ما زالت العقائد في كل وقت وحين هي التي تبني الرجال وتعدُّ الأمم والأجيال، ولما كان لها أثرها القوي على الصحابة رضوان الله عليهم، فلقد كان لهم في التاريخ من الأحداث ما ملأ سمع العالم وبصره، وهذه العقائد لابد لحاملها من ابتلاء وامتحان لتمحيص الخبيث من الطيب، وممن ابتلي فصبر ومضى قدمًا على هذه العقيدة في أمة الإسلام أهل الحديث، فهم أصحاب العقيدة السليمة المبنية على الدليل من الكتاب والسنة النبوية.
[ ١ ]
فضل طلب العلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإني أهنئ طلبة العلم بنيتهم التي رفعتهم إلى هذه المساجد لتلقي العلوم، فإنها خصلة حميدة، وفائدة عظيمة، وحسنة كبيرة اختص بها من اهتم بطلب العلم والفائدة، فما أعظمها من فائدة وما أعظمها من حسنة! أولئك الذين فارقوا بيوتهم وأهليهم وأوطانهم، نهنئهم بأنها خصلة حميدة، وبأن الله تعالى أراد بهم خيرًا؛ لقول النبي ﷺ: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)، ولم يفرق بين الطريق البعيد والطريق القريب، ولا شك أن الطريق البعيد الذي يسلكه ويقطع فيه مئات الأميال أو ألوفها أنه أعظم أجرًا؛ حيث إنه عمل على مشقة وصعوبات، والأجر على قدر النصب، وقد ثبت عن النبي ﷺ لما ذكر فضل العلم أنه قال: (إن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر)، وليس المقصود العالم الرباني، بل كل من علم علمًا ولو قليلًا يصدق عليه أنه عالم، ولو بآية أو بآيات أو بأحاديث أو بنوع من العلوم، فالحاملون قليل العلم يصدق عليهم أنهم علماء، فتستغفر لهم الملائكة والدواب وحيتان البحر، وكذلك تتواضع لهم الملائكة، كما في الحديث: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع) يعني: تتواضع لطالب العلم رضًا بالذي يصنعه.
وأيضًا: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)، فالذي يشتغل بالعبادة وبالصلوات وبالتهجد وبالصيام وبالركوع والسجود وبالذكر والدعاء ونحو ذلك، والذي يشتغل بطلب العلم وبتعلمه وبالتفقه في الدين بينهما فرق كبير، وقد أخبر في هذا الحديث بالفرق بينهما، وأن فضل هذا على هذا كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، ولا شك أن هذه خصال حميدة يشجع عليها من تجشم الصعاب وصبر على هذه المشقات وواصل التعلم.
وأهنئ طلبة العلم بأنهم -والحمد لله- قد حصلوا على علم كثير وكبير، حتى ولو تعلم الواحد آية أو معرفة يحفظها أو يعقل معناها أو يعرف ما تدل عليه، فإن هذا علم كبير لا يقاس بغيره، ويفوق غيره ممن فاتته هذه الكلمة أو الآية.
[ ٢ ]
مصدر العقائد في الأمم
الموضوع الذي سوف نتطرق إليه هو موضوع اعتقاد أئمة الحديث واعتقاد أهل السنة جميعًا.
ولا شك أن اعتقاد أهل السنة والجماعة هو اعتقاد الرسل جميعًا، فرسل الله تعالى من أولهم إلى آخرهم على عقيدة واحدة، ولم يختلف واحد منهم عن الآخر في أمر العقيدة، بل كلهم عقيدتهم واحدة، وما ذاك إلا أن هذه العقيدة التي يدعون إليها ويؤصلونها هي مما يتعلق بالأمور الغيبية وما ينتج عنها من الآثار الحسنة، والأصل فيها أنها علوم مستوحاة من كتب الله تعالى ومما بلغته رسله، ومأخوذة من الكتاب والسنة ومما جاءت به الرسل، والرسل كلهم على عقيدة واحدة ليس بينهم اختلاف، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (نحن -معاشر الأنبياء- أولاد علات، ديننا واحد)، وأولاد العلات هم الذين أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، بمعنى أن أصل الدين الذي هو العقيدة متفق عليه بين أنبياء الله كلهم متقدمهم ومتأخرهم، وأما الشرائع والفروع فيحصل بينها اختلاف بحسب المناسبات: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، ولكن أمر العقيدة مما هم متفقون فيه.
وهكذا جاءت الرسل بأمر هذه العقيدة، وإذا كان كذلك فمن المهم تعلم هذه العقيدة، وأن يتعلمها كل مسلم حتى يكون مصدقًا لما جاءت به الرسل ومؤمنًا به إيمانًا كاملًا، ويكون متبعًا لهم حقيقة الاتباع، مقتفيًا لآثارهم ليحشر في زمرتهم، هذه هي فائدة العقيدة.
ولا شك أن عقيدة أهل السنة وأئمة الحديث مأخوذة من الوحيين: من كتاب الله ومن سنة رسوله ﵊، ومعلوم أن الأدلة التي تؤخذ من الوحيين أدلة قطعية الثبوت، والدلالة لا يتطرق إليها شك ولا توقف، ومن توقف فيها وشك فيها فهو ضال مضل، من شك في آية من كتاب الله وقال: هذه لم تثبت.
أو أنكر ثبوت آية من القرآن اعتبر مكذبًا للرسل؛ لأن من كذب رسولًا فقد كذب الرسل كلهم، ومن كذب خصلة يقينية جاء بها الرسول فقد كذب الرسالة كلها.
إذًا هذه العقائد مأخوذة من أدلة قطعية، وذلك ليطمئن المسلم على صحة معتقده، ويعرف أنه حقًا على عقيدة ثابتة راسخة، وأنها هي التي تبعث على الأعمال، وتنبع عنها الأعمال الصالحة، ولأجل ذلك نأخذ أمثلة: فالرسل لما تيقنوا أن ما جاءهم وحي من الله تعالى، وأنه حق وصدق حملهم ذلك اليقين على أن صدعوا بالحق، وقابلوا الأمم بما يكرهون، وكلموا أممهم بكلام قوي، وذلك أنهم واثقون بأن ما يدعون إليه كله حق، فنبينا ﷺ لما تيقن أن الوحي الذي جاءه من الله تعالى، وأنه شرع الله ودينه، وأنه مرسل به ليبلغه صدع بالحق وأظهره وأعلنه، ولقي من ذلك ما لقي، ولكنه صبر وصابر، فلقي الأذى والسفه والمقاطعة، وآذاه من آذاه بأنواع من الأذى كما هو معروف في سيرته، ولكن ذلك لم يزده إلا تصلبًا إلى أن أظهر الله دينه، واشتهر عنه ﷺ قوله: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك ما جئت به لن أتركه حتى يظهره الله أو أهلك دونه) ولا شك أن الذي حمله على ذلك هو يقينه بأنه على حق.
كذلك أيضًا صحابته ﵃ لما تلقوا منه العقيدة ورسخت في قلوبهم أرسى من الجبال كان من آثارها أنهم صمدوا بها على هذا الإيمان، وثبتوا ثبوتًا يقينيًا، وصبروا على فراق الأهل والمال، وصبروا على الأذى الذي لاقوه -كما هو مشهور في تراجمهم- من تعذيب وضرب، ووضع الصخور على صدورهم، وإلقائهم في الشمس مكتفين، وفي النهاية طردهم وإخراجهم من بلادهم أموالهم، فما الذي حملهم على تجشم هذه المشقات؟ إنها العقيدة الراسخة في قلوبهم.
ومن آثارها أنهم اندفعوا يدعون إليها بكل ما يستطيعونه، اندفعوا يدعون إلى هذه العقيدة وهذا الدين حتى وصلوا البلاد البعيدة، وصبروا على الجهاد، وقاتلوا المشركين، وقتلوا من قتلوا وقتل منهم من قتل، فما الذي حملهم على أن قطعوا المسافات البعيدة للغزو؟ وما الذي حملهم على أن قابلوا جيوش الروم والفرس والترك والصقالبة والزنوج وغيرهم من المشركين الذين هم على أهبة القتال ومعهم القوة والكثرة والصحابة في قلة ضعف؟ إن معهم قوة الإيمان والعقيدة، فهذا دفعهم إلى أن أفنوا ما يملكونه من الأموال وأنفقوه، وتعرضوا للقتل ولسفك الدماء، ولا شك أن الذي حملهم على ذلك هو العقيدة التي رسخت ورست في جلودهم وقلوبهم، في الجلود والقلوب والدماء والعروق، فكانت مشربة بلحومهم ودمائهم، فهذا أثر هذه العقيدة في أولئك الصحابة.
ويقال مثل ذلك أيضًا فيمن كان على هذه العقيدة في قديم الزمان وحديثه.
[ ٣ ]
حال ضعاف العقيدة
إذا ضعفت هذه العقيدة في القلب كانت عرضة للزوال وللتزعزع؛ ولأجل ذلك كثير من الناس الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم ينحرفون بسرعة ويرجعون القهقرى ويكفرون بعد إيمانهم؛ حيث إنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي هو اليقين الحقيقي؛ لأن اليقين هو الإيمان كله كما ورد عن بعض السلف أنهم قالوا: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.
فاليقين هو الاعتقاد الصادق.
وقد ذكر الله تعالى بعض الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم، وذكر أنهم يتزعزعون وينحرفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]، هكذا حال بعض الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم، دخلوا في الإيمان ولكن دخولهم كان كتجربة، ينظرون في هذا الدين فإن جاء بما يوافق أهواءهم وما يحبونه ساروا مع أهله وإلا رجعوا إلى ما كانوا عليه، فإن أصابهم خير من نصر ورزق وفتح ومال وإقبال الدنيا عليهم وما يسرهم من زهرة الدنيا وزينتها اطمأنوا وساروا على ما هم عليه من معتقدهم ولو كان ضعيفًا.
أما إذا ابتلوا وأصيبوا في أموالهم وأبدانهم بشيء من المصائب فما أسرع رجوعهم وما أسرع انقلابهم على أعقابهم، فأحدهم إذا أصابته فتنة أو أوذي أو اضطهد أو نحو ذلك انقلب على عقبيه.
[ ٤ ]
ابتلاء الله لأصحاب الإيمان
إن الله تعالى يبتلي العباد حتى يظهر منهم من هو راسخ العقيدة حقيقة ومن هو غير صحيح المعتقد.
فمثلًا: بعض الناس يدخل في الإسلام من غير المسلمين، ويجعل ذلك كتجربة، ويقول: ننظر في هذا الإسلام الذي يدعو إليه هؤلاء، فإن جاء بما يوافقنا وإلا رجعنا إلى بلادنا وعشنا فيها على الدين الذي كان عليه أسلافنا.
فهؤلاء قد يسلط الله عليهم ابتلاء وامتحانًا من الفقر والمرض والأذى، فإذا جاءتهم هذه المصائب سبوا الدين وسبوا هذا المعتقد، وقالوا: ليس في هذا الدين خير، بل منذ أسلمنا ونحن في هذه المصائب، فإذا شفينا من مرض أتى بدله، وإذا سلط علينا إنسان وتخلصنا منه تسلط علينا آخر.
نقول لهم: اصبروا وصابروا، وتحملوا ما تلقونه من الأذى، فإذا كنتم على العقيدة الصحيحة فتحملوا ذلك ولا تتزعزعوا، ولا ترجعوا عما كنتم عليه فتخسروا دينكم وحياتكم؛ فإن البلاء يسلط على الأنبياء وأتباع الأنبياء، كما جاء في الحديث: (لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الدنيا وليس عليه خطيئة)، وقال: (إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة شدد عليه وإلا خفف عنه)، فالله تعالى ابتلى صحابة نبيه ﷺ عندما أسلموا وأخبرهم بهذا الابتلاء، ولكن أمرهم بالصبر، واقرأ قول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦]، فالذين صبروا واتقوا وتحملوا ما حملهم على ذلك إلا بشاشة الإيمان التي باشرت قلوبهم، والعقيدة الصحيحة ملأت أفئدتهم، والإيمان بالله وبدينه وبشريعته باشر أفئدتهم وأشربته لحومهم ودماؤهم، فعند ذلك صبروا وقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، ونقول: إن هذه آثار العقيدة.
فإذًا أنت تعرف صادق العقيدة وقوي العقيدة، وتعرف الكاذب وضعيف العقيدة، ولكن لا يعرف ذلك ولا يظهر جليًا إلا عند الامتحان، فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، والامتحان هنا معروف أنه من الله تعالى، وذلك بأن يسلط الله الأذى المؤمن كامل الإيمان وعلى راسخ الإيمان، ويكون هذا التسليط وهذه المصائب التي تصيبه رفعًا لدرجاته وتكريمًا له وزيادة في حسناته، كما حصل للأنبياء، وقد تكون في حق المؤمن أيضًا رفعًا لدرجاته ولكنها في الحقيقة اختبار وامتحان لكثير من الناس في أمر إيمانهم هل هم صادقون أم لا؟ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١]، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢-٣] أي: أتحسبون أن تقولوا: آمنا وتسلمون من الفتنة؟! لابد من الفتنة، ولابد من الابتلاء، فالله تعالى يبتلي من يبتليه لما ذكر من الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١]، والعلم هنا هو علم الظهور، أن يظهر معلوم الله تعالى في حينه، فيظهر علم الله في هذا الرجل أنه منافق وأنه يعبد الله على حرف، فلما جاءه هذه الابتلاء رجع القهقرى، وأن هذا قوي الإيمان، فما زادته الفتنة إلا ثباتًا ورسوخًا وتقدمًا فيما هو عليه وصبرا ًواحتسابًا.
[ ٥ ]
حرص الصحابة على تعلم العلم ونشرهم له
إن عقيدة أهل السنة وعقيدة أئمة الحديث هي ما كان عليه سلفهم الصالح، وكلمة السلف المراد بها أهل القرون المفضلة الذين زكاهم النبي ﷺ في حديث عمران: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وفي حديث آخر أنه قال للصحابة: (أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم) يعني فضل الأقدمين، ولا شك أن هذا هو الواقع، وذلك لأن الصحابة ﵃ تلقوا هذه العقيدة عن نبيهم ﷺ، فتلقوا عنه الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته، وبعظمة الله وبجلال ربهم وكبريائه على خلقه، ومعرفة حقوقه عليهم وما يجب عليهم، ولم يكن ذلك عن واسطة، بل أخذوه عن نبيهم مباشرة بدون واسطة، فلما كان ذلك كان هذا أكبر سبب في أن قلوبهم تمتلئ بالإيمان، فكان لذلك الأثر البليغ في كونهم كلهم صاروا على هذه العقيدة.
وبالتتبع لم يوجد أحد من أصحاب النبي ﷺ دخل في بدعة ولا خالف السنة ولا جماعة المسلمين، ولا خرج على أئمة الدين، ولا انتحل نحلة مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، بل الصحابة زكاهم النبي ﷺ، ولأجل ذلك عدلهم أئمة الحديث، فكلهم عدول، وما ذاك إلا لأنهم تلقوا هذا الوحي من نبيهم ﷺ، وتعلموا القرآن وفيه أمور العقيدة والشريعة، وتعلموا السنة، وكان تعلمهم من السنة إيضاح لما في القرآن من أمور المعتقد والغيب، ولا شك أن هذا التعلم الذي تلقوه مباشرة دليل واضح على أن الإيمان وصل إلى قلوبهم؛ حيث لم يكن إيمانهم عن تقليد بل عن اتباع، سواء تعلموه من النبي ﷺ في زمن قليل أو كثير، ومعلوم أن بعضهم منذ أسلم بمكة -كالخلفاء الأربعة- إلى أن توفي النبي ﷺ وهم يتعلمون منه العلم والعمل، فكلما نزلت آية أو آيات علمهم، فإما أن يكتبوها وإما أن يحفظوها، ويشرحها لهم ويبين لهم ما تدل عليه، وهكذا الذين أسلموا بمكة من الصحابة الذين هاجروا معه إلى المدينة، والذين هاجروا قبل ذلك إلى الحبشة ثم إلى المدينة كلهم تلقوا علمًا جمًا في مكة والمدينة.
كذلك أيضًا الذين أسلموا من أهل المدينة لا شك أنهم تلقوا عن النبي ﷺ علومًا جمة فيما يتعلق بالشريعة والعقيدة، ولم يكن ذلك عن واسطة بل مباشرة، وقد يكون بعضهم عن واسطة، وذلك لأن بعضهم قد ينشغل، ولحرصهم على العلم يسألون عنه غيرهم، ذكر ذلك عمر ﵁ لما كان نازلًا في العوالي، فقد كان هو وجار له من الأنصار يتناوبون الدخول، فيدخل أحدهما يومًا فيأتي بما حصل وما حدث، ويأتي الثاني في اليوم الثاني بما حدث وما حصل، ومن حرصهم على تلقي العلم أن أحدهم يكون في تجارته أو بيعه وشرائه يومًا فاليوم الثاني يتفرغ حتى يلازم النبي ﷺ ويتعلم منه.
كان النبي ﵊ إذا كان في المدينة يجلس في المسجد ويكون له حلقة أو حلقات ليعلمهم وينبههم ويشرح لهم، ويلقنهم ويقص عليهم، وهم مصغون إليه ويستمعون ما يقول لهم ويعقلونه، وإذا أشكل عليهم شيء استفصلوا واستفسروا عنه، فحياتهم زمن النبي ﷺ كلها علم، وهكذا إذا سافروا معه لغزو أو لحج أو لعمرة لازموه ملازمة الظل ولم يتخلفوا عنه، وكل ذلك حرصًا على طاعته وتحمل شريعته ليكونوا من أهلها.
ولا شك أن هذه الملازمة القوية أثرت في قلوبهم وعقائدهم، فلذلك صارت عقائدهم ثابتة لم تتغير، إلا ما كان من المنافقين الذين ذمهم الله ﵎ وذكر نفاقهم، فجل هؤلاء المنافقين لم يكونوا من المؤمنين؛ لقول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩]، ومن صفة المنافقين ما وصفهم الله تعالى به في قوله: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، لكن الراسخون في العلم -خاصة المهاجرين والأنصار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه- هؤلاء ثبتهم الله تعالى ولم يتزعزعوا ولم ينقل عنهم مخالفة في أمر هذه العقيدة.
[ ٦ ]
نشر الصحابة لعلم النبوة
بعد أن رأى الصحابة رضي الله عليهم حاجة الناس إلى هذا العلم الذي هو علم الاعتقاد لم يسكتوا، بل علموه تلامذتهم وأولادهم وأحفادهم، ورسخوه في قلوبهم خوفًا عليهم من الفتن والتغير بالشبهات، فتتلمذ عليهم تلامذة كثر، وتلقوا عنهم هذا العلم الجم في المدينة والكوفة والشام ومكة وغيرها، وتلامذتهم قاموا مقامهم، ومن أشهر التلامذة في المدينة الفقهاء السبعة الذي اشتهروا بهذا الاسم، نظمهم بعض العلماء بقوله: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجه فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه هؤلاء السبعة هم فقهاء المدينة وأكثرهم من قريش، وفيهم من ليس من قريش، وفيهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من هذيل، وعروة بن الزبير وهو من أكابر قريش، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب من بني مخزوم من أكابر قريش، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فجده الحارث بن هشام أخو أبي جهل من بني مخزوم، ومن الموالي سليمان بن يسار، وخارجه بن زيد بن ثابت من الأنصار.
هؤلاء تلامذة للصحابة وهم قدوة لمن بعدهم، ولم يدخلوا في شيء من البدع، ولم ينقل عنهم شيء من المخالفات، بل هم من حملة العقيدة، ومن الذين بلغوا العلم ونفع الله تعالى بعلمهم نفعًا كبيرًا.
وبالكوفة أيضًا تتلمذ على ابن مسعود ﵁ تلامذة أفذاذ علماء أخذوا عنه واختصوا بالعلم به العلم الصحيح، وذلك لأن عمر ﵁ أرسله إلى الكوفة لما رأى الجهل العميق في المسلمين الجدد في العراق، فأرسله وآثرهم به على نفسه، ولا شك أنه ﵁ كان محترمًا عندهم موقرًا، وذلك لطول صحبته للنبي ﷺ، فنفع الله به، وتتلمذ عليه خلق كثير من فقهاء التابعين بالكوفة يعرفون بأصحاب ابن مسعود، وعليهم يعتمد أيضًا الفقهاء هناك أتباع أبي حنيفة، فمن أصحاب ابن مسعود ﵁ هناك علقمة، والأسود، وعبيدة السلماني، وإبراهيم النخعي، ونحوهم من حملة العلم.
وهكذا أيضًا تتلمذ على أنس بن مالك في البصرة علماء أجلاء، ومن أشهرهم الحسن بن أبي الحسن، وهو الحسن البصري ﵀، فما أعظم أثره على المسلمين، وما أكثر الذين تأثروا به وانتفعوا، فقد نفع الله تعالى به ورزقه علمًا جمًا.
وكذلك محمد بن سيرين، وسيرين كان مولى لـ أنس أعتقه، ولما أعتقه رزق الله سيرين بأولاد علماء، منهم أنس بن سيرين، سماه باسم مولاه، ومحمد بن سيرين، وحفصة بن سيرين، فهؤلاء أيضًا نبغوا في ذلك الزمان فنفع الله بهم.
فنعرف بذلك أن التابعين ﵏ قد حفظوا السنة والعقيدة، وتلامذة الصحابة أخذوا عن الصحابة ﵃، وكيف لا يكونون أئمة مقتدىً بهم وهم قد تلقوا العلم عن معدنه الأصلي الذي هم صحابة رسول الله ﷺ؟ وغيرهم كثير، وفي مكة أيضًا علماء أجلاء، كـ عطاء بن أبي رباح تلميذ عبد الله بن مسعود، وفي اليمن طاوس بن كيسان تلميذ ابن عباس قرأ عليه لما كان في اليمن وحفظ عنه كثيرًا، وكذلك أيضًا في كثير من البلاد تلامذة للصحابة حفظ الله بهم العلم، ومثل هؤلاء يعتبرون أيضًا قدوة، لذلك كان التابعون في المرتبة الثانية بعد الصحابة.
[ ٧ ]
ظهور البدع
قد تقول: إنه حدث في التابعين بدع! نقول: صحيح، ولكن أولئك المبتدعة الذين انتحلوا بدعًا من التابعين لم يكونوا من تلامذة الصحابة غالبًا، وإنما أخذوا بدعهم هذه عن أفكار سيئة وتأويلات بعيدة.
ومعلوم أن الخوارج الذين خرجوا في سنة ست وثلاثين من التابعين؛ لأنهم من جيش علي ﵁، وأغلبهم من أهل العراق وكان فيها مجموعة كبيرة من الصحابة، ومع ذلك فإنهم خوارج، ولكن ليس فيهم مشهور بالعلم، وليس فيهم من تتلمذ تتلمذًا صحيحًا على الصحابة، وإنما قرؤوا القرآن، ولما قرؤوه ولم يقرؤوا تفسيره ولا معانيه أخذوا الآيات التي فيها عذاب فطبقوها على أهل زمانهم، فكان من عقيدتهم -كما سيأتي- أنهم يجعلون الذنب كفرًا والعفو ذنبًا، ولن نشتغل بهم، بل نقول: ولو كانوا من التابعين فإنهم ما قرؤوا العلم، ولا قرؤوا العقيدة الصحيحة حتى يكتبوا من حملة العلم، وإنما أخذوها من نظرياتهم ومن أفكارهم.
وكذلك أيضًا القدرية الذين حدثوا في آخر عهد الصحابة وأدركهم ابن عمر ﵁ لم يكونوا مشهورين بالتتلمذ على الصحابة، ولكن اعتقادهم إنما هو عن أفكار سيئة، وأغلبها بسبب سوء معرفتهم وسوء نظرهم في الآيات وحملها على محامل بعيدة، فإن من عقيدتهم إنكار علم الله السابق، وأن الله لا يعلم الأشياء حتى تحدث، مثل غيلان القدري، ومعبد الجهني، وعمرو بن عبيد، فما عرف أنهم تتلمذوا على صحابي وأخذوا عنه العلم الصحيح، فعرف بذلك أن تلامذة الصحابة الذين تلقوا عنهم العلم الصحيح أصبحوا ورثة لهم، والعلماء ورثة الأنبياء، فأصبحوا مثالًا لهم، وأن الذين أخذوا العلوم من أفكارهم حصل في قلوبهم زيغ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، نعوذ بالله من زيغ القلوب، فهذا بغير شك دليل على أن العلم الصحيح الذي يؤخذ من معدنه يثبت في القلب، ويكون له آثار حسنة.
ولكن معلوم أنه في القرن الثاني بعد انقراض عهد الصحابة دخل في الإسلام بعض من لم يكونوا راغبين فيه، فكان من آثار دخولهم في الإسلام من غير صدق ويقين أن أثاروا كثيرًا من الشبه، وأوقعوا كثيرًا من الناس في الحيرة وشككوهم في عقائدهم ومبدأ أمرهم ومنتهاه، ونشروا بينهم شبهات الفلاسفة والمنجمين والزنادقة والملاحدة ونحوهم، فكلما أثاروا تلك الشبهات فيما بينهم انخدع بها الكثير، فلما رأى السلف ﵏ من تلامذة الصحابة وتلامذة التابعين هذه الآثار في هؤلاء المنحرفين لم يجدوا بدًا من أن يصدعوا بالسنة ويظهروا أمر العقيدة ويصرحوا للناس بما هم عليه حتى يعرف جماهير الناس العقيدة السليمة فيتمسكوا بها، ويعلموا أن ما خالفها بدعة ونحلة سيئة.
[ ٨ ]
محاربة السلف للبدع
كان أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي إمام المسلمين في عهد تابعي التابعين في الشام، يقول ﵁: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه فوق سماواته، ونؤمن بما جاء في كتاب الله من الصفات.
فما الذي حمله على أن يصدع بهذا، ويذكر الإيمان بأن الله فوق عرشه والإيمان بما جاءت به النصوص والآيات؟ حمله على ذلك ما فشا في زمانه من هذه البدع التي خشي منها على تلامذته وعلى زملائه أن يقعوا فيها فيكونوا منحرفين مخالفين للمعتقد السليم، والأوزاعي توفي سنة سبع وخمسين ومائة، أي: في وسط القرن الثاني.
وهو من كبار تابعي التابعين، ومثله أيضًا الإمام مالك بن أنس عالم المدينة، فإنه اشتهر عنه من الإيمان بالصفات الشيء الكثير، مثل تفسيره للاستواء بقوله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ومثلما صرح به من قوله: إن الله تعالى على عرشه، إن الله في السماء فوق عباده، وعلمه مع جميع العباد.
فإنه ما صرح بذلك إلا لما اشتهرت البدع في ذلك الزمان وكثر الذين يتحدثون بها، فكان ذلك سببًا في أن السلف ﵏ أوضحوا ما يعتقدونه ليكون تلامذتهم على بصيرة، وذلك لأن المبتدعة ما سكتوا بل أخذوا ينشرون عقيدتهم، فالجهمية -مثلًا- صرحوا بأن القرآن مخلوق، وأن الله تعالى لا يتكلم، ولا يحب ولا يبغض، وأن الله ليس على عرشه، وليس فوق السماء ولا فوق العرش إله يعبد، إلى غير ذلك من تصريحاتهم التي تقشعر منها الجلود، فلما سمع السلف ﵏ ذلك أفصحوا بما أفصحوا به.
وذكروا بأن بعض السلف ﵏ حبس جهميًا أو زنديقًا على هذه الزندقة، وبقي أيامًا في السجن يمتحنه، فقيل له: إنه قد تاب.
فقال: ائتونا به لنسأله ونعلم هل صحت توبته أم لا.
فاختبره فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري أبائن من خلقه أم لا؟ فقال: ردوه إلى السجن فإنه لم يتب.
وذلك لأنه لابد من الإيمان بهذا الاعتقاد كله، وهو أن الله تعالى على عرشه وأنه بائن من خلقه، أي: أنه ليس مختلطًا بهم كما يقوله كثير من الجهمية والحلولية ونحوهم، تعالى الله عما يقولون، لذلك اهتم السلف ﵏ بأمر العقيدة.
وقد نقل شيخ الإسلام في الحموية قصة في ثلاث أو أربع صفحات عن عالم من علماء المدينة في زمن الإمام مالك، وهو عبد العزيز بن الماجشون، وإذا قرأت هذه الرسالة عرفت بذلك أن السلف ﵏ كانوا أولًا وقبل كل شيء يحبون العمل بالدليل ويتقيدون به، وأنهم يصرحون بما يعتقدونه ويذكرون ذلك ذكرًا صريحًا، وأنهم ينكرون على المبتدعة ويضللونهم ويسفهون أحلامهم، وينكرون إنكارًا بليغًا على من رد شيئًا من أمر الله تعالى أو أمر رسوله أو خالف المعتقد السليم، ففي القرن الثاني عاش ابن الماجشون في زمن الإمام مالك، وفي ذلك دليل على أن البدع بدأت تظهر أعناقها، وبدأ أهلها يتمكنون، ولكن الحق حق، والحق وأهله أقوى وأكثر وأقوى حجة، وهذا في ذلك الزمان.
أما في آخر القرن الثاني فقد قويت بدعة الجهمية، وذلك لأنهم صاروا يقتنصون الجهلة فيلقون عليهم تلك الشبهات، فيشبهون بها على طوائف كثيرة من الجهلة وضعفاء الإيمان فيشككونهم في أمور المعتقد، فظهر في ذلك الزمان كثير من الزنادقة الذين هم منافقون وإيمانهم متزعزع، ولكن انتبه لهم الولاة والأئمة وصاروا يحذرون منهم فيقولون: فلان متهم.
فلان زنديق.
ذكروا في التاريخ أن الخليفة المهدي أحضر واحدًا من أولئك الزنادقة، ولما استفصل منه وجدت قرائن ونقول كثيرة تدل على أنه منافق وليس بمؤمن، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، وشاك في أمر الله تعالى وأمر البعث، فعند ذلك أمر بقتله، فلما تحقق أنه مقتول قال: أيها الخليفة! كيف تفعل بأربعة آلاف حديث كذبتها ونسبتها إلى نبيكم وبثثتها في الناس؟ أي: أنا قد أفسدت عليكم دينكم وعقائدكم بهذه الأحاديث التي بثثتها.
فماذا قال الخليفة ﵀؟ قال: تعيش لها نقادها.
أي: إن الله تعالى وفق هذه الأمة أن جعل فيها علماء يميزون الأحاديث ويعرفون الصحيح من السقيم، ويميزون المكذوب من الصادق، وذلك لمعرفتهم بكلام الرسول ﷺ، ولمعرفتهم بما كان يدعو إليه وبما تهدف إليه شريعته.
فهذا دليل على أن هناك من استفحل منه الشر وشكك الناس في أمر العقيدة، وبالأخص في الإيمان بالله، حيث كثر في ذلك الزمان الزنادقة الذين ينكرون وجود الله تعالى أو ينكرون البعث أو ينكرون حشر الأجساد، كالفلاسفة الذين ينكرون البعث الحقيقي، ولما كثروا اهتم بهم السلف رحمهم الله تعالى وبالغوا في الرد عليهم إلى أن قمعوا وظهر أمر الله.
[ ٩ ]
أهل العقيدة الصحيحة هم أهل الحديث
قدمنا بهذه المقدمة لنستدل بها على أثر العقيدة، ونستدل بها على أن العقيدة الصحيحة التي تلقاها الصحابة عن نبيهم ﷺ وتلقاها تلامذتهم عنهم وتابع التابعين عن التابعين هي التي بقيت، وهي العقيدة الصحيحة، وأن العقائد المنحرفة الزائغة لم تؤخذ من كتاب الله حتى لو استدلوا ببعض الآيات على غير مدلولها، ولا من السنة، ولا من الصحابة، ولا من تلامذة الصحابة، ولا من تلامذة تلامذتهم، وإنما أخذت من أفكار وقلوب زائغة منحرفة.
فهذا يستدل به على أن العقيدة ما كان عليه السلف ﵏، وهم في الحقيقة أئمة الحديث، كما هو عنوان هذه الرسالة: (اعتقاد أئمة الحديث)، وذلك لأن الصحابة تلقوها أحاديث، والتابعون أيضًا تلقوها عن الصحابة ونقلوها أحاديث، وكذلك تابعوهم تلقوها ونقلوها وحدثوا بها، فكانوا ينقلونها أحاديث، فيقول أحدهم -مثلًا-: حدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر قال: حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
ويذكر حديثًا كحديث النزول أو الرؤية، فإذًا هي أحاديث ثم أصبحت عقيدة أهل الحديث.
فأصبح أهل الحديث هم القدوة الذين يقتدى بهم، وذلك لأن المبتدعة لم يكونوا من أهل الحديث، وإذا نظرنا في سيرة عمرو بن عبيد وبشر بن غياث المريسي والجهم بن صفوان وابن أبي دؤاد ونحوهم من الجهمية أو المعتزلة لم نجدهم ممن رووا الأحاديث، بل لا يروون إلا ما يوافق أهواءهم أو يناسب بدعتهم، ولأجل ذلك لا تقبل أحاديثهم، والغالب أن الأحاديث التي يروونها لم تثبت، بل إنها مكذوبة أو موضوعة أو ضعيفة لأجل من فيها من المبتدعة، فأصبح أهل الحديث هم أهل العقيدة السلفية والفرقة الناجية المنصورة، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله) .
سئل الإمام أحمد: من هم هذه الطائفة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم.
وهذا صحيح، فإلم يكن أهل الحديث هم الفرقة الناجية فمن هم؟ أهل الحديث هم صحب النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا فكأنهم صحابة؛ لأنهم صحبوا أنفاسه، والكلام الذي يروونه ويتناقلونه هو الكلام الذي نطق به، وبين كلماته أنفاسه التي تنفس بها وهو يتكلم، فيعتبرون كأنهم الصحابة على حد كلام هذا الشاعر.
ولذلك يعرف أهل الحديث حقًا بأنهم هم الذين انتحلوا هذه النحلة واعتقدوا هذه العقيدة.
[ ١٠ ]
الأسئلة
[ ١١ ]
تفنيد ما قيل عن الجيلاني من خرافات
السؤال
ذكرت بعض الكتاب التي تتحدث عن الفرق أن عبد القادر الجيلاني الإمام السلفي هو أول من أنشأ طريقة صوفية، فهل هذا صحيح؟
الجواب
عبد القادر الجيلاني عالم من علماء الحنابلة، ويذكر في تراجم الحنابلة، ولكن انشغاله بالطرق حال بينه وبين انشغاله بالحديث، فهو من أهل الطرق وأهل العبادات القلبية، انشغل بالعبادات القلبية وبالزهد وبالتصوف، أي: عبادات الصوفية، لذلك لما اشتهر بأنه من الصوفية تعلق به المتصوفة، وصاروا يتوافدون إليه من أماكن بعيدة، ثم أعجبوا بعبادته وبزهده وبتقشفه مما كان سببًا في أن علقوا عليه تعليقات، وتلك التعليقات لا صحة لها، وحكوا عنه حكايات ليست واقعية بل هي مكذوبة، ولما اشتهرت تلك الحكايات وتلك الطرق وتلك القصص التي كتبت عنه وتناقلتها الصوفية كثر الذين يعتقدون فيه أنه ولي وأنه من سادات الأولياء، مما حمل كثيرًا من الجهلة على أن عبدوه مع الله واعتقدوا فيه اعتقادات سيئة.
وأذكر أني كنت في يوم عرفة عند جبل الرحمة، وكان هناك واحد من السودان ويظهر أنه من علمائهم، وكان ديدنه أن يقول: يا عبد القادر! أنجنا.
يا عبد القادر! خذ بأيدينا.
يا عبد القادر! أنت ملاذنا.
فتكلمت معه فقابلني بقوله: أنا أقول: إنه لا تنزل قطرة من السماء إلا إذا أمر بها عبد القادر، ولا تنبت حبة في الأرض إلا بعدما يأذن فيها عبد القادر.
سبحان الله! هذا -بغير شك- من آثار تلك الحكايات التي نشرها هؤلاء الجهلة.
عبد القادر لا شك أنه دخل في الصوفية، وأنه وقع منه شيء من الحكايات، لكن لم يصل إلى تلك المرتبة، وعبد القادر عبد من العبيد ولد كما ولد غيره ومات كما مات غيره.
[ ١٢ ]
حكم بناء المساجد على القبور
السؤال
أشكل علي كون دعوة الرسل في العقائد واحدة مع قول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، وقد قال بعض أهل العلم: كان ذلك في شريعة من قبلنا جائزًا.
كما يشكل ذلك مع سجود إخوة يوسف له؟
الجواب
صاحب هذا القول جاهل، والذين اتخذوا المسجد على أهل الكهف ليسوا من الرسل، وليسوا من أتباع الرسل، بل هم مشركون، كما صرح الله بذلك عنهم في سورة الكهف، يقول الله تعالى عنهم: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٣-١٥]، ثم يقول: ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾، أي: اعتزلتموهم واعتزلتوا معبوداتهم إلا الله ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦]، ثم يقول عنهم: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٠] إذًا فهم كفار، ولا غرابة أن هؤلاء بنوا مسجدًا على هؤلاء الذين اعتقدوا أنهم أولياء، فبناء المساجد على القبور ليس من شرائع الأنبياء، وإنما فعل ذلك هؤلاء المشركون.
أما سجود إخوة يوسف ﵊ فيظهر أنه سجود تحية، وليس هو السجود الذي يكون بوضع الوجه على الأرض، ويمكن أن هذا كان جائزًا، وأنه ليس سجود تعظيم وإنما هو احترام.
[ ١٣ ]
الفرق بين البدعة وغير المشروع
السؤال
ما الفرق بين قولنا للعمل المخالف: إنه بدعة، أو: مخالف للسنة.
أو: غير مشروع.
وما الضابط في ذلك؟
الجواب
البدعة هي المحدثة في الدين، فإذا قيل: هذا بدعة فالغالب أنها من القربات التي يتقرب بها وليس لها أصل في الدليل ولا في الشريعة، وإنما هي من المحدثات، سواءٌ أكان في العقائد كالتكفير بالذنوب، مثل اعتقاد الخوارج، وكذلك اعتقاد الخروج على الأئمة كقول المعتزلة، وكذلك اعتقاد التكفير بالذنب ونحو ذلك، أم في الفروع، كبدعة الموالد ممن يحيون المولد النبوي، أو يصلون أول ليلة جمعة من رجب ويسمونها صلاة الرغائب، أو يحيون ليلة خمس وعشرين منه ويسمونها ليلة الإسراء، كل هذه يقال لها: بدع.
أما غير المشروع فيراد به أنه لم يأت به دليل واضح وإن لم يكن منهيًا عنه نهيًا صريحًا، وإن وجد ما يدل على مشروعيته، لكنه ليس دليلًا قويًا، فيقال -مثلًا-: رفع اليدين بعد الفريضة مباشرة غير مشروع.
ولو وجدت أدلة تدل على رفع اليدين عند الدعاء، ويقال: صلاة أربع ركعات بسلام واحد غير مشروع؛ لأن الأصل السلام من كل ركعتين.
وأشباه ذلك.
فتعبيرات السلف والعلماء بحسب قوة الدليل أو عدمه.
[ ١٤ ]
إلصاق بدعة الخروج بالصحابة
السؤال
يذكر بعض العلماء أن عبد الله بن أبي معيط كان من الصحابة، وأنه كان من كبار الخوارج، فهل هذا صحيح؟ وكيف يعتذر عنه؟
الجواب
لا أذكر أن لـ أبي معيط ابنًا اسمه عبد الله، إنما له ولد اسمه عقبة بن أبي معيط، وعتبة ولد عقبة بن أبي معيط، فـ عقبة قتل في غزوة بدر، أما ولده فلم يكن من الصحابة فيما يظهر، ويظهر أنه كان صغيرًا، ولم يذكر أنه من قريش، لكن لكونه من قريش تولى الإمارة في خلافة عثمان على بعض بلاد العراق، وذكر عنه أنه شرب الخمر، ثم إن عثمان ﵁ أقام عليه الحد، فأمر عليًا فجلده أربعين جلدة لشربه الخمر ولثبوت ذلك عليه، ولم يذكر عنه أنه من الخوارج، ولعله من الأئمة أو غير ذلك.
[ ١٥ ]
حكم قبول رواية المبتدع
السؤال
تذكر كتب المصطلح رواية المبتدع وهل هي مقبولة أم لا والخلاف فيها وشروط قبول هذه الرواية، فما توجيه ذلك؟
الجواب
البدع إما أن تكون مكفرة أو مفسقة، فالبدعة المكفرة لا يقبلون رواية صاحبها ولا كرامة، وذلك لأنهم يعتقدون أنه ليس من المسلمين، فكيف يكون عدلًا؟ أما البدع المفسقة فيقولون: ننظر في ذلك المبتدع، فإذا كان داعية من الدعاة إلى الرفض أو الاعتزال أو الجبر أو التعطيل أو التجهم أو الإرجاء أو نحو ذلك لم تقبل ولا كرامة، ولو كان حافظًا متقنًا، وإذا روى حديثًا يقوي بدعته أو نحلته التي ينتحلها لم نقبله؛ لأن العادة أنه يتساهل بما يتعلق بمذهبه وبمعتقده.
أما إذا عرف منه الصدق ولم يكن من الدعاة إلى بدعته، وروى ما لا يقوي بدعته ولا صلة له بذلك فيروى عنه من باب الحرص على إثبات العلم.
ففي صحيح البخاري روايات كثيرة عن شيخ له اسمه عبيد الله بن موسى القواريري، وقد رمي بالتشيع، ولكن التشيع في ذلك الزمان ليس أهله هم الرافضة في هذا الزمان الذين يعبدون أهل البيت ويكفرون الصحابة ويطعنون في القرآن ويطعنون في السنة، بل هو يروي أحاديث في السنة وفي فضائل الصحابة، فروى عنه البخاري، وسبب ذلك علو السند؛ لأنه من المعمرين، فيروي عنه إيثارًا لعلو السند.
[ ١٦ ]
حكم أكل ذبائح أهل الكتاب المعاصرين
السؤال
أحل الله لنا ذبائح أهل الكتاب، ولكن من المعلوم أن بعضهم يعتقد أن عيسى ﵇ ابن الله، فهل تؤكل ذبيحة مثل هؤلاء؟
الجواب
أحل الله الذبائح، ولكن بشروط، منها: أن يكونوا كتابيين حقيقة، ففي زماننا هذا يتسمون بأنهم كتابيون وليسوا كذلك، والله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥]، فدل ذلك على اشتراط كونهم كتابيين حقيقة، ومنها: أن يذبحوا ذبحًا شرعيًا بالسكين الحادة في موضع الذبح، وهذا ما كانوا عليه.
ومنها: أن يذكروا اسم الله عند الذبح، وهذا من شريعتهم، والمتمسكون بشريعتهم النصرانية الأصلية أو باليهودية الأصلية من عقيدتهم أو من دينهم عدم حلهم لما مات حتف أنفه، وعدم حل ما لم يذبح في الحلق، فهم لا يأكلون إلا ما ذكر اسم الله عليه، وكذلك أيضًا لا يأكلون -كما في شريعتهم- إلا ما ذبح ذبحًا شرعيًا.
فإذا وجد في هذه الأزمنة من يذبح ذبحًا غير شرعي ولو قال: إنه كتابي -بل لو قال: إنه مسلم- فلا تؤكل ذبيحته، كالذين يذبحون بالصعق الكهربائي مثلًا، أو بالغمس في الماء الحار ثم بقطع الرأس بعد الموت، أو الذين يضغطونها إلى أن تموت ويحافظون على أن يبقى دمها فيها حتى يزيد في وزنها، لا شك أن هؤلاء ليسوا كتابيين حقيقة، أما لو كانوا كتابيين متمسكين -حتى لو قالوا: عيسى ابن الله- فإن العبرة بالذبح، أما عقائدهم فلهم.
[ ١٧ ]
حكم بيع الدم
السؤال
ما حكم بيع الدم؟ وما الحكم لو ذهب إنسان إلى مركز التبرع بالدم وهو يعلم أنهم يعطونه هدية عينية مقابل ذلك؟ وما الحكم لو كانت الهدية دراهم بدلًا من الهدية، فهل يعتبر بيعًا أم يعتبر عطية وهدية مقابل ذلك الدم؟
الجواب
نعتقد أن هذا من الضروريات، فقد أصبح كثير من المرضى يعوقه المرض حتى ينشف دمه، فيكون من آثار ضعف الدم ضعف البنية وضعف تركيبه وحالته، وازدياد مرضه، فلا جرم في الطب الحديث أن يؤخذ له دم من آخر ويغذى به إلى أن يعيش، ولما كان كذلك كان هذا الدم يمكن أن يقال: إن له قيمة.
وذلك لأن صاحبه قد يصيبه شيء من الضعف والوهن بعد إخراجه منه، فنقول: على مقتضى هذه القاعدة لا بأس بأخذ الهدية، ولكن يكره أن يبيعه، وأن يقول: خذوا مني بكذا وكذا.
أما إذا أعطوه من دون فرض فلا مانع من أخذ ذلك إن شاء الله، والله أعلم.
[ ١٨ ]