مما يميز عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يجمعون بين الأدلة، ويأخذون بها كلها، وهذا ما ينتج لهم القول الحق، وأما أهل البدع فإنهم يأخذون بجهة واحدة من الأدلة، مما ينتج عنه الابتداع في الدين والخطأ في كلام رب العالمين، ومن زللهم في المسائل: تعريفهم للإيمان بالتصديق، فأخذوا جانب اللغة وتركوا جانب الشرع، ثم تتابعت على هذا التعريف أخطاؤهم، ثم أتى من أخرج العصاة من الإيمان إلى الكفر، وأما أهل السنة فهم عندهم مؤمنون بإيمانهم فاسقون بعصيانهم.
[ ٩ / ١ ]
حقيقة الإيمان عند أهل السنة وغيرهم
قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويقولون: إن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن كثرت طاعته أزيد إيمانًا ممن هو دونه في الطاعة.
ويقولون: إن أحدًا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين لو ارتكب ذنبًا أو ذنوبًا كثيرة صغائر أو كبائر مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله فإنه لا يكفر به، ويرجون له المغفرة، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
واختلفوا في متعمد ترك الصلاة المفروضة حتى يذهب وقتها من غير عذر، فكفره جماعة؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)، وقوله: (من ترك الصلاة فقد كفر)، و(من ترك الصلاة فقد برئت منه ذمة الله)، وتأول جماعة منهم أنه يريد بذلك من تركها جاحدًا لها، كما قال يوسف ﵇: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف:٣٧] ترك جحود الكفر، وقال كثير منهم: إن الإيمان قول وعمل] .
[ ٩ / ٢ ]
تعريف الإيمان عند أهل السنة
هاهنا ذكر تعريف الإيمان، حيث اختلف الناس في تعريفه، فذهبت المرجئة إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وغلاتهم قالوا: إن الإيمان هو المعرفة.
وذهب أهل السنة إلى أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهناك مذاهب أخرى لا دليل عليها.
ومما هو معلوم أن الإيمان من الألفاظ الشرعية التي استعملها الشرع ونقلها من معناها اللغوي إلى معنىً اصطلاحي شرعي، فأصبحت من الألفاظ الشرعية التي جاءت في لسان الشرع لمعنىً زائد عن المعنى اللغوي، وصحيح أن معناه في اللغة التصديق، مثل قوله تعالى عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، أي: بمصدق لنا.
ومنه أيضًا تفسير الإيمان في حديث جبريل المشهور: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر) فالإيمان هنا هو التصديق بهذه الأشياء.
فإذًا الإيمان في اللغة هو التصديق، ولكن الشرع الشريف أضاف إليه الأعمال والأقوال فجعلها إيمانًا، فأصبح الإيمان عامًا للأعمال، فالأعمال البدنية والقولية والعقلية القلبية والمالية كلها داخلة في مسمى الإيمان شرعًا، هذا هو قول أهل السنة.
[ ٩ / ٣ ]
تعريف الإيمان عند المخالفين لأهل السنة
الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق يسمون (مرجئة الفقهاء)، وأكثرهم من الحنفية، حيث يذكرون أن الإيمان عندهم هو ما كان عليه في اللغة من أنه التصديق، ويقولون: إن اللسان العربي يدل على هذا.
ولكن يلزم من هذا محاذير وذلك أنه يلزم منه تسوية الناس في الإيمان، فما دام أن كلهم مؤمنون فلا يكون بينهم فرق في الإيمان، فيكون إيمان أجلاء الصحابة كإيمان أطرف الناس، وهذا فيه تسوية بين المتفاوتات، ومعلوم أن إيمان الصديق والفاروق وعثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃ أقوى من إيمان غيرهم ممن جاء بعدهم ومن إيمان أهل هذا الزمان الذين في إيمانهم تزعزع وضعف، والدليل عليه أن إيمانهم الذي هو إيمان راسخ حَمَلَهم على الأعمال، والهجرة، والصبر على الأذى في ذات الله، والجهاد في سبيل الله، والإنفاق في مرضات الله تعالى، والاجتهاد في سبل الخير والأعمال الخيرية، فذلك دليل على أنه أقوى من إيمان غيرهم من سائر الناس، فهذا من حيث الإيمان الذي في القلب.
[ ٩ / ٤ ]
أدلة دخول العمل في مسمى الإيمان
إذا نظرنا في الأدلة وجدنا أن الله تعالى سمى كثيرًا من الأعمال البدنية والمالية إيمانًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢-٤]، فهذه خمس خصال: منها ثلاث من الأعمال القلبية، وهي قوله تعالى: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، وواحدة مِن أعمال البدن وهي إقام الصلاة، وواحدة عبادة مالية وهي: النفقة (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، فهذه كلها جعلها الله تعالى من الإيمان.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٥-١٦]، فهذه كلها جعلها الله علامة على الإيمان، يعني: إنما المؤمنون حقًا هم الذين يفعلون هذه الأشياء.
فهذا كله دليل على أن هذه الأعمال من الإيمان.
ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، جعل هذه كلها من الإيمان، وأشباه ذلك من الآيات، ولا شك أن هذه أدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان.
وقد وردت السنة بذلك، ففي الصحيحين قوله ﷺ: (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول (لا إله إلا الله)، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فانظر كيف ذكر ثلاث خصال: خصلة قولية: (قول لا إله إلا الله)، وخصلة فعلية: (إماطة الأذى عن الطريق)، وخصلة قلبية: (والحياء من الإيمان) .
هذه أدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ولذلك اتفق السلف من أهل السنة على تعريف الإيمان بمثل ما ذكر الإسماعيلي، فقالوا: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
فالقول الذي باللسان يدخل فيه الذكر، والدعاء، والقراءة، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه كل الأعمال القولية التي باللسان.
والاعتقاد بالجنان يدخل فيه الأعمال القلبية، فيدخل فيه الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والحياء إلى آخر أعمال القلوب، وهي كثيرة وكلها من الإيمان.
وكذلك أيضًا الأعمال البدنية كالركوع والسجود، والقيام والقعود، والجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكذلك الصيام، والطواف بالبيت والوقوف بشعائره، وما أشبه ذلك من الأعمال البدنية كلها داخلة في مسمى الإيمان؛ لأنها من الأعمال المندوبة المأمور بها.
وكذلك أيضًا الأعمال المالية، وإن لم يذكروها في التعريف لدخولها في الأعمال البدنية؛ لأن المال يكتسب غالبًا بالبدن، فإذا أنفق في سبيل الله فإن ذلك عمل صالح، فالزكوات والصدقات من الإيمان، والتوسعة على ذوي الحاجات وكفالة الأيتام من الإيمان، والنفقة في وجوه البر كعمارة المساجد ونشر العلم وكل ما يصرف فيه المال بما هو قربة إلى الله تعالى فإنه من الإيمان؛ لكونها أعمالًا صالحةً يحبها الله تعالى.
فلا شك أن الإيمان أصبح بذلك مسمىً شرعيًا بعد أن نقله الشرع إلى هذا المسمى، كما أن الشرع نقل الإسلام، فالإسلام في اللغة: الإذعان والانقياد والاستسلام لمن يقود الإنسان.
فنقله الشرع إلى أن أصبح اسمًا لأركان الإسلام الظاهرة، وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج وما يلحق بها.
وهكذا نقل الإحسان؛ إذ الإحسان في اللغة: اسم لإيصال الخير إلى الغير.
ولكن نقله الشرع وجعله عبادة الله وحده وإصلاح العمل له، (أن تعبد الله كأنك تراه)، فتصدق الشرع في هذه الكلمات، فيقال -مثلًا-: هذه الكلمات لها تعريف في اللغة وتعريف في الشرع، كما أن أضدادها أيضًا لها تعريف في اللغة وتعريف في الشرع، فالشرك تعريفه في اللغة: الاشتراك بين اثنين في استحقاق.
وتعريفه في الشرع: دعوة غير الله مع الله.
والتوحيد له تعريف في اللغة، وهو: الفرد الواحد.
أي: ذكر شخص واحد مفرد.
وتعريفه في الشرع: إفراد الله تعالى بالعبادة.
وكذلك الفسوق أصله في اللغة: الخروج.
ويطلق في الشرع على العصيان، أي: الخروج عن طاعة الله تعالى.
وكذلك النفاق تعريفه في اللغة: الإخفاء وتعريفه في الشرع: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر.
فكذلك نقول: إن هذه اللفظة: -الإيمان- نقلها الشرع وسماها بهذا الاسم.
[ ٩ / ٥ ]
بيان مفاسد مذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان
إن الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق، يسوون بين الناس فيه، فيقولون: إيمان أفسق الناس كإيمان الملائكة وأكابر الصحابة.
فعلى هذا لا فرق عندهم في الإيمان بين هذا وبين هذا، والناس كلهم سواء في هذا الإيمان، ولا شك أن في هذا تسهيلًا في المعاصي؛ لأنه إذا عرف أن المعاصي لا تضره وأن إيمانه كامل فإنه -ولابد- سوف يتساهل بأمر الله، فيفعل ما يستطيعه من الذنوب، فيشرب الخمور، ويسمع الأغاني، ويأكل الربا، ويقتل، ويفسق، ويزني، ويفجر، ويكذب، ويفعل كل المعاصي ويقول: إيماني كامل ما دام أن هذه ليست من الإيمان، فالإيمان الذي في القلب موجود.
ويقولون: إن أهله في أصله سواء، فيعتقد أن إيمانه كامل، وهذا ما حمل كثيرًا منهم على الانهماك في المعاصي، وهم الذين يسمون (المرجئة)، وما أكثر الذين أنكروا عليهم وردوا عليهم قولهم حيث اعتقدوا أن الإيمان شيء واحد وأن أهله فيه سواء، فعند ذلك صاروا يعتمدون على واسع الرحمة وكرم الله، حتى قال قائلهم: فكثر ما استطعت من المعاصي إذا كان القدوم على كريم كأنه يبيح لهم المعاصي، بل يأمرهم بتكثيرها.
[ ٩ / ٦ ]
سبب تسمية المرجئة
قيل: إنهم سموا (مرجئة) لأنهم أرجأوا الأعمال عن مسمى الإيمان.
أي: أخروها.
قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١] يعني: تؤخر.
فسموا (مرجئةً)؛ لأنهم أرجأوا -أي: أخروا الأعمال- عن مسمى الإيمان، ولا شك أن هذا تهاون بالأسماء الشرعية.
وقيل: إنهم سموا (مرجئة)؛ لأنهم غلبوا باب الرجاء.
أي: أنهم اعتمدوا على أحاديث الرجاء، حيث جاء في القرآن آيات في تغليب الرجاء، وجاء فيه آيات في تغليب الخوف أو في الأمر بالخوف، وقد تكلم العلماء على آيات الرجاء وآيات الخوف وقالوا: ينبغي للإنسان في حالة النشاط والقوة أن يغلب جانب الخوف وأن يكثر من الأعمال الصالحة، ويهرب من السيئات، ويخاف من التفريط والإهمال، ويكون دائمًا خائفًا فزعًا يحذر عذاب الله ويخشى نقمته وعقوبته، أما إذا نزل به الأمر وحضره الأجل فيفضل أن يغلب جانب الرجاء حتى يقدم على ربه تعالى وهو يحسن الظن به، كما ورد في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) .
وذهب بعضهم إلى أنك في حالة الدنيا تعمل بهما جميعًا، أي: تعمل بالخوف وبالرجاء، فلا تغلب الرجاء فتكون من المرجئة، ولا تغلب الخوف فتكون من الوعيدية كالخوارج والمعتزلة، بل تتوسط، والتوسط بينهما أن يكون دائمًا خائفًا راجيًا، واستدل على ذلك بالآيات التي فيها الجمع بينهما، كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] فجمع بينهما (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ)، هذا في جانب الرجاء، فقال: (وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ)، هذا في جانب الخوف.
وهكذا أيضًا يذكر الله آية الرجاء ثم آية الخوف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦] انظر كيف جمع بينهما، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] أتبع العقاب بالمغفرة، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩-٥٠]، فجمع بينهما في آيتين متتابعتين.
والحكمة في ذلك أن يكون المؤمن في حياته جامعًا بينهما، فإذا تذكر عذاب الله تعالى خاف خوفًا شديدًا وأكثر من الأعمال الصالحة، وإذا تذكر سعة رحمة الله تعالى رجاها وعمل الأعمال الصالحة التي تدفعه إلى رضى الله تعالى وتؤهله لأن يكون من أوليائه.
وقد ورد في الأثر أن من كبائر الذنوب الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، وكلها مأخوذة من القرآن، فالقنوط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فاليأس هو قطع الرجاء، وكذلك القنوط هو قطع الرجاء بالكلية من رحمة الله تعالى، فلو قدر -مثلًا- أن إنسانًا شب على الذنوب وأكثر منها وحمل نفسه ما لا تطيق من السيئات فإنه مع ذلك لا يقنط ولا يقل: أنا قد عملت سيئة كبيرة فلا يمكن أن تنالني الرحمة، وأنا مقدم على النار، وأنا سأصبر على النار حيث إني عملت كذا وكذا من السيئات وعملت من الكفر والتكذيب كذا وكذا.
فيقطع الرجاء ولا يجوز له ذلك، بل عليه أن يستحضر رحمة الله تعالى ويرجوه حتى يرحمه ربه.
وكذلك أيضًا قسم آخر ذكروه في قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، فالأمن من مكر الله أيضًا من كبائر الذنوب، وذلك لأن هؤلاء الذين ينهمكون في المعاصي ويكثرون منها ولا يخافون نقمة الله ولا بطشه ولا عذابه يعتبرون كأنهم آمنين، كأن عندهم صك أمان أنهم لا يدخلون النار، أو صك أمان أنهم لا يعذبون وأنهم آمنون من غضب الله تعالى ونقمته.
[ ٩ / ٧ ]
أدلة زيادة الإيمان ونقصانه
ذكر أهل السنة في تعريف الإيمان أنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد جاءت الأدلة على زيادة الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ولا شك أن هذا دليل صريح على أن هذه المقالة زادت إيمانهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر:٣١]، وهذا صريح في أنه يزيد إيمانهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، صريح في أن السكنية زادت إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] .
يقول العلماء: كل شيء يقبل الزيادة فإنه يقبل النقصان.
فإذا كان الإيمان يزيد فإنه ينقص، فالطاعات تزيده والمعاصي تنقصه، فالركعات النوافل يزيد بها الإيمان، والصدقة ولو بقليل يزيد بها الإيمان، والكلمة الطيبة يزيد بها الإيمان، والدعوات التي يدعو بها العبد ربه يزيد بها إيمانه، والاعتكاف ولو ليلة -مثلًا- في مسجد، وكذلك حج أو عمرة أو تقرب إلى الله بطواف أو جهاد في سبيل الله أو نفقة في وجوه الخير يزيد به الإيمان، وبضد ذلك ينقص الإيمان، فالرجل -مثلًا-: إذا مشى إلى المساجد زاد إيمانه، وإذا مشى إلى أماكن الرقص واللعب نقص إيمانه، وإذا أنفق في سبيل الله أو في وجوه الخير زاد إيمانه، وإذا أنفق في الباطل والملاهي والأغاني ونحوها نقص إيمانه، وإذا تكلم بدعاء أو بدعوة إلى الله تعالى زاد إيمانه، وإذا تكلم بسباب أو بلعن أو شتم أو عيب أو نحو ذلك نقص إيمانه، وإذا نظر في كتاب الله تعالى للاعتبار زاد إيمانه، وإذا نظر في الأفلام وفي الصور الخليعة ونحوها نقص إيمانه، وإذا استمع إلى الذكر وخشع قلبه زاد إيمانه، وإذا استمع إلى الغناء والملاهي وما أشبهها نقص إيمانه، وهكذا الضد بالضد.
ولهذا ذكر البخاري في (كتاب الإيمان) من صحيحه عن معاذ أنه قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة)، فجعل ذكره وفكره وتعلمه إيمانًا، فدل على أن هذا يضاف إلى الإيمان فيزداد به.
وقد أخذوا النقص من الحديث المشهور الذي في الصحيح أنه ﷺ قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل العاقل من إحداكن)، فوصف النساء بنقص الدين، والدين هو الإيمان، فمن كثرت طاعته لا شك أنه أزيد ممن نقصت طاعته.
فالطاعات التي هي العبادات يكون صاحبها أكثر إيمانًا من صاحب المعاصي، فمن يصلي النوافل ويحافظ على الرواتب لا شك أنه أزيد إيمانًا من الذي يقتصر على الفرائض، والذي يسبح الله تعالى بعد كل صلاة ثلاثًا وثلاثين ويحمده ثلاثًا وثلاثين ويكبره ثلاثًا وثلاثين أفضل وأكمل إيمانًا من الذي يسبح عشرًا عشرًا وأشباه ذلك، فكلما زادت الأعمال زاد بها الإيمان.
ومسألة الإيمان مسألة طويلة، ولعله يأتينا فيها أيضًا زيادة كلام عند قوله: [إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل] إلى آخره.
[ ٩ / ٨ ]
قول أهل السنة في أصحاب الكبائر
أصحاب الكبائر هم أهل الذنوب الذين عملوا سيئات وذنوبًا دون الكفر، كالذين يأكلون الربا، أو يزنون، أو يشربون الخمر، أو يقتلون النفس التي حرم الله، أو يأكلون أموال اليتامى، أي أنهم من يفعلون شيئًا من المعاصي، هؤلاء للناس فيهم ثلاثة مذاهب: ومذهب الخوارج: أنهم كفار.
ومذهب المعتزلة: أنهم ليسوا مؤمنين ولا كفارًا، بل في منزلة بينهما.
ومذهب أهل السنة: أنهم مؤمنون إيمانًا ناقصًا.
[ ٩ / ٩ ]
أوصاف أهل القبلة
أهل التوحيد الذين يستقبلون القبلة ويتوجهون إليها ويعترفون بقبلة المسلمين وكل من كان من الأمة المحمدية الذين استجابوا لله تعالى لرسوله يسمون أهل القبلة، أي: أنهم في صلاتهم وذبائحهم يستقبلون القبلة، وأنهم يحنون إلى القبلة ويذهبون إليها حجاجًا وعمارًا، فلذلك يسمون أهل القبلة، فهم يؤمنون بالله تعالى إلهًا وربًا وخالقًا، ويعبدونه ولا يعبدون غيره، ولا يصرفون شيئًا من عبادته ولا من حقه لمخلوق سواه، فهم أهل التوحيد، يقولون: (لا إله إلا الله) ويعملون بها.
فلا يدخل في ذلك الذين يعبدون القبور -ويسمون القبوريين- فإنهم ليسوا من أهل التوحيد؛ لأنهم شابهوا قوم نوح الذين عبدوا ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وشابهوا قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون التماثيل ويعكفون لها، وكذلك الذين يعبدون الأشجار والأحجار، يتبركون بهذه الشجرة ويعتقدون فيها، أو يتبركون بهذا الغار أو بهذه الصخرة أو القبة أو العين أو ما أشبه ذلك ويعتقدون أنها تنفع وتشفع وتدفع وتفيدهم، فلأجل ذلك يتمسحون بها ويعكفون عندها ويأخذون تربتها، وربما أيضًا دعوها كدعاء المشركون العزى: يا عزى.
يا عزى.
فمثل هؤلاء ليسوا من أهل القبلة ولو صلوا وصاموا، وليسوا من أهل التوحيد؛ فلا يدخلون في هذا الباب، إنما الكلام في المسلمين من أهل التوحيد، ومن أهل القبلة وارتكبوا الكبائر.
[ ٩ / ١٠ ]
قول الخوارج في أصحاب الكبائر والرد عليهم
أصحاب الكبائر عند أهل السنة هم من فعلوا من الذنوب ما دون الشرك، فإننا لا نخرجهم من الإسلام ولا من الإيمان، بل نقول: إنهم مؤمنون ولكن إيمانهم ناقص.
فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويسمى فاسقًا -أي: عاصيًا- لأجل الكبيرة التي اقترفها، ويسمى ناقص الإيمان؛ لأن نقص إيمانه حمله على أن يفعل المعاصي ويترك الطاعات، فلذلك نقول: إنه لا يخرج بذلك من مسمى الإيمان.
هذا هو قول أهل السنة.
أما الخوارج فإنهم يكفرون العاصي أيًا كانت معصيته، فيكفرون الذين يأكلون أموال اليتامى ويخلدونهم في النار، ويستبيحون قتلهم وسفك دماءهم ونهب أموالهم وسبي نسائهم، ويقولون: إن الله توعدهم بالنار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] .
ومثل ذلك قذف المحصنات، فقد توعد الله عليه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٣-٢٥]، فيكفرونه إذا رمى محصنًا أو محصنة، وأخرجوه من الإيمان وأدخلوه الكفر واستباحوا قتله.
يقول العلماء عن الخوارج: إنهم يجعلون الذنب كفرًا والعفو ذنبًا، فمثل هؤلاء قد قاتلهم الصحابة وبدعوهم وشنعوا عليهم.
ثم جاء المعتزلة فوافقوا الخوارج في بعض الأشياء، منها أن أهل الذنوب الذين يموتون عليها يخلدون في النار ولا يخرجون منها، فإذا مات وهو يأكل الربا، أو مات وهو يزني أو يسرق، أو يأكل مال يتيم من غير توبة، أو مات وقد قذف محصنًا، أو تولى يوم الزحف، أو نحو ذلك من المعاصي فعند المعتزلة أنه خالد في النار لا يخرج منها، ولكنهم في الدنيا لا يعاملونه معاملة الكافر ولا معاملة المسلم بل هو في منزلة بينهما، هذه حالة المعتزلة.
ونحن نقول: إن أحدًا من أهل التوحيد وممن يصلي إلى القبلة لو ارتكب ذنوبًا كبيرة مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله فإنه لا يكفر، ولا نخرجه من الإيمان ولا ندخله في الكفر، ولا نقول: إنه يخلد في النار.
بل: أمرهم في الآخرة إلى الله تعالى، إن شاء غفر لهم وأدخلهم الجنة، وإن شاء أدخلهم النار بحسب سيئاتهم وذنوبهم، ثم مآلهم بعد تكفير الذنوب إلى أن يخرجوا إما بشفاعة الشافعين وإما برحمة الله تعالى، وذلك إذا عُذبوا العذاب الذي يتحملونه بقدر ذنوبهم، ومن الأدلة على ذلك هذه الآية التي ذكرها الإسماعيلي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فقد جاءت هذه الآية في موضعين في سورة النساء، (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)، يعني: ما دون الشرك (لِمَنْ يَشَاءُ)، إن شاء غفر لهم رحمة منه وفضلًا.
وأدخلهم الجنة أول وهلة، وإن شاء أدخلهم دار العذاب للتطهير والتمحيص، كإدخال الحديد في كير الحداد حتى يصفيه مما فيه من الأدران والصدأ، فيدخلهم النار بقدر ذنوبهم ثم يخرجهم منها.
[ ٩ / ١١ ]
خلاف أهل السنة في تارك الصلاة
[ ٩ / ١٢ ]
القائلون بكفر تارك الصلاة وأدلتهم
قال المصنف ﵀: [واختلفوا في متعمد ترك الصلاة المفروضة حتى يذهب وقتها من غير عذر فكفّره جماعة] .
منهم: عمر ومعاوية وابن مسعود وابن عباس وجابر وأبو الدرداء، ومن التابعيين: إبراهيم النخعي وابن المبارك والسختياني وابن راهويه وابن حنبل وابن أبي شيبة وغيرهم.
وكذلك أيضًا من مشايخنا الذين أدركناهم: محمد بن إبراهيم وعبد الله بن حميد رحمهما الله يريان أنه يكفر، وكذلك شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز وابن عثيمين يريان أنه يكفر، وتجد فتاويهما، ولا شك أن هذا القول هو الذي تؤيده الأدلة، والأدلة عليه كثيرة.
فمن القرآن قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] قيل: إن (غيّا) ما ذكر من سيئاتهم أنهم اتبعوا الشهوات وأضاعوا الصلاة، وتوعدهم بغي، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤-٧]، فتوعدهم بويل، قيل: إنه شدة العذاب وذكر من أعمالهم أنهم يصلون ولكن يؤخرون الصلاة عن وقتها ويراؤون بها.
ومن الأدلة أيضًا أن الله حكى عن أهل النار حين قيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢-٤٦]، فبدأوا أعمالهم بترك الصلاة.
ومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] يعني: في الدنيا.
فيمتنعون مع قدرتهم، فهذا دليل على أنهم توعدوا في الآخرة بالعذاب.
ومن السنة قول النبي ﷺ في حديث جابر المشهور: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، ولا شك أنه حديث صحيح مشهور، وكذلك أيضًا حديث بريدة في صحيح مسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وحديث: (من ترك الصلاة فقد برئت منه ذمة الله) .
وفي صحيح البخاري: (من ترك العصر حتى يخرج وقتها فقد برئت منه الذمة)، وفي رواية: (من ترك العصر حبط عمله) يعني: تركًا كليًا.
وفي حديث آخر: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ماله)، وثبت في الصحيح عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة.
ولا شك أن هذه أدلة واضحة في أن من ترك الصلاة متعمدًا وهو موقن بأنها فريضة الله ومعترف بذلك فإنه يعامل معاملة الكفر.
[ ٩ / ١٣ ]
القائلون بعدم كفر تارك الصلاة وأدلتهم
هناك آخرون لا يكفرون تارك الصلاة، كـ الشافعي وجماعة من أصحابه لا يرون أنه كافر، ويقولون: إن الترك ليس هو الجحد ولكنه التهاون، أو أن المراد بتركها جحدها، وهناك فرق بين الترك والجحود.
وقالوا: إن من جحد وجوبها فإنه يكفر ولو صلى، فلو رأينا إنسانًا يصلي ولكنه يطعن في الصلاة ويقول: هذه الصلاة عبث، وهذه الصلاة مشغلة ولا فائدة فيها، ولا أهمية لها، وأنتم تصلون بدون فائدة، ولا حاجة إلى هذه الصلاة ويسب الصلاة ويتمنى أنها ما فرضت فنقول: إن هذا كافر ولو أنه يصلي، ما دام أنه ينكر فرضيتها وجوبها.
فالحاصل أن هنا قولين: قول لأكثر العلماء المتقدمين والمتأخرين أن الصلاة تركها كفر.
وقول أنه ليس بكفر ولكنه فسوق.
والقول الراجح أنه إذا أصر على الترك، واستمر على ذلك، ثم صبر على القتل حتى قتل فإنه يحكم بكفره ويقتل كافرًا.
أما إذا تاب وأناب ودعي إلى الصلاة فاستجاب لها ولو كان قد تركها مدة فإننا لا نحكم بكفره.
[ ٩ / ١٤ ]
قتل تارك الصلاة
مذهب أهل السنة عدم التكفير بالذنوب ما لم تبلغ تلك الذنوب درجة الشرك، وأن الذنوب التي هي دون الشرك لا يكفرون بها ولا يخرجون صاحبها من الملة إذا كان من أهل القبلة، والمذاهب المخالفة مذهبان: الأول: مذهب الخوارج، وهم يكفرون أصحاب الذنوب ويخرجونهم من الإسلام ويدخلونهم في الكفر، ويستحلون دماءهم وأموالهم، ويحكمون بأنهم في النار مخلدين فيها.
الثاني: مذهب المعتزلة، وهم يجعلونهم في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، فلا يجعلونهم مؤمنين مسلمين يوالون أو يناصرون، ولا يجعلونهم كفارًا يقاتلون وتستحل دماؤهم، بل هم في منزلة بين المنزلتين، وأما في الآخرة فإنهم يحكمون بخلودهم في النار.
أما نحن -أهل السنة- فإننا لا نكفرهم، ولكن نقول للعاصي: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
هكذا عبر شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية.
واختلفوا في ترك الصلاة: هل يكفر به أم لا يكفر به على قولين، وتعرض المؤلف الإسماعيلي للقولين، فذكر قول من كفروه وأخرجوه من الإسلام، والذين لم يكفروه، وحكى أن الذين لم يكفروه حملوا قوله ﷺ: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) على أن المراد بالترك هنا: التبري منها والتبري من أهلها وجحدها، واستدل لهذا الاستنباط بقوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف:٣٧]، فإنه هاهنا عبر بالترك والمراد به الجحود والإنكار.
ولكن ظاهر الأحاديث إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وقد اتفقوا -عدا الحنفية- على أنه يقتل، ولكن اختلفوا هل يقتل حدًا أو ردة؟ فالذين قالوا: يقتل حدًا قالوا: يكون ذنبه كذنب الزاني الذي يقتل لأجل الزنا، والقاتل الذي يقتل قصاصًا، فيعامل بعد القتل معاملة المسلمين بأن يصلى عليه ويدفن مع المسلمين.
والذين قالوا: يقتل قتل ردة قالوا: يحكم بكفره قبل قتله، ويمنع أن يرث أقاربه من المسلمين ولا يرثونه، ويفرق بينه وبين امرأته إذا كانت تصلي، وإذا مات فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يوارى كما يوارى الكفار.
هذا هو الذي يترتب على هذا الخلاف.
ولكن المسألة قد فرضوا فيها فرضًا شبه مستحيل، وهو أنهم يقولون: إننا إذا علمنا أنه تارك للصلاة أحضرناه ثم وعظناه وخوفناه، فإذا أصر وقال: لا أصلي هددناه بالقتل، فإذا امتنع وقال: لو قطعتموني قطعة قطعة فإني لا أصلي.
وأصر على ترك الصلاة حتى قتل، فالذي يفعل هذا لا شك أنه ليس مقرًا بالصلاة، ولا يمكن أن يقول: أنا أقر بالصلاة، وأشهد أنها فريضة الله وعمود الإسلام وركن من أركانه، وأن الله قد فرضها على نبيه ليلة الإسراء فوق السماء السابعة، وأنه قال: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي)، وأنه جعلها آخر ما يفقد من الدين وأول ما يحاسب عليه العباد، وجعلها أظهر العبادات البدنية، أقر بذلك كله وأقر بأنها فريضة الله، ولكني مع ذلك لا أصلي ولو قطعتموني قطعة قطعة فهل يمكن أن يكون هذا صادقًا في أنه مقر بذلك؟ يتضح أنه كاذب في قوله: إنه مقر بها وإنها عبادة وفريضة الله.
يستحيل أو يستبعد أن يقر ويعترف بها ومع ذلك يصر على تركها ويصر على القتل ويصبر عليه وهو مع ذلك مقر بها.
فعرف بذلك أن مثل هؤلاء الذين لا يصلون لو عرضوا على السيف فإنهم لا يصبرون، بل يقولون: لا تقتلونا ونحن سنصلي.
ولا يمكن أن أحدًا منهم يقر بالصلاة ويعترف بها ويصبر على القتل، فالذي يصبر على القتل نقول له: أنت كاذب في قولك: إنك تقر، فإذًا نعاملك معاملة الكفار الكاذبين.
والمسألة قد بحثها ابن القيم ﵀ وأطال فيها في كتاب الصلاة، فابتدأ الكتاب بقول من يقول: إنه يقتل.
ثم في أثناء الكتاب ذكر أدلة من يقول: إنه كافر وإنه خارج من الإسلام.
وأورد على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، ثم ذكر أدلة من لا يكفره وبين دلالتها، ثم حكم بينهما وبين القول المختار، وبين أنه لا يمكن أن يصبر على القتل وهو مع ذلك معترف بأنها فريضة الله.
[ ٩ / ١٥ ]
الأسئلة
[ ٩ / ١٦ ]
كيفية التعامل مع رؤساء العمل من أصحاب البدع
السؤال
إذا ابتلي إنسان بصاحب عقيدة إسماعيلية في عمله رئيس عليه، فكيف يتعامل معه خاصة وهو يظهر أخلاقًا عالية واحترامًا كبيرًا؟
الجواب
إذا ابتلي بمبتدع وصار هذا المبتدع رئيسًا عليه فإننا نقول له: بالنسبة إلى عملك الذي أسند إليك فإنك ستؤديه كما ينبغي، وأما موافقة هذا المبتدع على شيء من بدعته فإن ذلك لا يجوز، ولا شك أن المبتدع لا يستطيع أن يلزم من تحت ولايته بشيء من البدعة، وذلك لأن هذه البدعة عقائدية، فلا يقول لهم: ألزمكم بأن تعتقدوا كذا، أو تعتقدوا كذا وكذا، أو تنكروا كذا وكذا.
لا يستطيع أن يلزمهم، ولا أن يقول لهم: ألزمكم -مثلًا- بأن تشتموا الخلفاء الراشدين أو تسبوهم، أو تدعو أهل البيت أو تعبدوهم من دون الله.
كما يصنع هو، ولا يقول: ألزمكم بأن تعتقدوا في الأولياء أنهم أفضل من الأنبياء.
كقول الصوفية أو ما أشبه ذلك، أما الأعمال الإدارية الفنية فإنه يتحمل ذلك إلى أن يجد رئيسًا أفضل منه.
[ ٩ / ١٧ ]
حكم الأعمال والأقوال الكفرية من غير اعتقاد
السؤال
ما حكم من عمل عملًا كفريًا أو تكلم بكلمات كفرية، وهل يشترط في ذلك الاعتقاد، وهل يحكم عليه بالكفر؟
الجواب
ليس من تكلم بكلمة كفرية يحكم بكفره مطلقًا؛ لأنها قد تجري على لسانه من غير اعتقاد، وقد يكون متأولًا أو نحو ذلك، ولكن يستفصل بعد ذلك، فإذا رؤي من عقيدته الاعتراف بما قاله فإنه يحكم بكفره، ويدعى إلى التوبة ويهدد إذا لم يتب، وقد كفر الله تعالى المستهزئين بقوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] لما قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء.
واعتذروا بقولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥] فقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] .
فالحاصل أن من أتى بكلمة كفر ناطقًا بها من غير اعتقاد فإنه يستفصل منه، فإذا رؤي أنه مصر عليها حكم بكفره، وإذا ادعى أنه متأول أو جاهل قبل عذره وقبلت توبته.
[ ٩ / ١٨ ]
شمول التركة لكل أموال المورث
السؤال
بعد وفاة والدي صرف مبلغ معين له مما يسمى مكافأة نهاية الخدمة، ووزع للأولاد ما عدا اثنين منهم لم يبلغوا بعد وأربعًا من البنات، فهل هذا المبلغ يعتبر إرثًا ويوزع من التركة؟
الجواب
أرى أنه ما دام خرج باسمه فإنه يلحق بالتركة، ويقسم بين الورثة الذين يرثونه من أولاده ذكورًا وإناثًا على حسب ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
[ ٩ / ١٩ ]
حكم إسبال الثياب
السؤال
نلاحظ على بعض الإخوة إسبال الثياب، وهو لا يليق بالمسلم فضلًا عن طالب العلم، فنرجوا التوجيه وبيان الموضع المحرم والمكروه والمباح؟
الجواب
لا يخفى على طالب العلم ما ورد من الوعيد في إسبال الثياب، مثل قوله ﷺ: (ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)، فبدأ بالمسبل، وهو الذي يرخي ثيابه إلى ما تحت الكعب، وورد الحديث بلفظ: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)، وهذا أيضًا وعيد شديد، وكأنه يقول: إن هذا الموضع الذي ستره وهو لا يجوز ستره -وهو ما تحت الكعب- يعذب بالنار.
وإذا عذب به فإنه تعذب بقية البدن، أو يكون سببًا في تعذيب الإنسان كله، والأحاديث في ذلك كثيرة، وفي الحديث المشهور في صحيح مسلم قال ﷺ: (أزرة المؤمن إلى نصف الساق، ولا حرج فيما بينه وبين الكعب) أباح له ما بينه وبين الكعب، ولكنه فضل أن تكون أزرته -يعني: إزاره أو قميصه أو عباءته- إلى نصف الساق، والمستحب أن تكون بين ذلك، أي: مستدق الساق، وهو أدق ما تصير إليه.
فهذا هو الأفضل، أن تكون الأزرة واللباس إلى هذا الحد، وذلك لأنه منتهى الكعب، والكعب ينتهي بمستدق الساق، فيكون هذا المقدر هو الذي يجعل اللباس إليه، فلينتبه طالب العلم ولينبه إخوانه وأقاربه على هذا الذنب الذي تهاون به الكثير.
[ ٩ / ٢٠ ]
رد الاستدلال بحديث البطاقة على عدم كفر تارك الصلاة
السؤال
يحتج الذين لا يقولون بكفر تارك الصلاة بحديث البطاقة، فكيف نرد عليهم؟
الجواب
لم يذكر أنه تارك للصلاة، إنما ذكر أن هذه البطاقة رجحت بالسيئات، ولا يمنع أن توجد أعمال كثيرة من الصالحات ومن جملتها الصلاة، إنما ذكر أن له تسعة وتسعين سجلًا كل سجل منها مد البصر، وأن فيها سيئات، وأنه لما قيل له: ألك عذر، ألك حسنة لم يتذكر شيئًا، فأخرجت له تلك البطاقة ووضعت في كفة الميزان، ولكن لا يجزم أن لا يكون هناك في الكفة غيرها، والصحيح أن هذه الكلمة إذا كانت عن يقين وعقيدة وإيمان قوي وتصديق بمدلولها فإن صاحبها يحافظ على الصلوات ويداوم عليها، ولا يليق أن يقولها وهو موقن بها ثم مع ذلك يترك الصلوات ويتساهل بها، فلا شك أن ترك الصلاة يعتبر تهاونًا بالشهادتين.
[ ٩ / ٢١ ]
وجوب تشمير الأكمام الطويلة في الصلاة وخارجها
السؤال
من طبيعة عملنا لبس (البدلة)، و(البدلة) لها أكمام طويلة، وفي النظام لابد من التشمير إلى المرفق، فهل يلزم فك أو إزالة هذا التشمير إذا جاءت الصلاة؟ وأيضًا في الثوب إذا توضأت ودخلت في الصلاة قبل أن تنزل الأكمام، فهل في هذا نهي؟
الجواب
لا فرق في وجوب الرفع إلى مستدق الساق بين هذه الأكسية البدلات أو البنطلونات أو الأزر أو السراويلات أو العباءات، فالكل يكون إلى مستدق الساق، فإذا كانت البدلة لها أكمام تصل إلى الأرض فإنه يشمرها ويرفعها إلى أن تكون إلى مستدق الساق ويربطها بإبرة أو نحو ذلك، أو يرفعها حتى لا يكون مسبلًا، والإسبال عام في الصلاة وفي غير الصلاة.
أما أكمام اليدين فعليه أن يستر بها الذراعين، ولكن إذا احتاج إلى أن يشمرها عن الذراعين فلا بأس، والأفضل أن يستر الذراعين، وكذلك أكمام الرجلين إذا كان في الصلاة وكانت مسبلة فإنه يشمرها إلى مستدق الساق، والأولى أنه يقصها أو يرفعها إلى أن تصل إلى مستدق الساق.
وإذا عمل ذلك -أي: التشمير- قبل أن يدخل في الصلاة فلا حرج، ولا يدخل في حديث: (ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا) .
[ ٩ / ٢٢ ]
نصيحة للموسوس في صلاته
السؤال
أحيانًا أشك في الوضوء، وأحيانًا في الصلاة: هل كبرت تكبيرة الإحرام أم لا، وهل قرأت الفاتحة أم لا، وأحيانًا: هل قرأت التشهد الأخير أم لا، وأحيانًا: هل سلمت أم لم أسلم، فما التوجيه في ذلك؟
الجواب
يبتلى بهذا كثير من الموسوسين الذين يتغلب عليهم الشيطان ويلقي في أنفسهم هذه الوسوسة، فيتردد أحدهم كثيرًا ويتألم ويتعذب ويلقى عنتًا ومشقة وصعوبة، فنقول: مثل هؤلاء عليهم الاستعاذة من الشيطان والإكثار من الذكر والدعاء، وننصحهم بأن لا يلتفتوا إلى هذه التوهمات، فإن الأصل أنك توضأت، فإذا جاءك الشيطان وقال: قد بقي من أعضائك كذا وكذا وأنت قد فرغت فلا تلتفت إلى ذلك، وإذا جاءك في الصلاة بعدما تكبر فقال: إنك ما كبرت فلا تلتفت إلى ذلك، وإذا جاءك في الصلاة بعدما فرغت من القراءة وشككك هل قرأت أم لا فالأصل أنك قرأت؛ لأنك متعود لذلك فلا تُعِد القراءة، وكذلك لا تعد شيئًا من ركعات الصلاة ولا من أركانها، واستعذ بالله من الشيطان حتى تريح نفسك من هذه التوهمات.
[ ٩ / ٢٣ ]
الأعمال من مسمى الإيمان
السؤال
هل جنس العمل ركن في الإيمان ومن لم يأت به كفر؟
الجواب
لا شك أن الأعمال من مسمى الإيمان، وأن العمل نفسه جزء من الإيمان، وقد سمى الله تعالى الصلاة إيمانًا فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم قبل صرف القبلة.
فجعل ذلك إيمانًا، فمن لم يعمل لا يكون مؤمنًا حقًا، أي أن تركه للعمل دليل على أنه لم يكمل إيمانه، فترك الصلاة نقص في الإيمان، وكذلك ترك الزكوات نقص في الإيمان وثلم فيه، فمن لم يأت بالأعمال الصالحة فإن إيمانه ناقص.
[ ٩ / ٢٤ ]
حكم الصلاة في المقابر
السؤال
كنا نحفر قبرًا فأدركتنا صلاة العصر فأديناها جماعةً في المقبرة، فما الحكم في ذلك؟
الجواب
ورد النهي عن الصلاة في المقابر، ولكن ما دام أن هذا العمل صدر منكم عن جهل وعدم استحضار للدليل فيعفى عن ذلك ولا تعاد، وإذا حضرت الصلاة في مثل هذا فإنهم يخرجون عن المقبرة ويصلون في المساجد التي في داخل البلد.
[ ٩ / ٢٥ ]
حكم إعطاء الزكاة لمدين بدين ربوي
السؤال
لي قريب عليه ديون كثيرة من ضمنها دين ربوي، وهو مسجون على هذا الدين الربوي، فهل أعطيه من الزكاة؟
الجواب
تحل له الزكاة ما دام أنه سجين لأجل الدين، ولو كان أصحابها عصاة فالإثم عليهم، وقد يكون مضطرًا.
وعلى كل حال إذا وجد شيء من الزكاة فإنها تحل له.
[ ٩ / ٢٦ ]
رد الاعتذار بالإرهاق عن صلاة الجماعة
السؤال
رجل إذا عاد من العمل يتكاسل عن أداء الصلاة مع الجماعة، وعندما ينصح ويحث على أدائها مع الجماعة يعتذر بأنه مرهق ومتعب من العمل، فهل يعد هذا عذرًا للتخلف عن صلاة الجماعة؟
الجواب
لا يعد هذا عذرًا، والصلاة ليس فيها صعوبة ولا مشقة، فواجب أن يخبر بأنه لا عذر له، وليس العمل والإرهاق عذرًا في ترك الصلاة؛ لأن المساجد قريبة، وقد يكون أيضًا عنده سيارة توصله إلى المسجد بلا كلفة ولا مشقة.
ويقال له أيضًا: إن الصلاة أولى من العمل الذي أنت تشتغل فيه، سواءٌ أكان عملًا حكوميًا أم فرديًا، فالصلاة أولى بأن يهتم لها، وأن يترك لها من الوقت ما يكفي، فعلى كل حال لا عذر له في ذلك، وفي إمكانه أن يريح بدنه بعد الصلاة.
[ ٩ / ٢٧ ]