلام من قاله أولًا مع أن ما بلغ مسمعه صوت الناقل فلم يغيره ذلك عن نسبته إلى المتكلم به أولا. فالقران كلام الله تعالى إذ لم يسبقه إلى الكلام به أحد.
يقول ابن تيمية: "إذا قرأ الناس كلام الله تعالى فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله قد تكلم به، وإذا قرأه المبلغ لم يخرج عن أن يكون كلام الله فإن الكلام كلام من قاله مبتدئًا أمرا يأمر به، أو خبرًا يخبره ليس هو كلام المبلغ له عن غيره إذ ليس على الرسول إلا البلاغ المبين.
_________________
(١) انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (١: ١٠٧). ومذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٦٠). والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران ص (١٣، ١٢، ١٠).
[ ٢٦٥ ]
وإذا قرأه المبلغ فقد يشار إليه من حيث هو كلام الله فيقال هذا كلام الله مع قطع النظر عما بلغه به العباد من صفاتهم وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته وحياته وقد يشار إليهما فالمشار إليه الأول غير مخلوق، والمشار إليه الثاني مخلوق والثالث منه مخلوق ومنه غير مخلوق" (^١).
والمسموع من القارىء كلام الله تعالى على الحقيقة لقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٢).
فبين أن المسموع كلام الله تعالى. ويدل لهذا ايضًا توعد الله ﵎ بالنار للمغيرة بن شعبة المخزومي على مقالته حين سمع تلاوة القرآن من النبي ﷺ بقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (^٣). فقال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (^٤). أي على مقالته هذه ولو كانت التلاوة التي سمعها للقرآن غير المتلو لما توعده بالنار. لكن سمع السامع، وفهم الفاهم لكلام الله تعالى شيء حدث في السامع والفاهم عند إرادة الله تعالى سماع كلامه وفهمه (^٥).
_________________
(١) مذهب السلف القويم ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٣: ٥٨، ٥٩). وانظر كتاب الفقه الأكبر في التوحيد للشافعي ص (١٥). والإبانة للأشعري ص (٢٩). والإنصاف للباقلاني ص (٨١ - ٨٩). والمعتمد في أصول الدين ص (٩٠، ٩١). والاعتقاد للبيهقي ص (٤١). ولمع الأدلة للجويني ص (٩٢). وبيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني ص (٩/ أ) مخطوط.
(٢) سورة التوبة: آية (٦).
(٣) سورة المدثر: آية (٢٥).
(٤) سورة المدثر: آية (٢٦).
(٥) انظر الرد على الجهمية للدارمي ص (٨٥). والإنصاف للباقلاني ص (٩٤، ٩٥). والاعتقاد للبيهقي ص (٤١). والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٨٨). ولمعة الاعتقاد لابن قدامة ص (١٤).
[ ٢٦٦ ]
ولا يجوز إطلاق اللفظ على القرآن، فلا يقال لفظي أو اللفظ بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق، لأن اللفظ في لغة العرب: أن ترمي في الشيء كان في فيك، ولفظ بالشيء يلفظ لفظًا تكلم. يقول تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (^١). ولفظت بالكلام، وتلفظت به أي تكلمت (^٢).
وقال الإمام أحمد: "من قال لفظي بالقران مخلوق فهو جهمي" (^٣) لأن هذا يشعر أن هذا القرآن الذي يقرؤه ويلفظ به مخلوق من اللفظ وهو الرمي، لأن كلمة اللفظ فيها إجمال.
والذين قالوا هذا القول أرادوا إثبات أنه مخلوق فزينوا بدعتهم بهذا القول، والذي يصح أن يقال عن القرآن إنه يقرأ ويتلى ويكتب ويحفظ (^٤).
_________________
(١) سورة ق: آية (١٨).
(٢) انظر مختار الصحاح ص (٦٠١)، ولسان العرب (٩: ٣٤١، ٣٤٢).
(٣) كتاب السنة لأحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله ص (٢٩). وانظر مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن إبراهيم ص (١٥٢، ١٥٤).
(٤) انظر كتاب السُّنة للإمام أحمد ص (٢٨، ٢٩). والإبانة للأشعري ص (٢٩، ٣٠). ومقالات الإسلاميين له (٢: ٢٧١). وكتاب الشريعة للآجري ص (٨٩). وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (١: ١٠٨، ١٠٩). والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٨٩، ٩٠). وكتاب مذهب السلف القويم لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل (٣: ٢١، ٢٤). ومختصر الصواعق المرسلة (٢: ٤٣٨ - ٤٤١). والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران ص (١٠).
[ ٢٦٧ ]
المكتوب في المصاحف:
المكتوب في المصاحف هو كلام الله تعالى غير مخلوق وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" (^١). وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (^٢). وقال: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (^٣). وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ (^٤). وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (^٥). وفي الحديث والآيات دليل على أن المكتوب في المصاحف وفي اللوح المحفوظ كلام الله تعالى وهو القرآن حقيقة وما كتب فيها من الحروف التي تكلم الله بها غير مخلوقة (^٦).
_________________
(١) انظر تخريج الحديث ص (٢٥٣).
(٢) سورة البروج: الآيتان (٢١، ٢٢).
(٣) سورة البيِّنة: الآيتان (٢، ٣).
(٤) سورة عبس الآيات (١١ - ١٤).
(٥) سورة الواقعة الآيات (٧٧ - ٧٩).
(٦) انظر الفقه الأكبر للشافعي ص (١٥). والإبانة للأشعري ص (٢٩). والإنصاف للباقلاني ص (٧٨). والمعتمد في أصول الدين ص (٩١). والاعتقاد للبيهقي ص (٤٠). ولمع الأدلة للجويني ص (٩٢). ولمعة الاعتقاد لابن قدامة ص (١٤). وكتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٢١، ٤٧، ٥٧). وقاعدة في صفة الكلام له ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (٢: ٥٧، ٥٨) وكتاب بيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني ص (٥/ أ) مخطوط. وشرح الطحاوية ص (١١٨).
[ ٢٦٨ ]
المضاف إلى العباد:
إن ما كان من صفات العباد، وأفعالهم التي بها يقرؤون ويكتبون كلام الله تعالى - كأصواتهم، ومدادهم، فهو مخلوق، لأن العبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوق، فالقران الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله تعالى حقيقة، والصوت الذي يقرأ به العبد صوت القارىء يقول ﷺ: "زينوا القرآن باصواتكم" (^١). فبين ﷺ أن الأصوات التي يقرأ بها القرآن أصواتنا، وهي بلاشك مخلوقه والقرآن كلام الله غير مخلوقة. يقول ﷺ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (^٢).
وفي هذا أن رفع الصوت وتحسينه بالقرآن منسوب إلى فعل العبد ويقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (^٣) وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (^٤) ففرق ﷾ بين المداد الذي تكتب به الكلمات وهو مخلوق، وبين كلمات الله غير المخلوقة.
والقرآن واحد لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما الذي
_________________
(١) انظر تخريج الحديث ص (٢٦٠).
(٢) انظر صحيح البخاري (٤: ٢١٤). وسنن أبي داود (٢: ٧٤). وسُنن الدارمي (١: ٣٤٩). و(٢: ٤٧١). وسُنن ابن ماجه (١: ٤٢٤). ومسند الإمام أحمد (٢: ٢٧١، ٢٨٥، ٤٥٠).
(٣) سورة الكهف: آية (١٠٩).
(٤) سورة لقمان: آية (٢٧).
[ ٢٦٩ ]
يكثر ما يقرأون به القرآن. فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق (^١).
يقول البخاري: "حركاتهم - أي العباد - وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة".
فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق قال الله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (^٢). وقال إسحاق بن إبراهيم (^٣).
فأما الأوعية فمن يشك في خلقها؟ قال الله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (^٤). وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (^٥). فذكر أنه يحفظ ويسطر قال: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (^٦) " (^٧).
فكلام الله تعالى غير مخلوق، وما نسب إلى الخلوق فمخلوق.
_________________
(١) انظر كتاب خلق أفعال العباد للبخاري ص (١٨، ٢٣ - ٢٦، ٣٢ - ٣٨، ٧٥ - ٧٧). والإنصاف للباقلاني ص (٨٩ - ٩٣). والاعتقاد للبيهقي ص (٤١). ولمع الأدلة للجويني ص (٩٣). وكتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل (٣: ٢١، ٢٢، ٢٤، ٤٥، ٤٧، ٥٣، ٥٥، ٥٧). وقاعدة في صفة الكلام ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (٢: ٦٧، ٦٨). ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٨: ٤٠٧).
(٢) سورة العنكبوت: آية (٤٩).
(٣) هو أبو يعقوب بن راهوية أحد الأئمة الأعلام ثقة حجة أخذ عنه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم توفي سنة ٢٣٨ هـ، وكان مولده سنة ١٦١ هـ، انظر ميزان الاعتدال (١: ١٨٢، ١٨٣) وشذرات الذهب (٢: ٨٩). والأعلام (١: ٢٩٢).
(٤) سورة الطور: الآيتان (٢، ٣).
(٥) سورة البروج: الآيتان (٢١، ٢٢).
(٦) سورة القلم: آية (١).
(٧) كتاب خلق أفعال العباد ص (١٨).
[ ٢٧٠ ]
٦ - السمع والبصر
يذهب ابن حزم في سمع الله تعالى وبصره إلى القول بأن الله تعالى سميع بصير بذاته، وهو لم يزل سميعًا للمسموعات بصيرًا للمبصرات يرى المرئيات ويسمع المسموعات ومعنى هذا أنه عالم بكل ذلك كما قال تعالى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (^١).
ولا يقول: إن الله تعالى سميع بسمع، ولا بصير ببصر وحجته عدم ورود النص بذلك (^٢).
إثبات ابن حزم أن الله تعالى سميع بصير بذاته، دون القول إنه سميع بسمع بصير ببصر يتمشى مع مذهبه الظاهري.
لكننا نراه يخالف هذا المذهب حقيقة حيث جعل الله تعالى سميعًا بصيرًا بذاته ثم أرجع ذلك إلى العلم وليس في ظاهر ما استدل به ما يؤيد هذا.
وهذا المسلك يوافق الكعبي ومن تبعه من المعتزلة البغداديين الذين يرون أن الله تعالى سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات (^٣).
_________________
(١) سورة طه: آية (٤٦).
(٢) انظر الفصل (٢: ١٢٤، ١٢٥، ١٤٠، ١٤١، ١٦٠)، المحلى (١: ٤٢).
(٣) انظر أصول الدين للبغدادي ص (٩٦ - ٩٨)، والفرق بين الفرق له ص (١٨١)، نهاية الإقدام للشهرستاني ص (٣٤١)، الملل له جـ ١ ص (٧٨).
[ ٢٧١ ]
وقد عرفنا ماذهب بن حزم في علم الله تعالى (^١) وبينا أنه يؤول إلى مذهب أبي الهذيل العلاف من المعتزلة، وأن حقيقة هذا القول تجريد الذات عن الصفات كما هو رأي الفلاسفة.
وأهل الإثبات كلهم على خلاف هذا الرأي.
يقول ابن تيمية: "إثبات كونه سميعًا بصيرًا، وأنه ليس مجرد العلم بالمسموعات والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة من أهل السنة والجماعة (^٢).
وقد وافق أهل الإثبات طائفة من المعتزلة البصريين (^٣).
قال عبد القاهر البغدادي: "إن البصريين منهم - أي من المعتزلة - مع أصحابنا في أن الله ﷿ سامع للكلام والأصوات على الحقيقة لا على معنى أنه عالم بها" (^٤).
وقد استدل ابن حزم بقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (^٥) على جعل سمع الله تعالى للمسموعات وبصره للمبصرات ورؤيته للمرئيات علمه بذلك. وليس في الآية دليل لما ذهب إليه بل دلالتها تخالفه لأن فيها التفريق بين السمع والرؤية ولو كانا بمعنى العلم لما كان لهذا فائدة وكان لغوًا، إذ يكون المعنى، أنني معكما أعلم، وأعلم. وهذا لا يليق بكلام الله تعالى.
_________________
(١) انظر ص (٢٢٦ - ٢٣٢).
(٢) شرح الأصفهانية ص (٧٣)، وانظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٤٨).
(٣) انظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص (١٨١)، شرح الأصفهانية ص (٧٣).
(٤) الفرق بين الفرق للبغدادي ص (١٨١).
(٥) سورة طه: آية (٤٦).
[ ٢٧٢ ]
ومما يدل على أن سمع الله تعالى وبصره غير علمه تفريقه سبحانه بين السمع والبصر كما في الآية المذكورة وفي غيرها كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (^١) .. وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (^٢). وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (^٣). وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (^٤). وقوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (^٥).
فالآيات تفرق بين العلم وبين السمع والبصر ولا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات كما قال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٦)، وقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٧). وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٨). وفي الآيات السابقة ذكر سمعه لأقوالهم وعلمه ليتناول باطن أحوالهم.
قال أبو منصور الماتريدي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
_________________
(١) سورة النساء: آية (٥٨).
(٢) سورة المجادلة: آية (١).
(٣) سورة آل عمران: آية (١٨١).
(٤) سورة الزخرف: آية (٨٠).
(٥) سورة العلق: آية (١٤).
(٦) سورة الشعراء: الآيات (٢١٨ - ٢٢٠).
(٧) سورة الأعراف: آية (٢٠٠).
(٨) سورة البقرة: آية (٢٢٧).
[ ٢٧٣ ]
الْعَلِيمُ﴾ (^١): "أنك أنت "السميع "لدعائهم" "العليم" بما نووا وأضمروا" (^٢).
والآيات عمومًا فيها التفريق بين السمع والبصر والعلم وأن كلا منهما له متعلق يتعلق به يناسبه دون غيره ويتم به من المعنى ما لا يتم بغيره.
والعلم أعم من السمع. والبصر فيتعلق بكل شيء. أي بالواجب والممكن والمستحيل، لأن كل ذلك يصلح أن يكون معلومًا. أما السمع والبصر فيتعلقان بالمسموعات والمبصرات، فلا يجوز أن يكون كل معلوم مسموعًا أو مبصرًا، ويجد الإنسان من نفسه معنى زائدًا على العلم بالدليل أو الخبر عند السمع والبصر لا محالة إن هذه التفرقة مما يشهد بصدقها نظر ذوى الألباب فإنكارها مما لا سبيل إليه إلا عن جحد أو عناد (^٣).
بعد أن بينا أنه ليس المراد بالسميع والبصير، العلم بالمسموعات والبصرات كما قال ابن حزم نبين أيضًا مخالفتنا لما ذهب إليه من أن الله تعالى سميع، بصير لا بسمع وبصر فنقول: إن الله تعالى سميع
_________________
(١) سووة البقرة: آية (١٢٧).
(٢) تأويلات أهل، السُّنة للماتريدي (١: ٢٨٩).
(٣) انظر الفقه الأكبر للشافعي ص (١٤)، والإبانة للأشعري ص (٤٢)، والإنصاف للباقلاني ص (٣٧)، والاعتقاد للبيهقي ص (٢٦). والإقتصاد للغزالي ص (٩٨)، وقواعد العقائد له ضمن القصور العوالي (٤: ١٥١)، ومناهج الأدلة لابن رشد ضمن فلسفة ابن رشد ص (٧٤)، وغاية المرام للآمدي ص (١٢٦، ١٢٧)، وشرح الأصفهانية لابن تيمية ص (٧٤)، ومجموع الفتاوى له (٣: ١٣٣، ١٣٤)، و(٥: ٤٩٤)، وشرح المواقف ص (١٤٣).
[ ٢٧٤ ]
بسمع، وبصير ببصر وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقد بينا هذا عند الكلام على اتصاف الله تعالى بالصفات (^١). وأن المذهب الصحيح هو أن أسماء الله تعالى ليست أعلامًا جامدة فكل اسم مشتق من صفة.
ونريد هنا أن نبين الأدلة على إثبات أن السمع والبصر صفتان قائمتان بذاته تعالى زائدتان على كونه عالمًا (^٢). زيادة على دلالة سميع وبصير - الواردة في الآيات - على إثبات السمع والبصر.
الدليل الأول:
إن الله ﵎ لو لم يتصف بالسمع والبصر، لا تصف بضد ذلك، وهو العمى، والصمم، لأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده والمصحح لكون الشيء سميعًا بصيرًا هو الحياة فإذا انتفت إمتنع إتصاف المتصف بذلك، والجمادات لا توصف بالسمع والبصر لانتفاء الحياة فيها وإذا كان المصحح هو الحياة كان الحي قابلًا لذلك فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده.
إذ لو جاز خلو الموصوف عن جميع الصفات المتضادات لزم وجود عين لا صفة لها، وهو جوهر بلا عرض يقوم به. وقد علم بالاضطرار
_________________
(١) انظر ص (١٩٤ - ١٩٨).
(٢) انظر أصول الدين للبغدادي ص (٩٦ - ٩٨)، ونهاية الإقدام للشهرستاني ص (٣٤١، ٣٤٥، ٣٤٦)، غاية المرام للآمدي ص (١٢٦، ١٢٧)، شرح الأصفهانية ص (٧٣، ٧٤)، والدليل الصادق على وجود الخالق لجاب الله (١: ١٢٧).
[ ٢٧٥ ]
امتناع خلو الجواهر عن الأعراض، وهو امتناع خلو الأعيان والذات عن الصفات ولهذا أطبق العقلاء من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم على إنكار زعم تجويز جوهر خال عن جميع الأعراض (^١).
فإن قيل: إن هذه الصفات متقابلة تقابل العدم (^٢)، والملكة (^٣) لا تقابل السلب والإيجاب. وما كان كذلك. إنما يلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر إذا كان المحل قابلًا لهما كالحيوان الذي لا يخلو إما أن يكون أعمى أو بصيرًا، لأنه قابل لهما وما لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا كالجماد فليس كذلك.
والجواب بإبطال هذا من وجوه كما يقول ابن تيمية: "أحدها أن يقال: الموجودات "نوعان" نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا يقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبل ذلك.
وحينئذ: فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها. وأن يكون القابل لها - وهو الحيوان الأعمى الأصم الذي
_________________
(١) انظر شرح الأصفهانية ص (٧٤)، مجموع الفتاوى (٦: ٨٨)، اللمع للأشعري ص (٢٥)، الإنصاف للباقلاني ص (٣٧)، المعتمد لأبي يعلى ص (٥٠)، نهاية الإقدام للشهرستاني ص (٣٤٢)، لمع الأدلة للجويني ص (٨٥)، شرح المواقف ص (١٤٠، ١٤١)، الدليل الصادق لجاب الله (١: ١٢٨).
(٢) العدم: هو أن لا يكون في شيء، ذات شيء من شأنه أن يقبله ويكون فيه. انظر معيار العلم للغزالي ص (٢٧٢).
(٣) الملكة هي صفة راسخة في النفس تحصل بسبب فعل من الأفعال بعد طول الممارسة فترسخ في النفس كيفية هذه الصفة فتصبح بطيئة الزوال. انظر التعريفات للجرجاني ص (٢٠٥).
[ ٢٧٦ ]
يقبل السمع والبصر - أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر - في حال عدم ذلك - أكمل ممن لا يقبل ذلك. فكيف المتصف بها فلزم من ذلك أن يكون مسلوبًا لصفات الكمال - على قولهم - ممتنعًا عليه صفات الكمال، فأنتم فررتم من تشبيهه بالأحياء فشبهتموه بالجمادات، وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص، فوصفتموه بما هو أعظم النقص.
الوجه الثاني: أن يقال: هذا التفريق بين السلب والإيجاب وبين العدم والملكة، أمر إصطلاحي، وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١).
الوجه الثالث: أن يقال: نفس سلب هذه الصفات نقص، وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي، فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيًّا عليمًا قديرًا متكلمًا، سميعًا بصيرًا أكمل ممن لا يكون كذلك، وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال، ومجرد سلبها من النقص: وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كمال ممكن للموجود ولا نقص فيه بحال بل النقص في عدمه" (^٢).
_________________
(١) سورة النحل: الآيتان (٢٠، ٢١).
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦: ٨٩، ٩٠) شرح العقيدة الأصفهانية ص (٨٥)، شرح المواقف للإيجي الموقف الخامس في الإلهيات ص (١٤١).
[ ٢٧٧ ]
الدليل الثاني:
أن السمع والبصر من صفات الكمال، فإن الحي إذا كان سميعًا بصيرًا أكمل من حي ليس كذلك كما أن الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي وهذا معلوم بضرورة العقل، وإذا كان كذلك فلو لم يتصف الرب ﵎ به لكان ناقصًا، ويتعالى الله عن كل نقص.
وهذا الاستدلال مبني على أن كل كمال ثبت للممكن المحدث وهو كمال محض لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم فهو جائز عليه وما كان جائزًا عليه من صفات الكمال فهو واجب له لأنه واجب قديم فهو به أولى من كل ممكن محدث.
وأيضًا لو لم يتصف تعالى بالسمع والبصر لكان السميع البصير من مخلوقاته أكمل منه ومن العلوم في بدائه العقول أن المخلوق المصنوع المفعول لا يكون أكمل من الخالق البارىء الصانع إذ الكمال لا يكون إلا بأمر وجودي والعدم المحض ليس فيه كمال وكل وجود للمخلوق فالله خالقه ويمتنع أن يكون الوجود الناقص مبدعًا وفاعلًا للوجود الكامل (^١).
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص (٨٥، ٨٦)، موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول له (١: ١٤، ١٥)، قاعدة في صفة الكلام له ضمن مجموعة الرسائل المنيرية المجلد الأول (٢: ٨٠، ٨١)، الإقتصاد في الإعتقاد. للغزالي ص (٩٩، ١٠٠).
[ ٢٧٨ ]
الدليل الثالث:
أن نفي السمع والبصر عن حي أوجماد نقص وما انتفى عنه ذلك فلا يجوز أن يحدث عنه شيء، ولا يخلقه ولا يجيب سائلًا لأنه لا يسمع كلام أحد ولا يبصر أحدًا فلا يصلح أن يكون معبودًا كما قال الخليل ﵇: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (^١) وقال لقومه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (^٢) ومعلوم أن الدليل غير منقلب على إبراهيم ﵇ في معبوده لأنه يعبد سميعًا بصيرًا يسمع دعاءه ويبصره فلا يلزم عليه مالزمهم في معبوداتهم من عدم السماع والرؤية، ومن المستقر في الفطر أن ما لا يسمع ولا يبصر لا يكون ربًا معبودًا لأنه لا يسمع كلام أحد ولا يبصر أحدًا فإن لم يكن كالحي الأعمى الأصم كان بمنزلة من هو أقل من ذلك وهو الجماد الذي ليس فيه قبول أن يسمع أو يبصر، ونفى قبول هذه الصفات أبلغ في النقص. وأقرب إلى اتصاف المعدوم ممن يقبلها واتصف بأضدادها إذ الإنسان الأعمى الأصم أكمل من الحجر ونحوه مما لا يوصف بشيء من هذه الصفات، وإذا كان نفي هذه الصفات معلومًا بالفطرة أنه من أعظم النقائص، والعيوب وأقرب شبهًا بالمعدوم كان من المعلوم بالفطرة أن الخالق أبعد عن هذه النقائص والعيوب من كل ما ينفي عنه ذلك، وأن اتصافه تعالى بهذه
_________________
(١) سورة مريم: آية (٤٢).
(٢) سورة الشعراء: آية (٧٢).
[ ٢٧٩ ]
العيوب من أعظم الممتنعات (^١).
٧ - العز والعزة والكبرياء
يذهب أبو محمد بن حزم إلى إثبات ما ورد إثباته لله تعالى بالخبر من العز (^٢). والعزة (^٣)، والكبرياء (^٤). لما روى بسنده عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا جميعًا: قال رسول الله ﷺ "العز إزاره، والكبرياء رداؤه" (^٥). يعني الله تعالى.
ولما روى أيضًا بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ - في حديث خلق الله تعالى الجنة والنار - أن جبريل عليه
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص (٨٧، ٨٨)، مجموع الفتاوى له (٦: ٨٩، ٩٠)، نهاية الإقدام للشهرستاني ص (٣٤٣)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص (٩٨)، مناهج الأدلة لابن رشد ضمن فلسفة ابن رشد ص (٧٤).
(٢) العز: خلاف الذل. انظر لسان العرب (٧: ٢٤١).
(٣) العزة: هي الرفعة. لسان العرب (٧: ٢٤١).
(٤) الكبرياء: الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر، وقيل ذي الكبرياء المتعالي عن صفات الخلق. وقيل هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود ولا يوسف بها إلا الله. مختار الصحاح ص (٥٦١)، واللسان (٦: ٤٣٩)، القاموس المحيط (٢: ١٢٤).
(٥) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٠٢٣)، وانظر مسند الإمام أحمد (٢: ٢٤٨)، (٦: ١٩).
[ ٢٨٠ ]
السلام قال لله تعالى: "وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد" (^١). وهذه العزة غير العزة المذكورة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^٢) لأن الأخيرة مربوبة فهي مخلوقة بلا شك، وكذا العزة في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (^٣). غير موجبة أنها لم تزل لأنها مثل قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (^٤). وهذا غير موجب أن الشفاعة غير مخلوقة.
وأما العزة التي أقسم بها جبريل ﵇ فغير مخلوقة وليست غير الله تعالى ولا العز ولا الكبرياء إذ لوكان شيء من ذلك غيره لكان إما لم يزل، وإما محدثًا فلو كان لم يزل لكان مع الله تعالى أشياء غيره لم تزل وهذا شرك مجرد ولو كان محدثًا لكان تعالى بلا عز ولا كبرباء قبل أن يخلق كل ذلك وهذا كفر (^٥).
إثبات ابن حزم للعزة لا يختلف عن باقي ما يثبت لله تعالى من العلم والقدرة والقوة - أي إثبات صوري لا حقيقة له.
ويقسم العزة إلى قسمين: مخلوقة وغير مخلوقة.
فالمخلوقة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ
_________________
(١) انظر سُنن أبي داود (٤: ٢٣٦، ٢٣٧)، سُنن الترمذي (٤: ٣٩٣، ٣٩٤)، وقال حديث حسن صحيح. ومسند أحمد (٢: ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٥٤، ٣٧٣)، سند الحديث "حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن بشر ثنا محمد بن عمرو ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة. قال أحمد شاكر في تحقيق المسند (١٤: ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩)، هذا الإسناد صحيح.
(٢) سورة الصافات: آية (١٨٠).
(٣) سورة فاطر: آية (١٠).
(٤) سورة الزمر: آية (٤٤).
(٥) انظر المحلى لابن حزم (١: ٤٢)، الفصل له (٢: ١٧١).
[ ٢٨١ ]
عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^١). فهي هنا مخلوقة لأنها مربوبة كما ذكر هذا ابن حزم والقول بأن هناك عزة مخلوقة قول صحيح لأن الله ﵎ جعلها مربوبة في هذه الآية. وأثبتها سبحانه لنفسه ولرسوله وللمؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).
أي له العزة والغلبة.
يقول ابن حيان (^٣) عند تفسير قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ "ختم الله تعالى هذه السورة بتنزيهه عما يصفه به المشركون وأضاف الرب إلى نبيه ﵇ تشريفًا له بإضافته وخطابه، ثم إلى العزة وهي العزة المخلوقة الكائنة للأنبياء ﵈ والمؤمنين" (^٤).
وإن حملت الإضافة في قوله تعالى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ على الاختصاص بها أي كأنه قيل "ذو العزة" أي أن الله تعالى هو المختص بها وحده كما يقال مثلًا فلان صاحب صدق لاختصاصه بذلك (^٥). فلا يقال إن العزة هنا مخلوقة بل صفة لله تعالى.
_________________
(١) سورة الصافات: آية (١٨٠).
(٢) سورة المنافقون: آية (٨).
(٣) ابن حيان: هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي الجياني. الشهير بابن حيان من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث والتراجم واللغات له مصنفات كثيرة تنقل في بلاد الأندلس وفي غيرها وأقام بالقاهرة وبها توفي سنة (٧٤٥ هـ) بعد ما كف بصره وكان مولده سنة ٦٥٤ هـ. انظر الرد الوافر للإمام ابن ناصر الدمشقي ص (٦٢، ٦٣)، شذرات الذهب (٦: ١٤٥، ١٤٦)، والأعلام للزركلي (٧: ١٥٢).
(٤) النهر الماد من البحر لابن حيان هامش البحر المحيط (٧: ٣٧٨)، وانظر البحر المحيط له (٧: ٣٨٠).
(٥) انظر الكشاف للزمخشري (٣: ٣٥٧)، والبحر المحيط (٧: ٣٨٠).
[ ٢٨٢ ]
واستدلال ابن حزم على العزة غير المخلوقة وعلى العز والكبرياء بقول الرسول ﷺ "العز إزاره، والكبرياء رداؤه" وقول جبريل ﵇ لله تعالى "وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد" دليل صحيح على إثبات العز والكبرياء والعزة لله ﵎.
ويدل أيضًا على إثبات العزة لله قول إبليس لربه ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^١) حيث أقسم هنا بعزة الله تعالى (^٢). ولو كانت مخلوقة لما صح أن يقسم بها جبريل ﵇، وإبليس لعنه الله.
لكن ابن حزم بعد أن أثبت لله تعالى عزة غير مخلوقة، وعزًا وكبرياء لم يقف على هذا الإثبات ملتزمًا لما يدل عليه ظاهر تلك النصوص بل أرجع ذلك إلى الله تعالى فقال: إن هذه العزة غير مخلوقة وليست غير الله تعالى ولا العز ولا الكبرياء (^٣).
وهو بهذا المذهب موافق لأبي الهذيل العلاف موافقة تامة يقول أبو الحسن الأشعري: "وأما "أبو الهذيل" من المعتزلة فإنه أثبت العزة والعظمة والجلال والكبرياء وكذلك في سائر الصفات التي يوصف بها لنفسه، وقال: هي الباري كما قال في العلم والقدرة" (^٤).
وفي هذا المذهب نفي للصفة عن الله تعالى وإثبات لذات مجردة عن الصفات، ووجود ذات في الخارج مجردة عن الصفات محال بل وجود الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها وإنما
_________________
(١) سورة ص: آية (٨٢).
(٢) انظر البحر المحيط لابن حيان (٧: ٤١٠).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٧١)، المحلى (١: ٤١، ٤٢).
(٤) مقالات الإسلاميين للأشعري (١: ٢٥٦).
[ ٢٨٣ ]
يعرض للذهن ذات وصفة كل وحدة ويستحيل تحقق ذلك في الخارج (^١).
والقول الصحيح، أن العزة والعز والكبرياء من صفات الله ﵎ حقيقة.
وعلى قول ابن حزم: "لو كان شيء من ذلك غير الله لكان إما لم يزل وإما محدثًا. . . الخ".
نقول: إذا لم تكن العزة والعز والكبرياء قديمة ولا محدثة فماذا تكون؟
قال عند كلامه على العلم "ليس هو غير الله ولا نقول هو الله". (^٢)
وقد بينا عند نقد مذهبه في الصفات أن نفي القول بأنه الله تعالى صحيح. أما كون ذلك ليس غير الله فلفظ "الغير" مجمل ونفيه يوهم معنى فاسدًا وكذا إثباته فيجب الاستفصال عن المقصود، ولا داعي لإعادة ما سبق فليراجع هناك (^٣).
٨ - النفس والذات
يثبت ابن حزم النفس (^٤) لله تعالى لورود النص بذلك: قال تعالى
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦: ٩٨، ٩٩)، رسالة تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٥: ٥١، ٥٢).
(٢) الفصل (٢: ١٢٦، ١٢٧).
(٣) انظر ص (١٩٤ - ١٩٨)
(٤) نفس الشئ عينه وحقيقته، تقول: قتل فلان نفسه وأهلك نفسه، أي أوقع الهلاك بذاته كلها وحقيقته. انظر مختار الصحاح (ص ٦٧٢)، لسان العرب (١١٩: ٨).
[ ٢٨٤ ]
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (^١). وقال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (^٢) وقال ابن حزم إن الذات كالنفس ونفس الله تعالى إخبار عنه لا عن شيء غيره أصلًا (^٣).
مذهب ابن حزم في إثبات النفس والذات لله تعالى مذهب صحيح (^٤) فيما نرى. موافق لما ورد بالنص من إثبات النفس له تعالى. ولم تصح عبارة ابن حزم التي يسوقها بعد كل إثبات يدعيه إلا في هذا الموضع وهي "إن هذا إخبار عن الله لا عن شيء غيره". وهذا محلها التي هي له، لا لسائر الصفات الثابتة لله تعالى من العلم والقدرة والكلام ونحو ذلك.
ومن أدلة إثبات النفس لله تعالى زيادة على ما ذكره قوله تعالى لكليمه موسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (^٥). وقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (^٦) ولا يقال إن إطلاق النفس عليه تعالى في الآية الأخيرة من باب المشاكلة، لأنها وردت من غير ذلك كما في الآيات الأولى وفي كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة من ذلك ما روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (١٢).
(٢) سورة آل عمران: آية (٢٨، ٣٠).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٧٢).
(٤) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨).
(٥) سورة طه: آية (٤١).
(٦) سورة المائدة: آية (١١٦).
[ ٢٨٥ ]
العرش - إن رحمتي تغلب غضبي" (^١).
تلك بعض الأدلة الدالة على إثبات النفس لله تعالى، وعندنا إن ذات الشيء هي نفسه وحقيقته فلا فرق وسنبين أيضًا ما يدل على إثبات الذات. ولكن إثبات ابن حزم للذات يخالف مذهبه إلتزام الظاهر وعدم إثبات شيء لله تعالى من غير ورود النص عليه، وقد أثبت الذات لا على استناد إلى نص وإنما على أنها كالنفس.
ونرى أن مما يصحح إثبات الذات لله تعالى أنها هي نفس الشيء وحقيقته ثم إنها وردت عن العرب منسوبة إلى الله تعالى كما في قول النابغة:
مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب (^٢)
وقول خبيب بن عدي ﵁ حين أسره أهل مكة فلما أخرجوه للقتل قال:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع (^٣)
وقول حسان بن ثابت شاعر الرسول ﷺ ينشده:
_________________
(١) صحيح الإمام البخاري (٤: ١٩٦)، صحيح مسلم (٤: ٢١٠٨) سُنن الترمذي (٥: ٥٤٩)، سنن ابن ماجه (١: ٦٧)، (٢: ١٤٣٥)، مسند الإمام أحمد (٢: ٣٩٧، ٤٣٣).
(٢) ديوان النابغة (ص ٤٩)، وانظر شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (ص ١٥/ أ).
(٣) انظر صحيح البخاري (٤: ١٩٦)، الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢: ١٦٨)، رسالة تفصيل الإجمال لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل (٥: ٥٢)، شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (ص ١٥/أ) مخطوط.
[ ٢٨٦ ]
وأن أخا الأحقاف إذ يعذلونه يجاهد في ذات الإله ويعدل (^١)
فإن قيل: إن المراد بقول النابغة إن روى قوله "محلتهم" بالحاء المهملة، المنزل المختص بالإله وهو بيت المقدس، وإن روى بالمعجمة فالمراد كتابهم المنزل من عند الله المختص به وهو الحكم والمواعظ الزاجرة عن الفواحش والمنكرات (^٢).
والمراد بقول خبيب: إن ذلك في الخصلة المختصة بالله وهي طاعته.
وبقول حسان: إن أخا الأحقاف يدعو إلى عبادة الله تعالى.
قلنا: تأويلكم هذا لو جاز لنا الأخذ به بالنسبة لقول النابغة لم يجز بالنسبة لقول خبيب وحسان ﵄ فقولهما دليل على إثبات الذات من وجهين:
الوجه الأول: إن كان "لفظ ذات" فيهما حقيقة فالرسول ﷺ لم ينه عنها حين رويت له عن خبيب، كما لم يرو إنكاره على حسان ﵁ قوله. وهو قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فلا يحتمل الأمر غير الجواز.
الثاني: إن كانت فيما وردت فيه مجازًا، فلا يصح استعمالها فيه إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم
_________________
(١) ديوان حسان (١: ٢٠٣)، وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص ٦٦)، شرح الطحاوية (ص ٢٢٩)، فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٨٣).
(٢) انظر شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (ص ١٥/أ)، وانظر التعليق على البيت في ديوان النابغة (ص ٤١٩).
[ ٢٨٧ ]
إلى لازمه.
ويؤيد صحة استعمالها أن الله ﵎ أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات، ولا وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات (^١).
وقد ذكر أبوحامد الغزالي أن إطلاق الذات في حق الله تعالى مما وقع الاتفاق عليه يقول: "ومما وقع عليه الاتفاق بين الفقهاء والعلماء من الأسامي "المريد، والمتكلم، والشيء، والذات، والأزلي، والأبدي، وأن ذلك مما يجوز إطلاقه في حق الله تعالى" (^٢).
(٩) الوجه
مذهب ابن حزم إثبات لفظ كل ما ورد به النص، وقد ورد إضافة الوجه إلى الله ﵎ كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (^٣). وليس إثبات ابن حزم هذا للوجه إثبات صفة، وإنما على مذهبه في الإثبات إرجاع ذلك إلى الذات يقول: ووجه الله تعالى ليس غيره بدليل قوله تعالى حاكيا عمن رضى قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (^٤). فصح يقينا أنهم لم يقصدوا غير الله تعالى وقوله ﷿: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٥). إنما معناه فثم الله تعالى بعلمه
_________________
(١) انظر مجموع فتاوي ابن تيمية (٥: ٣٢٦)، (٦: ٩٧، ٢٠٥، ٢٠٦) شرح الطحاوية (ص ٦٤).
(٢) المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى للغزالي (ص ١٥٨).
(٣) سورة الرحمن: آية (٢٧).
(٤) سورة الإنسان: آية (٩).
(٥) سورة البقرة: آية (١١٥).
[ ٢٨٨ ]
وقبوله لمن توجه إليه (^١).
أثبت الله ﵎ لنفسه الوجه فهو صفة من صفاته حقيقية وليس هو الذات، كما ذكر ابن حزم.
وجعل الوجه هو الذات هو مذهب نفاة الصفات كأبي الهذيل العلاف من المعتزلة، فهو يثبت لله تعالى وجها هو هو (^٢)
والحقيقة أن هذا ليس إثباتا، إنما إلإثبات جعله صفة لله تعالى على ما يليق به لا يفنى ولا يلحقه الهلاك فلا يشبه وجها ولا يشبهه وجه تعالى وتقدس (^٣).
ويدل على الإثبات من القرآن قوله ﵎ لمحمد ﷺ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ " (^٥) وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٦). وقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (^٧).
أثبت الله ﵎ لنفسه الوجه في الآيات السابقة ووصفه
_________________
(١) انظر المحلى (١: ٤١)، الفصل (٢: ١٦٦).
(٢) انظر مقالات الإسلاميين للأشعري (١: ٢٦٥).
(٣) انظر الفقه الأكبر لأبي حنيفة بشرح عبد الكريم تتان (ص: ٢١، ٢٢) الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٣٤)، شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٥٤).
(٤) سورة الأنعام: آية (٥٢).
(٥) سورة الكهف: آية (٢٨).
(٦) سورة القصص: آية (٨٨).
(٧) سورة الرحمن: آية (٢٧).
[ ٢٨٩ ]
بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء ونفى الهلاك عنه.
يقول ابن خزيمة: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق، والشام ومصر، مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، وعز ربنا عن أن نشبهه بالمخلوقين وجل ربنا عن مقالة المعطلين" (^١).
وجاء ذكر وجه ربنا ﵎ في مواضع كثيرة من القرآن كقوله ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (^٢). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ (^٣). وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (^٥).
وهذه الآيات وغيرها مما جاء فيها ذكر الوجه له سبحانه دليل على ثبوت هذه الصفة له سبحانه.
فإن قال المخالف: إن الآيات التي استدللتم بها على ثبوت صفة الوجه لله تعالى لا تدل على ذلك، حيث إن المراد بالوجه المذكور فيها الذات إذ أن من يدعوه، ويتقرب إليه يريد ذاته ثم لا خصوص للوجه في البقاء وعدم الهلاك.
قلنا: الجواب على هذا الاعتراض من أوجه:
الأول: لو لم يكن لله ﵎ وجه حقيقة لما جاز استعماله في معنى الذات، لأن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في
_________________
(١) كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ١٠، ١١).
(٢) سورة البقرة: آية (٢٧٢).
(٣) سورة الرعد: آية (٢٢).
(٤) سورة الروم: آية (٣٨).
(٥) سورة الروم: آية (٣٩).
[ ٢٩٠ ]
معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلى للفظ ثابتا للموصوف حتى يمكن للذهن أن ينتقل من ذلك الملزوم إلى لازمه (^١).
الثاني: ندفع اعتراضهم بمثله. فنقول: أسند التقرب في الآيات والبقاء إلى الوجه ويلزم منه إرادة الذات وبقائها (^٢)، إذ قولهم إنه أطلق الوجه وأراد الذات.
الثالث: لايصح حمل الوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ على الذات، لأنه أضاف الوجه إليها بقوله "وجه ربك" فوجب أن يكون المضاف، والمضاف إليه شيئين كما يقال دار زيد، وغلام عمرو، ثم أضاف النعت إلى الوجه بقوله: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فدل على أن ذكر الوجه ليس بصلة وأن قوله ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ صفة للوجه والوجه صفة للذات (^٣).
فإن قيل: وهل كلما ورد ذلك الوجه منسوبا إلى الله تعالى فالمراد به هذا الوجه الحقيقي لله الذي هو صفة من صفاته؟
قلنا: لا يلزم هذا بل يأتى في كل مكان بحسبه مما صح وضعه له لغة وقد ورد الوجه مرادا به الجهة كما في قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٤). وقد استدل ابن حزم بهذه الآية على أن المراد فثم الله تعالى بعلمه وقبوله لمن توجه إليه وهذا تأويل يخالف مذهبه الظاهرى والآية ليست على ما أولها فيما نرى، إذ أن الوجه يرد في اللغة بمعنى الجهة (^٥)
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٥٥).
(٢) انظر المرجع السابق نفس الصفحة.
(٣) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلي (ص ٥٢)، الاعتقاد للبيهقي (ص ٢٩)، مختصر الصواعق (٢: ٣٥١)، شرح الواسطية للهراس (ص ٥٥).
(٤) سورة البقرة: آية (١١٥).
(٥) انظر مختار الصحاح (ص ٧١١)، القاموس المحيط (٤: ٢٩٥).
[ ٢٩١ ]
ففي قوله تعالى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي جهته الله وقبلته فالمقصود بوجه الله هنا الجهة التي تستقبل في الصلاة كما قال في أول الآية ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (^١). ثم قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كما قال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢). فإذا كان المشرق والمغرب لله تعالى ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (^٣)، وقوله "موليها" أي مستقبلها فهذا كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أي فأينما تستقبلوا فثم وجهة الله تعالى (^٤).
الادلة من السنة على إثبات صفة الوجه لله تعالى".
ورد إثبات الوجه لله ﵎ في كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة من ذلك ما روى مسلم بسنده عن أبى موسى أنه قال: "قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار. وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور - وفى رواية أبى بكر النار - لو كشفه لأحرقت سبحات (^٥)
_________________
(١) سورة البقرة: آية (١١٥).
(٢) سورة البقرة: آية (١٤٢).
(٣) سورقة البقرة: آية (١٤٨).
(٤) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣: ١٤٤، ١٤٥)، تفسيرات ابن تيمية جمع إقبال الأعظمي (ص ٨١) تأويلات أهل السنة للماتريدي (١: ٢٦٣)، مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٥٤، ٣٥٥).
(٥) سبحات وجه الله تعالى بضمتين: أنواره وجلاله وعظمته. وقيل سبحات الوجه محاسنه، لأنك إذا رأيت الحسن الوجه قلت سبحان الله وقيل: تنزيه له: أي سبحان وجهه. انظر مختار الصحاح (ص ٢٨٢)، لسان العرب (٣: ٣٠١)، صحيح الإمام مسلم بشرح النووي (٣: ١٤).
[ ٢٩٢ ]
وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (^١).
فإضافة السبحات التي هي الجلال والنور إلى الوجه، وإضافة البصر إليه تبطل كل مجاز، وتبين أن المراد وجهه ﷾ حقيقة الذي هو صفة من صفاته. (^٢).
ومن الأحاديث المثبتة لصفة الوجه ما روى البخاري بسنده عن أبى بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي ﷺ قال "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن" (^٣).
وروى البخاري أيضًا بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله ابتغاء وجه الله مثل القائم المصلى حتى يرجع المجاهد" (^٤).
وروى البخاري أيضًا بسنده عن جابر ﵁ قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: أعوذ بوجهك قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (^٥). قال رسول الله ﷺ: هذا
_________________
(١) صحيح الإمام مسلم (١: ١٦١، ١٦٢)، ورد الدارمي على المريسى (ص ١٦٠، ١٧٠)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ١٩، ٧٥).
(٢) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٥٣)، شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٥٥).
(٣) صحيح البخاري (٤: ٢٠٣)، صحيح مسلم (١: ١٦٣).
(٤) صحيح البخاري (٤: ٢٠٣)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ١٣).
(٥) سورة الأنعام: آية (٦٥).
[ ٢٩٣ ]
أهون أو هذا أيسر" (^١).
وفي الأحاديث التي ذكرنا دليل على إثبات صفة الوجه لله ﵎ حقيقة وتأويله بالذات، أو بغيرها حمل للكلام على غير معناه الحقيقي، ولا يصح ذلك إلا بقرينة مانعة من حمله على الحقيقة، ولا أرى في هذا قرينه صحيحة.
وقد روى تفسير "المزيد" في قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٢). بالنظر إلى وجه الله الكريم عن كثير من أصحاب رسول الله ﷺ موقوفا، فروى عن أبى بكر الصديق ﵁، وعن أبي موسى الأشعرى، وهو قول علي بن أبي طالب في رواية وحذيفة وعبادة بن الصامت، وكعب بن عجرة، وصهيب، وابن عباس في رواية وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر بن سعد، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدى، والضحاك بن مزاحم، وعبد الرحمن بن سابط، وأبي إسحاق السبعى، وقتادة وسعيد بن المسيب، والحسن البصرى وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر نقله المفسرون عنهم (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣: ٩٢)، (٤: ١٨٦، ١٩٦)، سنن الترمذي (٥: ٢٦١، ٢٦٢).
(٢) سورة يونس: آية (٢٦).
(٣) انظر حادي الأرواح لابن القيم (ص ٢٢٧)، كتاب السنة للإمام أحمد (١: ٥١، ٥٢)، الرد على الجهمية للدارمي (ص ٣٧، ٣٨) ورد الدارمي على المريسي (ص ١٥٨)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ١٨٢ - ١٨٤)، التمهيد لابن عبد البر (٧: ١٥٧)، أحكام القرآن للقرطبي (٨: ٣٣٠، ٣٣١)، العلو للعلي الغفار للذهبي (ص ٢٩، ٣٠)، مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٩١)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣: ٤٩٧).
[ ٢٩٤ ]
وبهذا ندرك أن سلفنا الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان قد أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ فلم يتجاوزوا القرآن والحديث مع علمهم أن ما ورد إثباته فيهما من صفات الله ﵎ فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجى بل معناه يعرف كما يعرف معنى سائر كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ في غير الإخبار عن الله تعالى مع علمهم أنه سبحانه ليس كمثله شىء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته فكما نتيقن أن الله سبحانه موجود حقيقة وليس كسائر الموجودات فكذلك له صفات حقيقة لا تشبه شيئا من صفات الموجودات.
[ ٢٩٥ ]
(١٠) العين والأعين:
العين والأعين مما ورد بالنص إضافتها إلى الرب ﷾ وكما عرفنا من إثبات ابن حزم لظاهر ما ورد بالنص كالحي، والسميع والبصير ونحو ذلك. كذلك هنا يثبت العين لله تعالى لقوله ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (^١) والأعين لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (^٢) ولا يرى جواز القول بأن لله تعالى عينين لعدم ورود النص بذلك.
ويرى أن ما ورد بالنص إثباته من العين، والأعين، فالله هو المراد به لا شيء غيره. (^٣)
نقد مذهب ابن حزم في العين والأعين لا يختلف عما ذكرنا في نقد مذهبه في الوجه، إذ أن إثباته لما ورد بالنص إثبات لظاهر مجرد دون حقيقة، إذ يورد بعد كل إثبات: "أن الله تعالى هو المراد بكل ذلك لا شيء غيره" والحقيقة أن هذا نفي لما يدل عليه ظاهر النص وإثبات ذات مجردة عن الصفات. وهذا مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون ما وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير زيادة ولا نقص.
ونقول في العين: إن لله ﵎ عينين يرى بهما جميع المرئيات. وهما صفتان حقيقيتان له ﷾ على ما يليق بجلاله وكبرياء عظمته، ولا يقتضي هذا الإثبات أن تكونا جارحتين،
_________________
(١) سورة طه: آية (٣٩).
(٢) سورة الطور: آية (٤٨).
(٣) المحلى (١: ٤١، ٤٢)، الفصل (٢: ١٦٦).
[ ٢٩٦ ]
ولا مركبتين مما تتركب منه الأعين المخلوقة التي هي من صفات الأجسام. بل هما عينان لا كالأعين لائقتان بالله تعالى. (^١)
يدل على هذا قول الله تعالى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ (^٢) وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (^٣) فظاهر الآيتين يدل على اتصاف الله تعالى بالأعين والعين.
يقول أبو يعلى: "والدلالة على كونهما صفتين قوله تعالى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وقوله ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ولا يصح حمل ذلك على أن المراد بقوله ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأى ومشهد مني، وقوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بحفظنا وكلاءتنا لأن الله تعالى كان رائيا له مشاهدا له قبل هذه الحالة، وكذلك كان حفظه وكلاءته له قبل وجود الجريان، ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ (^٤) " (^٥).
ويدل على إثبات العينين لله تعالى من السنة ما روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: ما من نبي إلا وقد حذر أمته الأعور (^٦)، الكذاب، ألا إنه أعور وإن ربكم
_________________
(١) انظر المعتمد لأبي يعلى (ص ٥١)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٤٢)، العقائد لابن كثير (ص ٣/ ب)، شرح الواسطية للهراس (ص ٥٧).
(٢) سورة القمر: آية (١٤).
(٣) سورة طه: آية (٣٩).
(٤) سورة الأنبياء: آية (٤٢).
(٥) المعتمد في أصول الدين (ص ٥١).
(٦) العور: ذهاب حس إحدى العينين يقال عورت عينه إذا ذهب بصرها. انظر اللسان (٦: ٢٩٠)، القاموس (٢: ٩٧).
[ ٢٩٧ ]
ليس بأعور ومكتوب بين عينيه كـ ف ر" (^١).
يدل الحديث على إثبات العينين لله تعالى، صفة من صفاته فهو ﷺ ينفي نقص العور عن الله ﵎. (^٢).
فإن قال لنا من يدعي الظاهر: على أي شيء اعتمدتم في إثبات العينين لله ﵎. وكل ما ورد بالنص إنما هو إثبات العين والأعين لله تعالى فقط.
قلنا: اعتمدنا في ذلك على ما ورد بالنص من القرآن الكريم والسنة المطهرة. فجاء في القرآن إثبات الأعين بالجمع، والعين بالإفراد، وعلى هذا قلنا بإثبات العينين لأن ذلك جائز في لغة العرب فيعبر بها عن الإثنين بلفظ الجمع كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^٣). والمراد قلباكما، ويقوم فيها، الواحد مقام الإثنين كما يقال رأيت بعيني، وسمعت بأذني، والمراد عيناي وأذناي (^٤).
وحيث صح هذا في لغة العرب وجاء في السنة النبوية ما يثبت العينين لله تعالى حملنا ما ورد بإثبات المفرد أو المجموع على التثنية والذي ورد في السنة قول الرسول صلى الله اعليه وسلم في الحديث السابق "إن ربكم ليس بأعور" فالنقص منفى عن الله ﵎،
_________________
(١) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٢٤٨)، وانظر صحيح البخاري (١: ١٩١) (٢: ١٧٣)، (٤: ٢٩، ١٦٣، ١٩٧)، سنن أبي داود (٤: ١١٦)، سنن الترمذي (٤، ٥١٤)، سنن ابن ماجة (٢: ١٣٥٣). مسند الإمام أحمد (٣: ٢٢٨)، (٥: ٣٨، ٢٢١)، التوحيد لابن خزيمة (ص ٤٤).
(٢) انظر الإعتقاد للبيهقي (ص ٣٠، ٣١).
(٣) سورة التحريم: آية (٤).
(٤) انظر مختصر الصواعق المرسلة (١: ٣٢)، التفسير القيم لابن القيم (ص ٤٩٥)، شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٥٦، ٥٧) الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان (ص ١٣٣).
[ ٢٩٨ ]
والعور في المخلوق نقص بلا خلاف، ولا أحد ينكر أن كل كمال اتصف به المخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فالخالق أولى بالاتصاف به من كل مخلوق. وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالله أحق بالتنزه عنه وأولى ببراءته منه (^١).
فإثبات العينين لله ﵎ كما يجب إثباته له بلا كيف كما هو مذهب أهل السنة والحديث كما حكى هذا أبو الحسن الأشعري عنهم. (^٢)
وصرح بإثبات العينين صفة لله تعالى أيضًا محمد بن إسحاق بن خزيمة، (^٣) وأبو يعلى الحنبلي، (^٤) وابن تيمية، (^٥) وغيرهم.
* * * * *
_________________
(١) انظر قاعدة في صفة الكلام لابن تيمية ضمن المجموعة المنيرية المجلد الأول (٢: ٨١)، رسالة الإرادة والأمر له ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٨٢)، موافقة صحيح المنقول له (١: ١١٩) رسالة التوحيد لمحمد عبده (ص ٣٣، ٣٤)، شرح الواسطية للهراس (ص ٢٣، ٢٤)، الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان (ص ٥٣).
(٢) انظر مقالات الإسلاميين (١: ٢٨٥، ٢٩٠، ٣٤٥)، الإبانة (ص ٣٤).
(٣) انظر كتاب التوحيد له (ص ٤٢).
(٤) انظر المعتمد في أصول الدين له (ص ٥١).
(٥) انظر العقيدة الحموية الكبرى ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١: ٤٥٨)، وذكر هذا الهراس في شرح الواسطية (ص ٥٨)، وابن سلمان في الأسئلة والأجوبة الأصولية (ص ١٣٠ - ١٣٣).
[ ٢٩٩ ]
(١١) اليد واليدين والأيدي:
يثبت أبو محمد بن حزم لفظ اليد، والأيدي لله تعالى ويستدل على إثبات اليد له تعالى بقوله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^١) وعلى إثبات اليدين بقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٢) وقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٣) وقوله ﷺ: "عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (^٤). ويرى أن الحديث مثل قوله تعالى ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٥) يريد وما ملكتم. ثم إن اليمين يراد بها في لغة العرب الحظ للأفضل كما قال الشماخ:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين (^٦)
يريد أنه يتلقاها بالسعي الأعلى. فكذا قوله وكلتا يديه يمين أي كل ما يكون منه من الفضل فهو الأعلى.
ويستدل على إثبات الأيدي لله تعالى بقوله سبحانه: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (^٧).
ويرى أن كل هذا إخبار عنه تعالى لا يرجع إلى شيء سواه. (^٨).
ونقول: ليس إثبات ابن حزم لليد، واليدين، والأيدي هو
_________________
(١) سورة الفتح: آية (١٠).
(٢) سورة ص: آية (٧٥).
(٣) سورة المائدة: آية (٦٤).
(٤) انظر صحيح الإمام مسلم (٣: ١٤٥٨).
(٥) سورة النساء: آية (٣٦).
(٦) انظر ديوان الشماخ (ص ٣٣٦)، أحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧٢٢) دار الشعب.
(٧) سورة يس: آية (٧١).
(٨) انظر الفصل (٢: ١٦٦، ١٦٧)، المحلي (١: ٤١).
[ ٣٠٠ ]
الإثبات الصحيح الذي درج عليه السلف من أن الله تعالى يدا، ويدين حقيقة، لأن الإِثبات الذي جرى عليه ابن حزم هو إثبات الظواهر مجردة عما تدل عليه من معاني فلا تدل على صفات، وإنما ترجع إلى الذات.
ويحمل قول الرسول ﷺ "وكلتا يديه يمين" على أن كل ما يكون من الله تعالى فهو الأعلى - أي على المجاز - وهذا تأويل يخالف مايدعى من وجوب الأخذ بظواهر النصوص ما لم يمنع من ذلك نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس يقول: "قول الله يجب حمله على ظاهره ما لم يمنع من حمله على ظاهره نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس" (^١).
ويقول: "لا يجوز إطلاق اسم على غير موضوعه في اللغة إلا أن يأتي به نص فيقف عنده وندري حينئذ أنه منقول إلى ذلك المعنى الآخر وإلا فلا" (^٢). وقد ناقض ابن حزم هنا منهجه إذ ليس في حمل اليدين في الحديث على الحقيقة اللائقة بالله مانع من نص أو إجماع أو ضرورة والحقيقة أن الله تعالى له يدان كلاهما يمين، أي علية كريمة مباركة لأن المياسر تنقص عن الميامن في القوة والبطش والتمام، أو يكون المراد العطاء باليدين جميعا، لأن اليمنى هي المعطية فإذا كانت اليدان يمينين كان العطاء بهما. (^٣)
وهذا ما يجب أن يحمل عليه الحديث، حيث إن إثبات اليدين ورد في القرآن الكريم صراحة ولا مانع من إثباته لله تعالى حتى نحمل
_________________
(١) الفصل (٢: ١٢٢).
(٢) الفصل (٢: ١٢٣).
(٣) انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٢١٠).
[ ٣٠١ ]
ما ورد من ذلك على غير الحقيقة. إذ لا يصف الله تعالى أعلم بالله من الله، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
وقد أثبت الله ﵎ لنفسه اليد، واليدين حقيقة في مواضع كثيرة من كتابه، وورد إثبات ذلك صراحة على لسان رسوله ﷺ وقد قال عنه سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، (^١) ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (^٢) " (^٣).
وقد نقل ابن تيمية عن أبي عمر بن عبد البر إمام المغرب قوله "أهل السنة مجمعون على الإِقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإِيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعم أن من أقرّ بها شبه، وهم عند من أقرّ بها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة" (^٤).
_________________
(١) الأخذ باليمين، أي بالقوة والقدرة فإن الميامن أقوى ممن يؤخذ بشماله أو لأخذنا بيمينه كما يفعل بمن يهان عند القتل. انظر تفسيرات ابن تيمية (ص ٤٢٩)
(٢) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. انظر مختار الصحاح (ص ٧٠٨)، القاموس المحيط (٤: ٢٧٤)، تفسيرات ابن تيمية (ص ٤٢٩).
(٣) سورة الحاقة: الآيات (٤٤ - ٤٦).
(٤) العقيدة الحموية الكبرى لابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١: ٤٥٣).
[ ٣٠٢ ]
فإثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من اليدين حقيقة هو مذهب أهل السنة والجماعة كما حكى الإجماع على هذا إمام المغرب، ويدل على هذا الإثبات القرآن الكريم والسنة المطهرة.
الأدلة:
من القرآن ما ذكرنا من الآيات المصرحة بإثبات اليد، واليدين لله تعالى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١).
ومن السنة ما روى مسلم بسنده عن طاووس قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده "وفي بعض الروايات: كتب لك التوارة بيده" أتلومنى على أمر قدره الله على قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي ﷺ: "فحج آدم موسى، فحج آدم موسى" (^٢).
وروى مسلم بسنده أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما فحج آدم موسى. قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض .. الحديث" (^٣).
_________________
(١) سورة الزمر: آية (٦٧).
(٢) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٠٤٢، ٢٠٤٣).
(٣) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٤٠٣)، وانظر صحيح البخاري (٣: ٧٠، ١٠٧)، (٤: ١٩٧، ٢٠٢، ٢١١، ٢١٢).
[ ٣٠٣ ]
وروى مسلم أيضا بسنده عن بي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني فأستجيب له، أو يسألني فأعطيه، ثم يبسط يديه ﵎ يقول: من يقرض غير عدوم (^١) ولا ظلوم" (^٢).
والأحاديث والآثار الواردة في هذا المعنى كثيرة جدا ذكر الكثير منها ابن خزيمة (^٣). وذكر بعضها أبو يعلى الحنبلي (^٤) وابن القيم (^٥) وابن كثير (^٦) وغيرهم.
وفي الآيات والأحاديث السابقة الدلالة واضحة على إثبات اليدين لله ﵎ حقيقة وهما صفة ذاتية له سبحانه على ما يليق بجلاله وعظمته ليستا جارحتين ولا قدرتين ولا نعمتين بل يدان لا كالأيدي.
وننفي كونهما جارحتين لأن الجوارح من صفات الأجسام (^٧)، وهي لا تكون إلا مركبة من أجزاء منفردة أو من مادة وصورة أو مما يقبل الانقسام، أي ما كان مفرقا فاجتمع أو نحو هذا والله ﵎ منزه عن كل ذلك ولم يرد إثبات الجسم لله تعالى ولا نفيه لا في القرآن
_________________
(١) أعدم الرجل افتقر فهو معدم، وعديم. انظر مختار الصحاح (ص ٤١٨).
(٢) صحيح الإمام مسلم (١: ٥٢٢).
(٣) انظر كتاب التوحيد له (ص ٥٣ - ٥٧).
(٤) انظر المعتمد في أصول الدين له (ص ٥٢، ٥٣).
(٥) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٤٩)، التفسير القيم (ص ٤٢٢).
(٦) انظر كتاب العقائد له (ص ٣/ أ).
(٧) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨٦)، فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٩٣).
[ ٣٠٤ ]
ولا في السنة، فلا نثبته ولا ننفيه تمشيا مع النص. ولكن يجب علينا أن ننزه الله تعالى عن كل عيب، ونقص وآفة فإنه القدوس السلام الصمد السيد الكامل في كل نعت من نعوت الكمال، كما لا يدرك الخلق حقيقته. منزها عن كل نقص تنزيها لا يدرك الخلق كماله، وكل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه، وكل نقص تنزه عنه مخلوق، فالخالق أحق بالتنزه عنه وأولى ببراءته منه (^١).
وننفى كون ما أثبتنا لله تعالى من اليدين بمعنى النعمة، لأنه لا يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل عملت كذا بيدى ويعنى به النعمة، وإذا كان الله ﷿، إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجرى مفهومها في كلامها ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في لسان أهل البيان أن يقول القائل فعلت بيدى. ويعنى النعمة بطل أن يكون قوله ﷿: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ النعمة (^٢).
ثم إن هذا القول من الله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ توبيخ له على امتناعه عن السجود لآدم الذي خلقه الله تعالى بيده، ولو كان معنى اليد هنا النعمة لكان لا فضيلة لآدم ﵇ على إبليس في ذلك ولم يكن لهذا التوبيخ معنى تعالى الله أن يكون كلامه بلا معنى.
_________________
(١) انظر رسالة الإرادة والأمر لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٨٢) وموافقة صحيح المنقول له (٢: ١١٩)، رسالة التوحيد لمحمد عبده (ص ٣٣، ٣٤)، شرح الواسطية للهراس (ص ٢٣، ٢٤)، الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان (ص ٥٣).
(٢) انظر العقيدة الحموية لابن تيمية ضمن الرسائل الكبرى (١: ٤٦١).
[ ٣٠٥ ]
يقول الإمام أبو الحسن الأشعرى: "لو كان معنى قوله ﷿ "بيدي" نعمتي لكان لا فضيلة لآدم ﵇ على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفنا لأن الله ﷿ قد ابتدأ إبليس على قولهم كما ابتدأ بذلك آدم ﵇ وليس يخلو النعمتان أن يكون علا بهما بدن آدم فالأبدان عند مخالفنا من المعتزلة جنس واحد، وإذا كانت الأبدان عندهم جنسا واحدا فقد حصل في جسد إبليس على مذهبهم من النعمة ما حصل في جسد آدم ﵇، وكذلك إن عنى عرضين فليس من عرض فعله في بدن آدم من لون أو حياة أو قوة أو غير ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس، وهذا يوجب أنه لا فضيلة لآدم ﵇ على إبليس في ذلك .. وإنما احتج على إبليس بذلك ليريه أن لآدم ﵇ في ذلك الفضيلة فدل ما قلناه على أن الله ﷿ لما قال "لما خلقت بيدى" لم يعنى نعمتى" (^١).
ويبعد تأويل اليد بالنعمة قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٢).
إذ لو كان معنى اليد النعمة لقرئت الآية "بل يداه مبسوطة أو منبسطة" لأن نعم الله أكثر من أن تحصى ومحال أن تكون نعمتين لا أكثر فهما يدان حقيقة والآية جاءت تكذيبا لليهود حين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. فقال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ولا يقول أحد أن معنى ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ غلت نعمهم، ولم يرد اليهود أيضا بقولهم ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي نعمه مغلولة فهم أرادوا اليد حقيقة. ورد الله عليهم
_________________
(١) الإبانة للأشعري (ص ٣٦)، وانظر الإعتقاد البيهقي (ص ٢٩، ٣٠) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر (١٣: ٣٩٤).
(٢) سورة المائدة: آية (٦٤).
[ ٣٠٦ ]
مقالتهم بإثبات أن يديه مبسوطتان ينفق كيف يشاء (^١).
وأيضا لا يجوز حمل اليدين في قوله تعالى: "لما خلقت بيدى" على القوة، كما يجوز في الأيدى في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد﴾ (^٢). وقوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (^٣). حملها على القوة لأن العرب تقول: ما لهم بذلك "أيد" أي قوة (^٤).
يقول الهراس: "لفظ اليدين بالتثنية لم يعرف استعماله إلا في اليد الحقيقية ولم يرد قط بمعنى القدرة أو النعمة فإنهه لا يسوغ أن يقال خلقه الله بقدرتين، أو بنعمتين، على أنه لا يجوز إطلاق اليدين، بمعنى النعمة أو القدرة أو غيرهما إلا في حق من اتصف باليدين على الحقيقة ولذلك لا يقال للريح يد ولا للماء يد" (^٥).
وإن سلمنا جواز استعمال "يدى" بمعنى القوة، وأن الله تعالى أرادها بقوله: "خلقت بيدى" أي بقوتى وقدرتى، فهو مناقض لقول من يدعيه، لأن المدعى لذلك لا يثبت لله تعالى قدرة واحدة فكيف بقدرتين.
ثم لو عنى الله ﵎ بقوله "خلقت بيدى" القدرة لم يكن لآدم ﵇ على إبليس خصوصية يتميز بها. وقد أراد الله تعالى أن يرى إبليس أن لآدم فضل عليه وهو خلقه له بيديه دونه ولو كانت اليدين بمعنى القوة لم يكن لهذا التفضيل وجه، لأن أبليس أيضا قد
_________________
(١) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨٦، ٨٧).
(٢) سورة الذاريات: آية (٤٧).
(٣) سورة ص: آية (٤٥).
(٤) انظر مختار الصحاح (ص ٧٤٢)، لسان العرب (٢٠: ٣٠٥) القاموس (٤: ٤٠٥).
(٥) شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٥٦).
[ ٣٠٧ ]
خلقه الله تعالى بقدرته هو وسائر مخلوقاته. ولما أراد الله ﷿ تفضيل آدم على إبليس بخلقه له "بيده" قال لإبليس موبخا استكباره على آدم أن يسجد له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ (^١). فدل على أنه ليس معنى الآية القدرة إذا كان الله ﷿ خلق الأشياء جميعا بقدرته وهذا ما فهمه موسى ﵇ حين قال لآدم ﵇ "أنت آدم الذي خلقك الله بيده" حيث جعل خلق الله ﵎ له بيده من خصائصه وكذلك قول آدم لموسى ﵇: "اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده" فجعل هذا من خصائصه ولو كانت اليد هنا بمعنى القدرة لم يكن لهذا معنى (^٢).
ويقال لهم بعد هذا: لم أنكرتم أن يكون الله ﷿ عنى بقوله "خلقت بيدى" يدين ليستا نعمتين ولا قدرتين.
فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن بمعنى النعمة ولا بمعنى القوة لم تكن إلا جارحة، والجوارح من خصائص الأجسام والله منزه عن ذلك تعالى وتقدس.
قلنا: ولم حكمتم بأن اليد إذا لم تكن نعمة ولا قوة لم تكن إلا جارحة؟ فإن كنتم بنيتم ذلك على الشاهد، وقضيتم به على الله تعالى فنحن كذلك لم نجد حيا من الخلق إلا جسما لحما ودما، ولم نجد مدبرا حكيما إلا إنسانا فاقضوا بذلك على الله تعالى. وإلا ثبت
_________________
(١) سورة ص: آية (٧٥).
(٢) انظر الإبانة للأشعري (ص ٣٥، ٣٦)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨٧)، كتاب الشريعة للآجرى (ص ٣٢٣ - ٣٢٥)، الإعتقاد للبيهقي (ص ٢٩، ٣٠)، التفسير القيم لابن القيم (ص ٤٢٢)، فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٩٣، ٣٩٤)، شرح الواسطية (ص ٥٦).
[ ٣٠٨ ]
تناقضكم. وإن أثبتم حيالا كالأحياء المخلوقين، ومدبرا حكيما ليس كالإنسان فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين ولا كالأيدى (^١).
فإن قيل: إن الله ﵎ ذكر اليد بلفظ الإفراد في بعض الآيات وفى بعضها بلفظ التثنية، وبلفظ الجمع في البعض الآخر فلا دليل يخصص ما ذهبتم إليه من إثبات اليدين لله تعالى حقيقة دون إثبات أيد كثيرة أو يد واحدة.
قلنا: إن الله ﵎ لما ذكر اليد مثناة، أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعداه بالباء إليهما فقال: "خلقت بيدى" ولما ذكر اليد مجموعة. أضاف الفعل إليها، ولم يعد الفعل بالباء فقال: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (^٢) فلا يحتمل "خلقت بيدى" من المجاز ما يحتمله "عملت أيدينا" فإن كل واحد يفهم من قوله "عملت أيدينا" ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله ﴿كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (^٣)، وأما قوله "خلقت بيدى" فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت (^٤).
ويقال أيضا: قد أجمع على بطلان قول من أثبت لله أيديا، أو يدا
_________________
(١) انظر الإِبانة للأشعري (ص ٣٦، ٣٧)، فتح الباري لابن حجر ١٣: ٣٩٤).
(٢) سورة يس: آية (٧١).
(٣) سورة الشورى: آية (٣٠).
(٤) انظر مختصر الصواعق المرسلة (١: ٢٦)، التفسير القيم (ص ٤٢١، ٤٢٢).
[ ٣٠٩ ]
واحدة، فعليه يجب أن يكون الله تعالى وتقدس ذكر "أيد، ويدا"، وأراد يدين، لأن القرآن على ظاهره فلا يعدل عنه إلا بحجة وحجة العدول عن إثبات الأيدى، أو اليد الواحدة الإجماع. فيجب الأخذ بالظاهر الآخر الذي لم يأت ما يزيله عن ظاهره وهو إثبات اليدين لله ﵎ حقيقة (^١).
ولنا أن نقول: إن ما يصنع بالاثنين قد ينسب إلى الواحد، تقول رأيت بعينى، وسمعت بأذنى، والمراد عيناى، وأذناى، وكذلك الجمع يأتى بمعنى المثنى أحيانا كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^٢) والمراد قلباكما. وقوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٣) أي يداهما (^٤).
فعلى هذا يتم القول بإثبات اليدين لله ﵎ حقيقة.
ومما يبعد المجاز زيادة على ما ذكر ما ورد من إثبات اليمين والشمال (^٥)
_________________
(١) انظر الإِبانة للأشعري (ص ٣٧).
(٢) سورة التحريم: آية (٣٨)
(٣) سورة المائدة: آية (٣٨).
(٤) انظر مختصر الصواعق المرسلة (١: ٢٥، ٢٦) التفسير القيم لابن القيم (ص ٤٩٥)، شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٥٦، ٥٧)، الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان (ص ١٣٣).
(٥) انظر صحيح البخاري (٤: ١٩٨)، صحيح مسلم (٣: ١٤٥٨)، (٤: ٢١٤٨، ٢١٤٩)، سنن أبي داود (٤: ٢٣٤)، ورد الدارمي على الجهمية (ص ١١)، ورده على المريسى (ص ٣١، ٣٢)، الشريعة للآجرى (ص ٣٢٥، ٣٢١)، المعتمد في أصول الدين لأبي يعلي (ص ٥٦)، الرسالة العرشية لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل (٤: ١١٦)، شرح حديث النزول له (ص ١١٥، ١١٦)، العقيدة الحموية له ضمن المجموعة الكبرى (١: ٤٥٤)، مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٤٨، ٣٤٩).
[ ٣١٠ ]
والأصابع (^١)، والكف (^٢) لله ﵎.
وفي تأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٣). استبعاد لحمل اليد الثابتة لله تعالى على المجاز لأن الرسول ﷺ كان هو السفير بين الله تعالى وبين خلقه فكانت مبايعته ﷺ مبايعة لله تعالى. ولما كان سبحانه فوق سمواته على عرشه، وفوق الخلائق كلهم كانت يده فوق أيديهم كما أنه سبحانه فوقهم، فهل يصح هذا ممن ليس له يد حقيقة، فكيف يستقيم أن يكون المعنى قدرة الله، ونعمته فوق قدرهم ونعمهم والله سبحانه أعلم (^٤)
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (٤: ١٩٨)، صحيح مسلم (٤: ٢١٤٧ - ٢١٤٩) رد الدارمي على المريسي (ص ٥٩ - ٦٣)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (٧٦ - ٨٢)، الرسالة العرشية لابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٤: ١١٧).
(٢) انظر سنن الترمذي (٥: ٤٦، ٤٧)، سنن الدارمي (١: ٣٩٥). موطأ الإِمام مالك (٢: ٩٩٥)، مسند الإِمام أحمد (١: ٣٦٨)، (٢: ٤١٨، ٤٣١)، (٥: ٣٧٨)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢١٧، ٢١٩).
(٣) سورة الفتح: آية (١٠).
(٤) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٤٩، ٣٣٧).
[ ٣١١ ]
(١٢) الأصابع.
يذهب أبو محمد بن حزم إلى تأويل أصابع الله ﷿ بالتدبير والنعم. فيقول في معنى قوله ﷺ: "إن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله ﷿" (^١) إنه بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله ﷿ ونعمه إما كفاية تسره، وإما بلاء يأجره عليه.
والإِصبع في اللغة النعمة وقلب كل أحد بين توفيق الله وجلاله وكلاهما حكمه ﷿ (^٢).
مذهب ابن حزم في أصابع الله تعالى موافق للمؤولة من المعتزلة (^٣) والأشاعرة (^٤). فالجميع يؤولونها على خلاف مايدل عليه ظاهر النصوص المثبتة لها.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم (٤: ٢٠٤٥)، المستدرك للحاكم (٤: ٣٢١) سنن الترمذي (٤: ٤٤٨، ٤٤٩)، (٥: ٥٣٨)، سنن ابن ماجة (١: ٧٣) مسند الإِمام أحمد (٢: ١٦٨، ١٧٣) (٦: ١٨٢، ٢٥١، ٣٠٢، ٣١٥)، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٢٠٨، ٢٠٩)، رد الدارمي على المريسي (٥٩، ٦١، ٦٢)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨١)، الشريعة للآجري (ص ٣١٦، ٣١٧)
(٢) انظر الفصل لابن حزم (٢: ١٦٧).
(٣) يؤول المعتزلة كل ما ورد من الصفات التي يوصف بمثلها الخلق. انظر المقالات للأشعري (١: ٢٣٥)، وانظر في تأويلهم للأصابع مختلف الحديث (ص ٢٠٨، ٢٠٩)، ورد الدارمي على المريسي (ص ٥٩ - ٦٣).
(٤) انظر الشامل في أصول الدين للجويني (ص ٥٦٤)، أساس التقديس للرازي (ص ١٣٧)، غاية المرام للآمدي (ص ١٣٩)، شرح المواقف (ص ١٧٥، ١٧٦، ١٧٩).
[ ٣١٢ ]
والتأويل بالنسبة لابن حزم يخالف مذهبه، الأخذ بظواهر النصوص، ويوافق ابن الثلجى (^١)، في تأويلها بالنعمة. (^٢).
ونرى عدم صحة هذا التأويل ونقول:
إن الأصابع من صفات الله ﵎ حقيقة على ما يليق بجلاله وكماله، وعظمته، وليست على معنى الجارحة، ولا بمعنى النعمة ولا على أي معنى يلزم منه حدوثها (^٣).
وننفي كونها بمعنى الجارحة لأن الجوارح من صفات الأجسام المخلوقة وهي لا تكون إلا مركبة، فهي مفتقرة والله ﵎ منزه عن كل نقص (^٤).
وننفي كون الأصابع الثابتة لله تعالى بمعنى النعمة، لأن الإِثبات ورد في حديثين ولا يمكن حمل ما ورد فيهما على النعمة.
أما الحديث الأول فهو ما سبق ذكره "إن قلوب العباد كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد .. الحديث".
_________________
(١) هو محمد بن شجاع أبو عبد الله يعرف بابن الثلجي كان فقيه أهل العراق في وقته من أصحاب أبي حنيفة. قال عنه الإِمام أحمد إنه مبتدع صاحب هوى. ويقال عنه إنه كذاب لا تحل الرواية عنه له مؤلفات منها "تصحيح الآثار" فقه، والنوادر، والرد على المشبهة توفي سنة ٢٦٦، وكان مولده سنة ١٨١ من الهجرة. انظر ميزان الاعتدال (٣: ٥٧٧ - ٥٧٩)، تهذيب التهذيب (٩: ٢٢٠)، شذرات الذهب (٢: ١٥١).
(٢) انظر رد الدارمي على المريسى (ص ٦٣).
(٣) انظر تأويل مختلف الحديث (ص ٢١٠)، رد الدارمي على المريسي (ص ٦١، ٦٣)، شرح المواقف (ص ١٧٩)، فتح الباري (١٣: ٣٩٨) قلائد المرجان لعبد الغني النابلسي (ص ٦٠/ أ).
(٤) انظر رد الدارمي على المريسي (ص ٦١)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨٦).
[ ٣١٣ ]
والمانع من حمل الأصبعين في الحديث هذا على النعمتين أن القلب إذا كان بين نعمتين فهو محاط بهما فلو مال عن واحدة أصاب الأخرى فلا وجه للدعاء بالتثبيت حتى على تأويل ابن حزم بقوله: "إما كفاية تسره، وإما بلاء يأجره عليه" لأنه على طاعة في كلتا الحالتين فلا وجه لطلب التثبيت.
يقول ابن قتيبة بعد أن أورد الحديث وذكر القول بتأويله بالنعم "ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الأصبع، لا يشبه الحديث، لأنه ﵇ قال في دعائه "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" فقالت له إحدى أزواجه: "أو تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: "إن قلب المؤمن، بين أصبعين من أصابع الله ﷿". فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت، ولم احْتَجّ على المرأة التي قالت له: أتخاف على نفسك - بما يؤكد قولها وكان ينبغي أن لا يخاف، إذا كان القلب محروسا بنعمتين. (^١)
وبهذا يتضح أن حمل الأصبعين في الحديث على النعمتين غير صحيح ولا يستقيم معنى الحديث على هذا التأويل فالحمل عليه خطأ بين. فإن قيل: إذا لم يمكن حمل الأصبعين في الحديث على النعمتين فيمكن أن يقال: إن في لفظ الحديث، كناية عن سرعة تقليبه تعالى قلوب عباده، وأن ذلك أمر معقود بمشيئته ﷾. (^٢) قلنا إن كان في لفظ الحديث كناية، فهو دليل أيضا على
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٢٠٩).
(٢) انظر لسان العرب (١٠: ٦٠).
[ ٣١٤ ]
إثبات أن لله تعالى أصابع حقيقة، إذ لو لم يكن له أصابع حقيقة لما جاز استعمالها بالنسبة له في غير الحقيقة، إذ لا يقال للريح أصبع، ولا للجبل أصبع ولا غير ذلك مما لا أصابع له حقيقة، ثم إنه ورد إثبات الأصبع لله تعالى في غير هذا الحديث، ولا يمكن حمله على غير الحقيقة وسنذكر ذلك.
وأما الحديث الثاني الذي ورد فيه إثبات الأصبع فهو:
ما روى البخاري بسنده عن عبد الله، (^١) أن يهوديا جاء إلى النبي ﷺ. فقال يامحمد: إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم بقول: أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٢) وفي بعض طرق الحديث: "فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له". (^٣)
_________________
(١) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن من أكابر الصحابة ومن السابقين إلى الإِسلام، ومن المشهود لهم بالجنة خادم رسول الله ﷺ له ٨٤٨ حديثًا توفي سنة ٣٢ من الهجرة وله بضع وستون سنة ودفن بالبقيع. انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٣: ٢٥٦ - ٢٦٠)، شذرات الذهب (١: ٣٨، ٣٩) الأعلام (٤: ١٣٧).
(٢) سورة الزمر: آية (٦٧).
(٣) صحيح البخاري (٣: ١٣٠)، (٤: ٢١١)، وانظر من البخاري (٤: ١٩٨، ٢٠٤)، صحيح مسلم (٤: ٢١٤٧، ٢١٤٨)، سنن الترمذي (٥: ٣٧١)، مسند الإِمام أحمد (١: ٣٧٨، ٤٢٩، ٤٥٧) رد الدارمي على المريسي (ص ٦٠)، التوحيد لابن خزيمة (ص ٧٦، ٧٨) كتاب الشريعة للآجري (ص ٣١٨، ٣١٩) أسباب النزول للواحدي (ص ٢٤٩)، أحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧٢٢)، دار الشعب. والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣: ١٤٧)، قلائد المرجان (ص ٥٩/ ب).
[ ٣١٥ ]
ولا يحمل الأصبع في هذا الحديث على النعمة لعدم صحة ذلك في اللغة فلا يقول أحد: إن الله يمسك السموات على نعمة، والأرضين على نعمة .. الخ.
ولعدم استقامة تأويل هذا الحديث بالنعمة، أو بالقدرة كما قال المؤولة، لجأوا إلى رده بأنه من تخليط اليهود وهم مشبهة. وضحكه ﷺ من قول الحبر يحتمل الرضى والإِنكار.
وقول الراوي "تصديقا له" ظن منه وحسبان. والحديث روى من طرق ليست فيها هذه الزيادة. (^١)
ويقول القرطبي: "وضحك النبي ﷺ، إنما هو للتعجب من جهل اليهودي، ولهذا قرأ عند ذلك" ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٢) أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه". (^٣)
ونقول الحديث رواه البخاري ومسلم، والترمذي وغيرهم من طرق عدة في بعضها "فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له".
والحديث صحيح لا مجال للشك فيه، وعدم ورود الزيادة في بعض طرق الحديث لا تخرجها عن الصحة فهي مروية في الطرق الأخرى وهي صحيحة.
يقول ابن خزيمة: "قد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق البارىء بحضرته بما ليس من صفاته فيسمعه
_________________
(١) انظر رد الدارمي على المريسي (ص ٦٠)، فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٩٨).
(٢) سورة الزمر: آية (٦٧).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧٢٢)، فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٩٨).
[ ٣١٦ ]
فيضحك عنده ويجعل بدل وجوب التكبير والغضب على المتكلم به ضحكا تبدو نواجذه تصديقا وتعجبا لقائله، لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته" (^١).
فضحك الرسول الأمين ﷺ، وعدم إنكاره دليل على صحة وصف الله تعالى بالأصابع. فالسنة كل ما أثر عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وسكوت الرسول ﷺ تقرير لكلام اليهودي، ولو لم يكن لله تعالى أصابع حقيقة لبين ذلك الرسول ﷺ بهذه المناسبة ولم يسكت عن البيان ويضحك متعجبا من استعظام اليهودي لهذه القدرة الإِلهية.
فضحك الرسول ﷺ تعجبا من كون هذا اليهودي يستعظم ذلك في قدرة الله تعالى فقرأ لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي أن ما ذكر اليهودي ليس بجانب قدرة الله تعالى بعظيم فليس قدره في القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم ويحيط به الحصر فهو تعالى قادر على إمساك مخلوقاته على غير شيء كما هي عليه اليوم (^٢).
فإن قيل: إنكم أثبتم لله تعالى أصابع حقيقة، فهل تعتقدون أن القلوب بين أصابع الله تعالى على الحقيقة كما نفهم من ظاهر النص فإن كان الجواب بالإيجاب، كانت أصابع الله تعالى وتقدس حالة في صدور العباد إذ هي مكان القلوب، وهذا مما لا تقولون به، وإن كان بالنفي فليست بحقيقة عندكم كما هي عندنا؟
_________________
(١) كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٧٦)، وانظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣: ١٤٧).
(٢) انظر فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٩٨).
[ ٣١٧ ]
قلنا: أما إثبات الأصابع لله تعالى حقيقة فإنا نقول به ونثبتها صفة له تعالى على ما يليق بجلاله، كما أثبتها له أعلم الخلق به رسوله ﷺ. ولا نشبه شيئا من صفات ربنا بشيء من صفات خلقه أما كون القلوب بين أصبعين من أصابعه حقيقة على ما يفهم من كون الشيء بين أصبعين من أصابع المخلوق فهذا مما لا يدل عليه الحديث ولا يفهم منه ذلك بالنسبة لله تعالى وفي نص الحديث: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله كقلب واحد" ولم يقل: "إن كل قلب من قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله" فقوله: "إن قلوب العباد" ثم قوله "إنها كقلب واحد" مبعد لاحتمال ما ذكرتم والله تعالى وتقدس بائن من خلقه. وليس شيء منه تعالى حالا في مخلوقاته أو بشيء منها وصفات الله تعالى تليق به فلا يقاس بشيء من خلقه فيشبه فعله بفعلهم وصفاته بصفاتهم. وتشبيهكم له بخلقه هو الذي جعلكم تعطلونه عما هو ثابت له على ما يليق به فصفات الخالق تليق بعظمته وكماله، وصفات المخلوق تناسب عجزه وافتقاره.
(١٣) الجنب
يقول أبو محمد بن حزم في قوله تعالى حاكيا عن قول قائل ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (^١).
وهذا معناه فيما يقصد به إلي الله ﷿ وفى جنب عبادته. (^٢).
وأرى صحة هذا القول في معنى الآية الكريمة لأمرين:
_________________
(١) سورة الزمر: آية (٥٦).
(٢) انظر الفصل (٢: ١٦٦).
[ ٣١٨ ]
الأول: أن قول من قال: إن الجنب من صفات الله تعالى (^١) لا دليل عليه. ولم يرد إثباته لله تعالى، وإنما جاء مضافًا إلى الله تعالى فيما حكاه عن قول قائل: "ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله" ومجرد هذه الإضافة، لا يقتضى كون المضاف إلى الله صفة له كما في قوله تعالى حاكيا قول رسوله صالح ﵇ لقومه: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (^٢) وقوله تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (^٣) وغير هذا مما هو مضاف إلى الله تعالى وليس هو من صفاته بالاتفاق.
يقول ابن تيمية بعد ذكر الآية: "فليس في مجرد الإِضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق كقوله تعالى "بيت الله" (^٤) و﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ (^٥)، و﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ (^٦). بل وكذلك "روح الله" (^٧) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن إذا
_________________
(١) انظر المواقف (ص ١٧٧، ١٧٨).
(٢) سورة الشمس: آية، (١٣).
(٣) سورة الفرقان: آية (٦٣).
(٤) قوله "بيت الله" لم ترد في القرآن بهذا اللفظ فلعله يقصد ما في القرآن من نحو قوله تعالى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ سورة البقرة: آية (١٢٥)، وقوله حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ سورة إبراهيم: آية (٣٧).
(٥) سورة الأعراف: آية (٧٣)، سورة هود: آية (٦٤)، سورة الشمس: آية (١٣).
(٦) سورة الصافات: الآيات (٤٠، ٧٤، ١٢٨، ١٦٠، ١٦٩)، الدخان: آية (١٨)، الإنسان: آية (٦).
(٧) جاء في القرآن الكريم قوله تعالى "روح القدس" في سورة البقرة: الآيتان (٨٧، ٢٥٣)، المائدة: آية (١١٠)، النحل: آية (١٠٢).
[ ٣١٩ ]
أضيف إليه ماهو صفة له، وليس بصفة لغيره، مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله ونحو ذلك كان صفة له". (^١)
يبين ابن تيمية أن الإِضافة لا تستلزم أن يكون المضاف صفة للمضاف إليه لمجرد الإِضافة، فيضاف ما هو صفة، وما هو غير صفة للمضاف إليه.
ثم إن التفريط المذكور في الآية لا يكون في شىء من صفات الله تعالى، لأنه إما فعل أو ترك فعل وهذا لا يكون قائما بذات الله تعالى لا بجنب ولا غيره (^٢)
الثاني: أن ما ذهب إليه ابن حزم من معنى الآية هو ما تدل عليه اللغة: فقيل: إن الجنب يأتي بمعنى الأمر كما قال كثير عزة:
أما تتقين الله في جنب عاشق له كبد حرى وعين ترقرق (^٣)
وفي لسان العرب: "قال الفراء: (^٤) الجنب: القرب، وقوله على
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣: ١٤٥)، وانظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٧٩، ٣٨٠).
(٢) انظر مختصر الصواعق المرسلة (١: ٢٣).
(٣) انظر الشامل في أصول الدين للجويني (ص ٥٤٩)، التفسير الكبير للرازي (٢٧: ٦)، أحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧١٥) دار الشعب، المواقف (ص ١٧٨)، مع تغيير في بعض الكلمات. والبيت كما جاء في ديوان كثير (ص ٤٠٩): ألا تتقين الله في حب عاشق له كبد حرى عليك تصدع
(٤) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمى أبو زكريا إمام الكوفيين بالنحو واللغة، وكان فقيهًا متكلمًا يميل إلى الاعتزال له تصانيف كثيرة جلها في النحو واللغة توفى سنة ٢٠٧ وكان مولده سنة ١٤٤ من الهجرة. انظر وفيات الأعيان (٦: ١٧٦ - ١٨٢)، شذرات الذهب (٢: ١٩)، الأعلام للزركلي (٨: ١٤٥، ١٤٦).
[ ٣٢٠ ]
ما فرطت في جنب الله "أي في قرب الله وجواره. وقال ابن الأعرابي (^١) في قوله "في جنب الله" أي في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: (^٢) معناه على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعانى إليه وهو توحيده والإِقرار بنبوة رسوله ﷺ". (^٣).
ويقول الدارمى إن معنى الآية: "تحسر الكفار على ما فرطوا في الإِيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين". (^٤)
وقول ابن حزم الذي ذكرنا في معنى الجنب موافق لتلك الأقوال التي سقناها عن بعض علماء اللغة والسلف. ويؤيد هذا أنك إذا قلت فلان قد فرط في جنب فلان. لا يراد به أن التفريط وقع في شىء من نفس ذلك الشخص أي جنبه الحقيقى الذي هو الشق وإنما يقصد به التفريط في جهته وفى حقه.
_________________
(١) هو محمد بن زياد أبو عبد الله من أهل الكوفة له مصنفات في اللغة وآدابها منها أسماء الخيل وفرسانها، وتاريخ القبائل وغير ذلك كثير توفى سنة ٢٣١ وكان مولده سنة ١٥٠ من الهجرة. انظر الفهرست لابن النديم (ص ١٠٢، ١٠٣)، ووفيات الأعيان (٤: ٣٥٦، ٣٠٩) شذرات الذهب (٢: ٧٠، ٧١)، الأعلام (٦: ١٣١).
(٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السرى بن سهل الزجاج النحوي إمام مجمع على إمامته من أهل العلم بالأدب والدين له مؤلفات كثيرة أغلبها في النحو منها الاشتقاق وفعلت وأفعلت. توفى سنة ٣١٠ وكان مولده سنة ٢٤١ من الهجرة. انظر الفهرست (ص ٩٠، ٩١)، وفيات الأعيان (١: ٤٩، ٥٠)، شذرات الذهب (٢: ٢٥٩، ٢٦٠).
(٣) لسان العرب لابن منظور (١: ٢٦٧، ٢٦٨)، أحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧١٤، ٥٧١٥) دار الشعب.
(٤) رد الدارمي على المريسي (ص ١٨٤)، وانظر مختصر الصواعق المرسلة (١: ٢٢، ٢٣).
[ ٣٢١ ]
فإذا كان معنى هذه العبارة ليس الجنب الحقيقي إذا وردت - بالنسبة للإنسان المتصف بالجنب حقيقة واتفاقا، فكيف يحمل ما ورد من ذلك بنفس اللفظ بالنسبة لله تعالى على المعنى الذي لم يصح استعمال اللفظ فيه بالنسبة لمن هو متصف بالجنب حقيقة، مع أن إثبات الصفات لله تعالى لا يصح إلا من طريق دلالة النص ولم نعرف نصا يدل على ذلك. (¬١)
(١٤) الساق:
يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الساق الوارد في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ (^٢). وفيما صح عن النبي ﷺ عن يوم القيامة أن الله ﷿ يكشف عن ساق فيخرون سجدا. إنما هو إخبار عن شدة الأمر وهول الموقف كما تقول العرب قد شمرت الحرب عن ساقها قال جرير:
الأرب سامي الطرف من آل مازن إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا (^٣)
تأويل ابن حزم الساق بالشدة وهول الموقف، موافق لتأويل
_________________
(١) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣: ١٤٦).
(٢) سورة القلم: آية (٤٢).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٦٩)، البيت في ديوان جرير (ص ١٨٥).
[ ٣٢٢ ]
المعتزلة (^١) والأشاعرة (^٢) فهؤلاء لا يثبتون الساق صفة لله تعالى، ويؤولون الآية وما ورد من الأحاديث بالشدة وهول الموقف فلا خلاف بينهم وبين ابن حزم المدعى للظاهرية.
والذي نقول في الساق، إنه صفة من صفات الله تعالى تليق بجلاله وكبريائه على ما وصف به نفسه، وليس بمعنى الجارحة، لأن الجوارح من صفات الأجسام المركبة المفتقرة إلى مركب وهذا نقص ويتعالى الله عن كل نقص.
وننفي كونها بمعنى الشدة، لأن النصوص التي وردت دالة على إثبات الساق صفة لله تعالى لا يصح حملها على هذا التأويل ونبين هذا بعد سياق تلك النصوص التي ورد فيها ذكر الساق.
النص الأول:
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (^٣)
_________________
(١) انظر مقالات الإِسلاميين للأشعري (١: ٢٣٥)، عند بيانه لعقيدة المعتزلة، وأنهم يؤولون كل ما ورد من الصفات التي يوصف بمثلها الخلق. وانظر المعتمد لأبي يعلي (ص ٥٣)، الملل والنحل (١: ٤٤).
(٢) انظر أساس التقديس للرازي (ص ١٤٠)، غاية المرام للآمدى (ص ١٤١)، المعتمد في أصول الدين (ص ٥٣).
(٣) سورة القلم: آية (٤٢).
[ ٣٢٣ ]
الثاني.
روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ قلنا لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ثم يؤتي بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود ماكنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون. قالوا نريد أن تسقينا: فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصاري: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد. فما تريدون. فيقولون: نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون. حتى يبقى من كان بعبد الله من بر أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس. فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون. وإنما ننتظر ربنا قال فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن. ويبقى من كان يسجد لله
[ ٣٢٤ ]
رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا .. الحديث" (^١)
الثالث:
روى مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو حديثا طويلا - عن خروج الدجال ومكثه. في الأرض، ونزول عيسى وقتله له وذهاب أهل الخير وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان والنفخ في الصور، وبعث من في القبور - وساق الحديث إلى أن قال: "ثم ينفخ فيه (الصور) أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس. هلم إلى ربكم وقفوهم إنهم مسئولون. قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال من كم؟ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال ذاك يوم يجعل الولدان شيبا. وذلك يوم يكشف عن ساق" (^٢)
نرى فيما ذكرنا من الأدلة على إثبات صفة الساق لله تعالى. وبيان عدم صحة حمل الساق فيها على الشدة، أن معنى الآية إذا أولت بالشدة يكون يوم يكشف عن شدة ويدعون إلى السجود وهذا غير صحيح، لأن وقت كشف الساق هو في وقت الشدة وهي لم تذهب بعد، فلا يصح هذا التأويل.
_________________
(١) صحيح الإمام البخاري (٤: ٢٠١)، وانظر صحيح مسلم (١: ١٦٧، ١٧١)، سنن الدارمي (٢: ٣٢٦، ٣٢٧)، مسند الإمام أحمد (٣: ١٧)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤: ٥٨١ - ٥٨٣)، مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٨٥، ٣٨٦).
(٢) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢٢٥٨، ٢٢٥٩)، وانظر مسند الإِمام أحمد (٢: (١٦٦).
[ ٣٢٥ ]
وفي كشف الشدة والهول - على معنى إذهابها وإزالتها يقال: كشفت الشدة، لا كشف عنها، فإذا قيل كشف عنها أصبح المعنى أنها أظهرت وبينت. وعلى هذا الشاهد "إذا شمرت عن ساقها الحرب" أي أعلنت فظهرت مشتدة لا تخفى على أحد.
وفي الحديث: "هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون الساق. فيكشف عن ساقه".
وبيان عدم صحة حمل الساق هنا على التأويل بالشدة، أن المخاطبين في حال من الشدة بلا خلاف، ولو أرادوا بالآية التي يعرفونه تعالى بها - الشدة لقالوا حين سألهم: كشف الشدة، لأنها حالة بهم. فلما قالوا: "الساق" ثم كشف عن ساقه وحصل السجود أو محاولته. تبين أن المقصود بهذا الساق. شيء خاص بالله تعالى هو صفة له، وليس إذهابا للشدة لأنها موجودة بعد كشفه إذ أن أشد الشدة عند حال السجود خاصة ممن لم يستطع ذلك.
وفي حديث مسلم: "ذاك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق".
ولا يمكن حمل كشف الساق هنا على كشف الشدة لأنه بين شدة ذلك اليوم بأنه يشيب الولدان. وهذا تناقض.
فإن قيل: لا تناقض في الكلام وهذا ممكن إذ يكون في أول اليوم شدة تشيب الولدان، وفي آخره تزال هذه الشدة.
قلنا: لا يمكن حمله على إزالة الشدة لأنها وإن زالت عن من رضى الله تعالى عنه، فهي باقية على أشد مما كانت عليه في أول اليوم بالنسبة للمغضوب عليهم، وعلى هذا فلا يمكن حمل الشدة في كل ما ذكرنا من الأدلة على غير الساق الحقيقي الذي يناسب عظمة المتصف به وكماله.
[ ٣٢٦ ]
يقول أبو يعلى بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري: "ولا يصح تأويل ذلك على الشدة، ولأنه قال: فيتمثل لهم الرب وقد كشف عن ساقه. والشدائد لا تسمى ربا. ولأنه قال "يخرون .. سجدا" .. والسجود لا يكون للشدائد". (^١)
وفي مختصر الصواعق: قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^٢) مطابقا لقوله ﷺ: "فيكشف عن ساقه" وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم أن يقال: كشفت الشدة عن القوم لا كشفت عنها. كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ (^٣) فالعذاب هو المكشوف لا المكشوف عنه. وأيضا فهناك تحدث شدة لا تزول، إلا بدخول الجنة. وهنا لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة" (^٤)
مما ذكرنا عن أبي يعلى وابن القيم، نرى استبعادهم لحمل الساق الوارد إثباته لله تعالى على معنى الشدة ويثبتونه صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله تعالي وتقدس.
(١٥) القدم والرجل
يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن معنى القدم والرجل - في قول الرسول ﷺ: "إن جهنم لا تمتلىء حتى يضع فيها
_________________
(١) المعتمد في أصول الدين (ص ٥٣).
(٢) سورة القلم: آية (٤٢).
(٣) سورة الزخرف: آية (٥٠).
(٤) مختصر الصواعق (المرسلة (١: ٢٣).
[ ٣٢٧ ]
قدمه" (^١) وقوله ﷺ "حتى يضع فيها رجله" (^٢) - الأمة التي تقدم في علم الله تعالى أنه يملأ بها جهنم، لأنه ﷺ بين ذلك في حديث آخر صحيح أخبر فيه أنه تعالى بعد يوم القيامة يخلق خلقا يدخلهم الجنة، وأنه تعالى يقول للجنة والنار لكل واحدة منكما ملؤها، فمعنى القدم في الحديث المذكور إنما هو كما قال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، (^٣) يريد سالف صدق فمعناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم ومعنى رجله نحو ذلك، لأن الرجل الجماعة في اللغة، أي يضع فيها الجماعة التي سبق في علمه تعالى أنه يملأ جهنم بها (^٤).
مذهب ابن حزم الذي بينا في قدم الله ورجله، موافق لمذهب بشر المريسى، (^٥) في القدم موافقة تامة، حيث يرى بشر أن المقصود بالقدم المذكورة في الحديث: أهل الشقوة الذين سبق في علم الله تعالى أنهم
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (٣: ١٣٧)، (٤: ١٠٨، ٢٠٣، ٢٠٤)، صحيح مسلم (٤: ٢١٨٦ - ٢١٨٨)، سنن الترمذي (٥: ٣٩٠)، مسند الإِمام أحمد (٢: ٣٦٩، ٥٠٧)، (٣: ١٣).
(٢) انظر صحيح مسلم (٤: ٢١٨٦، ٢١٨٧).
(٣) سورة يونس: آية (٢).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٦٧).
(٥) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء أبو عبد الرحمن، مبتدع ضال، لا ينبغي أن يروى عنه. كان والد بشر المريسي يهوديًا قصابًا تفقه بشر على أبي يوسف فبرع وأتقن علم الكلام، ثم جرد القول بخلق القرآن ولم يدرك الجهم بن صفوان وإنما أخذ مقالته ودعا إليها وهو رأس الطائفة المريسية وهو يقول برأي الجهمية توفي سنة ٢١٨. انظر وفيات الأعيان (١: ٢٧٧، ٢٧٨)، ميزان الاعتدال (١: ٣٢٢، ٣٢٣)، لسان الميزان (٢: ٢٩)، الأعلام (٢: ٥٥).
[ ٣٢٨ ]
صائرون إليها. (^١)
وعدم إثبات القدم صفة لله تعالى هو مذهب المعتزلة عامة (^٢) وبعض الأشاعرة (^٣).
يقول الآمدي في تأويل الحديث: "يحتمل أن يراد به بعض الأمم المستوجبين النار، وتكون إضافة القدم إلى الجبار تعالى إضافة التمليك. وقد قيل يحتمل أن يكون المراد به قدم بعض الجبارين المستحقين للعذاب الأليم بأن يكون قد ألهم الله النار الاستزادة إلى حين استقرار قدمه فيها". (^٤)
فالتأويل الأول الذي ذكره الآمدي هو مذهب المريسي وابن حزم ومن تبعهم.
ونرى عدم صحة هذا القول وأن تأويل القدم والرجل الوارد ذكرهما في الحديث بالجماعة، أو بغير ما يدل عليه اللفظ من الصفة الحقيقية لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله: (^٥) لا يتم حتى مع صحة ورود الرجل والقدم بمعنى الطائفة والجماعة لغة. (^٦) إذ لا يلزم على هذا أن تلازم ذلك المعنى دون غيره مما وضعت له، بل إن حال الكلام الذي ترد فيه هو المحدد للمعنى المقصود من معانيها.
_________________
(١) انظر رد الدارمي على المريسي (ص ٦٦).
(٢) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلي (ص ٥٤).
(٣) انظر الشامل في أصول الدين للجويني (ص ٥٦٢ - ٥٦٥)، أساس التقديس للرازي (ص ١٤١ - ١٤٣)، غاية المرام للآمدى (ص ١٤١).
(٤) غاية المرام للآمدى (ص ١٤١).
(٥) انظر المعتمد لأبي يعلي (ص ٥٤)، شرح المواقف (ص ١٧٨، ١٧٩)، قلائد المرجان للنابلسي (ص ٦٠/ أ، ب) شرح الواسطية للهراس (ص ٩٨)، الأسئلة والأجوبة الأصولية (ص ٢١٥).
(٦) انظر لسان العرب (١٣: ٢٨٩).
[ ٣٢٩ ]
ثم إن في نص الأحاديث التي ذكر فيها القدم، والرجل ما يبعد حملها على تأويل ابن حزم ونص الأحاديث ما يلي:
(١) روى مسلم بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تحاجت النار والجنة فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجتة: فما لي لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم (^١) وعجزهم. (^٢) فقال الله للجنة: أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادى. وقال للنار: أنتى عذابى أعذب بك من أشاء من عبادى ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلىء، فيضع قدمه عليها فتقول: قط، قط. (^٣) فهناك تمتلىء، ويزوى بعضها إلى بعض". (^٤)
(٢) روى مسلم بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ - وساق الحديث كالحديث السابق إلى أن قال:
"فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله ﵎ رجله. تقول قط قط قط فهناك تمتلىء، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وأما الجنة، فإن الله ينشىء لها خلقا". (^٥)
_________________
(١) سقطهم أي ضعفاؤهم والمحتقرون منهم الذين لا يعتد بهم انظر اللسان (٩: ١٨٩).
(٢) عجزهم. بفتح العين والجيم جمع عاجز أي غير المستطيع لطلب الدنيا والرفعة. انظر القاموس (٢: ١٨٠).
(٣) قط، قط، بمعنى حسبى أي يكفيني. انظر شرح المواقف (ص ١٧٨)، القاموس (٢: ٣٨٠).
(٤) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢١٨٦)، وانظر صحيح البخاري (٤: ٢٠٤) مسند الإِمام أحمد (٢: ٣٦٩، ٥٠٧)، (٣: ١٣)، التوحيد لابن خزيمة (ص ٩٢ - ٩٤)، قلائد المرجان (ص ٦٠/أ).
(٥) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢١٨٦، ٢١٨٧).
[ ٣٣٠ ]
(٣) وروى مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال:
"لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط وعزتك ويزوى بعضها إلى بعض". (^١)
(٤) وروى مسلم أيضا بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال:
"لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك، وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة". (^٢)
في هذه الأحاديث المصرحة بأن الله تعالى يضع رجله أو قدمه في النار ما يبعد حملها على تأويل ذلك بالأمة أو الجماعة التي سبق في علمه تعالى أنه يملأ جهنم بها، لأن في كل الأحاديث التي ذكرنا: "أنه ينزوي بعفرا النار إلى بعض" أي يقرب بعضها إلى بعض، يقال: انزوى القوم بعضهم إلى بعض إذا تدانوا وتضاموا (^٣) والمعنى في الأحاديث أن النار بعد هذا الفعل من الله تعالى تجمع وتضيق على من فيها فتمتلىء بهم. ولو أن المقصود بوضع القدم أو الرجل الجماعة لقال في تلك الأحاديث يلقى فيها حتى تمتلىء لأن الجماعة تلقى فيها
_________________
(١) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢١٨٧)، وانظر صحيح البخاري (٣: ١٣٧)، سنن الترمذي (٥: ٣٩٠).
(٢) صحيح الامام مسلم (٤: ٢١٨٨)، وانظر صحيح البخاري (٤: ١٠٨، ١٠٩).
(٣) مختار الصحاح (ص ٢٧٩)، لسان العرب (١٩: ٨٣، ٨٤).
[ ٣٣١ ]
القاء. ولم يقل: "يزوى بعضها إلى بعض". وفى معنى الزوى الجمع والتضييق ولا يحتاج إلى هذا مع زيادة فيها غير الموجودين، لأن الله ﵎ قادر على ملئها من غير تضييق خاصة على هذا القول - خلق أناس لها - لكن مقتضى عدله يخالف هذا فلا يعذب أحدا بغير ذنب. وكما إلى هذه الإشارة في الحديث الثاني مما ذكرنا بقوله: "ولا يظلم الله من خلقه أحدا" ولسعة فضله وسابغ إنعامه ﷾ لم يضيق الجنة ليفى لها بوعده، بل خلق لها خلقا. لم يعملوا وأسكنهم فضلها. وفى كل من تضييق النار على من فيها حتى تمتلىء. وخلقه تعالى للجنة خلقا يملؤها وفاء بوعده تعالى لما قال: "لكل واحدةٍ منكما ملؤها" كما في الحديث الأول السابق وقوله تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (^١)
فإن قيل: كيف يصح لكم أن تثبتوا لله تعالى قدما حقيقية، ثم تقولون إنه يضعها في لنار إذا طلبت المزيد، والملء كما وعدها، ووضع القدم في النار مستحيل؟
قلنا: أما إثباتنا القدم لله تعالى، فليس ابتداعا من عند أنفسنا ولا نثبت لله تعالى شيئا لم يثبته لنفسه، أو يثبته له أعلم الخلق به رسوله محمد ﷺ. وقد أثبت القدم لربه كما في الأحاديث السابقة.
وليس في إثبات القدم، أو الرجل نقص في حقه سبحانه فصفاته تليق بجلاله وكماله، وليست على ما نعلم من صفات الخلق فليست بجارحة بل صفة له تليق بعظمته.
وقد عاب الله سبحانه على من يعبد الأصنام بقوله: "ألهم أرجل
_________________
(١) سورة هود: آية (١١٩)، السجدة: آية (١٣).
[ ٣٣٢ ]
يمشون بها" (^١) فجعل عبادتهم لأصنام ليس لها أرجل محل ذم لهم. (^٢)
أما وضعه تعالى قدمه في النار فهذا لا استحالة فيه بالنسبة لله ﵎ رب كل شىء ومليكه، وقياسكم ذلك على الخلق باستحالة وضع القدم منهم هو عين التشبيه الذي ادعيتم الفرار منه، فوقعتم في أعظمه. فقياسكم الله تعالى على خلقه هو الذي أوقعكم في تعطيله بعد تشبيهه فجمعتم بين محذورين تشبيه الله بخلقه وتعطيله بنفي صفاته اللائقة بجلاله وعظمته. (^٣)
ثم إن دعوى استحالة وضع القدم في النار غير صحيحة حتى بالنسبة للمخلوق. فالله ﷾ قد خلق للنار خزنة يدخلونها ملائكة غلاظ شداد يقول ﵎: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. (^٤) فيخرجون من النار من أمرهم الله بإخراجه وهم غير معذبين بها. يقول تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. (^٥) فإذا كانت جهنم لا تضر الخزنة الذين يدخلونها ويقومون عليها فكيف تضر الذي سخرها لهم تعالى وتقدس (^٦)
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (١٩٥).
(٢) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٩٠)، المعتمد في أصول الدين لأبي يعلي (ص ٥٤).
(٣) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣: ١٥١).
(٤) سورة التحريم: آية (٦).
(٥) سورة المدثر الآيتان (٣٠، ٣١).
(٦) انظر رد الدارمي على المريسي ص (٦٩).
[ ٣٣٣ ]
أما استدلال ابن حزم على مذهبه بما في الحديث، من أن الله تعالى يخلق خلقا يدخلهم الجنة، وأنه تعالى يقول للجنة والنار لكل واحدة منكما ملؤها، فمعنى القدم في الحديث إنما هو كما قال تعالى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^١) يريد سالف صدق فمعناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم فليس صحيحا، لأن في الحديث الوعد بالملء للجنة والنار. وأن الله يخلق خلقا يدخلهم الجنة - وليس في الحديث ذلك بالنسبة للنار، وإنما الذي فيه أدن الله يضع قدمه فيها أو عليها، ولو كان يخلق للنار خلقا يعذبهم، كما يخلق للجنة خلقا ينعمهم - لقال ﷺ في الحديث: إن الله يخلق خلقا يدخلهم الجنة، ويخلق خلقا يدخلهم النار، أو أن الجنة والنار لا تمتلئان حتى يضع الله فيهما قدمه أو رجله. ولم يقل النبي ﷺ ذلك فليس هو المقصود.
والذين تدل عليهم الآية "أن لهم قدم صدق" هم غير من يخلقون لملء الجنة، فهم ممن سبقت لهم البشارة وهم الذين آمنوا، ومن يخلق لملء الجنة لم يسبق له إيمان.
وفى معنى قوله تعالى "قدم صدق" قيل إنها الأعمال الصالحة أو الثواب، أو شفاعة الرسول ﷺ للمؤمنين. (^٢)
فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أنه يخلق خلقا لملء الجنة، وهذا بين الدلالة. وقال: إنه يضع قدمه على النار فتمتلىء، وهذا غير ظاهر الدلالة فنحمل ما ورد مجملا من ذلك على ما ورد مفصلا.
قلنا: إن قوله ﷺ في الأحاديث: "يضع رب العزة فيها قدمه" ظاهر الدلالة لا إجمال فيه، وقد بين المراد صلى الله
_________________
(١) سورة يونس آية (٢).
(٢) انظر التفسير الكبير للرازي (١٧: ٧).
[ ٣٣٤ ]
عليه وسلم بما لا يدع مجالا للإيهام أو الشك. فنص في الأحاديث على أنه يزوى بعض النار على بعض. وفى بعضها "إنه لا يظلم من خلقه أحدا" فيبعد هذا احتمال أن وضع القدم فيها زيادة سكانها، وأن يدخل فيها أحدا من خلقه من غير ذنب. وليس بعد هذا الإيضاح بيان والله أعلم.
(١٦) الاستواء:
يذهب ابن حزم إلى نفي كون الاستواء صفة، لأن الله تعالى لم يسم نفسه مستويا، ولا يصح أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، لأن هذا إلحاد في أسمائه، ثم إن الأمة مجمعة على أنه لا يدعوا أحد فيقول يا مستوى ارحمني، ولا يسمى ابنه عبد المستوى (^١) ثم رد على من استدل بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢) على أن الله تعالى في مكان دون مكان، بما رد به على من قال: إن الله في كل مكان. بقوله: إن من هو في مكان فهو شاغل له وما كان في مكان فإنه متناه بتناهي مكانه فهو ذو جهات وهذه صفة الأجسام. (^٣)
وقد رد ابن حزم أيضا على من يقول: إن استوى بمعنى استولى (^٤) وعلى من جعله صفة ذات، ومعناه نفى الاعوجاج. (^٥)
ثم ارتضى في معنى الاستواء على العرش القول بأنه تعالى: فعل
_________________
(١) انظر الفصل (٢: ١٢٣، ١٢٤).
(٢) سورة طه آية (٥).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٢٢، ١٢٣).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٢٣).
(٥) انظر الفصل (٢: ١٢٣، ١٢٤).
[ ٣٣٥ ]
فعله في العرش، وهو انتهاء خلقه إليه، فليس بعد العرش شيء. ويبين ذلك ان رسول الله ﷺ ذكر الجنات وقال: "فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة وفوق ذلك عرش الرحمن" (^١)
فصح أنه ليس وراء العرش خلق، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء.
والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٢) أي فلما انتهى إلى القوة والخير وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (^٣) أي أن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه (^٤).
لما كان ابن حزم يلتزم الأخذ بالظاهر في مذهبه على زعمه نفى أن يقال إن الله تعالى مستو على عرشه، لأن هذه التسمية لم ترد.
وفسر استواء الله تعالى الوارد بالنص بالانتهاء لصحة ذلك في اللغة على ما ذكر.
ونرى عدم صحة هذا المذهب.
فنقول: إن الله تعالى مستو على عرشه بذاته حقيقة استواء يليق بجلاله وكمال عظمته، لا على معنى القعود والمماسة، ولا على أي
_________________
(١) صحيح البخاري (٢: ٩٢)، سنن الترمذي (٤: ٦٧٥).
(٢) سورة القصص آية (١٤).
(٣) سورة فصلت آية (١١).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٢٥).
[ ٣٣٦ ]
معنى يوجب حدوثه (^١)
وإنما على معنى الاستقرار، والعلو، والارتفاع، والصعود إلى السماء والبينونة من الخلق (^٢).
فخلافنا مع ابن حزم ينحصر في نقطتين جوهريتين:
الأولى: إثباتنا أن الله مستو على العرلض خلافا لمذهبه.
الثانية: جعلنا الاستواء على العرش الوارد بالنص بمعنى العلو وليس بمعنى الانتهاء على ما يزعم.
أما ما حكى الإِجماع عليه من عدم جواز دعاء الله تعالى بالمستوى فلا نخالفه في ذلك، لأن لفظ "المستوى" ليس من أسماء الله الحسنى الواردة بالنص. وليس الدعاء كالإخبار. يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^٣) فأمر سبحانه بدعائه بهذه الأسماء الحسنى دون غيرها، وإن لم يمتنع الإخبار عنه بغيرها مما هو صحيح المعنى مما دلت عليه تلك الأسماء الحسنى.
يقول ابن تيمية: "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلا
_________________
(١) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص (١٠١)، الإبانة للأشعري ص (٣٠، ٣١)، المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٥٤)، شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي ص (١٠٧/ أ)، الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان ص (١٥٩).
(٢) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص (١٠١)، الإبانة للأشعري ص (٣١)، التمهيد لابن عبد البر (٧: ١٣١)، الإِكليل في المتشابه والتأويل لابن تيمية ص (٥٢)، شرح العقيدة الأصفهانية له ص (٢٨)، القصيدة النونية لابن القيم ص (٦٧، ٦٨)، شرحها للهراس (١: ٢١١)، شرح الواسطية للهراس ص (٧٣، ٧٤) الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان ص (١٦١).
(٣) سورة الأعراف آية (١٨٠).
[ ٣٣٧ ]
بالأسماء الحسنى وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه" (^١).
وقد وقع الاتفاق على جواز إطلاق أسماء على الله تعالى وليست من الأسماء الحسنى لكن معناها حق مثل المتكلم والمريد وغيرهما. (^٢)
والدليل على قولنا إن الله تعالى مستو على عرشه ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، من ذكر استوائه على العرش.
ومذهب أهل السنة أن الله تعالى إذا أثبت لنفسه اسما أو فعلا أنهم يثبتون له ذلك وما يدل عليه من صفة أو اسم لله يليق بجلاله إذا لم يلزم من إثبات ذلك معنى فاسدا.
يقول ابن القيم: "والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء، ولا يشتق له من مخلوقاته. وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به .. فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد، وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئا وهذا غاية الإلحاد". (^٣)
وعلى هذا فاشتقاق "مستو" مما أثبت الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من لفظ "استوى" اشتقاق صحيح وقد روى إثبات أن الله تعالى "مستو على عرشه" عن كثير من علماء أهل السنة والجماعة مما يدل على صحة تسمية الله تعالى عندهم بالمستوى على عرشه ووصفه بالاستواء.
يقول ابن خزيمة: "فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا، أن خالقنا
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٦: ١٤٢).
(٢) انظر المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى للغزالي ص (١٨٥)، شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص (٥)، مجموع القتاوى (٦: ١٤٢).
(٣) شفاء العليل لابن القيم ص (٥٦٦، ٥٦٧)، وانظر الملل (١: ٩٤).
[ ٣٣٨ ]
مستو على عرشه لا نبدل كلام الله ولا نقول قولا غير الذي قيل لنا" (^١).
ويقول أبو الحسن الأشعري: "نقول إن الله ﷿ مستو على عرشه" (^٢) وكرر هذا في مواضع كثيرة من كتابه الإِبانة (^٣).
ويقول أبو حامد الغرالي: "وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله" (^٤).
ويقول ابن تيمية بعد أن ذكر الأقوال في الاستواء: "والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط، من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به" (^٥).
تلك بعض نصوص كلام من قال إن الله تعالى "مستو على عرشه" ومنها نعرف عدم صحة دعوى ابن حزم - عدم جواز تسمية الله المستوى - فهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم: "إن الله مستو على عرشه" من أكابر علماء أهل السنة وبما قال هؤلاء يقول كثير من العلماء.
والأدلة التي بنوا عليها قولهم هذا هي:
أولا: ما جاء في القرآن الكريم من ذكر استوائه تعالى على العرش وذلك في سبعة مواضع هي:
قوله تعالى: " ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ
_________________
(١) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص (١٠١، ١٠٤).
(٢) الإبانة للأشعري ص (٣٠)، وانظر شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي ص (١٠٧/ أ).
(٣) الإبانة ص (٣١، ٣٢، ٣٣).
(٤) الأربعين في أصول الدين للغزالي ص (١٤)، قواعد العقائد له ضمن القصور العوالي له (٤: ١٩٤).
(٥) العقيدة الحموية الكبرى لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى (١: ٤٣٩، ٤٤٠).
[ ٣٣٩ ]
أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^١)
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٢)
وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٣).
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٤).
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٥).
وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٦).
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٧).
وفي كل هذه المواضع التي ذكر الله فيها استواءه على العردش ذكر مع ذلك ما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله التي هي منها متمدحا بذلك، وهذا ظاهر في كل الآيات ولا ينكره أحد.
وذكو هذا الشنقيطي، وسرد الآيات وما تشتمل عليه من تمدح الرب تعالى بتلك الصفات التي لا تليق إلا به، والاستواء منها وقال
_________________
(١) سورة الأعراف آية (٥٤).
(٢) سورة يونس آية (٣).
(٣) سورة الرعد آية (٢).
(٤) سورة طه آية (٥).
(٥) سورة الفرقان آية (٥٩).
(٦) سورة السجدة آية (٤).
(٧) سورة الحديد آية (٤).
[ ٣٤٠ ]
بعد ذكرها: "فالشاهد أن هذه الصفة التي يظن الجاهلون أنها صفة نقص ويتهجمون على رب السموات والأرض بأنه وصف نفسه صفة نقص ثم يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها مع أن الله جل وعلا تمدح بها، وجعلها من صفات، الجلال والكمال مقرونة بما يبهر العقول من صفات الجلال والكمال، هذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جل وعلا بالتأويل" (^١)
ثانيا: مما جاء في السنة المطهرة من ذكر استوائه تعالى على العرش.
ما روى عن قتادة بن النعمان أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" (^٢).
وروى الإِمام الشافعي في فضل الجمعة بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: ما هذه؟ فقال هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك فالناس لكم فيها تبع - اليهود والنصارى - ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد فقال النبي ﷺ يا جبريل وما يوم المزيد؟ فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح، فيه كثب المسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ﵎ ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين والصديقين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت
_________________
(١) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي ص (١٧).
(٢) العلو للعلي الغفار في صحيح الأخبار وسقيمها للذهبي ص (٥٢) ويقول بعد ذكر هذا الحديث "رواته ثقات رواه أبو بكر الخلال في كتاب السُّنة له" أنظر العلو ص (٥٢).
[ ٣٤١ ]
والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب فيقول الله ﷿: "أنا ربكم قد صدقتكم وعدى فسلوني أعطكم" فيقولون: ربنا نسألك رضوانك فيقول الله ﷿ "قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد" فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم تبارك اسمه على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة". (^١)
وذكر الذهبي أن هذا الحديث روى من عدة طرق، وإن كان في بعضها ضعف إلا أنه يقوى بعضها بعضا. (^٢)
ومحل استدلالنا من الحديث - استواء الله على العرش - ثابت بالنص القطعي الذي لا مجال للشك فيه.
فيما ذكرنا من الآيات والأحاديث ذكر استواء الله على العرش وقد بينا أن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يجمدون على إثبات الظواهر دون ما تدل عليه من معاني كابن حزم وأنهم يشتقون لله تعالى من أفعاله أسماء وصفات على ما يليق بجلاله فيثبتون له الاستواء ويقولون إنه مستو على عرشه حقيقة مع نفى كل استواء يوجب حدوثه.
_________________
(١) الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي (١: ٢٠٨، ٢٠٩)، وانظر شرح العقيدة الأصفهانية ص (٢٨)، العلو للعلي الغفار للذهبي ص (٣٠)، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ص (٢٤٥، ٢٤٦)، وجامع البيان في تفسير القرآن للطبري (٢٦: ١٠٨)، أحكام القرآن للقرطبي (١٧: ٢١، ٢٢)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦: ٢٠٨).
(٢) انظر العلو للعلي الغفار للذهبي ص (٣٠، ٣١).
[ ٣٤٢ ]
دليل أن استواء الله الوارد بالنص بمعنى العلو:
هو أن استواء الله على العرش الوارد بالنص جاء مقيدا بعلى وإذا قيد بها فلا يحتمل من المعانى إلا العلو والارتفاع والاعتدال ونحو هذا، ولا يكون بمعنى الانتهاء إلا إذا جاء مطلقا.
يقول ابن القيم: "إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم وأنزل بها كلامه "نوعان" مطلق ومقيد. فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (^١) وهذا معناه كمل وتم، يقال استوى النبات واستوى الطعام.
وأما المقيد فثلاثة أضرب:
أحدها مقيد "بإلى" كقوله "ثم استوى إلى السماء. واستوى فلان إلى السطح إلى الغرفة. وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بإلى في موضعين من كتابة في البقرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. (^٢) والثاني في سورة السجدة ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾. (^٣) وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.
والثاني مقيد بعلى كقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (^٤) وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (^٥) وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾. (^٦) وهذا أيضا معناه العلو
_________________
(١) سورة القصص آية (١٤).
(٢) سورة البقرة آية (٢٩).
(٣) سورة فصلت آية (١١).
(٤) سورة الزخرف آية (١٣).
(٥) سورة هود آية (٤٤).
(٦) سورة الفتح آية (٢٩).
[ ٣٤٣ ]
والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.
الثالث: المقرون بواو "مع" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة بمعنى ساواها. وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، وليس فيها معنى استولى البتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخروا النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية". (^١)
وعلى هذا فحمل ابن حزم "استواء الله على العرش" الثابت بالنص على الانتهاء مما لايصح لغة، لأنه جاء مقيدا بعلى فتحدد معناه بالعلو، أو الارتفاع، أو الاستقرار، أو الصعود.
وما أحتج به من أن الاستواء في اللغة يقع على الانتهاء، صحيح لكنه فيما ورد مطلقا أما إذا قيد فيختلف معناه بحسب الحال التي ورد فيها ويؤيد صحة تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع والصعود ما ورد بالنص من علو الله تعالى وارتفاعه فوق العرش مباينا للخلق.
يقول تعالى ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. (^٢) وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. (^٣) وقوله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (^٤) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٥) وقوله ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (^٦) وقوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٢٠)، وانظر فوائد قرآنية لابن سعدي ص (٣٤)، الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان ص (١٦١).
(٢) سورة آل عمران آية (٥٥).
(٣) سورة الأنعام آية (١٨).
(٤) سورة النحل آية (٥٥).
(٥) سورة فاطر آية (١٠).
(٦) سورة المعارج الآيتان (٣، ٤).
[ ٣٤٤ ]
فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. (^١) وغير هذه الآيات في هذا المعنى كثير.
ومن الأحاديث ما روى مسلم بسنده عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية (^٢) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه فعظم ذلك على. قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال "ائتنى بها" فأتيته بها فقال لها "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" (^٣).
وما روى مسلم أيضا بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم. كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" (^٤)
_________________
(١) سورة الملك الآيتان (١٦، ١٧).
(٢) موضع بقرب أحد إلى شمال المدينة المنورة. انظر معجم البلدان لياقوت (٢: ١٧٥).
(٣) صحيح الإِمام مسلم (١: ٣٨١، ٣٨٢)، وانظر سنن الدارمي (٢: ١٨٧)، مسند الإِمام أحمد (٢: ٢٩١)، موطأ الإِمام مالك (٢: ٧٧٦، ٧٧٧) ورد الدارمي على المريسي ص (٢٤)، الرد على الجهمية له ص (١٧)، التوحيد لابن خزيمة ص (١٢١)، كتاب العلو للعلي الغفار للذهبي ص (١٧، ١٦).
(٤) صحيح الإِمام مسلم (١: ٤٣٩)، وانظر صحيح البخاري (١: ٧٧). (٢: ١٤٥)، (٤: ١٩٩، ٢٠٨)، موطأ مالك (١: ١٧٠)، مسند أحمد (٢: ٢٥٧، ٣١٢، ٤٨٦)، كتاب التوحيد لابن خريمة ص (١١٧)، العلو للعلى الغفار للدهبي ص (١٩).
[ ٣٤٥ ]
والأحاديث الدالة على أن الله تعالى في السماء مباين لخلقه عال عليهم كثيرة جدا.
وفيما ذكرنا من الآيات والأحاديث المصرحة بالرفع إلى الله والفوقية له، والصعود والعروج إليه وكونه في السماء دلالة صريحة على أن الله ﵎ في السماء بذاته دون الأرض مستو على العرش.
يقول الدارمي: "فالله ﵎ فوق عرشه فوق سمواته بائن من خلقه فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد. وعلمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد لا يبعد عنه شىء ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. (^١) سبحانه وتعالى عما يصفه المعطلون علوا كبيرا". (^٢)
ويقول أبو الحسن الأشعرى: "فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات قال: أأمنتم من في السماء لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال: أأمنتم من في السماء يعنى جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أن الله ﷿ ذكر السموات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (^٣) ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله ﷿ مستو على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض". (^٤)
في ذكرنا لقولي الدارمي والأشعرى بيان لمذهبهما في علو الله تعالى
_________________
(١) سورة سبأ آية (٣).
(٢) الرد على الجهمية للدارمي ص (١٨).
(٣) سورة نوح آية (١٦).
(٤) الإبانة للأشعري ص (٣١).
[ ٣٤٦ ]
على خلقه وبينونته منهم، واستوائه على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه، وهذا مذهب السلف عامة فهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.
روى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك (^١) رحمهما الله لما سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. (^٢) قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله تعالى الرسالة، وعلى الرسول ﷺ البلاغ وعلينا التصديق (^٣).
ويروى أيضا جواب مالك عن هذا السؤال بقوله: "الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإِيمان به واجب والسؤال عنه بدعة". (^٤)
_________________
(١) هو أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ مولى آل المنكدر التيميين "تيم قريش" وهو المعروف بربيعة الرأي، أدرك جماعة من الصحابة ﵃ وعنه أخذ مالك بن أنس وغيره وكان فقيه أهل المدينة. قال عنه مالك ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي. وقال سوار بن عبد الله القاضي ما رأيت أحدًا أعلم من ربيعة الرأي. توفي سنة ١٣٦ من الهجرة. انظر وفيات الأعيان (٢: ٢٨٨ - ٢٩٠)، ميزان الاعتدال (٣: ٤٤)، شذرات الذهب (١: ١٩٤).
(٢) سورة طه آية (٥).
(٣) العلو للعلي الغفار للذهبي ص (٩٨)، اجتماع الجيوش الإِسلامية ص (٧٥)، وانظر شرح حديث النزول لابن تيمية ص (٣٢).
(٤) الرد على الجهمية للدارمي ص (٢٧)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (٧: ١٣٨، ١٥١)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ضمن مجموعة الرسائل المنيرية المجلد الأول (١: ١١٠، ١١١)، العقيدة الحموية لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى (١: ٤٤٣)، نقض المنطق له ص (٣)، وانظر العلو للعلي الغفار للذهبي ص (١٠٤)، اجتماع الجيوش الإِسلامية ص (٨١).
[ ٣٤٧ ]
فهذا هو مذهب السلف في صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يفهمون معناها الذي تدل عليه ولا يكيفونها بما يعقلون من صفات المحدثين لعلمهم أن الله ﵎ لا يشبهه شىء من خلقه تعالى وتقدس عن صفات المخلوقين. ولا يؤولونها عن معانيها الظاهرة المتبادرة من ألفاظها إلا إذا ثبت عندهم أن هذا الظاهر غير مراد.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطى: "إنه ينبغى للمؤولين أن يتأملوا آية من سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. (^١) ويتأملوا معها قوله تعالى في سورة فاطر ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. (^٢) فإن قوله في الفرقان ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ بعد قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه لا تخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفى عنه صفة الاستواء ليس بخبير نعم والله هو ليس بخبير". (^٣)
في كلام الشنقيطي بيان لخطورة تأويل الاستواء بغير ما يدل عليه حقيقة؛ لأن في ذلك مخالفة بوصف من وصف نفسه - وهو العليم الخبير - بغير ما وصف به نفسه.
ونرى بهذا القدر كفاية لبيان أن الله تعالى مستو علي عرشه بذاته، لا على معنى الاستيلاء، ولا على معنى نفى الاعوجاج وعلى هذين المعنيين رد الإمام ابن حزم ولا نخالفه في ذلك حيث إنا لا نرى صحة
_________________
(١) سورة الفرقان آية (٥٩).
(٢) سورة فاطر آية (١٤).
(٣) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي (٢٦).
[ ٣٤٨ ]
القول بهذين القولين.
وأما رده على من استدل بقوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. (^١) بأن الله في مكان دون مكان، فلا نوافقه على هذا النفى المطلق وإنما نقول إن لفظ مكان من الألفاظ المجملة التي تحتمل معاني يصح إطلاقها على الله تعالى، وأخرى ينزه الله ﷿ عنها لأنها من صفات المحدثين، ومن سمات المربوبين.
يقول ابن تيمية: "قد يراد بالمكان ما يحوى الشىء، ويحيط به وقد يراد به ما يستقر الشىء عليه بحيث يكون محتاجا إليه وقد يراد به ما كان الشىء فوقه وإن لم يكن محتاجا إليه، وقد يراد به ما فوق العالم وإن لم يكن شيئا موجودا.
فإن قيل هو في مكان بمعنى إحاطة غيره به، وافتقاره إلى غيره فالله منزه عن الحاجة إلى الغير وإحاطة الغير به ونحو ذلك.
وإن أريد بالمكان ما فوق العالم وما هو الرب فوقه. قيل إذا لم يكن إلا خالق أو مخلوق، والخالق بائن من المخلوق كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شىء، وإذا قال القائل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فهذا المعنى حق سواء سميت ذلك مكانا أو لم تسمه. (^٢)
وقول ابن تيمية هذا يوضح موقف السلف من القول بأن الله تعالى في مكان، ببيان الجائز عليه من معنى هذا الإِطلاق المجمل ثم إن مذهب السلف إثبات أن الله تعالى في جهة العلو بائن من خلقه
_________________
(١) سورة طه آية (٥).
(٢) منهاج السُّنة النبوية لابن تيمية (١: ١٨٣)، وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال (ص ٨١)، مختصر الصواعق المرسلة (١: ١٥٥، ١١٦)، شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٧٥).
[ ٣٤٩ ]
فهو ﵎ وحده فوق المخلوقات فلا شىء من مخلوقاته يحصره أو يحيط به بل هو العالى عليها والمحيط بها يقول ﷺ "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته الحديث. (^١)
وقد شبه ﷺ رؤية الله تعالى برؤية القمر وهو في جهة العلو من الرائين.
ويقول ﷺ في الحديث الآخر: "إنكم سترون ربكم عيانا". (^٢)
وفى هذا إثبات للرؤية البصرية التي لا تتم إلا على ما كان في جهة من الرائى.
وقد ذكرنا الكثير من أدلة علو الله على خلقه، وليس في إثبات أن الله في جهة العلو قدح في تنزيهه لأنه أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ ثم إن جهة العلو هي أشرف الجهات وأكملها "وكل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه". (^٣)
_________________
(١) صحيح البخاري (١: ٧٦، ٧٧، ٧٩)، (٣: ٨٥)، (٤: ٢٠٠). وانظر صحيح مسلم (١: ١٦٣ - ١٦٧)، (٤: ٢٢٧٩، ٢٢٨٠)، سُنن أبي داود (٤: ٢٣٣)، سُنن الترمذي (٤: ٦٨٥ - ٦٨٩، ٦٩١، ٦٩٢)، سنن ابن ماجة (١: ٦٣، ٦٤)، (٢: ١٤٥٠، ١٤٥١)، مسند الإِمام أحمد (٣: ١٦)، (١٣: ٤).
(٢) صحيح البخاري (٤: ٢٠٠).
(٣) رسالة في إثبات الاستواء والفوقية لأبي محمد الجويني ضمن المجموعة المنيرية المجلد الأول (١: ١٨٥)، رسالة الإرادة والأمر لابن تميمة ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٨٢)، قاعدة في صفة الكلام له ضمن المنيرية المجلد الأول (٢: ٨١)، موافقة صحيح المنقول له (١: ١١٩)، انظر كتاب بيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني ص (٥/أ)، رسالة التوحيد لمحمد عبده ص (٣٣، ٣٤).
[ ٣٥٠ ]
يقول ابن رشد في كلامه على الجهة: "وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبى المعالى ومن اقتدى بقوله وظواهر الشرع كلها تقتضى إثبات الجهة مثل قوله تعالى: "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية". (^١) ومثل قوله "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون". (^٢)
ومثل قوله تعالى "تعرج الملائكة والروح إليه". (^٣) ومثل قوله تعالى: "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور" (^٤) إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا، وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحى إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإِسراء بالنبي ﷺ حتى قرب من سدرة المنتهى. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك، والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية، ونحن نقول إن هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقا وأسفلا ويمينا وشمالا وأماما وخلفا. وإما سطوح جسم آخر محيط بالجسم ذات الجهات الست.
_________________
(١) سورة الحاقة: آية (١٧).
(٢) سورة السجدة: آية (٥).
(٣) سورة المعارج: آية (٤).
(٤) سورة الملك: آية (١٦).
[ ٣٥١ ]
فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا، وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإِنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضا مكان للهواء. وهكذا الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم، لأنه لو كان ذلك كذلك، لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ويمر الأمر إلى غير نهاية، فإذًا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم إلى أن قال - فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عايه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع (^١).
يقرر ابن رشد في كلامه هذا صحة إثبات الجهة لله تعالى من غير أن يلزم من ذلك إثبات المكان المحيط بمن فيه أي بالأجسام التي هو حاوٍ لها وينفى أن يكون سطح آخر أجسام العالم مكانا لعدم وجود جسم فيه.
فإن قيل: كأن ابن رشد يقول إن الفلك الخارج الذي ليس على سطحه جسم قد أحاط بما دونه من الأفلاك، وعلى هذا فما تقولون به من إثبات جهة العلو لا يتم لأن إحاطة هذا الفلك الخارج بما دونه من الأفلاك يجعل بعض هذا الفلك بالنسبة لبعض أجزاء الأفلاك الأخرى في جهة السفل وهذا مما لا تقولون به.
_________________
(١) مناهج الأدلة لابن رشد ضمن فلسفة ابن رشد ص (٨٣ - ٨٥) ونقله عنه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإِسلامية ص (٢٢٩ - ٢٣١)، وانظره في مختصر الصواعق المرسلة (١: ١٧٤).
[ ٣٥٢ ]
قلنا: إن إثباتنا لجهة العلو تامة حتى مع ما ذكرتم، لأن هذه الأفلاك المستديرة الكرية الشكل ليس لها إلا جهتان فقط، علو وسفل.
فالعلو فيها: هو جهة المحيط وهو المحدب.
والسفل فيها: جهة، المركز وهو الوسط من الداخل الذي تكون أبعاد سطح الكرة عنها متساوية، إذا كانت كرة تامة، وأما إذا كان في الكرة تسطيح تغيرت الأبعاد عن هذا المركز، فلا تكون متساوية تماما وعلى كل فسطح الكرة الخارجى هو جهة العلو، ومركزها هو جهة السفل وإن تفاوتت الأبعاد عن هذا المركز.
وأما الجهات الست فهي للحيوان كما ذكر هذا ابن رشد، وهي بحسب النسب والإضافات، فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا، ويكون فوق هذا ما يكون تحت ذاك وهكذا، ولا يكون هذا بالنسبة للأفلاك فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل دائما.
فالأرض مثلا محاطة بالسماء وليس جزء من السماء مع هذه الإِحاطة واقعا تحت الأرض، لأن السماء بالنسبة إلى من هو على ظهر الأرض في أي جزء منها في جهة العلو، لأنه فوق محيطها المحدب، وليس هو في مركزها الذي يمثل جهتها السفلى.
وأما ما يتصور في الذهن من أن من يكون على جزء من الأرض يكون شىء من السماء المحيطة بالأرض تحته فلا اعتبار لهذا التصور، إلا إذا اعتبرنا من نكس فجعل رأسه إلى الأرض ورجلاه إلى السماء أن تكون السماء تحته ولا يقول بهذا إلا من انقلبت عنده الحقائق.
يقول ابن تيمية: " .. الفلك هو فوق الأرض مطلقا، وأهل
[ ٣٥٣ ]
الهيئة (^١) يقولون: لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقى في الخرق شىء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهى إلى المركز حتى لو ألقى من تلك الناحية حجر آخر لا التقيا جميعا في المركز، ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين لا التقت رجلاهما، ولم يكن أحدهما تحت الآخر بل كلاهما فوق المركز وكلاهما تحت الفلك كالمشرق والمغرب.
فإنه لو قدر أن رجلا في المشرق في السماء أو في الأرض، ورجلا في المغرب في السماء أو في الأرض لم يكن أحدهما تحت الآخر، وسواء كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جنبه مما يلى السماء أو مما يلى الأرض.
وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه الآخر إلا من الجهة العليا، ولم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين:
أحدهما: أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات.
الثاني: أنه إذا قصد السفل بلا علو كان منتهى قصده المركز" (^٢) وقبل هذا يجب أن نعلم أن العالم جميعه علويه وسفليه بالنسبة إلى خالقه ﵎ في غاية الصغر كما قال تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
_________________
(١) الهيئة مصدر هاء، وهيىء، وهيؤ. حال وكيفيته وصورته وعلم الهيئة. علم الفلك وهو علم يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية من حيث الكمية والكيفية والوضع والحركة اللازم لها وما يلزم منها. أنظر محيط المحيط ص (٩٤٩)، الرائد لجبران مسعود ص (١٥٨٠).
(٢) عرش الرحمن ضمن مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٤: ١٢٣، ١٢٤)، وانظر رسالة في إثبات الاستواء والفوقية لأبي محمد الجويني ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (١: ١٨٦ - ١٨٧).
[ ٣٥٤ ]
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).
وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" (^٢).
وروى مسلم أيضا بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "يطوى الله ﷿ السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوى الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون". (^٣)
ففي الآية والأحاديث ما يبين صغر السموات والأرضين بالنسبة لله ﵎. مع ما نعرف - وهو القليل جدا - من عظم هذه الأجرام "تبارك الله رب العالمين" (^٤)
_________________
(١) سورة الزمر: آية (٦٧).
(٢) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢١٤٨)، وانظر صحيح البخاري (٣: ١٣٠) (٤: ١٩٣، ١٩٤)، سُنن الدارمي (٢: ٣٢٥)، سُنن ابن ماجه (١: ٧١، ٧٢)، مسند الإِمام أحمد (٢: ٣٤٧).
(٣) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢١٤٨)، وانظر الرد على الجهمية للدارمي ص (١١)، ورد الدارمي أيضًا على المريسي ص (٣١، ٣٢)، المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٥٦)، شرح حديث النزول لابن تيمية ص (١١٦)، العقيدة الحموية له ضمن المجموعة الكبرى (١: ٤٥٤).
(٤) سورة الأعراف: آية (٥٤).
[ ٣٥٥ ]
(١٧) النزول:
يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الله ﵎ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا إذا بقى ثلث الليل لما صح في الحديث.
فروى بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتنزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا (^١) حين يبقى ثلث الليل الأخر فيقول من يدعوني فاستجيب له، ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فاغفر له" (^٢)
وروى الحديث من طرق أخرى في بعضها: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه" (^٣).
وفي بعضها: "إذا مضى ثلث الليل الأول إلى أن يضيء الفجر" (^٤)
ويرى أن هذا النزول فعل يفعله ﵎ في السماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء، وأن تلك الساعة من مظان القبول والإِجابة والمغفرة للمجتهدين والمستغفرين، والتائبين.
وهذا معهود في اللغة تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي.
_________________
(١) في صحيح مسلم "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا" ١: ٥٢١).
(٢) المحلى لابن حزم (١: ٣٧، ٣٨)، وانظر صحيح الإِمام مسلم (١: ٥٢١)، التمهيد لابن عبد البر (٧: ١٢٨).
(٣) المحلى (١: ٣٨).
(٤) المحلى (١: ٣٨)، وانظر صحيح الإِمام مسلم (١: ٥٢٢).
[ ٣٥٦ ]
وحيث إن هذا الفعل متعلق بزمان حيث حدده ﷺ بوقت محدود فهو فعل محدث في ذلك الوقت مفعول حينئذ فهو صفة فعل لا صفة ذات فليس هذا الفعل نزولا حقيقيا لأن الذي لم يزل ليس متعلقا بزمان البتة.
وقد بين الرسول ﷺ في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل وهو أنه ذكر ﵊ أن الله يأمر ملكا ينادي في ذلك الوقت بذلك.
ويؤيد أن نزول الله تعالى فعل يفعله ليس نزولا حقيقيا، اختلاف ثلث الليل في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك الوقت لأهل كل أفق من قبول الدعاء في هذه الأوقات لا حركة ونقلة لأنهما من صفات المخلوقين حاشى الله تعالى منهما.
ويبطل جعل النزول نقلة، أن النقلة لا تكون إلا للأجسام ولو انتقل تعالى لكان محدودا مخلوقا مؤلفا شاغلا لمكان وهذه صفة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله ﷺ إذ بين لقومه بنقلة الكوكب أنه ليس ربا فقال: "فلما أفل قال لا أحب الآفلين" (^١) إذ كل منتقل عن مكانه فهو آفل عنه، تعالى الله عن هذا.
ورأى أبي محمد في المجىء الوارد في قوله تعالى: "وجاء ربك والملك صفا صفا" (^٢) والإتيان الوارد في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (٧٦).
(٢) سورة الفجر: آية (٢٢).
[ ٣٥٧ ]
تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (^١) كرأيه في النزول فكل ذلك عنده فعل يفعله الله تعالى في ذلك اليوم أو الوقت المحدد يسمى ذلك الفعل مجيئا وإتيانا ونزولا.
ويروى عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: "وجاء ربك" إنما معناه وجاء أمر ربك. (^٢)
مذهب ابن حزم الذي بينا في نزول الله تعالى ومجيئه وإتيانه مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويقرون بأن ما وصف الله به نفسه فهو حق يعرفون معناه فلا يشبهونه بما يعلمون من مخلوقاته لعلمهم أنه ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته وأفعاله وينزهونه عن كل ما أوجب النقص أو الحدوث لاستحقاقه ﷾ الكمال الذي لا غاية فوقه وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقه العدم، ولافتقار المحدث إلى محدث ولوجوب وجوده بنفسه ﷾.
وهناك شبه منعت ابن حزم من جعل النزول على معناه الحقيقي فلجأ إلى تأويله، بما ذكر من أنه فعل يفعله سبحانه من الفتح لقبول الدعاء. وهذا المسلك تأويل يخالف مذهبه الأخذ بظواهر النصوص كما يدعى.
والشبه هي:
الأولى: أن الرسول ﷺ قد حدد النزول بزمان فهو محدث، والذي لم يزل ليس متعلقا بزمان.
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢١٠).
(٢) انظر الفصل في الملل والنحل لابن حزم (٢: ١٧٢، ١٧٣)، المحلى له (١: ٣٧، ٣٩).
[ ٣٥٨ ]
الثانية: اختلاف ثلث الليل بالنسبة للمواضع على ظهر الأرض، وعلى هذا فيلزم أن يكون الله تعالى دائما نازلا، لأن الثلث مستمر طيلة أربع وعشرين ساعة بالنسبة لجزء من العالم نظرا لاختلاف المطالع والمغارب.
الثالثة: أن في النزول الحقيقي نقلة والنقلة من خصائص الأجسام فيلزمها لوازم تمتنع في حق الله تعالى.
الرابعة: نقل تفسير مجىء الله تعالى بمجىء أمره عمن يوثق به من علماء السلف وهو أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وسنجيب بحول الله تعالى وقوته على هذه الشبه ليتم القول بأن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كما في الحديث ويجىء ويأتي لفصل القضاء بين عباده يوم القيامة وأن ذلك من صفاته حقيقة على ما يليق بجلاله وكماله.
" الرد على الشبهة الأولى"
إن التحديد الوارد في الحديث بأن الله تعالى "ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، أو حين يمضي شطره أو ثلثاه، أو إذا مضى ثلثه الأول إلى أن يضىء الفجر "ليس متعلقا بالله تعالى، وإنما تعلقه بالنسبة للخلق الذين يتعلق بهم الزمان فيتعاقب عليهم الليل والنهار بغروب الشمس وطلوعها وهذا إنما يكون على الخلق لا على الخالق لأن الله ﵎ بائن من خلقه عال عليهم ومحيط بهم، ولا يحيط به شيء من خلقه فلا تتعاقب عليه هذه الظواهر الكونية.
فمعنى التحديد في الحديث "إذا بقى ثلث الليل" يكون بالنسبة
[ ٣٥٩ ]
لمن قد خيم الليل عليهم بظلامه، وتعالى الله أن يحاط بمخلوق.
فإن قيل: إذا لم يكن هذا التحديد الزمني متعلقا بالله تعالى فلماذا كان النزول به وحده دون غيره.
قلنا: تعلق النزول بهذا الوقت لمزيد فضل فيه بالنسبة لمن هو متعلق بهم لأن هذا الوقت، هو وقت الاستغراق في النوم والراحة وفي ترك ذلك والقيام للصلاة والدعاء، دلالة على صدق النية والإِخلاص في العبادة لهذا فالدعاء في هذا الوقت مظنة الإِجابة.
هذا من جهة بيان الزمن وتعلقه.
أما من جهة كونه محدثا فلا يمنع ذلك من حمله على النزول الحقيقي لله على ما يليق به على مذهب أهل السنة والجماعة. يقول ابن تيمية "فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها" (^١).
ويستدلون على ذلك بأدلة كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (^٢).
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. (^٣)
يقول الدارمي بعد سياق الآيات: "وهذا يوم القيامة إذا نزل ليحكم بين العباد". (^٤)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
_________________
(١) موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول (٢: ٥)، وانظر شرح حديث النزول ص (٩٩ - ١٠٥، ١٥٢، ١٥٧).
(٢) سورة البقرة: آية (٢١٠).
(٣) سورة الفجر: آية (٢٢).
(٤) الرد على الجهمية للدارمي ص (٣١).
[ ٣٦٠ ]
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. (^١)
وفي الآيات بيان لفعل سيكون أو كان من الله تعالى هو إتيانه ومجيئه يوم القيامة، واستواؤه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض.
فدلت هذه الآيات على اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية وغير هذه الآيات كثير مما هو مشتمل على الصفات الدالة على أن الله تعالى يفعل بقدرته ومشيئته. وكذلك الأحاديث المتضمنة لمثل ذلك كأحاديث النزول وغيرها لأن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره.
يقول ابن تيمية: "فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم فإن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله .. فقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٢) تضمن فعلين أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى فإذا كان الثاني وهو قوله "ثم استوى" فعلا متعلقا بالفاعل فقوله خلق كذلك بلا نزاع بين أهل العربية. ولو قال قائل: خلق لم يتعلق بالفاعل بل نصب المفعول به ابتداء كان جاهلا
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (٥٤).
(٢) سورة الأعراف: آية (٥٤).
[ ٣٦١ ]
بل في "خلق" ضمير يعود إلى الفاعل كما في "استوى"" (^١)
ويدل من طريق العقل أن أفعال الله تعالى تقوم به:
أن من يفعل بمشيئة واختيار، فإن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل أكمل ممن يكون الفعل لازمًا له، والفاعل لا بد له من فعل ولا يكون فاعلا إلا من قام به الفعل.
ولو لم يتصف الله تعالى بالنزول، والمجىء، والإِتيان وغير ذلك من صفات الأفعال التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ لكان من يتصف بذلك من خلقه أكمل منه وأتم، ولا يقول بهذا أحد وفي القاعدة الكلامية المشهورة: أن كل كمال ثبت لمخلوق من غير أن يستلزم نقصا بوجه من الوجوه فالخالق ﵎ أولى به من كل مخلوق. وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق ﷾ أولى بتنزهه عنه من كل موجود. (^٢)
ويقول ابن تيمية في بعض استدلاله على قيام الأفعال الاختيارية بذات الله ﷾: "فإن المثبتين يقولون كونه قادرا على الفعل بنفسه صفة كمال، كما أن قدرته على المفعول المنفصل صفة كمال فإنا إذا عرضنا على صريح العقل من يقدرعلى الفعل القائم به والمنفصل عنه ومن لا يقدر إلا على أحدهما علم أن الأول أكمل كما إذا عرضنا عليه من يعلم نفسه وغيره، ومن لا يعلم إلا أحدهما وأمثال ذلك، ويقول من يجوز دوام الحوادث وتسلسلها: إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة ويفعلها دائمة متعاقبة ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة كان الأول أكمل.
_________________
(١) موافقة صريح المعقول لابن تيمية (٢: ٣، ٤)، وانظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٨٥).
(٢) انظر موافقة صريح المعقول (٢: ١١٩).
[ ٣٦٢ ]
وكذلك إذا عرضنا على العقل من فعل الأفعال المتعاقبة مع حدوثها ومن لا يفعل حادثا أصلا، لئلا يكون عدمه قبل وجوده عدم كمال، شهد صريح العقل بأن الأول أكمل". (^١)
يبين ابن تيمية أن الكمال في إثبات قيام الأفعال بذات البارىء ﷾ وقدرته على الفعل القائم به والمنفصل عنه، والقدرة على الأفعال الدائمة والمتعاقبة وفعلها دائمة متعاقبة مع حدوثها بخلاف من لا يفعل حادثا أصلا فليس في هذا كمال، لأن فيه نفي للقدرة والفعل مع أن سبب نفيهم للفعل الحادث هو الخوف من عدم الفعل في الأزل فعطلوا لأجل ذلك الله تعالى عن الفعل مطلقا.
وفي إثبات الفعل الحادث بالقدرة الإِلهية إثبات كمال لله تعالى وهو قدرته وفعله لهذه الأفعال وإن لزم من ذلك عدم الفعل في الأزل قبل هذا الفعل الحادث، إذ أن عدم القدرة والفعل المطلقين، ليس كالفعل والقدرة المستمرين في الكمال وإن سبقهما العدم والأدلة النقلية والعقلية الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى كثيرة جدا يطول بنا المقام لو حاولنا استقصاءها ومناقشة الأقوال فيها، والرد عليها فاقتصرنا على تلك الإِشارة إلى بعضها بما رأينا فيه كفاية لإِزالة الشبهة التي نحن بصدد الجواب عليها.
الرد على الشبهة الثانية:
قبل الشروع في الرد على الشبهة نبين كيف ترد على كل الروايات التي رويت في النزول فنقول:
_________________
(١) موافقة صريح المعقول (٢: ١١٧، ١١٨).
[ ٣٦٣ ]
يرى أبو محمد بن حزم أن اختلاف الزمن المحدد في البلاد باختلاف المطالع والمغارب، مما يبعد حمل النزول على الحقيقة لأن تحديد النزول بوقت محدد، كما في ألفاظ الحديث - ثلث الليل الآخر، أو إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، أو مضى ثلثه الأول إلى أن يضىء الفجر، والمتواتر من هذه الروايات: إذا بقى ثلث الليل الآخر (^١) - وحمله على الحقيقة أي أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا تلك المدة بالنسبة لكل أهل مكان يجعله دائما نازلا، لأن مدة النزول تكون إما سدس الزمان أو ربعه أو سدسه أو ربعه على اختلاف الروايات في ذلك.
إذ أن لفظ الليل والنهار في كلام الشارع إذا أطلق من غروب الشمس إلى طلوعها ومن طلوعها إلى غروبها على الراجح. (^٢)
والشبهة المذكورة واردة على كل رواية وليس بالأخذ بأي رواية منها ما ترد به الشبهة. وإنما ترد بما يلي:
قلنا في أثناء الرد على الشبهة الأولى: أن أهل السنة والجماعة يثبتون قيام الأفعال الاختيارية بذاته تعالى، وإثباتهم ذلك له على ما يليق به وينايسب كمال جلاله وعظمته، فإثبات نزول الله تعالى ومجيئه وإتيانه على الوجه الذي يليق به.
فلا يثبتون له مجيئا وإتيانا ونزولا كما يكون للخلق إذا فعلوا ذلك من شغل محل وتفريغ آخر ومن كون ما نزلوا عنه فوق ما نزلوا إليه وغير ذلك مما هو لازم للمخلوقين إذا فعلوا شيئا من ذلك ومثل هذا ممتنع في حق الله ﵎ والله منزه عما يكون من صفات المحدثين ومن سمات المربوبين.
_________________
(١) انظر شرح حديث النزول لابن تيمية ص (١٠٧).
(٢) انظر شرح حديث النزول ص (١٠٨، ١١٠).
[ ٣٦٤ ]
فمجىء الله تعالى وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ونزوله كل ليلة كما في الحديث كل ذلك حقيقة من غير أن يلزم فعله ما يلزم المخلوق، إذا فعل مثل ذلك، فالله تعالى يفعل ما ذكر ولا يخلو منه العرش، ولا يكون شيئا من مخلوقاته عاليا عليه فهو بائن من جميع خلقه عال عليهم ومحيط بهم وهو مستو على عرشه تعالى وتقدس.
وفي ثبوت اختلاف الليل في البلاد ودوام استواء الله على عرشه إبطال لحمل النزول على نحو نزول الخلق.
ومن أول النزول أو غيره من صفات الله تعالى وأفعاله خوفا مما يلزم ذلك بالنسبة للخلق إذا فعلوا مثل ذلك أو اتصفوا به، فقد أخطأ حيث ظن أن أفعال الله تعالى وصفاته كأفعال خلقه وصفاتهم، فشبه الله بخلقه فوقع فيما فر منه وجمع بين التعطيل والتشبيه.
وسلف الأمة وأئمتها يعلمون أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة أو وصفه رسوله ﷺ بشيء من ذلك أنه ثابت له على ما يليق به فلا يشبه شيئا من صفات خلقه كما لا تشبه ذاته تعالى ذواتهم.
ثم إن في صفات الخلق ما يختلف بعضها عن بعض، فيكون من بعضها ما لا يكون من الآخر، كما في حركة أرواح الآدميين والملائكة فالروح توصف بما يستحيل اتصاف البدن به. فإذا كان هذا في المخلوقات فكيف يستحيل اتصاف الله تعالى بما هو مستحيل بالنسبة للخلق.
يقول ابن تيمية: "وإذا قيل الصعود والنزول والمجىء والإِتيان أنواع جنس الحركة قيل: والحركة أيضا أصناف مختلفة فليست حركة
[ ٣٦٥ ]
الروح كحركة البدن ولا حركة الملائكة كحركة البدن. والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز ويراد بها أمور أخرى. كما يقول كثير من الطبائعية والفلاسفة منها الحركة في الكم كحركة النمو، والحركة في الكيف كحركة الإِنسان من جهل إلى علم، وحركة اللون والثياب من سواد إلى بياض. والحركة في الأين كالحركة تكون بالأجسام النامية من النبات والحيوان في النمو والزيادة، أو في الذبول والنقصان وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز" (^١).
وحيث تبين أن الاختلاف يقع فيما هو داخل تحت مسمى واحد في المخلوقات لكل منها بحسبه.
وعلى هذا فإن ما يوصف به الرب ﵎ يناسب عظمته وكماله فصفاته أكمل وأعلى وأتم من كل ما يتصف به خلقه، إذ هو واهب الكمال ومبدعه فلا يكون سواه أتم فيه منه.
وقد ذكر ﷾ في كتابه وجاء على لسان رسوله ﷺ ما يدل على قربه من عباده مع أنه مستو على عرشه لكمال قدرته وإحاطة علمه سبحانه فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (^٢).
ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٣).
وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي
_________________
(١) شرح حديث النزول ص (٩٨)، وانظر ص (٨٢)، من نفس المرجع.
(٢) سورة آل عمران: آية (٥).
(٣) سورة البقرة: آية (١٨٦).
[ ٣٦٦ ]
وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". (^١)
وقرب العباد من الله تعالى بتقربهم إليه وهذا مما يقربه جميع من يقول إنه فوق عرشه عال على سمواته بائن من خلقه، ومعيته لهم بعلمه وإحاطته وتوفيقه وهدايته ورحمته لعباده وهذا هو المشهور عن سلف الأمة وأئمتها. (^٢)
فإن قيل: إذا أثبتم نزول الله تعالى حقيقة في زمن محدد من الليل وسلمتم أن هذه المدة التي ينزل فيها سبحانه تستغرق كل الزمن على أي قول، وقد ورد أن الله سبحانه يقرب عشية عرفة، وينزل إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج. (^٣) وهذا الوقت هو بلا شك من أوقات نزوله من الليل في أماكن أخرى في غير عرفة، فكيف يكون قريبا من الحجاج في عرفة ونازلا لإجابة دعاء الداعين والغفران للمستغفرين هناك؟
_________________
(١) صحيح البخاري (٤: ١٩٦)، صحيح مسلم (٤: ٢٠٦١)، سُنن الترمذي (٥: ٥٨١)، سُنن ابن ماجه (٢: ١٢٥٥)، مسند أحمد (٢: ٤١٣، ٤٣٥، ٤٨٠، ٤٨٢، ٥٠٩، ٥٢٤، ٥٣٤)، (٣: ٤٠، ١٢٢، ١٢٧، ١٣٠٠، ٣٧٣)، (٥: ١٥٥، ١٦٩، ٣٥١).
(٢) انظر الرد على الجهمية للإِمام أحمد ص (٣٩)، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (٢٢٤)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (٧: ١٣٨، ١٣٩)، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢: ٢٢٨، ٢٢٩)، شرح النووي على مسلم (١٧: ٢، ٣)، فتح الباري لابن حجر ١٣. ٣٨٦).
(٣) انظر الرد على الجهمية للدارمي ص (٣٥)، شرح حديث النزول لابن تيمية ص (١١٤).
[ ٣٦٧ ]
قلنا: ما ذكرتم في هذا الاعتراض لا يرد إلا على من يقول إن نزول الله تعالى وقربه كنزول الخلق ومجيئهم وإنه مثلهم تعالى وتقدس عن مشابهة المحدثين. وأما من يقول: إن نزوله وقربه يناسب كماله وعظمته، ولا يشبه شيئا من أفعال خلقه، فلا يمتنع في حقه تعالى أن يقرب ممن دعاه دون من لم يدعه مع كونهم في مكان واحد، وأن ينزل عشية عرفة وينزل في الوقت نفسه الذي هو ثلث الليل الآخر في مكان آخر فلا يشغله شأن عن شأن. وقد بين الرسول ﷺ مثل هذا لما سأله أبو رزين (^١) فقال: أكلنا يرى الله ﷿ يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال: "يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخليا به؟
قال: قلت بلى يا رسول الله قال: فالله أعظم" (^٢).
وقال رجل لابن عباس ﵁: كيف يحاسب الله العباد في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. (^٣)
_________________
(١) هو لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل صحابي مشهور من أهل الطائف. وهو وافد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ. روى عنه وكيع بن عدس وابنه عاصم بن لقيط وغيرهما. أنظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٤: ٢٦٦، ٢٦٧)، (٥: ١٩٢، ١٩٣)، التهذيب لابن حجر (٨: ٤٥٦، ٤٥٧).
(٢) مسند الإِمام أحمد (٤: ١١)، وانظر ص (١٢) من نفس الجزء. سُنن ابن ماجه (١: ٦٤)، وهذا الحديث رواه أحمد عن يزيد بن هانىء عن حماد بن سلمة، عن يعلي بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين. ورجال هذا الحديث أحتج بهم مسلم ما عدا وكيع وقد ذكره ابن حبان في الثقات. وقال عنه يحيى بن القطان مجهول الحال. ومعنى الحديث ثابت بالحديث المتفق على صحته. انظر التهذيب (١١: ٣٦٦ - ٣٦٩)، (٣: ١١ - ١٦)، (١١: ٤٠٣، ٤٠٤، ١٣١).
(٣) انظر شرح حديث النزول لابن تيمية ص (١١٤).
[ ٣٦٨ ]
وفي الحديث، والأثر دلالة على إحاطة الله التامة بمخلوقاته فلا يعجز عن شيء ولا يشغله شأن عن شأن فيراه جميعهم كما يراه واحد منهم ويحاسب جميعهم سبحانه كما يحاسب واحدا منهم.
ويبين ذلك الرسول ﷺ بما يزيل العجب والاستغراب بما هو مشاهد في المخلوقات مع بعضها، فالجموع الكثيرة من الناس ترى القمر في آن واحد من غير تزاحم ولا كلفة تلحقهم عند رؤيته، والله خالق الكل أعظم من ذلك فقدرته لا تقاس بشيء من مخلوقاته، والرسول ﷺ شبه رؤية الناس لله في وقت واحد برؤيتهم للقمر في مثل ذلك. وليس التشبيه للقمر بالله تعالى وتقدس أن يشبهه شيء من خلقه، وإنما التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئى بالمرئى.
وورد أحاديث صحيحة تدل على نحو هذا من إحاطة علم الله بخلقه وسعة سمعه لكل المسموعات وإجابته للدعوات.
فروى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال .. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي "وقال مرة: فوض إلى عبدي" فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي
[ ٣٦٩ ]
ما سأل" (^١).
فهذا القول من الله تعالى لكل مصل قرأ الفاتحة ومن يصلى في وقت واحد في ساعة واحدة، ويقرأ الفاتحة لا يحصى عددهم إلا هو سبحانه ويقول تعالى لكل قارىء منهم ما يقول للآخر ولا عجب فقد بين الرسول ﷺ عدم استحالة مثل ذلك عند حساب الله لخلقه فسبحان الذي وسع سمعه الأصوات مع اختلاف اللغات وتفنن الحاجات يسمع دعاء خلقه سمع إجابة، ويسمع كل ما يقولون سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح المحلين فإنه هو الخالق لكل هذا ﵎.
الرد على الشبهة الثالثة:
من الرد على الشبهتين السابقتين يأتي الرد على هذه الشبهة أي القول بقيام أفعال الله تعالى بذاته، وأن نزوله لا يشبه نزول الخلق فلا يلزمه ما لزمهم.
أي أن الباري ﷾ يتصف بالصفات التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ على ما يليق به فصفاته لا تشبه شيئا من صفات خلقه، كما أن ذاته وحياته لا تشبه سائر الذوات وحياتهم وكذا سمعه وبصره وسائر صفاته لا تشبه أسماع
_________________
(١) صحيح الإِمام مسلم (١: ٢٩٦)، سُنن أبي داود (١: ٢١٧) سُنن الترمذي (٥: ٢٠١)، سُنن ابن ماجه (٢: ١٢٤٣، ١٢٤٤) موطأ الإِمام مالك (١: ٨٤، ٨٥)، مسند الإِمام أحمد (٢: ٢٤١، ٢٨٥، ٤٦٠).
[ ٣٧٠ ]
وأبصار خلقه وشيئا من صفاتهم فنزوله ﵎ ومجيئه وإتيانه لا يشبه نزول الخلق وإتيانهم ومجيئهم فهو نزول ومجىء وإتيان ليس كمثله نزول ومجىء وإيتان.
فنفي حقيقة هذا والقول بأنه يلزم ذلك ما يلزم الخلق عند نزولهم ومجيئهم وإتيانهم خطأ بين وتحكم لا معنى له.
ولا يرد محذور ولا يلزم لوازم تمتنع في حق الله تعالى من إثبات ما أثبت الله تعالى لنفسه من الصفات والأفعال ولا ما أثبته له رسوله ﷺ والدعوى أن هناك لوازم تلزم أهل الإثبات عند التزام القول بإثبات ما ورد ليس صحيحا، إذا لو كان كذلك فهي لازمة لمن جاء بالإثبات، إذ أن المثبتين لم يثبتوا شيئا من عند أنفسهم وإنما أخذوا بالنصوص وصدقوها وآمنوا بما جاء فيها على مراد قائلها،
فاللوازم إنما تلزم من أولها بتأويله لها عن مدلولها. (^١)
يقول ابن القيم: "إن الصفة يلزمها لوازم لنفسها وذاتها فلا يجوز نفي هذه اللوازم عنها لا في حق الرب ولا في حق العبد، ويلزمها لوازم من جهة اختصاصها بالعبد، فلا يجوز إثبات تلك اللوازم للرب، ويلزمها لوازم من حيث اختصاصها بالرب فلا يجوز سلبها عنه ولا إثباتها للعبد" (^٢).
ويشبه أبو محمد الله تعالى بخلقه حين يحمل نزوله على نزولهم فيجعل من لوازم نزوله النقلة وغيرها مما يلزم نزول الخلق. (^٣)
وقد ذكرنا مرارا أن صفات الله لا تشبه بصفات المخلوقين،
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٤٠٣).
(٢) مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٤٠٤).
(٣) انظر التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد لابن عبد البر (٧: ١٣٧).
[ ٣٧١ ]
وتشبيه النفاة فعل الله تعالى بفعل خلقه وصفاته بصفاتهم هو الذي حملهم على تعطيله عما يستحق من الصفات بعد أن شبهوه بالمخلوقات. (^١)
واستدلال أبي محمد بقول الله تعالى عن إبراهيم ﵇: "لا أحب الآفلين" وقد حمده الله على ذلك وهو ﵊ قد استدل بنقلة الكوكب وحركته على عدم صلاحيته للربوبية غير صحيح، وبيان هذا أن إبراهيم ﵇ كما حكى الله عنه في قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (^٢).
في الآيات أن إبراهيم ﵇ لما رأى الكوكب قال هذا ربي ثم قال نحو ذلك مع القمر لما رآه بازغا، ثم مع الشمس لما رآها بازغة وبإفول كل من الكوكب، والقمر، والشمس نفى إبراهيم ﵇ أن تكون ربا له لأفولها.
والأفول هو التغيب (^٣) ويكون تغيب الكواكب والقمر والشمس الطبعي بسقوطها إلى جهة المغرب، وهي لم تصل إلى الغروب إلا بتحركها نحوه، وهذا مشاهد ولم ينف إبراهيم ﵇ أن تكون ربا له خلال مدة سيرها وتحركها وهو يراها كذلك ويرقبها فإذا غربت
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٨٥).
(٢) سورة الأنعام الآيات (٧٦، ٧٧، ٧٨).
(٣) انظر مختار الصحاح ص (١٩)، لسان العرب (١٣: ١٨)، القاموس (٣: ٣٢٨).
[ ٣٧٢ ]
استدل بهذه الصفة - وهي نقص - على عدم صلاحيتها لأن تكون ربا له، بخلاف الصفات الثانية وهي بزوغها وتحركها فالدليل يدل على خلاف ما استدل به ابن حزم وغيره. (^١)
الرد على الشبهة الرابعة:
روى أبو محمد عن أحمد بن حنبل رواية تأويل مجىء الله تعالى بمجىء أمره مستأنسا بها على تأويله النزول والمجىء والإِتيان بما يخالف الظاهر الذي يدعيه.
وقد خالف أحمد فأول كثيرا من الصفات كالاستواء، والقدم والأصابع والساق والتزم أيضا في الإِثبات إثبات الظاهر المجرد، دون حقائق المعنى وأرجع ما أثبت إلى الذات ولم يتعرض في شيء من هذا إلى بيان رأى أحمد هناك وحين جاءت هذه الرواية في التأويل لاقت قبولا عنده فأتى بها مستشهدا.
وهذه الرواية رواها عن أحمد حنبل بن إسحاق (^٢) وهي أنهم لما احتجوا عليه في المحنة بالقول بخلق القرآن بقول النبي صلى الله
_________________
(١) انظر شرح حديث النزول لابن تيمية ص (١٦٥، ١٦٦)، موافقة صحيح المنقول له (٢: ١١٦).
(٢) حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال الشيباني أبو علي من حفاظ الحديث، قال جمعنا عمي يعني الإِمام أحمد أنا وصالح وعبد الله يعني أبناء أحمد وقرأ علينا المسند وما سمعه منه تامًا غيرنا له مؤلفات منها التاريخ، والفتن، ومحنة الإِمام أحمد بن حنبل. خرج إلى واسط وتوفي فيها في جمادى الأولى ٢٧٣ هـ. انظر العبر للذهبي (٢: ٥١)، شذرات الذهب (٢: ١٦٣، ١٦٤)، الأعلام للزركلي (٢: ٢٨٦).
[ ٣٧٣ ]
عليه وسلم: "تجىء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان (^١) أو فرقان من طير صواف" (^٢) وقالوا له لا يوصف بالإِتيان والمجىء إلا مخلوق فعارضهم بأن المراد مجىء ثواب البقرة وآل عمران ثم عارضهم بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ (^٣) قال إنما يأتي أمره. (^٤)
يقول ابن تيمية بعد ذكر رواية حنبل: "هكذا نقل حنبل (^٥) ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في المحنة كعبد الله بن أحمد (^٦) وغيره" (^٧).
وفي مختصر الصواعق: "وأما الرواية المنقولة عن الإِمام أحمد فاختلف فيها أصحابه على ثلاث طرق:
أحدهما: أنها غلط عليه، فإن حنبلا تفرد بها عنه، وهو كثير
_________________
(١) الغياية كل شيء أظلك فوق رأسك كالسحابة والغبرة والظلمة ونحوها. مختار الصحاح ص (٤٨٨).
(٢) انظر صحيح الإِمام مسلم (١: ٥٥٣)، مسند الإِمام أحمد (٥: ٢٤٩، ٢٥١، ٢٥٥، ٢٥٧، ٣٤٨، ٣٥٣، ٣٦١)، شرح حديث النزول لابن تيمية ص (٥٥).
(٣) سورة البقرة: آية (٢١٠).
(٤) أنظر شرح حديث النزول ص (٥٥، ٥٦)، مختصر الصواعق (٢: ٤٠٦).
(٥) هذه الرواية لم أجدها في ذكر محنة الإِمام أحمد جمع حنبل بن إسحاق المطبوعة بتحقيق الدكتور محمد نعس سنة ١٣٩٧ هـ.
(٦) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإِمام أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني كان إمامًا خبيرًا بالحديث وعلله وهو الذي رتب مسند والده وروى عنه خلق كثير توفي يوم الأحد إحدى وعشرين من جمادى الآخرة سنة ٢٩٠ هـ. انظر مناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي ص (٣٠٦)، شذرات الذهب (٢: ٢٠٣ - ٢٠٥).
(٧) شرح حديث النزول ص (٥٦).
[ ٣٧٤ ]
المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، وإذا تفرد بما يخالف المشهور عنه فالخلال (^١) وصاحبه عبد العزيز (^٢) لا يثبتون ذلك رواية وأبو عبد الله بن حامد (^٣) وغيره يثبتون ذلك رواية والتحقيق أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه هذا إذا كان ذلك من مسائل الفروع فكيف في هذه المسألة؟
وقالت طائفة أخرى بل ضبط حنبل ما نقل وحفظه، ثم اختلفوا في تخريج هذا النص، وقالت طائفة منهم إنما قاله أحمد على سبيل المعارضة لهم، فإن القوم كانوا يتأولون في القرآن من الإِتيان والمجىء بمجيء أمره سبحانه، ولم يكن في ذلك ما يدل على أن من نسب إليه المجىء والإِتيان مخلوق، فكذلك وصف الله سبحانه كلامه بالإِتيان والمجىء هو مثل وصف نفسه بذلك فلا يدل على أن كلامه مخلوق بحمل مجىء القرآن على مجىء ثوابه، كما حملتم مجيئه سبحانه وإتيانه على مجىء أمره وبأسه.
_________________
(١) هو أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال من كبار علماء الحنابلة وهو الذي جمع علم أحمد ورتبه. له مصنفات كثيرة توفي سنة ٣١١ هـ. انظر مناقب الإِمام أحمد ص (٥١٢)، شذرات الذهب (٢: ٢٦١)، الأعلام (١: ٢٠٦).
(٢) هو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد المعروف بغلام الخلال، شيخ الحنابلة وعالمهم المشهور، له كثير من المصنفات توفي في شوال ٣٦٣ هـ، انظر مناقب الإِمام أحمد ص (٥١٦)، شذرات الذهب (٣: ٤٥، ٤٦).
(٣) هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي إمام الحنبلية في زمانه ومدرسهم وفقيههم له مصنفات عظيمة في العلوم المختلفة، توفي في طريق مكة بعد رجوعه من الحج سنة ٤٠٣ هـ، انظر مناقب الإِمام أحمد ص (٥١٩)، شذرات الذهب (٣: ١٦٦، ١٦٧).
[ ٣٧٥ ]
فأحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإِلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به.
وقالت طائفة أخرى: بل تثبت عن أحمد بمثل هذا رواية في تأويل المجىء والإِتيان ونظائر ذلك من أنواع الحركة، ثم اختلفوا في ذلك، فمنهم من قصد التأويل على هذا النوع خاصة وجعل فيه روايتين ومنهم من حكى روايتين في باب الصفات الخبرية بالنقل والتخريج والرواية المشهورة من مذهبه ترك التأويل صريحا. فإنه لما سأله عن تفسير النزول هل هو أمره، أم ماذا؟ نهاه عنه" (^١)
رأينا مما ذكر ابن تيمية وابن القيم أن هذه الرواية عن أحمد ليست محل اتفاق وعلى فرض صحتها فإنها قيلت في معارضة الذين احتجوا بالحديث على أن القران مخلوق لأنه وصف بالإِتيان والمجىء وإذا قيل هذا على سبيل الإِلزام لم يلزم أن يكون القائل له موافقا على ما يقول ملتزما به لأنه يقصد إبطال حجتهم لا بيان رأيه في ذلك ومذهبه وفرق بين الإِلزام والإِلتزام.
الرد على ابن حزم في تأويل النزول:
بعد أن بينا أن الشبه التي ذكر ابن حزم ورأى أنها مانعة من إرادة النزول الحقيقي - غير واردة على ما يقوله المثبتون من النزول الحقيقي المناسب لكمال الله وعظمته وأنها لا ترد إلا على من يشبه الله تعالى بخلقه فيرى أن نزوله كنزولهم وأن صفاته كصفاتهم. نبين خطأ
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٤٠٦)، وانظر شرح حديث النزول ص (٥٥ - ٥٧).
[ ٣٧٦ ]
التأويل الذي ذهب إليه في النزول وهو قوله: "إن هذا النزول صفة فعل وأن هذا الفعل هو أن الله تعالى يأمر ملكا ينادي في ذلك الوقت - المذكور في الحديث - بذلك".
ونقول: إن النزول والمجىء والإِتيان من صفات الله تعالى حقيقة لا مجازا فهو تعالى ينزل ويجىء ويأتي على ما يليق به فلا يشبه ما يكون من الخلق ولا يلزمه ما يلزمهم إذا فعلوا شيئا من ذلك.
ويدل على أن النزول حقيقة تواتر الأخبار (^١) عن أعلم الخلق بالله وأنصحهم للأمة وأقدرهم على العبارة التي لا توقع لبسا محمد ﷺ بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا وليس في جميعها ما يدل على أن المراد بهذا النزول المجاز وإنما جاء فيها ما يدل على أن المراد الحقيقة كقوله: "وعزتي وجلالي لا أسأل عن عبادي غيري" وقوله "من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له. من ذا الذي يدعوني فأستجيب له". إلى نحو هذا مما جاء في ألفاظ الأحاديث مما يدل على أن المراد الحقيقة، إذ لا يمكن أن يقول هذا ملك ولا غيره، لأنه كلام الله الذي لا يقوله سواه، لأنه هو المجيب للدعاء والغافر للذنوب والمعطي لكل سائل سؤاله ﷾. (^٢)
ومما يؤيد حمل النزول على الحقيقة أن لفظ الخبر: "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا" وهذا خبر عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره وعن معنى لا عن لفظ والمخبر عنه هو مسمى هذا الاسم العظيم، فإن
_________________
(١) انظر شرح حديث النزول ص (٥٧)، العلو للعلي الغفار للذهبي ص (٧٩)، مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٨٠، ٣٨٢).
(٢) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص (١٣٢ - ١٣٥)، شرح حديث النزول ص (٦٦، ٦٧، ٩٨)، مختصر الصواعق (٢: ٣٨٠، ٣٨١).
[ ٣٧٧ ]
الخبر يكون عن اللفظ تارة وهو قليل، ويكون عن مسماه ومعناه وهو الأكثر فإذا قلت زيد عندك، فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم فقول الله "الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل" (^١) وهو خبر عن ذات الرب تعالى فلا يحتاج المخبر أن يقول: الله خالق كل شيء بذاته وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه إنما هو خبر عن ذاته لا يجوز أن يخص من ذلك إخبار واحد البتة. (^٢)
ولو كان النزول على ما أوله ابن حزم "أن الله يأمر ملكا ينادي" لكان الواجب أن يقول: "من يدعو الله فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه من يستغفره فيغفر له؟ لأن هذا موجب اللغة التي بها خوطبنا بل وموجب جميع اللغات فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم فأما من أخبر عن غيره فإنما يأتي باسمه الظاهر وضمائر الغيبة.
ومن هذا ما روى مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله إذا أحب عبدا، دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه. قال فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء، إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. قال فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض". (^٣)
_________________
(١) سورة الزمر: (آية ٦٢).
(٢) انظر مختصر الصواعق (٢: ٣٨١).
(٣) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢٠٣٠)، صحيح البخاري (٢: ١٤٤)، (٤: ٤٠، ٤١، ٢٠٨)، سُنن الترمذي (٥: ٣١٧، ٣١٨)، موطأ مالك (٢: ٩٥٣)، مسند الإِمام أحمد (٢: ٢٦٧، ٣٤١، ٤١٣، ٤٨٠، ٥٠٩، ٥١٤)، (٥: ٢٠٩، ٢٦٣).
[ ٣٧٨ ]
فقد بين النبي ﷺ الفرق بين نداء الله تعالى ونداء جبريل فقال في نداء الله "يا جبريل إني أحب فلانا" وقال في نداء جبريل: "إن الله يحب فلانا فأحبوه" وهذا ظاهر. (^١)
ومما يبعد حمل النزول على نزول الملائكة أن الملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت والنزول المذكور في الحديث مخصوص بوقت محدود وجعل منتهاه السماء الدنيا ونزول الملائكة لا يختص بذلك الوقت ولا بهذا الزمان. (^٢)
فإن قيل: إذا لم يتم القول بأن الذي ينزل ملك من الملائكة فيمكن أن يحمل النزول على نزول أمر الله ورحمته.
قلنا: وكذلك لا يستقيم تأويل النزول على نزول أمر الله ورحمته وما قلنا في منع تأويل النزول بالملك يقال على منع التأويل بالأمر والرحمة.
ونزيد على ذلك هنا فنقول: إن أراد من يقول بإتيان أمر الله ورحمته أن الله إذا جاء أو نزل حلت رحمته وأمره فهذا حق.
وإن أراد أن النزول والإِتيان للأمر والرحمة فقط، وأن الله تعالى لا يأتي وينزل فهذا باطل لما ذكرنا مما هو مؤيد لكون النزول نزول الله تعالى لا نزول الملك، لأنه إن أريد بنزول الرحمة والأمر الصفة القائمة بذات الله تعالى فنزول الرحمة والأمر يستلزم نزول الذات ومجيئها قطعا.
وإن أريد بهما مخلوقا منفصلا عن الله تعالى وسمى هذا المخلوق رحمة وأمرا لزم أن يكون الذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقا محدثا
_________________
(١) انظر شرح حديث النزول ص (٦٧).
(٢) انظر شرح حديث النزول ص (٦٦).
[ ٣٧٩ ]
لا رب العالمين وفي هذا تكذيب للخبر وهذا معلوم البطلان. (^١)
ومما يبطل تأويل النزول بالأمر والرحمة أن نزول ذلك لا يختص بذلك الوقت المحدد، فلا تنقطع رحمته ولا أمره عن العالم العلوي والسفلي طرفة عين. (^٢)
فإن قيل: إذا لم يتم ما قلنا من تأويل النزول والمجىء والإِتيان وكان ذلك حقيقة على ما تقولون فكيف يكون هذا النزول والمجىء والإِتيان بالنسبة لله تعالى.
قلنا: لا يعرف كيف الشيء إلا من يعلمه فيدركه ويحيط علمه به مما هو مشاهد وملموس.
أما من لم ير ولم يحاط به علما وهو أعظم مما يخطر على البال وما يدور في الخيال فلا يعرف له كيف.
ومذهب أهل السنة الإِيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ويؤمنون بأن الله "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (^٣).
فلا يسأل عن صفات الله تعالى بكيف لأن الكيف غير معلوم.
يقول الدارمي: "لم نكلف كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلا أو صفة بفعالهم وصفتهم ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول والإِيمان بقول الرسول ﷺ في نزوله واجب،
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق (٢: ٤٠٥).
(٢) انظر الرد على المريسي للدارمي ص (٢٠)، مختصر الصواعق (٢: ٤٠٦).
(٣) سورة الشورى: آية (١١).
[ ٣٨٠ ]
ولا يسأل الرب عما يفعل كيف يفعل وهم يسألون لأنه القادر على ما يشاء أن يفعله كيف يشاء، وإنما يقال لفعل المخلوق الضعيف الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله تعالى عليه كيف يصنع وكيف قدر" (^١).
ويقول ابن قتيبة: "لا نحتم على النزول منه (الله) بشيء، ولكنا نبين كيف النزول منا وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ والله أعلم بما أراد.
والنزول منا يكون بمعنيين:
أحدهما: الانتقال عن مكان إلى مكان، كنزولك من الجبل إلى الحضيض ومن السطح إلى الدار.
والمعنى الآخر: إقبالك على الشيء بالإِرادة والنية.
وكذلك الهبوط والارتقاء والبلوغ والمصير، وأشباه هذا من الكلام ومثال ذلك أن يسألك سائل عن محال قوم من الأعراب وهو لا يريد المصير إليهم فتقول له: إذا صرت إلى جبل كذا، فانزل منه، وخذ يمينا وإذا صرت إلى وادي كذا، فاهبط فيه ثم خذ شمالا وإذا صرت إلى أرض كذا، فاعتل هضبة هناك حتى تشرف عليها وأنت لا تريد في شيء مما تقوله إفعله ببدنك إنما تريد إفعله بنيتك وقصدك، وقد يقول القائل: بلغت إلى الأحرار تشتمهم وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم وجئت إلى العلم تزهد فيه، ونزلت عن معالي الأخلاق إلى الدناءة وليس يراد في شيء من هذا انتقال الجسم.
_________________
(١) الرد على الجهمية للدارمي ص (٣٩).
[ ٣٨١ ]
وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالإِرادة والعزم والنية" (^١).
يبين ابن قتيبة في كلامه هذا ما تحتمله اللغة من معنى النزول أي ما يقال عنه إنه نزول حقيقي بالنسبة للخلق.
وفي المعنى الثاني الذي ذكر، دلالة على خطأ من يقول: إنه يلزم من نزول البشر مطلقا انتقال الجسم، وليس هو كذلك على هذا المعنى إذا ليس فيه انتقال جسم وهو لازم على المعنى الأول. فنزول البشر يأتي على تلك الصفتين وهو فيهما حقيقة.
ولا يحكم على نزول الله تعالى، أنه يكون كنزول خلقه وأنه يلزم نزوله ما يلزم نزولهم لأن الله ﵎ وصف نفسه بصفات ووصفه رسوله ﷺ بصفات وكل ذلك حق. ولا يعتقد من يثبت صفات الله تعالى أنها مشابهة لصفات خلقه، وإن كان هناك اشتراك في الاسم فهو لا يعدو اللفظ، أما حقيقة الصفة وقيامها بالمتصف بها، فصفات الله تعالى لائقة بكماله وجلاله وعظمته ولا يجوز نفيها خوفا من التشبيه لأنه لا مشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق، كما لا مشابهة بين ذاته المقدسة وذواتهم، ولأن صفات الخلق مناسبة لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم وصفاته مناسبة لعظمته وبقائه وقدرته وغناه ﷾.
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (٢٧٤)، وانظر شرح حديث النزول لابن تيمية ص (٦٠، ٦١).
[ ٣٨٢ ]
١٨ - الرؤية:
يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الله تعالى يراه المسلمون يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^١). ولما روى بسنده عن جرير بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول - ونظر إلى القمر -: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون (^٢) في رؤيته" (^٣) ولنحو هذا من الأحاديث الواردة في إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى يوم القيامة.
ويقول: إن الآية والأحاديث الصحاح المأثورة في رؤية الله تعالى يوم القيامة موجبة القبول لتظاهرها وتباعد ديار الناقلين لها.
ويرى أن هذه الرؤية حقيقة وأنها كرامة للمؤمنين، وليست معرفة القلب لأن معرفة القلب حاصلة في الدنيا لجميع العارفين، بالله تعالى.
ورؤية الله تعالى التي ستحصل للمؤمنين في الآخرة لا تكون في الدنيا.
_________________
(١) سورة القيامة: الآيتان (٢٢، ٢٣).
(٢) يقال تضام القوم انضم بعضهم إلى بعض، والمعنى لا يلحقكم مشقة في رؤيته فلا يقرب بعضكم إلى بعض لترائيه فهي رؤية جلية واضحة انظر في معنى التضام مختار الصحاح ص (٣٨٤)، القاموس المحيط (٤: ٣٤٢).
(٣) المحلى لابن حزم (١: ٤٣)، وانظر صحيح البخاري (٤: ٢٠٠)، سُنن الترمذي (٤: ٩٢)، سنن أبي داود (٢: ٥٣٥).
[ ٣٨٣ ]
وليست تلك الرؤية بهذه القوة الموضوعة في العين الآن، والتي لا تقع إلا على الألوان، وإنما هي بقوة موهوبة من الله تعالى يجعلها في أعين من سيراه (^١) كما جعل من القوة في إذن موسى ﵇ حتى سمع كلامه.
ويقول بعدم رؤية الكفار لله تعالى يوم القيامة إلا بقلوبهم لقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^٢).
هذا هو مذهب ابن حزم في رؤية الله ومن يرى الله ﵎ (^٣).
هذا المذهب الذي ذهب إليه ابن حزم في رؤية الله تعالى هو المذهب الذي تؤيده الأدلة الصريحة والصحيحة من الكتاب والسنة وهو ما عليه سلف الأمة وأئمتها. فهم يثبتون رؤية الله تعالى يوم القيامة كرامة للمؤمنين وهي أعلى نعيم أهل الجنة عندهم وقد فسروا
_________________
(١) قد خالف ابن حزم رأيه هذا في رسالته الدرة ص (١١٠ ب) ضمن مجموعة رسائل له حيث يقول: "فهو تعالى مرئي بالعين وبجميع الوجه، ولا يجوز أن يخص بذلك بعض الوجه دون بعض". وفي نفس الرسالة ما يدل على تأخرها عن الفصل والذي نص فيه على الرؤية بالعين. انظر ص (١٠٢ ب) منها وجـ ٣ ص (٢١) من الفصل. فلا أدري هل رجع ابن حزم عن ذلك الصواب، أو أنه حين قال ذلك في الفصل غفل عن ظاهريته، وكان مستحضرًا لها عند كتابة ذلك في الدرة وفي رده على من قال: "إن خبر الله تعالى عن الرؤية بالوجه" أي ليس بالعين. في الفصل، ما يكفي ردًا عليه في الدرة. وبالله تعالى التوفيق.
(٢) سورة المطففين: آية (١٥).
(٣) انظر الفضل لابن حزم (٣: ٢ - ٤) المحلى له (١: ٤٣).
[ ٣٨٤ ]
الزيادة المذكورة في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^١) بأنه النظر إلى وجه الله ﵎.
وأدلة جواز الرؤية ووقوعها كثيرة جدًّا نشير إليها إشارة من غير تعرض للخلاف فيها مع من نفاها، أو مناقشة لاعتراضاته، لأن قصدنا هنا تأييد رأي ابن حزم وتدعيمه فنقول: -
أولًا: أدلة جواز الرؤية زيادة على ما ذكر ابن حزم:
(أ) الأدلة النقلية:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).
والاستدلال بهذه الآية على الجواز من ستة أوجه:
الأول:
أن موسى ﵇ سأل الرؤية ولو كانت ممتنعة لما سألها لأنه حينئذ إما أن يعلم امتناعها أو لا يعلمه. فإن علم فالعاقل لا يطلب
_________________
(١) سورة يونس: آية (٢٦).
(٢) سورة الأعراف: آية (١٤٣).
[ ٣٨٥ ]
المحال الممتنع وإن جهله فالجاهل بما لا يجوز على الله ويمتنع لا يكون نبيًّا كليمًا، وقد وصفه الله تعالى بذلك ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^١). فسؤال موسى ﵇ الرؤية دل على عدم امتناعها، لكونه رسولًا مصطفى مختارًا إذ يمتنع عليه الجهل بمن أرسله واصطفاه (^٢).
الوجه الثاني:
أن الله تعالى لم ينهه ولا أيأسه لما طلب الرؤية، ولو كانت محالة لأنكر عليه، فقد أنكر على نوح ﵇ لما سأله نجاة ابنه حيث قال ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٣) ولم ينكر على الخليل ﵇ حين قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^٤) ولم ينكر أيضًا على عيسى ﵇ حين قال: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (^٥). ففي إنكاره جل وعلا على نوح ﵇ دليل على
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (١٤٤).
(٢) انظر شرح المواقف للجرجاني ص (١٨٨، ١٨٩)، شرح المقاصد للتفتازاني (٢: ٨٢).
(٣) سورة هود: الآيتان (٤٦، ٤٧).
(٤) سورة البقرة: آية (٢٦٠).
(٥) سورة المائدة: آية (١١٤).
[ ٣٨٦ ]
عدم جواز ما طلب، وفي عدم الإِنكار على الخليل وموسى وعيسى ﵈ دليل الجواز وعدم الاستحالة (^١).
الوجه الثالث:
أن الله أجاب موسى بقوله "لن تراني" وفي هذا دلالة على الجواز إذ لو كانت الرؤية مستحيلة عليه تعالى لقال "لا تراني، أو لست بمرئي، أو لا تجوز رؤيتي" ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر مثلًا فقال له آخر أعطني هذا لآكله، فإنه يقول له هذا لا يؤكل، ولا يقول له لا تأكله ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال له لا تأكلها أي أن هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكله. والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله .. ففي قوله تعالى جوابًا لموسى "لن تراني" دليل على أنه سبحانه يرى ولكن موسى ﵇ لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤية العلي العظيم ولم يرد سبحانه أن يراه أحد في الحياة الدنيا (^٢).
الوجه الرابع:
أن الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة.
قال الرازي: "إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها، لأنه لما كان ذلك الشرط أمرًا جائز الوجود لم يلزم من فرض وقوعه محال، فبتقدير حصول ذلك الشرط، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب فإن ترتب عليه حصول الرؤية
_________________
(١) انظر حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ص (٢٢٣).
(٢) انظر تفسير الفخر للرازي (١٤: ٢٣١)، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص (٢٢٣).
[ ٣٨٧ ]
لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله: إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية وذلك باطل" (^١)
الوجه الخامس:
أن الله تعالى تجلى للجبل وهذا التجلي هو الظهور، قال القرطبي: "تجلى أي ظهر من قولك جلوت العروس أي أبرزتها وجلوت السيف أبرزته من الصدأ جلاء فيهما وتجلى الشيء انكشف" (^٢).
والمقصود إعلام نبي الله موسى ﵇ أن الإِنسان لا يطيق رؤية الله تعالى حيث إن الجبل مع قوته وصلابته لم يصمد حين تجلى الرب له فاندك وتفرقت أجزاؤه فبدا مسوى بالأرض مدكوكًا.
وحيث جاز تجلى الله تعالى للجبل ورؤيته له وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه إن ذلك بعيد.
الوجه السادس:
أن من جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير وساطة فرؤيته أولى بالجواز وكليم الله وأعرف الناس به في زمانه لما سمع كلامه ومناجاته له من غير وساطة اشتاقت نفسه إلى رؤيته لعلمه عدم التفريق بين الرؤية والكلام لهذا فلا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم (^٣).
_________________
(١) تفسير الفخر للرازي (١٤: ٢٣١).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧: ٢٧٨).
(٣) انظر حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص (٢٢٤)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص (١٣٣).
[ ٣٨٨ ]
الدليل الثاني من أدلة النقل على جواز الرؤية:
قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^١).
ووجه الاستدلال من الآية على جواز الرؤية هو استنباط من مواساة الله تعالى لموسى ﵇ وتسليته حين منعه من الرؤية ولو طلب غير جائز لنهاه ورده بلا مواساة.
يقول الرازي: "إعلم أن موسى ﵇ لما طلب الرؤية ومنعه الله منها، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها.
والمقصود تسلية موسى ﵇ من منع الرؤية، وهذا أيضًا أحد ما يدل على أن الرؤية جائزة على الله تعالى، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة" (^٢).
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (١٤٤).
(٢) التفسير الكبير للرازي (١٤: ٢٣٥)، وانظر تفسير روح البيان للبروسوي (٣: ٢٣٩)، روح المعاني للألوسي (٩: ٥٥).
[ ٣٨٩ ]
الدليل الثالث:
قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^١).
ووجه الاستدلال على الجواز، أن الله تعالى تمدح بقوله "لا تدركه الأبصار" ولو لم يكن جائز الرؤية لما حصل هذا التمدح لأن المعدوم لا تصح رؤيته والعلوم والقدرة والإِرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ولا مدح لها في ذلك، لأن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيتة فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء بخلاف ما إذا كانت رؤيته جائزة ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه فإن هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة (^٢).
ونقول أيضا في وجه الاستدلال: إن الله تعالى نفى إدراك الأبصار له وهو أن تحيط به فهذا النفي ورد على مقيد وهي الرؤية المحيطة، فإذا المنفى هو قيد الإِحاطة، وهذا يشهد بأن الرؤية جائزة، لأنها لو كانت ممتنعة لكان المنفى هو أصل الرؤية لا الرؤية المحيطة. نظير ذلك أنه إذا كان هناك شخصان أحدهما لم يأت إليك والثاني أتى غير راكب فإنك تقول في الثاني لم يأت راكبًا تريد نفي الركوب لا نفي الإِتيان، ولا تقول في الأول لم يأت راكبًا بل تقول لم يأت، وهذا معنى قولهم في القواعد العامة، إذا ورد النفي على مقيد بقيد كان
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (١٠٣).
(٢) انظر التفسير الكبير للرازي (١٣: ١٢٥)، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص (٢٢٨ - ٢٣٠).
[ ٣٩٠ ]
النفي منصبًا على القيد لا المقيد، والنفي في الآية الكريمة ورد على الرؤية المحيطة فيكون المراد نفى الإِحاطة وهذا بدوره يقتضي ثبوت أصل الرؤية والله أعلم.
الدليل الرابع على جواز الرؤية:
قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ في محاجة قومه في النجوم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (^١).
ووجه الدلالة أن الخليل ﵇ حاج قومه في النجوم وبين أنها تأفل في حين أن الرب لا يغيب ولا يأفل ثم قال في ذلك لا أحب الآفلين، ولم يحاجهم بأنه لا يحب ربًا يرى، ولكن حاجهم بأنه لا يحب ربًا يأفل وهو دليل عدم الدوام وهو الذي يمتنع على الله ﵎ أما الرؤية فلا، حيث لم يجعلها الخليل من موانع الربوبية كالأفول والغيبة (^٢).
_________________
(١) سورة الأنعام: الآيات (٧٦، ٧٧، ٧٨).
(٢) انظر كتاب التوحيد للماتريدي ص (٧٨).
[ ٣٩١ ]
الدليل الخامس:
ما روى البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: "إنكم سترون ربكم عيانًا" (^١).
الدليل السادس:
ما روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة وقال لهم: "إصبروا حتى تلقوا (^٢) الله ورسوله فإنى على الحوض" (^٣).
والأحاديث عن النبي ﷺ الدالة على رؤية الله تعالى ولقائه كثيرة جدًّا يطول بنا المقام لو ذكرناها ويذكر ابن القيم أنها متواترة وعد قرابة ثلاثين صحابيًّا ممن رووها عن النبي ﷺ وذكر أحاديثهم. (^٤).
_________________
(١) صحيح الإِمام البخاري (٤: ٢٠٠).
(٢) اللقاء: هو نقيض الحجاب. لسان العرب (٢٠: ١٢٠)، حكاه عن ابن سيدة. قال الراغب: هو مقابلة الشيء ومصادفته معًا ويعبر به عن كل منهما ويقال ذلك في الإِدراك بالحس والبصر تاج العروس (١٠: ٣٣٠)، وانظر تهذيب اللغة (٩: ٢٩٩). وقال الرازي: اللقاء وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يحاسه شخصه "تاج العروس" (١٠: ٣٣٠). والملاقاة توافي الإثنين متقابلين. معجم مقاييس اللغة (٥: ٢٦١). من هذا يظهر أن اللقاء يتم بوصول جسم إلى آخر ومقابلته له سواء حصلت الرؤية أو لم تحصل. ولكن إذا نسب هذا الوصول وتلك الملاقاة إلى الحي السليم من العمى والمانع فلا يحتمل سوى الرؤية وحكى ابن القيم إجماع أهل اللسان على هذا. انظر حادي الأرواح ص (٢٢٤).
(٣) صحيح الإِمام البخاري (٤: ٢٠٢).
(٤) انظر حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص (٢٣١).
[ ٣٩٢ ]
الدليل السابع على جواز الرؤية:
هو ما وقع من الخلاف بين الصحابة ﵃ في شأن رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج بين مثبت وناف ولم يكفر بعضهم بعضًا بهذا السبب ولم ينسبه إلى البدعة والضلالة.
وهذا دليل على إجماعهم على عدم امتناعها عقلًا في الدنيا وقد أجمعوا على أنها ستحصل للمؤمنين في الآخرة، ولو كانت ممتنعة لما صح أن يقول أحد من الصحابة بوقوعها، فقول البعض بالوقوع دليل على أنها جائزة قطعًا (^١).
الدليل الثامن:
يقول الرازي: "إن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية، فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ (^٢)." (^٣).
تلك بعض الأدلة السمعية على جواز الرؤية، وهناك أدلة كثيرة تدل على إثبات الرؤية للمؤمنين في الجنة، أو الحث على طلبها بالعمل الصالح والوعد بها أو نفيها عن الكفار، وما دل على الوقوع
_________________
(١) تفسير الفخر الرازي (١٣: ١٣٢).
(٢) سورة فصلت: آية (٣).
(٣) تفسير الفخر الرازي (١٣: ١٣١، ١٣٢)، وانظر الإِبانة لأبي الحسن الأشعري ص (١٧).
[ ٣٩٣ ]
فهو دال على الجواز من باب أولى لأن غير الجائز لا يقع.
يقول الغزالي: "ومهما دل الشرع على وقوعه فقد دل أيضًا لا محالة على جوازه" (^١).
وسنذكر أدلة الوقوع بعد الأدلة العقلية على الجواز إن شاء الله تعالى.
(ب) الأدلة العقلية على جواز الرؤية:
استدل القائلون بجواز رؤية الله تعالى بأدلة عقلية كثيرة جلها لا يخلو من اعتراضات قوية ترد عليه، يصعب الإِجابة عليها، حتى إن المستدلين بها أدركوا أنها أدلة لا تقوى على الاستدلال فجعلوا عمدة القول بالجواز هي أدلة النقل.
ونذكر هذه الأدلة لمجرد معرفة ما قال العلماء من غير ذكر للاعتراضات والردود عليها لأنها كما قلنا مسالك ضعيفة، ولأنها أدلة على شىء تحقق لدينا جوازه ووقوعه سمعا، ولولا السمع لم تكن الأدلة العقلية التي استدل بها على الجواز كافية في إثباته ولسهل ردها من قبل النفاة.
الدليل الأول:
هو الاستدلال على جواز رؤية الله تعالى بوجوده.
قال أبو الحسن الأشعرى: "ومما يدل على رؤية الله ﷿ بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله ﷿ وإنما لا يجوز
_________________
(١) الإِقتصاد في الإِعتقاد للغزالي ص (٥٩).
[ ٣٩٤ ]
أن يرى المعدوم، فلما كان الله ﷿ موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ﷿". (^١)
وسلك ابن تيمية في تقرير هذا الدليل طريقا آخر فلم يجعل المصحح للرؤية الوجود المجرد لأنه يلزم عليه لوازم فاسدة لا تصلح أن تكون مصححا للرؤية، وإنما جعل المصحح لها أمورا وجودية لا أن كل موجود تصح رؤيته لأنها أمر وجودى محض لا يسيطر فيها أمر عدمى. (^٢)
الدليل الثاني:
الاستدلال برؤية الله تعالى للأشياء، ولا يرى الأشياء من لا يرى نفسه. فإذا كانت نفسه تعالى مرئية فجائز أن يريناها لعدم استحالة الرؤية عليها.
واستدل بهذا الدليل أبو الحسن الأشعرى فقال: "ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله ﷿ يرى الأشياء وإذا كان للأشياء رائيا. فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه، وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه وذلك أن من لا يعلم نفسه لا يعلم شيئا فلما كان الله ﷿ عالما بالأشياء كان عالما بنفسه، فلذلك من لا يرى
_________________
(١) الإِبانة في أصول الديانة للأشعري ص (١٦) وانظر شرح المواقف للجرجاني ص (١٩٧ - ١٩٩)، غاية المرام في علم الكلام للآمدي ص (١٥٩)، الإِرشاد للجويني ص (١٧٧)، الأربعين في أصول الدين للرازي ص (١٩١)، الإِقتصاد في الإِعتقاد للغزالي ص (٦٠ - ٦٢)، العقائد النسفية بشرح التفتازاني ص (١٠٤، ١٠٥).
(٢) انظر بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لابن تيمية (١: ٣٥٧، ٣٥٩)، مجموع الفتاوى له (٦: ١٣٦).
[ ٣٩٥ ]
نفسه لا يرى الأشياء، فلما كان الله ﷿ رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه، وإذا كان رائيا لها فجائزان يرينا نفسه كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها وقد قال تعالى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. (^١) فأخبر أنه سمع كلامهما ورآهما، ومن زعم أن الله ﷿ لا يجوز أن يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله ﷿ رائيا ولا عالما ولا قادرا لأن العالم القادر الرائى جائز أن يرى" (^٢)
ثانيًا: أدلة وقوع الرؤية
الدليل الأول:
ما ذكر ابن حزم ونذكره لبيان وجه الاستدلال - هو قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. (^٣)
وجهه الاستدلال من الآية: أن النظر في اللغة يرد لمعان كثيرة مختلفة فإذا تجرد عن الصلات وتعدى بنفسه كان بمعنى التوقف والانتظار وفي لسان العرب" النظر الانتظار يقال نظرت فلانا وانتظرته بمعنى واحد فإذا قلت انتظرت فلم يجاوزك فعلك فمعناه، وقفت، وتمهلت، ومنه قوله تعالى ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. (^٤) قرىء انظرونا، وأنظرونا بقطع الألف، من قرأ بضم الألف فمعناه انتظرونا،
_________________
(١) سورة طه: آية (٤٦).
(٢) الإِبانة لأبي الحسن الأشعري ص (١٦)، وانظر نهاية الإِقدام في علم الكلام للشهرستاني ص (٣٥٨)، الملل والنحل له (١: ١٠٠)، الإِقتصاد في الإِعتقاد للغزالي ص (٦٩).
(٣) سورة القيامة: الآيتان (٢٢، ٢٣).
(٤) سورة الحديد: آية (١٣).
[ ٣٩٦ ]
ومن قرأ أنظرونا فمعناه أخرونا.
وقال الزجاج قيل: معنى أنظرونا انتظرونا أيضا ومنه قول عمرو ابن كلثوم:
أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا (^١)
وقال الفراء تقول العرب، أنظرنى أي انتظرنى قليلا ويقول المتكلم لمن يعجله أنظرنى أبتلع ريقى أي أمهلنى (^٢).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (^٣) أي ما ينتظرون.
وقوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (^٤) أي منتظرة.
وقول قراد بن أجدع:
وإن يك صدر هذا اليوم ولى فإن غدا لناظره قريب (^٥)
أي لمنتظره.
وقال الحطيئة:
وقد نظرتكم إعشاء صادرة للخمس طال بها حوزى وتنساسي (^٦) (^٧)
أي انتظرتكم.
_________________
(١) لسان العرب (٧: ٧٤)، شرح المعلقات العشر ص (١٤٠).
(٢) لسان العرب (٧: ٧٣، ٧٤).
(٣) سورة يس: آية (٤٩).
(٤) سورة النمل: آية (٣٥).
(٥) مجمع الأمثال للميداني (١: ٧١).
(٦) التنساس: تفعال من النس وهو السوق الشديد بخلاف الحوز فهو السوق قليلًا قليلًا.
(٧) ديوان الحطيئة ص (٢٨٣)، لسان العرب (٧: ٧٤).
[ ٣٩٧ ]
وقال امرؤ القيس:
فإنكما إن تنظرانى ساعة من الدهر تنفعنى لدى أم جندب (^١)
أي إن تنتظرانى.
فحين ذكر النظر فيما مر عاريا عن الصلات والتعدية لم يحتمل إلا الانتظار.
وإذا عدى باللام كان بمعنى الإنعام أي الرأفة والرحمة والتعطف، مثل أن يقال نظر السلطان لفلان أي رأف به وتعطف عليه.
وإذا عدى بفى كان بمعنى التفكر والاعتبار كقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢). وكما تقول نظرت في الأمر لفلان أي تفكرت فيه واعتبرت (^٣).
وإذا عدى بإلى احتمل الرؤية وغيرها.
ومما جاء معدى بإلى وهو نص في الرؤية قوله تعالى "رب أرني أنظر إليك" (^٤) حيث رتب النظر على الإِراءة والمرتب على الإِراءة هو الرؤية فيدل على أن النظر هو الرؤية ولا يمكن حمله على غير هذا من معاني النظر.
وقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (^٥) والذى يفيد كيفية معرفة الخلقة هو الرؤية لا تقليب الحدقة أو غير ذلك.
_________________
(١) شرح ديوان امرىء القيس ص (٥٣).
(٢) سورة الأعراف: آية (١٨٥).
(٣) أنظر حادي الأرواح ص (٢٣٠)، شرح المواقف للجرجاني ص (٢١١)، كتاب التمهيد للباقلاني ص (٢٧٤، ٢٧٥)، نهاية الإِقدام في علم الكلام للشهرستاني ص (٣٦٩)، لسان العرب (٧: ٧٤).
(٤) سورة الأعراف: آية (١٤٣).
(٥) سورة الغاشية: آية (١٧).
[ ٣٩٨ ]
ومما عدى بإلى وليس نصا في الرؤية قوله تعالى في صفة الكفار ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١) فنفى تعالى كونه ناظرا إليهم وهو يراهم بلا خلاف والمفسرون قاطبة على أن معنى الآية لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيرا، فالنظر المنفى هنا والمعدى بإلى غير الرؤية. (^٢)
وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٣) ذكر في الآية النظر وعداه بإلى وأراد به الانتظار.
وقال الأبيوردى:
هي التي لا تزال الدهر ناظرة إلى العلى ولسؤال وفي كتب (^٤)
فقوله ناظرة إلى العلا أي إنها طالبة له ومتوقعة. (^٥)
عرفنا مما ذكر أن النظر يرد في اللغة بمعنى الانتظار، والإنعام والتفكر، والرؤية على حسب وروده تجردا وتعدية ولكنه إذا عدى بإلى وأضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر فلا يحتمل إلا الرؤية بالأعين وهذا هو ما وردت به الآية الكريمة فهي نص في الرؤية ولا تحتمل غيرها من المعاني.
يقول أبو الحسن الأشعري بعد ذكر الآية: "ولا يجوز أن يكون
_________________
(١) سورة آل عمران: آية (٧٧).
(٢) انظر الأربعين في أصول الدين للرازي ص (٢٠٢، ٢٠٣)، تفسير ابن كثير (٢: ٥٩، ٦٠)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢: ٢٣٥)، مجمع البيان للطبرسي (٢: ١٢٢)، روح المعاني للألوسي (٣: ٢٠٤)، تفسير الخازن (١: ٣١١).
(٣) سورة البقرة: آية (٢٨٠).
(٤) ديوان الأبيوردي (٢: ٣٣).
(٥) انظر الأربعين في أصول الدين للرازي ص (٢٠٨).
[ ٣٩٩ ]
عنى (الله) نظر الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه". (^١)
وقال الباقلاني: "وإذا قرن النظر بذكر الوجه وعدى بحرف الجر ولم يضف الوجه إلى قبيلة وعشيرة كان الوجه الجارحة التي توصف بالنضارة التي تختص بالوجه الذي فيه العينان فمعناه رؤية الأبصار". (^٢)
فعلى هذا فالنظر الوارد في الآية يكون بمعنى الرؤية لأن الله تعالى قد وصف الوجوه التي هي الجوارح بأنها تنظر إليه وقد وصفها بما لا يجوز أن يوصف به إلا جارحة حيث قال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ والنضارة لا تكون إلا في الجارحة التي هي الوجه. (^٣)
فإن قال النفاة لا نسلم أن "إلى" في قوله "إلى ربها ناظرة" حرف جر وإنما هي اسم وهي واحدة الآلاء وهي النعم فهر، في موضع مفعول به لناضرة، أو أنها بمعنى عند، وحيث إننا اتفقنا على أن لفظ "ناظرة" إذا كان عاريا عن حرف "إلى" أفاد معنى الانتظار، وعليه يكون تقدير الآية "وجوه يومئذ ناضرة نعمة ربها منتظرة، أي كأنه تعالى قال "وجوه يومئذ ناضرة آلاء ربها منتظرة ونعمه مترقبة هذا على الأول، وعلى الثاني "وجوه يومئذ ناضرة عند ربها منتظرة". (^٤)
قلنا: إن حمل لفظ "إلى" في الآية على واحد الآلاء بعيد لأن الله
_________________
(١) الإِبانة لأبي الحسن الأشعري ص (١٢، ١٣).
(٢) التمهيد للباقلاني ص (٢٧٤)، وانظر حادي الأرواح لابن القيم ص (٢٣١).
(٣) انظر التمهيد للباقلاني ص (٢٧٧).
(٤) انظر شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص (٢٤٦)، الفصل لابن حزم (٣: ٣)، الأربعين في أصول الدين للرازي ص (٢٠٩)، شرح المواقف للجرجاني ص (٢١٢).
[ ٤٠٠ ]
تعالى أخبر أن تلك الوجوه قد حصلت لها النضرة وهي النعمة لأن النضرة نعمة فإذا حصلت لها النعمة فبعيد أن ينتظر ما قد حصل لأن الانتظار يكون لما لم يحصل بعد (^١)
ونقول أيضا: إن حمل لفظ "إلى" في الآية على واحد الآلاء أو على معنى عند وكون "ناظرة" بمعنى منتظرة غير جائز لأن الانتظار يتضمن الغم والمشقة ويؤدى إلى التنغيص والتكدير كما قيل في المثل الانتظار يورث الاصفرار والانتظار الموت الأحمر، والآية وردت في شأن أهل الجنة وذلك لا يجوز عليهم، ثم إنها وردت مبشرة لهم، والبشارة بما يوجب الغم والتنغيص غير لائقة بالحكمة، وإنما البشارة التي في الآية للمؤمنين بالإكرام والإنعام وحسن الحال وفراغ البال، وذلك في رؤيته تعالى فإنها أجل النعم والكرامات المستتبعة لنضارة الوجه لا في الانتظار المؤدى إلى عبوسه. (^٢).
فتعين أن الآية الكريمة دالة دلالة صريحة على أن الوجوه الحسنة المضيئة في الجنة تنظر إلى ربها ﵎ نظرا حقيقيًا بأعين رؤوسها لا يلحقها في هذه الرؤية مضارة ولا شك ولا مرية. والله أعلم.
_________________
(١) انظر الفصل لابن حزم (٣: ٣).
(٢) انظر شرح الجرجاني للمواقف ص (٢١٢، ٢١٣)، الأربعين في أصول الدين للرازي ص (٢٠٩، ٢١٠).
[ ٤٠١ ]
الدليل الثاني على وقوع الرؤية:
قوله تعالى: "وإذا رأيت ثم رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا" (^١).
قال الرازي: "فإن إحدى القراءات في هذه الآية "ملكًا" بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى، وعندى التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها" (^٢).
وقال الألوسي عند تفسيرها: "وقيل هو النظر إلى الله ﷿" (^٣).
فعلى القراءة المذكورة تكون دلالة الآية على الرؤية ظاهرة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قوله تعالى: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" (^٤).
والاستدلال بهذه الآية على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، استدلال بالمفهوم حيث قال جل ذكره عن الكفار "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" والحجب المنع والكلام على حذف مضاف يمكن تقديره رحمة أو رؤية. وتقدير الثاني هو مذهب أهل السنة والجماعة
_________________
(١) سورة الإنسان: آية (٢٠).
(٢) التفسير الكبير للفخر الرازي (١٣: ١٣١).
(٣) روح المعاني للألوسي (٢٩: ١٦١).
(٤) سورة المطففين: آية (١٥).
[ ٤٠٢ ]
وقد روى عن الشافعي أنه قال إن في الآية دليلا على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة (^١)، وجمهور المفسرين أن حجب الكفار عن ربهم عدم رؤيتهم له فإذا حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى يروه.
ولو لم يكن كذلك لما كان فرق، ولم يكن لذكر حجب الكفار فائدة إذا كان الكل يراه (^٢).
الدليل الرابع:
ما روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁: "أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئًا فليتبعه .. الحديث. (^٣).
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا أغلبها في الصحيحين.
_________________
(١) انظر حادي الأرواح ص (٢٢٧، ٢٢٨)، والعقائد السلفية بأدلتها النقلية والعقلية شرح الدرر السنية لأحمد بن حجر آل أبو طاس ص (١٨٧).
(٢) انظر التفسير الكبير للرازي (٣١: ٩٥، ٩٦)، روح المعاني للألوسي (٣: ٧٣)، تفسير النسفي (٤: ٣٤٠)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٧: ٢٤١)، تفسير الخازن المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل (٧: ١٨٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٩: ٢٦١)، حادي الأرواح ص (٢٢٧، ٢٢٨)، العقائد السلفية لأحمد بن حجر آل أبو طاس ص (١٨٧).
(٣) صحيح البخاري (٤: ٢٠٠، ٢٠١)، صحيح مسلم (١: ١٦٢، ١٧١).
[ ٤٠٣ ]
الدليل الخامس:
روى البخاري بسنده عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه" (^١).
في الأحاديث التي ذكرناها وغيرها مما لم نذكر مما في معناها دلالة لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من رؤية الله ﵎ حقيقة كما ترى الشمس والقمر إذا لم يحل دونهما حائل من غير أن يلحقهم ضيم أو مشقة في الحصول على هذه الرؤية ودلالة الأحاديث على هذا صريحة لا تحتمل التأويل وبعضها يفسر بعضا ويبين المقصود من الآخر وهي صحيحة لا تقبل الرد اتفق على صحتها جميع المحدثين، ولم يتعرض لتأويلها أوردها إلا بعض الفرق كالمعتزلة ومن تبعهم ممن حادوا عن الصواب.
_________________
(١) صحيح البخاري (٤: ٢٠٣).
[ ٤٠٤ ]
الفصل الخامس أفعال الله تعالى
يشتمل هذا الفصل بعد التمهيد في بيان مذهب المعتزلة في أفعال الله تعالى على:
(١) القضاء والقدر.
(٢) خلق أفعال العباد.
(٣) الهدى والإِضلال.
(٤) التعديل والتجوير.
(٥) تعليل أفعال الله تعالى.
(٦) اللطف والأصلح.
(٧) إرسال الرسل.
[ ٤٠٥ ]
أفعال الله تعالى
تمهيد:
قبل أن نعرض رأي ابن حزم ونبين موقفه من أفعال الله تعالى نحب أن نقدم بين يدي القارىء نبذة مؤجزة عن مذهب المعتزلة في أفعال الله تعالى لأن ابن حزم قد وقف معهم طويلًا في هذا الموضوع وناقش مذهبهم ورد على حججهم وأزال شبههم وأجاب على اعتراضاتهم فهم خصومه في ذلك.
ومذهب المعتزلة مبني على خمسة أصول:
الأول: التوحيد.
الثاني: العدل.
الثالث: الوعد والوعيد.
الرابع: المنزلة بين المنزلتين.
الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والذي يتناول موضوعنا من هذه الأصول هو العدل يقول القاضي عبد الجبار: "وأما الأصل الثاني من الأصول الخمسة وهو الكلام في العدل، وهو كلام يرجع إلى أفعال القديم تعالى جل وعز وما يجوز عليه وما لا يجوز" (^١).
ويقول الشهرستاني: إن واصل بن عطاء قال في تقرير هذا الأصل: "إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص (٣٠١).
[ ٤٠٧ ]
شيئًا ثم يجازيهم عليه، فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية وهو المجازى على فعله والرب تعالى أقدره على ذلك كله .. ويستحيل أن يخاطب العبد بافعل وهو لا يمكنه أن يفعل، وهو يحس من نفسه الاقتدار والفعل" (^١).
فعند المعتزلة أن العبد هو الخالق لأفعاله خيرها وشرها فيستحق عليها الثواب والعقاب في الآخرة. والله تعالى منزه عن أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو معصية وكفر إذ لو أضيف إليه ذلك كان ظالمًا فهو لا يفعل إلا الصلاح والخير ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد.
ويقول بعضهم: إن الله تعالى لم يدخر عن عباده شيئًا مما علم أنه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصلح واللطف، لأنه قادر عالم جواد حكيم لا يضره الإعطاء ولا ينقص من خزائنه المنح ولا يزيد في ملكه الادخار وليس الأصلح عند هؤلاء هو الألذ بل هو الأعود في العاقبة والأصوب في العاجلة وإن كان دلك مؤلمًا مكروهًا، ولا يقول هؤلاء إنه تعالى يقدر على شيء هو أصلح مما فعله بعبده، والتكاليف كلها ألطاف وبعثة الأنبياء وشرع الشرائع وتمهيد الأحكام، والتنبيه على الطريق الأصوب كلها ألطاف (^٢).
_________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني (١: ٤٧)، وانظر شرح العقيدة الطحاوية ص (٤٦٨)، ضحى الإسلام لأحمد أمين (٣: ٤٥).
(٢) انطر الملل والنحل للشهرستاني (١: ٨١). وضحى الإسلام لأحمد أمين (٣: ٤٥).
[ ٤٠٨ ]
ومما وقع الاتفاق عليه بين المعتزلة، أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح (^١).
فعندهم أن الحسن ما حسنت العقول، والقبيح ما قبحته فيحسن من الله تعالى ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا ويحكم عليه بالعقل بما يحكم به علينا (^٢).
وبناء على أصلهم العدل وقولهم بالحسن والقبح العقليين قالوا على اختلاف فيما بينهم:
إن الله تعالى هدى المكلفين عامة بمعنى دلهم وبين لهم الطريق وسهل لهم سبيله لا بمعنى أنه خلق الإيمان والطاعة فيهم (^٣) وأضلهم بمعنى ذهب بهم عن طريق الجنة إلى طريق النار، لا بمعنى أنه خلق فيهم الكفر (^٤).
وقالوا هو الخالق لأفعال نفسه خيرها وشرها، ويجب عليه تعالى رعاية مصالح العباد فليس عنده شيء أصلح مما أعطاه جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، ولا عنده أهدى مما قد هدى به الكافر والمؤمن، وأنه لا يقدر على شيء أصلح مما فعل بالكافر والمؤمن إلى غير هذا مما ليس هذا مجال ذكره.
وقالوا بالحكم على الله تعالى بالعقل فيحكم عليه بما يحكم به
_________________
(١) انظر الملل والنحل للشهرستاني (١: ٤٣)، ومجموعة الفتاوى لابن تيمية (٨: ٤٣١).
(٢) انظر الفصل لابن حزم (٣: ٩٨). وضحى الإسلام (٣: ٤٧، ٤٨).
(٣) انظر متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١: ٦٤، ٦٥). وتنزيه القرآن عن المطاعن له ص (١٢، ١٣، ٣٧).
(٤) انظر متشابه القرآن (١: ٦٧).
[ ٤٠٩ ]
بعضنا على بعض فلا حسن عندهم إلا ما حسنت عقولهم ولا قبيح إلا ما قبحته.
وقد رد ابن حزم على هذه المذاهب فبين هدى الله تعالى وإضلاله للخلق وخلقه لأفعال خلقه، وأنه لا يجب عليه تعالى من الأفعال إلا ما أوجب على نفسه، وأنه عدل لا ينسب إليه ظلم ولا جور.
ومن ردوده على تلك الآراء ومناقشته لتلك المذاهب، وبيانه لما يراه في تلك المسائل، تظهر قوة حجته وسلامة مذهبه في أغلب تلك المسائل وسنعرض مذهب ابن حزم في القضاء والقدر، وفي خلق أفعال العباد وفي الهدى والإضلال. وفي التعديل والتجوير، وفي تعليل أفعال الله تعالى ثم في اللطف والأصلح وإرسال الرسل. مع النقد لمذهب ابن حزم في كل ذلك إن شاء الله تعالى.
١ - القضاء والقدر:
يرى ابن حزم، أن القضاء في لغة العرب: الحكم فقط، ولذلك يقولون: القاضي بمعنى الحاكم.
ويأتي بمعنى أمر: قال الله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" (^١) أي أمر.
ويأتي بمعنى أخبر: قال الله تعالى: "وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين" (^٢) بمعنى أخبرناه.
_________________
(١) سورة الإسراء: آية (٢٣).
(٢) سورة الحجر: آية (٦٦).
[ ٤١٠ ]
ويكون بمعنى أراد، وهو قريب من معنى حكم. قال الله تعالى: "إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون" (^١). ومعنى ذلك حكم بكونه فكونه.
ومعنى القدر في اللغة العربية: الترتيب والحد الذي ينتهي إليه الشيء تقول قدرت البناء تقديرًا إذا رتبته، وحددته قال تعالى: "وقدر فيها أقواتها" (^٢) بمعنى رتب أقواتها وحددها. وقال تعالى "إنا كل شيء خلقناه بقدر" (^٣). يريد تعالى برتبة وحد.
فمعنى قضى وقدر: حكم ورتب.
ومعنى القضاء والقدر: حكم الله تعالى في شيء بحمده أو ذمه وبكونه وترتيبه على صفة كذا وإلى وقت كذا فقط (^٤).
والقدر حق ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا.
قال الله ﷿: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها" (^٥). ولقوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر". وقوله: "والله خلقكم وما تعملون" (^٦). أي ما تعملون من خير وشر لا خالق مع الله، يقول تعالى: "ولو شاء الله ما
_________________
(١) سورة آل عمران: آية (٤٧)، وسورة مريم: آية (٣٥).
(٢) سورة فصلت: آية (١٠).
(٣) سورة القمر: آية (٤٩).
(٤) انظر الفصل (٣: ٥١)، وانظر في معنى القضاء والقدر الحدود والحقائق في شرح الألفاظ المصطلحة بين المتكلمين والإمامية للأبي ص (٢٥).
(٥) سورة الحديد: آية (٢٢).
(٦) سورة الصافات: آية (٩٦).
[ ٤١١ ]
فعلوه" (^١) ويقول تعالى: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا" (^٢).
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى: أنت ادم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق؟ " (^٣).
ويقول ﷺ: "كتب الله مقادير الخلائق. قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (^٤).
والمقدور ما أصاب العبد في وقته وساعته، وسبق به الحكم بأنه يكون لا محالة. وفعل الله تعالى قبل فعل العبد. وذلك مثل قوله تعالى: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" (^٥). وقوله تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم" (^٦).
فهذا كله فعل الله تعالى قبل فعل العبد.
ثم إن الله تعالى يتولى الخير، ولا يتولى الشر مع أنه خالقهما يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (١٣٧).
(٢) سورة الإنسان: آية (٣٠).
(٣) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٠٤٣).
(٤) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٠٤٤).
(٥) سورة الأنفال: آية (١٧).
(٦) سورة التوبة: آية (١٤).
[ ٤١٢ ]
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^١).
أي أن الله تعالى أمر بالخير وتولى صاحبه ووفقه، وترك صاحب الشر فلم يتولاه (^٢).
مذهب ابن حزم في قضاء الله وقدره:
هو مذهب المؤمنين بالقضاء والقدر والأمر والنهي الذين يفعلون المأمور ويبتعدون عن المحظور، ويصبرون على المقدور، وإذا أصابتهم مصيبة في الأرض أو في أنفسهم علموا أن ذلك في كتاب وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، فيسلمون الأمر لله ويصبرون على ما ابتلاهم به معتقدين أن القدر خيره وشره من الله تعالى.
وهذا هو المذهب الحق الذي تؤيده الأدلة من الكتاب والسنة وقد ذكرنا بعضًا منها في عرض مذهب ابن حزم، ودلالتها واضحة وصريحة على أن كل ما كان فهو مقدر من الله تعالى من خير وشر فهو الخالق لكل ما يكون في الوجود ولا عذر لأحد بالقدر.
يقول ابن تيمية: "فمن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولًا لقبل من إبليس وغيره من العصاة، ولو كان القدر حجة للعباد: لم يعذب الله أحدًا من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولو كان القدر حجة لم يقطع سارق ولا قتل قاتل، ولا أقيم حد على ذي جريمة،
_________________
(١) سورة البقرة: آية (٢٥٧).
(٢) انظر المحلى (١: ٤٦). والأصول والفروع (٢: ٤٠٢ - ٤٠٥).
[ ٤١٣ ]
ولا جوهد في سبيل الله ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر" (^١).
وعدم صحة الاحتجاج بالقدر على الله تعالى: لأنه علم الأمور التي ستكون في خلقه فكتبها على ما هي عليه فما كان فهو المكتوب الذي علم الله أنه سيكون فلا يتغير عما علمه سبحانه.
يقول ابن تيمية: "إن الله تعالى علم الأمور وكتبها على ما هي عليه، فهو سبحانه قد كتب: أن فلانًا يؤمن ويعمل صالحًا فيدخل الجنة، وفلانًا يفسق ويعصي فيدخل النار. كما علم وكتب أن فلانًا يتزوج امرأة ويطؤها فيأتيه ولد، وأن فلانًا يأكل ويشرب فيشبع ويروى، وأن فلانًا يبذر البذر فينبت الزرع، فمن قال إن كنت من أهل الجنة فأنا أدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولًا باطلًا متناقضًا لما علمه الله وقدره فمن ظن أنه يدخل الجنة بلا إيمان، كان ظنه باطلًا، وإذا اعتقد أن الأعمال التي أمر الله بها لا يحتاج إليها، ولا فرق بين أن يعملها أو لا يعملها كان كافرًا والله قد حرم الجنة إلا على أصحابها" (^٢).
مما ذكرنا من النصوص يظهر لنا أن رأي ابن حزم في قضاء الله تعالى وقدره موافق لرأي ابن تيمية وغيره من علماء السلف. وهو رأي أهل السنة والجماعة كما ذكر ابن تيمية بقوله: "مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء، وربه مليكه لا رب غيره ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير،
_________________
(١) رسالة القضاء والقدر لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى (٣: ٩١) وانظر رسالة إبطال وحدة الوجود لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل (١: ٩٣). وشرح الهراس لنونية ابن القيم (١: ٣٨٥).
(٢) رسالة القضاء والقدر لابن تيمية المجموعة الكبرى (٢: ٩٢).
[ ٤١٤ ]
وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله، وطاعة رسوله، منهى عن معصية الله، ومعصية رسوله، فإن أطاع كان ذلك نعمة، وإن عصى كان مستحقًا للذم والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، ولا حجة لأحد على الله تعالى، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته، لكن يحب الطاعات ويأمر بها ويثيب أهلها على فعلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب أهلها ويهينهم.
وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه كما قال تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" (^١).
وقال تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك" (^٢). أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك وما أصابك من حزن وذل وشر فبذنوبك وخطاياك وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلا بد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره، وأن يوقن العبد بشرع الله وأمره" (^٣).
هذا النص الذي ذكرنا من كلام ابن تيمية مبين لمذهب أهل السنة والجماعة ومؤيد لما حكمنا به على منه هـ ب ابن حزم في قضاء الله تعالى وقدره في أن مذهبه مذهبهم. والله أعلم.
_________________
(١) سورة الشورى آية (٣٠).
(٢) سورة النساء آية (٧٩).
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٦٣، ٦٤)، وانظر العقيدة الواسطية له ضمن الرسائل الكبرى (١: ٤٠٤، ٤٠٥).
[ ٤١٥ ]
٢ - خلق أفعال العباد:
يذهب أبو محمد بن حزم كأهل السنة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة خلقها الله ﷿ في الفاعلين لها يستدل على هذا من طريق النص، ومن طريق النظر. فيستدل من طريق النص:
١ - بقوله تعالى: "هل من خالق غير الله" (^١) ودلالة الآية ظاهرة على نفي وجود خالق سواه.
٢ - وبقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^٢) وهذا برهان جلي على أن الدين مخلوق لله ﷿.
٣ - وقوله تعالى: "واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا" (^٣).
(يقول أبو محمد) ومنهم من يعبد المسيح، وقالت الملائكة وصدقوا بل كانوا يعبدون الجن. فصح أن كل من عبدوه ومنهم المسيح والجن لا يخلقون شيئًا، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا فثبت يقينًا أنهم مصرفون مدبرون وأن أفعالهم مخلوقة لغيرهم.
٤ - واستدل بقوله تعالى: "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا
_________________
(١) سورة فاطر: آية (٣).
(٢) سورة الروم: آية (٣٠).
(٣) سورة الفرقان: آية (٣).
[ ٤١٦ ]
تذكرون" (^١) فصح بنص هذه الآية أن الله تعالى هو يخلق وحده وكل من عداه لا يخلق شيئًا فليس أحد مثله تعالى.
٥ - وبقوله تعالى: "هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه" (^٢).
وهذا إيجاب. لأن الله تعالى خلق كل ما في العالم وأن كل من دونه لا يخلقون شيئًا أصلًا، ولو كان ههنا خالق لشيء من الأشياء غير الله تعالى لكان جواب هؤلاء المقررين جوابًا قاطعًا ولقالوا له: نعم نريك أفعالنا خلقناها من دونك ونعم ههنا خالقون كثير وهم نحن لأفعالنا.
٦ - ومن الأدلة قوله ﷿: "أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء" (^٣) وهذا بيان واضح لا خفاء فيه؛ لأن الخلق كله جواهر، وأعراض ولا شك في أنه لا يفعل الجواهر أحد دون الله تعالى وإنما يفعلها الله ﷿ وحده فدم يبق إلا الأعراض فلو كان الله ﷿ خالقًا لبعض الأعراض ويكون الناس خالقين لبعضها لكانوا شركاء في الخلق ولكانوا قد خلقوا كخدممه، خلق أعراضًا وخلقوا أعراضًا وهذا تكذيب لله تعالى ورد للقرآن مجرد فصح أنه لا يخلق شيئًا غير الله ﷿، والخلق هو الاختراع فالله مخترع أفعالنا كسائر الأعراض ولا فرق.
٧ - وقوله ﷿: "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما
_________________
(١) سورة النحل: آية (١٧).
(٢) سورة لقمان: آية (١١).
(٣) سورة الرعد: آية (١٦).
[ ٤١٧ ]
تعملون" (^١) وهذا نص جلي على أنه تعالى خلق أعمالنا، وإنما عملنا النحت بنص الآية وبضرورة المشاهدة فهي التي عملنا وهي التي أخبر تعالى أنه خلقها لا المادة المنحوتة.
٨ - ومن الأدلة قوله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (^٢) فنص تعالى في الآية على أنه برأ المصائب كلها فهو بارىء لها والبارىء هو الخالق نفسه بلا شك فصح يقينًا أن الله تعالى خالق كل شيء إذ هو خالق كل ما أصاب في الأرض وفي النفوس ثم زاد تعالى بيانًا يرفع الإشكال جملة بقوله تعالى: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم" فبين تعالى أن ما أصاب الأموال والنفوس من المصائب فهو خالقها وقد تكون تلك المصائب أفعال الظالمين بإتلاف الأموال وأذى النفوس فنص تعالى على أن كل ذلك خلق له تعالى وبه ﷿ التوفيق (^٣).
ويستدل ابن حزم على خلق الله لأفعال عباده من طريق النظر بقوله:
"إن الحركة نوع واحد وكما يقال على جملة النوع فهو يقال مقول على أشخاص ذلك النوع ولابد فإن كان النوع مخلوقًا فأشخاصه مخلوقة. وأيضًا فلو كان في العالم شيء غير مخلوق لله ﷿ لكان من قال العالم مخلوق والأشياء مخلوقة وما دون الله تعالى مخلوق
_________________
(١) سورة الصافات: الآيتان (٩٥، ٩٦).
(٢) سورة الحديد: الآيتان (٢٢، ٢٣).
(٣) انظر الفصل لابن حزم (٣: ٥٤ - ٦١). والمحلى (١: ٤٧).
[ ٤١٨ ]
كاذب، لأن في كل ذلك عندهم ما ليس بمخلوق ولكان من قال العالم غير مخلوق ولم يخلق الله تعالى الأشياء صادقًا، ونعوذ بالله تعالى من قول أدى إلى هذا" (^١).
ويستدل أيضًا من طريق النظر بقوله: "إن العالم كله ما دون الله تعالى ينقسم قسمين: جوهر، وعرض، لا ثالث لهما، ثم ينقسم الجوهر إلى أجناس وأنواع ولكل منها فعل يتميز به مما سواه من الأنواع التي يجمعها وإياه جنس واحد. وبالضرورة نعلم أن ما لزم الجنس الأعلى لزم كل ما تحته إذ محال أن تكون نار غير حارة أو هواء راسب بطبعه أو إنسان صهال بطبعه وما أشبه هذا، ثم بالضرورة نعلم أن الإنسان لا يفعل شيئًا إلا الحركة والسكون والفكر والإرادة، وهذه كلها كيفيات (^٢) يجمعها مع اللون والطعم والمجسة والأشكال جنس الكيفية فمن المحال الممتنع أن يكون بعض ما تحت النوع الواحد والجنس الواحد مخلوقًا وبعضه غير مخلوق، وهذا أمر يعلمه باطلًا من له أدنى علم بحداد العالم وانقسامه وحركتنا وسكوننا بجميع كل ذلك مع كل حركة في العالم وكل سكون في العالم نوع من الحركة ونوع من السكون. ثم ينقسم كل ذلك قسمين ولا مزيد؛ حركة اضطرارية، وحركة اختيارية وسكونًا اختياريًا، وسكونًا اضطراريًا وكل ذلك حركة تحد بحد الحركة وسكون يحد بحد السكون ومن المحاكم أن يكون بعض الحركات مخلوقًا لله تعالى وبعضها غير مخلوق
_________________
(١) الفصل لابن حزم (٣: ٦١).
(٢) الكيف هو كل هيئة قارة في جسم لا يوجب اعتبار وجودها فيه نسبة للجسم إلى خارج ولا نسبة واقعة في أجزائه، ولا لجملته اعتبارا يكون به ذا جزء. انظر الملل والنحل للشهرستاني (٣: ١٥) ومعيار العلم للغزالي ص (٢٨٦)، والتعريفات للجرجاني ص (١٦٥).
[ ٤١٩ ]
وكذلك السكون أيضًا" (^١).
تلك بعض أدلة ابن حزم من طريق النص والنظر على أن الله تعالى خالق أفعال العباد خيرها وشرها كل ذلك مخلوق خلقه الله ﷿، وهو تعالى خالق الاختيار والإرادة والمعرفة في نفوس عباده، ولا عذر لأحد بما قدر الله تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو الحاكم الذي لا حاكم عليه ولا معقب لحكمه يقول تعالى: "فعال لما يريد" (^٢).
مذهب ابن حزم في أفعال العباد أنها مخلوقة لله تعالى وهذا مذهب السلف وهو المشهور من مذاهب العلماء.
يقول ابن تيمية: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام الإمام أحمد ومن قبله ومن بعده حتى قال بعضهم: من قال إن أفعال العباد غير مخلوقة فهو بمنزلة من قال: إن السماء والأرض غير مخلوقة" (^٣).
وجل العلماء نصوا على أن الله سبحانه هو الخالق لأفعال عباده.
من هؤلاء: البخاري (^٤)، والماتريدي (^٥)، وأبو يعلى (^٦)،
_________________
(١) الفصل لابن حزم (٣: ٩٤، ٩٥).
(٢) سورة هود: آية (١٠٧).
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٤٠٦).
(٤) انظر كتاب خلق أفعال العباد للبخاري ص (١٧).
(٥) انظر تأويلات أهل السنة للماتريدي (١: ٢٨١)، ورسالة في العقائد على مذهب الماتريدي ص (٣/ ب، ٤/ ب).
(٦) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (١٢٦ - ١٢٨).
[ ٤٢٠ ]
والبيهقي (^١)، والرازي (^٢) وابن تيمية (^٣)، وابن القيم (^٤)، والتفتازاني، (^٥)، وغير هؤلاء كثير.
وفى عرضنا لمذهب ابن حزم بينا أدلته النقلية والعقلية وهي أدلة لكل القائلين بأن الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد وفيها كفاية لبيان المقصود، ولكن نريد هنا أن نبين بعض المسائل لتوضيح هذا المذهب وتأييده فنقول:
إذا قيل عن فعل "ما" إنه فعل الله تعالى، أو فعل العبد، فيجب معرفة المقصود من هذا، لأن في هذا القول إجمال، فقد يراد الفعل نفسه، وقد يراد مسمى المصدر.
فإذا أريد بالفعل الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو هذا، فالفعل هنا هو المفعول وهذا لا يقال عنه إنه فعل الله تعالى باتفاق المسلمين وبصريح العقل. يقول تعالى:
"يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات" (^٦) فجعلا هذه المصنوعات معمولة للجن ومن هذا الباب
_________________
(١) انظر الاعتقاد للبيهقي ص (٥٩).
(٢) انظر التفسير الكبير للرازي (٢٦: ١٤٩)، والأربعين في أصول الدين له ص (٢٢٧).
(٣) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٢٣٨، ٣٩٠، ٣٩٤، ٤٠٦، ٤٦١، ٤٦٢)، ورسالة الإرادة والأمر له ضمن المجموعة الكبير (١: ٣٥٩ - ٣٦١). والعقيدة الواسطية ضمن المجموعة الكبرى (١: ٤٠٥).
(٤) انظر شفاء العليل لابن القيم ص (٢٣٤ - ٢٥٥).
(٥) انظر شرح المقاصد للتفتازاني (٢: ١٣٣، ١٣٤).
(٦) سورة سبأ: آية (١٣).
[ ٤٢١ ]
قوله تعالى: "والله خلقكم وما تعملون" (^١) فإنه في أصح القولين أن "ما" بمعنى الذي والمراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى: "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" (^٢) أي والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها، فالعمل عملهم، والله خالق الكل، كما قال ﷺ: "إن الله خالق كل صانع وصنعته" (^٣)، وتكون فعل الله تعالى إذا أريد بها كونها مفعولة مخلوقة كسائر المخلوقات (^٤).
يوضح هذا: أنك إذا كتبت بالقلم مثلا، هل يكون القلم شريكك، أو يضاف إليه شيء من نفس الفعل وصفاته؟ أم هل يصلح أن تلغي أثره وتقطع خبره، وتجعل وجوده كعدمه؟ أم يقال به كتبت - ولله المثل الأعلى - فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله وهو محتاج إليها لا يتمكن إلا بها. والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض لكن الحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها والله عزيز حكيم (^٥).
فعلى هذا فمشيئة العبد للخير والشر موجودة، وله قدرة على هذا
_________________
(١) سورة الصافات: آية (٩٦).
(٢) سورة الصافات: الآيتان (٩٥، ٩٦).
(٣) المستدرك على الصحيحين للحاكم (١: ٣١، ٣٢) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وفي مجمع الزوائد (٧: ١٩٧)، قال: رجاله رجال الصحيح، غير أحمد بن عبد الله أبو الحسين بن الكردي وهو ثقة.
(٤) انظر رسالة الإرادة والأمر لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٥٩، ٣٦٠).
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٣٩١) بتصرف.
[ ٤٢٢ ]
وهذا وهو العامل للخير والشر والله خالق ذلك كله وربه ومليكه لا خالق غيره ولا رب سواه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد أثبت سبحانه مشيئته، ومشيئة العبد، وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئته سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ (^١) وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (^٢). وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ (^٣).
وقد نطق القرآن بإثبات فعل العبد في كثير من الآيات: "يعملون، يفعلون، يؤمنون، يكفرون، يتفكرون، يحافظون، يتقون".
فمذهب السلف أن فعل العبد فعل له حقيقة، وهو مخلوق لله، ومفعول له سبحانه، وليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق (^٤).
ولصراحة الأدلة على إثبات أن العبد فاعل، وله مشيئة واختيار أنكر السلف وعلماء أهل السنة على الجبرية قولهم، إن الأفعال الصادرة من الخلق كلها نوع واحد، يصدر الفعل عنها من غير إرادة ولا مشيئة كحركة الأشجار بهبوب الرياح وحركة المرتعش، ونبضات القلب ونحو هذا.
_________________
(١) سورة الإنسان: الآيتان (٢٩، ٣٠).
(٢) سورة التكوير: الآيات (٢٧، ٢٨، ٢٩).
(٣) سورة المدثر: الآيتان (٥٥، ٥٦).
(٤) انطر مجمو الفتاوى لابن تيمية (٨: ٢٣٨، ٣٩٣)، وشرح الطحاوية ص (٣٨٣ - ٣٩١).
[ ٤٢٣ ]
وعلماء السنة يقسمون الأفعال إلى نوعين:
نوع اضطراري لا اختيار فيه، ولا يجد الإِنسان من نفسه القدرة على منعه أو التحكم فيه كحركة الارتعاش، ونبضات القلب والآخر اختياري يجد الإنسان من نفسه القدرة على التحكم فيه فقد يريده وتتعلق قدرته به فيفعله، وقد لا يريده فلا تتعلق قدرته به فلا يفعله (^١).
ومن أجل هذا الإثبات كره السلف اطلاق لفظ "الجبر" لما فيه من معنى الإِكراه، يقال: أجبر الأب ابنته على النكاح إذا أكرهها.
ومن جعل مريدًا للفعل مختارًا له راضيًا به لا يقال عنه إنه مجبر.
يقول ابن تيمية: "فإن الله أعلى وأجل قدرًا من أن يجبر أحدًا وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريدًا للفعل مختارًا له محبًا له راضيًا به والله سبحانه قادر على ذلك، فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له الراضى به مريدًا له محبًا له راضيًا به، فكيف يقال: أجبره وأكرهه كما يجبر المخلوق المخلوق" (^٢).
ولعدم صلاحية هذا المعنى في الجبر بالنسبة للقادر على كل شيء قالوا: إن الله تعالى، جبل فلانًا على كذا، وهذا مما وردت به السنة، يقول ﷺ: لأشج عبد القيس (^٣): "إن فيك لخلقين
_________________
(١) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٣٩٣، ٣٩٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٨: ٤٦٣).
(٣) هو المنذر بن عائذ العصري بن عبد القيس، وقيل المنذر بن الحارث. وقيل غير ذلك، وفد إلى النبي ﷺ في وفد عبد القيس وقيل إن النبي ﷺ قال: يا أشج فهو أول يوم سمي فيه الأشج. انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (١: ٩٦، ٩٧) و(٤: ٤١٧، ٤١٨) وشرح النووي على مسلم (١: ١٨٩).
[ ٤٢٤ ]
يحبهما الله: الحلم والأناءة، فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما. فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب" (^١).
في الحديث بيان أن تلك الصفتين في أشج عبد القيس مما جبله الله عليهما فليستا من فعله (^٢).
ويمكن الاستدلال بالحديث على نفي الجبر ووقوع الإختيار في أفعال الإنسان. لأن تلك الصفتين اللتين جبل عليهما أشج عبد القيس قد يأتي بما يخالفهما وليس هناك ما يمنعه فليس مجبرًا عليهما.
٣ - الهدي والتوفيق والإضلال:
في بيان هدى الله تعالى للعبد وإضلاله له.
يقرر أبو محمد بن حزم هذا ببيان أن الله تعالى خلق نفس الإِنسان
_________________
(١) انظر سُنن أبي داود (٤: ٣٥٧) وروى الحديث عن محمد بن عيسى الطباع، عن مطر بن عبد الرحمن الأعنق عن أُم أبان بنت الوازع بن زارع عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس، ومحمد بن عيسى وثقه النسائي وابن حبان وقد روى عنه البخاري انظر التهذيب لابن حجر (٩: ٣٩٢ - ٣٩٤). ومطر قال عنه أبو حاتم محله الصدق وذكره ابن حبان في الثقات. انظر التهذيب لابن حجر (١٠: ١٦٩). وأما أم أبان فذكرها الذهبي في ميزان الاعتدال (٤: ٤٨٦، ٦١١) وابن حجر في التهذيب (١٢: ٤٥٨) ولم يذكروا فيها جرحًا ولم يذكروا لها تعديلا. والحديث رواه أيضًا ابن ماجه في سُننه (٢: ١٤٠١) والإمام أحمد في مسنده (٤: ٢٠٦).
(٢) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٤٦٢). ورسالة الإرادة والأمر له ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٤٤، ٣٤٥).
[ ٤٢٥ ]
مميزة عاقلة عارفة بالأشياء على ما هي عليه فهمة بما تخاطب به. وجعلها مأمورة منهية فعالة منعمة معذبة ملتذة آلمة حساسة، وخلق فيها قوتين متعاديتين متضادتين في التأثير وهما التمييز والهوى كل واحدة منهما تريد الغلبة على آثار النفس.
فالتمييز هو الذي خص به نفس الإنسان والجن والملائكة دون الحيوان الذي لا يكلف، والذي ليس ناطقًا.
والهوى هو الذي يشاركها فيه نفوس الجن والحيوان الذي ليس ناطقا من حب اللذات والغلبة، فالملائكة ليس عندها هذه القوة، لذلك لم يقع منها معصية أصلًا بوجه من الوجوه.
فإذا عصم الله النفس غلب التمييز بقوة من عنده. هي له مدد وعون فجرت أفعال النفس على ما رتب الله ﷿ في تمييزها من فعل الطاعات، وهذا هو الذي يسمى العقل.
وإذا خذل جل وعز النفس أمد الهوى بقوة هي الإضلال فجرت أفعال النفس على ما رتب الله ﷿ في هواها من الشهوات وحب الغلبة والحرص والبغي والحسد وسائر الأخلاق الرذلة والمعاصي وقد قامت البراهين على أن النفس مخلوقة وكذلك جميع قواها المنتجة عن قوتيها الأولتين التمييز والهوى كل ذلك مخلوق مركب في النفس مرتب على ما هي عليه، فإذا قد صح أن كل ذلك خلق الله تعالى فلا مغلب لبعض ذلك على بعض إلا خالق الكل وحده لاشريك له يقول صلى الله عليه و"كل ميسر لما خلق له" (^١) فبين ﵇
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (٣: ١٥٥)، و(٤: ١٠١، ٢١٧) وصحيح مسلم (٤: ٢٠٤٠، ٢٠٤١)، وسنن أبي داود (٤: ٢٢٣) وسنن الترمذي (٤: ٤٤٥) وسُنن ابن ماجه (١: ٣٠، ٣١) و(٢: ٧٢٥)، ومسند أحمد (١: ٦) و(٤: ٤٢٧، ٤٣١).
[ ٤٢٦ ]
أن الهدى والتوفيق هو تيسير الله تعالى المؤمن للخير الذي له خلقه، وأن الخذلان تيسيره الفاسق للشر الذي له خلقه. وهذا موافق للغة والقران والبراهين الضرورية العقلية، ولما عليه الفقهاء، والأئمة المحدثون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وعامة المسلمين (^١).
الهدى والتوفيق:
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، (^٢) ويقول تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ (^٤). وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾. (^٥) وقال تعالى: "من يضلل الله فلا هادي له" (^٦). وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
_________________
(١) انظر الفصل لابن حزم (٣: ٥٠، ٥١).
(٢) سورة فصلت: آية (١٧).
(٣) سورة الإنسان: الآيات (٢، ٣، ٤).
(٤) سورة النحل: آية (٣٦).
(٥) سورة النحل: آية (٣٧).
(٦) سورة الأعراف: آية (١٨٦).
(٧) سورة الأنعام: آية (١٢٥).
[ ٤٢٧ ]
أَجْمَعِينَ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (^٢).
في هذه الآيات التي سردنا وغيرها على هذا النحو كثير وكله كلام الله ﷿ لا يتعارض ولا يبطل بعضه بعضا قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (^٣).
فصح يقينًا أن كل ما أوردنا من الآيات متفق لا مختلف فنظرنا فيها فوجدناها ظاهرة لائحة وهو أن الله تعالى أخبر أنه هدى ثمود فلم يهتدوا، وهدى الناس كلهم السبيل ثم هم بعد إما شاكرًا وإما كفورًا، وأخبر تعالى في الآيات الأخرى أنه هدى قومًا فاهتدوا ولم يهد آخرين فلم يهتدوا، وأنه لم يشأ أن يؤتى كل نفس هداها، ولا أن يجمع الناس كلهم على الهدى، فعلمنا ضرورة أن الهدى الذي أعطاه الله ﷿ جميع الناس هو غير الذي أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم فلم يعطهم إياه هذا أمر معلوم بضرورة العقل وببديهته، فإذ لا شك في ذلك فقد لاح الأمر وهو أن الهدى في اللغة العربية من الأسماء المشتركة وهي التي يقع الاسم منها على قسمين مختلفين بنوعهما فصاعدًا.
فالهدى يكون بمعنى الدلالة تقول: هديت فلانًا الطريق بمعنى أريته إياه ووقفته عليه وأعلمته إياه سواء سلكه أو تركه وتقول فلان هاد بالطريق أي دليل فيه فهذا الهدى الذي هداه الله ثمود وجميع الجن والملائكة، وجميع الإنس كافرهم ومؤمنهم لأنه تعالى دلهم على الطاعات والمعاصي وعرفهم ما يسخط مما يرضى يبين هذا قوله تعالى:
_________________
(١) سورة السجدة: آية (١٣).
(٢) سورة الأنعام: آية (٣٥).
(٣) سورة النساء: آية (٨٢).
[ ٤٢٨ ]
"إنا هديناه السبيل" (^١) فبين تعالى أن الذي هداهم له هو الطريق فقط وكذلك أيضًا قوله تعالى: "ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين وهديناه النجدين" (^٢) أي بينا له طريقي الخير والشر.
ويكون الهدى بمعنى التوفيق والعون على الخير والتيسير له وخلقه لقبول الخير في النفوس فهذا هو الذي أعطاه الله ﷿ الملائكة كلهم والمهتدين من الإنس والجن، ومنعه الكفار من الطائفتين والفاسقين فيما فسقوا فيه ولو أعطاهم إياه تعالى لما كفروا ولا فسقوا.
(وقال أبو محمد) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ (^٣).
هو نص جلي على ما قلنا وبيان أن الدلالة لهم على طريق جهنم يحملون فيه إليها هدى لهم إلى تلك الطريق ونفى عنهم تعالى في الآخرة كل هدى إلى شيء من الطرق إلا طريق جهنم ونعوذ بالله من الضلال (^٤).
الأضلال:
يذهب أبو محمد بن حزم، إلى أن الله تعالى يضل من يشاء من خلقه لقوله ﷾ في الآيات التي سقناها في الكلام على الهدى والتوفيق. إن الله لا يهدي من يضل، وإنه أضل من شاء من خلقه وجعل صدورهم ضيقة حرجة.
_________________
(١) سورة الإنسان: آية (٣).
(٢) سورة البلد: الآيات (٨، ٩، ١٠).
(٣) سورة النساء: الآيتان (١٦٨، ١٦٩).
(٤) انظر الفصل لابن حزم (٣: ٤٤، ٤٥).
[ ٤٢٩ ]
فبين تعالى في نص القرآن أن إضلاله لمن أضل من عباده إنما هو أن يضيق صدره عن قبول الإيمان، وأن يحرجه حتى لا يرغب في تفهمه والجنوح إليه ولا يصبر عليه، ويوعر عليه الرجوع إلى الحق حتى يكون كأنه يتكلف في ذلك الصعود إلى السماء، وفسر ذلك أيضًا ﷿ في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (^١). وذكر تعالى، جعل الأكنة على قلوبهم أيضًا في سورتي الإِسراء (^٢)، والكهف (^٣)، وهذه الأكنة هي أنه تعالى يجعل ساترًا على قلوب الكافرين يحول بينها وبين تفهم القرآن، والإصاخة لبيانه وهداه، وأن يفقهوه، وأنه جعل تعالى بينهم وبين قول الرسول ﷺ حجابًا مانعًا لهم من الهدى، وفسره أيضًا لعالى بانه ختم على قلوبهم وطبع عليها فامتنعوا بذلك من وصول الهدى إليها، فالنصوص القرآنية توجب، أن الإضلال معنى زائدًا أعطاه الله للكفار والعصاة، وهو ما ذكرنا من تضييق الصدور وتحريجها والختم على القلوب والطبع عليها وإكنانها عن أن يفقهوا الحق.
فإن قالوا: إن هذا فعل النفوس كلها إن لم يمدها الله تعالى بالتوفيق.
قلنا لهم: من خلقها هذه الخلقة المفسدة إن لم يؤيدها بالتوفيق.
فإن قالوا: الله تعالى خلقها كذلك أقروا بأن الله تعالى أعطاها هذه البلية وركب بها هذه الصفة المهلكة.
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (٢٥).
(٢) انظر آية (٤٦) من السورة.
(٣) انظر آية (٥٧) من السورة.
[ ٤٣٠ ]
فإن قيل: إنه جاء في القرآن أن الشياطين يضلون الناس وينسونهم ذكر الله تعالى ويزينون لهم ويوسوسون، ونسب فعل ذلك من بعض الناس لبعض.
قلنا: هذا صحيح وهو إلقاء لذلك في القلوب وهو من الله تعالى خلق لكل ذلك فيها، وخالق لأفعال هؤلاء المضلين من الجن والإنس، وكذلك قوله تعالى حسدًا من عند أنفسهم لأنه فعل أضيف إلى النفس لظهوره منها وهو خلق الله تعالى فيها.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (^١) فهو أنه لا يضل قومًا حتى يبين لهم ما يتقون وما يلزمهم، لأن المرء قبل أن يأتيه خبر الرسول غير ضال بشيء مما يفعل أصلًا فإنما سمى الله تعالى فعله في العبد إضلالًا بعد بلوغ البيان إليه لا قبل ذلك. فصح، أنه يضلهم بعد أن يبين لهم (^٢).
إن ما ذهب إليه ابن حزم في الهدى وإلإضلال، مذهب تؤيده الأدلة الصحيحة والصريحة من القرآن الكريم وتلك الأدلة كثيرة جدا، ذكرنا في عرض مذهبه، الكثير منها ودلالتها واضحة على أنه تعالى هدى قومًا فاهتدوا، ولم يهد آخرين فلم يهتدوا، فهدى الناس كلهم هداية الدلالة ببيان الطريق لهم. طريق الخير، وطريق الشر، وهدى من اهتدى بأن وفقه وأعانه على الخير ويسر له سبله وجعل له القبول في نفسه.
وأن إضلال الله لمن يشاء من خلقه بأن يجعل صدورهم ضيقة حرجة ويجعل على قلوبهم أكنة تحول بينهم وبين تفهم القرآن، وقول
_________________
(١) سورة التوبة: آية (١١٥).
(٢) انظر الفصل لابن حزم (٣: ٤٦ - ٤٩).
[ ٤٣١ ]
الرسول ﷺ فختم على قلوبهم وطبع عليها فامتنعوا بذلك من وصول الهدى إليها.
والأدلة صريحة وواضحة في الدلالة على هذا المعنى. أن الله تعالى هو الذي يضل ويهدي وهذا قول أكثر الناس (^١).
يقول ابن القيم: "وقد اتفقت رسل الله أسن ولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والضلالة بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإِضلال فعله سبحانه وقدره. والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه" (^٢).
وقد ذكر ابن القيم بعد هذا مراتب الهدى والضلال في القرآن، وتكلم على كل منها وبين ما بينها من الخصوص والعموم وأطال في هذا (^٣).
وقد أجاب ابن تيمية على سؤال عن الباري تعالى: هل يضل ويهدي؟ بما يوافق ما ذكرنا من مذهب ابن حزم وغيره. أن الله تعالى خالق لكل شيء وأنه بمشيئته وقدرته. يقول:
"إن كل ما في الوجود فهو مخلوق له، خلقه بمشيئته وقدرته، وما
_________________
(١) انظر الفقه الأكبر للشافعي ص (١٧)، وشرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة شرح ملا علي القاري ص (٣٧، ٣٨)، وشرح العقيدة الطحاوية ص (٨٦، ٨٧). وشرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٨). الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان ص (١٢، ١٣).
(٢) شفاء العليل لابن القيم ص (١٤٢).
(٣) انظر شفاء العليل ص (١٤٢ - ١٨٢).
[ ٤٣٢ ]
شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويولي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويشرح صدر من يشاء للإِسلام، ويجعل صدر من يشاء ضيقًا كأنما يصعد في السماء .. وهو الذي جعل المسلم مسلمًا والمصلي مصليًا قال الخليل: "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" (^١) وقال: "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي" (^٢).
وقال تعالى: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا" (^٣) وقال عن آل فرعون: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار" (^٤) .. وقال تعالى: "من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا" (^٥) وهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وله فيما خلقه حكمة بالغة، ونعمة سابغة ورحمة خاصة وعامة وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا لمجرد قدرته وقهره، بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته" (^٦).
وقد رد الإِمام الأشعري على المعتزلة في قولهم إن الله هدى الناس أجمعين وإن الضلال من عند الضالين أنفسهم. فبين لهم عدم استقامة هذا القول ومناقضته لنصوص القرآن. وعدم تأييد اللغة لهم بأن المسمى ضالًا يقال له أضل وألزمهم إلزامات لا مفك لهم منها (^٧).
_________________
(١) سورة البقرة: آية (١٢٨).
(٢) سورة إبراهيم: آية (٤٠).
(٣) سورة السجدة: آية (٢٤).
(٤) سورة القصص: آية (٤١).
(٥) سورة الكهف: آية (١٧).
(٦) مجموع فتاوي ابن تيمية (٨: ٧٨، ٧٩).
(٧) انظر الإبانة للأشعري ص (٥٥ - ٥٩).
[ ٤٣٣ ]
٤ - التعديل والتجوير:
مذهب ابن حزم في التعديل والتجوير (^١) هو أن الله عدل لا يجور ولا يظلم فلا ينسب إليه جور ولا ظلم، لأنه هو الحاكم المطلق، والخالق لكل ما سواه، فلا يسأل عما يفعل، يفعل ما يشاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وليس لأحد عليه حق ولا حجة مهما كان، وكل ما يفعل فهو الحق والعدل، ولا يشبه بخلقه فيحسن منه ما حسن منهم، ويقبح منه ما قبح منهم، لأنه ﵎ يخالفهم في ذاته وصفاته وأفعاله.
يقول ابن حزم في تقرير هذا المذهب: "والقول الصحيح هو أن العقل الصحيح يعرف بصحته ضرورة أن الله تعالى حاكم على كل ما دونه، وأنه تعالى غير محكوم عليه، وأن كل ما سواه تعالى فمخلوق له ﷿ سواء كان جوهرًا حاملًا، أو عرضًا محمولًا لا خالق سواه، وأنه يعذب من يشاء أن يعذبه ويرحم من يشاء أن يرحمه، وأنه لا يلزم أحدًا إلا ما ألزمه الله ﷿، ولا قبيح إلا ما قبح الله، ولا حسن إلا ما حسن الله، وأنه لا يلزم لأحد على الله تعالى حق ولا حجة ولله تعالى على كل من دونه وما دونه الحق الواجب والحجة البالغة لو عذب المطيعين والملائكة والأنبياء في النار مخلدين لكان ذلك له ولكان عدلًا
_________________
(١) العدل: ضد الجور، وهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فهو مصدر بمعنى العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة، وهو الميل إلى الحق، انظر مختار الصحاح ص (١٤٧) والتعريفات للجرجاني ص (١٢٨). وبيان كشف الألفاظ لمحمود اللامشي ص (٢٥٦) والقاموس (١٣: ٤) والجور: نقيض العدل: وهو ضد القصد، وكل ما مال فقد جار وجار عن الطريق عدل، ويقال جار عليه في الحكم، انظر مختار الصحاح ص (١١٦) ولسان العرب (٥: ٢٢٤).
[ ٤٣٤ ]
وحقًا منه، ولو نعم إبليس والكفار في. الجنة مخلدين كان ذلك له، وكان حقًّا وعدلًا منه وأن كل ذلك إذا أباه الله تعالى وأخبر أنه لا يفعله صار باطلًا وجورًا وظلمًا.
وقد علم المسلمون أن الله تعالى عدل لا يجور ولا يظلم ومن وصفه ﷿ بالظلم والجور فهو كافر ولكن هذا ليس على ما ظنه الجهال من أن عقولهم حاكمة على الله تعالى في أن لا يحسن منه إلا ما حسنت عقولهم، وأنه يقبح منه تعالى ما قبحت عقولهم وهذا هو تشبيه مجرد لله تعالى بخلقه إذا حكموا عليه بأنه تعالى يحسن منه ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا ويحكم عليه في العقل بما يحكم علينا.
والحق أن كل ما فعله الله تعالى أي شيء كان فهو منه ﷿ حق وعدل وحكمة، وإن كان بعفذلك "منا" جورًا وسفهًا وكل ما لم يفعله الله ﷿ فهو الظلم والباطل والعبث والتفاوت، وأما إجراؤهم الحكم على الباري تعالى بمثل ما يحكم به بعضنا على بعض فضلال بين.
فإن قيل: هل في أفعال الله تعالى عبث وضلال ونقص ومذموم؟
قلنا: إما أن يكون في أفعاله تعالى عبث يوصف به أو عيب مضاف إليه أو ضلال يوصف به أو نقص ينسب إليه أو جور منه أو ظلم منه أو مذموم منه فلا يكون ذلك أصلًا بل أفعاله عدل وحكمة وخير وصواب وكلها حسن منه تعالى ومحمود منه.
ولكن فيها عيب على من ظهرمنه ذلك الفعل وعبث منه وضلال منه وظلم منه ومذموم منه، ثم نسألهم فنقول لهم هل في أفعاله تعالى سخف وجنون وحمق وفضائح ومصائب وقبح وأقذار وأنتان ونجس ونحو هذا، فإن قالوا: لا، أكذبهم الله ﷿ بقوله تعالى: "ما
[ ٤٣٥ ]
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ " (^١).
وإن قالوا: إن الله تعالى خلق كل ذلك، ولكن لا يضاف شيء منه إلى الله ﷿ على الوجه المذموم، ولكن على الوجه المحمود، قلنا هذا قولنا فيما سألتمونا عنه (^٢).
تناول ابن حزم بالبحث تحت عنوان التعديل والتجوير مسألتين:
عدل الله تعالى وتنزيهه عن الظلم.
والتحسين والتقبيح.
فأثبت في المسألة الأولى أن الله عدل لا يجور ولا يظلم، ولا يصح نسبة الظلم والجور إليه.
وهذه المسألة محل اتفاق بين المسلمين، وسائر أهل الملل فعندهم أن الله تعالى عدل قائم بالقسط، لا يظلم شيئًا بل هو منزه عن الظلم (^٣).
ولكن حصل الاختلاف في معنى الظلم الذي ينزه الله عنه.
ونرى في نفي ابن حزم الظلم عن الله تعالى وعدم صحة نسبة الجور والظلم إليه أنه علل ذلك بأن الله هو الحاكم المطلق، والخالق لكل ما دونه وأنه لا يسأل عما يفعل .. إلى آخر ما ذكر.
_________________
(١) سورة الحديد: آية (٢٢).
(٢) انظر الفصل لابن حزم (٣: ٩٨، ١٠٥، ١٢٢).
(٣) انظر رسالة في معنى كون الرب عادلا في تنزهه عن الظلم لابن تيمية ضمن جامع الرسائل المجموعة الأولى ص (١٢١).
[ ٤٣٦ ]
وفي هذا القول موافقة لمن فسر الظلم بما ليس بممكن الوجود وأن كل ممكن إذا قدر وجوده منه فإنه عدل، والظلم هو الممتنع عند هؤلاء كالجمع بين الضدين (^١) فإن الظلم إما التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، ولا يكون هذا بالنسبة لله إذ كل ما سواه ملكه. وليس فوق الله آمر تجب عليه طاعته، فكل ما تصور وجوده وقدر فهو عدل، وهذا قول المجبرة مثل جهم ومن تبعه، وهو قول الأشعري وأمثاله من أهل الكلام وقول من وافقهم من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية (^٢).
ونرى عدم استقامة هذا المعنى للظلم والعدل، وأن الصواب هو: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه (^٣)، والعدل وضع كل شيء في موضعه، والله سبحانه حكم عدل يضع كل شيء في موضعه الذي يناسبه وتقتضيه الحكمة والعدل، ولا يفرق بين متماثلين ولا يسوى بين مختلفين ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة فيضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة والعدل، قال ﷾: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ
_________________
(١) الضدان: صفتان وجوديتان يتعاقبان في موضوع واحد يستحيل اجتماعهما كالسواد والبياض. التعريفات للجرجاني ص (١٢٠) وانظر الحدود والحقائق للأبي (٢١، ٢٢).
(٢) انظر رسالة في معنى كون الرب عادلا في تنزهه عن الظلم ضمن جامع الرسائل لابن تيمية المجموعة الأولى ص (١٢١، ١٢٢).
(٣) انظر مختار الصحاح ص (٤٠٥)، والتعريفات للجرجاني ص (١٢٥)، والقاموس (٤: ١٤٥).
(٤) سورة القلم: الآيتان (٣٥، ٣٦).
[ ٤٣٧ ]
نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾، أم (^١) وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (^٢).
وبهذا القول يتبين أن كل ما يفعله الرب فهو عدل، فلا يظلم مثقال ذرة ولا يجزي أحدا إلا بذنبه ولا يخاف أحد ظلمًا ولا هضمًا (^٣).
وفي المسألة الثانية: التحسين والتقبيح، تناول ابن حزم بالبحث شيئين:
الأول:
أن الحسن والقبح ليسا عقليين فلا قبيح إلا ما قبح الله، ولا حسن إلا ما حسن الله تعالى.
الثاني:
أن الله تعالى لا يُحكم عليه بالعقل بما يُحكم به علينا فيحسن منه ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا، وهذا المسلك صحيح فالله لا يقاس بخلقه، فلا يحكم عليه بما يحكم عليهم فذاته وصفاته وأفعاله تخالف ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم فقياسه بهم قياس غير صحيح.
وأقوال القدرية الباطلة مترتبة على قياس الله تعالى بخلقه في التحسين والتقبيح، وهم مشبهة الأفعال يشبهون الخالق بالمخلوق، والمخلوف بالخالق، وهذا مذهب باطل.
فأفعال الله تعالى لا تمثل بأفعال المخلوقين فإن المخلوق لو كان له عبيد يظلمون ويأتون الفواحش وهو قادر على منعهم وتركهم فلم
_________________
(١) سورة ص: آية (٢٨).
(٢) سورة الجاثية: آية (٢١).
(٣) انظر رسالة في معنى كون الرب عادلا في تنزهه عن الظلم. ضمن جامع الرسائل لابن تيمية المجموعة الأولى ص (١٢٣ - ١٢٦).
[ ٤٣٨ ]
يمنعهم كان ذلك قبيحًا منه وكان مذمومًا على ذلك، والرب تعالى وهو القادر على كل شيء يترك عبيده يظلمون ويأتون الفواحش وهو قادر على منعهم وليس ذلك بقبيح منه لما له في ذلك من الحكمة البالغة والنعمة السابغة هذا على قول السلف، والجمهور الذين يثبتون الحكمة في خلق الله وأمره (^١).
يقول ابن تيمية: "إنه ليس ما حسن منه "من الله" حسن منا وليس ما قبح منه يقبح منا، فإن المعتزلة شبهت الله بخلقه، وذلك أن الفعل يحسن منا لجلبه المنفعة، ويقبح لجلبه المضرة ويحسن لأنا أمرنا به، ويقبح لأنا نهينا عنه، وهذان الوجهان منتفيان في حق الله تعالى قطعًا" (^٢).
أما نفي الحسن والقبح العقليين فهو خلاف قول المعتزلة فهذا القول طرف وقول المعتزلة طرف آخر وليس الصواب واحدًا منهما.
إذ أن من ينفي الحسن والقبح العقليين يقول كما قال ابن تيمية: "إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام بل القادر أمر باحد المتماثلين دون الآخر، لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر .. وهذا القول ولوازمه قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة، ولإِجماع السلف والفقهاء، مع مخالفته أيضًا للمدقول الصريح، فإن الله نزه نفسه عن
_________________
(١) انظر مجموع فتاوي ابن تيمية (٨:، ٤٣١، ٤٣٢، ٩١، ٩٢).
(٢) قاعدة في المعجزات والكرامات لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل (٥: ٢٩).
[ ٤٣٩ ]
الفحشاء فقال: "إن الله لا يأمر بالفحشاء" (^١) كما نزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (^٢). وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (^٣). وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (^٤).
وعلى قول نفاة التحسين والتقبيح العقليين لا فرق في التسوية بين هؤلاء وهؤلاء وبين تفضيل بعضهم على بعض ليس تنزيهه عن أحدهما بأولى من تنزيهه عن الآخر وهذا خلاف المتصوص والمعقول وقد قال الله تعالى: "الله أعلم حيث يجعل رسالته" (^٥). وعندهم أن تعلق الإرسال بالرسول لا يستلزم ثبوت صفة لا قبل التعلق ولا بعده والفقهاء وجمهور المسلمين يقولون: الله حرم المحرمات فحرمت، وأوجب الواجبات فوجبت فهنا شيئان:
أحدهما: الإيجاب والتحريم.
والثاني: الوجوب والحرمة.
فالأول كلام الله تعالى وخطابه، والثاني صفة الفعل.
والله تعالى عليم حكيم، أمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم، وهو أثبت حكم الفعل.
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (٢٨).
(٢) سورة الجاثية: آية (٢١).
(٣) سورة القلم: الآيتان (٣٥، ٣٦).
(٤) سورة ص: آية (٢٨).
(٥) سورة الأنعام: آية (١٢٤).
[ ٤٤٠ ]
وأما صفته فقد تكون ثابتة بدون الخطاب" (^١).
يقول ابن القيم: "والحق .. أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي.
وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه بل هو في غاية القبح. والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل فالسجود للشيطان والأوثان، والكذب، والزنا، والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذإتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع" (^٢).
فالصواب في مسألة التحسين والتقبيح أنه ثلاثة أنواع:
الأول:
ما يكون فيه الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك كالعدل والظلم. فالأول مشتمل على مصلحة العالم، والثاني مشتمل على فسادهم، فالحسن والقبح في هذا قد يعلم بالعقل، وورود الشرع بتقبيح الظلم، وتحسين العدل ليس فيه
_________________
(١) مجموع فتاوي ابن تيمية (٨: ٤٣٣، ٤٣٤) بتصرف. وانظر قاعدة في المعجزات له ضمن الرسائل والمسائل (٥: ٣٠).
(٢) مدارج السالكية لابن القيم (١، ٢٣١). وانظر رسالة الاحتجاج بالقدر لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى (٢: ١٠٤، ١٠٥).
[ ٤٤١ ]
إثبات صفة للفعل لم تكن من قبل، لكن العقاب على الفعل القبيح لا يحصل إلا بعد ورود الشرع بذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^١) وقوله: "رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" (^٢) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (^٣). ومثل هذا في القرآن والسنة كثير.
النوع الثاني:
ما يحصل فيه الحسن والقبح بخطاب الشارع فإذا أمر بشيء صار حسنًا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا.
النوع الثالث:
ما أمر الله تعالى به لحكمة في نفس الأمر للامتحان هل يطاع أم
يعصى، وليس المراد فعل المأمور به، وقد بكون المأمور به حسنًا في
العقل وقد يكون قبيحًا، وهذا مثل أمر الله تعالى إبراهيم عليه
السلام بذبح ابنه فلما أسلما وتله للجبين وحصل المقصود فداه الله
بالذبح كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا
_________________
(١) سورة الإسراء: آية (١٥).
(٢) سورة النساء: آية (١٦٥).
(٣) سورة القصص: آية (٥٩).
[ ٤٤٢ ]
لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (^١).
وإثبات هذه الأقسام جميعًا هو مذهب الحكماء والجمهور وهو الصواب (^٢).
٥ - تعليل أفعال الله:
مذهب ابن حزم أن الله تعالى لا يفعل شيئًا لعلة، فلا علة لما فعل، ولا علة لما لم يفعل لأنه لا شرط عليه، ولا علة موجبة عليه أن يفعل شيئًا لأن الفعل لعلة يلزم عليه لوازم تمتنع في حق الله ﵎، ولأن هذه صفة الخلق والله خلاف خلقه من كل الوجوه فيجب أن يكون فعله لا لعلة بل لأنه شاء ذلك.
يقول: "إن الخلق لما كانوا لا يقع منهم الفعل إلا العلة وجب للبراهين الضرورية أن الباري جل وعز خلاف جميع خلقه من جميع الجهات فلما كان ذلك وجب أن يكون فعله لا لعلة بخلاف أفعال الخلق ولا يجب أن يقال في شيء من أفعاله لم فعل هكذا أولا؛ إذ حبا الإنسان بالعقل وحرمه سائر الحيوان، وخلق بعض الحيوان صائدًا وبعضه مصيدًا وباين جميع مفعولاته كما شاء .. تعالى الذي لا يسأل عن فعله يقول تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" (^٣)." (^٤).
ويقول: "إنه تعالى لا يفعل شيئًا لعلة وإنه تعالى يفعل ما يشاء،
_________________
(١) سورة الصافات: الآيات: (١٠٢ - ١٠٧).
(٢) انظر مجموع فتاوي ابن تيمية (٨: ٤٣٤ - ٤٣٦)، ومدارج السالكين لابن القيم (١: ٢٣١ - ٢٣٧).
(٣) سورة الأنبياء: آية (٢٣).
(٤) الأصول والفروع لابن حزم: (١: ١٨١).
[ ٤٤٣ ]
وإن كل ما فعله فهو عدل وحكمه أي شيء كان" (^١).
ويبرهن أبو محمد على امتناع أن يكون الله تعالى يخلق شيئًا لعلة بقوله: إنه لو فعل شيئًا مما فعل لعلة كانت تلك العلة إما لم تزل معه وإما مخلوقة محدثة ولا سبيل إلى قسم ثالث، فلو كانت لم تزل معه لوجب من ذلك شيئان ممتنعان:
أحدهما: أن معه تعالى غيره لم يزل.
والثاني: أنه كان يجب إذ كانت علة الخلق لم تزل أن يكون الخلق لم يزل لأن العلة لا تفارق المعلول، ولو فارقته لم تكن علة له.
وأيضًا فلو كانت ههنا علة موجبة عليه تعالى أن يفعل ما فعل لكان مضطرًا مطبوعًا أو مدبرًا مقهورًا لتلك العلة وهذا خروج عن الإلهية ولو كانت العلة محدثة لكانت ولا بد إما مخلوقة له تعالى وإما غير مخلوقة.
والقول بعلة محدثة وغير مخلوقة غير صحيح، لأن المحدث لا يكون إلا مخلوقًا فبطل هذا القسم.
وإن كانت مخلوقة وجب ولابد أن تكون مخلوقة لعلة أخرى أو لغير علة، فإن وجب أن تكون مخلوقة لعلة أخرى وجب مثل ذلك في العلة الثانية وهكذا أبدا وهذا يوجب وجوب محدثين لا نهاية لعددهم وهذا باطل.
وإن قالوا: بل خلقت العلة لا لعلة، سئلوا: من أين وجب أن
_________________
(١) الفصل لابن حزم (١: ٦٩).
[ ٤٤٤ ]
يخلق الأشياء لعلة ويخلق العلة لا لعلة؟ ولا سبيل إلى دليل" (^١).
هذا ما يراه ابن حزم في أفعال الله تعالى، أنها غير معللة. وأن الله تعالى لا يفعل شيئًا لعلة أوجبت عليه الفعل، مع أن كل ما فعله ويفعله فهو عدل وحكمه أي شيء كان.
هذا المبحث - تعليل أفعال الله، أو عدم تعليلها - مبحث واسع جدًّا يدخل فيه حدوث العالم، ووحدانية الله تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه إلى غير ذلك من المباحث الطويلة والمتشعبة.
وليس غرضنا هنا هو بحث الموضوع من حيث هو والتعرض لمسائله وفروعه فإن هذا ليس مجال بحثنا، فموضوعنا هو معرفة مذهب ابن حرم ونقده.
ومن خلال عرضنا السابق لرأي ابن حزم في أفعال الله ظهرت لنا مخالفته لرأى السلف القائلين بتعليل أفعال الله تعالى إذ ينفى أن الله تعالى يفعل شيئًا لعلة وهذا القول كما قال ابن تيمية:
"قد قال به طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهو قول الأشعرى وأصحابه وقول كثير من نفاة القياس الظاهري كابن حزم وأمثاله" (^٢).
_________________
(١) المحلى لابن حزم (٥: ١، ٦) بتصرف، وانظر الفصل له (٢٣: ١، ٢٤، ٦٩، ٧٧) والأصول والفروع له (١: ١٨٦).
(٢) رسالة الإِرادة والأمر لابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى: (١: ٣٢٦، ٣٢٧) وانظر مجموعة الفتاوي له (٨: ٣٧، ٣٨). ومنهاج السنة النبوية له (١: ٣٤، ٣٥). وشرح قصيدة ابن القيم النونية للهراس (١: ٢٥).
[ ٤٤٥ ]
ويقول: "وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان ومن تبعه من المجبرة" (^١).
والذي نراه صوابًا هو مذهب القائلين بأن الله تعالى فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة.
وأصحاب هذا القول كما ذكر ابن تيمية أكثر الناس من المسلمين وغير المسلمين فقال به طوائف من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وطوائف من أهل الكلام من المعتزلة والكرامية والمرجئة وغيرهم، وأكثر أهل الحديث والتصوف وأهل التفسير وأكثر قدماء الفلاسفة وكثير من متأخيرهم على اختلاف فيما بين هؤلاء القائلين بالتعليل (^٢).
والذي قلنا بتصحيحه من أقوال هؤلاء هو ما قال به طوائف من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام وغيرهم والمتفلسفة وهو كما قال ابن تيمية:
"أنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها وهو يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك، والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرساله محمدًا ﷺ فإنه كما قال تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (^٣) فإن إرساله كان من أعظم النعمة على الخلق وفيه أعظم حكمة للخالق ورحمة منه لعباده" (^٤).
_________________
(١) "مجموعة الفتاوي لابن تيمية (٨: ٣٨) وانظر منهاج السنة النبوية له (١: ٣٥) وشرح قصيدة ابن القيم النونية للهراس (١: ٢٥، ٢٦).
(٢) انظر رسالة الإرادة والأمر لابن تيمية ضمن الرسائل الكبرى (١: ٢٣١) ومنهاج السنة (١: ٣٤، ٣٥).
(٣) سورة الأنبياء: آية (١٠٧).
(٤) رسالة الإرادة والأمر ضمن الرسائل الكبرى لابن تيمية: (١: ٣٣٥).
[ ٤٤٦ ]
وسنذكر بعض أدلة هذا الرأي، ثم نعود إلى ما ادعى ابن حزم أنه مانع من تعليل أفعال الله ﵎ فنجيب عليه إن شاء الله تعالى.
الأدلة على القول بالتعليل:
الدليل الأول:
إخبار الله تعالى في القرآن الكريم أنه فعل كذا لكذا وهذا في القرآن كثير جدًّا من ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^١). وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (^٢). وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (^٣).
فإن قيل اللام في هذا كله لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (^٥). وغير ذلك مما هو في القرآن كثير فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية
_________________
(١) سورة الطلاق: آية (١٢).
(٢) سورة النساء: آية (١٦٥).
(٣) سورة البقرة: آية (١٤٣).
(٤) سورة القصص: آية (٨).
(٥) سورة الأنعام: آية (١١٣).
[ ٤٤٧ ]
المطلوبة، ولكن لما كان الفعل منتهيًا إليه وكان عاقبة الفعل دخلت عليه لام التعليل وهي في الحقيقة لام العاقبة.
قلنا: إن لام العاقبة إنما تجيء في حق من لا يكون عالمًا بعواقب الأمور ومصايرها فيفعل الفعل الذي له عاقبة لا يعلمها كال فرعون.
فأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فلا يتصور منه أن يفعل فعلا له عاقبة لا يعلمها، وإذا علم أن فعله له عاقبة فلا يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون فإن ذلك تمن وليس بإرادة.
فاللام الواردة في أفعال الله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة (^١).
وقد أجاب ابن القيم أيضًا على الاعتراض بجواب آخر، بإمكان حمل ما احتجوا به على أن اللام للعاقبة بحمل ذلك على أنها لام التعليل (^٢).
وما يلزم نفاة التعليل: أنهم يقولون بان الله تعالى أيد الرسل وأصحبهم بالمعجزات الخارقة للعادة بإحالة الطبائع المخالفة لما بني عليه العالم، وذلك لا يكون إلا من الله تعالى فهو الفاعل لها اتفاقًا وأنها لتصحيح صدق الرسل وصحة ما أتوا به من عند الله تعالى وهذا يخالف قولكم أن الله لا يفعل شيئًا لشيء وهذا باعترافكم أن الله فعل المعجزات لتصديق الرسل وهذا تعليل لأفعال الله تعالى فثبت تناقضكم (^٣).
_________________
(١) انظر شفاء العليل لابن القيم ص (٤٠٠ - ٤٠٢)، ومجموعة فتاوي ابن تيمية (٨: ١٨٧).
(٢) انظر شفاء العليل لابن القيم ص (٤٠٢ - ٤٠٧).
(٣) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٤: ٢٥٧).
[ ٤٤٨ ]
الدليل الثاني:
إتيان الله ﵎ بكي وهي صريحة في التعليل في مواضع من كتابه من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (^١).
ففي هذه الآية ذكر سبحانه علة قسمة الفيء وهي منع الأغنياء من تداوله بينهم دون الفقراء (^٢).
الدليل الثالث:
الإِتيان بلعل بعد إخبار الله أو أمره، وهي في كلام الله تعالى للتعليل المحض ولا تصح للترجي حيث لا يصح ذلك على الله تعالى.
وتأتي للترجي إذا كانت من المخلوق حيث يصح عليه ذلك.
ومما وردت فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٣).
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٤).
فلعل في الآيتين وفي غيرهما مما وردت فيه؛ للتعليل (^٥).
_________________
(١) سورة الحشر: آية (٧).
(٢) انظر شفاء العليل: ص (٤٠٧).
(٣) سورة البقرة: آية (٢١).
(٤) سورة يوسف: آية (٢).
(٥) انظر شفاء العليل ص (٤١٢).
[ ٤٤٩ ]
الدليل الرابع:
إنكار الله سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (^١). وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (^٢) والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق الله ذلك كله.
وقد أثنى الله تعالى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ (^٣) وأخبر أن هذا ظن أعدائه لاظن أوليائه فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٤).
وفي الآيات دلالة ظاهرة على أن الله خلق المخلوقات غير عابث ولا لاعب بل لغرض هو الحق وهو الحكم والغايات التي لأجلها خلق الموجودات (^٥).
الدليل الخامس:
جواب الله تعالى للملائكة: بقوله: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حين قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ
_________________
(١) سورة المؤمنون: آية (١١٥).
(٢) سورة الدخان: الآيتان (٣٨، ٣٩).
(٣) سورة آل عمران: آية (١٩١).
(٤) سوره ص: آية (٢٧).
(٥) انظر شفاء العليل ص (٤١٦، ٤١٧).
[ ٤٥٠ ]
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (^١).
يقول ابن القيم: "لو كان فعله مجردًا عن الحكم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم به إن سألوا هذا السؤال، ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصالح التي في خلق هذه الخليقة.
ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه الحكمة، لم يكن اعتراضًا على الرب تعالى، ولو قدر أنه على وجه الاعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، فلما رأوا أن خلق هذه الخليقة مناف للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٢) فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهلها، ولو كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم يكن في هذا جواب. بل كان الجواب أن أفعاله لا تعلل وهو يرجح مثلًا على مثل بغير مرجح والأمر عائد إلى مجرد القدرة كما يقوله المنكرون" (^٣).
وذكر الله تعالى في القرآن أنه أعلم في مواضع كثيرة ومختلفة مخبرًا بها أنه فعل ما فعل عالمًا بكل ما سيكون عليه المفعول.
وعلى هذا فلا يكون فعله للأشياء إلا لغرض وغاية هو أعلم بها.
_________________
(١) سورة البقرة: آية (٣٠).
(٢) سورة الأنعام: آية (١٢٤).
(٣) شفاء العليل ص (٤٢٧).
[ ٤٥١ ]
الدليل السادس:
أن الفعل لغير علة وغاية مطلوبة، إما أن يكون لمانع يمنع من إرادة تلك الغاية وقصدها، أو لاستلزامه نقصًا ومنافاته كمالًا.
ولا مانع يمنع الرب ﵎ من فعل ما يريد يقول سبحانه "إن الله يفعل ما يريد" (^١) ويقول: "إن الله يفعل ما يشاء" (^٢) فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه يتصرف في ملكه كما يشاء سبحانه.
أما استلزام النقص فيدرك في أول العقل أن من يفعل لحكمة وغاية مطلوبة يحمد عليها أكمل ممن يفعل لا لشيء البتة.
ثم إن الفعل لغير غرض عبث ينزه الله عنه وقد نفى سبحانه هذا عن خلقه للمخلوقات بقوله: "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين" (^٣). فقد خلق المخلوقات لحكمة وغاية وليس لعبًا.
والفعل لغاية لا يستلزم النقص إلا إذا كان الفاعل لا يقدر على الفعل إلا لهذه الغاية، ولا يقول أصحاب التعليل بذلك بل يقولون بكمال قدرة الله على كل شيء.
فإن قيل: إن من يفعل لعلة فإنه يكون قبلها ناقصًا.
قلنا: إن أردتم بذلك، عدم ما تجدد فغير مسلم أن عدمه قبل ذلك الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه يكون نقصًا.
وإن أردتم بكونه ناقصًا معنى غير ذلك فممنوع. بل يقال عدم
_________________
(١) سورة الحج: آية (١٤).
(٢) سورة الحج: آية (١٨).
(٣) سورة الدخان: آية (٣٨).
[ ٤٥٢ ]
الشيء في الوقت الذي لم تقتض الحكمة وجوده فيه من الكمال كما أن وجوده في وقت اقتضاء الحكمة وجوده كمال، فليس عدم كل شيء نقصًا بل عدم ما يصلح وجوده هو النقص كما أن وجود ما لا يصلح وجوده نقص فتبين أن وجود هذه الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص (^١).
يقول ابن القيم: "إن كمال الرب تعالى وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى تمنع كون أفعاله صادرة منه لا لحكمة ولا لغاية مطلوبة، وجميع أسمائه الحسنى تنفي ذلك وتشهد ببطلانه" (^٢).
ما أشرنا إليه من الأدلة على تعليل أفعال الله تعالى جزء قليل من أدلة القائلين بالتعليل رأينا في هذا القدر منها كفاية، وإلا فإن الأدلة على ذلك كثيرة جدًّا.
فقد استدل ابن القيم في كتابه شفاء العليل من كلام الله وكلام رسوله ﷺ على تعليل أفعال الله وأنه لا يفعل إلا لحكمة محمودة باثنين وعشرين نوعًا من الأدلة (^٣).
بعد أن عرضنا مذهب ابن حزم في تعليل أفعال الله تعالى، وبينا أن الراجح لدينا خلافه وبيناه وذكرنا بعض أدلته، نعود لنجيب على شبه المذهب المرجوح كما وعدنا فنقول:
_________________
(١) انظر رسالة الإرادة والأمر لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى: (١: ٣٧٩ - ٣٨١). وشفاء العليل ص (٤٢٩).
(٢) شفاء العليل: ص (٤٣٠).
(٣) انظر شفاء العليل: ص (٤٠٠ - ٤٣٠).
[ ٤٥٣ ]
إن ذهاب ابن حزم إلى القول بعدم تعليل أفعال الله تعالى يخالف ما يدعيه من المذهب - الأخذ بظواهر النصوص - فالله سبحانه ذكر في كتابه في مواضع كثيرة أنه فعل كذا من الأفعال، لكذا من الأغراض، وذلك نص ظاهر على تعليل أفعاله سبحانه، ولو التزم الظاهرية لحتمت عليه القول بتعليل أفعال الله ولكنه تجاهلها هنا كعادته في مواضع أخرى نبهنا على ما هو في موضوعنا منها.
ومما رأى ابن حزم أنه مانع من تعليل أفعال الله تعالى، أن الخلق لا يقع منهم الفعل إلا لعلة والله خلاف خلقه.
وهذا القول غير صحيح فإن الخلق يقع الفعل منهم لعلة ولغير علة كتصرفات فاقد الوعي، والذي يفعل من الخلق لعلة أكمل ممن يفعل لغير علة.
والله سبحانه متصف بالكمال المطلق. ومما هو متفق عليه:
أن كل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه وأولى ببراءته منه (^١).
والله تعالى متصف بالكمال المطلق، وهو خلاف خلقه بلا شك وإذا كان لا يفعل إلا لعلة، وكان في خلقه من هو متصف بذلك، فلا يلزم من ذلك تشابه بين الخالق والمخلوق فلكل ما يخصه ويناسبه
_________________
(١) انظر رسالة الإرادة والأمر لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٨٢)، وموافقة صحيح المنقول (٢: ١١٩) ورسالة التوحيد لمحمد عبده ص (٣٣، ٣٤). وشرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٣، ٢٤). والأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان ص (٥٣).
[ ٤٥٤ ]
فالعلل التي يفعل لأجلها المخلوق تناسب عجزه وافتقاره، والتي يفعل لأجلها الخالق سبحانه تناسب كماله وقدرته، ولا يدرك منها الخلق إلا القليل فلا تشابه إلا في مجرد الاسم كسائر صفات الله تعالى، فقد وصف الله نفسه بالحياة كما في قوله: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" (^١). وقوله: "وتوكل على الحي الذي لا يموت" (^٢). وقوله: "هو الحي لا إله إلا هو" (^٣).
ووصف سبحانه بعض خلقه بالحياة بقوله و: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" (^٤). وقال: "يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي" (^٥).
ووصف الله تعالى نفسه بالسمع والبصر في غير ما آية من كتابه قال: "إن الله سميع بصير" (^٦). وقال: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (^٧).
ووصف بعض خلقه بالسمع والبصر، قال: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا" (^٨).
ونحن لا نشك بأن ما في القرآن حق وبأن لله جل وعلا صفة حياة
_________________
(١) سورة البقرة: آية (٢٥٥) وآل عمران: آية (٢).
(٢) سورة الفرقان: آية (٥٨).
(٣) سورة غافر: آية (٦٥).
(٤) سورة الأنبياء آية (٣٠).
(٥) سورة يونس: آية (٣١) وسورة الروم: آية (١٩).
(٦) سورة الحج: آية (٧٥) وسورة لقمان. آية (٢٨)، وسورة المجادلة: آية (١).
(٧) سورة الشورى: آية (١١).
(٨) سورة الإنسان: آية (٢).
[ ٤٥٥ ]
حقيقة لائقة بكماله وجلاله، وله صفتا سمع، وبصر حقيقيان لائقان بجلاله وكماله. كما أن للمخلوقين حياة وسمعًا وبصرًا حقيقة صفات لهم تناسب حالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم وبين صفات الخالق والمخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق وذلك بون شاسع بين الله وخلقه (^١).
وجعل ابن حزم تعليل أفعال الله تعالى سؤالًا له عما يفعل غير صحيح.
فهو سبحانه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وحمده وأن أفعاله عن تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، فكمال علمه وحكمته وربوبيته وكون تصرفه في ملكه الذي لا يشاركه فيه أحد - فهو المتفرد بالألوهية والسلطنة لذاته - ينافي اعتراض المعترضين عليه وسؤال السائلين له (^٢).
يقول ابن تيمية: "قولهم: لا يقال في أفعاله "لم" لا ينفي ثبوت الحكمة التي تكون مقصودة له في نفس الأمر، ولا كونه مريدًا لها قاصدًا، وإن كان ذلك ينفيه من ينفيه من نفاة التعليل ومثبتيه، ولهذا قال بعض السلف: إن الله علم علمًا علمه عباده، وعلم علمًا لم يعلمه العباد، وإن القدر من العلم الذي لم يعلمه العباد" (^٣).
ونقول: إن معرفة الحكمة التي لأجلها خلق الله تعالى ليست سؤالًا له بل هي من النظر في مخلوقاته ومن التدبر لها وهذا مما أمر به
_________________
(١) انظر منهج ودراسات لآيات الصفات للشنقيطي ص (٦، ٧).
(٢) انظر مختصر الصواعق المرسلة: (١: ٢٠٣)، وتفسير البيضاوي (٦: ٢٤٩).
(٣) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١: ١٩٨).
[ ٤٥٦ ]
الخلق يقول سبحانه في الثناء على المتفكرين في آيات خلق السموات والأرض: "الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار" (^١).
فإن قيل: إن ابن حزم لم ينف حكمة الله تعالى، فهو يقول: بأن فعل الله تعالى كله عدل وحكمة أي شيء كان. وقد ذكرتم هذا في عرضكم لمذهبه.
قلنا: إن الحكمة التي يثبتها ابن حزم محل اتفاق فلا ينفيها أحد من المسلمين.
يقول ابن تيمية: " .. أجمع المسلمون على أن الله تعالى موصوف بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير ذلك فقالت طائفة الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده، ولم يثبتوا إلا العلم والإِرادة والقدرة.
وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره والحكمة ليست مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكان كل مريد حكيمًا، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة" (^٢).
والجواب على الدليل الذي رآه ابن حزم مانعًا من تعليل أفعال الله تعالى من أوجه:
_________________
(١) سورة آل عمران: آية (١٩١).
(٢) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١: ٣٤) وانظر رسالة التوحيد لمحمد عبده ص (٥٥، ٥٤).
[ ٤٥٧ ]
الوجه الأول:
نفى لزوم قدم المعلول لقدم العلة من عدة أوجه.
منها: ما أجاب به ابن القيم بقوله: "لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديم العين، أو قديم النوع، أو لا يمكن واحد منهما. فإن أمكن أن يكون قديم العين أو النوع أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك، وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع، فيقال: إذا كان فعله حادث العين أو النوع كانت الحكمة كذلك. فالحكمة يحذى بها حذو الفعل، فما جاز عليه جاز عليها، وما امتنع عليه امتنع عليها" (^١).
ومن أوجه النفي، أن يقال ما المانع أن تكون الفاعلية معللة بعلة قديمة إذ القول يلزم من قدمها قدم المعلول ينتقض بالعلم فإنه قديم ولم يلزم من قدمه قدم المعلوم.
فإن قلتم العلم القديم تعلق بالمعلوم في وقت حدوثه، فهلا قلتم إن الحكمة القديمة تعلقت بالمفعول وقد حدوثه، كما قلتم في العلم.
فان قلتم: إن العلم يختلف عن الحكمة.
قلنا: لا فرق فالحكمة والعلم والإرادة مصدر لتخصيص الشيء بزمانه ومكانه وصفته.
فإن لزم من قدم الحكمة قد الفعل لزم من قدم العلم قدم العلوم وإن لم يلزم ذلك لم يلزم هذا (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل ص (٤٤٣)، وانظر رسالة الإرادة والأمر ضمن مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية (١: ٣٨٤).
(٢) انظر شفاء العليل ص (٤٤٣، ٤٤٩).
[ ٤٥٨ ]
ومن أوجه النفي: أن القول بأن الله لو خلق لعلة لزم قدم العلول فيكون مع الله تعالى غيره لم يزل، لا يتم إلا على قول الفلاسفة القائلين بأن المبدع علة تامة موجب بذاته، وبطلان هذا ظاهر لأن العلة التامة تستلزم معلولها فلا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها، والحوادث مشهورة في العالم.
ويمتنع أن يكون الحادث صادرًا عن علة تامة أزلية، لأن معلولها لا يتأخر عنها فيلزم من ذلك أن لا يحدث شيء في العالم، وحدوث الحوادث دليل على أن فاعلها ليس بعلة تامة في الأزل حيث تخلف عنها معلولها فليس هناك شيء قديم من الخلق، وهذا لا ينفي أن يكون الله تعالى لم يزل متصفًا بصفاته وأفعاله، فهو لم يزل فعالًا وإذا قدر أنه فعال لأفعال تقوم بنفسه، أو مفعولات حادثة شيئًا بعد شيء كان ذلك وفاء بموجب هذه الحجة مع القول بأن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن كما أخبرت الرسل أن الله - خالق كل شيء وأخبر هو سبحانه عن نفسه بقوله: "ذلكم الله ربكم خالق كل شيء" (^١).
وقوله: "الله خالق كل شيء" (^٢) وإن كان النوع لم يزل متجددًا كما في الحوادث المستقبلة كل منها حادث مخلوق، وهي لا تزال تحدث شيئًا بعد شيء والمخلوق لا يكون إلا مسبوقًا بالعدم، والقرآن يدل على أن ما سوى الله تعالى مخلوق محدث فليس شيء من الموجودات مقارنًا لله تعالى وتقدس. والمحدث المعين لا يكون أزليًا، سواء
_________________
(١) سورة غافر: آية (٦٢).
(٢) سورة الرعد: آية (١٦) وسورة الزمر: آية (٦٢).
[ ٤٥٩ ]
حدث عنه بوساطة أو بدونها (^١).
الوجه الثاني:
إبطال دعوى أن من يفعل لعلة ليس مختارًا
أما دعوى أن من يفعل لعلة يكون مضطرًا لا مختارًا فغير مسلمة بالنسبة لله تعالى، فالعلة التي يفعل لأجلها الله سبحانه ومعلولها من إيجاده ومن فعيه باختياره فلم يوجب عليه أحد شيئًا. والمضطر من فرض عليه أن يعمل هذا العمل مثلًا لغرض أو لغير غرض.
والقول بأن من يفعل لغرض يكون مضطرًا لا يتم إلا إذا كانت العلة التي فعل لأجلها اضطرته للفعل قهرًا - والمجبر لا يكون إلهًا - ولا يقول بهذا أحد حيث إنه هو الفاعل باختياره لعلة أرادها، فهو الفاعل المختار يفعل ما يشاء لاراد لقضائه ولا معقب لحكمه سبحانه.
الوجه الثالث:
إبطال التسلسل اللازم للعلة إذا كانت محدثة.
القول بأن المخلوق المحدث لابد له من علة والعلة لابد لها من علة أخرى وهكذا، غير لازم لأنه إنما يلزم لو قيل كل حادث لابد له من علة والمثبت للعلة لا يقول هذا بل يقول إنه يفعل لحكمة،
_________________
(١) انظر منهاج السنة النبوية (١: ٣٦) ورسالة الإرادة ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٢٨، ٣٢٩) وشفاء العليل ص (٤٤٩).
[ ٤٦٠ ]
والمفعول لأجله مراد للفاعل ومحبوب له، والمراد المحبوب تارة يكون مرادًا لنفسه وتارة يكون مرادًا لغيره، والمراد لغيره لابد أن ينتهي إلى المراد لنفسه قطعًا للتسلسل.
والله سبحانه يخلق لحكمة وتلك الحكمة لحكمة حتى ينتهى الأمر إلى حكمة لا حكمة فوقها.
يقول ابن القيم: "إن التسلسل إما أن يكون ممكنًا أو ممتنعًا، فإن كان ممكنًا بطل استدلالكم. وإن كان ممتنعًا أمكن أن يقال في دفعه تنتهي المرادات إلى مراد لنفسه لا لغيره، وينقطع التسلسل" (^١).
ومما يلزم المانعين لتسلسل الحوادث في الماضى والنافين للحكمة، أن يقال لهم: إنكم تقولون بإحداث الله تعالى لسائر المفعولات بعد ان لم تكن، وليس من فرق بينكم وبين من يقول بالتعليل إذ القول في حدوث الحكمة كالقول في حدوث المفعول المستعقب للحكمة فما لزم هذا لزم ذاك (^٢).
الوجه الرابع:
تسليم التسلسل في إثبات الحكمة:
يقول ابن القيم: "إن الرب ﵎ إذا خلق شيئًا فلا بد من وجود لوازمه، ولابد من عدم أضداده، فوجود الملزوم بدون لازمة
_________________
(١) شفاء العليل: ص (٤٤٨)، وانظر ص (٤٤٤).
(٢) انظر رسالة الإرادة والأمر ضمن المجموعة الكبرى لابن تيمية (١: ٣٨٦، ٣٨٧).
[ ٤٦١ ]
محال، ووجود الضد مع ضده ممتنع، والمحال الممتنع ليس بشيء.
ولا يتصور العقل وجوده في الخارج. وإذا كان هذا التسلسل الجائز من لوازم خلقه وحكمته لم يكن في القول محذور. بل كان المحذور في نفيه" (^١).
ويمكن أن يقال: إذا قيل إن خلق المخلوقات لعلة محدثة يوجب كون العلة لعلة وهكذا .. وهذا باطل.
إن التسلسل نوعان، ممتنع، وجائز، فأي النوعين هو اللازم؟ فإن عنيتم التسلسل الممتنع منع اللزوم، وإن عنيتم الجائز منع انتفاء اللازم.
فالتسلسل في الآثار المستقبلة ممكن بل واجب، وفي الآثار الماضية فيه قولان للناس.
أما التسلسل المحال فهو التسلسل في العلل والفاعلين وهذا باتفاق العقلاء وهو كون الفاعل لابد له من فاعل قبله وكذلك ما قبله إلى غير نهاية، وأما أن يكون الفاعل الواحد القديم الأبدي لم يزل يفعل ولا يزال فهذا غير ممتنع.
والحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده فإذا كان بعدها حكمة أخرى فغاية ذلك أنه يلزم حوادث لا نهاية لها وهذا جائز بل واجب باتفاق المسلمين (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل ص (٤٤٨).
(٢) انظر منهاج السنة لابن تيمية (١: ٣٦، ١٢١) ورسالة الإرادة والأمر ضمن المجموعة الكبرى لابن تيمية (١: ٣٨٧، ٣٨٨) ومجموعة الفتاوي (٨: ٣٨٠، ٣٨١) وكتاب النبوات له ص (١، ٩٢) وشفاء العليل لابن القيم ص (٤٤٤، ٤٤٥).
[ ٤٦٢ ]
وسنختتم الجواب على شبه ابن حزم المانعة من تعليل أفعال الله على زعمه بما أجاب به ابن تيمية عن الشبه المانعة من التعليل وهو جواب حاصر قال: "لا ريب أن الله ﷿ يحدث مفعولات لم تكن، فإما أن تكون الأفعال المحدثة يجب أن يكون لها ابتداء ويجوز أن تكون غير متناهية في الابتداء كما هي غير متناهية في الانتهاء، فإن وجب أن يكون لها ابتداء أمكن حدوث الحوادث بدون تسلسلها. فإذا قال القائل لو فعل لعلة محدثة لكان القول في حدوث تلك العلة كالقول في حدوث معلولها ويلزم التسلسل، كان جوابه على هذا التقدير أن الحوادث يجب أن يكون لها ابتداء، وإذا فعل الفعل لحكمة محدثة كان الفعل وحكمته محدثين، ولا يجب أن يكون للعلة المحدثة علة محدثة إلا إذا جاز أن يكون للحوادث ابتداء فأما إذا جاز أن يكون لها ابتداء بطل هذا السؤال فكيف إذا وجب أن يكون لها ابتداء" (^١).
٦ - اللطف والأصلح:
يذهب أبو محمد بن حزم إلى عدم إيجاب شيء على الله تعالى لأنه الخالق المطلق فهو خالق العباد وأفعالهم. وفعله كله عدل وحق وحكمة يقول ﵎: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" (^٢).
ولا تجرى أفعاله تعالى على الحكمة المعهودة بيننا ولا على العدل
_________________
(١) رسالة الإرادة والأمر ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٨٦).
(٢) سورة الأنبياء: آية (٢٣).
[ ٤٦٣ ]
المعهود بيننا لأن إجراءها على ذلك تشبيه له تعالى بخلقه، وهو لا يوصف بشيء من صفات العباد فلو شاء لهدى كل كافر يقول سبحانه: "قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين" (^١).
ولا حد لقدرته سبحانه فكل ما خلق شيئًا صغيرًا أو ضعيفًا أو كبيرًا أو قويًّا أو مصلحة فإنه أبدًا بلا نهاية قادر على خلق أصغر منه وأضعف وأقوى وأصلح ومع عدم فعله شيئًا من ذلك لايعد ظالمًا ولا بخيلًا ولا ممسكًا ولا عاجزًا، ويدل على قدرته قوله تعالى: "إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" (^٢). وقوله "قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس" (^٣). لأنه تعالى نص على أنه هو المطلوب منه العون لنا والهدى إلى صراط من خصه بالنعمة عليه لا إلى صراط من غضب عليه تعالى وضل فلولا أنه تعالى قادر على الهدى المذكور وأن عنده عونًا على ذلك لا يؤتيه إلا من شاء دون من لم يشأ وأنه تعالى أنعم على قوم بالهدى، ولم ينعم به على آخرين لما أمرنا أن نسأله من ذلك ما ليس يقدر عليه أو ما قد أعطانا إياه. ونص سبحانه على أنه قادر على صرف وسوسة الشيطان.
فلولا أنه تعالى يصرفها عمن يشاء لما أمرنا ﷿ أن نستعيذ مما لا يقدر على الإعاذة منه أو مما قد أعاذنا منه.
ويقرر ابن حزم قدرة الله تعالى على فعل ما لو فعله بجميع الكفار
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (١٤٩).
(٢) سورة الفاتحة: الآيات (٥ - ٧)
(٣) سورة الناس: الآيات (١ - ٦).
[ ٤٦٤ ]
والعصاة لآمنوا وأطاعوا لقوله تعالى: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض" (^١).
وقوله: "ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة" (^٢) لأنه إذا قدر على فعل ما لو فعله بهم لكفروا كذلك هو قادر على أن يفعل بهم ما لو فعله بهم لآمنوا (^٣).
٧ - إرسال الرسل:
لما كان رأي ابن حزم عدم إيجاب شيء على الله تعالى، فلا يوجب عليه أن يفعل بالخلق ما هو الأصلح لهم في الدين والدنيا، كان مذهبه عدم إيجاب إرسال الرسل عليه تعالى.
كما أنه لا يحكم بامتناع إرسال الرسل على الله كما تقول ذلك البراهمة (^٤). الذين يرون أن إرسال الرسول إلى من يعلم أنه لا يصدقه عبث، فيجب عندهم لهذا نفي بعث الرسول عن الله ﷿ لنفي العبث والعنت عنه.
_________________
(١) سورة الشورى: آية (٢٧).
(٢) سورة الزخرف: آية (٣٣).
(٣) انظر الفصل لابن حزم (٣: ١٦٥، ١٦٨، ١٧٠، ١٧٤، ١٨٢).
(٤) البراهمة هم قبيلة بالهند يقولون إنهم من ولد برهمي ملك من ملوكهم قديم وليست النسبة إلى الخليل ﵇ لأنهم ينكرون النبوات، ولهم علامة ينفردون بها وهي خيوط ملونة بحمرة وصفرة يتقلدونها وهم يقولون بالتوحيد ونفي النبوات وقد تفرقوا أصنافا فمنهم أصحاب الفكرة والتناسخ، انظر الفصل لابن حزم: (١: ٤٩) والملل والنحل للشهرستاني (٣: ٩٥ - ٩٧).
[ ٤٦٥ ]
(يقول أبو محمد): "إن مجيء الرسل قبل أن يبعثهم الله تعالى واقع في باب الإِمكان وأما بعد أن بعثهم الله ﷿ ففي حد الوجوب ثم أخبر الصادق ﵇ عنه تعالى أنه لانبي بعده فقد جدّ الامتناع" (^١).
واستدل على الإمكان بالقول "بأنه لما صح أن الله تعالى أخرج العالم كله إلى الوجود بعد أن لم يكن بلا كلفة ولا معاناة ولا طبيعة ولا استعانة ولا مثال سلف ولا علة موجبة ولا حكم سابق قبل الخلق يكون ذلك الحكم لغيره تعالى فقد ثبت أنه لم يفعل إذا لم يشأ وفعل إذا شاء كما شاء فيزيد ما شاء وينقص ما شاء فكل منطوق به مما يتشكك في النفس أو لا يتشكك فهو داخل له تعالى في باب الإمكان. ويقول: إن الممكن واقع في العالم وقوعًا واحدًا ألا ترى أن نبات اللحية للرجال ما بين الثمان عشرة إلى العشرين سنة ممكن وهو في حدود الإثني عشر سنة إلى العامين ممتنع وإن فك الإِشكالات العويصة واستخراج المعاني الغامضة وقول الشعر البديع وصناعة البلاغة الرائقة ممكن لذى الذهن اللطيف والذكاء النافذ وغير ممكن من ذي البلادة الشديدة والغباوة - المفرطة فعلى هذا ما كان ممتنعًا بيننا إذ ليس في بنيتنا ولا في طبيعتنا ولا من عادتنا فهو غير ممتنع على الذي لا بنية له ولا طبيعة له ولا عادة عنده ولا رتبة لازمة لفعله فإذا قد صح هذا فقد صح أنه لا نهاية لا يقوى عليه تعالى فصح أن النبوة ممكنة. وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة لا لعلة إلا أنه شاء ذلك، فعلمهم الله تعالى العلم بدون تعلم ولا تنقل في مراتبه ولا
_________________
(١) الفصل لابن حزم (١: ٦٩).
[ ٤٦٦ ]
طلب له" (^١).
دليل ابن حزم على وجوب النبوة إذا وقعت:
يستدل بقوله إنه لما صح أن الله تعالى ابتدأ العالم ولم يكن موجودًا حتى خلقه الله تعالى فبيقين ندري أن العلوم والصناعات لا يمكن البتة أن يهتدي أحد إليها بطبعه فيما بيننا دون تعليم كالطب ومعرفة الطبائع والأمراض وسببها على كثرة اختلافها ووجود العلاج لها بالعقاقير التي لاسبيل إلى تجريبها كلها أبدًا، وكيف يجرب كل عقار في كل علة ومتى يتهيأ هذا ولا سبيل له إلا في عشرة آلاف من السنين ومشاهدة كل مريض في العالم وهذا يقع دونه قواطع الموت والشغل بما لابد منه من أمر المعاش وذهاب الدول وسائر العوائق، وغير ذلك من العلوم التي لا يمكن إدراكها إلا في مدة طويلة ولا يمكن الاهتداء إليها ابتداء دون تعليم فوجب بالضرورة ولابد أنه لابد من إنسان واحد فأكثر علمهم الله تعالى ابتداء كل هذا دون معلم لكن بوحي حققه عنده وهذه صفة النبوة إذ لابد من نبي أو أنبياء ضرورة فقد صح وجود النبوة والنبي في العالم بلا شك (^٢).
وبعد أن بين ابن حزم النبوة وصحة وجودها في العالم لما حصل فيه من العلم الذي صعب إدراكه بالبحث والتتبع، بيّن البراهين التي يعلم بها صحتها ممن ادعاها فذكر بعض المعجزات التي أيد الله بها
_________________
(١) الفصل لابن حزم (١: ٧١) بتصرف. وانظر الأصول والفروع (١: ١٨١، ١٨٢).
(٢) انظر الفصل لابن حزم (١: ٧١، ٧٢).
[ ٤٦٧ ]
رسله كانقلاب صخرة عن ناقة، وانقلاب عصا عن حية وأن مئين من الناس شربوا وتوضئوا من ماء يسير في قدح صغير. وأن هذا لا يكون إلا من الله. تعالى لأنه خرق للعادات التي أجراها في الكون، ولا يقدر على خرقها إلا هو سبحانه فأصحبها رجالًا يدعون إليه، ويذكرون أنه تعالى أرسلهم ويستشهدون به تعالى فيشهد لهم بهذه المعجزات فهي المصححة لصدقهم وصحة ما أتوا به من عند الله (^١).
ولن نتعرض هنا لذكر المعجزات ولا دلالتها على صدق مدعيها عند من رآها ومن لم يرها، لأنا بصدد الكلام على إرسال الرسل من حيث الجواز أو الوجوب أو الامتناع ومعرفة رأي ابن حزم في هذا وليس محل كلامنا هي النبوة وبيان صدق مدعيها.
وقد ذكرنا استدلال ابن حزم على إمكانها قبل مجيئها، ووجوبها بعد مجيئها فبقي الاستدلال على امتناعها بعد نبينا محمد ﷺ وليس هذا الامتناع آتيا من جهة العقل إذ العقل لا يحيل استمرار الرسالة، بعد أن حكم بإمكانها قبل مجيئها. وإلا كان متناقضًا. إنما الامتناع أتى بنص القرآن الكريم. ونص السنة المطهرة.
يقول ابن حزم: "إذ قد صح كل ما ذكرنا من المعجزات الظاهرة من الأنبياء ﵈ شهادة من الله تعالى لهم يصدق بها أقوالهم فقد وجب علينا الانقياد لما أتوا به، ولزمنا تيقن كل ما قالوا، وقد صح عن رسول الله ﷺ بنقل الكواف التي نقلت
_________________
(١) انظر الفصل لابن حزم (١: ٧٣، ٧٤) والأصول والفروع له (١: ١٨٢، ١٨٣).
[ ٤٦٨ ]
نبوته وإعلامه وكتابه أنه أخبر أنه لا نبي بعده (^١). فصح أن وجود النبوة بعده ﵇ باطل لايكون البتة وبهذا يبطل قول من قال بتواتر الرسل ووجوب ذلك أبدًا" (^٢).
مذهب ابن حزم في اللطف والأصلح يتمشى مع الأدلة الواردة بأن الله هو المتصرف المطلق في ملكه يفعل ما يشاء وهو الحكيم الخبير، وأنه لا يجب عليه لأحد شيئًا إلا ما أوجب على نفسه وأن أفعاله كلها حكمة وعدل على ما يليق به، لا على ما هو معهود بين الخلق لو شاء لهدى الخلق كلهم ونعمهم فضلًا منه ولو شاء لعذبهم وهذا عدل منه ﷾.
_________________
(١) جاء في القرآن أنه ﷺ خاتم النبيين قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما) سورة الأحزاب آية (٤٠). ووردت أحاديث كثيرة عنه ﷺ تنفي النبوة بعده. منها ما روى مسلم بسنده عن سعد بن أبي وقاص قال: خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله: أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي" صحيح مسلم (٤: ١٨٧٠، ١٨٧١) وانظر صحيح البخاري (٣: ٦٢) ومسند الإمام أحمد (٣: ٣٣٨) و(٦: ٣٦٩) ومن الأحاديث ما روى مسلم أيضا بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي. وستكون خلفاء فتكثر" قالوا فما تأمرنا؟ قال: "فوا ببيعة الأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" صحيح مسلم (٣: ١٤٧١، ١٤٧٢) وانظر صحيح البخاري (٢: ١٧٥).
(٢) الفصل (١: ٧٧) بتصرف. وانظر الأصول والفروع له (١: ١٨٥).
[ ٤٦٩ ]
وعلى هذا المذهب أهل السنة والجماعة (^١) ومن يقول بالتعليل منهم يقول: إن الله يفعل ما يفعل لحكمة يعلمها سبحانه وقد يعلم العباد أو بعضهم من حكمته ما يطلعهم عليه، وقد لا يعلمون ذلك، والأمور العامة التي فعلها هي لحكمة عامة ورحمة عامة كإرسال الرسل ونحو ذلك (^٢).
ويقرر أبو يعلى عدم إيجاب فعل الأصلح على الله تعالى بقوله: لا يجب على الله تعالى أن يفعل لعبادة أصلح الأمور في باب دنياهم وما هو أنفع الأمور لهم، والدلالة عليه أنه لو وجب عليه فعل الأصلح لوجب عليه إخراج أهل النار منها وتخلصهم من ألم العقاب، لأن خروجهم منها هو الأصلح لهم، ولما اتفق الكل على أنه غير واجب لم يصح القول بالأصلح. ولأنه لو وجب عليه فعل الأصلح لوجب عليه إعطاء سائر أهل الجنة مثل منازل الأنبياء لأن ذلك أصلح لهم وأنفع، ولو لم يكن أنفع لهم لم يكن أنفع للنبيين، وقد أجمعنا على أنه لا يجب ذلك فلم يصح القول بوجوب الأصلح على الله.
ويقول: بأن الله تعالى قادر على فعل اللطف الذي لو فعله بجميع الكفار والعصاة لآمنوا وأطاعوا، وإن لم يفعل ذلك - وقد بينا هذا أثناء عرض رأي ابن حزم بأدلته. ولا يجب على الله سبحانه هذا اللطف بل له أن يفعله وله أن يتركه فإن فعله كان متفضلًا وإن تركه
_________________
(١) انظر الإبانة للأشعري ص (٤٧، ٤٨) والمعتمد لأبي يعلي ص (١١٦ - ١٨٨) والإِقتصاد في الإعتقاد للغزالي ص (١٥٦) ومنهاج السنة لابن تيمية (١: ١٢٨).
(٢) انظر منهاج السنة (١: ١٢٨) ومجموع الفتاوي لابن تيمية (٨: ٩٢: ٩٣).
[ ٤٧٠ ]
كان عادلًا (^١).
ومن هذا المنطلق - عدم إيجاب شيء على الله تعالى إلا ما أوجب على نفسه - قال أهل السنة بعدم وجوب إرسال الرسل على الله ﷾، وإرسال الرسل أمر ممكن الوجود لا يمنع من وجوده مانع عقلي (^٢).
ومذهب ابن حزم كما عرضنا موافق لمذهب أهل السنة فهو معهم بعدم إيجاب شيء على الله تعالى إلا ما أوجب على نفسه سواء كان صلاحًا أو لطفًا. فكان رأيه في النبوة جوازها، ووجوبها، ثم امتناعها وقد بينا كيفية ذلك والاستدلال عليه مع عرض مذهبه.
ويقول أبو يعلى في بيان جواز إرسال الرسل:
"ويجوز أن يرسل الله ﷿ رسلًا إلى خلقه العقلاء، وهو قادر على الدلالة التي تدل على صدق الصادق والتفرقة بينه وبين الكاذب .. والدلالة على أنه قادر .. لأنه لا يؤدي إلي أمر محال في صفة الباري ﷿. ولا في صفة غيره، ولا يؤدي إلى قلب بعض الحقائق والأجناس، وإبطال بعض الأدلة وإخراج الأمور عما في ذواتها فوجب القول بصحة ذلك" (^٣).
ما ذكرنا هنا إشارة إلى قول أهل السنة في الأصلح واللطف وإرسال الرسل. لبيان صحة قولنا بأن مذهب ابن حزم في ذلك هو مذهبهم والله أعلم.
_________________
(١) انظر المعتمد لأبي يعلي ص (١١٦، ١١٨).
(٢) انظر المعتمد ص (١٥٣، ١٥٤) والاقتصاد في الاعتقاد ص (١٦٥).
(٣) المعتمد في أصول الدين ص (١٥٣) وانظر الاقتصاد للغزالي ص (١٤٨).
[ ٤٧١ ]