ويشتمل على الفصول التالية:
الفصل الأول: تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها.
الفصل الثاني: توحيد الربوبية.
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
الفصل الرابع: توحيد الألوهية.
الفصل الخامس: نواقض التوحيد.
[ ١٣٣ ]
الفصل الأول تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف التوحيد لغة.
المبحث الثاني: تعريف التوحيد شرعًا.
المبحث الثالث: أنواع التوحيد.
المبحث الرابع: العلاقة بين أنواع التوحيد.
[ ١٣٥ ]
المبحث الأول تعريف التوحيد لغة
التوحيد مصدر وحد يوحد توحيدًا أي جعله واحدًا، وكلمة التوحيد مصدر الفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه وهي تعني الوحدة والانفراد.
قال ابن فارس (^١): الواو والحاء والدال أصل واحد، يدل على الانفراد من ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله (^٢).
وقال الجوهري (^٣): الوحدة الانفراد، تقول رأيته وحده (^٤).
وقال الراغب (^٥) الأصفهاني: الوحدة الانفراد، والوحدة في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود حتى أنه ما
_________________
(١) هو أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي اللغوي الأديب. من تصانيفه: مقاييس اللغة، والمجمل، توفي سنة ٣٩٥ هـ. معجم الأدباء (٤/ ٨٠) ووفيات الأعيان (١/ ١١٨).
(٢) معجم مقاييس اللغة (٦/ ٥٨).
(٣) هو إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب كتاب "الصحاح" في اللغة، توفي سنة ٣٩٦ هـ. معجم الأدباء (٦/ ١٥١) وبغية الوعاة (١/ ٤٤٦).
(٤) الصحاح (٢/ ٥٤٧).
(٥) هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصبهاني، المعروف بالراغب، اشتهر في عصره وكان من المتكلمين، له كتب في الاعتقاد والتفسير منها: المفردات في غريب القرآن، توفي سنة ٥٠٢ هـ. سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٢٠) وبغية الوعاة (٢/ ٢٩٧).
[ ١٣٧ ]
من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد.
وقال: وأحد مطلقًا لا يوصف به غير الله تعالى (^١).
وقال ابن الأثير (^٢): في أسماء الله تعالى: الواحد هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر (^٣).
وقال أبو هلال العسكري (^٤): . . . والواحد يفيد الانفراد في الذات أو الصفة. . . وتقول: الله واحد تريد أن ذاته منفردة عن المثل والشبه (^٥).
وقال أيضًا: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد يفيد أنه فارق غيره ممن شاركه في فن من الفنون، ومعنى من المعاني كقولك: فارق فلان أوحد دهره في الجود والعلم تريد أنه فوق أهله في ذلك.
وقال أيضًا: . . . والوحدانية تفيد نفي الأشكال والنظراء ولا يستعمل في غير الله. . . (^٥).
وقال الزجاج (^٦): وقال بعض أصحاب المعاني: الفرق بين الواحد
_________________
(١) المفردات (ص ٥١٤).
(٢) أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري قرأ الحديث والعلم والأدب، وكان ورعًا ذا بر وإحسان، له مؤلفات كثيرة مفيدة ومنها: النهاية في غريب الحديث، وجامع الأصول، توفي سنة ٦٠٦ هـ. معجم الأدباء (٦/ ٢٣٨) والعبر (٣/ ١٤٣) وبغية الوعاة (٢/ ٢٧٤).
(٣) النهاية لابن الأثير (٥/ ١٥٩).
(٤) هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد أبو هلال العسكري، عالم بالأدب له مؤلفات منها: الفروق اللغوية، توفي سنة ٣٨٢ هـ. معجم الأدباء (٨/ ٢٥٨).
(٥) الفروق اللغوية (ص ١١٤، ١١٥).
(٦) هو إبراهيم بن محمد بن سري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة له كتب منها: تفسير أسماء الله الحسنى، توفي سنة ٣١١ هـ. معجم الأدباء (١/ ٤٧).
[ ١٣٨ ]
والأحد أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد: يفيده بالذات والمعاني على هذا جاء في التنزيل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^١).
أراد: المنفرد بوحدانيته في ذاته وصفاته تعالى الله علوًا كبيرًا (^٢).
فالله ﷾ هو الواحد الأحد الذي انفرد بذاته وصفاته مع عدم المثيل والنظير.
وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا في تفسيره لسورة الإخلاص حيث قال: وأحد اسم من أسماء الله يسمى الله به، ولا يسمى به غيره من الأعيان به، فلا يسمى شيء من الأشياء أحدًا في الإثبات إلا في الأعداد المطلقة، وإنما يسمى به في النفي، وما أشبهه من الاستفهام، والنهي، والشرط، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^٣) وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (^٤) وقوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (^٥) وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (^٦) ونحوه.
والأحد: هو الواحد في إلهيته وربوبيته (^٧).
ثم طرح ابن رجب رحمه الله تعالى استفسارًا، وأجاب عليه حيث قال سؤال: قوله: "الله أحد" ولم يقل: الأحد كما قال الصمد؟
_________________
(١) سورة الإخلاص آية (١).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص ٥٧).
(٣) سورة الإخلاص من آية (٤).
(٤) سورة مريم آية (٩٨).
(٥) سورة الجن آية (١٨).
(٦) سورة التوبة آية (٦).
(٧) تفسير سورة الإخلاص (٨٧ - ٨٩) وما بعدها.
[ ١٣٩ ]
جوابه: أن الصمد يسمى به غير الله. . . فأتى فيه بالألف واللام ليدل على أنه سبحانه هو المستحق لكمال الصمدية، فإن الألف واللام تأتي لاستغراق الجنس تارة، ولاستغراق خصائص أخرى كقوله: زيد هو الرجل أي الكامل في صفات الرجولة، فكذلك قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ (^١) أي الكامل في صفات الصمدية، وأما الأحد فلم يتسم به غير الله، فلم يحتج فيه إلى الألف واللام (^٢).
هذه هي أقوال أهل اللغة التي تبين المعنى اللغوي لكلمة التوحيد ونخلص منها إلى أن المعنى اللغوي لكلمة التوحيد يدور حول شيء واحد ألا وهو الوحدة والانفراد بالشيء، والله ﷾ واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك ولا مثيل ولا نظير له في ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^٣).
_________________
(١) سورة الإخلاص آية (٢).
(٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٨٩).
(٣) سورة الإخلاص.
[ ١٤٠ ]
المبحث الثاني تعريف التوحيد شرعًا
مما سبق في التعريف اللغوي يتبين لنا أن الله ﵎ واحد في ذاته، وأسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته.
فعلى هذا فالتوحيد هو: إفراد الله تعالى بالعبادة مع علم العبد واعترافه واعتقاده بتفرد الرب ﵎ بصفات الكمال وأنه لا شريك له واعتقاد أنه هو وحده الخالق المدبر المتصرف في هذا الكون، وله الكمال المطلق، وأنه ذو الألوهية على خلقه أجمعين، فهو المستحق للعبادة دون سواه.
قال السفاريني (^١) ﵀ في تعريف التوحيد: وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا، فلا تقبل ذاته الانقسام بوجه، ولا تشبه صفاته الصفات، ولا تنفك عن الذات، ولا يدخل أفعاله الاشتراك فهو الخالق دون سواه (^٢).
_________________
(١) محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي، محدث، أصولي، له تصانيف كثيرة منها: البحور الزاهرة في أمور الآخرة، ومنها: لوامع الأنوار، توفي سنة ١١٨٨ هـ. مختصر طبقات الحنابلة للشطي (١٤٠) ومعجم المؤلفين لكحالة (٨/ ٢٦٢).
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٥٧).
[ ١٤١ ]
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (^١) ﵀: سمي دين الإسلام توحيدًا، لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا ند له (^٢).
وقد دلت الآيات الكثيرة في كتاب الله ﷾ على هذه المعاني كلها.
فقد دل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ. . .﴾ (^٣) الآية، على أن الله ﷾ هو المتفرد بالخلق والرزق والإماتة والإحياء دون سواه فلا يتوجه إلى أحد سواه في جلب نفع أو دفع ضر لأن من سواه عاجزون عن فعل شيء من ذلك، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: أي لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك بل الله ﷾ هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة ثم يبعث الخلائق يوم القيامة ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو أو ولد أو والد بل هو الأحد الفرد الصمد الذي
_________________
(١) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الفقيه المحدث، من أئمة الدعوة المجاهدين، وكان آية في العلم، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، له مؤلفات مفيدة نافعة منها: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، قتل سنة ١٢٣٣ هـ رحمه الله تعالى. هدية العارفين (١/ ٤٠٨) وعلماء نجد خلال ستة قرون (١/ ٢٩٣) وعنوان المجد في تاريخ نجد (١/ ٢١٢).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٢، ٣٣).
(٣) سورة الروم آية (٤٠).
[ ١٤٢ ]
لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد (^١).
ودل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (^٢) على إفراد الله ﷿ بالعبادة وحده دون سواه فلا يصرف شيء من العبادات لغيره ﷿.
قال ابن جرير الطبري (^٣) رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "قل يا محمد لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل، تعالوا: هلموا إلى كلمة سواء، يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئًا. . . " (^٤).
ودل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٣٥).
(٢) سورة آل عمران آية (٦٤).
(٣) الإمام العلم أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري. قال الذهبي: "كان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علَّامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة وغير ذلك"، له مصنفات مفيدة منها: جامع البيان في تفسير القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وغيرهما، توفي سنة ٣١٠ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ١٦٢) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٢٦٤) وغاية النهاية (٢/ ١٠٦).
(٤) تفسير ابن جرير الطبري (٣/ ٣٠١، ٣٠٢).
[ ١٤٣ ]
يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (^١) على تفرد الرب ﷿ بذاته وأسمائه وصفاته التي لا نظير ولا مثيل له فيها، فذاته لا تشبه ذوات المخلوقين وكذلك أسماؤه وصفاته كما قال ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).
والآيات الدالة على هذه المعاني كثيرة جدًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد من إيضاح ذلك في الفصول القادمة.
_________________
(١) سورة الحشر الآيات (٢٢، ٢٣، ٢٤).
(٢) سورة الشورى آية (١١).
[ ١٤٤ ]
المبحث الثالث أنواع التوحيد
إن المتتبع للقرآن الكريم يجده من أوله إلى آخره يقرر العقيدة الصحيحة ويبينها ويوضحها خير بيان وإيضاح.
فسور القرآن الكريم متضمنة لجميع أنواع التوحيد.
وعلماء الإسلام رحمهم الله تعالى قسموا التوحيد إلى أقسام، وذلك استنباط منهم من نصوص الكتاب والسنة.
وهذه الأقسام منهم من يجعلها قسمين كالحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى ومنهم من يجعلها ثلاثة أقسام وعلى هذا درج أكثر العلماء، ومنهم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، ومنهم من يجعلها أربعة أقسام (^١).
والحقيقة أن نصوص الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، لم يرد فيها تصربح بتقسيم التوحيد إلى أقسام، لكن هذه النصوص تضمنت هذا التقسيم الذي قسم العلماء التوحيد إليه، لأن المتتبع لهذه النصوص يجد قسمًا منها يتحدث عن أفعال الله ﵎ من الإحياء والإماتة والخلق والرزق وإنزال المطر وجلب النفع ودفع الضر، وغيرها، وهو ما يسميه العلماء توحيد الربوبية.
_________________
(١) انظر مقدمة كتاب التوحيد لابن منده، تحقيق الدكتور علي ناصر فقيهي.
[ ١٤٥ ]
وقسم آخر من النصوص يتحدث عن بيان أسماء الله الحسنى وصفاته العلى التي اتصف بها الله ﵎ التي لا مثيل ولا نظير ولا شبيه له فيها وهو ما يسميه العلماء توحيد الأسماء والصفات.
وقسم آخر من النصوص يبين وجوب إخلاص العمل لله ﷿، وإفراده بالعبادة دون سواه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهو ما يسميه العلماء توحيد الإلهية أو توحيد العبادة.
يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.
فإن القرآن: إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه (^١).
والخلاصة أن أنواع التوحيد لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة:
١ - توحيد الله بأفعاله كالرزق والإحياء والإماتة وغيرها من أفعاله ﵎ وهو ما يسمى بتوحيد الربوبية.
٢ - توحيد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي ليس له فيها نظير ولا
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠).
[ ١٤٦ ]
شبيه ولا مثيل ﷿، وهو ما يسمى بتوحيد الأسماء والصفات.
٣ - توحيد الله بأفعال العباد وهو صرف جميع أنواع العبادة له وحده دون سواه، وهو ما يسمى بتوحيد الألوهية.
والحقيقة أن تقسيم العلماء رحمهم الله تعالى لتوحيد إلى هذه الأقسام إنما هو عبارة عن تفسير وتوضيح وشرح لنصوص كتاب الله ﷾ وسنة رسوله - ﷺ -، والخلاف الذي بينهم في تقسيم التوحيد وبيان أنواعه خلاف لفظي، لأنهم جميعا يتفقون على أن أنواع التوحيد لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة السابقة إلا أن الذين جعلوه نوعين جعلوا توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، نوعًا واحدًا، وسموه توحيد المعرفة والإثبات، وجعلوا توحيد الألوهية نوعًا مستقلًا والذين قسموه إلى أربعة أنواع جعلوا التوحيد في الأسماء نوعًا والتوحيد في الصفات نوعًا منفردًا بالإضافة إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
وهناك من يجعل النوع الرابع: هو توحيد المتابعة (^١) للنبي - ﷺ - بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المشهورة.
وقد تحدث ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته عن أنواع التوحيد وبينها وأوضحها، وهو ما سأتحدث عنه إن شاء الله تعالى في الفصول القادمة لأبين ما لابن رجب رحمه الله تعالى من أثر في توضيح هذه الأنواع.
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢١٧) وكتاب القول المفيد في أدلة التوحيد للعبدلي (ص ٢٠).
[ ١٤٧ ]
المبحث الرابع العلاقة بين أنواع التوحيد
بعد أن عرفنا فيما سبق حقيقة التوحيد وأنواعه التي هي توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، يحسن بنا أن نعرف العلاقة بين هذه الأنواع، وصلتها ببعضها، وهل هي متلازمة في الوجود بمعنى أن بعضها لا يوجد بدون الآخر؟ أم أنها غير متلازمة، وهل يغني اعتقاد بعضها فقط أم لابد من اعتقاد جميعها.
والحقيقة أن بينها علاقة متينة، وصلة قوية.
فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، لأنه من اعترف بأن الله ﷿ هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وأنه رب كل شيء ومليكه يحتم عليه ذلك أن يخلص العبادة له ﷿ بجميع أنواعها لأنه ﵎ ذو الألوهية المستحق للعبادة وحده دون سواه، لأن جميع الأمور بيده، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا هادي لمن أضل، ولا ضال لمن هدى سواه ﷿، ولهذا نجد الآيات الواردة في القرآن الكريم في توحيد الربوبية تحث وترشد إلى عبادة الله وحده، ونبذ عبادة ما سواه، وعدم صرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره ﷿، كما قال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ
[ ١٤٨ ]
أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (^١).
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشًا أي مهدًا كالفراش مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناءً، وهو السقف كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ (^٢).
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والمراد به السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد رزقًا لهم، ولأنعامهم كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية بهذه آية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ (^٣) ومضمونه أنه الخالق الرزاق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفي الصحيحين (^٤) عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك. . . " الحديث (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة الآيتان (٢١ - ٢٢).
(٢) سورة الأنبياء آية (٣٢).
(٣) سورة غافر آية (٦٤).
(٤) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥/ ١٤٨). وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمهما بعده (١/ ٩٠).
(٥) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧).
[ ١٤٩ ]
وقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى حيث قال: . . . فإن من تفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحق أن يفرد بالألوهية والعبادة والسؤال والتضرع والاستكانة. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ (^١). . . (^٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: . . . وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة أيضًا. . . وأن تقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا. . . (^٣).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: . . . فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا، كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه. . . . (^٤).
فمن أقر بتوحيد الربوبية ولم يقر بتوحيد الألوهية، فإن ذلك لا ينفعه شيئًا، لأن المشركين كانوا مقرين بهذا النوع من التوحيد كما ذكر الله ﵎ ذلك في القرآن الكريم في آيات كثيرة.
منها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ
_________________
(١) سورة الروم آية (١٢، ٢٢).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٨٤).
(٣) نور الاقتباس (ص ٨٠).
(٤) المصدر السابق (ص ٧٩).
[ ١٥٠ ]
وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ (^١).
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (^٢) وغيرها من الآيات ومع هذا لم ينفعه هذا الاعتراف، لأنهم لم يوحدوا الله ﵎ بالعبادة كما قال ﷿: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^٤).
إذًا من اعترف بتوحيد الربوبية يلزمه أن يخلص العبادة لله وحده دون سواه، ومن لم يفعل ذلك فإن إقراره بتوحيد الربوبية لا ينفعه شيئًا كما لم ينفع المشركين من قبل.
وأما توحيد الألوهية الذي يسمى توحيد العبادة، ويسمى أيضًا بتوحيد القصد والطلب، فإنه متضمن لتوحيد الربوبية، ومعنى كونه متضمنًا له أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الألوهية لأن من عبد الله وحده لا شريك له، وأخلص العبادة له لابد أن يكون قد اعتقد بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه لا رب سواه ولا مالك غيره، فهو يعبده لأنه يعلم أنه مستحق للعبادة دون سواه.
_________________
(١) سورة يونس آية (٣١).
(٢) سورة المؤمنون من آية (٨٤ إلى ٨٩).
(٣) سورة يوسف آية (١٠٦).
(٤) سورة الزمر آية (٣).
[ ١٥١ ]
ولذلك نجد الآيات الكثيرة تبين أن الآلهة التي عبدها المشركون من دون الله ليس بيدها شيء، وأنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا فهي لا تملك ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ (^٢).
فهذه الآيات تبين للمشركين أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله غير مستحقة للعبادة، لأن الذي يستحق للعبادة هو من بيده الخلق والرزق والإحياء والإماتة، والضر، والنفع، وهو الله ﷾ وحده.
فتوحيد الألوهية لا يصح بدون توحيد الربوبية لأن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا في عبادته لكنه مع ذلك اعتقد أن لغير الله تأثير في شيء من دفع ضر أو جلب نفع أو تصرف فعبادته لا تغني عنه شيئًا. يقول ابن أبي العز (^٣) رحمه الله تعالى: التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية (^٤).
_________________
(١) سورة النحل الآيتان (٢٠ - ٢١).
(٢) سورة النحل آية (٧٣).
(٣) هو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي، عالم فقيه تولى القضاء بدمشق ثم بالديار المصرية، واستفاد من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم كثيرًا، له كتب مفيدة نافعة منها: شرح العقيدة الطحاوية، والإتباع، توفي سنة ٧٩٢ هـ رحمه الله تعالى. الدرر الكامنة (٣/ ٨٧) وشذرات الذهب (٦/ ٣٢٦).
(٤) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٢).
[ ١٥٢ ]
وأما توحيد الأسماء والصفات فإنه مستلزم للنوعين الماضيين لأن من اعترف بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأنه لا نظير ولا شبيه ولا مثيل له في ذلك، يلزمه أن يعترف بأنه رب واحد لا شريك له ويلزمه أيضًا أن يخلص العبادة له وحده دون سواه.
كما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الأسماء والصفات، لأن من أخلص العبادة لله وحده يعتقد أن الله واحد في أسمائه وصفاته مع عدم المثيل والنظير والشبيه له في ذلك، وإلا فلا معنى لعبادته بدون ذلك.
وبهذا يتبين أن التوحيد الصحيح هو الإتيان بأنواع التوحيد كلها لأنها مرتبطة بعضها ببعض، ولا يتحقق التوحيد الصحيح إلا بها جميعًا. وهو ما جاءت به الآيات الكثيرة في كتاب الله ﵎ وجاءت به السنة النبوية.
وهذا ما قرره علماء السلف رحمهم الله تعالى.
يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وملاك السعادة والنجاة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتاب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله ﷾ رسوله - ﷺ -، وإليهما دعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم من أولهم إلى آخرهم. . . (^١).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معرض كلامه من أنواع التوحيد: . . . وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب. . . (^٢).
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (ص ٢٧).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٩٣).
[ ١٥٣ ]
الفصل الثاني توحيد الربوبية
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريفه لغة.
المبحث الثاني: تعريفه شرعًا.
المبحث الثالث: دلائل توحيد الربوبية:
١ - دلالة الفطرة.
٢ - دلالة النعم.
٣ - دلالة خلق السموات والأرض.
٤ - دلالة خلق النبات.
[ ١٥٥ ]
المبحث الأول تعريف توحيد الربوبية لغة
الربوبية مصدر من رب يرب ربابة وربوبية.
قال الراغب الأصفهاني: الربوبية مصدر يقال في الله ﷿، والربابة تقال في غيره (^١).
قال الجوهري: رب كل شيء: مالكه.
والرب: اسم من أسماء الله ﷿، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك.
قال الحارث بن حلزة (^٢):
وهو الرب والشهيد على يو م الحيارين والبلاء بلاء
والرباني: المتأله العارف بالله تعالى، وقد قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (^٣) ورببت القوم: سستهم، أي كنت فوقهم.
قال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: لأن يربني
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ١٨٤).
(٢) الحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد اليشكري الوائلي، شاعر جاهلي، من أهل بادية العراق، وهو أحد أصحاب المعلقات. طبقات فحول الشعراء لابن سلام (١/ ١٥١) والشعر والشعراء لابن قتيبة (١/ ٢٠٣).
(٣) سورة آل عمران آية (٧٩).
[ ١٥٧ ]
رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
ورب الضيعة، أي أصلحها وأتمها.
ورب فلان ولده يربه ربًا، وترببه، بمعنى أي رباه (^١).
وقال الراغب الأصفهاني أيضًا: الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام، ويقال: ربه ورباه ورببه ولا يقال: الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (^٢) وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ (^٣) وبالإضافة يقال له ولغيره نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤) و﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (^٥).
ويقال: رب الدار ورب الفرس لصاحبهما (^٦).
وقال ابن منظور (^٧): رب كل شيء مالكه ومستحقه.
وقيل: صاحبه.
_________________
(١) الصحاح (١/ ١٣٠).
(٢) سورة سبأ آية (١٥).
(٣) سورة آل عمران آية (٨٠).
(٤) سورة الفاتحة (٢).
(٥) سورة الدخان آية (٨).
(٦) المفردات في غريب القرآن (ص ١٨٤).
(٧) جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد بن أبي القاسم الأنصاري الإفريقي المعروف بابن منظور، أديب لغوي، شارك في علوم كثيرة، له مصنفات كثيرة منها: لسان العرب، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، توفي سنة ٧١١ هـ. بغية الوعاة (١/ ٢٤٨) وحسن المحاضرة (١/ ٢١٩) وشذرات الذهب (٦/ ٢٦).
[ ١٥٨ ]
ويقال: فلان رب هذا الشيء أي ملكه له.
وكل من ملك شيئًا، فهو ربه، يقال هو رب الدابة، ورب الدار وفلان رب البيت (^١).
ويطلق الرب في اللغة على معان عدة، قال ابن الأثير: الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال: رب كذا، وقد جاء في الشعر مطلقًا على غير الله تعالى، وليس بالكثير (^٢).
وقد ورد في الحديث لفظ الرب مضافًا إلى غير الله تعالى كما في صحيح مسلم عن رافع بن خديج أن النبي - ﷺ - أمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها (^٣).
وأما قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (^٤) فكما قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: " فإنه خاطبه على المتعارف عندهم، وعلى ما كانوا يسمونهم به، ومثله قول موسى ﵇ للسامري ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ (^٥) أي الذي اتخذته إلهًا.
فأما الحديث في ضالة الإبل: (حتى يلقاها ربها) (^٦) فإن البهائم غير
_________________
(١) لسان العرب (١/ ٣٩٩).
(٢) النهاية لابن الأثير (٢/ ١٧٩).
(٣) صحيح مسلم كتاب البيوع، باب كراء الأرض بالطعام (٣/ ١١٨١).
(٤) سورة يوسف آية (٤٢).
(٥) سورة طه آية (٩٧).
(٦) جزء من حديث أخرجه البخاري (٣/ ٧٩) ومسلم (٣/ ١٣٤٨) من حديث خالد الجهني أنه سأل الرسول - ﷺ - عن ضالة الإبل فقال: "ما لك وما لها؟، معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها".
[ ١٥٩ ]
متعبدة ولا مخاطبة، فهى بمنزلة الأموال التى يجوز إضافة مالكيها إليها وجعلهم أربابًا لها" (^١).
وخلاصة القول: أن الله ﷾ هو مالكنا، وهو سيدنا ومصلحنا وهو المطاع ﷿، والعباد كلهم له مملوكون ﵎.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته، وتحت قهره (^٢).
_________________
(١) النهاية لابن الأثير (٢/ ١٧٩).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤).
[ ١٦٠ ]
المبحث الثاني تعريف توحيد الربوبية شرعًا
يقصد بتوحيد الربوبية الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى وحده هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرزاق المحيي المميت الضار النافع المعطي المانع المتصرف في هذا الكون بمشيئته المطلقة، وليس له شريك في شيء من تلك الخصائص والصفات.
وربوبية الله على خلقه تعني تفرده سبحانه في خلقهم وملكهم، وتدبير شؤونهم، فلا شريك له في الخلق، ولا شريك له في تصريف الأمور ولا يتم شيء في هذا الوجود صغير أو كبير إلا بإذنه تعالى وبمشيئته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فتوحيد الربوبية أنه لا خالق إلا الله فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (^١).
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا المعنى فقال في معرض شرحه لحديث (^٢) وصية ابن عباس: ثم ذكر بعد هذا كله
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٠/ ٣٣١).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٩٣) وقال أحمد: إسناده صحيح، حديث رقم (٢٦٦٩) وأخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة (٤/ ٦٦٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وانظر طرق هذا الحديث والكلام عليها في مقدمة كتاب نور الاقتباس تحقيق محمد العجمي.
[ ١٦١ ]
الأصل الجامع الذي يبنى عليه هذه المطالب، وهو تفرد الله ﷾ بالضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كله إلا ما سبق تقديره وقضاءه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو دفع ضر غير مقدر في الكتاب السابق، وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق، وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وإن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار النافع والمعطي والمانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﷿، وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار ولهذا ذم الله سبحانه من يعبد ما لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا.
وأيضًا فكثير ممن لا يحقق الإيمان في قلبه يقدم طاعة مخلوق على طاعة الله رجاء نفعه أو دفعًا لضره، فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعًا كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه (^٢).
وقال رحمه الله تعالى عند قوله - ﷺ -: "ما شئت كان وما لم تشأ لم
_________________
(١) نور الاقتباس (ص ٨٠).
(٢) المصدر السابق (ص ٧٨، ٧٩).
[ ١٦٢ ]
يكن ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير" (^١). قال: فتبرأ من حوله وقوته ومشيئته بدون مشيئة الله وحوله وقوته وإقراره بقدرته على كل شيء، فإن العبد عاجز عن كل شيء إلا ما قواه عليه ربه، ففي هذا الكلام إفراد الرب بالحول والقوة والقدرة والمشيئة، فإن العبد غير قادر على ذلك كله إلا ما يقدره عليه مولاه وهذا نهاية توحيد الربوبية (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلم عن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله: فإن تحقيق هذه الكلمة يقتضي تفويض الأمور إلى الله، وأنه لا يكون إلا ما شاء، والإيمان بذلك يذهب الهم والغم (^٣).
وقد أوضح الله ﵎ هذا النوع من التوحيد أوضح بيان، ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن من ذكره أو الإشارة إليه.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد دل القرآن على هذا الأصل وهو تفرد الله سبحانه بالعطاء والمنع في مواضع كثيرة جدًا كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ الآية (^٥).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ
_________________
(١) هذا جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (٥/ ١٩١) والحاكم (١/ ١٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) شرح حديث زيد بن ثابت "لبيك اللهم لبيك" ورقة (٥).
(٣) نور الاقتباس (ص ٨٣، ٨٤).
(٤) سورة فاطر آية (٢).
(٥) سورة يونس آية (١٠٧).
[ ١٦٣ ]
هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^١).
وقوله تعالى حاكيًا عن نبيه نوح -﵇- لقومه: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (^٢).
وقوله تعالى حاكيًا عن نبيه هود -﵇-: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ﴾ (^٣) (^٤).
ومن الآيات التي دلت على هذا النوع من التوحيد مما لم يذكره ابن رجب رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ (^٥).
وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا
_________________
(١) سورة الزمر آية (٣٨).
(٢) سورة يونس آية (٧١).
(٣) سورة هود من آية (٥٤ إلى ٥٦).
(٤) نور الاقتباس (ص ٨١).
(٥) سورة يس الآيتان (٨٢، ٨٣).
[ ١٦٤ ]
يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ (^٣).
وهكذا نجد الآيات الكثيرة التي تبين تفرد الرب ﵎ بتوحيد الربوبية، سواء كان على وجه الإجمال أو على وجه التفصيل فكلها تبين أن الأمور كلها بيد الله ﷿، وأن كل ما يحدث في الكون من صغير وكبير إنما هو بقدرته ومشيئته ﷿.
وهذا يقتضي من العبد التعرف على ربه ﷿ وخشيته ومحبته وخوفه ورجائه إذ لا صلاح له ولا سعادة إلا بذلك لأن معرفة العبد ربه من أهم المهمات وأعظم الواجبات التي يجب على العبد معرفتها، ولا تنفع الطاعة ما لم تكن معها معرفة وتقوى.
وقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى فقال: فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه (^٤).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالعلم النافع وهو ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب من
_________________
(١) سورة النمل من آية (٦٠ إلى ٦٤).
(٢) سورة السجدة آية (٢٧).
(٣) سورة الحديد آية (١٧).
(٤) جامع العلوم والحكم (١/ ١٨١، ١٨٢).
[ ١٦٥ ]
عند الله ﵎ فقال: فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة، إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يهتدى في ظلمات الجهل والشبه والشكوك، ولهذا سمى الله كتابه نورا يهتدى به في الظلمات. قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ (^١) (^٢).
كما بين أيضًا رحمه الله تعالى أن معرفة الله ﵎ وخشيته ومحبته والأنس به جنة معجلة في الدنيا، وهذه الجنة لا تحصل إلا لمن دله علمه عليها وهو العلم النافع الذي تكون نهايته دخول الجنة، وأما من لم يتعلم العلم النافع الذي هو معرفة الله وخشيته فإنه يحرم جنة الدنيا المعجلة ونهايته في الآخرة والعياذ بالله العذاب الأليم وما ذلك إلا بسبب عدم الانتفاع بالعلم الذي تعلمه فقال رحمه الله تعالى: اعلم أن في الدنيا جنة معجلة وهي معرفة الله ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك، فمن دله علمه على دخول الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة، ولهذا كان أشد الناس عذابًا في الآخرة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة، حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخس الأمور وأدناها وأحقرها فهو كمن معه جواهر نفيسة لها قيمة فباعها ببعرة أو شيء
_________________
(١) سورة المائدة الآيتان (١٥، ١٦).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٩).
[ ١٦٦ ]
مستقذر، ولا ينتفع به، فهذا حال من يطلب الدنيا بعلمه بل أقبح (^١).
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى في حديث وصية ابن عباس عن معرفة العبد لربه، وذكر أن معرفة العبد لربه على نوعين حيث قال رحمه الله تعالى: فمعرفة العبد لربه نوعان:
أحدهما: المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرار به، والتصديق والإيمان، وهي عامة للمؤمنين.
والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه، والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون كما قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها، وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: "معرفة الله ﷿" (^٢).
كما ذكر رحمه الله تعالى أن معرفة الله لعبده نوعان فقال: ومعرفة الله أيضًا لعبده نوعان:
معرفة عامة: وهي علمه تعالى بعباده، واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (^٤).
_________________
(١) كتاب لطائف المعارف (ص ١٩١).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٩٠، ٩١).
(٣) سورة ق آية (١٦).
(٤) سورة النجم آية (٣٢).
[ ١٦٧ ]
والثاني: معرفة خاصة: وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله - ﷺ - فيما يحكي عن ربه: " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" (^١) إلى أن قال: "وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته" (^٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى عند قوله - ﷺ -: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة".
يعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه إليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه المعرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه ومحبته له وإجابته لدعائه (^٣).
وقد بيّن الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى مراتب معرفة الله تعالى فقال: من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة، ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء، ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر والملك، ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته، وإغاثة لهفته وقضاء حاجته.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (٧/ ١٩٠).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٩١، ٩٢، ٩٣).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٩٠).
[ ١٦٨ ]
وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه، فإنه يعرف ربًا قد اجتمعت له صفات الكمال، ونعوت الجلال، منزّه عن المثال، بريء من النقائص والعيوب له كل اسم حسن وكل وصف كمال، فعال لما يريد، فوق كل شيء، ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيم لكل شيء، آمر، ناه، متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيء، أرحم الراحمين وأقدر القادرين وأحكم الحاكمين، فالقرآن أنزل لتعريف عباده به وبصراطه الموصل إليه، وبحال السالكين بعد الوصول إليه (^١).
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى أن أفضل العلم وأحسنه هو العلم بالله ﷿ وبأسمائه وصفاته التي تجعل العبد يزداد خشية ومحبة وإجلالًا لله ﷿، فقال: فأفضل العلم العلم بالله وهو العلم بأسمائه وصفاته وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته والتبتل إليه والتوكل عليه والصبر والرضا عنه والاشتغال به دون خلقه.
وتبع ذلك العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله العلماء بأمره وهم أكمل ممن قصر علمه على العلم بالله دون العلم بأمره، وبالعكس (^٢).
_________________
(١) الفوائد (ص ٢٣٣).
(٢) شرح حديث أبي الدرداء (ص ٤١).
[ ١٦٩ ]
المبحث الثالث دلائل توحيد الربوبية
ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن كل ما في الكون من مخلوقات دليل على تفرد الرب ﵎ بالربوبية على خلقه أجمعين حيث قال: كل ما في الدنيا يدل على صانعه، ويذكر به، ويدل على صفاته، فما فيها من نعيم وراحة يدل على كرم خالقه، وفضله وإحسانه، وجوده، ولطفه.
وما فيها من نقمة وشدة وعذاب يدل على شدة بأسه وبطشه وقهره وانتقامه.
واختلاف أحوال الدنيا من حر وبرد وليل ونهار وغير ذلك يدل على انقضائها، وزوالها (^١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: وفي القرآن شىء كثير من التذكير بآيات الله الدالة على عظمته، وقدرته، وجلاله، وكماله، وكبريائه، ورأفته، ورحمته وبطشه، وقهره، وانتقامه إلى غير ذلك من صفاته العلى وأسمائه الحسنى، والندب إلى التفكر في مصنوعاته الدالة على كماله، فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال، ولا كمال في الحقيقة إلا له ﷾ (^٢).
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٣٣٣).
(٢) استنشاق نسيم الأنس (ص ٢٤).
[ ١٧٠ ]
فالتفكر والتأمل في الكون الكبير بسماواته وأرضه وإنسانه وحيوانه ونباته وجماده بكل ما فيها من عجائب فيه دلالة تهدي الإنسان إلى ربه وتسوقه إلى الحق والخير ولذلك يقول القائل:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد (^١)
والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث على النظر والتدبر والتأمل في آيات الله ﵎ المحسوسة المشاهدة التي يراها كل أحد صغيرًا وكبيرًا وذكرًا أو أنثى بل جميع الناس على مختلف مستوياتهم لتكون دليلًا لهم على وحدانية الله ﵎ وأنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة دون سواه.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى التفكر فيه أوقعك على العلم به، ﷾ وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره ولطفه، وعدله ورضاه، وغضبه وعقابه فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته (^٢).
ومن تلك الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ (^٣).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ (^٤) وغيرها من الآيات التي ترشد
_________________
(١) البيت من شعر أبي العتاهية. انظر: أبو العتاهية أشعاره وأخباره (ص ١٠٤).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٣٧).
(٣) سورة الغاشية الآيات (١٧ - ٢٠).
(٤) سورة لقمان الآيتان (١٠، ١١).
[ ١٧١ ]
وتلفت الأنظار إلى التفكر إلى هذا الكون وما فيه من مخلوقات عظيمة تدل على عظم خالقها، وأنه المستحق للعبادة دون سواه.
والأدلة والبراهين الدالة على عظمة الله ﵎ لا تعد ولا تحصى ولذلك يقول الله ﵎: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (^١).
وسأقتصر على بيان وإيضاح بعض الدلائل التي تدل على توحيد الربوبية وهي الدلائل التي تعرض لها وذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته وهي الدلائل الآتية:
١ - دلالة الفطرة.
٢ - دلالة النعم.
٣ - دلالة خلق السموات والأرض.
٤ - دلالة خلق النبات.
١ - دلالة الفطرة:
فطر الله ﵎ الخلق على توحيده وعبادته، فما من مولود يولد وإلا ويولد على توحيد الله ﷿ كما جاءت بذلك النصوص الكثيرة في كتاب الله ﵎ وسنة رسوله - ﷺ -.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه الدلالة فقال عند شرحه لحديث: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك" (^٢).
_________________
(١) سورة فصلت آية (٥٣).
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة، باب تفسير البر والإثم (٤/ ١٩٨٠).
[ ١٧٢ ]
قال: وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور من ضده ويدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حمار: "إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" (^١).
وقوله: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء قال أبو هريرة ﵁: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٢) " (^٣).
ولهذا سمى الله ما أمر به معروفًا، وما نهى عنه منكرًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (^٤).
وقال تعالى في صفة الرسول - ﷺ -: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (^٥).
وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره، فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح سكن للحق، واطمأن به، ويقبله وينفر من الباطل ويكرهه ولا يقبله (^٦).
_________________
(١) مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٧).
(٢) سورة الروم آية (٣٠).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٠). ومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (٤/ ٢٠٤٧).
(٤) سورة النحل آية (٩٠).
(٥) سورة الأعراف آية (١٥٧).
(٦) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٥٦).
[ ١٧٣ ]
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى أهمية التربية والتعليم، فبيّن أن الله ﷾ فطر خلقه على معرفته والإيمان به، ولكن البيئة التي يعيش الإنسان فيها، والتربية التي يتربى عليها والتعليم الذي يتعلمه، كلها لها دور كبير في استمرار المولود على ما فطر عليه وهو دين الإسلام أو الانحراف عنه لأن شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض في تزيين الشبهات والشهوات التي تبعد العبد عن هذه الفطرة السليمة.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى عند شرحه للحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي " (^١) وقوله: "كلكم ضال إلا من هديته" قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار عن النبي - ﷺ - يقول الله ﷿: (خلقت عبادي حنفاء) وفي رواية: "مسلمين فاجتالتهم الشياطين" (^٢) وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، ولكن لابد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعلم جاهل لا يعلم شيئًا كما قال ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (^٣).
وقال تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ (^٤) والمراد وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ (^٥).
_________________
(١) هذا جزء من حديث قدسي طويل أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) من حديث أبي ذر.
(٢) سبق تخريجه (ص ١٧٣).
(٣) سورة النحل آية (٧٨).
(٤) سورة الضحى آية (٧).
(٥) سورة الشورى آية (٥٢).
[ ١٧٤ ]
فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق، فإن هداه الله تعالى سبب له من يعلمه الهدى، فصار مهديًا بالفعل بعد أن كان بالقوة، وإن خذله الله قيض له من يعلمه ما يغير فطرته كما قال - ﷺ -: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (^١) " (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا عند قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (^٣) قال: "فأمره بإقامة وجهه وهو إخلاص قصده وعزمه وهمِّه للدين الحنيف وهو الدين القيم وهو فطرة الله التي فطر العباد عليها، فإن الله ركب في قلوب عباده كلهم قبول توحيده والإخلاص له، وإنما يغيرهم عن ذلك تعليم من علمهم الخروج عنه" (^٤).
٢ - دلالة نعم الله ﵎:
أنعم الله ﵎ على عباده بنعم كثيرة ظاهرة وباطنه لا تعد ولا تحصى منها نعمة السمع والبصر، ونعمة الخلق والإيجاد وغيرها من النعم كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ (^٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ (^٦).
ومن نعم الله ﵎ علينا إنزال الأمطار من السماء لتنبت
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ١٧٣).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٨٥، ١٨٦).
(٣) سورة الروم آية (٣٠).
(٤) فتح الباري (٣/ ٢٧).
(٥) سورة المؤمنون آية (٧٨).
(٦) سورة النحل آية (٥٣).
[ ١٧٥ ]
الأشجار وتخرج الثمار كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (^١).
فالنعم الكثيرة التي أنعم الله بها علينا ﵎ تدل على تفرده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والضر والنفع، وأنه ﷾ هو المستحق للعبادة دون سواه.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل سلامى من الناس عليه صدقة " (^٢) الحديث.
قال: ومعنى الحديث أن تركب هذه العظام، وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه ليكون ذلك شكرًا لهذه النعمة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ (^٣).
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ (^٤).
وقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ
_________________
(١) سورة ق الآيات (٩ - ١١).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب فضل الإصلاح بين الناس (٣/ ١٧١) ومسلم: كتاب الزكاة - باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (٢/ ٦٩٩).
(٣) سورة الانفطار الآيات (٦ - ٨).
(٤) سورة الملك آية (٢٣).
[ ١٧٦ ]
السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ (^١).
وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾ (^٢).
قال مجاهد (^٣): هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر (^٤) إلى أن قال رحمه الله تعالى: والمقصود أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (^٥) وطلب منهم الشكر، والرضا به منهم (^٦).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: فإذا وفّق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النعم وأحبّ إلى الله ﷿، فإن الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها، والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحبّ إليهم من أموالهم فهم يبذلونها طلبًا للثناء، والله ﷿ أكرم الأكرمين وأجود الأجودين فهو يبذل نعمه لعباده ويطلب منهم الثناء بها، وذكرها منهم، والحمد عليها ويرضى منهم بذلك شكرا عليها، وإن كان ذلك كله من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده حيث كان صلاح العبد وفلاحه، وكماله فيه، ومن فضله سبحانه أنه نسب
_________________
(١) سورة النحل آية (٧٨).
(٢) سورة البلد الآيتان (٨، ٩).
(٣) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي شيخ القراء والمفسرين قال ابن سعد: "مجاهد ثقة فقيه عالم كثير الحديث"، توفي سنة ١٠٢ هـ. سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩) والبداية والنهاية (٩/ ٢٣٢).
(٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ١٩٩) من قول قتادة، وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٢١) لقتادة.
(٥) سورة إبراهيم آية (٣٤).
(٦) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٢٧ - ٢٣٢).
[ ١٧٧ ]
الحمد والشكر إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، واستقرض منهم بعضه، ومدحهم بإعطائه، والكل ملكه، ومن فضله ولكن كرمه اقتضى ذلك (^١).
٣ - دلالة خلق السموات والأرض:
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وإنما يعبد الله سبحانه بعد العلم به ومعرفته، ولذلك خلق السموات والأرض، وما فيها للاستدلال بهما على توحيده وعظمته كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (^٢) (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: وأخبر ﷾ أنه إنما خلق السموات والأرض، ونزل الأمر لنعلم بذلك قدرته وعلمه فيكون دليلا على معرفته، ومعرفة صفاته كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٢) (^٤).
فخلق السموات والأرض من أعظم الآيات الواضحة الدالة على ربوبية الله ﵎، لأن السموات جعلها الله سقفًا محفوظًا تتألف من سبع سموات، وفيها من مخلوقات الله العجيبة ما لا يعلمه إلا الله، فهي تسير بنظام دقيق بلا اختلاف، ولا خلل لأن الله ﵎ هو الذي يسيرها بقدرته وحكمته كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦).
(٢) سورة الطلاق آية (١٢).
(٣) استنشاق نسيم الأنس (ص ٤٥).
(٤) شرح حديث أبي الدرداء (ص ١١١).
[ ١٧٨ ]
مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ (^١).
كما أن الذي أقامها وأمسكها بلا عمد نراها وهي بعيدة المدى إنما هو الخالق القادر على كل شيء المستحق للعبادة وحده دون سواه يقول المولى ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ (^٢).
ويقول ﷿: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (^٣).
ولهذا لفت الله ﷾ عباده إلى النظر في السموات والتفكر في خلقها فقال ﷿: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ (^٤).
وخلق الأرض وما فيها من جبال وأحجار وأشجار وأنهار وبحار وغيرها من مخلوقات الله تعالى الظاهرة والباطنة التي ينتفع بها الإنسان في حياته، فإنها لأدلة واضحة على عظم خلق الله ﷿ وإبداع صنعه وقد نبه الله ﵎ عباده على ذلك فقال ﷿: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ (^٥).
فخلق السموات والأرض من أعظم دلائل الربوبية كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
_________________
(١) سورة الملك الآيتان (٣، ٤).
(٢) سورة فاطر آية (٤١).
(٣) سورة لقمان آية (١٠).
(٤) سورة الغاشية الآيتان (١٧، ١٨).
(٥) سورة الذاريات آية (٢٠).
[ ١٧٩ ]
يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢).
وقد ذم الله ﷾ المعرضين عن التفكر في خلق السموات والأرض وما أودعه ﷿ فيهما من مخلوقات فقال ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ (^٣).
وقال ﷿: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ (^٤).
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: يخبر الله تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق، وجنات وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات المتفرد بالدوام والبقاء، والصمدية للأسماء والصفات وغير ذلك (^٥).
وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا عظم خلق السموات والأرض وما فيهما من مخلوقات عظيمة عجيبة تدل دلالة واضحة على عظم خالقها ومبدعها وهو الله ﵎ الذي أحكم وأحسن كل شيء خلقه ﷿.
_________________
(١) سورة غافر آية (٥٧).
(٢) سورة يونس آية (١٠١).
(٣) سورة الأنبياء آية (٣٢).
(٤) سورة يوسف آية (١٠٥).
(٥) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٩٤).
[ ١٨٠ ]
فقال عن السماء: "فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوًا كالنار، ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة ولا عمد تحتها ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ثم تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها، ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له" (^١).
وقال عن الأرض: "وإذا نظرت إلى الأرض وكيف خلقت، رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشًا ومهادًا وذللها لعباده وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال، فجعلها أوتادًا تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها فمدها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتًا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرها وطن للأحياء، وبطنها وطن للأموات، وقد أكثر تعالى من ذكر الأرض في كتابه ودعا عباده إلى النظر إليها والتفكر في خلقها " (^٢).
٤ - دلالة خلق النبات:
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: تدقيق النظر والفكر في حال النبات يستدل به المؤمن على عظمة خالقه وكمال قدرته ورحمته فتزداد القلوب هيمانًا في محبته، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٦٠).
(٢) المصدر السابق (١/ ٢٥١، ٢٥٢).
[ ١٨١ ]
حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ (^١).
زمان الربيع كله واعظ يذكر بعظمة موجده وكمال قدرته ويشوق إلى طيب مجاورته في دار كرامته
سبحان من سبحت المخلوقات بحمده، فملأ الأكوان تحميده وأفصحت الكائنات، والشهادة بوحدانيته، فوضح توحيده يسبحه النبات جمعه وفريده، والشجر عتيقه وجديده (^٢).
فلو نظر الإنسان إلى عالم النبات وما فيه من عجائب مخلوقات الله لأدرك عظمة الخالق ﵎، ولقاده ذلك إلى إفراده بالعبادة دون سواه.
فلو نظرنا إلى الحبة تكون في باطن الأرض فتنمو ويخرج ساقها شاقًا لنفسه طريقًا بين التراب ثم تكبر شيئًا فشيئًا حتى تكون شجرة ثم تخرج الثمرة تؤتي أكلها في حينها بإذن الله ﷿.
ولو نظرنا إلى البساتين، وما تخرجه بإذن الله تعالى من ثمار مختلفة لرأينا العجب العجاب في صنع الله فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك وأوضحه وبيّنه، فقال: هذا عود شجر الكرم يكون يابسًا طول الشتاء ثم إذا جاء الربيع دب فمه الماء واخضرّ ، ثم يخرج الحصرم (^٣) فينتفع الناس به
_________________
(١) سورة الأنعام آية (٩٩).
(٢) لطائف المعارف (ص ٣٣٠، ٣٣١).
(٣) الحصرم: أول العنب، ولا يزال العنب ما دام أخضر حصرمًا، وهو حامض. الصحاح (٥/ ١٩٠٠) ولسان العرب (١٢/ ١٣٧).
[ ١٨٢ ]
حامضًا، ويتناولون منه طبخًا واعتصارًا ثم ينقلب حلوًا فينتفع الناس به حلوًا رطبًا ويابسًا، ويستخرجون منه ما ينتفعون بحلاوته طول العام، وما يأتدمون بحمضه، وهو نعم الإدام.
فهذه التنقلات توجب للعاقل الدهش والتعجب من صنع صانعه وقدرة خالقه، فينبغي أن يفرغ عقله للتفكر في هذه النعم والشكر عليها.
وأما الجاهل فيأخذ العنب فيجعله خمرًا فيغطي به العقل الذي ينبغي أن يستعمل في الفكر والشكر حتى ينسى خالقه المنعم عليه بهذه النعم كلها، فلا يستطيع بعد الشكر أن يذكره ويشكره بل ينسى من خلقه ورزقه، فلا يعرفه في شكره بالكلية، وهذه نهاية كفران النعم (^١).
فالنبات وما فيه من عجائب من الآيات الكبيرة والدلائل العظيمة على عظم خالقه وموجده وأنه المستحق للعبادة دون سواه وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على أن المقصود الأول من هذه النباتات إنما هو للدلالة على معرفة عظمة خالقه وكمال قدرة موجده.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ (^٢).
ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ (^٣).
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٣٣١).
(٢) سورة الأنعام آية (٩٥).
(٣) سورة النحل الآيتان (١٠، ١١).
[ ١٨٣ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ (^١).
وقد بيّن الله ﷾ في القرآن الكريم أن اختلاف النباتات في الطعم رغم الاتحاد في التربة والماء من العلامات الكبرى لمن تأمل وعقل وتدبر، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ (^٢).
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها أفضل من بعض مع اجتماعها على شراب واحد (^٣).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ (^٥).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله ﷻ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي
_________________
(١) سورة الحج آية (٦٣).
(٢) سورة الرعد آية (٤).
(٣) تفسير الطبري (١٣/ ٩٨).
(٤) سورة الزمر آية (٢١).
(٥) سورة غافر آية (١٣).
[ ١٨٤ ]
من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء ﴿وَمَا يَتَذَكَّر﴾ أي يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ أي من هو بصير منيب إلى الله ﵎ (^١).
وقال محمد الأمين الشنقيطي (^٢) رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه آياته، أي الكونية القدرية ليجعلها علامات لهم على ربوبيته، واستحقاقه العبادة وحده، ومن تلك الآيات الليل والنهار والشمس والقمر كما قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^٣) الآية.
ومنها السموات والأرض، وما فيها، والنجوم، والرياح، والسحاب والبحار والأنهار، والعيون والجبال والأشجار، وآثار قوم هلكوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٣).
(٢) محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي الجكني، العلامة الأصولي المفسر اللغوي، طلب العلم وحفظ القرآن وهو صغير، ودرس مختلف علوم الشريعة، وكان من كبار العلماء، توفي سنة ١٣٩٣ هـ. مقدمة أضواء البيان (١/ ٣ - ٦٤) حيث ترجم له تلميذه عطية محمد سالم. علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب (١٦١ - ١٨١) والمستدرك على معجم المؤلفين لكحالة (ص ٦٠٧).
(٣) سورة فصلت آية (٣٧).
[ ١٨٥ ]
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ (^٤).
وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن، من أنه هو الذي يري خلقه آياته بينة وزاده إيضاحًا في غير هذا الموضع، فبيّن أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد - ﷺ - حق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (^٥) " (^٦).
والذي نخلص إليه مما تقدم أن هذه الدلالات والآيات دليل واضح على أن لهذا الكون إلهًا قادرًا حكيمًا يتصرف فيه كيف شاء بيده الخلق والأمر وهو الله ﷾ المستحق للعبادة دون سواه.
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٦٤).
(٢) سورة آل عمران آية (١٩٠).
(٣) سورة الجاثية الآيتان (٣ - ٥).
(٤) سورة يونس آية (٦).
(٥) سورة فصلت آية (٥٣).
(٦) أضواء البيان (٧/ ٧٤، ٧٥).
[ ١٨٦ ]
الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الثاني: مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وترجيح ابن رجب له.
المبحث الثالث: أدلة توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الرابع: بيانه أن السلف أعلم ومذهبهم أسلم وأحكم.
المبحث الخامس: بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن.
المبحث السادس: بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى.
المبحث السابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب ﵀ نعالى.
[ ١٨٧ ]
١ - صفة العلم.
٢ - صفة الغنى.
٣ - صفة المعية.
٤ - صفة المجيء والإتيان.
٥ - صفة النزول.
المبحث الثامن: شبه حول صفة النزول والرد عليها.
المبحث التاسع: رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة.
المبحث العاشر: تنزيه الله ﷾ من نسبة الولد إليه.
المبحث الحادي عشر: علم الكلام وكلام ابن رجب عليه.
[ ١٨٨ ]
المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات
هو إفراد الله ﷾ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي وردت في الكتاب والسنة وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - من الأسماء والصفات من غير تحريف (^١) لألفاظها أو معانيها ولا تعطيلها (^٢) بنفيها أو نفي بعضها عن الله ﷿، ولا تكييفها (^٣) بتحديد كنهها أو إثبات كيفية معينة لها ولا تمثيلها (^٤) أو تشبيهها (^٥) بصفات المخلوقين وإنما إثبات يليق بجلاله وعظمته وكبريائه ﷿
_________________
(١) التحريف هو: تغيير ألفاظ أسماء الله الحسنى وصفاته العلى أو تغيير معانيها إلى معان باطلة لا يدل عليها الكتاب والسنة. فالتحريف اللفظي مثل نصب لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ليكون التكلم من موسى. والتحريف المعنوي كتحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله ﷿ إلى القوة والنعمة ونحو ذلك.
(٢) التعطيل هو: إنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات أو إنكار بعضها.
(٣) التكييف هو أن يقال بأن الصفة على هيئة كذا وكيفية معينة.
(٤) التمثيل هو إثبات مثيل للشيء.
(٥) التشبيه هو إثبات مشابه للشيء. والفرق بين التمثيل والتشبيه أن التمثيل يقتضي المماثلة والمساواة من كل وجه والتشبيه يقتضي المشابهة في أكثر الصفات. استقيت هذه التعاريف من: التحفة المهدية لابن مهدي (ص ٢٥٩) وفتح رب البرية بتلخيص الحموية لابن عثيمين (ص ٥٤، ٥٥).
[ ١٨٩ ]
كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى في مواضع مختلفة من مؤلفاته من ذلك قوله رحمه الله تعالى: "واعلم أن التسبيح والتحميد فيه إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص والعيوب" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث اختصام الملأ الأعلى (^٣): " وأما وصف النبي - ﷺ - لربه ﷿ بما وصفه به فكل ما وصف النبي - ﷺ - ربه ﷿ به فهو حق وصدق، ويجب الإيمان والتصديق به، كما وصف الله ﷿ به نفسه مع نفي التمثيل عنه " (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في تفسيره لسورة الإخلاص: وحقيقة الكفؤ هو المساوي والمقاوم، فلا كفوء له تعالى في ذاته، ولا
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) تفسير سورة النصر (ص ٤٧).
(٣) حديث طويل أخرجه أحمد (١/ ٣٦٨، ٥/ ٢٤٣) والترمذي (٣٢٣٥) من حديث معاذ بن جبل وحديث عبد الله بن عباس أوله: "احتبس عنا رسول الله - ﷺ - ذات غداة في صلاة الصبح" وفيه يقول الرسول - ﷺ -: "فإذا أنا بربي -﷿- في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب قال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب، فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلى لي كل شيء وعرفت". قال الترمذي عقب حديث معاذ: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وقد أفرده ابن رجب رحمه الله تعالى بشرح مستقل في كتاب اسمه "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى".
(٤) اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص ١١).
[ ١٩٠ ]
في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا في ربوبيته ولا في آلهيته (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في تفسيره لسورة الإخلاص: فقد تضمنت هذه السورة العظيمة إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص والعيوب من خصائص المخلوقين من التولد والمماثلة (^٢).
وقال أيضًا: وتضمنت إثبات جميع صفات الكمال بإثبات الأحدية فالصمدية تثبت الكمال النافي للنقائص، والأحدية تثبت الانفراد بذلك، فإن الأحدية تقتضي انفراده بصفاته وامتيازه عن خلقه بذاته وصفاته، والصمدية إثبات جميع صفات الكمال ودوامها وقدمها فإن السيد الذي يصمد إليه لا يكون إلا متصفًا بجميع صفات الكمال التي استحق لأجلها أن يكون صمدًا وأنه لم يزل كذلك ولا يزال، فإن صمديته من لوازم ذاته لا تنفك عنه بحال (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "إن الله تعالى هو السلام، لأنه القدوس المبرأ من الآفات والنقائص كلها، وذلك واجب له لذاته، ومنه تطلب السلامة لعباده، فإنهم محتاجون إلى السلامة من عقابه وسخطه وعذابه " (^٤).
فتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله تعالى بأسمائه وصفاته دون تشبيه أو تحريف أو تعطيل.
يقول السفاريني رحمه الله تعالى: "توحيد الصفات أن يوصف الله
_________________
(١) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٢).
(٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٩٧).
(٣) تفسير سورة الإخلاص (ص ٩٥، ٩٦).
(٤) فتح الباري (٥/ ١٧٣ - ١٧٤).
[ ١٩١ ]
تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه - ﷺ - نفيا وإثباتًا فيثبت له ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه" (^١).
وقال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "توحيد الأسماء والصفات وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رؤوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى" (^٢).
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية (١/ ١٢٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ١٩).
[ ١٩٢ ]
المبحث الثاني مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وموقف ابن رجب منه
إن مذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو مذهب وسط بين الجافية والغالية، بين المعطلة من الجهمية (^١) والمعتزلة (^٢) ومن سلك مسلكهم من الخوارج (^٣)،
_________________
(١) هي إحدى الفرق المنحرفة عن المنهج القويم، نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به، وزعم أيضًا أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان ونفى أسماء الله تعالى وصفاته. الملل والنحل (١/ ٨٦) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ٦٨) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٣٤) والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢١١).
(٢) هي إحدى الفرق المنحرفة عن الطريق المستقيم مؤسسها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، سموا معتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن البصري، وقيل لاعتزالهم منهج أهل السنه والجماعة، وقيل غير ذلك، من عقائدهم إثبات الأسماء وإنكار جميع الصفات، ومنها أن صاحب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا وفي الآخرة خالد مخلد في النار. الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ١١٤) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٤٩).
(٣) الخوارج: سموا بهذا الاسم لخروجهم على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ ونزلوا بأرض يقال لها حروراء فسموا بالحرورية، من عقائدهم تكفير أصحاب الكبائر في الدنيا والآخرة، كما يقولون بالخروج على أئمة الجور، وهم يكفرون عثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة ﵃ جميعًا. الفصل في الملل والنحل (٢/ ١١٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١١٤) والمقالات (١/ ٥٦) والفتاوى (٣/ ٢٧٩).
[ ١٩٣ ]
والأشاعرة (^١) وغيرهم من الذين يلحدون في أسماء الله وصفاته، ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه ﷿، حتى شبهوه ﷾ بالعدم والموات، وبين الممثلة من الكرامية وغلاة الرافضة (^٢) الذين يضربون لله ﷿ الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات، وكلا المذهبين مجانب للصواب والمذهب الصحيح الذي لا معدل عنه لكل من يريد السير على الصراط المستقيم هو مذهب السلف الذين يؤمنون بأسماء الله وبما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله - ﷺ - من صفات الجلال والكمال حقيقة على الوجه الذي يليق بكمال الله تعالى، وجلاله وعزته وعظمته.
وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله - ﷺ - من صفات لا يجوز ولا يليق أن يوصف بها ﷾.
_________________
(١) الأشاعرة: هم المنتسبون لأبي الحسن الأشعري الذين هم على مذهبه قبل أن يرجع إلى معتقد أهل السنة والجماعة، وهم في الجملة لا يثبتون من الصفات إلا سبعا لأن العقل دل على إثباتها، ويؤولون بقية الصفات بتأويلات عقلية رغم ورود النصوص فيها من الكتاب والسنة ولو اتبعوا الحق وأنصفوا لرجعوا إلى منهج أهل السنة والجماعة كما رجع إليه من ينتسبون إليه وهو أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى. الملل والنحل (١/ ١٣٨) والفتاوى (٦/ ٥١) ودعوة التوحيد للعلامة محمد خليل هراس ﵀ (٢٣٠).
(٢) الرافضة: هم جماعة غلاة الشيعة، سموا بذلك لرفضهم إمامة زيد بن علي حينما توجه إلى قتال هشام بن عبد الملك فقال أصحابه: تبرأ من الشيخين حتى نكون معك فقال: لا بل أتولاهما وأتبرأ ممن تبرأ منهما فقالوا: إذا نرفضك، وهم فرق متعددة، والغلاة منهم هم المجسمة الذين يشبهون الله ﷿ بخلقه وهم الهشامية الذين ينقسمون إلى فرقتين: فرقة تنسب إلى هشام بن الحكم الرافضي، والفرقة الأخرى تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٦٤) والمقالات (١/ ٨٩) رسالة في الرد على الرافضة لأبي حامد المقدسي (ص ٦٥ - ٦٨) الفرق بين الفرق (ص ٦٥).
[ ١٩٤ ]
وهم في ذلك يعتمدون على الأدلة الواردة في كتاب الله ﷾ وسنة رسوله - ﷺ - من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^٢).
وقد سلك ابن رجب رحمه الله تعالى المنهج الحق منهج أهل السنة والجماعة وأوضحه وبيّنه، ومما قاله في تقرير هذا المسلك قوله: وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، قال أبو هلال (^٣): سأل رجل الحسن (^٤) عن شيء من صفة الله ﷿ فقال: أمروها بلا مثال. وقال وكيع (^٥): أدركت إسماعيل بن أبي خالد (^٦)
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) سورة الإخلاص آية (٤).
(٣) محمد بن سليم أبو هلال الراسبي البصري، مولى بني أسامة بن لؤي. قال أبو داود: أبو هلال ثقة، أخرج له البخاري تعليقًا والأربعة، توفي سنة ١٦٧ هـ. الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٣) وتهذيب التهذيب (٩/ ١٩٥).
(٤) الحسن بن أبي الحسن يسار أبو سعيد -مولى زيد بن ثابت- كان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا، وكان من أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد عرف بالزهد والشجاعة، توفي سنة ١١٠ هـ. أخبار القضاة (٢/ ٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٣).
(٥) وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي الإمام الحافظ، محدث العراق، قال الإمام أحمد فيه: كان وكيع بن الجراح إمام المسلمين في وقته، توفي سنة ١٩٧ هـ. تاريخ بغداد (١٣/ ٤٦٦) وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٤٠) وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٥٧).
(٦) إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، مولاهم، البجلي، تابعي كوفي ثقة ثبت، قال العجلي: كوفي تابعي، ثقة وكان رجلًا صالحًا، سمع من خمسة من أصحاب النبي - ﷺ -، توفي سنة ١٤٦ هـ. الثقات للعجلي (٦٤) وتهذيب الكمال للمزي (٣/ ٦٩).
[ ١٩٥ ]
وسفيان (^١) ومسعر (^٢) يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا. وقال الأوزاعي (^٣): سئل مكحول (^٤) والزهري (^٥) عن تفسير هذه الأحاديث؟ فقالا: أمروها كما جاءت. وقال الوليد بن مسلم (^٦): سألت الأوزاعي
_________________
(١) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أمير المؤمنين في الحديث، من أئمة المسلمين وأعلام الدين مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد، توفي سنة ١٦١ هـ. التاريخ الكبير (٤/ ٩٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ١١١).
(٢) مسعر بن كدام -بكسر أوله وتخفيف ثانيه- بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، قال يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدًا أثبت من مسعر، توفي سنة ١٥٥ هـ. الثقات للعجلي (٤٢٦) والجرح والتعديل (٨/ ٣٦٨) ومشاهير علماء الأمصار (١٦٩) وسير أعلام النبلاء (٧/ ١٦٣).
(٣) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي، عالم أهل زمانه، كان صاحب سنة واتباع، وله مذهب مستقل في الفقه عمل به فقهاء الشام والأندلس مدة، وقد عرف بالزهد والخشوع، توفي سنة ١٥٧ هـ. الجرح والتعديل (١/ ١٨٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٨) وسير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧).
(٤) مكحول بن عبد الله الدمشقي يكنى أبا عبد الله، من سبي كابل عالم أهل الشام، قال أبو حاتم: ما بالشام أحد أفقه من مكحول، توفي سنة ١١٣ هـ، وقيل غير ذلك. وفيات الأعيان (٥/ ٢٨٠) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٢٥).
(٥) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر الإمام العلم الحافظ، كان فقيهًا محدثًا، كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق "عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه"، توفي سنة ١٢٤ هـ. وفيات الأعيان (٣/ ٣١٧) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦) وشذرات الذهب (١/ ١٦٢).
(٦) الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية، الإمام الحافظ، عالم أهل الشام، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث والعلم، توفي سنة ١٩٥ هـ. التاريخ الكبير (٨/ ١٥٢) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٢١١) وشذرات الذهب (١/ ٣٤٤).
[ ١٩٦ ]
ومالكًا وسفيان وليثًا (^١) عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن؟ فقالوا: أمروها بلا كيف. وقال ابن عيينة (^٢): ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ﷿، وكلام السلف في مثل هذا كثير جدًا (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأما السلف وأئمة أهل الحديث فعلى الطريقة الأولى وهي الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو صح عن رسول الله - ﷺ - أنه أثبته له مع نفي التمثيل والكيفية عنه كما قاله ربيعة (^٤) ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء، وقد روي عن أم سلمة أم المؤمنين (^٥) وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول،
_________________
(١) الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث، الإمام الحافظ، عالم الديار المصرية، كان فقيهًا كثير العلم صحيح الحديث مع الورع والفضل، توفى سنة ١٧٥ هـ. سير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٦) وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٩).
(٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي، المحدث كان من الحفاظ المتقنين، قال الشافعي: ما رأيت أحدًا أحسن تفسيرًا للحديث منه، توفي سنة ١٩٨ هـ. الجرح والتعديل (١/ ٣٢) وسير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ١١٧).
(٣) فتح الباري ورقة (١٧٣).
(٤) ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ القرشي، أبو عثمان المشهور بربيعة الرأي، الإمام الفقيه، مفتي المدينة وعالم زمانه، كان ذا فطنة وسنة، قال ابن معين: ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٣٦ هـ. سير أعلام النبلاء (٦/ ٨٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٥٨) وشذرات الذهب (١/ ١٩٤).
(٥) قول أم سلمة في الاستواء الذي أشار إليه ابن رجب أخرجه اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٧) وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف (ص ٨١) والذهبي في العلو (ص ٦٥) من طريق الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله =
[ ١٩٧ ]
وكذلك القول في سائر الصفات، والله ﷾ الموفق" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة فهي إقرار النصوص وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها والتمثيل ومن قال الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران ظاهر يليق بالمخلوقين ويختص بهم فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام فهو مراد، ونفيه تعطيل، ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية الذين يحسن بهم المتكلمون الظن: إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام فوقعوا في تشبيهه بالمعاني، والمعاني محدثة كالأجسام، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات.
وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يوجد من أدلة العقول ولا يوجد مما جاء به الرسول - ﷺ -، وأما أهل العلم والإيمان فيعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول - ﷺ -، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل إلى تلقي الهدى إلا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله - ﷺ - الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - فإنه حق وصدق
_________________
(١) = تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ سورة طه آية (٥). قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود له كفر. قال الذهبي: "هذا القول محفوظ عن جماعة كربيعة الرأي ومالك الإمام وأبي جعفر الترمذي، فأما عن أم سلمة فلا يصح". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر قول الإمام مالك في الاستواء: وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه. مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥).
(٢) فتح الباري ورقة (٥/ ١٠٥ - ١٠٦).
[ ١٩٨ ]
يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته وما أشكل فهمه من ذلك فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم إنهم يقولونه عند المتشابهات: آمنا به كل من عند ربنا، وما أمر به رسول الله - ﷺ - في متشابه الكتاب أنه يرد إلى عالمه، والله يقول الحق ويهدي السبيل (^١).
هكذا كان السلف الصالح ﵃ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ومن سلك سبيلهم كانوا متفقين على هذا المنهج، كلمتهم واحدة، لم يقابلوا الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية بالتأويل والتحريف ولم يعارضوها بعقولهم بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإجلال والتعظيم، ولم يتكلم أحد منهم في شيء من أمور الدين إلا تبعًا لما قاله الله ﷿، ولما نطق به رسوله - ﷺ -.
يقول محمد بن الحسن (^٢) رحمه الله تعالى: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله - ﷺ - في صفة الرب ﷿ من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي - ﷺ -، وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ١٠٠).
(٢) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، فقيه العراق وصاحب أبي حنيفة، صنف الجامع الكبير والجامع الصغير وغيرهما، توفي سنة ١٨٩ هـ. وفيات الأعيان (٤/ ١٨٤) وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤٣٢) وإثبات صفة العلو لابن قدامة (ص ١١٧).
[ ١٩٩ ]
ويقول شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني (^١) رحمه الله تعالى مبينًا عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله تبارك وصفاته: "أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله بالوحدانية، وللرسول ﵌ بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد بها رسوله - ﷺ - على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون لله ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ - ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده كما نص سبحانه عليه في قوله ﷿: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٢) ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنّ عليهم بالتعريف، والتفهيم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣).
وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة، والقدرة والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا
_________________
(١) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو عثمان الصابوني مقدم أهل الحديث في بلاده، كان على منهج أهل السنة ويلقب بشيخ الإسلام، توفي سنة ٤٤٩ هـ. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠) وتهذيب تاريخ دمشق (١/ ٣١٤)، وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٠٧) وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٢).
(٢) سورة ص آية (٧٥).
(٣) سورة الشورى آية (١١).
[ ٢٠٠ ]
والسخط والحياة واليقظة (^١) والفرح والضحك وغيرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - ﷺ - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى .. " (^٢).
وقال حافظ المغرب ابن عبد البر (^٣) رحمه الله تعالى: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، وهم أئمة الجماعة والحمد لله" (^٤).
_________________
(١) هذه اللفظة لم ترد في نصوص الكتاب والسنة، والسلف دائمًا يتقيدون بما ورد في الكتاب والسنة.
(٢) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ٧٥، ٧٦) ضمن مجموعة الرسائل الكمالية في التوحيد.
(٣) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي أبو عمر، من كبار حفاظ الحديث، يقال له حافظ المغرب، ولد بقرطبة سنة ٣٦٨ هـ، له مؤلفات عظيمة منها "التمهيد"، والاستيعاب، قال الذهبي: كان في أصول الديانة على مذهب السلف، ولم يدخل في علم الكلام، توفي سنة ٤٦٣ هـ. وفيات الأعيان (٧/ ٦٦) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣) وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٤٣١).
(٤) التمهيد (٧/ ١٤٥).
[ ٢٠١ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فأما الأول وهو التوحيد في الصفات، فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (^٢) الآية .. فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣) ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل (^٤).
هذا هو منهج السلف في معرفتهم لربهم عن طريق معرفة أسمائه وصفاته التي اتصف بها كما جاءت به الأدلة في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) سورة الأعراف آية (١٨٠).
(٢) سورة فصلت آية (٤٠).
(٣) سورة الشورى آية (١١).
(٤) الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام (ص ٤).
[ ٢٠٢ ]
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن هذا هو المنهج القويم وهو الصواب الذي يجب على كل مسلم اتباعه والأخذ به، ولا يجوز العدول عنه والأخذ بما سواه.
فقال رحمه الله تعالى: والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات، وأحاديثها، كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصًا الإمام أحمد، ولا خوضًا في معانيها، ولا ضرب مثل من الأمثال لها، وإن كان بعض من كان قريبًا من زمن أحمد فيهم من فعل شيئًا من ذلك اتباعًا لطريقة مقاتل (^١) فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك (^٢) ومالك والثوري والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (^٣)
_________________
(١) مقاتل بن سليمان بن بشر البلخي، اشتهر بالتفسير. قال ابن المبارك "ما أحسن تفسيره لو كان ثقة". وذكر كل من ترجم له أنه اشتهر عنه القول بالتجسيم، وذهب ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أن ما رمي به من التشبيه والتجسيم ليس بصحيح، وإنما هذا قاله أعداؤه من النفاة كالجهمية وغيرهم، فنسب القول إليه بالتشبيه، وهو منه بريء، والله أعلم بالصواب، توفي بالعراق سنة ١٥٠ هـ. تاريخ بغداد (١٣/ ١٦٠) ومنهاج السنة (٢/ ٦١٨) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١).
(٢) عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم المروزي، الحافظ شيخ الإسلام، عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، قال ابن معين: ذاك أمير المؤمنين في الحديث، توفي سنة ١٨١ هـ. حلية الأولياء (٨/ ١٦٢) وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٧٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٨٢).
(٣) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي ثم الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، نزيل نيسابور، سيد الحفاظ وشيخ المشرق في زمانه. قال الإمام أحمد عنه: لا أعرف لإسحاق في الدنيا نظيرا، وقال النسائي فيه: أحد الأئمة، ثقة مأمون، توفي سنة ٢٣٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٥٨) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٣١).
[ ٢٠٣ ]
وأبي عبيد (^١) ونحوهم (^٢) ..
فابن رجب رحمه الله تعالى كما اتضح من قوله هذا يرى أن منهج السلف هو المنهج الذي يجب الأخذ به وعدم العدول عنه لأنه منهج يعتمد على الكتاب والسنة، وهو يتركز على الأسس الآتية:
١ - الإثبات.
٢ - التنزيه.
٣ - عدم إدراك الكيفية.
الأول: الإثبات:
أما الإثبات فإن السلف يعتقدون ما دل عليه صريح الكتاب وصحيح السنة من أسماء الله تعالى وصفاته، ويثبتونها على ما يليق بجلاله مع اعتقادهم أنها دالة على معان ثابتة كاملة في نفس الأمر، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وقد روي عن كثير من السلف ما يدل على أن مذهبهم هو الإثبات وقد ذكرت جملة من أقوالهم في أول هذا المبحث وهي تدل على أن السلف يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن ذاته وأسمائه وصفاته ولا يفرقون بين الذات والصفات كما فعلت الجهمية والمعتزلة، كما أنهم لا يفرقون بينها، فيثبتون البعض، وينكرون الآخر كما فعلت الأشاعرة ومن نحا نحوهم.
_________________
(١) القاسم بن سلام بن عبد الله أبو عبيد الإمام الحافظ، اشتغل بالحديث والأدب والفقه، وكان ذا دين وسيرة جميلة ومذهب حسن. له تصانيف كثيرة منها غريب الحديث والأمئال والأموال، توفي سنة ٢٢٤ هـ. طبقات الحنابلة لأبي يعلى (١/ ٢٥٩) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢٤١) وبغية الوعاة (٢/ ٢٥٣).
(٢) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٣٩، ١٤٠).
[ ٢٠٤ ]
وكلامهم في الإثبات يرتكز على أمرين:
١ - القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات.
فإن قيل: كيف استوى على عرشه؟
يقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، كما أجاب ربيعة ومالك وغيرهم رحمهم الله تعالى وإن قيل: كيف ينزل ربنا؟
يقال: كيف هو في ذاته؟
فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته.
وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه، ونزوله، واستواءه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابههه فيها سمع المخلوقين، وبصرهم، وكلامهم، واستواؤهم ونزولهم.
وهذا كلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا، ونفى شيئًا بالعقل، ألزم إذًا فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته.
ولو طولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا.
[ ٢٠٥ ]
٢ - القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإن من أثبت بعض الصفات كالحياة والقدرة، والإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينكر المحبة والرضا والغضب ويجعل ذلك مجازًا.
يقال له: ما الفرق بين ما أثبته وما نفيته؟
بل القول في أحدهما كالقول في الآخر.
فإن قال: إن إرادة الله مثل إرادة الخلق قيل: فكذلك رضاؤه ومحبته وهذا هو التمثيل.
وان قال: إن له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل له: فكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تناسب حاله وكذلك سائر الصفات كالرضا والغضب.
فإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، يقال له والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قال: هذه إرادة المخلوق، قيل: هذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم القول في بقية الصفات، فيجب أن يؤخذ الكل، أو يقال في الكل بما يقال في البعض (^١).
وقد جمع بين هذين الأصلين الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله: إنما التشبيه أن تقول يد كيد أو وجه كوجه، فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو إثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار، وليس إلا هذا المسلك، أو مسلك التعطيل المحض، أو التناقض الذي لا يثبت لصاحبه قدم في النفي، ولا في الإثبات (^٢).
_________________
(١) الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام مع تصرف يسير (ص ١٥ - ٢١).
(٢) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (١/ ١١٧).
[ ٢٠٦ ]
الثاني: التنزيه:
أما التنزيه فإن السلف يعتقدون أن الله لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فمن شبه الله بخلقه، وألحد في أسمائه وصفاته، وجحد ما وصف الله به نفسه، فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو ما وصفه به رسوله - ﷺ - تشبيهًا أو تمثيلًا كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) كما أنهم ينفون عنه سبحانه -كل ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - اعتقادًا بأن المراد من النفي هو إثبات كمال ضده، وليس النفي المحض، لأن النفي المحض لا يقصد به المدح إلا إذا تضمن إثبات كمال ضد ذلك المنفي، فكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا، فإن الله منزه عنه حقيقة.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) " (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن خزيمة (^٣) رحمه الله تعالى عند كلامه على صفة الوجه لله ﷿: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة،
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٣) حيث ساقه المؤلف بإسناده إلى الشافعي وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٠٧).
(٣) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري الإمام الحافظ الحجة، كان سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث. له مصنفات مفيدة منها: كتاب التوحيد، كتاب صحيح ابن خزيمة، توفي سنة ٣١١ هـ. الجرح والتعديل (٧/ ١٩٦) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٥) وشذرات الذهب (٢/
[ ٢٠٧ ]
واليمن، والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجل ربنا عن مقالة المعطلين وعز أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون، لأن ما لا صفة له عدم تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد - ﷺ - (^١).
وعمدة السلف رحمهم الله تعالى في هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ (^٢).
وقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (^٤).
وغيرها من الآيات التي أخبر الله فيها بأنه منزه عن الكفء والمثل والند والشبيه، لأنه ﵎ موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه منزه عن صفات النقص مطلقًا، ومنزه عن أن يماثله عيره في صفات كماله.
الثالث: قطع الأطماع عن إدراك الكيفية والكنه:
لأن إدراك الكيفية مستحيل وليس في إمكان البشر الإحاطة بذاته ﷾ لقوله ﷿: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (^٥).
فمعرفة الكيفية لا سبيل بالوقوف عليه، فلابد من اليأس من
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٦).
(٢) سورة مريم آية (٦٥).
(٣) سورة الشورى آية (١١).
(٤) سورة النحل آية (٧٤).
(٥) سورة طه آية (١١٠).
[ ٢٠٨ ]
إدراكها لأن الله ﷾ أخبرنا أنهم لا يحيطون به علمًا، لأن هذا أمر غيبي والأمور الغيبية لا تدرك كيفياتها بالعقل.
والواجب الذي كلفنا به وأمرنا باعتقاده هو الالتزام بما جاءت به الأدلة الشرعية، ونهينا عن تجاوز ذلك والخوض فيما لا علم لنا به، ولا يمكننا إدراكه والوقوف على حقيقته وكيفيته، وهذا أصل معروف عند السلف رحمهم الله تعالى، فإنهم يقرون بكل ما جاء في كتاب الله أو على لسان نبيه - ﷺ - بلا كيف ولا مثيل.
قال ابن قتيبة (^١) رحمه الله تعالى: وعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية والتجلي، وأنه يعجب وينزل من السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس واليدين من غير أن نقول بكيفية أو بحد، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت (^٢).
وقال ابن قدامة المقدسي (^٣) رحمه الله تعالى: وعلى هذا درج
_________________
(١) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ولد في بغداد سنة ٢١٣ هـ، كان على مذهب السلف رحمهم الله تعالى، له مؤلفات مفيدة منها: مشكل الحديث، ومنها الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية، قال الخطيب: كان ثقة دينًا فاضلًا. وقال الذهبي: كان رأسًا في علم اللسان العربي، والأخبار وأيام الناس، مات سنة ٢٧٦ هـ. تاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٩٦) وبغية الوعاة (٢/ ٦٣).
(٢) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (ص ٢٤٣).
(٣) أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ولد سنة ٥٤١ هـ كان عالم الشام في زمانه قال ابن النجار: كان إمام الحنابلة بجامع دمشق وكان ثقة حجة نبيلًا، غزير الفضل، نزهًا، ورعًا عابدًا، على قانون السلف، عليه النور والوقار. من مؤلفاته في العقيدة: لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، وذم التأويل، مات سنة ٦٢٠ هـ بدمشق. التكملة في وفيات النقلة للمنذري (٣/ ١٠٧) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ١٣٣) وشذرات الذهب (٥/ ٨٨).
[ ٢٠٩ ]
السلف وأئمة الخلف، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - من غير تعرض لتأويله (^١).
وقال الخطيب البغدادي (^٢) رحمه الله تعالى: أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن والصحاح مذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. . . ونقول إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٣) وقوله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^٤) (^٥) فلا طريق للعلم بذاته وصفاته وأسمائه ﷿ إلا بالخبر عنه سبحانه لما بلغنا ذلك رسول الهدى - ﷺ - وعلى ذلك فإننا لا نعلم عن ذاته وأسمائه وصفاته إلا ما جاء به الخبر، فعلينا أن نقف عند الحد الذي جاء به الخبر من غير سؤال عن كيفية ذلك، ولا بحث عن كنهها لأنه ليس بوسعنا ولا من حقنا أن نتكلم فيما لا نعلم، ولذلك أثر عن كثير من السلف أنهم قالوا عندما سئلوا عن كيفية استواء الله
_________________
(١) لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد (ص ١٠).
(٢) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي الحافظ المحدث المؤرخ، ولد سنة ٣٩٢ هـ، قال الذهبي: أحد الأئمة الأعلام وصاحب التواليف المنتشرة في الإسلام. له مصنفات كثيرة من أشهرها: تاريخ بغداد، مات سنة ٤٦٣ هـ. العبر للذهبي (٢/ ٣١٤) ووفيات الأعيان (١/ ٩٢) وشذرات الذهب (٣/ ٣١١).
(٣) سورة الشورى آية (١١).
(٤) سورة الإخلاص آية (٤).
(٥) ذم التأويل لابن قدامة (ص ١٥) وذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٢).
[ ٢١٠ ]
﷿: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (^١).
فاتفق هؤلاء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا وأن السؤال عنه بدعة.
ولذلك كان اعتقاد السلف في هذا الباب إثباتا بريئًا من التمثيل وتنزيهًا خاليًا من التعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^٢).
والله الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) تقدم (ص ١٩٧).
(٢) سورة الشورى آية (١١).
[ ٢١١ ]
المبحث الثالث أدلة توحيد الأسماء والصفات
بينت فيما سبق من مباحث هذا الفصل تعريف توحيد الأسماء والصفات ومنهج السلف الصالح فيه وما قاله ابن رجب رحمه الله تعالى فيه والتي ملخصها: وجوب الإيمان بما ثبت لله ﷿ من الأسماء الحسنى والصفات العلى إثباتًا يليق بجلاله وعظمته وكبريائه، ونفي جميع النقائص والعيوب عنه ﷿.
وقد وردت أدلة كثيرة في كتاب الله ﷾ وسنة رسوله - ﷺ - تدل على ذلك كله.
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ (^١).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ (^٢).
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٥٥).
(٢) سورة البروج الآيات (١٤ - ١٦).
[ ٢١٢ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (^١).
ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (^٢).
ومنها قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾ (^٣).
ومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ (^٤).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ
_________________
(١) سورة يس آية (٨٢).
(٢) سورة الحشر الآيات (٢٢ - ٢٤).
(٣) سورة الحديد الآيات (١ - ٦).
(٤) سورة آل عمران الآيات (١ - ٦).
[ ٢١٣ ]
فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (^١).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له ولي أو وزير أو مشير بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يحالف أحدًا ولم يبتغ نصر أحد ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي عظمه وأجله عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا (^٢).
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها دالة على أن الله ﷾ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له.
وأما الأحاديث التي وردت في إثبات أسماء الرب الحسنى وصفاته العلى فهي كثيرة جدًا لا تقل عن أحاديث الصلاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك من مسائل الأحكام.
ومنها: حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - يدعو من الليل: اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض، ومن فيهن، لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، قولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق،
_________________
(١) سورة الإسراء آية (١١١).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٦٩).
[ ٢١٤ ]
والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك (^١).
وحديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: يد الله ملأى لا يغيضُها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغضْ ما في يده، وقال: عرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع (^٢).
وحديث عبد الله بن مسعود أن يهوديًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٣) قال عبد الله: فضحك رسول الله - ﷺ - تعجبًا وتصديقًا له (^٤).
قال البغوي (^٥) رحمه الله تعالى: والأصبع المذكورة في الحديث
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (٨/ ١٦٧).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٨/ ١٧٣).
(٣) سورة الزمر آية (٦٧).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٨/ ١٧٤).
(٥) أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي الفقيه المحدث المفسر، قال الذهبي: كان على منهاج السلف، وله القدم الراسخ في التفسير، والباع المديد في الفقه، له مصنفات مفيدة منها: شرح السنة، توفي سنة ٥١٦ هـ. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩) وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٦١).
[ ٢١٥ ]
صفة من صفات الله ﷿، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح فهذه ونظائرها صفات الله تعالى ورد بها السمع يجب الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها معرضًا فيها عن التأويل مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيئًا من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) (^٢).
وعن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: "إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور (وفي رواية أبي بكر: النار) لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٣).
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" (^٤).
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) شرح السنة (١/ ١٦٨ - ١٧٠).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب قوله ﵇: "إن الله لا ينام " (١/ ١٦١).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٨/ ٢٠٢) ومسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (٢/ ٧٠٣).
[ ٢١٦ ]
وعن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: "ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر" (^١).
وعن جرير قال: كنا مع النبي - ﷺ - فنظر إلى القمر ليلة -يعني البدر- فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون (^٢) في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (^٣) ".
قال إسماعيل (^٤): افعلوا لا تفوتنكم (^٥).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (٢/ ٤٧) ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (١/ ٥٢٢).
(٢) لا تضامون: يروى بالتشديد والتخفيف للميم، فالتشديد معناه لا ينضم بعضكم إلى بعض، وتزدحمون وقت النظر إليه -ويجوز فتح التاء وضمها- ومعنى التخفيف لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض، والضم الظلم. النهاية لابن الأثير (٣/ ١٠١).
(٣) سورة ق آية (٣٩).
(٤) هو إسماعيل بن أبي خالد، تقدمت ترجمته.
(٥) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر (١/ ١٣٨) ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما (١/ ٤٣٩).
[ ٢١٧ ]
إليّ بشبر تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) (^١).
وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن ما جاء في هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث التي تثبت صفات الله ﵎ أنها تثبت من غير تحريف ولا تشبيه ولا تمثيل بل على الوجه الذي يليق بجلال الله وعظمته، ومن فهم من هذه الأحاديث تشبيهًا أو حلولًا فإنما فهمه بسبب جهله وعدم معرفته بربه، والله ورسوله بريئان من ذلك.
قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعضًا من هذه الأحاديث التي ذكرتها: ومن فهم شيئًا من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أتي من جهله، وسوء فهمه عن الله ﷿ وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه للحديث القدسي: وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه (^٣) " فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به وإن بطش بطش به، فهذا هو المراد بقوله: (كنت
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٨/ ١٧١) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى (٤/ ٢٠٦١).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٩).
(٣) تقدم تخريجه (ص ١٦٨).
[ ٢١٨ ]
سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، والاتحاد، والله ورسوله بريئان منه " (^١).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٦٧، ١٦٨).
[ ٢١٩ ]
المبحث الرابع بيانه أن السلف أعلم وأن مذهبهم أسلم وأحكم
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من نطق في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة، ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.
ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى، كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم.
وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة الظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة ﵃: "أنهم أبر الأمة قلوبًا وأعمقها علومًا وأقلها تكلفًا " (^١).
وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا. وقال
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص ٣٦٨).
[ ٢٢٠ ]
ابن مسعود أيضًا: "إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه" (^١).
فمن كثر علمه وقلّ قوله فهو ممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم (^٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدال، والخصام، والزيادة والبيان، على مقدار الحاجة، لم يكن عيًا ولا جهلًا، ولا قصورًا، وإنما كان ورعا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع.
وسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين، وفروعه، وفي تفسير القرآن والحديث، وفي الزهد، والرقائق، والحكم، والمواعظ، وغير ذلك مما تكلموا فيه.
فمن سلك سبيلهم، فقد اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم، ودخل في كثرة السؤال، والبحث، والجدال، والقيل والقال، فإن اعترف لهم بالفضل، وعلى نفسه بالنقص، كان حاله قريبًا
وإن ادَّعَى لنفسه الفضل، ولمن سبقه النقص والجهل، فقد ضلّ ضلالًا مبينًا، وخسر خسرانًا عظيمًا (^٣).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن السلف ﵃ كانوا أهل نظر ودراية، وأنهم كانوا أسلم وأحكم وأعلم في أصول الدين وفروعه بل في كل قضية من قضايا هذا الدين الحنيف.
_________________
(١) أخرجه أبو خيثمة في العلم (ص ١٣٥) والبخاري في الأدب المفرد (ص ٢٦٧) وصححه الحافظ في الفتح (١٠/ ٥١٠).
(٢) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٦).
(٣) المصدر السابق (ص ١٦١).
[ ٢٢١ ]
وهو بهذا يرد رحمه الله تعالى على قول بعض المتأخرين الذين يقولون: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
يقول البيجوري (^١): وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى (^٢).
ولا شك أن هذا فهم سقيم من هؤلاء المتكلمين لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بالألفاظ في القرآن والحديث من غير فقه لذلك.
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بقوله هذا بين الجهل بطريقة السلف، وتنقيصهم، وبين تفضيل طريقة الخلف ورفع مكانتهم.
والحقيقة أن الأمر ليس كما حكاه البيجوري وغيره لأن السلف رحمهم الله تعالى في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع والتسليم لأمره، وهم أعلم الأمة بنصوص الكتاب والسنة وأبلغهم في فهم معانيها على حسب مراد الله ورسوله - ﷺ -.
فكيف يكون الخلف أعلم وأحكم بأسماء الله وصفاته من هؤلاء الذين هم ورثة الأنبياء والمرسلين، وهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلًا عن بقية الأمم الذين لم يكن لهم كتاب.
_________________
(١) هو إبراهيم بن محمد بن أحمد البيجوري، شيخ الجامع الأزهر في وقته، كان على المذهب الشافعي في الفقه، والمذهب الأشعري في العقيدة، له عدة مؤلفات منها: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، توفي سنة ١٢٧٧ هـ. الأعلام (١/ ٧١) ومعجم المؤلفين (١/ ٨٤).
(٢) تحفة المريد (ص ٩١).
[ ٢٢٢ ]
فالحق ما ساروا عليه، والعلم ما بينوه وأوضحوه، وما عدا ذلك فهو علم لا منفعة فيه، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا فقال: فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابيعهم، إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم، مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحًا بكلام يتعلق بكلامهم.
وأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله.
ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة، والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم، ولا يلم به.
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فإنه ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم (^١).
وبهذا يتبين لنا صحة الموقف الذي اتخذه ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان حال السلف وصحة منهجهم في أمور الدين كلها.
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٧، ١٤٨).
[ ٢٢٣ ]
المبحث الخامس بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: فهذه السورة هي نسب الرحمن وصفته، وهي التي أنزلها الله في نفي ما أضاف إليه المبطلون من تمثيل، وتجسيم، وإثبات أصل وفرع، فدخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين، والصابئة (^١) وأهل الكتاب ومن دخل فيهم من منافقي هذه الأمة من تولد الملائكة أو العقول، أو النفوس أو بعض الأنبياء، أو غير الأنبياء ودخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين وأهل الكتاب من تولده عن غيره كالذين قالوا في المسيح أنه الله، والذين يقولون في الدجال: أنه الله، والذين يقولون ذلك في علي وغيره.
ودخل ما يقوله من يقول من المشركين وأهل الكتاب من إثبات كفو له في شيء من الأشياء، مثل من يجعل له بتشبيهه، أو تجسيمه كفوًا له، أو يجعل له بعبادة غيره كفوًا، أو يجعل له بإضافة بعض خلقه إلى غيره
_________________
(١) الصابئة: الصابئ في اللغة هو التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره. والصابئة: أمة كبيرة، وهم القوم الذين بعث فيهم إبراهيم ﵇، هم أهل دعوته، وكانوا بحران، فهي دار الصابئة وهم على قسمين: صابئة حنفاء، وصابئة مشركين والمشركون منهم هم الذين يعبدون الكواكب والبروج ويعظمونها ويصورونها في هياكلهم. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٩٠) والملل والنحل (٢/ ٥) وإغاثة اللهفان (٢/ ٢٤٥).
[ ٢٢٤ ]
كفوًا، فلا كفو له في شيء من صفاته، ولا في ربوبيته ولا في آلهيته.
فتضمنت هذه السورة تنزيهه، وتقدسيه، عن الأصول والفروع، والنظراء، والأمثال (^١).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فقد تضمنت هذه السورة العظيمة إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص، والعيوب من خصائص المخلوقين من التولد والمماثلة (^٢).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فهذه السورة تتضمن انفراده ووحدانيته وأنه منقطع النظير، وأنه إنما نزه عن أن يكون من أجناس المخلوقات، لأن أفراد كل جنس من هذه الأجناس متكافئة متماثلة، فالذهب يكافىء الذهب والإنسان يكافىء الإنسان ويزاوجه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (^٣).
فما من مخلوق إلا وله كفو، هو زوجه، ونظيره، وعدله، ومثيله فلو كان الحق من جنس شيء من هذه الأجناس، لكان له كفو وعدل، وقد علم انتفاؤه بالشرع والعقل (^٤).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى معنى قوله - ﷺ -: "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها (^٥) فقال: ويستدل به على أن المراد بكونها تعدل ثلث القرآن أجره وثوابه، كما يستدل بحديث أبي الدرداء (^٦)
_________________
(١) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٠، ١٠١).
(٢) المصدر السابق (ص ٩٧).
(٣) سورة الذاريات آية (٤٩).
(٤) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٠).
(٥) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٤٢٨).
(٦) سيأتي لفظه وتخريجه (ص ٢٢٨).
[ ٢٢٥ ]
على أنها جزء التوحيد من القرآن، وأنه ثلاثة أجزاء: توحيد وتشريع وقصص (^١).
فهذه السورة العظيمة هي صفة الرحمن ﷾ وكل سور القرآن هي صفة الرحمن ﷾ لأنها كلامه ﷿، وكلامه من صفاته ﵎ ولكن هذه السورة تميزت بأنها خالصة لذكر أوصاف الرحمن ﷻ (^٢).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى فضائل هذه السورة العظيمة فقال: أما فضائلها فكثيرة جدًا:
منها: أنها صفة الرحمن، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ (قل هو الله أحد) فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي - ﷺ -: أخبروه أن الله يحبه" (^٣).
ومنها: أن حبها يوجب محبة الله، لهذا الحديث المذكور آنفًا، ومنه قول ابن مسعود: "من كان يحب القرآن فهو يحب الله" (^٤).
_________________
(١) تفسير سورة الإخلاص (ص ٨٠).
(٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان (ص ٦١).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٣) ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١/ ٥٥٧).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٤٢).
[ ٢٢٦ ]
ومنها: أن حبها يوجب دخول الجنة روى مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن (^١) عن عبيد بن حنين (^٢) قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي - ﷺ -، فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله - ﷺ -: "وجبت، قلت: وما وجبت؟ قال: الجنة". وأخرجه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث مالك (^٣).
ومنها: أنها تعدل ثلث القرآن ففي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له -وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" (^٤).
وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟ قالوا: نعم، قال: إن الله جزأ
_________________
(١) عبيد الله بن عبد الرحمن، يقال اسم جده السائب بن عمير، صدوق من السادسة، رواه له الترمذي والنسائي ومالك. الجرح والتعديل (٥/ ٣٢٣) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٠) وتقريب التهذيب (٢٢٦).
(٢) عبيد بن حنين المدني أبو عبد الله، ثقة فاضل، قليل الحديث، مات سنة ١٠٥ هـ. تهذيب التهذيب (٧/ ٦٣) وتقريب التهذيب (٢٢٨).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٨) وأحمد في المسند (٢/ ٣٠٢) والترمذي: كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص (٥/ ١٦٨) والنسائي: كتاب الافتتاح، باب الفضل في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢/ ١٧١) والحاكم في المستدرك: كتاب فضائل القرآن (١/ ٥٦٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على المسند (١٥/ ١٦٥): إسناده حسن.
(٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٤).
[ ٢٢٧ ]
القرآن ثلاثة أجزاء. فقل هو الله أحد ثلث القرآن" (^١).
ومنها: أن قراءتها تكفي من الشر، وتمنعه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه قرأها مع المعوذتين، ومسح ما استطاع من جسده (^٢).
وروى أبو داود (^٣) والترمذي (^٤) والنسائي (^٥) من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيب (^٦) عن أبيه (^٧) عن النبي - ﷺ - قال له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حين تمسى وحين تصبح ثلاثًا تكفيك كل يوم" وصححه الترمذي
ومنها: أن الدعاء بها مستجاب، ففي السنن الأربعة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا يصلي يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١/ ٥٥٦).
(٢) أخرجه البخاري: فضائل القرآن، باب فضل المعوذات (٦/ ١٠٦).
(٣) سنن أبو داود: كتاب الأدب، باب ماذا يقول إذا أصبح (٥/ ٣٢١).
(٤) سنن الترمذي: كتاب الدعوات (٥/ ٥٦٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(٥) سنن النسائي: كتاب الاستعاذة (٨/ ٢٥٠).
(٦) معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني المدني، صدوق، ربما وهم، من الرابعة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة. تقريب التهذيب (٣٤٠).
(٧) هو عبد الله بن خبيب الجهني، مدني له صحبة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة. أسد الغابة (٣/ ١٥٠) والإصابة (٢/ ٢٩٤) وتقريب التهذيب (١٧٢).
[ ٢٢٨ ]
يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، قال: "والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" (^١) (^٢).
هذه بعض فضائل هذه السورة العظيمة، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عظم هذه السورة وعظم ما اشتملت عليه، فهي سورة خالصة لذكر أوصاف الرحمن ﵎.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٦٠) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦٧) والترمذي: كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات (٥/ ٥١٥) وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم (٢/ ١٢٦٧) والحاكم: كتاب الدعاء (١/ ٥٠٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٧١ - ٨٣).
[ ٢٢٩ ]
المبحث السادس بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: " وحرم التسمي بأسمائه المختصة به كالله والرحمن والرب".
وإنما يجوز التسمية به مضافًا إلى غير من يعقل، وكذلك الجبار والمتكبر والقهار، ونحو ذلك كالخلاق والرزاق والدائم، ومنه ملك الملوك.
وقد جعل ابن عقيل التسمية بهذا مكروهة.
قال ابن عقيل: "كل ما انفرد به الله كالله والرحمن والخالق لا يجوز التسمي به، وكلما وجد معناه في الآدمي، فإن كان يوجد تكبرًا، كالملك العظيم والأعظم، وملك الملوك والجبار فمكروه".
والصواب الجزم بتحريمه، فأما ما يتسمى به المخلوقون من أسمائه كالسميع والبصير والقدير والعليم والرحيم، فإن الإضافة قاطعة الشركة، وكذلك الوصفية، فقولنا: زيد سميع بصير لا يفيد إلا صفة المخلوق.
وقولنا: الله سميع بصير يفيد صفته اللائقة به، فانقطعت المشابهة بوجه من الوجوه.
ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^١) وفيه قولان:
_________________
(١) سورة مريم آية (٦٥).
[ ٢٣٠ ]
أحدهما: نفي التسمية.
والثاني: نفي المساواة، وقد نفى سبحانه عن نفسه المثلية بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) ونفى عنه العدل والتسوية بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (^٢) وقوله: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ (^٣) ونفى عنه الند بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٤) وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ (^٥).
وفي الحديث: "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" (^٦).
وقال للذي قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله ندًا"؟ وفي رواية "أجعلتني لله عدلًا؟ " (^٧) (^٨).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه المشابهة والاتفاق في المسمى لأن لله ﷾ أسماء تليق بجلاله وكماله، وللعبد منها ما يناسب ضعفه وعجزه وذلك
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) سورة الأنعام آية (١).
(٣) سورة الشعراء آية (٩٦ - ٩٨).
(٤) سورة البقرة آية (٢٢).
(٥) سورة فصلت آية (٩).
(٦) تقدم تخريجه (ص ١٤٩).
(٧) أخرجه أحمد (٣/ ٢٥٣) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه ابن ماجه: كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشئت (١/ ٦٨٤) والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٤٤).
(٨) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٢، ١٠٣).
[ ٢٣١ ]
مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع، والبصر والكلام وغيرها والإضافة توضح المقصود وتبينه.
فإذا قلنا: حياة الله، وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك فهذا كله يوصف به الله ﵎ كما يليق بجلاله وكماله، ولا يماثل صفات المخلوقين.
وإذا قلنا: علم العبد، وقدرة العبد، وكلام العبد، فهذا كله مخلوق يناسب ضعف العبد وعجزه.
وهذا كله قد أوضحه ابن رجب رحمه الله تعالى وبينه في كلامه السابق، وهو ما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى.
يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى مبينًا ذلك: وأسماء الله تعالى لا تشبه أسماء العباد، لأن أفعال الله تعالى مشتقة من أسمائه، وأسماء العباد مشتقة من أفعالهم، قال النبي - ﷺ -: "يقول الله ﷾: أنا الرحمن، خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي" (^١).
فبيّن أن أفعاله مشتقة من أسمائه، فلا يجوز أن يحدث له اسم بحدوث فعله، ولا يعتقد في صفات الله تعالى أنها هو ولا غيره، بل هي صفات له أزلية، لم يزل جلّ ذكره، ولا يزال موصوفًا بما وصف به نفسه، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وإذا كان من
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٣٩) وقال أحمد شاكر إسناده صحيح، وأبو داود: كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم (٢/ ٣٢٢)، والترمذي: كتاب البر، باب في قطيعة الرحم (٤/ ٣١٥) وقال: حديث صحيح.
(٢) شرح السنة (١/ ١٧٩، ١٨٠).
[ ٢٣٢ ]
المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب لنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص، والتقييد ولا في غيره فلا يقول عاقل إذا قيل أن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود أن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركًا كليًا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود، وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده -عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص وقد سمى الله نفسه حيًا فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^١).
وسمى بعض عباده حيًا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (^٢) وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله: "الحي" اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٥٥).
(٢) سورة يونس آية (٣١).
[ ٢٣٣ ]
مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولابدّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾ (^١).
_________________
(١) الرسالة التدمرية (ص ٨، ٩).
[ ٢٣٤ ]
المبحث السابع ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى
صفات الله ﵎ التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وسنة المصطفى - ﷺ - كثيرة، ولكن سأقتصر على ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى وتعرض لها في مؤلفاته، لأن في بيان البعض إيضاحًا للمقصود إذ هي تعتبر بمثابة الأمثلة ويقاس عليها غيرها من الصفات من حيث إثباتها على الوجه اللائق بالله ﷾.
وقد نهج ابن رجب رحمه الله تعالى وسار في إثبات الصفات على منهج السلف الصالح عليهم رحمة الله تعالى، لأن منهجهم هو المنهج القويم والصراط المستقيم والطريق السليم.
وقبل أن أبين الصفات التي تكلم عنها ابن رجب ﵀ في مؤلفاته أرى من المناسب أن أذكر المنهج الذي سار عليه السلف في تقسيم صفات الله تعالى وهو أنهم يقسمون الصفات التي وردت في الكتاب والسنة إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.
فأما الصفات الذاتية: وهي الصفات المتعلقة بذاته التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي لا تنفك عنه سبحانه بل هي لازمة لذاته أزلًا وأبدًا كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، وهي لا تتعلق بها مشيئته وقدرته.
وأما الصفات الفعلية: فهي الصفات المتعلقة بمشيئته وقدرته إن شاء
[ ٢٣٥ ]
فعلها وإن شاء لم يفعلها ﷿ كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول والضحك، والرضى والعجب والسخط
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كصفة الكلام، فإنه باعتبار أصل الصفة صفة ذاتية لأنه ﵎ لم يزل ولا يزال متكلمًا.
وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام متعلق بمشيئته ﷿ يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (^١).
يقول العلامة الأستاذ محمد خليل هراس رحمه الله تعالى بعد أن ذكر جملة من النصوص المشتملة على هذين القسمين. قال: "دلت هذه النصوص القرآنية على أن صفات الباري قسمان":
أ - صفات ذاتية لا تنفك عن الذات، بل هي لازمة لها أزلًا وأبدًا ولا تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته، وذلك كصفات الحياة، والعلم والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال الخ.
ب - صفات فعلية تتعلق بها مشيئته وقدرته كل وقت وآن وتحدث بمشيئته وقدرته، آحاد تلك الصفات من الأفعال وإن كان هو لم يزل موصوفًا بها بمعنى أن نوعها قديم وأفرادها حادثة، فهو سبحانه لم يزل فعالًا لما يريد ولم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور وأفعاله تقع شيئًا فشيئًا تبعًا لحكمته وإرادته، فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك والرضى والغضب والكراهية
_________________
(١) سورة يس آية (٨٢).
[ ٢٣٦ ]
والمحبة المتعلقة بخلقه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وأنواع التدبير المختلفة (^١).
وفيما يلي سأذكر جملة من صفات الله ﷿ مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليها:
أولًا: صفة العلم:
وهي صفة من صفات الله الذاتية، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: لا ريب أن علم الله ﷿ قديم أزلي، لم يزل عالمًا بما يحدثه من مخلوقاته (^٢).
فالعلم صفة من صفات ذاته تعالى فهو عالم بعلم قائم بذاته قديم أزلي لازم لنفسه المقدسة، وهو سبحانه العليم المحيط بكل شيء، يعلم الكليات والجزئيات ولا تخفى عليه خافية، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
ومن الأدلة على اتصافه تعالى بالعلم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (ص ٩٨، ٩٩) وانظر: شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ١١).
(٢) لطائف المعارف (ص ٧٩، ٨٠).
(٣) سورة التغابن آية (١١).
(٤) سورة الأنعام آية (٥٩).
[ ٢٣٧ ]
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾ (^١).
وقوله تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (^٤).
والآيات الواردة في كتاب الله الدالة على أن الله ﵎ متصف بصفة العلم مما لا يكاد أن يحصى إلا بعد جهد لكثرتها.
كما دلّ على إثبات هذه الصفة لله ﵎ أحاديث المصطفى - ﷺ -.
منهما: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير. قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" (^٥).
_________________
(١) سورة التغابن آية (٤).
(٢) سورة الحديد آية (٤).
(٣) سورة النساء آية (١٦٦).
(٤) سورة الطلاق آية (١٢).
(٥) تقدم تخريجه (ص ١٧٣).
[ ٢٣٨ ]
ومعنى الحديث كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا (^١).
ومنها: ما رواه البخاري ومسلم في قصة الخضر مع موسى ﵇ التي ورد فيها قول الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه إلى أن قال: "فركبا في السفينة قال: ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره" (^٢).
ومنها: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تفيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (^٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على إثبات صفة العلم لله ﷿، وأنه ﵎ قد علم في الأزل جميع ما هو خالق كما علم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هم منهم من أهل النار، وعلم ﷾ عدد أنفاسهم وجميع حركاتهم وسكناتهم أين تقع،
_________________
(١) شفاء العليل (ص ٦٧).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (٥/ ٢٣٠) ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر (٤/ ١٨٤٧).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله (٢/ ٢٣) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ٤٠) من حديث أبي هريرة.
[ ٢٣٩ ]
ومتى تقع وكيف تقع كل ذلك بعلمه ﵎ الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فله ﷿ العلم المطلق بجميع الأشياء جملة وتفصيلًا، سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ثانيًا: صفة الغنى:
صفة الغنى من صفات الله تعالى الذاتية، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقوله: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني " (^١) يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعًا ولا ضرًا، فإن الله تعالى في نفسه غني حميد، لا حاجة له بطاعة العباد، ولا يعود نفعها إليه، إنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ (^٣).
وكان النبي - ﷺ - يقول في خطبته: "ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا" (^٤).
وقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ (^٥).
_________________
(١) هذا جزء من حديث قدسي طويل تقدم تخريجه (ص ١٧٤).
(٢) سورة آل عمران آية (١٧٦).
(٣) سورة آل عمران آية (١٤٤).
(٤) هذا جزء من حديث ما يسمى بخطبة الحاجة، وقد تقدم تخريجه (ص ٨).
(٥) سورة النساء آية (١٣١).
[ ٢٤٠ ]
وقال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ (^١).
وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (^٢).
وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (^٣).
والمعنى أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين
هذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وأنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم، ودفع الضر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا عند قوله - ﷺ -: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا" (^٥).
قال: هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية
_________________
(١) سورة إبراهيم آية (٨).
(٢) سورة آل عمران آية (٩٧).
(٣) سورة الحج آية (٣٧).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٨٩، ١٩٠).
(٥) تقدم تخريجه (ص ١٧٤).
[ ٢٤١ ]
العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم.
فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله فملكه ملك كامل، لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان إلى أن قال: "إن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئًا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا. فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان، لا يزاد ولا يكمل بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي ولا تؤثر فيه شيئًا" (^١).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن من صفات الله ﵎ صفة الغنى المطلق من جميع الوجوه، وأنه ﷾ هو الغني الحميد الذي بيده خزائن السموات والأرض وأنه سبحانه هو الذي يغني جميع خلقه لأنهم جميعًا مفتقرون إليه في كل شيء في وجودهم وقيامهم وقعودهم وحركاتهم، وسكناتهم، وفي كل شأن من شؤون حياتهم.
كما أوضح رحمه الله تعالى أن الله ﵎ قيوم السموات والأرض بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فلا تزيده طاعة مطيع، ولا تنقصه معصية عاص لأنه غني عن خلقه أجمعين، فهو ﷾ له الغنى المطلق الكامل، وهو متصف بصفة الغنى المطلق من جميع الوجوه فلا يتطرق إليه نقص بوجه من الوجوه، لأن غناه ﵎ من لوازم ذاته فلا يحتاج إلى أحد بحال من الأحوال، بل العباد كلهم محتاجون إليه مفتقرون إليه ليس لهم غنا عنه بأية حال من الأحوال.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٩٤، ١٩٥).
[ ٢٤٢ ]
وهذا كله مما دلت عليه الآيات في كتاب الله تعالى ومما جاءت به الأحاديث في سنة المصطفى - ﷺ -.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه بعضًا من الآيات الدالة على ذلك.
ومن الآيات التي تدل على إثبات هذه الصفة لله تعالى مما لم يذكره ابن رجب رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ (^١).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: يخبر تعالى بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا قال ﷿: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: "هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه" (^٢).
وأما الأحاديث الدالة على هذه الصفة فكثيرة جدًا:
منها ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه السابق.
ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فقالت عائشة: فخرج رسول الله - ﷺ - حين بدأ حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبّر - ﷺ - وحمد الله ﷿، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان (^٣) زمانه
_________________
(١) سورة فاطر آية (١٥).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٧٧).
(٣) إبان زمانه: وقت زمانه، وإبان كل شيء بالكسر والتشديد: وقته وحينه الذي يكون فيه. لسان العرب (١٣/ ٤).
[ ٢٤٣ ]
عنكم، وقد أمركم الله ﷿ أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين" (^١).
ثالثًا: صفة المعية:
معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف وهي معية تليق بالله تعالى ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق لقوله تعالى عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢) وهي تنقسم إلى قسمين:
١ - معية عامة: وهي معية تقتضي علمه ﷾ بجميع خلقه وإحاطته بهم مؤمنهم وفاجرهم، فلا تخفى عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء، لأنه ﵎ قد أحاط بكل شيء علمًا.
ومن الأدلة التي تدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^٣).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو في القفار (^٤) الجميع في علمه على السواء وتحت
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء (١/ ٦٩٣) وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد، أهل المدينة يقرؤون (ملك يوم الدين) وإن هذا الحديث حجة لهم.
(٢) سورة الشورى آية (١١).
(٣) سورة الحديد آية (٤).
(٤) القفار بكسر القاف: مفردها قفر وهي الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات. الصحاح (٢/ ٧٩٧).
[ ٢٤٤ ]
بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم ويعلم سركم ونجواكم (^١). ومن نصوص الكتاب أيضًا التي تدل على هذا النوع من المعية قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^٢).
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (^٤).
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قربه ﷾ من عباده وأنه ﷿ على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط.
٢ - المعية الخاصة: وهي المعية التي تقتضي النصر والتوفيق والتأييد والحفظ من الله ﷿ لعباده المؤمنين المتقين وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.
ومن النصوص الدالة على هذا النوع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ (^٥).
ومنها: قوله تعالى في قصة نبينا محمد - ﷺ - مع الصديق ﵁: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (^٦).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٤).
(٢) سورة المجادلة آية (٧).
(٣) سورة يونس آية (٦١).
(٤) سورة النساء آية (١٠٨).
(٥) سورة النحل آية (١٢٨).
(٦) سورة التوبة آية (٤٠).
[ ٢٤٥ ]
ومنها: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (^١) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أنه ﷾ مع عباده المتقين الطائعين يحفظهم وينصرهم ويدافع عنهم.
كما دلّ على هذا النوع أحاديث المصطفى - ﷺ -:
منها: حديث أبي موسى قال: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال النبي - ﷺ -: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" وفي لفظ: "والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم" (^٢).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى صفة المعية وأقسامها، وعرف كل قسم منها وذكر ما يدل عليه من نصوص الكتاب والسنة.
ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى: وقوله - ﷺ -: "احفظ الله تجده أمامك" (^٣) معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه في جميع الأحوال يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده، فإنه قائم على كل نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون
وهذه هي المعية الخاصة بالمتقين غير المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ (^٤).
فإن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة
_________________
(١) سورة طه آية (٤٦).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (٤/ ٢٠٧٦).
(٣) سبق تخريجه (ص ١٦١).
(٤) سورة الحديد آية (٤).
[ ٢٤٦ ]
وكان - ﷺ - قد قال لأبي بكر وهما في تلك الحال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (^١).
فهذا غير المعنى المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (^٢) فإن ذلك عام: لكل جماعة.
ومن هذا المعنى الخاص الحديث الإلهي وقوله فيه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي به" (^٣).
إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة على قرب الرب سبحانه ممن أطاعه واتقاه، وحفظ حدوده وراعاه (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلم عن المعية في مرتبة الإحسان "وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٥) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (^٦) إلى أن قال رحمه الله تعالى: "ومن فهم شيئًا من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أتى من جهله وسوء فهمه عن الله ﷿ وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (٥/ ٢٠٤).
(٢) سورة المجادلة آية (٧).
(٣) تقدم تخريجه (ص ١٦٨).
(٤) نور الاقتباس (ص ٥٢، ٥٣).
(٥) سورة الحديد آية (٤).
(٦) سورة البقرة آية (١٨٦).
(٧) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٨، ٨٩).
[ ٢٤٧ ]
وقال رحمه الله تعالى أيضا بعد أن ذكر بعض النصوص التي تدل على المعية "فهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (^١).
ومعيته مع أهل طاعته خاصة فهو سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه.
والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته فكذلك القرب، وليس هذا القرب تقرب الخلق المعهود منهم كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين كما أن الموصوف به ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (^٢).
فقد بيّن رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن نصوص المعية بنوعيها لا تفيد مخالطة ولا ممازجة ولا حلولًا ولا تشبيهًا، بل هي معية اطلاع وعلم وإحاطة في المعية العامة وتزيد المعية الخاصة بأنها معية نصر وموالاة وحفظ وتأييد وتسديد.
ومن فهم من هذه النصوص معاني أخرى لا تليق بكمال الله وجلاله فإنما ذلك بسبب جهله وسوء فهمه لأن معية الله ﷾ وقربه ليست كقرب الأجسام بعضها ببعض، فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
_________________
(١) سورة النساء آية (١٠٨).
(٢) فتح الباري (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
[ ٢٤٨ ]
وقد ردّ ابن رجب رحمه الله تعالى على الذين فسروا المعية بتفسير لا يليق بالله ﷿ وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، وهم الحلولية (^١) من الجهمية ومن نحا نحوهم.
فقال رحمه الله تعالى: ولم يكن أصحاب النبي - ﷺ - يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله واطلاعه على عباده وإحاطته بهم وقربه من عابديه وإجابته لدعائهم فيزدادون به خشية لله وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة ومراقبة واستحياء ويعبدونه كأنهم يرونه، ثم حدث بعدهم من قل ورعه وانتكس فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره وأراد أن يرى الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان كما يحكى ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبير.
وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة ﵃ وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي - ﷺ - منهم في حديث عائشة (^٢) المتفق عليه.
_________________
(١) الحلولية: هم الذين يعتقدون أن الله تعالى بذاته حل في مخلوقاته كما يحل الماء في الإناء، وأنه تعالى بذاته في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وأول من أظهر ذلك في الإسلام الروافض، فإنهم ادعوا الحلول في حق أئمتهم والقول بالحلول هي عقيدة غلاة الصوفية والفلاسفة كابن عربي وابن سبعين والحلاج والتلمساني وغيرهم. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٧٣) ومجموع الفتاوي (٢/ ١١٢).
(٢) حديث عائشة هو ما رواه البخاري ومسلم وغيرهم عنها ﵂ قالت: تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ =
[ ٢٤٩ ]
وتعلقوا أيضًا بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^١) وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (^٢).
فقال من قال من علماء السلف حينئذ إنما أراد أنه معهم بعلمه وقصدوا بذلك إبطال ما قال أولئك مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن
وحكى ابن عبد البر (^٣) وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) أن المراد علمه، وكل هذا قصدوا به رد قول من قال أنه تعالى بذاته في كل مكان.
وزعم بعض من تحذلق (^٤) أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام، فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها،
_________________
(١) = أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ سورة آل عمران آية (٧). قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سمى الله، فاحذروهم". البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ (٥/ ١٦٦) ومسلم: كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه (٤/ ٢٠٥٣).
(٢) سورة الحديد آية (٤).
(٣) سورة المجادلة آية (٧).
(٤) انظر: التمهيد (٧/ ١٣٨، ١٣٩).
(٥) يقال: حذلق الرجل وتحذلق إذا أظهر الحذق وادعى أكثر مما عنده. لسان العرب (١٠/ ٤١).
[ ٢٥٠ ]
ففيها معلوماته لا صفة ذاته كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^١) وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (^٢) وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ (^٣) (^٤).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن معية الله تعالى لا تقتضي المخالطة والممازجة كما يزعم أهل الضلال لأن السلف رحمهم الله تعالى أجمعوا على أن المراد هو معهم بعلمه، وهذا هو المأثور عن الصحابة والتابعين وهو ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.
وبهذا يتبين أن موقف ابن رجب رحمه الله تعالى من إثبات معية الله تعالى موافق لما جاءت به نصوص الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.
ومعية الله ﷿ لا تنافي ما ثبت لله تعالى من علوه على خلقه واستوائه على عرشه لأن الله تعالى قد ثبت له العلو المطلق.
صفة العلو وأدلة ثبوتها من السمع والعقل والفطرة:
فالعلو صفة من صفات الله تعالى الذاتية التي لا تنفك عنه، وقد دل على ثبوتها: السمع والعقل والفطرة.
وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الله تعالى عال على كل شيء.
_________________
(١) سورة الأعراف آية (٨٩).
(٢) سورة غافر آية (٧).
(٣) سورة الحديد آية (٤).
(٤) فتح الباري (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢).
[ ٢٥١ ]
أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ (^٤) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على علو الله تعالى.
وأما الأحاديث فكثيرة أيضًا وقد بلغت مبلغ التواتر (^٥) ومنها:
حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم فيقول كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" (^٦).
ومنها حديث أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: "إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام،
_________________
(١) سورة غافر آية (١٢).
(٢) سورة الرعد آية (٩).
(٣) سورة الأعلى آية (١).
(٤) سورة الملك آية (١٦).
(٥) انظر: حكاية التواتر في كتاب إثبات صفة العلو لابن قدامة (ص ٤١) والعلو للذهبي (ص ١٦) واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (٩٨) وقد ذكر ابن أبي العز رحمه الله تعالى في شرح الطحاوية (ص ٣٢٢) عشرين نوعًا من الأدلة على إثبات صفة العلو لله ﷿ ثم قال: "وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله، هيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك".
(٦) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٨/ ١٧٧).
[ ٢٥٢ ]
يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^١).
ومنها حديث الجارية التي سألها رسول الله - ﷺ -: "أين الله"؟ قالت: في السماء، قال من أنا؟ قالت: رسول الله قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة" (^٢).
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - في قسمة الذهب الذي بعث به علي بن أبي طالب من اليمن إلى المدينة قال النبي - ﷺ -: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا" (^٣).
فهذه الأحاديث وغيرها مما هو بمعناها تدل دلالة واضحة على علو الله ﷾.
وأما من الإجماع: فقد أجمع سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان على أن الله تعالى فوق سمواته على عرشه.
وقد ذكر هذا الإجماع غير واحد منهم.
من ذلك ما قاله أبو عمرو الطلمنكي (^٤) رحمه الله تعالى "وأجمع
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٢١٦).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب المساجد (١/ ٣٨١).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب في بعث علي بن أبي طالب (٥/ ١١٠) ومسلم: كتاب الزكاة (٢/ ٧٤٢).
(٤) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى المعافري الأندلسي الطلمنكي الحافظ عالم أهل قرطبة، وصاحب التصانيف، كان خبيرًا بعلوم القرآن، وكان على منهج أهل السنة والجماعة، يقول الذهبي: رأيت له كتابًا في السنة في مجلدين عامته جيد، توفي سنة ٤٢٩ هـ. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٦٦) وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ١٢٠) وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٣).
[ ٢٥٣ ]
المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^١) ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه وان الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء" (^٢).
وأما من العقل:
فإن كل عقل صحيح صريح يدل على علو الله ﷾ على خلقه، لأن العلو صفة كمال، والسفل صفة نقص، والله تعالى موصوف بالكمال المطلق من جميع الوجوه، ومنزه عن جميع صفات النقص، فدلّ العقل على اتصاف الله ﷿ بصفة العلو من وجوه:
١ - العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات، وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر.
٢ - أنه لما خلق العالم، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجًا عن ذاته والأول باطل.
أما أولًا: فبالاتفاق.
وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن يكون محلًا للخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
والثاني يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته، فيكون منفصلًا فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول.
_________________
(١) سورة الحديد آية (٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٩) واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (١٤٢).
[ ٢٥٤ ]
٣ - أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول، فيكون موجودًا إما داخله وإما خارجه، والأول باطل فتعين الثاني فلزمت المباينة (^١).
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ثلاثين دليلًا عقليًا على إثبات صفة العلو لله ﷿ (^٢).
وأما ثبوته بالفطرة:
فإن الله تعالى فطر الخلق كلهم على الإيمان به وعلى علوه لأنه ما من داع يدعو ربه إلا ويجد في نفسه ضرورة بالإتجاه إلى العلو من غير تعليم معلم.
ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: "ومن الحجة في أنه ﷾ على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته لأنه اضطراري لم يخالفهم فيه أحد ولا أنكره عليهم مسلم" (^٣).
وهناك حكاية مشهورة تبين الاستدلال بالفطرة على علو الله على خلقه وهي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني (^٤) حضر مجلس أبي المعالي
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٢٥).
(٢) انظر: الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة (٤/ ١٢٧٩).
(٣) التمهيد (٧/ ١٣٤).
(٤) هو الشيخ الإمام الحافظ الزاهد أبو جعفر محمد بن الحسين بن محمد الهمداني، من أئمة أهل الأثر، توفي سنة ٥٣١ هـ. سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠١) شذرات الذهب (٤/ ٩٧).
[ ٢٥٥ ]
الجويني (^١) فذكر العرش وقال: كان الله ولا عرش ونحو ذلك، وقام إليه الشيخ أبو جعفر فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش -يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع- وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة لطلب العلو لا يتلفت يمنة ولا يسرة، قال: فضرب أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني.
فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله تعالى أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال يا الله.
وهذا يقتضي أن في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق (^٢).
هذه بعض الأدلة (^٣) التي تدل على إثبات هذه الصفة العظيمة لله ﵎ وهي صفة العلو ذكرتها بمناسبة الجمع بين صفة المعية
_________________
(١) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، إمام الحرمين أبو المعالي، أحد الأعلام، شافعي المذهب، له مؤلفات كثيرة منها: الإرشاد في أصول الدين، والشامل في أصول الدين. كان من أئمة الأشاعرة، ولكنه رجع إلى مذهب السلف في آخر حياته، توفي سنة ٤٧٨ هـ. تبيين كذب المفتري (ص ٢٧٨) وطبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٦٥) والعبر (٢/ ٣٣٩) وشذرات الذهب (٣/ ٣٥٨).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٦١) والعلو للذهبي (ص ١٨٨) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٢٥).
(٣) من أراد مزيدًا من الأدلة والإيضاح في هذه الصفة فليراجع: أ - مجموع الفتاوى (٥/ ١٣٦) وما بعدها. ب - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم. جـ - إثبات صفة العلو لابن قدامة. د - العلو للعلي الغفار للذهبي.
[ ٢٥٦ ]
وصفة العلو وأنه لا تناقض ولا تنافي بين علو الله تعالى واستوائه على عرشه وبين معيته ﷾ للوجوه التالية:
١ - أن الله تعالى قد جمع بينهما لنفسه في كتابه العظيم في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ (^١). فدلّ ذلك على عدم التناقض بينهما إذ لو كانا متناقضين لم يجمع القرآن بينهما لأنه منزه عن التناقض.
٢ - أن اجتماع المعية والعلو ممكن في حق المخلوق الضعيف كما يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا.
ومن المعلوم أن المخلوق في الأرض والقمر في السماء ولا يعد ذلك تناقضًا، فإذا أمكن اجتماع ذلك في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء أولى.
٣ - أنه لو فرض أن اجتماع العلو والمعية ممتنع في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق العظيم لأنه ﷿ ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وبهذا يتضح أن الله ﵎ عال على خلقه مستو على عرشه وهو مع ذلك مع عباده وقريب منهم ﷾ لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه (^٢).
_________________
(١) سورة الحديد آية (٤).
(٢) شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس (ص ١٢٣ - ١٢٥) وفتح البرية بتلخيص الحموية للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ٧٧، ٧٨).
[ ٢٥٧ ]
رابعًا: صفة المجيء والإتيان:
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها وتمر كما جاءت عندهم قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^١) ونحو ذلك مما دلّ على إتيانه ومجيئه يوم القيامة، وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما، وعندهما أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره وقد ذكر حرب الكرماني (^٢) أنه أدرك على هذا كل من أخذ عنه العلم في البلدان، وسمى منهم أحمد وإسحاق والحميدي (^٣) وسعيد بن منصور (^٤) وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بالإبانة (^٥)، وهو من أجل كتبه، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه كالبيهقي (^٦) وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن
_________________
(١) سورة الفجر آية (٢٢).
(٢) حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، رجل جليل، نقل عن الإمام أحمد مسائل كتبها بخطه، وكان السلطان قد جعله على أمر الحكم وغيره في البلد، توفي سنة ٢٨٠ هـ. الجرح والتعديل (٣/ ٢٥٣) وطبقات الحنابلة (١/ ١٤٥) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٤).
(٣) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، الإمام الحافظ الفقيه، المحدث، صاحب المسند، قال عنه الإمام أحمد: الحميدي عندنا إمام، توفي سنة ٢١٩ هـ. الجرح والتعديل (٥/ ٥٦) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٦١٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢١٥).
(٤) سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني المروزي، أبو عثمان الحافظ الإمام، شيخ الحرم صاحب السنن، كان ثقة صادقًا ومن أوعية العلم وأئمة الحديث، توفي سنة ٢٢٧ هـ. التاريخ الكبير (٣/ ٥١٦) والجرح والتعديل (٤/ ٦٨) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦).
(٥) انظر: الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٦٠).
(٦) أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الحافظ العلامة، كتب الحديث وحفظه من صباه، وصنف تصانيف كثيرة منها: شعب الإيمان، توفي سنة ٤٥٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣) وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٤).
[ ٢٥٨ ]
عساكر (^١) وغيرهم (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث الرؤية الذي فيه يقول الرسول - ﷺ -: "فيأتيهم الله ﷿ فيقول: أنا ربكم " الحديث (^٣).
يقول: وقد دلّ القرآن على ما دلّ عليه الحديث في مواضع كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (^٤).
وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (^٥) وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^٦) ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئًا من ذلك ولا أخرجوه من مدلوله، بل روى عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء.
وقد روي عن الإمام أنه قال في مجيئه: هو مجئ أمره، وهذا مما تفرد به حنبل (^٧) عنه، فمن أصحابنا من قال: وهم حنبل فيما روى، وهو خلاف مذهبه المعروف والمتواتر عنه، وكان أبو بكر الخلال (^٨)
_________________
(١) أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، الإمام الحافظ المتقن، له مصنفات عظيمة منها: تاريخ دمشق الكبير، توفي سنة ٥٧١ هـ. البداية والنهاية (١٢/ ٣١٢).
(٢) فتح الباري (٥/ ١٠٢).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٢١٧).
(٤) سورة البقرة آية (٢١٠).
(٥) سورة الأنعام آية (١٥٨).
(٦) سورة الفجر آية (٢٢).
(٧) حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني، أبو علي ابن عم الإمام أحمد حافظ محدث، له مسائل عن الإمام أحمد، توفي سنة ٢٧٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥١) وشذرات الذهب (٢/ ١٦٣).
(٨) هو أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال، من كبار الحنابلة مفسر عالم بالحديث واللغة له كتب مفيدة منها: كتاب السنة، توفي سنة ٣١١ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ١٢) والبداية والنهاية (١١/ ١٦٦).
[ ٢٥٩ ]
وصاحبه لا يثبتان ما تفرد به عن أحمد رواية. ومن متأخريهم من قال: هو رواية عنه بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما، ومنهم من قال: إنما قال ذلك إلزامًا لمن ناظره في القرآن، فإنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن فقال: إنما يجئ ثوابه لقوله: (وجاء ربك) أي كما تقولون أنتم في مجيء الله أنه مجئ أمره، وهذا أصح المسالك في هذا المروي، وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق: فمنهم من يثبت المجىء والإتيان ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه، ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره، ومنهم من يقر ذلك ويمره كما جاء ولا يفسره ويقول هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه، وهذا هو الصحيح عن أحمد ومن قبله من السلف وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة، وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية، لأن جهمًا وأصحابه أول من اشتهر عنهم أن الله ﷾ منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلّت على ثبوته بزعمهم، وردوا ما دلّت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي افتراء على الله ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله، وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك مع كثرته وانتشاره من باب التوسع والتجوز وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة وهو من جنس حمل
[ ٢٦٠ ]
الباطنية (^١) نصوص الأخبار من الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز (^٢) دون الحقيقة، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك،
_________________
(١) الباطنية: سموا بذلك لأنهم يقولون: أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا ولكل تنزيل تأويلًا، ولهم ألقاب كثيرة منها: القرامطة والحزمية والإسماعيلية والمزدكية والنصيرية، وهم يعتقدون أن الإله لا يوصف بوجود ولا عدم ولا هو معلوم ولا مجهول، ويقولون: إنه لابد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق، يرجع إليه في تأويل الظواهر، واتفقوا على إنكار القيامة، وهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٧٦) والفرق بين الفرق (ص ٢٨١) والرد على الرافضة للمقدسي (ص ١٤١).
(٢) يطلق لفظ المجاز في اصطلاح كثير من المتأخرين على ما هو قسيم الحقيقة، فإنهم قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز. فالحقيقة عندهم هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له. والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة. وقيل غير ذلك من التعاريف. انظر المستصفى في علم الأصول للغزالي (ص ٢٦٨) والأحكام للآمدي (١/ ٢٦). وهذه المسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء بين مثبت وناف. والحقيقة أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز اصطلاح حادث قصد به التوصل إلى نفي صفات الكمال عن الله ﷿، وإلا فالأئمة رحمهم الله تعالى وأهل القرون الثلاثة المفضلة لم يتكلموا بهذا الاصطلاح بالمعنى الذي قصده المبتدعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين بالعلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية والغالب أنه -أي المجاز- كان من جهة =
[ ٢٦١ ]
وهذا كله مروق عن دين الإسلام، ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه إلا خوفًا من الوقوع في مثل ذلك، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك، وتحذير الأمة منه، فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين، فكيف ينصحون الأمة فيما يتعلق بالأحكام العملية ويدعون نصيحتهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات، هذا من أبطل الباطل (^١).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن من صفات الله الفعلية صفة المجيء والإتيان، وهي من الصفات التي ثبتت في كتاب الله العزيز وبأحاديث المصطفى - ﷺ - ودرج علماء السلف على نقلها والإيمان بها وإقرارها وإمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه.
وقد ساق ابن رجب رحمه الله تعالى الآيات التي دلّت على هذه الصفة.
كما بيّن رحمه الله تعالى أيضًا في كلامه السابق أن تعطيل الصفات
_________________
(١) = المعتزلة ونحوهم من المتكلمين وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا غيره كأبي إسحاق الإسفرائيني إلى أن قال ﵀: "فلا مجاز في القرآن بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف، والخلف فيه على قولين، وليس النزاع فيه لفظيًا، بل يقال نفس هذا التقسيم باطل لا يتميز هذا عن هذا ". الإيمان (ص ٨٤) وما بعدها، وانظر: رسالة في الحقيقة والمجاز لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠٠ - ٤٩٩) ورسالة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للعلامة محمد الأمين الشنقيطي.
(٢) فتح الباري (٥/ ٩٦ - ٩٨).
[ ٢٦٢ ]
وتشبيهًا بصفات المخلوقين من فعل أهل الضلال والزيغ الذين ضلوا عن الطريق المستقيم، نسأل الله السلامة والعافية.
خامسًا: صفة النزول إلى السماء الدنيا:
المقصود بصفة النزول هو إثبات أن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، كما ورد ذلك في الأخبار، فالواجب إثبات ذلك على حقيقته من غير تحريف ولا تكييف.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن قرب الله ﷾ من عباده "وليس هذا القرب تقرب الخلق المعهود منهم كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين كما أن الموصوف به ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه نوع من قرب الرب من داعيه وسائليه، ومستغفريه وقد سئل عنه حمّاد بن زيد (^١) فقال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين وقال حنبل: سألت أبا عبد الله ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا مالك ولهذا، امض الحديث على ما روى بلا كيف ولا حدّ إلا ما جاءت به الآثار وجاء به الكتاب قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (^٢) ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته أحاط بكل شيء
_________________
(١) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الحافظ الثبت، قال يحيى بن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد، وقال الإمام أحمد فيه: حماد بن زيد من أئمة المسلمين، توفي سنة ١٧٩ هـ. سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٥٦) والبداية والنهاية (١٠/ ١٩٨).
(٢) سورة النحل آية (٧٤).
[ ٢٦٣ ]
علمًا، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب ﷿.
ومراده أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علمًا، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله، فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه" (^١).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الكلام أن صفة النزول من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته وحكمته والتي يجب إثباتها لله ﵎ وأن نزوله ﷾ نزولًا يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تعطيل كما هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
وقد وردت أحاديث كثيرة في إثبات صفة النزول لله تعالى منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ويقول: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) " رواه البخاري ومسلم (^٢).
ومنها: حديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول (ما أراد هؤلاء) " رواه مسلم (^٣).
_________________
(١) فتح الباري شرح البخاري ورقة (٢/ ٣٣٤).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٢١٦).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (٢/ ٩٨٣).
[ ٢٦٤ ]
قال الآجري (^١) رحمه الله تعالى: باب الإيمان والتصديق بأن الله ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، ثم قال: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله - ﷺ - أن الله ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار، هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك، كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث يحذرونه ويحذرون منه (^٢).
وقال ابن خزيمة رحمه الله تعالى عند ذكره لأحاديث النزول نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا وأعلمنا أنه ينزل، والله جلّ وعلّا لم يترك، ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي - ﷺ - لم يصف كيفية النزول، وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جلّ وعلّا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا - ﷺ - أنه ينزل إليه إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل (^٣).
_________________
(١) أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري، قال الذهبي: كان عالمًا عاملًا صاحب سنة واتباع، له مصنفات كثيرة منها: كتاب الشريعة وأخلاق العلماء، توفي سنة ٣٦٠ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٣) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٣٦).
(٢) الشريعة للآجري (ص ٣٠٦).
(٣) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٨٩، ٢٩٠).
[ ٢٦٥ ]
فالسلف يؤمنون بنزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا ويثبتونه إثباتًا يليق بجلاله ﷿ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ويصدقون الأحاديث التي وردت في ذلك، والتي بلغت حدّ التواتر كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن نزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله - ﷺ -، رواه عنه نحو ثمانية وعشرين نفسًا من الصحابة، وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع، فكيف تكون حقيقته محالًا وباطلًا، وهو - ﷺ - يتكلم بها دائمًا ويعيدها ويبديها مرة بعد مرة (^١).
وهنا سؤال: وهو أنه إذا أثبتنا لله تعالى نزوله حقيقة فهل يخلو منه العوش أو لا يخلو؟ .
الصواب ما عليه السلف الصالح ﵏ في هذا من أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو منه العرش مع نزوله إلى السماء الدنيا، لأن نزوله ﷾ ليس كنزول المخلوقين بل هو منزه عن ذلك ﵎.
وهذا هو جواب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذا السؤال حيث ذكر الأقوال في هذه المسألة ورجح الثالث منها فقال: والقول الثالث -وهو الصواب- وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة (^٢).
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة (٢/ ٢٢١).
(٢) شرح حديث النزول (٦٦) ومجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٦، ٤١٥).
[ ٢٦٦ ]
المبحث الثامن شبهة والرد عليها
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه على التنجيم وما يجره على أهله من البلاء والمصائب قال: وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول - ﷺ - وخلفاؤه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا إلى عقوبته، وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين (^١).
فابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الكلام على الذين يؤولون أحاديث النزول وينكرونها محتجين بشبهة واهية وهي قولهم: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد مما يلزم منه أن يكون الله ﵎ دائمًا نازلًا، لأن الثلث مستمر طيلة أربع وعشرين ساعة نظرًا لاختلاف المطالع والمغارب.
ولا شك أن هذا الاعتراض اعتراض قبيح يدل على جهل من قال به بنصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لله ﷿ نزولًا يليق بجلاله وعظمته لا نزولًا كنزول الخلق، لأن الخلق إذا فعلوا ذلك يلزم منه هذا
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٢٣).
[ ٢٦٧ ]
الاعتراض لأن ذلك من لوازمهم إذا فعلوا شيئًا من ذلك أما الرب ﵎ فهو ممتنع في حقه لأنه منزه عما يكون من صفات المخلوقين الضعفاء، فنزول الله ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته كما جاءت بذلك الأدلة.
ومن أول النزول، وحرف نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذه الصفة بمثل هذه الحجة الواهية فقد أخطأ حيث ظن أن أفعال الله ﵎ وصفاته كأفعال الخلق وصفاتهم فشبه الله ﷿ بخلقه ووقع فيما فر منه وجمع بين التعطيل والتشبيه.
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذه الشبهة فقال: "وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته" (^١).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى رادًا على هذه الشبهة: "وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله ما يتخيلونه من نزول أحدهم، وهذا عين التمثيل، ثم إنهم بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم الذي لا يمكنه أن يجمع من الأفعال ما يعجز غيره عن جمعه، وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم القيامة كل منهم يراه مخليًا به ويناجيه لا يرى أنه متخل لغيره ولا مخاطب لغيره".
وقد قال النبي - ﷺ -: "إذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) يقول الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى عليّ عبدي" (^٢) فكل من الناس يناجيه والله تعالى يقول لكل منهم ذلك، ولا يشغله شأن عن شأن
_________________
(١) شرح حديث النزول لابن تيمية (ص ١٠٦).
(٢) هذا جزء من حديث قدسي أخرجه مسلم: كتاب الصلاة (١/ ٢٩٦).
[ ٢٦٨ ]
ومن مثل مفعولاته التي خلقها بمفعولات غيره فقد وقع في تمثيل المجوس (^١) القدرية فكيف بمن مثل أفعاله بنفسه أو صفاته بفعل غيره وصفته يقال لهؤلاء: أنتم تعلمون أن الشمس جسم واحد، وهي متحركة حركة واحدة متناسبة لا تختلف، ثم إنه بهذه الحركة الواحدة تكون طالعة على قوم وغاربة عن آخرين، وقريبة من قوم وبعيدة من آخرين فيكون
_________________
(١) المجوس: هم الذين يعبدون النار، لأنهم يعتقدون أنها أعظم شيء في الدنيا ويسجدون للشمس إذا طلعت وينكرون نبوة آدم، ونوح ﵉، وقالوا: لم يرسل الله ﷿ إلا رسولًا واحدًا، لا ندري من هو، ويقولون بإثبات أصلين النور والظلمة. وقد نشأت المجوسية في بلاد الفرس. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٨٦) والرد على الرافضة (ص ١٣٤) والملل والنحل (١/ ٢٣٣) والبرهان في عقائد أهل الأديان (ص ٩٠). والقدرية: سموا بذلك لقولهم في القدر، وهم يزعمون أن العبد يخلق فعله، وأن أفعال العباد مقدرة لهم على جهة الاستقلال، والمتقدمون منهم ينكرون علم الله بالأشياء قبل وجودها، ومنهم معبد الجهني وهم الذين كفرهم السلف. وأما المتأخرون منهم فهم يثبتون العلم وينازعون في مرتبة الخلق، ومن أشهر فرقهم المعتزلة. والقدرية هم مجوس هذه الأمة كما أطلق ذلك عليهم السلف، وقد وردت آثار بتسمية القدرية مجوس هذه الأمة، وبعض هذه الآثار مرفوع إلى النبي - ﷺ -، ومنها ما أخرجه أحمد (٢/ ١٢٥) وأبو داود في سننه: كتاب السنة، باب القدر (٥/ ٦٦) وابن ماجه في سننه: المقدمة (١/ ٣٥) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٤٤، ١٤٥). وجميع هذه الروايات ضعفها أئمة الحديث ولكن يعضد بعضها بعضًا. ووجه تسمية القدرية بمجوس هذه الأمة أنهم حين قالوا بأن الله تعالى لم يخلق الشر ولم يقدره اضطروا إلى القول بأن الإنسان هو خالق أفعاله كما تزعم المعتزلة فهم بهذا أشبهوا المجوس بقولهم أن الله إله الخير والنور، والشر والظلمة لها خالق آخر غيره بزعمهم تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. الفرق بين الفرق (١١٤) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (٥٠) ومجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٨، ٤٣٠) ولوامع الأنوار البهية (١/ ٣٠٢ - ٣٠٦).
[ ٢٦٩ ]
عند قوم عنها ليل، وعند قوم نهار، وعند قوم شتاء، وعند قوم صيف، وعند قوم حر، وعند قوم برد، فإذا كانت حركة واحدة يكون عنها ليل ونهار في وقت واحد لطائفتين، وشتاء وصيف في وقت واحد لطائفتين فكيف يمتنع على خالق كل شيء الواحد القهار أن يكون نزوله إلى عباده ونداه إياهم في ثلث ليلهم وإن كان مختلفا بالنسبة إليهم وهو سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحتاج أن ينزل على هؤلاء، ثم ينزل على هؤلاء، بل في الوقت الواحد الذي يكون ثلثًا عند هؤلاء وفجرًا عند هؤلاء يكون نزوله إلى سماء هؤلاء الدنيا وصعوده عن سماء هؤلاء الدنيا، فسبحان الله الواحد القهار ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).
وبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة وقبحها، وهذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأنه لا يصدر إلا من المخالفين المكذبين ومن سار على طريقهم كما بين ذلك ابن رجب رحمه الله تعالى وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٢٢٨، ٢٢٩).
[ ٢٧٠ ]
المبحث التاسع رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة
بينت فيما سبق مذهب السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهو ما درج عليه الصحابة ﵃ والتابعون من بعدهم إلا أن هناك طوائف وفرقًا نبتت ونشأت على خلاف هذا المنهج القويم والطريق السليم وهو منهج أهل السنة والجماعة، وهذه الفرق منها من أفرط في النفي حتى شبهوه ﷾ بالعدم وهم المعطلة، والبعض الآخر منها بالغوا في الإثبات حتى شبهوه ﷿ بالمخلوقات وهم المشبهة.
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه" (^١).
وهذان المذهبان -أعني مذهب المعطلة والمشبهة- كل مذهب منهما يضم فرقًا وطوائف.
فأما المعطلة فإنهم انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
فمنهم من جحد الأسماء وأنكر الصفات وهم الجهمية.
ومنهم من أثبت الأسماء وأنكر الصفات، وهم المعتزلة.
ومنهم من أثبت الأسماء، وفرق بين الصفات، فأثبت البعض، وأنكر الآخر، وهم الأشاعرة ومن نحا نحوهم.
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٣/ ١٦٤).
[ ٢٧١ ]
وكل واحد من هؤلاء يعطلون حقائق مانعت الله به نفسه، ويشتركون في تأويل نصوص الكتاب والسنة، ويجعلون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١). مستندًا لهم في رد الأحاديث الصحيحة الثابتة، فكلما جاءتهم آية أو حديث تخالف قواعدهم وآراءهم، وما وضعته عقولهم وأفكارهم، فإن كانت هذه النصوص قابلة للتأويل والتحريف أولوها وحرفوها، وإن لم تكن قابلة ردوها وأنكروها ورموها وراء ظهورهم، وهم ما بين مقل ومكثر في التأويل والتعطيل وهم مع ذلك يستدلون على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٢) تلبيسًا منهم وتشكيكًا لمن هو أعمى قلبًا منهم، وتحريفًا لمعنى نصوص الكتاب والسنة عن مواضعه.
وقد بنوا مذهبهم على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم فقالوا: إن إثباتها يقتضي التشبيه والتمثيل بالمخلوقين، ولذلك أولوها وحرفوا معانيها زاعمين أن ذلك لأجل التنزيه فوقعوا في شر مما فروا منه وهو تشبيه المولى ﵎ بالمعدومات والجمادات فشبهوا الله ﷾ في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فهم شبهوا أولًا وعطلوا ثانيًا.
وأما المشبهة فهم الذين أثبتوا أسماء الله تعالى وصفاته وغلوا في الإثبات إلى حد أن شبهوه بالمخلوقات وجعلوا صفاته ﷾ من جنس صفاتهم لأنهم يظنون أن لا حقيقة لها إلا هذا.
والشبهة التي أدت بالمشبهة إلى التشبيه والتمثيل هي أنهم يقولون
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) سورة الشورى آية (١١).
[ ٢٧٢ ]
كما ذكر ذلك ابن القيم الجوزية ﵀ عنه: "محال أن يخاطبنا الله بما لا نعقله، ثم يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^١) ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢) ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (^٣) (^٤).
ويقولون أيضًا أنه لا يوجد شيء معقول في الموجودات سوى الجسم والعرض ويستحيل أن يكون الله ﷾ عرضًا فيجب أن يكون جسمًا.
واحتجوا على قولهم هذا بآيات من كتاب الله تعالى فيها ذكر العين والوجه واليد وغيرها (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: المشبهة الذين يقولون بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي (^٦).
ومن هؤلاء المشبهة الكرامية (^٧) ومن سار على منهجهم من طوائف الرافضة وغيرهم (^٨).
_________________
(١) سورة البقرة آية (٧٣).
(٢) سورة البقرة آية (٢١٩).
(٣) سورة ص آية (٢٩).
(٤) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٢/ ٤٢٥).
(٥) الفصل في الملل والنحل (٢/ ٢٧٧).
(٦) رسالة الفرقان بين الحق والباطل لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٧٧).
(٧) الكرامية: هي إحدى فرق المرجئة وسموا بذلك نسبة إلى محمد بن كرام من أهل سجستان، وهم يثبتون صفات الله تعالى إلا أنهم ينتهون فيها إلى التجسيم والتشبيه، ولهم في الإيمان قول منكر حيث زعموا أن الإيمان هو الإقرار والتصديق دون القلب، والمنافقون عندهم مؤمنون. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٦٧) والفرق بين الفرق (٢٠٢) ورسالة في الرد على الرافضة لابن حامد المقدسي (١٦٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٣).
(٨) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٨٣) ومجموع الفتاوى (٦/ ٥١) والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٥) والفرق بين الفرق (٢١٥).
[ ٢٧٣ ]
وأصحاب هذا المنهج لا شك أنهم منحرفون عن المنهج السليم، وضالون عن الصراط المستقيم، لأنهم جمعوا في قولهم بين التشبيه والتعطيل أما تشبيههم فظاهر وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، وأما التعطيل فمن وجوه ثلاثة:
١ - أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.
٢ - أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب حيث شبه الرب الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الناقص.
٣ - أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٢) (^٣)
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذين المذهبين وبين أنهما من البدع التي اتفق السلف على تضليل قائليها فقال: "ومن ذلك أعني محدثات الأمور ما أحدثه المعتزلة، ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته بأدلة العقول وانقسم هؤلاء إلى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده التشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة: لو رؤي لكان جسمًا، لأنه لا يرى إلا في جهة.
_________________
(١) سورة الشورى آية (١١).
(٢) سورة الإخلاص آية (٤).
(٣) انظر: التحفة المهدية لابن مهدي (ص ١٨٥) وفتح رب البرية بتلخيص الحموية لابن عثيمين (ص ٩٧).
[ ٢٧٤ ]
وقولهم: لو كان له كلام يسمع لكان جسمًا، ووافقهم من نفي الاستواء فنفوه لهذه الشبهة، وهذا طريق المعتزلة والجهمية.
وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم، وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
والثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك كما هي طريقة مقاتل بن سليمان، ومن تبعه كنوح بن أبي مريم (^١) وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا، وهو مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظًا وإما معنى، ومنهم من أثبت لله صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة (^٢).
وقال رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن الخوارج وتكفيرهم للأمة واستباحة دمائهم وأموالهم:
"وأصعب من ذلك ما حدث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي - ﷺ - والصحابة والتابعون لهم بإحسان:
١ - فقوم نفوا كثيرًا مما أورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوا تنزيهًا لله عما تقتضيه العقول بتنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك لمستحيل على الله ﷿.
٢ - وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما يظن أنه لازم له بالنسبة
_________________
(١) نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي، يعرف بالجامع لجمعه العلوم، ولكن كُذب في الحديث، قال ابن المبارك: كان يضع، توفي سنة ١٧٣ هـ. ميزان الاعتدال (٤/ ٢٨٠) وتقريب التهذيب (ص ٣٦٠).
(٢) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٣٨، ١٣٩).
[ ٢٧٥ ]
إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة على السكوت عنها" (^١).
والسلف رحمهم الله تعالى منزهون في اعتقادهم عن التشبيه والتمثيل وقولهم في أسماء الله تعالى وصفاته هو الصحيح من الأقوال لأنه إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، عمدتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل فلا يمثلون صفات الله خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته (^٣).
ويقول ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى: وهدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى، فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنها مماثلة المخلوقات، وكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالين خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين (^٤) والمجهلين والمشبهين وقالوا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٦).
(٢) سورة الشورى آية (١١).
(٣) الفتوى الحموية (ص ١٧).
(٤) أهل التخييل: هم الفلاسفة والباطنية ومن سلك سبيلهم من المتكلمين والمتصوفة وغيرهم، وحقيقة مذهبهم: أن ما جاءت به الأنبياء مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر إنما هو تخييل وتمثيل لا حقيقة لها وليس هو حقًا ولا هدىً، وإنما المراد منها تخويف العامة وجمهور الناس وانتفاعهم بها ليستقيموا على الصراط المستقيم. وهم ينقسمون إلى قسمين: غلاة وغير غلاة. =
[ ٢٧٦ ]
نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات (^١).
_________________
(١) = ومن أهل التخييل من يجعل الأعمال من صلاة وزكاة وصوم وغيرها تخييلات ورموز يأمر بها العامة دون الخاصة. وقولهم فساد يدل على فساده الشرع والعقل والحس. الفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية (ص ٢٠) والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (١/ ٤١٨).
(٢) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٥٢).
[ ٢٧٧ ]
المبحث العاشر تنزيه الله ﷾ من نسبة الولد إليه
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وإذا كان منزهًا عن أن يخرج منه مادة الولد التي هي أشرف المواد فلأن ينزه عن خروج مادة غير الولد أولى، فمن أثبت لله ولدًا فقد شتمه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "يقول الله ﷿: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد" (^١).
وفي صحيح البخاري أيضًا عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: "قال الله ﷿: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا" (^٢).
وقد رد الله على من زعم أنه لا يعيد الخلق، وعلى من زعم أن له ولدًا كما تضمنه هذا الحديث في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾ (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، (٦/ ٩٥).
(٢) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٦/ ٩٥).
(٣) سورة مريم من آية (٦٦ إلى ٨٩).
[ ٢٧٨ ]
وفي صحيح البخاري أيضًا عن النبي - ﷺ - قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم" (^١) (^٢).
فنسبة الولد إلى الله ﷾ فرية عظيمة قال بها اليهود والنصارى والمشركون من العرب، ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وغيرهم فاليهود المغضوب عليهم زعموا أن عزيرًا ابن الله، والنصارى الضالون زعموا أن المسيح ابن الله، ومشركوا العرب زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وقد رد الله ﵎ هذه المزاعم كلها في القرآن الكريم، وبيّن بطلانها بنفي الولد وتنزهه عن ذلك ﵎.
وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى فى كلامه السابق بطلان هذه الفرية، وذكر بعض الأدلة التي وردت في الرد على هذا الزعم الباطل لأن هذا القول قول عظيم في القبح والبشاعة والنكارة، فالله ﷾ الواحد الأحد الفرد الصمد المستغني عن جميع خلقه وهم محتاجون إليه، قهر الأشياء كلها فدانت له وذلت وخضعت.
وقد أنذر الله ﵎ جميع الطوائف التي تنسب إليه الولد بالوعيد الشديد والتهديد الأكيد قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٨/ ١٦٥) وأخرجه مسلم أيضًا: كتاب صفات المنافقين، باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿ (٤/ ٢١٦٠). كلهم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٥٨، ٥٩).
(٣) سورة الكهف آية (٤، ٥).
[ ٢٧٩ ]
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى ذكره ويحذر أيضًا محمد القوم ﴿الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ من مشركي قومه وغيرهم، بأس الله وعاجل نقمته، وآجل عذابه على قيلهم ذلك" (^١).
ونفي الولد عن الله ﷾ يجب اعتقاد ثبوت ضده لله على الوجه اللائق بجلاله لأن النفي المحض عدم محض فهو ليس بشيء وليس في النفي المجرد إثبات صفة كمال، ولهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات المدح والكمال، والمدح الذي تضمنه نفي الولد عن الله إثبات إنه الأحد سبحانه المنفرد بذاته يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (^٢) فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يكرثه ولا يثقله وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها (^٣).
وأرى من المناسب أن أذكر هنا فائدة لها صلة بهذا المبحث ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في تفسيره لسورة الإخلاص حيث قال:
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبري (١٥/ ١٩٣).
(٢) سورة البقرة آية (٢٥٥).
(٣) الرسالة التدمرية (ص ٢٢).
[ ٢٨٠ ]
سؤال: نفى سبحانه الولادة قبل التولد، والتولد أسبق وقوعًا من الولادة في حق من هو متولد؟
وجوابه: أن الولادة لم يدعها أحد في حقه سبحانه، وإنما ادعوا أنه ولد، فلذلك قدم نفيه لأن المهم المحتاج إلى نفيه.
سؤال آخر: كيف نفى أن يكون مولودا ولم يعتقده أحد؟
جوابه: من وجهين.
أحدهما: أنهم سألوا عمن ورث الدنيا. ولمن يورثها، وهذا يشعر بأن منهم من اعتقد ذلك.
والثاني: أنه نفى عن نفسه سبحانه خصائص آلهة المشركين فإن منهم من عبد المسيح، ومنهم من عبد العزيز وهما مولودان، ومنهم من عبد الملائكة والعجل وهي متولدات، وقد تقدم أن نفي الولادة تدل على نفي المتولد بطريق الأولى (^١).
_________________
(١) تفسير سورة الإخلاص (ص ٦١، ٦٢).
[ ٢٨١ ]
المبحث الحادي عشر علم الكلام وكلام ابن رجب عليه
أنزل الله ﵎ القرآن الكريم هدي وشفاء للناس كما قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ (^٣).
فبين الله ﷾ أن هذا الكتاب المنزل على نبينا محمد - ﷺ - هدى للناس يهتدون به إلى الطريق القويم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (^٤) ويخرجون به من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (^٥).
فمن تمسك بهذا الكتاب وسنة المصطفى - ﷺ - المفسرة المبينة له فهو غني عن كل فكر ومنهج، لأن الله ﷾ قد أكمل الدين كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٦).
_________________
(١) سورة البقرة آية (١، ٢).
(٢) سورة فصلت آية (٤٤).
(٣) سورة النحل آية (٦٤).
(٤) سورة الإسراء آية (٩).
(٥) سورة البقرة آية (٢٥٧).
(٦) سورة المائدة آية (٣).
[ ٢٨٢ ]
وقد علم الصحابة ﵃ قدر هذا الكتاب العظيم فتمسكوا به وانكبوا عليه علمًا وعملًا وتعليمًا، وهكذا التابعون لهم بإحسان ولم يعرف عن أحد منهم أنه تكلم بشيء من الطرق الكلامية ولا المسائل الفلسفية (^١).
وبعد انتهاء عصر الصحابة ﵃ ظهر ما يسمى بعلم الكلام وهو الجدال في الأمور الاعتقادية بالعقل بسبب الابتعاد عن الكتاب والسنة والتأثر بالأفكار والديانات القديمة، وازداد الأمر سوءًا في عهد المأمون (^٢) بعد أن عربت كثير من الكتب اليونانية والرومانية إلى العربية (^٣).
وقد قام أئمة الدين وأعلام الهدى بذم علم الكلام وبالغوا في ذمه وذم أهله وتضليلهم، ومنعوا من مجالستهم ومحادثتهم ومجادلتهم، وأمروا بهجرهم، والبعد عنهم، وأجمعوا على أنه من العلوم المحدثة المبتدعة التي كان لها أكبر الأثر في تفريق المسلمين وتشتيت وحدتهم.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: "روى ذم الكلام
_________________
(١) انظر: الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٦) وصون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام (ص ١٤).
(٢) المأمون أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي أحد خلفاء بني العباس، قرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، ودعا إلى القول بخلق القرآن وحمل الناس عليه، وكان يجل أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه، توفي سنة ٢١٨ هـ. تاريخ بغداد (١٠/ ١٨٣) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٢) وشذرات الذهب (٢/ ٣٩).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٣٦) والتعريفات للجرجاني (١٨٥).
[ ٢٨٣ ]
وأهله عن مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف (^١) ومحمد وابن مهدي (^٢) وأبي عبيد والشافعي والمزني (^٣) وابن خزيمة، وذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى (^٤) ومحمد بن يحيى الذهلي (^٥) وروى
_________________
(١) هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي تلميذ أبي حنيفة، عالم، فقيه، محدث، قال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصح رواية من أبي يوسف، توفي رحمه الله تعالى سنة ١٨٢ هـ. تاريخ جرجان للسهمي (٤٨٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢) والجواهر المضيئة (٢/ ٢٢٠).
(٢) هو الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري، وقيل الأزدي، من أعلم الناس بالحديث وعلومه. قال علي بن المديني: لو أخذت، فحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي، توفي رحمه الله تعالى سنة ١٩٨ هـ. حلية الأولياء (٩/ ٣ - ٦٣) وتاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٧٩) وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥).
(٣) أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني المصري، تلميذ الشافعي، الإمام الزاهد، العابد، قال الذهبي: كان مجاب الدعوة، ذا زهد وتأله، أخذ عنه خلق من العلماء، توفي سنة ٢٦٤ هـ. طبقات الشافعية للسبكي (٢/ ٩٣) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٩٢) وطبقات الشافعية لابن هداية (٢٠).
(٤) يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، أبو محمد، رحل إلى المشرق، وسمع من مالك بن أنس وغيره، وكان من أكابر الصحابة، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس، وإليه انتهت رئاسة الفقه في الأندلس، توفي سنة ٢٣٤ هـ رحمه الله تعالى. جذوة المقتبس (٣٨٢) وترتيب المدارك (٣/ ٣٧٩) ووفيات الأعيان (٥/ ١٩٤).
(٥) محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الإمام الحافظ. =
[ ٢٨٤ ]
السلمي (^١) أيضًا النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد (^٢) وإبراهيم الخواص (^٣) فتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث، والصوفية، وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين " (^٤).
كما بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن علم الكلام الذي اعتمد عليه المتكلمون من العلوم المذمومة التي فتحت باب شر عظيم على المسلمين في دينهم لأن المتكلمين جاءوا بقضايا منطقية وفلسفية زعموا أنها حجج قطعية وقضايا مسلمة لا تغير ولا تبدل.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا: " فأما الدخول
_________________
(١) = قال ابن أبي حاتم: إمام من أئمة المسلمين، وثّقه أبي، وسمعته يقول: هو إمام أهل زمانه. توفي سنة ٢٥٨ هـ. الجرح والتعديل (٨/ ١٢٥) وطبقات الحنابلة (١/ ٣٢٧) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٠).
(٢) محمد بن الحسين بن محمد أبو عبد الرحمن السلمي نسبة إلى قبيلة سليم، شيخ خراسان وكبير الصوفية، قال الذهبي: وللسلمي سؤالات للدارقطني عن أحوال المشايخ الرواة سؤال عارف، وفي الجملة، ففي تصانيفه أحاديث وحكايات موضوعة، توفي سنة ٤١٢ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٨) وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٨).
(٣) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي، شيخ الصوفية، لم يرَ في زمانه مثله في العفة والعزوف عن الدنيا، توفي سنة ٢٩٨ هـ. تاريخ بغداد (٧/ ٢٤١) وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٨).
(٤) إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص، من أهل سر من رأى، قال الخطيب: أحد شيوخ الصوفية، وممن يذكر بالتوكل وكثرة الأسفار إلى مكة وغيرها، توفي سنة ٢٩١ هـ. تاريخ بغداد (٦/ ٧ - ١٠).
(٥) فتح الباري (٥/ ١٠١ - ١٠٢).
[ ٢٨٥ ]
مع ذلك في كلام المتكلمين أو الفلاسفة فشر محض وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم، كما قال أحمد: لا يخلو من نظر في الكلام إلا تجهم.
وكان هو وغيره من أئمة السلف يحذرون من أهل الكلام، وإن ذبوا عن السنة.
وأما ما يوجد في كلام من أحب الكلام المحدث، واتبع أهله من ذم من لا يتوسع في الخصومات والجدال ونسبته إلى الجهل أو إلى الحشو، وإلى أنه غير عارف بالله أو غير عارف بدينه، فكل ذلك من خطوات الشيطان نعوذ بالله منه (^١).
كما بين رحمه الله تعالى أن سكوت السلف رحمهم الله تعالى عن الكلام والجدال ليس جهلًا وعجزًا منهم ولكنهم سكتوا عن علم ومعرفة ودراية وتعظيم وخشية لله تعالى. فقال: "فما سكت من سكت عن كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلًا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية لله وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم باختصاصه بعلم دونهم، ولكن حبا للكلام وقلة ورع إلى أن قال رحمه الله تعالى: "وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض.
وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، زيد بن ثابت كيف كانوا وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، فليس العلم بكثرة الرواية
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٩).
[ ٢٨٦ ]
ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل (^١).
وقد تنوعت عبارات السلف في التحذير عن الكلام وأهله من ذلك قول الإمام مالك رحمه الله تعالى: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله وفي الله ﷿، فالسكوت أحب إليّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل (^٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: "لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل (^٣).
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "رأيي ومذهبي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويجلسوا على الجمال ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء، والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه الله بالكلام" (^٥).
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٣، ١٤٤).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص ٣٦٤).
(٣) شرح السنة للبغوي (١/ ٢١٧).
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٦).
(٥) أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٥٣) وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٣٣٦).
[ ٢٨٧ ]
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إنه لا يفلح صاحب كلام أبدًا ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا علماء الكلام زنادقة" (^٢).
فهذه بعض أقوال أئمة الإسلام، الذين شهد لهم بالفضل والعلم في علم الكلام، وهم أدرى به من غيرهم لأنهم اطلعوا على حقيقته، وعلموا نتيجته، وعاصروا أصحابه وعرفوهم عن قرب، بل أن السلف لم يكتفوا بالتحذير من علم الكلام وأصحابه بالقول. بل ألفوا فيهم مؤلفات تبين ما هم عليه من الضلال، وتحذرهم منه، وممن ألف في ذلك الخطابي (^٣) ألف كتاب الغنية عن الكلام وأهله، وأبو إسماعيل الهروي (^٤) ألف كتابه المشهور بذم الكلام (^٥).
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ص ٣٦٥).
(٢) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٣).
(٣) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي الإمام الحافظ اللغوي الفقيه المحدث، له تصانيف مفيدة منها: معالم السنن، وغريب الحديث، توفي سنة ٣٨٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣) وشذرات الذهب (٣/ ١٢٧).
(٤) شيخ الإسلام الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن محمد الأنصاري الهروي، كان مظهرًا للسنة داعيًا إليها صنف ذم الكلام والأربعين في دلائل التوحيد وغيرها من الكتب المفيدة النافعة، توفي رحمه الله تعالى سنة ٤٨١ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٧) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٠٣) والبداية والنهاية (١٢/ ١٤٥).
(٥) توجد له نسخة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية، وقد قام أخونا عبد الرحمن الشبل بتحقيق جزء منه في مرحلة الماجستير، ويقوم الآن بتحقيق الجزء الآخر في مرحلة الدكتوراه.
[ ٢٨٨ ]
كما اتبعوا القول بالعمل فقد أمر الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح (^١) بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي (^٢) وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا (^٣).
ولا يفهم من موقف السلف من علم الكلام أنهم ينهون عن الأدلة العقلية فلا يعطونها أي وزن أو قيمة: بل إن من طالع كتبهم ونظر في أقوالهم، تبين له أنهم لم ينكروا الاستدلال بالأدلة العقلية على المطالب الآلهية إذا كانت صحيحة، وإنما نهوا وذموا ما خالف الكتاب والسنة (^٤).
كما أنهم لم يذموا علم الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ العرض (^٥) وغير ذلك، ولكن لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات (^٦).
_________________
(١) أبو عمرو الإمام الحافظ عثمان بن صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكردي الشافعي، كان من كبار الأئمة، وقد أفتى وجمع وألف كتبًا كثيرة في علوم الحديث والفقه ومن أشهرها ما يعرف بمقدمة ابن الصلاح، توفي سنة ٦٤٣ هـ. تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠) والبداية والنهاية (١٣/ ١٦٠) والنجوم الزاهرة (٦/ ٣٥٤).
(٢) أبو الحسن علي بن محمد بن سالم الثعلبي سيف الدين الآمدي، أصولي متكلم، كان حنبليًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، اشتغل بفنون المعقول، صنف كتاب الأحكام في أصول الأحكام، ولباب الألباب وغيرها، توفي سنة ٦٣١ هـ. طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٠٦) والبداية والنهاية (١٣/ ١٣٤) وشذرات الذهب (٥/ ١٤٤).
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٥٢).
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٥٣، ١٥٥، ١٦٦).
(٥) العرض: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم به. التعريفات للجرجاني (ص ١٤٨).
(٦) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٤٤).
[ ٢٨٩ ]
وهكذا كان علماء السلف كلهم ملتزمين بما أنزل الله ﷾ على نبينا محمد - ﷺ - يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يتجاوزونه إلى غيره، ويرون أن فيه الصلاح والهدى والخير والسعادة في الدنيا والآخرة، لأنه - ﷺ - لم ينتقل إلى ربه ﷿ حتى كمل هذا الدين، فكل ما تحتاج إليه أمته من أمور الدين قد بينه ﵊ بيانًا شافيًا، ولم يترك لأحد مقالًا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، ولم يرو عنه - ﷺ - في علم الكلام شيء مما يدل دلالة واضحة على أنه بدعة وضلالة.
يقول ابن عقيل ﵀: "وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم رائحة الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين" (^١).
هذا مع أن بطون الكتب حفظت لنا نصوصًا كثيرة في تراجع من اشتغل بعلم الكلام رغم أنهم أمضوا السنوات الطوال بحثًا وتفكيرًا وتأملًا فيه، رغم ذلك عادوا في آخر حياتهم إلى ما عليه السلف، وأوصوا بالبعد عن علم الكلام مما يدل دلالة واضحة على بطلان هذا العلم وما يؤدي إليه من الحيرة والاضطراب، ورجوع من اشتغلوا بعلم الكلام عنه ووصاياهم بالبعد عنه والتمسك بما عليه السلف أمر لا ينكره إلا من هو مكابر ومعاند وغير مريد للحق لأن اعترافاتهم وأقوالهم مسطرة ومنثورة في كتبهم التي ألفوها في آخر حياتهم، وتناقلها العلماء من بعدهم مستدلين بها على صحة منهج السلف وفساد مذهب المتكلمين.
أخرج الخطيب البغدادي بسنده أن الوليد بن أبان الكرابيسي (^٢) لما
_________________
(١) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٥).
(٢) الوليد بن أبان الكرابيسي، معتزلي، من علماء الكلام، من أهل البصرة، له مقالات في الاعتزال، مات سنة (٢١٤ هـ). تاريخ بغداد (١٣/ ٤٤١) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٨) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢١٠).
[ ٢٩٠ ]
حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهمونني، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم" (^١).
وكان أبو المعالي الجويني إمام الحرمين يقول: "لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبةً أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني (^٢).
وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
وممن اشتهر عنه الرجوع إلى مذهب السلف، وذم علم الكلام أبو الفتح الشهرستاني (^٣) حيث أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أوقار عاسن نادم (^٤)
_________________
(١) تاريح بغداد (١٣/ ٤٤١) وتلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٤) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢١٠).
(٢) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٤، ٨٥) ومجموع الفتاوى (٤/ ٧٣) والروض الباسم لابن الوزير (٢/ ١٤).
(٣) أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني من كبار أئمة الأشاعرة، له مؤلفات كثيرة منها: الملل والنحل، نهاية الأقدام في علم الكلام، توفي سنة ٥٤٨ هـ. وفيات الأعيان (٤/ ٢٧٣) والعبر (٣/ ٧) وشذرات الذهب (٤/ ١٤٩).
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٥٩) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٢٨) والروض الباسم لابن الوزير (٢/ ١٥).
[ ٢٩١ ]
وهؤلاء الذين ذكرت مقالاتهم أتيت بهم للمثال وإلا فهناك غيرهم الكثير والكثير من علماء الكلام الذين تبين لهم أن علم الكلام نهايته الحيرة والاضطراب، وأن الخير كل الخير فيما عليه سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.
وأخيرًا فإن رجوع هؤلاء الأئمة إلى مذهب السلف الصالح واعترافهم بالحيرة والاضطراب بسبب البعد عن منهج القرآن والسنة لعبرة لطالب الحق، فإن هؤلاء العلماء كلهم قد درسوا علم الكلام، وأفنوا فيه سنوات، وخدعوا ببريقه حينًا من الزمن، ولكنهم رجعوا في النهاية إلى عقيدة السلف الصالح، العقيدة الصافية التي مصدرها كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -.
وفي هذا عبرة وعظة لمن لا يزال يسلك مسلك الخلف وهو مسلك أهل الكلام على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم عله يتوب ويرجع عما هو عليه كما رجع هؤلاء لينال بذلك رضى الله تعالى عليه، وليتختم عمره بالحسنى.
[ ٢٩٢ ]
الفصل الرابع توحيد الألوهية
ويشتمل على تمهيد وعدة مباحث:
تمهيد.
المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية.
المبحث الثاني: بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها، وفيه عدة مطالب.
المطلب الأول: بيان معنى كلمة إله.
المطلب الثاني: معنى لا إله إلا الله.
المطلب الثالث: فضل لا إله إلا الله.
المطلب الرابع: الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله.
المطلب الخامس: شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله).
[ ٢٩٣ ]
المبحث الثالث: ذكر بعض أنواع العبادة.
تعريف العبادة.
من أنواع العبادة:
الدعاء.
الخوف.
التوكل.
الاستعانة.
الخشوع.
المحبة.
المبحث الرابع: بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين.
[ ٢٩٤ ]
تمهيد
خلق الله ﷾ آدم بيده ثم أنزله إلى هذه المعمورة وأسبغ عليه نعمًا كثيرة لا تعد ولا تحصى وزوده بالعقل والسمع والإرادة حتى يتمكن بواسطتها إدراك ما يلقى إليه من أوامر الله ﷿ ونواهيه، ثم أرسل الله ﷾ إلى ذريته من بعده رسلًا من جنسهم يبلغون دين الله، وأنزل عليهم كتبًا تعرفهم بخالقهم وموجودهم وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، وقد شاء الله ﷾ بحكمته وإرادته أن تكون أمة محمد - ﷺ - آخر الأمم ورسولهم خاتم الأنبياء والرسل وهو محمد - ﷺ - وأنزل عليه كتابًا تبيانًا لكل شيء، وناسخًا لما قبله من الكتب ومهيمنًا عليها وهو القرآن الكريم، وقد ضمنه الله ﷾ بيان الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلقهم وأوجدهم في هذه الأرض واستخلفهم فيها ألا وهو عبادته ﷾ وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه وهو ما يسمى بتوحيد العبادة فهو أول واجب على العباد، وهو أصل الدين وأساس شرائع الإسلام، وهو من الدين بمثابة الروح من الجسد، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، فكان كل رسول يفتتح دعوته لقومه بتوحيد الألوهية كما قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^١).
_________________
(١) سورة الأعراف آية (٥٩).
[ ٢٩٥ ]
وقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة توجب على العباد أن يفردوا الله بتوحيد العبادة، ويخصوه بها وحده دون سواه.
ولهذا اهتم علماء الإسلام من السلف الصالح رحمهم الله تعالى بهذا النوع من التوحيد وبينوه وأوضحوه لما له من أهمية كبيرة وعاقبة حميدة ومنهم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى حيث اعتنى بهذا النوع من التوحيد وبينه وأوضحه واهتم به اهتمامًا كبيرًا، وسوف يتبين هذا كله إن شاء الله تعالى في المباحث القادمة التي تشمل على أقواله في ذلك، ولا ريب أن هذا النوع من التوحيد جدير بالعناية والاهتمام بل هو أهم الأمور التي يجب العناية والاهتمام بها.
[ ٢٩٦ ]
المبحث الأول تعريف توحيد الألوهية
توحيد الألوهية هو ما يعبر عنه بتوحيد العبادة أو توحيد الطلب والقصد أسماء لمسمى واحد وهو إفراد الله ﷾ بأفعال عباده التي تعبدهم بها بجميع أنواعها باطنها وظاهرها من الصلاة والزكاة والصيام والحج والنحر والنذر والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والدعاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي تعبد الله بها خلقه وشرعها لهم.
وبمعنى آخر أي صرف جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، فلا يدعى من دونه أحد من خلقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فهو كافر مشرك كما قال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (^١).
وهذا النوع من التوحيد هو غاية توحيد الربوبية والأسماء والصفات فإنهما وسيلة إليه وهو الذي من أجله خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب وحصل الجدال وشرع الجهاد، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وهو معنى قول لا إله إلا الله.
وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله ﷾ توجب على
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١٦٢).
[ ٢٩٧ ]
العباد أن يفردوا الله ﷾ بتوحيد العبادة ويخصوه بها وحده دون سواه.
بل إن الأمر بالعبادة هو أول أمر في كتاب الله ﷾ وهو قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (^١).
ومن الآيات الدالة على وجوب عبادة الله تعالى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ (^٥).
فهذه الآيات الكريمة تقرر أن الله ﷾ هو المستحق للعبادة بجميع أنواعها الاعتقادية والقولية والعملية، وليس لأحد سواه كائنًا من كان أي شيء من أنواع العبادة.
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢١ - ٢٢).
(٢) سورة الزمر آية (١١ - ١٥).
(٣) سورة الإسراء آية (٢٣).
(٤) سورة النساء آية (٣٦).
(٥) سورة الزمر آية (٦٦).
[ ٢٩٨ ]
وكما جاءت آيات الكتاب الكريم مبينة لهذا النوع من التوحيد وآمرة به كذلك جاءت السنة المشرفة موضحة ومبينة له وآمرة به.
ومن ذلك ما رواه ابن عباس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم" (^١).
ومنها حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا. وحق العباد على الله ﷿ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" (^٢).
فهذه الأحايث تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا النوع من التوحيد وبين أن الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلق الله الخلق وأوجدهم في هذه الأرض هو عبادته ﷾ وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٤). ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١/ ٥١).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب ..، باب ما جاء فى دعاء النبى - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٤). ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة (١/ ٥٨).
[ ٢٩٩ ]
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: إن الله ﷾ خلق الخلق ليعبدوه، ويعرفوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه، ويخافوه خوف إجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه، ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر ﷾ في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال والأغلال. . . وغير ذلك مما فيها من الأهوال والفظائع والعظائم ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما نهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السنة الصحيحة التي هي مفسرة ومبينة لمعاني الكتاب، وكذلك سير السلف الصالح أهل العلم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات وأن ذلك هو الذي رقاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيات، من شدة الاجتهاد في الطاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال المكروهات فضلًا عن المحرمات (^١).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: ""فإن الله تعالى خلق الخلق وأوجدهم لعبادته الجامعة لخشيته ورجائه ومحبته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٢) (^٣).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا: فإن الله تعالى خلق الخلق كلهم لعبادته كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢) وأرسل الرسل كلهم للدعوة إلى توحيده وطاعته كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
_________________
(١) التخويف من النار (ص ٦، ٧).
(٢) سورة الذاريات آية (٥٦).
(٣) استنشاق نسيم الأنس (ص ٣).
[ ٣٠٠ ]
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^١) ولما أهبط آدم وزوجته وأسكنهما في الأرض أخذ عليهما أن من أطاعه من ذريتهما واتبع رسله كان من السعداء، ومن أعرض عن ذلك كان من الأشقياء كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (^٣) (^٤).
فقد أوضح ابن رجب ﵀ في كلامه السابق أن الحكمة التي من أجلها خلق الله ﵎ الجن والإنس هي عبادته ﷾ وحده دون سواه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٥) قال: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم ومعنى الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم (^٦).
_________________
(١) سورة الأنبياء آية (٢٥).
(٢) سورة البقرة الآيتان (٣٨، ٣٩).
(٣) سورة طه الآيتان (١٢٣، ١٢٤).
(٤) الاستخراج لأحكام الخراج (ص ١٤٩ - ١٥٠).
(٥) سورة الذاريات آية (٥٦).
(٦) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٨).
[ ٣٠١ ]
المبحث الثاني بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها
وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول بيان معنى كلمة إله
أله في اللغة معناه: عبد.
والإله: هو المعبود.
يقال أله يأله بالفتح فيهما بمعنى عبد يعبد.
قال ابن فارس: الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال: تأله الرجل إذا تعبد (^١).
وقال الزجاج: معنى قولنا: "إله" إنما هو الذي يستحق العبادة وهو المستحق لها دون سواه (^٢).
وقال ابن جرير الطبري: أله بمعنى عبد، والإله مصدره من قول القائل: آله الله فلان إلاهة كما يقال: عبد الله فلان عبادة (^٣).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٢٦).
(٣) تفسير ابن جرير الطبري (١/ ٥٤).
[ ٣٠٢ ]
وقال الفيروزأبادي: (^١) أله يأله ألهة وتالهًا كعبد يعبد عبادة وتعبدًا (^٢).
بهذا يتضح لنا أن لفظة (إله) مأخوذة من التأله وهو التعبد ومعناه المعبود المطاع سواء كان بحق أو بغير حق، فكل ما عبد بأي نوع من أنواع العبادات ولو كان المعبود جمادًا فهو إله عند عابده كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (^٣).
ولكن هذا اللفظ غلب على المعبود بحق وهو الله ﷾ يقول الزمخشري (^٤): والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق (^٥).
وأما لفظ الجلالة (الله) فلا يطلق إلا على المعبود بحق وهو الله ﷾، فهو مختص به ﷿ ولا يطلق على غيره (^٦).
_________________
(١) هو مجد الدين أبو الطاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الفيروزأبادي اللغوي، الأديب، ولي قضاء اليمن، وكان من العلماء الفضلاء، له مصنفات كثيرة منها "القاموس المحيط، وبصائر ذوي التمييز"، توفي سنة ٨١٧ هـ. بغية الوعاة (١/ ٢٧٣) وشذرات الذهب (٧/ ١٢٦) والبدر الطالع (٢/ ٢٨٠).
(٢) بصائر ذوي التمييز (٢/ ١٤).
(٣) سورة هود آية (١٠١).
(٤) محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، أبو القاسم، كبير المعتزلة، وهو رأس في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، وهو داعية إلى الاعتزال، له مؤلفات أظهر فيها هذا المذهب منها: الكشاف في التفسير، توفي سنة ٥٣٨ هـ. الأنساب (٦/ ٢٩٧) ووفيات الأعيان (٥/ ١٦٨) وبغية الوعاة (٢/ ٢٧٩).
(٥) الكشاف (١/ ٣٦).
(٦) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٩).
[ ٣٠٣ ]
وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن الإله الحق الذي يجب أن يطاع فلا يعصى هو الله ﷾ فقال: "الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاءًا له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله ﷿" (^١).
وقال أيضا رحمه الله تعالى: فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء، والمعاصي قادحة كلها في هذا التوحيد، لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (^٢).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى أن الإله قد يطلق على الهوى المتبع فقال: وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع (^٣).
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٢) قال: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه.
وقال قتادة (^٤): هو الذي كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه. لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى (^٥) ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد
_________________
(١) كلمة الإخلاص (ص ٢٣).
(٢) سورة الجاثية آية (٢٣).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٩).
(٤) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي أبو الخطاب البصري الحافظ، المحدث المفسر، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، توفي سنة ١١٨ هـ رحمه الله تعالى. الجرح والتعديل (٧/ ١٣٣) ووفيات الأعيان (٤/ ٨٥) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩).
(٥) أخرجه بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٥/ ١٥٠).
[ ٣٠٤ ]
القطيفة (^١) تعس عبد الخميصة (^٢) تعس وانتكس وإذا شيك (^٣) فلا انتقش" (^٤) فدل هذا على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.
ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى سمى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (^٥) وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ (^٦) فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن (^٧).
فالتفسير الصحيح لكلمة الإله هو المألوه والمعبود المطاع، ولا معبود بحق إلا الله ﷾.
وبهذا يتبين لنا خطأ المتكلمين ومن سار على نهجهم الذين يفسرون
_________________
(١) القطيفة: هي كساء له خمل: أي الذي يعمل لها ويهتم بتحصيلها. النهاية لابن الأثير (٤/ ٨٤).
(٢) الخميصة: هي ثوب خز أو صوف معلم، وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص. النهاية لابن الأثير (٢/ ٨٠، ٨١).
(٣) شيك: أي إذا أصابته شوكة لا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش. النهاية لابن الأثير (٢/ ٥١٠).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله (٤/ ٢٢٢).
(٥) سورة يس آية (٦٠).
(٦) سورة مريم آية (٤٤).
(٧) كلمة الإخلاص (ص ٢٥ - ٢٧).
[ ٣٠٥ ]
الإله بأنه الخالق والقادر على الاختراع، أو شبه ذلك من معاني الربوبية فجعلوا الألوهية بمعنى الربوبية.
وهذا التفسير لا شك أنه تفسير خاطىء مخالف للغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ويؤدي إلى إغفال حقيقة التوحيد الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وخلق الله الخلق ألا وهو توحيد العبادة الذي ضل فيه كثير من الناس خصوصًا في هذا العصر.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن معنى الإله هو المعبود المطاع فيقول: وهذا كثير جدًا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود خلافًا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات، ويظنون أنهم إذا قالوها بهذا المعنى، فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى، ولو فعلوا ما فعلوا من عبادة غير الله وما شعروا أن إخوانهم من كفار العرب يشاركونهم في هذا الإقرار، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويعبدونه بأنواع من العبادات فإن قيل: فما الجواب عن قول من قال: بأن معنى الإله القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة؟ قيل الجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة، وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا القول باطلًا.
الثاني: على تقدير تسليمه، فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقا قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك، فليس بإله حتى وإن سمي إلهًا، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح
[ ٣٠٦ ]
دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أراد ذالك فهو مخطىء يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية (^١).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٧٦ - ٨١).
[ ٣٠٧ ]
المطلب الثاني معنى لا إله إلا الله
بعد ما تبين لنا في المبحث الأول معنى الإله وأن المعنى الحق (للإله) هو المعبود والمطاع اذكر ما قاله ابن رجب ﵀ في معنى لا إله إلا الله حيث قد بين معناها بيانًا شافيًا.
فقال رحمه الله تعالى: معنى لا إله إلا الله لا يؤله غيره حبًا ورجاءً وخوفًا وطاعة، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله (^١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: فإن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيمًا وتوكلًا ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفى بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها ووسواس الشيطان (^٢).
ويقول أيضًا: لا يصح تحقيق معنى قول لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٦٨).
(٢) المصدر السابق (٢/ ١٤٦).
[ ٣٠٨ ]
يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك كان ذلك نقصًا في التوحيد (^١).
فـ (لا إله إلا الله) تعني إفراد الله ﷾ بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فهي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد ولا يتم إيمان أي عبد بدون تحقيق معناها والعمل بمدلولها.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٧).
[ ٣٠٩ ]
المطلب الثالث فضل لا إله إلا الله
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها:
١ - فهي كلمة التقوى كما قال عمر ﵁ من الصحابة، وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك. . . ولأجلها خلق الحلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^١) ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ (^٣).
٢ - . . . وهي ثمن الجنة. . . وجاء مرفوعًا: ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة (^٤).
٣ - وهي نجاة من النار: سمع النبي - ﷺ - مؤذنًا يقول: "أشهد أن لا
_________________
(١) سورة الذاريات آية (٥٦).
(٢) سورة الأنبياء آية (٢٥).
(٣) سورة النحل آية (٢).
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣) وأبو داود: كتاب الجنائز، باب التلقين (٣/ ٤٨٦) والحاكم (١/ ٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ٣١٠ ]
إله إلا الله" فقال: "خرج من النار" أخرجه مسلم (^١).
٤ - وهي توجب المغفرة: وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه يومًا: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله - ﷺ - يده، ثم قال: الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني بها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم" (^٢).
٥ - وهي أحسن الحسنات: قال أبو ذر: قلت يا رسول الله علمني بعمل يقربني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: "إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها، قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات" (^٣).
٦ - وكذلك ترجح بصحائف الذنوب كما في حديث السجلات والبطاقة (^٤) وقد خرجه أحمد، والنسائي، والترمذي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان (١/ ٢٨٨).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨١) رواه أحمد وفيه راشد بن داود وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٩) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٣٣) وقد صححه السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٣١) والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٦١).
(٤) حديث البطاقة هو حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قال: "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده =
[ ٣١١ ]
٧ - وهي التي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله ﷿: وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصًا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر" (^١).
٨ - وهي التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاءه، خرج النسائي (^٢) في كتاب "اليوم والليلة" من حديث رجلين من الصحابة عن النبي - ﷺ - قال: "ما قال عبد قط لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مخلصا بها روحه مصدقا بها قلبه لسانه، إلا فتق له (أبواب) السماء، حتى ينظر الله إلى قائلها، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤاله".
٩ - وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها: كما أخرج النسائي
_________________
(١) = ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء". أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣) وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٢/ ١٤٣٧) والترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (٥/ ٢٤) وقال: هذا حديث حسن غريب. والحاكم (١/ ٥٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٢) سنن الترمذي كتاب الدعوات (٥/ ٥٧٥) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ١٤٧) والألباني كما في صحيح الجامع (٢/ ٩٨٧).
(٣) عمل اليوم والليلة (ص ١٥٥)، ورجال إسناده ثقات إلا محمد بن عبد الله بن ميمون، ويعقوب بن عاصم، قال ابن حجر في كل منهما "مقبول". انظر: تقريب التهذيب (ص ٣٠٦)، (٣٨٦).
[ ٣١٢ ]
والترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه، وقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد قال الله: لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذ قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي وكان يقول: "من قالها في مرضه، ثم مات لم تطعمه النار" (^١).
١٠ - وهي أفضل ما قاله النبيون كما ورد في دعاء يوم عرفة (^٢).
١١ - وهي أفضل الذكر كما في حديث جابر المرفوع: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" (^٣)
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما يقول العبد إذا مرض (٥/ ٤٩٢) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله (٢/ ١٢٤٦) وابن حبان كما في موارد الظمآن (٥٧٨) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٥١) والحاكم (١/ ٥) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(٢) وهو قوله - ﷺ -: "أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٢٢) والترمذي: كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (٥/ ٥٧٢) والبغوي في شرح السنة (٧/ ١٥٧) وقال الألباني بعد أن ذكر هذا الحديث وما له من شواهد: وجملة القول: أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٨).
(٣) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة (٥/ ٤٦٢) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل الحامدين (٢/ ١٢٤٩) والحاكم (١/ ٤٩٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٣١٣ ]
١٢ - وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان: كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مئة حسنة، ومحي عنه مئة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك" (^١).
وفيهما أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" (^٢). . .
١٣ - ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة، ويدخل من أيها شاء كما في حديث عمر عن النبي - ﷺ - فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء، وقد خرجه مسلم (^٣).
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" (^٤). . .
_________________
(١) و(^٢) صحيح البخاري: كتاب الدعوات، باب فضل التهليل (٧/ ١٦٧) وصحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٤/ ٢٠٧١).
(٢) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (١/ ٢١٠) ولفظه: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ويدخل من أيها شاء".
(٣) صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب قوله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٤/ ١٣٩) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٧).
[ ٣١٤ ]
١٤ - ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لابد أن يخرجوا منها: وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: "يقول الله ﷿: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: "لا إله إلا الله" (^١) (^٢) وقال رحمه الله تعالى أيضًا: فأما كلمة التوحيد فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محوًا، ولا تبقي ذنبًا ولا يسبقها عمل وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار ومن قالها مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار" (^٣).
هذه بعض فضائل لا إله إلا الله التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى، ولو تتبعنا فضائل هذه الكلمة لصارت في مجلد كبير، فهي سند متين ومستمسك قوي لمن جاء يوم القيامة بها مستكملًا لشروطها وعاملًا بمقتضاها.
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٨/ ٢٠٢) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٤).
(٢) كلمة الإخلاص (ص ٥٢) وما بعدها بتصرف يسير.
(٣) لطائف المعارف (ص ٢٢٨).
[ ٣١٥ ]
المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله
سبق في المبحث السابق بيان فضائل كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتي دلت عليها الأحاديث الكثيرة الواردة عن المصطفى - ﷺ - إلا أن بعض هذه الأحاديث ظاهرها التعارض في مدلولاتها وهي كما يلي:
١ - أحاديث تدل على أن من أتى بالشهادتين يحرم على النار ومنها حديث عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال عند موته: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار" (^١).
فيؤخذ من هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث أن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله".
٢ - أحاديث تدل على أنه من قال: لا إله إلا الله يخرج من النار ومنها حديث أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٨).
[ ٣١٦ ]
من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " (^١) الحديث.
فظاهر هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث يدل على أن من يقول لا إله إلا الله يدخل النار بسبب ذنوبه ثم يخرج منها ويدخل الجنة وهو يتعارض مع ظاهر أحاديث القسم الأول التي تدل على أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال ﵀ بعد أن ذكر جملة من هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض "وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. وأحاديث هذا الباب نوعان:
أحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها.
الثاني: ما فيه أنه يحرم على النار (^٢).
ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أجوبة (^٣) أهل العلم في هذه الأحاديث وهي تتلخص في الأقوال التالية:
١ - منهم من حمل الأحاديث التي فيها أنه يحرم على النار، على أن المراد بالتحريم تحريم الخلود فيها أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول بعد أن ذكر النوع الثاني
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (١/ ١٦) ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٢).
(٢) كلمة الإخلاص (ص ١٢).
(٣) انظر هذه الأجوبة في كلمة الإخلاص (١٢ - ٢١) وفي جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٢ - ١٤٦).
[ ٣١٧ ]
من أنواع هذه الأحاديث وهو: ما فيه أنه يحرم على النار قال: وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين أن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله" (^١) ا. هـ.
٢ - قول الذين قالوا أن هذه الأحاديث وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود وممن قال بهذا الزهري والثوري وغيرهما وهؤلاء منهم من يقول أن هذه الأحاديث منسوخة، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا وبين أنه قول بعيد فقال: "وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود ومنهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبي - ﷺ -.
وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث إنها منسوخة ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود" ا. هـ.
قلت: وقد ضعف ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى القولين السابقين ووصفها بأنها تأويلات مستكرهة مخالفة لما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣١٥).
[ ٣١٨ ]
الشهادتين: "وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة، فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار" (^١) اهـ.
٣ - قول من قال أن ذلك خاص بمن قال: لا إله إلا الله وتاب توبة نصوحًا، فلم يأت بذنوب تنقص توحيده وتذهب بكماله ومات على ذلك فإنه يدخل الجنة ابتداء، ومن كان خلاف ذلك فهو تحت المشيئة وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل العلم، فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث أبي ذر (^٢): "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله ويؤكد ذلك ما قاله في كتاب الجنائز حيث قال: باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله (^٣) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قيل أشار بهذا -أي البخاري- إلى ما رواه أبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٣٠).
(٢) حديث أبي ذر في الصحيحين ولفظه عن النبي - ﷺ - قال: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (قالها ثلاثًا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر". أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب الثياب البيض (٧/ ٤٣) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ٩٥).
(٣) صحيح البخاري (٢/ ٦٩).
[ ٣١٩ ]
قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (^١) (^٢)
وقال في موضع آخر: وحاصل ما أشار إليه -أي البخاري- أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث (^٣) فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت في كتاب الإيمان فإن فيه: "ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه" (^٤) وهذا المفسر مقدم على المبهم (^٥).
ولم يشر ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول في معرض ذكره لأجوبة أهل العلم في هذه المسألة.
٤ - ومنهم من قال أن الشهادتين سبب لدخول الجنة ولكن لابد من العمل لأن لا إله إلا الله هي المفتاح والأعمال هي الأسنان، ولا فائدة من مفتاح لا أسنان له، وكذلك لا تفيد لا إله إلا الله إلا مع
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣١٠).
(٢) فتح الباري لابن حجر (٣/ ١٠٩).
(٣) تقدم الحديث بالصفحة السابقة.
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان (١/ ١٠) ومسلم: كتاب الحدود (٣/ ١٣٣٣) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا " الحديث.
(٥) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢٨٣).
[ ٣٢٠ ]
الأعمال الصالحة، وممن قال بهذا القول الحسن البصري ووهب بن منبه (^١) رحمهم الله تعالى.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا القول: "وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه، وهو الأظهر.
قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" ا. هـ (^٢).
وقد رجح ابن رجب رحمه الله تعالى هذ القول ويدل على ترجيحه لذلك قوله السابق: "وهو الأظهر" كما يدل على ذلك قوله عقب هذا القول أيضا: "ويدل على صحة هذا القول أن النبي - ﷺ - رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص كما في الصحيحين عن أبي
_________________
(١) وهب بن منبه بن كامل بن سيج الأنباري الصنعاني، أبو عبد الله التابعي، الثقة، له معرفة بأخبار الأوائل وخاصة الإسرائيليات ولي قضاء صنعاء وكان ذا عبادة وزهد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيه: "كان ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، توفي سنة ١١٤ هـ. تذكرة الحفاظ (١/ ٥٣) والبداية والنهاية (٩/ ٢٧٦) ومجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤٥) وتهذيب التهذيب (١١/ ١٦٦).
(٢) ذكره البخاري في صحيحه معلقًا (٢/ ٦٩).
[ ٣٢١ ]
أيوب أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" (^١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه، فقال النبي - ﷺ -: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" (^٢).
فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة (^٣).
٥ - وهو قول الذين قالوا: إن هذه الأحاديث المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى والتي تفيد بأن ذلك لمن يقولها بصدق ويقين وإخلاص.
قال ابن رجب ﵀: وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته" ا. هـ (^٤).
وابن رجب رحمه الله تعالى قد شرح هذا القول مما يدل على أنه
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم (٧/ ٧٢) ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة (١/ ٤٣).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل الجنة (١/ ٤٤).
(٣) كلمة الإخلاص (ص ١٥، ١٩).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٤).
[ ٣٢٢ ]
يرجحه أيضًا بل أنه يعتبره قولًا موافقًا للذي قبله حيث يقول: ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن تحقق القلب بمعنى: لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلًا. ويمتلىء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس، وإرادتها ووسواس الشيطان إلى أن قال ﵀: "فتبين بهذا معنى قوله - ﷺ -: "من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار" (^١) وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صدق في قول: لا إله إلا الله لم يجب سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها" (^٢).
والقولان الأخيران هما أحسن ما قيل في معنى هذه الأحاديث وهما في الحقيقة متفقان لا اختلاف بينهما، وهما اللذان مال إليهما ابن رجب ورجحهما لأن من قال: لا إله إلا الله بصدق وإخلاص ويقين يقتضي ذلك منه فعل الطاعات واجتناب المحرمات.
وهذا ما رجحه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك: "وأحسن ما قيل في معناها ما قاله شيخ
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣١٦).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٥ - ١٤٨).
[ ٣٢٣ ]
الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين. فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين لا يتركون ذنبًا إلا يمحى كما يمحو الليل النهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجع بها ميزان الحسنات كما في حديث البطاقة فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرًا على ذلك، فإنه يستوجب النار وإن قال: لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده فإنه في حال قولها كان مخلصًا لكنه أتى بذنوب أوهنت التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرًا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة تضعف
[ ٣٢٤ ]
إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات (^١).
فقول لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ولكن لابد للسبب من وجود شروطه وانتفاء موانعه وهو ما سيتضح في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٨٦ - ٨٩) ولمزيد من التفاصيل عن هذه الأحاديث وأقوال العلماء فيها. انظر شرح مسلم للنووي (١/ ٢١٧) وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ١١٠).
[ ٣٢٥ ]
المطلب الخامس شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله)
رأيت من المناسب أن أذكر في هذا المبحث الشروط (^١) التي ذكرها العلماء ﵏ للانتفاع بقول لا إله إلا الله، والحصول على ثوابها والفضل الذي ورد فيها والتي تبين أن هذا الفضل لا يحصل بمجرد اللفظ بهذه الكلمة بدون هذه الشروط التي استنبطها العلماء رحمهم الله تعالى من الكتاب والسنة وهي:
١ - العلم بمعنى هذه الكلمة المراد منها نفيًا وإثباتًا، المنافي للجهل كما قال الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (^٣).
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" (^٤).
_________________
(١) لخصت هذه الشروط من: معارج القبول (١/ ٣٧٨) والجامع الفريد (ص ٣٥٦) والكواشف الجلية عن معاني الواسطية (ص ٢٩).
(٢) سورة محمد آية (١٩).
(٣) سورة آل عمران آية (١٨).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٥).
[ ٣٢٦ ]
٢ - اليقين المنافي للشك أي باستيقان القلب بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، وانتفاء الشك المعارض له، لأن الإيمان لابد أن يكون عن علم يقين لا علم الظن كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (^٢) فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يشكوا كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" (^٣). وقال رسول الله - ﷺ - لأبي هريرة: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة" (^٤) فمن نطق بالشهادة موقنًا بأنه لا يستحق العبادة سوى الله ﷾ وأن محمدًا - ﷺ - رسول من عند الله إلى الناس كافة، وأن ما جاء به حق لا شك فيه، كان من أهل الجنة عاجلًا أو آجلا.
ثالثًا: القبول لما اقتضته هذه الكلمة (لا إله إلا الله) من إفراد الله بالعبادة، ونفيها عمن سواه، فلا يرد شيئا مما دلت عليه لميل في نفسه أو مجاملة لغيره، وقد ذكر الله ﵎ لنا من أنباء ما قد سبق من انجائه لمن قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
_________________
(١) سورة الزخرف آية (٨٦).
(٢) سورة الحجرات آية (١٥).
(٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٦).
(٤) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٦٠).
[ ٣٢٧ ]
مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ (^٢).
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (^٣).
الرابع: الانقياد لما تضمنته هذه الكلمة ظاهرًا وباطنًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^٥).
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول - ﷺ - في
_________________
(١) سورة الروم آية (٤٧).
(٢) سورة يونس آية (١٠٣).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب فضل من علم وعمل (١/ ٢٨) ومسلم: كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي - ﷺ - من الهدى والعلم (٢٢٨٢).
(٤) سورة لقمان آية (٢٢).
(٥) سورة النساء آية (٦٥).
[ ٣٢٨ ]
جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: "ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا" أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، ويناقدون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (^١) (^٢).
فتمام الانقياد وغايته أن تكون رغبة العبد وفق ما تضمنته كلمة (لا إله إلا الله) وتبعا لما جاء به رسول الله - ﷺ -.
خامسًا: الصدق بقولها وبما دلت عليه، صدقًا ينبع من قلب منافيا للكذب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (^٣).
جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ أي: يقول: من جاء بـ لا إله إلا الله وصدق به" يعني رسوله (^٤).
_________________
(١) هذا الحديث ذكره النووي رحمه الله تعالى في الأربعين النووية وهو الحديث الحادي والأربعون وقال: حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، وعقب ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا القول بقوله: قلت: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه، ثم قال بعد ذكر هذه الوجوه: وأما معنى الحديث من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، وقد ورد في القرآن بمثل هذا في غير موضع. جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٢٠).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٢٠).
(٣) سورة الزمر آية (٣٣).
(٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٣) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٣٥).
[ ٣٢٩ ]
وقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله - ﷺ - من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال الصدق: هو القرآن وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنًا من كان من نبي الله وأتباعه (^١).
فمن شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه فقد أبعد نفسه عن النار كما جاء عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار" (^٢).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن المؤمنين فهم الذين حققوا قول: لا إله إلا الله وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلًا، وهم الذين صدقوا في قول: لا إله إلا الله، وهم عباد الله حقًا، فأما من قال: (لا إله إلا الله) بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (^٣).
﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٤) (^٥)
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٤).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا (١/ ٤١).
(٣) سورة القصص آية (٥٠).
(٤) سورة ص آية (٢٦).
(٥) كلمة الإخلاص (ص ٢٧، ٢٨).
[ ٣٣٠ ]
سادسًا: الإخلاص لله تعالى في قولها، والسلامة مما ينافي مضمونها من الشرك وغيره قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول الله - ﷺ -: " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه" (^٣).
وعن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿" (^٤).
فالإخلاص أساس في الأعمال والأقوال فعلية كانت أو تركية لأن له أثر كبير في عاجل أمر المؤمن وآجله.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: والإخلاص هو أساس الأعمال التي لا تثبت الأعمال إلا عليه (^٥).
سابعًا: المحبة لهذه الكلمة وما دلت عليه واقتضته محبة سالمة من المعارضة، ومن لوازم ذلك محبة أهلها العاملين بها، وبغض ومعاداة من لم يكن من أهلها من المشركين وغيرهم والبراءة منهم قال تعالى:
_________________
(١) سورة البينة آية (٥).
(٢) سورة الزمر آية (٣).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب الحرص على الحديث (١/ ٣٣).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (١/ ٤٥٦).
(٥) اختيار الأولى (ص ٩٥).
[ ٣٣١ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (^٢).
وعن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار (^٣).
وعن أنس ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" (^٤).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات، وبغض المكروهات (^٥).
فمن حقق معنى لا إله إلا الله بهذه الشروط السابقة فقد نجا وسلك الطريق المستقيم واستحق ثوابها وما ورد فيها من فضل.
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٦٥).
(٢) سورة المجادلة آية (٢٢).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان (١/ ١٠) ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الايمان (١/ ٦٦).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان (١/ ٩) ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين.
(٥) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٢٣).
[ ٣٣٢ ]
وقد نظم حافظ الحكمي (^١) رحمه الله تعالى هذه الشروط في أبيات فقال:
ولشروط سبعة قد قيدت وفي نصوص الوحي حقا وردت
فإنه لم ينتفع قائلها بالنطق إلا حيث يستكملها
العلم واليقين والقبول والانقياد قادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبه (^٢)
_________________
(١) هو الشيخ العلامة حافظ أحمد الحكمي، عالم سلفي، من منطقة تهامة، ولد سنة ١٣٤٢ هـ بقرية السلام بالقرب من جيزان، كان آية في الذكاء وسرعة الحفظ والفهم، له مؤلفات مفيدة منها: معارج القبول، توفي سنة ١٣٧٧ هـ وعمره ٣٥ سنة رحمه الله تعالى. الأعلام (٢/ ١٥٩) والمستدرك على معجم المؤلفين (ص ١٨٣).
(٢) معارج القبول (١/ ٣٧٧، ٣٧٨).
[ ٣٣٣ ]
المبحث الثالث ذكر بعض أنواع العبادة
تنوعت عبارات السلف رحمهم الله تعالى في تعريف العبادة ولكن أشمل تعريف لها هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: "العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادات لله" (^١).
ومن هذا التعريف الجامع لمعنى العبادة التي هي حق الله على عباده يتبين لنا أن جميع الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله ﷾ ويرضاها داخلة في مسمى العبادة، وفي هذا رد على الفهم الخاطىء الذي يتصوره بعض الناس من أن العبادة محصورة في أركان الإسلام الخمسة مما جعلهم يذكرون الله تعالى، ويعرفونه في الصلوات
_________________
(١) العبودية (ص ٤).
[ ٣٣٤ ]
الخمس وبقية أركان الإسلام، وينسونه فيما عدا ذلك من شؤون حياتهم الأمر الذي جعلهم يصرفون كثيرا من أنواع العبادة لغيره، ويتهاونون بأمره ونهيه.
ولا شك أن هذا فهم خاطىء مخالف لما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أن كل أمر يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فهو داخل تحت مسمى العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده دون سواه كما هو واضح في تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية السابق رحمه الله تعالى.
ولكثرة أنواع العبادة فإني سأقتصر على ذكر جملة من أنواع العبادة.
وكلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليها. وسأبدأ بذكر الدعاء لأن الدعاء هو العبادة (^١) كما قال ذلك رسول الله - ﷺ -.
١ - من أنواع العبادة: الدعاء:
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "ومن أنواع العبادات التي يظهر فيها الذل والخضوع لله ﷿ الدعاء قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٧١) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦١) والترمذي: كتاب الدعوات، باب الدعاء مخ العبادة (٥/ ٤٥٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء (٢/ ١٢٥٨) والحاكم (١/ ٤٩٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٢) سورة الأعراف آية (٥٥).
[ ٣٣٥ ]
وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^١) (^٢).
فالدعاء نوع من أنواع العبادة بل هو أعظمها ولبها ومخها.
وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تحث على الدعاء وتأمر به وترغب فيه: منها قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (^٣).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (^٤).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] (^٥) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أهمية الدعاء وتجعله من أعظم أنواع العبادات.
وقد حذر الله ﵎ من دعاء غيره فقال ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ (^٦).
وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (^٧).
وأما الأحاديث التي تحث على الدعاء وترغب فيه فمنها حديث أبي
_________________
(١) سورة الأنبياء آية (٩٠).
(٢) الخشوع في الصلاة (ص ٣٠).
(٣) سورة غافر آية (٦٠).
(٤) سورة البقرة آية (١٨٦).
(٥) سورة الأعراف آية (٥٦).
(٦) سورة الأحقاف آية (٥، ٦).
(٧) سورة فاطر آية (١٣، ١٤).
[ ٣٣٦ ]
هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ثم يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " الحديث (^١).
ومنها حديثه الآخر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (^٢).
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تحث على الدعاء وتأمر به وترغب فيه.
والدعاء الذي أمر الله به عباده في كتابه الكريم نوعان، وكل أمر في القرآن والسنة بالدعاء لا يخرج عن هذين النوعين وهما:
١ - دعاء العبادة: وهو التقرب إلى الله تعالى بأنواع العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج ونذر وذبح وغيرها من أنواع العبادات وذلك طمعًا في رحمته وخوفًا من عقابه ﷿.
٢ - دعاء المسألة: وهو طلب الداعي من الله ﷿ حصول ما ينفعه ودفع ما يضره، ومن يملك الضر والنفع هو المعبود حقًا وهو الله ﷾ لأنه بيده الضر والنفع وهو على كل شيء قدير ولذلك يقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٢١٦).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٦٢) والترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (٥/ ٤٥٥) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء (٢/ ١٢٥٨) والطبراني في الصغير (٢/ ٤٧) والحاكم (١/ ٤٩٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٣) سورة يونس آية (١٠٦).
[ ٣٣٧ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (^١) هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان: فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه، وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر.
ولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (^٣) فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدي، فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم وهذا كثير في القرآن يبين تعالى أن المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاء دعاء العبادة، فاعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٤) يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية قيل: أعطيه إذا سألني.
وقيل: أثيبه إذا عبدني.
_________________
(١) سورة الأعراف آية (٥٥، ٥٦).
(٢) سورة يونس آية (١٠٦).
(٣) سورة يونس آية (١٨).
(٤) سورة البقرة آية (١٨٦)
[ ٣٣٨ ]
والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا، فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع، وقل من يفطن له، وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدًا، فهي من هذا القبيل" (^١).
فالدعاء هو روح العبادة ومخها كما ورد بذلك قول المصطفى - ﷺ -: "الدعاء هو العبادة" (^٢).
وهو أعظم أنواع العبادة وأجلها ولذلك كان أقوى وسائل القرب إلى الله تعالى، وأفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى مبينا ذلك: "واعلم أن سؤال الله ﷿ دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة" (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضا: "وقوله - ﷺ - "إذا سألت فاسأل الله" (^٤) أمر بإفراد الله ﷿ بالسؤال ونهى عن سؤال غيره من الخلق، وقد أمر الله تعالى بسؤاله فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٠، ١١).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٣٥).
(٣) جامع العلوم والحكم (١٨١).
(٤) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٨) والترمذي: أبواب صفة القيامة (٥/ ٣١٩) وقال: حديث صحيح.
(٥) سورة النساء آية (٣٢).
[ ٣٣٩ ]
واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا، وذلك من وجوه متعددة:
منها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، فلا يصلح الذل إلا له بالعبادة والمسألة، وذلك من علامات المحبة الصادقة
وهذا الذل وهذه المحبة لا تصلح إلا لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحق
ولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، كما ثبت ذلك في الصحيحين (^١) لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدنيا فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي فيصير عظمًا بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي فلا يبقى له عند الله وجاهه.
ومنها: أن في سؤال الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه، ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره، وسؤاله إقامة له مقام من يقدر، وليس هو بقادر ويشهد بهذا المعنى الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي - ﷺ - قال: "قال الله تعالى: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص من ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر .. .) (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا (٢/ ١٣٠) ومسلم: كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس (٢/ ٧٢٠) ولفظه عندهما: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم".
(٢) تقدم تخريجه (ص ١٧٤).
[ ٣٤٠ ]
فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إن هذا لأعجب العجب.
ومنها أن الله يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالبًا يكره أن يسأل لفقره وعجزه
ومنها: أن الله تعالى يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ (^١) وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾. (^٢)
فأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق فإنه يمتنع بالحجاب والأبواب ويعسر الوصول إليه في أغلب الأوقات (^٣)
فقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن الالتجاء إلى الله ﵎ وسؤاله وحده لا شريك له هو المتعين على كل إنسان لأنه هو الضار النافع الذي بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير.
أما المخلوق الضعيف فإنه محتاج إلى من يسأله ويعينه فكيف يسأل ويطلب مما يدل دلالة واضحة على أن الدعاء عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (^٤).
_________________
(١) كما جاء ذلك في حديث النزول، وقد سبق تخريجه (ص ٢١٦).
(٢) سورة البقرة آية (١٨٦).
(٣) نور الاقتباس (ص ٦٠) وما بعدها.
(٤) سورة غافر آية (٦٠).
[ ٣٤١ ]
فالله ﷾ يدعو عباده إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة وهو أن يدعوه وحده دون سواه ووعدهم بأن يستجيب لهم كما توعد من استكبر عن دعائه وسؤاله بأن يكون من أهل العذاب الذين سيدخلون جهنم لهم ذليلون حقيرون.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني، يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك" استجب لكم، يقول: أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يقول: إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة وإفراد الألوهية لي (سيدخلون جهنم داخرين) بمعنى: صاغرين (^١).
فالله ﷾ يحب من عباده أن يدعوه ويتقوه ويطيعوه وقد فتح بابه للطالبين، وحث على دعائه في كتابه المبين كما في الآية السابقة وكما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (^٢) لأن دعاء العبد لربه ﷾ من مقتضيات العبودية لما في الدعاء من الذل والافتقار الذي لا ينبغي أن يكون إلا لله تعالى.
وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن ما يطلبه العبد من ربه ﷿ من الحاجات على نوعين:
فقال رحمه الله تعالى: "اعلم أن الحاجات التي يطلبها العبد من الله نوعان:
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٧٨، ٧٩).
(٢) سورة الأعراف آية (١٨٠).
[ ٣٤٢ ]
أحدهما: ما علم أنه خير محض كسؤاله خشيته من الله ﷿ وطاعته وتقواه وسؤاله الخير والاستعاذة به من النار فهذا يطلب من الله تعالى بغير تردد، ولا تعليق بالعلم والمصلحة لأنه خير محض، ومصلحة حاصلة فلا وجه لتعليقه بشرط وهو معلوم الحصول، وكذلك لا يعلق بمشيئة الله ﷿ لأن الله يفعل ما يشاء ولا مكره له ولا فائدة لتعليقه بمشيئته ولكن يجزم المسألة كما قال النبي - ﷺ -: "لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" أخرجاه (^١) من حديث أنس وأبي هريرة بمعناه.
وفي رواية مسلم "ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء" (^٢).
وفي رواية للبخاري: "إن الله لا يتعاظمه شيء ويفعل ما يشاء ولا مكره له" (^٣).
النوع الثاني: ما لا يعلم أنه خيرة للعبد أم لا كالموت والحياة والغنى والفقر والولد والأجل وكسائر حوائج الدنيا التي تجهل عواقبها فهذه لا ينبغي أن يسأل الله منها إلا ما يعلم منه الخيرة للعبد، فإن العبد جاهل بعواقب الأمور وهو مع هذا عاجز عن تحصيل مصالحه ودفع مضاره، فينبغي له أن يسأل حوائجه ممن هو عالم قادر، ولهذا شرعت الاستخارة في الأمور الدنيوية كلها وشرع أن يقول الداعي في استخارته: "اللهم أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له (٧/ ١٥٣) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب العزم بالدعاء ولا يقل إن شئت (٤/ ٢٠٦٣).
(٢) صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب العزم بالدعاء ولا يقل إن شئت (٤/ ٢٠٦٣).
(٣) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٨/ ١٩٣).
[ ٣٤٣ ]
فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ثم يقول: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه خير لي في ديني ودنياي " (^١).
وكذلك في هذا الدعاء يسأل الله بعلمه الغيب وقدرته على الخلق ومما يعلم الخيرة من موت أو حياة.
وقد تضمن الدعاء الذي في هذا الحديث (^٢) النوعين معًا فإنه لما سأل الموت والحياة قيد ذلك بما يعلم الله أن فيه الخيرة لعبده، ولما سأل الخشية وما بعدها مما هو خير صرف جزم به ولم يقيده بشيء (^٣).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن للدعاء آدابًا يجب على العبد أن يتحلى به لأنها سبب في استجابة الدعاء فقال: "وقوله" ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (^٤) قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى (٢/ ٥١).
(٢) يقصد به حديث عمار بن ياسر ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يدعو بهؤلاء الدعوات: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين". أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤) والنسائي (٣/ ٥٥) والحاكم (١/ ٥٢٤).
(٣) شرح حديث عمار بن ياسر (ص ١٣ - ١٥).
(٤) هذا جزء من حديث أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (٢/ ٧٠٣).
[ ٣٤٤ ]
"هذا الكلام أشار فيه - ﷺ - إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي الإجابة وما يمنع الإجابة (^١)
وقد ذكر أسباب إجابة الدعاء ومنها:
١ - حضور القلب وإخلاصه لله ﷿ يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاهي" (^٢) (^٣).
٢ - رفع اليدين إلى السماء قال رحمه الله تعالى في بيان ذلك قوله: "يمد يديه إلى السماء" وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته. وفي حديث سلمان ﵁ عن النبي - ﷺ -: "إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين" خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (^٤)
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات (٥/ ٥١٦) وقال: حديث غريب، والحاكم (١/ ٤٩٣) وقال: هذا حديث مستقيم الإسناد، ورواه أحمد (٢/ ١٧٧) من حديث عبد الله بن عمرو قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٤٩٢) رواه أحمد وإسناده حسن، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٤٨) رواه أحمد وإسناده حسن.
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٣٢).
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٨) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء (١/ ٣٤٢) والترمذي: كتاب الدعوات (٥/ ٥٥٦) وقال: حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء (٢/ ١٢٧١) والحاكم (١/ ٤٩٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/ ١٤٣): وسنده جيد.
[ ٣٤٥ ]
وكان النبي - ﷺ - يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه (^١) ورفع يديه يوم بدر يستنصر الله على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه (^٢) (^٣)
٣ - الإلحاح في الدعاء يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "الإلحاح على الله ﷿ بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء (^٤).
كما ذكر رحمه الله تعالى موانع إجابة الدعاء فقال: "أما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار - ﷺ - إلى أنه التوسع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية وقد سبق حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال لسعد: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" (^٥) فأكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء.
_________________
(١) يدل عليه حديث أنس ﵁ قال: "أن النبي - ﷺ - رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه" أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب رفع الأيدي في الدعاء (٧/ ١٥٤).
(٢) يشير إلى حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلائمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض "فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه " الحديث. أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (٣/ ١٣٨٤).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٣، ٢٥٤).
(٤) المصدر السابق (١/ ٢٥٣) وما بعدها.
(٥) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٣١) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٩١) وفيه من لم أعرفهم.
[ ٣٤٦ ]
وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا وكذلك ترك الواجبات (^١).
وكذلك من الموانع ترك الدعاء استبطاء للإجابة لأنه مخالف للرجاء وحسن الظن بالله لما في ذلك من قطع الرجاء في الله واليأس من إجابته للدعاء، وهذا خلاف المأمور به من حسن الظن بالله وبسعة رحمته وجوده وقد دل على هذا ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من مؤمن ينصب وجهه لله، يسأله مسألة إلا أعطاه إياها إما عجلها له في الدنيا، وإما ادخرها له في الآخرة، ما لم يعجل بقول قد دعوت، ودعوت فلا يستجاب لي" (^٢).
يقول ابن رجب ﵀ في بيان هذا: ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له، ونهى أن يستعجل، ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة الدعاء -ولو طالت المدة- فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء (^٣).
وهناك آداب وموانع أخرى سبب في إجابة الدعاء ولكني اقتصرت على ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى خشية الإطالة ولذلك يجب على الداعي أن يستكمل آداب الدعاء ويبتعد عن موانعه فإنه أحرى أن يستجاب له.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: والدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٨).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل (٧/ ١٥٣) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب بيانه أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل (٤/ ٢٠٩٥).
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٣٢).
[ ٣٤٧ ]
وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه (^١).
والدعاء له فوائد عظيمة على العبد منها أنه يدفع البلاء كما ثبت ذلك بالأدلة الصحيحة.
قال ابن رجب: فالصدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه، وكذلك الدعاء، وفي الحديث "إن البلاء والدعاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان إلى يوم القيامة" خرّجه البزار والحاكم (^٢).
وخرج الترمذي من حديث سلمان مرفوعًا: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" (^٣).
وقال ابن عباس: "لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر".
وعنه قال: الدعاء يدفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر، وهذا كقول النبي - ﷺ - لما سئل عن الأدوية والرقى هل ترد من قدر الله شيئًا قال: "هي من قدر الله تعالى" (^٤).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٣٢).
(٢) أخرجه البزار: كتاب الأدعية، باب إن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان كما في كشف الأستار (٤/ ٣٧) والحاكم: كتاب الدعاء (١/ ٤٩٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٣) أخرجه الترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء (٤/ ٤٤٨) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢١) والترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء لا ترد الرقى ولا الدواء من قدر الله شيئًا (٤/ ٤٠٠) وابن ماجه: كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (٢/ ١١٣٧) والحاكم (٤/ ١٩٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ٣٤٨ ]
وكذلك قال عمر ﵁ لما رجع من الطاعون فقال له أبو عبيدة أفرارًا من قدر الله فقال عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله تعالى" (^١).
فإن الله تعالى قدر المقادير ويقدر ما يدفع بعضها قبل وقوعه، وكذلك الأذكار المشروعة تدفع البلاء.
وفي حديث عثمان ﵁ عن النبي - ﷺ -: "من قال حين يصبح ويمسي بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يصبه بلاء" (^٢) (^٣)
فدعاء العبد المؤمن إن كان وفق الآداب السابقة لا يرد إن شاء الله تعالى، وقد يحصل للداعي تأخيرًا للإجابة، وقد يعوض بما هو خير.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا، فيصرفها عنه يعوضه خيرًا منها، إما أن يصرف عنه بذلك سوءًا أو يدخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبًا كما في المسند والترمذي من حديث جابر عن النبي - ﷺ - قال: "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الطب، باب ما ذكر في الطاعون (٧/ ٢١) ومسلم: كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (٤/ ١٧٤٠).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٦٢) وأبو داود: كتاب الأدب، باب ماذا يقول إذا أصبح (٥/ ٣٢٤) والترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى (٥/ ٤٦٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى (٢/ ١٢٧٢) والحاكم (١/ ٥١٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٣) لطائف المعارف (ص ٧٦).
(٤) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة (٥/ ٤٦٢) وقال الألباني: حديث حسن. صحيح الجامع (٢/ ٩٩١) ولم أجده في المسند من حديث جابر ﵁.
[ ٣٤٩ ]
وفي المسند وصحيح الحاكم (^١) عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها، قالوا إذًا نكثر، قال: الله أكثر" (^٢).
فالعبد إذا دعا الله ﷾ ولم يكن في دعوته اعتداء حصل له المطلوب أو مثله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالدعوة التي ليس فيها اعتداء، يحصل بها المطلوب أو مثله، وهذا غاية الإجابة، فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعًا، أو مفسدا للداعي أو لغيره، والداعي جاهل لا يعلم ما فيه من المفسدة عليه والرب قريب مجيب، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والكريم الرحيم إذا سئل شيئًا بعينه وعلم أنه لا يصلح للعبد أعطاه نظيره كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له، فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى" (^٣).
والذي نخلص إليه مما سبق أن دعاء الله ﷾ والالتجاء إليه من أعظم أنواع العبادة، فلا يجوز أن يصرف لغيره ﷿ لأنه حق من حقوق الله ﵎ على عباده، لأنه بالدعاء يظهر ذل العبودية ويعرف العبد به ربه، وهذا هو المقصود من جميع العبادات، وذلك أن العبد حينما يدعو ربه ﷿ فإنه يدعوه وهو يعلم من نفسه
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٨) والترمذي: كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وغير ذلك (٥/ ٥٦٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، والحاكم (١/ ٤٩٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، ومالك في الموطأ: كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء (١/ ٢١٧).
(٢) يعني المستدرك.
(٣) الحسنة والسيئة (ص ١١٩).
[ ٣٥٠ ]
أنه محتاج إلى ما يطلبه من ربه ﷿، ويعلم من نفسه أنه لا يحصل على مراده إلا بعون الله ﵎ له على ذلك، لأن الله ﷿ يسمع دعاءه، ويعلم حاجته وهو القادر ﵎ على تحقيق حاجته فهو الرب الرحيم الذي طلب من عباده أن يدعوه ووعدهم بالإجابة، ومن هنا كان المقصود من جميع التكاليف الشرعية معرفة ذل العبودية وعزة الربوبية والدعاء يتحقق فيه الأمران. ولهذا لا يجوز أن يدعى غيره من المخلوقين أيا من أنواع الدعاء، ومن فعل ذلك فهو مشرك بالله العظيم.
٢ - الخوف
الخوف عبادة لا يستحقها إلا الله ﵎ لأنه وحده القادر على جلب النفع للعبد، ودفع الضر عنه، وقد تعبد الله به جميع عباده من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر عباده المؤمنين كما ورد ذلك في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ (^٣).
فالخوف عبادة من أجل العبادات لا يجوز صرفها إلا لله تبارك
_________________
(١) سورة النحل آية (٥٠).
(٢) سورة الأحزاب آية (٣٩).
(٣) سورة المؤمنون آية (٥٧ - ٦١).
[ ٣٥١ ]
وتعالى وقد أمر الله ﵎ بإخلاصه له في آيات كثيرة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (^٣).
وكما دل القرآن على أن الخوف عبادة يجب إخلاصها لله تعالى كذلك دلت السنة على أن الخوف لا يكون إلا من الله، ولا يصرف لأحد سواه، فلا خوف ولا خشية إلا منه جل وعلا ومن تلك الأحاديث حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: صنع النبي - ﷺ - شيئًا فرخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فخطب فحمد الله ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية (^٤).
وفي رواية أخرى عنها ﵂ النبي - ﷺ - أنه قال: "والله أني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أَتَّقي" (^٥).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه ذكر رجلًا
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٧٥).
(٢) سورة المائدة آية (٤٤).
(٣) سورة الأعراف آية (٥٦).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام بالسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع (٨/ ١٤٥) ومسلم: كتاب الفضائل، باب علمه - ﷺ - (٤/ ١٨٢٩).
(٥) أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (٢/ ٧٨١).
[ ٣٥٢ ]
فيمن سلف، أو قبلكم آتاه الله مالًا وولدًا -يعني أعطاه- قال: فلما حضر قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب قال: فإنه لم يبتئر (^١) عند الله خيرًا -فسرها قتادة لم يدخر- وإن يقدم على الله يعذبه فانظروا فإذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحمًا فاسحقوني، أو قال: فاسهكوني، ثم إذا كان ريح عاصف فأذروني فيها فأخذ مواثيقهم على ذلك وربى ففعلوا فقال الله ﷿ - كن فإذا رجل قائم، ثم قال أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك أو فرق (^٢) منك، فما تلافاه أن ﵀ (^٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (^٤) أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق، قال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه (^٥) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الخوف عبادة جليلة لا يستحقها إلا الله ﷿.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذا النوع من العبادة وأشار إلى بعض جوانبه فقال رحمه الله تعالى في بيان القدر المطلوب من
_________________
(١) يبتئر من بأرت الشيء وابتأرته إذا خبأته وادخرته ومعنى لم يبتئر خيرًا: أي لم يقدم لنفسه خبيئة خير ولم يدخر. النهاية لابن الأثير (١/ ٨٩).
(٢) الفرق: الخوف والفزع، يقال: فرق يفرق فرقًا أي خاف يخاف خوفًا. النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٣٨).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب الخوف من الله (٧/ ١٨٥).
(٤) سورة المؤمنون آية (٦٠).
(٥) أخرجه أحمد (٦/ ٢٠٥) والترمذي: كتاب التفسير، باب ومن سورة المؤمنون (٥/ ٣٢٧) وابن ماجه: كتاب الزهد، باب التوقي في العمل (٢/ ١٤٠٤) والحاكم (١/ ٣٩٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ٣٥٣ ]
الخوف بحيث يكون باعثًا على الالتزام بالأوامر والانتهاء عن النواهي مقترنًا بالرجاء وحسن الظن بالله تعالى: القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو هما لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ﷿ لم يكن محمودًا، ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السليمي (^١) من شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش وهذا لأن الخوف ليس مقصودًا لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه.
ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن.
وقال سفيان بن عيينة: "خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا" أخرجه أبو نعيم (^٢).
والمقصود الأصلي هو طاعة الله ﷿ وفعل مراضيه ومحبوباته، وترك مناهيه ومكروهاته.
_________________
(١) عطاء السليمي بفتح السين وكسر اللام وسكون الياء، البصري الزاهد العابد، قال الذهبي: من صغار التابعين، أدرك أنس بن مالك، وكان قد أرعبه الخوف من الله، مات بعد الأربعين ومئة. اللباب في تهذيب الأنساب (٢/ ١٣٣، ١٣٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٨٦) وتبصير المنتبه (٢/ ٧٤٦).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧٥).
[ ٣٥٤ ]
ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعًا من ذلك وقاطعًا عنه فقد انعكس المقصود منه، ولكن إذا حصل ذلك عن رغبة كان صاحبه معذورًا" (^١).
وقال رحمه الله تعالى مبينًا أسباب قوة خوف الله تعالى وخشيته: "والموجب لخشية الله أمور:
١ - منها قوة الإيمان بوعده ووعيده على المعاصي.
٢ - ومنها النظر في شدة بطشه وانتقامه وسطوته وقهره وذلك يوجب للعبد ترك التعرض لمخالفته كما قال الحسن: ابن آدم هل لك طاقة بمحاربة الله، فإن من عصاه فقد حاربه (^٢) وقال بعضهم: عجبت من ضعيف يعصي قويًا.
٣ - ومنها قوة المراقبة له والعلم بأنه شاهد رقيب على قلوب عباده وأعمالهم وأنه مع عباده حيث كانوا كما دل القرآن على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ (^٤) (^٥)
وينبغي للمؤمن أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء
_________________
(١) التخويف من النار (ص ٢١).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٣٤) وعلقمة بن مرثد في زهد الثمانية (ص ٦٢).
(٣) سورة الحديد آية (٤).
(٤) سورة يونس آية (٦١).
(٥) شرح حديث عمار بن ياسر (ص ٢٦).
[ ٣٥٥ ]
فإنه إذا رجح الخوف حمله على القنوط من رحمة الله، وإذا رجح الرجاء حمله على الأمن من مكر الله، وكلاهما مخالف للصواب.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى ذلك: "فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر" (^١).
ويقول أيضًا: كان بعض السلف يقول: "من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن".
وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة المحبة والخوف والرجاء، ولابد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان (^٢).
فالخوف من الله ﷿ يجب أن لا يصل إلى حد القنوط لأن القنوط يجعل العبد يقنط من رحمة الله ﷿ ومن عفوه ومغفرته بل لابد من الخوف من الله ﷿ مع رجاء ثوابه والطمع فيما عنده وقد جمع الله ﷾ بينهما في غير ما آية وجعل ذلك من صفات المؤمنين فقال ﷿: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣).
وقال جل وعلا: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^٤) فالخوف والرجاء لابد أن يكونا في قلب المؤمن فهما متفقان لا ينفك
_________________
(١) التخويف من النار (ص ٢٥).
(٢) المصدر السابق (ص ٢٥).
(٣) سورة الأعراف آية (٥٦).
(٤) سورة الأنبياء آية (٩٠).
[ ٣٥٦ ]
أحدهما عن الآخر، لأن انفراد الخوف يخاف منه القنوط واليأس، وانفراد الرجاء قد يؤدي إلى الجرأة على اقتراف المعاصي وترك الفرائض ولذلك يقول النبي - ﷺ -: "لو يعلم المؤمن بما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" (^١).
والواجب على المسلم الذي يريد النجاة وسلوك الطريق المستقيم أن يكون بين الخوف والرجاء، لأن خوفه من الله ﷿ يمنعه من معصيته ورجائه من الله يورث الطمأنينة في قلبه، فهو يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه، ولا يفرط في الرجاء فيكون حاله مثل حال المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان معصية، ولا يغلو في الخوف فيقنط من رحمة الله ومغفرته وعفوه حاله مثل حال الخوارج والمعتزلة الذين يقولون أن صاحب الكبيرة خالد مخلد في نار جهنم إذا مات ولم يتب، وخير الأمور الوسط وهو ما دلت عليه النصوص الكثيرة على حد قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (^٢).
٣ - التوكل
التوكل على الله ﵎ عبادة عظيمة تعبد الله به عباده وأمرهم بأن يعتمدوا عليه وحده دون سواه، لأنه من أفضل العبادات ومن أجل مقامات الدين، ولا يوفق للقيام به على وجه الكمال إلا أولياء الله وحزبه المؤمنين وقد فرضه الله ﷿ على عباده حيث أمر به في مواضع كثيرة من كتابه المنزل على رسوله - ﷺ - فقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب الرجاء والخوف (١١/ ٣٠١) ومسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٩).
(٢) سورة الإسراء آية (٥٧).
(٣) سورة آل عمران آية (١٢٢).
[ ٣٥٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (^٤).
كما دلت أحاديث المصطفى - ﷺ - على فضل التوكل وأنه من العبادات التي يجب إخلاصها لله وحده لا شريك له عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بلا حساب ولا عذاب فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (^٥).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا" (^٦).
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على فضل التوكل على الله ووجوب إخلاصه له وحده لا شريك له.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٢٣).
(٢) سورة النمل آية (٧٩).
(٣) سورة الفرقان آية (٥٨).
(٤) سورة هود آية (١٢٣).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير (٧/ ١٩٨) ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (١/ ١٩٧).
(٦) أخرجه أحمد (١/ ٣٠) والترمذي: كتاب الزهد، باب في التوكل على الله (٤/ ٥٧٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب التوكل واليقين (٢/ ١٣٩٤) والحاكم (٤/ ٣١٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
[ ٣٥٨ ]
وقد اهتم ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذه العبادة العظيمة فقال رحمه الله تعالى في بيان حقيقة التوكل: وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله ﷿ في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها ووكلت الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: والتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٢) (^٣)
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: فمن حقق التوكل على الله لم يكله إلى غيره، وتولاه بنفسه وحقيقة التوكل: مكيلة الأمور كلها إلى من هي بيده، فمن توكل على الله في هدايته وحراسته وتوفيقه وتأييده ونصره ورزقه وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولى الله مصالحه كلها، فإن الله تعالى هو ولي الذين آمنوا، وهذا هو حقيقة الوثوق برحمة الله فمن وثق برحمة ربه ولم يثق بغير رحمته فقد حقق التوكل على ربه في توفيقه، وتسديده، فهو جدير أن يتكفل الله بحفظه ولا يكله إلى نفسه (^٤)
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " وإنما المتوكل حقيقة من يعلم أن الله قد ضمن لعبده برزقه، وكفايته، فيصدق الله فيما ضمنه وثيق بقلبه ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق، من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به والرزق مقسوم لكل أحد، من بر
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤٦).
(٢) سورة الطلاق آية (٣).
(٣) نور الاقتباس (ص ١١٠).
(٤) شرح حديث زيد "لبيك اللهم لبيك" ورقة (٢٤).
[ ٣٥٩ ]
وفاجر، ومؤمن وكافر كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^١) هذا مع ضعف كثير من الدواب، وعجزها عن السعي في طلب الرزق قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (^٢) فمادام العبد حيًا، فرزقه على الله وقد ييسره الله له بكسب وبغير كسب فمن توكل على الله لطلب الرزق، فقد جعل التوكل سببًا وكسبًا، ومن توكل عليه لثقته بضمانه فقد توكل عليه ثقة به وتصديقًا بوعده" (^٣).
وقال رحمه الله تعالى في بيان ثمرة التوكل على الله ﷿ "واعلم أن ثمرة التوكل: الرضا بالقضاء، فمن وكل أموره إلى الله، ورضي بما يقضيه له ويختاره، فقد حقق التوكل" (^٤).
كما بين رحمه الله تعالى أن مباشرة الأسباب والأخذ بها لا تنافي التوكل بل لا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد يقول ﵀ في بيان هذا: "واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله ﷾ المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (^٦).
_________________
(١) سورة هود آية (٦).
(٢) سورة العنكبوت آية (٦٠).
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٦٠).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٣٦١).
(٥) سورة النساء آية (٧١).
(٦) سورة الأنفال آية (٦٠).
[ ٣٦٠ ]
وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^١).
وقال سهل التستري: (^٢) من طعن في الحركة "يعني في السعي والكسب"، فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي ﵌، والكسب سنته، من عمل على حاله فلا يتركن سنته.
ثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:
أحدهما: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء مما وجب عليه من ذلك، استحق العقوبة في الدنيا والآخرة، شرعًا وقدرًا" (^٣).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: " وكذلك من ضيع بتركه الأسباب حقًا له، ولم يكن راضيًا بفوات حقه، فإن هذا عاجز مفرط، وفي مثل هذا جاء قول النبي - ﷺ -: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان " (^٤).
_________________
(١) سورة الجمعة آية (١٠).
(٢) سهل بن عبد الله بن يونس أبو محمد التستري الزاهد، قال الذهبي: له كلمات نافعة، ومواعظ حسنة، توفي سنة ٢٨٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٨٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤٧).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله (٤/ ٢٠٥٢).
[ ٣٦١ ]
وخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل" (^١).
وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضل" (^٢).
فقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن التوكل على الله ﷿ لا يقتضي ترك الأخذ بالأسباب لأن التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها جلب المنافع، ودفع المضار، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وتعلق القلوب بها، والاعتماد عليها، لأن ذلك نقص في التوحيد يفضي بالعبد إلى الشرك، كما أن ترك الأسباب وعدم الأخذ بها وتعطيلها نقص في التوحيد وضعف في التوكل كما يدعيه الجهلة من المتصوفة وغيرهم من أن الأخذ بالأسباب ينافي التوكل، وأن حقيقة التوكل هي القعود وترك العمل.
هذا في الحقيقة عجز وتواكل لا توكل لأنه ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه.
فمن ترك العمل وقعد عن البحث عن مصادر الرزق التي أحلها الله ﷿ بحجة التوكل فقد جهل معنى التوكل بل جهل جانبًا من مفهوم
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة (٤/ ٦٦٨) وابن حبان كما في موارد الظمآن (٦٣٣) من حديث عمرو بن أمية الضمري ﵁. قال العراقي: رواه ابن خزيمة في التوكل، والطبراني من حديث عمرو بن أمية الضمري بإسناد جيد. تخريج الإحياء (٤/ ٢٧٩) وقال المناوي في فيض القدير (٢/ ٨) إسناده صحيح. وقال الألباني: حديث حسن. صحيح الجامع (٢/ ٢٤١).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٥٨، ٣٥٩).
[ ٣٦٢ ]
هذا الدين العظيم، فالعجز والتواكل والتكاسل له آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، ومن بعض هذه الآثار تفشي الفقر والبطالة في المجتمعات الإسلامية، وهذا يناقض أهداف الإسلام.
فترك العمل سبيل للتخلف والضعف والهوان، والإسلام دين العزة والمنعة.
٤ - الاستعانة
الاستعانة: طلب العون على قضاء الحاجات، ودفع المكروهات، وهي نوع من أنواع العبادة التي لا تصح إلا لله ﷾.
وقد تعبد الله ﷾ بها عباده، وأرشدهم إلى الاستعانة به وحده دون سواه كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (^١).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكره لهذه الآية: "هذه الكلمة تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك، فالعبادة حق الله على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده لأن العبادة حق الله على عبده والإعانة من الله فضل من الله على عبده (^٢).
وأوصى نبينا محمد - ﷺ - عبد الله بن عباس ﵄ بها في قوله في الحديث " وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " (^٣).
_________________
(١) سورة الفاتحة آية (٥).
(٢) فتح الباري ورقة (٤/ ٤٤٩ - ٥٠٠).
(٣) هذا جزء من حديث وصية النبي - ﷺ - لابن عباس تقدم تخريجه (ص ١٦١).
[ ٣٦٣ ]
وهذه العبادة من العبادات التي تناولها ابن رجب رحمه الله تعالى وبين معناها وأدلتها.
فقال رحمه الله تعالى: "وأما الاستعانة بالله ﷿ دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على ذلك إلا بالله وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البررخ يوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ﷿، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.
وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (^١) ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى ما استعان به، فصار مخذولًا (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب ﵇ لنبيه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (^٣) ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوه.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٦١).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٠٠، ١٠١).
(٣) سورة يوسف آية (١٨).
[ ٣٦٤ ]
وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (^١).
وقال الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ (^٢).
ولما بشر عثمان بالجنة على بلوى تصيبه قال: "الله المستعان" (^٣)
فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في مصالح دينه، وفي مصالح دنياه (^٤)
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في بيان أهمية الاستعانة بالله: "وفي الاستعانة بالله وحده فائدتان:
إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.
والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿ فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.
وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (^٥) وكان النبي - ﷺ - يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: "الحمد لله نستعينه ونستهديه" (^٦).
وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: "اللهم
_________________
(١) سورة الأعراف آية (١٢٨).
(٢) سورة الأنبياء آية (١١٢).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان ﵁ (٤/ ١٨٦٧).
(٤) نور الاقتباس (ص ٧٣، ٧٤).
(٥) سبق تخريجه (ص ٣٦١).
(٦) هذا جزء من الحديث المسمى بخطبة الحاجة وقد تقدم تخريجه (ص ٨).
[ ٣٦٥ ]
أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (^١) وكان من دعائه - ﷺ - "يا رب أعني ولا تعن علي (^٢) (^٣) ".
٥ - الخشوع
الخشوع لله ﷾ هو التذلل والخضوع له ﷿.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في تعريف الخشوع: "أصل الخشوع هو لين القلب ورقته أو سكونه وخضوعه وانكساره، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، لأنها تابعة له كما قال - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (^٤).
فإذا خشع القلب، خشع السمع والبصر والرأس، والوجه وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام، ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه في الصلاة: "خشع لك سمعي وبصري ومخطي وعظمي" (^٥) وفي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (٢/ ١٨١) والنسائي: كتاب الذكر بعد الدعاء (٣/ ٥٣) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٠) والحاكم (١/ ٢٧٣) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٧) والبخاري في الأدب المفرد (ص ٢٢٦) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب ماذا يقول الرجل إذا سلم (٢/ ١٧٥) وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله - ﷺ - (٢/ ١٢٥٩) والترمذي: كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - ﷺ - (٥/ ٥٥٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم (١/ ٥٢٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٣) نور الاقتباس (ص ٧٢، ٧٣).
(٤) هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (١/ ١٩) ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (٣/ ١٢٢٠).
(٥) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ٥٣٥).
[ ٣٦٦ ]
رواية "وما استقل به قدمي" (^١).
وقد وصف الله تعالى في كتابه الأرض بالخشوع فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (^٢) فاهتزازها وربوها -وهو ارتفاعها- مزيل لخشوعها، فدل على أن الخشوع الذي كانت عليه هو سكونها وانخفاضها فكذلك القلب إذا، فإنه تسكن خواطره وإراداته الرديئة التي تنشأ من إتباع الهوى وينكسر وينخضع لله، فيزول بذلك ما كان فيه من التعاظم والترفع والتكبر ومتى سكن ذلك في القلب خشعت الأعضاء والجوارح والحركات كلها حتى الصوت، وقد وصف الله تعالى الأصوات بالخشوع في قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (^٣) فخشوع الأصوات هو سكونها وانخفاضها بعد ارتفاعها.
وكذلك وصف وجوه الكفار وأبصارهم يوم القيامة بالخشوع فدل ذلك على دخول الخشوع في هذه الأعضاء كلها (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأصل الخشوع الحاصل في القلب إنما هو من معرفة الله، ومعرفة عظمته وجلاله. وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع" (^٥).
كما بين رحمه الله تعالى أن الخشوع لله ﷿ من صفات المؤمنين وأن الله ﷾ تعبدهم به فقال: "إن الله ﷾
_________________
(١) بهذه الزيادة أخرجه أحمد، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، المسند تحقيق أحمد شاكر (٢/ ١٩٩).
(٢) سورة فصلت آية (٣٩).
(٣) سورة طه آية (١٠٨).
(٤) الخشوع في الصلاة (ص ١١ - ١٣).
(٥) المصدر السابق (ص ١٤).
[ ٣٦٧ ]
مدح في كتابه المخبتين له، والمنكسرين لعظمته، الخاضعين والخاشعين له، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^١).
وقال: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٢).
ووصف المؤمنين بالخشوع له في أشرف عباداتهم التي عليها يحافظون فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (^٣).
ووصف الذين أوتوا العلم بالخشوع حيث يكون كلامه مسموعًا، فقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (^٤) ووصف الله سبحانه في كتابه العلماء بالخشية كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٥) وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٦) ووصف العلماء من أهل الكتاب قبلنا بالخشوع كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (^٧) وقوله تعالى في وصف هؤلاء
_________________
(١) سورة الأنبياء آية (٩٠).
(٢) سورة الأحزاب آية (٣٥).
(٣) سورة المؤمنون آية (١، ٢).
(٤) سورة الإسراء آية (١٠٧ - ١٠٩).
(٥) سورة فاطر آية (٢٨).
(٦) سورة الزمر آية (٩).
(٧) سورة الإسراء آية (١٠٧ - ١٠٩).
[ ٣٦٨ ]
الذين أوتوا العلم ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا مدح لمن أوجب له سماع كتاب الله الخشوع في قلبه، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١).
وليس القلوب هو زوال قساوتها لحديث الخشوع، وقد قبح الله من لا يخشع قلبه لسماع كتاب الله وتدبره، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا﴾ (^٢) الآية.
قال ابن مسعود ﵁: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين" خرجه مسلم (^٣) وخرجه النسائي (^٤) وزاد فيه: "فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضًا"
وخرج ابن ماجه (^٥) من حديث الزبير ﵁ قال: "لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين " (^٦).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى أن الإنسان إذا تصنع الخشوع وتكلفه فإن ذلك خشوع نفاق وليس خشوعًا لله ﵎، يقول في بيان ذلك: "ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخلوه منه كان ذلك خشوع نفاق، وهو الذي كان السلف يستعيذون منه كما قال بعضهم: "استعيذوا بالله من خشوع النفاق،
_________________
(١) سورة الزمر آية (٢٢، ٢٣).
(٢) سورة الحديد آية (١٦).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤/ ٢٣١٩).
(٤) السنن الكبرى: كتاب التفسير كما في تحفة الأشراف للمزي (٧/ ٧٠).
(٥) السنن: كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء (٤١٩٢).
(٦) الخشوع في الصلاة (ص ١١، ١٨).
[ ٣٦٩ ]
قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع " (^١) فمن أظهر خشوعًا غير ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق" (^٢).
فابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق يبين أن خشوع المؤمن خشوع صادر عن قلب مؤمن مخلص ملتزم بأوامر الله مجتنب نواهيه، قلب ملئ بنور الإيمان والتعظيم لله ﷾، والحياء والخوف منه ﷿، قلب خاضع متذلل بين يدي الله ﵎ يرجوه عفوه ويخاف عقابه، بأنه قلب حي بذكر الله وتسبيحه وتحميده، أما خشوع المنافق فهو خشوع صادر عن قلب مظلم لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، قلب يظهر على جوارح صاحبه التصنع والتكلف حتى يستر سواد قلبه، لأنه قلب لم يستضئ بنور الإيمان، ولم يذق حلاوته وطعمه.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الفرق بين خشوع الإيمان
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٦) وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٩٥) وأحمد في الزهد (١٧٦) والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦٤) كلهم ذكروه من قول أبي الدرداء ﵁. وذكره البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٢٧) من قول أبي هريرة ﵁، كما ورد مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - من حديث أبي بكر الصديق ﵁ بلفظ: "تعوذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: يا رسول الله وما خشوع النفاق؟ قال: خشوع البدن ونفاق القلب" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦٤) قال العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ٣٣١) وفيه الحارث بن عبيد الأيادي ضعفه أحمد وابن معين. وأخرجه أيضًا ابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٩٣) في ترجمة سوار بن مصعب الهمذاني، وقال: ولسوار غير ما ذكرت من الحديث وعامة ما يرويه ليست محفوظة وهو ضعيف كما ذكروه.
(٢) الخشوع في الصلاة (ص ١٣، ١٤).
[ ٣٧٠ ]
وخشوع النفاق أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلب لله أما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعًا وتكلفًا والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوة النفس للخوف والوقار الذي خشي به، وخمدت الجوارح وتوقر القلب وأطمئن إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتًا له، وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعًا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة" (^١).
٦ - المحبة
دلت الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة على وجوب محبة الله ﷾ وتقديم محبته ﷾ على سائر المحاب.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ (^٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاث
_________________
(١) الروح لابن القيم (٢/ ٦٩٤، ٦٩٥).
(٢) سورة آل عمران آية (٣١).
(٣) سورة التوبة آية (٢٤).
[ ٣٧١ ]
من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (^١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده والناس أجمعين" (^٢).
وفيهما أيضًا عنه ﵁ أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - "متى الساعة؟ فقال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله فقال رسول الله - ﷺ -: "أنت مع من أحببت" (^٣).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الدالة على أن المحبة نوع من أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده دون سواه وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا النوع من العبادة وبين أهميته وما يتعلق به من المسائل.
فقال رحمه الله تعالى في أهمية هذا النوع من العبادة: "فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام، لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله، وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله تعالى وخشيته، وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب فيقع العبد بسبب ذلك في التفريط في بعض
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٣٢).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٣٢).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله (٧/ ١١٣) ومسلم: كتاب البر والصلة، باب المرء مع من يحب (٤/ ٢٠٣٢).
[ ٣٧٢ ]
الواجبات وارتكاب بعض المحظورات، فإن من تحقق قلبه بتوحيد الله فلا يبقى له هم إلا في الله، وفيما يرضيه به" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات، فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فإذا كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد، نشأت عنه حركات الجوارح، فكانت تحب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحب ما يحبه الله ﷿ من الأعمال والأقوال كلها (^٣).
كما بين رحمه الله تعالى درجات محبة الله ﷿ فقال: "ومحبة الله تعالى على درجتين:
إحداهما: فرض لازم وهي أن يحب الله سبحانه محبة توجب له محبة ما فرضه الله عليه وبغض ما حرمه عليه، ومحبة لرسوله المبلغ عنه أمره ونهيه وتقديم محبته على النفوس والأهلين والرضا بما بلغه
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٦٨، ١٦٩).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٥).
(٣) اختيار الأولى (ص ١٢٤).
[ ٣٧٣ ]
عن الله من الدين، وتلقي ذلك بالرضا والتسليم، ومحبة الأنبياء والرسل والمتبعين لهم بإحسان جملة وعمومًا لله ﷿، وبغض الكفار والفجار جملة وعمومًا لله ﷿، وهذا القدر لابد منه في تمام الإيمان الواجب، ومن أخل بشيء منه فقد نقص من إيمانه الواجب بحسب ذلك، قال الله ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^١).
وكذلك ينقص من محبته الواجبة بحسب ما أخل به من ذلك، فإن المحبة الواجبة تقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات
الدرجة الثانية: درجة السابقين المقربين وهي أن ترتقي المحبة إلى محبة ما يحبه الله من نوافل الطاعات، وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات وإلى الرضا بما يقدره ويقتضيه مما يؤلم النفوس من المصائب، وهذا فضل
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: يقول الله ﷿: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته (^٢) (^٣)
_________________
(١) سورة النساء آية (٦٥).
(٢) تقدم تخريجه (ص ١٦٨).
(٣) استنشاق نسيم الأنس (ص ٤) وما بعدها، وانظر: اختيار الأولى (ص ١١٥ - ١١٨).
[ ٣٧٤ ]
كما أوضح رحمه الله تعالى أن من لوازم محبة الله تعالى محبة أوليائه،، ومحبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال، فقال في شرح قوله - ﷺ - في الدعاء "وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك " (^١).
قال: "ولما كانت محبة الله ﷿ لها لوازم، وهي محبة ما يحبه الله ﷿ من الأشخاص والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، سأل النبي - ﷺ - الله تعالى مع محبته محبة شيئين آخرين:
إحداهما: محبة من يحب ما يحب الله تعالى، فإن من أحب الله أحب أحباءه فيه، ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم، وأعظم من تجب محبته في الله تعالى أنبياؤه ورسله، وأعظمهم نبيه محمد - ﷺ - الذي افترض الله على الخلق كلهم متابعته، وجعل متابعته علامة لصحة محبته كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (^٢).
وتوعد من قدم محبة شيء من المخلوقين على محبته ومحبة رسوله - ﷺ -، ومحبة الجهاد في سبيله في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ (^٣) الآية.
ووصف المحبين له باللين للمؤمنين والرأفة والرحمة والمحبة لهم، والشدة على الكافرين والبغض لهم، والجهاد في سبيله فقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ﴾ (^٤) الآية.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٩٠) وهو حديث اختصام الملأ الأعلى.
(٢) سورة آل عمران آية (٣١).
(٣) سورة التوبة آية (٢٤).
(٤) سورة المائدة آية (٥٤).
[ ٣٧٥ ]
والثاني: محبة ما يحبه الله تعالى من الأعمال، وبها تبلغ إلى حبه، وفي هذا إشارة إلى أن درجة المحبة لله تعالى إنما تنال بطاعة الله وبفعل ما يحبه، فإذا امتثل العبد أوامر مولاه وفعل ما يحبه أحبه الله تعالى ورقاه إلى درجة محبته كما في الحديث الإلهي الذي خرجه البخاري (^١): "وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه " (^٢).
كما أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الأعمال التي توصل إلى محبة الله تعالى لعبده فقال: "أفضل ما تستجلب به محبة الله ﷿ فعل الواجبات وترك المحرمات، ولهذا جعل النبي - ﷺ - من علامات وجدان حلاوة الإيمان أن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار ثم بعد ذلك الاجتهاد في نوافل الطاعات وترك دقائق المكروهات والمشتبهات ومن أعظم ما يحصل به محبة الله تعالى من النوافل تلاوة القرآن خصوصًا مع التدبر ولهذا قال النبي - ﷺ -: "لمن قال: إني أحب سورة (قل هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن، فقال: "أخبروه أن الله يحبه " (^٣).
ومن الأعمال التي توصل إلى محبة الله تعالى -وهي أعظم علامات المحبين كثرة ذكر الله ﷿ بالقلب واللسان ومن علامات المحبين لله وهو ما يحصل به المحبة أيضًا حب الخلوة بمناجات الله تعالى وخصوصًا في ظلمة الليل (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٦٨).
(٢) اختيار الأولى (ص ١١٩) وما بعدها.
(٣) تقدم تخريجه (ص ٢٢٦).
(٤) اختيار الأولى (ص ١٢١) وما بعدها، وانظر: جامع العلوم والحكم (٣/ ١٦٢، ١٦٣).
[ ٣٧٦ ]
كما أوضح الله تعالى أن المحبة وحدها لا تكفي بل لابد معها من الخوف والرجاء وهذه هي أصول العبادة التي تبنى عليها قال رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "إن العبادة إنما تبنى على ثلاثة أصول: الخوف والرجاء والمحبة، وكل منها فرض لازم، والجمع بين الثلاثة حتم واجب، فلهذا كان السلف يذمون من تعبد بواحد منها وأهمل الآخرين، فإن بدع الخوارج، ومن أشبههم إنما حدثت من التشديد في الخوف والإعراض عن المحبة والرجاء، وبدع المرجئة (^١) نشأت من التعلق بالرجاء وحده، والإعراض عن الخوف، وبدع كثير من أهل الإباحة والحلول ممن ينسبون إلى التعبد نشأت من إفراد المحبة والإعراض عن الخوف والرجاء (^٢).
كما رد رحمه الله تعالى على من انحرف بالمحبة عن معناها الصحيح إلى معان أخرى بعيدة عن دلالات الكتاب والسنة فقال: "وقد كثر في المتأخرين المنتسبين إلى السلوك تجريد الكلام في المحبة وتوسيع القول فيها بما لا يساوي على الحقيقة مثقال حبة إذ هو عار عن الاستدلال بالكتاب والسنة، وخال من ذكر كلام من سلف من سلف الأمة وأعيان الأئمة وإنما هو مجرد دعاوي قد تشرف بأصحابها على مهاوي، وربما أستشهد وبأشعار عشاق الصور، وفي ذلك ما فيه من عظيم
_________________
(١) الإرجاء له معنيان أحدهما: بمعنى التأخير، وسمي المرجئة بهذا المعنى لأنهم يؤخرون الأعمال عن النية والعقد في الإيمان، والمعنى الثاني: الإرجاء بمعنى إعطاء الرجاء وسموا مرجئة بهذا المعنى لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. والمرجئة أصناف وفرق كثيرة منهم الغلاة كالجهمية، ومنهم دون ذلك ويجمعهم القول بأن الأعمال ليست من الإيمان. مقالات الإسلاميين (٢/ ٢١٣) والفصل في الملل والنحل (٥/ ٧٣) الملل والنحل (١/ ١٣٩).
(٢) لطائف المعارف (ص ٤).
[ ٣٧٧ ]
الخطر، وقد يحكمون حكايات العشاق ويشيرون إلى التأدب بما سلكوه من الآداب والأخلاق، وكل هذا ضرر عظيم، وخطره جسيم وقد يكثر ذكر المحبة ويعيدها ويبديها من هو بعيد عن التلبس بمقدماتها ومبادئها (^١).
ويقول رحمه الله تعالى: ومن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والاشتغال بذكره وخدمته، فأوجب له ذلك القرب منه، والزلفى لديه، والحظ عنده كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢).
ففي هذه الآية إشارة إلى أن من أعرض عن حبنا، وتولى عن قربنا ولم يبال، استبدلنا به عن هو أولى بهذه المنحة منه وأحق فمن أعرض عن الله فما له عن الله بدل، ولله منه أبدال ثم ذكر وصف الذين يحبهم الله ويحبونه فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني أنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح، ويعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم والغلظة لهم، فلما أحبوا الله أحبوا أولياءه الذين يحبونه، فعاملوهم بالمحبة والرأفة والرحمة، وبغضوا أعداءه الذين يعادونه، فعاملوهم بالشدة والغلظة كما قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣).
فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "حذر طوائف من العلماء ممن يكثر
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٤).
(٢) سورة المائدة آية (٥٤).
(٣) سورة الفتح آية (٢٩).
(٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٥٧ - ١٥٩).
[ ٣٧٨ ]
دعوى الشوق والمحبة لما ظهر منهم من الشطح والدعاوي، بل والإباحة والحلول وغير ذلك من المفاسد وكان بعض هؤلاء يقول: إذا لم أجن بك يا حبيبي فبمن؟ ومن هؤلاء من كان يسمى مجنونًا ويسمون عقلاء المجانين، وكانت أقوالهم وأفعالهم محفوظة غالبًا، ويصدر منهم من الكلام الحسن شيء كثير، وقد غلط طوائف من المتأخرين في أمرهم فظنوا أن حالهم هو غاية الكمال وهذا خطأ قبيح جدًا، ثم أدخلوا في طبقتهم من ليس منهم من المجانين الذين لا حكمة لديهم، ولا ظهر شيء من الأحوال الصحيحة عليهم وإنما يظهر منهم مخالفة الشريعة بالأَعمال والأقوال الشنيعة، ولكن أحسنوا الظن بهم لما يظهر من بعضهم من الأخبار بالمغيبات في بعض الأحيان مما قد أكثر منه من الرهبان والكهان، ونشأ بهذا السبب اعتقاد أن الأولياء لهم طريقة غير طريقة الأنبياء، وأنهم واقفون مع الحقيقة ولا يتقيدون بالشريعة، إلى غير ذلك من أنواع الضلال والبدع الفظيعة (^١).
كما بين رحمه الله تعالى أن محبة الرسول - ﷺ - تابعة لمحبة الله ﷿ لأن الله ﷾ أمرنا بمحبته وطاعته وأنه لا تتم محبة الله ﷾ إلا بمحبة الرسول - ﷺ - وأتباعه وطاعته فقال: إن محبة الرسول إنما هي تابعة لمحبة الله جل وعلا، فإن الرسول إنما يحب موافقة لمحبة الله له، ولأمر الله بمحبته وطاعته واتباعه " (^٢).
وقال: "وقد قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (^٣) وكذلك ورد في السنة في أحاديث كثيرة جدًا والمراد
_________________
(١) استنشاق نسيم الأنس (ص ٩٧) وما بعدها.
(٢) المصدر السابق (ص ٨).
(٣) سورة التوبة آية (٢٤).
[ ٣٧٩ ]
أن الله تعالى لا يوصل إليها إلا عن طريق رسوله - ﷺ - باتباعه وطاعته ومحبة الرسول - ﷺ - على درجتين:
إحداهما: فرض وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول - ﷺ - من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الإتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر به، وطاعته فيما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لابد منه ولا يتم الإيمان بدون.
والدرجة الثانية: فضل وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به وتحقيق الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، وكثرة الصلاة عليه وتعظيمه وتوقيره ومحبة استماع كلامه وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين، ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا والاجتزاء باليسير منها ورغبته في الآخرة" (^١).
_________________
(١) استنشاق نسيم الأنس (ص ٣٤، ٣٥) وانظر فتح الباري (١/ ٤٨).
[ ٣٨٠ ]
المبحث الرابع بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين
ذكرت فيما سبق أن عبادة الله وحده لا شريك له هي الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، ولا تعرف العبادة إلا عن طريق الشرع فليس لأحد أن يعبد الله ﵎ إلا بما جاء في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - مع حسن النية وصلاح القصد في العبادة وبهذا يتبين لنا أنه لابد لصحة أي عمل نريد أن نتقرب به إلى الله ﷿ من شرطين أساسين مجتمعين، إذا فقد شرط منهما فإن العمل يكون مردودًا على عامله وهذان الشرطان هما:
١ - أن يكون العمل خالصًا لوجه الله ﷾ وحده دون سواه.
٢ - أن يكون العمل موافقًا لما شرعه الله تعالى في كتابه أو بينه رسولنا - ﷺ - في سنته.
وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذين الشرطين في مواضع مختلفة من مؤلفاته، وبين أهميتها في كل عمل يتقرب به العبد إلى الله ﷿.
من ذلك قوله رحمه الله تعالى: "الدين يرجع إلى فعل المأمورات وترك المحظورات والتوقف على الشبهات ، وإنما يتم ذلك بأمرين:
أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة وهذا هو
[ ٣٨١ ]
الذي يتضمنه حديث عائشة: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (^١).
الثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ﷿ كما تضمنه حديث عمر "الأعمال بالنيات" (^٢).
وقال الفضيل (^٣) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٤) قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، قال: والخالص إذا كان لله ﷿، والصواب إذا كان على السنة.
وقد دل على هذا الذي قال الفضيل قوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٥) (^٦).
وقال رحمه الله تعالى: "فكما أن كل عمل لا يراد به الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود (٣/ ١٦٧) ومسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور (٣/ ١٣٤٣).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف بدأ الوحي (١/ ٢) ومسلم: كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنية" (٣/ ١٥١٥).
(٣) الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الخراساني الإمام القدوة الثبت، قال النسائي وغيره: ثقة مأمون رجل صالح، توفي سنة (١٨٧). وفيات الأعيان (٤/ ٤٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٥) وشذرات الذهب (١/ ٣٦١).
(٤) سورة الملك آية (٢).
(٥) سورة الكهف آية (١١٠).
(٦) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٦، ٢٧).
[ ٣٨٢ ]
ورسوله فليس من الدين في شيء (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: وليس الفضائل بكثرة الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصة لله ﷿، صوابًا على متابعة السنة وبكثرة معارف القلوب وأعمالها، فمن كان بالله أعلم وبدينه وأحكامه وشرائعه، وله أخوف وأحب وأرجى فهو أفضل ممن ليس كذلك، وإن كان أكثر منه عملًا بالجوارح" (^٢).
هذه هي الشروط التي قررها ابن رجب رحمه الله تعالى لقبول العمل، وقد قررها العلماء أيضًا قبل وبعد ابن رجب رحمه الله تعالى وهي شروط استنبطها العلماء رحمهم الله تعالى من كتاب الله ﷾ وسنة رسوله - ﷺ -، وهذان الشرطان هما حقيقة قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وتخلف هذين الشرطين ينتح عنه إما الشرك بالله ﷿ وهو الذنب الذي لا يغفره الله ﷿ إلا التوبة.
وإما الابتداع في دين الله ﷿، والتقرب إليه بما لم يشرعه وفي هذا تنقيص للدين ولمن جاء به وهو رسول الله - ﷺ -.
وسيأتي الكلام عن الشرك والبدع مفصلًا في الفصل القادم إن شاء الله تعالى.
وينقسم الناس بالنسبة لهذين الشرطين حسب وجودها وعدمها إلى أربعة أقسام هي:
القسم الأول: وهم المخلصون لله ﵎ في جميع أعمالهم
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤١).
(٢) المحجة في سير الدلجة (ص ٥٢).
[ ٣٨٣ ]
السائرون على هدى المصطفى - ﷺ -، فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورًا، وكذلك جميع أعمالهم وعبادتهم موافقة لما جاء في كتاب الله تعالى وسنة المصطفى - ﷺ -، وهؤلاء هم أهل الإخلاص والمتابعة للمعبود.
القسم الثاني: وهم من لا إخلاص لهم ولا متابعة، فأعمالهم ليست خالصة لله وليست موافقة لشرعه، كالذين يزينون أعمالهم للناس بما لم يشرعه الله ورسوله، وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله ﷿.
القسم الثالث: وهم الذين يخلصون أعمالهم لله ﵎، لكنها على غير موافقة شرع الله ﵎ وهؤلاء كجهال العباد والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر كالذين يرون أن مواصلة صوم النهار بالليل قربة، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة، فهؤلاء أعمالهم خالصة ولكنها غير موافقة لشرع الله، فهي مردودة عليهم لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه وموافقًا لشرعه.
القسم الرابع: وهم الذين أعمالهم موافقة لشرع الله ﵎ لكنها لغيره كالذي يصلي ليقال، وكالذي يقاتل رياء وحمية وشجاعة فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير صالحة لأنها غير خالصة لوجه الله ﵎ فلا تقبل.
هذه الأقسام الأربعة لخصتها من كتاب مدارج السالكين (^١) لابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.
والخلاصة في هذا كله أن العبادات كلها مدارها على الإخلاص والمتابعة، ومن لم يحقق هذا فليس عابدًا لله على الحقيقة وإن فعل ما فعل وقال ما قال.
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٨٣).
[ ٣٨٤ ]
الفصل الخامس نواقض التوحيد
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: الشرك وكلام ابن رجب عليه. ويشتمل على عدة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الشرك لغة.
المطلب الثاني: تعريف الشرك شرعًا وبيان أقسامه.
أمثلة للشرك الأصغر.
كلامه في حكم عمل المرائي.
حمد الناس العبد على الخير لا يعد من الرياء.
المبحث الثاني: النفاق وكلام ابن رجب عليه. وفيه عدة أمور:
١ - تعريف النفاق.
٢ - أقسام النفاق.
٣ - خوف السلف من النفاق لخطورته وخفائه.
[ ٣٨٥ ]
المبحث الثالث: البدع وكلام ابن رجب عليها وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: معنى البدعة في اللغة والشرع والأدلة على التحذير من البدع والبُعد عنها.
المطلب الثاني: أنواع البدع.
المطلب الثالث: الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب على ذلك.
المطلب الرابع: نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها.
المطلب الخامس: حكم البدع وأهلها.
المبحث الرابع: الغلو وكلام ابن رجب عليه.
المبحث الخامس: مسائل متفرفة متعلقة بهذا الفصل.
[ ٣٨٦ ]
المبحث الأول الشرك وكلام ابن رجب عليه
سوف يكون الحديث في هذا المبحث عن الشرك ومعناه اللغوي والإصطلاحي وبيان أقسامه باختصار مع بيان الأدلة على ذلك، مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الموضوع الذي لا يمكن للإنسان أن يحذر منه ومن الوقوع فيه إلا إذا عرفه وعرف خطره، ولذا يجب على كل مسلم معرفته ليسلم منه وليكون على بينة من أمره حتى لا يقع فيه لأنه إذا لم يعرفه ربما يقع فيه وهو لا يدري ولذلك كان حذيفة ﵁ يسأل رسول الله - ﷺ - عن الشر مخافة أن يقع فيه كما جاء في الصحيحين عنه ﵁ أنه قال: "كان الصحابة يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني" (^١).
وبسبب الجهل بالشرك وأنواعه نرى كثيرًا من المسلمين اليوم قد وقع فيه، فلا تكاد تجد بلدًا من بلاد المسلمين إلا وترى فيها تقديس القبور والنذر لها والذبح عندها والإستغاثة بأهلها وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات إلى غير ذلك من الأمور التي لا يجوز صرفها لغير الله ﷿ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا سلامة للإنسان من عذاب الله تعالى إلا بالبُعد عن الشرك بأنواعه فقال: "فالقلب السليم هو
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الفتن (٨/ ٩٣) ومسلم: كتاب الإمارة (٣/ ١٤٧٥).
[ ٣٨٧ ]
الذي ليس فيه شيء من محبة ما يكرهه الله، فدخل في ذلك سلامته من الشرك الجلي والخفي ومن الأهواء والبدع، ومن الفسوق والمعاصي كبائرها وصغائرها الظاهرة والباطنة كالرياء والعجب والغل والغش والحقد والحسد وغير ذلك.
وهذا القلب السليم هو الذي لا ينفع يوم القيامة سواه قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ (^١) (^٢).
_________________
(١) سورة الشعراء آية (٨٨، ٨٩).
(٢) شرح حديث شداد بن أوس: ورقة (١١٤).
[ ٣٨٨ ]
المطلب الأول تعريف الشرك لغة
جاء في تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك وهو بمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار" (^١).
وذكر صاحب مقاييس اللغة أن مادة "الشرك" المكونة من حرف "الشين والراء والكاف" لها أصلان:
أحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة، فالأول: الشركة وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ (^٢) ويقال في الدعاء: "اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين" أي اجعلنا لهم شركاء في ذلك.
وأما الثاني: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شراك الصائد سمى ذلك لامتداده (^٣).
وقال صاحب اللسان: "الشِّرْكة والشَّرِكة سواء مخالطة الشريكين يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا وشارك
_________________
(١) تهذيب اللغة (١٠/ ١٧).
(٢) سورة طه آية (٣٢).
(٣) مقاييس اللغة (٣/ ٣٦٥).
[ ٣٨٩ ]
أحدهما الآخر، والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء" (^١).
فمدلول كلمة الشرك في اللغة تطلق على النصيب والتسوية والمخالطة والمصاحبة.
_________________
(١) لسان العرب (١٠/ ٤٤٨).
[ ٣٩٠ ]
المطلب الثاني الشرك في الشرع وبيان أقسامه
الشرك هو أن يجعل الإنسان لله تعالى شريكًا وندًا فيما يجب أن يكون حقًا خالصًا لله تعالى بمعنى أن يصرف شيئًا من خصائص الربوبية والألوهية لغير الله ﵎ وهو ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأقسام فقال: "وأما توحيد الإلهية فالشرك فيه تارة يوجب الكفر والخروج من الملة، والخلود في النار، ومنه ما هو أصغر كالحلف بغير الله والنذر له، وخشية غير الله ورجائه والتوكل عليه والذل له، وقول القائل: ما شاء الله وشئت (^١).
وقال رحمه الله تعالى عن الشرك الأكبر: "ظلم النفس وأعظمه الشرك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢) فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق فعبده وتألهه، فهو وضع الأشياء في غير مواضعها وأكثر ما ذكر في القرآن وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون كما قال الله ﷿: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٣) " (^٤).
وقال عن الشرك الأصغر: " وإنما زاد عذاب أهل الرياء على
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٠٢).
(٢) سورة لقمان آية (١٣).
(٣) سورة البقرة آية (٢٥٤).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٨١).
[ ٣٩١ ]
سائر العصاة، لأن الرياء هو الشرك الأصغر، والذنوب المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره" (^١).
وقال رحمه الله تعالى عن النوعين جميعًا: "فإن جميع النعم من الله وفضله فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاد أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة، ومع اعتقاد أنه من الله فهو شرك خفي" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى في بيان النوعين وأمثلتهما بعد أن تكلم عن أنواع العبادة "فمن أشرك مخلوقًا في شيء من الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشأها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه والعمل لأجله كما ورد إطلاق الشرك على الرياء وعلى الحلف بغير الله والتوكل على غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة، والرقي المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون، وكدلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادح في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرك على كثير من الذنوب التي منشأها من هوى النفس أنها كفر وشرك كقتال المسلم، ومن أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمرة، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملة بالكلية، ولهذا قال السلف: كفر دون كفر، وشرك دون شرك" (^٣).
_________________
(١) التخويف من النار (٢٢٣).
(٢) لطائف المعارف (ص ٧٠).
(٣) كلمة الإخلاص (ص ٢٣ - ٢٥).
[ ٣٩٢ ]
وخلاصة كلام ابن رجب رحمه الله تعالى أن الشرك ينقسم إلى قسمين:
١ - شرك أكبر:
وهو أن يتخذ العبد ندًا لله تعالى في العبادة يدعوه أو ينذر له أو يذبح له أو يخافه أو يصرف له أي نوع من أنواع العبادة، وهذا النوع من الشرك يخرج من الملة الإسلامية، وقد توعد الله صاحبه بالخلود في النار وحرّم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (^١) لأن الله ﷾ لا يغفر لمن مات عليه أبدًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ (^٢) كما أن الله ﷾ لا يقبل من مشرك عملًا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (^٤).
وقد حذر النبي - ﷺ - من الشرك وبيّن عاقبته السيئة التي تلحق بالمشرك إذا رجع إلى الله تعالى وهو لم يتب منه.
من ذلك قوله - ﷺ -: "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار" (^٥).
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت
_________________
(١) سورة المائدة آية (٧٢).
(٢) سورة النساء آية (١١٦).
(٣) سورة الكهف آية (١١٠).
(٤) سورة الفرقان آية (٢٣).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب التفسير (٥/ ١٥٣).
[ ٣٩٣ ]
رسول الله - ﷺ - يقول: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" (^١).
ومنها حديث جابر ﵁ قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" (^٢).
ومنها حديثه الآخر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار" (^٣).
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تبيّن أن الشرك أكبر الكبائر وأعظم المعاصي، وأظلم الظلم، وأعظم المحرمات وأنه لا يغفر لصاحبه إلا إذا تاب في وقت التوبة وإلا فهو إن مات مصرًا عليه صار من أهل النار.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له، وأشد مقتًا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على، ذنب سواه وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس ومنعهم من قربان حرمه، وحرّم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له ﷾، ولملائكته ورسله وللمؤمنين وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز (٢/ ٦٩) ومسلم: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار (١/ ٩٤).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار (١/ ٩٤).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار (١/ ٩٤).
[ ٣٩٤ ]
وتنقص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين" (^١).
٢ - الشرك الأصغر:
وهو كل وسيلة يتوصل بها إلى الشرك ما لم يبلغ درجة العبادة، وهو غير مخرج من الملة إلا إذا بلغ درجة الشرك الأكبر، وهو من أكبر الكبائر، وصاحبه لا يخلد في النار بل هو تحت مشيئة الله تعالى كسائر الذنوب والمعاصي التي دون الشرك الأكبر إن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) وهو معتقد أهل السنة والجماعة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق (^٣) أمثلة لهذا النوع من الشرك وهي:
١ - الحلف بغير الله كأن يحلف بالنبي أو الكعبة أو الأمانة أو الحياة أو بولي من الأولياء أو بالشرف أو بغير ذلك من المخلوقات، فكل ذلك من الشرك الذي يدخل في قوله - ﷺ -: "من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك" (^٤) وذلك لأن الحلف تعظيم، والتعظيم لا يكون إلا لمن يستحقه وهو الله ﷾.
٢ - قول: "ما شاء الله وشاء فلان"، وما شابهها من العبارات التي
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٦٠).
(٢) سورة النساء آية (٤٨، ١١٦).
(٣) (ص ٣٧٧).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ١٢٥) وأبو داود: كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالأباء (٣/ ٥٧٠) والترمذي: كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (٤/ ١١٠) وقال: حديث حسن. والحاكم (١/ ٥٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
[ ٣٩٥ ]
تكون وسيلة إلى الشرك كقول: "مالي إلا الله وأنت" وقول "هذا من الله ومنك" وغيره، والواجب أن يقول "ما شاء الله ثم شاء فلان" أو "مالي إلا الله ثم أنت" "وهذا من الله ثم منك" وهكذا لأن الواو تقتضي التشريك والتسوية، وثم تفيد الترتيب والتعقيب، وكل هذه الألفاظ داخلة تحت نهيه - ﷺ - عن ذلك، كما جاء عن حذيفة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (^١).
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: "ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله عدلًا، لا بل ما شاء الله وحده" (^٢).
وعن قُتَيْلَة بنت صيفي الأنصارية ﵂: أن يهوديًا أتى النبي - ﷺ - فقال: "إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي - ﷺ - إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت" (^٣).
وجاء في الأثر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (^٤) قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول: "والله وحياتك يا فلانة وحياتي" ويقول: "لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ولولا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٤) وأبو داود: كتاب الأدب، باب لا يقال خبثت نفسي (٥/ ٢٥٩)، والحديث صححه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٥٤) حديث رقم (١٣٧).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٢٣١).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٧١) والنسائى: كتاب الأيمان والنذور (٧/ ٦).
(٤) سورة البقرة آية (٢٢).
[ ٣٩٦ ]
البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك" (^١).
فقد بيّن ابن عباس ﵄ أن هذه الألفاظ ونحوها من الألفاظ الشركية الخفية التي يجب على كل مسلم أن يبتعد عنها كما دلّت على ذلك الأحاديث السابقة.
٣ - الرياء:
وهو أن يعمل الإنسان عملًا يرائي به الناس فيحسنه ويزيد في تحسينه من أجل أن يراه الناس فيحمدونه عليه ويثنون عليه بالصلاح، وهو من أخطر الذنوب، لأنه من الأعمال القلبية التي لا يطلع عليها إلا الله ﷿، فمن صلى يرائي أو زين صلاته رياء أو صام أو حج يرائي أو تصدق يرائي أو جاهد في سبيل الله يرائي، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر يرائي أو قال أي قول أو عمل أي عمل يرائي فيه فقد أشرك الشرك الأصغر.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "أول من تسعر به النار من الموحدين العباد المراءون بأعمالهم، أولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء لأن يسير الرياء شرك" (^٢).
وقد حذر النبي - ﷺ - منه وسماه شركًا أصغر، وخاف على الصحابة ﵃ منه وهم أبر الأمة أعمالًا وأقواها إيمانًا، وأحسنها أخلاقًا، وأصدقها أقوالًا، عن محمود بن لبيد أن رسول الله - ﷺ - قال:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٨١) وقال صاحب تيسير العزيز الحميد (ص ٥٢٣) سنده جيد.
(٢) كلمة الإخلاص (ص ٣٩).
[ ٣٩٧ ]
"إن اخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، إن الله يقول يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء أو خيرًا" (^١).
وعن شداد بن أوس ﵁ قال: "كنا على عهد رسول الله - ﷺ - نعد الشرك الأصغر الرياء" (^٢).
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به" (^٣).
وعن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك" (^٤).
كلامه في حكم عمل المرائي:
فصل ابن رجب رحمه الله تعالى القول في حكم عمل المرائي وما يترتب على ذلك من قبول للعمل أو رده، وقسم ذلك إلى أقسام هي:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨) والطبراني في الكبير (٤/ ٢٩٩) والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥) قال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٦٩) رواه أحمد بإسناد جيد، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٢) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ٢١٧) والطبراني في الكبير (٧/ ٣٤٦) والحاكم (٤/ ٣٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢٢) رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجالهما رجال الصحيح غير يعلى بن شداد وهو ثقة.
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٤/ ٢٢٨٩).
(٤) أخرجهما أحمد (٤/ ١٢٦) والطبراني في الكبير (٧/ ٣٣٧) والحاكم (٤/ ٣٢٩) وصححه.
[ ٣٩٨ ]
أولًا: إذا كان العمل لله، وشاركه الرياء من أصله فإن هذا العمل باطل ومردود على صاحبه، ودلّت على بطلانه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تبيّن وجوب إخلاص العمل لله ﵎ وترك الرياء، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا: وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "يقول الله ﵎: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) (^١).
وخرّج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي - ﷺ - قال: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله ﷿ يقول: (أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئًا، فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني).
وخرّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة -وكان من الصحابة- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ﷿، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" (^٢).
وخرّج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا غزًا يلتمس الأجر
_________________
(١) مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٤/ ٢٢٨٩).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٦) والترمذي: كتاب التفسير، باب ومن سورة الكهف (٥/ ٣١٤) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة (٢/ ١٤٠٦) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٠٧) والحديث صححه الألباني كما في صحيح الجامع (١/ ١٩٠).
[ ٣٩٩ ]
والذكر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا شيء له" ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغى به وجهه" (^١).
وخرّج الحاكم من حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رجل يا رسول الله: إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله - ﷺ - شيئًا حتى نرلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾ (^٢) (^٣).
وممن يروى عنه هذا المعنى -أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا- طائفة من السلف، منهم: "عبادة بن الصامت" و"أبو الدرداء" و"الحسن" و"سعيد بن المسيب" (^٤) وغيرهم ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا إلى أن قال: "فإن خالط نية الجهاد مثل نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده، ولم يبطل بالكلية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجّلوا ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم" (^٥).
_________________
(١) أخرجه النسائي: كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر (٦/ ٢٥) وقال الحافظ العراقي: إسناده حسن، وتخريج الإحياء (٤/ ٣٧٤).
(٢) سورة الكهف آية (١١٠).
(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ١١١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٤) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار، اتفق العلماء على أن مرسلاته أصح المراسيل، قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، توفي رحمه الله تعالى سنة ٩٤ هـ. طبقات ابن سعد (٥/ ١١٩) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ٨٤).
(٥) صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم (٣/ ١٥١٥).
[ ٤٠٠ ]
وقد ذكرت فيما مضى أحاديث (^١) تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا (^٢).
ثانيًا: إذا كان العمل لله ﷿ وشاركه الرياء في أثنائه هل يبطل العمل أم لا؟ يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، ويستدل لهذا القول بما خرّجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني (^٣) أن رجلًا قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: "كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا" (^٤).
وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق
_________________
(١) كحديث أبي أمامة الذي سبق (ص ٣٩٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤ - ٣٧).
(٣) عطاء بن أبي مسلم الخراساني في المحدث الواعظ، أرسل عن عدد من الصحابة، وقد وثقه ابن معين وغيره، قال الدارقطني: هو في نفسه ثقة لكن لم يلق ابن عباس، يعني أنه يدلس، توفي سنة ١٣٥ هـ. الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ١٤٠) وتهذيب التهذيب (٧/ ٢١٢).
(٤) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ١٦٣).
[ ٤٠١ ]
المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء لطارئه عليه، ويحتاج إلى تجديد نية (^١).
وهذا كله في الحقيقة يدل على خطر الشرك كبيره وصغيره، وأنه بقدر ما تكون نسبته في العمل يكون الإحباط فيه أشمل وأعم، وهذا مما يوجب على المسلم الحذر من الشرك والابتعاد عنه، وعدم الإستهانة به، وقد حذر النبي - ﷺ - أمته منه، وخاف عليهم منه أشد من خوفه عليهم من المسيح الدجال الذي هو شر غائب ينتظر فمع خطورة المسيح الدجال، فالرياء أشد خطرًا وأعظم منه أثرا على المسلمين لما جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" (^٢).
فهذا يدل على حرصه - ﷺ - وشفقته على أمته ونصحه لهم وتحذيره مما يخاف عليهم منه يقول صاحب فتح المجيد تعليقًا على هذا الحديث: "هذا من شفقته - ﷺ - بأمته ورحمته ورأفته بهم، فلا خير إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه فإذا كان الشرك الأصغر مخوفًا على أصحاب رسول الله - ﷺ - مع كمال علمهم وقوة إيمانهم، فكيف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصًا إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨، ٣٩).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠) وابن ماجه: كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة (٢/ ١٤٠٦) والحاكم (٤/ ٣٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٤٠٢ ]
الإخلاص عن كل ما سوى الله" (^١).
والرياء الذي يعتبر شركًا أصغر إنما هو يسير الرياء وليس كثيره لأن الكثير منه قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر وذلك بحسب قصده ونيته، وهذا لا يصدر إلا من المنافقين الذين توعدهم الله ﷿ بالدرك الأسفل من النار كما أنه يصدر عن من لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: فتارة يكون -أي العمل- رياء محضًا، بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) ﴾ (^٣).
وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (^٤)، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة (^٥).
بيانه أن حمد الناس للعبد على عمل الخير دون قصد منه لا يعد من الرياء:
بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن حمد الناس لمن عمل الخير
_________________
(١) فتح المجيد (ص ٨١).
(٢) سورة النساء آية (١٤٢).
(٣) سورة الماعون آية (٤، ٥).
(٤) سورة الأنفال آية (٤٧).
(٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٤).
[ ٤٠٣ ]
بإخلاص وسروره بذلك لا يعد رياء، لأنه لم يعمل العمل رياء ولا سمعة وإنما عمله لله ﷿ وهو لا يحب إطلاع الناس عليه، وفرحه وسروره بذلك إنما هو فرح وسرور بطاعة الله تعالى وبفضله عليه. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، بفضل ورحمة، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" (^١) خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه (^٢) وعنده "الرجل يعمل العمل فيحبه الناس عليه " (^٣).
وهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن كون هذا النوع من الشرك أصغر لا يعني ذلك احتقاره والتقليل من شأنه، فهو وإن كان أصغر بالنسبة للأكبر إلا أنه معدود من أقسام الشرك وهو من الكبائر بالنسبة لسائر الذنوب، بل قد يكون شركًا أكبر بما يصحبه من قصد ونية والواجب على المسلم أن يحذره وأن يبتعد عنه وأن يتوب منه عند الوقوع فيه حفاظًا على توحيده وأعماله، ومنعًا لاستدراج الشيطان له ووقوعه في أخطر شرك نصبه للبشرية على الإطلاق، أعاذنا الله من الشرك كبيره وصغيره جليه وخفيه.
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة، باب إذا أثنى على الصالح فهو بشرى لا تضر (٤/ ٢٠٣٤).
(٢) سنن ابن ماجه: كتاب الزهد، باب الثناء الحسن (٢/ ١٤١٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩، ٤٠).
[ ٤٠٤ ]
المبحث الثاني النفاق وكلام ابن رجب عليه
١ - تعريف النفاق:
النفاق مشتق من نافقاء اليربوع، لأن اليربوع له جحران: أحدهما يقال له النَافِقاء، والثاني القَاصِعاء.
فالنافقاء موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليه ينشق، وهو يكتمه ويظهر غيره فإذا جاءه من قبل القاصعاء الظاهرة ضرب النافقاء برأسه ثم خرج، فهو يظهر القاصعاء ويخفي النافقاء (^١).
وقيل النفاق مأخوذ من النفق وهو السرب في الأرض.
يقول الجوهري: النَّفَق: سرب في الأرض له مَخْلَص إلى مكان، والنَافِقاء: إحدى جُحَرة اليربوع، يكتمها ويظهر غيرها، وهو موضع يرققه، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي خرج، والنُفقَة أيضًا مثال الهُمزَة: النافقاء. تقول منه نفق اليربوع تَنْفيقًا نافق أي أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين (^٢).
وقال ابن الأثير: قد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسمًا وفعلًا، وهو اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١٠/ ٣٥٩).
(٢) الصحاح (٤/ ١٥٦٠).
[ ٤٠٥ ]
المخصوص به وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا، يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقًا، وهو مأخوذ من النَافِقاء: أحد جُحَرة اليربوع، إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر، وخرج منه. وقيل: هو من النفق: وهو السرب الذي يستتر فيه، لستره كفره (^١).
وقال الراغب الأصفهاني: النفق: الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) ومنه نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع ونفق، ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من باب، والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^٣) أي الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين شرًا من الكافرين فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (^٤) (^٥).
فكلمة النفاق تدل على إظهار الإنسان خلاف ما يبطن في شتى الأمور وهو بذلك يتضمن الدخول في الإسلام ظاهرًا وهو لا يؤمن به باطنًا كما يتضمن غير ذلك مما يكون فيه الظاهر مخالفًا للباطن ولذلك يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى: "سمي المنافق منافقًا لأنه يستر كفره، ويغيبه، فشُبِه بالذي يدخل النفق، وهو السرب فيستتر به " (^٦).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٥/ ٩٨).
(٢) سورة الأنعام آية (٣٥).
(٣) سورة التوبة آية (٦٧).
(٤) سورة النساء آية (١٤٥).
(٥) المفردات في غريب القرآن (ص ٥٠٢).
(٦) شرح السنة (١/ ٧١، ٧٢).
[ ٤٠٦ ]
والخلاصة أن النفاق في اللغة هو إظهار شيء وإبطان خلافه وفي الشرع: هو إبطان الكفر وإظهار الإيمان.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن النفاق وبيّن أقسامه فقال رحمه الله تعالى في تعريفه وبيان أقسامه: النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاق الأكبر: وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ -، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.
والثاني: النفاق الأصغر: وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك، وأصول هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في الأحاديث وهي خمس:
أحدها: أن يحدث بحديث لم يصدق به، وهو كاذب له.
والثاني: إذا واعد أخلف، وهو على نوعين:
أحدهما: أن يعد، ومن نيته أن لا يوفي بوعده، وهذا شر الخلق، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل، كان كاذبًا وخلفًا.
الثاني: أن يعد، ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف.
والثالث: إذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا، والباطل حقًا، وهذا مما يدعو إليه الكذب كما
[ ٤٠٧ ]
قال النبي - ﷺ -: "إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" (^١).
وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (^٢).
وقال - ﷺ -: "إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" (^٣).
وقال - ﷺ -: "إن من البيان لسحرًا" (^٤).
فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة -سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا- على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات، وأخبث خصال النفاق، وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "من خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٧/ ٩٥) ومسلم: كتاب البر والصلة، باب قبح الكذب، وحسن الصدق وفضله (٤/ ٢٠١٢).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٣/ ١٠١) ومسلم: كتاب العلم، باب في الألد الخصم (٤/ ٢٠٥٤).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم (٨/ ١١٢) ومسلم؛ كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (٣/ ١٣٣٧).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الطب، باب إن من البيان لسحرًا (٧/ ٣٠).
(٥) أخرجه أحمد وقال أحمد شاكر: إسناد صحيح. المسند تحقيق أحمد شاكر (٧/ ٢٠٥) وأبو داود: كتاب الأقضية، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها (٤/ ٢٣) والحاكم (٢/ ٢٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٩٨) رواه أبو داود والطبراني بإسناد جيد.
[ ٤٠٨ ]
الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يف بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (^١).
وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ (^٢).
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (^٣).
وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" (^٤). والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -: "من قتل نفسًا معاهدة بغير حقها، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" خرّجه البخاري (^٥).
وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين، إذا أقاموا على عهودهم، ولم ينقضوا منها شيئًا.
وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا، ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها، من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٣٤).
(٢) سورة النحل آية (٩١).
(٣) سورة آل عمران آية (٧٧).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت (٨/ ٦٢) ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر (٣/ ١٣٦١).
(٥) صحيح البخاري: كتاب الديات، باب من قتل ذميًا بغير جرم (٨/ ٤٧).
[ ٤٠٩ ]
الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله ﷿، مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه.
الخامس: الخيانة في الأمانة، فإذا أؤتمن الرجل أمانة، فالواجب عليه أن يردها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^١).
وقال النبي - ﷺ -: "أد الأمانة إلى من ائتمنك" (^٢).
قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ (^٣).
فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.
وخاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن
والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا
ومن أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملًا، ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيء فيتم له
_________________
(١) سورة النساء آية (٥٨).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٤) وأبو داود: كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (٣/ ٨٠٥) والترمذي: كتاب البيوع (٣/ ٥٦٤) وقال: هذا حديث حسن غريب. والدارمي: كتاب البيوع، باب في أداء الأمانة واجتناب الخيانة (٢/ ١٧٨) والحاكم (٢/ ٤٦) وقال: حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(٣) سورة الأنفال آية (٢٧).
[ ٤١٠ ]
ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وحمد الناس له على ما أظهره، ويتوصل به إلى غرضه السيء الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ (^١).
وأنزل في اليهود ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ (^٢).
وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النبي - ﷺ - عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، وما سئلوا عنه قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في الصحيحين (^٣).
وفيهما أيضًا عن أبي سعيد: أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي - ﷺ - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافه، فإذا قدم رسول الله - ﷺ - من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا (^٤).
وفي حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: "من غشنا فليس منا،
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٠٧).
(٢) سورة آل عمران آية (١٨٨).
(٣) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ (٥/ ١٧٤) صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ١٣٤٣).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ (٥/ ١٧٤) ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ٢١٤٢).
[ ٤١١ ]
والمكر والخديعة في النار" (^١) (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقد ورد في القرآن تشبيه المنافقين بالخشب المسندة في نظرهم فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (^٣) فوصفهم بحسن الأجسام وتمامها، وحسن المقام والفصاحة حتى أنهم يعجب منظرهم لمن يراهم، ويسمع قولهم من سمعه سماع إصغاء وإعجاب به، ومع هذا فبواطنهم خراب ومعائبهم مهلكة فلهذا مثلهم بالخشب المسندة التي لا دفع لها ولا إحساس وقلوبهم مع هذا ضعيفة في غاية الضعف ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (^٤) لأنهم لما أضمروا خلاف ما أظهروا خافوا من الاطلاع عليهم، فكلما سمعوا صيحة ظنوا أنها عليهم وهكذا كل مريب يظهر خلاف ما يضمر يخاف من أدنى شيء ويتحسر عليه (^٥).
فالنفاق داء عضال، ومرض خطير، ولذلك كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة يخافون منه خوفًا شديدًا لعلمهم بدقة وجله، وما يترتب عليه من الآثار السيئة وقد أشار ابن رجب
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٩) وفي الصغير (١/ ٢٦١) وابن حبان في صحيحه (١/ ٤٧٣) والقضاعي في مسنده (١/ ١٧٥) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٨٩) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥٧٢) رواه الطبراني في الكبير والصغير بإسناد جيد، وابن حبان في صحيحه. وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٦) وأخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن مسعود، والحاكم في المستدرك من حديث أنس، وإسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي هريرة وفي إسناد كل منهما مقال: لكن مجموعها يدل على أن للمتن أصلًا.
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٣٠ - ٣٤٢).
(٣) سورة المنافقون آية (٤).
(٤) سورة المنافقون آية (٤).
(٥) غاية النفع (ص ٢٤).
[ ٤١٢ ]
رحمه الله تعالى إلى ذلك وبين أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يخافون من النفاق أشد الخوف.
فقال: "ومن هنا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد جزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر، لأن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة وقد كان النبي - ﷺ - يكثر أن يقول في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقيل له: يا نبي الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿ يقلبها كيف شاء" (^١). خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي أنه مر به أبو بكر ﵁ وهو يبكي فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله - ﷺ - يذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين، فإذا رجعنا عافسنا (^٣) الأزواج والصبية فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله أنا لكذلك،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١١٢) والترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن (٤/ ٤٤٨) وقال: هذا حديث حسن.
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٣٩).
(٣) عافسنا: المعافسة هي الملاعبة والممارسة، والمعنى اشتغلنا بمعايشنا وأزواجنا وأولادنا. النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٦٣).
[ ٤١٣ ]
فانطلق إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله - ﷺ -: "لو تدومون على الحال التي تكونون بها عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" (^١) (^٢)
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أثارًا كثيرة عن السلف من الصحابة ﵃ وغيرهم تدل على خوفهم من النفاق فقال: "ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه" (^٣).
وسئل أبو رجاء العطاردي (^٤): هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله - ﷺ - يخشون النفاق؟ فقال: نعم، إني أدركت منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا" (^٥).
وقال البخاري في صحيحه: وقال ابن أبي مليكة (^٦): "أدركت
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة (٤/ ٢١٠٧).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤٣).
(٣) أخرجه وكيع في الزهد (٣/ ٧٩١) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١/ ٢٧/ ب).
(٤) هو الإمام الكبير عمران بن ملحان التميمي البصري، من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي - ﷺ -، وكان خيرًا تلاءً لكتاب الله، وكان ثقة نبيلًا عالمًا عاملًا، توفي سنة ١٠٥ هـ. أسد الغابة (٤/ ١٣٦) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٥٣) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٤٠).
(٥) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (ص ٧١) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠٧).
(٦) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله القرشي التيمي أبو محمد الإمام الحافظ الحجة، كان عالمًا مفتيًا صاحب حديث وإتقان، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما، توفي سنة ١١٧ هـ رحمه الله تعالى. الجرح والتعديل (٥/ ٩٩) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٨٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٠٦).
[ ٤١٤ ]
ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه (^١).
ويذكر عن الحسن أنه قال: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق" (^٢).
وروي عن الحسن: "أنه حلف ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق غير آمن، وما مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن" (^٣).
وكان يقول: "من لم يخف النفاق فهو منافق" (^٤).
وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: "اللهم اغفر لي ثلاثًا، لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه" (^٥).
والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدًا (^٦).
وهذا كله يدل على عظم النفاق، وشدة خطره، فإذا كان الصحابة ﵃ الذين اختارهم الله لصحبة رسوله - ﷺ - والذين رباهم
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (١/ ١٧) وأخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠٧).
(٢) ذكره البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (١/ ١٧).
(٣) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (٧٣) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤).
(٤) أخرجه الفريابي فى صفة المنافق (٧٣).
(٥) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (٦٩) والذهبي في السير (٦/ ٣٨٢) وقال: إسناده صحيح.
(٦) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٣٩، ٣٤٠).
[ ٤١٥ ]
الرسول - ﷺ - كانوا يخافون من النفاق، فما الحال في زمننا هذا الذي قل فيه الإخلاص، والإيمان بالله ﷿، مما لا شك فيه أن خلقًا كثيرًا قد وقعوا في النفاق سواءًا شعروا بذلك أم لم يشعروا، نسأل الله السلامة منه ومن كل ما يحبط الأعمال ويفسدها، ونسأله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.
[ ٤١٦ ]
المبحث الثالث البدع وكلام ابن رجب عليها
المطلب الأول معنى البدعة في اللغة والشرع
البدعة نقيض السنة مشتقة من بَدَع الشيء يبدعه بَدْعًا إذا أوجده على غير مثال سابق، وابتدعه وأبدعه بمعنى واحد، واسم الفاعل من أبدع المبدع، ومن ابتدع المبتدع، ومن أسماء الله تعالى الحسنى البديع فهو سبحانه بديع السموات والأرض لأنه أبدعها وأحدثها على غير مثال سابق كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١) والبديع أيضًا الذي ليس قبله شيء، والله ﷾ هو الأول الذي ليس قبله الشيء، والبدع: ما كان أولًا ولم يسبقه شيء كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (^٢) أي ما كنت أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بل أرسل قبلي رسل كثيرون.
ويقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد أتى ببدعة ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (^٣) " (^٤).
_________________
(١) سورة البقرة آية (١١٧).
(٢) سورة الأحقاف آية (٩).
(٣) سورة الحديد آية (٢٧).
(٤) انظر: الصحاح للجوهري (٣/ ١١٨٣) ولسان العرب (٨/ ٧) والقاموس المحيط (٣/ ٤) والمفردات للراغب (ص ٣٨).
[ ٤١٧ ]
فالبدعة اسم هيئة من الابتداع وهي كل ما أحدث واخترع على غير مثال سابق، وهي بهذا المعنى تقال في المدح والذم لأن المراد أنه أتى بشيء مخترع على غير مثال سبق سواءًا كان خيرًا أو شرًا ولكن لفظ البدعة غلب على الحدث المكروه في الدين، قال ابن الأثير: "وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم" (^١).
وأما البدعة في الشرع فقد عرفها ابن رجب رحمه الله تعالى فقال: "المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة" (^٢).
وقال رحمه الله تعالى: "فقوله - ﷺ -: "كل بدعة ضلالة" (^٣) من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (^٤) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة (^٥).
فالبدعة إذًا هي كل ما لم يشرعه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد - ﷺ - ولم يكن على عهد الصحابة دينًا يعبد الله به أو يتقرب به إليه سواء كان ذلك في الاعتقاد أو الأقوال أو الأعمال.
وقد جاءت الأدلة الكثيرة في كتاب الله ﷾ وسنة رسوله - ﷺ - التي تدل على وجوب الاتباع والنهي عن البدع ومحدثات الأمور.
_________________
(١) النهاية لابن الأثير (١/ ١٠٧).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٠).
(٣) انظر تخريجه في الورقة التي تليها (ص ٤١٩).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٣٨٢).
(٥) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩١).
[ ٤١٨ ]
منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (^١).
ومنها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٢).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (^٣).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (^٤).
وأما الأحاديث فكثيرة جدًا:
منها حديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - الصبح فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (^٥).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (٣١).
(٢) سورة النور آية (٦٣).
(٣) سورة الحشر آية (٧).
(٤) سورة الأنعام آية (١٥٣).
(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود: كتاب السنة، باب لزوم السنة (٥/ ١٥) والترمذي: كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ في السنة واجتناب البدع (٥/ ٤٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٥) والحاكم (١/ ٩٧) وقال: هذا حديث صحيح لا علة له ووافقه الذهبي، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢٠٥) وقال: هذا حديث حسن، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني (٢/ ٦٤٧).
[ ٤١٩ ]
ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (^١).
ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (^٢).
ومنها حديث أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ -؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - ﷺ -، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي، فليس مني" (^٣).
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على وجوب الاتباع والابتعاد عن البدع ومحدثات الأمور.
كما أن السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٨٢).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (٦/ ١١٦) ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح (٢/ ١٠١٨).
[ ٤٢٠ ]
وتابعيهم كانوا يحثون على التمسك بالسنن التي جاءت عن الله على لسان رسوله - ﷺ -، ويحذرون من البدع وينفرون منها، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا.
فمن أقوال الصحابة ﵃: قول عمر ﵁: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أزلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله" (^١).
وقال حذيفة ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، اتبعوا أثارنا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخطاتم فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا" (^٢).
وقال عبد الله بن عمر ﵄: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" (^٣).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة" (^٤).
وقال عثمان بن حاضر (^٥) الأزدي: دخلت على ابن عباس فقلت:
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص ٢٢٥).
(٢) أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣٣٦).
(٣) أخرجه المروزي في السنة (ص ٢٤) والبيهقي في المدخل (ص ١٨٠) واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (١/ ٩٢) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣٣٩).
(٤) أخرجه وكيع في الزهد (٢/ ٥٩٠) وابن خيثمة في كتاب العلم (ص ١٢٢) والطبراني في الكبير (٩/ ١٦٨) والدارمي في السنن (١/ ٦١) والبيهقي في المدخل (ص ١٨٦) وابن وضاح في البدع (ص ١٠) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢٨).
(٥) عثمان بن حاضر الحميري ويقال الأزدي أبو حاضر القاص، روى عن ابن عباس وغيره، قال أبو زرعة: يماني، حميري، ثقة. الجرح والتعديل (٦/ ١٤٧) وتهذيب التهذيب (٧/ ١٠٩).
[ ٤٢١ ]
أوصني، فقال: نعم عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع" (^١).
ومن الآثار الواردة عن التابعين ومن بعدهم في التحذير من البدع ولزوم السنة:
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٢) فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا" (^٣).
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة" (^٤).
وقال حسان بن عطية (^٥) رحمه الله تعالى: "ما ابتدع قوم بدعة في
_________________
(١) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٥٠) وابن وضاح في البدع (ص ٢٥) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣١٩).
(٢) سورة المائدة آية (٣).
(٣) الاعتصام للشاطبي (١/ ٤٩).
(٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦) وذكرها أبو يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٤١).
(٥) حسان بن عطية المحاربي أبو بكر الدمشقي، الإمام الحجة، وثقه أحمد ويحيى بن معين وغيرهم. قال الأوزاعي: ما أدركت أشد اجتهادًا ولا أعمل منه، قال الذهبي: بقي حسان إلى حدود سنة ثلاثين ومئة. تهذيب الكمال للمزي (٦/ ٣٤) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٤٦) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٥١).
[ ٤٢٢ ]
دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة" (^١).
وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من أحد ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وأني واثق بنفسي، فمن آمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه" (^٢).
ويقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: "عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول" (^٣).
فهذه الآثار الواردة عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كلها تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة وتحذر من البدع والمحدثات صغيرها وكبيرها يقول الإمام أبو محمد البربهاري (^٤) رحمه الله تعالى: "واحذر صغار المحدثات، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في الأمة كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل
_________________
(١) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٤٤) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣٥١) وابن وضاح في البدع (ص ٣٧).
(٢) أخرجه ابن وضاح في البدع (ص ٤٧).
(٣) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ٥٨) والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص ٧) والبيهقي في المدخل (ص ١٩٩).
(٤) الإمام الحافظ أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، كان قوالًا بالحق داعية إلى الأثر والسنة، لا يخاف في الله لومة لائم، توفي سنة ٣٢٩ هـ رحمه الله تعالى. طبقات الحنابلة (٢/ ١٨) والبداية والنهاية (١١/ ٢٢٥) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٩٠).
[ ٤٢٣ ]
فيها، ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت، وصارت دينًا يدان به فخالف الصراط المستقيم.
فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي - ﷺ - أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثرًا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النار".
واعلم رحمك الله -أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وهو التصديق بآثار رسول الله - ﷺ - بلا كيف، ولا شرح، ولا يقال: لم؟ ولا كيف، فالكلام والجدال والمراء محدث يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة" (^١).
_________________
(١) شرح السنة للبربهاري (ص ٢٣ - ٢٤).
[ ٤٢٤ ]
المطلب الثاني أنواع البدع
للبدع أنواع مختلفة باعتبارات مختلفة فهي ليست على درجة واحدة ولكن هذه الأنواع كلها لا تخرج عن هذين النوعين:
النوع الأول: بدعة قولية اعتقادية كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات كالتعبد لله ﷾ بعبادة لم يشرعها وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:
١ - بدعة في أصل العبادة وذلك بأن يحدث عبادة ليس لها أصل مشروع كأن يحدث صلاة غير مشروعة كصلاة الرغائب، أو صيامًا كصيام رجب وحده أو أعيادًا كأعياد الموالد وغيرها، وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذا النوع فقال: "فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^١) فمن تقرّب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي أو الرقص
_________________
(١) سورة الشورى آية (٢١).
[ ٤٢٥ ]
أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله بالتقرب بها بالكلية، وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا (^١).
٢ - بدعة الزيادة في العبادة المشروعة كزيادة الشيعة "أشهد أن عليًا ولي الله" في الآذان أو النقص من المشروع كذكر الله بالاسم المفرد كما يفعله الصوفية أو الإتيان بصفة معينة للعبادة غير مشروعة كالاتيان بالأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة أو تخصيص وقت معين لعبادة مشروعة لم يخصصه الشرع كمن خصّ يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا النوع بقوله: "وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع، فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به أو إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودًا عليه أم لا، فهذا لا يطلق القول فيه برد ولا قبول، بل ينظر فيه، فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبًا لبطلانه في الشريعة كمن أخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود مع الطمأنينة فيهما، فهذا عمل مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضًا. وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله بل هو ناقص، وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله، فيكون مردودًا كمن زاد ركعة عمدًا في صلاته مثلًا، وتارة لا يبطله ولا يرده من أصله كمن توضأ أربعًا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤٢، ١٤٣).
[ ٤٢٦ ]
أربعًا، أو صام الليل مع النهار وواصل في صيامه، وقد يبدل بعض ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه، هل عمله مردود من أصله أم أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟ وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله (^١).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤٤، ١٤٥).
[ ٤٢٧ ]
المطلب الثالث الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب في ذلك
هناك فريق من الناس يقسمون البدع إلى بدع حسنة وسيئة وإلى بدع مذمومة ومحمودة، وهذا تقسيم لا أصل له، وإنما هو من تلبيس إبليس جاءوا به من عند أنفسهم ليسوغوا الأحداث في الدين، والذي دعاهم إلى هذا التقسيم هو تمسكهم ببعض النصوص التي ليس لهم في الحقيقة دلالة فيها لأن تقسيم البدع إلى هذا التقسيم لا دليل عليه من الشرع بل إن فيه مخالفة صريحة لأقوال الرسول - ﷺ - ومنها قوله - ﷺ -: " وكل بدعة ضلالة" (^١) وهم يقولون: لا، بل البدعة منها ما هو بدعة حسنة ومنها ما هو بدعة سيئة، وقد رد ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا التقسيم وبين أن البدع جميعها مذمومة سواء في الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات فقال رحمه الله تعالى: "فقوله - ﷺ -: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج منه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (^٢) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة" (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤١٩).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٨٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩١).
[ ٤٢٨ ]
وهؤلاء الذين قسموا البدع إلى حسنة وسيئة احتجوا بنصوص لا دليل لهم فيها وإنما هي شبهات تعلقوا بها، واغتر بها من لا علم عنده من المتصوفة والجهال والعوام مما دعاهم إلى أن يتعبدوا الله ﷾ بعبادات لم ترد عن الله ولا عن رسوله - ﷺ -، فإذا نهاهم عالم أو أحد طلبة العلم عن ذلك قالوا: أن ما نفعله بدعة حسنة وليس بدعة سيئة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى النصوص والأمور التي تعلقوا بها ورد عليهم فيها، وبيّن أنه لا حجة لهم فيها فقال: "وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك من البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: "نعمت البدعة هذه" (^١) وروي عنه أنه قال: "إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة" (^٢).
وروي عن أبي بن كعب قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر: قد علمت، ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه:
فمنها: أن النبي - ﷺ - كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا وهو - ﷺ -، صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك، معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب صلاة التراويح (٢/ ٢٥٢).
(٢) بهذه الرواية أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٤٢) وانظر: صلاة التراويح للألباني (ص ٤٢).
[ ٤٢٩ ]
ومنها: أنه - ﷺ - أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي ﵃.
ومن ذلك آذان الجمعة الأول، زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره علي، واستمر عمل المسلمين عليه
ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت وقال لأبي بكر وعمر ﵄: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي - ﷺ -؟ ثم علم أنه مصلحة، فوافق على جمعه، وقد كان النبي - ﷺ - يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح.
وكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف، وإعدامه لما خالفه، خشية تفرق الأمة، وقد استحسنه علي وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عين المصلحة
وقد روى الحافظ أبو نعيم (^١) بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد (^٢) قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة فما
_________________
(١) أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق المهراني أبو نعيم الأصبهاني الإمام الحافظ الثقة، له مؤلفات كثيرة منها: "ذكر أخبار أصبهان، وصفة الجنة" توفي سنة ٤٣٠ هـ. وفيات الأعيان (١/ ٩١) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٩٢) وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٥).
(٢) أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، له كتب في الزهد والرقائق، قال الخطيب: ثقة، وقال الذهبي: لم أظفر له بوفاة، وكأنها في حدود الستين ومائتين. تاريخ بغداد (٦/ ١٢٠) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٦).
[ ٤٣٠ ]
وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم واحتج بقول عمر ﵁: نعمت البدعة هي (^١). ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع. وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة: يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا، وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، وما أحدث فيه من الخير وكثير من الأمور التي أحدثت لم يكن قد اختلف العلماء في أنها بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا (^٢).
فمنها: كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك، وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم، وما أحدث في ذلك بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة، وقد صح عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول" (^٣) وابن مسعود قال: "هذا في زمن الخلفاء الراشدين" (^٤).
فقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق الحجج
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٣).
(٢) أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٦٩) وفي المدخل (ص ٢٠٦).
(٣) أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (٢/ ٣٣٠).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩١ - ٢٩٥).
[ ٤٣١ ]
التي استدل بها من قال أن هناك بدعة حسنة وسيئة، وبين أنه لا حجة لهم فيها.
وبهذا يتبين أن البدع كلها ضلال، وكلها أحداث في دين الله ﷿ بما لم يشرعه، وتقسيمها إلى حسنة وسيئة تقسيم باطل مردود بنصوص الكتاب والسنة.
[ ٤٣٢ ]
المطلب الرابع نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها
هناك كثير من البدع التي عمت وطمت في أرجاء العالم الإسلامي حتى أصبحت عند الكثير من الناس سنة متبعة في الوقت الذي تركوا فيه تعاليم الإسلام وهجروا سنن المصطفى - ﷺ - وسأذكر بعضًا منها على سبيل التمثيل لا الحصر، وخصوصًا البدع التي تعرّض لها ابن رجب ﵀ في كتبه وبيّنها وأوضحها وهي:
١ - بدعة تخصيص رجب بعبادات معينة:
خص أهل البدع والأهواء والجهلة من الناس شهر رجب بعبادات لم يشرعها الله ﵎، ولم يفعلها رسول الله - ﷺ - ولا أصحابه من بعده، ولكن هؤلاء خصوا هذا الشهر بصلوات وصيام وغيرهما من العبادات التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة، ولا زالت هذه البدع تفعل إلى يومنا هذا.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه البدع، وبيّن أن شهر رجب لم يخص بأي نوع من أنواع العبادات لا صدقة ولا زكاة ولا صلاة ولا صيام ولا غيرها من أنواع العبادة، وقد تكلم رحمه الله تعالى عن كل عبادة بعينها وسأورد كلامه رحمه الله تعالى على كل عبادة خصّ بها شهر رجب دون غيره:
أ - الصلاة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "فأما الصلاة فلم
[ ٤٣٣ ]
يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب (^١) في أول ليلة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني (^٢) وأبو الفضل بن ناصر (^٣) وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها (^٤).
ب - الزكاة والصدقة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السنة، ولا عرف عن أحد من السلف، ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال: إن هذا شهر زكاتكم، فمن
_________________
(١) الرغائب: جمع رغيبة وهي العطاء الكثير. الصحاح للجوهري (١/ ١٣٨) والمراد بصلاة الرغائب: هي صلاة بين صلاة المغرب والعشاء في ليلة أول جمعة من شهر رجب ويسبقها صيام الخميس، وعددها على حد زعمهم اثنتي عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة. انظر: الباعث على إنكار البدع لأبي شامة (ص ٤١) وتنبيه الغافلين لابن النحاس (ص ٣٠٤) والأمر بالاتباع للسيوطي (ص ٧٧).
(٢) محمد بن منصور بن محمد السمعاني أبو بكر، حافظ، محدث، فقيه، أديب، توفي بمرو سنة ٥١٠ هـ. وفيات الأعيان (٣/ ٢١٠) واللباب لابن الأثير (٢/ ١٣٩) والعبر (٢/ ٣٩٦).
(٣) أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي البغدادي، قال الذهبي فيه: الإمام المحدث الحافظ، مفيد العراق، توفي سنة ٥٥٠ هـ. المستفاد من ذيل تاريخ بغداد (٣٨ - ٤٠) وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٦٥) وشذرات الذهب (٤/ ١٥٥).
(٤) لطائف المعارف (ص ١٢٣).
[ ٤٣٤ ]
كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي" خرجه مالك في الموطأ (^١). وقد قيل أن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي، ولم يعرف، وقيل بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول، وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الإمام يبعث سعاته لأخذ الزكاة في المحرم، وقيل بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه، وبكل حال، فإنما تجب الزكاة إذا تمّ الحول على النصاب فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تمّ حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان، فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة فيكون التفريق في طول الحول أرفق به" (^٢).
جـ - الصيام: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه ولكن روي عن أبي قلابة (^٣) أنه قال: "في الجنة قصر لصوام رجب" قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاع، وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة (^٤)
_________________
(١) الموطأ: كتاب الزكاة، باب الزكاة في الدين (٢/ ٢٥٣).
(٢) لطائف المعارف (ص ١٢٥).
(٣) أبو قلابة: عبد الله بن زيد بن عمرو البصري أبو قلابة الحرمي، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، توفي سنة ١٠٤ هـ. طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٣) تذكرة الحفاظ (١/ ٨٨) تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٤).
(٤) مجيبة: بضم أوله وكسر الجيم بعدها تحتانية ثم موحدة، اختلف فيه فقيل رجل من باهلة وقيل امرأة من الصحابة بحديث الصوم. تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٩) تقريب التهذيب (٣٢٩).
[ ٤٣٥ ]
الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبي - ﷺ - قال: "صم من الحرم واترك قالها ثلاثًا" وخرجه أبو داود (^١) وغيره، وخرجه ابن ماجه (^١) وعنده: "صم أشهر الحرم". وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها. . . وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم بأن يصوم معه شهر آخر تطوعًا (^٢).
د - اتخاذه عيدًا: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيدًا" (^٣).
_________________
(١) سنن أبي داود: كتاب الصيام، باب في صوم أشهر الحرم (٢/ ٨١٠) وابن ماجه: كتاب الصيام، باب صيام أشهر الحرم (١/ ٥٥٤). وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده (٥/ ٢٨) والنسائي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٩) والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٣٥٠) وقد وقع اختلاف في هذا الحديث ففي رواية أبي داود وأحمد والبيهقي عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها. وفي رواية النسائي وابن ماجه عن مجيبة الباهلي عن عمه. قال المنذري رحمه الله تعالى: "ذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة، وقال فيه: عن مجيبة -يعني الباهلية- قالت: حدثني أبي أو عمي. وسمي أباها: عبد الله بن الحرث، وقال: سكن البصرة، روى عن النبي - ﷺ - حديثًا. وقال في موضع آخر: أبو مجيبة الباهلية، أو عمها: سكن البصرة، وروى عن النبي - ﷺ - ولم يسمه وذكر هذا الحديث. وذكره ابن قانع في معجم الصحابة، وقال فيه: عن مجيبة عن أبيها أو عمها، وسماه أيضًا: عبد الله بن الحرث. ا. هـ. وقد وقع فيه هذا الاختلاف كما تراه وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك. وهو متوجه". مختصر سنن أبي داود (٣/ ٣٠٦). وقد ضعف الشيخ الألباني هذا الحديث للاختلاف الذي وقع والجهالة. انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة (ص ٤١٣).
(٢) لطائف المعارف (ص ١٢٣).
(٣) أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٢٩٢) عن عطاء قال: "كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب لئلا يتخذ عيدًا" قال ابن حجر في تبيين العجب (٤٨): إسناده صحيح.
[ ٤٣٦ ]
وروى عبد الرزاق (^١) عن ابن جريج (^٢) عن عطاء قال: كان النبي - ﷺ - ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدًا (^٣) وعن معمر (^٤)، عن ابن طاووس (^٥) عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تتخذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا" (^٦) وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدًا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد العام، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدًا وموسمًا بدعة لا أصل له في الشريعة (^٧).
_________________
(١) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري أبو بكر الصنعاني، عالم اليمن، كان من حفاظ الحديث الثقات، كان يحفظ نحوًا من سبعة عشر ألف حديث، ومن كتبه: "المصنف"، وتفسير القرآن، توفي سنة ٢١١ هـ. سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٦٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣١٠).
(٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي صاحب التصانيف وشيخ الحرم، وهو أول من دون العلم بمكة، وكان ذا عبادة وزهد، توفي سنة ١٥٠ هـ. الجرح والتعديل (٥/ ٣٥٦) ووفيات الأعيان (٣/ ١٦٣) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٣٢٥).
(٣) لم أجده في مصنف عبد الرزاق، ولم أجد من أخرجه غيره.
(٤) معمر بن راشد الأزدي أبو عروة البصري، الإمام الحافظ، كان من أوعية العلم مع الصدق، والتحري، والورع وحسن التصنيف، توفي سنة ١٥٣ هـ. الجرح والتعديل (٨/ ٢٥٥) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٦) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢٤٣).
(٥) عبد الله بن طاووس أبو محمد اليماني الإمام المحدث، وثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهم، قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقًا، ما رأينا ابن فقيه مثله، توفي سنة ١٢٣ هـ. الجرح والتعديل (٥/ ٨٨) وسير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٧).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٢٩١)، وهو ضعيف بهذا الإسناد لأن فيه انقطاع.
(٧) لطائف المعارف (ص ١٢٣).
[ ٤٣٧ ]
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة مرة من غير تكرر في السنة.
فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.
أما العيدان اللذان يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة، فأحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم شرع الله تعالى لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدًا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفى الصائمون فيه أجر صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة والعيد الثاني عيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه (^١).
هـ - أمور أخرى تعتقد في رجب: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي - ﷺ - ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل في الخامس والعشرين. ولا يصح شيء من ذلك
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٢٨٦، ٢٨٧).
[ ٤٣٨ ]
وروى زائدة بن أبي الرقاد (^١) عن زياد التميمي (^٢) عن أنس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان" (^٣).
وروي عن إسماعيل الأنصاري (^٤) أنه قال: لا يصح في فضل رجب غير هذا الحديث، وفي قوله نظر، فإن هذا الإسناد فيه ضعف (^٥).
٢ - بدعة اتخاذ عاشوراء مأتمًا أو عيدًا:
يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم وهو من الأيام الفاضلة التي حثّ النبي - ﷺ - على صيامها ومن ذلك قوله - ﷺ -: " وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " (^٦).
_________________
(١) زائدة بن أبي الرقاد أبو معاذ، قال البخاري: منكر الحديث، منكر الحديث وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير لا يحتج بخبره ولا يكتب إلا للاعتبار. المجروحين لابن حبان (١/ ٣٠٨) ميزان الاعتدال (٢/ ٦٥) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٠٥).
(٢) زياد بن عبد الله النميري البصري، يروي عن أنس قال أبو حاتم: لا يحتج به. الجرح والتعديل (٣/ ٥٣٦) وميزان الاعتدال (٢/ ٩٠).
(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١/ ٤٥٧) قال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٦٥) رواه البزار وفيه زائدة بن أبي الرقاد. قال البخاري: منكر الحديث وجهله جماعة. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٦١٣) عن زائدة: يحدث عن زياد النميري عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة.
(٤) إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير أبو إسحاق الأنصاري مولاهم المدني الإمام الحافظ، قال يحيى بن معين: ثقة مأمون، قليل الخطأ، توفي سنة ١٨٠ هـ. الجرح والتعديل (٢/ ١٦٢) وتاريخ بغداد (٦/ ٢١٨).
(٥) لطائف المعارف (١٢٦).
(٦) أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة ويوم عاشوراء (٢/ ٨١٨).
[ ٤٣٩ ]
ولكن الرافضة ابتدعوا فيه بدعًا منكرة فهم يتخذون يوم عاشوراء من كل عام مأتمًا ونياحة وحزنًا منهم على قتل الحسين بن علي ﵁ قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "وأما اتخاذه مأتمًا كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه، فهو عمل من ضلّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ولم يأمر الله ولا رسوله - ﷺ - باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا فكيف بمن هو دونهم (^١).
ولا زال الرافضة إلى يومنا هذا يتخذون يوم عاشوراء مأتمًا يظهرون فيه الحزن والنياحة ويندبون الحسين ﵁ فيلطمون الخدود ويضربون الصدور والظهور حتى تسيل الدماء، ورتبوا على هذه المنكرات الأجر والثواب وتكفير السيئات، وهذه البدعة قد نصّ على جوازها والترغيب فيها علماؤهم قديمًا وحديثًا (^٢).
وفي مقابل هؤلاء الرافضة واتخاذهم يوم عاشوراء مأتمًا وحزنًا من يتخذ يوم عاشوراء عيدًا ويوم فرح وسرور وهم النواصب (^٣) والجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر فوضعوا الآثار التي ترغب في الفرح والسرور وما يتبعها من مظاهر في يوم عاشوراء، فصاروا يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح وقد سئل
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٥٣) وانظر الكلام على هذه البدعة في مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٠٧) ومنهاج السنة (٤/ ٥٥٤) وكتاب تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين لأحمد آل طامي (ص ٢٨٠).
(٢) انظر: العقائد الشيعية لناصر الدين شاه (ص ١٣٥) ومقتل الحسين وفتاوى العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر لمرتضى عياد (ص ١٢ - ٤٠).
(٣) النواصب: هم الذين يبغضون عليًا ﵁ وأصحابه. لسان العرب (١/ ٧٦٢) ومجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٠١).
[ ٤٤٠ ]
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عما يفعله الناس في عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع، هل ورد فيه حديث صحيح عن النبي - ﷺ - أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى: "الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا لا عن النبي - ﷺ - ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا صحيحًا ولا ضعيفًا، ولا في كتب الصحيح ولا السنن ولا في المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة إلى أن قال: وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان: طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة وإما جهال وأصحاب هوى.
وطائفة ناصبة تبغض عليًا وأصحابه لما جرى في القتال في الفتنة ما جرى فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية
وعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر والبدعة بالبدعة فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح وأولئك يتخذونه مأتمًا يقيمون فيه الأحزان والأفراح وكلًا
[ ٤٤١ ]
الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة، وإن كان أولئك -يعني الرافضة- أسوأ قصدًا وأعظم جهلًا" (^١).
والسنة في هذا اليوم أن يصام فحسب كما صامه رسول الله - ﷺ - وحثّ على صيامه وهذا هو الحق في تعظيم هذا اليوم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة ولا يكون بالفرح والسرور ولا اتخاذه مأتمًا ويوم حزن وإنما تمسك بسنة المصطفى - ﷺ - وامتثال لأمره ورجاء لثواب الله تعالى.
ومسألة صيام يوم عاشوراء من المسائل التي تكلم فيها العلماء ﵏ وبينوا أن صوم يوم عاشوراء على ثلاث مراتب:
١ - أن يصام معه التاسع والحادي عشر لحديث "صوموا قبله يومًا وبعده يومًا" (^٢).
٢ - أن يصام معه التاسع فقط لحديث "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع" (^٣).
٣ - إفراد يوم عاشوراء بالصوم وحده للأحاديث الدالة على تأكيد صومه منها حديث ابن عباس ﵁ قال: "أمر رسول الله - ﷺ - بصوم عاشوراء يوم العاشر" (^٤).
_________________
(١) مجموعة الفتاوى (٢٥/ ٢٩٩) وما بعدها، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٢٢).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصيام (٤/ ٢٨٧).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الصيام (٢/ ٧٩٧).
(٤) أخرجه الترمذي: كتاب الصوم، باب إذا جاء في عاشوراء (٢/ ١٢٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٤٤٢ ]
وفي المسألة تفاصيل أخرى ليس هذا محلها (^١) والمراد بيان أن السنة صيام هذا اليوم.
٣ - التبرك بالآثار والأشخاص أحياء وأمواتًا:
التبرك: طلب البركة، وهي النماء والزيادة.
قال الجوهري: "البركة النماء والزيادة، والتبريك الدعاء بالبركة وتبارك الله أي بارك مثل قاتل وتقاتل إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى وتبركت به أي تيمنت به" (^٢).
والتبرك بآثار الصالحين هو التيمن وطلب خيرهم من آثارهم وطلب الخير وزيادته وثبوته في شيء إنما يكون ممن يملك ذلك ويقدر عليه وهو الله ﷾، وإذا تدبرنا كتاب الله ﷾ وجدنا الآيات الكثيرة تدل على أن البركة من الله، فهي تطلب منه ﷾ وحده، وهو يضعها فيمن شاء من خلقه وفي ما شاء من بريته قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ (^٥) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر الكلام على هذه المسألة في زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٧٦) ولطائف المعارف لابن رجب (ص ٤٥ - ٥٤) وفتح الباري لابن حجر (٤/ ٢٤٦) وغيرها.
(٢) الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٧٥).
(٣) سورة الأعراف آية (٥٤).
(٤) سورة الرحمن آية (٧٨).
(٥) سورة الفرقان آية (٦١).
(٦) سورة الفرقان آية (١).
[ ٤٤٣ ]
فلفظ تبارك لم يرد في كتاب الله إلا مسندًا إلى الله، وهي صيغة مفيدة أعظم أنواع معنى البركة وأكثرها نفعًا، وأعمها متعلقًا وأثرًا، فالبركة لله وحده والله ﷾ يضعها فيمن شاء، فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك (^١).
وأما التبرك بذوات الأشخاص أو بآثارهم المنفصلة عنهم كشعرهم وفضل وضوئهم ونحو ذلك فهذا يجوز في حق النبي - ﷺ - وقد ورد في عدة أحاديث ما يدل على جواز ذلك:
منها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها" (^٢).
ومنها حديث خروج النبي - ﷺ - في الحديبية وفيه: "وما تنخم النبي - ﷺ - إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده" (^٣).
وفي رواية "وإذا توضأ النبي - ﷺ - كادوا يقتتلون على وضوئه" (^٤).
وقد سأل أحد الصحابة الرسول - ﷺ - بردة أهديها فأعطاها إياه فلامه الصحابة على سؤاله البردة فقال: "رجوت بركتها حين لبسها النبي - ﷺ - لعلي أكفن فيها" (^٥).
فهذه الأدلة ونحوها تدل على شرعية التبرك بآثار النبي - ﷺ - كشعره وملابسه وفضل وضوءه ونحو ذلك، وهذا خاص به - ﷺ - في حياته.
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (٢/ ١٨٥ - ١٨٧).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الفضائل (٤/ ١٨١٢).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء (١/ ٦٦).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء (١/ ٥٥).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب الأدب (٧/ ٨٢).
[ ٤٤٤ ]
وأما في غير حق النبي - ﷺ - فإن ذلك لا يجوز لأنه إما شرك وذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص أو المكان يمنح البركة، وإما وسيلة إلى الشرك إذا اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله، والدليل على عدم جواز ذلك أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يتبركون بحجرته أو قبوه بعد موته - ﷺ -، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلوا فيه أو يدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولم يكن أحد من السلف يذهب إلى المكان الذي يصلي فيه رسول الله - ﷺ - ليستلمه ويقبله، ولا المواضع التي كان يطؤها بقدميه الكريمتين، فإذا كان ذلك لم يشرع في حق النبي - ﷺ - فكيف بما يقال أن غير النبي - ﷺ - صلى فيه أو نام عليه، فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعة الرسول - ﷺ - (^١).
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك فقال: "التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي - ﷺ - ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي - ﷺ - مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه" (^٢).
وأما ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يتحرى الأماكن
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٥).
(٢) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٥٨، ٥٩).
[ ٤٤٥ ]
التي صلى فيها رسول الله - ﷺ - فيصلي فيها كما روى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن موسى بن عقبة (^١) قال: "رأيت سالم بن عبد الله (^٢) يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي - ﷺ - في تلك الأمكنة" (^٣).
فإن ذلك لم يفعله غيره من الصحابة ﵃، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي - ﷺ -، فهم يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل من أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي - ﷺ - ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم.
فتحري الصلاة في هذه المواضع ليس من سنة الخلفاء الراشدين بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة.
وأيضًا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، والتشبه بأهل الكتاب ممن نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله.
_________________
(١) موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي، الإمام الثقة الكبير، كان بصير بالمغازي النبوية، وهو أول من صنف فيها، توفي سنة ١٤١ هـ. الجرح والتعديل (٨/ ١٥٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ١١٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٦٠).
(٢) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، الإمام الزاهد الحافظ الثقة، مفتي المدينة، وكان من أفضل أهل زمانه وكان كثير الحديث، وكان أبوه يحبه ويجله كثيرًا، توفي سنة ١٠٦ هـ. التاريخ الكبير (٤/ ١١٥) ووفيات الأعيان (٢/ ٢٥٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٥٧).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة (١/ ١٢٤).
[ ٤٤٦ ]
وقد كان عمر ﵁ ينهى (^١) عن تتبع الآثار المكانية. ولا شك أن الصواب والحق مع عمر ﵁ وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع (^٢).
وبهذا يتبين أن الدعوة إلى الاعتناء بتلك الآثار وتعظيمها خشية أن تندثر ويجهلها الناس ولاسيما في مكة والمدينة مثل غار حراء وغار ثور ودار مولده - ﷺ - وغيرها دعوة باطلة ومخالفة صريحة لسلف هذه الأمة إضافة إلى ما فيها من مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم واتخاذها معابد ومزارات.
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأمد في عمره وبارك له فيه "إن تعظيم الآثار يكون باتباع أهلها في أعمالهم المجيدة وأخلاقهم الحميدة وجهادهم الصالح قولًا وعملًا ودعوة وصبرًا، هكذا كان السلف الصالح يعظمون آثار سلفهم الصالحين، وأما تعظيم الآثار بالأبنية والزخارف والكتابة ونحو ذلك فهو خلاف هدي السلف الصالح، وإنما ذلك سنة اليهود والنصارى ومن تشبه بهم وهو من أعظم وسائل الشرك، وعبادة الأنبياء والأولياء كما يشهد به الواقع، وتدل عليه الأحاديث والآثار المعلومة في كتب السنة فتنبه واحذر (^٣).
٤ - بدعة التصوف:
إن التصوف بدعة من شر البدع وأكثرها إضلالًا وأكبرها ضلالة إذ
_________________
(١) انظر: البدع لابن وضاح (ص ٤١ - ٤٢) فقد ذكر آثارًا تدل على نهي عمر ﵁ عن ذلك وقد صحح هذه الآثار ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (١/ ٢٨١) وابن حجر في الفتح (١/ ٥٦٩)، (٧/ ٤٤٨).
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (٢/ ٧٤٦) وما بعدها.
(٣) مجموع فتاوى ومقالات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله (١/ ٣٩٥، ٣٩٦).
[ ٤٤٧ ]
لم يعرف التصوف من نزول الوحي ولا بعده إلى أن انقرض عهد القرون المفضلة.
فلم يرد لفظ التصوف على لسان رسول الله - ﷺ -، ولم يؤثر عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم أنه عرف التصوف أو نطق به وكذا التابعون من أبناء الصحابة وأبناء أبنائهم وهم أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية والفضل ثم ظهر بعد ذلك طبقة يغلب عليهم جانب العبادة والبعد عن الناس مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الإسلام ولكن قد يغلب على أحدهم الخوف الشديد والبكاء المستمر، ثم جاء من بعدهم فعملوا أمورًا ودعوا إليها ولم تكن عند الزهاد السابقين ومنها ترك الزواج وإدامة الجوع ومواصلة الصوم وهكذا تدرج هؤلاء ومن بعدهم إلى أن شرعوا لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله.
يقول ابن الجوزي: "في عصر الرسول - ﷺ - كانت كلمة مؤمن ومسلم ثم نشأت كلمة زاهد وعابد ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا فيها هكذا كان أوائل القوم ولبّس عليهم إبليس أشياء ثم على من بعدهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن" (^١).
وهكذا بدأ التصوف ينشأ ويقوى إلى أن أصبح فكرًا مستقلًا أخذ صبغة خالصة، وقد استغلت الباطنية هذا التصوف لنشر أفكارهم الإلحادية وأدخلوا في التصوف السماع والرقص بحجة أنه موصل إلى الله، وبلغوا فيه إلى حد الوقاحة حيث نشأ فيهم حب المرادن والغلمان.
وأنا أعني بهذا المتأخرين منهم، أما المتقدمون منهم فكانوا على جانب من الورع والعبادة والاعتدال.
_________________
(١) تلبيس إبليس (ص ١٦١).
[ ٤٤٨ ]
وقد تسرب الفكر الصوفي إلى صفوف المسلمين منذ زمن قديم ولا زال يؤدي دوره في إفساد الأمة الإسلامية في كثير من البلدان، ولا يزال بعض الناس من المنتسبين للعلم وغيرهم مغترين بهذا الفكر، ومتحمسين في الدفاع عنه وعن أهله.
أضف إلى ذلك أن المغرضين من أعداء الإسلام وجدوا لهم طريقًا لإفساد المسلمين عن طريق التصوف باسم الزهد ورياضة النفس ومجاهدة الشهوات وغير ذلك من الأمور التي استطاعوا عن طريقها نشر الزندقة والإلحاد بين المسلمين.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى مبينًا أن التصوف أصبح منهجًا من المناهج الفاسدة التي تقوم على الزندقة والإلحاد: "ومما أحدث من العلوم، الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك بمجرد الرأي والذوق أو الكشف وفيه خطر عظيم، وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره وقد اتسع الخرق في هذا الباب ودخل فيه قوم إلى أنواع الزندقة والنفاق، ودعوى أن أولياء الله أفضل من الأنبياء أو أنهم مستغنون عنهم، وإلى التنقص بما جاءت به الرسل من الشرائع، وإلى دعوى الحلول والإتحاد أو القول بوحدة الوجود وغير ذلك من أصول الكفر والفسوق والعصيان كدعوى الإباحة، وحل محظورات الشرائع، وأدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة، ليست من الدين في شيء فبعضها زعموا أنه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص، وبعضها زعموا أنه يراد لرياضة النفوس كعشق الصور المحرمة ونظرها، وبعضها زعموا أنه لكسر النفوس والتواضع كشهرة اللباس وغير ذلك مما لم تأت به الشريعة، وبعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالغناء والنظر المحرم، وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، والعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في
[ ٤٤٩ ]
ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل (^١).
ولا أريد هنا أن أتكلم عن التصوف والمتصوفة (^٢) وما يتعلق بهم من بدع وانحرافات لأني لست في مقام الكلام على ذلك، وإنما أريد هنا أن أقتصر على ذكر بعض البدع التي وقعوا فيها وخصوصًا التي تكلم عليها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته ومنها:
أ - بدعة تقسيم الدين إلى حقيقة وشرعية:
إن من أصول المتصوفة، وقواعد طرقهم البدعية تقسيم العلم إلى ظاهر وباطن، والدين الإسلامي إلى شريعة وحقيقة، والشرعية هي الظاهر من الدين وهي الباب الذي يدخل منه الجميع، والحقيقة هي الباطن الذي لا يصل إليه إلا المصطفون الأخيار في حد زعمهم، وهؤلاء هم الذين أسقطوا عنهم التكاليف الشرعية لأنهم وصلوا، وهذا كله من تلاعب الشيطان بهم، وتزيينه ذلك لهم، نعوذ بالله من الضلال والخذلان، وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه البدعة فقال: "كثير ممن يدعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعن في أهله، ويقول هم محجوبون
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٩، ١٥٠).
(٢) هناك الكثير من الكتب القديمة والحديثة التي تكلمت عن التصوف والمتصوفة ومنها: كتاب الاستقامة واقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، تنبيه الغبي لتكفير ابن عربي للبقاعي، هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير وغيرها.
[ ٤٥٠ ]
وأصحاب القشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة المطهرة والأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والإعتناء بها، وربما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة، وأما من وصل فلا حاجة به إليها وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد وغيره: وصلوا ولكن إلى سقر. وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسنة، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات، فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام العيوب، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول - ﷺ - في هذا الباب بالكلية، والتكلم فيه بمجرد الأراء والخواطر، فضلوا وأضلوا" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ومما حدث بعد الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي والأقيسة العقلية".
ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال، وأنها حجاب أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين عن الوساوس والخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي" (^٣).
_________________
(١) شرح حديث أبي الدرداء (ص ٥٥، ٥٦).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٧).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٢٦١).
[ ٤٥١ ]
ب - بدعة التقرب إلى الله ﷿ بالرقص وهز الرؤوس وسماع الأغاني:
قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن الغناء وأقسامه: القسم الثاني: أن يقع استماع الغناء بآلات اللهو أو بدونها على وجه التقرب إلى الله تعالى، وتحريك القلوب إلى محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه، وهذا هو الذي يدعيه كثير من اهل السلوك، ومن يتشبه بهم ممن ليس منهم، وإنما يتستر بهم ويتوصل بذلك إلى بلوغ غرض نفسه، من نيل لذته، فهذا المتشبه بهم مخادع ملبس، وفساد حاله أظهر من أن يخفى على أحد.
وأما الصادقون في دعواهم في ذلك وقليل ما هم، فإنهم ملبوس عليهم حيث تقربوا إلى الله ﷿ بما لم يشرعه الله تعالى، واتخذوا دينًا لم يأذن الله فيه، فلهم نصيب ممن قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (^١) والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليد، كذلك قاله غير واحد من السلف.
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٢)، فإنه إنما يتقرب إلى الله ﷿ بما يشرع التقرب به إليه على لسان رسوله - ﷺ -، فأما ما نهى عنه، فالتقرب به إليه مضادة لله ﷿ في أمره، قال القاضي أبو الطيب الطبري (^٣) ﵀ في كتابه السماع
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٣٥).
(٢) سورة الشورى آية (٢١).
(٣) أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي، قال الخطيب: كان ثقة صادقًا دينًا ورعًا عارفًا بأصول الفقه وفروعه، صحيح المذهب، توفي سنة ٤٥٠ هـ. تاريخ بغداد (٩/ ٣٥٨) وطبقات الشافعية لابن هداية (١٥٠).
[ ٤٥٢ ]
(اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع المسلمين فإنه ليس فيهم من جعل السماع دينًا وطاعة ولا أرى إعلانه في المساجد والجوامع، وحيث كان من البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وكان مذهب هذه الطائفة مخالفًا لما اجتمعت عليه العلماء ونعوذ بالله من سوء الفتن) انتهى ما ذكره.
ولا ريب أن التقرب إلى الله تعالى بسماع الغناء الملحن لاسيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، بل ومن سائر شرائع المسلمين أنه ليس مما يتقرب به إلى الله، ولا مما تزكى به النفوس وتطهر به، فإن الله تعالى شرع على ألسنة الرسل كل ما تزكوا به النفوس وتطهر به من أدناسها، وأوضارها، ولم يشرع على لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئًا من ذلك، وإنما يأمر بتزكية النفوس بذلك من لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة كما يأمرون بعشق الصور، وذلك كله مما تحيى به النفوس الأمارة، بالسوء لما لها فيه من الحظ، ويقوي به الهوى، وتموت به القلوب المتصلة بعلام الغيوب، وتبعد به عنه، فغلط هؤلاء واشتبه عليهم حظوظ النفوس وشهواتها، بأقوات القلوب الطاهرة، والأرواح الزكية المعلقة بالمحل الأعلى واشتبه الأمر في ذلك أيضًا على طوائف المسلمين ممن ينتسب إلى السلوك ولكن هذا مما حدث في الإسلام بعد انقراض القرون الفاضلة (^١).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن السماع المشروع هو سماع ما يفيد وينفع من سماع القرآن والذكر والمواعظ النافعة وغيرها.
فقال: "إن الله تعالى أمر عباده في كتابه وعلى لسان رسوله بجميع ما يصلح قلوب عباده ويقربها منه ونهاهم عما ينافي ذلك ويضاده، ولما كانت الروح تقوى بما تسمعه من الحكمة والموعظة الحسنة وتحيى بذلك شرع الله
_________________
(١) نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص ٦٨ - ٧٠).
[ ٤٥٣ ]
لعباده سماع ما تقوى به قلوبهم وتتغذى وتزداد إيمانًا، فتارة يكون ذلك فرضًا عليهم كسماع القرآن والذكر والموعظة يوم الجمعة في الخطبة والصلاة. وكسماع القرآن في الصلوات الجهرية من المكتوبات وتارة يكون ذلك مندوبًا إليه غير مفترض كمجالس الذكر المندوب إليها، فهذا السماع حاد يحد وقلب المؤمن إلى الوصول إلى ربه يسوقه ويشوقه إلى قربه، وقد مدح الله المؤمنين بوجود مزيد أحوالهم بهذا السماع، وذم من لا يجد منه ما يجدونه فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (^١) وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (^٢) وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٣)
فهذه الآية تتضمن توبيخًا وعتابًا لمن سمع هذا السماع، ولم يحدث له في قلبه صلاحًا ورقة وخشوعًا، فإن هذا الكتاب المسموع يشتمل على نهاية المطلوب وغاية ما تصلح به القلوب وتنجذب به الأرواح فيحيي بذلك القلب بعد مماته ويجتمع بعد شتاته وتزول قسوته بتدبر خطابه وسماع آياته، فإن القلوب إذا أيقنت بعظمة ما سمعت واستشعرت شرف نسبة هذا القول إلى قائله أذعنت وخضعت، فإذا تدبرت ما احتوى عليه من المراد ووعت اندكت من مهابة الله وجلاله وخشعت، فإذا هطل عليها وابل الإيمان من سحب القرآن أخذت ما وسعت فإذا بذر فيها القرآن من حقائق العرفان وسقاه ماء الإيمان أنبتت ما
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٢).
(٢) سورة الزمر آية (٢٢، ٢٣).
(٣) سورة الحديد آية (١٦).
[ ٤٥٤ ]
زرعت، ومتى فقدت القلوب غذاءها وكانت جاهلة به طلبت العوض من غيره فتغذت به فازداد سقمها بفقدها ما ينفعها، والتعوض بما يضرها، فإذا سقمت مالت إلى ما فيه ضررها ولم تجد طعم غذائها الذي فيه نفعها فتعوضت عن سماع الآيات بسماع الأبيات، وعن تدبر معاني التنزيل بسماع الأصوات (^١).
٤ - بدعة قراءة القرآن بالألحان:
إن قراءة القرآن بشكل مبتدع لم يكن معروفًا في عهد النبوة وما بعدها من القرون المفضلة كالتلحين والتشدق والقيام بحركات أثناء القراءة كالتمايل يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا لأن هذا كله إهانة لكتاب الله تعالى وابتذال له ومخالف لما حثّ عليه الرسول - ﷺ - من قراءة القرآن بتدبر وتمعن وفهم لمعانيه.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه البدعة فقال: "قراءة القرآن بالألحان بأصوات الغناء وأوزانه وإيقاعاته على طريقة أصحاب الموسيقى، فرخص فيه بعض المتقدمين إذا قصد به الاستعانة على إيصال معاني القرآن إلى القلوب، للتحزين والتشويق والتخويف والترقيق، وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا. ولم يثبت فيه نزاعًا منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة.
وفي الحقيقة: "هذه الألحان المبتدعة المطربة، تهيج الطباع وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع، حتى يصير الإلتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد" (^٢).
هذه أمثلة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، ولا
_________________
(١) نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص ٨٠ - ٨٣).
(٢) المصدر السابق (ص ٧٠، ٧١).
[ ٤٥٥ ]
زالت هذه البدع كلها موجودة إلى يومنا هذا بل أكثر منها، فكل البدع التي فعلت في الماضي في أزمان مختلفة فعلت في زماننا هذا نسأل الله السلامة والعافية. وتفشي البدع وانتشارها وخصوصًا في زماننا هذا له أسباب كثيرة منها:
١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتدّ الزمن وبعد الناس عن كتاب ربهم وسنة نبيهم قلّ العلم وفشى الجهل كما أخبر بذلك النبي - ﷺ -: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (^١).
فالجهل هو أخطر سبب يؤدي إلى انتشار البدع، ولا يقاوم ذلك إلا العلم والعلماء، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر.
٢ - اتباع الهوى وذلك أن من أعرض عن الكتاب والسنة فإن الشيطان يزين له البدع ويحسنها، وقد ذم الله ﵎ من يتبعون الهوى ويعرضون عن الحق الذي جاء به الشرع فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (^٣) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في ذم الهوى وأصحابه، والبدع إنما هي
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (١/ ١٧٤) ومسلم: كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه (٤/ ٢٠٥٨).
(٢) سورة القصص آية (٥٠).
(٣) سورة الجاثية آية (٢٣).
[ ٤٥٦ ]
نسيج الهوى المتبع يقول الشاطبي (^١) رحمه الله تعالى: "سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة مأخذ الافتقار إليها أو التعويل عليها حتى يصدوا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها وراء ذلك" (^٢).
٣ - التشبه بالكفار وتقليدهم من أشد ما يوقع في البدع كما في حديث ابن واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط (^٣) فمررنا بسدرة فقلنا: "يا رسول الله جعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله - ﷺ -: "الله أكبر، إنها السَّنَن (^٤) قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (^٥) لتركبن سنن من كان قبلكم" (^٦).
_________________
(١) إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي، أبو إسحاق محدث، فقيه، أصولي، له مؤلفات كثيرة منها: الاعتصام و"الموافقات" توفي سنة ٧٩٠ هـ. شجرة النور الزكية (١/ ٢٣١) ودرة الحجال (١/ ١٨٢) والأعلام (١/ ٧٥).
(٢) الاعتصام للشاطبي (٢/ ١٧٦).
(٣) ذات أنواط: هي شجرة عظيمة قريبة من مكة كان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون لها ويعكفون عندها يومًا، وكانوا يعلقون أرديتهم عليها ويدخلون الحرم بغير أردية تعظيمًا لها، ولذلك سميت ذات أنواط يقال: ناط الشيء ينوطه نوطًا إذا علقه. النهاية لابن الأثير (٥/ ١٢٨) ومعجم البلدان (١/ ٢٧٣) ولسان العرب (٧/ ٤٢٠).
(٤) السنن بفتح السين والنون وهو الطريق ويجوز في السين الضم والكسر. المصباح المنير (١/ ٢٩٢).
(٥) سورة الأعراف آية (١٣٨).
(٦) أخرجه أحمد (٥/ ٢١٨) والترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم (٤/ ٤٧٥) وقال: حديث حسن صحيح. والطبراني في الكبير (٣/ ٢٤٣) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٧) وقال الألباني: إسناده حسن.
[ ٤٥٧ ]
ففي هذا الحديث أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب رسول الله - ﷺ - من الذين دخلوا حديثًا في الإسلام أن يطلبوا هذا الطلب القبيح وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبركون بها من دون الله.
وقد صدق - ﷺ - حيث وقع ما أخبر به فإن غالب الناس ولاسيما في هذا العصر الذي أصبح التقليد والمشابهة للكفار سمة لأهله فنحن نرى الكثير من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات كأعياد الموالد وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات وإقامة التماثيل والنصب التذكارية، وإقامة المأتم وغير ذلك من الأمور التي لم ينج منها إلا من رحم الله وهم القليل.
٤ - التعصب للآراء والتقليد الأعمى للشيوخ يحول بين المرء واتباع الحق ومعرفة الدليل، وهذا شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما احتجوا بمذاهبهم وأقوال مشائخهم وآبائهم وأجدادهم وأخذوها على أنها أقوال مسلمة لا يقبل غيرها.
وقد ذم الله ﷾ التقليد باتباع الآباء والأجداد حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ (^١). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ (^٢).
هذا كله من أسباب انتشار البدع بالإضافة إلى سكوت كثير من
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٧٠).
(٢) سورة الأحزاب آية (٦٦، ٦٧).
[ ٤٥٨ ]
العلماء وتركهم الدعوة إلى الله تعالى وتبصير الناس بدينهم وبهدي نبيهم - ﷺ - الأمر الذي جعل عامة الناس يعتقدون في البدع أنها سنن، وإذا أردت أن تبين لهم الحق في ذلك، ردوا عليك بقولهم من أنت؟ ومن تكون؟ فلو كان الأمر بدعة كما تدعي لبينها الشيخ فلان وفلان، فإنك لست بأعلم منهم بل لا تدانيهم في منزلتهم العلمية.
وطريق الخلاص من هذه البدع كلها يكون بالتمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما وإلى كتب السلف الصالح لفهم العقيدة الصحيحة ومعرفة ما يضادها أو ينقصها من الشرك والبدع والخرافات ونبذ الكتب المخالفة للكتاب والسنة من كتب الصوفية والقبورية والمخرفين.
وأسأل الله تعالى أن يجنبنا مضلات الفتن وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعدائه إنه على كل شيء قدير.
[ ٤٥٩ ]
المطلب الخامس حكم البدع وأهلها
البدع كلها مضادة للشارع ومراغمة له حيث أن المبتدع نصب نفسه منصب المستدرك على شرع الله ﷿، ولهذا كانت البدعة مذمومة بكل حال، لأن النصوص الواردة في البدع بينت أن كل بدعة ضلالة وأن عمل المبتدع مردود عليه، وعلى هذا فالإبتداع في الدين حرام سواء كان ذلك في العبادات أو الاعتقادات قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا فقوله - ﷺ -: "كل بدعة ضلالة" (^١) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (^٢) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة (^٣).
أما المبتدعة الذين يحدثون البدع فهم مفترون على الله ﷿ لأن أحداثهم للبدع يفهم منه أن الله ﷾ لم يكمل هذا الدين وأن الرسول - ﷺ - لم يبلغ كل ما أوحي إليه حتى جاء هؤلاء المبتدعة
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤١٩).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٣٨٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٩١).
[ ٤٦٠ ]
فأكملوا الشرع بما أحدثوه من ضلالات زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله ﷿، وهذا خطر عظيم واعتراض على رب العالمين ﷾، واتهام للدين بالنقص، وللرسول - ﷺ - بالخيانة والكتمان، وهذا كله باطل لا شك فيه، فالله ﷾ قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^١).
والرسول - ﷺ - قد بلغ ما أوحي إليه بلاغًا مبينًا لم يترك طريقًا للخير يقربنا إلى الله ﷿ إلا ودلنا عليه، ولا طريقًا يبعد عن الله ﷿ إلا وحذرنا منه ولذا تقول عائشة ﵂ لمسروق (^٢) رحمه الله تعالى كما في صحيح مسلم (^٣) "ثلاث من تكلم بواحدة منها فقد أعظم على الله الفرية" وذكرت منها: من زعم أن رسول الله - ﷺ - كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (^٤).
فلو كانت البدع التي أحدثها المبتدعة من الدين الذي أتمه الله علينا ورضيه لنا دينًا لبينه الرسول - ﷺ - لأمته إما بقوله أو فعله، فلما لم يبين ذلك دلّ على أن ما أحدثه هؤلاء ليس من الدين في شيء، وقد تكلم
_________________
(١) سورة المائدة آية (٣).
(٢) الإمام العلم أبو عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية الوادعي الهمداني، من كبار التابعين. قال يحيي بن معين: مسروق ثقة، لا يسأل عن مثله، توفي ﵀ سنة ٦٣ هـ. الجرح والتعديل (٨/ ٣٩٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٩) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٠٩).
(٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب معنى قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١/ ١٥٩).
(٤) سورة المائدة آية (٦٧).
[ ٤٦١ ]
ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا كله فقال: "أهل الأهواء والبدع كلهم مفترون على الله، وبدعتهم تتغلظ بحسب كثرة افترائهم عليه، وقد جعل الله من حرم ما أحله الله، وحلل ما حرمه الله مفتريًا عليه الكذب، فمن قال على الله ما لا يعلم فقد افترى عليه الكذب ومن نسب إلى الله ما لا يجوز نسبته إليه من تمثيل أو تعطيل، أو كذب بأقداره فقد افترى على الله الكذب، وقد قال الله ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^١) " قال سفيان: الفتنة أن يطبع الله على قلوبهم (^٢).
فلهذا تغلظت عقوبة المبتدع على عقوبة العاصي، لأن المبتدع مفتر على الله، مخالف لأمر رسوله لأجل هواه (^٣).
فالبدع كلها شر وضلالة، ومحادة لله ﷾ ولرسوله - ﷺ - ويخشى أن يكون أهل الأهواء والبدع ممن حيل بينهم وبين التوبة عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة" (^٤).
_________________
(١) سورة النور آية (٦٣).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٣٢) وعزاه لعبد بن حميد.
(٣) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٤٣، ٤٤).
(٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢١) والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٤٩) والطبراني في الأوسط (٤٣٦٠) وابن وضاح في البدع والنهي عنها (٥٥) والهروي في ذم الكلام وأهله (٥/ ٩٩/ ب)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٨٦) رواه الطبراني وإسناده حسن. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٨٩) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة، وقد تكلم عن هذا الحديث وطرقه العلامة محمد بن ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (١٦٢٠).
[ ٤٦٢ ]
فهذا الحديث يدل على أن الله ﷾ حجب التوبة أمام المبتدع، فلا يقبل له توبة، ذلك لأن المبتدع يرى أن عمله دين يتقرب به إلى الله ﷿ فلا يتوب منه ولا يرجع عنه وهذا بخلاف العاصي فإن العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن معني حديث أنس السابق فقال: "لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب مادام يراه حسنًا، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فمادام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب، ولكن التوبة منه ممكنة واقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى ﷾ من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ (^٤).
_________________
(١) غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب للسفاريني (٢/ ٥٨٢).
(٢) سورة محمد آية (١٧).
(٣) سورة النساء آية (٦٦ - ٦٨).
(٤) سورة الحديد آية (٢٨).
[ ٤٦٣ ]
وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسنة (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه مادام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، فأما إذا أراه الله أنها قبيحة، فإنه يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ٩، ١٠).
(٢) المصدر السابق (١١/ ٦٨٤، ٦٨٥).
[ ٤٦٤ ]
المبحث الرابع الغلو وكلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليه
الغلو في اللغة هو مجاوزة الحد والمبالغة في الشيء، يقول الراغب الأصبهاني: الغلو تجاوز الحد، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو (^١).
وفي الشرع هو الإفراط في التعظيم بالقول والعمل والاعتقاد ومجاوزة الحد المشروع في ذلك كالغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين من حيث اعتقاد أن لهم تصرفًا في الكون، أو تعظيمهم بالألفاظ والأفعال ورفعهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها (^٢).
والغلو منهى عنه، وقد ذمه الله ﷾ وحرمه وتوعد الغالين ونهاهم عنه فقال تعالى في كتابه العظيم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (^٤).
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣٦٤).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٨٢) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (١/ ٧٦) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٦٥).
(٣) سورة النساء آية (١٧١).
(٤) سورة المائدة آية (٧٧).
[ ٤٦٥ ]
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "ينهى الله ﷾ أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه بل قد غلوا في اتباعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقًا أو باطلًا أو ضلالًا أو رشادًا أو صحيحًا أو كذبًا" (^١).
كما ذم الغلو ونهى عنه النبي - ﷺ - كما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله" (^٢).
فالغلو وباء قاتل ومرض مدمر، ولم يزل شره في ازدياد حتى وقع كثير من المسلمين في الشرك بسبب الغلو ومجاوزة الحد المشروع.
وقد تناول ابن رجب ﵀ مسألة الغلو وبيّن أنه جهل وضلال كما بيّن بعض مظاهره فقال رحمه الله تعالى: وأما النصارى فذمهم الله بالجهل والضلالة، وبالغلو في الدين بغير الحق، ورفع المخلوق إلى درجة لا يستحقها حتى يدعى فيه الإلهية، واتباع الكبراء في التحليل والتحريم، وكل هذا يوجد جهالًا منتسبين إلى العبادة من هذه الأمة فمنهم من يعبد بالجهل بغير العلم بل يذم العلم وأهله، ومنهم من يغلو في بعض الشيوخ فيدعى فيه الحلول، ومن يدعي الحلول المطلق والاتحاد، ومنهم من يغلو فيمن يعتقده من الشيوخ كما يغلو النصارى في رهبانهم
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٨٩).
(٢) صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤/ ١٤٢).
[ ٤٦٦ ]
ويعتقدون أن لهم أن يغلو في الدين ما شاؤا، وأن من رضي عنه غفر له، ولا يبالي بما عمل من عمل، وأن محبتهم لا يضر معها ذنب، وقد كان الشيوخ العارفون ينهون عن صحبة الأشرار وأن ينقطع العبد عن الله بصحبته الأخيار، فمن صحب الأخيار بمجرد التعظيم لهم والغلو فيهم غلوًا زائدًا عن الحد، وعلق قلبه بهم فقد انقطع عن الله بهم وإنما المراد من صحبة الأخيار أن يوصلوا من صحبهم إلى الله ويسلكوا طريقه ويعلموه دينه، وقد كان النبي - ﷺ - يحث أهله وأصحابه على التمسك بالطاعة ويقول: "اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا" (^١)، وقال لأهله: "إن أوليائي منكم المتقون يوم القيامة لا يأتي الناس بالأعمال، وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد، فأقول: قد بلغت" (^٢) ولما سأله ربيعة الأسلمي مرافقته في الجنة قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (^٣) فإنما يراد من صحبة الأخيار إصلاح الأعمال والأحوال والإقتداء بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن البطالة إلى العمل، ومن التخليط إلى التكسب والقول والفعل إلى الورع، ومعرفة النفس آفاتها واحتقارها، فأما من صحبهم وأفتخر بصحبتهم وادعى بذلك الدعاوى العريضة، وهو مصر على غفلته وكسله وبطالته فهو منقطع عن الله من حيث ظن الوصول إليه كذلك المبالغة في تعظيم الشيوخ وتنزيلهم منزلة الأنبياء هو المنهي عنه وقد كان عمر وغيره من الصحابة والتابعين ﵃ يكرهون أن يطلب منهم الدعاء، ويقولون: "أنبياء نحن؟ " إلى أن قال رحمه الله تعالى:
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير (٦/ ١٧) ومسلم: الإيمان (١/ ١٩٢).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري في الأدب المفرد (ص ٤٢) والحاكم (٤/ ٧٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة (١/ ٣٥٣).
[ ٤٦٧ ]
"فالغلو من صفات النصارى، والجفاء من صفات اليهود والقصد هو المأمور به" (^١).
فالغلو أصل من أصول الشرك في الأولين والآخرين، ووسيلة من الوسائل المؤدية إلي عبادة الأصنام، وقد أمرنا الله تعالى بمحبة الأنبياء والمرسلين والصالحين، وإنزالهم منازلهم من العبودية، ونهانا عن الإفراط ومجاوزة الحد في تعظيمهم، فلا نرفعهم فوق منزلتهم.
وتعظيم الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ومحبتهم إنما هو باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والتقوى والعمل الصالح واقتفاء آثارهم في ذلك دون عبادتهم وعبادة قبورهم والعكوف عليها واتخاذها مساجد وأعيادًا ومجامع للزيارات وغير ذلك من البدع والضلالات.
نسأل الله العافية من كل فتنة آمين.
_________________
(١) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٥٦) وما بعدها.
[ ٤٦٨ ]
المبحث الخامس مسائل متفرقة متعلقة بهذا الفصل
١ - التنجيم
النجم الكوكب، والجمع أنجم ونجوم وهو أحد الأجرام السماوية المضيئة، والنجم علم على الثرياء خاصّة، والمنجم والمنتجم الذي ينظر في النجوم بحسب مواقيتها وسيرها يستطلع من ذلك أحوال الكون (^١).
والله ﷾ خلق النجوم لمنافع عظيمة، فقد أخبر ﷾ في كتابه أنها يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر وأنها زينة السماء الدنيا وأنها رجوم للشياطين، قال تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ (^٣)، وقال تعالي: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (^٤).
قال قتادة ﵀ تعالي: "خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأوّل فيها غير ذلك أخطأ
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١٢/ ٥٦٩)، والمصباح المنير (٢/ ٥٩٤).
(٢) سورة الأنعام، آية (٩٧).
(٣) سورة النحل، آية (١٦).
(٤) سورة الملك، آية (٥).
[ ٤٦٩ ]
وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم به (^١)، وإن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من غرس بنجم كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابّة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلّمه أسماء كل شيء" (^٢).
فالله ﷾ خلق النجوم لهذه المنافع العظيمة، أما غير ذلك مما يدّعيه أهل هذا العلم من أنهم يستدلّون بحركات النجوم وطلوعها وغروبها على أحداث وأمور ستقع، فهذا كلّه من ادّعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ﷾، وهو الذي حذّر منه قتادة ﵀ تعالي في كلامه السابق، ولكن التعلّق بالكواكب وربط ذلك بما يحدث في الأرض بدأ يزداد في كل عصر حتى بلغ الغاية في عصرنا هذا، وأصبح ذلك من الأمور المسلّمة التي لا تقبل الجدل عند كثير من الناس، وهذا كلّه ضلال وشرك لأنه من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها، وبيّن أنها من الشرك لما فيها من التعلّق بغير الله تعالي، واعتقاد الضرّ والنفع في غيره وتصديق العرّافين والكهنة الذين يدّعون علم الغيب زورًا وبهتانًا، ويعبثون بعقول السذّج من الناس ليأخذوا أموالهم ويغيّروا عقائدهم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: "علم المنجوم المنهي عنه هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في
_________________
(١) أخرجه إلى هذا القدر الطبري في تفسيره (٢٩/ ٣، ٤)، وذكره البخاري معلقًا في صحيحه (٤/ ٧٤).
(٢) أخرجه بهذه الزيادة الخطيب في كتاب النجوم ورقة (١٠)، وذكره ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٩٥)، وصاحب تيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٨) من قول قتادة.
[ ٤٧٠ ]
مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحرّ والبرد وتغيّر الأسعار وما كان في معانيها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدّعون لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تتصرّف على أحكامها وتجرى على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكّم على الغيب وتعاط لعلم استأثر الله سبحانه به لا يعلم الغيب أحد سواه" (^١).
وقال البغوي رحمه الله تعالى: "والمنهي من علم النجوم ما يدّعيه أهلها من معرفة الحوادث التي لم تقع في مستقبل الزمان مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح ومجيء المطر ووقوع الثلج، وظهور الحرّ والبرد وتغيّر الأسعار ونحوها، يزعمون أنهم يستدركون معرفتها بسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله ﷿ به لا يعلمه أحد غيره" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالي: "صناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية صناعة محرّمة بالكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، بل هي محرّمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل" (^٣).
فعلم التنجيم المحرّم هو ما يزعم أهله من أنهم يعرفون ما يكون في المستقبل من أمور عامّة وأحداث لم تقع أنها ستقع في زمن معيّن، وخاصة عن طريق النجوم والنظر فيها كأخبارهم عن أوقات مجيء المطر
_________________
(١) معالم السنن (٤/ ٢٢٩، ٢٣٠).
(٢) شرح السنة (١٢/ ١٨٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٢).
[ ٤٧١ ]
وهبوب الرياح، وتغيّر الأسعار، وما كان يماثلها من الأمور، حيث أنهم يدّعون أن للكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها تأثيرًا في الأمور السفلية والتنجيم بهذا يكون من ادّعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ﷾؛ كما دلّت على ذلك النصوص الكثيرة في كتاب الله وسنّة الرسول - ﷺ -، وهو نوع من أنواع السحر، لأنه ضرب من التخييل والإيهام وهو شرك، لأن فيه استعانة بغير الله ﷾.
وأمّا تعلّم منازل الشمس والقمر للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول، فهذا رخّص فيه كثير من العلماء لحصول المنفعة به، وهو وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات والاهتداء به إلى الجهات.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: "فأمّا علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والحسّ الذي يعرف به الزوال ويعلم به جهة القبلة فإنه غير داخل فيها نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئًا بأكثر من أن الظل مادام متناقصًا، فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصحّ إدراكه من جهة المشاهدة، إلاّ أن أهل هذه الصناعة قد دبّروه بما اتّخذوا له من الآلة التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدّته ومراصدته. وأمّا ما يستدلّ به من جهة النجوم على جهة القبلة، فإنما هي كواكب رصدها أهل الخبرة بها من الأئمّة الذين لا نشكّ في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة ويشاهدوها في حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة وإدراكنا لذلك بقبولنا لخبرهم؛ إذ كانوا غير متهمين في دينهم ولا مقصّرين في معرفتهم (^١).
_________________
(١) معالم السنن (٤/ ٢٣٠)، وانظر تيسير العزيز الحميد (ص ٣٩٣).
[ ٤٧٢ ]
وقد كره بعض العلماء تعلّم منازل القمر سدًا لباب الشرك وحسمًا لمادّته.
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة التنجيم، وبيّن أن هذا النوع من العلم ينقسم إلى قسمين: علم تسيير وعلم تأثير، وقد نقل بعض أقوال أهل العلم في جواز علم التسيير الذي به تعرف القبلة وأوقات الصّلاة. أمّا علم التأثير فقد بيّن أنه باطل ومحرّم وقد ذكر الأدلّة التي تبيّن بطلانه وحرمته، فقال ﵀ تعالي: "وكان النخعي (^١) لا يرى بأسًا أن يتعلّم الرجل من النجوم ما يهتدي به ورخّص في تعلّم منازل القمر أحمد وإسحاق، ويتعلّم من أسماء النجوم ما يهتدى به، وكره قتادة تعلّم منازل القمر، ولم يرخّص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما، وقال طاووس (^٢): ربّ ناظر في النجوم ومتعلّم حروف أبي جاد (^٣) ليس له عند الله خلاق"، خرّجه حرب، وخرّجه حميد بن
_________________
(١) أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني ثم الكوفي، الإمام الحافظ، فقيه العراق وأحد الأعلام، وكان واسع الرواية، كبير الشأن، توفي سنة ٩٦ هـ. طبقات ابن سعد (٦/ ٢٧٠)، ووفيات الأعيان (١/ ٢٥)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠).
(٢) طاووس بن كيسان أبو عبد الرحمن الفارسي اليمني، الفقيه الحافظ عالم اليمن، كان ثقة عابدًا، توفي سنة ١٠٦ هـ. طبقات ابن سعد (٥/ ٥٣٧)، ووفيات الأعيان (٢/ ٥٠٩)، وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٣٤١).
(٣) هي الحروف المرتبة في الكلمات التالية: أبْجَدْ هَوَّز حُطّي كَلَمُنْ سَعْفصْ قَرْشَتْ ثَخَذْ ضَظَعْ. وقد استعمل هذا الترتيب للعدد والحساب والتاريخ بجعل كل حرف دالًا على عدد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الصواب أن هذه ليست أسماء لمسمّيات، وإنما ألّفت ليعرف تأليف الأسماء من حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب =
[ ٤٧٣ ]
زنجويه (^١) من رواية طاووس عن ابن عباس (^٢).
هذا محمول على علم التأثير لا علم التسيير، فإن علم التأثير باطل محرّم، وفيه ورد الحديث المرفوع: "ومن اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر"، خرّجه أبو داود (^٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا.
وخرّج أيضًا من حديث قبيصة مرفوعًا: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت" (^٤). والعيافة: زجر الطير، والطرق: الخط في الأرض.
_________________
(١) = العدد، وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط المكتوبة أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة. مجموع الفتاوى (١٢/ ٦٢)، وانظر المزهر للسيوطي (٢/ ٣٤٢)، وتاج العروس (٧/ ٤٠٢)، والفهرسة والترتيب المعجمي (ص ٥٨).
(٢) حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي أبو أحمد المشهور بابن زنجويه، الإمام الحافظ، وكان أحد الأئمّة المجودين، قال أبو حاتم البستي: هو الذي أظهر السنّة بنسا، له مؤلفات مفيدة منها: كتاب الأموال، توفي سنة ٢٥١ هـ. تاريخ بغداد (٨/ ١٦٠)، وطبقات الحنابلة (١/ ١٥٠)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٠).
(٣) أثر ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٩).
(٤) أبو داود: كتاب الطب، باب في النجوم (٤/ ٢٢٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (١/ ٢٢٧)، وابن ماجه: كتاب الأدب -باب تعلّم النجوم (٣٧٢٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٣٥)، والبيهقي في السنن (٨/ ١٣٨). وقال النووي في رياض الصالحين (٦٣٧): إسناده صحيح، وقال الذهبي في الكبائر (١٢٣): رواه أبو داود بسند صحيح، وقال العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١١٧): أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح.
(٥) أخرجه أبو داود: كتاب الطب، باب في الخط وزجر الطير (٤/ ٢٢٩)، وأحمد (٣/ ٤٧٧)، والنسائي كما في تحفة الأشراف (٨/ ٢٧٥)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٦٩)، والبيهقي في السنن (٨/ ١٣٩)، وحسّنه النووي كما في فيض القدير للمناوي (٤/ ٣٩٥).
[ ٤٧٤ ]
فعلم تأثير النجوم باطل محرّم، والعمل بمقتضاه كالتقرّب إلى النجوم وتقريب القرابين لها كفر.
وأمّا علم التسيير، فإذا تعلّم منه ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطريق، كان جائزًا عند الجمهور، وما زاد عليه فلا حاجة إليه وهو يشغل عمّا هو أهمّ منه، وربما أدّى التدقيق فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم كما وقع ذلك كثيرًا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار وهو باطل" (^١).
٢ - التطيّر والتشاؤم
الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطيّر (^٢).
يقول ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: "أصل التطيّر واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار هو مأخوذ من زجر الطير ومروره سانحًا أو بارحًا، منه اشتقوا التطيّر، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغير الحيوان، فتطيّروا من الأعور والأعضب والأبتر " (^٣).
والتشاؤم مأخوذ من الشؤم وهو ضدّ اليمن، تقول: تشأمت بالشيء وتيّمنت به (^٤).
يقول ابن القيّم ﵀ تعالي: "كانوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونها، فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سمّوه سانحًا، وما تياسر منها
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٩ - ١٢).
(٢) النهاية لابن الأثير (٣/ ١٥٢)، وانظر الصحاح (٢/ ٧٢٨).
(٣) التمهيد (٩/ ٢٨٢).
(٤) انظر: الصحاح (٥/ ١٩٥٧)، والنهاية لابن الأثير (٢/ ٥١٠).
[ ٤٧٥ ]
سمّوه بارحًا، وما استقبلهم منها فهو الناطح، وما جاءهم من خلفهم سمّوه القعيد، فمن العرب من يتشاؤم بالبارح ويتبرّك بالسانح، ومنهم من يرى خلاف ذلك" (^١).
وقد جاء الإسلام بتطهير القلوب من كل شوائب الشرك التي منها التطيّر بالأشخاص والأماكن والأزمان، واعتقاد أنها هي السبب في بعض ما يصيب الإنسان.
ولقد حرّم الإسلام الطيرة وعدّها من الشرك، لأن المتطيّر يعتقد أن شيئًا من المخلوقات ينفع أو يضرّ، ولأن في ذلك إغفالًا للخالق ﷾، وثلبًا لعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر.
وفي الواقع أن التطيّر والطيرة لا تضرّ إلّا من اعتقدها، فإنك تجد معتقدها دائم الخوف قلق النفس مضطرب الفكر والرأي والتصرفات، وتجد عنده من التردّد وضعف اليقين وقلّة التوكّل وسوء الظن ما يعكّر عليه صفو حياته ويوهن عقيدته ويفتح للشيطان أبوابه (^٢).
وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة التطيّر وبيّن أنها من الأعمال الشركية التي كان يفعلها أهل الجاهلية، وذكر الأدلّة التي تدلّ على تحريم الطيرة والنهي عنها، فقال: "والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون (^٣) وقوم صالح (^٤)
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٢٩).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١).
(٣) وهو في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، سورة الأعراف، آية (١٣١).
(٤) وهو في قوله تعالي: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ سورة النمل، آية (٤٧).
[ ٤٧٦ ]
وأصحاب القرية (^١) التي جاءها المرسلون، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا طيرة" (^٢)، وفي حديث: "من ردّته الطيرة فقد قارف الشرك" (^٣)، وفي حديث ابن مسعود المرفوع: "الطيرة من الشرك وما منّا إلّا، ولكن الله يذهبه بالتوكّل" (^٤). والبحث عن أسباب الشر من النظر في النجوم ونحوها من الطيرة المنهي عنها، والباحثون عن ذلك غالبًا لا
_________________
(١) وهو قوله تعالي: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ سورة يس، آية (١٩، ١٨).
(٢) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري: كتاب الطب -باب الطيرة (١٠/ ١٨١). ومسلم: كتاب السلام، باب الطيرة والفأل (٢٢٢٣) كلاهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم".
(٣) أخرجه ابن وهب في الجامع (١١٠)، والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (٣/ ٤٠٢)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١١٧)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٥) رواه البزار، وفيه سعيد بن أسد، روى عنه أبو زرعة الرازي، ولم يضعفه أحد، وشيخ البزار إبراهيم غير منسوب وبقيّة رجاله ثقات، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠) بلفظ: "من ردّته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله، ما كفّارة ذلك؟ قال: أن يقول أحدهم: اللهمّ لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك". وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. المسند تحقيق أحمد شاكر (١٢/ ١٠).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٩)، وأبو داود: كتاب الطب -باب الطيرة (٤/ ٢٣٠)، والترمذي: كتاب السير -باب ما جاء في الطيرة (٤/ ١٦٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الطب -باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة (٢/ ١١٧٠)، والحاكم (١/ ١٧) وقال: صحيح سنده، ثقات رواته، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي عقب تصحيحه لهذا الحديث: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: "وما منا، ولكن الله يذهبه بالتوكّل"، هذا عندي قول عبد الله بن مسعود: وما منّا.
[ ٤٧٧ ]
يشتغلون بما يدفع البلاء من الطاعات بل يأمرون بلزوم المنزل وترك الحركة، وهذا لا يمنع نفوذ القضاء والقدر وفي صحيح ابن حبان عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا طيرة والطيرة على من تطيّر" (^١).
وقال النخعي: "قال عبد الله بن مسعود: "لا تضرّ الطيرة إلا من تطير"، ومعنى هذا أن من تطيّر تطيّرًا منهيًا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه ويراه مما يتطيّر به حتى يمنعه مما يريد من حاجته فإنه قد يصيبه ما يكرهه، فأمّا من توكّل على الله ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفًا ورجاءًا قطعه عن الالتفات إلى هذه الأسباب المخوّفة إلى أن قال ﵀ تعالي: "وأمّا من اتّقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها، فإنه لا ينفعه ذلك غالبًا كمن ردّته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطيّر به، فإنه كثيرًا ما يصاب ما خشي منه، وكمن اتقى الطاعون الواقع في بلده بالفوار منه، فإنه قلّ أن ينجيه ذلك، وقد فرّ كثير من المتقدمين والمتأخّرين من الطاعون فأصابهم ولم ينفعهم الفرار، وقد قال الله تعالي: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (^٢) " (^٣).
فقد أوضح ابن رجب ﵀ تعالي في كلامه السابق أن الطيرة شرك لما فيها من تعلّق القلب بغير الله ﷿، حيث أنهم يعتقدون أن
_________________
(١) أخرجه ابن حبان كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٧/ ٦٤٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٠٩)، قال ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٣): وفي صحته نظر لأنه من رواية عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس، وعتبة مختلف فيه.
(٢) سورة البقرة، آية (٢٤٣).
(٣) لطائف المعارف (ص ٧١، ٧٣).
[ ٤٧٨ ]
الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًّا من دون الله ﷿، وهذا عين الشرك المنهيّ عنه.
كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن من أمور الجاهلية التي نهى عنها الرسول - ﷺ - التشاؤم بالهامة وصفر وغيرها، فقال ﵀ تعالي: "وأمّا قوله - ﷺ -: "ولا هامة"، فهي نفي لما كانت الجاهلية تعتقده أن الميّت إذا مات صارت روحه هامة وهو طائر يطير وهو شبيه باعتقاد أهل التناسخ أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور.
وكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها، ولكن الذي جاءت به الشريعة أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنّة، وترد من أنهار الجنّة إلى أن يردّها الله إلى أجسادها (^١)، وروي أيضًا: "إن نسمة المؤمن (^٢) طائر يعلق في شجر الجنّة حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة" (^٣).
وأمّا قوله - ﷺ -: "ولا صفر"، فاختلف في تفسيره، فقال كثير من المتقدّمين الصفر: داء في البطن يقال إنه دود فيه كبار كالحيات وكانوا
_________________
(١) كما ورد ذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم: كتاب الإمارة -باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنّة (٣/ ١٥٠٢).
(٢) نسمة المؤمن: النسمة بفتحتين الروح والنفس، وكل شيء في روح فهو نسمة. النهاية لابن الأثير (٥/ ٤٩)، ولسان العرب (١٢/ ٥٧٣).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٥)، والترمذي: كتاب فضل الجهاد -باب ما جاء في ثواب الشهداء (٤/ ١٧٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر القبر والبلى (٢/ ١٤٢٨). والنسائي: كتاب الجنائز -باب أرواح المؤمنين (٤/ ١٠٨)، وقال الألباني في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٥٦): صحيح.
[ ٤٧٩ ]
يعتقدون أنه يعدي، فنفى ذلك النبيّ - ﷺ -، وممّن قال هذا من العلماء ابن عيينة والإمام أحمد وغيرهما، ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلًا في قوله: "لا عدوى"، وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام وخصّه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى.
وقالت طائفة: بل المراد بصفر شهر، ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:
أحدهما: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلون في النسئ، فكانوا يحلّون المحرم ويحرّمون صفرًا مكانه، وهذا قول مالك
والثاني: أن المراد أن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر شؤم، فأبطل النبي - ﷺ - ذلك، وهذا حكاه أبو داود عن محمد بن راشد المكحولي (^١) عمّن سمعه يقول ذلك.
ولعلّ هذا القول أشبه الأقوال، وكثير من الجهّال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه، والتشاؤم بصفر من جنس الطيرة المنهي عنه، وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء
وكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوّال في النكاح فيه خاصة، وقد قيل أن أصله أن طاعونًا وقع في شوّال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس، فتشاءم بذلك أهل الجاهلية، وقد ورد الشرع بإبطاله، قالت
_________________
(١) محمد بن راشد المكحولي الخزاعي أبو عبد الله الدمشقي، قال أبو حاتم: كان صدوقًا حسن الحديث، وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والنسك ولم يكن الحديث من صنعته وكثر المناكير في روايته فاستحق الترك، توفي قبل السبعين ومائة. الجرح والتعديل (٧/ ٢٥٣)، والمجروحين (٢/ ٢٥٣)، وميزان الاعتدال (٣/ ٥٤٣)، وتهذيب التهذيب (٩/ ١٥٨).
[ ٤٨٠ ]
عائشة ﵂: "تزوّجني رسول الله - ﷺ - في شوال وبنى بي في شوال، فأيّ نسائه كان أحظى عنده مني" (^١) " (^٢).
فنخلص من هذا كلّه أن الطيرة شرك تنافي كمال التوحيد، وقد يكون التطيّر منافيًا للتوحيد بالكلية إذا اعتقد أنه هو الذي يجلب إليه النفع أو يدفع عنه الضرّ، والله أعلم.
٣ - الجمع بين قوله - ﷺ -: "لا عدوى" وقوله: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد" وقوله: "لا يورد ممرض على مصح"
أشكل على العلماء قوله - ﷺ -: "لا عدوى ولا طيرة" (^٣)، مع قوله - ﷺ -: "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" (^٤)، وقوله: "لا يورد ممرض على مصح" (^٥)، ونهيه - ﷺ - عن الدخول إلى أرض الطاعون أو الخروج منها (^٦)، وقد أجابوا عن ذلك بأجوبة كثيرة:
١ - فطائفة منهم ردّت حديث أبي هريرة: "لا عدوى"، وقالوا: إن أبا هريرة ﵁ رجع عن ذلك، والأحاديث الدالّة على الاجتناب أكثر، فالمصير إليها أولى.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب النكاح -باب استحباب التزوّج والتزويج في شوال (٢/ ١٠٣٩).
(٢) لطائف المعارف (ص ٧٤، ٧٥).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الطب -باب لا صفر (٧/ ١٩)، ومسلم: كتاب السلام - باب لا عدوى ولا طيرة (٤/ ١٧٤٣).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الجذام (٧/ ١٧).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الجذام (٧/ ١٧)، ومسلم: كتاب السلام - باب لا عدوى ولا طيرة (٤/ ١٧٤٣).
(٦) سبق إيراد هذا الحديث وتخريجه (ص ٣٤٩).
[ ٤٨١ ]
٢ - وطائفة أخرى عكست القول، وأخذوا بحديث: "لا عدوى"، وتركوا الأخذ بالأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالاجتناب، وأعلّوا بعضها بالشذوذ كحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وأن عائشة ﵂ أنكرته وقالت: "ولكنه قال: "لا عدوى"، وقال: "فمن أعدى الأوّل".
وهذان القولان لا يسلمان من المآخذ.
أمّا الأول: فقولهم إن أبا هريرة راوي حديث "لا عدوى" رجع عنه فإن هذا لا يضرّ؛ لأن الحديث قد رواه جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن عمر وغيرهم، فنسيان أبي هريرة لا يضرّ.
وأمّا القول الثاني: فقولهم بإعلال حديث "فر من المجذوم"، فان ذلك لا يضرّ لأن أحاديث الاجتناب الأخرى ثابتة.
٣ - وقالت طائفة أخرى: إن أحاديث النفي مخاطب بها قوى الإيمان، وأحاديث الإثبات مخاطب بها ضعيف الإيمان.
قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "وهذا القول فيه نظر" (^١).
٤ - وقال طائفة: إن قوله - ﷺ -: "لا عدوى" نفي لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من إضافة الفعل لغير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تعدى بطبعها وإلا قد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح للمريض سببًا لحدوث المرض وانتقاله إلى الصحيح.
ولعلّ القول الأخير هو أرجح الأقوال وأحسنها، وقد رجّحه طائفة من العلماء (^٢).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٢).
(٢) انظر: حكاية هذه الأقوال في فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٦٠ - ١٦٢)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٧١ - ٣٧٤).
[ ٤٨٢ ]
وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة، وذكر بعض أقوال العلماء فيها ورجح القول الأخير، فقال: "وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر"، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرحل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "فمن أعدى الأوّل" (^١).
أمّا العدوى فمعناها أن المرض يتعدّى من صاحبه إلى من يقارنه من الأصحّاء، فيمرض بذلك، وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب، ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب، فقال النبي - ﷺ -: "فمن أعدى الأول"، ومراده أن الأوّل لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.
وقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس فهمها، حتى ظن بعضهم أنها ناسخة لقوله: "لا عدوى"، مثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا يورد ممرض على مصح" (^٢)، والممرض صاحب الإبل المريضة، والمصح صاحب الإبل الصحيحة. والمراد النهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة، ومثل قوله - ﷺ -: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد" (^٣)، وقوله - ﷺ - في الطاعون: "إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها" (^٤)، ودخول النسخ في هذا كما تخيّله بعضهم لا معنى له، فإن معنى قوله: "لا عدوى" خبر محض لا يمكن نسخه، إلا أن يقال هو نهي عن اعتقاد العدوى لا نفي لها،
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٨١).
(٢) لقدم تخريجه (ص ٤٨١).
(٣) تقدم تخريجه (٤٨١).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٣٤٩).
[ ٤٨٣ ]
ولكن يمكن أن يكون ناسخًا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها.
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا نسخ في ذلك كلّه، ولكن اختلفوا في معنى قوله: "لا عدوى"، وأظهر ما قيل في ذلك أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدى بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على ذلك قوله: "فمن أعدى الأول"، يشير إلى أن الأوّل إنما جرب بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده، خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - فقال: "لا يعدى شيء شيئًا" (قالها ثلاثًا)، فقال أعرابي: يا رسول الله النُّقْبة (^١) من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلّها، فقال رسول الله - ﷺ -: "فما أجرب الأول، لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها" (^٢).
فأخبر أن ذلك كلّه بقضاء الله وقدره؛ كما دلّ عليه قوله تعالي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٣)، فأمّا نهيه - ﷺ - عن إيراد الممرض، وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب
_________________
(١) النقبة: بضم النون وسكون القاف، قال ابن الأثير: أوّل شيء يظهر من الجرب وجمعها نقب بسكون القاف، لأنها تنقب الجلد أي تخرقه. النهاية لابن الأثير (٥/ ١٠١).
(٢) مسند أحمد (١/ ٤٤٠)، وسنن الترمذي: كتاب القدر -باب ما جاء لا عدوى ولا هامة ولا صفر (٤/ ٤٥٠). وقد سبق حديث أبي هريرة (ص ٤٨١)، وهو بمعناه.
(٣) سورة الحديد، آية (٢٢).
[ ٤٨٤ ]
التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتّقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذى، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلّها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبّباتها ولا خالق غيره ولا مقدّر غيره.
وأمّا إذا قوي التوكّل على الله تعالى والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لاسيما إذا كان فيه مصلحة عامّة أو خاصة.
وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرّجه أبو داود والترمذي أن النبي - ﷺ - أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: "كل باسم الله ثقة بالله وتوكّلًا عليه" (^١)، وقد أخذ به الإمام أحمد، وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃، ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد ﵁ من أكل السم، ومنه مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني (^٢) بالجيوش على متن البحر فهذا كلّه لا
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الطب - باب الطيرة (٤/ ٢٣٩)، والترمذي: كتاب الأطعمة - باب الأكل مع المجذوم (١٨١٨)، وقال: حديث غريب، وابن ماجه: كتاب الطب - باب الجذام (٣٥٤٢)، والحاكم (٤/ ١٣٦)، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٢) أبو مسلم عبد الله بن ثوب الخولاني الداراني، قال العجلي: "تابعي ثقة، من كبار التابعين وعبادهم"، وقال ابن عبد البر: "أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبيّ - ﷺ - ولم يرَ رسول الله - ﷺ -، وهو معدود من كبار التابعين، وكان ناسكًا عابدًا، له كرامات وفضائل". توفي ﵀ تعالي سنة ٦٢ هـ. =
[ ٤٨٥ ]
يصلح إلّا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكّلهم عليه وثقتهم به (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فإن جميع النعم من الله وفضله؛ كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٢)، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٣)، ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسبّبها ومقدّرها؛ كما في الحديث عن النبيّ - ﷺ - أنه صلّى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: "أتدرون ما قال ربكم الليلة"؟ قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا الكافر فقال: مطرنا بنوء (^٤) كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (^٥).
_________________
(١) = تاريخ الثقات للعجلي (ص ٥١١)، والاستيعاب لابن عبد البرّ (٤/ ١٧٥٧)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٧).
(٢) لطائف المعارف (ص ٦٧ - ٦٩).
(٣) سورة النساء، آية (٧٩).
(٤) سورة النحل، آية (٥٣).
(٥) نوء: جمعها أنواء وهي منازل القمر وهي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، سورة يس، آية (٣٩). وكانت العرب في الجاهلية تقول: إذا سقط منها نجم، وطلع آخر لابدّ أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كل مطر يكون عند ذلك إلى النجم، ويقولون: مطرنا بنوء كذا. وإنّما سمّي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ينوء نوءًا أي نهض وطلع. النهاية لابن الأثير (٥/ ١٢٢).
(٦) أخرجه البخاري: كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية (٥/ ٦٢)، ومسلم: كتاب الإيمان - باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء (١/ ٨٣).
[ ٤٨٦ ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر" (^١)، وهذا يدلّ على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه، فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاد أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة. ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع من الشرك الخفي (^٢).
٤ - معنى قوله - ﷺ -: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث"
جاءت بعض الأحاديث التي ظنّ بعض الناس أنها تدلّ على جواز الطيرة، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدابّة والدار" (^٣)، وفي رواية عند مسلم: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة" (^٤).
وقد ورد هذا الحديث عن عدد من الصحابة وبألفاظ مختلفة، فقد رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة وسهل بن سعد وجابر وغيرهم.
وقد تكلّم العلماء رحمهم الله تعالى على هذا الحديث وأجابوا عنه بعدّة أجوبة:
١ - فقال بعضهم: هذا مستثنى من الطيرة المنهي عنها، فإذا كره
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٨٢).
(٢) لطائف المعارف (ص ٧٠، ٧١).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الطيرة (٧/ ٢٧)، ومسلم: كتاب السلام - باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم (٤/ ١٧٤٧).
(٤) صحيح مسلم: كتاب السلام - باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم (٤/ ١٧٤٧).
[ ٤٨٧ ]
الرجل دارًا سكنها أو امرأة صحبها أو فرسًا أو خادمًا، فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه فإنها مشؤومة (^١).
٢ - وقال آخرون: لم يجزم النبي - ﷺ - بالشؤم في هذه الثلاثة بل علّقه على الشرط وهو قوله: "إن كان"، وغلطوا الراوي في روايته بالجزم دون الشرط.
قال في تيسير العزيز الحميد: "ولا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا تدلّ على نفي رواية الجزم" (^٢).
٣ - وقالت طائفة أخرى: إن الشؤم في هذه الأشياء إنما يلحق من تشاءم بها وتطيّر بها فيكون شؤمها عليه، أما من توكّل على الله ولم يتشاءم ولم يتطيّر لم تكن مشؤومة عليه، قالوا: ويدلّ عليه حديث أنس: "لا طيرة والطيرة على من تطيّر" (^٣).
٤ - وهناك قول لعائشة ﵂ وهو إنكارها لهذا الحديث، حيث قالت: "والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبى الله - ﷺكان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة"، ثم قرأت عائشة قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (^٤) إلى آخر الآية (^٥).
_________________
(١) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٧٨، ١٧٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٦).
(٣) تقدم تخريجه (٤٧٨).
(٤) سورة الحديد، آية (٢٢).
(٥) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٤): رجاله رجال الصحيح.
[ ٤٨٨ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " ولكن قول عائشة هذا مرجوح، ولها ﵂ اجتهاد في ردّ بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة، وهي ﵂ لما ظنت أن هذا الحديث يقتضي إثبات الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه وردّه، ولكن الذين رووه ممن لا يمكن ردّ روايتهم، ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده، ولو انفرد به فهو حافظ الأمة" (^١).
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: "ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقته من ذكرنا من الصحابة في ذلك" (^٢).
وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعض هذه الأقوال (^٣)، ثم قال: "والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث أن هذه الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابّة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرّها وشرّ ما جبلت عليه كما في حديث عمرو (^٤) ابن شعيب
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٤).
(٢) فتح الباري ابن حجر (٦/ ٦١).
(٣) انظر حكاية هذه الأقوال في مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٧)، وطرح التثريب (٨/ ١٢٠ - ١٢٣)، وفتح الباري (٦/ ٦١، ٦٢)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٦ - ٣٧٧).
(٤) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم السهمي، اضطرب قول أئمّة الجرح والتعديل فيه، وغالبهم على توثيقه، وإنما أنكروا عليه بعض رواياته عن أبيه عن جدّه، وهو ثقة في نفسه، قال ابن حجر في التقريب: "صدوق"، أخرج له الأربعة. توفي سنة ١١٨ هـ. الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٨)، وميزان الاعتدال (٣/ ٢٦٣)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٨)، وتقريب التهذيب (ص ٢٦٠).
[ ٤٨٩ ]
عن أبيه (^١) عن جدّه (^٢) عن النبي - ﷺ - الذى أخرجه أبو داود (^٣) وغيره، وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك، وقد أمر النبيّ - ﷺ - قومًا سكنوا دارًا فقلّ عددهم وقلّ مالهم أن يتركوها ذميمة" (^٤)، فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابّة غير منهي عنه، وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه ثلاث مرات فإنه يتحوّل عنه (^٥).
بهذا يتبيّن أن الشؤم موجود في بعض الأشياء لكن التشاؤم بهذه الأشياء هو الممنوع، فالواجب على المسلم أن يعتقد أن كل شيء من الله تعالى، ولا مانع من أن يبتعد عن الأعيان المشؤومة حقًا، لا ما يتوهمه أو يوسوس له الشيطان فيه، لأن الاسترسال في ذلك يفتح له أبوابًا من الشيطان تفسد عليه دينه وحياته.
أمّا وجه تخصيص هذه الثلاثة بالذكر، فقيل: إن الحصر فيها بالنسبة
_________________
(١) أبوه هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عن جدّه الأعلى عبد الله بن عمرو بن العاص. قال ابن حجر: "صدوق، ثبت سماعه من جدّه". الجرح والتعديل (٤/ ٣٥١)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٨١)، وتقريب التهذيب (ص ١٤٦).
(٢) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الصحابي الجليل.
(٣) أخرجه أبو داود: كتاب النكاح - باب في جامع النكاح (٢/ ٦١٦)، وابن ماجه: كتاب النكاح - باب ما يقول الرجل إذا دخلت على أهله (١/ ٦١٧)، والحاكم (٢/ ١٨٥) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٤٨)، وقال العراقي: إسناده جيّد. تخريج الإحياء (١/ ٣٢٨).
(٤) أخرجه أبو داود: كتاب الطب - باب في الطيرة (٤/ ٢٣٩)، والبخاري في الأدب المفرد - باب الشؤم في الفرس (ص ٣٠٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٧٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٤١١)، وقال ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٢): إن إسناد عبد الرزاق صحيح.
(٥) لطائف المعارف (ص ١٥٧).
[ ٤٩٠ ]
إلى العادة لا بالنسبة إلى الخلقة، وقيل: إنما خصّت بالذكر لطول ملازمتها.
وقال المازري (^١): مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًا فهذه الثلاثة أحقّ به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها (^٢).
وقال صاحب فيض القدير: وخصّ الثلاثة بالذكر لكونها أعمّ الأشياء التي يتداولها الناس (^٣).
٥ - النهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد
لقد حذّر الرسول - ﷺ - أمّته عن اتّخاذ القبور مساجد ونهاهم عن ذلك نهيًا شديدًا، والأحاديث التي تدلّ على النهي عن ذلك كثيرة:
منها حديث جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (^٤).
_________________
(١) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، الشيخ الإمام، كان بصيرًا بعلم الحديث، قال عنه القاضي عياض: "لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه بمذهبهم". توفي سنة ٥٣٦ هـ. وفيات الأعيان (٤/ ٣٨٥)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)، وشذرات الذهب (٤/ ١١٤).
(٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٦١).
(٣) فيض القدير (٣/ ٣٣).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٧).
[ ٤٩١ ]
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قاتل الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١).
ومنها حديث عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه، قال -وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا (^٢).
ومنها حديث عائشة أن أمّ حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبيّ - ﷺ -، فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (^٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على تحريم بناء المساجد على القبور، لأن ذلك يفضي إلى الغلوّ فيها وعبادة أهلها من دون الله تعالى.
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة وأوضحها وبيّنها في فتح الباري عند شرحه للأحاديث الواردة في البخاري عنها، فقال رحمه الله تعالى عند شرحه لحديث عائشة السابق: "هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب حدثنا أبو اليمان (١/ ١١٢)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٦).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب حدثنا أبو اليمان (١/ ١١٢)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٧).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتّخذ مكانها مساجد (١/ ١١٠)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي من بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٥).
[ ٤٩٢ ]
الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرّم على انفراده، فتصوير صور الآدميين يحرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم، كما دلّت عليه نصوص أُخر، يأتي ذكر بعضها، وقد ذكر البخاري في تفسير سورة نوح من روى هذا من حديث ابن جريج. قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد، أمّا ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن نصّبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت" (^١) فإن اجتمع بناء المساجد على القبور مع تصوير صورهم فلا شكّ في تحريمه سواء كانت صورًا متّخذة كالأصنام أو على حائط ونحوه كما تفعله النصارى في كنائسهم والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأمّ سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرّك بها والاستشفاع بها يحرّم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي - ﷺ - أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزّه بذلك، والتلهّي محرم، وهو من الكبائر، وفاعله من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله تعالى التي لا يقدر على فعلها غيره، وأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التفسير - باب (ودا ولا سواعًا ولا يغوث ولا يعوق ونسرًا) (٦/ ٧٣).
[ ٤٩٣ ]
صفاته ولا في أفعاله ﷾" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وكان رسول الله - ﷺ - يحذّر أصحابه وسائر أمّته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلّوا إلى قبور أنبيائهم واتّخذوها قبلة ومسجدًا كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظّمونها وذلك الشرك الأكبر، وكان رسول الله - ﷺ - يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم، وكان رسول الله - ﷺ - يحبّ مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار وكان يخاف على أمّته اتّباعهم، ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: "لتتبعنّ سنن الذين كانوا من قبلكم حذو النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه" (^٢)، وكان يحذّر من ذلك في مرض موته كما في حديث جندب أن النبيّ - ﷺ - قال ذلك قبل موته بخمس، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلّم به رسول الله - ﷺ -: "أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام - باب قول النبيّ - ﷺ -: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (٨/ ١٥١)، ومسلم: كتاب العلم - باب اتباع سنن اليهود والنصارى (٤/ ٢٠٥٤). كلهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضمط لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن".
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٦)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه أيضًا الدارمي في سننه (٢/ ٢٣٣)، والحميدي في مسنده (١/ ٤٦)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (ص ٢٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٠٨). قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٣٢٥): رواه أحمد بأسانيد ورجال الطريقين منها ثقات متّصل إسنادهما. وله شواهد سبقت في (ص ٤٩٢).
[ ٤٩٤ ]
وقد روى هذا المعنى عن النبي - ﷺ -، وأنّه قال ذلك في مرض موته من حديث علي وأسامة بن زيد وكعب بن مالك وغيرهم.
وخرّج الإمام أحمد حديث أسامة بن زيد ولفظه قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "أدخل عليّ أصحابي"، فدخلوا فكشف القناع، ثم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١) " (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "اتّخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام بل هو من عمل اليهود وقد لعنهم النبي - ﷺ - على ذلك وقد دلّ القرآن على مثل ما دلّ عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (^٣).
فجعل اتّخاذ القبور مساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتّبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى" (^٤).
ولذلك يقول رحمه الله تعالى: "فالعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصرّ عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي، ومن يحسن المعصية ويزيّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضرّ من شياطين الجن" (^٥).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا: "وفي الجملة فلا شؤم إلّا المعاصي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠٤).
(٢) فتح الباري ورقة (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢).
(٣) سورة الكهف، آية (٢١).
(٤) فتح الباري ورقة (٢/ ٣٩٧).
(٥) لطائف المعارف (ص ٧٧).
[ ٤٩٥ ]
والذنوب، فإنها تسخط الله ﷿، فإذا سخط الله على عبده شقى في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة" (^١).
وبهذا نعلم صحة ما ذهب إليه ابن رجب رحمه الله تعالى من حرمة البناء على القبور واتّخاذها مساجد، كما قال بذلك سلف الأمة رحمهم الله تعالى.
وهذا كلّه من سدّ باب الشرك ووسائله، لأن الشارع الحكيم إذا حرّم شيئًا حرّم أسبابه ووسائله، وإذا نهى عن شيء نهى عن كل ما يوصل إليه ويقرب منه ومن ذلك أن الإسلام لما جاء بالنهي عن الشرك، نهى عن أسبابه وسدّ ذرائعه الموصلة إليه والمسبّبة له.
ولذلك كان البناء على القبور ووضع القباب لها واتّخاذها مساجد سببًا في وقوع الشرك، وهذه بلية مشاهدة في بلدان كثيرة وخصوصًا في زماننا هذا، أن هذه المشاهد أصبحت تقصد وتشدّ الرحال إليها ويطلب من أهلها قضاء الحوائج وتحقيق المطالب، ويقع عندها من الشرك والمنكرات ما لا يشكّ معه عاقل من وجوب اقتلاع تلك الأبنية والقباب والمشاهد الوثنية وعدم إبقاء أيّ أثر لها.
والله أسأل أن يبصّر المسلمين بأمور دينهم وأن يردّهم للعمل بكتابه وسنّة رسوله - ﷺ - إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
٦ - النهي عن سبّ الدهر
كان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبّوا الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بهم من موت أو تلف مال وربما لعنوه، ويقولون: أبادهم الدهر وأصابتهم قوارع الدهر، ويكثرون من ذكر ذلك
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٧٧).
[ ٤٩٦ ]
في أشعارهم، وكل ذلك في الحقيقة إنما يرجع إلى الله ﷾، لأنه هو المدبّر لهذا الكون والخالق له، والمصرف لهذا الدهر، والدهر ليس له إرادة وإنما هو ظرف مخلوق مسخّر ومدبّر بأمر الله تعالى، فالسبّ والشتم في الحقيقة والتسخّط يعود إلى الله ﷾، واعققاد أن الزمان هو الفاعل حقيقة من عقيدة الجاهلين الذين ينفون الإله ﷾ وينكرونه.
وقد حكى الله ﷾ في القرآن الكريم عقيدتهم هذه وردّ عليهم، فقال ﷿: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ (^١).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، أي ما ثم إلّا هذه الدار يموت قوم ويعيش آخرون وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة والإلهيون منهم وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرّر مرات لا تتناهى فكابروا المعقول وكذّبوا المنقول، ولهذا قالوا ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، أي يتوهمون ويتخيّلون" (^٢).
وقد ورد النهي عن سبّ الدهر في أحاديث كثيرة، لأن في ذلك مشابهة للمشركين، ولأن السبّ في الحقيقة إنما ينصرف إلى من بيده الأمور كلّها، وهو الله ﷾.
_________________
(١) سورة الجاثية، آية (٢٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٠).
[ ٤٩٧ ]
ومما ورد في النهي عن سب الدهر حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار" (^١).
ومنها حديثه الآخر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما" (^٢).
ومنها حديثه الآخر ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تسبّوا الدهر، فإن الله هو الدهر" (^٣).
ومنها حديثه الآخر ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تسبّوا الدهر، فإن الله ﷿ قال: أنا الدهر، الأيّام والليالي لي أجدّدها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك" (^٤).
قال المنذري رحمه الله تعالى: "ومعنى الحديث أن العرب كانت إذا نزلت بأحدهم نازلة، وأصابته مصيبة أو مكروه يسبّ الدهر اعتقادًا منهم أن الذي أصابه فعل الدهر كما كانت العرب تستمطر بالأنواء، وتقول: مطرنا بنوء كذا اعتقادًا أن فعل ذلك فعل الأنواء، فكان هذا كاللعن الفاعل، ولا فاعل لكل شيء إلّا الله تعالى، خالق كل شيء وفاعله،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٨/ ١٩٧)، ومسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الدهر (٤/ ١٧٦٢).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الدهر (٤/ ١٧٦٢).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الريح (٤/ ١٧٦٣).
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٧١): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: وهذا إسناد جيد. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٨).
[ ٤٩٨ ]
فنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك" (^١).
وقد وقع بعض المسلمين في عصرنا الحاضر فيما وقع فيه هؤلاء المشركون الدهرية، فما نزال نسمع من الجهلة والمتعلّمين سبابًا للزمان والدهر كلما نزل بهم مكروه أو ضاقت بهم سبل الحياة، وهذا ناتج عن ضعف الإيمان والجهل بالدين، والواجب على السلم أن يرضى بقضاء الله وتدبيره حتى يتمّ له توحيده، ومن وقع في شيء من ذلك فليثب وليستغفر الله من ذلك.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة، فقال: "واعلم أن الذمّ الوارد في الكتاب والسنّة ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو اللّيل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا وليس الذمّ راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا ومسكنًا، ولا إلى ما أنبته فيها من الزرع والشجر، ولا إلى ما بثّ فيها من الحيوانات وغير ذلك، فإن ذلك كلّه من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته، وإنما الذمّ راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا، لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضرّ عاقبته أو لا تنفع؛ كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ (^٢) " (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأما تخصيص الشؤم بزمان دون زمان
_________________
(١) الترغيب والترهيب (٣/ ٤٨٢).
(٢) سورة الحديد آية (٢٠).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٥٩ - ٣٦١).
[ ٤٩٩ ]
كشهر صفر أو غيره فغير صحيح، وإنما الزمان كلّه خلق الله تعالى وفيه أفعال بني آدم، فكل زمان شغله المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه، وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو شؤم عليه، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى" (^١).
فسبّ الدهر وشتمه لا يجوز بأيّ حال من الأحوال سواء اعتقد السابّ أن الزمان والدهر فاعل حقيقة أو لم يعتقد ذلك، لأن الحديث صريح في النهي عن ذلك، قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "والحديث صريح في النهي عن سبّ الدهر مطلقًا سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام" (^٢).
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أنّ من سبّ الدهر يقع في ثلاث مفاسد عظيمة، فقال: في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:
إحداها: سبّه من ليس بأهل أن يسبّ، فإن الدهر خلق مسخّر من خلق الله، منقاد لأمره، مذلّل لتسخيره، فسابّه أولى بالذمّ والسبّ منه.
الثانية: أن سبّه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضرّ وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضرّ من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وإشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًا، وكثير من الجهّال يصرح بلعنه وتقبيحه.
الثالثة: أن السبّ منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتّبع الحقّ فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر، وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فربّ الدهر تعالى هو
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٧٦).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٤٥).
[ ٥٠٠ ]
المعطي المانع الخافض الرافع، المعزّ المذلّ، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبّتهم للدهر مسبّة لله ﷿، ولهذا كانت مؤذية للربّ تعالى
فسابّ الدهر دائر بين أمرين لابدّ له من أحدهما: إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسبّ من فعله، فقد سبّ الله (^١).
وقوله - ﷺ -: (أنا الدهر)، قال الخطابي: معناه أنا صاحب الدهر ومدبّر الأمور (^٢).
وقال القاضي عياض (^٣) رحمه الله تعالى: "زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط فإن الدهر مدّة زمان الدنيا" (^٤).
وقال شيخنا فضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: وقوله: (أنا الدهر) لا يدلّ على أنه تعالى اسمه الدهر، لأنه فسّره بقوله: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"، فكونه تعالى بيده الأمر يقلب اللَّيل والنهار هو معنى قوله: (أنا الدهر) (^٥).
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٣٥٤، ٣٥٥).
(٢) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي (٣/ ١٩٠٤).
(٣) عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي أبو الفضل الحافظ المحدّث الفقيه، وهو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، صنّف كتبًا كثيرة، منها: الشفا في شرف المصطفى، وترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك وغيرها، توفي سنة ٥٤٤ هـ. الصلة لابن بشكوال (٢/ ٤٥٣)، ووفيات الأعيان (٣/ ٤٨٣)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، ونفح الطيب (٧/ ٣٣٣).
(٤) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٥٦٦).
(٥) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (٢/ ٣٥١).
[ ٥٠١ ]