١ - " الإصابة في تمييز الصحابة"، للحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) = انظر: (ص ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٤).
٢ - "الإنباه على قبائل الرواة"، لابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) = انظر: (ص ٣٠٧).
٣ - "الأنساب"، لأبي سعد السمعاني (ت ٦٢٥ هـ) = انظر: (٦٠، ٧١، ٧٣).
٤ - "التمهيد"، لابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) = انظر: (٣٧١).
٥ - "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، لأبي الحجَّاج المِزّيّ (ت ٧٤٢ هـ) = انظر: (ص ٥٥٣).
٦ - "جمهرة أنساب العرب"، لأبي محمد ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) = انظر: (ص ٣٠٧).
٧ - "السلوك لمعرفة دول الملوك"، للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ) = انظر: (ص ٦٨٧، ٦٨٨، ٦٨٩).
٨ - "الشافي الكاف في تخريج أحاديث الكشاف"، للحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) = انظر: (ص ٤٣١).
٩ - "شرح صحيح مسلم"، للنووي (ت ٦٧٦ هـ) = انظر: (ص ٦٧٠).
١٠ - "شرح مشكاة المصابيح"، للطِّيبي (ت ٧٤٣ هـ) = انظر: (ص ٦٧٠).
١١ - "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، للحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) = انظر: (ص ٢٢٩، ٣٠٧، ٣٩١).
١٢ - "معرفة علوم الحديث"، للإمام الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) = انظر: (ص ٧١٩).
١٣ - "معرفة ما يجب لآل البيت من الحقوق على من عداهم"، للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ) = انظر: (ص ٦٨٣، ٦٨٤).
١٤ - "ميزان الاعتدال في نقد الرجال"، للحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) = انظر: (ص ٥٥٥).
* * *
[ ١ / ١٦٤ ]
المبحث الرَّابع في بيان مذهب السَّلف في أهل البيت
تمهيد:
لمَّا كان هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه تناول فضائل ومناقب أهل البيت، ناسب أن أذكر انقسام الناس تجاه هذا البيت الكريم، وما هو الموقف الحق الذي يجب أن يقفه المسلم تجاههم، حتى لا يغلو فيهم، وفي الوقت نفسه لا يجفو عنهم.
ثم إنه لا يشكُّ مُنْصِفٌ أنَّ أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ- من أشرف البيوت نسبًا، ومن أكرمها مَحتِدًا (^١)، ومن أنبلها أرومةً (^٢) وقد أوجب الله علينا محبَّة هذا البيت الكريم تبعًا لمحبَّة مُشرِّفهم -ﷺ-، فمحبَّتهم وبرُّهم من محبَّتِه وبرِّه، وبُغْضهم من بغضه (^٣)، فهي عندنا فرضٌ واجبٌ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، يُؤجر العبد عليه (^٤).
والعجيب أنَّ النَّاس قد انقسموا تجاه هذا البيت الكريم إلى أصناف ثلاثة، ما بين تفريطٍ وإفراطٍ، ولا شكَّ أنَّ بينهما وسط، وهو الطريق المستقيم، وبيان ذلك:
• الصنف الأول: مُفرِّطون في حقِّهم، وهم الجُفاة فيهم، البُغاة عليهم.
• الثاني: مُفرِطُون في حبَّهم، متجاوزون الحدَّ الشَّرعيَّ فيه، وهم الغُلاة فيهم.
_________________
(١) المَحْتِدُ: الأصل والطَّبع، يُقال: إنه لكريم المَحتِد: أي الأصل. والحَتِدُ: الخالص من كلِّ شيء. جمعه مَحَاتِد. انظر: "لسان العرب" (٣/ ١٣٩)، "المعجم الوسيط" (ص ١٥٤) مادة (حَتِدَ).
(٢) الأرُومة: بالفتح والضمِّ، على وزن الأكُولة: الأصل. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٤١)، "القاموس المحيط" (ص ٩٧٠)، مادة (أرَمَ).
(٣) انظر: "شجرة المعارف والأحوال وصالح الأعمال والأقوال"، للعز بن عبد السلام (ص ٢٦٦).
(٤) انظر "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (٤/ ٤٨٧).
[ ١ / ١٦٥ ]
• الثالث: معتدلون مُنْصِفُون، مفارقون طريقة الصِّنفين (الغالين والجافين)، وهم الواسطة بينهما وقد جاء في بعض الطرق عبد أبي يعلى في "مسنده" (^١)، من حديث علي بن أبي طالب -﵁- أن النَّبيَّ -ﷺ- قال له: "فيك مَثَلٌ من عيسى، أبْغضتْهُ اليهودُ حتى بهتوا أُمَّه، وأَحبَّتْهُ النَّصارى حتى أنْزلوه بالمنزلة التي ليس به". قال: ثم قال عليُّ: "يهلك فيَّ رجلانِ: محبُّ مُطْرٍ يُفرط لي بما ليس فيَّ، ومُبغِضٌ مُفترٍ يحمله شنآني على أن يَبهتني".
قال العلَّامة محمود شكري الألوسي رحمه الله تعالى: "والكثير من الناس في حقِّ كلٍّ من الآل والأصحاب في طرفيّ التفريط والإفراط، وما بينهما هو الصراط المستقيم، ثبَّتنا الله تعالى على ذلك الصِّراط" (^٢).
ويقول العلَّامة صديق حسن خان رحمه الله تعالى، في هذا السِّيَاق أيضًا:
"وهذه المحبة لهم واجبة متحتِّمة على كلِّ فرد من أفراد الأُمَّة، ومن حُرمها فقد حُرم خيرًا كثيرًا، ولكن لا بدَّ فيها من لَفْظِ الإفراط والتفريط، فإنَّ قومًا غلوا فيها فهلكوا، وفرَّط فيها قوم فهلكوا، وإنما الحقُّ بين العافي والجافي، والغالي والخالي" (^٣).
وسيكون الكلام في هذا المبحث بمشيئة الله تعالى، عن مذهب أهل السُّنَّة والجماعة (السَّلف) في آل البيت، وكيف يتعاملون مع النُّصوص الواردة في فضائلهم؟ وما الحق الذي يرونه واجبًا لهم؟ ثم ما الواجب عليهم؟ ثم أذكرُ شروط تولي أهل السُّنَّة لأهل البيت، وأختم المبحث بطرح سؤال مهم، وهو (هل القول بتفضيل بني هاشم يعدُّ تفضيلًا مطلقًا على جميع الأشخاص وفي كلِّ الأحوال؟).
_________________
(١) (١/ ٤٠٦)، رقم (٥٣٤)، من طريق الحَكَمِ بن عبد الملك، عن الحارث بن حَصيرة، عن أبي صادقٍ، عن ربيعة بن ناجد، عنه ﵁ مرفوعًا إلى النَّبيِّ -ﷺ-. وإسناده ضعيف، انظر تخريجه والكلام عليه مرفوعًا وموقوفًا، في قسم التحقيق، حديث رقم (٤١٩).
(٢) انظر: "تفسير روح المعاني" (٢٥/ ٣٢).
(٣) انظر: "الدين الخالص" (٣/ ٣٥١).
[ ١ / ١٦٦ ]
فأقول وبالله تعالى التوفيق:
موقف السَّلف تجاه أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ- موقف الإنصاف والاعتدال، وهو الحقُّ الحقيق بالاتِّباع، فهم بين الجافي والغالي، وهو الصَّواب البَحت، لتوسُّطه بين جانبي الإفراط والتفريط.
قال الشَّاعر:
هُمُ وَسَطٌ يَرضى الأنَامُ بِحُكمِهمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالي بِمُعظم
فأهل السُّنَّة أسعد الناس بموالاة أهل البيت، يعرفون فيهم وصية النَّبيِّ -ﷺ- بالإحسان إليهم، ويعتبرون محبَّتهم واجبة محتَّمة على كلِّ فرد من أفراد الأُمَّة (^١).
وسأذكر مجمل عقيدة أهل السّنَّة والجماعة في أهل البيت الكرام على سبيل الإجمال، ثم أسوق جملةً من كلام أئمة السَّلف وأهل العلم مرتَّبين حسب الترتيب الزمني في بيان هذه العقيدة، وبعد ذلك أذكر شرطين وضعهما أهل العلم لولاية أهل بيت رسول الله -ﷺ-، فإذا فُقِدَ شرطٌ منهما سقط حقّ الواحد منهم من الولاية والحبِّ والإكرام والتبجيل.
مجمل معتقد السَّلف في أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ-:
١ - أهل السُّنَّة يُوجبون محبَّة أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ-، ويجعلون ذلك من محبَّة النَّبيِّ -ﷺ-، ويتولونهم جميعًا، لا كالرَّافضة الذين يتولون البعض، ويُفسِّقون البعض الآخر.
٢ - أهل السُّنَّة يعرفون ما يجب لهم من الحقوق، فإنَّ الله جعل لهم حقًّا في الخمس والفيء، وأمر بالصَّلاة عليهم تبعًا للصَّلاة على النَّبيِّ -ﷺ-.
٣ - أهل السُّنَّة يتبرؤون من طريقة النَّواصب الجافين لأهل البيت، والرَّوافض الغالين فيهم.
٤ - أهل السُّنَّه يتولون أزواج النَّبيِّ -ﷺ- ويترضَّون عنهنَّ، ويعرفون لهنَّ حقوقهنَّ، ويؤمنون بأنَّهنَّ أزواجه في الدُّنيا والآخرة.
_________________
(١) انظر: "الدين الخالص"، لصديق خان (٣/ ٣٥١، ٣٥٧).
[ ١ / ١٦٧ ]
٥ - أهل السُّنَّة لا يَخْرُجون في وصف آل البيت عن المشروع، فلا يُغالون في أوصافهم، ولا يعتقدون عصمتهم، بل يعتقد أنهم بشرٌ تقع منهم الذُّنوب كما تقع من غيرهم.
٦ - أهل السُّنَّة يعتقدون أنَّ أهل البيت ليس فيهم مغفور الذَّنب، بل فيهم البرُّ والفاجر، والصَّالح والطالح (^١).
٧ - أهل السُّنَّة يعتقدون أنَّ القول بفضيلة أهل البيت لا يعني تفضيلهم في جميع الأحوال، وعلى كلِّ الأشخاص، بل قد يوجد من غيرهم من هو أفضل منهم لاعتبارات أخرى.
أقوال أئمة السَّلف وأهل العلم والإيمان من بعدهم:
تواتر النقل عن أئمة السَّلف وأهل العلم جيلًا بعد جيلٍ، على اختلاف أزمانهم وبلدانهم بوجوب محبَّة أهل بيت رسول الله -ﷺ- وإكرامهم والعناية بهم، وحفظ وصية النَّبيِّ -ﷺ- فيهم، ونصُّوا على ذلك في أصولهم المعتمدة، ولعلَّ كثرة المصنَّفات التي ألَّفها أهل السُّنَّة في فضائلهم ومناقبهم أكبر دليل على ذلك (^٢).
وإليك طائفة من أقوالهم في ذلك:
• قول خليفة رسول الله -ﷺ- أبي بكر الصِّدِّيق -﵁ (ت ١٣ هـ):
روى الشَّيخان في "صحيحيهما" (^٣) عنه -﵁- أنه قال: "والذي نَفْسِي بيده، لَقَرَابَةُ رسولِ اللهُ -ﷺ- أحَبُّ إليَّ أنْ أصِلَ مِنْ قرابتي".
• قول أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب ﵁ (ت ٢٣ هـ):
روى ابن سعد في "الطبقات" (^٤)، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّه قال للعبَّاس رضي الله
_________________
(١) الطَّالح: هو الفاسد. انظر: "المعجم الوسيط" (٢/ ٥٦١)، (طَلَحَ).
(٢) انظر: قائمة المصنَّفات المؤلفة في مناقب أهل البيت لترى مصداق ذلك.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي -باب غزوة خيبر (٧/ ٤٩٣، مع الفتح) - رقم (٤٢٤١)، وفي عدة مواضع. ومسلم في (٣/ ١٣٨٠)، كتاب الجهاد والسير، باب قول النَّبيﷺ- "لا نُورث ما تركنا فهو صدقة" رقم (١٧٥٩)، كلاهما من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.
(٤) (٤/ ٢٢)، من طريق سفيان بن عيينة، عى عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي، أنَّ =
[ ١ / ١٦٨ ]
عنهما: "واللهِ! لإِسلامُكَ يَوْمَ أسْلَمْتَ كان أحَبَّ إليَّ من إسلَامِ الخَطَّاب -يعني والده- لو أسْلَمَ، لأنَّ إسلَامَكَ كان أحَبَّ إلى رسولِ اللهِ -ﷺ- من إسلامِ الخطَّاب".
• قول زيد بن ثابت -﵁- (ت ٤٢ هـ):
عن الشَّعبي قال: "صلَّى زيدُ بنُ ثابتٍ ﵁ على جنازةٍ، ثم قُرِّبت له بَغلَتُهُ لِيَركَبَهَا، فجاء ابنُ عبَّاس -﵄- فأخَذَ بركابه"، فقال زيدٌ: "خَلِّ عنه يا ابنَ عمِّ رسول الله -ﷺ-، فقال: "هكذا نَفْعَلُ بالعُلَمَاء"، فقبَّل زيدٌ يدَ ابنِ عبَّاسٍ وقال: "هكذا أُمِرْنَا أن نَفْعَلَ بِأهْلِ بِيْتِ نبيِّنَا" (^١).
• قول معاوية بن أبي سفيان ﵄ (ت ٦٠ هـ):
أورد الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (^٢): أنَّ الحسن بن علي دخل عليه في مجلسه، فقال له معاوية: "مرحبًا وأهلًا بابن رسول الله -ﷺ-"، وأمر له بثلاثمائة ألف.
وأورد -أيضًا- (^٣) أنَّ الحسن والحسين ﵄ وفدا على معاوية ﵁ فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: "ما أجاز بهما أحدٌ قبلي"، فقال الحسين: "ولم تعط أحدًا أفضل منَّا".
• قول ابن عبَّاس ﵄ (ت ٦٨ هـ):
قال رَزين بنُ عُبيد: كنت عبد ابنِ عبَّاس -﵄- فأتى زينُ العابدين عليُّ بنُ الحسين، فقال له ابنُ عبَّاسٍ: "مَرحَبًا بالحبيبِ ابنِ الحبيب" (^٤).
_________________
(١) = العبَّاس جاء إلى عمر إلخ. وإسناده رجاله ثقات، لكنه منقطع. انظر تخريجه والكلام عليه في النص المحقق برقم (٣٠٠).
(٢) انظر تخريج الأثر والكلام عليه برقم (٣٠٣) في القسم المحقق.
(٣) (٨/ ١٤٠).
(٤) (٨/ ١٣٩).
(٥) إسنادُهُ صحيحٌ. أخرجه أحمد في "الفضائل" (٢/ ٧٧٧)، رقم (١٣٧٧)، من طريق أبي إسحاق، عن رَزين بن عُبيد، عن ابن عباس. وابن سعد في "الطبقات" (٥/ ٢١٣)، من طريق أبي إسحاق، عن العيْزار بن حُريث، عن ابن عباس. وانظر الكلام على رجال إسناده رقم (٣٠٢) في القسم المحقق.
[ ١ / ١٦٩ ]
• قول أبي جعفر أحمد بن محمد الطَّحاويِّ (ت ٣٢١ هـ):
قال ﵀ في "عقيدته الشهيرة" (^١): "ونحب أصحاب رسول الله -ﷺ-، ولا نُفرط في حبِّ أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونُبغض من يُبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلَّا بخير".
وقال أيضًا: "ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله -ﷺ- وأزواجه الطاهرات من كلِّ دنسٍ، وذرِّيَّاتِهِ المقدَّسين من كلِّ رجس، فقد برئ من النفاق" (^٢).
• قول الإمام الحسن بن علي البربهاريِّ (ت ٣٢٩ هـ):
قال في "شرح السُّنَّة" (^٣): "واعرف لبني هاشم فضلهم، لقرابتهم من رسول الله -ﷺ-، وتعرف فضل قريش والعرب، وجميع الأفخاذ، فاعرف قدرهم وحقوقهم في الإسلام، ومولى القوم منهم، وتعرف لسائر الناس حقَّهم في الإسلام، واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله -ﷺ- فيهم، وآل الرَّسول فلا تنساهم، واعرف فضلهم وكراماتهم".
• قول أبى بكر محمد بن الحسين الآجريِّ (ت ٣٦٠ هـ):
قال في "كتاب الشريعة" (^٤): "واجبٌ على كلِّ مؤمن ومؤمنة محبَّه أهل بيت رسول الله -ﷺ-، بنو هاشم: عليُّ بنُ أبي طالب وولدُهُ وذرِّيَّته، وفاطمةُ وولدُها وذرِّيَّتُها، والحسنُ والحسينُ وأولادهما وذرِّيَّتهُما، وجعفرُ الطَّيَّار وولدُهُ وذرِّيَّته، وحمزةُ وولدُهُ، والعبَّاسُ وولدُهُ وذرِّيَّته -﵃-، هؤلاء أهل بيت رسول الله -ﷺ-، واجب على المسلمين محبَّتهم، وإكرامهم، واحتمالهم، وحسن مداراتهم، والصبر عليهم، والدُّعاء لهم".
_________________
(١) "متن العقيدة الطحاوية" فقرة (٩٣)، وراجع شرح ابن أبي العز (ص ٤٦٧ - ٤٧١).
(٢) "متن العقيدة الطحاوية" فقرة (٩٦)، وراجع شرح ابن أبى العز (ص ٤٩٠ - ٤٩١).
(٣) (ص ٩٦ - ٩٧)، تحقيق الردادي.
(٤) (٥/ ٢٢٧٦)، تحقيق الدكتور عبد الله الدميجي، باب ذكر إيجاب حبّ بني هاشم أهل بيت النَّبي -ﷺ- على جميع المؤمنين.
[ ١ / ١٧٠ ]
• قول الإِمام عبد الله بن محمد الأندلسيِّ القحطانيِّ (ت ٣٨٧ هـ):
قال رحمه الله تعالى في "النُّونية" (^١):
"واحْفَظْ لأهْل البيتِ واجبَ حقِّهِمْ واعْرف عليًّا أيَّما عِرفانِ
لا تَنْتقِصْهُ ولا تَزِدْ في قَدرِهِ فعليه تَصْلى النَّارَ طائفتانِ
إحدَاهُمَا لا تَرتَضِيْهِ خِلِيفةً وتَنُصُّهُ الأخرى إلهًا ثانِي"
• قول الموفق ابن قدامة المقدسيِّ (ت ٦٢٠ هـ):
قال في "لمعة الاعتقاد" (^٢): "ومن السُّنَّة التَّرضي عن أزواج رسول الله -ﷺ- أمّهات المؤمنين المطهرات المبرءات من كلِّ سوء، أفضلهم خديجة بنت خويلد، وعائشة الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق التي برأها الله في كتابه، زوج النَّبيِّ -ﷺ- في الدُّنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فهو كافر بالله العظيم".
• أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ):
قال في "العقيدة الواسطية" (^٣): "ويُحبُّون أهل بيت رسول الله -ﷺ- ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله -ﷺ- حيث قال يوم غدير خمٍّ "أُذكِّركم الله في أهل بيتي" (^٤). وقال للعبَّاس عمِّهِ وقد اشتكى إليه أنَّ بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: "والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يُحبُّوكم لله ولقرابتي" (^٥). وقال: "إنَّ الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (^٦).
وقال رحمه الله تعالى في بيان عقدة السَّلف في أزواج النَّبيِّ -ﷺ-: "ويتولون أزواج
_________________
(١) انظر: "كفاية الإنسان من القصائد الغرر الحسان"، جمع محمد بن أحمد سيِّد (ص ٤١).
(٢) "لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد بشرح العثيمين" (ص ١٥٢).
(٣) "العقيدة الواسطية بشرح الفوزان" (ص ١٩٥).
(٤) أخرجه مسلم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم ﵁.
(٥) أخرجه أحمد (١/ ٢٠٧)، وهو حسن بشواهده. انظر تخريجه والحكم عليه في القسم المحقق برقم (١٢١).
(٦) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٨٢)، رقم (٢٢٧٦)، في الفضائل، باب فضل نسب النَّبي -ﷺ-، من حديث واثلة بن الأسقع -﵁-.
[ ١ / ١٧١ ]
النَّبيِّ -ﷺ- أمَّهات المؤمنين، ويؤمنون بأنَّهن أزواجه في الآخرة خصوصًا خديجة ﵂ أمَّ أولاده وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق -﵂-، التي قال فيها النَّبيُّ -ﷺ-: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (^١). ويتبرؤون من طريق الرَّوافض الذين يبغضون الصَّحابة ويسبُّونهم، ومن طريقة النَّواصب الذين يُؤذون أهل البيت بقول أو عمل" (^٢).
وقال ﵀: "ولا ريب أنَّ لآل محمد -ﷺ- حقًّا على الأُمَّة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقُّون من زيادة المحبَّة والموالاة ما لا يستحقُّه سائر بطون قريش، كما أنَّ قريشًا يستحقُّون من المحبَّه والموالاة ما لا يستحقُّه غير قريش من القبائل، كما أنَّ جنس العرب يستحقُّ من المحبَّة والموالاة ما لا يستحقُّه سائر أجناس بني آدم. وهذا على مذهب الجمهور الذين يرون فضل العرب على غيرهم، وفضل قريش على سائر العرب، وفضل بني هاشم على سائر قريش، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره" (^٣).
وقال أيضًا: "والحبُّ لعليٍّ وترك قتاله خيرٌ بإجماع أهل السُّنَّة من بغضه وقتاله، وهم متَّفقون على وجوب موالاته ومحبَّته، وهم أشدُّ الناس ذبًّا عنه، وردًّا على من يطعن عليه من الخوارج وغيرهم من النَّواصب" (^٤).
• قول الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ):
قال في "التفسير" (^٥): "ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إلهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وُجِد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة النَّبويَّة الصَّحيحة الواضحة الجليَّه، كما كان عليه سلفهم، كالعبَّاس وبنيه، وعليٍّ وأهل ذريّته -﵁- أجمعين".
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧/ ١٠٦، مع الفتح)، رقم (٣٧٦٩) في فضائل الصحابة، باب فضل عائشة. ومسلم (٤/ ١٨٨٦)، رقم (٢٤٣١) في فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين، كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.
(٢) "العقيدة الواسطية بشرح الفوزان" (ص ١٩٨، ٢٠١).
(٣) "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٤/ ٥٩٩).
(٤) "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٤/ ٣٩٥).
(٥) "تفسير القرآن العظيم" (٦/ ١٩٩).
[ ١ / ١٧٢ ]
• قول محمد بن إبراهيم الوزير اليمانيِّ (ت ٨٤٠ هـ):
قال رحمه الله تعالى: "وقد دلَّت النُّصوص الجمَّه المتواترة على وجوب محبَّتهم وموالاتهم [يعني أهل البيت]، وأن يكون معهم، ففي "الصَّحيح" (^١): "لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا "، وفيه: "المرء مع من أحبَّ" (^٢). ومما يخصُّ أهل بيت رسول الله ﵌ قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (^٣)، فيجب لذلك حبُّهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم والاعتراف بمناقبهم؛ فإنهم أهل آيات المباهلة والمودَّة والتطهير، وأهل المناقب الجمَّة والفضل الشَّهير" (^٤).
• أقوال العلَّامة صدِّيق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ):
قال في "الدِّين الخالص" (^٥): " وأما أهل السُّنَّة فهم مقرّون بفضائلهم [يعني أهل البيت] كلِّهم أجمعين أكتَعِين (^٦) أبصَعِين (^٧)، لا يُنكرون على أهل البيت من الأزواج والأولاد، ولا يقصِّرون في معرفة حقِّ الصَّحابة الأمجاد، قائمون بالعدل والإنصاف، حائدون عن الجور والاعتساف، فهم الأُمَّة الوسط بين هذه الفرق الباطلة الكاذبة الخاطئة".
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١/ ٧٤)، رقم (٥٤)، كتاب الإيمان، باب أنه لا يدخل الجنة الَّا المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان وأن إفشاء السلام سبب لحصولها.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" في كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله (١٠/ ٥٥٧)، مع الفتح)، رقم (٦١٦٨، ٦١٦٩). ومسلم (٤/ ١٠٣٤)، رقم (٢٦٥٠) في البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحبَّ، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) الأحزاب (آية: ٣٣).
(٤) انظر: "إيثار الحق على الخلق" (ص ٤٦٠ - ٤٦١، بتصرُّف).
(٥) (٣/ ٢٧٠).
(٦) أكتعون: تجيء في التوكيد إتباعًا ردفًا لأجمع، ولا يستعمل مفردًا عنه، وواحده (أكتع) يقال: جاء الجيش أجمع أكتع، ورأيت القوم جُمَعَ كُتَعَ. واشتريت هذه الدار جمعاء كتعاء. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ١٤٩)، "لسان العرب" (٨/ ٣٠٥)، (كَتَعَ).
(٧) أبصَعون: البَصع هو الجمع. قال أبو الهيثم الرازي: "العرب توكد الكلمة بأربعة تواكيد، فتقول: مررت بالقوم أجمعين أكتعين أبصعين أبتعين". قال ابن سيده: "وأبصع نعت تابع لأكتع، وإنما جاؤوا بأبصع وأكتع إتباعًا لأجمع". قال الأزهري: "ولا يقال (أبصعون) حتى يتقدَّمه (أكتعون) ". انظر: "لسان العرب" (٨/ ١٢) - (بَصَعَ).
[ ١ / ١٧٣ ]
وقال في موضع يُبيِّن عقيدة أهل السُّنَّة في الأزواج والعترة: " وأهل السُّنَّة يُحَرِّمون الكلَّ، ويُعظِّمونهنَّ حقَّ العظمة، وهو الحقُّ البَحت. وكذلك يعترفون بعظمة أولاده ﵌ من فاطمة الزَّهراء -﵂-، ويذكرونهم جميعًا بالخير والدُّعاء والثناء، فمن لم يراع هذه الحرمة لأزواجه المطهَّرات، وعترته الطَّاهرات فقد خالف ظاهر الكتاب وصريح النَّصِّ منه" (^١).
• قول العلَّامة عبد الرَّحمن بن ناصر السَّعديِّ (ت ١٣٧٦ هـ):
قال في "التنبيهات اللطيفة" (^٢): " فمحبَّة أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ- واجبةٌ من وجوه، منها:
أولًا: لإِسلامهم وفضلهم وسوابقهم.
ومنها: لِمَا يتميَّزوا به من قرب النَّبيَّ -ﷺ- واتِّصالهم بنسبه.
ومنها: لِمَا حثَّ عليه ورغَّب فيه".
• قول الشَّيخ حافظ بن أحمد الحكميِّ (ت ١٣٧٧ هـ):
قال ﵀ في "سلم الوصول" (^٣):
"وأَهْلُ بَيْتِ المُصْطَفى الأطْهَارُ وتابعيه السَّادةُ الأخيارُ
فكُلُّهم في مُحكَمِ القُرآنِ أثْنَى عليهم خالقُ الأكوانِ"
• قول الشَّيخ العلَّامة محمد بن صالح بن عثيمين حفظه الله:
قال في "شرح العقيدة الواسطية" (^٤): "ومن أصول أهل السُّنَّة والجماعة أنهم يُحبُّون آل بيت رسول الله -ﷺ-، يُحبُّونهم للإِيمان، وللقرابة من رسول الله -ﷺ-، ولا يكرهونهم أبدًا" (^٥).
_________________
(١) "الدين الخالص" (٣/ ٢٦٨). وانظر: "قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر" له (ص ١٠١، ١٠٣).
(٢) انظر: "التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطة من المباحث المنيفة" (٩٤).
(٣) انظر: "معارج القبول بشرح سلم الوصول" (٣/ ١١٩٦).
(٤) "شرح العقيدة الواسطية" (٢/ ٢٧٣).
(٥) كما أشار الدكتور ناصر العقل في كتابه: "بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة" (ص ٥١) على أنَّ حبَّ أهل البيت من أصول الدين عند أهل السنة، فقال: "كما يدين أهل السنة بحبِّ آل بيت =
[ ١ / ١٧٤ ]
شروط ولاية أهل السُّنَّة لآل بيت رسول الله -ﷺ-:
يظهر من خلال معتقد أهل السُّنَّة والجماعة أنهم يشترطون لموالاة قرابة النَّبيِّ -ﷺ- شرطين، لا بدَّ من تحقُّقهما لتكون الموالاة لهم، وإلَّا فإنهم لا يجدون ذلك الاحترام وتلك المكانة، فإنَّ فيهم المؤمن والكافر، والبرَّ والفاجر، والسُّنِّيَّ والرَّافضيَّ، وغير ذلك.
الشرط الأول: أن يكونوا مؤمنين مستقيمين على الملة:
فإنْ كانوا كفارًا فلا حقَّ لهم في الحبِّ والتعظيم والإِكرام والولاية، ولو كانوا من أقرب الناس إلى النَّبيِّ -ﷺ-، كعمِّه أبي لهب.
يقول الشَّيخ العُثيمين في تقرير هذا الشرط: "فنحن نحبُّهم لقرابتهم من رسول الله ﵊، ولإِيمانهم بالله، فإن كفروا فإننا لا نحبُّهم ولو كانوا أقارب الرَّسول ﵊، فأبو لهب عمُّ الرَّسول ﵊ لا يجوز أن نحبَّه بأي حال من الأحوال، بل يجب أن نكرهه لكفره، ولإيذائه النَّبيَّ -ﷺ-، وكذلك أبو طالب، فيجب علينا أن نكرهه لكفره، ولكن نحبُّ أفعاله التي أسداها إلى الرَّسول ﵊ من الحماية والذَّبِّ عنه" (^١).
الشرط الثاني: أن يكونوا متَّبعين للسُّنَّة النَّبويَّة الصَّحيحة:
فإن فارقوا السُّنَّه، وتركوا الجادَّة، وخالفوا هدي النَّبيِّ -ﷺ-، وتلبَّسوا بالبدع والمحدثات، فإنه ليس لهم حقٌ في الحبِّ والتعظيم والإِكرام والولاية، حتى يرجعوا إلى السنة، ويتمسكوا بها، والواجب في هذه الحالة دعوتُهم إلى العودة إلى الكتاب والسُّنَّة، ونبذ ما سواهما من الأهواء والبدع، وأن يكونوا على ما كان عليه سلفهم، كعليٍّ ﵁ وسائر بنيه، والعبَّاس ﵁ وأولاده.
يقول العلَّامة صديق حسن خان في تقرير هذا الشرط في معرض التعليق على حديث: "تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي" (^٢): "المراد بهم من
_________________
(١) = رسول الله -ﷺ- ويستوصون بهم خيرًا، ويرعون لهم حقوقهم، كما أمر رسول الله -ﷺ-".
(٢) "شرح العقيدة الواسطية" (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).
(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٦٢١)، رقم (٣٧٨٦)، وسنده حسن بالمتابعة، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (ضعيف)، وقد تابعه حاتم بن إسماعيل، انظر الحديث والحكم عليه برقم (٦٠).
[ ١ / ١٧٥ ]
هو على طريقة الرَّسول ﵌ وسَمته ودَلَّه (^١) وهَديه، ولا يستقيم المقارنة بكتاب الله إلَّا إذا كانوا موافقين له عاملين به. فمعيار الأخذ بالعترة اتِّفاقهم بالقرآن في كلِّ نفير وقطمير ".
إلى أن قال: "وأمَّا من عاد منهم مبتدعًا في الدِّين فالحديث لا يشمله، لعدم المقارنة، هذا أوضح من كلِّ واضح، لا يخفى إلَّا على الأعمى. وكم من رجال ينسبونهم إليه ﵌ في اتِّحاد الطِّين قد خرجوا من نسبة الدِّين، ودخلوا في عداد المنتحلين والغالين والجاهلين، وسلكوا سبيل المبتدعين المشركين، كالسَّادة الرَّافضة، والخارجة، والمبتدعة، ونحوهم. فليس هؤلاء مصداق هذا الحديث أصلًا وإنْ صحَّت نسبتهم الطِّينية إليه ﵌ فقد فارقوه في النِّسبة الدِّينية.
"فالحاصل أنَّ نفس هذا الحديث يُخرج الخارجين عن الطريقة المثلى المأثورة التي جعلها رسول الله ﵌ أمارةً للفرقة النَّاجية في حديث الافتراق، قال: "هم ما أنا عليه اليوم وأصحابي". فمن كان من أهل البيت على هذه الشِّيمة الشَّريفة فهو المستحق لما في الحديث، ومن لم يكن كذلك فليس أهلًا بما هنالك" (^٢).
ويقول الشيخ الفوزان في تقرير شرطي تولّي أهل السُّنَّة لقرابة النَّبيِّ -ﷺ-: " وذلك إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة، مستقيمين على الملة كما كان عليه سلفهم، كالعبَّاس وبنيه، وعليٍّ وبنيه، أمَّا من خالف السُّنَّة ولم يستقم على الدِّين فإنه لا تجوز محبّته، ولو كان من أهل البيت" (^٣).
وبهذا تعلم أنَّ قول المقريزيِّ ﵀: "فليست بدعة المبتدع مهم، أو تفريط المفرِّط منهم في شيء من العبادات، أو ارتكابه محرَّمًا من المحرَّمات مُخرجٌ له من بنوَّة النَّبيِّ -ﷺ-، بل الولدُ ولدٌ على كلِّ حال عَقَّ أو فَجَرَ" (^٤)؛ لا يستقيم على ما قرَّره أهل السُّنَّة،
_________________
(١) الدَّلُّ: الحالة التي يكون عليها الإِنسان من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك. انظر: "المعجم الوسيط" (ص ٢٩٤)، مادة (دَلَّ).
(٢) "الدين الخالص" (٣/ ٣٤٨).
(٣) "شرح العقيدة الواسطية" (ص ١٩٦).
(٤) انظر: "السلوك في معرفة الملوك" (٧/ ١٩٩).
[ ١ / ١٧٦ ]
وأنه مبالغٌ فيه، فالكلام ليس في كونه من ولد النَّبيِّ -ﷺ- أم لا، وإنما في موالاته ومحبَّته حال بدعته، وبالله تعالى التوفيق.
آل النَّبيِّ -ﷺ- وأولياؤه (^١):
أقارب النَّبيِّ -ﷺ- الذين هم آله فيهم المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، فإن كان فاضلًا منهم كعليٍّ ﵁، وجعفر، والحسن، والحسين، ففضلهم ﵃ بما فيهم من الإِيمان والتقوى، فهم أولياؤه بهذا الاعتبار لا بمجرد النَّسب.
أمَّا أولياؤه فهم الأَتقياء من أُمَّته، كما ثبت في "الصحيحين" (^٢): "إنَّ آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين". فبيَّن ﵊ أنَّ أولياءه صالح المؤمنين.
وقال في حديث آخر: "إنَّ أوليائي منكم المتقون حيث كانوا وأين كانوا" (^٣). وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).
ولذا كان أولياؤه أعظم درجةً من آله، وإن صُلِّي على آله تبعًا، لم يقتضِ ذلك أن يكونوا أفضل من أوليائه الذين لم يصل عليهم، فإنَّ الأنبياء والمرسلين هم من أوليائه، وهم أفضل من أهل بيته، وإن لم يدخلوا في الصَّلاة معه تبعًا.
_________________
(١) انظر: "منهاج السُّنَّة النَّبوية" (٧/ ٧٦، ٧٨) بتصرُّف، وراجع: "آل رسول الله -ﷺ- وأولياؤه" (ص ٧، ٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب تُبلُّ الرَّحم ببلاها (١٠/ ٤١٩، مع الفتح)، رقم (٥٩٩٠)، من طريق عمرو بن عبَّاس، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم به. ومسلم في كتاب الإِيمان، باب موالاة المؤمنين (١/ ١٩٧)، رقم (٢١٥)، من طريق الإِمام أحمد، عن محمد بن جعفر به. وهو في "المسند" (٤/ ٢٠٣). وسيورده المؤلف برقم (٣٨١).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ١٢٠)، رقم (٢٤١)، من طريق أبي المغيرة، ثنا صفوان، حدَّثني راشد بن سعد، عن عاصم بن حُميد، عن معاذ بن جبل -﵁-. وسنده صحيح، انظر الكلام عليه في القسم المحقق برقم (٤٠١).
(٤) التحريم (آية: ٤).
[ ١ / ١٧٧ ]
فالمفضول قد يختصُّ بأمر ولا يلزم أن يكون أفضل من الفاضل، ودليل ذلك أنَّ أزواجه هم ممن يُصلَّى عليه، كما ثبت باتِّفاق النَّاس كلّهم أنَّ الأنبياء أفضل منهنَّ كلّهنَّ.
وإذا كان كذلك فأولياؤه المتقون بينه وبينهم قرابة الدِّين والإِيمان والتقوى، وهذه القرابة الدِّينية أعظم من القرابة الطِّينية، والقُرب بين القلوب والأرواح أعظم من القُرب بين الأبدان.
وعليه، فإنَّ الأنبياء والمرسلين كما سبق، والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين، كلُّ أولئك أولياء النَّبيِّ -ﷺ-، فأبو بكر الصِّدِّيق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان -﵃- من أعظم أولياء النَّبيِّ -ﷺ-، وهم أفضل من علي بن أبي طالب -﵁- الهاشمي، مع أنَّ أبا بكر تَيمي، وعمر عَدَوي، وعثمان أُموي -﵁- أجمعين.
وقد ذكر ابن تيمية في معرض ردِّه على الرَّافضي في زعمه اختصاص أئمة أهل البيت بالعلم دون غيرهم، أن كثيرًا من أهل السُّنَّه أعلم بحديث رسول الله -ﷺ- مع العناية والاهتمام من كثير من بني هاشم، فالزُّهري مثلًا أعلم بأحاديث النَّبيِّ -ﷺ- وأحواله وأقواله وأفعاله من أبي جعفر محمد بن علي الباقر، وكان معاصرًا له.
أمَّا موسى بن جعفر الكاظم، وابنه علي بن موسى الرِّضا، وابنه محمد بن علي بن موسى الجواد، فلا يستريب من له من العلم نصيب أنَّ مالك بن أنس، وحمَّاد بن زيد، وحمَّاد بن سلمة، والليث بن سعد، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد القطَّان، ووكيع بن الجرَّاح، وعبد الله بن المبارك، والشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأمثالهم، أعلم بأحاديث النَّبيِّ -ﷺ- من هؤلاء. وهذا أمر تشهد به الآثار التي تُعَاين وتُسمع (^١). ولولا أنَّ الناس وجدوا عبد مالك والشَّافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند هؤلاء لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء (^٢).
_________________
(١) انظر: "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٢/ ٤٦٠، ٤٦٢)، بتصرُّف.
(٢) "آل رسول الله -ﷺ- "وأولياؤه" (ص ٢٠٠).
[ ١ / ١٧٨ ]
هل القول بتفضيل بني هاشم يعدُّ تفضيلًا مطلقًا لهم على جميع الأشخاص وفي كلِّ الأحوال؟
لا يعني القول بتفضيل آل البيت -عند أهل السُّنَّه والجماعة- تفضيلهم مطلقًا في كلِّ الأحوال وعلى جميع الأشخاص، بل قد يوجد في آحاد الناس مَنْ هو أفضل من آحاد بني هاشم، لزيادة التقوى والإِيمان والعمل عنده، وهو الذي على أساسه يُثاب الإِنسان أو يُعاقب. أمَّا نفس القرابة ولو كانت من النَّبيِّ -ﷺ-، فإن الله ﵎ لم يُعلِّق بها ثوابًا ولا عقابًا، ولا مَدَحَ أحدًا بمجرد كونه من ذوي القربى وأهل البيت، ولا ذكر سبحانه استحقاقه الفضيلة عند الله بذلك (^١)!
فإنَّ القرابة والنَّسب لا يؤثران في ترتيب الثواب والعقاب، ولا في مَدْحِ الله ﷿ للشَّخص المعيَّن، ولا في كرامته عند الله، وإنما الذي يؤثر فيه الإِيمان والعمل الصَّالح، وهو التقوى كما سبق (^٢). قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٣).
وفي ضوء هذه الآية الكريمة، وحديث: "النَّاس معادن كمعادن الذَّهب والفضَّة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا" (^٤)، ولزيادة التوضيح أقول (^٥):
"الأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة، كان معدن الذهب خيرًا، لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فيه، فإن قُدِّر أنه تعطَّل ولم يُخرج ذهبًا، كان ما يخرج الفضة أفضل منه، فالعرب في الأجناس، وقريش فيها، ثم هاشم في قريش مظنة أن يكون فيهم من الخير أعظم مما يوجد في غيرهم. ولهذا كان في بني هاشم النَّبيُّ -ﷺ- الذي لا يماثله أحد في قريش، فضلًا عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان في قريش الخلفاء الرَّاشدون
_________________
(١) انظر: "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٤/ ٦٠٢) و(٨/ ٢٢٠).
(٢) انظر: "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٤/ ٦٠٠).
(٣) الحجرات (آية: ١٣). وانظر مزيدًا من الأدلة على ذلك في القسم المحقق، الأحاديث من رقم (٣٦٩) إلى (٤٠٠).
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٤٠، مع الفتح) وفي مواطن أخرى. ومسلم (٤/ ٢٠٣١) من حديث أبي هريرة.
(٥) جميع ما سأذكره من هذا الموضع إلى ص ١٨٢، من كلام شيخ الإِسلام في "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٤/ ٦٠٦، ٦٠٨)، وقارنه بما في (٨/ ٢٢٠ - ٢٢٣).
[ ١ / ١٧٩ ]
وسائر العشرة وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب، وكان في العرب من السَّابقين الأولين من لا يوجد له نظير في سائر الأجناس.
فلا بدَّ أن يوجد في الصِّنف الأفضل ما لا يوجد مثله في المفضول، وقد يوجد في المفضول ما يكون أفضل من كثير مما يوجد في الفاضل، كما أنَّ الأنبياء الذين ليسوا من العرب أفضل من العرب الذين ليسوا بأنبياء، والمؤمنون المتقون من غير قريش أفضل من القرشيين الذين ليسوا مثلهم في الإِيمان والتقوى، وكذلك المؤمنون المتقون من قريش وغيرهم أفضل ممن ليس مثلهم في الإِيمان والتقوى من بني هاشم.
فهذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقًا (^١)، ودون من ظنَّ أنَّ الله تعالى يُفضِّل الإِنسان بنسبه على مَن هو مثله في الإِيمان والتقوى، فضلًا عمَّن هو أعظم إيمانًا وتقوى، فكلا القولين خطأ، وهما متقابلان.
بل الفضيلة بالنَّسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنَّة والسبب، والفضيلة بالإِيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية، فالأول يُفضَّل به لأنه سبب وعلامة، ولأنَّ الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد. والثاني يُفضَّل به لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كلَّ من كان أتقى لله كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأنَّ الحقيقة قد وُجدتْ، فلم يُعلّق الحكم بالمظنة، ولأنَّ الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يستدل بالأسباب والعلامات.
ولهذا كان رضا الله عن السَّابقين الأولين أفضل من الصَّلاة على آل محمد، لأنَّ ذلك إخبار برضا الله عنهم، فالرِّضا قد حصل، وهذا طلب وسؤال لِمَا لم يحصل. ومحمد -ﷺ- قد أخبر الله عنه أنه يُصلِّي عليه هو وملائكته بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^٢)، فلم تكن فضيلته بمجرد كون الأُمَّة يُصلُّون عليه، بل بأن تعالى وملائكته يصلُّون عليه بخصوصه، وإن كان الله وملائكته يصلُّون على المؤمنين عمومًا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (^٣)،
_________________
(١) كالشُّعوبية الحاقدة، والشُّعوبيون: هم الذين لا يحبُّون العرب، ولا يقرون بفضلهم، سمُّوا بذلك لأنهم ينتصرون للشعوب الأخرى غير العرب. انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٣٧٦)، "القاموس المحيط" (ص ٩٥)، مادة (شَعَبَ).
(٢) الأحزاب (آية: ٥٦).
(٣) الأحزاب (آية: ٤٣).
[ ١ / ١٨٠ ]
ويصلُّون على معلِّمي الناس الخير، كما في الحديث: "إنَّ الله وملائكته يصلُّون على معلِّمي الناس الخير" (^١). فمحمد -ﷺ- لمَّا كان أكمل الناس فيما يستحقّ به الصَّلاة من الإِيمان وتعليم الخير وغير ذلك. كان له من الصَّلاة عليه خبرًا وأمرًا خاصية لا يوجد مثلها لغيره -ﷺ-.
(فبنو هاشم لهم حقّ وعليهم حقّ، والله تعالى إذا أمر الإِنسان بما لم يأمر به غيره، لم يكن أفضل من غيره بمجرد ذلك، بل إنَّ امتثل ما أمر الله به كان أفضل من غيره بالطاعة، كولاة الأمور وغيرهم ممن أمر بما لم يُؤمر به غيره، مَن أطاع منهم كان أفضل، لأنَّ طاعته أكمل، ومن لم يُطع منهم كان مَنْ هو أفضل منه في التقوى أفضل منه) (^٢).
"فالصَّلاة على آل محمد حقٌّ لهم عند المسلمين، وذلك سبب لرحمة الله تعالى لهم بهذا النَّسب، لأنَّ ذلك يوجب أن يكون كلّ واحد من بني هاشم لأجل الأمر بالصَّلاة عليه تبعًا للنَّبيِّ -ﷺ- أفضل ممن لم يصلِّ عليه، ألا ترى أنَّ الله تعالى قال لنبيِّه -ﷺ-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^٣).
وفي "الصحيحين" (^٤) عن ابن أبي أوفى أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلَّى عليهم، وإنَّ أبي أتاه بصدقته فقال: "اللهم صلِّ على آل أبي أوفى". فهذا فيه إثبات فضيلة لمن صلَّى عليه النَّبيُّ -ﷺ- ممن كان يأتيه بالصَّدقة، ولا يلزم من هذا أن يكون كلّ من لم يأته بصدقة لفقره دون من أتاه بصدقة وصلَّى عليه، بل قد يكون من فقراء المهاجرين الذين ليس لهم صدقة يأتونه بها مَن هو أفضل من كثير ممن أتاه بالصَّدقة وصلَّى عليه، وقد يكون بعض من يأخذ الصَّدقة أفضل من بعض من يعطيها، وقد يكون فيمن يعطيها أفضل من بعض من يأخذها، وإنْ كانت اليد العليا خيرًا من اليد السُّفلى.
فالفضيلة بنوعٍ لا يستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقًا، ولهذا في الأغنياء مَنْ هو أفضل من جمهور الفقراء، وفي الفقراء مَنْ هو أفضل من جمهور الأغنياء،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤/ ١٥٤)، وغيره.
(٢) ما بين القوسين من كلام شيخ الإسلام في "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٤/ ٦٠٢، ٦٠٥).
(٣) التوبة (آية: ١٠٣).
(٤) البخاري (٣/ ٣٦١، مع الفتح)، رقم (١٤٩٧)، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه الصدقة. ومسلم (٢/ ٧٥٦)، رقم (١٠٧٨)، في الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بالصدقة.
[ ١ / ١٨١ ]
فإبراهيم وداود وسليمان ويوسف وأمثالهم أفضل من أكثر الفقراء، ويحيى وعيسى ونحوهما أفضل من أكثر الأغنياء.
فالاعتبار العام هو التقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^١)، فكلُّ مَن كان أتقى كان أفضل مطلقًا". وبهذا تزول شُبهٌ كثيرة تعرض في مثل هذه الأمور" (^٢).
* * *
وقد أورد شيخ الإسلام في معرض ردِّه على الرَّافضي جماعةً من قرابة النَّبيِّ -ﷺ- كالعبَّاس، وحمزة، وجعفر، وعقيل، وعبد الله، وعبيد الله، والفضل، وغيرهم من بني العبَّاس. وربيعة، وأبي سفيان بن أبي سفيان بن الحارث، وبيَّن أن هؤلاء ليس أفضل من أهل بدر، ولا من أهل بيعة الرضوان، ولا من السَّابقين الأولين، إلَّا من تقدَّم بسابقته، كحمزة وجعفر، فإنهما ﵄ من السَّابقين الأولين. وكذلك عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب الذي استشهد يوم بدر (^٣).
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أيضًا أن كثيرًا من بني هاشم في زمنه (^٤) لا يحفظ القرآن، ولا يعرف من حديث النَّبيِّ -ﷺ- إلَّا ما شاء الله، ولا يعرف معاني القرآن، فضلًا عن علوم القرآن والفقه والحديث (^٥).
• والخلاصة: أنه لا يُقال بتفضيل بني هاشم مطلقًا، وإنما مع وجود الإيمان والتقوى والعمل الصَّالح، فصاحب الإيمان والتقوى من غير بني هاشم أقرب إلى الله وإلى رسول الله وأحبّ إليهما من الهاشميّ الذي لم يتَّصف بذلك الوصف.
* * *
_________________
(١) الحجرات (آية: ١٣).
(٢) إلى هنا ينتهي كلام ابن تيمية.
(٣) انظر: "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٨/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٤) وذلك في أواخر القرن السابع، وأوائل القرن الثامن. قلتُ: فما بالك بحالهم في القرن الخامس عشر الهجري؟ !
(٥) انظر: "آل رسول الله -ﷺ- وأولياؤه" (ص ٢٠٠).
[ ١ / ١٨٢ ]
المبحث الخامس أشهر الكتب المطبوعة في مناقب وفضائل أهل البيت النَّبويِّ
تمهيد:
لا يَشكُّ باحثٌ أنَّ المصنَّفات التي أُلِّفتْ في أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ- وذكر مناقبهم وفضائلهم وأخبارهم من الكثرة بمكان، ما لم يُكتب في غيره من الموضوعات، وذلك تبعًا -والله تعالى أعلم- لكثرة ما ورد في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁-.
حتى قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- من الفضائل ما جاء لعليِّ بن أبي طالب ﵁" (^١).
وقال إسماعيل القاضي، والنَّسائي، وأبو علي النيسابوري رحمهم الله تعالى: "لم يرد في حقِّ أحد من الصَّحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في عليٍّ" (^٢).
ويبيِّن شيخ الإسلام سبب نشر فضائل علي بن أبي طالب -﵁- وانتشارها بين أهل السُّنَّة بقوله:
"واشتهر رواية أهل السُّنَّة لها ليدفعوا بها قَدْحَ مَنْ قَدَحَ في عليٍّ وجعلوه كافرًا أو ظالمًا، من الخوارج وغيرهم" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١١٦) - رقم (٤٥٧٢) من طريق محمد بن هارون الحضرمي، عن محمد بن منصور الطوسي، عنه.
(٢) "الصواعق المحرقة" (٢/ ٣٥٣).
(٣) "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٤/ ٣٧١).
[ ١ / ١٨٣ ]
ويقول السَّمْهوديُّ في بيان السَّبب نفسه: "والسَّبب في ذلك -والله أعلم- أنَّ الله تعالى أطلعَ نبيَّه ﵌ على ما يكون بعده مما ابتُلي به عليٌّ ﵁، وما وقع من الاختلاف لمَّا آل إليه أمر الخلافة؛ فاقتضى ذلك نصح الأُمَّة بإشهاره لتلك الفضائل لتحصل النَّجاة لمن تمسَّك به ممن بلغته، ثم لمَّا وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نَشَرَ من سمع من الصَّحابة تلك الفضائل، وبثَّها نصْحًا للأُمَّة أيضًا. ثمَّ لمَّا اشتدَّ الخطب واشتغلتْ طائفةٌ من بني أميَّة بنقْصه وسبِّه على المنابر! ووافقهم الخوارج، بل قالوا بكفره! فاشتغل جهابذة الحُفَّاظ من أهل السُّنَّة ببثِّ فضائله حتى كثُرتْ، نُصْحًا للأُمَّة، ونُصْرةً للحقِّ". اهـ (^١).
وقد أشار الحافظ السَّخَاويُّ إلى كثرة المصنَّفات في مناقب أهل البيت في مقدِّمة هذا الكتاب بقوله: " إذ قد جمع الأئمةُ في كلٍّ من عليٍّ، والعبَّاس، والسِّبْطين تصانيفَ منتشرة في الناس. وكذا أفرِدَتْ مناقب الزَّهراء وغيرها، ممن علا شَرَفًا وفَخْرًا" (^٢).
وهي -أعني المصنَّفات في أهل البيت- متنوعة متعددة في جميع ما يتعلَّق بهم:
١ - فمنها ما أُلِّف في ذكر مناقبهم، ونشر فضائلهم، والتنبيه على عظيم حقِّهم؛ وعامَّة ما سوف أذكره من هذا الضرب.
٢ - ومنها ما تناول أخبارهم وتراجم سيرهم فحسب، فهي عبارة عن سرد تاريخي لحياتهم قد يشتمل على شيء من فضائلهم (^٣).
_________________
(١) انظر: "جواهر العقدين" (ص ٢٥١). و"الجوهر الشَّفَّاف" (ق ٣٩/ ب) له. وكذلك: "الصواعق المحرقة" (٢/ ٣٥٣).
(٢) انظر: (ص ٢٢٥) من القسم المحقق.
(٣) منها كتاب: "حدائق الأذهان في أخبار أهل بيت النَّبيِّ المختار -ﷺ- وتفرُّقهم في الأمصار" للمسعودي (ت ٣٤٥ هـ). ذكره لنفسه في "مروج الذهب" (٣/ ٣٥٥)، ونسبه له حاجي خليفة (١/ ٦٣٢). ومنها كتاب: "تحفة الرَّاغب في السِّيرة الجامعة من أعيان أهل البيت الطَّيِّب" للقيلوبي الشافعي (ت ١٠٦٩ هـ). طُبع بمصر قديمًا (١٣٠٧ هـ) في مطبعة محمد مصطفى. وله نسخة خطية بمكتبة حسن حسني عبد الوهاب- رقم (١ - ٩٠٤). انظر: "معجم المطبوعات العربية" (٢/ ١٥٢٥)، و"معجم المنجد" (ص ٢٢٧)، و"معجم المؤلفين" (١/ ١٤٨)، "معجم الشَّيباني" رقم (٣٢٣).
[ ١ / ١٨٤ ]
٣ - ومنها ما عالج ما حصل عليهم من المحن والقتل والتشريد؛ خصوصًا تفاصيل مقتل الحسين بن علي ﵄، فهي من الكثرة بمكان (^١)!
٤ - ومنها ما لا يتطرَّق إلَّا لأنسابهم وذكر أُصولهم وفروعهم، وهي متنوعة حسب الأماكن التي سكنوها، فمنها ما يذكر أنساب أشراف مكة، وأخرى تذكر أنساب أشراف المدينة، وثالثة تُعرِّف بأنساب أشراف اليمن وحضرموت، ورابعة تتناول أنساب أشراف المغرب العربي وهكذا (^٢).
وهي مع هذا متعددة: فمنها (النَّسب الحَسَنيّ والحُسَيْنيّ -النَّسب الجعفريّ- النَّسب العلويّ -النَّسب الفاطميّ- أنساب الأدارسة -النَّسب العبَّاسيّ -أنساب السَّادة).
٥ - ومنها ما يهتم بذكر النُّقباء من الأشراف فقط دون غيرهم (^٣).
ولا يغيب عن ذهن القارئ أنَّ الصَّحاح، والسُّنن، والمسانيد، وغيرها من الكتب الحديثية، أورد فيها مصنِّفوها شيئًا من أحاديث مناقب وفضائل أهل البيت، وسأُمثِّل على ذلك بالصحيحين، وعليك أن تنظرَ في "السُّنن" و"المسانيد" وغيرها فهي مليئة بذلك:
أولًا: "صحيح البخاري":
عقد الإمام البخاري في "الصحيح" في كتاب فضائل الصحابة بابًا سمَّاه: (باب
_________________
(١) مع التنبيه إلى أنَّ أكثر المؤلفات في هذا المجال دخلها الضعيف، بل المنكر والموضوع! حتى في بعض كتب أهل السنة؛ فضلًا عن كتب الرافضة الإمامية! وقد ذكرت شيئًا من المؤلفات المصنَّفة في هذا النوع في الباب العاشر من أصل الكتاب، ومن أشهرها "مقاتل الطَّالبيين" لأبي الفرج الأصبهانيِّ (ت ٣٥٦ هـ)، وهو مطبوع متداول.
(٢) من أشهرها كتاب "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب" لابن عَنبَة الحَسَنَي (ت ٨٢٨ هـ)، وهو مطبوع متداول. وانظر قائمة طويلةً بأسماء مؤلفاتٍ في أنساب آل البيت الأشراف في كتاب "دليل مؤرخ المغرب الأقصى" لابن سودة في القسم الثاني من (في الأنساب والعائلات والقبائل)، وكتاب "طبقات النَّسَّابين" للشيخ بكر أبو زيد.
(٣) لعلَّ من أشهرها كتاب "موارد الإتحاف في نقباء الأشراف" للسَّيِّد عبد الرزاق الحُسيني، فلقد جمع فيه أسماء من نال النقابة من الطالبيين، وذكر فيه محاسن من تَرْجمهم، ورتَّبة على ذكر المدن التي صارت بها النقابة على حرف المعجم، وهو مطبوع.
[ ١ / ١٨٥ ]
مناقب قرابة رسول الله -ﷺ-)، وذَكَرَ فيه ستة أحاديث. انظر الأرقام: (٣٧١١، ٣٧١٢، ٣٧١٣، ٣٧١٤، ٣٧١٥، ٣٧١٦ - مع الفتح).
وقد أورد قبله أبوابًا في مناقب علي بن أبي طالب -﵁-. انظر الأرقام: (٣٧٠١، ٣٧٠٢، ٣٧٠٣، ٣٧٠٤، ٣٧٠٥، ٣٧٠٦، ٣٧٠٧ - مع الفتح). وجعفر بن أبي طالب -﵁-. انظر الأرقام: (٣٧٠٨، ٣٨٠٩ - مع الفتح). وذكر العباس بن عبد المطلب ﵁. انظر رقم: (٣٧١٠).
وذكَرَ بعده أبوابًا منها: مناقب الحسن والحسين. انظر الأرقام: (٣٧٤٦، ٣٧٤٧، ٣٧٤٨، ٣٧٤٩، ٣٧٥٠، ٣٧٥١، ٣٧٥٢، ٣٧٥٣ - مع الفتح). وباب مناقب فاطمة ﵍. انظر رقم: (٣٧٦٧). وباب: فضل عائشة ﵂. انظر الأرقام: (٣٧٦٨، ٣٧٦٩، ٣٧٧٠، ٣٧٧١، ٣٧٧٢، ٣٧٧٣، ٣٧٧٤، ٣٧٧٥ - مع الفتح).
ثانيًا: "صحيح مسلم":
كذلك صنع الإمام مسلم في "صحيحه" في كتاب فضائل الصحابة، فلقد عقد بابًا عَنْوَنه بـ: (باب فضائل أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ-)، وأورد فيه ثلاثة أحاديث من عدة طرق. انظر الأرقام: (٢٤٢٤، ٢٤٢٥، ٢٤٢٦).
وأورد قبله أبوابًا في فضائل علي بن أبي طالب ﵁. انظر الأرقام: (٢٤٠٤، ٢٤٠٥، ٢٤٠٦، ٢٤٠٧، ٢٤٠٨، ٢٤٠٩)، وباب فضائل الحسن والحسين ﵄. انظر الأرقام: (٢٤٢١، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣).
وذَكَرَ بعده أبوابًا منها: باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵄. انظر الأرقام: (٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩). وباب فضائل خديجة أُمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها. انظر الأرقام: (٢٤٣٠، ٢٤٣١، ٢٤٣٢، ٢٤٣٣، ٢٤٣٥، ٢٤٣٦). وبابٌ في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها. انظر الأرقام: (٢٤٣٨، ٢٤٣٩، ٢٤٤٠، ٢٤٤١، ٢٤٤٢، ٢٤٤٣، ٢٤٤٤، ٢٤٤٥، ٢٤٤٦، ٢٤٤٧). وباب فضائل فاطمة بنت النَّبيِّ عليها الصلاة والسلام. انظر الأرقام: (٢٤٤٩، ٢٤٥٠). وبابٌ من فضائل أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها. انظر رقم: (٢٤٥١). وبابٌ من فضائل زينب أُمّ المؤمنين ﵂. انظر رقم: (٢٤٥٢). وباب فضائل عبد الله بن عباس ﵄. انظر رقم:
[ ١ / ١٨٦ ]
(٢٤٧٧). بابٌ من فضائل جعفر بن أبي طالب -﵁-. انظر الأرقام. (٢٥٠٢، ٢٥٠٣).
وسأذكر في هذه العجالة جملة من المؤلفات في مناقب آل البيت مقتصرًا على المطبوع دون غيره.
أشهر المؤلفات في فضائل ومناقب أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ-:
١ - " آل رسول الله -ﷺ- وأولياؤه"، للشَّيخ محمد بن عبد الرَّحمن بن محمد بن قاسم (معاصر). وهو بحث لخَّصه مؤلفه من "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" لابن تيمية. صدر عن دار القبلتين بالرياض (ط: الأولى ١٤١٢ هـ).
٢ - "آية التَّطهير بين أُمَّهات المؤمنين وأهل الكساء"، للدكتور علي أحمد السَّالوس (معاصر). صدر عن مكتبة ابن تيمية بالكويت، عام (١٣٩٧ هـ).
٣ - "الإتحاف بحبِّ الأشراف"، لعبد الله بن محمد الشِّيراوي (ت! ! ! هـ). مطبوع بفاس سنة (١٣١٦ هـ- ١٨٩٨ م).
٤ - "إحياء الميْت في فضائل أهل البيْت"، للحافظ جلال الدِّين السّيوطيِّ (ت ٩١١ هـ). ذَكَرَ فيه ستين حديثًا، وقد طُبع بالهند عام (١٨٩٣ م) - ضمن مجموعة رسائل له. وآخرى في القاهرة عام (١٣١٦ هـ - ١٨٩٨ م). وثالثة بهامش كتاب: "الإتحاف بحبِّ الأشراف"، سنة (١٣١٢ هـ).
٥ - "استجلاب ارتقاء الغُرَف بحبِّ أقرباء الرَّسول وذوي الشَّرف"، للحافظ شمس الدِّين السَّخَاوي (ت ٩٠٢ هـ). وهو كتابنا هذا.
٦ - "إسعاف الرَّاغبين في سير المصطفى وفضائل أهل بيته الطَّاهرين"، لمحمد بن علي الصَّبَّان المصري، أبو العرفان (ت ١٢٠٦ هـ). طُبع بمصر قديمًا عام (١٢٨٠ هـ)، وطُبع كذلك بهامش كتاب "نور الأبصار" للشَّبلنْجي.
٧ - "الإسعاف بالجواب عن مسألة الأشراف"، للحافظ شمس الدِّين السَّخَاويّ (ت ٩٠٢ هـ). وهو فتوى عن الأشراف وما يتعلَّق بهم، مطبوع ضمن "الأجوبة المرضية" للمصنِّف (٢/ ٤١٦ - ٤٢٨).
[ ١ / ١٨٧ ]
٨ - "الأفلاذ الزَّبرجدية في مدح العِتْرة الآحمدية"، لعبد الحميد بن عبد الغني الرَّافعي الطرابلسي (ت ١٣٥٠ هـ). طُبع بطرابلس الشام سنة (١٩٠٦ م).
٩ - "الأنباء المستطابة في مناقب الصَّحابة والقرابة"، لأبي القاسم هبة الله بن عبد الله المعروف بـ "ابن سيِّد الكلِّ القفطيّ" (ت ٦٩٧ هـ). طُبع مؤخرًا في دمشق- دار حسان (١٤١٢ هـ- ١٩٩٢ م).
١٠ - "الأنوار الباهرة بفضائل أهل البيت النَّبويِّ والذُّرِّيَّة الطَّاهرة"، لعبد الله بن عبد القادر التليديّ (معاصر). لعلَّه آخر ما أُلِّفَ في فضائل أهل البيت حتى الآن، صدرت طبعته الأولى سنة (١٤١٧ هـ) عن دار ابن حزم- بيروت.
١١ - "ثناء الصَّحابة على القرابة وثناء القرابة على الصّحابة"، للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدَّارقطنيِّ (ت ٣٨٥ هـ). وقد طُبع منه مؤخَّرًا قطعة صغيرة من الجزء الحادي عشر، بعنوان: "فضائل الصَّحابة ومناقبهم وقول بعضهم في بعض"، باعتناء محمد الرَّباح عام (١٤١٩ هـ)، مكتبة الغرباء بالمدينة.
١٢ - "جواهر العقديْن في فضل الشَّرفين، شرف العلم الجليّ والنَّسب النَّبويِّ"، للشَّريف نور الدِّين علي بن عبد الله السَّمهوديِّ (ت ٩١١ هـ). مطبوع بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا (١٤١٥ هـ)، عن دار الكتب العلمية في بيروت. وهو مليء بالأخطاء المطبعية والمنهجية.
١٣ - "حديث الثَّقلين وفقهه"، للدكتور علي أحمد السالوس (معاصر) (^١). نشرته دار إصلاح للطباعة والنشر والتوزيع (١٤٠٦ هـ) - أبو ظبي.
١٤ - "حقوق آل البيت"، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ). = "فضل أهل البيت".
١٥ - "درُّ السَّحابة في مناقب القرابة والصَّحابة"، للإمام محمد بن علي الشَّوكانيّ (ت ١٢٥٠ هـ). حقَّقه الدكتور حسين بن عبد الله العمري، ونشرته دار الفكر بدمشق (سنة ١٤٠٤ هـ).
_________________
(١) تجدر الإشارة أنَّ المؤلِّف ضعَّف فيه حديث الثقلين، على كثرة وتعدُّد طرقه، وقوله مردود، كما سيتبيَّن لك من خلال التخريج في القسم المحقق؛ لكنه تكلَّم عن فقه الحديث بكلامٍ حسنٍ، أجاد فيه وأفاد.
[ ١ / ١٨٨ ]
١٦ - "ذخائر العُقْبى في مناقب ذوي القُرْبى"، لأبي العبَّاس المحبِّ الطبريّ (ت ٦٩٤ هـ). طُبع بمصر قديمًا بمطبعة القدسي والسعادة، ومنه طبعة عن دار المعرفة (سنة ١٩٧٤ م)، وله طبعة محققة صدرت مؤخَّرًا (سنة ١٤١٥ هـ)، ونشرته مكتبة الصحابة بجدة.
١٧ - "الذُّرِّيَّة الطَّاهرة النَّبويَّة"، للحافظ أبي بشر محمد بن أحمد الدُّولابيّ (ت ٣١٠ هـ)، حقَّقه واعتنى به سعد المبارك الحسن، نشر الدار السلفية (١٤٠٧ هـ).
١٨ - "رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم"، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ). طبعها واعتنى بها الشيخ أبو تراب الظاهري، سنة (١٤٠٥ هـ) عن دار القبلة. وقد أضاف الشيخ أبو تراب ملحقًا جمع فيه أحاديث شتى في فضائل أهل البيت. وقد تصرَّف بعض الناشرين في الكتاب فطبعه بعنوان: "حقوق آل البيت" سنة (١٤٠٦ هـ)، نشرته دار الكتب العلمية.
١٩ - "الشَّرف المؤبَّد لآل محمد -ﷺ-"، للشيخ يوسف بن إسماعيل النَّبهانيّ (ت ١٣٥٠ هـ). طُبع بمصر قديمًا (عام ١٣٠٩ هـ). "معجم المطبوعات العربية" (٢/ ١٨٤٠). وأُعيد طبعه بمصر حديثًا في دار جوامع الكلم بالقاهرة.
٢٠ - "طهارة بيت النُّبوة"، لخالد بن عبد الرَّحمن الشايع (معاصر). نشرته دار الجلالين ودار بلنسية بالرياض، عام (١٤١٤ هـ).
٢١ - "العجاجة الزَّرْنبية في السُّلالة الزَّينبيّة"، للحافظ جلال الدين السُّيوطيِّ (ت ٩١١ هـ). مطبوع ضمن "الحاوي للفتاوى" للمصنِّف (٢/ ٣١ - ٣٤).
٢٢ - "علِّموا أولادكم محبة آل النَّبيِّ"، للدكتور محمد عبده يماني (معاصر).
طبعته دار القبلة للثقافة الإسلامية- جدة.
٢٣ - "القول القيِّم مما يرويه ابن تيمية وابن القيِّم"، للسَّيِّد حامد أبو بكر المحضار (معاصر). مطبوع متداول، وهو رسالة لطيفة تحتوي على أقوال شيخي الإسلام في فضائل أهل البيت النَّبويِّ- صدر عن دار الشروق عام (١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م).
٢٤ - "معرفة ما يجب لآل البيت النَّبويِّ من الحق على مَنْ عداهم"، للإِمام أحمد بن علي المقريزيِّ (ت ٨٤٥ هـ)، طُبع بالقاهرة عام (١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م)، بتحقيق الدكتور محمد أحمد عاشور، بعنوان: "فضل آل البيت".
[ ١ / ١٨٩ ]
٢٥ - "نُزُل الأبْرار بما صحَّ من مناقب أهل البيت الأطهار"، للشيخ محمد بن معتمد خان البدخشانيّ (ت ١١٢٦ هـ). طُبع قديمًا على الحَجَر في الهند عام (١٨٨٠ م) كما في "معجم المطبوعات العربية" (٢/ ٢٠٢٣)، بدون ذكر اسم المؤلف عليه. ثم حقّقه أخيرًا الدكتور محمد هادي الأميني الشِّيعي، ونشرته شركة الكتبي في بيروت.
٢٦ - "نصح الخاص والعام فيما يجب لآل النَّبيِّ ﵇"، لأبي عبد الله محمد بن المدني جنون (ت ١٣٠٢ هـ). وله عدة أسماء. يقع في مجلد وسط. طُبع على الحجر بفاس سنة (١٣٠٦ هـ).
• " دليل ابن سودة" رقم (٣٠٥).
٢٧ - " نور الأبصار في مناقب آل بيت النَّبيِّ المختار"، لسيِّد مؤمن بن حسن بن مؤمن الشَّبلنْجيّ (كان حيًّا بعد سنة ١٢٩٠ هـ). مطبوع بمصر، بدون تاريخ، نشر مكتبة الجمهورية العربية بالقاهرة.
٢٨ - "ينابيع المودة في مناقب أهل البيت"، لسليمان بن خواجة كلان القندوري الحنفي (ت ١٢٩٣ هـ). حقَّقه علي جمال أشرف الحُسيني، عن دار الأُسوة بطهران، صدرت طبعته الأولى (١٤١٦ هـ).
* * *
[ ١ / ١٩٠ ]
المبحث السَّادس موازنة بين كتاب "اسْتِجْلابِ ارْتِقَاءِ الغُرَف" وكتاب "ذخائر العُقْبى في مناقب ذوي القرْبى" للمحبِّ الطَّبريِّ (ت ٦٩٤ هـ)
تمهيد:
تقدَّم أنَّ الكتب المؤلفة في فضائل آل البيت من الكثرة بمكان، كما تقدَّم ذكر طائفة من تلك الكتب، إلَّا أنه ينبغي أن يُقال: إنَّ أكثر تلك الكتب دخلتها الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة، والقصص والأخبار الواهية، بل وفي بعضها انحرافات خطيرة لا يحسن السُّكوت عليها.
قال صدِّيق حسن خان رحمه الله تعالى في هذا السِّياق محذِّرًا من الوضع في فضائل عليِّ بن أبى طالب ﵁، مبيِّنًا آثار ذلك الوضع في الأُمَّة: "إنما دخل الفساد وسوء الاعتقاد في الأُمَّة من طريق هذه الأخبار المختلفة، والآثار المفتعلة، جاء بها قومُ سوءٍ من الرَّوافض وأهل البدع، وأشاعوها في الناس الجهلة والعامَّة، الذين لا تمييز لهم أصلًا بين الصَّحيح والسَّقيم، والحسن والقبيح، وذكَّر بها الوعَّاظ الجاهلون، فصارت بعد زمان كأنها الدِّين والعقيدة، ودسُّوا موضوعاتٍ كثيرةً فيها، فعاد الإسلام وأهله غريبًا وغرباء" (^١).
على أنه "قد صحَّ في فضائل أهل البيت أحاديث كثيرة، وأمَّا كثير من الأحاديث التي يرويها من صنَّف في فضائل أهل البيت، فأكثرها لا يصحّحه الحفَّاط، وفيما صحَّ في ذلك كفاية" (^٢).
_________________
(١) انظر: "الدين الخالص" للعلَّامة صديق حسن خان (٣/ ٣١٧)، ط: دار الكتب العلمية.
(٢) من كلام الشيخ عبد الله ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب. انظر: "الدُّرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية" (١/ ٢٠٨).
[ ١ / ١٩١ ]
وهذه سمةٌ بارزةٌ في أكثر ما كُتب في فضائل أهل البيت.
أمَّا بالنِّسبة للضَّعيف، فالأمر فيه يسير طالما كان في الفضائل والمناقب.
قال أبو عبد الله النوفلي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "إذا روينا عن رسول الله -ﷺ- في الحلال والحرام والسُّنن والأحكام تشدَّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النَّبيِّ -ﷺ- في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد" (^١). اهـ. وهو مرويٌّ عن غير واحد من أهل العلم (^٢).
ويذهب العلَّامة صديق حسن خان إلى أنَّ الضَّعيف لا يُقبل حتى في الفضائل والمناقب، يقول رحمه الله تعالى مقرِّرًا ذلك: "ومسلك أهل التحقيق أنَّ الحكم بفضيلة أحدٍ حكمٌ شرعيٌ، وأحكام الشَّرع الشَّريف متساوية الأقدام، فلا وجه للتمسُّك بالضِّعاف فيها، بل لا بدَّ أن يكون الخبر صحيحًا لذاته أو لغيره، وكذا الحسن. لا يحتجُّ بالضَّعيف إلَّا عن طريق الشَّهادة والمتابعة إذا كان موافقًا". اهـ (^٣).
وأمَّا الواهي والموضوع فلا عذر في إيراده إلَّا مع بيان حاله.
قال السُّيوطي في "تدريب الراوي" (^٤) في الكلام على الموضوع: "وتحرم روايته مع العلم به، أي بوضعه في أي معنى كان، سواء في الأحكام والقصص والترغيب وغيرها، إلَّا مبيَّنًا، أي مقرونًا ببيان وضعه، لحديث "مسلم": "من حدَّث عنّي بحديثٍ يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"". اهـ.
وكَتَبَ البخاريُّ على حديث: "موضوع، مَنْ حدَّث بهذا استوجب الضَّرب الشَّديد، والحبس الطويل! ". وعلَّق عليه الحافظ السَّخاويُّ بقوله: "لكن محلّ هذا ما لم يُبيِّن ذاكره
_________________
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في: "الكفاية في علم الرواية" (ص ١٣٤) - باب التَّشدُّد في أحاديث الأحكام. ونقله الحافظ ابن حجر في: "القول المسدد في الذّبّ عن المسند للإمام أحمد" (ص ٢٠)، وغير واحد من السلف.
(٢) فقد قال به عبد الرحمن بن مهدي، وأبو زكريا العنبري فيما نقله عنه الحاكم، وابن عبد البر، وغيرهم. انظر: "الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة" لأبي الحسنات اللكنوي (ص ٥٠ - ٥١).
(٣) انظر: "الدين الخالص" (٣/ ٣١٦).
(٤) (١/ ٢٤٦).
[ ١ / ١٩٢ ]
أمره، كأن يقول: هذا كذب، أو باطل، أو نحوهما من الصَّريح في ذلك" (^١).
وقال الخطيب البغداديُّ رحمه الله تعالى: "ومن روى حديثًا موضوعًا على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجُّب منه والتنفير عنه؛ ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشَّاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة" (^٢).
موازنة بكتاب "ذخائر العُقْبى في مناقب ذوي القُرْبَى" تأليف: الإمام أبي العبّاس أحمد بن محمد المحبِّ الطَّبريِّ (ت ٦٩٤ هـ) تحقيق: أكرم البوشي
يعدُّ كتاب المحبِّ الطَّبريِّ من أشهر كتب أهل السُّنَّة المصنَّفة في فضائل أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ-، وقد أفاد منه الحافظ السَّخَاويُّ في كتابنا هذا: "استجلاب ارتقاء الغُرَف"، كما أشار إليه في مقدِّمته.
وقد قسَّمه المحبُّ إلى قسمين:
القسم الأول: وذكر فيه ما جاء في ذكر القرابة على وجه العموم والإجمال، وفيه تسعة أبواب.
القسم الثاني: وذكر فيه مناقب القرابة على وجه التفصيل، وفيه عدة أبواب، وفي كلِّ باب عدة فصول.
وأبرز ما ينتقد به المحبُّ الطَّبريُّ في كتابه أمور:
أولها: إيراده لكثير من الأحاديث الموضوعة والواهية والمنكرة، دون التنبيه على ضعفها أو وضعها وقد أشار السَّخَاويُّ في مقدِّمة "الارتقاء" (^٣) إلى ذلك، وَوَصَفَ المحبَّ بالتَّسامح والتَّساهل في إيراد الأحاديث، وأورد كلام شيخه الحافظ ابن حجر في حقِّ المحبِّ الطَّبريِّ: "إنه كثير الوهم في عزوه للحديث ونقله".
_________________
(١) انظر: "فتح المغيث" (١/ ٢٧٥).
(٢) "فتح المغيث" (١/ ٢٧٥).
(٣) انظر: (ص ٢٢٤)، القسم المحقق.
[ ١ / ١٩٣ ]
وقد سبقه إلى ذلك الحافظُ تقيُّ الدِّين الفاسيُّ المكيُّ في كتابه: "العقد الثَّمين في تاريخ البلد الأمين" (^١)، في ترجمة المحبِّ الطبريِّ المكيِّ، إذ يقول ما نصُّه:
"وله تواليف حسنة في فنون من العلم، إلَّا أنه وقع له في بعض كتبه الحديثية شيء لا يستحسن، وهو أنه ضمّنها أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضائل الأعمال، وفضائل الصَّحابة ﵃، من غير تنبيهٍ على ذلك، ولا ذَكَرَ إسنادها ليُعْلم منه حالها، وغاية ما صنع أن يقول: أخرجه فلان، ويُسمِّي الطَّبرانيَّ مثلًا أو غيره من مؤلِّفي الكتب التي أخرج منها الحديث المشار إليه، وكان من حقِّه أن يخرِّج الحديثَ بسنده في الكتاب الذي أخرجه منه، ليسلمَ بذلك من الانتقاد كما سَلِمَ به مؤلفُ الكتاب الذي أخرج منه المحبُّ الطَّبريُّ الحديثَ الذي خرَّجه.
"أو يقول: أخرجه الطَّبرانيُّ -مثلًا- بسندٍ ضعيفٍ، كما صَنَعَ غيرُ واحدٍ من المحدِّثين في بيان حكم سند الحديث الذي يريدون إخراجه. أو ذكره بإسنادِ المؤلِّف الذي يخرِّجونه من كتابه". اهـ كلام الفاسي.
وممن أشار إلى كثرة إيراد المحبِّ الطَّبريِّ الموضوع والواهي، العلَّامة صديق حسن خان في كتابه "الدِّين الخالص" (^٢)، فقد ذكر كتاب "ذخائر العقبى"، وكتاب "نزل الأبرار" للبدخشاني، ونبَّه إلى ضرورة تصفيتهما من الرِّوايات الواهية بقوله: " فما أحقَّهما بأن يُجرَّدا عن الضِّعاف وما في معناها، ويُقتصر فيهما على الرِّوايات الصَّحيحة اللائقة بالاحتجاج! وهي أيضًا على قدر الكفاية، فأي حاجة معًا إلى ما لا يبلغ مداها والصَّباح يُغني عن المصباح، والحقًّ أبلج، والباطل لجلج".
وقد أشار الأُستاذ عيسى الحميري كذلك إلى رواية المحبِّ للضِّعاف والمناكير، في الدِّراسة التي أعدَّها عن منهج المحبِّ الطَّبريِّ في مقدّمة تحقيق كتاب "الرِّياض النَّضرة في مناقب العشرة" (^٣).
_________________
(١) (٢/ ٢٦)، تحقيق فؤاد سيِّد.
(٢) (٣/ ٣١٦).
(٣) انظر: (ص ٩٠ - ٩١).
[ ١ / ١٩٤ ]
وهذه أمثلة لتلك الأحاديث الموضوعة:
١ - حديث أنس ﵁ قال: كنت عند النَّبيِّ -ﷺ- فرأى عليًّا مقبلًا فقال: "يا أنس! قلت: لبيك. قال: هذا المقبل حجَّتي على أُمَّتي يوم القيامة". (ص ٣٧٣) وعزاه للنَّقَّاش.
وهو حديث موضوع، آفته مطر بن أبي مطر.
- راجع: "الموضوعات" (٢/ ١٦١ - رقم ١٧١)، و"اللآلئ المصنوعة" (١/ ٣٦٦)، و"تنزيه الشريعة" (١/ ٣٦٠)، و"الفوائد المجموعة" (ص ٣٧٣).
٢ - حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: "أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذرِّيَّتي، والقاضي لهم حوائجهم، والسَّاعي في أُمورهم عند اضطرارهم إليه، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه" (ص ٥٠) معزوًا للإمام علي بن موسى الرِّضا.
وهو حديث موضوع، آفته عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، وهو كذَّاب.
وقد أورده السَّخَاويُّ في هذا الكتاب رقم (٣٢٠)، وقال: "ضعيف جدًّا". مع أنه أورد قبله حديثًا رقم (٢٨٦) فيه الطائي المذكور فقال: "وفيه عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، وهو كذَّاب"، وانظر: "الفوائد المجموعة" (ص ٣٩٧) وحَكَمَ عليه بالوضع.
٣ - حديث أبي هريرة ﵁: "تبعث الأنبياء على الدَّوابِّ، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتي العضْباء والقصْواء، وأُحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنَّة". (ص ٢٣٤) وعزاه للحافظ السِّلَفيّ.
وهو حديث موضوع.
قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (^١): "هذا حديث موضوع على رسول الله -ﷺ-".
وقال الذَّهبيُّ في "ترتيبها" رقم (١١٢٠): "إسناده مظلم، ما أدري من وضعه؟ تعلَّق فيه ابن الجوزيِّ على أبي صالح كاتب الليث".
٤ - حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة كنت أنت وولدك على
_________________
(١) (٣/ ٥٦٦).
[ ١ / ١٩٥ ]
خيل بُلْق متوَّجة بالدُّر والياقوت، فيأمر الله بكم إلى الجنَّة والنَّاس ينظرون". (ص ٢٣٤) وعزاه لعليِّ بن موسى الرِّضا.
ولم أقف عليه، وآثار الوضع عليه ظاهرة، والله تعالى أعلم.
والعجب من المحبِّ الطَّبريِّ أنه حاول الجمع بين الحديثين بقوله: "ولا تضاد بينه وبين حشرهم على العضْباء والقصْواء، إذ يكون الحشر أولًا عليها، ثم ينتقلون إلى الخيل، أو يحمل ولده على غير الحسن والحسين منهم". اهـ.
وكان الأجدر أن ينظر في إسناد الحديثين، ويتكلَّم عن رجالهما.
٥ - ذكر المحبُّ عدة روايات موضوعة جاءت في مقتل الحسين ﵁ وما تبع ذلك، منها:
(أ) عن أبي محمد الهلالي -وعزاه لمنصور بن عمَّار، والملاء- قال:
شَرِكَ منا رجلان في دم الحسين بن علي ﵄، فأمَّا أحدهما فابتُلي بالعطش، فكان لو شرب راويةً ما روي. قال: وأمَّا الآخر فابتُلي بطول ذَكَرِه، فكان إذا ركب الفرس يلويه على عنقه كأنه جبل! (ص ٢٤٧).
وعدَّ المحبُّ هذا الخبر من الكرامات والآيات التي ظهرت لمقتل الحسين!
(ب) عن نضرة الأزدية قالت: لمَّا قُتل الحسين بن علي أمطرت السَّماء دمًا! فأصبحنا وجِبابُنا وجرارُنا مملوءة دمًا. (ص ٢٤٨).
(ج) عن جعفر بن سليمان قال: حدَّثتني خالتي أمُّ سالم قالت:
لمَّا قُتل الحسين مُطرنا مطرًا كالدَّم على البيوت والجُدُر! قالت وبلغني أنه كان بخراسان والشام والكوفة! (ص ٢٤٩) وعزاه لابن بنت منيع.
قلت: أكثر هذه الرِّوايات والأخبار من وضع الرَّافضة ومبالغاتهم، كما صرَّح به الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (^١). إذ يقول: "ولقد بالغ الشِّيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبًا فاحشًا، من كون الشَّمس كسفت يومئذ حتى بدت النُّجوم، وما رُفع يومئذ حجرٌ إلَّا وُجِد تحته دم، وأنَّ أرجاء السَّماء احمرّت، وأنَّ الشَّمس كانت تطلع
_________________
(١) (٨/ ٢٠٣).
[ ١ / ١٩٦ ]
وشعاعها كالدَّم، وصارت السَّماء كأنها عَلَقة، وأنَّ الكواكب ضرب بعضها بعضًا، وأمطرت السَّماء دمًا أحمر، وأنَّ الحُمْرة لم تكن في السماء قبل يومئذٍ، ونحو ذلك" إلى أنْ قال ﵀: " إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصحّ منها شيء".
وقال -أيضًا- في هذا السِّياق مختتمًا كلامه: "وللشِّيعة الرَّافضة في صفة مصرع الحسين كذبٌ كثيرٌ، وأخبار باطلة". اهـ.
وهناك أحاديث موضوعة أخرى، لولا خشية الإطالة لذكرتُها، وانظر على سبيل المثال (ص ٣٠، ٤١، ٥٢، ٨٣، ٩٥، ١٦٣، ٣٢٥، ٣٤٢، ٣٤٣).
ثانيها: وُجِد من طريقة المحبِّ الطَّبريِّ في نسبة الأحاديث إلى مخرِّجيها مما يُؤخذ عليه، أنه يُوردها منسوبةً إلى غير مظانها، فقد ينسب الحديث إلى "السُّنن"، وهو في "الصَّحيحين" أو أحدهما وقد ينسبه إلى "المعاجم"، وهو في "السُّنن الأربعة" أو أحدها بل قد ينسبه إلى مصدر لا يعدُّ من المصادر الحديثية، كالكتب المؤلَّفة في الصحابة، مثل "الاستيعاب"، ويكون الحديث مرويًّا في "الصَّحيحين"، و"السُّنن"، و"المسانيد"! وهذا عند المحبِّ كثير.
وهذه ثلاثة أحاديث على سبيل التمثيل:
١ - أورد (ص ٨٩) حديث: "خير نساء العالمين: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد". وعزاه لابن عبد البر!
والحديث أصله في "صحيح البخاري" (٦/ ٤٧٠ - مع الفتح)، رقم (٣٤٣٢)، و"صحيح مسلم" (٤/ ١٨٨٦)، رقم (٢٤٣٠). وهو عند الترمذي (٥/ ٧٠٢)، رقم (٣٨٧٧)، وأحمد (١/ ٨٤، ١١٦، ١٣٢، ١٤٣، ٢٩٣)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٣٩)، رقم (٣٨٣٧) و(٣/ ٢٠٣)، رقم (٤٨٤٧)، وابن حبان في "صحيحه" (١٥/ ٤٠١، ٤٦٤)، رقم (٦٩٥١، ٧٠٠٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٤٠٢)، رقم (١٠٠٤).
٢ - أورد (ص ٩٤) حديث: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكِّسوا رؤوسكم، وغضُّوا أبصاركم حتى تمرَّ فاطمة بنت محمد على
[ ١ / ١٩٧ ]
السِّراط". وعزاه بقوله: (خرَّجه الحافظ أبو سعيد محمد بن علي بن عمر النَّقَّاش في "فوائد العراقيين").
والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٦٦)، رقم (٤٧٢٨)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وتعقَّبه الذَّهبيُّ بقوله: "لا والله! بل موضوع".
والطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ١٠٨)، رقم (١٨٠) و(٢٢/ ٤٠٠)، رقم (٩٩٩). وهو في "فضائل الصحابة" (٢/ ٧٦٣)، رقم (١٣٤٤)، والعزو لهؤلاء الأئمة أولى.
٣ - عزا في (ص ٢٩٩) حديث: "سيِّد الشُّهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" لابن السَّري!
وهو موجود في "مستدرك الحاكم" (٣/ ٢١٥)، رقم (٤٨٨٤)، وكان الأولى العزو إليه.
* * *
وإليك موازنة سريعة بين "ذخائر الطَّبريّ" و"ارتقاء السَّخَاويّ" لبابٍ اشتركا في عنوانه، وتميَّز السَّخَاويُّ في إيراد أحاديثه ومسائله.
قال المحبُّ الطَّبريُّ رحمه الله تعالى (ص ٥٠):
"ذكر ما جاء في الحثِّ على حبِّهم والزَّجر عن بُغْضهم
عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أحبُّوا الله لما يغذوكم به،
وأحبُّوني بحبِّ الله، وأحبُّوا أهل بيتي بحبِّي"، أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
"وعنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لو أنَّ رجلًا صفَّ بين الرُّكن والمقام، فصلَّى وصام، ثم لقي الله وهو مبْغضٌ لأهل بيت محمد دخل النَّار". أخرجه ابن السّري.
"وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من أبغض أهل البيت فهو منافق". أخرجه أحمد في "المناقب".
"وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يُحبّنا أهل البيت إلَّا مؤمن تقيّ، ولا يُبغضنا إلَّا مافق شقيّ"، أخرجه الملّاء.
[ ١ / ١٩٨ ]
"وعن عليٍّ ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبَّهم من أمَّتي كهاتين السَّبَّابتين"، أخرجه الملّاء". اهـ من كتاب المحبِّ.
واسْتَعْرِضْ معي عرض الحافظ السَّخَاويّ لأحاديث الباب في "ارتقائه" (^١)، إذ يقول رحمه الله تعالى:
" باب الحثِّ على حبِّهم والقيام بواجب حقِّهم
عن محمد بن علي بن عبد الله بن عبَّاس، عن أبيه، عن جدِّه ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أحبُّوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبُّوني لحبِّ الله ﷿، وأحبُّوا أهل بيتي لحبّي"، أخرجه الترمذي عن أبي داود "صاحب السُّنن" وقال: إنه حسن غريب، إنما يُعرف من هذا الوجه.
وكذا أخرجه البيهقي في "الشُّعب"، ومن قبله الحاكم وقال: صحيح الإِسناد. ومن العجيب ذكر ابن الجوزيِّ لهذا الحديث في "العلل المتناهية".
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وتكون عترتي أحبّ إليه من عترته، ويكون أهل بيتي أحبّ إليه من أهله، وتكون ذاتي أحبّ إليه من ذاته". أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"، وأبو الشَّيخ في "الثَّواب" والدَّيلميّ في "مسنده".
وعن عبد الله بن الحارث، عن العبَّاس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت يا رسول الله! إن قريشًا إذا لقي بعضهم بعضًا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها! قال: فغضب النَّبيُّ -ﷺ- غضبًا شديدًا، وقال: "والذي نفسي بيده! لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يُحبَّكم لله ولرسوله". أخرجه أحمد، والحاكم في "صحيحه".
واستشهد لصحّته بما أخرجه هو، وكذا ابن ماجه من طريق محمد بن كعب القُرظيّ، عن العبَّاس -﵁- قال: كنا نلقى النَّفر من قريش وهم يتحدَّثون فيقطعون حديثهم! فذكرنا ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال:
"ما بال أقوام يتحدَّثون، فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم! والله! لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبَّهم لله ولقرابتي".
_________________
(١) انظر: (ص ٣٩٢ وما بعدها)، القسم المحقق.
[ ١ / ١٩٩ ]
وعن عبد الله بن الحارث أيضًا، عن عبد المطلب بن ربيعة ﵁ قال: دخل العبَّاس ﵁ على رسول الله -ﷺ- فقال: إنَّا لنخرج فنرى قريشًا تحدَّث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله -ﷺ- ودرَّ عرق بين عينيه، ثم قال:
"والله! لا يدخل قلب امرئٍ: مسلم إيمان حتى يُحبَّكم لله ولرسوله".
وهو عند محمد بن نصر المروزي بلفظ: "والذي نفسي بيده! لا يدخل قلب أحد الإيمان حتى يحبَّكم لله ولقرابتي "، الحديث. وسمَّى الصَّحابيّ المطَّلب بن ربيعة. ورويناه من طريق أبي الضُّحى، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: ". إلخ كلام السَّخَاويِّ.
وفي الباب أحاديث أخرى لم أذكرها خشية الإِطالة، وما ذُكِرَ يكفي للموازنة.
* * *
تسجيل أهم الملاحظات من خلال النَّصَّين السَّابقيْن:
* أولًا: كتاب "ذخائر العُقْبى" للمحبِّ الطَّبريِّ.
١ - يُلاحظ أنَّ المؤلف يُورد الحديث بدون إسناد، وإنَّما يذكر صحابيّه؛ ومعلوم ما للإسناد من الأهمية القصوى عند المحدِّثين. قال سفيان الثَّوري: "الإسناد زين الحديث" (^١).
وقد تقدَّم اعتراض التَّقيّ الفاسي على المحبِّ الطَّبريِّ بأنه لو روى الأحاديث بأسانيده في الكتاب الذي أخرج منه لكان أحسن؛ ليسلم من الانتقاد.
أو لو أنه ذكر الحديث بإسنادِ المؤلف الذي أخرج الحديث من كتابه لكان أولى.
٢ - ويُلاحظ -أيضًا- أنَّ المؤلف يُورد الأحاديث دون الكلام أو التعليق عليها صحّةً، أو حسنًا، أو ضعفًا. وهذا الأمر انتقده الفاسي أيضًا -كما تقدَّم-، إذ لو أنَّ المحبَّ قال عقب تخريج الحديث: أخرجه الطَّبرانيُّ -مثلًا- بسندٍ ضعيفٍ، كما صَنَعَ غيرُ واحدٍ من المحدِّثين في بيان حكم سند الحديث الذي يريدون إخراجه؛ لكان ﵀ سالمًا من الاعتراض والانتقاد.
_________________
(١) "أدب الإِملاء والاستملاء" للسمعاني (١/ ١١٤)، رقم (١٣).
[ ١ / ٢٠٠ ]
٣ - وجديرٌ بالملاحظة كذلك، أنَّ مصادر المؤلِّف التي ينقل منها الأحاديث غير مشتهرة، وبعضها أجزاء حديثية غير معروفة، وأصحابها ممن قد لا يُعرف عنه كثرة الرِّواية، أو ممن يروي الموضوعات بلا احتياط!
وقد رأينا من خلال النَّصِّ السَّابق نقله عن ابن السَّري، والملا في "سيرته". وفي مواطن كثيرة من الكتاب يعزو إلى: الإمام علي بن موسى الرِّضا، والغسَّاني في "معجمه"، وأبي روْق الهِزّاني، وابن المثنى في "معجمه"، وابن الحضرمي، وابن الجرَّاح، وابن الضَّحَّاك، وأبي مسلم البصري، وأبي سعيد النَّقَّاش.
الأمر الذي جعل السَّخَاويّ يصفه بالتَّسامح والتَّساهل في إيراد الأحاديث. كما تقدَّم قريبًا.
• ثانيًا: كتاب "استجلاب ارتقاء الغُرَف" للحافظ السَّخَاويّ:
١ - من الملاحظ لأول وهلة اهتمام المؤلف بالإسناد، فهو يذكر الحديث ببعض السَّند ليشير إلى مَنْ يدور عليه الكلام في الِإسناد، كما رأيتَ في حديث ابن عبَّاس.
٢ - أن السَّخَاويّ يتكلَّم على الأحاديث صحةً وضعفًا، ويُناقش من سبقه في الحكم على الأحاديث، وهذا مما يُعطي الكتاب قيمةً علميةً.
فقد رأينا قوله عند رواية حديث ابن عبَّاس: "أخرجه الترمذي عن أبي داود صاحب السُّنن، وقال: إنه حسن غريب، إنما يُعرف من هذا الوجه. وكذا أخرجه البيهقي في "الشُّعب"، ومن قبله الحاكم وقال: صحيح الإِسناد. ومن العجيب ذكر ابن الجوزي له في "العلل المتناهية"".
٣ - يُلاحظ كذلك كثرة ما يُورد المؤلف من الشَّواهد والمتابعات؛ فقد ذكر في النَّصِّ السَّابق ستة طرق لحديث العبَّاس بن عبد المطلب، فهو بذلك يجمع طرق الحديث ليتقوَّى بها.
بل يذكر في الباب الواحد أحيانًا روايات كثيرة، فيقول: وفي الباب عن فلان، وفلان، وفلان ثم يذكرها ومن خرَّجها. وبالله تعالى التوفيق.
* * *
[ ١ / ٢٠١ ]
المبحث السابع أثر كتاب "استجلاب ارتقاء الغرف" فى الكتب التي أُلِّفت بعده
رغم كثرة مؤلفات الحافظ السَّخَاويِّ، وجودتها، وبراعتها، وانتشارها بين أهل العلم، ووجودها في مكتبات العالم؛ إلَّا أني ألْحَظُ عدم شهرة هذا الكتاب بين العلماء والباحثين، حتى أكاد أرى كثيرًا ممن كتب في هذا الموضوع (مناقب أهل البيت) لا يذكرون الكتاب، لا من قريب، ولا من بعيد.
مع أنَّ الكتاب كان مشهورًا متداولًا في حياة المؤلف، بين أيدي أهل العلم وطلبته، في مصر والحجاز، وغيرهما. فإنَّ لدينا نصوصًا في موسوعة المؤلف التاريخية "الضوء اللامع"، تدل على عظيم احتفاء المؤلف بهذا الكتاب والاهتمام به، حيث إنه كان يقوم بإقرائه وتدريسه مع أُمَّهات الكتب، في مدارس القاهرة، وفي الحرم المكي الشَّريف، وفي المدينة النَّبويَّة المباركة، على ساكنها أفضل الصَّلاة وأتم التَّسليم. كذلك كان يكتب لبعض طلابه ومحبِّيه إجازات بجملةٍ من كتبه، منها كتاب: "استجلاب ارتقاء الغُرَف".
ومما يشير إلى ذلك:
• ما ذكره في ترجمة علي بن محمد بن أبي بكر الحسيني الدِّمشقي، سبط البرهان الباعوني -من علماء وأعيان القرن التاسع-، فقد جاء ما يلي: " وطالع من تصانيفي جملةً، "كالجواهر والدُّرر"، و"شرح الألفية"، و"ارتقاء الغُرَف"، و"الذَّيل على دول الإِسلام"، و"مناقب العبَّاس"، وما لا ينحصر". اهـ (^١).
_________________
(١) "الضوء اللامع" (٥/ ٢٩٥).
[ ١ / ٢٠٢ ]
• وكان بعض الأعيان من معاصريه يكتب للمؤلف يطلب منه أن يرسل له نسخة من الكتاب، مما يدلُّ على انتشاره بين الناس، كما حصل من إسحاق بن عبد الجبار الحسيني القزويني، فقد أرسل إليه الحافظ السَّخَاويُّ نسخة منه (^١).
• وذكر في ترجمة حسين بن عبد الله الكرماني، المعروف بـ (ابن أصيل الدَّين) (^٢): " وسمع عليَّ "أربعين النووي" وغيرها، بل قرأ عليَّ "مسند الشَّافعي"، و"عدة الحصن الحصين". ومن تصانيفي: "التوجه للرَّبِّ"، و"الابتهاج" وكَتَبَهما، و"استجلاب ارتقاء الغرف". اهـ.
• وجاء في ترجمة مرشد بن محمد الحسني المكي الشَّافعي، المعروف بـ (ابن المصري) (^٣):
" ولازمني في سنة ستٍّ وثمانين بمكة، حتى قرأ عليَّ "القول البديع"، و"استجلاب ارتقاء الغُرَف" من نُسْخَتَيْه". اهـ.
• وهناك ما يُشير إلى اهتمام علماء العصر بالكتاب ومحاولة إفادتهم منه ومن غيره من كتب الحافظ السَّخَاويِّ النافعة، فلقد جاء في ترجمة الشَّريف نور الدِّين السَّمهوديِّ (ت ٩١١ هـ) من كتابه "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشَّريفة" (^٤)، ما يبرز هذا الجانب:
" ولا زالت كتبه ترد عليَّ بالسَّلام، وطيب الكلام، بل يُشافه بما هو أعلى -كما كان يسمعه من شيخه المحلي والمناوي-، ويستمدُّ مما لعلَّه يقف عليه من تصانيفي، كـ "القول البديع"، و"ارتقاء الغُرَف"، و"مناقب العبّاس"، و"المقاصد الحسنة"، و"شرح الألفية" ". اهـ
ولا زال عجبي -من عدم شهرة هذا الكتاب- لا ينقضي! خصوصًا إذا علمتَ أنَّ عصريَّه جلال الدِّين السُّيوطَّي رحمه الله تعالى تكاد كتبه أن تكون مخدومة مطبوعة، إلَّا ما ندر.
_________________
(١) "الضوء اللامع" (٢/ ٢٧٨).
(٢) "المرجع السابق" (٣/ ١٤٧).
(٣) "المرجع السابق" (١٠/ ١٥٤).
(٤) (٢/ ٢٨٤).
[ ١ / ٢٠٣ ]
بينما لا زال كثير من مؤلفات الحافظ السَّخَاويِّ حبيس المكتبات في عالم المخطوطات؛ مع أنه "لا يشكُّ باحثٌ منصفٌ أنَّ السَّخَاويَّ أمتن من السُّيوطيِّ في التاريخ والحديث، وأكثر أصالةً في تآليفه" (^١).
ولعلَّ السبب في عدم شهرته؛ كثرة المؤلفات في مناقب الآل، فكأنّ العالم أو الباحث يظنّ أنَّ كتاب السَّخَاويِّ كسائر الكتب المؤلفة في هذا الباب، التي دخلها الواهي والمنكر، دون تمييز أو إشارة إلى ذلك؛ فنتج عن ذلك ضعف همَّة الباحثين لقراءة الكتاب أو مطالعته هذا ما بدا لي، ولعلَّ السب غير ذلك، والله أعلم.
أمَّا من عاصر المؤلف كابن الدَّيبع الشَّيبانيّ (ت ٩٤٤ هـ)، وهو من تلاميذه، فقد نقل عن الكتاب في موضع واحد، وذلك في كتابه المسمَّى "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث" (ص ١٤٦).
وفي نفس الفترة الزمنية -القرن العاشر الهجري- يأتي الفقيه المحدِّث أحمد بن محمد بن حجر الهيتميّ (ت ٩٧٤ هـ)، فيطَّلع على الكتاب، فيُعجب به وبما احتواه من فوائد؛ فيقوم باختصاره، ويجعله ذيلًا لكتابه: "الصواعق المحرقة".
ثم جاء القرن الثاني عشر، وجاء الشيخ إسماعيل العجلونيّ (ت ١١٦٢ هـ) صاحب كتاب "كشف الخفاء ومزيل الإِلباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، فاطَّلع على الكتاب واستفاد منه، ونقل عنه في ثلاثة مواضع من كتابه: (٢/ ١٤٢، ٢٢٥، ٢٨٨).
أمَّا ما عدا هؤلاء العلماء، فلم أرَ من صرَّح بالنقل عن الكتاب.
وتجدر الإِشارة؛ أني ومن خلال قراءتي لكتاب: "جواهر العقدين في فضل الشَّرفين" للشَّريف السَّمهوديِّ (ت ٩١١ هـ)، وهو من معاصري المؤلف؛ رأيت نقولاتٍ كثيرةً تكاد تكون منقولة بالحرف الواحد، من كتاب الحافظ السَّخَاويِّ، دون إشارة السَّمهوديِّ إلى ذلك!
_________________
(١) من كلام الدكتور بشار عواد في مقدمة تحقيق كتاب: "وجيز الكلام في الذيل على دول الإِسلام" للسَّخَاويّ (١/ ١٣).
[ ١ / ٢٠٤ ]
ويغلب على ظني -والعلم عند الله- أن هذه النُّقول مأخوذة من هذا الكتاب، وعندي على ذلك دلائل، منها:
١ - أنَّ الحاظ السَّخَاويَّ أشار -كما مضى قريبًا- في "التحفة اللطيفة" (^١) في ترجمة السَّمهوديِّ. أنَّ الأخير كان يستمد بعض تصانيفه، وذكر منها كتابه "ارتقاء الغرف".
٢ - أنَّ السَّمهوديَّ فرغ من تأليف كتابه سنة (٨٩٧ هـ)، أي بعد تأليف السَّخَاويِّ لكتابه بعشرين سنة، ومن ثمَّ بعد انتشاره في الآفاق، ووقوف القاصي والدَّاني عليه؛ فقد سبقت الإشارة عند التعريف بالكتاب أنه ألَّفه سنة (٨٧٧ هـ).
٣ - استرعى انتباهي أمرٌ لاحظته في كتاب السَّمهوديِّ، ألا وهو اتفاقه في ترتيب الأحاديث في الباب الواحد! بل واتِّفاقه في ترتيب مصادر التخريج للحديت الواحد، مع ما هو موجود في هذا الكتاب! مما لا يمكن أن يكون مصادفة، إنما بعد اطّلاع مؤلفه على كتاب السَّخَاويِّ ومتابعته في النقل.
ويمكنك النظر في أبواب الكتابيْن لترى التشابه العجيب بينهما!
• وهذا أُنموذج على ما أقول:
بوَّب السَّمهوديُّ (ص ٢٩٩) بقول: (باب دعائه ﵌ بالبركة في نسل البتول والمرتضى ﵄).
وهو يشبه تمامًا تبويب السَّخَاويِّ: (بَابُ دُعَائِهِ -ﷺ- بالبَرَكَةِ في هذا النَّسْلِ المُكَرَّمِ).
ثم بدأ السَّمهوديُّ الباب بإيراد الأحاديث:
• فذكر حديث عبد الكريم بن سَليط وأورده من طريق النسائي في "عمل اليوم والليلة"
• ثم ساق رواية الروياني له في "مسنده"
• ثم أورد طريق سمُّويه في "فوائده"
• ثم من طريق الدُّولابيِّ في "الذرية الطاهرة"
_________________
(١) (٢/ ٢٨٤).
[ ١ / ٢٠٥ ]
• ثم ساق كلام ابن ناصر الدِّين -أحد رواة كتاب الدُّولابيِّ- في تصويب كلمةٍ وردت في لفظ الحديث.
• ثم أشار أنَّ الرِّواية باللفظين أوردهما في "المختارة".
وإيراد الأحاديث بهذا الترتيب، وبتلك الطرق المذكورة، موجود بحروفه في الباب الرابع من هذا الكتاب، بالأرقام (١٨٩، ١٩٠، ١٩١، ١٩٢)، ولا يختلف عما عند السَّمهوديِّ بشيء؛ مما يدلُّ على أنَّ الأمر ليس مجرد توافق في الأفكار، وإنما اقتباسٌ من الكتاب ومتابعةٌ لمؤلفه.
٤ - أني رأيت نصوصًا ليست بالقليلة، اتَّفقت فيها عبارة صاحب "جواهر العقدين" بما هو موجود في هذا الكتاب. وسأورد بعضها، وأقارنها بما هو موجود في "الارتقاء": فمثلًا:
• ذكر (ص ٢٥٩) في تخريج حديثٍ أورده: " أخرجه مسدَّد، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى في مسانيدهم، والطبراني؛ كلّهم بسند ضعيف".
وهو بنصِّه في هذا الكتاب بنفس ترتيب مخرِّجي الحديث! انظر رقم: (٢١٠).
• قال في (ص ٢١٥) في تخريج حديثٍ ذكره: " أخرجه الحاكم في "مستدركه" وأشار إلى أنه استدركه مع كونه في "الصحيحين" من هذا الوجه؛ لإِفادته أنَّ أهل البيت هم الآل".
وهو بنصِّه في كتاب السَّخَاويّ. انظر رقم: (١٧٥).
• وقال في (ص ٣٤٥) في تخريج حديثٍ ما نصُّه: " أخرجه الطبراني في "الأوسط"، والعقيلي في "الضعفاء" بسند مظلم، والخطيب بآخر فيه كذَّاب، ومن أجله حكم ابن الجوزي بوضعه، وسبقه العقيلي فقال: إنه ليس له أصل".
وهذا العزو موجود بنصِّه في "ارتقاء الغرف" وبنفس ترتب المخرِّجين. انظر رقم: (٣٤٠)، إلَّا أنه قال: "ولذلك"، و"بل سبقه"؛ بدل: "ومن أجله"، و"سبقه".
ولا يُقال إنَّ هذا توارد في الأفكار والمعلومات فحسب!
فإنه وبهذا التوافق العجيب في ترتب مصادر التخريج، والتعليق على الحديث بهذه
[ ١ / ٢٠٦ ]
العبارات المشتركة، لا يتأتَّى هكذا بمجرد توارد وتوافق الكلمات؛ وإنما الواقع أنَّ الشَّريف السَّمهوديَّ اطّلع على كتاب السَّخَاويِّ، ولم يرد التَّصريح بذلك.
ولا يخفى عليك مسألة المعاصرة بينهما، وحساسيتها في كثير من الأحيان!
• وهناك أمثلة كثيرة في الكتاب، مثل: (ص ٢٢٥، ٢٣٢، ٢٦٠، ٢٧٢، ٢٧٩، ٢٩١، ٣٠٠، ٣١٠، ٣٢٦، ٣٣٢، ٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٢، ٣٤٧، ٣٧١، ٣٨٨).
وقارنه بالأرقام التالية: (١٨٣، ١٨٤، ١٨٥ - تعقيب حديث ٥٢ - ٢١٣ - ٢٤١ - ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧، ٢١٨ - تعقيب حديث ٢٢٩ - تعقيب حديث ٢٤٢ - تعقيب حديث ٢٠٧ - ١٨٩ - ١٩٠، ١٩١، ١٩٢ - ٢٨١ - ٤١ - ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٣١ - تعقيب ١٥٨ - تعقيب ١٥٩ - ٣٣٨ - تعقيب ٣٥١ - ٣٠٣).
٥ - ومما يشير إلى أخذ السَّمهوديِّ ونقله من "ارتقاء الغرف"، أنه تابع السَّخَاويَّ في بعض ما يؤخذ عليه! ومن ذلك أنه عزا في (ص ٣٧٦) كلام أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: "والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله -ﷺ- أحبّ إليَّ من أصل قرابتي"؛ عزاه إلى "صحيح البخاري" وحده!
والأثر كما هو معلوم في "الصحيحين" وليس في البخاري فقط؛ ومردُّ ذلك متابعته للسَّخَاويِّ في هذا العزو. انظر رقم: (٢٩٩).
ومن خلال هذه النقاط الخمس يمكن القول باطمئنان؛ إنَّ الشَّريف السَّمهوديَّ استفاد من كتاب "ارتقاء الغرف" للحافظ السَّخَاويِّ -وإنْ لم يُشر إلى ذلك ولو مرةً واحدةً-، وأنَّ هذا الكتاب من الكتب التي لها أثر بعد وفاة مؤلفيها.
* * *
[ ١ / ٢٠٧ ]
المبحث الثامن المآخذ على الكتاب
لا يخلو أي عمل من أعمال بني آدم من وجود بعض النقص والتقصير؛ فإنَّ الله أبى العصمة إلَّا لكتابه وأنبيائه. ومن الطبعي أن يقف الباحث على بعض المآخذ والملاحظات على أي كتاب من كتب أهل العلم قام بدراسته وتحقيقه والعناية به.
ومما ينبغي أن يُعلم أنه ليس لمثلي -وأنا قصير الباع في العلم والتَّحصيل- أن ينتقد إمامًا كبيرًا كالحافظ السَّخَاويِّ، وإنما هي مجرد ملاحظات قد أصيب فيها وقد أخطئ -ولعلَّ خطئي أكثر من صوابي-، ورائدي في ذكرها تجلية الصَّواب في تلك القضايا، وهذه المآخذ لا تنتقص من المؤلف ولا المؤلف بحالٍ؛ والله المستعان.
وهذه المآخذ تتلخَّص في الآتي:
١ - وَهْمُهُ في عزو بحض الأحاديث:
ومن ذلك:
(أ) عزا حديث رقم (٢٩٩) أنَّ أبا بكرٍ ﵁ قال لعليٍّ ﵁: "والذي نَفْسِي بيده، لَقَرَابَةُ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحَبُّ إليَّ أنْ اصِلَ مِنْ قرابتي".
عزاه لـ "صحيح البخاري" (٧/ ٤٩٣ - مع الفتح)، رقم (٤٢٤١)، وفي مواطن أخرى فقط، والواقع أن الحديث متَّفق عليه، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣/ ١٣٨٠)، رقم (١٧٥٩).
(ب) عزا حديث أبي هريرة ﵁، رقم (٣٦٩) قال:
سُئِل رسولُ اللَّهِ -ﷺ-؛ أيُّ النَّاسِ أكرم؟ فقال: "أَكْرَمُهُمْ عند اللَّهِ أَتقَاهُم "، الحديث.
[ ١ / ٢٠٨ ]
عزاه لـ "صحيح البخاري" فقط (٧/ ٣٦٢ - مع الفتْح)، رقم (٤٦٨٩)، وفي مواضع أخرى. والواقع أنَّ الحديث متفق عليه، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" (٤/ ١٨٤٦)، رقم (٢٣٧٨).
(ج) عزا حديث أنس بن مالك ﵁، رقم (٥٣) يرفعه إلى النَّبيِّ -ﷺ-: "أَلا إنَّ لكلِّ نَبيٍّ تَرِكَةً وضَيْعَةً، وإنَّ تَرِكَتِي وَضَيْعَتِي الأَنصارُ، فاحْفَظُوني فيهم"؛ للطَّبرانيِّ في "المعجم الكبير"، والواقع أنَّ الحديث في "المعجم الأوسط" (٥/ ٤٦٤)، رقم (٥٣٩٨).
٢ - تساهله في الحكم على بعض الأحاديث:
مضى الإِشارة فيما سبق أنَّ المؤلف وصف المحبَّ الطبَّريَّ بالتساهل والمسامحة في إيراد الأحاديث وهذا الذي عابه المؤلف على المحبِّ وقع في شيء منه.
فهناك أحاديث ضعيفة جدًّا حكم عليها بالضَّعف فقط، ومثلها لا ينجبر بغيره
وهناك أحاديث موضوعة فيها كذَّابون أو متَّهمون بالكذب، حكم على بعضها بأنها ضعيفة جدًّا، وأخرى سكت عنها
ومثلها أحاديث منكرة سكت عنها المؤلف ولم يحكم عليها بشيء، مع أنه اشرط على نفسه البيان كما سبق في منهجه.
• وسأذكر على ذلك ثلاثة أمثلة، وإنْ شئتَ فانظر الأرقام التالية: (١٧٥، ٢٢٤، ٣٢٣، ٣٤٦):
(أ) حديث الحسن بن عليٍّ ﵄ برقم (٣٣٨)، أنَّه قال لمعاوية بن حُدَيْج:
"يا معاوية! إيَّاك وبُغْضَنَا، فإنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "لا يُبْغِضُنَا، ولا يَحْسِدُنا أَحَدٌ إِلَّا ذِيدَ عن الحَوْضِ يَوْمَ القِيامَةِ بِسِيَاط من النَّارِ".
قال المؤلف في تخريجه: "أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" [٣/ ٩٩]؛ وسنده ضعيف".
ولي على كلام المؤلف رحمه الله تعالى ملاحظتان:
• الأولى: اقتصاره في عزو الحديث على "المعجم الأوسط" فحسب، فإنَّ الحديث أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" أيضًا (٣/ ٨١)، رقم (٢٧٢٦) بإسناده سواء، وفيه قصة؛ فكان الأولى عزوه إلى المعجميْن.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الملاحظة الثانية: قول المؤلف: "وسنده ضعيف"؛ والواقع أنه ضعيف جدًّا، ولقائلٍ أنَّ يقول: هو موضوع؛ فإنَّ فيه كذَّابًا.
آفته عبد الله بن عمرو الواقِفيّ، كما وقع في الطبراني -بفتح الواو وكسر القاف والفاء- نسبةً إلى بطن في الأوس من الأنصار، كما في "الأنساب" (٥/ ٥٦٧). وقيل: الواقِعيّ -بعد القاف عين مهملة، كما في "تكملة الإكمال" (٧/ ٣٠٦) - وهو الذي رجَّحه ابن نقطة، وهو بهذه النِّسبة في سائر كتب الرجال التي اطَّلعت عليها. وهو كذَّاب، وهو المتَّهم بوضْعه، وقد انفرد به.
قال علي بن المدينيّ، "كان يضع الحديث". وقال الدّارقطنيّ: "بصريّ يكذب".
وقال أبو حاتم: "ليس حديثه بشيء، ضعيف الحديث، كان لا يصدق".
وقال ابن عدي: "أحاديثه كلُّها مقلوبة، وهو إلى الضَّعف أقرب منه إلى الصِّدق".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ١٧٢): "رواه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ٩٩)، وفيه عبد الله بن عمرو الواقفي، وهو كذَّاب". وأورده في (٤/ ٢٧٨) من طريق الطبراني في "الكبير" وأعاد نفس المقال.
انظر: "الجرح والتعديل" (٥/ ١١٩)، و"الضعفاء الكبير" (٢/ ٢٨٤)، و"الكامل" (٤/ ١٥٦٩)، "ضعفاء الدارقطني" (ص ٢٦٤)، و"ضعفاء ابن الجوزي" (٢/ ١٣٤)، و"الكشف الحثيث" (ص ١٥٥)، و"الميزان" (٤/ ١٥٥)، و"اللسان" (٣/ ٣٧٤.
قلت: فمن هذه حاله لا يُقال في حقِّه إنه ضعيف! والله تعالى أعلم.
(ب) حديث أنس ﵁ رقم (١٩٩) قال: قال رسول الله -ﷺ-:
"وعَدَنِي ربِّي في أَهْلِ بيْتي مَنْ أَقرَّ منهم بالتَّوحيدِ، ولي بالبلاغِ أنْ لا يُعَذِّبَهم".
قال المؤلف عقبه: "رواه الحاكم، وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه! "، وسكت!
وهذا الحكم على الإِسناد والسكوت عليه، فيه نظر، ومتابعة المؤلف للحاكم ههنا ليست بجيدة؛ فإنه منكر لا يصحُّ، ولذا تعقَّب المذَّهبيُّ الحاكمَ بقوله؛ "بل منكر لم يصحّ".
وهو كما قال الحافظ الذَّهبيُّ، فإنَّ مداره على عمر بن سعيد الأبحّ، وهو منكر
[ ١ / ٢١٠ ]
الحديث. قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ١٤٣): "منكر الحديث ". وقال ابن عدي في "الكامل": "في بعض ما يرويه عن سعيد بن أبي عَروبة إنكار". انظر: "مختصر الكامل" (ص ٥١٩)، وراجع "الضعفاء الكبير" (٣/ ١٦٦)، والميزان (٥/ ٢٤٠)، و"المغني" (٢/ ١١٧)، و"ضعفاء ابن الجوزي" (٢/ ٢١٠).
• كما أنَّ في الحديث علةً أُخرى:
وهي اختلاط سعيد بن أبي عَروبة، فقد اختلط في آخر عمره، وطالت مدة اختلاطه، فقيل: خمس سنين، وقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة. وقد صرَّح الأئمة يحيى بن معين، وأبو أحمد ابن عدي بأنه خلَّط، وأنَّ من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، كسماع يزيد بن زُريع، ومن سمع منه بعد اختلاطه فليس بشيء ولا يُعتمد (^١).
وعمر بن سعيد الأبحّ مع نكارة حديثه فقد سمع من سعيد بن أبي عَروبة قبل وفاته بسبعة أيام لا غير، فيكون حديثه ليس بشيء كما قال ابن معين. قال الحاكم (٣/ ١٦٣) عقب رواية الحديث: "قال عمر بن سعيد الأبحّ: ومات سعيد بن أبي عَروبة يوم الخميس، وكان حدَّث بهذا الحديث يوم الجمعة مات بعده بسبعة أيام في المسجد؛ فقال قوم: لا جزاك الله خيرًا، صاحب رفض وبلاء. وقال قوم: جزاك الله خيرًا، صاحب سنَّة وجماعة، أدَّيت ما سمعتَ". اهـ.
(ج) حديث علي بن أبي طالب ﵁ (رقم ١٩٦) يرفعه إلى النَّبيِّ -ﷺ- أنه قال:
"أمَا ترضى أَنْ تكونَ رابعَ أرْبَعَةٍ، أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَنَا، وأَنْتَ، والحَسَن والحُسَيْن ﵃، وأزوَاُجنا عن أيْمَانِنا وشمائِلنا، وذُرِّيَّتُنا خَلْفَ أَزوَاجِنا".
قال المؤلف عقبه: "أخرجه الثَّعلبيُّ بنسدٍ فيه الكُدَيْمِيُّ، وهو ضعيف".
وهذا الحكم على الحديث فيه نظر، وذلك أنَّ قوله في حقِّ الكُدَيْمِيُّ، (وهو محمد بن يونس بن موسى) ضعيف، فيه شيء من التساهل! وهو في ذلك تَابَع شيخه الحافظ ابن حجر كما في "التقريب" (ص ٩١٢)؛ والذي عليه أكثر الأئمة اتِّهام الكُدَيْميّ وترك روايته.
_________________
(١) انظر: "الكواكب النيرات" (ص ٤٢ - ٤٦)، و"كتاب المختلطين" (ص ٤١ - ٤٣).
[ ١ / ٢١١ ]
قال الذهبي في "الميزان": "أحد المتروكين". وقال في "التذكرة": "هو واهٍ". وقال ابن عدي: "قد اتُّهم بالوضع، وادَّعى الرِّواية عمن لم يرهم، ترك عامةُ شيوخنا الرِّواية عنه". وقال ابن حبان: "لعلّه وضع أكثر من ألف حديث! "، وقال الحاكم: "ذاهب الحديث، تركه ابن صاعد، وابن عُقْدة، وسمع منه ابن خزيمة ولم يُحدِّث عنه". وقال الإِمام أحمد: "حسن المعرفة ما وُجِدَ عليه إلَّا لصحبته للشاذكوني".
وقال موسى بن هارون وهو متعلِّق بأستار الكعبة: "اللَّهُمَّ إني أشهد أنَّ الكُدَيميّ كذَّابٌ يضع الحديث".
وقال قاسم المطرز: "أنا أجاثي الكُدَيميّ بين يدي الله وأقول: يكذب على نبيِّك! ".
واتَّهمه الدَّارقطنيُّ بالوضع. وقال الحافظ ابن حجر كما مضى: "ضعيف".
وأما إسماعيل الخطبيّ فقال: "ثقة! ما رأيت جمعًا أكثر من مجلسه"؛ فخالف جميع مَنْ سبق!
- انظر: "الميزان" (٦/ ٣٧٨)، و"التهذيب" (٩/ ٥٣٩)، و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ٦١٨)، و"التقريب" (ص ٩١٢).
ثم إنَّ الإسناد مسلسل بالضُّعفاء، فقد فات المؤلف النظر في حال رجلين من رجال الإسناد، أحدهما أضعف من الآخر، وهما:
• الأول: إسماعيل بن عمرو البَجَليّ. ضعَّفه أبو حاتم والدَّارقطنيُّ.
وقال ابن عدي: "حدَّث بأحاديث لا يُتابع عليها". وذكره ابن حبان في "ثقاته"! وأثنى عليه إبراهيم بن أروْمة. انظر: "الثقات" (٨/ ١٠٠)، و"الميزان" (١/ ٣٩٩).
• الثاني: هو عمر بن موسى بن وجيه الوجيهيّ الحمصيّ.
قال أبو حاتم: "متروك الحديث، ذاهب الحديث، كان يضع الحديث ويروي المناكير". وقال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث". وقال ابن معين: "ليس بثقة". وقال الدَّارقطنيّ: "متروك". وقال ابن عدي: "هو بيِّن الأمر في الضعفاء، وهو في عداد من يضع الحديث متنًا وسندًا". انظر: "الميزان" (٥/ ٢٧١)، و"مختصر الكامل" (ص ٥١١)، و"الإِكمال فيمن له رواية في المسند" (ص ٣٠٨).
[ ١ / ٢١٢ ]
٣ - وَهْمُهُ في سياق قصةٍ لأبي جعفر المنصور مع الأوزاعي رحمهما الله: فقد أورد (ص ٢٩٥) خبرًا مفاده أنَّ الرَّشيد سأل الأوزاعيَّ عن لُبْسِ السَّواد، فقال: "إني لا أحَرِّمُهُ؛ ولكن أكرهه". قال: "ولِمَ؟ ".
قال: "لأنه لا تُحلَّى فيه عروسٌ، ولا يُلبِّي فيه مُحْرِمٌ، ولا يُكفَّن فيه ميِّتٌ " إلخ القصة (^١).
ويظهر أنَّ المؤلف وَهِمَ في عزو هذا الخبر لهارون الرَّشيد؛ فإن القصة المذكورة وقعت بين الخليفة أبي جعفر المنصور والإمام الأوزاعيِّ، وليس بين الرَّشيد والثاني، وذلك لأمور:
الأول: أنَّ الإِمام الأوزاعيَّ لم يدرك خلافة هارون الرَّشيد قطعًا؛ فإنَّ وفاته كانت سنة (١٥٧ هـ) في خلافة المنصور (^٢)، والرَّشيد لم يبايَع بالخلافة إلَّا سنة (١٧٠ هـ)، فكيف يكون ذلك اللقاء؟ !
الثاني: أنَّ ولادة هارون الرَّشيد كانت سنة (١٤٩ هـ) في خلافة المنصور (^٣)، فعلى هذا يكون اللقاء قد حصل بينهما وعمر الخليفة الرَّشيد آنذاك ثمان سنين؛ وهذا مستبعد جدًّا!
الثالث: أنَّ الحافطين الذهبي وابنَ كثيرٍ ذكرا هذه القصة، وأنها وقعت للأوزاعي مع أبي جعفر المنصور، فقد دخل على المنصور ووعظه، فأحبَّه المنصور وعظَّمه، ولما أراد الانصراف استعفى من لُبْس السَّواد، فأجابه المنصور وأذِنَ له.
فلما خرج، قال المنصور للرَّبيع: الحقه فاسأله لِمَ كره السَّواد؟ ولا تُعلِمُهُ أني قلتُ لك.
فسأله الرَّبيع فقال: لأني لم أرَ مُحْرِمًا أحرم فيه، ولا ميتًا كُفِّن فيه، ولا عروسًا جُلِّيتْ فيه؛ فلهذا أكرهه. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: "سير أعلام النبلاء". (٧/ ١٢٦)، و"البداية والنهاية" (١٠/ ١٢٢).
(٢) انظر ترجمة الأوزاعي في: "سير أعلام النبلاء" (٧/ ١٠٧ - ١٣٤)، و"البداية والنهاية" (١٠/ ١١٨). وستأتي في (ص ٢٩٥).
(٣) انظر ترجمة هارون الرشيد في: "الجوهر الثمين" (١/ ١٢٥ - ١٣٠)، و"تاريخ الخلفاء" (ص ٢٤٩ - ٢٦١). وستأتي في (ص ٢٩٥).
[ ١ / ٢١٣ ]
٤ - أنَّ المؤلف عقد بابًا كاملًا على أساس أحاديث ضعيفة أو موضوعة!
فمثلًا الباب التاسع: (باب مكافأة الرَّسول ﵇ لمن أحسن إليهم في يوم القيامة)، فمجموع أحاديث هذا الباب أربعة. ثلاثة موضوعات، وواحد ضعيف. فلو أنه ترك ذلك لكان أولى في نظري، إلَّا أنَّ يُقال -ما سبق الإِشارة إليه- إنَّ مراده معرفة جميع ما ورد في هذا الباب.
٥ - إيراده بعض الحكايات الغريبة في الترغيب في إكرام أهل البيت:
فلقد أورد عدة حكايات فيها شيء من النكارة، وأكثرها رؤى منامية، لا تقدِّم ولا تؤخِّر. ولذا فإني علَّقت على كل حكاية وما فيها من الملاحظات -خاصة المتعلقة بالعقيدة- بما يناسبها في موضعها.
وقد يُعتذر للمؤلف بأنَّ جميع ما ذكره من تلك الحكايات إنما نقله عن المقريزي وعزاه إليه، وهو -أعني المقريزي- ممن عُرِفَ بميله الشَّديد لآل البيت، حتى إنه اتَّهمه البعض بالتَّشيُّع (^١)؛ فكون الحافظ السَّخَاويِّ يحيل إليه؛ فإنه يجعل العهدة عليه.
_________________
(١) وممن اتَّهمه بذلك المصنِّف فيما ذُكِرَ، فلقد أجهد نفسه -أعني المقريزي- بما لا طائل تحته، وصحَّح نسب الخلفاء العلويين العُبيديين الفاطميين الدَّعيَّ، وأشاد بذكر مناقب خلفائهم، وفخَّم من شأنهم! وحاول جاهدًا إثبات نسبهم إلى رسول الله -ﷺ-، وناقش المُشكّكين في هذا النَّسب! وله في ذلك كتاب خاصّ سمّاه: "اتِّعاظ الحُنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخُلفا". وكتاب آخر سمَّاه: "النزاع والتخاصم فيما بين بني أُميَّة وبني هاشم". وقد نفاه عنه بعض الباحثين المعاصرين؛ والقضية تحتاج مزيدَ بحثٍ. - انظر مقدمة الدكتور محمد عاشور لتحقيق كتاب: "معرفة ما يجب لآل البيت"، للمقريزي (ص ١١ - ١٣). بل إنه جعل نفسه حُسينيًّا عُبيديًّا لأجل حكايةٍ حكيتْ له! ولم يُسلِّم بهذه النِّسبةِ المصنِّفُ فى "الضوء اللامع". ولذا كان ينشر محاسن العُبيدية في كتابه "الخطط المقريزية"، ويُفخِّم من شأنهم بذكر مناقبهم! الأمر الذي جعل العلَّامة الشَّوكانيّ يتعجَّب منه! كما ذكره في "البدر الطالع" (١/ ٧٩). تجدر الإِشارة: أنَّ سائر العلماء ببغداد نفوا هذا النسب، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة (٤٠٢ هـ)، وكتبوا محضرًا يتضمَّن نفي نسبهم، وأنهم لا نسب لهم إلى علي بن أبي طالب، ولا إلى فاطمة كما يزعمون! بل هم أدعياء كذبة، عُبيديون كفار فسَّاق فجَّار، ملحدون زنادقة معطِّلون، وللإِسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثَّنَوية معتقدون. =
[ ١ / ٢١٤ ]
وقد نبَّه المؤلف في ترجمته من "الضوء" (^١)، و"التبر" (^٢) أنه كان يُكْثر الاعتماد على مَنْ لا يُوثق به من غير عزو!
قلتُ: وأكثر تلك الحكايات لم يَعْزُها المقريزي لأحد وما جاء في أبواب الكتاب من الأحاديث والآثار يُغني عن كلِّ ذلك، وفي الصَّحيح غُنْية عن الضَّعيف كما هو مقرَّر.
• وعلى كلٍّ فكما قال الأول:
وَمَن ذَا الذي تُرْضَى سجاياه كلّها كفى المرء نبلًا أن تعدَّ معايبُه
وبالله تعالى التوفيق، وعليه وحده التكلان، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله.
* * *
_________________
(١) = انظر: "المنتظم" لابن الجوزي (١٥/ ٨٢ - ٨٣)، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير (٨/ ٧٣)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (١١/ ٣٦٩)، و"مرآة الجنان"، لليافعي (٣/ ٤)، و"النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي (٤/ ٢٣٠). ثم عُمِلَ ببغداد حضرٌ آخر سنة (٤٤٤ هـ)، يتضمَّن القدح في نسبهم، وعُمِلَ به عدة نُسخ، وسُيِّر في البلاد، وشُيّع بين الحاضر والباد. انظر: "المنتظم" (١٥/ ٣٣٦)، و"الكامل في التاريخ" (٨/ ٣١٠)، و"البداية والنهاية" (١٢/ ٦٨)، و"مرآة الجنان" (٣/ ٤٨).
(٢) انظر: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" (٢/ ٢٣).
(٣) انظر: "التبر المسبوك في الذيل على دول الملوك" (ص ٢١).
[ ١ / ٢١٥ ]
اسْتجلابُ ارتَقَاءِ الغُرَفِ
بِحُبِّ أَقْرِبَاءِ الرَّسُولِ -ﷺ-
وَذَوِي اِلشَّرَفِ
تَألِيفُ
الحَافِظِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ السَّخَاوِيِّ
(٨٣١ - ٩٠٢ هـ)
تحقِيق وَدَراسَة
خالد بنْ أحمد الصُّمِّي بابطينْ
الجُزءُ الأوّلُ
(الجزء المحقق)
[ ١ / ٢١٧ ]