وفيه عدة فصول:
الفصل الأول: معنى الإيمان وبيان أهميته وما يتعلق به من مسائل.
الفصل الثاني: الإيمان بالرسل والملائكة والكتب.
الفصل الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.
الفصل الرابع: الإيمان باليوم الآخر.
[ ٥٠٣ ]
الفصل الأول معنى الإيمان وبيان أهميّته وما يتعلق به من مسائل
وفيه عدّة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة.
المبحث الثاني: تعريف الإيمان شرعًا.
المبحث الثالث: بيان أهمية الإيمان.
المبحث الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الخامس: العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام.
المبحث السادس: حكم مرتكب الكبيرة.
المبحث السابع: مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة.
[ ٥٠٥ ]
المبحث الأول تعريف الإيمان لغة
الإيمان مصدر من آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمن، وهو مشتق من الأمن.
قال الجوهري: الإيمان: التصديق، والله تعالى المؤمن، لأنه أمّن عباده من أن يظلمهم، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية. . . والأمن ضدّ الخوف (^١).
وقال ابن منظور: الإيمان ضدّ الكفر، والإيمان بمعنى التصديق ضدّه التكذيب، يقال: آمن به قوم وكذَّب به قوم (^٢).
وقال الراغب الأصفهاني: آمن إنما يقال على وجهين:
أحدهما: متعدّيًا بنفسه، يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن ومنه قيل لله مؤمن.
والثاني: غير متعدٍّ، ومعناه صار ذا أمن.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (^٣)، قيل: معناه بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن (^٤).
_________________
(١) الصحاح (٥/ ٢٠٧١).
(٢) لسان العرب (١٣/ ٢١).
(٣) سورة يوسف، آية (١٧).
(٤) المفردات (ص ٢٦).
[ ٥٠٧ ]
وقال الفيروز أبادي: "الإيمان الثقة، وإظهار الخضوع" (^١).
وخلاصة ما سبق أن الإيمان في اللغة معناه التصديق الذي معه آمن، وليس مجرّد التصديق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، فاللفظ متضمّن مع التصديق معنى الائتمان أو الأمانة، كما يدلّ عليه الاشتقاق والاستعمال، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^٢)، أي لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنّا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممّن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم " (^٣).
_________________
(١) القاموس المحيط (ص ١٥١٨).
(٢) سورة يوسف، آية (١٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩١).
[ ٥٠٨ ]
المبحث الثاني تعريف الإيمان شرعًا
من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأركان.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلّها داخلة في مسمّى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا ".
قال الثوري: هو رأي محدث أدركنا السلف على غيره (^١).
وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرّقون بين العمل والإيمان.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أمّا بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٩٠٣).
(٢) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان (١/ ٨)، وأخرجه موصولًا ابن أبي شيبة في الإيمان (٤٥)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر. انظر تغليق التعليق (٢/ ١٩ - ٢٠).
[ ٥٠٩ ]
وقد دلّ على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (^١) الآية.
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ - ﷺ - قال لوفد عبد قيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله وحده، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس" (^٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (^٣)، ولفظه لـ"مسلم".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" (^٤)، فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها، لأن الاسم لا ينتفي إلَّا بانتفاء بعض أركان المسمّى أو واجباته (^٥).
_________________
(١) سورة الأنفال، آية (٢).
(٢) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب أداء الخمس من الإيمان (١/ ٢١)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله (١/ ٣٥).
(٣) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب الحياء من الإيمان (١/ ١١)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب عدد شعب الإيمان (١/ ٤٦).
(٤) صحيح البخاري: كتاب الحدود - باب الزنا وشرب الخمر (٨/ ١٣)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب نقصان الإيمان بالمعاصي (١/ ٧٦).
(٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٦١ - ٦٣)، وانظر فتح الباري (١/ ٥، ٦).
[ ٥١٠ ]
وقال رحمه الله تعالى عند قوله - ﷺ -: "اللَّهُمّ زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" (^١)، قال: أما زينة الإيمان، فالإيمان قول وعمل ونيّة، فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان (^٢).
ويقول رحمه الله تعالى: في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله ثم جهاد في سبيل الله ثم حجّ مبرور" (^٣)، هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين:
أحدهما: الإيمان بالله ورسوله وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما فسَّر النبيّ - ﷺ - الإيمان بذلك في سؤال جبريل وغيره من الأحاديث، وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه، كأول سورة البقرة ووسطها وأخرها.
والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (^٤) الآية.
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا
_________________
(١) هذا جزء من حديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤)، والنسائي: باب الذكر بعد الدعاء (٣/ ٥٤)، والحاكم (١/ ٥٢٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٢) شرح حديث عمار بن ياسر (ص ٤٨).
(٣) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب من قال أن الإيمان هو العمل (١/ ١٢)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (١/ ٨٨).
(٤) سورة الصف، آية (١٠، ١١).
[ ٥١١ ]
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (^١)، وقد صحَّ عن النبيّ - ﷺ - من غير وجه: "إن أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله" (^٢)، فالإيمان المجرَّد تدخل فيه الجوارح عند السلف وأهل الحديث، والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول، وخصوصًا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله كما في هذا الحديث، فالإيمان القائم بالقلوب أصل كل خير، وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة وبه يحصل له سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شقاوة الدنيا والآخرة، ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلّها بالأعمال الصالحة واللِّسان والكلام الطيب؛ كما قال النبيّ - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (^٣)، ولا صلاح للقلب بدون الإيمان بالله وما يدخل في مسماه من معرفة الله وتوحيده وخشيته ومحبّته ورجائه وإجابته والإنابة إليه والتوكّل عليه، قال الحسن: "ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكنه بما وقر في الصدور، وصدّقته الأعمال" (^٤).
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (^٥).
فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه، فاستحلى اللِّسان ذكر الله وما والاه، وأسرعت
_________________
(١) سورة الحجرات، آية (١٥).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٥١١).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٣٦٦).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ص ٣١).
(٥) سورة الأنفال، آية (٢ - ٤).
[ ٥١٢ ]
الجوارح إلى طاعة الله فحينئذ يدخل حبّ الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حرّه للظمأن الشديد عطشه، ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمرّ عليها من الصبر فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللّسان ثم يتبعها عمل الجوارح وأفضلها الجهاد في سبيل الله (^١).
هذا ما قرّره ابن رجب رحمه الله تعالى في تعريف الإيمان عند أهل السنّة والجماعة، وهذا التعريف هو التعريف الذي تضافرت الأدلّة على صحته من الكتاب والسنّة، وهو ما أجمع عليه سلف هذه الأمّة عليهم رحمة الله تعالى.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق بعض الأدلّة من الكتاب والسنّة التي تدل على صحة هذا التعريف، وذكر ما حكاه الشافعي من إجماع الأمّة على ذلك، وقد حكى هذا الإجماع البغوي رحمه الله تعالى، فقال: "واتّفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنّة على أن الأعمال من الإيمان؛ لقوله ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (^٢)، فجعل الأعمال كلّها إيمانًا" (^٣).
فقول السلف في الإيمان هو القول الحق الذي دلّت عليه الأدلّة الكثيرة الواردة في كتاب الله ﷾ وسنّة رسوله - ﷺ -، وهناك أدلّة أخرى لم يذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤).
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٢٣٩ - ٢٤١). وانظر فتح الباري (١/ ٤١ - ٤٢).
(٢) سورة الأنفال، آية (٢، ٣).
(٣) شرح السنة للبغوي (١/ ٤١).
(٤) سورة البقرة، آية (١٤٣).
[ ٥١٣ ]
ووجه الدلالة من الآية تسميته ﷾ الصلاة إيمانًا كما يدلّ عليه ما ورد في سبب نزولها، فقد أخرج البخاري في صحيحه أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا من الصحابة قبل تحويل القبلة وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله - ﷺ - عنهم، فنزلت هذه الآية (^١).
ومنها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (^٢).
ووجه الدلالة من الآية أن لفظ الإيمان إذا ورد في كلام الشارع مطلقًا يراد به ما يراد بلفظ البرّ والتقوى والدين، كما دلّ على ذلك سبب النزول حيث أن الصحابة ﵃ سألوا عن الإيمان، فأنزل الله هذه الآية (^٣).
ومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب الصلاة من الإيمان (١/ ١٧).
(٢) سورة البقرة، آية (١٧٧).
(٣) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٤٩)، وفتح الباري (١/ ٥١). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن سبب نزول هذه الآية، أخرجه عبد الرزاق وقال: رجاله ثقات.
(٤) سوره العنكبوت، آية (١ - ١١٠).
[ ٥١٤ ]
ذكر هذه الآية أبو عبيد القاسم بن سلام دليلًا على أن الأعمال من الإيمان، وقال: أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار دون العمل حتى جعل أحدهما من الآخر، فأيّ شيء يتبع بعد كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ - ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة (^١).
فهذه الأدلّة من الآيات والأحاديث دالّة على أن أعمال الجوارح داخلة في مسمّى الإيمان، وأنه لا ينفع القول والتصديق بدون العمل، وهو القول الحق.
والمؤمن في الحقيقة يكفيه دليل واحد من كتاب الله أو سنّة رسوله - ﷺ - لكي يعتقد ذلك، فكيف وقد تضافرت الأدلّة الصريحة من كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ - على صحة مذهب السلف رحمهم الله تعالى.
_________________
(١) الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٦).
[ ٥١٥ ]
المبحث الثالث أهمية الإيمان
يجب على كل معلم أن يعرف أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، لأن الإيمان بهذه المغيبات أساس هذا الدين، لأن الله ﷾ لا يقبل إيمان أحد جحد بها أو بواحد منها حتى يقرّ ويؤمن بها جميعًا.
فالإيمان بالله تعالى له أهمية قصوى لأن سعادة الإنسان في الدارين مبنيّة على قوة إيمانه بالله تعالى وقربه منه، فمن أطاع الله ﵎ وآمن به إيمانًا حقًا واجتنب ما نهي عنه فقد فاز فوزًا عظيمًا، كما أن نجاة الإنسان من عذاب الله ﵎ ومن عقابه الذي توعّد به الكافرين هو بالإيمان به ﷿.
وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تحثّ على الإيمان بالله وتبيّن أهميته.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (^٢).
_________________
(١) سورة العصر.
(٢) سورة النحل، آية (٩٧).
[ ٥١٦ ]
والإيمان سبب لحصول رغد العيش؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١).
والإيمان سبب للأمن في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ (^٢)، وهو سبب للتثبيت عند سؤال القبر والنجاة من عذابه؛ كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^٤)، وهو سبب لرضوان الله تعالى ولدخول جنّته وللنجاة من النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ (^٦).
فالإيمان له أهمية بالغة، وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأهمية، فقال: "والإيمان هو قوت القلوب وغذاء الأرواح وسبب حياتها، ومتى فقدته القلوب ماتت، وموت القلوب لا يرجى معه حياة أبدًا، بل هو هلاك الدنيا والآخرة؛ كما قيل:
_________________
(١) سورة الأعراف، آية (٩٦).
(٢) سورة الأنعام، آية (٨٢).
(٣) سورة إبراهيم، آية (٢٧).
(٤) سورة الأنعام، آية (٤٨).
(٥) سورة البينة، آية (٨).
(٦) سورة الصف، آية (١١).
[ ٥١٧ ]
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء (^١)
فلذلك شبّه المؤمن بالزرع حيث كان الزرع حياة الأجساد، والإيمان حياة الأرواج" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها، فبذلك تتمّ النعمة" (^٣)
وقال رحمه الله تعالى أيضًا مبينًّا أهمية مسائل الإيمان والإسلام لما يتعلق بها من الأمور الهامّة، فقال: "وهذه المسائل: أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًا، فإن الله ﷿ علّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنّة والنار" (^٤).
_________________
(١) هذا البيت لعدي بن الرعلاء الغساني، نسبه إليه ابن منظور في لسان العرب (٢/ ٩١)، وكذا الزبيدي في تاج العروس (٥/ ١٠١)، وذكره بدون نسبه الأزهري في تهذيب اللغة (١٤/ ٣٤٣)، والجوهري في الصحاح (١/ ٢٦٧).
(٢) غاية النفع شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع (ص ٣١، ٣٢).
(٣) لطائف المعارف (ص ٨٦، ٨٧).
(٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٢).
[ ٥١٨ ]
المبحث الرابع زيادة الإيمان ونقصانه
الإيمان الذي دلَّت عليه الأدلّة في كتاب الله ﵎ وسنَّة رسوله - ﷺ - إيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات والعبادات من ذكر الله والتفكر في الكون وما فيه من المخلوقات، وأداء النوافل، والمسارعة إلى كل عمل يقرّب من الله تعالى، وينقص بفعل المعاصي وإتيان المنكرات والفواحش، وكل عمل يبعد العبد عن الله ﷿.
والقول بزيادة الإيمان ونقصانه أصل من أصول أهل السنّة والجماعة وقد أجمعوا عليه، ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل البدع والأهواء، لأن معتقد أهل السنّة والجماعة رحمهم الله تعالى هو المعتقد الذي دلّت عليه النصوص الواردة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله - ﷺ -.
فمن أدلّة الكتاب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (١٧٣).
(٢) سورة الأنفال، آية (٢).
[ ٥١٩ ]
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (^٢).
هذه بعض الآيات الدالّة على زيادة الإيمان، والآيات في معناها كثيرة جدًا.
وأمّا الأدلّة من السنّة، فمنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من نبي بعثه الله في أمّة قبلي إلَّا كان له من أمّته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل" (^٣).
ومنها حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله - ﷺ -، أنَّه قال: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقالت امرأة منهن جزلة (^٤): وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكنّ"، قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أمَّا نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٢٤، ١٢٥).
(٢) سورة الفتح، آية (٤).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص (١/ ٧٠).
(٤) جزلة: أي ذات عقل ورأي جيّد. لسان العرب (١١/ ١٠٩).
[ ٥٢٠ ]
العقل، وتمكث الليالي ما تصلّي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدّين" (^١).
ومنها حديثة حنظلة الأسيدي ﵁، قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله - ﷺ - يذكّرنا بالنار والجنّة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله - ﷺ - عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات (^٢)، فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله - ﷺ -، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "وما ذاك"؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنّة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا. فقال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" (^٣)، ثلاث مرات.
ومنها حديث أنس ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلَّا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلَّا الله وفي قلبه وزرة ذرة من خير" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الحيض - باب ترك الحائض الصوم (١/ ٧٨)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات (١/ ٨٦).
(٢) الضيعات: مفردها ضيعة، وضيعة الرجل ما يكون عنده من معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك. النهاية لابن الأثير (٣/ ١٠٨).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٤١٤).
(٤) تقدم تخريجه (٣١٧).
[ ٥٢١ ]
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من اقتنى كلبًا إلَّا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان" (^١).
فهذه بعض أدلّة السلف من القرآن الكريم والسنّة المطهّرة تدلّ أن الإيمان يزيد وينقص، وإن كان بعضها فيه لفظ الزيادة فقط، فإنها تدل بطريق الالتزام على النقص، لأن الشيء الذي يقبل الزيادة يقبل النقص، وإلَّا فلا معنى للزيادة، إذ لا يمكن أن يتصوَّر شيء قابل للزيادة غير قابل للنقصان، روي الآجري بسنده أنه قيل لسفيان بن عيينة: "الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرؤون القرآن ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ (^٢) في غير موضع، قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلَّا وهو ينقص" (^٣).
وروى أيضًا الآجري واللالكائي (^٤) عن الحميدي، أنّه قال: سمعت ابن عيينة يقول: "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة (^٥): يا أبا محمد، لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الذبائح - باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية (٦/ ٢١٩)، ومسلم: كتاب المساقاة - باب الأمر بقتل الكلاب (٣/ ١٢٠١).
(٢) سورة آل عمران، آية (١٧٣).
(٣) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٧).
(٤) الإمام الحافظ المجود أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي، مفيد بغداد في وقته، من مؤلفاته العظيمة: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، توفي سنة ٤١٨ هـ. تاريخ بغداد (١٤/ ٧٠)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩).
(٥) إبراهيم بن عيينة أبو إسحاق أخو سفيان بن عيينة، كان إمامًا خيّرًا. قال ابن معين: كان مسلمًا صدوقًا، ولم يكن من أصحاب الحديث، توفي سنة ١٩٩ هـ. الجرح والتعديل (٢/ ١١٨)، وميزان الاعتدال (١/ ٥١)، وتهذيب التهذيب (١/ ١٤٩).
(٦) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة (٥/ ٩٦٠).
[ ٥٢٢ ]
وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان في الإيمان عن جمع غفير من الصحابة ومن بعدهم، فعن ابن عباس وأبي هريرة وأبي الدرداء ﵃ كلّهم قالوا: "الإيمان يزيد وينقص" (^١).
وعن عمير بن حبيب ﵁وهو من الصحابة- قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ خشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيّعنا فذلك نقصانه" (^٢).
وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنّه كان يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانًا، فيذكرون الله ﷿ (^٣).
ومن أقوال التابعين ومن بعدهم في ذلك:
ما روي عن مالك رحمه الله تعالى، أنه قال: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص (^٤).
وقال سهل بن المتوكّل (^٥) رحمه الله تعالى: (أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلّهم يقولون: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص") (^٦).
_________________
(١) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١١)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (١/ ٣١٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٤٤، ٩٤٥).
(٢) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١١)، وابن أبي شيبة في الإيمان (ص ٧)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (١/ ٣١٥)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٤٩).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (٣٦)، والآجري في الشريعة (١١٢)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة (٥/ ٩٤١).
(٤) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣١٧).
(٥) هو سهل بن المتوكل بن حجر أبو عصمة البخاري من بني شيبان، يروي عن أبي الوليد الطيالسي وأهل العراق، روى عنه أهل بلده. انظر الثقات لابن حبان (٨/ ٢٩٤).
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة (٥/ ٩٥٧).
[ ٥٢٣ ]
وعن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: "الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع" (^١).
والآثار الواردة في هذا المعنى عن الصحابة والتابعين وأئمَّة السلف من بعدهم كثيرة جدًا، وكلّها تدلّ على أنهم مجمعون على القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة وبيّن أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بعمل الطاعات وخصال الخير، وينقص بترك الطاعات وفعل المعاصي.
يقول رحمه الله تعالى: "ومن أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. ومن كان حبّه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصًا في إيمانه، فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتّباع ما جاء به الرسول - ﷺ - من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلّها" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى وهو يتكلّم عن الحرص على المال، وأن من طلب المال من الوجوه المحرّمة ومنع به الحقوق الواجبة فقد نقص إيمانه بذلك، قال "ومتى وصل الحرص على المال إلى هذه الدرجة نقص بذلك الدين والإيمان نقصًا بيّنًا، فإن منع الواجبات وتناول المحرمات ينقص بهما الدّين، والإيمان بلا ريب ينقص، حتى لا يبقى منه إلَّا القليل" (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وفي السنن عن النبيّ - ﷺ - قال: "من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله فقد استكمل الإيمان" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٧).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٢٦).
(٣) جامع البيان شرح حديث "ما ذئبان جائعان" (ص ١٣).
(٤) أخرجه أبو داود: كتاب السنة - باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٥/ ٦٠)، والترمذي: كتاب صفة القيامة - باب اعقلها وتوكّل (٤/ ٦٧٠)، وقال: هذا حديث حسن.
[ ٥٢٤ ]
ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت لله فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنًا وظاهرًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلَّا إرادة الله وإرادة ما يريده، لم تنبعث الجوارح إلَّا فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهه، وعمّا يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقّن ذلك (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلّم عن شارب الخمر: "وكلّما أدمن الخمر وعكف عليها نقص إيمانه وضعف ونزع منه، فيخشى أن يسلبه بالكلية عند الموت" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "محاسبة النفس على ما سلف من أعمالها والندم، والتوبة من الذنوب السالفة، والحزن عليها، واحتقار النفس والازدراء بها، ومقتها في الله ﷿، والبكاء من خشية الله تعالى، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أمور الآخرة وما فيها من الوعد والوعيد ونحو ذلك يزيد الإيمان في القلب" (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ويدخل في مسمّى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه، وزيادة الإيمان بذلك" (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقوله - ﷺ -: "وذلك أضعف الإيمان" (^٥)، يدلّ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٨٤).
(٢) رسالة في ذم الخمر وشاربها (ص ٣٤).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٤٦).
(٤) المصدر السابق (١/ ٧٣).
(٥) جزء من حديث أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ٦٩).
[ ٥٢٥ ]
الإيمان، ويدلّ على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان وفعلها كان أفضل من تركها عجزًا.
ويدلّ على صحة ذلك أيضًا: قوله - ﷺ - في حق النساء: "أما نقصان دينها، فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلّي" (^١)، يشير إلى أيَّام الحيض، مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها، فدلّ على أن من قدر على واجب وفعله، فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورًا في تركه" (^٢).
بهذا يتبيّن أن مذهب أهل السنّة والجماعة -ومنهم الحافظ ابن رجب- هو القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وهو الحق الذي دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة.
أمَّا غيرهم من المبتدعة على اختلاف أسمائهم، فقالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وكل منهم استدلّ بأدلّة مختلفة، ولكل منهم وجهة، ولكن هدفهم واحد وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان.
والسلف يعدّون من أنكر زيادة الإيمان ونقصانه من المرجئة ذكر البيهقي بإسناده عن الثوري، أنَّه قال: "خالفنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل؛ ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص؛ ونحن نقول: أهل القبلة عندنا مؤمنون، أما عند الله فالله أعلم، وهم يقولون: نحن عند الله مؤمنون" (^٣).
_________________
(١) جزء من حديث تقدم تخريجه (ص ٥٢١).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٦١).
(٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ٨٤).
[ ٥٢٦ ]
المبحث الخامس العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام
إن المتتبّع لآيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله - ﷺ - يجد أن اسم الإيمان تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإسلام، وتارة يذكر مقرونًا به، وكذلك اسم الإسلام تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإيمان، وتارة يذكر مقرونًا به، وبالتالي فإنهما أحيانًا يكونان بمعنى واحد فهما مترادفان، وأحيانًا يراد من أحدهما معنى مغاير لمعنى الآخر، فهما متغايران.
ويمكن حصر ذلك في الأقسام التالية:
١ - وردت آيات في القرآن الكريم وأحاديث في سنّة المصطفى - ﷺ - تدلّ على أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^١).
ومنها حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور بحديث جبريل، وفيه قال جبريل للنبي - ﷺ -: "أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه
_________________
(١) سورة الحجرات، آية (١٤).
[ ٥٢٧ ]
سبيلًا، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (^١).
وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله - ﷺ - أعطى رهطًا وسعد جالس فيهم، قال سعد: فترك رسول الله - ﷺ - منهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إليّ، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "أو مسلما"، قال: فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أو مسلمًا"، قال: فسكت قليلًا، ثم غلبني ما علمت منه فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أو مسلمًا، إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه، خشية أن يكبّ في النار على وجهه" (^٢).
فهذه الأدلّة تدلّ على أن الإسلام والإيمان متغايران.
٢ - وردت آيات وأحاديث تفيد أن الأعمال الظاهرة داخلة في معنى الإيمان، وأن الأعمال الباطنة داخلة في معنى الإسلام. منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان (١/ ١٨)، ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ٣٦).
(٢) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (١/ ١٢)، ومسلم: كتاب الإيمان - باب تألف من يخاف على إيمانه لضعفه (١/ ١٣٢).
(٣) سورة الحجرات، آية (١٥).
[ ٥٢٨ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ (^١).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (^٢).
ومنها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٣).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (^٤).
ومنها حديث عمرو بن عنبسة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "أن يسلم قلبك لله ﷿ وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك"، قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال: "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت"، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة"، قال: فما الهجرة؟ قال: "تهجر السوء"، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد" (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، آية (١ - ٥).
(٢) سورة آل عمران، آية (٨٥).
(٣) سورة المائدة، آية (٣).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٥١٠).
(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١١٤)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٩): رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه ورجاله ثقات.
[ ٥٢٩ ]
وعن ابن عباس ﵄ قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله - ﷺ - أمرهم بالإيمان بالله، قال: "هل تدرون ما الإيمان بالله"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم" (^١).
٣ - وردت آيات وأحاديث تفيد أن الإسلام والإيمان مترادفان.
منها قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (^٢).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة، فتقول: يا رب أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، فتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيى الصيام فيقول: أي يا رب، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول الله ﷿: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله ﷿: إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي، فقال الله ﷿ في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (^٣) " (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٥١٠).
(٢) سورة الذاريات، آية (٣٥، ٣٦).
(٣) سورة آل عمران، آية (٨٥).
(٤) أخرجه أحمد (١٦/ ٣٠٢) حديث رقم (٨٧٢٧)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٤٥): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وفيه عباد بن راشد وثّقه أبو حاتم وغيره، وضعّفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.
[ ٥٣٠ ]
وقد تكلّم السلف الصالح وأئمّة الإسلام رحمهم الله تعالى على هذه المسألة، وصنّفوا فيها الكتب والمقالات، وخلاصة كلامهم في هذه المسألة تنحصر في الأقوال (^١) التالية:
١ - ذهب الزهري وحماد بن زيد إلى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل، والمراد بالكلمة شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله.
٢ - وذهب الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي (^٢) وابن منده (^٣) وابن عبد البرّ وغيرهم إلى أن الإسلام والإيمان مترادفان يراد بأحدهما ما يراد بالآخر.
٣ - وذهب أكثر أهل العلم من السلف إلى القول بأن الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما شمل الدين كلّه أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة.
_________________
(١) انظر حكاية هذه الأقوال في: تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٥٠٦ - ٥٣١)، والإيمان لابن منده (١/ ٣٢١)، والتمهيد لابن عبد البر (٩/ ٣٤٩ - ٢٥٠)، والإيمان لابن تيمية (ص ٢١٦) وما بعدها، وجامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٦٣) وما بعدها، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص ٣٩٠ - ٣٩٤)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ١١٤).
(٢) محمد بن نصر بن الحجاج المروزي أبو عبد الله الإمام الحافظ، كان إمام عصره في الحديث، وكان من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، وكان عابدًا زاهدًا، له مؤلّفات عظيمة منها "تعظيم قدر الصلاة"، توفي سنة ٢٩٤ هـ. تاريخ بغداد (٣/ ٣١٥)، والمنتظم (٦/ ٦٣)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٥٠).
(٣) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، الإمام الحافظ أبو عبد الله، محدث الإِسلام، كان من أوسع العلماء رحلة وأكثرهم حديثًا وشيوخًا، وكان جبلًا من جبال العلم، وله مؤلّفات كثيرة منها: كتاب الإيمان، وكتاب التوحيد، توفي سنة ٣٩٥ هـ. ذكر أخبار أصبهان (٢/ ٣٠٦)، وطبقات الحنابلة (٢/ ١٦٧)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣١).
[ ٥٣١ ]
وإذا قرن بينها وذكرا معًا، فعند ذلك يفترقان في المعنى فيراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة.
والقول الأخير هو القول الذي تجتمع عليه النصوص الواردة في هذه المسألة، وهو أرجح الأقوال.
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذه المسألة وأوضحها وبيّنها بيانًا شافيًا، فقال رحمه الله تعالى بعد ذكره لبعض النصوص التي ذكرتها سابقًا: "وأمَّا وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبيّ - ﷺ - بينهما وإدخاله الأعمال في مسمَّى الإسلام دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير آصل وهو أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسمّيات متعدِّدة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الإسم بغيره صار دالًّا على بعض تلك المسمَّيات، والإسم المقرون له دال على باقيها، وهذا كإسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دلَّ أحد الإسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودلَّ بانفراده على ما يدلَّ عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دلَّ أحدهما على بعض ما يدلَّ عليه بانفراده ودلّ الآخر على الباقي، وقد صرّح بهذا جماعة من الأئمة".
قال أبو بكر الإسماعيلي (^١) في رسالته إلى أهل الجبل، قال كثير
_________________
(١) هو الإمام الحافظ الحجّة شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي، قال ابن كثير عنه: "سمع الكثير وحدّث وخرّج وصنَّف فأفاد وأجاد، وأحسن الاعتقاد والانتقاد، صنَّف كتابًا على صحيح البخاري فيه فوائد كثيرة وعلوم غزيرة"، توفي سنة ٣٧١ هـ، رحمه الله تعالى. الأنساب (١/ ٢٤٩)، والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٤)، وطبقات الشافعية لابن هداية (ص ٩٥).
[ ٥٣٢ ]
من أهل السنّة والجماعة: "إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله، إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل المؤمنون والمسلمون جميعًا، مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم.
وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابي في كتابه معالم السنن (^١)، وتبعه جماعة من العلماء من بعده، ويدلّ على صحة ذلك أن النبيّ - ﷺ - فسَّر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسَّر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسَّر في حديث الآخر الإسلام بما فسَّر به الإيمان كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو (^٢) بن عنبسة " (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الإختلاف، فيقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الإسمين كان بينهما فرق، والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين، كما سمّى الله في كتابه الإسلام دينا، وفي حديث جبريل سمَّى النبيّ - ﷺ - الإسلام والإيمان والإحسان دينًا، وهذا أيضًا مما يدلّ على أن أحد الإسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الإسمين بالآخر، فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل وكان النبيّ - ﷺ - يقول في دعائه إذا صلَّى على الميت: "اللهمّ من أحييته منّا فأحيه على الإسلام، ومن توفّيته منا فتوفّه
_________________
(١) انظر: معالم السنن (٤/ ٣١٥).
(٢) سبق ذكر حديث عمرو بن عنبسة (ص ٥٢٩).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٣ - ٦٥).
[ ٥٣٣ ]
على الإيمان" (^١)، لأن الأعمال بالجوارح، وإنّما يتمكّن منه في الحياة، فأمّا عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب.
ومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم، فإن من حقّق الإيمان، ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام؛ كما قال - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب" (^٢)، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلَّا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقّق القلب به تحقّقًا تامًّا مع عمل جوارحه أعمال الإسلام، فيكون مسلمًا وليس بمؤمن الإيمان التامّ؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^٣) الآية، فلم يكونوا منافقين بالكلية على أصحّ التفسيرين بل كان إيمانهم ضعيفًا، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ الآية، يعني: لا ينقصكم من أجورها، فدلّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم
أما اسم الإسلام، فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرّماته، وإنّما ينفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية، ولا يعرف في شيء من السنّة الصحيحة نفي الإسلام عمّن ترك شيئًا من واجباته كما ينفي الإيمان
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٨)، وأبو داود: كتاب الجنائز - باب الدعاء للميت (٣/ ٥٣٩)، والترمذي: كتاب الجنائز - باب ما يقول في الصلاة على الميت (٣/ ٣٤٤)، وابن ماجه: كتاب الجنائز - باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة (١/ ٤٨٠)، والحاكم (١/ ٣٥٨)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٣٣): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٦٦).
(٣) سورة الحجرات، آية (١٤).
[ ٥٣٤ ]
عمّن ترك شيئًا من واجباته وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرّمات وإطلاق النفاق أيضًا وإذا تبيّن أن اسم الإسلام لا ينتفي إلَّا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملّة بالكلية، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كلّه من التصديق وغيره (^١).
وبهذا يتبيّن لنا أن القول الثالث هو القول الصحيح الذي تفهم به النصوص، وتجتمع عليه أقوال السلف رحمهم الله تعالى.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٦ - ٦٩).
[ ٥٣٥ ]
المبحث السادس حكم مرتكب الكبيرة
دلّت نصوص الكتاب والسنّة على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، وهو ما أجمع عليه السلف رحمهم الله تعالى.
فمن الأدلّة التي وردت في الكتاب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^٣).
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "لما نهى الله تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر، وعدّ على اجتنابها التخفيف من الصغائر، دلّ هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر، وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللمسة والنظرة باجتناب الكبائر تكفر قطعًا بوعده الصدق، وقوله الحق لا أنه يجب عليه ذلك" (^٤).
_________________
(١) سورة النجم، آية (٣٢).
(٢) سورة الشورى، آية (٣٧).
(٣) سورة النساء، آية (٣١).
(٤) تفسير القرطبي (٥/ ١٥٨).
[ ٥٣٦ ]
ومن الأدلَّة في السنّة حديث أبي بكرة ﵁، قال: قال النبيّ - ﷺ -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متّكئًا فقال: ألا وقول الزور، قال: فما زال يكرّرها حتى قلنا ليته سكت" (^١).
وحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر، فقال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو قال: شهادة الزور" (^١).
وحديث عمير بن قتادة ﵁: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: ما الكبائر؟ فقال: "هن تسع: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلَّا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا" (^٢).
وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر" (^٣).
والأحاديث التي ورد فيها لفظ الكبائر كثيرة جدًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب - باب عقوق الوالدين من الكبائر (٧/ ٧١)، ومسلم: كتاب الإيمان - باب بيان الكبائر وأكبرها (١/ ٩١).
(٢) أخرجه أبو داود: كتاب الوصايا - باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم (٣/ ٢٩٥)، والحاكم (٤/ ٢٥٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٠٨)، وقال الذهبي في الكبائر (١٦٨): سنده صحيح.
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة - باب الصلوات الخمس (١/ ٢٠٩).
[ ٥٣٧ ]
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنّة واستعمال سلف الأمّة وخلفها" (^١).
وأرى من المناسب قبل الكلام عن حكم صاحب الكبيرة أن أذكر تعريفًا مختصرًا للكبيرة.
١ - معنى الكبيرة لغة:
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: الكِبْر، الإثم الكبير، وما وعد الله عليه النار، والكِبَرَة كالكبر: التأنيث للمبالغة، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ﴾ (^٢)، وفي الأحاديث ذكر الكبائر في غير موضع واحدتها كبيرة: وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعًا لتعظيم أمرها (^٣).
٢ - تعريف الكبيرة شرعًا:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف الكبيرة على أقوال (^٤) كثيرة تزيد على عشرين قولًا، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " وأمّا
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (٢/ ٨٥).
(٢) سورة الشورى، آية (٣٧).
(٣) لسان العرب (٦/ ٤٤٣).
(٤) انظر الأقوال في تعريف الكبير في شرح مسلم للنووي (٢/ ٨٥ - ٨٧)، ومجموع الفتاوى (١/ ٦٥٧)، ومدارج السالكين (١/ ٣٢١ - ٣٢٧)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٤١٧ - ٤١٨)، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي (١/ ٥ - ١٠)، وفتح الباري لابن حجر (١٠/ ٤١٠ - ٤١٢)، والدر المنثور للسيوطي (٢/ ٤٩٨ - ٥٠٠).
[ ٥٣٨ ]
الكبائر فاختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة (^١).
فقيل: هي كل ما وعد الله عليه بالنار.
وقيل: هي كل ما نهى الله عنه.
وقيل: هي ما اتّفقت الشرائع على تحريمه.
إلى غير ذلك من الأقوال التي قيلت في تعريف الكبيرة، وأولى الأقوال وأحسنها وأرجحها ما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^٢)، قال: "الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" (^٣).
وهذا القول هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث ذكر أن هذا التعريف هو أحسن التعاريف وأمثلها للوجوه التالية:
منها: أنه المأثور عن السلف بخلاف تلك الضوابط.
ومنها: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب.
ومنها: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأمَّا تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر (^٤).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٢٠).
(٢) سورة النساء، آية (٣١).
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٤١).
(٤) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٤، ٦٥٥).
[ ٥٣٩ ]
كما اختاره ابن حجر رحمه الله تعالى، حيث قال بعد ذكره لبعض الأقوال في تعريف الكبيرة، قال: ومن أحسن التعاريف قول القرطبي (^١) في المفهم: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنّة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدّة عقاب أو علّق عليه حدّ أو شدّد النكير عليه فهو كبيرة، وعلى هذا فينبغي تتبّع ما ورد فيه الوعيد أو اللّعن أو الفسق من القرآن والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويضمّ إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عرف منه تحرير عدّها" (^٢).
أمَّا حكم مرتكب الكبيرة، فإن عقيدة أهل السنّة والجماعة في ذلك أن من ارتكب كبيرة دون الشرك ولم يستحلّها فإنه لا يكفر بل يسمّى مؤمنًا ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وإذا مات مصرًّا عليها ولم يتب منها فإن أمره إلى الله تعالى إن شاء غفر له ذنبه وأدخله الجنّة ابتداءًا تفضّلًا منه سبحانه، وإن شاء عذّبه بقدر ذنبه عدلًا منه سبحانه، ثم يخرجه من النار ويدخله الجنَّة، لأنه لا يخلد في النار إلَّا المشرك.
قال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى مقرَّرًا عقيدة السلف في هذه المسألة: "ويعتقد أهل السنّة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر
_________________
(١) أحمد بن عمر بن إبراهيم أبو العباس الأنصاري القرطبي، فقيه مالكي، من رجال الحديث، قال ابن كثير: "سمع الكثير واختصر الصحيحين، وشرح صحيح مسلم المسمَّى بالمفهم، وفيه أشياء حسنة مفيدة محرّرة رحمه الله تعالى". توفي سنة ٦٥٦ هـ. البداية والنهاية (١٣/ ٢٠٢)، وحسن المحاضرة (١/ ٧٦٠)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٧٣).
(٢) فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٨٤).
[ ٥٤٠ ]
وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنّة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذّبه مدّة بعذاب النار، وإذا عذّبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (^١).
وقد خالفت في ذلك فرق المعتزلة والخوارج والمرجئة ومن نحا نحوهم وخالفوا نصوص الكتاب والسنّة، حيث أن الخوارج كفّروا مرتكب الكبيرة وأخرجوه من الإيمان وحكموا عليه في الخلود في نار جهنّم، وقد وافقتهم المعتزلة على الخلود في نار جهنم في الآخرة. أما في الدنيا، فقالوا: إنه يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر وإنما هو في منزلة بين المنزلتين. وأمّا المرجئة فقد فتحوا باب شر عظيم وهونوا أمر المعاصي، حيث قالوا: إنه لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع من الكفر طاعة"، وعلى هذا فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يدخل نار جهنم، وهذا مبنيّ على إخراجهم العمل من مسمّى الإيمان (^٢).
والحقّ ما قاله أهل السنّة والجماعة وأجمعوا عليه، وقد حكى اتفاق أهل السنّة والجماعة على ذلك الإمام البغوي رحمه الله تعالى، فقال: "اتّفق أهل السنّة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها فمات قبل التوبة لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله إن شاء عفا عنه
_________________
(١) عقيدة أصحاب الحديث للإمام الصابوني ضمن الرسائل الكمالية (ص ١٠٣، ١٠٤).
(٢) انظر كتاب الإيمان لأبي عبيد (ص ٩٩ - ١٠٢)، والتمهيد لابن عبد البر (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، والإيمان لابن تيمية (ص ٢٠٢)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٤١٧).
[ ٥٤١ ]
وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنّة برحمته" (^١).
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة في عدّة مواضع من مؤلّفاته، فقال رحمه الله تعالى: "من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (^٢).
فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب ملؤها خطايا، لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله ﷿ فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنّة، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلَّها، ومنعه من دخول النار بالكلية" (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "أوَّل اختلاف وقع في هذه الأمَّة هو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحّدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر وعاملوهم معاملة الكفّار واستحلّوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم: المنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان، وقد صنَّف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعدّدة" (^٤).
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١/ ١٠٣).
(٢) سورة النساء، آية (٤٨).
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٤٧).
(٤) المصدر السابق (١/ ٧٢).
[ ٥٤٢ ]
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر: هل يسمّى مؤمنا ناقص الإيمان أم لا يسمّى مؤمنًا، وإنما يقال هو مسلم، فليس بمؤمن؟ على قولين: وهما روايتان عن أحمد ﵀، فأمَّا من ارتكب الصغائر فلا يزول عنه إسم الإيمان بالكلية بل هو مؤمن ناقص الإيمان، ينقص إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك، والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن عبد الله، وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم.
والقول بأنه مسلم ليس بمؤمن مرويّ عن أبي جعفر محمد بن علي (^١)، وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل السنّة" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقوله - ﷺ -: ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له" (^٣)، صريح في أن الكبائر من لقي الله بها كانت تحت مشيئته، وهذا يدلّ على أن إقامة الفرائض لا تكفّرها ولا تمحوها، فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لاسيّما من بايعهم النبيّ - ﷺ - وخرج من ذلك من لقي الله وقد تاب منها بالنصوص الدالّة من الكتاب والسنّة على أن من تاب إلى الله تاب الله عليه وغفر له، فبقي من لم يتب داخلًا تحت المشيئة (^٤).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٨٩).
(٢) أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، كان إمامًا مجتهدًا تاليًا لكتاب الله، كبير الشأن، عدّه النسائي وغيره من فقهاء التابعين، واتّفق الحفاظ على الاحتجاج به، توفي سنة ١١٤ هـ. طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٠)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٢٤)، والبداية والنهاية (٩/ ٣٢٧)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٣٥٠).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٣٢٠).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٦).
[ ٥٤٣ ]
وقد استدلّ السلف رحمهم الله تعالى على عدم تكفير مرتكب الكبيرة بأدلّة كثيرة من الكتاب والسنّة.
أمّا من الكتاب، فقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ (^١).
فهذه الآية نفت أن يغفر الله للمشرك، فدلّ ذلك على أن من مات مصرًّا على كبيرة دون الشرك فهو إلى الله تعالى إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه بقدر ذنبه. أمّا من مات وهو مشرك، فإن الله لا يغفر له بنصّ الآية.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: "وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرة شركًا بالله" (^٢).
وبقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (^٣).
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرًا بالقتل، لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، وفي آخر الآية قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وأراد به أخوّة الإيمان، فلم يقطع الأخوّة بينهما بالقتل" (^٤).
وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة النساء، آية (٤٨).
(٢) تفسير ابن جرير الطبري (٥/ ١٢٦).
(٣) سورة البقرة، آية (١٧٨).
(٤) تفسير البغوي (١/ ١٤٦).
(٥) سورة الحجرات، آية (٩).
[ ٥٤٤ ]
ذكر هذه الآية الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الإيمان (^١)، مستدلًا بها على أن المؤمن لا يكفر إذا ارتكب معصية دون الشرك.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "استدلّ المؤلف على أن المؤمن إذا ارتكب معصية لا يكفر بأن الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن، فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (^٢)، ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ (^٣) " (^٤).
إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن أن أهل المعاصي التي دون الشرك من أهل الإيمان.
وأمَّا الأدلة من السنة، فمنها حديث أبي ذرّ ﵁ قال: "أتيت النبيّ - ﷺ - وهو نائم عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه، فقال: "ما من عبد قال لا إله إلَّا الله ثم مات على ذلك إلَّا دخل الجنَّة"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر"، قال: فخرج أبو ذرّ وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذرّ" (^٥).
ومنها حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله - ﷺ - وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا
_________________
(١) كتاب الإيمان (١/ ١٣).
(٢) سورة الحجرات، آية (٩).
(٣) سورة الحجرات، آية (١٠).
(٤) فتح الباري لابن حجر (١/ ٨٥).
(٥) تقدم تخريجه (ص ٣١٩).
[ ٥٤٥ ]
ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه"، فبايعناه (^١).
قال النووي رحمه الله تعالى بعد ذكره لحديث أبي ذرّ وحديث عبادة بن الصامت السابقين: "فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢)، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنَّة أو لا، وإن شاء عذّبهم ثم أدخلهم الجنّة" (^٣).
فهذه الأدلّة من الكتاب والسنّة وغيرها مما هو بمعناها تدلّ دلالة واضحة على ما ذهب إليه أهل السنّة والجماعة من أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرًّا عليها ليس بكافر، ولكنه معرّض نفسه لعقاب الله، وإن عوقب فإنه لا يخلد في النار بل يخرج منها، ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل البدع والأهواء، والله الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٢٠).
(٢) سورة النساء، آية (٤٨).
(٣) شرح مسلم للنووي (٢/ ٤١، ٤٢).
[ ٥٤٦ ]
المبحث السابع مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة
هناك مسألة تعرّض لها ابن رجب رحمه الله تعالى وهي مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة كالوضوء والصلاة وغيرها.
فقد ذكر رحمه الله تعالى في هذه المسألة قولين لأهل العلم، القول الأول: أن الأعمال الصالحة لا تكفّر إلَّا الصغائر. أمّا الكبائر فلابدّ للعبد من التوبة منها. يقول ابن رجب في بيان هذا القول: " فمنهم من قال لا تكفّر سوى الصغائر، وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفّر الصغائر أمّا الكبائر فلابدّ لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالمًا.
واتّفقت الأمَّة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدّى إلَّا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفّرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان الإسلام لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع، وأيضًا لو كفّرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى الفرائض، وهذا يشبه قول المرجئة، وهو باطل.
هذا ما ذكره ابن عبد البرّ في كتابه التمهيد (^١)، وحكي إجماع المسلمين على ذلك، واستدلّ عليه بأحاديث:
_________________
(١) التمهيد (٤/ ٤٤).
[ ٥٤٧ ]
منها: قوله - ﷺ -: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ، ما اجتنب الكبائر"، وهو مخرّج في الصحيحين (^١) من حديث أبي هريرة.
وهذا يدلّ على أن الكبائر لا تكفّرها هذه الفرائض
وفي صحيح مسلم عن عثمان عن النبيّ - ﷺ - قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلَّا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأتِ كبيرة، وذلك الدهر كلّه" (^٢) (^٣).
والقول الثاني: أن الأعمال الصالحة تكفّر الكبائر، وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذا القول وردّ عليه بقوله: "وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفّر الكبائر، ومنهم ابن حزم الظاهري (^٤) وإياه عنى ابن عبد البرّ في كتاب التمهيد (^٥) بالردّ عليه، وقال: قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل، وخشيت أن يغترّ به جاهل فينهمك في الموبقات اتّكالًا على أنها تكفّرها الصلوات دون الندم والإستغفار والتوبة.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٥٣٧).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة - باب فضل الوضوء والصلاة عقبه (١/ ٢٠٦).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٨ - ٤٠).
(٤) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، الإمام المحدّث الفقيه، كان شافعيًا ثم تركه إلى القول بالظاهر، له مؤلّفات كثيرة منها: المحلى، الفصل في الملل والنحل، توفي سنة ٤٥٦ هـ. وفيات الأعيان (٣/ ٣٢٥)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٩٩).
(٥) التمهيد (٤/ ٤٩).
[ ٥٤٨ ]
قلت (^١): وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه فإن كان مرادهم أن من أتى بفرائض الإسلام وهو مصرّ على الكبائر تغفر له الكبائر قطعًا فهذا باطل قطعًا، يعلم بالضرورة من الدين بطلانه، وقد سبق قوله - ﷺ -: "من أساء في الإسلام أخذ بالأوّل والآخر" (^٢)، يعني بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان.
وإن أراد هذا القائل أن من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه كفّرت ذنوبه كلّها بذلك، واستدلّ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^٣)، وقال: السيّئات تشمل الكبائر والصغائر، وكما أن الصغائر تكفّر باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نيّة فكذلك الكبائر، وقد يستدلّ لذلك بأن الله وعد المؤمنين والمتّقين بالمغفرة وتكفير السيئات وهذا مذكور في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتّقين فإنه فعل الفرائض واجتنب الكبائر، واجتناب الكبائر لا يحتاج إلى نيّة وقصد، فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة" (^٤).
وقد رجّح ابن رجب رحمه الله تعالى القول الأوَّل، وبين أن الكبائر لا تكفّر بالأعمال الصالحة؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما كان للتوبة معنى، ولكان المصرّ على الكبائر مع محافظته على الصلاة مثلًا مكفّرة لكبائره، وليس عليه تبعة ولا يلزمه توبة لأنه بصلاته وأعماله الصالحة تمحى
_________________
(١) القائل ابن رجب رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب استتابة المرتدين (٨/ ٤٩).
(٣) سورة النساء، آية (٣١).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١ - ٤٣).
[ ٥٤٩ ]
ذنوبه، يقول ابن رجب ﵀ في ذلك: "والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفّر بدون التوبة، لأن التوبة فرض على العباد، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^١)
وأما النصوص الكثيرة المتضمّنة مغفرة الذنوب وتكفير السيّئات للمتّقين؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٣) فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك التوبة النصوح، فمن لم يتب فهو ظالم غير متقٍّ.
وقد بيَّن في سورة آل عمران (^٤) خصال التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنَّة، فذكر منها الإستغفار وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفير السيّئات ومغفرة الذنوب إلَّا لمن كانت هذه الصفة له.
وممّا يستدلّ به على أن الكبائر لا تكفّر بدون التوبة منها أو العقوبة عليها حديث عبادة بن الصامت، قال: كنّا عند رسول الله - ﷺ - فقال: "بايعوني على ألَّا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا (وقرأ عليهم الآية) (^٥)، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا
_________________
(١) سورة الحجرات، آية (١١).
(٢) سورة الأنفال، آية (٢٩).
(٣) سورة التغابن، آية (٩).
(٤) وهي من قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ سورة آل عمران، آية (١٣٣ - ١٣٥).
(٥) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة الممتحنة، آية (١٢).
[ ٥٥٠ ]
فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له"، خرّجاه في الصحيحين (^١) إلى أن قال رحمه الله تعالى: "والأظهر -والله أعلم- في هذه المسألة، أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمال:
إن أريد أن الكبائر تمحى بمجرّد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفّرة بذلك كما تكفّر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل.
وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال، فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب فهذا قد يقع
روي من حديث ابن عباس عن النبيّ - ﷺ - قال: "يؤتى بحسنات العبد وسيّئاته يوم القيامة، فيقص أو يقضى بها بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنّة" (^٢) وظاهر هذا أنه يقع المقاصة بين الحسنات والسيئات ثم يسقط الحسنات المقابلة للسيّئات، وينظر إلى ما يفضل منها بعد المقاصّة (^٣).
هذه بالنسبة للكبائر، أمّا الصغائر فقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أنها تكفّر بالأعمال الصالحة كما سبق بيان ذلك في القول الأوّل من المسألة السابقة، وكما في قوله رحمه الله تعالى: " أمّا الصغائر فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها؛ كما قال - ﷺ -: "ألا
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٢٠).
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٥٢) وهو حديث قدسي، ولفظه: "قال الرب ﷿: يؤتى بحسنات العبد وسيّئاته فيقضي بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسّع الله له في الجنة " الحديث، قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٣ - ٤٥).
[ ٥٥١ ]
أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة" (^١)، فأثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات.
وكذلك قوله - ﷺ -: "من قال لا إله إلّا الله وحده لا شريك له مائة مرة كتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر" (^٢).
فهذا يدلّ على أن الذكر يمحو السيّئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفًا وعلى هذا فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيّئات ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافي بين تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال - ﷺ -: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر" (^٣)، فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها وكفّها عما تميل إليه ما يوجب تكفير الصغائر.
وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفّر الذنوب بما يحصل بها من الألم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن، فتبيّن بها أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات وتكفير السيّئات من وجهين، ولا يكون بينهما منافاة، وهذا ثابت في الذنوب الصغائر بلا ريب" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره (١/ ٢١٩).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣١٤).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٥٣٧).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٥، ٦٠).
[ ٥٥٢ ]
وهل يقطع بتكفير الأعمال الصالحة للصغائر إذا اجتنبت الكبائر؟
فيه قولان ذكرهما ابن عطية (^١) في تفسيره، ورجح القول بعدم الجزم بشيء، وإنّما يحمل ذلك على غلبة الظن، وقوّة الرجاء، والمشيئة الثابتة، وعلّل ابن عطية ذلك بأنّه "لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض بتكفير صغائره قطعًا، لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تبعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة (^٢) "، وقد أورد ابن رجب رحمه الله تعالى كلام ابن عطيّة السابق، وعقّب عليه بقوله: "قد يقال لا يقطع بتكفيرها بها، لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيّدة بتحسين العمل كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة، وحينئذ يتحقّق حسن العمل الذي يوجب التكفير، وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر" (^٣) والله أعلم بالصّواب.
_________________
(١) أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الأندلسي المالكي، كان إمامًا في الفقه والتفسير والعربية، ذكيًا فطنًا، من أوعية العلم، من مؤلّفاته: المحرر والوجيز في تفسير الكتاب العزيز، توفي سنة ٥٤١ هـ. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٥٩٦)، وطبقات المفسّرين للسيوطي (ص ٥٠)، وطبقات المفسّرين للداوودي (١/ ٢٦٥).
(٢) المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٩٦).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٣، ٦٤).
[ ٥٥٣ ]
الفصل الثاني الإيمان بالملائكة والكتب والرسل
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأوّل: الإيمان بالملائكة والكتب.
المبحث الثاني: تعريف النبيّ والرسول لغة وشرعًا.
المبحث الثالث: معنى الإيمان بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.
المبحث الرابع: الغرض من بعثه الرسل عليهم الصّلاة والسّلام.
المبحث الخامس: التفاضل بين الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.
المبحث السادس: بعض خصائص الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.
المبحث السابع: الإيمان بنبوّة محمد - ﷺ -.
المبحث الثامن: كلامه في دعوة نبيّنا محمّد - ﷺ -.
المبحث التاسع: بيانه فضل إرسال النبيّ - ﷺ -.
المبحث العاشر: النجاة والسعادة في طاعة الرسول - ﷺ - واتّباعه.
[ ٥٥٥ ]
المبحث الأول الإيمان بالملائكة والكتب
جعلت الكلام على الإيمان بالملائكة والكتب في مبحث واحد، ولم أفرد كلًّا منهما بفصل خاص به لأمرين:
١ - أن الإيمان بالملائكة والكتب له صلة قوية بالإيمان بالأنبياء، إذ أن من لوازم الإيمان بالأنبياء الإيمان بجميع ما أخبروا به، ومن ذلك الإيمان بالملائكة والكتب.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك بقوله: "والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة والأنبياء والكتاب " (^١).
٢ - إنني لم أجد لابن رجب رحمه الله تعالى في هذين الركنين إلّا كلامًا قليلًا لا يتحمّل إفراد كل منهما بفصل خاص به.
وسيكون الكلام في هذا المبحث في مطلبين.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٠).
[ ٥٥٧ ]
المطلب الأول الإيمان بالملائكة
لقد ذكر الله ﵎ أركان الإيمان في عدّة آيات من كتابه، وذكر من بينها الإيمان بالملائكة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (^١)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (^٢).
كما ذكر رسول الله - ﷺ - في حديث عمر المعروف بحديث جبريل (^٣) أركان الإيمان، وذكر من بينها الإيمان بالملائكة.
والملائكة خلق عظيم وعدد كثير لا يحصيهم إلّا الله ﷿، خلقهم من نور، وهم عبّاد مكرّمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، وقد وكل الله إليهم أعمالًا يقومون بها وأفضلهم جبريل ﵇ الموكل بتبليغ وحي الله إلى خلقه.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى أفضليّة جبريل ﵇
_________________
(١) سورة البقرة، آية (١٧٧).
(٢) سورة البقرة، آية (٢٨٥).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).
[ ٥٥٨ ]
على بقية الملائكة بقوله: "وجبريل ﵇ هو أفضل الملائكة وأكرمهم" (^١).
كما أشار رحمه الله تعالى أيضًا إلى بعض أعمال الملائكة، ومنها:
أنهم يستغفرون للذين آمنوا، فقال رحمه الله تعالى: "وقد أخبر الله في كتابه باستغفار ملائكة السماء عمومًا، بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿. . . وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣)، فهذا للمؤمنين عمومًا" (^٤).
وقال رحمه الله تعالى في شرح حيث اختصام الملأ الأعلى:
"وفيه دلالة على أن الملأ الأعلى وهم الملائكة أو المقرّبون منهم يختصمون فيما بينهم، ويتراجعون القول في الأعمال التي تقرّب بني آدم إلى الله ﷿ وتكفّر بها عنهم خطاياهم" (^٥).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى بعض أوصاف الملائكة، فقال: "وقد وصف الله الملائكة الذين على النار بالغلظة والشدة، قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^٦). . . " (^٧).
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ١٧٥).
(٢) سورة غافر، آية (٧).
(٣) سورة الشورى، آية (٥).
(٤) شرح حديث أبي الدرداء (ص ٢٨).
(٥) اختيار الأَوْلى (ص ١٢).
(٦) سورة التحريم، آية (٦).
(٧) التخويف من النار (ص ١٧٣).
[ ٥٥٩ ]
المطلب الثاني الإيمان بالكتب
إن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله ﷿ على أنبيائه ورسله ركن من أركان الإيمان الستّة، وقد دلّت آيات كثيرة على أن الله ﷾ أنزل القرآن على نبيّنا محمد - ﷺ -، كما أشارت إلى إنزال الكتب السابقة قبله على من سبقه من الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى. . .﴾ (^٣).
هذه الآيات تدلّ على وجوب الإيمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله، ووجوب التصديق بها والعمل بمقتضى ما كلفنا به منها.
وقد مدح الله ﷿ من آمن بها جميعًا، وجعل لهم الهداية
_________________
(١) سورة الزمر، آية (٢٣).
(٢) سورة الزمر، آية (٤١).
(٣) سورة الزمر، آية (٧١).
[ ٥٦٠ ]
والفلاح؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ (^١)، والقرآن الكريم هو كلام الله ﷿ المعجز المنزل على النبيّ - ﷺ -.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى وصف القرآن الكريم، وأنه أعظم الكتب السماوية، فقال: "وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ (^٢)، يعني يتلو عليهم ما أنزل الله عليه من آياته المتلوّه وهو القرآن وهو أعظم الكتب السماوية، وقد تضمّن من العلوم والحكم والمواعظ والقصص والترغيب والترهيب وذكر أخبار من سبق وأخبار ما يأتي من البعث والنشور والجنّة والنار ما لم يشتمل عليه كتاب غيره، حتى قال بعض الحكماء: لو أن هذا الكتاب وجد مكتوبًا في مصحف في فلاة من الأرض ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف ذلك، فكيف إذا جاء على يدي أصدق الخلق وأبرّهم وأتقاهم، وقال: إنه كلام الله وتحدّى الخلق كلّهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا فيه، فكيف يبقى مع هذا شك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (^٤)، فلو لم يكن من المعجزات الدالّة على صدقه غير هذا الكتاب لكفاه، فكيف وله من المعجزات الأرضية والسماوية ما لا يحصى" (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، آية (٤، ٥).
(٢) سورة الجمعة، آية (٢).
(٣) سورة البقرة، آية (٢).
(٤) سورة العنكبوت، آية (٥١).
(٥) لطائف المعارف (ص ٨٥).
[ ٥٦١ ]
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرح حديث: "مثل الإسلام" (^١): " لما كانت النفس والهوى داعيين إلى فتح أبواب المحارم وكشف ستورهما وارتكابها جعل الله ﷿ لها داعيين يزجران من يريد ارتكاب المحارم وكشف ستورهما، أحدهما: داعي القرآن وهو الدّاعي على رأس الصراط يدعو الناس كلهم إلى الدخول في الصّراط والاستقامة عليه وأن لا يعوجوا عنه يمنة ويسرة، ولا يفتحوا شيئًا من تلك الأبواب التي عليها الستور المرخاة، قال الله ﷿ حاكيًا عن عباده المؤمنين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ (^٢) الآية، والمراد به القرآن عند أكثر السلف، وقال حاكيًا عن الجن الذين سمعوا القرآن أنّهم لما رجعوا إلى قومهم، قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (^٣) " (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا عن القرآن: "وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحثّ على الإحسان ومكارم الأخلاق، وقد كان رسول الله - ﷺ - هذا الكتاب له خلق (^٥) يرضى لرضاه ويسخط لسخطه،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢)، والحاكم (١/ ٧٣) من حديث النواس بن سمعان أن رسول الله - ﷺ - قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، على جنبتي الصراط سوران فيها أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة " الحديث. قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ٥٢)، وعزاه لأحمد والحاكم، ورمز له بالصحة.
(٢) سورة آل عمران، آية (١٩٣).
(٣) سورة الأحقاف، آية (٣٠، ٣١).
(٤) شرح حديث مثل الإسلام ورقة (٩).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٥١٣) أن سعد بن هشام بن عامر سأل عائشة ﵂، فقال: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبيّ الله - ﷺ - كان القرآن".
[ ٥٦٢ ]
ويسارع إلى ما حثّ عليه ويمتنع ممّا زجر عنه" (^١).
وبهذا يتبيّن لنا أهميّة العناية بهذا القرآن والحرص على قراءته والعمل بما فيه لما يترتّب على ذلك من حصول الهداية والسعادة والنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ١٧٥).
[ ٥٦٣ ]
المبحث الثاني تعريف النبيّ والرسول لغة وشرعًا
أولًا: تعريف النبيّ والرسول لغة:
النبيّ لغة مشتق من النبأ وهو الخبر؛ كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ (^١).
وقيل: أن النبيّ مأخوذ من النبوّة وهو ما ارتفع من الأرض، وسمّي النبيّ بذلك لأنه مفضّل على سائر الخلق بمكانته ورتبته العالية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ (^٢).
وقيل: النبيّ هو الطريق الواضح؛ لأن العرب تطلق لفظ النبي على علم من أعلام الأرض التي يُهتدى بها، وسمّي النبيّ بذلك لأنه علم يهتدى به الخلق إلى الله ﵎ (^٣).
أمّا الرسول لغة، فهو مشتقّ من الإرسال ومعناه البعث والتوجيه، فإذا بعثت شخصًا في القيام بمهمة ما فهو رسولك، قال تعالى حكاية عن ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ (^٤)،
_________________
(١) سورة النبأ، آية (١، ٢).
(٢) سورة مريم، آية (٥٧).
(٣) الصحاح للجوهري (١/ ٧٤ و٦/ ٢٥٠٠)، والمفردات للراغب الأصفهاني (ص ٤٨١، ٤٨٢)، ولسان العرب (١/ ٣٠٢) و(٥/ ١٦٢، ١٦٣).
(٤) سورة النمل، آية (٣٥).
[ ٥٦٤ ]
ويجمع رسول على أرْسُل ورُسُل ورُسْل ورُسَلاء، وسمّوا الرسل بذلك لأنهم مبعوثون وموجّهون من قبل الله ﷿ لتبليغ الخلق أمر الله ووحيه (^١).
ثانيًا: تعريف النبيّ والرسول شرعًا:
تعدّدت الأقوال في تعريف النبيّ والرسول والقول المشهور في تعريف النبيّ والرسول.
أن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبيّ من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه (^٢).
ولكن بعض أهل العلم يرى أن هذا التعريف الشائع تعريف فيه بعد، يقول العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: "وآية الحجّ تبيّن أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبيّ هو من أوحى إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (^٣)، يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أن النبيّ الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقلّ مع المعجزة التي ثبتت بها نبوّته، وأن النبيّ المرسل الذي هو غير الرسول هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أُوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة؛ كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا
_________________
(١) الصحاح للجوهري (٤/ ١٧٠٩)، والمفردات للراغب الأصفهاني (ص ١٩٥)، ولسان العرب (١١/ ٢٨٣، ٢٨٤).
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩).
(٣) سورة الحج، آية (٥٢).
[ ٥٦٥ ]
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (^١) " (^٢).
ولعلّ الشنقيطي ﵀ يشير إلى ما قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال: "فالنبيّ هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأمّا إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله فهو نبي وليس برسول" إلى أن قال: "فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (^٣)، دليل على أن النبيّ مرسل، ولا يسمّى رسولًا عند الإطلاق، لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفون أنه حق" (^٤).
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٤٤).
(٢) أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).
(٣) سورة الحج، آية (٥٢).
(٤) النبوات (ص ٢٢٥، ٢٥٦).
[ ٥٦٦ ]
المبحث الثالث معنى الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسّلام
إن الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من الإيمان بالغيب الذي وصف الله المؤمنين بأنهم يؤمنون به؛ كما قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (^١)، وهو ركن من أركان الإيمان التي يجب الإيمان بها، كما دلّت على ذلك الأدلّة الكثيرة في كتاب الله ﷾ وسنّة رسوله - ﷺ -.
قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (^٣).
وفي حديث جبريل وسؤاله للنبيّ - ﷺ - عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه" (^٤).
ومعنى الإيمان بالأنبياء والرسل هو التصديق الجازم بأن لله ﷿
_________________
(١) سورة البقرة، آية (١ - ٣).
(٢) سورة البقرة، آية (٢٨٥).
(٣) سورة البقرة، آية (١٧٧).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).
[ ٥٦٧ ]
رسلًا أرسلهم لإرشاد الخلق إلى ما فيه خيرهم في معاشهم ومعادهم، فيجب الإيمان بمن سمّى الله منهم في كتابه على التفصيل والإيمان جملة بأن لله رسلًا غيرهم وأنبياء لا يعلمهم إلّا هو ﷾، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (^١).
والواجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى دون تفريق بينهم، فمن آمن بالبعض وكفر بالبعض الآخر فقد كفر بالجميع؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ (^٢).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "يتوعد ﵎ الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرّد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإن لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرّد الهوى والعصبية، فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلّا عيسى ومحمّدًا عليهما الصّلاة والسّلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد - ﷺ - والمقصود أن من كفر بنبيّ من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبيّ بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوّته للحسد أو العصبية أو التشهّي تبيّن أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية" (^٣).
_________________
(١) سورة غافر، آية (٧٨).
(٢) سورة النساء، آية (١٥٠، ١٥١).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٢).
[ ٥٦٨ ]
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى وجوب الإيمان بالرسل وبكل ما أخبروا به بقوله: "والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة والأنبياء والكتاب والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به، وغير ذلك من صفات الله وصفات اليوم الآخر كالصراط والميزان، والجنّة والنار" (^١).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٠).
[ ٥٦٩ ]
المبحث الرابع الغرض من بعثة الرسل عليهم الصّلاة والسّلام
بعث الله ﷾ الرسل عليهم الصّلاة والسّلام وكلّفهم بالدعوة إلى عبادته وإقامة دينه، وإفراده بجميع أنواع العبادة، والتحذير من الشرك والبدع ونبذ كل ما يعبد من دون الله، وعلى هذا اتّفق جميع الأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسلام، فما من نبيّ أرسله الله إلّا وكان أوّل ما يدعو قومه إليه هو عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (^٣).
وقال - ﷺ -: "الأنبياء إخوة من علات، أمّهاتهم شتّى، ودينهم واحد" (^٤).
_________________
(١) سورة الأنبياء، آية (٢٥).
(٢) سورة النحل، آية (٣٦).
(٣) سورة الشورى، آية (١٣).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤/ ١٤٢)، ومسلم: كتاب الفضائل - فضائل عيسى ﵇ (٤/ ١٨٣٧).
[ ٥٧٠ ]
وقد اهتمّ ابن رجب رحمه الله تعالى ببيان هذه المسألة، فقال رحمه الله تعالى: "بعث الله الرسل مبشّرين ومنذرين مبشّرين بالجنّة من آمن وعمل صالحًا ومنذرين بالنار من كفر وعصى، وأقام أدلّة وبراهين دلّت على صدق رسله فيما أخبروا به عن ربهم" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقوله - ﷺ -: "حتى يعبد الله وحده لا شريك له" (^٢)، هذا هو المقصود الأعظم من بعثته - ﷺ -، بل من بعثة الرسل من قبله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٤).
بل هذا هو المقصود من خلق الخلق وإيجادهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^٥)، فما خلقهم إلّا ليأمرهم بعبادته، وأخذ عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم على ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (^٦) الآية.
وقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة في تفسير (^٧) هذه
_________________
(١) البشارة العظمى ورقة (٢).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٥٠)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، المسند حديث رقم (٥١١٤).
(٣) سورة الأنبياء، آية (٢٥).
(٤) سورة النحل، آية (٣٦).
(٥) سورة الذاريات، آية (٥٦).
(٦) سورة الأعراف، آية (١٧٢).
(٧) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٦٥)، وما بعدها فقد ذكر فيها الشارح رحمه الله تعالى أقوال العلماء في تفسير هذه الآية، والأحاديث الواردة في ذلك.
[ ٥٧١ ]
الآية أنه تعالى استنطقهم حينئذ، فأقرّوا كلهم بوحدانيّته، وأشهدهم على أنفسهم وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة.
ثم أنه تعالى هداهم في كل زمان بإرسال رسله، وإنزال الكتب يذكّرهم بالعهد الأوّل، ويجدّد عليهم العهد والميثاق على أن يوحّدوه ويعبدون ولا يشركوا به شيئًا، وأشار في خطاب آدم وحوّاء عند هبوطهما من الجنّة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ (^١)، وفي سورة طه (^٢) نحو هذا، فما وفى بنو آدم كلهم بهذا العهد المأخوذ عليهم، بل نقضه أكثرهم وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، فبعث الله الرسل تجدّد ذلك العهد الأوّل وتدعوا إلى تجديد الإقرار بالوحدانيّة" (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فالجهاد في سبيل الله دعاء الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله بالسيف واللّسان بعد دعائهم إليه بالحجّة والبرهان، وقد كان النبيّ - ﷺ - في أوّل الأمر لا يقاتل قومًا حتى يدعوهم، فالجهاد به تعلو كلمة الإيمان وتتّسع به رقعة الإسلام، ويكثر الداخلون فيه، وهو وظيفة الرسل وأتباعهم، وبه تصير كلمة الله هي العليا، والمقصود منه أن يكون الدين كلّه لله، والطاعة له؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (^٤) " (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، آية (٣٨، ٣٩).
(٢) وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ الآية، سورة طه، آية (١٢٣، ١٢٤).
(٣) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٢١، ٢٢).
(٤) سورة الأنفال، آية (٣٩).
(٥) لطائف المعارف (ص ٢٤١).
[ ٥٧٢ ]
المبحث الخامس التفاضل بين الأنبياء
ورد في القرآن الكريم ما يدلّ على أن الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام متفاضلون، وأن بعضهم أفضل من بعض؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (^٢).
فهذه الآيات تدلّ على المفاضلة بين الرّسل والأنبياء، وأن بعضهم أفضل من بعض.
وقد أجمعت الأمّة على أن الرسل أفضل من الأنبياء وأفضل الرّسل والأنبياء هم أُولو العزم، وقد ذكر كثير من العلماء أن أُولي العزم من الرسل عددهم خمسة، وهم: محمد - ﷺ -، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصّلاة والسّلام، وهؤلاء الرسل خصّهم الله ﷾ بالذكر في آيتين من كتابه، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (^٣).
_________________
(١) سورة الإسراء، آية (٥٥).
(٢) سورة البقرة، آية (٢٥٣).
(٣) سورة الشورى، آية (١٣).
[ ٥٧٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ (^١).
وقد أمر الله ﷾ نبيّنا محمدًا - ﷺ - أن يصبر ويتحمّل الأذى كما صبر أولو العزم من الرسل؛ فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (^٢).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "خواص الرسل أولو العزم وهم خمسة، وهم أفضل الرسل" (^٣).
كما خصّ الله ﵎ نبيّنا محمدًا وإبراهيم عليهما الصّلاة والسّلام بالخلّة دون بقية الرسل والأنبياء، عليهم الصّلاة والسّلام.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا، فقال: "وقد أشار - ﷺ - إلى سبب براءته من خلّة المخلوقين وهو أن الله اتّخذه خليلًا لنفسه كما اتّخذ إبراهيم خليلًا، ومن كان خليلًا لله فلا ينبغي له أن يخالل بشرًا" (^٤).
ونبيّنا محمد - ﷺ - هو أفضل الرسل عليهم الصّلاة والسلام وهو خاتمهم، قال ابن رجب رحمه الله تعالى في ذلك: " فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم وحقّه على الأمّة أوجب من سائر الخلق لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كانت على يديه بتعليمه وإرشاده ﷺ تسليمًا وجزاه عنّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمّته" (^٥).
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية (٧).
(٢) سورة الأحقاف، آية (٣٥).
(٣) شرح حديث شداد بن أوس ورقة (٥).
(٤) فتح الباري ورقة (٢/ ٥٥٣).
(٥) المصدر السابق (٥/ ١٧٧).
[ ٥٧٤ ]
المبحث السادس بعض خصائص الرسل عليهم الصّلاة والسّلام
خصّ الله ﵎ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بأمور انفردوا بها دون بقية البشر، وسأقتصر على ذكر الأمور التي تكلّم فيها ابن رجب رحمه الله تعالى، ومنها:
١ - أنهم يخيّرون عند الموت بين الدنيا والآخرة، يدلّ على ذلك حديث عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما من نبي يمرض إلّا خيّر بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بُحة (^١) شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (^٢)، فعلمت أنه خيّر" (^٣).
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا: "وأمّا الأنبياء فلا يقبضون حتى يخيّروا" (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "لما كان الموت مكروهًا بالطبع لما فيه من الشدّة والمشقّة العظيمة لم يمت نبيّ من الأنبياء حتي يخيّر" (^٥).
_________________
(١) البُحَّة: بالضم غلظة في الصوت، يقال بَحَّ يَبَحَّ بُحُوحًا، وإن كان من داء فهو البُحاح. النهاية لابن الأثير (١/ ٩٩).
(٢) سورة النساء، آية (٦٩).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب التفسير - باب "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين" (٥/ ١٨١).
(٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٧٩).
(٥) لطائف المعارف (ص ١٠٣).
[ ٥٧٥ ]
٢ - أنهم لا يورثون، ودلّ على ثبوت ذلك جملة من الأحاديث الواردة عن النبيّ - ﷺ -، ومنها حديث عائشة ﵂ أنّها قالت: إن أزواج النبيّ - ﷺ - حين توفّي رسول الله - ﷺ - أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر، فيسألنه ميراثهن من النبيّ - ﷺ -، قالت عائشة لهن: أليس قد قال رسول الله - ﷺ -: "لا نورث، ما تركنا صدقة" (^١).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركت بعد مؤنة عاملي ونفقة نسائي صدقة" (^٢).
ومنها حديث أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر" (^٣).
فهذه الأحاديث تدلّ على أن الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لا يورثون.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام بالسنة - باب ما يكره من التعمّق والتنازع في العلم والغلوّ في الدين (٨/ ١٤٦)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير - باب قول النبيّ - ﷺ -: "لا نورث ما تركنا صدقة" (٣/ ١٣٧٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٣).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦)، وأبو داود: كتاب العلم - باب الحثّ على العلم (٤/ ٥٨)، والترمذي: كتاب العلم - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٥/ ٤٨)، وابن ماجه: المقدمة - باب فضل العلماء والحثّ على طلب العلم (١/ ٨١)، والحاكم (١/ ٧٩) من حديث أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ١٦٠): أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء وحسّنه حمزة الكناني وضعف عندهم مسنده، لكن له شواهد يتقوّى بها.
[ ٥٧٦ ]
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه المسألة عند شرحه لحديث أبي ذرّ السابق، فقال: "فقوله - ﷺ -: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر".
المراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن الذي خلف الأنبياء هو العلم النافع فمن أخذ العلم وحصل له فقد حصّل الحظ العظيم الوافر الذي يغبط به صاحبه، ورأى ابن مسعود قومًا في المسجد يتعلّمون، فقال رجل: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال: على ميراث محمد - ﷺ - يقتسمونه.
وخرج أبو هريرة إلى السوق، فقال لأهله: "تركتم ميراث محمد - ﷺ - يقتسم في المسجد وأنتم هاهنا؟ " (^١).
فتركته - ﷺ - وميراثه هو هذا الكتاب الذي جاء به مع السنّة المفسّرة له المبيّنة لمعانيه، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه سئل: أترك النبيّ - ﷺ - من شيء؟ قال: "ما ترك إلّا ما بين الدفتين" (^٢)، يعني المصحف" (^٣).
وقال رحمه الله تعالى: "فقوله - ﷺ -: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم"، يريد أنهم لم يورث عنهم سوى العلم. وهذا يبيّن المراد بقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (^٤)، وقوله عن زكريا:
_________________
(١) قال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٠٣): رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، وكذا قال الهيثمي أيضًا في المجمع (١/ ١٢٣).
(٢) صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن - باب من قال لم يترك النبيّ - ﷺ - إلّا ما بين الدفتين (٦/ ١٥٦).
(٣) شرح حديث أبي الدرداء (ص ١٣٥ - ١٣٦).
(٤) سورة النمل، آية (١٦).
[ ٥٧٧ ]
﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ﴾ (^١)، إنما أريد به ميراث العلم والنبوّة لا المال، فإن الأنبياء لا يجمعون مالًا يتركونه.
قال ﵇: "ما تركت بعد مؤنة عاملي ونفقة عيالي، فهو صدقة" (^٢). وما ترك إلّا درعه وسلاحه وبغلته البيضاء وأرضًا جعلها صدقة (^٣). فلم يخلف سوى آله بعده، والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله ردّها صدقة على المسلمين.
وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث بجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، وإنما بعثوا بالدّعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعلم النافع وتوريثه لأممهم، وفي مراسيل أبي مسلم الخولاني عن النبي - ﷺ - قال: "ما أوحى الله إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إليّ أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، خرّجه أبو نعيم (^٤).
وفي الترمذي وغيره أن النبيّ - ﷺ - قال: "ما لي وللدنيا إنما مثلي
_________________
(١) سورة مريم، آية (٥، ٦).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب فرض الخمس - باب نفقة نساء النبيّ - ﷺ - بعد وفاته (٤/ ٤٤)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير باب قول النبيّ - ﷺ -: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة" (٣/ ١٣٨٢).
(٣) يدلّ على ذلك ما أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه (٤/ ٤٥) من حديث عمرو بن الحارث، قال: "ما ترك النبيّ - ﷺ - إلّا سلاحه وبغلته البيضاء وأرضًا تركها صدقة".
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٣١) من طريق جبير بن نفير عن أبي مسلم مرسلًا، والبغوي في تفسيره (٣/ ٦٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٠٥)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر، والحاكم في التاريخ وابن مردويه والديلمى.
[ ٥٧٨ ]
ومثل الدنيا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها" (^١)، فقوله - ﷺ -: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم"، إشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن العالم الذي هو وارث الرسول حقيقة، كما أنه ورث علمه ينبغي أن يورث العلم كما ورّث الرسول العلم، وتوريث العالم العلم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف، ونحو ذلك مما ينتفع به بعده، والعالم إذا علّم من يقوم به بعده فقد خلّف علمًا نافعًا وصدقة جارية، لأن تعليم العلم صدقة، والذين علّمهم بمنزلة أولاده الصالحين يدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه الخصال الثلاثة.
وأمّا الأمر الثاني: فهو أن من كمال ميراث العالم للرسول أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرّسول، وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنّته في زهده في الدنيا، وتقلّله منها واجتزائه منها باليسير (^٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب الزهد (٤/ ٥٨٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الزهد - باب مثل الدنيا (٢/ ١٣٧٦)، وأحمد (١/ ٣٩١)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(٢) شرح حديث أبي الدرداء (ص ١٣٧ - ١٤١).
[ ٥٧٩ ]
المبحث السابع الإيمان بنبوّة نبيّنا محمد - ﷺ -
الإيمان بنبوّة محمد - ﷺ - وأنّ الله أرسله إلى الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وأنه عبد الله وصفيّه من خلقه أصل عظيم من أصول الإيمان، إذ لا يحصل لأحد الإيمان الصحيح حتى يؤمن بمحمد - ﷺ - رسول ربّ العالمين وسيّد الأوّلين والآخرين وخاتم النبيّين.
فيجب على كل عبد الاعتقاد الجازم بأنه ﵊ إمام المتّقين الذي يقتدى به في الخير كلّه، وأنه وحده الذي تجب طاعته والاقتداء به دون سواه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (^١).
ويجب الإيمان بأنه خليل الرحمن، وأن له أعلا مراتب محبّة الله ﷿؛ كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: "لو كنت متّخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي وقد اتّخذ الله ﷿ صاحبكم خليلًا" (^٢).
وكما في حديثه الآخر ﵁ أيضًا، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلّته، ولو كنت متّخذًا
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (٣١).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب أبي بكر الصديق ﵁ (١٣/ ٢٣).
[ ٥٨٠ ]
خليلًا لاتّخذت أبا بكر خليلًا، إن صاحبكم خليل الله" (^١).
ويجب أن نعتقد أنه ﵊ مبعوث إلى عامّة الجن والإنس بالحق والهدى والنور.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (^٤).
وقد حكى الله ﷾ عن الجنّ أنّهم قالوا: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ (^٦).
وقال - ﷺ -: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى الناس عامّة" (^٧).
قال ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى: "وكونه - ﷺ - مبعوثًا إلى الناس
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه: المقدمة - باب فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ - (١/ ٣٦).
(٢) سورة الأعراف، آية (١٥٨).
(٣) سورة الفرقان، آية (١).
(٤) سورة سبأ، آية (٢٨).
(٥) سورة الأحقاف آية (٣١).
(٦) سورة الجن، آية (١، ٢).
(٧) أخرجه البخاري: كتاب التيمّم (١/ ٨٦)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٧١).
[ ٥٨١ ]
كافّة معلوم من دين الإسلام بالضرورة" (^١).
ويجب علينا أن نقدّم محبّته - ﷺ - على الوالد والولد والنفس والناس أجمعين؛ كما في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين" (^٢).
ويجب علينا أن نؤمن بأن الله ﷿ قد أيّده بالمعجزات الباهرات والآيات البيّنات الدالّة على صدقه في كل ما جاء به - ﷺ -، وهي كثيرة جدًا، وقد أُلّفت فيها مؤلّفات مستقلة، وذكر كثيرًا منها العلماء رحمهم الله تعالى في كتب التفسير والحديث والعقيدة ودلائل النبوّة والتاريخ وغيرها.
وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسائل كلّها.
فقال عن وجوب الإيمان بما جاء به النبيّ - ﷺ - والتسليم له في ذلك: "والرّضا بمحمد رسولًا يتضمّن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. . .﴾ (^٣) الآية.
وفي الصحيحين عن أنس عن النبيّ - ﷺ - قال: "ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلّا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" (^٤) " (^٥).
وقال عن ما قام به النبيّ - ﷺ - من تبليغ رسالة ربّه والدعوة إليها: "وقد بلّغ رسول الله - ﷺ - رسالات ربّه وعلّم أمّته مناسكهم وعباداتهم
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٧٨).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٧٢).
(٣) سورة النساء، آية (٦٥).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٣٧٢).
(٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٥، ٧٦).
[ ٥٨٢ ]
وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها " (^١).
وقال عن كمال ما جاء به من الهدى والخير مما يدلّ على وجوب محبّته وطاعته: " ما أعطيت أمّة ما أعطيت هذه الأمة ببركة متابعة نبيّها - ﷺ - حيث كان أفضل الخلق، وهديه أكمل هدي مع ما يسّر الله على يديه من دينه ووضع به من الآصار والأغلال عن أمّته، فمن أطاعه فقد أطاع الله، وأحبّه الله، واهتدى بهدي الله" (^٢).
وقال عن أوصاف النبيّ - ﷺ -: "سمّاه الله مبشّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
فقيل سراجًا للمؤمنين ومنيرًا للمذنبين يوم القيامة بالشفاعة" (^٣).
وقال أيضًا: "وقد وصف الله نبيّه - ﷺ - بأنه يدعو الخلق بالكتاب إلى الصّراط المستقيم؛ كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (^٤).
وتال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ (^٥).
وقد كان النبيّ - ﷺ - يدعو الخلق بالقرآن إلى الدخول في الإسلام الذي هو الصّراط المستقيم، وبذلك استجاب له خواص المؤمنين كأكابر المهاجرين والأنصار، ولهذا المعنى قال مالك: "فتحت المدينة بالقرآن"، يعني أن أهلها إنما دخلوا الإسلام بسماع القرآن كما بعث النبيّ - ﷺ - مصعب بن عمير قبل أن يهاجر إلى المدينة، فدعا أهل المدينة إلى
_________________
(١) تفسير سورة النصر (ص ٧٦).
(٢) المحجة في سير الدلجة (ص ٥٧).
(٣) لطائف المعارف (ص ١٠).
(٤) سورة إبراهيم، آية (١).
(٥) سورة المؤمنون، آية (٧٣، ٧٤).
[ ٥٨٣ ]
الإسلام بتلاوة القرآن عليهم فأسلم كثير منهم" (^١).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن المخالفين لأمر الرسول - ﷺ - ينقسمون إلى قسمين: قسم يردّون ما جاء به ولا يعتقدون وجوب طاعته، فهؤلاء خارجون عن الملّة.
وقسم يعتقدون وجوب طاعته ولكنهم يخالفون أمره تهاونًا وكسلًا، فهؤلاء لهم نصيب من الهوان والذلّة بحسب ما هم عليه.
فقال رحمه الله تعالى: "ومخالفة الرسول على قسمين:
أحدهما: مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره كمخالفة الكفار، وأهل الكتاب الذين لا يرون طاعة الرسول، فهم تحت الذلّة والصغار، ولهذا أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وعلى اليهود الذلّة والمسكنة لأن كفرهم بالرسول كفر عناد.
والثاني: من اعتقد طاعته ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية، فله نصيب من الذلّة والصغار.
وقال الحسن: إنهم إن طقطقت (^٢) بهم البغال، وهملجت (^٣) بهم البراذين (^٤)، فإن ذلّ المعصية في رقابهم، أبى الله أن يذلّ إلّا من عصاه.
وكان الإمام أحمد يدعو: "اللهمّ أعزّنا بالطاعة ولا تذلّنا بالمعصية" (^٥).
_________________
(١) شرح حديث مثل الإسلام ورقة (٩، ١٠).
(٢) الطقطقة: هي صوت قوائم الخيل على الأرض الصلبة - لسان العرب (١٠/ ٢٢٥).
(٣) الهملجة: هي مشية البراذين - لسان العرب (٢/ ٣٩٣).
(٤) البراذين: جمع برذون، وهو يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، والأنثى منه يقال لها: برذونة، لسان العرب (١٣/ ٥١)، المعجم الوسيط (ص ٤٨).
(٥) الحكم الجديرة بالإذاعة (٤٢، ٤٣).
[ ٥٨٤ ]
المبحث الثامن كلامه في دعوة نبيّنا محمد - ﷺ -
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "طبق الشرك الأرض بعد المسيح، فإن قومه الذين ادّعوا اتّباعه والإيمان به أشركوا غاية الشرك فجعلوا المسيح هو الله أو ابن الله، وجعلوا أمّة ثالث ثلاثة.
أمّا اليهود، فإنهم وإن تبرّأوا من الشرك، فالشرك فيهم موجود، فإنه كان فيهم من عبد العجل في حياة موسى ﵇، وقال فيه: إنه الله، وأن موسى نسي ربّه وذهب يطلبه.
ولا شرك أعظم من هذا، وطائفة قالوا: العزير ابن الله، وهذا من أعظم الشّرك، وأكثرهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فأحلّوا لهم الحرام، وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إيّاهم، لأن من أطاع مخلوقًا في معصية الخالق واعتقد جواز طاعته أو وجوبها فقد أشرك بهذا الاعتبار حين جعل التحليل والتحريم لغير الله.
وأما المجوس فشركهم ظاهر، فإنهم يقولون بإلهين قديمين أحدهما: نور، والآخر: ظلمة، فالنور خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وكانوا يعبدون النيران.
وأمّا العرب والهند وغيرهم من الأُمم، فكانوا أظهر الناس شركًا يعبدون مع الله آلهة كثيرة، ويزعمون أنها تقرب إلى الله زلفى.
[ ٥٨٥ ]
فلما طبق الشرك أقطار الأرض، واستطار شرره من المشرق إلى المغرب بعث الله محمّدًا - ﷺ - بالحنيفية المحضة، والتوحيد الخالص دين إبراهيم ﵇، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فكان يدعو سرًّا إلى ذلك نحوًا من ثلاث سنين، فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمره بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (^١)، فدعا إلى الله وإلى توحيده وعبادته وحده لا شريك له جهرًا وأعلن الدعوة، وذمّ الآلهة التي تعبد من دون الله، وذمّ من عبدها وأخبر أنه من أهل النار، فثار عليه المشركون واجتهدوا في إيصال الأذى إليه وإلى أتباعه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلّا إعلانًا بالدعوة وتصميمًا على إظهارها وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس " (^٢).
ثم استطرد ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان موقف الرسول - ﷺ - من هذه الدعوة، وكيف أنه ﵊ بذل كل ما يستطيع لنشر هذا الدين وتبليغه إلى الناس لتكون كلمة الله هي العليا، قال ﵀: " وكان يخرج بنفسه في مواسم الحجّ إلى من يقدم إلى مكّة من قبائل العرب فيعرض نفسه عليهم ويدعوهم إلى التوحيد، وهم لا يستجيبون له، بل يردّون عليه ويسمعونه ما يكره، وربما نالوه بالأذى، وبقي عشر سنين على ذلك وكان يشقّ أسواقهم بالمواسم وهم مزدحمون بها كسوق ذي المجاز ينادى: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا، ووراءه أبو لهب يؤذيه ويردّ عليه وينهى الناس عن اتباعه " (^٣).
_________________
(١) سورة الحجر، آية (٩٤).
(٢) الحكم الجديرة بالإذاعة (٢٤ - ٢٦).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٦، ٢٧).
[ ٥٨٦ ]
وقال رحمه الله تعالى يصف حال النبيّ - ﷺ - بعد وفاة زوجته خديجة ﵂ وعمّه أبي طالب، وما لاقاه من أذى قريش: "ثم إن أبا طالب لما توفّي وتوفيت بعده خديجة اشتدّ المشركون على رسول الله - ﷺ - حتى اضطرّوه إلى أن خرج من مكّة إلى الطائف، فدعاهم إلى عباده الله وحده لا شريك له، فلم يجيبوه وقابلوه بغاية الأذى وأمروه بالخروج من أرضهم، وأغروا به سفهاءهم فاصطفوا له صفّين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أدموه، فخرج معه مولاه زيد بن حارثة فلم يمكنه دخول مكّة إلّا بجوار، وطلب من جماعة من رؤساء قريش أن يجيروه حتى يدخل مكّة، فلم يفعلوا حتى أجاره المطعم بن عدي فدخل إلى جواره، وعاد إلى ما كان عليه من الدعاء إلى توحيد الله وعبادته. . .
وكان - ﷺ - ينادي من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلّغ رسالة ربّي وله الجنّة، فلا يجيبه أحد حتى بعث له الأنصار من المدينة فبايعوه، هذا كلّه وهو صابر على الدعوة إلى الله ﷿ على هذا الوجه راضٍ بما يحصل له فيها من الأذى، منشرح الصدر بذلك غير متضجّر منه، ولا جزع. . .
وفي الصحيح عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، هل مرّ عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثعالب (^١)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا
_________________
(١) فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثعالب: أي لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي، وللموضع الذي أنا ذاهب إليه إلّا وأنا عند قرن الثعالب، وقرن الثعالب: هو قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكّة، وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير. لسان العرب (١٠/ ٣٢١)، ومعجم البلدان (٤/ ٣٣٢).
[ ٥٨٧ ]
فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع كلام قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثم قال: إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك وما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (^١)، فقال له رسول الله - ﷺ -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا" (^٢).
ما مقصود الرسول - ﷺ - إلّا أن يعبد الله ولا يشرك به شيء، وما يبالي إذا حصل ذلك ما أصابه في الدعوة إليه إذا وحّد معبوده، حصل مقصوده ، إلى أن قال ﵀: "فلم يزل - ﷺ - يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له حتى ظهر دين الله وأعلن ذكره وتوحيده في المشارق والمغارب، وصارت كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وتوحيده هو الشائعٍ، وصار الدين كلّه لله، والطاعة كلها لله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فجعل ذلك علامة على اقتراب أجله وأُمر حينئذ بالتهيّؤ للقاء الله والنقلة إلى دار البقاء (^٣).
_________________
(١) الأخشبان: تثنية الأخشب، والمراد بهما هنا جبلان بمكة هما جبل أبي قبيس وجبل قعيقعان. معجم البلدان (١/ ١٢٢).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق (٤/ ٨٣)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير (٣/ ١٤٢٠).
(٣) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٢٨ - ٣٣).
[ ٥٨٨ ]
المبحث التاسع بيانه فضل إرسال النبيّ - ﷺ -
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "فليس لله نعمة أعظم من إرسال محمد - ﷺ - يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم" (^١).
ويقول أيضًا: "وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٢)، إشارة إلى ما كان الناس عليه قبل إنزال هذا الكتاب من الضلال، فإن الله نظر حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب تمسّكوا بدينهم الذي لم يبدّل ولم يغيّر، وكانوا قليلًا جدًا، فأمّا عامة أهل الكتاب فكانوا قد بدّلوا كتبهم وغيّروها وحرّفوها وأدخلوا في دينهم ما ليس منه فضلّوا وأضلّوا، وأمّا غير أهل الكتاب فكانوا على ضلال مبين، فالأمّيون أهل شرك يعبدون الأوثان، والمجوس يعبدون النيران ويقولون بإلهين اثنين، وكذلك غيرهم من أهل الأرض منهم من كان يعبد النجوم، ومنهم من كان يعبد الشمس أو القمر، فهدى الله المؤمنين بإرسال محمد - ﷺ - إلى ما جاء به من الهدى والدين الحق، وأظهر الله دينه حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فظهرت فيه كلمة التوحيد والعمل بالعدل بعد أن كانت الأرض كلّها ممتلئة من الشرك والظلم، فالأمّيون هم العرب والآخرون الذين لم يلحقوا بهم هم أهل
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٨٤).
(٢) سورة الجمعة، آية (٢).
[ ٥٨٩ ]
فارس والرّوم، فكانت فارس مجوسًا والروم نصارى، فهدى الله جميع هؤلاء برسالة محمد - ﷺ - إلى التوحيد لمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها " (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " فإن أعظم نعمة الله على هذه الأمّة إظهار محمد - ﷺ - لهم وبعثته وإرساله إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٢)، فإن النعمة على الأمة بإرساله أعظم من النعمة بإيجاد السماء والأرض والشمس والقمر والرياح والليل والنهار وإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك، فإن هذه النعم كلها قد عمّت خلقًا من بني آدم كفروا بالله ورسله وبلقائه فبدّلوا نعمة الله كفرًا.
فأمّا النعمة بإرسال محمد - ﷺ - فإن بها تمّت مصالح الدنيا والآخرة وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده، وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم" (^٣).
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٨٦).
(٢) سوره آل عمران، آية (١٦٤).
(٣) لطائف المعارف (ص ٩٨).
[ ٥٩٠ ]
المبحث العاشر النجاة والسعادة في طاعة الرسول - ﷺ - واتباعه
بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا فلاح ولا سعادة ولا نجاة للعبد إلّا باتباع ما جاء به الرسول - ﷺ -، فمن أطاعه فيما جاء به من الحق المبين فقد نجا وزحزح نفسه عن النار، ومن أبى وتكبّر وعصى ولم يتبّع الرسول - ﷺ - فيما جاء به فقد خسر خسرانًا مبينًا، وعرض نفسه لعذاب الله ﷿، فإنه ما من خير يوصل إلى الجنّة إلّا ودلّنا عليه، وما من شرّ يوصل إلى النار إلّا وحذّرنا منه ﵊.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وفي الجملة: فمن امتثل ما أمر به النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث (^١) وانتهى عمّا نهى عنه، وكان مشتغلًا بذلك عن غيره حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع فيما حذّر منه النبيّ - ﷺ - من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم" (^٢).
_________________
(١) هو حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم". أخرجه مسلم: كتاب الفضائل - باب توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عمّا لا ضرورة إليه (٤/ ١٨٣٠).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣١).
[ ٥٩١ ]
الفصل الثالث الإيمان بالقضاء والقدر
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأوّل: تعريف القضاء والقدر.
المبحث الثاني: معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك.
المبحث الثالث: مراتب الإيمان بالقضاء والقدر.
المبحث الرابع: النهي عن الخوض في القدر.
المبحث الخامس: الرضا بالقضاء والقدر.
المبحث السادس: حكم تمنّي الموت خشية الفتنة وعلاقته بالقضاء والقدر.
المبحث السابع: القضاء والقدر وفعل الأسباب.
المبحث الثامن: الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث: "فحاج آدم موسى".
[ ٥٩٣ ]
المبحث الأول تعريف القضاء والقدر
١ - تعريف القضاء لغة:
قال الجوهري: القضاء: الحكم، وأصله قضاي، لأنه من قضيت إلّا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع أقضية.
والقضية مثله، والجمع قضايا على فعالى وأصله فعائل.
وقضى أي حكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^١)، وقد يكون بمعنى الفراغ، تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه، أي قتله كأنه فرغ منه.
وسُمٌّ قاض، أي قاتل.
وقضى نحبه قضاء أي مات، وقد يكون بمعنى الأداء والإنهاء، تقول: قضيت ديني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (^٣)، أي أنهيناه وأبلغناه ذلك.
_________________
(١) سورة الإسراء، آية (٢٣).
(٢) سورة الإسراء، آية (٤).
(٣) سورة الحجر، آية (٦٦).
[ ٥٩٥ ]
وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، يقال: قضاه أي صنعه وقدّره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (^١)، ومنه القضاء والقدر (^٢).
وقال ابن الأثير: تكرّر ذلك القضاء، وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاض، إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق (^٣).
وقال الراغب الأصفهاني: القضاء فعل الأمر قولًا كان ذلك أو فعلًا، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي وبشري، فمن القول الإلهي قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^٤)، أي: أمر بذلك.
وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (^٥)، فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا، وعلى هذا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ (^٦).
ومن الفعل الإلهي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ (^٧).
وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (^٨).
_________________
(١) سورة فصلت، آية (١٢).
(٢) الصحاح (٦/ ٢٤٦٣، ٢٤٦٤).
(٣) النهاية لابن الأثير (٤/ ٧٨).
(٤) سورة الإسراء، آية (٢٣).
(٥) سورة الإسراء، آية (٤).
(٦) سورة الحجر، آية (٦٦).
(٧) سورة غافر، آية (٢٠).
(٨) سورة فصلت، آية (١٢).
[ ٥٩٦ ]
إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (^٢)، أي الفصل.
ومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا، فإن حكم الحاكم يكون بالقول، ومن الفصل البشري: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (^٣)، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (^٥)، وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ (^٦)، وقال: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (^٧)، أي: أفرغوا من أمركم (^٨).
٢ - تعريف القدر لغة:
قال الراغب: القَدْرُ والتقدير تبيين كمية الشيء يقال قَدَرْته وقدرته، وقدّره بالتشديد أعطاه القدرة، يقال: قدّرني الله على كذا وقوّاني عليه
والقَدَر: وقت الشيء المقدّر له والمكان المقدّر له، قال تعالى: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ (^٩)، وقال: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (^١٠)، أي بقدر المكان المقدّر لأن يسعها (^١١).
_________________
(١) سورة البقرة، آية (١١٧).
(٢) سورة الشورى، آية (١٤).
(٣) سورة البقرة، آية (٢٠٠).
(٤) سورة الحج، آية (٢٩).
(٥) سورة القصص، آية (٢٨).
(٦) سورة الأحزاب، آية (٣٧).
(٧) سورة يونس، آية (٧١).
(٨) المفردات للراغب الأصفهاني (ص ٤٠٦).
(٩) سورة المرسلات، آية (٢٢).
(١٠) سورة الرعد، آية (١٧).
(١١) المفردات (ص ٣٩٦).
[ ٥٩٧ ]
وقال الجوهري: قَدْرُ الشيء: مبلغه، وقدر الله وقَدْره بمعنىً، وهو في الأصل مصدر، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^١)، أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه
وقَدَرْت الشيء أقْدُره وأقْدِره قَدْرًا من التقدير، وفي الحديث: "إذا غمّ عليكم الهلال فاقدروا له" (^٢)، أي أتمّوا الثلاثين (^٣).
٣ - تعريف القضاء والقدر اصطلاحًا:
اختلف عبارات العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف القضاء والقدر، فقال النووي رحمه الله تعالى: "واعلم أن مذهب أهل الحقّ إثبات القدر، ومعناه: أن الله ﵎ قدّر الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدّرها ﷾" (^٤).
وقال الجرجاني (^٥): "القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء
والقضاء: عبارة عن الحكم الإلهي في أعيان الموجودات على ما
_________________
(١) سورة الأنعام، آية (٩١).
(٢) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الصوم (٢/ ٢٢٩)، ومسلم في كتاب الصيام (٢/ ٧٥٩) من حديث ابن عمر عن النبيّ - ﷺ - أنه ذكر رمضان، فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له".
(٣) الصحاح (٢/ ٧٨٦، ٧٨٧).
(٤) شرح مسلم للنووي (١/ ١٥٤).
(٥) علي بن محمد بن علي أبو الحسن الحسيني الحنفي المعروف بالشريف الجرجاني، من كبار العلماء بالعربية، له مؤلّفات كثيرة منها "كتاب التعريفات"، توفّي سنة ٨١٦ هـ. بغية الوعاة (٢/ ١٩٦)، والضوء اللامع (٥/ ٣٢٨)، والبدر الطالع (١/ ٤٨٨).
[ ٥٩٨ ]
هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد (^١).
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى "أن بعض العلماء عرّف القضاء: بأنه الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل" (^٢).
وقال السفاريني: "القضاء إرادة الله الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال" (^٣).
وخلاصة القول في هذا ما قاله الإمام الخطابي رحمه الله تعالى، حيث قال: "أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (^٤).
ويقول الراغب الأصفهاني: "والقضاء من الله تعالى أخصّ من القدر لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر ﵄ لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: "أتفرّ من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله" (^٥)، تنبيهًا أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجوّ أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (^٦)، وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (^٧)، وقوله: ﴿وَقُضِيَ
_________________
(١) التعريفات (ص ١٧٤، ١٧٧).
(٢) فتح الباري لابن حجر (١١/ ١٤٩).
(٣) لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٧).
(٤) معالم السنن (٤/ ٣٢٣).
(٥) تقدم تخريجه (ص ٣٤٩).
(٦) سورة مريم، آية (٢١).
(٧) سورة مريم، آية (٧١).
[ ٥٩٩ ]
الْأَمْرُ﴾ (^١)، أي فصل تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه" (^٢).
وقد أجاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين سئل عن القدر، فقال: "القدر قدرة الله على العباد" (^٣).
وقد علّق العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى على تعريف الإمام أحمد، فقال: "واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدلّ على دقّة علم أحمد وتبحّره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الله على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتّفق سلف الأمة على تكفيرهم" (^٤).
وفي الحقيقة أن تعريف الإمام أحمد رحمه الله تعالى السابق تعريف جامع مانع، فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يبين أن القدر هو ما قرّره الله ﷾ في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٧).
إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أن الأمور كلّها بيد الله ﷾، وأنه لا يحدث شيء في هذا الكون إلّا بإرادته ومشيئته تعالى.
_________________
(١) سورة البقرة، آية (٢١٠).
(٢) المفردات (ص ٤٠٧).
(٣) انظر: مسائل ابن هانئ (٢/ ١٥٥).
(٤) شفاء العليل (ص ٢٨).
(٥) سورة آل عمران، آية (١٥٤).
(٦) سورة يونس، آية (٣).
(٧) سورة يس، آية (٨٣).
[ ٦٠٠ ]
المبحث الثاني معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك
الإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول أهل السنة والجماعة وركن من أركان الإيمان الستة التي لا يتمّ الإيمان إلّا بها وهي الواردة في حديث جبريل الذي رواه مسلم وغيره، وفيه أن الإيمان هو: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه" (^١).
ومعنى الإيمان بالقدر هو التصديق الجازم بأن كل خير وشرّ فهو بقضاء الله وقدره، وأنه تعالى الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلّا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته، وإن كل أمر مخطوط في اللّوح المحفوظ، وأنه تعالى خالق أفعال العباد، وعالم بجميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، وأنه ﷾ يهدي من يشاء برحمته ويضلّ من يشاء بحكمته، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
والإيمان بالقدر من الإيمان بالأمور الغيبية التي يجب على المسلم الإيمان بها.
والإيمان بالقدر سعادة في الدنيا والآخرة، لأن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه اطمأنّ قلبه وتعلّق بربه وصرف أمره إليه هذا مع ما في
_________________
(١) تقدّم تخريجه (ص ٥٢٧).
[ ٦٠١ ]
الإيمان بالقدر من تحقيق العبودية لله تعالى واستشعار عظمته وقدرته جلّ وعلا.
وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر أدلّة كثيرة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله - ﷺ -؛ فمن الآيات قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (^٥).
وأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جدًا، ومنها:
حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه" (^٦).
وحديث عليّ ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلّا الله وأني محمد رسول الله
_________________
(١) سورة الحجر، آية (٢١).
(٢) سورة القمر، آية (٤٩).
(٣) سورة الرعد، آية (٨).
(٤) سورة الأحزاب، آية (٣٨).
(٥) سورة التغابن، آية (١١).
(٦) أخرجه الترمذي: كتاب القدر - باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشرّه (٤/ ٤٥١)، وأحمد حديث رقم (٦٧٠٣ و٦٩٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه. وقال أحمد شاكر في كلٍّ منهما: إسناده صحيح.
[ ٦٠٢ ]
بعثني بالحق، ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" (^١).
وحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" (^٢).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان" (^٣).
وحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قالت أم حبيبة: اللهمّ متّعني بزوجي رسول الله - ﷺ - وبأبي، أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله - ﷺ -: "إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يُعَجِّل شيئًا منها قبل حلّه، ولا يؤخّر منها شيئًا قبل حلّه، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرًا لك" (^٤).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وفي هذه الأحاديث كلّها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنّة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب القدر باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره (٤/ ٤٥٢)، وابن ماجه: المقدمة - باب في القدر (١/ ٣٢)، والحاكم (١/ ٣٢)، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٥).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٣٦١).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عمّا سبق به القدر (٤/ ٢٠٥١).
[ ٦٠٣ ]
بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرّها ونفعها وضرّها" (^١).
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة القضاء والقدر، ووجوب الإيمان بذلك.
فقال رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن حديث وصية النبيّ - ﷺ - لابن عباس، قال: ". . . ثم ذكر بعد هذا كلّه الأصل الجامع الذي يبنى عليه هذه المطالب وهو تفرّد الله ﷾ بالضرّ والنفع والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كلّه إلّا ما سبق تقديره وقضاه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو دفع ضرّ غير مقدّر في الكتاب السابق" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى: وقوله - ﷺ -: "جفّ القلم بما هو كائن"، وفي الرواية الأخرى: "رفعت الأقلام وجفّت الكتب"، وفي الرواية الأخرى: "وجفّت الصحف" (^٣)، كلّه كناية عن نفوذ المقادير وكتابتها جميعها في كتاب جامع من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا كتب وفرغ من كتابته وبَعُد عهده فقد رفعت الأقلام عنه التي كتبت بها من مدادها وجفّت الصحيفة المكتوبة فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دلّ الكتاب والسنن الصحيحة على مثل هذا المعنى، قال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (^٤).
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (١٦/ ١٩٥، ١٩٦).
(٢) نور الاقتباس (ص ٨٠).
(٣) وردت هذه الروايات كلّها في حديث وصية النبيّ - ﷺ - لابن عباس، وقد سبق تخريجه (ص ١٤١).
(٤) سورة الحديد، آية (٢٢).
[ ٦٠٤ ]
وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت، قال: "إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" (^١).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (^٢).
وخرّج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان"؟ فقلنا: لا يا رسول الله، إلّا أن تخبرنا، فقال للّذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"، ثم قال للّذي في شماله: "هذا كتاب ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على أخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"، فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمره قد فرغ منه؟ فقال: "سدّدوا وقاربوا فإن صاحب الجنّة يختم له بعمل أهل الجنّة وإن عمل أيّ عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل"، ثم قال رسول الله - ﷺ - بيديه فنبذهما، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنّة، وفريق في السعير" (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٧). وأبو داود: كتاب السنة - باب في القدر (٥/ ٧٦)، والترمذي: كتاب القدر (٤/ ٤٥٨).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٧)، والترمذي: كتاب القدر (٤/ ٤٤٩) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف (٦/ ٢٤٣).
[ ٦٠٥ ]
وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبيّ - ﷺ - قال: "فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقيّ أو سعيد" (^١).
وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود عن النبيّ - ﷺ -، قال: "خلق الله كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها" (^٢).
وخرّج مسلم من حديث جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله، فيما العمل اليوم أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: "لا، بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير"، قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسّر" (^٣).
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًا، وكذلك الآثار الموقوفة" (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقوله - ﷺ -: "فلو أن الخلق جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه" (^٥)، يريد بذلك أن ما يصيب العبد مما يضرّه أو ينفعه في دنياه فكلّه مقدّر عليه، ولا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يقدر عليه ولو اجتهد على ذلك الخلق كلّهم جميعًا، وقد دلّ القرآن أيضًا على مثل هذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (^٦)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٠٤).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٤٠)، والترمذي: كتاب القدر (٤/ ٤٥١).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (٤/ ٢٠٤٠).
(٤) نور الاقتباس (ص ٧٥ - ٧٧).
(٥) جزء من حديث وصية النبيّ - ﷺ - لابن عباس، وقد تقدم تخريجه (ص ١٤١).
(٦) سورة التوبة، آية (٥١).
[ ٦٠٦ ]
الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (^١)، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (^٢).
وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" (^٣).
واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبيّ - ﷺ - لابن عباس على هذا الأصل وما بعده وما قبله متفرّع عليه وراجع إليه، فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأن اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتّة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضارّ النافع والمعطي المانع" (^٤).
بهذا يتبيّن لنا أن قول ابن رجب رحمه الله تعالى في مسألة قضاء الله وقدره موافق لما دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة، وموافق لقول غيره من علماء السلف من أهل السنّة والجماعة؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مقرّرًا مذهب السلف: "مذهب أهل السنّة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء وربّه ومليكه لا ربّ غيره، ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله، منهيّ عن معصية الله ومعصية رسوله، فإن أطاع كان ذلك نعمة، وإن عصى كان مستحقًا للذمّ والعقاب وكان لله عليه الحجّة البالغة، ولا حجّة لأحد
_________________
(١) سورة الحديد، آية (٢٢).
(٢) سورة آل عمران، آية (١٥٤).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٥)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٧٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٧): رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.
(٤) نور الاقتباس (ص ٧٨، ٧٩).
[ ٦٠٧ ]
على الله تعالى، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته، ولكن يحبّ الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها على فعلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب عليها ويهينهم.
وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^٢)، أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك، وما أصابك من حزن وذلّ وشرّ فبذنوبك وخطاياك، وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلابدّ أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره، وأن يوقن العبد بشرع الله وأمره" (^٣).
_________________
(١) سورة الشورى، آية (٣٠).
(٢) سورة النساء، آية (٧٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٦٣، ٦٤).
[ ٦٠٨ ]
المبحث الثالث مراتب الإيمان بالقضاء والقدر
مراتب الإيمان بالقضاء والقدر تتلخص في أربعة أمور استنبطها العلماء (^١) رحمهم الله تعالى من الكتاب والسنّة، وهي:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله تعالى السابق المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، ويدخل في ذلك أفعال العباد وجميع أحوالهم من الأرزاق والآجال والطاعات والمعاصي، فهو ﷾ عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض، ومن الأدلّة على هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (^٣)، وقوله - ﷺ -: "ما منكم من نفس إلّا وقد علم منزلها من الجنّة والنار" (^٤).
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب مقادير كل شيء في اللّوح
_________________
(١) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ٦٦) وما بعدها.
(٢) سورة التوبة، آية (٧٨).
(٣) سورة الحشر، آية (٢٢).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر (٤/ ٢٠٤٠).
[ ٦٠٩ ]
المحفوظ الذي لم يفرّط فيه من شيء، ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٤).
وقوله - ﷺ -: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (^٥).
وقوله - ﷺ -: "إن أوّل ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ربّ وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" (^٦).
المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله تعالى النافذة وقدرته الشاملة للكائنات وفق ما علمه وكتبه ﷾ في أوقاتها وأماكنها وعلى هيئاتها التي قدّرها لها، فكل ما شاءه الله كان وما لم يشأ لم يكن.
_________________
(١) سورة الحديد، آية (٢٢).
(٢) سورة يونس، آية (٦١).
(٣) سورة هود، آية (٦).
(٤) سورة الأنعام، آية (٣٨).
(٥) تقدم تخريجه (ص ٦٠٥).
(٦) تقدم تخريجه (ص ٦٠٥).
[ ٦١٠ ]
ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (^٣).
وقوله - ﷺ -: "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" (^٤)، وقوله - ﷺ -: "إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء وردّها حين شاء. . ." (^٥).
وقد أثبت الله تعالى للعبد مشيئة ولكنها لا تستقلّ بل هي تابعة لمشيئة الله تعالى، قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ (^٧).
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء هو خالق العباد وخالق أفعالهم ومقدّر أرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم قضى ذلك تعالى وقدّره لحكم يعلمها، فما من ذرّة في السموات ولا في الأرض إلّا والله ﷾ خالقها وخالق حركتها وسكونها سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه.
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (٤٠).
(٢) سورة الأنعام، آية (٣٩).
(٣) سورة يس، آية (٨٢).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (٤/ ٢٠٤٥).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد - باب في المشيئة والإرادة (٨/ ١٩٢).
(٦) سورة التكوير، آية (٢٩).
(٧) سورة الإنسان، آية (٣٠).
[ ٦١١ ]
وهذه المرتبة، أي مرتبة الوجود والخلق هي وقوع الأشياء طبقًا لما علمه وطبقًا لما كتبه ولما شاءه ﷿، ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (^٣).
وقوله - ﷺ -: "يا عائشة، إن الله خلق للجنّة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (^٤).
وقوله - ﷺ -: "إن الله خلق كل صانع وصنعته" (^٥).
قال البخاري رحمه الله تعالى عقب هذا الحديث: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة".
هذه مراتب الإيمان بالقضاء والقدر، ومن لم يؤمن بها جميعًا لم يكن مؤمنًا بالقدر.
وقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المراتب وبيّنها وجعلها
_________________
(١) سورة الزمر، آية (٦٢).
(٢) سورة فاطر، آية (٣).
(٣) سورة الفرقان، آية (٢).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر (٤/ ٢٠٥٠).
(٥) أخرجه البخاري: في خلق أفعال العباد (ص ٧٣)، وابن أبي عاصم في السنّة (١/ ١٥٨)، والحاكم (١/ ٣١)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أيضًا البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٠٩) كلّهم أخرجوه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁.
[ ٦١٢ ]
في درجتين كل درجة تتضمّن مرتبتين، فقال: "والإيمان بالقدر على درجتين:
إحداهما: الإيمان أن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشرّ وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنّة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعدّ لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنّة والجماعة، وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد (^١) وغيره.
وقد قال كثير من أئمّة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقرّوا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ، فقد كذّب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقرّوا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا، لأن ما أقرّوا به حجّة عليهم فيما أنكروه (^٢).
_________________
(١) عمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان البصري المعتزلي القدري، قال الخطيب: "كان عمرو يسكن البصرة وجالس الحسن البصري، وحفظ عنه اشتهر بصحبته ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنّة، فقال بالقدر ودعا إليه واعتزل أصحاب الحسن، توفي سنة ١٤٤ هـ، وقيل غير ذلك". تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٢)، ووفيات الأعيان (٣/ ٤٦٠)، وميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٣).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٠، ٦١).
[ ٦١٣ ]
المبحث الرابع النهي عن الخوض في القدر
لقد نهى الإسلام عن التنطّع والتشدّد والبحث فيما غاب عن علم الإنسان ممّا استأثر الله بعلمه، ومن ذلك البحث في سرّ القدر والتعمّق في النظر في دقائقه، لأن ذلك من الأمور التي استأثر الله بعلمها فلم يطلع عليها أحدًا من الخلق لا ملكًا مقرّبًا ولا نبيًا مرسلًا، ولهذا فإن التعمّق والجدل في القضاء والقدر من الخذلان، لأن المجادل فيه لا يدرك مراده، وكلّما احتجّ بحجة كسرتها أخرى، وربما أفضى به ذلك إلى الإلحاد والزيغ عن الطريق المستقيم، والخوض في القدر أوّل ظاهرة للشرك في هذه الأمّة كما يدلّ عليه ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄، قال: قيل لابن عباس: إن رجلًا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلّوني عليه، وهو يومئذ قد عمي، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضنّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنّها، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج، تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أوّل شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدّر خيرًا كما أخرجوه أن يكون قدّر شرًا" (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٣٣٠)، وقال أحمد شاكر: إسناده حسن على الأقل. المسند تحقيق/ أحمد شاكر (٥/ ٢٢)، حديث رقم (٣٠٥٦).
[ ٦١٤ ]
وقد جاء كفار قريش إلى النبيّ - ﷺ - يخاصمونه في القدر، فأنزل الله ﷾ في ذلك آية ترد عليهم كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ - ﷺ - يخاصمونه في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^١).
وقد حصل بعض الخصام بين بعض الصحابة ﵃ في القدر، فنهاهم النبيّ - ﷺ - عن الخوض في ذلك والتعمّق فيه لما يؤدّي إليه من نتائج سيّئة.
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: خرج رسول الله - ﷺ - ذات يوم والناس يتكلّمون في القدر، قال: "وكأنما تَفَقَّأ في وجهه حب الرمان من الغضب، قال: فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم"، وقال: "فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله - ﷺ - لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس، أني لم أشهده" (^٢).
وقد كان السلف من الصحابة ﵃ ومن بعدهم يكرهون الجدال في القدر ويذمّون من خاض فيه بل حذّروا من ذلك، فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ يقول: "باب شرك فتح على أهل الصّلاة: التكذيب بالقدر فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم" (^٣).
_________________
(١) سورة القمر، آية (٤٨، ٤٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨)، وقال أحمد شاكر، إسناده صحيح. المسند تحقيق أحمد شاكر (١٠/ ١٥٣)، حديث رقم (٦٦٦٨)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه: المقدمة - باب في القدر (١/ ٣٣)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(٣) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ٢١٥)، واللالكائي في شرح أصول أهل السنّة (٤/ ٦٣٠).
[ ٦١٥ ]
ويقول أيضًا ﵁: ما غلا أحد في القدر إلّا خرج من الإسلام (^١).
فالسلف رحمهم الله تعالى كرهوا الكلام في القدر والخوض فيه، لكن لما خاضت المبتدعة في هذا الأمر وحادوا عن الصواب رأى السلف الصالح أنه يجب عليهم أن يبيّنوا للناس الحق والصواب فيما ضلّ فيه هؤلاء، ذلك لأنه لم يظهر القول في القدر إلّا بعد مضيّ نصف القرن الأول تقريبًا، حيث أن معبدًا الجهني (^٢) هو أوّل من أثار القول في هذا الأمر.
روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى يحيى بن يعمر (^٣)، أنّه قال: "كان أوّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري (^٤) حاجّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول أهل السنّة (٤/ ٦٣٢).
(٢) معبد بن عبد الله الجهني نزيل البصرة، كان داعية إلى الضلال وهو أوّل من تكلّم بالقدر في زمن الصحابة، قال ابن أبي حاتم: كان صدوقًا في الحديث وكان رأسًا في القدر، قدم المدينة فأفسد بها ناسًا، وقد قتله عبد الملك سنة ٨٠ هـ. الجرح والتعديل (٨/ ٢٨٠)، وميزان الاعتدال (٤/ ١٤١)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢٢٥).
(٣) الإمام الفقيه المقرئ أبو سليمان يحيى بن يعمر العدواني البصري، كان من أوعية العلم وحملة الحجّة. قال ابن سعد: كان نحويًّا صاحب علم بالعربية والقرآن، أتى خراسان فنزل مرو، وولي القضاء بها، وكان ثقة، توفي سنة ٨٩ هـ. طبقات ابن سعد (٧/ ٣٦٨)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٣٠٥)، وغاية النهاية (٢/ ٣٨١).
(٤) حميد بن عبد الرحمن الحميري، شيخ بصري، ثقة عالم، قال العجلي: تابعي ثقة. تاريخ الثقات للعجلي (ص ١٣٤)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٦).
[ ٦١٦ ]
أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرأون القرآن ويَتَقَفَّرون العلم (^١) وذكر من شأنهم أنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر" (^٢).
ولقد سلك هذا المسلك العلماء من بعدهم الذين ساروا على ما سار عليه الصحابة الكرام ﵃. يقول أبو محمد البربهاري رحمه الله تعالى: "والكلام والجدل والخصومة في القدر خاصّة منهيّ عنه عند جميع الفرق، لأن القدر سرّ الله، ونهى الربّ جلّ اسمه الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى النبيّ - ﷺ - عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك التسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله - ﷺ - في جملة الأشياء، واسكت عمّا سوى ذلك" (^٣).
ويقول البغوي رحمه الله تعالى: "والقدر سرّ من أسرار الله لم يطلع عليه ملكًا مقرّبًا، ولا نبيًا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يعتقد أن الله ﷾ خلق الخلق، فجعلهم
_________________
(١) يتقفرون العلم: أي يطلبونه ويتتبعونه. النهاية لابن الأثير (٤/ ٩٠).
(٢) صحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان. . . (١/ ٣٦).
(٣) شرح السنة للبربهاري (ص ٣٦).
[ ٦١٧ ]
فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلًا، وأهل الشمال خلقهم للجحيم عدلًا" (^١).
وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة، فقال: "وقد ورد النهي عن الخوض في القدر، وفي صحيح ابن حبان والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: "لا يزال أمر هذه الأمة موافيًا ومقاربًا ما لم يتكلّموا في الولدان والقدر" (^٢).
. . . والنهي عن الخوض في القدر يكون على وجوه، منها: ضرب كتاب الله بعضه ببعض فينزع المثبت للقدر بآية والنافي له بأخرى ويقع التجادل في ذلك، وهذا قد روي أنه وقع في عهد النبيّ - ﷺ -، وأن النبيّ - ﷺ - غضب من ذلك ونهى عنه (^٣).
وهذا من جملة الاختلاف في القرآن والمراء فيه، وقد نُهي عن ذلك (^٤).
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١/ ١٤٤).
(٢) أخرجه ابن حبان كما في موارد الظمآن (ص ٤٥١)، والحاكم (١/ ٣٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا نعلم له علّة، ووافقه الذهبي. وأخرجه أيضًا البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٦٢)، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠٢): رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال البزار رجال الصحيح.
(٣) يشير ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الكلام إلى حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: هجّرت إلى رسول الله - ﷺ - يومًا، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله - ﷺ - يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب"، أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٥٣).
(٤) كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ - ﷺ - قال: "المراء في القرآن كفر". =
[ ٦١٨ ]
ومنها: الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا بالأقيسة العقلية؛ كقول القدرية: لو قدّر وقضى ثم عذّب كان ظالمًا، وقول من خالفهم: إن الله جبر العباد على أفعالهم ونحو ذلك.
ومنها: الخوض في سرّ القدر، وقد ورد النهي عنه عن عليّ وغيره من السلف، فإن العباد لا يطلعون على حقيقة ذلك (^١).
_________________
(١) = أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٦)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وأبو داود: كتاب السنة - باب النهي عن الجدال في القرآن (٥/ ٩)، والحاكم (٢/ ٢٢٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٢٣)، وقال الهيثمي (١/ ١٥٧): رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
(٢) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٣٦، ١٣٧).
[ ٦١٩ ]
المبحث الخامس الرضا بالقضاء والقدر
الرضا بالقضاء والقدر هو التسليم وسكون القلب وطمأنينته للقضاء الذي قضى الله ﷾ به وهو الحكيم العليم، وهذا جزء لا يتجزأ من الإيمان وركن من أركانه لا يصح الإيمان إلّا به، ولكن يجب على المؤمن ألّا يرضى بالذنوب والعيوب ومخالفة الإسلام؛ لأن الله تعالى أمره ألّا يرضى بها وأن يحاربها ويعمل على إزالتها، ويجب عليه طاعة الله تعالى والتوبة والاستغفار من الذنوب، ولا يحتجّ بأنها مقدّرة عليه لأن هذا احتجاج مردود.
أمّا الرّضا بما قدّره الله ﷾ وقضاه من المصائب والنوائب والصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته وعلى أنواع المكاره والطمأنينة إلى حكم الله ﷿ فهذا مأمور به، وهذا أمر يخلط فيه بعض الناس فيظنّون أن العبد مأمور بالرضا بكل ما قدّره الله وقضاه سواء كانت المصائب أو الذنوب والمعاصي، ولا شكّ أن هذا غلط مجانب للصواب، لأن الحق في هذا أن العبد لا يلزمه الرضا بكل مقضيّ فضلًا عن أن يسر به، بل المعاصي والذنوب وإن كانت بقضاء الله وقدره إلّا أن العبد يكرهها ويسخطها وتجب عليه التوبة منها والندم على اقترافها.
يقول ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى: "فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟
[ ٦٢٠ ]
فالجواب: أن يقال أوّلًا: نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدّره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنّة بل من المقضيّ ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذمّ.
ويقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضيّ وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كلّه خير وعدل وحكمة، نرضى به كلّه، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثًا: القضاء له وجهان، أحدهما: تعلّقه بالربّ تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به.
والوجه الثاني: تعلّقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به، مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدّره الله وقضاه وكتبه وجعله أجلًا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به، ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا نرضى به (^١).
ولذلك لا يلزم من الرّضا بقضاء الله وقدره ترك المطالبة بالحقوق والإنتصاف من الظلمة والمعتدين، ولا ينافي ذلك أيضًا نسبة الظلم والاعتداء إليهم؛ لأن حقيقة الظالم والمعتدي هو من فعل الظلم والاعتداء، وهذا وصف للعبد المكتسب بإرادته واختياره، فمعاقبته على هذا الفعل هو مقتضى العدل والحكمة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أسبابًا للرضا بالقضاء، فقال: "وللرضا بالقضاء أسباب:
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٨٧).
[ ٦٢١ ]
منها: يقين العبد بالله وثقته به بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلّا وهو خير له، فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح، فإنه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنه لا يريد له إلّا الأصلح. . .
ومنها: النظر إلى وعد الله من ثواب الرّضا، وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألم المقضي به. . .
ومنها: وهو أعلى من ذلك كلّه الاستغراق في محبّة الله ودوام ملاحظة جلاله وجماله وعظمته وكماله الذي لا نهاية له، فإن قوّة ملاحظة ذلك يوجب الإستغراق فيه حتى لا يشعر بالألم. . ." (^١).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن الرّضا بالقضاء والقدر ليس بواجب، بل هو مستحب مندوب إليه. يقول في إيضاح ذلك في شرح حديث وصيّة النبيّ - ﷺ - لابن عباس: "والمقصود أن النبيّ - ﷺ - أمر ابن عباس بالعمل بالرّضا إن استطاعه، ثم قال له: فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا".
وهذا يدلّ على أن الرّضا بالأقدار المؤلمة ليس بحتم واجب، وإنما هو فضل مندوب إليه، فمن لم يستطع الرّضا فليلزم الصبر، فإن الصبر واجب لابدّ منه، وفيه خير كثير، فإن الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه جزيل الأجر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ (^٣).
_________________
(١) نور الاقتباس (ص ٨٦، ٨٧).
(٢) سورة الزمر، آية (١٠).
(٣) سورة البقرة، آية (١٥٥ - ١٥٧).
[ ٦٢٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ (^١).
وحقيقة الفرق بين الصبر والرّضا أن الصبر كفّ النفس وحبسها عن التسخّط مع وجود الألم، والرّضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرّضا يخفّف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وقد يزيل الإحساس به بالكلية (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وكما أن الصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى كما صحّ ذلك عن النبيّ - ﷺ - (^٣)، فالرّضا إنما يكون بعد نزول البلاء، كما كان النبيّ - ﷺ - يقول في دعائه: "وأسألك الرّضا بعد القضاء" (^٤)، لأن العبد قد يعزم على الرّضا بالقضاء قبل وقوعه، فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضى بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة.
وفي الجملة فالصبر واجب لابدّ منه، وما بعده إلّا السخط، ومن سخط أقدار الله فله السخط مع ما يتعجّل له من الألم وشماتة الأعداء به أعظم من جزعه؛ كما قال بعضهم:
لا تجزعن من كل خطب عرا ولا ترى الأعداء ما يشتموا
يا قوم بالصبر تنال المنى إذا لقيتم فئة فاثبتوا
_________________
(١) سورة الحج، آية (٣٤، ٣٥).
(٢) نور الاقتباس، (ص ٨٨، ٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ١٧١)، ومسلم (٢/ ٦٣٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٤) جزء من حديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٦٤)، والنسائي (٣/ ٥٤)، والحاكم (١/ ٥٢٤) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٦٢٣ ]
وقال النبيّ - ﷺ -: "من يتصبّر يصبّره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر. . ." (^١).
والصبر الجميل هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها، قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (^٢)، قالوا: "لا شكوى معه. . ." (^٣).
كما بيّن ابن رجب ﵀ أن ما يصيب المسلم من المصائب والمحن والبلايا له فوائد وحكم كثيرة في الدنيا والآخرة، يقول في آخر كتاب نور الاقتباس: "ولنختم الكتاب بذكر نبذة يسيرة من لطائف البلايا وفوائدها وحكمها:
فمنها: تكفير الخطايا بها، والثواب على الصّبر عليها. . .
ومنها: تذكر العبد بذنوبه، فربما تاب ورجع منها إلى الله ﷿.
ومنها: زوال قسوة القلب وحدوث رقّتها.
ومنها: إنكسار العبد لله ﷿ وذلّه له، وذلك أحبّ إلى الله من كثير من طاعات الطائعين.
ومنها: أنها توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله، والوقوف ببابه والتضرّع له والاستكانة، وذلك من أعظم فوائد البلاء.
وقد ذمّ الله من لا يستكين له عند الشدائد، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة - باب الاستعفاف في المسألة (٢/ ١٢٩)، ومسلم: كتاب الزكاة - باب فضل التعفّف والصبر (٢/ ٧٢٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) سورة يوسف، آية (٨٣).
(٣) نور الاقتباس (ص ٩٠، ٩١).
[ ٦٢٤ ]
أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ (^١).
وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ (^٢).
ومنها: أن البلاء يوصل إلى قلبه لذّة الصبر والرّضا به، وذلك مقام عظيم جدًا. . .
ومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن من الالتفات إلى المخلوق، ويوجب له الإقبال على الخالق وحده، وقد حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد، فكيف بالمؤمن!
فالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه، وذلك أعلى المقامات وأشرف الدرجات. . .
ومنها: أن العبد إذا اشتدّ عليه الكرب، فإنه محتاج حينئذ إلى مجاهدة الشيطان لأنه يأتيه فيقنطه ويسخطه، فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه، فيكون في مجاهدة عدوّه ودفعه دفع البلاء عنه ورفعه.
ومنها: أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولاسيّما بعد كثرة الدعاء وتضرّعه، ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللّائمة، ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت (^٣).
كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر، فقال: "فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأن اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا على
_________________
(١) سورة المؤمنون، آية (٧٦).
(٢) سورة الأنعام، آية (٤٢).
(٣) نور الاقتباس (ص ١٠٨ - ١١١).
[ ٦٢٥ ]
خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضارّ النافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربّه ﷿ وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرّع والابتهال وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة؛ لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار. . ." (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فإذا أنت أحكمت باب اليقين، فحصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يوجب رضا النفس بالقضاء والقدر وطمأنينتها به.
وقد دلّ القرآن الكريم على هذا المعنى بعينه في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (^٢).
قال الضحاك (^٣): "عزاهم لئلّا تأسوا على ما فاتكم: لا تأسوا على شيء من أمر الدنيا فإنّا لم نقدّره لكم، ولا تفرحوا بما آتاكم: لا تفرحوا بشيء من أمر الدنيا أعطيناكموه فإنه لم يكن يزوى عنكم" (^٣).
وقال سعيد بن جبير (^٤) في هذه الآية: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم
_________________
(١) نور الاقتباس (ص ٧٩).
(٢) سورة الحديد، آية (٢٣).
(٣) الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو محمد صاحب التفسير، قال الذهبي: كان من أوعية العلم، وليس بالمجود لحديثه، وهو صدوق في نفسه، وله باع كبير في التفسير والقصص، توفي سنة ١٠٢ هـ. سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٨)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٥٣).
(٤) الإمام الحافظ المجود المقرئ المفسّر أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، من كبار التابعين، كان ذا عبادة، وزهد ودين، قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ. طبقات ابن سعد (٦/ ٢٥٦)، ذكر أخبار أصبهان (١/ ٣٢٤)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١).
[ ٦٢٦ ]
من العافية والخصب إذا علمتم أنه كان مكتوبًا عليكم قبل أن يخلقكم".
ومن هذا المعنى قول بعض السلف: "الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، وقد أشار النبيّ - ﷺ - إلى ذلك بقوله في الحديث الصحيح عنه: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (^١)، فأشار في هذا الحديث إلى أن تذكير النفس بالقدر السابق عند المصائب يذهب وسواس الشيطان الموجبة للهمّ والحزن والندم على تعاطي الأسباب الدافعة لوقوعها" (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٦١).
(٢) نور الاقتباس (ص ٨٢، ٨٣).
[ ٦٢٧ ]
المبحث السادس حكم تمنّي الموت وعلاقته بالقضاء والقدر
تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن حكم تمنّي الموت في عدة مواضع من كتبه، وبين أن تمنّي الموت خشية الفتنة جائز، وقد دعا به الصحابة ﵃ والصالحون من بعدهم.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ". . .وأمّا تمنّي الموت خوف فتنة، فإنه يجوز بلا خلاف" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في معرض ذكر وجوه تمنّي الموت: "ومنها تمنّيه خوف الفتنة في الدين فيجوز حينئذ، وقد تمنّاه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمّة الإسلام" (^٣).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن تمنّي الموت خشية الفتنة جائز، وما قرّره ابن رجب رحمه الله تعالى في هذه المسألة قد ورد ما يدلّ عليه في كتاب الله ﷾ وسنّة رسوله - ﷺ -، فقد أخبر الله ﵎ في كتابه عن مريم أنها تمنّت
_________________
(١) اختيار الأَوْلى (ص ١٠٧).
(٢) شرح حديث زيد: "لبيك اللهمّ لبّيك" ورقة (٧).
(٣) لطائف المعارف (ص ٣٠٨).
[ ٦٢٨ ]
الموت؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ (^١).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "فيه دليل على جواز تمنّي الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدّقونها في خبرها وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾، أي قبل هذا الحال ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾، أي لم أخلق ولم أك شيئًا" (^٢).
وقال أيضًا ﵀ في موضع آخر: "وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت؛ كما قال الله تعالى أخبارًا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهدّدهم بالقتل، قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (^٣)، وقالت مريم لما جاءها المخاض وهو الطلق إلى جذع النخلة: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (^٤)، لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة، لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت" (^٥).
وقال القرطبي في التذكرة -باب جواز تمنّي الموت والدعاء به خوف ذهاب الدين- قال الله ﷿ مخبرًا عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (^٦)، وعن مريم ﵍ في قولها: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (٤).
_________________
(١) سورة مريم، آية (٢٣).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ١١٦، ١١٧).
(٣) سورة الأعراف، آية (١٢٦).
(٤) سورة مريم، آية (٢٣).
(٥) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٩٢).
(٦) سورة يوسف، آية (١٠١).
[ ٦٢٩ ]
عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه" (^١).
قلت: لا تعارض بين هذه الترجمة والتي قبلها لما نبيّنه. أمّا يوسف ﵇، فقال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد نبيّ ولا غيره إلّا يوسف ﵇ حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربّه ﷿، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي﴾ (^٢)، فاشتاق إلى لقاء ربّه ﷿، وقيل: إن يوسف ﵇ لم يتمنّ الموت وإنّما تمنّى الموافاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفّني مسلمًا، وهذا القول هو المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل، والله أعلم.
وأمّا مريم ﵍، فإنما تمنّت الموت لوجهين:
أحدهما: أنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها وتعيّر، فيفتنها ذلك.
الثاني: لئلّا يقع قوم بسببها في البهتان والزور والنسبة إلى الزّنا، وذلك مهلك لهم. . . فعلى هذا الحد الذي ذكرناه. . . يكون تمنّي الموت في حقها جائزًا، والله أعلم.
وأمّا الحديث، فإنما هو خبر أن ذلك سيكون لشدّة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين، وضعفه وخوف ذهابه، لا لضرّ ينزل بالمرء في جسمه أو غير ذلك من ذهاب ماله مما يحطّ به عنه خطاياه (^٣).
كما دلّ على جواز تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين أحاديث المصطفى - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الفتن (٨/ ١٠٠)، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤/ ٢٢٣١).
(٢) سورة يوسف، آية (١٠١).
(٣) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ١٢، ١٣).
[ ٦٣٠ ]
منها: حديث معاذ بن جبل ﵁ الطويل، وفيه قوله - ﷺ -: "وإذا أردت فتنة في قوم فتوفّني غير مفتون" (^١).
ومنها: قوله - ﷺ -: "اللهمّ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرًا لي. . ." (^٢).
بهذا يتبيّن أن تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين جائز.
وعلاقة هذه المسألة بمبحث القضاء والقدر أن تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين ليس فيه تسخط وتضجّر مما قضاه الله ﷾ وقدّره، وإنما هو طلب خير الأمرين. وأمّا تمنّي الموت خوف الضرر ونزول المكروه، فهذا فيه تسخط وتضجّر من قضاء الله وقدره الذي سبق به الكتاب، ولأجل هذا جاء النهي عن ذلك.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "ووجه كراهيته في هذه الحال -أي تمنّي الموت- أن المتمنّي للموت لضرّ نزل به إنما يتمنّاه تعجيلًا للإستراحة من ضرّه، وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت، فلعلّه يصير إلى أعظم من ضرّه، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، وفي الحديث عن النبيّ - ﷺ -، قال: "إنما يستريح من غفر له" (^٣)، فلهذا لا ينبغي له أن يدعو بالموت إلّا أن يشترط أن يكون خيرًا له عند الله ﷿، فكذلك كل ما لا يعلم العبد فيه الخيرة له، كالغنى والفقر وغيرهما كما يشرع له استخارة الله تعالى فيما يريد أن يعمله مما لا يعلم وجه الخيرة فيه، وإنما يسأل الله ﷿ الجزم والقطع مما يعلم أنه خير محض" (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٩٠).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٤٤).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٦٩)، والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٣٧٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٣٠)، رواه البزار ورجاله ثقات.
(٤) لطائف المعارف (ص ٣٠٨).
[ ٦٣١ ]
المبحث السابع القضاء والقدر وفعل الأسباب
الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من مباشرة الأسباب، لأن مباشرة الأسباب والأخذ بها مأمور به، وهي من قدر الله ولأن الله ﷾ جعل مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم والثواب والعقاب والحل والحرمة وغير ذلك مرتبطة بالأسباب قائمة عليها، فالله ﷾ قدر أن يكون الحرث سببًا في وجود الزرع، والنكاح سببًا في وجود الولد، وشرب الماء سببًا في الري، والدواء سببًا في الشفاء، والعمل الصالح سببًا في دخول الجنة، والعمل السيىء سببًا في دخول النار، مع الإيمان بأن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله ﷾، فالذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج والثمار، والأسباب والمسببات جميعها من أقدار الله تعالى، فلابد لنا من مباشرتها للحصول على ما ربط بها من نتائج ومسببات.
وقد أمرنا الله ﷾ ببذل الأسباب فقال ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ (^١) وبيّن الرسول - ﷺ - أن الأسباب المشروعة هي من القدر كما جاء في حديث أبي خزامة عن أبيه قال: سألت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من
_________________
(١) سورة الملك آية (١٥).
[ ٦٣٢ ]
قدر الله شيئًا؟ قال: "هي من قدر الله" (^١).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه" (^٢).
ولذا فإن دعوى أن الإيمان بقضاء الله وقدره مدعاة إلى الخمول والكسل والاتكالية كما يدعي ذلك الجهلة من أهل التصوف وغيرهم دعوى باطلة لأن قضاء الله ﷾ وقدره لا يتخذ سبيلًا إلى التواكل، ولا ذريعة إلى المعاصي، وإنما يتخذ سبيلًا إلى تحقيق الغايات الكبرى من جلائل الأعمال، ولهذا كان الإيمان بالقضاء والقدر سر عظمة المسلمين الأولين لأنهم أخذوا بالأسباب وبذلوا جهدهم إنفاذًا لأمر الله ﷾ وأمر رسوله - ﷺ -، وقد بيّن هذا رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃ فأعدوا العدة للحرب والقتال، وفكروا ودبروا وخططوا.
فالرسول - ﷺ - استعان بالقدر على تحقيق رسالته الكبرى التي كلف بها ﵊ فقام بها خير قيام فقاوم الجهل بالعلم، وقاوم الكفر والمعاصي بالجهاد، وقاوم الفقر بالعمل، وقاوم المرض بالدواء، وكان - ﷺ - يستعيذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل.
وما غزواته المظفرة - ﷺ - إلا دليل على أخذه بالأسباب ﵊.
وهكذا أصحابه ﵃ حيث أنهم لما سمعوا أحاديث القدر اجتهدوا في العمل أشد مما كانوا عليه ولذا كان يقول أحدهم: ما كنت
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٤٨).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب الاستعفاف. ومسلم: كتاب الزكاة، باب كراهية مسألة الناس (٢/ ٧٢١).
[ ٦٣٣ ]
بأشد اجتهادًا مني الآن (^١) ولهذا لما خرج عمر ﵁ إلى الشام لقيه أمراء الأمصار وأخبروه بانتشار الوباء فيها فاستشار المهاجرين والأنصار، ثم مهاجرة الفتح من مشايخ قريش، فاجتمع المهاجرة على الرجوع بعدًا عن الوباء فأمر عمر بذلك، فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديًا له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبًا في بعض حاجته- فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف" (^٢).
فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادًا في فعلها والقيام بها، وأعظم من قيامه في أسباب معاشه ومصالح دنياه.
وبهذا يتبين أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح مع ملاحظة أن مباشرة الأسباب لا يعني تعلق القلب بها أو الاعتقاد بأنها مفضية إلى نتائجها قطعًا بل يجب أن يكون الاعتماد في حصول النتيجة على الله وحده لا على مباشرة السبب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ". . . فالالتفات إلى
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (ص ٢٦).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٤٨).
[ ٦٣٤ ]
الأسباب، واعتبارها مؤثرة في المسببات شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح، ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب المأمور بها، فهو عاجز مفرط مذموم (^١).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال مبينًا أن الله ﷾ هو خالق الأسباب والمسببات: "والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ". . . لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون نعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. . .
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (^٣). . . (^٤).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى أنواع الأسباب فقال: "والأسباب
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٢٨، ٥٢٩).
(٢) لطائف المعارف (ص ٨٣).
(٣) سورة الليل آية (٥ - ١٠).
(٤) لطائف المعارف (ص ٢٠٥).
[ ٦٣٥ ]
نوعان: أحدهما: أسباب الخير فالمشروع أنه يفرح بها ويستبشر ولا يسكن إليها بل إلى خالقها ومسببها، وذلك هو تحقيق التوكل على الله والإيمان به كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (^١).
ومن هذا الباب الاستبشار بالفأل وهو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة، وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبب لها، وقل من فعل ذلك إلا وكل إليها وخذل، فإن جميع النعم من الله وفضله كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٢)، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٣).
ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسببها ومقدرها كما في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه صلى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: "أتدرون ما قال ربكم الليلة، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (^٤).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر" (^٥) وهذا مما يدل على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه،
_________________
(١) سورة آل عمران (١٢٦).
(٢) سورة النساء آية (٧٩).
(٣) سورة النحل آية (٥٣).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٤٨٦).
(٥) تقدم تخريجه (ص ٤٨١).
[ ٦٣٦ ]
فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاده أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة، ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع شرك خفي.
والنوع الثاني: أسباب الشر فلا تضاف إلا إلى الذنوب لأن جميع المصائب إنما هي بسبب الذنوب كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (^٢) فلا تضاف إلى شيء من الأسباب سوى الذنوب كالعدوى أو غيرها، والمشروع اجتناب ما ظهر منها واتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة مثل اتقاء المجذوم والمريض والقدوم على مكان الطاعون، وأما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه فإن ذلك من الطيرة المنهى عنها (^٣).
بهذا يتبين لنا غلط كثير من الناس حيث توهموا أن فعل الأسباب وتعاطيها ينافي التوكل والاعتماد على الله، وينافي الإيمان بالقضاء والقدر وفهموا أن الإيمان بالقضاء والقدر يعني الخمول والكسل وترك فعل الأسباب وهذا غلط بيّن وهو ناتج عن عدم فهم الإيمان بالقضاء والقدر على الوجه الصحيح، والحق في هذه المسألة ما سبق بيانه، والله أعلم.
_________________
(١) سورة النساء آية (٧٩).
(٢) سورة الشورى آية (٣٠).
(٣) لطائف المعارف (ص ٨٥، ٨٦).
[ ٦٣٧ ]
المبحث الثامن الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث "فحج آدم موسى"
لقد ضل كثير من الناس في هذه المسألة وأخذ كثير منهم ينغمس في فعل المعاصي والفواحش ثم يحتج على ذلك بالقدر وأنه لا حيلة له فيما قدر عليه، وهذا في غاية البطلان ولا يقوله إلا صاحب هوى، لأنه لا يجوز لمن عصى الله ورسوله أن يدفع عن نفسه اللوم بأن الله هو الذي قدر عليه الوقوع في المعصية وشاءها منه، فإن هذا الاحتجاج معارضة لشرع الله، وأمره، ومخاصمة له ﷾ في أمره وشرعه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وطعن في حكمته وعدله، ودفع له بقضائه وقدره وفي هذا إبطال للشرع وللدين كله (^١).
وقد زعم المشركون أن الله ﷾ قد رضي منهم الكفر لأنه في نظرهم يلزم من مشيئة الله لكفرهم رضاه به، فأبطل الله حجتهم ودحضها بقوله ﷿: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (^٢).
فهذا جواب رب العزة لمن يحتج بقدره سبحانه على معصيته، ولله
_________________
(١) انظر: رسالة في الاحتجاج بالقدر لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ١٤٠).
(٢) سورة الأنعام آية (١٤٨، ١٤٩).
[ ٦٣٨ ]
الحجة البالغة، فقد بيّن ﷾ كذبهم في الاحتجاج بالمشيئة على ما وقعوا فيه من الشرك ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص ثم بيّن أن الحجة له ﷾ على عباده بقوله ﵎: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (^١) ولو صح الاحتجاج بالقدر على مثل هذا لما حُدَّت الحدود وفرضت الفرائض وخلقت الجنة والنار والله ﷾ يقول: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (^٢) وهذا لا ينافي القول بأن الله ﷾ خلق أفعال العباد كلها وقدرها عليهم (^٣).
ولو كان القدر حجة للعبد فيما يقترفه من المعاصي لكان حجة لجميع الناس في كل شيء لأنهم مشتركون في القدر.
والعجيب أن من يحتج بالقدر في المعاصي لا يحتج بالقدر إذا وقع عليه ظلم بل يغضب ويلجأ إلى كل وسيلة لرفع الظلم عن نفسه ولم نسمع أحدًا منهم يقول بأن الله قدر لي ذلك وكتبه علي، ولذلك لا حيلة لي، مما يدل على أن الشيطان أضلهم وزين لهم أعمالهم، وإلا فيلزم من احتج بالقدر في المعاصي أن لا يلوم من ظلمه ولا ينكر على من شتمه وأخذ ماله أو أهلك حرثه ونسله، وهو لا يقر بذلك ولذلك فإن الاحتجاج بقدر الله على معصيته مع ظهور عقابه سبحانه للعصاة، فيه نسبة الظلم إليه سبحانه وهو أمر يتنافى مع الإيمان بالله ﷿ (^٤).
إضافة إلى أن المحتج بالقدر على معصيته متقول على الله بغير علم
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١٤٩).
(٢) سورة النساء آية (١٦٥).
(٣) انظر: شفاء العليل (ص ٣٧، ٣٨).
(٤) انظر: رسالة في القضاء والقدر لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٩٠ - ٩٣).
[ ٦٣٩ ]
إذ كيف يصح للعاصي أن يحتج بأن الله كتب عليه المعصية قبل صدور ذلك منه، وقدر الله قبل وقوعه غيب لا يعلمه إلا هو ﷿ مع أنه مخاطب قبل إقدامه على عصيان ربه بطاعته والتزام أمره، وبمثل هذه الحجة البالغة أجاب سبحانه على هؤلاء المتذرعين بقدر الله في مواضع أخرى من القرآن، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (^١).
فليس الإيمان بالقدر حجة للإنسان على فعل المعاصي أو التهاون بما أوجب الله عليه لأن الله ﷾ أعطى الإنسان عقلًا يتمكن به من الإرادة وأعطاه قدرة يتمكن بها من العمل، ولذلك إذا سلب عقل الإنسان لم يعاقب على معصية ولا ترك واجب وإذا سلب قدرته على الواجب لم يؤاخذ بتركه، وكذلك لا يؤاخذ الله العبد على ما فعله من محرم جاهلًا به أو ناسيًا لأنه ليس مختارًا لفعله لو علم بتحريمه، فالاحتجاج بالقدر على المعاصي أو ترك الواجبات حجة داحضة باطلة لا يفعلها إلا المبطلون المكابرون.
كما أن هذه الحجة يبطلها العقل وذلك لأن المحتج بالقدر ليس عالمًا بالقدر فيبني عمله عليه فكيف يحتج بما ليس له تأثير في فعله إذ لا تأثير للشىء في فعل الفاعل حتى يكون عالمًا بهذا المؤثر، فالإنسان العاقل إذا تأمل الأمور بعقله ونظر في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - علم علمًا يقينًا أنه لا حجة للإنسان بقضاء الله وقدره على فعله للمعاصي، والواجب على المسلم أن يجعل القضاء والقدر وسيلة إلى الاستعانة بالله وطلب الهداية منه لأنه ﷾ بيده مقاليد الأمور كلها، فالصحابة ﵃ لما قالوا للنبي - ﷺ -: أفلا ندع العمل ونتكل على القضاء
_________________
(١) سورة الأعراف آية (٢٨).
[ ٦٤٠ ]
قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء" (^١) ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (^٢). . . (^٣).
والمحتجون بالقدر على المعاصي هم الجبرية (^٤) من الجهمية ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم.
ومن أشهر الأدلة التي استدلوا بها على تسويغ تفريطهم وعصيانهم حديث احتجاج آدم وموسي، عليهما الصلاة والسلام وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة" فقال النبي - ﷺ -: "فحج آدم موسى، فحج آدم موسى" (^٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٦٠٦).
(٢) سورة الليل آية (٥ - ١٠).
(٣) انظر: معارج القبول (٢/ ٣٦١).
(٤) سموا بذلك نسبة إلى الجبر وهو نفي الفعل عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى، فهم يقولون: إن العبد مجبور على فعله فهو كالريشة في مهب الريح وكحركات المرتعش ليس له إرادة ولا قدرة على الفعل، وممن قال بهذا الجهم بن صفوان، وهم أصناف، فمنهم الجبرية الخالصة وهم الذين يقولون بقول جهم، ومنهم من يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٦٨) ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨) والملل والنحل (١/ ٨٥).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى (٧/ ٢١٤) ومسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٢).
[ ٦٤١ ]
وقد اختلفت الأقوال (^١) تجاه هذا الحديث ويمكن حصرها فيما يأتي:
١ - هناك فريق كذبوا هذا الحديث وردوه وقالوا: لو صح هذا الحديث لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، وهذا هو قول القدرية من المعتزلة ومن نحا نحوهم.
٢ - وهناك فريق آخر جعلوا هذا الحديث حجة على فعل المعاصي فكلما عملوا معصية احتجوا بالقدر واستدلوا بهذا الحديث وهم الجبرية ومن وافقهم.
٣ - وهناك فريق ثالث فسروه بعدة تفسيرات فبعضهم قال: إنما حجه لأنه كان أباه، والابن لا يلوم الأب.
وقال بعضهم: إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة أخرى.
وقال بعضهم: إنما حجه لأن الاحتجاج به كان في الآخرة دون الدنيا.
وقال بعضهم: إنما حجه لأن اللوم كان بعد التوبة.
وهذه الأقوال كلها لا تسلم من ضعف أو اعتراض، فمن رد الحديث وكذبه فلا عبرة بقوله لأن الحديث ثابت.
وأما من قال إنما حجه لأنه أبوه فهو قول فاسد، لأن الحق يجب المصير إليه سواء كان مع الأب أو الابن أو العبد أو السيد، وكذلك قول
_________________
(١) انظر: حكاية هذه الأقوال والردود والمناقشات فيها في مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٣ - ٣٠٥) ودرء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤١٨ - ٤٢٠) وشفاء العليل (ص ٢٨ - ٣١) وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٥٠٩ - ٥١١).
[ ٦٤٢ ]
من قال لأن الذنب كان في شريعة والملام في أخرى فهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها، وإن كانت لم تجمعهم شريعة واحدة.
وكذلك قول من قال إنه لامه في غير دار التكليف فهذا فاسد لوجهين:
١ - أن آدم ﵇ إنما احتج بالقدر السابق، ولم يقل لموسى ﵇ لم تلومني وأنا لست في دار التكليف.
٢ - أن هذه الحجة مبنية على أن اللوم لا يصح إلا في دار التكليف وهذا منقوض بوقوع اللوم في غير دار التكليف كما يلوم الله سبحانه بعض عباده المستحقين للذم بعد الموت في يوم القيامة كقوله تعالى للكفار يوم القيامة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ (^١).
وأما من قال إن آدم حج موسى لأن موسى لامه بعد التوبة من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
فقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا القول وإن كان أقرب إلى الصواب من غيره فإنه لا يصح لثلاثة وجوه:
أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه، ولا جعله حجة على موسى، ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه.
الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعد هداه، فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلًا عن كليم الرحمن.
_________________
(١) سورة المؤمنون آية (١٠٥).
[ ٦٤٣ ]
الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي - ﷺ - وجه الحجة، واعتبار ما ألغاه، فلا يلتفت إليه (^١).
وأحسن جواب فسر به هذا الحديث هو أن موسى ﵇ إنما لام آدم على المصيبة التي أصابته وذريته وهي خروجه من الجنة ونزوله إلى الأرض، ولم يكن اللوم لأنه عصى أمر الله وأكل من الشجرة يدل على ذلك قوله في الحديث: "أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة" ولم يقل له: لماذا خالفت الأمر، ولماذا عصيت؟ . . . فاللوم واقع على المصيبة، وهي مقدرة فحج آدم موسى، والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بالتسليبم لقدر الله السابق كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ (^٢).
وهذا الجواب هو جواب شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣) وتلميذه ابن القيم (^٤) رحمهما الله تعالى.
وهو ما قال به ابن رجب رحمه الله تعالى حيث قال: "لما التقى آدم وموسى ﵉ عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريته من الجنة فاحتج آدم بالقدر السابق، والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن كما قال - ﷺ -: "إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل" (^٥). . . (^٦) والله أعلم.
_________________
(١) شفاء العليل (ص ٣٠، ٣١).
(٢) سورة التغابن آية (١١).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٩).
(٤) انظر: شفاء العليل (ص ٣٨).
(٥) تقدم تخريجه (ص ٣٦١).
(٦) لطائف المعارف (ص ٥٥).
[ ٦٤٤ ]
الفصل الرابع الإيمان باليوم الآخر
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر.
المبحث الثاني: الإيمان بأشراط الساعة.
أولًا: العلامات الصغرى.
ثانيًا: العلامات الكبرى.
المبحث الثالث: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته.
المبحث الرابع: الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر.
المبحث الخامس: مستقر الأرواح.
المبحث السادس: الصراط.
المبحث السابع: بيان المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.
المبحث الثامن: الشفاعة.
المبحث التاسع: الجنة ونعيمها.
المبحث العاشر: رؤية الله ﷾ في الجنة.
المبحث الحادي عشر: النار وعذابها.
المبحث الثاني عشر: خلق الجنة والنار.
المبحث الثالث عشر: الجنة والنار باقيتان لا تفنيان أبدًا.
[ ٦٤٥ ]
المبحث الأول أهمية الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان الستة، وعقيدة من عقائد الإسلام الأساسية، وأصل عظيم من أصول الإيمان، إذ لا يصح إيمان أحد إلا بالإيمان به.
ويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور، وخروج الخلق من قبورهم، وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع، وتفاصيل الحشر ونشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض، والشفاعة لمن أذن الله له، وبالجنة ونعيمها، وبالنار وعذابها وغيرها من الأمور التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، والصحيح من سنة المصطفى - ﷺ -.
وقد دل على وجوب الإيمان باليوم الآخر كتاب الله ﷾ وسنة رسوله - ﷺ - كما يدل عليه العقل والفطرة السليمة، وقد أكثر الله ﷾ من ذكره في كتابه، وأقام عليه الأدلة، ورد شبه المنكرين للبعث في كثير من المواضع، كما فصل أمور ذلك اليوم وحوادثه تفصيلًا كثيرًا، مع أن كل رسول أرسله الله بشر قومه وأنذرهم بهذا اليوم العظيم، وكفر كل من ينكره أو يشك فيه.
والإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل ولا سبيل إلى معرفته إلا بالنص عن طريق الوحي.
[ ٦٤٧ ]
وقد مدح الله المؤمنين بالغيب وأثنى عليهم ونوه بذكرهم، وذكر تعالى ما لهم من الأجر العظيم والثواب الجزيل والنعيم المقيم.
فيجب على المسلم التصديق الجازم بجميع ما جاء عن اليوم الآخر في كتاب الله ﷾ وسنة رسوله - ﷺ - لأن هذا اليوم قد دل على وقوعه النقل والعقل والفطرة كما صرحت به جميع الكتب السماوية ونادى به جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم.
فمن الآيات الدالة على وجوب الإيمان باليوم الآخر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ. . .﴾ (^١) الآية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (^٤).
ومن الأحاديث الدالة على وجوب الإيمان باليوم الآخر قوله - ﷺ -: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره شره" (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٧٧).
(٢) سورة البقرة آية (٦٢).
(٣) سورة الطلاق آية (٢).
(٤) سورة النساء آية (١٣٦).
(٥) تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).
[ ٦٤٨ ]
وقوله - ﷺ -: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالموت ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره" (^١).
فهذه الآيات والأحاديث تدل على وجوب الإيمان باليوم الآخر وتبين أهميته.
وقد اهتم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الركن من أركان الإيمان اهتمامًا كبيرًا وتعرض له في كثير من مؤلفاته بل إنه أفرد بعض جوانبه بمؤلفات خاصة، فقد تكلم في كتابه أهوال القبور عن عذاب القبر ونعيمه وما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث كما تكلم أيضًا في كتاب التخويف من النار عن النار وعذابها وصفات أهلها، كما أنه أشار في ثنايا كتبه الأخرى عن جوانب كثيرة مما يكون بعد الموت من البعث والنشور وما يكون في يوم القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار، وما يكون قبل ذلك كله من علامات وأشراط مما هو دليل على ذلك اليوم العظيم.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى وجوب الإيمان بالغيب والتسليم بذلك بدون تكلف البحث عن الكيفيات التي ترد في الكتاب والسنة، لأن البحث في ذلك يؤدي إلى الحيرة والشك فقال رحمه الله تعالى مبينًا ذلك: "ومما يدخل النهي عن التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمرنا بالإيمان بها ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يغني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك ويرتقي إلى التكذيب" (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٦٠٢).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٢).
[ ٦٤٩ ]
كما بيّن رحمه الله تعالى أن كل ما في الدنيا دليل على الآخرة ومذكر بها فقال: "كل ما في الدنيا فهو مذكر بالآخرة ودليل عليها، فنبات الأرض واخضرارها في الربيع بعد محولها ويبسها في الشتاء وإيناع الأشجار واخضرارها بعد كونها خشبًا يابسًا يدل على بعث الموتى من الأرض وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضع كثيرة قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (^١) ".
وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (^٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ (^٣).
قال أبو رزين للنبي - ﷺ -: كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "هل مررت بواد أهلك محلًا ثم مررت به يهتز خضرًا؟ " قال: نعم، قال: "كذلك يخرج الله الموتى وذلك آيته في خلقه" خرّجه الإمام أحمد (^٤).
_________________
(١) سورة الحج آية (٥ - ٧).
(٢) سورة ق آية (٩ - ١١).
(٣) سورة الأعراف آية (٥٧).
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ١١)، ورجاله ثقات إلا وكيع بن حرس وقيل عُرُس، قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص ٣٦٩) مقبول.
[ ٦٥٠ ]
وقصر مدة الزرع والثمار وعود الأرض بعد ذلك إلى يبسها والشجر إلى حالها الأول كعود ابن آدم بعد كونه حيًا إلى التراب الذي خلق منه، وفصول السنة تذكر بالآخرة، فشدة حر الصيف يذكر بحر جهنم، وهو من سمومها، وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم وهو من زمهريرها وأما الربيع فهو أطيب فصول السنة وهو يذكر بنعيم الجنة وطيب عيشها، وينبغي أن يحث المؤمن على الاستعداد لطلب الجنة بالأعمال الصالحة (^١).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى وجوب الاستعداد لما بعد الموت بالأعمال الصالحة فقال: "فالواجب على العبد الاستعداد للموت قبل نزوله بالأعمال الصالحة والمبادرة إلى ذلك، فإنه لا يدري المرء متى تنزل به هذه الشدة من ليل أو نهار.
وذكر الأعمال الصالحة عند الموت مما يحسن ظن المؤمن بربه، ويهون عليه شدة الموت ويقوي رجاءه (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت، وما بعده أشد منه إن لم يكن مصير العبد إلى خير، فالواجب على المؤمن الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ (^٣).
فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه واستعد حينئذ للقاء الله
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٣٢٩).
(٢) نور الاقتباس (ص ٥٨).
(٣) سورة الحشر آية (١٨، ١٩).
[ ٦٥١ ]
﷿ بالموت وما بعده ذكره الله عند هذه الشدائد فكان معه فيها، ولطف به وأعانه وتولاه وثبته على التوحيد فلقيه وهو عنه راض.
ومن نسي الله في حال صحته ورخائه، ولم يستعد حينئذ للقائه نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض عنه فأهمله، فإذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له أحسن الظن بربه، وجاءته البشرى من الله، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، والفاجر بعكس ذلك.
وحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط ويقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (^١» (^٢).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أقسام الناس باليوم الآخر فمنهم المكذب والمنكر الذي لا يرجو لقاءه، ومنهم المصدق والمقر به وهؤلاء على درجات متفاوتة فقال: "انقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين:
أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد دار بعد الدنيا للثواب والعقاب وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ (^٣).
وهؤلاء همهم التمتع في الدنيا واغتنام لذاتها قبل الموت كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (^٤).
القسم الثاني: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
_________________
(١) سورة الزمر آية (٥٦).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٩٤، ٩٥).
(٣) سورة يونس آية (٧، ٨).
(٤) سورة محمد آية (١٢).
[ ٦٥٢ ]
والظالم لنفسه هم الأكثرون منهم، وأكثرهم واقف مع زهرة الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها في غير وجهها، وصارت الدنيا أكبر همه، بها يرضى وبها يغضب، ولها يوالي وعليها يعادي، وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا، ولا أنها منزلة سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان أحدهم يؤمن بذلك إيمانًا مجملًا فهو لا يعرفه مفصلا، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا، مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة.
والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة وأدى واجباتها وأمسك لنفسه الزائد على الواجب، يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهاد في الدنيا ولا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا.
قال ابن عمر: "لا يصيب عبد من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمًا" (^١) أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد، وروي مرفوعًا من حديث عائشة بإسناد فيه نظر، ويشهد لهذا أن الله حرم على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليها، وادخرها لهم عنده في الآخرة، وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله ﷿: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
_________________
(١) أخرجه موقوفًا ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (ص ١١١) وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ٣٢٣) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٦). وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢/ ٥٩٢) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٦٣): رواه ابن أبي الدنيا، وإسناده جيد، وروي عن عائشة مرفوعًا، والموقوف أصح.
[ ٦٥٣ ]
لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ (^١) ".
وصح عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة" (^٢).
وقال: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في إناء الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (^٣).
وأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المراد من الدنيا، وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن إلله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملًا كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٤).
وقال بعض السلف أيهم أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة، وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنة، لينظر من يقف منهم معه ويركن إليه، ومن ليس كذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا
_________________
(١) سورة الزخرف آية (٣٣ - ٣٥).
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١٤١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. والشطر الأول منه أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه (٧/ ٤٤). والشطر الثاني: أخرجه مسلم: كتاب الأشربة (٤/ ١٥٨٨).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض (٦/ ٢٠٧) ومسلم: كتاب اللباس والزينة (٤/ ١٦٣٨).
(٤) سورة هود آية (٧).
[ ٦٥٤ ]
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ (^١) ثم بيّن انقطاعه وإنفاده فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ (^٢).
فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا جعلوا همهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار، فاكتفوا من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره كما كان النبيّ - ﷺ - يقول: "ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح عنها وتركها" (^٣)
وأهل هذه الدرجة على قسمين:
منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسد الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد.
ومنهم من يفسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض شهواتها المباحة لتقوى النفس بذلك وتنشط للعمل كما روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (^٤)
ومتى نوى من تناول شهواته المباحة التقوي على طاعة الله كانت شهواته له طاعة يثاب عليها (^٥).
_________________
(١) سورة الكهف آية (٧).
(٢) سورة الكهف آية (٨).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٥٧٩).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨) والنسائي: كتاب عشرة النساء (٧/ ٦١) والحاكم (٢/ ١٦٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قال العراقي: إسناده جيد. تخريج الإحياء (٢/ ٣٠). وقال ابن حجر: إسناده حسن. التلخيص الحبير (٣/ ١١٦).
(٥) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦١ - ٣٦٧).
[ ٦٥٥ ]
المبحث الثاني الإيمان بأشراط الساعة
إن الله ﷾ قد أخفى عن عباده وقت وقوع الساعة فلا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا هو ﷾ كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فمن الآيات قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ (^٢).
فالله ﷾ يأمر نبينا محمدًا - ﷺ - أن يخبر الناس أن علم الساعة عند الله وحده فلا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا الله وحده.
ومن الأحاديث النبوية الدالة على أنه لا يعلم متى الساعة إلا الله وحده حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألونني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة" (^٣).
_________________
(١) سورة الأعراف آية (١٨٧).
(٢) سورة الأحزاب آية (٦٣).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة ﵃، باب بيان معنى قوله - ﷺ - على رأس مائة سنة لا يبقى نفس منفوسة (٤/ ١٩٦٦).
[ ٦٥٦ ]
وحديث جبريل المشهور وفيه سأل جبريل ﵇ النبيّ - ﷺ - عن وقت الساعة فقال ﵊: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (^١)، فجبريل ﵇ لا يعلم متى تقوم الساعة، وكذلك نبينا محمد - ﷺ -، ومن زعم أن النبيّ - ﷺ - يعلم متى قيام الساعة فهو جاهل لا علم عنده، لأن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة السابقة ترد عليه وعلى من قال بقوله، فعلم قيام الساعة مما استأثر الله ﷾ به فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا إلا أن هناك آيات وأحاديث تدل على قرب قيام الساعة ودنوها من ذلك قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (^٣).
ومن ذلك قوله - ﷺ -: "بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى" (^٤) إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على قرب قيام الساعة.
وإذا كان الله ﷾ قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده فإنه ﷾ قد جعل لها أمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها، وقد سمى الله ﷾ هذه الأمارات والعلامات بأشراط الساعة قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (^٥).
وأشراط الساعة هي العلامات الدالة على قربها قال ابن حجر
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).
(٢) سورة الأنبياء آية (١).
(٣) سورة القمر (١).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب قول النبيّ - ﷺ -: بعثت أنا والساعة كهاتين (٧/ ١٩١) ومسلم: كتاب الفتن، باب قرب الساعة (٤/ ٢٢٦٩).
(٥) سورة محمد آية (١٨).
[ ٦٥٧ ]
رحمه الله تعالى: "المراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام الساعة" (^١)
وقد ورد في كتاب الله ﷾ وسنة المصطفى - ﷺ - كثير من أشراط الساعة وعلاماتها وقد قسمها العلماء رحمهم الله تعالى إلى قسمين:
١ - علامات صغرى.
٢ - علامات كبرى.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى جملة من أشراط الساعة وعلاماتها الصغرى والكبرى في ثنايا مؤلفاته، وسأذكر أمثلة لكل قسم مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في ذلك:
أولًا: العلامات الصغرى:
١ - بعثة النبيّ - ﷺ -:
أخبر النبيّ - ﷺ - أن بعثته دليل على قرب قيام الساعة كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبيّ - ﷺ - قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له " (^٢) الحديث.
وكما في حديث سهل ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى" (^٣).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى شارحًا للحديث الأول: قوله - ﷺ -: "بين يدي الساعة" يعني أمامها، ومراده أنه بعث قدام الساعة قريبًا منها،
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٧٩).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٥٧١).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٦٥٧).
[ ٦٥٨ ]
ومن أسمائه - ﷺ - الحاشر، والعاقب كما صح عنه - ﷺ - أنه قال: "أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، والعاقب الذي ليس بعدي نبي " (^١)
وخرج الإمام أحمد من حديث بريدة: "بعثت أنا والساعة جميعًا إن كادت تسبقني" (^٢).
وللترمذي: "بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه -لأصبعيه السبابة والوسطى- ليس بينهما أصبع أخرى" (^٣).
والصحيح أنه يدلّ من ذلك على القرب من الساعة، ومما يدلّ على أن بعثة محمد - ﷺ - من علامات الساعة أنه أخبر عن خروج الدجال في حديث الجساسة" (^٤) ا. هـ (^٥).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا شارحًا للحديث الثاني: وقد فسر قوله - ﷺ -: "بعثت أنا والساعة كهاتين" فقرن بين السبابة والوسطى بقرب زمانه من الساعة كقرب السبابة من الوسطى وبأن زمن بعثته يعقبه الساعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين الساعة كما قال في الحديث الصحيح:
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ - (٤/ ١٦٢) ومسلم: كتاب الفضائل، باب في أسمائه - ﷺ - (٤/ ١٨٢٨).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٨).
(٣) أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، باب قول النبيّ - ﷺ -: "بعثت أنا والساعة كهاتين" (٤/ ٤٩٦).
(٤) حديث الجساسة حديث طويل أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة (٤/ ٢٢٦١). والجساسة: هي دابة كثيرة الشعر حتى إنه لا يعرف قبلها من دبرها من كثرة شعرها كما جاء وصفها في هذا الحديث، وسميت بالجساسة لأنها تجس الأخبار للدجال. النهاية لابن الأثير (١/ ٢٧٢).
(٥) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ١٩ - ٢١).
[ ٦٥٩ ]
"أنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، فالحاشر الذي يحشر الناس لبعثهم يوم القيامة على قدمه يعني أن بعثهم وحشرهم يكون عقب رسالته، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم، والعاقب الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم وليس بعده نبي، فكان إرساله - ﷺ - من علامات الساعة" (^١) ا. هـ.
٢ - ظهور الفتن:
أخبر الرسول - ﷺ - أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل حتى إنه من شدة الفتن يتزلزل الإيمان فيصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها حديث أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا" (^٢).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (^٣).
ومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٤٧، ١٤٨).
(٢) أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم (٤/ ٤٨٧) والحاكم (٤/ ٤٣٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن (١/ ١١٠).
[ ٦٦٠ ]
الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فَكَسِّروا قِسيَّكم، وقطِّعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دُخل على أحدكم، فليكن كخير ابني آدم" (^١).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي تشير إلى وقوع الفتن العظيمة والتي من شدتها بأن المؤمن يمر بصاحب القبر ويتمنى أنه مكانه كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلا البلاء" (^٢).
وقد حذر نبينا محمد - ﷺ - أمته من الفتن وأمر بالتعوذ منها فقال - ﷺ -: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" (^٣) نعوذ بالله العظيم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - أنه لا عاصم من الفتن إلا الإيمان بالله ﷿ ولزوم جماعة المسلمين وهم أهل السنة والجماعة الذين يسيرون على نهج الكتاب والسنة وإن كانوا قلة ففي صحيح البخاري عن حذيفة قال: "كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٨) وأبو داود: كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن (٤/ ٤٥٧) وابن ماجه: كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة (٢/ ١٣١٠) والحاكم (٤/ ٤٤٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (٤/ ٢٢٣١).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه (١٧/ ٢٠٣).
[ ٦٦١ ]
الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله: صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (^١).
وقد تكلم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه العلامة من علامات الساعة وبين أن أول ما ظهر من الفتن بعد قتل عمر ثم عثمان ﵄ وما تلى ذلك من الفتن في الدين كظهور الخوارج على علي ﵁ وفتنة الروافض وفتنة القول بخلق القرآن وغيرها من الفتن العظيمة التي كانت سببًا في تفرق المسلمين وظهور الشر العظيم فقال رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: "وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" (^٢) المقصود بهذا الدعاء سلامة العبد من فتن الدنيا مدة حياته فإن قدر الله ﷿ على عباده فتنة قبض عبده إليه قبل وقوعها، وهذا من أهم الأدعية، فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن ثم قبضه الله تعالى إليه قبل وقوعها وحصول الناس فيها كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبيّ - ﷺ - أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وفي حديث آخر: "وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (^٣)، وكان يخص
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٨٧).
(٢) هذا قطعة من حديث سبق تخريجه (ص ٣٤٤).
(٣) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب التشهد (١/ ٥٩٢) والحاكم (١/ ٢٦٥) وقال: هذا حديث صحيح.
[ ٦٦٢ ]
بعض الفتن العظيمة بالذكر، وكان يتعوذ بالله في صلاته من أربع ويأمر بالتعوذ منها: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (^١) ففتنة المحيا تدخل فيها فتن الدين والدنيا كلها كالكفر والبدع والفسوق والعصيان، وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة، وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال، ثم خص فتنة الدجال بالذكر لعظيم موقعها، فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن.
وفي حديث معاوية عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة" (^٢).
وأخبر النبيّ - ﷺ - عن الفتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا.
وكان أول هذه الفتن ما حدث بعد مقتل عمر ﵁، ونشأ من تلك الفتن مقتل عثمان ﵁، وما ترتب عليه من إراقة الدماء، وتفرق القلوب وظهور الفتن في الدين كبدع الخوارج المارقين، وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتنة التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة (^٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر (٣/ ١٩٢) ومسلم: كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (٤/ ٤١٢).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٩٤) وابن ماجه: كتاب الفتن، باب شدة الزمان (٢/ ١٣٣٩). وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٩٥): إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(٣) يقصد ابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الحديث الذي أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة (١/ ١٣٣)، ومسلم: كتاب الفتن، باب في =
[ ٦٦٣ ]
﵁ المشهور حين سأله عنها عمر ﵁، وكان حذيفة ﵁ من أكثر الناس سؤالًا للنبي - ﷺ - عن الفتن خوفًا من الوقوع فيها، ولما حضره الموت قال: "حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، الحمد لله الذي سبقت بي الفتنة قادتها وعُلُوجها" (^١) وكان موته قبل قتل عثمان ﵁ بنحو أربعين يومًا، وقيل: بل مات بعد قتل عثمان وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائمًا فأتاه آت في منامه، فقال له: قم فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات بعد قليل.
وقد روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال لرجل: "إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان، فإن استطعت أن تموت فمت" (^٢) وهذه إشارة إلى هذه
_________________
(١) = الفتنة التي تموج كموج البحر (٤/ ٢٢١٨) عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ فقلت: أنا أحفظه كما قال، قال: هات، إنك لجريء، وكيف قال؟ قلت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قال: قلت: لا بل يكسر، قال: ذاك أحرى أن لا يغلق أبدًا، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله فسأله فقال: عمر".
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٢) وذكره الحافظ الذهبي في ترجمة حذيفة في سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٦٨) وذكره أيضًا صاحب كنز العمال (١٣/ ٣٤٦) وعزاه لابن عساكر. والعُلُوج: جمع عِلْج، وهو الرجل من كفار العجم وغيرهم. النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٨٦).
(٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٤٥) وابن عدي في الكامل (٣/ ١١٧٥) =
[ ٦٦٤ ]
الفتن التي وقعت بمقتل عثمان ﵁. . . إلى أن قال ﵀: "ثم إن المؤمن لابد أن يفتن بشيء من الفتن المؤلمة الشاقة عليه ليمتحن إيمانه كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ (^١).
ولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتنة، ويصبرهم عليها ويثيبهم فيها، ولا يلقيهم في فتنة مضلة مهلكة، تذهب بدينهم، بل تمر عليهم وهم منها في عافية. . . والفتن الصغار التي يبتلى بها المرء في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة.
كذا جاء في حديث حذيفة (^٢) ﵁. . . وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهي التي يستعاذ منها ويسأل الموت قبلها،
_________________
(١) = والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٦٥) كلهم في ترجمة سلم بن ميمون الخواص قال ابن حبان فيه: غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث واتقانه فربما ذكر الشيء بعد الشيء ويقلبه توهمًا لا تعمدًا فبطل الاحتجاج بما يروي إذا لم يوافق الثقات. وقال ابن عدي: ولسلم غير ما ذكرت أحاديث مقلوبة الإسناد والمتن وهو في عداد المتصوفة الكبار، وليس الحديث من عمله، ولعله كان يقصد أن يصيب، فيخطىء في الإسناد والمتن لأنه لم يكن عمله. وقال العقيلي: حديث بمناكير لا يتابع عليها. وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٨٤): أدركته ولم أكتب عنه، روى عن أبي خالد الأحمر حديثًا منكرًا شبه الموضوع. قلت: ولعله هذا الحديث لأنه من روايته عن أبي خالد الأحمر. ولمزيد من الإيضاح انظر: ترجمة سلم بن ميمون الخواص في ميزان الاعتدال (٢/ ١٨٩) ولسان الميزان (٣/ ٦٦).
(٢) سورة العنكبوت آية (١ - ٢).
(٣) سبق ذكر هذا الحديث وتخريجه (ص ٣٨٧).
[ ٦٦٥ ]
فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه الله تعالى وحماه (^١).
٣ - انشقاق القمر:
جاء في أحاديث صحيحة أن القمر قد انشق في زمن النبيّ - ﷺ - منها حديث أنس ﵁: "أن أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر" (^٢).
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فلقتين فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول الله - ﷺ -: "اللهم اشهد" (^٣).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن انشقاق القمر من علامات الساعة حيث قال: "وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (^٤)، وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة (^٥).
٤ - ظهور نار بالحجاز:
وردت أحاديث عن النبيّ - ﷺ - تذكر أن نارًا عظيمة تخرج في أرض الحجاز تشاهد أعناق الإبل ببُصرى (^٦) في ضوئها.
_________________
(١) اختيار الأولى (ص ١٠٤ - ١١٢).
(٢) و(^٣) أخرجهما مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر (٤/ ٢١٥٩).
(٣) سورة القمر آية (١).
(٤) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ١٩).
(٥) بُصرى: بضم الباء آخرها ألف مقصورة، مدينة معروفة بالشام ويقال لها: حوران وبينها وبين دمشق ثلاث مراحل، فتحها المسلمون سنة ١٣ هـ. معجم البلدان (١/ ٤٤١) وشرح مسلم للنووي (١٨/ ٣٠) وفتح الباري (١٣/ ٨٠).
[ ٦٦٦ ]
قال النووي رحمه الله تعالى: "خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة وكانت نارًا عظيمة جدًا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة" (^١) ا. هـ.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه النار وإلى بعض ما ورد فيها من الأحاديث فقال: "وقد ثبت في الصحيحين عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى" (^٢)، وقد خرجت هذه النار بالحجاز بقرب المدينة ورؤيت أعناق الإبل من ضوئها ببصرى في سنة أربع وخمسين وستمائة" (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " وأخبر النبيّ - ﷺ - أنه لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى" (^٤).
وهذه النار خرجت من وادي بقرب مدينة النبيّ - ﷺ - سنة أربع وخمسين وستمائة، واشتهر أمرها، وشوهد من ضوئها بالليل أعناق الإبل ببصرى واستفاض (^٥).
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (١٨/ ٢٨).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب خروج النار (٨/ ١٠٠) ومسلم: كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج النار من أرض الحجاز (٤/ ٢٢٢٧).
(٣) لطائف المعارف (ص ٩٠).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) فضائل الشام ورقة (٢٨/ ب).
[ ٦٦٧ ]
٥ - ولادة الأمة لربتها وتطاول الحفاة العراة في البنيان:
جاء في حديث جبريل أن جبريل ﵇ سأل النبيّ - ﷺ - عن الساعة فقال ﵊: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان" (^١).
وفي رواية عند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أن جبريل ﵇ قال للنبي - ﷺ - "فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله - ﷺ - سبحان الله في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك" قال: أجل يا رسول الله فحدثني، قال رسول الله - ﷺ -: "إذا رأيت الأمة ولدت ربتها أو ربها ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس فذلك من معالم الساعة وأشراطها" قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب" (^٢).
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هاتين العلامتين في شرحه لحديث جبريل فقال: "وقد ذكر النبيّ - ﷺ - للساعة علامتين:
الأولى: "أن تلد الأمة ربتها" والمراد بربتها سيدتها ومالكتها وفي حديث (^٣) أبي هريرة ﵁ "ربها" وهذه إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري وتكثر أولادهن، فتكون الأمة رقيقة
_________________
(١) حديث جبريل تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).
(٢) مسند أحمد (٤/ ٣٣٢) حديث رقم (٢٩٢٦) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(٣) حديث أبي هريرة هو إحدى روايات الحديث المعروف بحديث جبريل وفيه يقول الرسول - ﷺ -: "إذا رأيت الأمة تلد ربها فذاك من أشراطها، واذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها واذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها " الحديث. أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام والإيمان والإحسان (١/ ٤٠).
[ ٦٦٨ ]
لسيدها، وأولاده منها بمنزلته، فإن ولد السيد بمنزلة السيد فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها وسيدها
والعلامة الثانية: "أن ترى الحفاة العراة العالة" والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (^١).
وقوله: "رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" هكذا في حديث عمر ﵁، والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه.
وفي حديث (^٢) أبي هريرة ﵁ ذكر ثلاث علامات:
منها: أن تكون الحفاة العراء رؤساء الناس.
ومنها: أن يتطاول رعاة البهم في البنيان فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيرًا عائلًا فصار ملكًا على الناس سواء كان ملكه عامًا أو خاصًا في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس، ولا تعليمهم بل همته في حيازة المال وإكثاره، ولا يبالي بما أفسد من دين الناس ولا بمن أضاع من أهل حاجاتهم وإذا كان ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب، وكذب الصادق، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وتكلم الجاهل، وسكت العالم أو عدم بالكلية كما صح عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إن من أشراط
_________________
(١) سورة الضحى آية (٧).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٦٦٨).
[ ٦٦٩ ]
الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل" (^١).
وأخبر "أنه يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (^٢).
وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: "إن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار" (^٣).
وفي قوله: "يتطاولون في البنيان" دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان ولم يكن إطالة البناء معروفًا في زمن النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ بل كان بنيانهم بقدر الحاجة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان" خرجه البخاري (^٤) (^٥).
٦ - خراب البيت ورفع القرآن وبعث ريح طيبة لقبض أرواح المؤمنين:
روى الإمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان (^٦) قال: سمعت أبا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل (١/ ٢٨) ومسلم: كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (٤/ ٢٠٥٦).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٤٥٦).
(٣) مستدرك الحاكم (٤/ ٥٥٤) وفيه: "أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٤) صحيح البخاري: كتاب الفتن (٨/ ١٠١).
(٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٩٤ - ٩٩).
(٦) سعيد بن سمعان الأنصاري الزرقي، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. تاريخ الثقات (ص ١٨٥) والثقات لابن حبان (٤/ ٢٧٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٥).
[ ٦٧٠ ]
هريرة يخبر أبا قتادة أن رسول الله - ﷺ - قال: "يبايع لرجل ما بين الركن والمقام ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا يسأل عن هلكة العرب ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا وهم الذين يستخرجون كنزه" (^١).
وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يخرب الكعبة ذو السُّوَيْقَتين (^٢) من الحبشة، ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها ولكأني أنظر إليه أصيلع (^٣) أفيدع (^٤) يضرب عليها بمسحاته (^٥) ومعوله" (^٦) (^٧).
وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٩٨): رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٢) ذو السُّوَيقتين قال ابن الأثير: السويقة تصغير ساق وهي مؤنثة فلذلك ظهرت التاء في تصغيرها، وإنما صغر الساق لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والحموشة. النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٢٣).
(٣) أصيلع: هو تصغير الأصلع، وهو الذي انحسر الشعر عن رأسه. النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٧).
(٤) أفيدع: تصغير أفدع والفدع بالتحريك زيغ بين القدم وبين عظم الساق، وكذلك يكون في اليد وهو أن تزول المفاصل عن أماكنها. النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٢٠).
(٥) المسحاة هي المجرفة من الحديد. النهاية لابن الأثير (٤/ ٤٢٨).
(٦) المعول: الفأس العظيم التي ينقر بها الصخر. النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٤٤).
(٧) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠) وقال ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٠٤): وهذا إسناد جيد قوي.
[ ٦٧١ ]
في الأرض منه آية، وتبقى طوائف الناس الشيخ الكبير والعجوز ويقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة "لا إله إلا الله" فنحن نقولها (^١).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - يخرج الدجال فذكر الحديث وفيه: "فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلَّا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه" (^٢).
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج" (^٣).
وعنه ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت" (^٤).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولا منافاة بين الروايتين لأن الكعبة يحجها الناس ويعتمرون بها بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم وطمأنينة الناس وكثرة أرزاقهم في زمان المسيح ﵇، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فيقبض بها روح كل مؤمن، ويتوفى نبي الله عيسى
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه: كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم (٢/ ١٣٤٥) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ١٩٥): إسناده صحيح، رجاله ثقات. وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الفتن (٤/ ٢٢٥٩).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الحج (٢/ ١٥٩).
(٤) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الألباني: حديث صحيح. صحيح الجامع (٢/ ١٢٣٧).
[ ٦٧٢ ]
﵇ ويصلي عليه المسلمون ثم يكون خراب الكعبة على يدي ذي السُّوَيْقَتين بعد هذا" (^١) ا. هـ.
وقد يقال إن الأحاديث التي فيها استحلال البيت وهدم الكعبة وخرابها تخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (^٢).
وقد حبس الله ﷾ عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة وهي لم تكن آنذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة المسلمين؟
فالجواب على ذلك أن يقال: إن الله ﷾ جعل الكعبة البيت الحرام آمنًا إلى قرب قيام الساعة، وخراب الدنيا حينما لا يبقى في الأرض من يقول الله كما جاء في حديث أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله" (^٣). وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، وقد حدث القتال في مكة مرات عديدة وأعظم قتال وقع ما حصل من القرامطة (^٤) في القرن الرابع الهجري
_________________
(١) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٠٣، ٢٠٤).
(٢) سورة العنكبوت آية (٦٧).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان (١/ ١٣١).
(٤) القرامطة: هم طائفة من الباطنية أتباع حمدان القرمطي، رجل من أهل الكوفة دعا الناس إلى المذهب الباطني فضلّ بسببه خلق كثير وكان أول ظهورهم في عام ٢٨١ هـ في خلافة المعتضد، ولهم أعمال شنيعة مخزية، وأعظمها ما وقع منهم سنة ٣١٧ هـ حيث هاجموا الحجاج وقتلوا المسلمين في الحرم واستباحوا دماءهم وأموالهم وهدموا قبة زمزم وقلعوا باب الكعبة والحجر الأسود ونقلوه إلى بلادهم ومكث عندهم اثنتان وعشرون سنة حتى أعيد سنة ٣٣٩ هـ على يد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري رحمه الله تعالى. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٧٩) ومقالات الإسلاميين (١/ ١٠٠) والبداية والنهاية (١١/ ٢٥٠).
[ ٦٧٣ ]
حيث قتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى وقلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى بلادهم، وفعلوا الأفاعيل المخزية في الحرم، وقد أعيد الحجر بعد ذلك، كل هذا لا يعارض الآية لأن ذلك إنما وقع بأيدي المنتسبين إلى الإسلام، فهو موافق لقوله - ﷺ -: "لن يستحل هذا البيت إلا أهله" (^١) فوقع ما أخبر به النبيّ - ﷺ -، وهو من علامات نبوته ﵊ (^٢).
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى العلامات الواردة في الأحاديث السابقة فقال: "وقد أخبر النبيّ - ﷺ - أن هذا البيت يحج ويعتمر بعد خروج يأجوج ومأجوج، ولا يزال كذلك حتى تخربه الحبشة ويلقون حجارته في البحر، وذلك بعد أن يبعث الله ريحًا طيبة تقبض أرواح المؤمنين كلهم فلا يبقى على الأرض مؤمن، ويسري بالقرآن من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الأرض قرآن ولا إيمان ولا شيء من الخير فبعد ذلك تقوم الساعة ولا تقوم إلا على شرار الناس" (^٣) ا. هـ.
ثانيًا: العلامات الكبرى:
١ - طلوع الشمس من مغربها:
طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما هو ثابت بالكتاب والسنة.
وطلوع الشمس من مغربها من الآيات العظام التي تحدث على خلاف ما نعهده الآن من طلوعها من المشرق، وذلك بقدرة القدير الذي
_________________
(١) جزء من حديث تقدم تخريجه (ص ٦٧١).
(٢) انظر: شرح مسلم للنووي (١٨/ ٣٥) وفتح الباري (٣/ ٤٦١، ٤٦٢) و(٤/ ٣٤١).
(٣) لطائف المعارف (ص ٩٧).
[ ٦٧٤ ]
يقول للشيء كن فيكون، فالذي أطلعها من المشرق قادر على تغيير مسارها وإخراجها من المغرب فهو خالقها ومدبر أمرها ﷾.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى بعض نصوص الكتاب والسنة الواردة في طلوع الشمس من مغربها في معرض ذكره لأحاديث أشراط الساعة فقال: "وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (^١).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﵌ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (^٢).
وفي صحيح مسلم عن النبيّ ﵌ قال: "ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها والدجال، ودابة الأرض" (^٣).
وفيه أيضًا عن النبيّ - ﷺ - قال: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه" (^٤).
وعن أبي موسى عن النبيّ ﵌ قال: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١٥٨).
(٢) صحيح البخاري: كتاب الرقاق (٧/ ١٩١) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٨).
(٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٩).
(٤) صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والذكر (٤/ ٢٠٧٦).
[ ٦٧٥ ]
الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" (^١).
وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال عن النبيّ ﵌ قال: "إن الله فتح بابًا قبل المغرب، عرضه سبعون عامًا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه" (^٢).
وفي المسند عن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمر ومعاوية عن النبيّ ﵌ قال: "لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل" (^٣).
فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها، ويحال بينها وبينه، إما بمرض أو موت أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة (٤/ ٢١١٣).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٠) والترمذي: كتاب الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده (٥/ ٥٤٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه: كتاب الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (٢/ ١٣٥٣) والطبراني في الكبير (٨/ ٦٧) وقال الألباني: حديث حسن. صحيح الجامع (١/ ٤٤٣).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٣٣) حديث رقم (١٦٧١) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وقال ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٢١): وهذا إسناد جيد قوي. وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٣٠٤) والطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٦٩) والكبير (١٩/ ٣٨١) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٥٠): رواه أحمد والطبراني في الأوسط والصغير .. والبزار .. ورجال أحمد ثقات ولم أجده في المعجم الصغير للطبراني المطبوع.
(٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢١٥، ٢١٦).
[ ٦٧٦ ]
فقد دلت الأحاديث السابقة التي ساقها ابن رجب رحمه الله تعالى على أن طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى وأن المراد ببعض آيات الله في الآية هو طلوع الشمس من مغربها كما دلّ على ذلك حديث الصحيحين، ففي ذلك الوقت لا ينفع نفسًا إيمانها إن لم تكن آمنت قبل، لأن باب التوبة مغلق فلا يقبل توبة أحد، فمن أحدث توبة بعد هذا الوقت فتوبته مردودة عليه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن ساق بعض الأحاديث السابقة: فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانًا أو توبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل منه، وإنما كذلك -والله أعلم- لأن ذلك من أكبر أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها، فعومل ذلك معاملة يوم القيامة (^١).
٢ - فتنة المسيح الدجال:
فتنة المسيح الدجال إحدى أشراط الساعة الكبرى، وفتنته من أعظم الفتن والمحن التي تمر على الناس.
وسمى مسيحًا لأن إحدى عينيه ممسوحة أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا (^٢).
وهو مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر وإحياء الأرض، وبما يظهر على يديه من عجائب وخوارق للعادات.
أما مسيح الهدى فهو عيسى ﵇ حيث يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.
_________________
(١) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٢٢).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٢٦) ولسان العرب (٢/ ٥٩٤).
[ ٦٧٧ ]
فالله ﷾ خلق مسيحين أحدهما ضد الآخر.
وسمي الدجال دجالًا لأنه يغطي الحق بالباطل أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتلبيسه وتمويهه عليهم (^١). ولفظة الدجال أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذاب، فإذا قيل الدجال فلا يتبادر إلى الذهن غيره.
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبيّ - ﷺ - في ذكر خروج الدجال في آخر الزمان، والتحذير منه حيث أنه - ﷺ - وصفه لأمته وصفًا لا يخفى على ذي بصر كما حذر منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله أممهم وصفوه لهم أوصافًا ظاهرة.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما بعث نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ك. ف. ر" (^٢).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قام رسول الله - ﷺ - في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: "إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه إنه أعور وإن الله ليس بأعور" (^٣).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ألا أخبركم عن الدجال حديثًا ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنَّار، فالتي
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٩١).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٨/ ١٠٣)، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٨).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٨/ ١٠٢).
[ ٦٧٨ ]
يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه" (^١).
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رُحْنا إليه عرف ذلك فينا فقال: "ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غير الدجال أَخْوَفُنِي عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قَطَط (^٢) عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خَلَّةً بين الشام والعراق (^٣)، فعاث يمينًا وعاث شمالًا يا عباد الله فاثبتوا" قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره" قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (^٤) أطول ما كانت
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠).
(٢) قطط: أي شديد جعودة الشعر. النهاية لابن الأثير (٤/ ٨١).
(٣) خلة بين الشام، والعراق: أي في طريق بينهما، وقيل للطريق والسبيل خلة لأنه خل ما بين البلدين: أي أخذ مخيط ما بينهما ورواه بعضهم بالحاء المهملة من الحلول: أي سمت ذلك وقبالته. النهاية لابن الأثير (٢/ ٧٣، ٧٤).
(٤) "فتروح عليهم سارحتهم" تروح ترجع آخر النهار، والسارحة هي الماشية التي تسرح أي تذهب أول النهار إلى المرعى. النهاية لابن الأثير (٢/ ٣٥٧).
[ ٦٧٩ ]
ذُرًا (^١) وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (^٢) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٣) ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جَزلتين (^٤) رمية الغرض (^٥) ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (^٦)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين إذا طاطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان (^٧) كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا
_________________
(١) ذرا: الذرى جمع ذروة بضم الذال وكسرها، وذروة الشيء أعلاه، والذرى الأعالي والأسنمة. لسان العرب (١٤/ ٢٨٤).
(٢) ممحلين: المحل على وزن فحل: القحط والجدب، يقال: أمحل البلد إذا أجدب. الصحاح (٥/ ١٨١٧).
(٣) كيعاسيب النحل: اليعاسيب جمع عيسوب، وهي ذكور النحل، والمراد أن كنوز الأرض تظهر وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها. النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٣٥).
(٤) جزلتين: بفتح الجيم وقيل بكسرها، والجزل: القطع يقال: جزلت الشيء جزلتين أي قطعته قطعتين. الصحاح (٤/ ١٦٥٥).
(٥) معنى رمية الغرض أي إنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية السهم إلى الهدف. النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٦٠).
(٦) المهروتان: روى بالدال والذال، مفردها مهرود وهو الثوب الذي صبغ والمعنى أنه لابس ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. لسان العرب (٣/ ٤٣٥).
(٧) الجمان: حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمعنى أنه يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه. النهاية لابن الأثير (١/ ٣٠١).
[ ٦٨٠ ]
مات، ونُفُسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه بباب لد (^١) فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة" (^٢).
والأحاديث الواردة في الدجال كثيرة جدًا. قال النووي رحمه الله تعالى: "قال القاضي: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى - ﷺ - ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقًا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
_________________
(١) باب لد: بضم اللام وتشديد الدال، وهو بلدة قريبة من بيت المقدس. معجم البلدان (٥/ ١٥).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥١، ٢٢٥٢).
[ ٦٨١ ]
ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفًا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة، ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله، وأما أهل التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون لما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله (^١).
وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى فتنة الدجال فقال في معرض كلامه عنه: "فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال، ثم خص فتنة الدجال بالذكر لعظم موقعها فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها" (^٢).
٣ - نزول عيسى بن مريم ﵇:
من أمارات الساعة العظام وأشراطها نزول عيسى ﵊، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أنه ينزل قبل قيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويحكم بالقسط ويقضي بشريعة النبيّ - ﷺ -، ويحيي من شأنها ما تركه الناس، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يموت ويصلى عليه ويدفن.
وقد ذكر الله ﷾ في القرآن الكريم آيتين تدلان على نزول عيسى ﵇.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (^٣)
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (١٨/ ٥٨، ٥٩).
(٢) اختيار الأولى (ص ١٠٥).
(٣) سورة النساء آية (١٥٩).
[ ٦٨٢ ]
أي قبل موت عيسى ﵇ وقد ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى أن هذا هو قول ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم ثم قال: "هذا القول هو الحق" (^١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (^٢) أي أن نزول عيسى ﵇ قبل القيامة علامة على قرب الساعة ويدل على ذلك القراءة الأخرى (وإنه لعَلَم للساعة) بفتح العين واللام. أي علامة وأمارة على قيام الساعة.
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية (وإنه) يعني عيسى ﵇ (لعلم للساعة) يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة: (وإنه لعَلَم للساعة) بفتح اللام والعين أي أمارة وعلامة" (^٣).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (وإنه لعلم للساعة) تقدم تفسير ابن إسحاق (^٤) أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى ﵊ من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام وفي هذا نظر، وأبعد منه ما حكاه قتادة عن الحسن البصري
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٦).
(٢) سورة الزخرف آية (٦١).
(٣) معالم التنزيل (٤/ ١٤٣).
(٤) أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار القرشي المطلبي العلامة الحافظ الأخباري صاحب السيرة النبوية، قال ابن سعد: كان ثقة، ومنهم من يتكلم فيه، وقال الشافعي: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، توفي سنة ١٥٠ هـ، وقيل غير ذلك. طبقات ابن سعد (٧/ ٣٢١) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٧٦) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣).
[ ٦٨٣ ]
وسعيد بن جبير أن الضمير في وإنه عائد إلى القرآن بل الصحيح أنه عائد على عيسى ﵊ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى (وإنه لعَلَم للساعة) أي أمارة ودليل على وقوعها.
قال مجاهد: (وإنه لعلم للساعة) أي آية للساعة خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة.
وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم (^١).
وأما الأدلة من السنة على نزول عيسى ﵇ فهي كثيرة جدًا منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها" (^٢) ثم يقول أبو هريرة واقرأوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (^٣).
ومنها حديثه الآخر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم" (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣٢).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉ (٤/ ١٤٣) ومسلم: كتاب الأيمان، باب نزول عيسى حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ - (١/ ١٣٥).
(٣) سورة النساء آية (١٥٩).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉ (٤/ ١٤٣) ومسلم: كتاب الإيمان، باب نزول عيسى حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ - (١/ ١٣٦).
[ ٦٨٤ ]
ومنها حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم - ﷺ - فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تِكرَمة الله لهذه الأمة" (^١).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ - ﷺ - قال: "الأنبياء أخوة لعلات (^٢) أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأني أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن نبي بيني وبينه وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان مُمَصَّران (^٣) كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمانة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" (^٤) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ - (١/ ١٣٧).
(٢) العلات: جمع علة، والعلة هي الضرة، والمراد الأخوة من أمهات مختلفة وأبوهم واحد. لسان العرب (١١/ ٤٧٠).
(٣) الممصران تثنية ممصر، والممصر من الثياب الذي فيه صفرة خفيفة. النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٣٦).
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٦) وقال أحمد شاكر: حديث صحيح عمدة التفسير (٤/ ٣٦) وأبو داود: كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (٤/ ٤٩٨) والحاكم (٢/ ٥٩٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٨٨): وهذا إسناد جيد قوي.
[ ٦٨٥ ]
وقد أجمعت الأمة على نزول عيسى ﵇ قبل قيام الساعة قال السفاريني رحمه الله تعالى: "أجمعت الأمة على نزوله ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنّما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء وإن كانت قائمة به وهو متصف بها" (^١) ا. هـ.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى نزول عيسى ﵇ وما يقدم به بعد نزوله فقال: "وبالشام ينزل عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان وهو المبشر بمحمد - ﷺ - ويحكم به ولا يقبل من أحد غير دينه فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويصلي خلف إمام المسلمين ويقول: إن هذه الأمة أئمة بعضهم لبعض" (^٢) ا. هـ.
كما أشار إلى نزول عيسى ﵇ وقتله للدجال في كتاب فضائل الشام فقد عقد فصلًا بعنوان: الفصل الرابع فيما ورد في نزول عيسى بن مريم ﵉ في آخر الزمان عند دمشق.
وقد ذكر فيه جملة من الأحاديث الدالة على نزول عيسى ﵇ ومكان نزوله، وقد سبق ذكر بعضها.
ثم قال رحمه الله تعالى: "وقد جاء من حديث أبي أمامة وغيره ما قد يشعر بأن عيسى ينزل ببيت المقدس، وليست أسانيدها بالقوية، ويتعين حملها على تقدير صحتها على أنه يأتي بمن معه من المؤمنين إلى بيت المقدس من دمشق كما قاله ابن عباس وكعب، جمعًا بينها وبين حديث النواس المخرج في الصحيح، وظاهر ما تقدم من الأحاديث والآثار يدلّ
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية (١/ ٩٤، ٩٥).
(٢) لطائف المعارف (ص ٩٠).
[ ٦٨٦ ]
على أن عيسى ﵇ ينزل عند باب مدينة دمشق الشرقي ". (^١).
٤ - خروج نار تحشر الناس:
جاء في الأحاديث الصحيحة أن آخر الآيات خروجًا قبل قيام الساعة نار عظيمة تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم، وتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه العلامة وذكر بعض الأحاديث الواردة في ذكرها فقال: "وقد تكاثرت الأحاديث والآثار بذكر هذه النار" ففي صحيح البخاري عن أنس أن النبيّ - ﷺ - قال: "أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب" (^٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - قال: "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا" (^٣).
فهذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث:
أحدها: من يحشر راغبًا هو من يهاجر إلى الشام طوعًا.
والثاني: من يحشر رهبة وخوفًا على نفسه لظهور الفتن في أرضه.
_________________
(١) فضائل الشام ورقة (٥٠/ أ).
(٢) صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء (٤/ ١٠١).
(٣) صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب كيف الحشر (٧/ ١٩٤)، وصحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (٤/ ٢١٩٥).
[ ٦٨٧ ]
والثالث: من تحشره النار قسرًا وهو شر الثلاثة
وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ﵇ ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
وفي رواية له: "ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس" (^١).
وخرّجه الترمذي وعنده: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس فتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" (^٢).
وخرّج الحاكم من حديث واثلة بن الأسقع عن النبيّ - ﷺ - نحوه قال: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذرة والنمل" وقال: صحيح الإسناد (^٣).
وخرّج أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ - ﷺ - قال: "تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، فتسوقهم سوق الجمل الكبير" (^٤).
إلى أن قال رحمه الله تعالى: "فقد تضمنت هذه الأحاديث أمرين:
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الفتن، باب الآيات التي تكون قبل الساعة (٤/ ٢٢٢٦).
(٢) سنن الترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز (٤/ ٤٩٨) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(٣) المستدرك (٤/ ٤٢٨).
(٤) المستدرك (٤/ ٥٤٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ٦٨٨ ]
أحدهما: أن الناس تحشرهم النار إلى المحشر، وفي حديث أنس وعبد الله بن عمرو أنهم يحشرون إلى المغرب، والظاهر أنه أريد بالمغرب مغرب المدينة وهو الشام
الثاني: أن في بعض الأحاديث خروج النار من اليمن، وفي بعضها من المشرق، وفي بعضها ما يدلّ على خروجها من قرب المدينة، وكله حق.
وقد ذكرنا في هذه الآثار أنها تخرج من أماكن متعددة (^١).
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى أيضًا: " فأما شرار الخلق فتخرج نار في آخر الزمان تسوقهم إلى الشام قهرًا حتى تجمع الناس كلهم بالشام قبل قيام الساعة" (^٢).
والجمع بين ما جاء في أن هذه النار هي آخر أشراط الساعة وما جاء في بعض الروايات أنها أول أشراط الساعة أن يقال أن المقصود أن هذه العلامة آخر أشراط الساعة باعتبار ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة.
وهي أول أشراط الساعة باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلا بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا" (^٣).
وهناك علامات أخرى للساعة ورد ذكر بعضها فيما سبق من الأحاديث كخروج الدابة ويأجوج ومأجوج والدخان وغيرها مما وردت به
_________________
(١) فضائل الشام من ورقة (٣٢/ أ) إلى ورقة (٣٥/ أ).
(٢) لطائف المعارف (ص ٩٠).
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٨٢).
[ ٦٨٩ ]
الأحاديث الصحيحة عن النبيّ - ﷺ - وإنّما اقتصرت على ما ذكرت لأني وجدت فيها لابن رجب رحمه الله تعالى كلامًا، ومن أراد الاطلاع على علامات الساعة الكثيرة فليراجع الكتب المصنفة في ذلك مثل كتاب النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي، وكتاب الإشاعة للبرزنجي، وكتاب الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة لصديق حسن خان، وكتاب إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشواط الساعة لفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري، وغيرها من الكتب الأخرى.
[ ٦٩٠ ]
المبحث الثالث الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته
من أصول أهل السنة والجماعة التي يجب الإيمان بها الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، فمن نجا من عذاب القبر فما بعده أيسر منه، ومن لم ينج منه فما بعده أشر منه لقوله - ﷺ -: "إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشر منه" (^١).
أعاذنا الله من فتنة القبر وعذابه.
وقد دلت الآيات في كتاب الله ﷾ والأحاديث الصحيحة عن رسول الله - ﷺ - على إثبات عذاب القبر ونعيمه، وسيأتي ذكر هذه الأدلة في معرض كلام ابن رجب رحمه الله تعالى حيث أنه قد ذكر هذه المسألة وما يدلّ على ثبوتها من أدلة الكتاب والسنة.
فقد جعل رحمه الله تعالى: الباب الأول من كتابه أهوال القبور في ذكر حال الميت عند نزوله القبر وسؤال الملائكة له، وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه، وما يرى من منزله في الجنة أو النار.
والباب الخامس في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيًا.
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب الزهد (٤/ ٥٥٣) وقال: هذا حديث حسن غريب وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى (٢/ ١٤٢٦) والحاكم (٤/ ٣٣٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ٦٩١ ]
وأما الباب السادس فقد جعل عنوانه نصًا في المسألة فقال: الباب السادس في ذكر عذاب القبر ونعيمه.
حيث قال رحمه الله تعالى: "وقد دلّ القرآن على عذاب القبر في مواضع كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^١).
ثم ساق رحمه الله تعالى بعد ذلك بعض تفسيرات الصحابة ﵃ للآيات التي تدل على عذاب القبر منها قوله: "وروى البراء في قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ (^٢) قال: عذاب القبر" (^٣).
وكذا روي عن ابن عباس في قوله ﷾: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ (^٤).
وكذا قال قتادة والربيع بن أنس (^٥) في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (^٦) أحدهما في الدنيا والأخرى هي عذاب القبر" (^٧) (^٨).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأما نعيم القبر فقد دلّ عليه قوله تعالى:
_________________
(١) سورة الأنعام آية (٩٣).
(٢) سورة الطور آية (٤٧).
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٧/ ٣٦) والآجري في الشريعة (ص ٣٥٨).
(٤) سورة السجدة آية (٢١).
(٥) الربيع بن أنس بن زياد البكري الخراساني، كان عالم مرو في زمانه، توفي سنة ١٣٩ هـ. سير أعلام النبلاء (٦/ ١٦٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٣٨).
(٦) سورة التوبة آية (١٠١).
(٧) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ١١).
(٨) أهوال القبور (ص ٤٣).
[ ٦٩٢ ]
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (^١) " (^٢).
كما أنه أورد رحمه الله تعالى تحت بقية الأبواب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة التي تدل على ثبوت عذاب القبر ونعيمه وفتنته، فمن الآيات التي أوردها قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (^٣).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى عقب هذه الآية تفسير النبيّ - ﷺ - للآية فقال: "وخرجا في الصحيحين (^٤) من حديث البراء بن عازب ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ نزلت في عذاب القبر زاد مسلم: "يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبي محمد"، فذلك قوله ﷾: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾.
وفي رواية البخاري قال: "إذا أقعد العبد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ " (^٥).
ومنها قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (^٦).
_________________
(١) سورة الواقعة رقم (٨٩).
(٢) أهوال القبور (ص ٥٨).
(٣) سورة إبراهيم آية (٢٧).
(٤) صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (٢/ ١٠١) وصحيح مسلم: كتاب صفة الجنة، باب عرض مقعد الميت (٤/ ٢٢٠١).
(٥) انظر: أهوال القبور (ص ٦) وما بعدها.
(٦) سورة غافر آية (٤٦).
[ ٦٩٣ ]
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "قال قتادة في هذه الآية يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخًا وصغارًا ونقيصة" (^١).
وقال ابن سيرين (^٢): كان أبو هريرة يأتينا بعد صلاة العصر فيقول: عرجت الملائكة، وهبطت الملائكة، وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار" (^٣) (^٤).
وأما الأحاديث الدالة على عذاب القبر ونعيمه فهي كثيرة جدًا بلغت حد التواتر.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد تواترت الأحاديث عن النبيّ - ﷺ - في عذاب القبر والتعوذ منه" (^٥).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى كثيرًا من الأحاديث الدالة على عذاب القبر ونعيمه.
منها حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم آتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - محمد - ﷺ - - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله - ﷺ - فيقال له: انظر إلى
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٩١) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أبو بكر محمد بن سيرين، أبوه مولى أنس بن مالك، كان من سبي عين التمر فاشتراه أنس وكاتبه، قال هشام بن حسان: "هو أصدق من أدركت من البشر" وقال ابن سعد: "وكان ثقة مأمونًا عاليًا رفيعًا فقهيًا إمامًا كثير العلم ورعًا"، توفي رحمه الله تعالى سنة ١١٠ هـ. طبقات ابن سعد (٧/ ١٩٣) والبداية والنهاية (٩/ ٢٦٧).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٩١).
(٤) أهوال القبور (ص ٣٩).
(٥) المصدر السابق (ص ٤٣).
[ ٦٩٤ ]
مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، قال: فيراهما جميعًا، وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، فيضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين" (^١).
ومنها حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" (^٢).
ومنها حديث عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن عذاب القبر؟ قال: "نعم عذاب القبر حق" قالت عائشة: "فما رأيت رسول الله - ﷺ - بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" (^٣).
ومنها حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (٢/ ١٠٢) ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه (٤/ ٢٢٠٠).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه بالغداة والعشي (٢/ ١٠٣) ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت عليه (٤/ ٢١٩٩).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (٢/ ١٠٢).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (١/ ٤١٣).
[ ٦٩٥ ]
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ - ﷺ - قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال" (^١).
ومنها حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: بينما النبيّ - ﷺ - في حائط بني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به، فكادت تلقيه، واذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل أنا: قال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: "وإن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه" ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار" قالوا: نعوذ بالله من النار قال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: "تعوذوا بالله من فتنة الدجال" قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال (^٢).
ومنها حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: خرج النبيّ - ﷺ - وقد وجبت الشمس فسمع صوتا فقال: "يهود تعذب في قبورها" (^٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على أن إثبات عذاب القبر ونعيمه وفتنته كما هو قول أهل السنة والجماعة وخلافًا للخوارج
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر (٢/ ١٠٣) ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٤١٢).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب صفة الجنة، باب عرض مقعد الميت عليه (٤/ ٢٩٩).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب صفة الجنة، باب عرض مقعد الميت عليه (٤/ ٢٢٠٠).
[ ٦٩٦ ]
ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة الذين نفوا ذلك وخالفوا بذلك دلائل الكتاب والسنة التي تظافرت على إثباته (^١).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه وهو قول أهل السنة والجماعة فقال: "ومما يدلّ على وقوع العذاب على الأجساد الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر حتى تختلف أضلاعه، ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة لم يختص العذاب بالقبر ولم ينسب إليه" (^٢).
كما رد رحمه الله تعالى على الذين يقولون إن العذاب على الروح فقط فقال وهو يتكلم عن إعادة الروح للجسد "وأنكر ذلك طائفة منهم ابن حزم وغيره، وذكر أن السؤال للروح خاصة، وكذلك سماع الخطاب وأنكر ألا تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره، وقالوا: لو كان ذلك حقًا للزم الإنسان أن يموت ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دلّ على أنهما موتتان وحياتان، وهذا ضعيف جدًا، فإن حياة الروح ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليس هو حياة تامة حتى يكون إنفصال الروح به موتًا تامًا وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتًا وحياة كما كان يقول رسول الله - ﷺ - إذا استيقظ: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور" (^٣)
_________________
(١) انظر: شرح مسلم للنووي (١٧/ ٢٠١) ولوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤، ٢٥).
(٢) أهوال القبور (ص ٨١).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب ماذا يقول إذا نام (٧/ ١٤٧) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب ماذا يقول عند النوم وأخذ المضجع (٤/ ٢٠٨٢).
[ ٦٩٧ ]
وسماه الله تعالى وفاة لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ (^١) الآية. ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حيًا، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حيًا حياة مطلقة" (^٢).
فما قاله ابن رجب رحمه الله تعالى في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة والجماعة وهو الحق والصواب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا فيحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها، وقاموا من قبورهم لرب العالمين" (^٣).
وقد أشار ابن رجب ﵀ إلى أنواع عذاب القبر التي يعذب بها الميت في قبره فقال: "وقد ورد في عذاب القبر أنواع منها الضرب بمطراق من حديد وغيره ".
ومنها تسليط الحيات والعقارب
ومنها تضييق القبر على الميت حتى تختلف أضلاعه (^٤).
_________________
(١) سورة الزمر آية (٤٢).
(٢) أهوال القبور (ص ٧٩، ٨٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤).
(٤) أهوال القبور (ص ٥٠، ٥١، ٥٤).
[ ٦٩٨ ]
المبحث الرابع الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر
أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى بعض الأعمال التي يعذب الميت بسببها في قبره وذكر على ذلك الأحاديث الدالة عليها فقال: "وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها باثنتين ثم غرز على كل قبر منهما واحدة، قالوا: لِمَ فعلت هذا يا رسول الله؟ قال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا" (^١).
وقد روي هذا الحديث عن النبيّ - ﷺ - من وجوه متعددة خرّجه ابن ماجه (^٢) من حديث أبي بكرة وفي حديثه: "وأما الآخر فيعذب في الغيبة"
وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والنميمة والغيبة بعذاب القبر وهو أن القبر أول منازل الآخرة وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان:
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول (١/ ٦٠) وصحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (١/ ٢٤٠).
(٢) ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب التشديد في البول (١/ ١٢٥).
[ ٦٩٩ ]
حق لله، وحق للعباد، وأول ما يقضي فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء، وأما البرزخ فيقضي فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما فمقدمة الصلاة: الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة والغيبة والوقيعة في الأعراض وهما أيسر أنواع الأذى فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما (^١).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى بعض الأعمال التي تكون سببًا في النجاة من عذاب القبر فقال: "إن الطهارة من الحدث تنجي من عذاب القبر، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينجي من عذاب القبر لأن فيه غاية النفع للناس في دينهم، وكذلك الجهاد والرباط فإن المجاهد والمرابط في سبيل الله كل منهما بذل نفسه وسمح بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر وليذب عن إخوانه المؤمنين عدوهم (^٢).
_________________
(١) أهوال القبور (ص ٤٦، ٤٨).
(٢) المصدر السابق (ص ٤٩).
[ ٧٠٠ ]
المبحث الخامس مستقر الأرواح
تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة في كتاب أهوال القبور وعقد لذلك بابًا قال فيه: الباب التاسع في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ.
ثم بيّن أن الأرواح تتفاوت وقسّمها إلى الأقسام التالية:
١ - أرواح الأنبياء قال فيها: أما الأنبياء ﵈ فليس فيهم شك أن أرواحهم عند الله في أعلى عليين.
وقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله - ﷺ - عند موته: "اللهم الرفيق الأعلى" (^١) وكررها حتى قبض.
٢ - أرواح الشهداء قال فيها: وأما الشهداء فأكثر العلماء على أنهم في الجنة وقد تكاثرت بذلك الأحاديث ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٢). قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (٧/ ١٩٢).
(٢) سورة آل عمران آية (١٦٩).
[ ٧٠١ ]
إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا" (^١).
وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أنّا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد قال: فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٢) (^٣).
وخرّج ابن منده من طريق يحيى بن صالح (^٤) عن سعيد بن سويد (^٥)
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٧٩).
(٢) سورة آل عمران آية (١٦٩).
(٣) مسند أحمد (١/ ٢٦٦). وأبو داود: كتاب الجهاد، باب في فضل الشهادة (٣/ ٣٣) والحاكم (٢/ ٢٩٧) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(٤) الإمام العالم الحافظ يحيى بن صالح الدمشقي أبو زكريا الحمصي وثقه يحيى بن معين وابن عدي وابن حبان، توفي سنة ٢٢٢ هـ. الجرح والتعديل (٩/ ١٥٨) وطبقات الحنابلة (١/ ٤٠٢) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٥٣).
(٥) سعيد بن سويد الكلبي الشامي، ذكره ابن حبان في الثقات. الثقات لابن حبان (٦/ ٣٦١) والجرح والتعديل (٤/ ٢٩) وتعجيل المنفعة (ص ١٥٢).
[ ٧٠٢ ]
أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين قال: "بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو ثم تروح إلى رياض الجنة تأتي ربها سبحانه كل يوم تسلم عليه".
وكذا قال الضحاك وإبراهيم التيمي (^١) وغيرهما من السلف في أرواح الشهداء.
وقد ذكر ابن رجب كثيرًا من الأحاديث الدالة على أن أرواح الشهداء في الجنة، ثم قسّم بقية الناس غير الأنبياء والشهداء إلى قسمين فقال: "وأما بقية المؤمنين سوى الشهداء فينقسمون إلى أهل تكليف، وغير أهل تكليف فهذان قسمان:
أحدهما: غير أهل التكليف كأطفال المؤمنين فالجمهور على أنهم في الجنة، وقد حكى الإمام أحمد على ذلك الإجماع
وكذلك نص الشافعي على أن أطفال المسلمين في الجنة، وجاء صريحًا عن السلف على أن أرواحهم في الجنة".
ثم ساق ابن رجب رحمه الله تعالى الأدلة على أن أرواح أطفال المسلمين في الجنة ومنها قوله: "ومما يستدل لهذا أيضا ما خرّجه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي - ﷺ - أنه رأى في منامه جبرائيل وميكائيل أتيا به فانطلقا به وذكر حديثا طويلًا وفيه: "فانطلقا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها فيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن
_________________
(١) إبراهيم بن يزيد التيمي أبو أسماء عابد الكوفة، قال الذهبي: كان شابًا صالحًا قانتًا لله عالمًا فقيهًا كبير القدر، واعظًا، توفي سنة ٩٢ هـ، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٥/ ٦٠) وتهذيب التهذيب (١/ ١٧٦).
[ ٧٠٣ ]
وأفضل فيها شيوخ وشباب" وذكر الحديث وفيه قالا: "والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇، والصبيان حوله فأولاد الناس" وفي رواية: "فكل مولود مات على الفطرة" وفي رواية: "ولد على الفطرة" والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء" (^١).
ثم ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى قولين في حكم أطفال المسلمين فوجه الأول منها، واستبعد الثاني فقال: "وذهبت طائفة إلى أنه يشهد لأطفال المسلمين عمومًا أنهم في الجنة ولا يشهد لآحادهم وهو قول ابن راهويه نقله عنه إسحاق بن منصور (^٢)، وحرب في مسائلهما. ولعل هذا يرجع إلى الطفل المعين لا يشهد لأبيه بالإيمان فلا يشهد له حينئذ أنه من أطفال المؤمنين فيكون الوقف في آحادهم كالوقف في إيمان آبائهم.
وحكى ابن عبد البر (^٣) عن طائفة من السلف القول بالوقف في أطفال المؤمنين وحماد بن زيد وحماد بن سلمة (^٤) وابن المبارك وإسحاق، وهو بعيد جدًا، ولعله أخذ ذلك من عمومات كلام لهم وإنهم أرادوا بها أطفال المشركين.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز (٢/ ١٠٥).
(٢) إسحاق بن منصور بن بهرام المروزي أبو يعقوب الكوسج، الإمام الفقيه الحافظ، وهو أحد الأئمة، من أصحاب الحديث الزهاد المتمسكين بالسنة، وهو صاحب المسائل عن أحمد بن حنبل، توفي سنة ٢٥١ هـ. تاريخ بغداد (٦/ ٣٦٢) وطبقات الحنابلة (١/ ١١٣) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٤٩).
(٣) انظر: التمهيد (١٨/ ١١١، ١١٢).
(٤) حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، الإمام الحافظ، كان عابدًا زاهدًا، وكان بحرًا من بحور العلم، قال أحمد بن حنبل: حماد بن سلمة عندنا من الثقات، ما تزداد فيه كل يوم إلا بصيرة، توفي سنة ١٦٧ هـ. مشاهير علماء الأمصار (ص ١٥٧) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٤٤٤) وتهذيب التهذيب (٣/ ١١).
[ ٧٠٤ ]
وكذلك اختار القول بالوقف طائفة منهم الأثرم (^١) والبيهقي.
وذكر أن ابن عباس رجع إليه، والإمام أحمد ذكر أن ابن عباس إنما قال ذلك في أطفال المشركين، وإنما أخذه البيهقي من عموم لفظ روى عنه كما أنه روى في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - سئل عن الأطفال فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ولكن الحفاظ الثقات ذكروا أنه سئل عن أطفال المشركين. واستدل القائل بالموقف بما أخرجه مسلم (^٢) من حديث عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: "أوَ لا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا". . . (^٢).
وعن أنس عن النبي - ﷺ - قال: "ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" (^٣).
ولهذا قال الإمام أحمد: هو يرجى لأبويه فكيف يشك فيه -يعني أن يرجى لأبويه دخول الجنة بسببه- ولعل النبي - ﷺ - نهى أولًا عن الشهادة لأطفال المسلمين بالجنة قبل أن يطلع على ذلك لأن الشهادة على ذلك تحتاج إلى علم به ثم أطلع على ذلك فأخبر به والله أعلم (^٤).
ثم ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذلك القسم الثاني فقال:
_________________
(١) أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، صاحب الإمام أحمد، كان ﵀ جليل القدر، إمامًا حافظًا، تفقه على الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ونقل عنه مسائل كثيرة، توفي سنة ٢٦١ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ٦٦) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٢٣) وتهذيب التهذيب (١/ ٧٨).
(٢) صحيح مسلم: كتاب القدر (٤/ ٢٠٥٠).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب (٢/ ٧٢).
(٤) أهوال القبور (ص ١٠٤ - ١٠٥).
[ ٧٠٥ ]
"القسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين وغيرهم سوى الشهداء، وقد اختلف فيهم العلماء قديمًا وحديثًا
ثم ساق ابن رجب رحمه الله تعالى تلك الأقوال في هذه المسألة وأدلة كل قول ورد على بعضها وتتلخص الأقوال التي ذكرها فيما يلي:
١ - القول الأول: أن أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار، وهذا يروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من العلماء.
٢ - القول الثاني: أن الأرواح كلها في الأرض وهؤلاء اختلفوا:
أ - فمنهم من قال: الأرواح تستقر على أفنية القبور.
ب - ومنهم من قال: تجتمع في موضع من الأرض، فأرواح المؤمنين تجتمع بالجابية (^١) وأما أرواح الكفار فتجمع بسبخة (^٢) بحضرموت يقال له بَرهُوْت (^٣).
٣ - القول الثالث: أن الأرواح عند الله ﷿.
٤ - القول الرابع: أن أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله.
_________________
(١) الجابية: بكسر الباء وياء مخففة، وهي قرية من أعمال دمشق، وبالقرب منها تل يسمى تل الجابية، وباب الجابية بدمشق منسوب إلى هذا الموضع. معجم البلدان (٢/ ٩١).
(٢) السبخة: بفتح الباء هي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. النهاية لابن الأثير (٢/ ٣٣٣).
(٣) برهوت: بضم الهاء وسكون الواو واد أو بئر بحضرموت، وقيل: اسم البلد الذي فيه هذه البئر. معجم البلدان (١/ ٤٠٥).
[ ٧٠٦ ]
٥ - القول الخامس: أن الله خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعلها في برزخ، وذلك البرزخ عند منقطع العناصر -يعني لا ماء ولا هواء ولا نار- وأنه إذا خلق الأجساد أدخل فيها تلك الأرواح ثم يعيدها عند قبضها إلى ذلك البرزخ وهذا قول ابن حزم.
وقد رد ابن رجب على هذا القول واستبعد أن يكون ذلك من قول أهل الإسلام فقال: "وليس هذا من جنس كلام المسلمين بل من جنس كلام المتفلسفة".
٦ - القول السادس: كما ساقه ابن رجب ورد عليه "وقد ذهب طائفة من المتكلمين إلى أن الروح عرض لا تبقى بعد الموت وحملوا ما ورد من عذاب الأرواح ونعيمها بعد الموت على أحد أمرين: أما أن العرض الذي هو الحياة يعاد إلى جزء من البدن أو على أن يخلق في بدن آخر، وهذا الثاني باطل قطعًا لأنه يلزم منه أن يعذب بدن غير بدن الميت مع روح غير روحه فلا يعذب حينئذ بدن الميت ولا روحه ولا ينعمان أيضًا وهذا باطل قطعًا، والأول باطل أيضًا بالنصوص الدالة على بقاء الروح منفردة عن البدن بعد مفارقتها له، وهي كثيرة جدًا.
وقد اتضح لي أن ابن رجب رحمه الله تعالى يميل إلى القول الأول وهو قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى حيث قال عنه:
"والمنصوص عن الإمام أحمد: أن أرواح المؤمنين في الجنة ذكره الخلال في كتاب السنة عن غير واحد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أرواح المؤمنين في الجنة، وقال حنبل في موضع آخر: هي أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم من يشاء
[ ٧٠٧ ]
وقد حكى القاضي أبو يعلى (^١) في كتاب المعتمد ومن اتبعه من الأصحاب هذا الكلام عن عبد الله بن أحمد (^٢) عن أبيه، ولم ينقله عبد الله إنما نقله حنبل، وأما ما نقله عبد الله عن أبيه فقال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن أرواح الموتى: أتكون في أفنية قبورهم أم في حواصل طير أم تموت كما تموت الأجساد؟ قال: روي عن النبي - ﷺ - قال: نسمة المؤمن إذا مات طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده فيبعثه الله" .. (^٣).
وهذا الكلام أيضًا تدل على أن أرواح المؤمنين عند الله في الجنة إلا أنه ذكر في جوابه الأحاديث الدالة على ذلك المرفوعة والموقوفة ولم يذكر سوى ذلك، ففي رواية حنبل: جزم بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وفي رواية عبد الله ذكر الأدلة على ذلك
_________________
(١) الإمام القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الحنبلي ابن الفراء، شيخ الحنابلة وعالم العراق في زمانه، وكان ذا عبادة وتهجد وملازمة للتصنيف، مع الجلالة والورع، من مؤلفاته: العمدة في أصول الفقه، أحكام القرآن، وإبطال التأويل، توفي سنة ٤٥٨ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣) وتاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩) والبداية والنهاية (١٢/ ١٠٢).
(٢) الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي، قال البغدادي: كان ثقة ثبتًا فهمًا، وقال الذهبي: الإمام الحافظ الناقد محدث بغداد، له مؤلفات مفيدة منها: كتاب السنة، توفي سنة ٢٩٠ هـ. تاريخ بغداد (٩/ ٣٧٥) وطبقات الحنابلة (١/ ١٨٠) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٦).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٤٧٩).
[ ٧٠٨ ]
إلى أن قال رحمه الله تعالى: "وقد يستدل للقول بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار من القرآن بأدلة منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾ ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ (^١) هو دخول النار مع إحراقها وإنضاجها فجعل هذا كله متعقبًا للاحتضار والموت، وكذلك قوله تعالى في قصة المؤمن في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ (^٢)، وإنما قال هذا بعد ما قتلوه ورأى ما أعد الله له: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ (^٣) على تأويل من تأول ذلك عند الاحتضار، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ (^٤) الآية. ونظير هذه الآية قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة الواقعة آية (٨٢ - ٩٥).
(٢) سورة يس آية (٢٦، ٢٧).
(٣) سورة الفجر آية (٢٧، ٢٨).
(٤) سورة الأعراف آية (٣٧، ٣٨).
(٥) سورة النحل آية (٢٨).
[ ٧٠٩ ]
ومما يستدل به أيضًا لذلك ما رواه مجالد (^١) عن الشعبي (^٢) عن جابر أن النبي - ﷺ - سئل عن خديجة قال: "أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب" (^٣).
وخرّج أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - لما رجم الأسلمي الذي اعترف عنده بالزنا قال: "والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" (^٤) وإنما تدخل أرواح المؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستوجب العقوبة أو حقوق آدميين حتى يبرأ منها (^٥).
ولعل القول بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار هو أرجح الأقوال في هذه المسألة لأن أدلته كثيرة وصحيحة وصريحة والله أعلم.
_________________
(١) مجالد بن سعيد بن بسطام الهمداني أبو عمرو الكوفي وهو من صغار التابعين، وفي حديثه لين، توفي سنة ١٤٤ هـ. سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٨٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٩).
(٢) عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الإمام الحافظ، أبو عمرو الهمداني، حدث عن عدد من الصحابة، وكان فقيهًا محدثًا، أثر عنه قوله: "ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي"، توفي سنة ١٠٤ هـ. الجرح والتعديل (٦/ ٣٢٢) ووفيات الأعيان (٣/ ١٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٨٨) والأوسط (٢/ ١٣١/ أ) قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٢٣): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجالهما رجال الصحيح غير مجالد بن سعيد، وقد وثق وخاصة في أحاديث جابر. وهذا الحديث أخرجه البخاري (٤/ ٢٣١) ومسلم (٤/ ١٨٨٦) من حديث أبي هريرة وغيره بنحوه.
(٤) سنن أبي داود: كتاب الحدود (٤/ ٥٨١).
(٥) أهوال القبور (ص ١١١ - ١١٣).
[ ٧١٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار، تنعم أرواح المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين إلى أن تعاد إلى الأبدان" (^١).
وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الفرق بين حياة الشهداء في الجنة وحياة غيرهم من المؤمنين فقال: "والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين:
أحدهما: أن أرواح الشهداء يخلق لها أجساد أو هي الطير التي تكون في حواصلها ليكمل بذلك نعيمها، ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد، فإن الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل الله فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ.
والثاني: أنهم يرزقون من الجنة وغيرهم لم يثبت له في حقه مثل ذلك فإنه جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة، وروي يعلقون بفتح اللام وضمها فقيل: إنهما بمعنى، وأن المراد الأكل من الشجر، قال ابن عبد البر وقيل: رواية الضم معناها الأكل، ورواية الفتح معناها التعلق، ذكره ابن الجوزي، وبكل حال فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعمهم في الأكل والله أعلم (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١١).
(٢) أهوال القبور (ص ١٢٥، ١٢٦).
[ ٧١١ ]
المبحث السادس الصراط
الصراط جسر منصوب على متن جهنم ويمر الناس عليه إلى الجنة على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم، فمن مر على الصراط دخل الجنة.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في كتاب التخويف من النار حيث عقد بابًا قال فيه: الباب السادس والعشرون في ضرب الصراط على متن جهنم ومرور الموحدين عليه (^١).
ثم شرع في ذكر الأحاديث الواردة في ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - في حديث طويل قال فيه: " ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون: اللهم سلم سلم" قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: "دحض
_________________
(١) التخويف من النار (ص ٢٢٨).
[ ٧١٢ ]
مَزِلة" (^١) فيه خطاطيف وكلاليب وحسك (^٢) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمن كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب (^٣)، فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس (^٤) على وجهه في النار" (^٥).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - فذكر الحديث وفيه قال: "ويضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ﷿، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المُوْبَق (^٦) بعمله، ومنهم المجازي حين يُنَجّى " (^٧).
_________________
(١) مَزِلة: بفتح الميم وكسر الزاي، والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو المكان الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر. النهاية لابن الأثير (٢/ ٣١٠) والمصباح المنير (١/ ٢٥٤).
(٢) حسك: جمع حسكة وهي شوكة صلبة. النهاية لابن الأثير (١/ ٣٨٦).
(٣) الأجاويد: جمع أجواد وهو جمع جواد، وهو الجيد الجري من المطي. والركاب: هي الإبل. النهاية لابن الأثير (١/ ٣١٢).
(٤) مكدوس: الكدس الدفع، وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط. النهاية لابن الأثير (٤/ ١٥٥).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد (٨/ ١٨١) ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٧).
(٦) الموبق: المهلك، يقال: وَبَق يَبِق، ووَبِق يَوْبَق فهو وَبِق إذا هلك. النهاية لابن الأثير (٥/ ١٤٦).
(٧) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (٧/ ٢٠٥) ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة الرؤية (١/ ١٦٤).
[ ٧١٣ ]
ومنها حديث حذيفة عن النبي - ﷺ - في حديث الشفاعة الطويل وفيه قال: " فيأتون محمدًا ﵌ فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم" ونبيكم - ﷺ - قائم على الصراط يقول: "رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زخفًا" قال: "وفي حافتي الصراط كلاليب مُعَلَّقَةٌ مأمورة بأخذ من أُمِرت بأخذه، فمخدوش ناج ومكدوس في النار" (^١).
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - فذكر حديثًا طويلًا وفيه قال: "والصراط كحد السيف دحض مَزِلة، قال: فيقولون: انجو على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأشد الرجال، ويرمل رملًا، فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه تخرّ يد وتتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل فتصيب جوانبه النار" (^٢).
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه، وما ذكرته من الأحاديث هو طرف من الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى.
وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة فهم عندما يعرضون للكلام عن
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٧).
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٦) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.
[ ٧١٤ ]
الصراط يذكرون هذه الأحاديث التي فيها ذكر الصراط وصفته وكيفية المرور عليه ويؤمنون بها.
وصفة الصراط والمرور عليه لم يخالف فيها إلا أهل البدع والأهواء الذين فسروا هذه الأحاديث بتفسيرات باطلة تخالف دلالات هذه النصوص وما قرره علماء أهل السنة والجماعة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن المشركين يتبعون آلهتهم التي عبدوها من دون الله فتسير بهم تلك الآلهة حتى تهوى بهم في نار جهنم، ولا يمر على الصراط إلا المؤمنون وفيهم المنافقون وعصاة المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: "واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط، ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع الشمس من يعبدها، ويتبع القمر من يعبد القمر، ويتبع الطواغيت من يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقون" فذكر الحديث إلى أن قال: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه" (^١).
وفيهما أيضًا عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - قال: "إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب، فيدعى
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٩٨).
[ ٧١٥ ]
اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار ثم يدعي النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر آتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا -مرتين أو ثلاثًا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفون بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم " (^١).
فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح والعزير من أهل الكتاب فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٩٨).
[ ٧١٦ ]
من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولًا، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ (^١) وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء ثم يردون النار بعد ذلك.
وقد ورد في حديث آخر: أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير، وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواء كان صادقًا أو منافقًا من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم من السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين" (^٢).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن من استقام على الطريق المستقيم سلم من النار واستقام سيره على الصراط المنصوب على متن جهنم قال ﵀: "إن الإيمان والعمل الصالح في الدنيا هو الصراط المستقيم في الدنيا الذي أمر الله العباد بسلوكه والاستقامة عليه، وأمرهم بسؤال الهداية إليه، فمن استقام سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا ظاهرًا وباطنًا استقام مشيه على ذلك الصراط المنصوب على متن جهنم ومن لم يستقم سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا بل انحرف عنه إما إلى فتنة الشبهات أو إلى فتنة الشهوات كان اختطاف الكلاليب له على صراط جهنم بحسب اختطاف الشبهات والشهوات له عن هذا
_________________
(١) سورة هود آية (٩٨).
(٢) التخويف من النار (ص ١٨٦) وما بعدها.
[ ٧١٧ ]
الصراط المستقيم كما في حديث أبي هريرة: "إنها تخطف الناس بأعمالهم" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وإذا طهر المؤمن من ذنوبه، لم يجد حر النار إذا مر عليها يوم القيامة لأن وجدان الناس لحرها عند المرور عليها بحسب ذنوبهم، فمن طهر من الذنوب ونقى منها في الدنيا جاز على الصراط كالبرق الخاطف والريح لم يجد شيئًا من حر النار ولم يحس بها " (^٢).
_________________
(١) التخويف من النار (ص ٧٤).
(٢) لطائف المعارف (ص ٣٤٠).
[ ٧١٨ ]
المبحث السابع بيان المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى الخلاف في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ (^١) وعقد له فصلًا في كتاب التخويف من النار بعنوان "الباب السابع والعشرون في ذكر ورود النار" قال فيه:
اختلف الصحابة ومن بعدهم في تفسير الورود ثم ذكر بعد ذلك أقوال العلماء في ذلك على النحو التالي:
١ - قول الذين قالوا إن المراد بالورود المرور على الصراط، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "قالت طائفة: الورود هو المرور على الصراط وهذا قول ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وغيرهم .. ".
٢ - القول الثاني: قول ابن عباس ﵄ ومن وافقه من الصحابة وغيرهم في أن المقصود من الورود في الآية هو الدخول في النار، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقالت طائفة: الورود هو الدخول، وهذا هو المعروف عن ابن عباس، روي عنه من غير وجه، وكان يستدل لذلك بقول الله تعالى في فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (^٢) وبقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (^٣)
_________________
(١) سورة مريم آية (٧١).
(٢) سورة هود آية (٩٨).
(٣) سورة مريم آية (٨٦).
[ ٧١٩ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ (^١) " (^٢).
٣ - القول الثالث: قول الذين قالوا إن المراد بالورود هو ما يصيب المؤمن في الدنيا من حمى ومرض، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد فسر بعضهم الورود بالحمى في الدنيا"، روي عن مجاهد وعثمان بن الأسود (^٣)، وفيه حديث مرفوع: "الحمى حظ المؤمن من النار" (^٤) وإسناده ضعيف.
٤ - القول الرابع: قول الذين قالوا إن الورود ليس عامًا وإنما هو
_________________
(١) سورة الأنبياء آية (٩٩).
(٢) التخويف من النار (ص ١٩٣).
(٣) عثمان بن الأسود بن موسى المكي، وثقه يحيى القطان وابن أبي حاتم وابن سعد وغيرهم، توفي سنة ١٥٠ هـ، وقيل غير ذلك. الجرح والتعديل (٦/ ١٤٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٣٣٩) تهذيب التهذيب (٧/ ١٠٧).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ القضاعي في مسند الشهاب (١/ ٧١) من حديث عبد الله بن مسعود، وفي سنده صالح بن أحمد الهروي قال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر، وفي سنده أيضًا أحمد بن راشد الهلالي قال الذهبي: أتى بخبر باطل. ميزان الاعتدال (٢/ ٢٨٨) و(١/ ٩٧) ولسان الميزان (٣/ ١٦٥)، (١/ ١٧١). وأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٤) والبزار كما في كشف الأستار (١/ ٣٦٤) والطبراني في الكبير (٨/ ٩٣). وهو عند أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة بلفظ: "الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار". قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٥٥): رواه أحمد بإسناد لا بأس به، والبزار بإسناد حسن، وكذا قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠٦). وانظر: ألفاظ هذا الحديث وشواهده في الجامع الصغير للسيوطي (١/ ١٥٢) وشرحه فيض القدير (٣/ ٤١٩ - ٤٢١) وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة للألبانى (٤/ ٤٣٥) وما بعدها.
[ ٧٢٠ ]
خاص بالمحضرين حول جهنم، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقالت طائفة: الورود ليس عامًا وإنما هو خاص بالمحضرين حول جهنم المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١) كأنه يقال لهؤلاء الموصوفين: "وإن منكم إلا واردها" روى هذا التأويل عن زيد بن أسلم (^٢) وهو بعيد جدًا" (^٣).
ويبدو لي أن ابن رجب رحمه الله تعالى يرجح القول الأول الذي يقول أن المراد بالورود هو المرور على الصراط، ويدل على ذلك ما يأتي:
١ - عند ذكره للقول الأول قال: "ومما يستدل به على أن الورود ليس هو الدخول ما خرّجه مسلم من حديث جابر قال: أخبرتني أم بشر أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٤) فقال النبي - ﷺ -: قد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ (^٥) (^٦) " (^٧). فهذا يشعر برده للقول الثاني
_________________
(١) سورة مريم الآيات (٦٨ - ٧١).
(٢) زيد بن أسلم أبو عبد الله العدوي العمري مولاهم الإمام الحافظ الفقيه، كان من العلماء العاملين وكان عالمًا بتفسير القرآن الكريم، توفي سنة ١٣٦ هـ. سير أعلام النبلاء (٥/ ٣١٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٥) وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٨٢).
(٣) التخويف من النار (ص ٢٠٠).
(٤) سورة مريم آية (٧١).
(٥) سورة مريم آية (٧٢).
(٦) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب الشجرة (٤/ ١٩٤٢).
(٧) التخويف من النار (ص ١٩٤).
[ ٧٢١ ]
٢ - أنه بعد أن ذكر بعض الآثار التي تدل على القول الثاني رد عليها بقوله: "ولكن هذا والذي قبله قد يدلان على أن الورود هو المرور على الصراط كالقول الأول" (^١).
٣ - أنه صدر به الأقوال.
والقول بأن الورود في هذه الآية هو المرور على الصراط ذهب إليه كثير من المفسرين والعلماء.
قال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: "اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٢) ما هو؟ والأظهر الأقوى أنه المرور على الصراط" (^٣).
وقال الشوكاني: "وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود وحمله على ظاهره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١). . .﴾ (^٤) ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة فينبغي حمل الآية على ذلك" (^٥).
_________________
(١) التخويف من النار (ص ١٩٧).
(٢) سورة مريم آية (٧١).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٧١).
(٤) سورة الأنبياء آية (١٠١).
(٥) فتح القدير (٣/ ٣٤٤).
[ ٧٢٢ ]
المبحث الثامن الشفاعة
قال ابن الأثير: تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: "شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفِّع الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع الذي تقبل شفاعته" (^١).
وقال الراغب الأصفهاني: "الشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى " (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر: الاستشفاع طلب الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه (^٣).
فالشفاعة هي طلب وسؤال الخير للغير.
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بكل ما جاءهم عن الله ﷿ وعن رسوله - ﷺ - في الشفاعة، ويثبتون جميع الشفاعات التي وردت الأدلة في الكتاب والسنة بإثباتها كشفاعته - ﷺ - لأهل الموقف وأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعاته - ﷺ - التي ستأتي،
_________________
(١) النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٥٨).
(٢) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٣).
(٣) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٣٣).
[ ٧٢٣ ]
وشفاعات غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، وينفون الشفاعة التي نفتها الأدلة من الكتاب والسنة.
والشفاعة ملك لله وحده لا يشفع أحد لأحد إلا بعد إذنه ﷾ للشافع أن يشفع ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ (^٣) وغير ذلك من الآيات الواردة في الشفاعة.
ومن الأدلة الواردة في السنة في الشفاعة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - قال: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" (^٤).
ومنها حديثه الآخر ﵁ وهو حديث طويل وفيه ذكر الشفاعة العظمى حيث يقول الرسول - ﷺ -: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بمَ ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفدهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم
_________________
(١) سورة الزمر آية (٤٤).
(٢) سورة النجم آية (٢٦).
(٣) سورة طه آية (١٠٩).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات (٧/ ١٤٥) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٨).
[ ٧٢٤ ]
إلى ربكم " فذكر في الحديث أنهم يأتون آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وكلهم يتبرأ ويقول: اذهبوا إلى غيري حتى يأتوا النبي - ﷺ - كما جاء في الحديث: "فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع " (^١) الحديث.
ومنها حديث جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة" (^٢).
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا" (^٣).
فالشفاعة حق، وهي ثابتة للرسول - ﷺ - ولمن يأذن الله له ﷿ من النبيين والملائكة والمؤمنين، والشفاعات (^٤) الثابتة على سبيل البسط ثمانية أنواع هي:
١ - الشفاعة العظمى وهي شفاعته - ﷺ - في الخلائق كلهم ليخلصوا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء (٤/ ١٠٦) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٥).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٧٨).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٨).
(٤) انظر: ذكر هذه الأنواع في كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٥٨٨) وشرح مسلم للنووي (٣/ ٣٥) والتذكرة للقرطبي (ص ٣٠١) والنهاية في الفتن والملاحم (٢/ ٢٠٢ - ٢٤٨) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٣ - ٢٦٠) وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٢٧ - ٤٢٩) ولوامع الأنوار (٢/ ٢١١).
[ ٧٢٥ ]
من هول الموقف يوم القيامة، وليعجل الله حسابهم بعد طول الموقف، ويقضي بينهم في اليوم الذي تقف فيه الخلائق خاضعين أمام خالقهم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا حيث تنتهي إليه - ﷺ - بعد مراجعتهم الأنبياء للقيام بها، فيقول ﵊: "أنا لها" وقد سبق ذكر دليل هذا النوع (^١).
٢ - شفاعته - ﷺ - لأهل الجنة في دخولها بعد الفراغ من حسابهم. وقد تقدم دليل هذا النوع (^٢).
٣ - شفاعته - ﷺ - في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه لأنه كان يحميه من أذى كفار قريش فيخفف عنه العذاب فيجعل في ضحضاح (^٣) من النار بشفاعة النبي - ﷺ - لا بعمله الذي عمله لأن الله ﷾ أخبر أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وإنما الشفاعة لأهل التوحيد خاصة، ولكن شفاعته لعمه أبي طالب خاصة به، وخاصة لأبي طالب، ويدل على هذا النوع حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه" (^٤).
وهذه الأنواع الثلاثة السابقة من أنواع الشفاعة خاصة بنبينا محمد - ﷺ -.
٤ - شفاعته - ﷺ - لقوم من عصاة الموحدين استحقوا دخول النار أن
_________________
(١) انظر (ص ٧٢٥).
(٢) انظر (ص ٧٢٥).
(٣) الضحضاح في الأصل: ما رق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين واستعاره هنا للنار. النهاية لابن الأثير (٣/ ٧٥).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٩٥).
[ ٧٢٦ ]
لا يدخلوها، وقد استدل ابن حجر (^١) رحمه الله تعالى لهذا النوع بقوله - ﷺ -: "ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد" (^٢).
٥ - شفاعته - ﷺ - في العصاة من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بذنوبهم أن يخرجوا منها، وقد تقدم دليل هذا النوع (^٣).
٦ - شفاعته - ﷺ - في رفع درجات بعض أهل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم يدل على ذلك حديث أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - دعا لأبي سلمة بعدما توفي فقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين " (^٤).
وحديث أبي موسى الأشعري أنه لما أصيب عمه أبو عامر في غزوة أوطاس دعا له النبي - ﷺ - فقال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس" (^٥).
٧ - شفاعته - ﷺ - في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة، وقد استدل ابن حجر رحمه الله تعالى لهذا النوع بما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي - ﷺ - ثم ذكر الحافظ ابن حجر أن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم (^٦).
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٢٨).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٧).
(٣) انظر (ص ٧٢٥).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الجنائز (٢/ ٦٣٤).
(٥) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة (٤/ ١٩٤٤).
(٦) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٢٨) وانظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٢١٦ - ٢١٨).
[ ٧٢٧ ]
٨ - شفاعته - ﷺ - في دخول بعض المؤمنين الجنة بغير حساب ولا عذاب كشفاعته - ﷺ - في عكاشة بن محصن ﵁ حيث دعا له النبي - ﷺ - أن يكون من السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، فقال رجل: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة" (^١).
وهذه الأنواع الخمسة الأخيرة يشارك النبي - ﷺ - فيها غيره من الأنبياء والملائكة والصديقين والشهداء. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الشفاعات كلها ويثبتونها لثبوتها في الكتاب والسنة مع إيمانهم أن هذه الشفاعات لا تتحقق إلا بعد تمام شروطها وهي:
١ - إذن الله ﷾ للشافع أن يشفع، فإنه لا يشفع أحد حتى يأذن الله له كما قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (^٣) وقال سبحانه: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (^٤) وأمثال ذلك من الآيات التي تدل بوضوح على انتفاء الشفاعة قبل الإذن من المولى ﷿.
٢ - رضي الله ﷾ عن المشفوع له كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٥٨).
(٢) سورة البقرة آية (٢٥٥).
(٣) سورة سبأ آية (٢٣).
(٤) سورة يونس آية (٣).
[ ٧٢٨ ]
لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (^١)، وقال ﷾: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (^٢).
ففي هاتين الآيتين قيد الله ﷿ الشفاعة برضاه عن المشفوع له وهو لا يرضى إلا لأهل التوحيد الخاص.
وقد خالفت الجهميةُ، والمعتزلةُ والخوارجُ أهلَ السنة والجماعة في الشفاعة فأنكروا (^٣) بعض أنواع الشفاعات السابقة كشفاعته - ﷺ - وشفاعة غيره في أهل الكبائر واحتجوا على ذلك بالآيات التي فيها نفي الشفاعة كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (^٤) وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (^٦).
وأمثال ذلك من الآيات التي تتضمن نفي الشفاعة.
والحقيقة أن هذا استدلال غير صحيح لأن الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة في أهل الشرك، فهم الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وأما المؤمنون فهم الذين تنفعهم الشفاعة بشروطها لثبوت الأدلة عليها من الكتاب والسنة، وهي التي وفّق الله ﷾ أهل السنة والجماعة إلى القول بها، ولا عبرة بمخالفة أهل الزيغ والضلال.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن الشفاعة وبين أنواعها فقد
_________________
(١) سورة النجم آية (٢٦).
(٢) سورة الأنبياء آية (٢٨).
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٦٠).
(٤) سورة المدثر آية (٤٨).
(٥) سورة غافر آية (١٨).
(٦) سورة البقرة آية (١٢٣).
[ ٧٢٩ ]
ذكر في كتاب التخويف من النار في باب ضرب الصراط على متن جهنم الشفاعة العظمى الخاصة بنبينا محمد - ﷺ - من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فقال: أخرج مسلم من حديث أبي هريرة وحذيفة كلاهما عن النبي - ﷺ - فذكر حديث الشفاعة وفيه قال: "فيأتون محمدًا - ﷺ - فيقوم ويؤذن له " (^١) الحديث.
وفي الباب الثامن والعشرين في ذكر حال الموحدين وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين ذكر نوعا آخر من أنواع الشفاعة وهي شفاعته - ﷺ - في أهل الكبائر من أمته ممن يدخلون النار ويخرجون منها فيقول:
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة" فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر جواز الناس على الصراط ثم قال: "حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل الكبائر من النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن دخل النار يعرفون بأثر السجود، تأكل النار ما من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا (^٢) فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحِبَّة (^٣) في حَمِيل السيل " (^٤) وذكر
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٧).
(٢) امتحشوا: احترقوا، والمحش: احتراق الجلد وظهور العظم. النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٠٢).
(٣) الحبة: بكسر الحاء هي بزر ما لا يقتات من البقول مثل بزور الرياحين. المصباح المنير (١/ ١١٧).
(٤) حميل السيل: بفتح الحاء وكسر الميم وهو ما جاء به السيل من طين أو غثاء، ومعناه محمول السيل. النهاية لابن الأثير (١/ ٤٤٢).
[ ٧٣٠ ]
بقية الحديث (^١).
وخرج مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - قال: "إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات (^٢) وجوههم حتى يدخلوا الجنة (^٣).
وخرج أيضًا .. عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن في الشفاعة فجيء بهم ضَبائِر (^٤) ضبائِر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل لأهل الجنة: أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبَّة في حَمِيل السيل" (^٥) (^٦).
وقال رحمه الله تعالى عند قوله - ﷺ -: "حلت له شفاعتي" (^٧) معناه
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الرقاق (٧/ ٢٠٢) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٦٥).
(٢) دارات: جمع دارة وهي ما يحيط بالوجه من جوانبه، ومعناه أن النار لا تأكل دارة الوجه لكونه محل السجود. النهاية لابن الأثير (٢/ ١٣٩).
(٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٧٨).
(٤) ضبائر: جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها، أشهرها الكسر، ومعنى ضبائر جماعات متفرقة. النهاية لابن الأثير (٣/ ٧١).
(٥) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (١/ ١٧٢، ١٧٣).
(٦) التخويف من النار (ص ٢٠٧، ٢٠٨).
(٧) هذا جزء من حديث فضل إجابة المؤذن أخرجه البخاري: كتاب الآذان (١/ ١٥٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. ومسلم: كتاب الصلاة (١/ ٢٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٧٣١ ]
نالته وحصلت له ووجبت، وليس المراد بهذه الشفاعة الشفاعة في فصل القضاء فإن تلك عامة لكل أحد ولا الشفاعة في الخروج من النار ولابد، فإنه قد يقول ذلك ممن لا يدخل النار، وإنما المراد والله أعلم أنه يصير في عناية رسول الله - ﷺ - بحيث تتحتم له شفاعته، فإن كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له بإخراجه منها أو في منعه من دخولها وإن لم يكن من أهل النار فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب أو في رفع درجته في الجنة" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " وأما الشفاعة التي اختص بها النبي - ﷺ - من بين الأنبياء فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار، فإن هذه الشفاعة شاركه فيها الأنبياء والمؤمنون أيضًا كما تواترت بذلك النصوص، إنما الشفاعة التي يختص بها دون الأنبياء أربعة أنواع:
١ - أحدها: شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم.
٢ - والثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة.
٣ - الثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل إن هذه يختص هو بها.
٤ - الرابع: كثرة من يشفع له من أمته، فإنه وفر شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة، وقد ورد التصريح بهذه الشفاعة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (^٢).
وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: "لكل نبي دعوة
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٢) صحيح البخاري: الدعوات (٧/ ١٤٥) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٩).
[ ٧٣٢ ]
قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (^١).
وعن عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله تعالى أيقظني فقال: يا محمد إني لم أبعث نبيًا ولا رسولًا إلا وقد سألني مسألة أعطيتها إياه فاسأل يا محمد تعط، فقلت: مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، وما الشفاعة؟ قال: أقول يا رب شفاعتي التي اختبأت عندك، فيقول الرب ﵎: نعم فيخرج ربي ﵎ بقية أمتي من النار فينبذهم في الجنة" (^٢).
والمراد من هذه الأحاديث والله أعلم أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا، ومنهم من سأل في الدنيا ملكًا له كسليمان ﵇، واختص النبي - ﷺ - بأن أدخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة.
وقد ذكر بعضهم شفاعة خامسة خاصة بالنبي - ﷺ - وهي شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها - ﷺ -.
وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي - ﷺ - وهي شفاعته في سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب (^٣).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن هناك أعمالًا تشفع لصاحبها يوم القيامة ومنها الصيام وقراءة القرآن فقال: "الصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها، أو لا يختص به كشهوة فضول
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٩٠).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٦).
(٣) فتح الباري (٢/ ٢٢ - ٢٥).
[ ٧٣٣ ]
الكلام المحرم والسماع المحرم والنظر المحرم والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته، فأما من ضيع صيامه، ولم يمنعه عما حرمه الله عليه، فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه، ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل فإن من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له
كما في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان" (^١) (^٢).
_________________
(١) مسند أحمد (٢/ ١٧٤) وأخرجه الحاكم (١/ ٥٥٤) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٨٤): رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيره بإسناد حسن.
(٢) لطائف المعارف (ص ١٨٢).
[ ٧٣٤ ]
المبحث التاسع الجنة ونعيمها
الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين الأبرار المشتملة على أصناف النعيم والبهجة والسرور، والحور، والقصور، وكل ما لذ وطاب.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ (^٣).
ولقد رغب الله ﷾ في الجنة وحث المؤمنين على العمل
_________________
(١) سورة الدخان الآيات (٥١ - ٥٧).
(٢) سورة محمد آية (١٥).
(٣) سورة الحجر آية (٤٥ - ٤٨).
[ ٧٣٥ ]
من أجلها فقال ﷿: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (^٢).
وأما الأحاديث الدالة على نعيم الجنة وما فيها من الفضل العظيم فكثيرة جدًا منها:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقول الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) (^٣) قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^٤).
ومنها حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأكل أهل الجنة فيها، ويشربون ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس" (^٥).
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الجنة وما أعد الله فيها
_________________
(١) سورة الحديد آية (٢١).
(٢) سورة آل عمران آية (١٣٣).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب التفسير (٦/ ٢١) ومسلم: كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٤/ ٢١٧٤).
(٤) سورة السجدة آية (١٧).
(٥) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب في صفات أهل الجنة (٤/ ٢١٨٠).
[ ٧٣٦ ]
لأوليائه وذكر كثيرًا من الأحاديث الدالة على أوصاف نعيمها ومنها قوله: "وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه سأل موسى ربه قال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: أدخل الجنة فيقول: يا رب كيف، وقد أخذ الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت يا رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة: رضيت يا رب فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم ترَ عين، ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر" (^١) (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ومن عرف الآخرة وعظمتها رغب فيها، عباد الله هلموا إلى دار لا يموت سكانها ولا يخرب بنيانها ولا يهرم شبابها ولا يتغير حسنها وأحسانها هواؤها النسيم وماؤها التسنيم يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين ويتمتعون بالنظر إلى وجهه كل حين (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (^٣) " (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٥)، الجنة ضيافة الله أعدها
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٧٦).
(٢) لطائف المعارف (ص ٢٢، ٢٣).
(٣) سورة يونس آية (١٠).
(٤) سورة يونس آية (٢٥).
(٥) لطائف المعارف (ص ٢٨).
[ ٧٣٧ ]
للمؤمنين نزلًا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فبعث رسول الله - ﷺ - يدعو إليها بالإيمان والإسلام والإحسان، فمن أجابه دخل الجنة، وأكل من تلك الضيافة ومن لم يجب حرم" (^١).
نسأل الله العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا من أهل الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقد حث ابن رجب رحمه تعالى على سلوك الصراط المستقيم والاجتهاد في الأعمال والأسباب الموصلة إلى الجنة ونعيمها وإلى مرضاة الله ومغفرته ورحمته ﷾ فقال: "يتعين على العبد المؤمن الطالب للنجاة من النار ولدخول الجنة، وللقرب من مولاه والنظر إليه في دار كرامته أن يطلب ذلك بالأسباب الموصلة إلى رحمة الله وعفوه ومغفرته ورضاه ومحبته، فبها ينال ما عند الله من الكرامة، إذ الله ﷾ قد جعل للوصول إلى ذلك أسبابًا من الأعمال التي جعلها موصلة إليه، وليس ذلك موجودًا إلا فيما شرعه الله لعباده على لسان رسوله، وأخبر عنه رسوله أنه يقرب إلى الله، ويوجب رضوانه ومغفرته، وأنه مما يحبه الله، أو أنه من أحب الأعمال إلى الله ﷿ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (^٣)، فالواجب على العبد البحث عن خصال التقوى وخصال الإحسان التي شرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ -، والتقرب بذلك إلى الله ﷿، فإنه لا طريق للعبد يوصله إلى رضى مولاه وقربه ورحمته وعفوه ومغفرته سوى ذلك (^٤).
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٣٠٦).
(٢) سورة الأعراف آية (٥٦).
(٣) سورة الأعراف آية (١٥٦).
(٤) المحجة في سير الدلجة (ص ٤٤ - ٤٥).
[ ٧٣٨ ]
كما بيّن رحمه الله تعالى بعض أوصاف أهل الجنة فقال رحمه الله تعالى: "وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن النبي - ﷺ - قال في خطبته: "وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال " (^١) ففي هذا الحديث جعل النبي - ﷺ - أهل الجنة ثلاثة أصناف:
أحدهم: ذو السلطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان على الناس فسار في سلطانه بالعدل، ثم ارتقى درجة الفضل.
والثاني: الرحيم الرقيق القلب الذي لا يخص برحمته قرابته، بل يرحم المسلمين عمومًا، فتبين أن القسمين أهل الفضل والإحسان.
والثالث: العفيف المتعفف ذو العيال، وهو من يحتاج إلى ما عند الناس فيتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود، أعني العفة عما في أيدي الناس لاسيما مع الحاجة.
وقد وصف الله في كتابه أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى ولو كان الأذى بحق فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ (^٢).
فهذا حال معاملتهم للخلق، ثم وصف قيامهم بحق الحق فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٤/ ٢١٩٨).
(٢) سورة آل عمران آية (١٣٣، ١٣٤).
(٣) سورة آل عمران آية (١٣٥ - ١٣٦).
[ ٧٣٩ ]
فوصفهم الله عند الذنوب بالاستغفار، وعدم الإصرار وهو حقيقة التوبة النصوح.
وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ (^١).
والعقبة قد فسرها ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار، فأخبر سبحانه أن اقتحامها وهو قطعها ومجاوزتها يحصل بالإحسان إلى الخلق إما بعتق الرقبة وإما بالإطعام في المجاعة، والمطعم إما يتيم من ذوي القربى أو مسكين قد لصق بالتراب فلم يبق له شيء، ولابد مع الإحسان أن يكون من أهل الإيمان، والأمر لغيره بالعدل والإحسان وهو التواصي بالصبر والتواصي بالرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف أصحاب الميمنة" (^٢).
_________________
(١) سورة البلد آية (١١ - ١٨).
(٢) التخويف من النار (ص ٢٧٧، ٢٧٨).
[ ٧٤٠ ]
المبحث العاشر رؤية الله ﷾ في الجنة
إن رؤية المؤمنين لربهم ﷿ بأبصارهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة المتواترة، واتفق على القول بها جميع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام على تتابع القرون (^١).
ورؤيته ﷾ يوم القيامة هي أعلى مراتب نعيم الجنة وغاية مطلوبهم.
وقد قرر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة واستدل لها بعدة أدلة من الكتاب والسنة فقال رحمه الله تعالى عند شرحه لحديث: "أنكم سترون ربكم " (^٢) هذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٣)، ومفهوم قوله في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (^٤) قال الشافعي وغيره: لما حجب أعداءه بالسخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا.
والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر الصحيح في كتاب التوحيد.
_________________
(١) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٤٨) ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٧).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٢١٧).
(٣) سورة القيامة آية (٢٢، ٢٣).
(٤) سورة المطففين آية (١٥).
[ ٧٤١ ]
وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة واتباعهم (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق قال يزيد بن هارون (^٢): من كذَّب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله".
وقال وكيع: "من رد هذا الحديث فاحسبوه من الجهمية " (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله ﷿ وإبعادهم عنه وإعراضه عنهم وسخطه عليهم كما أن رضوان الله على أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (^٤) فذكر الله تعالى ثلاثة أنواع من العذاب حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخه بتكذيبهم به في الدنيا، ووصفهم بالران على قلوبهم، وهو صدأ الذنوب الذي سود قلوبهم فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا، من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٣٣).
(٢) يزيد بن هارون بن زاذي السلمي أبو خالد الواسطي الإمام الحافظ قال أحمد بن حنبل: كان يزيد حافظًا متقنًا. وقال ابن أبي حاتم: يزيد ثقة إمام، لا يسأل عن مثله، توفي سنة ٢٠٦ هـ. الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٥) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٣٧) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٣٥٨).
(٣) فتح الباري (٣/ ١٣٤).
(٤) سورة المطففين آية (١٤ - ١٧).
[ ٧٤٢ ]
حجبوا في الآخرة عن رؤيته، وهذا بخلاف حال أهل الجنة قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ (^١) والذين أحسنوا هم أهل الإحسان، والإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه كما فسره النبي - ﷺ - لما سأله جبريل ﵇، فجعل جزاء الإحسان الحسنى وهو الجنة والزيادة وهي النظر إلى وجه الله ﷿ كما فسره بذلك رسول الله - ﷺ - في حديث صهيب وغيره" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الله للكفار في الآخرة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (^٣)، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة" (^٤).
كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن أهل الجنة كلهم يشتركون في رؤية الله ﵎ إلا أنهم يتفاوتون في أوقات الرؤية ومقدارها حيث قال: "كل أهل الجنة يشتركون في الرؤية لكن يتفاوتون في القرب في حال الرؤية، وفي أوقات الرؤية، عموم أهل الجنة يرون يوم المزيد
_________________
(١) سورة يونس آية (٢٦).
(٢) التخويف من النار (ص ١٥٣).
(٣) سورة المطففين آية (١٥).
(٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٣).
[ ٧٤٣ ]
وهو يوم الجمعة، وخواصهم ينظرون إلى وجه الله في كل يوم مرتين بكرة وعشيًا" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " أما المقصود الثاني فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها، ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب، والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانًا، فتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته وسماع كلامه، لاسيما في أوقات الصلاة في الدنيا كالجمع والأعياد، والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين بكرة وعشيًا في وقت صلاة الصبح، وصلاة العصر، ولهذا لما ذكر النبي - ﷺ - أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقب ذلك على المحافظة على صلاة العصر، وصلاة الفجر لأن وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم وزيارتهم له " (^٢).
كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن رؤية الله ﵎ هو أعظم نعيم أهل الجنة، وأنهم يحقرون كل نعيم أمام نعيم رؤية ربهم وخالقهم ﷾ حيث قال: "إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة واستدعاهم الرب سبحانه إلى زيارته ومشاهدته ومحاضرته يوم المزيد، فإنهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إلى وجهه ﷻ كما جاء في أحاديث يوم المزيد" (^٣).
_________________
(١) المحجة في سير الدلجة (ص ٨٢).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٧٨).
(٣) التخويف من النار (ص ١٩٦).
[ ٧٤٤ ]
فقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن رؤية المؤمنين لربهم ﷿ عيانًا بأبصارهم يوم القيامة حق لا مرية فيه، وهو ما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى.
وقد ذكر ابن رجب ﵀ في معرض كلامه السابق بعض الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على ثبوت رؤية الله ﵎ يوم القيامة.
وهناك أدلة أخرى تدل على ثبوت الرؤية لم يتعرض لها ابن رجب رحمه الله تعالى.
منها قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ (^٢).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع، اقتضى المعاينة والرؤية" (^٣).
أما الأحاديث الدالة على رؤية الله ﵎ ولقائه فهي كثيرة جدًا تصل إلى حد التواتر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ثبت بالسنة المتواترة واتفاق سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام الذين ائتموا بهم في دينهم أن الله ﷾ يري في الدار الآخرة بالأبصار عيانًا، وقد دل على ذلك القرآن في مواضع كما ذلك مذكور في مواضعه، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة متواترة في
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٤٤).
(٢) سورة البقرة آية (٢٢٣).
(٣) حادي الأرواح (ص ٢٠٤).
[ ٧٤٥ ]
الصحاح والسنن والمسانيد (^١).
ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون (^٢) في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ قلنا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما" (^٣) متفق عليه.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁: أن ناسًا قالوا لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فإنكم ترونه كذلك " الحديث (^٤).
والمراد من التشبيه في الأحاديث السابقة كما فسره علماء السلف رحمهم الله تعالى هو تشبيه الرؤية بالرؤية من حيث الوضوح والحقيقة
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٤٨).
(٢) تضارون: يروى بالتشديد والتخفيف للراء، فالتشديد بمعنى لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره، يقال: ضاره يضاره مثل ضره يضره. يقول الجوهري: "يقال أضرَّني فلان إذا دنا مني دنوًا شديدًا" فأراد بالمضارة الاجتماع والازدحام عند النظر إليه. وأما التخفيف فهو من الضير لغة في الضرة والمعنى فيه كالأول. الصحاح (٢/ ٧٢١) والنهاية لابن الأثير (٣/ ٨٢).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٨/ ١٨١) ومسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٦٧).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد (٨/ ١٧٩) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٦٣).
[ ٧٤٦ ]
وعدم التكلف والتزاحم حال الرؤية، لا تشبيه المرئى بالمرئي لأن الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).
ومنها حديث صهيب بن سنان ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتُنَجِّنَا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿" (^٢).
هذه الآيات والأحاديث التي ذكرتها وغيرها مما لم أذكره فيها دلالة لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من ثبوت رؤية الله تعالى حقيقة يوم القيامة.
ولا عبرة بمن خالف ذلك من الفرق الأخرى ممن حادوا عن الصواب وخالفوا نصوص الكتاب والسنة.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض الرد على المخالفين: "وإنما خالف فيه طوائف من أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن يرد النصوص الصحيحة لخيالات فاسدة، وشبهات باطلة، يخيلها لهم الشيطان فيسرعون إلى قبولها منه، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلًا، وتسميته تشبيهًا أو تجسيمًا فينفرون منه، كما خيل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الرب وإنه لا يتوصل إليه من غير وسائط تعبد فتقرب إليه زلفًا وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام، وقاسه لهم على ملوك بنى آدم فاستجابوا لذلك وقبلوه منه.
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٦٣).
[ ٧٤٧ ]
وإنما بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإبطال ذلك كله، فمن اتبع ما جاءوا به فقد اهتدى، ومن أعرض عنه أو عن شيء منه واعترض فقد ضل وقد ظن المريسي ونحوه ممن ضل وافترى على الله أن هذا الحديث يرد لما يتضمن من التشبيه فضل وأضل" (^١).
والحقيقة أن المتأمل لكلام النفاة للرؤية واستدلالاتهم يجد أن ذلك منهم مبني على التعسف وتحريف الكلم عن مواضعه، لأنه لا يشهد لمذهبهم سمع ولا عقل بل كل ذلك يرد عليهم.
وسأذكر أشهر أدلتهم التي استدلوا بها من القرآن والرد عليها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^٢).
قالوا: إن الله مدح نفسه بأنه لا يرى بالأبصار، وما كان نفيه تمدحًا راجعًا إلى ذاته كان إثباته نقصًا، والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال (^٣).
والجواب عن ذلك أن يقال: إن الآية تدل على كمال عظمة الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء وأنه لكمال عظمته لا يدرك، وهذا ما مدح الله به ﷾ نفسه ولم يذكر أنه لا يرى، والإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ (^٤) فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، وإنما نفى الإدراك ولا
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٣٤).
(٢) سورة الأنعام آية (١٠٣).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٢٣٣) والإبانة في أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٧٩).
(٤) سورة الشعراء آية (٦١، ٦٢).
[ ٧٤٨ ]
يمكن أن يقال إن موسى ﵇ نفى الرؤية لأن الله تعالى ﷾ صرح بإثبات الرؤية بقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾.
فالرؤية والإدراك كل منهما، يوجد مع الآخر وبدونه، والرب ﵎ يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به علمًا، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من هذه الآية (^١).
ومما يدل على أن الإدراك قدر زائد على الرؤية أن هذه الشمس وهذه السماء المخلوقتان يتمكن كل إنسان من رؤيتهما ولا يتمكن أن يدركهما على ما هما عليه (^٢).
الدليل الثاني: استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الآية (^٣).
قالوا: إن "لن" كلمة تدل على التأبيد فقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ نفى فيه أن يكون مرئيًا البتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه (^٤).
والجواب عن ذلك: أن هذه الآية كالآية السابقة لا حجة لهم بها، وادعاؤهم بأن لن تفيد النفي المؤبد غير صحيح لأن غاية ما تدل عليه "لن" النفي في المستقبل، ولا تفيد التأبيد حتى ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أطلقت. والدليل قوله تعالى عن الكفار: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (^٥) ومع ذلك أخبر ﷾ أنهم يتمنونه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: حادي الأرواح لابن القيم (ص ٢٠٧) وتفسير ابن كثير (٢/ ١٦٠).
(٢) انظر: الشريعة للآجري (ص ٢٧٦) وحادي الأرواح (ص ٢١٠).
(٣) سورة الأعراف آية (١٤٣).
(٤) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٢٦٤).
(٥) سورة البقرة آية (٩٥).
(٦) سورة الزخرف آية (٧٧).
[ ٧٤٩ ]
ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ (^١).
ولأنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (^٢).
فثبت أن لن لا تقتضي النفي المؤبد (^٣).
إضافة إلى أن أئمة هذا الشأن وهم النحاة قالوا إن (لن) لا تفيد النفي المؤبد، قال ابن مالك (^٤) في الكافية:
ومن رأى النفي بـ (لن) مؤبدًا فقوله أردد وخلافه أعضدا
ثم يقول في الشرح: ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بلن وهو الزمخشري في "أنموذجه" وحامله على ذلك اعتقاد أن الله تعالى لا يرى، وهو اعتقاد باطل بصحة ذلك عن رسول الله - ﷺ - أعني ثبوت الرؤية -جعلنا الله من أهلها وأعاذنا من عدم الإيمان بها" (^٥).
وما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ووافقهم عليه ابن رجب رحمه الله تعالى في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم كما أخبر الله ﷿ ورسوله - ﷺ - عنها هو الحق الذي لا يجوز اعتقاد غيره لوضوح الأدلة عليه من الكتاب والسنة، وإجماع السلف عليه.
_________________
(١) سورة يوسف آية (٨٠).
(٢) سورة مريم آية (٢٦).
(٣) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٠٥) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٠٨).
(٤) جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك أبو عبد الله الطائي النحوي صاحب التصانيف المشهورة المفيدة، ومنها الكافية الشافية وشرحها، كان إمامًا في اللغة والنحو والقراءات، توفي سنة ٦٧٢ هـ. البداية والنهاية (١٣/ ٢٥٤) وبغية الوعاة (١/ ١٣٠).
(٥) شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥١٥، ١٥٣١).
[ ٧٥٠ ]
المبحث الحادي عشر النار وعذابها
النار دار أعدها الله ﷾ لأعدائه ولمن عصاه وخالف أمره، وهي دار العقوبة في الآخرة، ودار الذل والهوان والعذاب، دار أهلها أهل البؤس والشقاء، شرابهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود، ومأكلهم الزقوم كالمهل يغلي في البطون.
والآيات والأحاديث الواردة في النار ووصفها ووصف عذابها وصفات أهلها أكثر من أن تحصى، أعاذنا الله من النار ومن عذابها.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ (^٣).
_________________
(١) سورة التحريم آية (٦).
(٢) سورة الحجر آية (٤٣، ٤٤).
(٣) سورة النبأ، الآيات (٢١ - ٢٦).
[ ٧٥١ ]
وقال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ (^١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها" (^٣).
وعنه ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين" (^٤).
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث" (^٥).
_________________
(١) سورة الصافات الآيات (٦٢ - ٦٧).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب صفة النار، باب ذكر أزمة النار (٤/ ٢١٨٤).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب صفة النار، باب في بعد قعر جهنم (٤/ ٢١٨٤).
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٦) والترمذي: كتاب صفة جهنم (٤/ ٧٠٢) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(٥) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون (٤/ ٢١٨٩).
[ ٧٥٢ ]
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى كلامًا كثيرًا عن النار وأهلها ووصف عذابها في كتاب التخويف من النار، وساق في هذا الكتاب أبوابًا عديدة يذكر في كل باب كثيرًا من الآيات والأحاديث المتعلقة بها.
قال في مقدمته: "وقد استخرت الله تعالى في جمع كتاب أذكر فيه صفة النار، وما أعد الله فيها لأعدائه من الخزي والنكال والبوار، ليكون بمشيئة الله قامعًا للنفوس عن غيها وفسادها، وباعثًا لها على المسارعة إلى فلاحها ورشادها " (^١).
وقال في الباب السادس عشر في ذكر حجارة النار: ومن جملة أنواع عذاب أهل النار فيها تلاعنهم وتباغضهم، وتبرأ بعضهم من بعض، ودعاء بعضهم على بعض بمضاعفة العذاب كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (^٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. . .﴾ (^٣) الآية.
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ (^٤)، وحينئذ فلا يبعد أن يقرن كل كافر بشيطانه الذي أضله وبصورة من عبده من دون الله من الحجارة (^٥).
وفي الباب الثامن عشر في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها قال:
_________________
(١) التخويف من النار (ص ٩).
(٢) سورة الأعراف آية (٣٨).
(٣) سورة غافر آية (٤٧).
(٤) سورة ص آية (٥٩ - ٦٤).
(٥) التخويف من النار (ص ١٣٥).
[ ٧٥٣ ]
"قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ (^١) ثم قال: وقد دل القرآن على أنهم يأكلون منها حتى تمتلئ منها بطونهم فتغلي في بطونهم كما يغلي الحميم وهو الماء الذي قد انتهى حره ثم بعد أكلهم منها يشربون عليه من الحميم شرب الهيم" (^٢).
وفي الباب الحادي والعشرين في ذكر أنواع عذاب أهل النار وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم قال: "واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي دخلوا بها النار كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ (^٤) قال ابن عباس: "وافق أعمالهم" (^٥).
فليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كمن ليس كذلك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ (^٦).
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (^٧).
_________________
(١) سورة الدخان آية (٤٣ - ٤٦).
(٢) التخويف من النار (ص ١٤٢، ١٤٤).
(٣) سورة الأنعام آية (١٣٢).
(٤) سورة النبأ آية (٢٦).
(٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ١٥).
(٦) سورة النحل آية (٨٨).
(٧) سورة غافر آية (٤٦).
[ ٧٥٤ ]
وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم العذاب بحسنات أخر له أو بما شاء الله من الأسباب. . . " (^١).
وقال في هذا الباب أيضًا عن أنواع عذابهم: "ومن أنواع عذابهم الصهر قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ (^٢).
ومن أنواع عذابهم سحبهم في النار على وجوههم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾. . . (^٣).
ومنهم من يعذب بالصعود إلى أعلى النار ثم يهوي فيها كذلك أبدًا، ومنهم من يكلف صعود جبل في النار والتردي منه. . .
ومنهم من يدور في النار ويجر أمعاءه معه، وقد رأى النبي - ﷺ - عمرو بن لحي يجر قُصْبَه (^٤) في النار. . . (^٥).
_________________
(١) التخويف من النار (ص ١٨١، ١٨٢).
(٢) سورة الحج آية (١٩ - ٢١).
(٣) سورة القمر آية (٤٧، ٤٨).
(٤) قُصْبَه: بضم القاف الأمعاء، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء. النهاية لابن الأثير (٤/ ٦٧).
(٥) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٠) ومسلم (٤/ ٢١٩٢) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "رأيت عمرو بن عامر لحيي الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب" والسوائب جمع سائبة وهي الناقة التي تترك فلا تحلب ولا تركب، ولا تمنع من ماء ولا مرعى، إما للآلهة وإما لأجل نذر أو شفاء من مرض. لسان العرب (١/ ٤٧٨).
[ ٧٥٥ ]
ومنهم من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة الضيقة قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ (^١).
وربما يبتلى أهل النار بأنواع من الأمراض الحادثة عليهم ومن أهل النار من يتأذى أهل النار بعذابه إما من نتن ريحه أو غيره (^٢).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن أعظم عذاب أهل النار هو حجابهم عن الله ﷿ وعدم تمكنهم من رؤيته ﵎ فقال: "وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله ﷿ وإبعادهم عنه وإعراضه عنهم وسخطه عليهم كما أن رضوان الله على أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة" قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (^٣).
فذكر الله تعالى لهم ثلاثة أنواع من العذاب: حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخهم بتكذيبهم به في الدنيا، ووصفهم بالران على قلوبهم، وهو صدأ الذنوب الذي سوّد قلوبهم، فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا شيء من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته، فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله حجبوا في الآخرة عن رؤيته" (^٤).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى بعض أهل النار الذين يدخلونها
_________________
(١) سورة الفرقان آية (١٣).
(٢) التخويف من النار (ص ١٨٤) وما بعدها.
(٣) سورة المطففين آية (١٤ - ١٧).
(٤) التخويف من النار (ص ١٩٥ - ١٩٦).
[ ٧٥٦ ]
فقال: "وفي صحيح مسلم (^١) عن عياض بن حمار أن النبي - ﷺ - قال في خطبته: " وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له (^٢) الذين هم فيكم تبعًا لا يبغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخل أو الكذب والشِّنْظِير (^٣): الفحاش أهل النار قسمهم النبي - ﷺ - في هذا الحديث إلى خمسة أصناف:
الصنف الأول: الضعيف الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح ولما حدث مطرف بن عبد الله (^٤) بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ قوله: "الضعيف الذي لا زبر له" فقيل له: أوَ يكون هذا؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها.
وهذا القسم شر أقسام الناس ونفوسهم ساقطة لأنهم ليس لهم همم في طلب الدنيا ولا الآخرة، وإنما همة أحدهم شهوة بطنه وفرجه كيف
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا وأهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٨).
(٢) قال في النهاية: لا زَبْر له: أي لا عقل له يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي. النهاية لابن الأثير (٢/ ٢٩٣).
(٣) الشِّنْظِير: فسره بالحديث بأنه الفحاش وهو السيئ الخلق. النهاية لابن الأثير (٢/ ٥٠٥).
(٤) مطرف بن عبد الله الشخير العامري أبو عبد الله البصري الإمام الحافظ من كبار التابعين. قال ابن سعد: كان ثقة له فضل وورع وعقل وأدب، توفي سنة ٨٦ هـ، وقيل بعد ذلك. طبقات ابن سعد (٧/ ١٤١) وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٧) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٧٣).
[ ٧٥٧ ]
اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم.
والصنف الثاني: الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه أي يعني لا يقدر على خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان، وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك، وهو خصلة من خصال النفاق وربما يدخل الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سرًا مع إظهار اجتنابها.
الصنف الثالث: المخادع الذي دأبه صباحًا ومساءً مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم، والخداع من أوصاف المنافقين كما وصفهم الله تعالى بذلك، والخداع معناه إظهار الخير وإضمار الشر لقصد التوصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهو من جملة المكر والحيل المحرمة.
الصنف الرابع: الكذب والبخل والكذب والبخل كلاهما ينشأ عن الشح كما جاء ذلك في الأحاديث، والشح هو شدة حرص الإنسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل، وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع من إخراجه في وجوهه التي أمر بها، فالمخادع الذي سبق ذكره هو الصحيح، وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخذ المال بغير حقه، والبخيل منعه من حقه.
وينشأ عن الشح أيضًا الكذب والمخادعة والتحيل على ما لا يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة، وفي الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: "إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" (^١).
_________________
(١) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٧/ ٢٠٠) ومسلم: كتاب البر والصلة، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (٤/ ٢٠١٢).
[ ٧٥٨ ]
الصنف الخامس: الشنظير وقد فسر بالسيىء الخلق، والفحاش هو الفاحش المتفحش، وفي الصحيحين (^١) عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: "إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه".
وفي الترمذي (^٢) عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله يبغض الفاحش البذيء" والبذيء الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام والفاحش هو الذي يفحش في منطقه ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه، ويأتي في كلامه بالسخف وما يفحش ذكره (^٣).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى بعض الأعمال التي تنجي العبد من نار جهنم أعاذنا الله منها فقال: "قد تكاثرت النصوص في أن البكاء من خشية الله يقتضي النجاة منها، والبكاء خوفًا من نار جهنم هو البكاء من خشية الله لأنه بكاء من خشية عقاب الله وسخطه والبعد عنه وعن رحمته وجواره ودار كرامته" (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الأدب، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب (٧/ ٨٦) وصحيح مسلم: كتاب البر والصلة، باب مدارة من يتقي فحشه (٤/ ٢٠٠٢).
(٢) سنن الترمذي: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق (٤/ ٣٦٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) التخويف من النار (ص ٢٧٧) وما بعدها.
(٤) المصدر السابق (ص ٥٥).
[ ٧٥٩ ]
المبحث الثاني عشر خلق الجنة والنار
الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن فالجنة معدة للمتقين والنار معدة للكافرين كما جاء ذلك في كتاب الله ﷿ وسنة رسولنا - ﷺ -، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة:
فمن الأدلة في القرآن على خلقهما ووجودهما:
قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (^٣).
وقال تعالى عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٣٣).
(٢) سورة الحديد آية (٢١).
(٣) سورة النجم آية (١٣ - ١٥).
(٤) سورة البقرة آية (٢٤) وسورة آل عمران آية (١٣١).
(٥) سورة الفرقان آية (١١).
[ ٧٦٠ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٢).
ومن الأدلة التي وردت في السنة حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها بالمكاره، فقال: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: ولما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فلما رجع قال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها (^٣).
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا وبكيتم كثيرًا" قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: "رأيت الجنة والنار" (^٤).
_________________
(١) سورة النبأ آية (٢١، ٢٢).
(٢) سورة الفتح آية (٦).
(٣) أخرجه أبو داود: كتاب السنة، باب في خلق الجنة والنار (٤٧٤٤) والترمذي: كتاب صفة الجنة، باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي: كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بعزة الله تعالى (٧/ ٣) والحاكم (١/ ٢٧) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بالركوع أو سجود ونحوهما (١/ ٣٢٠).
[ ٧٦١ ]
ومنها حديث عمران بن الحصين ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" (^١).
ومنها حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عليه يوم القيامة" (^٢).
فهذه النصوص وغيرها من الآيات والأحاديث تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة وجود الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن معدتان وقرر ذلك بما يوافق معتقد أهل السنة والجماعة فقال رحمه الله تعالى: "إن الله تعالى خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء في الدارين مع غير موت، وخلق دارًا معجلة للأعمال وجعل فيها موتًا وحياة وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه وكلفهم فيها بالإيمان بالغيب ومنه الإيمان بالجزاء، والداران المخلوقتان له وأنزل بذلك الكتب وأرسل به الرسل وأقام الأدلة الواضحة على الغيب الذي أمر بالإيمان به وأقام علامات وأمارات تدل على وجود داري الجزاء فإن إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار (٧/ ١٧٩) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء (٤/ ٢٠٩٦).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (٢/ ١٢٤) ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه (٨/ ١٦٠).
[ ٧٦٢ ]
يشوبه ألم، والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة، وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم، فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة، وما فيها من الألم يذكر بألم النار، وجعل الله تعالى في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية فمنها ما يذكر بالجنة من زمان ومكان، أما الأماكن فخلق الله بعض البلدان كالشام وغيرها فيها من المطاعم والمشارب والملابس وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة، وأما الأزمان فكزمن الربيع فإنه يذكر طيبه بنعيم الجنة وطيبها، وكأوقات الأسحار فإن بردها يذكر ببرد الجنة
ومنها ما يذكر بالنار فإن الله تعالى جعل في الدنيا أشياء كثيرة تذكر بالنار المعدة لمن عصاه وما فيها من الآلام والعقوبات من أماكن وأزمان وأجسام وغير ذلك، أما الأماكن فكثير من البلدان مفرطة الحر أو البرد، فبردها يذكر بزمهرير جهنم، وحرها يذكر بحر جهنم وسمومها وأما الأزمان فشدة الحر والبرد يذكر بما في جهنم من الحر والزمهرير
وأما الأجسام المشاهدة في الدنيا المذكرة بالنار فكثيرة منها الشمس عند اشتداد حرها (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما الله ﷿ وخلق الخلق لهما" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "اعلم أن الله خلق الجنة والنار ثم خلق بني آدم وجعل لكل واحدة من الدارين أهلًا منهم وأشهد عباده في هذه الدار آثارًا من الجنة وآثارًا من النار" (^٣).
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٣٣٣، ٣٣٤).
(٢) أهوال القبور (١٩).
(٣) البشارة العظمى ورقة (٣).
[ ٧٦٣ ]
وقال رحمه الله تعالى وهو يذكر فوائد حديث الكسوف الذي رأى فيه النبي - ﷺ - الجنة والنار قال:
"ومنها أنه يدل على وجود الجنة والنار كما هو مذهب أهل السنة والجماعة" (^١).
فخلق الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن من عقيدة أهل السنة والجماعة وهي من المسائل التي أجمعوا عليها، وقد حكى الإجماع غير واحد منهم، ومن ذلك قول الآجري رحمه الله تعالى في الشريعة: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن القرآن شاهد أن الله خلق الجنة والنار قبل أن يخلق آدم ﵇، وخلق للجنة أهلًا وللنار أهلًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا لا يختلف في هذا من شمله الإسلام وذاق حلاوة طعم الإيمان، دل على ذلك القرآن والسنة فنعوذ بالله ممن كذب بهذا" (^٢).
فأهل السنة والجماعة اتفقوا على القول بخلق الجنة والنار، وقالوا: إنهما موجودتان الآن، خلاف ما قالته المبتدعة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن خالفوا الأدلة الواردة في ذلك، وحادوا عن طريق الصواب وقالوا: إن الجنة والنار غير موجودتين الآن بل ينشئهما الله يوم القيامة وقالوا: إنهما لو كانتا مخلوقتين الآن لوجب أن تفنيا يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت لعموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ (^٣).
قال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: "وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا ولا
_________________
(١) فتح الباري ورقة (١٣٦/ أ).
(٢) الشريعة للآجري (ص ٢٢٥).
(٣) سورة القصص آية (٨٨).
[ ٧٦٤ ]
ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة، وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم (^١).
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^١) فلا حجة لهم فيه.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ". . . فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^١) وبنحو هذا من متشابه القرآن، قيل له: كل شيء مما كتب الله ﷿ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما في الآخرة لا من الدنيا" (^٢).
وقال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: ". . . . وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٣) فأتيتم من سوء فهمكم بمعنى الآية واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما، فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام، فمن كلامهم أن المراد ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٧٦).
(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨).
(٣) سورة القصص آية (٨٨).
(٤) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٧٩ - ٤٨٠).
[ ٧٦٥ ]
المبحث الثالث عشر الجنة والنار باقيتان لا تفنيان
خلود الجنة والنار ودوامهما وبقاؤهما بإبقاء الله لهما وأنهما لا تفنيان أبدًا ولا يفنى ما فيهما ثابت بالكتاب والسنة والأدلة عليهما كثيرة جدًا.
قال الله تعالى عن الجنة وأهلها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ
_________________
(١) سورة النساء آية (٥٧).
(٢) سورة التوبة آية (٢٠ - ٢٢).
(٣) سورة النساء آية (١٦٨، ١٦٩).
[ ٧٦٦ ]
فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (^١).
ومن الأحاديث الدالة على أبدية الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما حديث ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "يدخل الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" (^٢).
فهذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سأذكرها في معرض كلام ابن رجب رحمه الله تعالى كلها تدل على أبدية الجنة والنار ودوامهما وخلود أهلهما فيهما لا إلى غاية ولا إلى أمد، فأهل الجنة ينعمون بما فيها تنعما دائمًا لا آخر له ولا انقطاع أبدًا، وأهل النار أعاذنا الله منها خالدين فيها من غير موت ولا حياة ولا نجاة من عذاب الله.
وقد تكلم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا كله وذكر الأدلة عليه فقال عن النار وعذابها: "وعذاب الكفار في النار لا يفتر عنهم ولا ينقطع ولا يخفف بل هو متواصل أبدًا قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ (^٤).
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٦٤، ٦٥).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألف بغير حساب (٧/ ١٩٩) ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٩).
(٣) سورة الزخرف آية (٧٤، ٧٥).
(٤) سورة فاطر آية (٣٦).
[ ٧٦٧ ]
وقال تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾ (^٢) " (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم الإياس وتعظم عليهم الحسرة والحزن، وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون (^٤) وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت" (^٥) ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: " ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ (^٦) " (^٧).
وقال عن الجنة: قوله - ﷺ -: "من يدخلها ينعم ولا يباس، ويخلد
_________________
(١) سورة البقرة آية (٨٦).
(٢) سورة غافر آية (٤٩، ٥٠).
(٣) التخويف من النار (ص ١٩٤).
(٤) يشرئبون: أي يرفعون رؤوسهم لينظروا إليه، وكل رافع رأسه مشرئب. النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٥٥).
(٥) صحيح البخاري: كتاب التفسير، تفسير سورة مريم، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٤/ ٣١٦) وصحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٨).
(٦) سورة مريم آية (٣٩).
(٧) التخويف من النار (ص ٢٠٨، ٢٠٩).
[ ٧٦٨ ]
ولا يموت ولا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم" إشارة إلى بقاء الجنة وبقاء جميع ما فيها من النعيم، وإن صفات أهلها كاملة من الشباب لا تتغير أبدًا، وملابسهم التي عليهم من الثياب لا تبلى أبدًا.
وقد دل القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٢)﴾ (^٣) في مواضع كثيرة.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "من يدخل الجنة ينعم لا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" (^٤).
وفيه أيضًا عن النبي - ﷺ - قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد أن لكم أن تنعموا ولا تبأسوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٥) " (^٦).
وفي رواية لغيره زيادة: "وأن تحيوا فلا تموتوا أبدًا" (^٧) (^٨).
وهذه المسألة من المسائل التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل البدع والأهواء.
_________________
(١) سورة التوبة آية (٢١).
(٢) سورة الرعد آية (٣٥).
(٣) سورة التوبة آية (٢٢).
(٤) صحيح مسلم: كتاب صفة الجنة، باب في دوام نعيم أهل الجنة (٤/ ٢١٨١).
(٥) سورة الأعراف آية (٤٣).
(٦) صحيح مسلم: كتاب صفة الجنة ونعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة (٤/ ٢١٨٢).
(٧) وهي في مسلم أيضًا (٤/ ٢١٨٢).
(٨) لطائف المعارف (ص ٢٤).
[ ٧٦٩ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع سلف الأمة وأئمتها" (^١).
وقد خالف أهلَ السنة والجماعة في هذه المسألة الجهميةُ ومن تبعهم من المعتزلة والخوارج وقالوا: الجنة والنار تفنيان وتبيدان ليس لهما بقاء ولا خلود، وقالوا: إن الجنة إذا دخلها أهلها ولبثوا فيها زمنًا طويلًا فتبيد الجنة وأهلها ويبيد نعيمها، وإن أهل النار إذا دخلوا النار ومكثوا فيها زمنًا طويلًا تهلك النار ويبيد عذابها ثم يبقى الله سبحانه آخرًا لا شيء معه كما كان أولًا لا شيء معه وهو قوله الأول والآخر (^٢).
وشبهتهم في ذلك أصلهم الفاسد الذي أصلوه وجعلوه أساسًا لرد النصوص الصحيحة هو امتناع وجود ما لا نهاية له من الحوادث واستدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يحل من الحوادث فقالوا: إن الجنة والنار تفنيان لأنهما كانتا معدومتين في الماضي، ويخلقهما الله يوم البعث والجزاء، فكل ما كان في الماضي معدومًا فهو حادث، وكل حادث لابد له من الفناء، فالجنة والنار تفنيان وليس لهما بقاء.
وهذه شبهة باطلة تعارض الأدلة القطعية والنصوص الشرعية (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٤٨) والفصل في الملل والنحل (٢/ ٨٣) والفرق بين الفرق (ص ٣١٩) والملل والنحل (١/ ٨٧).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).
[ ٧٧٠ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن القول بفناء الجنة والنار قول مبتدع، لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين، والذين قالوه إنما تلقوه عن قياس فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقًا " (^١).
وقال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: "وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان أمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة وكفروه به، وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث" (^٢).
_________________
(١) حادي الأرواح (ص ٣٥٣).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٨٠).
[ ٧٧١ ]