الآثار الواردة عن السلف في الصحابة
والخلافة والإمامة وفي الاتباع
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: الآثار الواردة عن السلف في الصحابة.
الفصل الثاني: الآثار الواردة عن السلف في الخلافة والإمامة.
الفصل الثالث: الآثار الواردة عن السلف في الاتباع وذم الابتداع.
الفصل الرابع: الأثار الواردة عن السلف في الأمور المتعلقة باليوم الآخر.
الفصل الخامس: الآثار الواردة عن السلف في مسائل أخري متنوعة.
[ ١ / ٤٧١ ]
الفصل الأول:
الأثار الواردة عن السلف في الصحابة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ما جاء في مدح الصحابة وذكر محاسنهم.
المبحث الثاني: التحذير من الطعن في الصحابة وسبهم.
المبحث الثالث: ما جاء في التفضيل بين الصحابة.
[ ١ / ٤٧٣ ]
المبحث الأول:
ما جاء في مدح الصحابة
وذكر محاسنهم
[ ١ / ٤٧٥ ]
المبحث الأول: ما جاء في مدح الصحابة وذكر محاسنهم
٣٠٤ - حدثنا قال: سألت أبي ﵀ عن الشهادة لأبي بكر وعمر بالجنة؟ قال: نعم وأذهب إلى حديث سعيد بن زيد (^١): أنه قال: أشهد أن النبي -ﷺ- في الجنة وكذلك أصحاب النبي التسعة، والنبي -ﷺ- عاشرهم (^٢).
٣٠٥ - حدثنا أبو معن الرقاشي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: ثنا صدقة بن المثنى قال: حدثني جدي رياح بن الحارث سمع سعيد بن زيد يقول: لمشهد شهده أحدهم مع رسول الله -ﷺ- أغبر فيه وجهه
_________________
(١) سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، أبو الأعور، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قبل دخول رسول الله -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر، وشهد أحدا والمشاهد بعدها، مات سنة (٥٠) أو بعدها بسنة أو سنتين. الإصابة (٣/ ١٠٣)، والتقريب (ص ١٧٦).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٣/ ١٣٢٠ - رقم ١٨٣٤). وأخرجه الخلال في السنة (٤٩٤). وحديث سعيد أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ١٨٨)، وأبو داود في السنن (كتاب السنة، باب في الخلفاء ٥/ ٢٠٥ رقم ٤٦١٧)، والترمذي في السنن (كتاب المناقب عن رسول الله -ﷺ-، باب مناقب أبي الأعور ٦/ ١٠٦ - ١٥٧ رقم ٣٧٥٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ١ / ٤٧٧ ]
أفضل من عمل أحدكم ولو عُمِّر عُمُرَ نوح (^١).
٣٠٦ - حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] قال: أصحاب محمد (^٢).
٣٠٧ - حدثنا يحيى قال: ثنا يعقوب، عن [زيد أبي أسامة] (^٣)، عن
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٦). رجاله ثقات، وإسناده صحيح. وأخرجه مطولا أبو داود في السنن (كتاب السنة، باب في الخلفاء ٥/ ٢٥٦ رقم ٤٦١٨)، وأحمد في المسند (١/ ١٨٧)، وفي فضائل الصحابة (ح ٩٠، ٩١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤٣٥).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧). إسناده ضعيف جدًا؛ الحكم بن ظُهَيْر الفزاري: متروك رُمي بالرفض واتهمه ابن معين. التقريب (ص ١١٤). وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي: صدوق يهم ورمى بالتشيع. التقريب (ص ١١٤). وأخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٩٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٧٠) إلى عبد بن حميد، والبزار، وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) في المطبوع "زيد بن أبي أسامة" وهو خطأ، والتصحيح من المخطوط ل (٢٢٧/ أ).
[ ١ / ٤٧٨ ]
نافع، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] قال: مع محمد وأصحابه (^١).
٣٠٨ - حدثنا يحيى قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت عمي وهب بن منبه يقول في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] قال: أصحاب النبي -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧). الإسناد فيه: يحيى وهو ابن عبد الحميد الحماني: حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. التقريب (ص ٥٢٣)، ويعقوب: هو ابن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري، صدوق يهم. التقريب (ص ٥٣٧)، وزيد بن أسلم أبو أسامة القرشي، ثقة عالم، وكان يرسل. التقريب (ص ١٦٢). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣١٦) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧). الإسناد فيه: جعفر بن سليمان الضبعي، صدوق زاهد لكنه كان يتشيع. التقريب (ص ٧٩). وعبد الصمد بن معقل بن منبه: صدوق. التقريب (ص ٢٩٧). وأورده القرطبي في التفسير (٢٢/ ٧٧).
[ ١ / ٤٧٩ ]
٣٠٩ - حدثنا العلاء بن عمرو قال: ثنا ابن عليه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قال: أصحاب محمد (^١).
٣١٠ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: ومن السنة الواضحة البينة الثابتة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله -ﷺ- كلهم أجمعين (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧). الإسناد فيه: العلاء بن عمرو الحنفي: تكلم فيه ابن حبان وغيره، تقدَّم في الأثر (١٢). وعبد الله بن أبي نجيح: يسار المكي، ثقة، رمى بالقدر، وربما دلس. التقريب (ص ٢٦٨). وأخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٨٢) عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن عليه به، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٢٠١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٩٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٧٥) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٠). التعليق: حُبُّ الصحابة ومدحهم وذكر محاسنهم هو أصل من أصول أهل السنة والجماعة وهو من الإيمان، لأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه -ﷺ-، وأثنى =
[ ١ / ٤٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عليهم، وامتدحهم، وأمرنا باتباع نهجهم وسبيلهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فهم خير هذه الأمة بعد النبي -ﷺ-، وهم الذين نقلوا لنا هذا الدين فهم الواسطة بين النبي -ﷺ- وبين الناس، فلا يمكن لأحد أن يزعم لنفسه دينا لم يتدين به الصحابة الكرام. وقد أثنى الله تعالى على صحابة نبيه -ﷺ- في عدد من المواضع من كتابه العزيز. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. قال ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣٦١): "وصفهم بكثرة العمل، وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله ﷿، والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب وهو الجنة المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الأول". وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. قال شيخ الإسلام في كتاب =
[ ١ / ٤٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النبوات (٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩): "فرضى عن السابقين مطلقا، ورضى عمن اتبعهم بإحسان، وذلك متناول لكل من اتبعهم إلى يوم القيامة". وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]. وغير ذلك من الآيات الدالة على عظيم منزلة أصحاب النبي -ﷺ-، ورفعة شأنهم، وعلو مكانتهم، لهذا كان حبهم إيمان وبغضهم نفاق. قال -ﷺ-: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار". أخرجه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤). وقال -ﷺ-: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". أخرجه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٦/ ٥٨٥): "خير الناس قرني: أي الذين أدركوني وآمنوا بي وهم أصحابي". وقال -ﷺ-: "النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". أخرجه مسلم (٢٥٣١). وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يأتي على الناس زمان =
[ ١ / ٤٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله -ﷺ-؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله -ﷺ-؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله -ﷺ-؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم". أخرجه مسلم (٢٥٣٢). والأحاديث في مدحهم والثناء عليهم كثيرة جدا، لذا أفردها بعض العلماء في مصنفات خاصة، كفضائل الصحابة للإمام أحمد، وفضائل الصحابة للنسائي صاحب السنن، وفضائل الصحابة للدارقطني، وفضائل الصحابة لخيثمة بن سليمان وغيرها، مع اشتمال هذه الكتب أيضا على آثار عن السلف في مدح الصحابة. أما أقوال السلف في مدح الصحابة فهي كثيرة جدًا. منها ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -﵁-: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد -ﷺ-، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه". أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٧٩)، والطيالسي في المسند (ح ٢٤٦)، وابن الأعرابب في "المعجم" (رقم ٨٦١)، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٢٢). وحسنه موقوفا الألباني في تخريجه لشرح الطحاوية (ص ٤٧٠). =
[ ١ / ٤٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعنه -﵁- قال: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله -ﷺ-، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقربها هديا، وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/ ١٣٣)، وابن قدامة في "تحريم النظر في كتب الكلام" (ص ٤٤). قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ في أصول السنة (ص ٢٥ - ٢٦): "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله -ﷺ- والاقتداء بهم". وقال الآجري في الشريعة (٤/ ١٦٩١ - ١٦٩٢): "فمن صفة من أراد الله ﷿ به خيرًا وسلم له دينه ونفعه الله الكريم بالعلم؛ المحبة لجميع الصحابة، ولأهل بيت رسول الله -ﷺ-، ولأزواج رسول الله -ﷺ- والاقتداء بهم، ولا يخرج بفعل ولا بقول عن مذاهبهم، ولا يرغب عن طريقهم". وقال الإمام الطحاوي في عقيدته (ص ٧٩): "ونحب أصحاب رسول الله -ﷺ- ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان". وقال العلائي في منيف الرتبة (ص ٣١ - ٣٢): "لا خير إلا وقد سبقوا إليه مَن بعدهم، ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم". =
[ ١ / ٤٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٤): "ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم، خيرا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله، كالتفسير وأصول الدين، وفروعه، والزهد، والعبادة، والأخلاق، والجهاد، وغير ذلك فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوما، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم". وقال ابن كثير في الباعث الحثيث (٢/ ٤٩٨): "والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله -ﷺ-، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل". وقال الذهبي في الكبائر (ص ٢٣٦): "وأما مناقب الصحابة وفضائلهم فأكثر من أن تذكر". وقال الإسفراييني في "التبصير في الدين" (ص ١٨٠): "والأخبار في فضل الصحابة ﵃ أكثر من أن يحتمله هذا المختصر".
[ ١ / ٤٨٥ ]
المبحث الثاني:
التحذير
من الطعن في الصحابة وسبِّهم
[ ١ / ٤٨٧ ]
المبحث الثاني: التحذير من الطعن في الصحابة وسبِّهم
٣١١ - حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو الأحوص قال: ثنا أبو عبد الرحمن (^١)، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران قال: قال ابن عباس: يا ميمون لا تسب السلف، وادخل الجنة بسلام (^٢).
٣١٢ - حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا مِندل (^٣)، عن حماد بن عبدالرحمن قال: ثنا محمد بن عبد الله الشعباني (^٤) قال: قال
_________________
(١) هو عبد الله بن المبارك.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٥). الإسناد فيه: جعفر بن بُرْقان الرقي: صدوق يهم في حديث الزهري، تقدم في الأثر (٢٩١). وأخرجه ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٣٥٦)، وأبو علي الحراني في تاريخ الرقة (ص ٥٨)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٢٣٥٥)، من طريق جعفر بن برقان عن ميمون به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٣٤٩) من طريق يحيى بن اليمان عن سوادة الجرمي عن ميمون بن مهران به. قال ابن أبي حاتم: "قال أبو زُرْعَةَ: هكذا قال عثمان بن زفر عن يحيى بن يمان عن جعفر بن برقان عن ميمون، وقال غيره عن سوادة عن ميمون بن مهران والصحيح عن سوادة".
(٣) في المطبوع: "منذر"، والتصحيح من المخطوط ل (١٩٩/ ب).
(٤) جاء عند المزي في تهذيب الكمال "الشعيثي" ولعل هذا هو الصواب، لأن الشعيثي هو الذي يروي عن مكحول.
[ ١ / ٤٨٩ ]
مكحول (^١): ثنتان من رأيى لم أذكرهما عن النبي -ﷺ-: لا تقولوا في علي وعثمان إلا خيرًا ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] (^٢).
٣١٣ - حدثنا سعيد قال: حدثنا شهاب بن خراش، عن عمه العوام ابن حوشب (^٣) قال: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة وهم يقولون: أذكروا محاسن أصحاب رسول الله تأتلف عليهم القلوب،
_________________
(١) مكحول الشامي، عالم أهل الشام، الحافظ، أبو عبد الله، ثقة، فقيه، كثير الإرسال، مشهور، مات سنة بضع عشرة ومائة. تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٧)، والتقريب (ص ٤٧٧).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٣). إسناده ضعيف؛ لضعف مِندل وهو: ابن علي العَنزي. التقريب (ص ٤٧٧)، وحماد بن عبد الرحمن الأنصاري، مقبول. التقريب (ص ١١٨). وأورده المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٢٨٠) عن مندل بن علي عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري عن محمد بن عبد الله الشعيثي عن مكحول به.
(٣) العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني، أبو عيسى الواسطي، ثقة، ثبت، فاضل، مات سنة (١٤٨). التقريب (ص ٣٦٩).
[ ١ / ٤٩٠ ]
ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم (^١).
٣١٤ - حدثنا أبو خالد [الحيائي] (^٢) قال: ثنا عثمان بن زفر، عن أبي خالد البصري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب قال: من شتم أصحاب النبي -ﷺ- سلط الله عليه في قبره حَيّتان واحدة من قِبل رأسه وأخرى من قِبل رجليه تقرصانه حتى ينتهيا إلى وسطه، ثم يعاد ويعادان إلى يوم القيامة (^٣).
٣١٥ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: ومن السنة الواضحة البينة
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٥). الإسناد فيه: شهاب بن خراش: صدوق يخطئ. التقريب (ص ٢١٠)، والبقية ثقات. وأخرجه الخلال في السنة (٨٢٨، ٨٢٩)، والآجري في الشريعة (١٩٨١) كلاهما من طريق حماد بن زيد عن شهاب بن خراش به.
(٢) هذا الاسم في المخطوط بدون نقط.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٦). الإسناد فيه ضعيفان؛ الأوَّل: علي بن زيد بن جدعان. التقريب (ص ٣٤٠)، والثاني: أبو خالد البصري، واسمه: أزهر بن سنان القرشي. التقريب (ص ٣٧)، وأبو خالد الحيائي: لم يتبين لي من هو. ولم أجد من أخرج هذا الأثر.
[ ١ / ٤٩١ ]
الثابتة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله -ﷺ- كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساويهم والذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله -ﷺ-، أو أحدًا منهم، أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم أو عاب أحدًا منهم بقليل أو كثير، أو دق أو جل مما يتطرق به إلى الوقيعة في أحد منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا قبل الله صرفه ولا عدله، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والإقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦١). التعليق: إن التعرض لجناب الصحابة رضوان الله عليهم بأي نوع من أنواع التنقص أو العيب يعتبر من الكبائر والموبقات التي يستحق فاعلها العقوبة الغليظة في الدنيا والآخرة، لأن الطعن فيهم، إنما هو طعن في شريعة الإسلام، لذلك حذر النبي -ﷺ- من سب الصحابة أو التعرض لهم. قال النبي -ﷺ-: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". أخرجه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١). وقال النبي -ﷺ-: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٤٢)، والخلال في السنة (٨٣٣)، والبغوي في الجعديات (٢٠٢٥)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٣٤٠). =
[ ١ / ٤٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكذلك شنع السلف الصالح -كما في هذه الآثار- على من انتقص أحدًا من الصحابة الكرام، ومن أقوالهم أيضًا: ما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عبادة أحدكم أربعين سنة". أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (ح ٢٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٠٦). وقال الإمام أحمد بن حنبل: "إذا رأيت رجلًا يذكر أحدا من أصحاب رسول الله -ﷺ- بسوء فاتهمه على الإسلام". أخرجه ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد بن حنبل" (ص ٢٠٩). وقال أبو زرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله -ﷺ-، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول -ﷺ-، عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن، أصحاب رسول الله -ﷺ-، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة". أخرجه الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" (١/ ١٨٨). قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢): "ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله -ﷺ-". وانظر كتاب "الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة" لابن حجر الهيثمي (ص ٢٠٨ - ٢١٢)، وكتاب "إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي -ﷺ-" للشوكاني (ص ٤٦ - ٦٥)، وكتاب "عقيدة أهل السنة والجماعة في =
[ ١ / ٤٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الصحابة الكرام "للدكتور ناصر بن علي الشيخ (٢/ ٨٢٩ - ٨٤٦). أما موقف أهل السنة والجماعة مما وقع بين الصحابة الكرام -﵁- من الاقتتال والفتنة، فهو: - عدم الخوض في ذلك، لقول النبي -ﷺ-: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٩٦). وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤). إلا لمن كان لديه علم وأراد بيان الحق والدفاع عن الصحابة وتكلم بعلم وعدل، فهذا له أن يتكلم بحسب الحاجة وما يقتضيه المقام. انظر منهاج السنة لابن تيمية (٦/ ٢٥٤). - سلامة القلوب لهم، لقول النبي -ﷺ-: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". أخرجه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١). - اعتقاد أنهم ما أرادوا إلا الحق، لقول النبي -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان، فيكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة ". أخرجه البخاري (٣٦٠٩)، ومسلم (١٥٧). قال ابن حجر في الفتح (١٢/ ٣٧٨): "والمراد بالفئتين: جماعة علي وجماعة معاوية: والمراد بالدعوة: الإسلام على الراجح، وقيل: المراد: اعتقاد كل منهما أنه على الحق". =
[ ١ / ٤٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وسئل عمر بن عبد العزيز عن ذلك فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني؛ مثل أصحاب رسول الله -ﷺ- مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها". انظر الإنصاف للباقلاني (ص ٦٩)، وطبقات ابن سعد (٥/ ٣٩٤). وذكر ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٢٩٦) عن عامر بن شراحيل الشعبي أنه قال: "هم أهل الجنة لقي بعضهم بعضا فلم يفر أحد من أحد". وقال أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢٩٤): "ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله -ﷺ-، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا لهم، ونقصا فيهم. وقال ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٣): "واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد؛ بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا، وأن المصيب يؤجر أجرين". وانظر الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٢٦٠).
[ ١ / ٤٩٥ ]
المبحث الثالث: ما جاء في التفضيل بين الصحابة
٣١٦ - قرأت على أبي عبد الله: منصور بن سلمة الخزاعي. قال حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنَّا في زمن النبي -ﷺ- لا نعدل بعد النبي -ﷺ- بأبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك، فلا نفاضل بينهم (^١).
٣١٧ - حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة قال: حدثني أبي، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله حي أفضل أمته: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٧٠ - رقم ١٩٣٧). وأخرجه البخاري في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان، ح ٣٦٩٧).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٠). رجاله ثقات رجال البخاري، وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد في الفضائل (ح ٥٦)، وأبو داود في السنن (كتاب السنة، باب في التفضيل، ٥/ ١٩٤ رقم ٤٦٠٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٣/ ٥٧٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١١٩٠).
[ ٢ / ٤٩٩ ]
٣١٨ - حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتحدث على عهد رسول الله -ﷺ- أن خير الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان (^١).
٣١٩ - قرأت على أبي عبد الله: أبو معاوية، قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: كنا نعد -ورسول الله -ﷺ- حيٌّ وأصحابه متوافرون- أبو بكر، وعمر، وعثمان، ثم نسكت (^٢).
٣٢٠ - حدثا أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبو معاوية قال: ثنا سهيل
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٠). وأخرجه بهذا اللفظ أحمد في الفضائل (ح ٥٧)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٣/ ٥٧٥)، وابن أيى عاصم في السنة (١١٩٣) بزيادة "فيبلغ ذلك النبي -ﷺ- فلا ينكره" وهي زيادة ثابتة كما بين ذلك الألباني في تخريجه لهذا الحديث. وأخرجه البخاري في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي -ﷺ-، ح ٣٦٥٥) من طريق يحيى بن سعيد به بلفظ: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي -ﷺ- فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃".
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٧٠ - مسألة رقم ١٩٣٨).
[ ٢ / ٥٠٠ ]
ابن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر قال كنا نعد ورسول الله -ﷺ- حي وأصحابه متوافرون أبو بكر وعمر وعثمان، ثم نسكت (^١).
٣٢١ - حدثنا يزيد بن عمرو بن البراء قال: حدثني عبد الله بن يزيد المقري قال: حدثني عمر بن عبيد القرني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كنا أصحاب رسول الله -ﷺ- متوافرون ونحن نقول: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ثم نسكت (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٠). وأخرجهما أحمد في المسند (٢/ ١٤)، وفي الفضائل (ح ٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٢٥٩٩)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٣/ ٥٧٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١١٩٥) وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٠). الإسناد فيه: عمر بن عبيد أبو حفص: ضعيف الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ١٢٣). وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٥٧٦) دون ذكر عثمان، والهيثمي في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (٩٥٩)، وابن الأعرابي في معجمه (١٢٥٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٤٧). وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١١٩٧) عن عبد الوهاب بن الضحاك عن =
[ ٢ / ٥٠١ ]
٣٢٢ - حدثنا عمرو بن عثمان قال: ثنا سلم بن عبد الرحمن قال: حدثني جعفر الواسطي قال: حدثنا عبد الله بن داود قال: حدثني سويد وابن عمرو بن حريث قال: سمعت عمرو بن حريث يقول: سمعت عليًا يقول: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان (^١).
_________________
(١) = إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح به. قال الألباني معلقًا على حديث قبله عن ابن عمر بنفس الإسناد: "حديث صحيح. ورجاله ثقات، غير عبد الوهاب بن الضحاك فهو متروك. لكن يشهد للحديث ما تقدم وما يأتي بعده بحديث. وقد اضطرب عبد الوهاب في إسناده، فمرة جعله من مسند أبي صالح عن ابن عمر، كما في هذه الرواية، ومرة جعله من مسند أبي صالح عن أبي هريرة كما في الرواية الآتية، والأولى أصح، بشهادة الطريق التي قبلها من رواية أبي معاوية، عن سهيل، عن أبيه، عن ابن عمر".
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٠). الإسناد فيه: سويد مولى عمرو بن حريث: مقبول. التقريب (ص ٥٤٦). وابن عمرو بن حريث: اسمه جعفر المخزومي: مقبول أيضا. التقريب (ص ٨٠). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٥٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٤١٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ١٥٦) من طرق عن عبد الله ابن داود عن سويد مولى عمرو بن حريث به. =
[ ٢ / ٥٠٢ ]
٣٢٣ - حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: حدثنا عبد الحميد بن عبد الرحمن قال: حدثني صالح بن موسى الطلحي قال: حدثني عاصم بن أبي النجود قال: قلت لزر بن حبيش (^١): من عَنا علي بالثالث (^٢): فقال زر: كان عليٌ خيرًا من ذلك وأقرأ لكتاب الله من ذلك، وأعلم من ذلك أن يقوم على منبر رسول الله، ويعني نفسه، ولكن عنا بالثالث عثمان (^٣).
_________________
(١) = قلت: هذه الرواية -وإن كان في بعض رواتها كلام- فيها تصريح من علي -﵁- بأن عثمان -﵁- أفضل منه، وهذا هو الموافق لروايات ابن عمر الصحيحة في التفضيل.
(٢) زِرّ بن حُبَيْش بن حُباشة الأسدي الكوفي، الإمام، القدوة، أبو مريم، ثقة، جليل، مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وسبع وعشرين. تذكرة الحفاظ (١/ ٥٧)، والتقريب (ص ١٥٥).
(٣) يشير إلى ما رواه أحمد في المسند (١/ ١٠٦) عن أبي جحيفة قال: قال علي -﵁-: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر ﵁، ولو شئت أخبرتكم بالثالث لفعلت".
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٠). الإسناد ضعيف؛ فيه: صالح بن موسى الطلحي، قال فيه ابن حجر: متروك. التقريب (ص ٢١٥). وعبد الحميد بن عبد الرحمن: صدوق يخطئ، رمي بالإرجاء. التقريب (ص ٢٧٦). =
[ ٢ / ٥٠٣ ]
٣٢٤ - وسألت أبا ثور قلت: كيف تقول في أصحاب النبي ﵇؟ قال: خير هذه الأمة بعد النبي أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم الخمسة، وهم:
علي وطلحة (^١) والزبير (^٢) وسعيد (^٣) وعبد الرحمن (^٤)، رحم الله
_________________
(١) = وجاء هذا الأثر عن عاصم بن أبي النجود عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ١٥٤ - ١٥٥).
(٢) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة المبشرين، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، مشهور استشهد يوم الجمل سنة (٣٦) وهو ابن ثلاث وستين. الإصابة (٣/ ٥٢٩)، والتقريب (ص ٢٢٥).
(٣) الزبير بن العوام بن خويلد، أبو عبد الله القرشي الأسدي، حواري رسول الله -ﷺ-، وابن عمته، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قتل سنة (٣٦) بعد منصرفه من وقعة الجمل. الإصابة (٢/ ٥٥٣)، والتقريب (ص ١٥٤).
(٤) تقدمت ترجمته في الأثر (٣٠٤).
(٥) عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذي أخبر عمر عن رسول الله -ﷺ- أنه توفي وهو عنهم راض، أسلم قديما، ومناقبه شهيرة، مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل غير ذلك. الإصابة (٤/ ٣٤٦)، والتقريب (ص ٢٨٩).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
أبا عبد الرحمن يعني معاوية (^١) (^٢).
٣٢٥ - وسمعت هدبة بن خالد (^٣) يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي (^٤).
٣٢٦ - وسمعت أبا الربيع الزهراني يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت (^٥).
_________________
(١) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، أبو عبد الرحمن، الخليفة، أمير المؤمنين، صحابي، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين. الإصابة (٦/ ١٥١)، والتقريب (ص ٤٧٠).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٩). ولم أجد من أخرج قول أبي ثور هذا.
(٣) هُدْبَة بن خالد بن الأسود القيسي، أبو خالد البصري، ويقال له: هَدَّاب بالتثقيل، ثقة، عابد، تفرد النسائي بتليينه، مات سنة بضع وثلاثين ومائتين. التقريب (ص ٥٠١).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٩). ولم أجد من أخرج قول هدبة.
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٩). ولم أجد من أخرج قول أبي الربيع.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
٣٢٧ - وسألت علي بن عبد الله فقال: أبو بكر وعمر وعثمان (^١).
٣٢٨ - حدثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن بشر بن المفضل (^٢):
عثمان أفضل من علي (^٣).
٣٢٩ - قلت لعبيد الله بن معاذ: ما كان مذهب أبيك في هذا؟ قال: كان مذهب أبي أن عثمان أفضل من علي يقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (^٤).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٩). ولم أجد من أخرجه.
(٢) بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي، أبو إسماعيل البصري، الإمام، ثقة، ثبت، عابد مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة. تذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٩)، والتقريب (ص ٦٣).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٩). رجاله ثقات وإسناده صحيح. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٥٥١).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٩). ولم أجد من أخرجه.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
٣٣٠ - حدثنا أبو حفص (^١) قال: ثنا عباس بن طالب قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب قال: قدمت المدينة والناس بها متوافرون: القاسم بن محمد (^٢)، وسليمان بن يسار (^٣)، وغيرهم، فما اختلف على أحد منهم في تقدمه أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، قال حماد بن زيد: وذاك رأي أيوب، وهو رأينا (^٤).
_________________
(١) عبيد الله بن يوسف الجبيري، صدوق. التقريب (ص ٣١٦).
(٢) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، الإمام، القدوة، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، مات سنة (١٠٦) على الصحيح. تذكرة الحفاظ (١/ ٩٦)، والتقريب (ص ٣٨٧).
(٣) سليمان بن يسار الهلالي المدني، الفقيه، العَلم، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة، فاضل، أحد الفقهاء السبعة، مات بعد (١٠٠) وقيل قبلها. تذكرة الحفاظ (١/ ٩١)، والتقريب (ص ١٩٥).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٢). الإسناد فيه: عباس بن طالب: قال فيه أبو حاتم الرازي: روى حديثا عن يزيد بن زريع، فأنكره يحيى بن معين ووهى أمره قليلا. وقال أبو زرعة: بصري وقع إلى مصر، ليس بذاك. الجرح والتعديل (٦/ ٢١٦)، وانظر لسان الميزان لابن حجر (٣/ ٢٤٠). وأخرجه الخلال في السنة (٥٩٠) من طريق العباس بن طالب به.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
٣٣١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر بن سليمان قال: كان أبي (^١) يقول: خير الأمة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان (^٢).
٣٣٢ - وسمعت عبد الله بن سوار العنبري (^٣) قال: السنة عندنا وما أدركنا عليه حمادًا، وحماد والناس الذين يقتدى بهم تقديم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، والحب لأصحاب رسول الله -ﷺ- جميعا، والكف عن ذكر مساوئهم، وعظيم الرجاء لهم بصحبة رسول الله -ﷺ-، والإيمان قول وعمل (^٤).
_________________
(١) سليمان بن طرخان التيمي، الحافظ، الإمام، شيخ الإسلام، أبو المعتمر البصري، نزل في التَّيم فنسب إليهم، ثقة، عابد، مات سنة (١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين. تذكرة الحفاظ (١/ ١٥٠)، والتقريب (ص ١٩٢).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٠). رجال إسناده ثقات، وإسناده صحيح.
(٣) عبد الله بن سوَّار بن عبد الله بن قدامة العنبري، أبو السوار البصري، القاضي، ثقة. التقريب (ص ٢٤٩). قلت: وقد روى عن الحمادين. انظر التهذيب (٢/ ٣٥٠).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٢). وأورده المزي في تهذيب الكمال (١٥/ ٧١) عن حرب بن إسماعيل عن عبد الله ابن سوار به.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
٣٣٣ - قال أحمد بن سعيد: وكان الفقهاء مختلفين منهم من يقول: أبو بكر وعمر ويقف، منهم الشعبي (^١)، وإبراهيم والكوفيون، وسعيد ابن جبير (^٢)، وأبو البختري (^٣)، وغيرهم، وعبيد بن عمير (^٤)، وقوم من أهل البصرة وقفوا، وكان قوم يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكان قوم يقال لهم الشيعة وليسوا مخارجين ولا منسوبين إلى البدعة (^٥)
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الأثر (٢٨٩).
(٢) تقدمت ترجمته في الأثر (٢٨٨).
(٣) سعيد بن فيروز، أبو البَختَري بن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي، ثقة، ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال، مات سنة (١٨٣). التقريب (ص ١٨٠).
(٤) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، كان عالما، واعظا، كبير القدر، ولد على عهد النبي -ﷺ- قاله مسلم، وعده غيره في كبار التابعين، مجمع على ثقته مات قبل ابن عمر. تذكرة الحفاظ (١/ ٥٠)، والتقريب (ص ٣١٨).
(٥) وهم الشيعة المفضلة: وهم من أهل السنة، حيث كانوا يفضلون عليا على عثمان. قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (١/ ١٣): "ولهذا كانت الشيعة المتقدمون الذين صحبوا عليا أو كانوا في ذلك الزمان لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان، وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر، حتى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي، قال: سأل سائل شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو =
[ ٢ / ٥٠٩ ]
يقولون: أبو بكر وعمر وعلي، وكان قوم يقال لهم عثمانية يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون منهم سعيد بن أبي عروبة (^١)، وحماد ابن زيد، وهشام ابن أبي عبد الله (^٢)، وغيرهم، وكان قوم من أهل البصرة يقفون في علي وعثمان، منهم يحيى بن سعيد (^٣)، وسليمان التيمي (^٤)،
_________________
(١) = بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم إنما الشيعي من قال مثل هذا".
(٢) سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، الإمام، الحافظ، ثقة، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، مات سنة ست وقيل سبع وخمسين ومائة. تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٧)، والتقريب (ص ١٧٩).
(٣) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر البصري الدَسْتَوائي، الحافظ، الحجة، ثقة، ثبت، وقد رمي بالقدر، مات سنة (١٥٤) وله ثمان وسبعون سنة. تذكرة الحفاظ (١/ ١٦٤)، والتقريب (ص ٥٠٣).
(٤) تقدمت ترجمته في الأثر (٢٠٨). وقد ترك يحيى قوله، وقال: "أبو بكر وعمر وعثمان". انظر السير (١٠/ ٤٩٨).
(٥) تقدمت ترجمته في الأثر (٣٣١).
[ ٢ / ٥١٠ ]
ومعتمر بن سليمان (^١)، وخالد بن الحارث (^٢). (^٣)
٣٣٤ - حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا الطنافسي (^٤) قال: ثنا أبي (^٥) قال: أدركت الناس وإنما يختلفون في علي وعثمان، فأما أبو بكر وعمر فليس فيهم اختلاف (^٦).
٣٣٥ - قال أبي: أهل الكوفة كلهم يفضلون عليا على عثمان، إلا
_________________
(١) معتمر بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، يلقب الطفيل، ثقة، مات سنة (١٨٧)، وقد جاوز الثمانين. التقريب (ص ٤٧١).
(٢) خالد بن الحارث بن عبيد بن سليم الهجيمي، أبو عثمان البصري، الحافظ، الحجة، الثقة، الثبت، مات سنة (١٨٦)، ومولده سنة عشرين. تذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٩)، والتقريب (ص ١٢٧).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤١). ولم أجد من أخرجه.
(٤) محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، ثقة. التقريب (ص ٤٢٩).
(٥) عبيد بن أبى أمية الطنافسي، صدوق. التقريب (ص ٣١٦).
(٦) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤١). إسناده صحيح. وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٨٥)، وأخرج أحمد في العلل (٣/ ٤٨٠) نحوه عن يحيى بن سعيد.
[ ٢ / ٥١١ ]
رجلين طلحة بن مصرف (^١) وعبد الله بن إدريس (^٢) (^٣).
٣٣٦ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وخير هذه الأمة بعد النبي -ﷺ- أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان وقال قوم: من أهل العلم وأهل السنة: وخيرهم بعد عثمان علي. ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب محمد -ﷺ- بعد هؤلاء الأربعة خير الناس. لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب، ولا بنقص ولا وقيعة، فمن فعل ذلك فالواجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفوا بل يعاقبه ثم يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة ثم خلده الحبس حتى يتوب ويراجع فهذا السنة في أصحاب
_________________
(١) طلحة بن مصرف بن عمرو اليامي الكوفي، ثقة، قارئ، فاضل، مات سنة (١١٢) أو بعدها. التقريب (ص ٢٢٥). وممن ذكر أيضا أنه كان عثمانيا العجلي، كما في التهذيب (٢/ ٢٤٣).
(٢) تقدمت ترجمته في (٩٨). وكذلك نص العجلي على أنه كان عثمانيا، انظر التهذيب (٢/ ٣٠٢).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٣٠٣ - رقم ٩٢١).
[ ٢ / ٥١٢ ]
محمد -ﷺ- (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦١). التعليق: الحق الذي لا مرية فيه، وهو قول أهل السنة والجماعة: أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها -ﷺ- أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي ابن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين. ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم بقية المهاجرين والأنصار. انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٣١٢)، وأصول الدين لأبي منصور البغدادي (ص ٣٠٤)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ٤٤). قال الشعبي: "أدركت خمس مائة من أصحاب النبي -ﷺ- كلهم يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي". أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٣٤٨)، وأبو بكر ابن المقرئ في معجمه (٣٢٤). وقال الإمام الشافعي ﵀: "أفضل الناس بعد رسول الله -ﷺ- أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃". أخرجه البيهقي في كتابه "مناقب الشافعي" (١/ ٤٣٣). وقال عبد الله بن مبارك: "نأخذ بإجماع أصحاب النبي -ﷺ- وندع ما سواه، وقد اجتمعوا على أن عثمان خيرهم، فعثمان خير هذه الأمة بعد أبي بكر وعمر وبعدهم علي، ثم خير هذه الأمة بعد هؤلاء الأربعة أصحاب الشورى ثم أهل بدر ثم الأول فالأول من سائر أصحاب النبي -ﷺ- فاعرفهم حق سابقهم". أخرجه محمد =
[ ٢ / ٥١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن أبي زمنين في أصول السنة (١٩٧). وقال أبو نعيم الأصبهاني في كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص ٢٠٦): "ومنهم من يقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين وذلك قول أهل الجماعة والأثر من رواة الحديث وجمهور الأمة". وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀-: "وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة أهل بدر، ثم أهل الشجرة -أهل بيعة الرضوان- ثم سائر الصحابة ﵃". مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الخامس، الرسائل الشخصية رسالة رقم (١) ص ١٠. أما ما وقع من خلاف في المفاضلة بين عثمان وعلي ﵄، فهو خلاف يسير، وقد تبين لنا: أن جمهور السلف على تقديم عثمان على علي، كما جاء في أثر ابن عمر في المفاضلة وغيره من الآثار الدالة على تفضيل عثمان على علي ﵄. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣): "ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبب طالب -﵁-، وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄، بعد =
[ ٢ / ٥١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله -ﷺ- أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله". وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١١١٧ - ١١١٨): "وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي ﵃". وقال ابن الصلاح في المقدمة (ص ١٧١): "وتقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث وأهل السنة". وقال ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٣٠٦): "وأن يعتقد فضل الصحابة وترتيبهم وأن أفضل الناس بعد رسول الله -ﷺ- أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم، كما أثنى الله تعالى ورسوله ﵈ وعليهم أجمعين، فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار فمن اعتقد جميع ذلك موقنا به كان من أهل الحق وعصابة السنة وفارق رهط الضلال والبدعة". =
[ ٢ / ٥١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٣): "الإجماع انعقد بآخرة بين أهل السنة: أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة ﵃ أجمعين". وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢١ - ٤٢٦)، وكتاب الإمامة لأبي نعيم الأصبهاني (ص ٣٠٠ - ٣٠١).
[ ٢ / ٥١٦ ]
الفصل الثاني:
الآثار الواردة عن السلف في الخلافة والإمامة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ذكر الخلفاء الراشدين الأربعة.
المبحث الثاني: ما جاء في لزوم طاعة الإمام، وعدم الخروج عليه.
المبحث الثالث: وجوب الصلاة خلف الأئمة وإن جاروا.
[ ٢ / ٥١٧ ]
المبحث الأول:
ذكر الخلفاء الراشدين الأربعة
[ ٢ / ٥١٩ ]
المبحث الأول: ذكر الخلفاء الراشدين الأربعة
٣٣٧ - حدثنا قال: سمعت أبي يقول: السنة في التفضيل الذي نذهب إليه ما روي عن ابن عمر يقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (^١)، وأما الخلافة فنذهب إلى حديث سفينة. يقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلفاء. نستعمل الحديثين جميعا (^٢).
_________________
(١) انظر تخريجه في رقم (٣١٧ - ٣٢١).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٣/ ١٣١٩ - رقم ١٨٣٣). حديث سفينة أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٢٠)، وفي فضائل الصحابة (ح ٧٨٩)، وأبو داود في السنن (كتاب السنة، باب في الخلفاء ٥/ ٢٠٣ رقم ٤٦١٤)، والترمذي في السنن (كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة ٤/ ٨٢ رقم ٢٢٢٦) كلهم من طريق سعيد بن جُمْهان عن سفينة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك". قال سفينة: أمسك خلافة أبى بكر -﵁- سنتين، وخلافة عمر -﵁- عشر سنين، وخلافة عثمان -﵁- أثنتى عشرة سنة، وخلافة علي -﵁- ست سنين ﵃. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قد رواه غير واحد عن سعيد بن جُمهان ولا نعرفه إلا من حديثه. وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٣١٤): قال أحمد بن حنبل: "حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء". وصححه أيضا الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٥٩).
[ ٢ / ٥٢١ ]
٣٣٨ - قلت إلى أي شيء تذهب في التفضيل؟ قال إلى حديث ابن عمر. قلت وتذهب إلى حديث سفينة؟ قال: نعم، نستعمل الخبرين جميعا، حديث سفينة: "الخلافة ئلاثون سنة"، فملك أبو بكر سنتين وشيئا، وعمر عشرا، وعثمان اثني عشر، وعلي ستا (^١).
٣٣٩ - حدثنا أحمد بن سعيد قال: سمعت النضر بن شميل يقول: من قال في بيعة عثمان فقد أزرى على عشرة آلاف من أصحاب رسول الله ﵇ اجتمعوا فقدموا عثمان (^٢).
٣٤٠ - قرأت على أبي عبد الله، يحيى، ووكيع، ومسعر، قال وكيع: عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة -قال وكيع-: سمعت ابن مسعود يقول: لما استخلف عثمان، قال عبد الله: أمَّرْنا خير من بقي،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (١/ ٤٢٤ - رقم ٤١٠). انظر تخريج الأثر الذي قبله.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤١). إسناده صحيح، ولم أجد من أخرجه. وجاء بنحوه عن أيوب السختياني حيث قال: "من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار". ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص ٤٩٦).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
ولم نألُ (^١).
٣٤١ - حدئنا نصير بن الفرج قال: حدثنا أبو داود الجعفري قال: حدثنا مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول حين استخلف عثمان: أمَّرنا خير من بقي ولم نألوا (^٢).
٣٤٢ - قرأت على أبي عبد الله: أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن عبد الله بن سنان (^٣)، قال: قال عبد الله، حين استخلف عثمان: ما ألوْنا
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٧٠ - رقم ١٩٣٩). إسناده صحيح. وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (ح ٧٤٧)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٦٣)، والخلال في السنة (٥٤٢)، والآجري في الشريعة (١٢١٢)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٢٥٥٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٧٠)، وأبو بكر بن المقرئ في معجمه (٣٤٢)، وأبو نعيم في الإمامة (ح ١١١) وقال محققه: لم نأل: أي لم نقصر في اختيار الأفضل.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤١). انظر تخريج الأثر الذي قبله.
(٣) عبد الله بن سنان أبو سنان الأسدي، يروي عن ابن مسعود وعنه الأعمش، وثقه =
[ ٢ / ٥٢٣ ]
عن أعلاها، ذا فُوق (^١) (^٢).
٣٤٣ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا يقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة (^٣).
_________________
(١) = ابن معين. انظر الجرح والتعديل (٥/ ٦٨)، والثقات لابن حبان (٥/ ١١).
(٢) أي: وَليْنا أعلانا سَهْما. ذا فُوق: أراد خَيْرنا وأكْمَلنا تاما في الإسلام والسابقة والفَضْل. النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٨١).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٧٠ - رقم ١٩٤١). رجاله ثقات وإسناده صحيح. وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (ح ٧٣١)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٦٣)، والخلال في السنة (٥٤٣، ٥٤٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٦١)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٦٩)، وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (٣٢٦٩٥).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٧). التعليق: يعتقد أهل السنة والجماعة أن ترتيب الخلفاء الراشدين الأربعة في الفضل هو كترتيبهم في الخلافة، فالخليفة بعد النبي -ﷺ-، أبو بكر الصديق -﵁-، فهو أحق بها وأولى بها من غيره، ثم يليه في الأحقية، عمر بن الخطاب -﵁-، ثم عثمان بن =
[ ٢ / ٥٢٤ ]
_________________
(١) = عفان -﵁-، ثم علي بن أبي طالب -﵁-. قال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة (ص ٧٩): "ونثبت الخلافة بعد رسول الله -ﷺ-، أولا لأبي بكر الصديق -﵁-، تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب -﵁-، ثم لعثمان -﵁-، ثم لعلي بن أبي طالب -﵁-، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهتدون". وحديث سفينة -﵁- الذي مر معنا من أصرح الأدلة على إثبات خلافتهم. يقول الإمام أبو عثمان الصابوني ضمن تقريره عقيدة السلف (ص ٢٨٩): "ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله -ﷺ- أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون، الذين ذكر رسول الله -ﷺ- خلافتهم بقوله -فيما رواه سعيد بن جُمهان، عن سفينة- "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض، على ما أخبر عنه الرسول -ﷺ-". وجاء عن الإمام الشافعي أنه قال: "أقول في الخلافة والتفضيل: بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃". أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٣١٨)، والبيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٣٢). وقال ابن أبي زيد القيرواني: "وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين". قطف الجنى الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني لفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد (ص ١٥٣). - وأما قول حرب: "والخلافة في قريش " فهذا الشرط يجب عند الاختيار =
[ ٢ / ٥٢٥ ]
_________________
(١) = من أهل الحل والعقد، أما الإمام المتغلب الذي غلب على الحكم بالقوة فلا يشترط فيه القرشية؛ بدليل قول النبي -ﷺ-: "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" رواه البخاري (٧٦٢٣).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
المبحث الثاني:
ما جاء في لزوم طاعة الإمام
وعدم الخروج عليه
[ ٢ / ٥٢٧ ]
المطلب الأول: النصيحة للأمراء
٣٤٤ - حدثنا أبو عمر الحَوْضي (^١)، عن عبيدة بن أبي رائطة (^٢) قال: أخبرني معاوية بن إسحاق قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يا أبا عباس آمر أميري بتقوى الله؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، فإن كنت لا بد فاعلا فبينك وبينه (^٣).
_________________
(١) حفص بن عمر الحَوْضي، ثقة، ثبت. التقريب (ص ١١٢).
(٢) جاء في المطبوع "عبيدة بن الحدايطة" وهو خطأ، والتصحيح من المخطوط ل (١٦٣/ أ).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٣٩). الإسناد فيه انقطاع؛ معاوية بن إسحاق لم يدرك ابن عباس، لأنه من الطبقة السادسة الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. انظر التقريب (ص ٤٦٩). وقد جاء ذكر الواسطة عند من أخرج هذا الأثر، وهو سعيد بن جبير، فيرتقي الأثر بمجموعه إلى درجة الحسن، والله أعلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٨٤٦٢)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٩٦)، وابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص ١١٣) من طرق عن معاوية بن إسحاق عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس الأثر. التعليق: الإمامة هي: "موضوعة لخلافَة النبوة في حراسة الدينِ وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بِالإجماع". الأحكام السلطانية للماوردي =
[ ٢ / ٥٢٩ ]
_________________
(١) = (١/ ٦٠)، وانظر في تعريفها أيضا: المقدمة لابن خلدون (ص ١٩٠)، وغياث الأمم لأبي المعالي الجويني (ص ٥٥)، وكتاب "المواقف" للإيجي (٣/ ٥٧٤). وإذا نصب الإمام وتمت له البيعة، فإن له حقوقا على رعيته، ومن تلك الحقوق: أن يبذلوا له النصح بالطرق التي بينها لنا الشرع الحكيم. وقد دل الكتاب والسنة على مشروعية النصح لمن ولاه الله أمر المسلمين: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. قال فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- في كتابه قطف الجنى الداني (ص ١٧٠): "حقُّ وُلاة الأمر على الرعية النصحُ لهم بالسمع والطاعة لهم في المعروف، والدعاء لهم، وترك الخروج عليهم ولو كانوا جائرين". وانظر الروضة الندية لصديق حسن خان (٣/ ٥١٠). وأما من السنة فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٥٥) عن تميم الداري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وعن عبد الله بن مسعود -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم". أخرجه الترمذي في السنن (٤/ ٣٩٥ رقم ٢٦٥٨) وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (٢٦٥٨). =
[ ٢ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٢٧): "وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم". وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ١٥٣): "وأما النصيحة لأئمة المسلمين، فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله ﷿، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله". وقال أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "فضيلة العادلين من الولاة" (١٣٩): "من نصح الولاة والأمراء اهتدى، ومن غشهم غوى واعتدى". أما طريقة نصح الوالي أو الإمام فهي ليست اجتهادية كل بحسب ما يرى، وإنما هي توقيفية جاء النص الصريح من النبي -ﷺ- ببيان كيفيتها. فعن عياض بن غنم -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية ولكن ليأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه له". رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٠٣)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٢٩) وصححه، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٩٦) وصححه الألباني في ظلال الجنة. فهذه هي الطريقة النبوية في نصح الإمام: أن تكون سرا بينهما، وألا تكون على رؤوس الأشهاد، وأن تكون برفق ولين وحرص على مصلحة المنصوح. =
[ ٢ / ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد ترجم الصحابة الكرام أمر النبي -ﷺ- عمليا، فهذا أسامة بن زيد -﵁- يقال له ألا تدخل على عثمان -﵁- فتكلمه؟ فقال: "أترَوْن أني لا أكلمه إلا أُسْمِعُكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه. ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه". أخرجه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩). قال ابن حجر معلقا على فعل أسامة بن زيد -﵁-: "أي: كلمته فيما أشرتم إليه، لكن على سبيل المصلحة والأدب في السر، بغير أن يكون في كلامي ما يثير فتنة أو نحوها". فتح الباري (١٣/ ٦٥). وقال أحمد بن النحاس في كتابه "تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين" (ص ٦٤): "يختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد". وقال الإمام الشوكاني في كتابه "السيل الجرار" (٤/ ٥٥٦): "ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده، ويخلو به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله". وللمزيد في عرض منهج السلف في كيفية نصح الإمام فإني أحيل القارئ الكريم إلى كتاب "معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة" للشيخ الدكتور عبد السلام بن برجس العبد الكريم -﵀- (ص ١٠٣ - ١٣٢).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
المطلب الثاني: النهي عن عيب الأمراء والخروج عليهم
٣٤٥ - قرأت على أبي عبد الله: أبو المغيرة قال: حدثنا صفوان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان القوم يختلفون إليَّ في عَيب عثمان، ولا أرى إلا أنها معاتبة، فأما دمه فأعوذ بالله من دمه، والله لوددت أني عشت في الدنيا برصاء (^١) سالخ (^٢) وأني لم أذكر عثمان قط. فذكرتْ كلاما فضلت عثمان على عليّ (^٣).
٣٤٦ - قرأت على أبي عبد الله: بشر بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: جاءني رجل من الأنصار في خلافة عثمان فكلمني، فإذا هو يأمرني في
_________________
(١) من البَرَص: داءٌ معروف وهو بياض يقع في الجسد. لسان العرب (٧/ ٥).
(٢) السالخ: وهو جَرَبٌ يكون بالجمل. لسان العرب (٣/ ٢٥).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٧١ - رقم ١٩٤٢). رجال إسناده كلهم أئمة ثقات، وإسناده صحيح. وأبو المغيرة اسمه: عبد القدوس بن الحجاج الخولاني. التقريب (ص ٣٠١). وأخرجه الخلال في السنة (٥٤٥) بسنده ومتنه، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٤٨٨) وزادا: "وأيم الله لأصبع عثمان التي يشير بها إلى الأرض خير من طلاع الأرض من مثل علي".
[ ٢ / ٥٣٣ ]
كلامه، بأن أعيب على عثمان، فتكلم كلامًا طويلًا -وهو امرؤ في لسانه ثقل- فلم يكد يفضي كلامه في سريح (^١)، فلما قضى كلامه قلت: إنا كنا نقول ورسول الله -ﷺ- حيٌّ: أفضل أمة رسول الله -ﷺ- بعده: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. وإنا والله ما نعلم عثمان قتل نفسا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئا، ولكن هو هذا المال فإن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطاه أولي قرابته سخطتم، إنما يريدون أن تكونوا كفارس والروم، لا يتركون أميرا إلا قتلوه. قال: ففاضت عيناه بأربع من الدمع. ثم قال: اللهم لا نريد ذلك (^٢).
٣٤٧ - حدئنا أحمد بن سعيد قال: سمعت غياث بن واقد يقول: قال سفيان (^٣): أرج ما لم تعلم إلى الله، ولا تكن مرجئًا، وأحب صالحي
_________________
(١) أي: بسهولة كما فسرها إبراهيم الحربي. انظر السنة للخلال (٥٥٣)، وانظر معناها أيضًا لسان العرب (٢/ ٤٧٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٧١ - رقم ١٩٤٣). رجال إسناده كلهم أئمة ثقات، وإسناده صحيح. وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (ح ٦٤)، والخلال في السنة (٥٤٥) بسنده ومتنه، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٤٠).
(٣) هو الثوري. انظر: "الآثار الواردة عن الإمام سفيان الثوري في العقيدة" ص ٣٦١.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
عبد المطلب، ولا تكن سبئيا (^١) وأحبه وإن كان عبدًا حبشيًا ولا تكن خارجيًا (^٢).
٣٤٨ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والانقياد لمن ولاه الله أمرك لا تنزع يدك من طاعة، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، وأن لا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، لا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخارق مفارق للجماعة. وإن أمرك السلطان بأمر هو لله معصية فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه أو تمنعه حقه (^٣).
_________________
(١) نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أحدث الرفض. انظر الملل والنحل (١/ ١٧٢)، وسيأتي ذكرهم في (ص ٦٢١).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٥). الإسناد فيه: غياث بن واقد، لم أقف له على ترجمة. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٣) عن غياث بن واقد به نحوه.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٧). التعليق: ومن حقوق الإمام على رعيته ألا يذكروه بعيب، ولا ينشروا مثالبه أمام الناس، لأن هذا يؤدي إلى تهييج العامة عليه، فضلا عن مخالفة أمر =
[ ٢ / ٥٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رسول الله -ﷺ- الذي حث على الصبر على ولاة الأمور. فعن ابن عباس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية". رواه البخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩). فعيب الأمراء وسبهم هو في حقيقة الأمر غش لهم، وإهانة بهم. قال رسول الله -ﷺ-: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله". رواه الترمذي في السنن (٤/ ٨١ رقم ٢٢٢٤) وقال: حديث حسن غريب. وانظر السلسلة الصحيحة (٢٢٩٧). وجاء عن أنس بن مالك -﵁- أنه قال: "لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا؛ فإن الأمر قريب". رواه ابن أبي عاصم في السنة (١٠١٥) وقال الألباني: إسناده جيد. قال أبو بكر الطرطوشي في كتابه "سراج الملوك" (١/ ٢٤٤): "من إجلال الله تعالى إجلال السلطان عادلًا كان أو جائرًا". وعن معاذ بن جبل -﵁- قال: "الأمير من أمر الله ﷿؛ فمن طعن في الأمير؛ فإنما يطعن في أمر الله ﷿". أخرجه أبو عمرو الداني في كتابه "السنن الواردة في الفتن" (٢/ ٤٠٣). وعن أبي مجلز أنه قال: "سب الإمام الحالقة، لا أقول: حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين". أخرجه ابن زنجويه في كتاب "الأموال" (١/ ٧٨). = =
[ ٢ / ٥٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن جماعة -﵀- في كتابه "تحرير الأحكام في تدبير الإسلام" (ص ٦٤) في معرض بيان حقوق ولاة الأمر: "رد القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه؛ لما في ذلك من مصالح الأمة، وانتظام أمور الملة. والذب عنه بالقول والفعل، وبالمال والنفس والأهل في الظاهر والباطن، والسر والعلانية". ومن حقوق الإمام على رعيته كذلك عدم الخروج عليهم وإن صدر منهم ظلمٌ أو قتل بغير حق أو غير ذلك، لأن الخروج عليهم يؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض وعدم الأمن إلى غير ذلك من المفاسد المترتبة على الخروج، لذا نهى النبي المصطفى -ﷺ- عن الخروج على الأمراء وإن جاروا. فعن عوف بن مالك -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم". قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة". رواه مسلم (١٨٥٥). وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله -ﷺ- قال: "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا". رواه مسلم (١٨٥٤). قال الإمام أحمد: "ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله -ﷺ-، فإن مات الخارج عليه مات ميتة =
[ ٢ / ٥٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = جاهلية. ولا يحلّ قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق". أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١/ ١٨١). وقال النووي في شرح مسلم (١٢/ ٤٣٢): "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضا، فغلط من قائله مخالف للإجماع. قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه". وقال الإمام الطحاوي في عقيدته (ص ٦٩): "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٦١): "والأئمة لا يُقاتَلون بمجرد الفسق؛ وإن كان الواحد المقدور قد يُقتل لبعض أنواع الفسق: كالزنا وغيره. فليس كلما جاز فيه القتل جاز أن يقاتل الأئمة لفعلهم إياه؛ إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة يرتكبها ولي الأمر".
[ ٢ / ٥٣٨ ]
المطلب الثالث: الغزو مع الأمراء وإن جاروا
٣٤٩ - حدثنا المسيب قال: ثنا أبو إسحاق (^١) عن الربيع بن صَبِيح، عن قيس بن سعد قال: قيل لابن عمر: ما ترى في الغزو، فإن الأمراء قد أحدثوا ما رأيت؟ قال: أغز معهم، وليس عليك من إحداثهم شيء (^٢).
٣٥٠ - حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن هشام قال: أخبرنا مغيرة (^٣)، عن إبراهيم قال: سئل عن الغزو مع بني
_________________
(١) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. انظر تهذيب الكمال (٩/ ٩٠).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٢). الإسناد فيه انقطاع؛ قيس بن سعد المكي لم يدرك ابن عمر، إلا أنه جاء التصريح بالواسطة عند بن أبي شيبة في المصنف -كما سيأتي-. والربيع بن صَبيح: صدوق سيء الحفظ. التقريب (ص ١٤٦). والمسيب بن واضح: صدوق يخطئ كثيرا تقدم. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٠٦٣) من طريق قيس بن سعد عن مجاهد قال: سألت ابن عمر عن الغزو مع أئمة الجور وقد أحدثوا؟ فقال: اُغزوا.
(٣) ابن مِقسم الضبي. تهذيب التهذيب (٤/ ١٣٨).
[ ٢ / ٥٣٩ ]
مروان، وذكر ما يصنعون قال: إن عرض به إلا الشيطان ليثبطهم عن جهاد عدوهم (^١).
٣٥١ - حدثنا المسيب بن واضح قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأعمش قال: كان عبد الرحمن بن يزيد (^٢)، وأبو جحيفة (^٣)،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٢). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢/ ١٤٤ رقم ٢٣٧١) عن هشيم عن مغيرة من قوله. قلت: إسناد حرب فيه أن سعيد بن منصور يروي عن جعفر بن برقان. إلا أنني لم أجد من ذكر أن جعفر بن برقان من شيوخ سعيد بن منصور. أما هشام الذي يروي عنه جعفر بن برقان فلم يتبين لي من هو. ولعله مصحف عن "هشيم". ولعل إسناد سعيد بن منصور الذي في سننه هو الصواب، ويكون إسناد حرب قد وقع فيه تصحيف وخطأ، والله أعلم. وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٠٦٢) عن وكيع عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم به نحوه.
(٢) عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، ثقة، مات سنة (٨٣). التقريب (ص ٢٩٤).
(٣) وهب بن عبد الله السُوائي، ويقال اسم أبيه وهب أيضا، أبو جحيفة مشهور =
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وإبراهيم النخعي، وعمارة (^١) بن عمير (^٢): يغزون في إمرة الحجاج، قلت أين كانوا يغزون؟ قال: خراسان، والديلم (^٣)، وغير ذلك. فقال رجل من القوم: أكانوا يُكرهون على ذلك؟ قال: لا، بل يخفّون فيه ويعجبهم (^٤).
_________________
(١) = بكنيته، ويقال له وهب الخير، صحابي معروف، وصحب عليا، ومات سنة (٧٤). الإصابة (٦/ ٦٢٦)، والتقريب (ص ٥١٥).
(٢) في المطبوع "عمار" والتصحيح من المخطوط ل (١٩٩/ أ).
(٣) عمارة بن عمير التيمي، ثقة، ثبت، مات بعد (١٠٠) وقيل قبلها بسنتين. التقريب (ص ٣٤٨).
(٤) من قرى أصبهان بناحية خرجان. معجم البلدان (٢/ ٥٤٤). وهي تقع -فيما يعرف اليوم- بدولة إيران.
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٢). الإسناد فيه: المسيب بن واضح السلمي: صدوق يخطئ كثيرا تقدم، وأبو إسحاق: هو إبراهيم بن محمد الفزاري، ثقة تقدم في الأثر (٩٨). وأخرجه ابن معين في كتاب "الجزء الثاني من حديث يحيى بن معين (الفوائد) " (ص ١٣٩). وقال محققه: إسناده صحيح عن الأعمش، وأخرجه الرافعي في كتابه "التدوين في أخبار قزوين" (١/ ٨٨)، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٠٥٥، =
[ ٢ / ٥٤١ ]
٣٥٢ - قال (^١): وحدثنا أبو إسحاق قال: سألت هشام (^٢) عن الغزو مع هؤلاء الأئمة وذكرت له ما طعن في الغزو معهم، فقال: كان الحسن وابن سيرين يقو لان: لك أجره، وذخره، وشرفه، وفضيلته، وعليهم ما أثمهم. قال: وكان الحسن يقول: بلغني أن النبي ﵇ يقول: "ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم" (^٣).
وكان الحسن يقول: أربع من أمر الإسلام إلى السلطان: الحكم، والفيء، والجهاد، والجمعة (^٤).
_________________
(١) = ٣٤٠٥٦، ٣٤٠٥٦).
(٢) المسيب بن واضح.
(٣) هو هشام بن عروة بن الزبير. انظر تهذيب الكمال (٢/ ١٦٨).
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٥) من طريق الحسن عن أبي بكرة مرفوعا، والنسائي في السنن الكبرى (كتاب السير، باب الاستعانة بالفجار في الحرب ٥/ ٢٧٩ رقم ٨٨٨٥) من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس مرفوعا. وصحح إسناده الألباني في صحيح الجامع برقم (١٨٦٦).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠٢٩٧) عن عبدة عن عائشة عن الحسن بلفظ: أربع إلى السلطان: الصلاة والزكاة والحدود والقضاء.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
قلت لهشام: وإن برّوا أو فجروا؟ قال: وإن بروا أو فجروا (^١).
٣٥٣ - حدثنا المسيب قال: حدثنا أبو إسحاق، عن موسى بن عقبة (^٢) قال: غزوت مع سالم بن عبد الله (^٣) الروم مع إمرة الوليد بن عبد الملك (^٤) (^٥).
٣٥٤ - حدئنا عبد الله بن خُبَيْق الأنطاكي قال: سمعت يوسف بن
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٢). الإسناد فيه: المسيب بن واضح: صدوق يخطئ كثيرا تقدم. وأخرج قول الحسن وابن سيرين ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٠٦٠) عن غندر عن الفزاري به.
(٢) في المطبوع "موسى بن عتبة" وهو خطأ والتصحيح من المخطوط ل (١٩٩/ أ).
(٣) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب تقدم في الأثر (١٨٦).
(٤) الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو العباس الأموي استخلف بعهد من أبيه بعده، مات سنة (٩٦)، وعاش (٥١) سنة وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر. تاريخ الإسلام للذهبي حوادث ووفيات (٨١ - ١٠٠ هـ) ص ٤٩٦ - ٥٠٠.
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٢). وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ٤٥٧) من طريق أبي إسحاق الفزاري عن موسى بن عقبة به.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
أسباط يقول: أما أهل السنة فإنهم لا يرون السيف على أحد من أهل القبلة، وهم يرون الصلاة والجمعة خلف الأئمة، والجهاد قائم معهم تام إلى يوم القيامة، ولا ينقصه جورهم، ولا يزيده عدلهم، ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب، ولا يشهدون عليه بشرك، وهم يقولون: الإيمان قول وعمل، والإيمان يزيد وينقص، وهم يستثنون في إيمانهم مخافة أن يزكوا أنفسهم (^١).
٣٥٥ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا، ولا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٥). الإسناد فيه: عبد الله بن خُبَيْق الأنطاكي، أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا تقدم في الأثر (٢٦٣)، ويوسف بن أسباط يغلط كثيرا، وهو رجل صالح لا يحتج بحديثه تقدم. ولم أجد من أخرج هذا الأثر.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٧). التعليق: ومن الحقوق الواجبة للإمام على رعيته أيضا، أن يجاهدوا تحت رايته، فهذا داخل في عموم طاعة الإمام، لأن في طاعة الإمام صلاح شئون العباد، وفي =
[ ٢ / ٥٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = معصيته فساد دنياهم واضطراب أمنهم ومخالفة أمر نبيهم -ﷺ-. وقد حثت السنة المطهرة على وجوب طاعة الإمام في غير معصية، وعلى وجوب الجهاد معه. فعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جُنة يقاتل من ورائه ويتقى به. فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه مِنْه". رواه البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٤١). وقد جاءت عن السلف أقوال كثيرة فيها التحريض على وجوب الجهاد مع الأمراء وإن جاروا. ومن ذلك ما جاء عن أبي حمزة قال: سألت ابن عباس عن الغزو مع الأمراء، وقد أحدثوا؟ فقال: تقاتل على نصيبك من الآخرة، ويقاتلون على نصيبهم من الدنيا. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٠٥٨). وعن سليمان اليشكري عن جابر قال: قلت له: أغزو أهل الضلالة مع السلطان؟ قال: اغزُ؛ فإنما عليك ما حملت، وعليهم ما حملوا. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٠٥٩)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٢/ ٣٩٢). قال الإمام أحمد: "والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك. وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم". أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١/ ١٨٠). وقال الإمام أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢٩٤): "ويرون -أي =
[ ٢ / ٥٤٥ ]
المطلب الرابع: دفع الزكاة لهم
٣٥٦ - حدثنا هارون بن موسى قال: حدثنا حماد بن زيد، عن كلثوم ابن جبر، عن قزعة (^١) أن ابن عمر سئل عن الزكاة فقال: ادفعوها إليهم. [فكأنّهم رادّوه فقال: ادفعوها إليهم] (^٢) وإن تمزقوا بها لحوم الكلاب على موائدهم (^٣).
_________________
(١) = أهل السنة والجماعة- جهاد الكفرة معهم، وإن كانوا جورة فجرة". وقال ابن بطة في كتابه "الشرح والإبانة" (ص ٣٠٥): "وقد اجتمعت العلماء من أهل الفقه والعلم والنساك والعباد والزهاد، من أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا، أن صلاة الجمعة والعيدين، ومنى وعرفات، والغزو والجهاد والهدي مع كل أمير، بر وفاجر". وقال الإمام الطحاوي في عقيدته (ص ٧١): "والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برّهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما".
(٢) قزعة بن يحيى البصري، ثقة. التقريب (ص ٣٩١).
(٣) لا توجد في المطبوع، وقد أضفتها من المخطوط ل (١٩٩ - ٢٠١).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٤). الإسناد فيه: كلثوم بن جبر: وهو صدوق يخطئ. التقريب (ص ٣٩٧). وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤/ ٤٦)، وابن أبي شيبة في المصنف =
[ ٢ / ٥٤٦ ]
٣٥٧ - حدثنا أبو معن قال: حدثنا الضحاك قال: حدثني زمعة بن صالح قال: حدثني سلمة بن وهرام قال: قلت لطاوس: لا أودي عشور (^١) أرضي وأقسمها، فقال أولم تعشر أرضك؟ قلت: بلى، أما هؤلاء الأمراء فقد أخذوها ولكن يضعونها في غير حقها فلا أدري يقضى ذلك عني أم لا؟ قال: وما يدريك، بل تقضى عنك، إياك والبدع، وقُمْ للقرد في زمانه (^٢).
٣٥٨ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: ودفع الخراج والصدقات
_________________
(١) = (١٠٢٩٠، ١٠٦٢٨)، والقاسم بن سلام في كتاب الأموال (٢/ ٢٤٥ رقم ١٥٧٩) وصححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل (٣/ ٣٧٩ - ٣٧٩).
(٢) العُشُور: جمع عُشْر، وهو ما كانَ من أمْوالهم للتجارَات دون الصدقات. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٢٤٠).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٤). الإسناد ضعيف: لضعف زَمْعَة بن صالح الجنَدي. التقريب (ص ١٥٧). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١١) مختصرا.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
والأعشار والفيء والغنيمة إلى الأمراء عَدلوا فيها أم جاروا (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٧). التعليق: ومن الحقوق الواجبة للإمام على رعيته أن يدفعوا له زكاة أموالهم، إذا هو أمرهم بدفعها، ولا يجوز لهم أن يمتنعوا عن أدائها له، وإن كان لا يضعها في موضعها، فقد دلت السنة المطهرة على ذلك. فقد أخرج مسلم في صحيحه (٩٨٩) عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله -ﷺ- فقالوا: إن ناسا من المصدِّقين يأتوننا فيظلموننا، قال: فقال رسول الله -ﷺ-: "أرضوا مُصَدِّقِيكم". قال جرير: ما صدر عني مُصَدِّق منذ سمعت هذا من رسول الله -ﷺ- إلا وهو عني راض. وروى عبد الرزاق في المصنف (٤/ ٤٦) عن معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: اجتمع عندي مالٌ، قال: فذهبت إلى ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص -﵃- فأتيت كل رجل منهم وحده، فقلت: إنه اجتمع عندي مالٌ، وإنّ هؤلاء يضعونها حيث ترون، وإني قد وجدت لها موضعا فكيف ترى؟ فكلهم قالوا: أدِّها إليهم. وأخرج ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار (١/ ٧) عن العجاج قال: "قال لي أبو هريرة: ممن أنت؟ قال: قلت من أهل العراق. قال: يوشك أن يأتيك بُقعان الشأم، فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك؛ فتلقّهم بهم، فإذا دخلوهم، فكن في أقاصيهم، وخلّ عنهم وعنهم. وإيّاك أن تسبّهم؛ فإنك إن سببتهم ذهب أجرك، وأخذوا صدقتك، وإن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة". =
[ ٢ / ٥٤٨ ]
المطلب الخامس: السلامة من الفتن
٣٥٩ - حدثنا بشر بن هلال قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن هشام (^١)، عن ابن سيرين قال: قال شريح (^٢): كانت الفتنة (^٣) سبع (^٤) سنين ما خبرت فيها ولا استخبرت، وما سلِمْت (^٥). قيل: وكيف ذاك
_________________
(١) = وفي رواية أخرى أنه قال: "إذا أتاك المُصَدّق فقل: خذ الحق ودع الباطل، فإن أبى فلا تمنعه إذا أقبَل، ولا تلعنه إذا أدبر، فتكون عاصيًا خفّف عن ظالم". قال محمد بن أبي زمنين في أصول السنة (ص ٢٨٥): "ومن قول أهل السنة أن دفع الصدقات إلى الولاة جائز، وأن الله قد جعل ذلك إليهم في قوله ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وفي قوله لنبيه -ﷺ- ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
(٢) هشام بن حسان الأزدي تقدم مرارا.
(٣) شريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي القاضي، أبو أمية الفقيه، مخضرم، ثقة، وقيل له صحبة، مات قبل الثمانين أو بعدها، وله مائة وثمان سنين أو أكثر، يقال حكم سبعين سنة. تذكرة الحفاظ (١/ ٥٩)، والتقريب (ص ٢٠٧).
(٤) يعني فتنة ابن الزبير.
(٥) عند أبي نعيم في الحلية "تسع".
(٦) جاء عند أبي نعيم في الحلية: "وما سألت".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
يا أبا أمية؟ قال: ما التقت فئتان إلا وهواي مع أحدهما (^١).
٣٦٠ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والإمساك في الفتنة سنة ماضية واجب لزومها، فإن ابتليت فقدم نفسك ومالك دون دينك، ولا تعين على الفتنة بيد أو لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك والله المُعين (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٥). الإسناد حسن: رجاله ثقات إلا جعفر بن سليمان الضُّبعي، صدوق زاهد لكنه كان يتشيع. التقريب (ص ٧٩ - ٨٠). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٨٥٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٣٣)، وأبو عمرو الداني في كتابه "السنن الواردة في الفتن" (٢/ ٤٤٤) من طرق عن الأعمش عن شقيق عن شريح به.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٧). التعليق: السلامة من الفتن وعدم الوقوع فيها من الأمور المهمة العظيمة التي دعا إليها الشرع الحكيم، فلا تقع فتنة إلا ويختلط الحق فيها مع الباطل، ويصبح المرء فيها حيرانا، ويلتبس عليه الأمر لظلمة الفتن. لذا حذر النبي -ﷺ- من السعي في الفتن، وأرشدنا في حال وقوعها أن نكون أحلاس بيوتنا. فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ-: قال بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل =
[ ٢ / ٥٥٠ ]
_________________
(١) = المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا". رواه مسلم في صحيحه (١١٨). وعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- "إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قِسِيَّكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دُخل -يعني على أحد منكم- فليكن كخير ابنيْ آدم". رواه أبو داود في سننه (٥/ ١٨ رقم ٤٢٥٨، ٤٢٦١)، وفي رواية له: قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "كونوا أحلاس بيوتكم". انظر تصحيح الروايتين في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٤٢)، وفي صحيح ابن ماجة (٣٢٠٠). قال الإمام الآجري في الشريعة (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣): "فإن الفتن على وجوه كثيرة، قد مضى منها فتن عظيمة، نجا منها أقوام، وهلك فيها أقوام؛ باتباعهم الهوى وإيثارهم للدنيا، فمن أراد الله تعالى به خيرا، فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحَفِظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة -السواد الأعظم- ولم يتلوَّن في دينه، وعبد ربه تعالى، فترك الخوض في الفتنة فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير". وانظر عون المعبود شرح سنن أبي داود (١١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
[ ٢ / ٥٥١ ]
المبحث الثالث:
وجوب الصلاة خلف الأئمة وإن جاروا
[ ٢ / ٥٥٣ ]
المبحث الثالث: وجوب الصلاة خلف الأئمة وإن جاروا
٣٦١ - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا سفيان (^١)، عن الأوزاعي، عن عمير بن هانئ، قال: كنت أسمع ابن عمر يقول لعبد الملك بن مروان، ولابن الزبير (^٢)، ولنجدة (^٣): ذباب النار، ثم تقام الصلاة فيصلي مع هؤلاء ومع هؤلاء (^٤).
_________________
(١) هو ابن عيينة. لأن محمد بن بشار ولد في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، وحماد مات سنة (١٦٧). انظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٥١٨)، والثوري توفي سنة (١٦١) فلا يمكن له أن يسمع من الثوري. والله أعلم.
(٢) تقدمت ترجمته في الأثر (٨٥).
(٣) نجدة بن عامر الحروري من رؤوس الخوارج وإليه تنسب فرقة النجدات، زائغ عن الحق، خرج باليمامة عقب موت يزيد بن معاوية، وله مقالات معروفة، وأتباع انقرضوا، قتل سنة (٧٠). لسان الميزان (٦/ ١٤٨)، والملل والنحل (١/ ١٢١)، ومقالات الإسلاميين (ص ٥٩ - ٦٣).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٣). رجال إسناده ثقات، والإسناد صحيح. وأخرجه نعيم بن حماد المروزي في كتاب الفتن (١/ ١٧٦) إلا أنه ذكر الحجاج مكان عبد الملك بن مروان، وأخرج بنحوه تمام الرازي في الفوائد (٢/ ٢١٤).
[ ٢ / ٥٥٥ ]
٣٦٢ - حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا عمر بن خليفة (^١) قال: كان ابن عمر يجيء في الليلة المظلمة فيصلي خلف الحجاج (^٢).
٣٦٣ - حدثنا محمد قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن بسام الصيرفي، عن أبي جعفر قال:
كان الحسن (^٣) والحسين (^٤) يَسُبّان مروان (^٥) ثم تقام الصلاة، فيبتدران
_________________
(١) عمر بن خليفة ويقال عمر بن أبي خليفة العبدي، أبو حفص: مقبول. التقريب (ص ٣٥٠).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٣). الإسناد فيه انقطاع بين عمر بن خليفة وبين ابن عمر. إلا أن قصة صلاة ابن عمر خلف الحجاج ثابتة صحيحة أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (٧٦٤١)، والشافعي في المسند (ص ٥٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٣/ ١٢٢). وانظر إرواء الغليل (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٣) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته، وقد صحبه وحفظ عنه، مات شهيدا بالسم سنة (٤٩) وهو ابن سبع وأربعين وقيل بل مات سنة (٥٠) وقيل بعدها. الإصابة (٢/ ٦٨ - ٧٣)، والتقريب (ص ١٠١).
(٤) الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته، حفظ عنه، استشهد يوم عاشوراء سنة (٦١) وله ست وخمسون سنة. الإصابة (٢/ ٧٦ - ٨١)، والتقريب (ص ١٠٧).
(٥) مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي =
[ ٢ / ٥٥٦ ]
الصلاة خلفه (^١).
٣٦٤ - حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن (^٢) قال: ثنا عبد العزيز ابن مسلم، عن أبي سنان (^٣)، عن عبد الله بن أبي الهذيل (^٤) قال:
_________________
(١) = الخلافة في آخر سنة (٦٤) ومات سنة (٦٥) في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لا تثبت له صحبة. الإصابة (٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، والتقريب (ص ٤٥٨).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٣). محمد: هو ابن بشار، وعبد الرحمن: هو ابن مهدي، وسفيان: هو الثوري. وإسناده منقطع: أبو جعفر محمد بن علي لم يدرك الحسن والحسين. التهذيب (٣/ ٦٥٠ - ٦٥١). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٦٤٢، ٧٦٥٠)، والشافعي في المسند (ص ٥٥ - ٥٦)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٣/ ١٢٢) كلهم من طرق عن أبي جعفر به دون ذكر سب الحسن والحسين لمروان. وأخرجه أيضا البخاري في التاريخ الصغير (١/ ١١٠) عن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن عبد ربه عن شرحبيل أبو سعد قال: رأيت الحسن والحسين يصليان خلف مروان. قلت: فهذه الطريق تشهد لرواية أبي جعفر.
(٣) ابن مهدي.
(٤) ضرار بن مرة الشيباني. انظر تهذيب التهذيب (٢/ ٢٢٨).
(٥) عبد الله بن أبي الهذيل الكوفي، أبو المغيرة، ثقة، مات في ولاية خالد القسري على =
[ ٢ / ٥٥٧ ]
تذاكرنا ليالي المختار (^١) الجمعة، فاجتمع رأيهم على أن يأتوه، فإنما كذبه على نفسه (^٢).
٣٦٥ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والجمعة والعيدين والحج مع السلطان وإن لم يكونوا بررة عدولًا، ولا أتقياء (^٣).
_________________
(١) = العراق. التقريب (ص ٢٧٠).
(٢) المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، ليست له صحبة ولا رؤية، وأخباره غير مرضية، وكان قد طلب الإمارة، وغلب على الكوفة حتى قتله مصعب بن الزبير بالكوفة سنة (٦٧)، وكانت إمارته ستة عشر شهرًا. الإصابة (٦/ ٣٤٩).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٢). رجاله ثقات والإسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥٤٤٦) عن محمد بن فضيل عن أبي سنان به.
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٧). التعليق: من أصول أهل السنة والجماعة الصلاة خلف الأئمة أبرارا كانوا أو فجارا، لا يجوز لأحد من الرعية أن يتخلف عن الصلاة خلفهم، ومن اعتزل الصلاة وراءهم فقد خالف سلفه الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وقد كان السلف يصلون خلف أئمتهم؛ بل يحثون على ذلك. ممتثلين قول النبي -ﷺ-: =
[ ٢ / ٥٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم". رواه البخاري (٦٩٤). ولما كان عثمان -﵁- محصورا دخل عليه عبيد الله بن عدي بن الخِيار؛ فقال له: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرَّج؟ فقال: "الصلاة أحسنُ ما يعملُ الناس، فإذا أحسن الناس؛ فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم". رواه البخاري (٦٩٥). قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٤٦) وفي هذا الأثر الحض على شهود الجماعة، ولا سيما في زمن الفتنة؛ لئلا يزداد تفرق الكلمة. وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة". كما أنه لا يجوز لمن صلى خلفهم أن يعيد الصلاة، فمن فعل ذلك فقد شرع في دين الله ما ليس منه. قال الإمام أحمد بن حنبل: "وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزة، تامةٌ ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا برَّهم وفاجرهم. فالسنة أن تصلي معهم ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع، وتدين بأنها تامة، ولا يكن في صدرك من ذلك شك". أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١/ ١٨١). وقال محمد بن أبي زمنين في أصول السنة (ص ٢٨١): "ومن قول أهل السنة أن صلاة الجمعة والعيدين وعرفة مع كل أمير بر أو فاجر من السنة والحق، وأن من =
[ ٢ / ٥٥٩ ]
_________________
(١) = صلى معهم ثم أعادها فقد خرج من جماعة من مضى من صالح سلف هذه الأمة، وذلك أن الله ﵎ قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. وقد علم جل ثناؤه حين افترض عليهم السّعي إليها وإجابة النداء لها أنه يصليها بهم من مجرمي الولاة وفساقها من لم يجهله فلم يكن ليفترض على عباده السّعي إلى ما لا يجزيهم شهوده ويجب عليهم إعادته، وقضاتهم وحكّامهم ومَن استخلفوه على الصلاة، والصلاة ورائهم جائزة". وقال أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢٩٤): "ويرى أصحاب الحديث الجمعة، والعيدين، وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم؛ برًا كان، أو فاجرًا". وقال الإمام الطحاوي في عقيدته (ص ٦٧): "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، ونصلي على من مات منهم".
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الفصل الثالث:
الآثار الواردة عن السلف في الاتباع وذم الابتداع
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في الحث على الاتباع.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من البدع وأهلها.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في ذم السلف للرأي وأهله.
المبحث الرابع: قولهم في بعض الفرق.
[ ٢ / ٥٦١ ]
المبحث الأول:
الآثار الواردة في الحث على الاتباع
[ ٢ / ٥٦٣ ]
المبحث الأول: ما جاء في الحث على الاتباع
٣٦٦ - حدثنا محمد بن حفص العطار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت مالك بن أنس قال: قال عمر بن عبد العزيز (^١): سن رسول الله -ﷺ- وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمال لطاعته، على دين الله، من عمل بها مهتدي، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى (^٢).
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الأثر (١٨٨).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٦). الإسناد فيه انقطاع بين مالك وعمر بن عبد العزيز. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٥٧)، والآجري في الشريعة (٩٢، ٦٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٤) كلهم من طرق عن مالك قال: قال عمر ابن عبد العزيز ". وأخرجه موصولا اللالكائي في شرح الاعتقاد (١٣٤)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧) كلاهما من طريق يعقوب بن سفيان عن سعيد بن أبي مريم عن رشدين بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز به. إلا أن فيه رشدين بن سعد وهو ضعيف. انظر التقريب (ص ١٤٩). فيعتضد بالذي قبله ويرتقي إلى درجة الحسن، والله أعلم. وأخرجه الخلال في السنة (١٣٢٩) عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل قال: قال عمر بن عبد العزيز الأثر.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٣٦٧ - وقال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: الإيمان قول وعمل. قال: وحدثني رجل من أهل البصرة يقال له أبو حيان قال: سمعت الحسن يقول: لا يصلح قول إلا بعمل، ولا يصلح قول وعمل إلا بنية، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بسنة (^١).
٣٦٨ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والدين إنما هو كتاب الله وآثار وسنن وروايات صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة المشهورة يرويها الثقة الأول المعروف عن الثاني الثقة المعروف يصدق بعضهم بعضًا حتى ينتهي ذلك إلى النبي -ﷺ-، أو أصحاب النبي، أو التابعين، أو تابع التابعين، أو من بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم المتمسكين بالسنة والمتعلقين بالأثر، الذين لا يُعرفون ببدعة، ولا يُطعن عليهم بكذب، ولا يُرمَون بخلاف، وليسوا أصحاب قياس، ولا رأي، لأن القياس في الدين باطل (^٢)، والرأي
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٨). هذا الأثر مكرر، انظر رقم (٢١١).
(٢) أي: مع وجود النصوص من الكتاب والسنة.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
كذلك وأبطل منه، وأصحاب الرأي والقياس في الدين مبتدعة جهلة ضُّلال، إلا أن يكون في ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات فالأخذ بالأثر أولى (^١).
وقال حرب أيضا: ومن زعم أنه لا يرى التقليد (^٢)، ولا يقلد دينه أحدًا فهذا قول فاسق مبتدع عدوًا لله ورسوله -ﷺ-، ولدينه، ولكتابه، ولسنة نبيه ﵇ إنما يريد بذلك إبطال الأثر، وتعطيل العلم، وإطفاء السنة، والتفرد بالرأي، والكلام، والبدعة والخلاف. فعلى قائل هذا القول لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فهذا من أخبث قول المبتدعة، وأقربها إلى الضلالة والردى، بل هو ضلالة زعم أنه لا يرى
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦١).
(٢) التقليد الذي عناه الإمام حرب الكرماني هنا هو بمعنى الاتباع، لذلك قال بعده "يريد بذلك إبطال الأثر، وتعطيل العلم، وإطفاء السنة". قال الإمام البربهاري في شرح السنة (ص ٩١): "واعلم أن الدين إنما هو التقليد والتقليد لأصحاب رسول الله -ﷺ-". وقال في (ص ١١٨): "فالله الله في نفسك، وعليك بالآثار وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد؛ يعني للنبي -ﷺ- وأصحابه رضوان الله عليهم".
[ ٢ / ٥٦٧ ]
التقليد وقد قلد دينه [أبا] (^١) حنيفة وبشر المريسي، وأصحابه، فأي عدو لدين الله أعدى ممن يريد أن يطفئ السنن، ويبطل الآثار والروايات، ويزعم أنه لا يرى التقليد وقد قلد دينه من قد سميت لك، وهم أئمة الضلال، ورؤوس البدع، وقادة المخالفين (^٢) فعلى قائل هذا القول غضب الله (^٣).
_________________
(١) لا توجد في المطبوع، وقد أضفتها من المخطوط ل (١٧٥/ ب).
(٢) لا يقال في حق أبي حنيفة أنه من أئمة الضلال ورؤوس البدع، لأنه إمام مجتهد، موافق لأهل السنة، وإن كان صدر منه بعض الهنات، فإنما هي عن اجتهاد أو عدم بلوغ دليل، فلم يقصد بها مضارّة هذا الدين كما حصل من بشر المريسي المبتدع الضال.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٢). التعليق: هذه الآثار الواردة عن السلف فيها الحث على اتباع السنة والتمسك بها، وكذلك التمسك بآثار السلف الصالح وسلوك منهجهم وطريقهم المستقيم. فلا يجوز لأحد الخروج عما جاءت به السنة وما كان عليه السلف الصالح، بل يسعه ما وسعهم، وإلا فهو مضاه لهذه الشريعة، مُحْدث في الدين ما ليس منه. وقد دلت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة المطهرة على وجوب التمسك بالسنة ومنهج السلف الصالح. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي =
[ ٢ / ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. قال ميمون بن مهران: "الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول -إذا قبض- إلى سنته". أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص ٢٦٠). وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فقد توعد الله تعالى في هذه الآية كل من خرج عن سبيل المؤمنين -وهم الصحابة- بأن يصليه جهنم وساءت مصيرا. قال ابن قدامة في ذم التأويل (ص ٢٦): "فتوعد على اتباع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد متبعَهم بالرضوان والجنة". ومن السنة: ما جاء عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه". أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٧٠)، والدارقطني في سننه (٤/ ٢٤٥). وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٦١). =
[ ٢ / ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعن العرباض بن سارية -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". رواه أبو داود في السنن (٥/ ١٩٢ - ١٩٣ رقم ٤٥٩٩)، والترمذي في السنن (٤/ ٤٠٨ رقم ٢٦٧٦) وقال: حديث صحيح. وانظر السلسلة الصحيحة (٩٣٧). قال ابن قدامة في ذم التأويل (ص ٢٦): "فأمر بالتمسك بسنة خلفائه كما أمر بالتمسك بسنته، وأخبر أن المحدثات بدع وضلالة وهو ما لم يتبع فيه سنة رسول الله ولا سنة أصحابه". وقال -ﷺ-: " وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه وأصحابي". أخرجه الترمذي في السنن (٤/ ٣٨١ رقم ٢٦٤١) وحسن إسناده الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٥٣٤٣). ومن أقوال السلف في ترسيخ هذا الأصل العظيم: ما جاء عن أبي الدرداء -﵁- أنه قال: "اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة، إنك إن تتبع خير من أن تبتدع. ولن تخطئ الطريق ما اتبعت الأثر". أخرجه محمد ابن نصر المروزي في السنة (برقم ١٠٢) وقال محققه: إسناده حسن. وقال ابن مسعود -﵁-: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة". أخرجه وكيع في الزهد (٢/ ٥٩٠)، وأبو خيثمة في كتاب العلم (رقم ٥٤)، وابن =
[ ٢ / ٥٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وضاح في البدع والنهي عنها (رقم ١٤)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، ومحمد بن نصر المروزي في السنة (برقم ٧٩) وقال محققه: إسناده صحيح. وجاء عن حذيفة بن اليمان -﵁- أنه قال: "يا معشر القراء، اسلكوا الطريق، فوالله لئن سلكتموه لقد سبقتم سبقا بينا، وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا". أخرجه البخاري في صحيحه (٧٢٨٢)، وعبد الله بن المبارك في الزهد (رقم ٤٧). قال الإمام أحمد بن حنبل: "أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله -ﷺ- والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة". أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١/ ١٧٦). فيجب علينا معرفة مكانة الصحابة، وعظم منزلتهم، ووجوب اتباعهم. يقول أبو القاسم التيمي في كتابه الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٩٨): "فإذا لم يوجد في الحادثة عن رسول الله -ﷺ- شيء ووجد فيها عن أصحابه ﵃ شيء فهم الأئمة بعده، والحجة اعتبارا بكتاب الله، وبأخبار رسول الله -ﷺ- لما وصفهم في كتابه من الخير والصدق والأمانة، وأنه رضي عنهم، وعن من اتبعهم بإحسان". وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام (٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧): "وحاصل الأمر: أن أصحابه كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، =
[ ٢ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأثنى عليهم متبوعُهم محمد -ﷺ-، وإنما كان خُلُقه ﵇ القرآن، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فالقرآن إذن هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة له، فالمتبع للسنة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلة للجنة بفضل الله". وانظر رسالة "فضل علم السلف على علم الخلف" لابن رجب الحنبلي (ص ٢٣ - ٢٤) ضمن مجموعة رسائل ابن رجب، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
المبحث الثاني:
الآثار الواردة في التحذير
من البدع وأهلها
[ ٢ / ٥٧٣ ]
المطلب الأول: جواز غيبة أهل البدع
٣٦٩ - حدثنا أحمد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن غالب وعمر بن هارون، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: ليس لأهل البدع غيبة (^١).
٣٧٠ - حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، قال: قلت لمنصور (^٢): يا أبا عتاب يصوم أحدنا ينتقص الذين
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٨). الإسناد فيه: عبد الله بن غالب: مستور. التقريب (ص ٢٥٩). وعمر بن هارون: متروك التقريب (ص ٣٥٥)، والربيع بن صَبيح: صدوق سيء الحفظ تقدم في الأثر (٣٤٩). وأخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٢٨٠) من طريق روح عن الربيع بن صبيح به، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣١٩) من طريق الحجاج بن محمد عن الربيع بن صبيح به، وابن أبي الدنيا في كتاب الغيبة والنميمة (ص ٧٩) من طريق علي بن الجعد عن الربيع بن صبيح به، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (رقم ٦٩٩) من طريق يزيد بن هارون عن محمد بن صبيح عن الحسن به. فيكون الأثر بهذه المتابعات حسنًا.
(٢) منصور بن المعتمر: تقدمت ترجمته في الأثر (٢٥٩).
[ ٢ / ٥٧٥ ]
يبغضون أبا بكر وعمر؟ قال: نعم (^١) (^٢).
٣٧١ - حدثنا الأخضر قال حدثنا عارم (^٣) قال: حدثنا خالد (^٤) سمعت عبيد الله (^٥) يقول في غيبة الخوارج والسلطان الذي قد أعلن (^٦): لم نر لهم غيبة، فأما من يعلم أنه مذنب وهو يحب لأن يستتر، فرأى ذلك منهم غيبة (^٧).
٣٧٢ - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا زياد بن الربيع،
_________________
(١) أي: أن الطعن في المبتدعة لا يعتبر من الغيبة المحرمة التي تنقص من أجر الصوم، بل هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٨). وأخرجه الخلال في السنة (٧٨٩) بإسناد حرب الكرماني، وقال محققه إسناده حسن.
(٣) محمد بن الفضل السدوسي، لقبه عارم، ثقة، ثبت، تغير في آخر عمره. التقريب (ص ٤٣٦).
(٤) خالد بن الحارث بن عبيد بن سليم الهجيمي تقدم في الأثر (٣٣٣).
(٥) عبيد الله بن الحسن العنبري البصري تقدمت ترجمته في الأثر (١٩٦).
(٦) وهذا في معرض السؤال، فلو سُئل عن السلطان، فله أن يبين حاله بحسب المصلحة دون التشهير به، والله أعلم.
(٧) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٩). الإسناد فيه: الأخضر، لم يتبين لي من هو. ولم أجد من أخرجه.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
عن عبد الرحمن بن أذينة (^١) قال: حدثنا أشياخنا قال: ثلاثة لا حرمة لهم ولا غيبة، الوالي الظالم الجائر، والفاسق المعلن بفسقه، وصاحب البدعة (^٢).
٣٧٣ - حدثنا محمد بن عبد الرحمن الجعفي قال: حدثنا حسين بن علي، عن هانئ بن أيوب قال: سألت محارب بن دثار (^٣) عن غيبة الرافضة؟ فقال: إنهم إذًا لقومٌ صُدُق. قال: حسبي، أي لم ير بغيبتهم بأسًا (^٤).
_________________
(١) عبد الرحمن بن أُذَينة العبدي الكوفي، قاضي البصرة، ثقة. التقريب (ص ٢٧٨).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٨). رجال إسناده ثقات. وقد جاءت آثار عن بعض السلف في ذلك، فمنها ما أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (ص ١٤٥) عن الحسن أنه قال: "ثلاثة ليس لهم غيبة: صاحب هوى، والفاسق المعلن بالفسق، والإمام الجائر". ومثله عن ابن عيينة في الشعب للبيهقي (٥/ ٣١٨)، وعن يحيى بن أبي كثير في كتاب "ذم الكلام وأهله" لأبي إسماعيل الهروي (رقم ٧٠٠) وغيرهم.
(٣) محُارِب بن دِثَار السدوسي الكوفي القاضي، ثقة، إمام، زاهد، مات سنة (١١٦). التقريب (ص ٤٥٤).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٨). =
[ ٢ / ٥٧٧ ]
٣٧٤ - وسألت محمد بن بشار قلت: الرجل يغتاب أهل البدع؟ قال ليست لهم غيبة ولا يعجبني، وأما قولك إن فلانا صاحب بدعة فليس هذا غيبة، وكذلك قولك في الحديث كان فلان يغلط وفلان كان أثبت من فلان ونحو هذا فليس هذا غيبة، ولكنه شيء تبينه للناس. قلت: فإن قال رجل: كان عمرو بن عبيد رجل سوء، وكان عباد بن صهيب رجل سوء؟ فكأنه رخص فيه (^١).
_________________
(١) = الإسناد فيه: هانئ بن أيوب الحنفي، مقبول. التقريب (ص ٥٠١). وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (ص ١٤٢)، وفي الغيبة والنميمة (ص ٩٠) من طريق حسين بن علي به.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٨). وأخرج الجملة الأولى منه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (رقم ٦٩٦). التعليق: الغيبة: هي -كما عرفها النبي -ﷺ-: "ذكرك أخاك بما يكره". رواه مسلم (٢٥٨٩). ولا شك أن غيبة المسلم لأخيه محرمة، كما في هذا الحديث وغيره. إلا أن هناك حالات قد أباح الشرع فيها الغيبة، من أجل المصلحة المترتبة على ذلك، وقد ذكر بعض العلماء أنها ستة حالات، جمعها الناظم في قوله: القدح ليس بغيبة في ستة: متظلم ومعرف ومحذر ومجاهر فسقا ومستفتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة منكر. انظر كتاب: "الفروق" لشهاب الدين القرافي (٤/ ٢٠٥ - =
[ ٢ / ٥٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢٠٨)، وكتاب إحياء علوم الدين للغزالي (٣/ ١٣٦ - ١١٣٧)، وكتاب الأذكار للنووي (ص ٥٤٠ - ٥٤٣). ومن هذه الحالات الستة التي ذكرها العلماء: جواز غيبة أهل البدع والطعن فيهم، وكشف عوارهم، وبيان بدعهم وضلالهم، وتحذير الناس منهم. فلم يعد العلماء هذا الطعن من الغيبة؛ بل جعلوا ذلك من النصح لهذا الدين. قال النووي في كتابه رياض الصالحين (ص ٥٢٦ - ٥٢٧): "الخامس: -أي من الحالات التي تجوز فيها الغيبة- أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلما، وتولي الأمور الباطلة فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه". وسأعرض بعض الأدلة الدالة على جواز غيبة أهل الأهواء والبدع. قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]. جاء عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه قال: "ضاف رجل رجلا، فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلانا فلم يؤد إلي حق ضيافتي، فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم حين لم يؤد الآخر إليه حق ضيافته". تفسير ابن كثير (٢/ ٤٤٤). وأما من السنة فقد روى البخاري (٦٠٥٤)، ومسلم (٢٥٩١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "استأذن رجل على رسول الله -ﷺ- فقال: "ائذنوا له بئس =
[ ٢ / ٥٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخو العشيرة أو ابن العشيرة"، فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟ قال: أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه". قال النووي في شرح صحيح مسلم (١٦/ ٣٦١): "وفي هذا الحديث مداراة من يتقى فحشه، وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه، ومن يحتاج الناس إلى التحذير منه". وجاء أيضا في قصة فاطمة بنت قيس ﵂ عندما جاءت تشاور النبي -ﷺ- فيمن تنكح؟ لما خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم ﵃، فقال لها النبي -ﷺ-: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له". رواه مسلم (١٤٨٠). ووجه الدلالة من هذه النصوص على جواز غيبة أهل البدع والطعن فيهم: أنه إذا جاز لذلك الرجل -الذي استضيف- أن ينتصر لنفسه بالجهر بالسوء لمن ظلمه، ويذكر ظلمه للناس. وكذلك إذا جاز تحذير الناس ممن عم فحشه من أجل أن يتقوه. وكذلك إذا جاز ذكر هذين الصحابيين من أجل مصلحة دنيوية خاصة، وهي النصح لتلك المرأة، فجواز ذكر عيب أهل البدع، والطعن عليهم بما هم عليه من فساد في الاعتقاد وتلبس بالبدع من باب أولى لتعلقه بمصالح عامة المسلمين الدينية. انظر موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع للدكتور إبراهيم الرحيلي (٢/ ٤٨٥ - ٤٨٨). =
[ ٢ / ٥٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد أخرج اللالكائي في شرح الاعتقاد (١٣٧٢) عن عاصم الأحول قال: جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد فوقع فيه فقلت: يا أبا الخطاب ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض؟ قال: يا أحول ولا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي لها أن تذكر حتى تعلم". قال ابن الصلاح في فتاويه (٢/ ٤٩٧): "تجوز غيبة المبتدع، بل ذكره بما هو عليه مطلقا غائبا وحاضرا إذا كان المقصود التنبيه على حاله ليحذروا. على هذا مضى السلف الصالحون أو من فعل ذلك منهم. ثم يجوز ذلك ابتداء يبتدئ به وإن لم يسأل، ويجوز عند جريان سبب من سؤال وغيره". وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٣١): "ومثل أئمة البدع، من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل، فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا، وأما أولئك فهم يفسدون =
[ ٢ / ٥٨١ ]
المطلب الثاني: جواز الدعاء على أهل الأهواء
٣٧٥ - سمعت أبي يقول: قال أبو أسامة (^١): دعا عليهم رجلان صالحان من أهل بدر -وقال مرة: شهدا بدرًا- على أهل الكوفة،
_________________
(١) = القلوب ابتداء". وقال أيضًا -في معرض بيانه للأنواع التي تجوز فيها الغيبة-: "أن يكون الرجل مظهرا للفجور: مثل الظلم، والفواحش، والبدع المخالفة للسنة، فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة". مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢١٩). وقال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٥٠٣) في بيان الفوائد المستنبطة من غزوة تبوك: "ومنها: جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذبا عن الله ورسوله، ومن هذا طعن أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة ومن هذا طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله لا لحظوظهم وأغراضهم". وانظر للمزيد كتاب تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لفضيلة الشيخ صالح السحيمي (ص ١٩٨ - ٢١٠).
(٢) حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، الحافظ، الإمام، الحجة، أبو أسامة مشهور بكنيته، ثقة، ثبت، ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره، مات سنة (٢٠١) وهو ابن ثمانين. تذكرة الحفاظ (١/ ٣٢١)، والتقريب (ص ١١٧).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
سعد (^١) وعلي (^٢).
٣٧٦ - حدثنا أحمد بن سليمان قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار قال: قال لنا طاوس: أخزوا معبدا (^٣) (^٤).
_________________
(١) هو سعد بن أبي وقاص، وقد تقدمت ترجمته في الأثر رقم (٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٣٠٢ - رقم ٩٢٠). وجاءت قصة دعاء سعد -﵁- على أهل الكوفة في صحيح البخاري (كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها ح ٧٥٥)، وكتاب المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٥٤)، وتاريخ بغداد (١/ ١٤٥)، والبداية والنهاية (٨/ ٤٧٠). وانظر دعاء علي -﵁- عليهم وأسباب ذلك في كتاب المعرفة والتاريخ للفسوي (٢/ ٧٥١ - ٧٥٣)، وتاريخ بغداد (١٢/ ٣٠٥)، والبداية والنهاية (٨/ ٣٩٩).
(٣) معبد بن خالد الجهني القدري، ويقال إنه ابن عبد الله بن عكيم، ويقال اسم جده عويمر، صدوق مبتدع، وهو أول من أظهر القدر بالبصرة، قتل سنة (٨٠). التقريب (ص ٤٧١).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٩). إسناده صحيح. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٣٩٠)، والفريابب في القدر (ص ١٧٧)، والآجري في الشريعة (٣٥٦)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (١١٤١) نحوه.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
٣٧٧ - ثنا أحمد بن حفص بن عبد الله قال: حدثني أبي قال: قال إبراهيم بن طهمان (^١)، ثنا من لا يتهمُ غيرُ واحدٍ: أنَّ جهمًا رجع عن قوله ونزعَ عنه وتاب إلى الله منه، فما ذكرتُهُ ولا ذُكرَ عندي إلا دعوت الله عليه، ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم (^٢).
_________________
(١) إبراهيم بن طهمان الخراساني، الإمام، الحافظ، أبو سعيد، ثقة يغرب، وتكلم فيه للإرجاء، ويقال رجع عنه، مات سنة (١٦٨). تذكرة الحفاظ (١/ ٢١٣)، والتقريب (ص ٣٠).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٦١ - رقم ١٧٣٦). إسناده حسن. وأخرجه أبو بكر الخلال في السنة (١٦٨٢) من طريق أبي داود به. التعليق: هذه الآثار الواردة عن السلف تبين جواز الدعاء على أهل البدع والأهواء، وذلك لعظم ضررهم وخطورة ما يحدثوه من معتقدات فاسدة تؤدي إلى تحريف الدين، وتعطيل شريعة رب العالمين. ولقد دلت نصوص الكتاب والسنة على جواز الدعاء على كل من ظلم واعتدى وخالف أوامر الدين. قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦]، وقال عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً =
[ ٢ / ٥٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. ومن السنة: دعاء النبي -ﷺ- على المشركين يوم الأحزاب كما جاء عن علي -﵁- قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله -ﷺ-: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". رواه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧). وكذلك دعاؤه على بعض أحياء العرب، فعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يدعو في القنوت: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف". رواه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥). كذلك دعاؤه على أشخاص معينين من الكفار، فعن أبي مسعود -﵁- قال: استقبل النبي -ﷺ- الكعبة فدعا على نفر من قريش على شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبي جهل بن هشام ". رواه البخاري (٣٩٦٠). فهذه النصوص وغيرها كثير قد دلت على جواز الدعاء على من شاقّ هذا الدين وتعدى عليه، ولا شك أن للمبتدعة نصيب كبير من هذا التعدي، فيُدعى عليهم لما في الدعاء من تحقيق مصلحة للدين. وقد جاء عن بعض الصحابة ما يدل على أن الدعاء على أهل البدع من نصرة هذا الدين. فقد أخرج اللالكائي في شرح الاعتقاد (٢٣٦١) عن عامر بن سعد، قال: أقبل =
[ ٢ / ٥٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سعد من أرض له، فإذا الناس عكوفا على رجل، فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا، فنهاه، فكأنما زاده إغراء، فقال: ويلك ما تريد إلى أن تسب أقواما هم خير منك، لتنتهين أو لأدعُوَن عليك، فقال: هيه، فكأنما تخوفني نبيا من الأنبياء. فانطلق فدخل دارًا، فتوضأ ودخل المسجد، ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواما قد سبق لهم منك خير أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم به آية تكون آية للمؤمنين. قال: وتخرج بختية من دار بني فلان نادّة لا يردها شيء، حتى تنتهي إليه، ويتفرق الناس عنه، فتجعله بين قوائمها، فتطأه حتى طفيء. قال: فأنا رأيته يتبعه الناس ويقولون: استجاب الله لك أبا إسحاق، استجاب الله لك أبا إسحاق". والبختية: هي الأنثى من الجمال البُخْت، والذكر بُخْتِيٌّ، وهي جِمال طِوَال الأعناق وتُجْمع على بُخْتٍ وبَخَاتِيّ واللفظة معرّبة. النهاية لابن الأثير (١/ ١٠١). قال الشيخ إبراهيم الرحيلي في كتابه موقف أهل السنة من أهل البدع (١/ ٢٧١): "وبهذا يظهر جواز الدعاء على كل من في الدعاء عليه تحقيق مصلحة للمسلمين، سواء كان الدعاء بهلاكه أو بغيره من الأدعية، كالدعاء على أئمة أهل البدع ودعاتهم إلى الضلال الذين يصرفون الخلق عن دين الله إلى تلك البدع والخرافات".
[ ٢ / ٥٨٦ ]
المطلب الثالث: ما جاء في الصلاة خلف أهل البدع
٣٧٨ - حدثنا محمد بن الوزير قال: ثنا مروان بن محمد قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: ثنا حبيب بن عمر الأنصاري، عن أبيه قال: سمعت واثلة بن الأسقع (^١) يقول: أما أنا فلست أصلي خلف قدري (^٢).
_________________
(١) واثلة بن الأسقع بن كعب الليثي، صحابي مشهور، أسلم قبل تبوك وشهدها، كان من أهل الصفة، ثم نزل الشام، وعاش إلى سنة (٨٥) وله مائة وخمس سنين. الإصابة (٦/ ٥٩١)، والتقريب (ص ٥٠٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٨٦). الإسناد ضعيف؛ بقية بن الوليد: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء وقد تقدم، وحبيب بن عمر الأنصاري: مجهول وقد ضعفه أبو حاتم. انظر: الجرح والتعديل (٣/ ١٠٥)، وتعجيل المنفعة لابن حجر (ص ٨٤)، وأبوه عمر: لم أقف له على ترجمة. وقد ذكر ابن حجر في لسان الميزان (٢/ ١٧١) أن حبيب بن عمر يروي عن أبيه. وأخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١٣٤٧)، وابن بطة في الإبانة -القسم الثاني- (٢/ ٢٦٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٥٣) من طرق عن بقية بن الوليد به نحوه.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
٣٧٩ - سألت أحمد بن عبد الله بن يونس (^١)، فقال لي: لا يُصلى خلف من يقول: "القرآن مخلوق"، هؤلاء كفار (^٢).
٣٨٠ - وقال سليمان بن داود الهاشمي (^٣): من قال القرآن مخلوق فقد كفر، لا يصلى خلفه، ولا يصلى عليه (^٤)
٣٨١ - حدثنا عبيد الله بن يوسف قال: حدثني فطر بن حماد قال: سألت معتمر بن سليمان (^٥) فقلت: إمام لقوم يقول: القرآن مخلوق، أصلي خلفه؟ قال: أصلي خلف مسلم أحب إليّ. قال فطر: فأتيت يزيد
_________________
(١) أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي الكوفي، ثقة، حافظ، مات سنة (٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنة. تهذيب التهذيب (١/ ٣٢)، والتقريب (ص ٢١).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٦٠ - مسألة رقم ١٧٣١). وأورده الذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٤٠٠).
(٣) سليمان بن داود بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو أيوب البغدادي الهاشمي، الفقيه، ثقة، جليل، قال أحمد بن حنبل: يصلح للخلافة، مات سنة (٢١٩) وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (٢/ ٩٢)، والتقريب (ص ١٩١).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٠). وأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٤٧) تعليقا.
(٥) انظر ترجمته في الأثر (٣٣٣).
[ ٢ / ٥٨٨ ]
ابن ربيع فقلت: إمام لقوم يقول: القرآن مخلوق، أصلي خلفه؟ قال: لا ولا كرامة (^١).
٣٨٢ - حدثنا الحسين بن محمد السعدي قال: ثنا ميمون بن زيد قال: ثنا حرب بن سريج قال: قلت لأبي جعفر (^٢): إن لنا إمامًا قدريًا؟ قال: أعد كل صلاة صليتها خلفه (^٣).
٣٨٣ - حدثنا أحمد بن يونس قال: سمعت رجلًا يقول لسفيان الثوري: الرجل يُكذِّب بالقدر أصلي وراءه؟ قال: لا تقدموه (^٤).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٧). وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٥٨).
(٢) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، الإمام، الثبت، الهاشمي، العلوي، المدني، أحد الأعلام، ثقة، فاضل، مات سنة بضع عشرة ومائة. تذكرة الحفاظ (١/ ١٢٤)، والتقريب (ص ٤٣١).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٨٦). الإسناد فيه: ميمون بن زيد، أبو إبراهيم السقاء: لينه أبو حاتم. الجرح والتعديل (٨/ ٢٣٩). وحرب بن سريج: أبو سفيان البصري صدوق يخطئ. التقريب (ص ٩٥). وأخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١٣٤٨) من طريق ميمون بن زيد به نحوه.
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٧). =
[ ٢ / ٥٨٩ ]
٣٨٤ - حدثنا محمد بن الوزير قال: حدثنا مروان (^١) قال: سألت مالكا هل يُصلى خلف القدري؟ قال: لا (^٢).
٣٨٥ - سمعت أحمد بن يونس قال: سمعت زائدة يقول: لو كان رافضيا ما صليت وراءه (^٣).
٣٨٦ - ثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثني زهير بن نعيم قال: سمعت سلام بن أبي مطيع (^٤) يقول: الجهمية كفار ولا يصلى خلفهم (^٥).
_________________
(١) = إسناده صحيح. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٦) من طريق أحمد بن يونس به.
(٢) مروان بن محمد بن حسان الأسدي الطاطري، ثقة، التقريب (ص ٤٥٩).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٧). إسناده صحيح. وأخرج بنحوه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١٣٥١)، وابن بطة في الإبانة - القسم الثاني- (٢/ ٢٥٧)، والفريابي في القدر (ص ١٥٥).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٧). إسناده صحيح. وأخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٢٨١٥).
(٥) سلام بن أبي مطيع، أبو سعيد الخزاعي مولاهم البصري، الإمام، القدوة، ثقة، صاحب سنة في روايته عن قتادة ضعف، مات سنة (١٦٤) وقيل بعدها. السير (٧/ ٤٢٨)، والتقريب (ص ٢٠٢).
(٦) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٥٨ - رقم ١٧٢٨). =
[ ٢ / ٥٩٠ ]
٣٨٧ - حدثنا سليمان بن الأشعث وإبراهيم بن الحارث قال: حدثنا أحمد ابن إبراهيم قال: حدثني زهير بن نعيم أنه سأل سلام بن أبي مطيع عن الجهمية فقال: كفار، فلا يصلى خلفهم، قال: وقال زهير بن نعيم: أما أنا فإذا تيقنت أنه جهمي أعدت الصلاة خلفه الجمعة وغيرها (^١).
٣٨٨ - حدثنا محمد بن مصفى: عن أبي ضمرة أنس بن عياض (^٢) في
_________________
(١) = رجاله ثقات وإسناده صحيح. وزهير بن نعيم السلولي: وثقه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٠٥)، وقال ابن حجر: عابد. التقريب (ص ١٥٨). وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٠٥)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥١٧)، والخلال في السنة (١٧١٦)، وابن بطة في الإبانة -القسم الثالث- (٣/ ١٩٥).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٦). إسناده صحيح. وأخرجه الخلال في السنة (١٧٠٠) بنفس الإسناد، وأخرج قول زهير بن نعيم عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٢٩).
(٣) أنس بن عياض بن ضمرة، أبو عبد الرحمن الليثي، أبو ضمرة المدني، الإمام، الثقة، محدث المدينة النبوية، مات سنة (٢٠٠) وله ست وتسعون سنة. تذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٣)، والتقريب (ص ٥٤).
[ ٢ / ٥٩١ ]
الصلاة خلف الجهمية قال: لا تصلي خلفهم ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (^١).
٣٨٩ - حدثنا أبو إسحاق العبادي، عن يحيى بن معين أنه كان يعيد صلاة الجمعة منذ أظهر عبد الله بن هارون (^٢) ما أظهر (^٣).
٣٩٠ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله الأنصاري، عن أبي عبيد قال: ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهودي والنصراني، ولا يصلى خلف من لا يقدم أبا بكر على الخلق بعد
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٦). الإسناد حسن: محمد بن مصفى: صدوق له أوهام، وكان يدلس. تقدم مرارا. وقد تابعه إسحاق بن بهلول، وهو صدوق. انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ٢١٤). وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٢٩)، والخلال في السنة (١٦٩٨) كلاهما عن إسحاق بن بهلول عن أنس بن عياض به.
(٢) هو المأمون الخليفة، تقدمت ترجمته في الأثر (١٢٩).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٦). إسناده حسن: أبو إسحاق العبادي: هو إبراهيم بن الحارث، صدوق. تقدم. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٣٠).
[ ٢ / ٥٩٢ ]
رسول الله -ﷺ-، فأما الصلاة خلف القدري، والخارجي والمرجيء فلا أحبها، ولا أراها (^١).
٣٩١ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: ولا أحب الصلاة خلف أهل البدع، ولا الصلاة على من مات منهم (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٧). الإسناد فيه: إبراهيم بن عبد الله بن قريم الأنصاري، مستور. التقريب (ص ٣١). وأبو عبيد: لم يتبين لي من هو، ولعله: القاسم بن سلام الإمام المشهور. وأورد قولَ أبي عبيد شيخُ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٤٧).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: هذه الآثار تبين لنا امتناع السلف عن الصلاة خلف المبتدعة، وما ذلك إلا لعظم جرمهم وخطورة مذهبهم وشدة انحرافهم عن الصراط المستقيم، وأما حكم الصلاة خلف المبتدع فإنه يختلف باختلاف حال المبتدع الذي يُصلى خلفه، فإن كانت بدعته مكفرة فلا تجوز الصلاة خلفه باتفاق الأئمة، وعلى هذا تحمل معظم الآثار الواردة عن السلف في هذا المطلب. فإن كان هذا المبتدع -الذي بدعته مكفرة- من ولاة الأمور، فإنه يصلى خلفه ثم تعاد الصلاة، كما أُثر عن يحيى بن معين هنا، وكذلك فَعَلَ الإمام أحمد، كما جاء =
[ ٢ / ٥٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن أبي داود السجستاني في مسائله (ص ٦٤) أنه قال: قلت لأحمد: أيام كان يصلي الجُمَعَ الجهميةُ. قلت له: الجمعة؟ قال: أنا أعيد ومتى صليت خلف أحد ممن يقول: القرآن مخلوق فأعد. قلت: وبعرفة؟ قال: نعم. قال الإمام الحسن بن علي البربهاري في شرح السنة (ص ١٠٤): "والصلوات الخمس جائزة خلف من صليت إلا أن يكون جهميا، فإنه معطل. وإن صليت خلفه، فأعد صلاتك، وإن كان إمامك يوم الجمعة جهميا وهو سلطان، فصل خلفه وأعد صلاتك". وأما إن كان المبتدع متلبسًا ببدعة غير مكفرة، ففي الصلاة خلفه تفصيل:
(٢) فإما أن يكون معلنا لبدعته داعيا إليها، فهذا لا يصلى خلفه إن أمكن الصلاة خلف العدل، وإلا فيصلى خلفه ولا تعاد الصلاة، وذلك دفعا للضرر الحاصل من ترك الصلاة خلفه وهو تعطيل الصلوات في جماعة. انظر الفتاوى (٢٣/ ٣٤٤)، وموقف أهل السنة من أهل الأهواء (١/ ٣٦٩). وعلى هذا جرى عمل السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، بل عدّ الأئمة الممتنع عن أداة الصلاة وراء المبتدع -الذي لا تصلى الجماعة إلا خلفه- من المبتدعة الخارجين عن منهج السلف. قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٥٣): "ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة". وانظر المصدر نفسه (٣/ ٢٨٦). =
[ ٢ / ٥٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢ - وإما أن يكون مسرا لبدعته، فهذا تكره الصلاة خلفه إن أمكن الصلاة خلف العدل، وإلا فيجب الصلاة خلفه ولا تترك، "ومن تركها فإنه معدود من أهل البدع عند أهل السنة كالحكم في الاقتداء بالمبتدع المعلن، لأنه إذا جاز أداء هذه الصلوات خلف المبتدع المعلن فأداؤها خلف المسر من باب أولى" موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥). قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٤٢): "وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور وتفصيل ليس هذا موضع بسطه. لكن أوسط الأقوال في هؤلاء، أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرا للفجور أو البدع، يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته. ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية، وغير الداعية. فإن الداعية أظهر المنكر، فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها. ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة". وانظر المصدر نفسه (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١). وقال ابن أبي العز في شرحه للطحاوية (ص ٣٦٦ - ٣٦٧): "والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كَره من كَره الصلاة خلفه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب. =
[ ٢ / ٥٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن ذلك: أن من أظهر بدعة وفجورا لا يُرتب إماما للمسلمين، فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثَّر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يُعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه: فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية، ولم يفت المأموم الجمعة ولا الجماعة. وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهنا لا يَترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃. وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا يَترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الأفضل أفضل، فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة، وجب عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره، ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضررا من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز دفعُ الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفعُ أخفِّ الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان. فتفويت الجمع والجماعات أعظم فسادا من الإقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورًا، فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. وأما إذا أمكن فعلُ الجمعة والجماعة خلف البرّ، فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر".
[ ٢ / ٥٩٦ ]
المطلب الرابع: النهي عن مخالطة أهل البدع
٣٩٢ - حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم قال: ذكر عند ابن عمر قوم يكذبون بالقدر، فقال: لا تجالسوهم، ولا تسلموا عليهم، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، وأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم مني براء، هم مجوس هذه الأمة (^١).
٣٩٣ - حدثنا أحمد بن سليمان الباهلي قال: ثنا مرحوم العطار، قال: سمعت أبي وعمي، سمعا الحسن ينهى عن مجالسة معبد الجهني، ويقول: لا تجالسوه، فإنه ضالٌ مضل (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٨٨). هذا الأثر مكرر، انظر الأثر رقم (١٨٣).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٧٩). الإسناد ضعيف؛ لأجل والد مرحوم، وهو عبد العزيز بن مِهران البصري، قال عنه ابن حجر: مقبول. التقريب (ص ٣٣)، وعمه: اسمه عبد الحميد، لم أقف له على ترجمة. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٣٩١)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (١١٤٢)، والآجري في الشريعة (٥٥١)، وابن بطة في الإبانة -القسم الثاني- (٢/ ٣١٩) من طرق عن مرحوم بن عبد العزيز به.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
٣٩٤ - ثنا حمزة بن سعيد المروزي قال: سألت أبا بكر بن عياش فقلت: يا أبا بكر قد بلغك ما كان من أمر ابن علية في القرآن فما تقول فيه؟ فقال: اسمع إلي -ويلك- من زعم لك أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق عدو لله، لا تجالسه، ولا تكلمه (^١).
٣٩٥ - قلت لعلي (^٢): ويكره أن يذكر رجل كلام أهل البدع؟ قال: نعم، لأني أخاف أن يذكره عند رجل ضعيف القلب فيقع في قلبه (^٣).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٥٨ - رقم ١٧٢١). هذا الأثر مكرر، انظر الأثر رقم (١٠٤).
(٢) ابن عبد الله المديني.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٧). لم أجد من أخرج قول علي بن المديني. التعليق: هذه الآثار الواردة عن السلف فيها التحذير الشديد من مخالطة أهل الأهواء والبدع ومجالستهم، وما ذلك إلا من أجل الحفاظ على سلامة العقيدة، لأن مجالستهم تمرض القلوب، وتضعف الإيمان، وتشكك المسلم بدينه، وينقدح في قلبه شبه تؤدي إلى الهلاك والانغماس في البدع والضلال. وقد حذر الله تعالى من مجالسة أهل الزيغ والضلال، الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، فقال في كتابه العزيز: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ =
[ ٢ / ٥٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. قال البغوي في التفسير (٢/ ٣٠١): "قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة". وقال ابن جرير الطبري في التفسير (٧/ ٦٠٣): "وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم". وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. قال الإمام الشوكاني في فتح القدير (٢/ ١٨٦): "وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله -ﷺ-، ويرد ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة، فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها، علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرمات، ولا سيما =
[ ٢ / ٥٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة". وكذا جاء النهي عن مخالطة أهل الأهواء في السنة المطهرة، ومن ذلك ما جاء في قصة هجر النبي -ﷺ- كعب بن مالك وصاحبيه ﵃، لما تخلفوا عن غزوة تبوك، فقد روى البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) القصة كاملة، وكان مما جاء فيها قول كعب: " ونهى رسول الله -ﷺ- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناسُ، وتغيروا لنا حتى تنكرَت في نفسي الأرضُ فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله -ﷺ- فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إليّ، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله رسوله؟ قال: فسكت. فعدت له فنشدته فسكت. فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي ". الحديث. قال الإمام البغوي في شرح السنة (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) معلقا على قصة كعب: "وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد، وكان رسول الله -ﷺ- خاف على =
[ ٢ / ٦٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه، فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم، وعرف رسول الله -ﷺ- براءتهم، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم". وقد أجمع السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم على وجوب هجر المبتدعة وترك مجالستهم، والتحذير منهم. قال عبد الرحمن بن أبي الزناد: "أدركنا أهل الفضل والفقه من خيار أولية الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم، ومجالستهم، وحذرونا مقاربتهم أشد التحذير". أخرجه ابن بطة في الإبانة -القسم الأول- (٢/ ٥٣٢). وقال الإمام أحمد بن حنبل: "الذي كنا نسمع، وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم، أنهم يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمور بالتسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله أو سنة رسول الله لا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم، فإنهم يلبسون عليك وهم لا يرجعون". أخرجه ابن بطة في الإبانة -القسم الأول- (٢/ ٤٧٢). وقال الإمام أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢٩٨): "ويبغضون أهل البدع، الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم، ويرون =
[ ٢ / ٦٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صون آذانهم عن سماع أباطيلهم، التي إذا مرت بالآذان وقرّت في القلوب ضرّت، وجرّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت". والقصد من هذا كله اتباع أمر الله تعالى بترك مجالستهم، وخوفا من الانغماس في ضلالهم وبدعهم، وكذلك منع تماديهم في بدعهم من أجل أن ينزجروا ويؤدبوا ولا تنخدع بهم العامة، فهذا هو الغاية من الهجر. أما إذا لم يترتب على الهجر مصلحة راجحة، فإنه حينئذ لا يشرع الهجر، ويعدل عنه إلى وسيلة أخرى. انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/ ٢٠٦ - ٢٠٨).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
المبحث الثالث:
الآثار الواردة في ذم السلف للرأي وأهله
[ ٢ / ٦٠٣ ]
٣٩٦ - سمعت أحمد يقول: قال ابن عيينة: أصحاب الرأي ثلاثةٌ: عثمان (^١) بالبصرة، وربيعة (^٢) بالمدينة، وأبو حنيفة بالكوفة (^٣).
٣٩٧ - حدثنا عبدة بن عبد الرحيم بن حسان قال: ثنا معروف بن حسان السمرقندي قال: كنت عند الأعمش وهو مريض، فأتاه أبو حنيفة يعوده، فقال: أبو حنيفة: لولا أني أثقل عليك لعدتك كل يوم. فقال الأعمش: من هذا؟ قال: أبو حنيفة. قال: والله إنك لتثقل عليّ وأنت في منزلك فكيف إذا عدتني (^٤).
_________________
(١) عثمان بن مسلم البَتّي، أبو عمرو البصري، ويقال اسم أبيه سليمان، صدوق، عابوا عليه الإفتاء بالرأي، مات سنة (١٤٣). التقريب (ص ٣٢٧).
(٢) ربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي مولاهم، أبو عثمان المدني، المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ، ثقة، فقيه، مشهور، قال ابن سعد: كانوا يتقونه لموضع الرأي، مات سنة (١٣٦) على الصحيح. التقريب (ص ١٤٧).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٦٧ - رقم ١٧٧٦). وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٣/ ٤١٤).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٧). إسناده ضعيف. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٩٠)، وأبو حفص عمر بن شاهين =
[ ٢ / ٦٠٥ ]
٣٩٨ - سمعت أبا عبد الله يقول: قال عبد الرزاق (^١): كان قضاتنا يقضون بالكتاب، حتى جاء يوسف بن يعقوب (^٢). قال: فقال سفيان الثوري: كأني بك قد قيل: أين يوسف بن يعقوب وأين أتباعه؟! (^٣).
٣٩٩ - حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم قال: حدثنا عبد الله بن داود قال: حدثني أشعث صاحب لي قال: سمعت الأعمش يقول: إنما مثل أبي حنيفة مثل رجل خرج بالليل فرأى سوادا فظن أنها تمرة، فإن
_________________
(١) = في ناسخ الحديث ومنسوخه (٢١)، وابن عدي في كتاب الكامل في الضعفاء (٦/ ٣٢٥) وقال: معروف بن حسان السمرقندي: منكر الحديث. وانظر لسان الميزان (٦/ ٦١).
(٢) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، الحافظ الكبير، ثقة مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، مات سنة (٢١١) وله خمس وثمانون سنة. تذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٤)، والتقريب (ص ٢٩٦).
(٣) يوسف بن يعقوب بن إبراهيم القاضي، وكان قد سمع الحديث، وروى الرأي عن أبيه أبي يوسف، وولي قضاء بغداد في الجانب الغربي في حياة أبيه، وصلى بالناس الجمعة في مدينة أبي جعفر بأمر هارون أمير المؤمنين، ولم يزل قاضيا له بها إلى أن توفي في رجب سنة (١٩٢). طبقات ابن سعد (٧/ ٣٣٧).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٦٦ - رقم ١٩٢١). وأخرج نحوه الإمام أحمد بن حنبل في كتاب العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٨٧).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
أخطاه أن يكون غير ذلك كان خُرْءُ كلب (^١) (^٢).
٤٠٠ - حدثنا عبد العزيز بن أبي سهل قال (^٣): حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: سمعت شريك بن عبد الله يقول: لأن يكون في كل ربع من أرباع الكوفة خمار يبيع الخمر خير من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة (^٤).
٤٠١ - حدثنا عبدة بن عبد الرحيم قال: أخبرنا سلمة بن سليمان قال: قال ابن المبارك: كنت آتيه -يعني أبا حنيفة- سرًا من سفيان
_________________
(١) الخُرْءُ: بالضَّمِّ ويُفتح: العَذِرَةُ. تاج العروس (١/ ٢٠٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٧). الإسناد فيه أشعث صاحب عبد الله بن داود: لم أجد له ترجمة. ولم أجد من أخرجه.
(٣) في المطبوع: حدثنا عبد العزيز بن أبي سهل قال: حدثنا سهل قال: حدثنا منصور ابن أبي مزاحم، وزيادة "حدثنا سهل قال" خطأ، وما أثبته من المخطوط ل (٢٣٣/ أ).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٧). الإسناد فيه: عبد العزيز بن أبي سهل: لم أجد له ترجمة. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٠٣) عن منصور بن أبي مزاحم عن شريك به مثله.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وأصحابنا (^١).
٤٠٢ - قلت لأحمد بن سعيد: مالك لما (^٢) ترك حديث عكرمة؟ قال: لرأيه. قلت: وما رأيه؟ قال: شبه كلام الخوارج، فأما الكذب فمعاذ الله (^٣).
٤٠٣ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وأصحاب الرأي: وهم مبتدعة ضُلال أعداء السنة والأثر، يرون الدين رأيًا وقياسًا
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٨). إسناده حسن. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢١٢).
(٢) لعلها "لم".
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٤٨). لم أجد من أخرجه. قلت: عكرمة الذي في هذا الأثر هو عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس وقد تقدمت ترجمته في الأثر (١٠) وقد جاء في بعض تراجمه أنه كان يرى رأي الخوارج، قال يحيى بن معين: إنما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة لأن عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية. انظر التعديل والتجريح للباجي (٣/ ١٠٢٣)، وانظر أيضا الكامل في الضعفاء (٥/ ٢٦٦)، والكاشف للذهبي (٢/ ٣٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٦).
[ ٢ / ٦٠٨ ]
واستحسانًا، وهم يخالفون الآثار، ويبطلون الحديث، ويردون على الرسول -ﷺ-، ويتخذون أبا حنيفة ومن قال بقوله إمامًا يدينون بدينهم، ويقولون بقولهم فأي ضلالة بأبين ممن قال بهذا، أو كان على مثل هذا يترك قول الرسول وأصحابه ويتبع رأي أبي حنيفة وأصحابه، فكفى بهذا غيًا وطغيانًا وردًا (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٥). التعليق: قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٢٤٠): "أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة ﵀، وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر من جهة الإسناد بطل القياس والنظر، وكان رده لما رد من الأحاديث بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجل ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعا لأهل بلده كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فيأتي منهم من ذلك خلاف كثير للسلف، وشِنَع هي عند مخالفيهم بدع، وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رَد من أجل ذلك المذهب بسنة أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا وهو يوجد لغيره قليل". ثم ذكر بعد ذلك بعض أقوال السلف في مدح أبي حنيفة فلتراجع. =
[ ٢ / ٦٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما الخوض في الرأي المذموم فقد حذر السلف من ذلك أشد التحذير، لأن فيه إعراض عن الكتاب والسنة وتعلق بآراء الرجال، فهذا عمر بن الخطاب -﵁- يقول: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا". أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٢٠١)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (رقم ٢٦٧). وجاء عن علي -﵁- أنه قال: "لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه". رواه أبو داود في السنن (١/ ٢٢٦ رقم ١٦٣). وقال ابن عباس ﵄: "آفة الرأي الهوى". أخرجه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٣٧٥). وعن نوح الجامع قال: قلت لأبي حنيفة: ما تقول في ما أحدث الناس من الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة عليك بالأثر، وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة". أخرجه الهروي في ذم الكلام وأهله (رقم ١٠١٥)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (١/ ١٠٥)، وابن قدامة في ذم التأويل (ص ٣٠ - ٣١). وجاء عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال: قال أبو حنيفة: "لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام، وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه، وينهانا عن الكلام". أخرجه الهروي في ذم الكلام وأهله (١٠٢٩).
[ ٢ / ٦١٠ ]
المبحث الرابع:
قولهم في بعض الفرق
[ ٢ / ٦١١ ]
المطلب الأول: ما جاء في الشيعة (^١)
٤٠٤ - حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد ابن سوقة، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال علي: تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة (^٢)، شرهم قوم ينتحلون حبنا أهل البيت (^٣).
_________________
(١) الشيعة: اسم لكل من فضل عليا على الخلفاء الراشدين قبله ﵃، ورأى أن الإمامة لا تخرج من أولاده وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده،. انظر الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٤٥)، والتعريفات للجرجاني (ص ١٧١). قال الحافظ ابن حجر في هدي الساري (ص ٦٤٦) معرفا التشيع بقوله: "والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو".
(٢) جزء من حديث أخرجه مرفوعا أبو داود (كتاب السنة، باب شرح السنة ٥/ ١٨٢ - ١٨٣ رقم ٤٥٨٦ - ٤٥٨٧)، والترمذي (كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ٤/ ٣٨١ رقم ٢٦٤٠). وانظر السلسلة الصحيحة (٢٠٣).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٦). الإسناد فيه أبو معاوية محمد بن خازم الضرير: يهم ويضطرب في حديثه عن غير الأعمش. انظر التهذيب (٣/ ٥٥١ - ٥٥٢). وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق =
[ ٢ / ٦١٣ ]
٤٠٥ - حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن علي قال: مثلي فيكم كمثل عيسى بن مريم أحبته طائفة فأفرطوا في حبه فهلكوا، وأبغضته طائفة فأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصدت فيه طائفة فنجت، فالناجي منكم في المقتصد (^١).
٤٠٦ - حدثنا أحمد بن يونس (^٢) قال: ثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن الأصم، قال: قلت للحسن بن علي (^٣): إن هذه الشيعة يزعمون أن عليًا مبعوث قبل يوم القيام؟ قال: كذبوا والله ما هؤلاء بشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا
_________________
(١) = (٥٨/ ٩٥) كلاهما من طريق أبي معاوية به. وزادا: "ويخالفون أعمالنا".
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧). الإسناد ضعيف؛ شريك: صدوق سيء الحفظ تقدم، وأبو اليقظان: هو عثمان ابن عمير الكوفي الأعمى قال فيه ابن حجر: ضعيف واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع. التقريب (ص ٣٢٦). وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (ح ١٠٢٥)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٢) عن وكيع عن شريك به.
(٣) في المطبوع "أحمد بن يوسف" وما أثبته من المخطوط ل (٢٢٥/ ب).
(٤) تقدمت ترجمته في الأثر رقم (٣٦٣).
[ ٢ / ٦١٤ ]
ماله (^١).
٤٠٧ - حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدئنا إدريس، عن حصين، عن عمار بن الحارث (^٢) قال: قيل لابن عباس: إن ناسًا يزعمون أن عليًا سيرجع بعد الموت؟ قال: لو علمنا ذلك ما اقتسمنا ميراثه ولا نكحنا نساء (^٣).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٦). الإسناد حسن: رجاله ثقات غير عمرو بن عبد الله الأصم: ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٨٠)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢٤٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقد تابعه عاصم بن ضمرة عند ابن عساكر في تاريخه. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٦)، وابن الجعد في المسند (ص ٣٦٦)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٥٧)، وابن عساكر في تاريخه (١٣/ ٢٦٠) كلهم من طرق عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم به. وأخرجه أيضا ابن عساكر في تاريخه (٤٢/ ٥٨٨) من طريق عثمان بن أبي شيبة نا شريك عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة قال قلت للحسن بن علي الأثر.
(٢) لعله مصحف عن "عمران بن الحارث" الوارد في التفسير لابن جرير والمستدرك للحاكم والتاريخ لابن عساكر. وعمران بن الحارث روى عن ابن عباس وعنه حصين بن عبد الرحمن. انظر التهذيب (٣/ ٣١٥).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٦). =
[ ٢ / ٦١٥ ]
٤٠٨ - حدثنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن هشام ابن عبيد الله، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كلام الشيعة هلكة (^١).
٤٠٩ - حدثنا سعيد قال: ثنا أبو معاوية، عن مجالد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر (^٢) -وكان على مجنبة علي- قال: قلت له: يا أبا النضر ما ردك عن رأي هذه الشيعة وكنت فيهم رأسًا؟ قال: رأيتهم يتعلقون
_________________
(١) = وأخرجه ابن جرير في التفسير (٢/ ٣٢٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٥٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩١) وصححه وأقره الذهبي في التلخيص.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٨). الإسناد فيه: بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعن. وأخرجه ابن بطة في الإبانة -القسم الثاني- (٢/ ١٦٥ رقم ١٦٣٩)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (١١٦٥) كلاهما من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج بلفظ: "كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعة هلكة".
(٣) زياد بن النضر، أبو الأوبر الحارثي، له إدراك ورواية عن أبي هريرة، وعنه الشعبي وعبد الملك بن عمير وغيرهما. الإصابة (٢/ ٦٤٣).
[ ٢ / ٦١٦ ]
بأعجاز ليس لها صدور (^١).
٤١٠ - حدثنا محمد بن قدامة (^٢) قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون قال: سمعت إبراهيم يقول: احذروا هؤلاء الكذابين (^٣).
ومن فرق الشيعة:
١ - الرافضة (^٤):
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٦). الإسناد فيه: مجالد بن سعيد الهمداني، ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره. التقريب (ص ٤٥٣). وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٥٥٩) من طريق مجالد به.
(٢) محمد بن قدامة بن أعين القرشي. التقريب (ص ٤٣٧).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٨). رجاله ثقات، وإسناده صحيح.
(٤) اسم يطلق على كل من رفض إمامة الشيخين أبي بكر وعمر، وسبّهما وكفَّرهما، وكفّر سائر الصحابة إلا النزر اليسير منهم، وقال بأن الإمامة في أهل البيت، إلى غير ذلك من العقائد الباطلة. ولم يُسموا رافضة إلا بعد أن طلبت شيعة العراق من زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -﵁- أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى، فرفضه قوم، فقال: رفضتموني، فسموا رافضة. ثم افترقت الرافضة بعد ذلك إلى أربع فرق: زيدية، هامامية، وكيسانية، وغلاة، وتفرقت هذه الفرق إلى فرق أخرى كثيرة. انظر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٩٦)، والفرق =
[ ٢ / ٦١٧ ]
٤١١ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن خبيق الأنطاكي قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أما الشيعة فهم أصناف: ومنهم الرافضة الذين يتبرؤون من جميع أصحاب النبي ﵇، ويكفرون الأمة، إلا أربعة: علي وعمار (^١) والمقداد (^٢) وسلمان (^٣) (^٤).
_________________
(١) = بين الفرق للبغدادي (ص ٢١)، ومقالات الإسلاميين (ص ١٩)، والبرهان للسكسكي (ص ٣٦)، وإرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي -ﷺ- للشوكاني (ص ٦٩ - ٧٠).
(٢) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنْسي، أبو اليقظان مولى بني مخزوم، صحابي جليل مشهور، من السابقين الأولين، بدري، قتل مع علي بصفين سنة (٣٧). الإصابة (٤/ ٥٧٥)، والتقريب (ص ٣٤٦).
(٣) المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراني ثم الكندي ثم الزهري، حالف أبوه كندة وتبناه هو الأسود بن عبد يغوث الزهري فنسب إليه، صحابي مشهور، من السابقين،، مات سنة (٣٣) وهو ابن سبعين سنة. الإصابة (٦/ ٢٠٢)، والتقريب (ص ٤٧٦).
(٤) سلمان الفارسي، أبو عبد الله، ويقال له سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل من رامهرمز أول مشاهده الخندق، مات سنة (٣٤). الإصابة (٣/ ١٤١)، والتقريب (ص ١٨٦).
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧). ولم أجد من أخرجه. =
[ ٢ / ٦١٨ ]
٤١٢ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والرافضة الذين يتبرؤون من أصحاب النبي -ﷺ- ويسبونهم وينتقصونهم، ويكفرون الأمة إلا نفرًا يسيرًا، وليست الرافضة من الإسلام في شيء.
وقال حرب أيضا: والرافضة هم أسوأ أثرًا في الإسلام من أهل الكفر من أهل الحرب، وصنف من الرافضة يقولون عليٌّ في السحاب، ويقولون عليٌّ يبعث قبل القيامة (^١) وهذا كله كذب وزور وبهتان (¬٢).
٢ - المنصورية:
٤١٣ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن خبيق الأنطاكي قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أما الشيعة فهم أصناف، فمنهم المنصورية وهم الذين يقولون: من قتل أربعين نفسًا ممن خالف هواهم دخل الجنة، وهم الذين يخيفون الناس ويستحلون أموالنا، وهم الذين
_________________
(١) = قلت: وقد أشار إلى ذلك ونص عليه الكليني. انظر الروضة من الكافي (٨/ ٢٤٥).
(٢) وهم فرقة السبئية، وسيأتي التعريف بهم. وانظر قولهم هذا في مقالات الإسلاميين (ص ١٨)، والفرق بين الفرق (ص ٢٣٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٢).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٣ - ٣٦٤).
[ ٢ / ٦١٩ ]
يقولون: أخطأ جبريل بالرسالة (^١) (^٢).
٤١٤ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والمنصورية: وهم رافضة أخبث الروافض، وهم الذين يقولون من قتل أربعين رجلًا ممن خالفهم (^٣) هواهم دخل الجنة، وهم الذين يخنقون الناس ويستحلون أموالهم وهم الذين يقولون أخطأ جبريل الرسالة، وهذا الكفر الواضح الذي لا يشوبه إيمان فنعوذ باللّه ونعوذ بالله (^٤).
_________________
(١) وهذا هو قول الغرابية من الرافضة: الذين يقولون: بأن عليا كان يشبه النبي -ﷺ- كشبه الغراب بالغراب، وزعموا أن الله -﷿- أرسل جبريل ﵇ إلى علي، فغلط في طريقه فذهب إلى محمد، ويزعمون أيضا أن عليا كان الرسول وأولاده بعده هم الرسل، وهذه الفرقة تقول لأَتباعها العنوا صاحب الريش يعنون جبريل ﵇. انظر الفرق بين الفرق (ص ٢٥٠)، والفصل في الملل والأهواء والنحل (٥/ ٤٢).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧).
(٣) كذا في المخطوط، وعند الاصطخري "خالف".
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٣). التعليق: المنصورية: نسبة إلى أبي منصور العجلي، الذي ادعى أن الإمامة في أولاد علي -﵁- حتى انتهت إليه، وادعى أن الله -﷿- عرج به إليه، وذكر أنه نبي =
[ ٢ / ٦٢٠ ]
٣ - السبئية:
٤١٥ - حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري قال: ما رأيت قوما أشبه بالنصارى من السبئية (^١). قال أحمد (^٢): هم الرافضة (^٣).
_________________
(١) = ورسول وأن الله اتخذه خليلا، وقد كفرت هذه الطائفة بالقيامة، والجنة والنار، وتأولوا الجنة على نعيم الدنيا والنار على محن الناس في الدنيا، واستحلوا النساء والمحارم، وزعموا أن الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر وغير ذلك من المحارم حلال. انظر الفرق بين الفرق (ص ٢٤٣ - ٢٤٥)، ومقالات الإسلاميين (ص ١٤ - ١٥)، وفرق الشيعة للنّوبختي (ص ٣٨).
(٢) السبئية: نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي قال لعلي -﵁- أنت إله، وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي -﵁-، وهو أول من أسس التشيع على الغلو في أهل البيت، ويقول بأن عليا في السماء، وبرجعته، ومنه خرجت أصناف الغلاة. انظر فرق الشيعة للنّوبختي (ص ٢٢)، والملل والنحل (١/ ١٧٢)، ومقالات الإسلاميين (ص ١٨)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٤٤٩)، ومنهاج السنة (٢/ ٥١٠).
(٣) هو ابن يونس.
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧). رجاله ثقات، وإسناده صحيح. وأخرجه الآجري في الشريعة (٢٠٢٨، و٢٠٣٠).
[ ٢ / ٦٢١ ]
٤١٦ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والسبئية: وهم رافضة كذابين، وهم قريب ممن ذكرت مخالفون للأئمة (^١).
٤ - الزيدية:
٤١٧ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن خبيق الأنطاكي قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: وأصل الشيعة الزيدية (^٢) وهم
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٤).
(٢) نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -﵁- جعلوا الإمامة في أولاد فاطمة ولم يجوِّزوها في غيرهم، وزيد كان يفضل عليا على سائر الصحابة رضوان الله عليهم ويتولى الشيخين، وكان يرى الخروج على أئمة الجور، وهو الذي رفضته شيعة العراق عندما لم يتبرأ من أبي بكر وعمر، لذلك سُموا رافضة، والذين ثبتوا معه سُموا زيدية. انظر الملل والنحل (١/ ١٥٤)، ومقالات الإسلاميين (ص ٤٨ - ٤٧)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٥٢)، ومنهاج السنة (٣/ ٤٧١ - ٤٧٢). ثم افترقت الزيدية إلى ثلاثة فرق: الجارودية -وهي أضلهم-، والسليمانية، والبترية. انظر منهاج السنة (٣/ ١٠ - ١١). قلت: وزيد بن علي هو من كبار أئمة أهل البيت الموافقين لما عليه السلف الصالح في الاعتقاد، وهو بريء مما عليه الزيدية من معتقدات باطلة، ومما نسبه إليه بعض المؤرخين من تهمة الاعتزال والتشيع. ولقد نافح عنه الأستاذ شريف الشيخ صالح أحمد الخطيب في كتابه "الإمام زيد بن علي المفترى عليه". فليراجع.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
الخشبية (^١)، وهم الذين يتبرؤون من عثمان بن عفان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون القتال مع كل من خرج من ولد علي برًا كان أو فاجرًا حتى يغلب أو يُغلب (^٢).
٤١٨ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والزيدية: وهم رافضة، وهم الذين يتبرؤون من عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون القتال مع كل من خرج من ولد علي برًا كان أو فاجرًا حتى يَغلب أو يُغلب (^٣).
_________________
(١) سُموا خشبية لأنهم لا يستحلون حمل السلاح حتى يخرج الذي ينتظرونه، فهم يقتلون الناس بالخشب فقط، وهم أتباع المُخْتار بن أبي عبيد. انظر الفصل في الملل (٥/ ٤٥)، ومنهاج السنة (١/ ٣٦)، والنهاية لابن الأثير (٢/ ٣٤).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٧).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٤). كلام حرب الكرماني هنا وما قبله متوجه إلى الجارودية من الزيدية، فإن مذهبهم أقرب إلى الرافضة، في تكفيرهم للصحابة وغلوهم في علي وآل البيت، أما الزيدية الأوائل فكانوا يرون أن عليا أحق بالإمامة من غيره دون الطعن في أبي بكر وعمر. انظر الفرق بين الفرق (ص ٣٠ - ٣٣)، والفصل في الملل (٥/ ٣٥)، والملل والنحل (١/ ١٥٣).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
٥ - الخشبية:
٤١٩ - قال حرب فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والخشبية (^١) وهم الذين يقولون قول الزيدية والشيعة: وهم في ما زعموا ينتحلون حب آل محمد دون الناس، وكذبوا، بل هم خاصة المبغضون لآل محمد دون الناس، إنما شيعة آل محمد المتقون أهل السنة والأثر، من كانوا وحيث كانوا، الذين يحبون آل محمد وجميع أصحاب محمد، ولا يذكرون أحدًا منهم بسوء، ولا عيب، ولا منقصة، فمن ذكر أحدًا من أصحاب محمد ﵇ بسوء أو طعن عليه بعيب أو تبرأ من أحد منهم، أو سبهم، أو عرّض بسبهم وشتمهم، فهو رافضي مخالف خبيث ضال (^٢).
_________________
(١) تقدم التعريف بهم في الأثر رقم (٤١٧).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٤).
[ ٢ / ٦٢٤ ]
المطلب الثاني: ما جاء في الخوارج (^١)
٤٢٠ - سمعت عبد الله بن محمد أبو محمد الضعيف قال: قعد الخوارج هم أخبث الخوارج (^٢)، وقعد الجهمية هم الأوقفة (^٣).
٤٢١ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وأما الخوارج فمرقوا من الدين، وفارقوا الملة، وشردوا على الإسلام، وشذوا عن الجماعة، وضلوا عن سبيل الهدى، وخرجوا على السلطان والأئمة، وسلوا
_________________
(١) سُموا خوارج: لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- بعد معركة صفين إثر تحكيم الحكمين، وقالوا لا حكم إلا لله، وأعلنوا البراءة منه وممن اتبعه، والخوارج تعد من أول الفرق ظهورا في الأمة الإسلامية. ومن أشهر مقالاتهم: تكفيرهم لكثير من الصحابة، والتكفير بالكبيرة، والخروج على أئمة المسلمين انظر مقالات الإسلاميين (ص ٥٩)، والملل والنحل (١/ ١١٤)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٤٦)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٣٣).
(٢) قلت: هذا تنبيه مهم ودقيق من السلف ﵏: فيه الإشارة إلى عظم خطر هؤلاء القعدية الذين يزينون للناس الخروج على الأئمة، وهم في الوقت نفسه يظهرون خلاف ذلك.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٦٢ - رقم ١٧٤٩). لم أجد من أخرجه.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
السيف على الأمة، واستحلوا دمائهم وأموالهم، وكفروا من خالفهم إلا من قال بقولهم وكان على مثل رأيهم، وثبت معهم في دار ضلالتهم، وهم يشتمون أصحاب محمد -ﷺ- وأصهاره وأختانه، ويتبرؤون منهم، ويرمونهم بالكفر والعظائم، ويرون خلافهم في شرائع الدين وسنن الإسلام، ولا يؤمنون بعذاب القبر، ولا الحوض، ولا الشفاعة، ولا يخرجوا أحدًا من أهل النار، وهم يقولون من كذب كذبة، أو أتى صغيرة، أو كبيرة من الذنوب فمات من غير توبة فهو كافر، فهو في النار خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، وهم يقولون بقول البكرية في الحبة والقيراط، وهم قدرية (^١) جهمية (^٢) مرجئة (^٣)
_________________
(١) وهو قول الميمونية منهم. قال الأشعري عنهم: "والذي تفردوا به القول بالقدر على مذهب المعتزلة، وذلك أنهم يزعمون أن الله سبحانه فوض الأعمال إلى العباد وجعل لهم الاستطاعة إلى كل ما كلفوا، فهم يستطيعون الكفر والإيمان جميعا، وليس لله سبحانه في أعمال العباد مشيئة، وليس أعمال العباد مخلوقة لله". مقالات الإسلاميين (ص ٦٣ - ٦٤).
(٢) لقول عامتهم بخلق القرآن. انظر مقالات الإسلاميين (ص ٧٢).
(٣) وهو قول البيهسية منهم. قال الشهرستاني عنهم: "والإيمان: هو أن يعلم كل حق وباطل، وأن الإيمان: هو العلم بالقلب دون القول والعمل، ويحكى عنه أنه قال: =
[ ٢ / ٦٢٦ ]
رافضة (^١)، ولا يرون جماعة إلا خلف إمامهم، وهم يرون تأخير الصلاة عن وقتها، ويرون الصوم قبل رؤيته، والفطر قبل رؤيته، وهم يرون النكاح بغير ولي ولا سلطان، ويرون المتعة في دينهم (^٢)، ويرون الدرهم بالدرهمين يدًا بيد حلالًا، وهم لا يرون الصلاة في الخفاف، ولا المسح عليها، وهم لا يرون للسلطان عليهم طاعة، ولا لقريش خلافة، وأشياء كثيرة يخالفون فيها الإسلام وأهله، فكفى بقوم ضلالة يكون هذا رأيهم ومذهبهم ودينهم، وليسوا من الإسلام في شيء، وهم المارقة (^٣)، ومن أسماء الخوارج: الحرورية، وهم
_________________
(١) = الإيمان هو الإقرار والعلم وليس هو أحد الأمرين دون الآخر. وعامة البيهسية على أن العلم والإقرار والعمل كله إيمان". الملل والنحل (١/ ١٢٤). وانظر مقالات الإسلاميين (ص ٧٤ - ٧٥).
(٢) لموافقتهم الرافضة في تكفير أكثر الصحابة. انظر مقالات الإسلاميين (ص ٨١).
(٣) لعله يريد ما ذهبت إليه العجاردة والميمونية من تجويز نكاح بنات البنين وبنات البنات وبنات بنات الإخوة وبنات بني الإخوة. انظر مقالات الإسلاميين (ص ٦٤ - ٦٥).
(٤) كما سماهم بذلك النبي -ﷺ- في الحديث المشهور الذي رواه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) عن علي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "يأتي في آخر =
[ ٢ / ٦٢٧ ]
أهل حروراء (^١)، والأزارقة وهم أصحاب نافع بن الأزرق (^٢)، وقولهم أخبث الأقاويل، وأبعدها من الإسلام والسُنة (^٣).
وقال حرب الكرماني أيضًا: والبكرية (^٤): وهم قدرية، وهم
_________________
(١) = الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتوهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة". وانظر كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص ٥١).
(٢) اسم للموضع الذي خرج أول من خرج منهم، وانشق عن جيش علي -﵁-، وهو موضع قريب من الكوفة. انظر مقالات الإسلاميين (ص ٨٣)، والفرق بين الفرق (ص ٧٥).
(٣) نافع بن الأزرق الحروري: من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، وكان قد خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، وقتل سنة ٦٥ هـ. لسان الميزان (٦/ ١٤٤). وأتباعه من أشرِّ فرق الخوارج، وكانوا أكثرهم عددا وأشدهم شوكة. ومن معتقداتهم: أنهم يعتقدون أن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون، ويكفرون بعض الصحابة، ويستبيحون قتل نساء المخالفين وأطفالهم. انظر الفرق بين الفرق (ص ٨٢ - ٨٦)، والفصل في الملل (٥/ ٥٢)، والأنساب للسمعاني (١/ ١٢٢).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٤).
(٥) البكرية أتباع بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد، وهم يعتقدون أيضًا أن الإنسان =
[ ٢ / ٦٢٨ ]
أصحاب الحبة والقيراط (^١)، والدانق (^٢) يزعمون أن من أخذ حبة، أو قيراطًا، أو دانقًا حرامًا فهو كافر، وقولهم يضاهئ قول الخوارج (^٣).
وقال حرب الكرماني أيضًا: "والنجدية: وهم أصحاب نجدة ابن عامر (^٤).
_________________
(١) = هو الروح دون الجسد، وأن الله يرى يوم القيامة في صورة يخلقها وأنه يكلم عباده منها، وأن الأطفال والبهائم لا يحسون بالألم وهذا الكلام على خلاف ما عرف بضرورة العقل. انظر مقالات الإسلاميين (ص ١٦٨)، والفرق بين الفرق (ص ٢١٢)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٦٩).
(٢) القيراط: جُزء من أجزاء الدِينار وهو نصف عُشْره في أكثر البلاد. النهاية لابن الأثير (٤/ ٤٣).
(٣) الدانق: هو سدس الدينار والدرهم. لسان العرب (١٠/ ١٠٥).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٣).
(٥) نجدة بن عامر الحروري، من رؤوس الخوارج زائغ عن الحق، خرج باليمامة عقب موت يزيد بن معاوية، وله مقالات معروفة، وأتباعه انقرضوا. قتل سنة ٦٩ هـ انظر لسان الميزان (٦/ ١٤٨)، وتاريخ الإسلام للذهبي حوادث ووفيات (٦١ - ٨٠ هـ) ص ٢٦٠. وأتباعه يسمون بالنجدات العاذرية: لأنهم يعذرون بالجهالات في أحكام الفروع، فصاحب الكبيرة عندهم ليس بكافر، ومما أحدثوه أيضا: أن =
[ ٢ / ٦٢٩ ]
والأباضية، وهم أصحاب عبد الله بن أباض (^١).
_________________
(١) = التقية جائزة في القول والعمل كله، وإن كان في قتل النفوس، ويقولون أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط، وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن هم رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه فأقاموه جاز، وقيل: إن نجدة الحروري خرج من جبال عمان فقتل الأطفال وسبى النساء وأهرق الدماء واستحل الفروج والأموال، وكان يكفر السلف والخلف، ويتولى ويتبرأ، وكان يقول الاستطاعة مع الفعل. انظر الملل والنحل (١/ ١٢١)، ومقالات الإسلاميين (ص ٥٩ - ٦٣ و٨١)، والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص ٥٢).
(٢) عبد الله بن أباض التميمي الأباضي: رأس الأباضية من الخوارج، وهم فرقة كبيرة، وكان هو فيما قيل رجع عن بدعته فتبرأ أصحابه منه واستمرت نسبتهم إليه. لسان الميزان (٣/ ٢٤٨). وقد خرج في زمن بني أمية. والأباضية من الفرق التي مازالت منتشرة إلى يومنا هذا، وأكثر تجمعهم في عُمان، وبعض أنحاء المغرب العربي، ومما خالف الأباضية الخوارج: أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر كفر النعمة لا كفر الملة. انظر الملل والنحل (١/ ١٣٤)، والفرق بين الفرق (ص ١٠٣). قلتُ: ويزعم كثير من الأباضية أن أصولهم تعود إلى جابر بن زيد أبي الشعثاء الأزدي، وأنه هو الإمام الحقيقي لمذهبهم -. انظر دراسات إسلامية في الأصول الأباضية (ص ١٦) تأليف: بكير بن سعيد أعوشت، وكتاب الأباضية مذهب إسلامي معتدل (ص ٩ - ١٠) تأليف: علي يحيى معمر، تعليق: أحمد بن سعود السيابي- وهذا محض افتراء منهم على زيد بن جابر الإمام التابعي الجليل، فقد =
[ ٢ / ٦٣٠ ]
والصفرية، وهم أصحاب داود بن النعمان حين قيل له: إنك صفر من العلم" (^١).
والبيهسية (^٢).
_________________
(١) = أخرج ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٩٤) بسنده عن عزرة قال: دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك يعني الأباضية، قال: أبرأ إلى الله -﷿- من ذلك". وانظر كتاب تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة لعبد اللطيف بن عبد القادر الحفظي (ص ٣١٠ - ٣١١).
(٢) هكذا نسب الإمام حرب الكرماني الصفرية إلى داود بن النعمان، وقد نسبهم الشهرستاني، والبغدادي، والأشعري إلى زياد بن الأصفر، وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم. انظر الملل والنحل (١/ ١٣٤)، والفرق بين الفرق (ص ٩٠).
(٣) وهي من فرق الخوارج الرئيسية، وجعلها ابن حزم من فرق الصفرية، وينسبون إلى أبي بيهس، وهو من بني سعد بن ضبيعة. ومن أهم ما يعتقدون: أنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله تعالى، ومعرفة رسله، ومعرفة ما جاء به النبي -ﷺ-، ويعتقدون أيضا أن من واقع ذنبا لا يُشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الوالي ويحد، ولا يسمى قبل الرفع إلى الوالي مؤمنا ولا كافرًا، ويقول بعضهم: إذا كفر الإمام كفرت الرعية. انظر الملل والنحل (١/ ١٢٤)، والفرق بين الفرق (ص ٨٧ - ٨٨)، والفصل في الملل (٥/ ٥٤)، ومقالات الإسلاميين (ص ٧٤ - ٧٥).
[ ٢ / ٦٣١ ]
والميمونية (^١).
والخازمية (^٢).
كل هؤلاء خوارج فساق مخالفين للسنة خارجين من الملة أهل بدعة وضلالة، وهم لصوص قطاع قد عرفناهم بذلك (^٣).
وقال حرب الكرماني أيضا: والوَلاية بدعة: والبراءة بدعة: وهم يقولون: نتولى فلانًا، ونتبرأ من فلان. وهذا القول بدعة فاحذروه (^٤).
_________________
(١) نسبة إلى ميمون بن خالد البلخي، وهم يوافقون المعتزلة في باب القدر، ومن أبشع ما أحدثوه: قولهم بجواز نكاح بنات البنات وبنات أولاد الأخوة والأخوات، وأنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن. انظر الملل (١/ ١٢٨)، والفرق بين الفرق (ص ٢٨٠)، والمقالات (ص ٦٣ - ٦٤).
(٢) الخازمية أو الحازمية أتباع حازم بن علي، خالفوا الخوارج في مسألة الموافاة، حيث قالوا: أن الله تعالى إنما يتولى العباد على ما علم أنهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الإيمان، ويتبرأ منهم على ما علم أنهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الكفر، وأنه سبحانه لم يزل محبًا لأوليائه مبغضا لأعدائه. انظر الملل والنحل (١/ ١٢٧)، والفرق بين الفرق (ص ٩٤)، ومقالات الإسلاميين (ص ٦٥).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٥).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٥). وقد ذكر الخلال في السنة (٧٦٣) نحو هذا القول -عن الإمام أحمد-، وكذلك ابن بطة في كتابه الشرح والإبانة (ص ٣٦٥).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
المطلب الثالث: ما جاء في المعتزلة
٤٢٢ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والمعتزلة: وهم يقولون قول القدرية ويدينون بدينهم، ويكذبون بعذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ولا يرون الصلاة خلف أحد من أهل القبلة، ولا الجمعة إلا من كان على مثل رأيهم وهواهم، ويزعمون أن أعمال العباد ليست في اللوح المحفوظ (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٣). سُموا معتزلة لاعتزال واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري حينما زعم أن الفاسق في منزلة بين المنزلتين الكفر والإيمان فطرده الحسن من مجلسه، ثم انضم إليه قرينه عمرو بن عبيد في ذلك، وقد استقر مذهبهم على أصول خمسة، وهي: العدل: وهو عندهم: نفي القدر. التوحيد: ويريدون به: نفي صفات الله ﷿، الذي ينبني عليه القول بخلق القرآن، وعدم رؤية الله في الآخرة. الوعد والوعيد: ويريدون به: خلود مرتكب الكبيرة في النار إذا لم يتب منها. المنزلة بين المنزلتين: معناه عندهم: أن من ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، مع اعتقادهم بخلوده في النار قي الآخرة إذا لم يتب. =
[ ٢ / ٦٣٣ ]
المطلب الرابع: ما جاء في الشعوبية
٤٢٣ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والشعوبية: وهم أصحاب بدعة يقولون: العرب والموالي عندنا واحد لا يرون للعرب حقًا، ولا يعرفون لهم فضلًا، ولا يحبونهم، بل يبغضون العرب، ويضمرون لهم الغل والحسد والبغضة في قلوبهم (^١). هذا قول قبيح ابتدعه رجل من أهل العراق (^٢) وتابعه نفر يسير فَقُتل عليه (^٣).
وقال حرب الكرماني أيضا: ويعرف للعرب حقها وفضلها
_________________
(١) = الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو عندهم: جواز الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا. انظر عن المعتزلة وعقائدها: الفرق بين الفرق (ص ١١٤ - ١٢٠)، والملل والنحل (١/ ٤٣)، وشرح الطحاوية (ص ٥٣٨)، وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ١٢٨ - ١٤١).
(٢) وانظر في تعريفهم أيضا: الفرق بين الفرق (ص ٣٠١).
(٣) لعله إسماعيل بن يسار النسائي، الذي يعتبر من أوائل من أعلن شعوبيته في الفترة الأموية الأخيرة. انظر الأعلام للزركلي (١/ ٣٢٩)، وكتاب "الجذور التاريخية للشعوبية" للدكتور عبد العزيز الدوري (ص ٣٤).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٥).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وسابقتها ويحبهم لحديث رسول الله -ﷺ-: "حب العرب إيمان وبغضهم نفاق" (^١) ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل السؤال (^٢) الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لها بالفضل فإن قولهم بدعة وخلاف (^٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٩٧) من طريق الهيثم بن حماد عن ثابت عن أنس مرفوعًا. قال الذهبي في التلخيص: الهيثم بن حماد متروك. وقد ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٨٣) وفي السلسلة الضعيفة (١١٩٠). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤١٩ - ٤٢٠): "فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم. وأن قريشا: أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول الله -ﷺ- أفضل بني هاشم. فهو أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسبا. وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم، لمجرد كون النبي -ﷺ- منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول الله -ﷺ- أنه أفضل نفسا ونسبا وإلا لزم الدور". وانظر في بيان فضل العرب كتاب: "خصائص جزيرة العرب" للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (ص ٥٧ - ٧٤).
(٢) عند الاصطخري وابن القيم في حادي الأرواح"وأراذل الموالي".
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦١). انظر للمزيد عن الشعوبية كتاب "الجذور التاريخية للشعوبية" للدكتور =
[ ٢ / ٦٣٥ ]
المطلب الخامس ما جاء في نبز أهل البدع لأهل السنة بأسماء شنيعة
٤٢٤ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وقد أحدث أهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة فسموا بها أهل السنة يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم، والوقيعة فيهم والازراء بهم عند السفهاء والجهال (^١).
- فأما المرجئة فإنهم يسمون أهل السنة شُكاكًا (^٢)، وكذبت المرجئة، بل هم أولى بالشك وبالتكذيب.
_________________
(١) = عبد العزيز الدوري، والموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٧٨ - ١٠٧٩).
(٢) قال الإمام أبو حاتم الرازي: "وعلامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة: تسميتهم أهل السنة حشوية، يريدون إبطال الآثار، وعلامة الجهمية: تسميتهم أهل السنة مُشَبِّهة، وعلامة القدرية: تسميتهم أهل الأثر مُجْبِرَة، وعلامة المرجئة: تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية، وعلامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة ناصبة، ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء". أخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١/ ١٧٩).
(٣) لأنهم يستثنون في الإيمان.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
- وأما القدرية فإنهم يسمون أهل السنة والإثبات: مجُبرة (^١)، وكذبت القدرية، بل هم أولى بالكذب والخلاف، أنفوا قدرة الله عن خلقه، وقالوا له ما ليس بأهل له ﵎.
- وأما الجهمية: فإخهم يسمون أهل السنة مشبهة (^٢)، وكذبت الجهمية أعداء الله، بل هم أولى بالتشبيه والتكذيب، افتروا على الله الكذب وقالوا على الله الزور والإفك وكفروا في قولهم.
- وأما الرافضة: فإخهم يسمون أهل السنة ناصبة، وكذبت الرافضة، بل هم أَوْلى بهذا الاسم إذ ناصبوا أصحاب محمد -ﷺ- السب والشتم وقالوا فيهم غير الحق، ونسبوهم إلى غير العدل كذبًا وظلمًا، وجرأة على الله واستخفافًا لحق الرسول، والله أولى بالتغيير والانتقام منهم.
- وأما الخوارج فإنهم يسمون أهل السنة والجماعة مرجئة، وكذبت
_________________
(١) نسبة إلى الجبر. والجبرية يقولون: أن الإنسان مجبر على أفعاله، وينفون عن العبد القدرة والمشيئة والاختيار. وهي أصناف: جبرية خالصة وهي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل. وهو مذهب الجهم بن صفوان وأتباعه. وجبرية متوسطة: وهي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا. انظر: الملل والنحل (١/ ٨٦ - ٨٥).
(٢) لأنهم يثبتون صفات الله تعالى كما يليق به.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
الخوارج، بل هم المرجئة يزعمون أنهم على إيمان دون الناس ومن خالفهم كفار.
- وأما أصحاب الرأي والقياس فإنهم يسمون أصحاب السنة نابتة، وكذب أصحاب الرأي أعداء الله، بل هم النابتة تركوا أثر الرسول وحديثه وقالوا بالرأي، وقاسوا الدين با لاستحسان، وحكموا بخلاف الكتاب والسنة، وهم أصحاب بدعة جهلة ضلال طلاب دنيا بالكذب والبهتان.
فرحم الله عبدًا قال بالحق، واتبع الأثر، وتمسك بالسنة، واقتدى بالصالحين، وجانب أهل البدع وترك مجالستهم ومحادثتهم احتسابًا وطلبًا للقربة من الله وإعزاز دينه، وما توفيقنا إلا بالله (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٦). انظر في الرد على من أطلق هذه العبارات على أهل السنة: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ١١١، ٣٣/ ١٧١)، وكتاب وسطية أهل السنة بين الفرق للدكتور محمد باكريم (ص ١٤٣ - ١٧٤).
[ ٢ / ٦٣٨ ]
الفصل الرابع:
الآثار الواردة عن السلف في الأمور المتعلقة باليوم الآخر
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: ما جاء في أسماء هذا اليوم.
المبحث الثاني: ما جاء في الدجال، وفتنة القبر.
المبحث الثالث: ما جاء في النفخ في الصور، والحشر، والميزان.
المبحث الرابع: ما جاء في الحوض، والصراط، والشفاعة.
المبحث الخامس: ما جاء في الجنة والنار، والحور العين.
المبحث السادس: ما جاء في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧].
المبحث السابع: ما جاء في الموت يوم القيامة.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
المبحث الأول:
ما جاء في أسماء هذا اليوم
[ ٢ / ٦٤١ ]
المبحث الأول: ما جاء في أسماء هذا اليوم
٤٢٥ - حدثنا صالح، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن العوام القيسي، عن أبي السليل (^١)، عن أبي عثمان، عن سلمان (^٢) أنه قال: إن الله يدين يوم القيامة للناس أو للعباد، حتى يقاد للشاة الجلحاء (^٣) من القرناء نطحتها (^٤).
٤٢٦ - حدئنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معشر، عن محمد ابن كعب في قوله ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] قال: يوم القيامة يَغبن أهل الجنة أهل النار (^٥).
_________________
(١) ضُرَيب بن نُقير، أبو السَلِيل القيسي الجُرَيْري، ثقة، من السادسة. التقريب (ص ٢٢١).
(٢) إما سلمان الفارسي أو سلمان بن ربيعة الباهلي ﵄، فكل منهما روى عنه أبو عثمان النهدي. انظر تهذيب الكمال (١١/ ٢٤١، ٢٤٦).
(٣) الجلحاء: هي الَّتي لا قَرْنَ لها. النهاية لابن الأثير (١/ ٣٠١).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٣٥٤ - رقم ١٠٠٥). لم أجد من أخرج أثر سلمان. وقد جاء نحوه عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ح ٢٥٨٢).
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٤٥). =
[ ٢ / ٦٤٣ ]
٤٢٧ - حدثنا عمرو بن عثمان قال: أخبرنا الوليد، عن الأوزاعي، عن بلال بن سعد (^١) في قوله ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ [غافر: ١٥] قال: يلتقي أهل السماء وأهل الأرض (^٢).
_________________
(١) = الإسناد ضعيف: أبو معشر اسمه: نجيح بن عبد الرحمن السندي، ضعيف أسن واختلط. تقدم في الأثر (١٧٧). وأورده إبراهيم الحربي في كتابه غريب الحديث (١/ ٢٩)، وجاء هذا التفسير أيضا عن مجاهد وقتادة عند ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٠). قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة. أخرجه ابن جرير في التفسير (٢٣/ ١٠). وسئل الحسن عن قوله تعالى "ذلك يومُ التَّغابُنِ" فقال: غَبَنَ أَهلُ الجنة أَهلَ النار: أَي اسْتَنْقَصُوا عقولَهم باختيارهم الكفر على الإِيمان". لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٣٠٩).
(٢) بلال بن سعد بن تميم الأشعري أو الكندي، أبو عمرو أو أبو زرعة الدمشقي، ثقة، عابد، فاضل، مات في خلافة هشام. التقريب (ص ٦٨).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٤٥). الإسناد فيه: الوليد بن مسلم: وهو ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية وقد عنعن تقدم. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٢٧) عن محمد بن مصفى عن الوليد بن =
[ ٢ / ٦٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مسلم به. وأخرج ابن جرير في تفسيره (٢٠/ ٢٩٦) عن ابن عباس في قوله: "يوم التلاق" قال: "من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذره عباده". التعليق: الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة، التي لا يصح إيمان العبد حتى يؤمن به، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]. وقال ﷺكما في حديث جبريل المشهور-: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر". رواه مسلم في صحيحه (٨). ومن كفر بهذا اليوم أو بشيء مما يقع فيه، فهو كافر خارج عن ملة الإسلام. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. واليوم الآخر له أسماء كثيرة أوصلها بعضهم إلى ثمانين اسما، وكل هذه الأسماء تحمل معنى الاستعداد لهذا اليوم العظيم. انظر فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٨١)، و"البدور السافرة في أحوال الآخرة" للسيوطي (ص ١٤٣ - ١٤٤).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
المبحث الثاني:
ما جاء في الدجال، وفتنة القبر
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ما جاء في الدجال.
المطلب الثاني: ما جاء في فتنة القبر.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
المطلب الأول: ما جاء في الدجال
٤٢٨ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والأعور (^١) خارج لا شك في ذلك ولا ارتياب وهو أكذب الكاذبين (^٢).
_________________
(١) عند الاصطخري وابن القيم "الأعور الدجال".
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: الدجال: من الدجل، "وأصل الدَّجْل: الخَلْطُ. يقال: دَجَّل إذا لَبَّسَ ومَوَّهَ. والدجال: هو الذي يَظهرُ في آخر الزمانِ يَدَّعِي الأُلُوهيَّة. وفَعَّال من أبْنية المبالغة: أي: يَكْثر منه الكَذِبُ والتَّلْبِيس". النهاية لابن الأثير (٢/ ١٠٣). وأهل السنة والجماعة يؤمنون بخروج المسيح الدجال في آخر الزمان -وهو من علامات الساعة الكبرى- كما أخبر بذلك المصطفى -ﷺ-، والأحاديث في ذكره مستفيضة. منها ما روته عائشة ﵂ عن النبي -ﷺ- أنه كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال " الحديث. رواه البخاري (٨٣٢)، وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: قام النبي -ﷺ- في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني أنذركموه، وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكني سأقول لكم =
[ ٢ / ٦٤٩ ]
المطلب الثاني: ما جاء في فتنة القبر
٤٢٩ - حدثنا يحيى الحماني (^١) قال: حدثنا حماد بن شعيب قال: أخبرني يونس بن خَبّاب (^٢) قال: أخبرني من سمع ميتا يسئل في القبر،
_________________
(١) = فيه قولا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور". أخرجه البخاري (٣٠٥٧)، ومسلم (١٦٩). قال القاضي عياض: "هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال: حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى: من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته، وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل، ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى -ﷺ-، ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة، وجميع المحدثين، والفقهاء، والنظار خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة". شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٢٦٣). وانظر ما جاء في خبر الدجال "السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها" لأبي عمرو الداني (٦/ ١١٤٣ - ١٢٠٣).
(٢) في المطبوع "يحيى الحمالي" وهو خطأ، والتصحيح من المخطوط ل (٢٠٥/ أ).
(٣) في المطبوع "يونس بن حبان" وهو خطأ، والتصحيح من المخطوط ل (٢٠٥/ أ).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
فقيل له: من ربك وما دينك؟ (^١).
٤٣٠ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وعذاب القبر حق، يسأل العبد عن ربه، وعن نبيه، وعن دينه، ويرى مقعده من الجنة أو النار. ومنكر ونكير حق، وهما فتانا القبور نسأل الله الثبات (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٩٩). الإسناد ضعيف: حماد بن شعيب الحماني الكوفي: ضعفه ابن معين وغيره، وقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي: أكثر حديثه مما لا يتابع عليه. التاريخ الكبير (٣/ ٢٥)، والكامل في الضعفاء (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، ولسان الميزان (٢/ ٣٤٨). ويونس بن خَبّاب الأسيدي الكوفي: صدوق يخطئ، ورُمي بالرفض. التقريب (ص ٥٤٢). ولم أجد من أخرج هذا الأثر.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: أهل السنة والجماعة يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، وأنه حق، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع: فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. =
[ ٢ / ٦٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال ابن كثير في التفسير (٧/ ١٤٦): "وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور". وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وقد فسر النبي -ﷺ- هذه الآية بقوله: "نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي اللّه ونبيي محمد -ﷺ- فذلك قوله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ رواه مسلم (٢٨٧١). ومن الأحاديث الدالة على إثبات عذاب القبر ونعيمه أيضا: ما رواه خادم رسول الله -ﷺ- أنس بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: "العبد إذا وضع في قبره، وتُولِّيَ وذهب أصحابه -حتى إنه ليسمع قرع نعالهم- أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد -ﷺ-؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي -ﷺ-: فيراهما جميعا. وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري كنت أقول: ما يقول الناس، فيُقال: لا دَرَيْت ولا تَلَيْت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين". رواه البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠). وأما الإجماع: فقد اتفق السلف على إثبات عذاب القبر ونعيمه وأنه يقع للروح وللجسد. قال الإمام أحمد: "أصول السنة عندنا الإيمان بعذاب القبر، وأن هذه الأمة =
[ ٢ / ٦٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تفتن في قبورها وتسأل عن الإيمان والإسلام، ومن ربه ومن نبيه، ويأتيه منكر ونكير كيف شاء وكيف أراد والإيمان به والتصديق به". أصول السنة (ص ٥٦). قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٢): "بل العذاب والنعيم على النفس، والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن". وقال ابن القيم في كتاب الروح (ص ١٠٤): "وهذا -أي: إثبات عذاب القبر- كما أنه مقتضى السنة الصحيحة فهو متفق عليه بين أهل السنة". وانظر "إثبات عذاب القبر" للبيهقي (ص ١٣١ - ١٣٦).
[ ٢ / ٦٥٣ ]
المبحث الثالث:
ما جاء في النفخ في الصور والحشر والميزان
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأولى: ما جاء في النفخ في الصور.
المطلب الثاني ما جاء في الحشر.
المطلب الثالث: ما جاء في الميزان.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
المطلب الأول: ما جاء في النفخ في الصور
٤٣١ - حدثنا محمد بن أبي بكر قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف (^١) عن أبي المنهال (^٢)، عن أبي العالية (^٣)، عن ميمون الكندي قال: إن صاحب الصور قد دفع إليه الصور، وقد قدم إحدى رجليه وأخّر الأخرى، مستعد متى يؤمر فينفخ فيه (^٤).
٤٣٢ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والصور حق ينفخ فيه
_________________
(١) عوف بن أبي جميلة الأعرابي تقدم.
(٢) هو سيار بن سلامة الرياحي، ثقة. التقريب (ص ٢٠٢).
(٣) رُفيع بن مِهران الرِّياحي، ثقة كثير الإرسال. التقريب (ص ١٥٠).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٣). الإسناد ضعيف: فيه ميمون أبو عبد الله الكندي ضعيف. التقريب (ص ٤٨٨). ولم أجد من أخرج هذا الأثر. وقد جاء نحوه مرفوعا إلى النبي -ﷺ- بلفظ: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ". رواه الترمذي في السنن (٤/ ٢٢٦ رقم ٤٢٣١). وهو حديث صحيح. انظر السلسلة الصحيحة رقم (١٠٧٩).
[ ٢ / ٦٥٧ ]
إسرافيل (^١) فيموت الخلق، ثم ينفخ فيه فيقومون لرب العالمين، للحساب والقضاء، والثواب والعقاب والجنة والنار (^٢).
_________________
(١) لم أقف على حديث صحيح يدل على أن الذي ينفخ في الصور هو إسرافيل ﵇، إلا أن كثيرًا من العلماء يذكرون ذلك. وانظر كتاب معتقد فرق المسلمين واليهود والنصارى والفلاسفة والوثنيين في الملائكة المقربين للدكتور محمد بن عبد الوهاب العقيل (ص ٤٤ - ٤٦).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: الصُوْر لغة: القرن. لسان العرب (٤/ ٤٧١). وشرعًا: هو القَرنْ الذي يَنْفُخ فيه إسرافيل ﵇ عند بَعْثِ الموْتى إلى المحشَر. النهاية لابن الأثير (٣/ ٦١). وقد جاء إثبات الصور والنفخ فيه في الكتاب والسنة المطهرة. فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف: ٩٩]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه: ١٠٢]. ومن السنة المطهرة قوله -ﷺ-:"فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم حَسَنٌ عَيْشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا. قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله. قال: فيصعق ويصعق الناس =
[ ٢ / ٦٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = " الحديث. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩٤٠). وقد اختلف العلماء في عدد النفخات، فمنهم من قال: هي نفختان، ومنهم من قال: هي ثلاث نفخات، ومنهم من قال: هي أربع. انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٢٨٤)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٥٤٢). والقول الصحيح في ذلك أن المَلَك ينفخ مرتين. انظر التذكرة للقرطبي (١/ ٢٨٧)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٥٤٢). ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ [النازعات: ٦ - ٧]. قال ابن عباس ﵄: الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: النفخة الثانية. انظر فتح الباري لابن حجر (٨/ ٨٨٢). وكذلك ما جاء عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-:"ما بين النفختين أربعون". قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت ". رواه البخاري (٤٨١٤). ومعنى "أبيت": أي: أمتنع من تعيين ذلك بالأيام والسنين والشهور، لأنه لم يكن عنده علم بذلك. انظر فتح الباري (٨/ ٧٠٢).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
المطلب الثاني: ما جاء في الحشر
٤٣٣ - أملاه علي أبي: حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق (^١)، قال: سمعت عمرو بن ميمون يحدث، عن عبد الله (^٢) قال في هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، قال: أرض كالفضة بيضاء نقية لم يسفك عليها دم، ولم يعمل فيها خطيئة، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة قيامًا -نحسب- كما خلقوا، حتى يلجمهم العرق، شك شعبة في: "قيام" وحده. قال شعبة: ثم سمعته يقول: سمعت عمرو بن ميمون، ولم يذكر عبد الله، ثم عاودته فقال: حدثنا هبيرة (^٣) عن عبد الله (^٤).
_________________
(١) عمرو بن عبد الله السبيعي. التقريب (ص ٣٦٠).
(٢) ابن مسعود -﵁-.
(٣) هبيرة بن يريم، على وزن عظيم، الشِّبَامي، ويقال: الخارفي، أبو الحارث الكوفي، لا بأس به، وقد عيب بالتشيع. التقريب (ص ٥٠١).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٤٣٣ - رقم ١١١٠)، وأخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٣٨ - رقم ٤٦٠٣). وابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٧٢٩ - ٧٣٠) عن محمد بن المثنى عن محمد بن جعفر به، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ١١٠٠) من طريق أبي إسحاق به، والطبراني في المعجم =
[ ٢ / ٦٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الكبير (١٠/ ١٦١) من طريق أبي إسحاق به، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦١٤) من طريق شعبة به وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٧): «وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: يوم تبدل الأرض غير الأرض قال: تبدل الأرض أرضا بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة. قال البيهقي: الموقوف أصح». التعليق: الحشر: هو جمع الله الخلائق يوم القيامة لمجازاتهم ومحاسبتهم. النهاية لابن الأثير (١/ ٣٨٩). وقد جاء إثبات الحشر في الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾ [الحجر: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]. ومن السنة المطهرة: قوله -ﷺ- "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد" أخرجه البخاري (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠). وقال -ﷺ-: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلا، ئم قرأ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ " [الأنبياء: ١٠٤]. أخرجه = =
[ ٢ / ٦٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = البخاري (٣٣٤٩). والناس يساقون إلى أرض المحشر وهي الشام، لقوله -ﷺ-: "الشام أرض المحشر والمنشر". أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٢٥٧). وهو حديث صحيح. انظر تخريج أحاديث فضائل الشام للألباني (ص ١٤). والجمع بين هذا الحديث والحديث الذي مرَّ قبل قليل: "أن الناس يحشرون على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد". هو: أنهم عندما يخرجون من قبورهم، يساق جميع الناس إلى الشام، فإذا اجتمعوا فيها جيء بهم إلى أرض الموقف التي جاء وصفها في الحديث الثاني. وقيل: أنهم عندما يساقون إلى الشام يكون هذا في الدنيا قبل يوم القيامة لما جاء عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير. ويَحشر بقيتهم النارُ تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسَوا". رواه البخاري (٦٥٢٢). وهذا في الدنيا، لأنه لا يوجد يوم القيامة مبيت ولا نوم. انظر التذكرة للقرطبي (١/ ٣١٠)، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٦١ - ٤٦٤). أما أصناف حشر الناس: فمنهم من يحشر على وجوههم. كما جاء عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلا قال يا نبي الله كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال (أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يُمشيه على =
[ ٢ / ٦٦٢ ]
المطلب الثالث: ما جاء في الميزان
٤٣٤ - حدثنا هشام بن عمار قال: ثنا سعيد بن يحيى، عن عبد الملك ابن أبي سليمان، عن عمرو، عن الحسن أنه سئل عن الميزان؟ فقال: نعم له لسان وكفتان (^١).
_________________
(١) = وجهه يوم القيامة). رواه البخاري (٤٧٦٠). ومنهم من يحشر كالذر، وهم المتكبرون: فعن النبي -ﷺ- أنه قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان. "أخرجه الترمذي في السنن (٤/ ٢٦٨ رقم ٢٤٩٢) وقال: هذا حديث حسن. وانظر صحيح الترغيب والترهيب للشيخ الألباني (٢٩١١). ومنهم من يحشر وليس على وجهه مزعة لحم. قال النبي -ﷺ-: "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتيَ يومَ القيامة ليس في وجهه مُزعة لحم". رواه البخاري (١٤٧٤). هذه بعض الصور التي يكون عليها الناس عندما يحشرون، والمقام هنا لا يتسع لذكر جميع أحوال الناس عند الحشر. وانظر للمزيد كتاب: "الحياة الآخرة" للدكتور غالب بن علي عواجي (١/ ٢٠٧ - ٢١٧).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٢). =
[ ٢ / ٦٦٣ ]
٤٣٥ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والميزان حق توزن به الحسنات والسيئات كما شاء الله أن توزن به (^١).
_________________
(١) = الإسناد ضعيف: هشام بن عمار الدمشقي: صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، مات سنة (٢٤٥)، تقدم في الأثر (٣٨)، وعبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العَزْرمي: صدوق له أوهام. التقريب (ص ٣٠٤). وعمرو: هو ابن عبيد التميمي البصري المعتزلي، كان داعية إلى بدعته، اتهمه جماعة مع أنه كان عابدًا. التقريب (ص ٣٦١). وأخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٢٢١٠) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر الميزان عند الحسن فقال الأثر.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: تعريف الميزان: هو ميزان حقيقي حسي له كفتان يضعه الله تعالى يوم القيامة، لوزن الأعمال وغيرها، إظهارا لكمال عدله. انظر التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية للشيخ عبد العزيز الرشيد (ص ٢٢٨)، وكتاب "تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان لمرعي الحنبلي" تحقيق: سليمان بن صالح الخزي (ص ٧). وأهل السنة والجماعة يؤمنون بالميزان، وأنه حق دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال السلف. =
[ ٢ / ٦٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]. ومن السنة المطهرة: قوله -ﷺ-: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده". أخرجه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤). وقوله -ﷺ-: "ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق". أخرجه أبو داود في السنن (٥/ ٢٧٥ رقم ٤٧٦٦)، والترمذي في السنن (٣/ ٥٣٦ رقم ٢٠٠٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وانظر السلسلة الصحيحة (٨٧٦). وقوله -ﷺ-: "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان". أخرجه مسلم (٢٢٣). وقوله -ﷺ- "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرؤوا إن شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٥]. أخرجه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥). وقال -ﷺ-: "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة =
[ ٢ / ٦٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال: إنك لا تظلم قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء". أخرجه الترمذي في السنن (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠ رقم ٢٦٣٩)، وأبو القاسم ابن حمزة في جزء البطاقة (٢). وانظر السلسلة الصحيحة (١٣٥). قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص ٤١٩): "فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات. فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق -ﷺ- من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع؛ لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال! وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنا".
[ ٢ / ٦٦٦ ]
المبحث الرابع:
ما جاء في الحوض والصراط والشفاعة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ما جاء في الحوض.
المطلب الثاني: ما جاء في الصراط.
المطلب الثالث: ما جاء في الشفاعة.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
المطلب الأول: ما جاء في الحوض
٤٣٦ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وحوض محمد -ﷺ- حق، وترد عليه أمته، وله آنية يشربون بها منه (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: لقد دل الكتاب العزيز والسنة المتواترة على وجود الحوض في عرصات يوم القيامة، وأن المؤمنون يردونه، وأن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا. فمن الكتاب قوله تعالى: " ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١]. جاء عن أنس -﵁- أنه قال: بينا رسول الله -ﷺ- ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله! قال: أنزلت علي آنفا سورة" فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر:١ - ٣]. ثم قال: "أتدرون ما الكوثر"؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي -﷿- عليه خير كثير. هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيُختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أَحدثت بعدك". رواه مسلم (٤٠٠). وقال -ﷺ-: "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من =
[ ٢ / ٦٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا". رواه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢). قال ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٦٨ - ٥٦٩): قال القرطبي في المفهم تبعا للقاضي عياض في غالبه: "مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به، أن الله ﷾ قد خص نبيه محمد -ﷺ- بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة". قال: الحافظ ابن كثير في كتابه "النهاية في الفتن الملاحم" (١/ ٣١٣): "ذكر ما ورد في الحوض المحمدي -سقانا الله منه يوم القيامة- من الأحاديث المشهورة المتعددة من الطرق المأثورة الكثيرة المتضافرة، وإن رغمت أنوف كثير من المبتدعة المكابرة، القائلين بجحوده، المنكرين لوجوده، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين ورورده. كما قال بعض السلف: من كذب بكرامة لم ينلها، ولو اطلع المنكر للحوض على ما سنورده من الأحاديث قبل مقالته لم يقلها". ثم ساق باستيفاء أحاديث الصحابة الواردة في الحوض. وانظر ما جاء في الحوض كتاب "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي (١/ ٤٥٧ - ٤٦٧)، وشرح الطحاوية (ص ١٩٩ - ٢٠١).
[ ٢ / ٦٧٠ ]
المطلب الثاني: ما جاء في الصراط
٤٣٧ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين جها: والصراط حق يوضع في سواء جهنم فيمر الناس عليه، والجنة من وراء ذلك، نسأل الله السلامة والجواز (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: الصراط: هو جسر مضروب على متن جهنم لعبور المسلمين عليه إلى الجنة. انظر فتح الباري لابن حجر (١١/ ٥٤٣)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٢٢). ولم يأت ذكر الصراط مصرحا به في القرآن، لكن وردت أحاديث كثيرة في إثباته. قال -ﷺ-:" فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ". أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢). وعن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن قوله -﷿- ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: "على الصراط". أخرجه مسلم (٦٩٨٧). وقال -ﷺ-: "ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم". قلنا يا رسول الله وما الجسر؟ قال: "مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها =
[ ٢ / ٦٧١ ]
المطلب الثالث: ما جاء في الشفاعة
٤٣٨ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والشفاعة يوم القيامة حق يشفعُ قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها بشفاعة الشافعين، ويخرج قوم من النار برحمة الله بعد ما يُلبِثهم فيها ما شاء الله، وقوم يخلدون في النار أبدا وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله (^١).
_________________
(١) = شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مُسَلم وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبا". رواه البخاري (٧٤٣٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: الشفاعة لغة: هي الوسيلة والطلب. وشرعًا: هي طلب الخير للغير في دفع ضر أو جلب نفع. انظر لوامع الأنوار (٢/ ٢٠٤). والشفاعة -التي تكون يوم القيامة- لها شرطان لا بد من تحققهما: الشرط الأول: إذن الله -﷿- للشافع أن يشفع. الشرط الثاني: رضا الله -﷿- عن المشفوع له. وهذان الشرطان مجتمعان في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي =
[ ٢ / ٦٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. والشفاعة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: خاصة بالنبي -ﷺ- لا يشاركه فيها أحد. وهذا القسم على ثلاثة أنواع: الأول: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، الذي يحمده عليه جميع الخلائق ولا يشترط فيها الرضا عن المشفوع له، ودليلها قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. الثاني: شفاعة النبي -ﷺ- في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة. ودليله: قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣]. قال الشيخ السعدي في تفسيره (ص ٧٣١): "وأما الجنة، فإنها الدار العالية الغالية، التي لا يوصل إليها ولا ينالها كل أحد، إلا من أتى بالوسائل الموصلة إليها، ومع ذلك، فيحتاجون لدخولها لشفاعة أكرم الشفعاء عليه، فلم تفتح لهم بمجرد ما وصلوا إليها، بل يستشفعون إلى الله بمحمد -ﷺ- حتى يشفع، فيشفعه الله تعالى". وقال النبي -ﷺ-: "أنا أول شفيع في الجنة". أخرجه مسلم (١٩٦). وقال رسول الله -ﷺ-: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من =
[ ٢ / ٦٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أنت؟ فأقول محمد فيقول بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك". أخرجه مسلم (١٩٧). الثالث: شفاعته -ﷺ- لعمه أبي طالب في أن يخفف العذاب عنه. لأنه قد بذل جهدا في حماية النبي -ﷺ-. ودليله: ما ورد في الصحيحين: أن العباس -﵁- قال للنبي -ﷺ- ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحُوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩). وهذه الشفاعات الثلاثة قد نص على اختصاص النبي -ﷺ- بها غير واحد من أهل العلم، أما الشفاعات الأخرى ففي اختصاص النبي -ﷺ- بها خلاف، والله أعلم. القسم الثاني: الشفاعة العامة: وهي خمسة أنواع: النوع الأول: الشفاعة لأقوام من المؤمنين استحقوا دخول النار ألا يدخلوها. النوع الثاني: الشفاعة لأقوام من المؤمنين دخلوا النار أن يخرجوا منها قبل أن يقف ما عليهم. النوع الثالث: الشفاعة لأقوام من المؤمنين أن يدخلوا الجنة بدون حساب. النوع الرابع: الشفاعة لأقوام من المؤمنين تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة. النوع الخامس: الشفاعة لأقوام من المؤمنين أن ترفع درجاتهم في الجنة فوق ما =
[ ٢ / ٦٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تستحقها أعمالهم. انظر العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص ٣٤ - ٣٥)، وشرح العقيدة السفارينية للشيخ محمد بن عثيمين (ص ٤٨٧ - ٤٩١)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص ٢٠٢ - ٢٠٩)، ورسالة: "الشفاعة عند أهل السنة والرد على المخالفين فيها" للدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع (ص ٣٨ - ٦٨).
[ ٢ / ٦٧٥ ]
المحث الخامس:
ما جاء في الجنة والنار والحور العين
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ما أعده الله لأهل الجنة
الطلب الثاني: ما جاء في وصف الحور العين
المطلب الثالث: ما جاء الجنة والنار وأنهما لا تفنيان
[ ٢ / ٦٧٧ ]
المطلب الأول: ما جاء فيما أعده الله لأهل الجنة
٤٣٩ - وقد روي عن عبد الله بن عمرو قال: إن أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر كالزُرازير (^١) يتعارفون فيها ويرزقون من ثمرها (^٢).
وقال بعض الناس (^٣): إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، تأوي إلى قناديل في الجنة معلقة بالعرش (^٤).
٤٤٠ - حدثنا سعيد بن منصور قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سئل عبد الله (^٥) عن قوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾
_________________
(١) واحده "زرزور" بضم الزاي: طائر من نوع العصفور، سمي بذلك لزرزرته أي تصويته. انظر حياة الحيوان للدميري (٢/ ٧)، والمصباح المنير (١/ ٣٤٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥١١١)، وابن المبارك في الزهد (ع ١٥٠)، وصححه الشيخ الألباني في تعليقه على كتاب الآيات البينات (ص ٩١).
(٣) هو ابن شهاب الزهري. انظر تعليق المحقق لمسائل عبد الله (٢/ ٤٩٧ حاشية ٥). وقد أخرجه مسلم - مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- في صحيحه (كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ١٨٨٧).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٢/ ٤٩٦ - رقم ٦٩٤).
(٥) ابن مسعود -﵁-.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
[آل عمران: ١٦٩]. قال: أما أنّا قد سألنا عن ذلك. أرواحهم كطير خضر يسرح في الجنة في أيها شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش فبينا هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم، قالوا: يا ربنا وماذا نسألك ونحن في الجنة نسرح في أيها شئنا. فبيناهم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم. قالوا: يا ربنا ماذا نسألك ونحن في الجنة نسرح في أيها شئنا، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تُركوا (^١).
٤٤١ - حدثنا أبو ربيع الزهراني قال: ثنا يعقوب قال: أخبرنا حفص ابن حميد، عن شمر بن عطية قال: خلق الله جنة الفردوس بيده، فهو يفتحها في كل خميس يقول: ازدادي طيبًا لأوليائي (^٢).
٤٤٢ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٩ - ٤١٠). وأخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ح ١٨٨٧)، وهناد في الزهد (١/ ١٢٠).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٧). هذا الأثر مكرر، انظر رقم (٣٩).
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وينظر أهل الجنة إلى وجهه يزورونه فيكرمهم، ويتجلى لهم فيعطيهم (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٠). لقد جاء في وصف الجنة وما أعده الله لأهلها آيات كثيرة وأحاديث غزيرة، وقد أفرد في بيان صفة الجنة مؤلفات عدة منها: "صفة الجنة" لابن أبي الدنيا، و"صفة الجنة" لأبي نعيم، وكتاب "صفة الجنة وما فيها من النعيم" لابن كثير.
[ ٢ / ٦٨١ ]
المطلب الثاني: ما جاء في وصف الحور العين
٤٤٣ - حدثنا صالح، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا سيار، قال حدثنا جعفر، قال حدثنا عباد بن عمرو، قال سألت الحسن، قلت: أبا سعيد! ما الحور العين؟ قال: هن عجائزكم هؤلاء الدرد (^١). ينشئهن الله خلقا آخر (^٢).
٤٤٤ - حدثنا المسيب بن واضح قال: حدثنا الحكم بن محمد، عن عطاء -قال حرب هو الحكمي- عن ليث، عن مجاهد قال: الحور العين
_________________
(١) الدَّرَدُ: سُقُوُط الأسْنَانِ، والمرأة التي لا أسنان لها يقال لها درداء. انظر النهاية لابن الأثير (٢/ ١١٣)، ولسان العرب (٣/ ١٦٦).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٩٧ - رقم ٩١٣). الإسناد ضعيف: عباد بن عمرو العبدي، لا حجة فيه، ولا يتابع على حديثه. انظر التاريخ الكبير (٦/ ٣٩)، والكامل لابن عدي (٤/ ٣٤٣)، وميزان الاعتدال (٢/ ٣٧٠)، ولسان الميزان (٣/ ٢٣٤). وجعفر هو ابن سليمان الضُبَعي، أبو سليمان البصري، صدوق زاهد لكنه كان يتشيع. التقريب (ص ٧٩ - ٨٠). وسَيّار هو ابن حاتم العنزي، أبو سلمة البصري، صدوق له أوهام. التقريب (ص ٢٠٢). وجاء تخريج هذا الأثر في المراجع السابقة في ترجمة عباد بن عمرو، وقال ابن عدي: ليس له إلا هذا الحديث الواحد الذي ذكره البخاري وهو حديث مقطوع.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
خلقن من الزعفران (^١). قال المسيب: فقلت للحكم: فيأكلن ويشربن اليوم؟ قال: لا ليس يأكلن ولا يشربن حتى يأتي اليوم الذي يأكلن فيه ويشربن وينعمن مع أهل الجنة، قال: ولا يموتون، ولا يصعقون يوم القيامة، ولا يموت شيء في الجنة، ولا يمت شيء مما خلق الله فيها، إنما يموت ما خلق الله في هذه الدار الفانية، وأما تلك الداران الجنة والنار، فإنه يزيد كل شيء فيهما ولا ينقص منهما شيء (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (ص ٢٠٤ - رقم ٢٩٩)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٥٢٨) من طرق عن ليث بن أبي سليم به. وليث ضعيف تقدم. وجاء عن أنس مرفوعا إلى النبي -ﷺ- ولا يصح. انظر السلسلة الضعيفة (٣٥٣٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٧). ولم أجد من أخرج قول الحكم بن محمد. التعليق: قد ورد في وصف الحور العين آيات عديدة وأحاديث كثيرة، وأكتفي بما أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٦٨) عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: " ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها -يعني الخمار- خير من الدنيا وما فيها".
[ ٢ / ٦٨٣ ]
المطلب الثالث: ما جاء في الجنة والنار وأنهما لا تفنيان
٤٤٥ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وقد خُلقتِ الجنة وما فيها، وخُلقتِ النار وما فيها، خلقهما الله ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدًا، فإن احتج مبتدع زنديق بقول الله ﵎ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وبنحو هذا، فقل له: كل شيء ما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خُلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدًا؛ لأن الله ﵎ خلقهن للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت، فمن قال بخلاف ذلك فهو مبتدع مخالف وقد ضل عن سواء السبيل (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٩). التعليق: يعتقد أهل السنة والجماعة في الجنة والنار: أنهما حق، وأنهما مخلوقتان من عدم، وأنهما موجودتان الآن، وأنهما لا تفنيان بل هما باقيتان إلى الأبد. قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [المائدة: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا =
[ ٢ / ٦٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤]. وعن عبد الله بن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يدخل الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، كل خالد فيما هو فيه". رواه البخاري (٦٥٤٤)، ومسلم (٢٨٥٠). وهذه الأدلة فيها رد على من أنكر بقائهما إلى الأبد من الجهمية ومن وافقهم. يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧): "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار، والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين، كالجهم بن صفوان، ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها". وقال ابن القيم في الوابل الصيب (ص ٤٢ - ٤٣): "ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشوبه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة، فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنهم إذا عذبوا بقدر أعمالهم أُخرجوا من النار، فأُدخلوا الجنة، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض". وقال شارح الطحاوية (ص ٤٢٤): "وقوله -أي الطحاوي- "لا تفنيان أبدا =
[ ٢ / ٦٨٥ ]
المبحث السادس: ما جاء في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (^١)
٤٤٦ - حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال أبي: ثنا أبو نضرة (^٢)، عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي -ﷺ- قال: هذه الآية على القرآن كله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] قال المعتمر: قال أبي: كل وعيد في القرآن (^٣).
_________________
(١) = ولا تبيدان" هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف". وانظر للمزيد في مسألة خلق الجنة والنار، والرد على من قال بفناء النار: "توقيف الفريقين على خلود أخل الدارين" للعلامة مرعي الحنبلي، و"رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار "للإمام الصنعاني، و"الرد على من قال بفناء الجنة والنار" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢) سورة هود: ١٠٧.
(٣) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي. تهذيب التهذيب (٤/ ١٥٤).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٩). رجاله كلهم أئمة ثقات، وقد صحح إسناده موقوفا الشيخ الألباني في تعليقه على رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار للصنعاني (ص ٧٨). وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في التفسير (٢/ ٣١٥)، ومن طريقه الطبري في =
[ ٢ / ٦٨٦ ]
٤٤٧ - حدثنا أبو معن قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا شعبة، عن سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله أو بعض أصحابه في قوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: هذه الآية على القرآن كله (^١).
٤٤٨ - حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: ثنا شعبة. عن أبي بَلج سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا (^٢).
_________________
(١) = التفسير (١٢/ ٥٨١)، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٢٦٤) من طريق معتمر بن سليمان به.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٠). الإسناد رجاله ثقات، وهو صحيح موقوفا. وأورده ابن القيم في كتابه حادي الأرواخ إلى بلاد الأفراخ (٢/ ٧٣٩ - ٧٤٠).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٩). الإسناد ضعيف: أبو بلج واسمه يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم الفزاري، صدوق ربما أخطأ. التقريب (ص ٥٥٢). وقد عدَّ الحافظ الذهبي هذا الحديث من بلاياه، وقال: وهذا منكر، قال ثابت =
[ ٢ / ٦٨٧ ]
٤٤٩ - حدثنا عبيد الله قال: ثنا أبي (^١) قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن أيوب، عن [أبي] (^٢) زرعة (^٣)، عن أبي هريرة قال: ما أنا بالذي لا أقول: إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾ [هود: ١٠٦] الآية.
قال عبيد الله: كان أصحابنا يقولون: يعني [به] (^٤) الموحدين (^٥).
_________________
(١) = البناني: سألت الحسن عن هذا فأنكره". الميزان (٤/ ٣٨٥)، وقد ضعف إسناده الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٠٧). وأخرجه البزار في المسند (٦/ ٤٤٢)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٠٣) كلاهما من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة به.
(٢) معاذ بن معاذ العنبري. تهذيب التهذيب (٤/ ١٠١).
(٣) ساقط من المطبوع، والإضافة من المخطوط ل (٢٣٥/ أ).
(٤) أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل اسمه هرم وقيل عمرو، وقيل غير ذلك. انظر التقريب (ص ٥٦٤).
(٥) ساقط من المطبوع، والإضافة من المخطوط ل (٢٣٥/ أ).
(٦) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٩). الإسناد حسن: رجاله ثقات غير يحيى بن أيوب بن أبي زرعة البجلي، لا بأس به. التقريب (ص ٥٦٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٧٨) إلى إسحاق بن راهويه، وأورده ابن =
[ ٢ / ٦٨٨ ]
٤٥٠ - وسمعت أبا عبد الله محمد بن نصر الفراء قال: نازلت سليمان بن حرب وعبيد الله بن محمد التيمي وأبا عبيد (^١) دخل كلام بعضهم في بعض والمعنى واحد قالوا: إن للنار جواني وبراني (^٢). فلا يدخل أهل التوحيد مدخل أهل الكفر والنفاق، لأن من أدخل مدخل أهل الكفر والنفاق لا يخرج منه أبدًا، أما تسمع إلى قوله ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] والعرب لا تسمي الشاة المصلية إلا ما تشوى في وسط الجمر يحفرون في الأرض حفيرة فيجمعون فيها جمرًا كثيرًا، ثم يعمدون إلى المسلوخة فيدخلونها وسط ذلك الجمر حتى تغيب فيها، فتشوى فيها، فذاك المصلى عندهم فأما الذي يشوى على ظهر الجمر وعلى المقلاة، أو في التنور فلا يسمونها مصليا، قالوا: فمعنى الحديث أنه لا يدخل أهل التوحيد مدخل أهل
_________________
(١) = القيم في حادي الأرواح (٢/ ٧٤١)، وفي شفاء العليل (٣/ ١٢٧١ - ١٢٧٢).
(٢) القاسم بن سلام. تهذيب التهذيب (٣/ ٧١٧).
(٣) أي: باطنًا وظاهرًا، كما في أثر سلمان -ﷺ- أنه قال: "لكل امرئ جواني وبراني، فمن يصلح جوانيه، يصلح الله برانيه، ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه". أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٣). وانظر النهاية لابن الأثير (١/ ٣٢٠).
[ ٢ / ٦٨٩ ]
الكفر والنفاق وهو جوف النار وأسفله، يقول الله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وتلك النار أعدت للكافرين.
وأما معنى حديث الشفاعة "أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان" (^١) إنما معناه أن يخرج من براني النار. قال أبو عبد الله: فنرى أن حديث عبد الله بن عمرو إن كان له أصل أنه يأتي على جهنم أحايين ليس فيها أحد، إنما هو موضع أهل التوحيد. وقال الله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فإنما يقع الاستثناء عندنا على أهل التوحيد في الآيتين جميعا، لما جاء عن النبي -ﷺ- أن له شفاعة لأهل الذنوب (^٢)، فهذا ما أولنا والله وأعلم (^٣).
٤٥١ - حدثنا أبو معن قال: حدثنا موسى قال: حدثنا سفيان، عن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤).
(٢) أخرجه أبو داود (كتاب السنة، باب في الشفاعة ٥/ ٢٤٤ رقم ٤٧٠٧) وانظر صحيح الجامع (٥٣٦٢).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٩ - ٤٣٠). الإسناد رجاله ثقات، وهو صحيح. ولم أجد من أخرجه.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
رجل، عن الضحاك في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: إلا من استثنى من أهل القبلة الذين أخرجوا من النار، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨] إلا من استثنى من أهل القبلة الذين أخرجوا من النار (^١).
٤٥٢ - قال أبو محمد (^٢): معناه عندي إن شاء الله، واللّه أعلم: أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لأهل التوحيد، وكذلك قوله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ إلا من استثنى من أهل القبلة الذين يخرجون من النار، والله أعلم باستثنائه (^٣).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٣٠). الإسناد فيه هذا الرجل المبهم، فلا يصح. وله متابعة عند الطبري في التفسير (١٢/ ٥٨٥) عن محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الضحاك بن مزاحم به نحوه.
(٢) هو حرب الكرماني.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٩). التعليق: اختلف أهل التفسير في المراد بهذا الاستثناء على أقوال كثيرة، والذي =
[ ٢ / ٦٩١ ]
المبحث السابع: ما جاء في الموت يوم القيامة
٤٥٣ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: ويذبح الموت يوم القيامة
_________________
(١) = عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية -كما في هذه الآثار الواردة في هذا المبحث وغيرها- أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين. انظر تفسير الطبري (١٢/ ٥٧٩ - ٥٨٣)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٣٥١ - ٣٥٢). قال الإمام البغوي في تفسيره (٤/ ٢٠٢) - بعد أن أورد أثر عبد الله بن عمرو المتقدم: "ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان، وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدًا". والسلف الصالح مجمعون على عدم تخليد عصاة الموحدين في النار، وأنه لا بد وأن يخرجوا من النار بعد أن يقضوا ما عليهم، أو بشفاعة الشافعين. ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج والمعتزلة أهل الزيغ والضلال. والآية التي جاءت في هذا المبحث فيها الدلالة على استثناء أهل التوحيد من الخلود في النار، وهذا مبني على ما دلت عليه النصوص من عدم تكفير أهل الكبائر، وأنهم تحت المشيئة. وانظر الأدلة على عدم تكفير أهل الكبائر من هذه الرسالة (ص ٤٤٣ - ٤٤٥).
[ ٢ / ٦٩٢ ]
بين الجنة والنار (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٨). التعليق: يعتقد أهل السنة والجماعة أن الموت يأتي يوم القيامة في صورة كبش، وأنه يذبح حقيقة. فعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت: وكلهم قد رآه. ثم ينادي يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]. أخرجه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩). وفي هذا رد على أهل الكلام الذين قالوا: "إن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسما". انظر فتح الباري لابن حجر (١١/ ٥١٢).
[ ٢ / ٦٩٣ ]
الفصل الخامس:
الآثار الواردة عن السلف في مسائل أخرى متنوعة
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: ما جاء في معاملة السلف لأهل العاصي.
المبحث الثاني: ما جاء في التعامل مع أهل الكتاب.
المبحث الثالث: ما جاء في ذراري المشركين.
المبحث الرابع: ما جاء في وسوسة القلوب.
المبحث الخامس: ما جاء في حكم تارك الصلاة.
المبحث السادس: ما جاء في الرؤيا.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
المبحث الأول:
ما جاء في معاملة السلف لأهل المعاصي
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ترك السلام عليهم.
المطلب الثاني: جواز غيبتهم.
المطلب الثالث: عدم تزويجهم.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
المطلب الأول: ترك السلام عليهم
٤٥٤ - حدثنا الحماني قال: حدثنا رباح بن خالد، عن شريك، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن أبي البختري، عن علي قال: لا تسلموا على أصحاب الشطرنج (^١) (^٢).
_________________
(١) الشطرنج: لعبة تلعب على رقعة ذات أربعة وستين مربعا، وتمثل دولتين متحاربتين باثنتين وثلاثين قطعة تمثل الملِكين والوزيرين والخيالة والقلاع والفيلة والجنود. المعجم الوسيط (١/ ٤٨٢). والشطرنج حكمه حكم النرد؛ بل هو شر منه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣):" ومذهب الأئمة الأربعة: أن اللعب بالنرد حرام، وإن لم يكن بعوض. وقد قال ابن عمر ومالك بن أنس وغيرهما: إن الشطرنج شر من النرد، وقال أبو حنيفة وأحمد ابن حنبل والشافعي وغيرهم: النرد شرٌ من الشطرنج، وكلا القولين صحيح باعتبار، فإن النرد إذا كان بعوض والشطرنج بغير عوض، فالنرد شرٌ منه، وهو حرام حينئذ بالإجماع. وأما إن كان كلاهما بعوض، أو كلاهما بلا عوض، فالشطرنج شرٌ من النرد، لأن الشطرنج يشغل القلب ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر من النرد، ولهذا قيل: الشطرنج مبني على مذهب القدر، والنرد مبني على مذهب الجبر، فإن صاحب النرد يومي ويحسب بعد ذلك، وأما صاحب الشطرنج فإنه يقدر ويفكر ويحسب حساب النقلات قبل النقل. فإفساد الشطرنج للقلب أعظم من إفساد النرد ولكن كان معروفا عند العرب، والشطرنج لم يعرف إلا بعد أن فتحت البلاد، فإن أصله من الهند وانتقل منهم إلى الفرس، فلهذا جاء ذكر النرد في الحديث وإلا فالشطرنج شر منه، إذا استويا في العوض أو عدمه".
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٣٨). =
[ ٢ / ٦٩٩ ]
٤٥٥ - حدثنا سعيد بن منصور قال: ثنا أبو معاوية، عن سعد بن طريف، عن أصبغ بن نُبَاتَة قال: مر عليٌّ بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (^١).
_________________
(١) = الإسناد منقطع: أبو البختري واسمه سعيد بن فيروز لم يسمع من علي. التهذيب (٢/ ٣٨). والإسناد فيه أيضا شريك وهو صدوق يخطئ كثيرا وقد تقدم. وأخرج نحوه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٧٤٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٠/ ٣٢١ - ٣٢٢) من طرق عن سعد بن طريف عن أصبغ بن نباتة عن علي به. وسعد بن طريف وأصبغ بن نباتة متروكان كما سيأتي.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٣٨). إسناده تالف: سعد بن طريف الإسكافي، متروك، ورماه ابن حبان بالوضع، وكان رافضيًا. المجروحين (١/ ٤٥٣)، والتقريب (ص ١٧١). وأصبغ بن نُباتة التميمي، متروك رمي بالرفض أيضا. التقريب (ص ٥٣). وأخرجه من طريق سعد بن طريف البيهقي في الشعب (٥/ ٢٤١)، وفي السنن (١٠/ ٢١٢)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٩٣). وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٦٨٢)، والبيهقي في السنن (١٠/ ٢١٢)، والخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٥٣)، والآجري في تحريم النرد والشطرنج (٢٤) من طرق عن فضيل بن مرزوق عن ميسرة =
[ ٢ / ٧٠٠ ]
٤٥٦ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن أسلم المنقري قال: كان سعيد بن جبير إذا مرَّ على أصحاب النردشير (^١) لم يسلم عليهم (^٢).
_________________
(١) = النهدي عن علي به مثله. وهو إسناد منقطع: ميسرة بن حبيب النهدي لم يدرك عليًا. انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال (١٥٣).
(٢) النرد: اسم أعجمي معرَّب، وشير: بمعنى حلو، وهو الكَعْبُ الذي يُلْعَب به، وقد وضعه أرْدَشير ابنُ بابَك أحد ملوك الفرس، ولهذا يقال النَّرْدشير. انظر النهاية لابن الأثير (٥/ ٣٩)، وكتاب العين للفراهيدي (٨/ ٢٢). وجاء في المعجم الوسيط (٢/ ٩١٢): "لعبة ذات صندوق وحجارة وفصَّين، تعتمد على الحظ وتُنقل فيها الحجارة على حسب ما يأتي به الفص، وتعرف عند العامة بالطاولة. وقد ورد في السنة تحريم اللعب بالنردشير، فعن بريدة بن الحصيب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه". رواه مسلم (٢٢٦٠). وعن أبي موسى الأشعري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله". رواه أبو داود في السنن (٥/ ٣٢٩ رقم ٤٨٩٩) وحسن إسناده الألباني في الإرواء (٢٦٧٠).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٧٣ - رقم ١٨٠٧). =
[ ٢ / ٧٠١ ]
٤٥٧ - حدثنا العلاء بن عمرو قال: حدثنا سعيد بن مسلمة، عن ليث قال: كان إبراهيم لا يسلم على أصحاب الشطرنج (^١).
٤٥٨ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن زياد بن حُدير (^٢)، أنه مرَّ على قوم يلعبون بالنرد
_________________
(١) = رجاله ثقات، وإسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٦٩٧)، ومن طريقه الآجري في تحريم النرد والشطرنج (٣٨).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٣٨). الإسناد ضعيف جدًا: العلاء بن عمرو الحنفي: تكلم فيه ابن حبان وغيره تقدم مرارًا، وسعيد بن مسلمة القرشي: ضعيف. التقريب (ص ١٨١). وليث بن أبي سليم ضعيف اختلط تقدم مرارًا. وأخرج نحوه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٩٨) عن علي بن الجعد، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الحسن، عن طلحة بن مصرف، قال: "كان إبراهيم وأصحابنا لا يسلمون على أحد إذا مروا به من أصحاب هذه اللعب". وقال محققه: إسناده صحيح.
(٣) زياد بن حُدير الأسدي، وله ذكر في الصحيح، ثقة، عابد. التقريب (ص ١٥٩).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
فسلم عليهم وهو لا يعلم، ثم رجع فقال: رُدَّوا عليَّ سلامي (^١).
٤٥٩ - حدثنا وهب بن بيان قال: حدثنا ابن وهب -وحدثنا ابن سرح قال: حدثنا ابن وهب-، عن عبد الله بن المسيب، عن يزيد بن يوسف أنَّه سأل يزيد بن أبب حبيب عن الشطرنج؟ فقال يزيد بن أبي حبيب: لو مررت على قوم يلعبون بالشطرنج ما سلمت عليهم (^٢).
٤٦٠ - حدثني الثقة عن المعافى بن عمران في رجل يمرُّ بالقوم فيراهم على بعض المنكر، يسلِّمُ عليهم؟ قال: إنْ أراد أنْ يأمرهم وينهاهم فليسلم، وإلا فلا يسلم (^٣).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٧٣ - رقم ١٨٠٨). الإسناد ضعيف: لأجل يزيد بن أبي زياد الهاشمي، ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًا تقدم في الأثر (٢٥٩). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٦٩٨)، ومن طريقه الآجري في تحريم النرد والشطرنج (٣٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٧٣ - رقم ١٨٠٩). الإسناد ضعيف: عبد الله بن المسيب القرشي الفارسي: مقبول. التقريب (ص ٢٦٦)، ويزيد بن يوسف الفارسي مجهول. التقريب (ص ٥٣٥). وأخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٢٤٢) من طريق عبد الله بن المسيب به، وأورده المزي في تهذيب الكمال في ترجمة يزيد بن يوسف (٣٢/ ٢٨٧).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٧٣ - رقم ١٨١٠). =
[ ٢ / ٧٠٣ ]
المطلب الثاني: جواز غيبتهم للمصلحة
٤٦١ - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا زياد بن الربيع، عن عبد الرحمن بن أذينة قال: حدثنا أشياخنا قال: ثلاثة لا حرمة لهم ولا غيبة، الوالي الظالم الجائر، والفاسق المعلن بفسقه، وصاحب البدعة (^١).
٤٦٢ - حدثنا عبد الله (^٢) قال: ثنا أبو عوانة قال: عن قتادة، عن الحسن قال: ليس بينك وبين الفاسق حرمة (^٣).
٤٦٣ - حدثنا أبو معن قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي،
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في الزهد (ص ٢٢٣) عن المعافى به نحوه.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٨). هذا الأثر مكرر، انظر رقم (٣٧٢).
(٣) ابن عبد الوهاب البصري. انظر: تهذيب الكمال (١٥/ ٢٤٧).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٨). الإسناد رجاله كلهم ثقات. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠١٨) عن أبي عوانة به، وصحح إسناده الألباني في التعليق عليه، وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا في الصمت (ص ١٤٢)، وفي الغيبة والنميمة (ص ٩٠).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
عن قتادة، عن الحسن أنه كان يقول: لا حرمة للفاجر (^١). قال قتادة: فكأنه يرى إذا اغتبت المصلي الفاجر أنه لا بأس به (^٢).
٤٦٤ - حدثنا يحيى بن عثمان قال: أخبرنا بقية قال: سألت الأوزاعي قلت: عن الذي ينبغي لي أن أكف عنه، أرى الرجل يسكر، ويزني، ويعمل عملا لا يحل له؟ قال: إن أسرها فليس لك أن تذكرها، وإن كان صاحبها لا يبالي من رآه ولا يستتر فلا غيبة له (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا فى الصمت (ص ١٤٤)، وفي الغيبة والنميمة (ص ٩٣) عن يحيى بن جعفر أنبأنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي حدثنا الصلت بن طريف قال: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلن لفجوره ذكري له بما فيه غيبة؟ قال: لا ولا كرامة. وفيه الصلت بن طريف وهو مستور. انظر لسان الميزان (٣/ ١٩٥).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٨). الإسناد فيه معاذ بن هشام الدستوائي: وهو صدوق ربما وهم. تقدم في الأثر (٥٩). ولم أجد من أخرجه.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٨). الإسناد حسن. ولم أجد من أخرجه.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
المطلب الثالث: عدم تزويجهم
٤٦٥ - حدثنا أحمد بن نصر قال: ثنا حبان بن موسى قال: قال عبد الله بن المبارك: شر الأزواج إذا زُوجت من شارب لما يتخوف من طلاقه في سكره. قال وذكر عبد الله أنَّ سعيد بن المسيب خطب إليه بعض آل مروان، وأبى أن يزوج ابنته، وقال: أزوجها ممَّن يطغيها ويبغيها (^١) (^٢).
_________________
(١) أخرج هذه القصة أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٦٨).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ١٠٨). الإسناد: صحيح إلى عبد الله بن المبارك. ولم أجد من أخرجه. التعليق: هذه الآثار الواردة عن السلف تبين لنا كيفية التعامل مع العصاة والفساق من المسلمين، فلا يسلم عليهم إن كان في ترك السلام عليهم زجر لهم وإقلاع عما هم عليه من المعاصي، قال ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٩): "وقد ذهب الجمهور: إلى أنه لا يسلم على الفاسق ولا المبتدع. قال النووي: فان اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم، سلم". وكذلك دلت هذه الآثار على جواز غيبة من كان مجاهرًا بالمعصية من أجل أن تجتنب هذه المعصية ويحذر الناس منها، وقد بوّب البخاري في صحيحه: باب غيبة أهل الفساد والريب، ثم أورد فيه حديث عائشة: أن رجلا استأذن على النبي -ﷺ- =
[ ٢ / ٧٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة الحديث رقم (٦٠٣٢)، قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٥٥٩): "وهذا الحديث أصل في المداراة وفي جواز غيبة أهل الكفر والفسق ونحوهم والله أعلم". وكذلك لا يزوجون خشية أن يسري فسقهم إلى زوجاتهم وأبنائهم ومن يعولون. فحكمهم في هذا كله كحكم أهل البدع. وهذا كله داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنه لا يجوز مجاوزة الحد المشروع عند الإنكار عليهم. قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٨١): "أن لا يعتدى على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم، أو ذمهم، أو نهيهم، أو هجرهم، أو عقوبتهم، بل يقال: لمن اعتدى عليهم. عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت".
[ ٢ / ٧٠٧ ]
المبحث الثاني:
ما جاء في التعامل مع أهل الكتاب
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: ما جاء في السلام عليهم وتكنيتهم وعيادتهم
المطلب الثاني: هل تجبر سباياهم على الإسلام؟
المطلب الثالث: كيف يشمت العاطس من أهل الكتاب؟
المطلب الرابع: ما جاء في غيبتهم
[ ٢ / ٧٠٩ ]
المطلب الأول: ما جاء في السلام عليهم وتكنيتهم وعيادتهم
٤٦٦ - حدثنا المسيب قال: حدثنا سفيان (^١)، عن أيوب، عن يحيى ابن أبي كثير أن عمر بن الخطاب كنَّى نصرانيًا: بأبي حسان، وكان اسمه: فرافصة (^٢).
٤٦٧ - حدثنا يحيى (^٣) قال: حدثنا شريح (^٤)، عن محمود بن حرب (^٥)، عن عياض الأشعري قال: قال عمر بن الخطاب: لا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تُعزوهم إذ أذلهم الله، ولا تقربوهم إذ
_________________
(١) ابن عيينة. تهذيب التهذيب (٢/ ٥٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٦). الإسناد منقطع: يحيى بن أبي كثير، ثقة، ثبت، لكنه يدلس ويرسل، ولم يدرك عمر بن الخطاب. انظر تهذيب التهذيب (٤/ ٣٨٤). وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ٣٧٣) من طريق يحيى بن أبي كثير به.
(٣) ابن عبد الحميد الحماني.
(٤) لعله مصحف عن "شريك بن عبد الله النخعي" الذي يروي عن سماك بن حرب وعنه يحيى بن عبد الحميد.
(٥) لم أجد من اسمه "محمود بن حرب" ولعله مصحف عن "سماك بن حرب" الذي يروي عن عياض.
[ ٢ / ٧١١ ]
بعدهم الله (^١).
٤٦٨ - حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن هؤلاء العلوج (^٢) يقولون لنا: بارك الله فيكم. أفنرد عليهم؟ قال: لو أن فرعون قال لي: بارك الله فيك. قلت له: وفيك (^٣).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٧). وأخرجه البيهقي في السنن (١٠/ ١٢٧) من طريق شعبة عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري به نحوه، وصححه الألباني في الإرواء (٨/ ٢٥٥).
(٢) العلوج: جمع عِلج: وهو الواحد من كفار العجم. مختار الصحاح للرازي (ص ١٨٨).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٧). إسناد حرب: فيه أبو بكر: ولم يتبين لي من هو، ولعله أبو بكر بن عياش الأسدي الذي يروي عن ضرار بن مرة الكوفي أبو سنان الشيباني الأكبر، إلا أنني لم أجد أحدًا ذكر أن أبا بكر بن عياش من شيوخ يحيى بن عبد الحميد الحماني والله أعلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٣٤٣) عن الفضل بن دكين عن سعيد بن سنان البُرْجمي، أبو سنان الشيباني الأصغر الكوفي عن سعيد بن جبير به نحوه، وأبو سنان الأصغر هذا هو غير الأكبر، فالأكبر ثقة، والأصغر صدوق له أوهام، =
[ ٢ / ٧١٢ ]
٤٦٩ - حدثنا عمرو (^١) قال: ثنا عبد الملك بن محمد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، أن أبا الدرداء (^٢) وفضالة بن عبيد (^٣) عادا أركون (^٤) دمشق (^٥).
_________________
(١) = وكلاهما يروي عن سعيد بن جبير. انظر التهذيب (٢/ ٢٥ و٢٢٨)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١١٣) عن أبي نعيم قال حدثنا سفيان عن ضرار بن مرة -أبي سنان الأكبر- عن سعيد بن جبير به نحوه، وصححه الألباني في التعليق عليه، وأخرجه ابن أبي الدنيا في مداراة الناس (رقم ١٠٤) عن خلف بن هشام حدثنا شريك عن أبي سنان -الأكبر- عن سعيد بن جبير به نحوه.
(٢) ابن عثمان بن سعيد القرشي الحمصي. تهذيب الكمال (٢٢/ ١٤٥).
(٣) تقدمت ترجمته في الأثر (٢٣٣).
(٤) فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، أول ما شهد، شهد أحدا ثم نزل دمشق وولي قضاءها، ومات سنة (٥٨) وقيل قبلها. الإصابة (٥/ ٣٧١)، والتقريب (ص ٣٨١).
(٥) أركون: معناه العظيم. انظر تهذيب اللغة للأزهري (١٠/ ١٩٠).
(٦) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٦). الإسناد ضعيف: عبد الملك بن محمد الصنعاني البرسمي: قال الذهبي: ليس بحجة، وقال ابن حجر: لين الحديث. الكاشف (١/ ٦٦٩)، والتقريب (ص ٣٠٦)، وربيعة بن يزيد لم يلق أبا الدرداء ولا فضالة بن عبيد. انظر تهذيب =
[ ٢ / ٧١٣ ]
٤٧٠ - حدثنا عبد الرحمن بن سلام قال: ثنا زيد بن حباب قال: أنا المنهال بن عيسى البصري (^١)، قال: أنا غالب القطان قال: قلت للحسن: إنَّ لنا جيرانًا نصارى ينيلوننا من معروفهم، ويشيعون جنائزنا فأكافئهم؟ قال: كافئهم إذا أتيت الباب فقل: من هاهنا أدخل، فإذا دخلت فقل: كيف مريضكم؟ كيف تجدونه؟ فإذا أردت أن تقوم فقل: الشفاء والعافية من الله. قال زيد: وأخبرنا بعض البصريين عن الحسن أنه كان إذا عزَّى النصراني: والذمي قال: لا أصابكم الله إلا بخير (^٢).
٤٧١ - حدثنا أبو موسى (^٣) قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا
_________________
(١) = التهذيب (١/ ٦٠١). ولم أجد من أخرجه.
(٢) ويقال عيسى بن المنهال البصري، أورده ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٣٧).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٦). الإسناد حسن: عبد الرحمن بن محمد بن سلام، وقد نسب هنا إلى جده، وهو لا بأس به. التقريب (ص ٢٩١)، وزيد بن الحُباب العُكلي، صدوق يخطئ في حديث الثوري التقريب (ص ١٦٢). وأخرجه الطبراني في الدعاء (٣/ ١٣٣٨ رقم ١١٤٠)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٥٤٧) كلاهما من طريق زيد بن الحباب به.
(٤) محمد بن المثنى العنزي الملقب بالزمن. تهذيب التهذيب (٣/ ٦٨٧).
[ ٢ / ٧١٤ ]
الأعمش، عن إبراهيم (^١) قال: إذا كان لك الحاجة إلى اليهودي أو النصراني فابدأه بالسلام (^٢).
٤٧٢ - حدثنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، عن الأوزاعي قال: لا بأس بعيادة النصراني وكتاب وصيته، ولا يصافحه، ولا يكنيه. قلت للأوزاعي: فإن قدم من سفر فصافحني؟ قال: لا بأس (^٣).
_________________
(١) النخعي.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٧). الإسناد فيه الأعمش وهو ثقة، لكنه يدلس وقد عنعن تقدم. وأورده القرطبي في التفسير (١٣/ ٤٦٠).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٦). الإسناد ضعيف: عبد الملك بن محمد الصنعاني البرسمي: قال الذهبي: ليس بحجة، وقال ابن حجر: لين الحديث. تقدم في الأثر (٤٦٩). ولم أجد من أخرجه. التعليق: - أهل الكتاب لا يُبدؤون بالسلام لحديث أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطروه إلى أضيقه". أخرجه مسلم في صحيحه (٢١٦٧). قال ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٨) بعد أن ذكر خلاف العلماء في ابتداء أهل =
[ ٢ / ٧١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الكتاب بالسلام: "وحديث أبي هريرة في النهي عن ابتدائهم أولى". أما رد السلام عليهم فيكون كما قال النبي -ﷺ-: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم". أخرجه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣). قال النووي في شرح مسلم (١٤/ ٣٦٩): "اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا، لكن لا يقال لهم: "وعليكم السلام"؛ بل يقال: "عليكم" فقط، أو "وعليكم". قال القرطبي في تفسيره (٢٠/ ٣١١ - ٣١٢): "وقد اختلف في رد السلام على أهل الذمة، هل هو واجب كالرد على المسلمين، وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة؛ للأمر بذلك. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب، فإن رَدَدْتَ، فقل: عليكَ. وقد اختار ابن طاوس أن يقول في الرد عليهم: علاكَ السلامُ، أي: ارتفع عنك. واختار بعض أصحابنا: السِّلام- بكسر السين- يعني الحجارة. وما قاله مالك أولى، اتباعًا للسنة والله أعلم". وانظر أحكام أهل الذمة لابن القيم الجوزية (١/ ٤٢٢ - ٤٢٦). - أما تكنية أهل الكتاب: فقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه كنى عبد الله بن أبيّ بن سلول بأبي حباب في قصة زيارته -ﷺ- لسعد بن عبادة وهي في البخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨). وقد بين العلماء أن تكنية المشرك جائزة بحسب المصلحة، كأن يرجى إسلامه، أو يخاف بطشه، أو كان لا يعرف إلا بها. =
[ ٢ / ٧١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (٩/ ٣٥٥): "فيه جواز تكنية المشركين على وجه التألف لهم بذلك رجاء رجوعهم وإسلامهم، أو لمنفعة عندهم، فأما إذا لم يرج ذلك منهم فلا ينبغي تكنيتهم، بل يلقون بالإغلاظ والشدة في ذات الله". وقد عقد النووي في كتابه الأذكار (ص ٤٧٣) بابا بعنوان: باب جَوَاز تكنيةِ الكَافِر والمبتدع والفاسق إذا كان لا يُعرف إلا بها أو خِيفَ من ذِكْره باسمِه فتنة. وانظر أحكام أهل الذمة لابن القيم الجوزية (٣/ ١٣٢١). - وأما عيادتهم: فقد ثبت ذلك عن النبي -ﷺ- فيما رواه البخاري (٦٦٨١)، ومسلم (٢٤) عن المسيب بن حزن -﵁- أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله -ﷺ- فقال: "قل لا إله إلا الله الحديث". وأخرج البخاري في صحيحه (١٣٥٦) عن أنس -﵁- قال: كان غلام يهودي يخدم النبي -ﷺ-، فمرض فأتاه النبي -ﷺ- يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: "أسلِم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم -ﷺ-، فأسلمَ، فخرج النبي -ﷺ- وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار". قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (١٧/ ٤٧٥): "إنما يعاد المشرك ليدعى إلى الإسلام إذا رجا إجابته إليه، ألا ترى أن اليهودي أسلم حين عرض عليه النبي -ﷺ- الإسلام، وكذلك عرض الإسلام على عمه أبى طالب، فلم يقض الله له به، فأما إذا لم يطمع بإسلام الكافر ولا رجيت إنابته فلا تنبغي =
[ ٢ / ٧١٧ ]
المطلب الثاني: هل تجبر سباياهم على الإسلام؟
٤٧٣ - حدثنا صالح قال: حدثني أبي قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن حماد عن إبراهيم (^١) قال: إذا سُبين اليهوديات والنصرانيات يجبرون على الإسلام (^٢).
_________________
(١) = عيادته". قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٤٨) معقبًا على كلام ابن بطال: "والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى. قال الماوردي: عيادة الذمي جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها، من جوار أو قرابة". قال النووي في كتاب الأذكار (ص ٤١١ - ٤١٢): "فينبغي لعائد الذميّ أن يرغّبه في الإِسلام، ويبيِّن له محاسنَه، ويحثَّه عليه، ويحرّضه على معاجلته قبل أن يصيرَ إلى حال لا ينفعه فيها توبته، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها".
(٢) النخعي.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٢٤ - رقم ٨٠٣). الإسناد فيه: مغيرة بن مقسم الضبي، ثقة متقن إلا أنه كان يدلس تقدم، وحماد ابن أبي سليمان الأشعري فقيه، صدوق له أوهام، ورمي بالإرجاء. تقدم في الأثر (١٣٢). =
[ ٢ / ٧١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٥٧٣، ٣٣٣٣٢)، وسعيد بن منصور في السنن (٢/ ٦٠ رقم ٢٠٢٤) كلاهما عن جرير به. التعليق: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] هل يكره من سبي من أهل الكتاب على الإسلام أم لا؟ -فمنهم من قال: يجبرون، وأن الآية منسوخة باَية الحرب التي في سورة التوبة، وهو ما ذهب إليه إبراهيم النخعي هنا. - ومنهم من قال: لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون أهل الأوثان والمرتدين عن دينهم، فهم الذين نزلت فيهم ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة:٧٣]. انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس (ص ٢٥٨ - ٢٥٩)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ٢٨٠ - ٢٨). قال ابن جرير الطبري في التفسير (٤/ ٥٥٤): "وكان المسلمون جميعًا قد نقلوا عن نبيهم -ﷺ- أنه أكره على الإسلام قوما، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين والمجوس ومن أشبههم. كان بيّنا بذلك أن معنى قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ إنما هو: لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية ورضاه بحكم الإسلام".
[ ٢ / ٧١٩ ]
المطلب الثالث: كيف يشمت العاطس من أَهل الكتاب؟
٤٧٤ - حدثنا أبو معن قال: حدثنا أبو قتيبة (^١) قال: حدثنا إسرائيل (^٢)، عن جابر، عن الشعبي قال: إذا عطس اليهودي فقل هداك الله (^٣).
_________________
(١) سلم بن قتيبة البصري. تهذيب التهذيب (٢/ ٦٦).
(٢) إسرائيل بن يونس بن أبى إسحاق السبيعي الهمداني. تهذيب الكمال (٢/ ٥١٥).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٧). الإسناد ضعيف: جابر بن يزيد الجعفي: ضعيف، رافضي. التقريب (ص ٧٦). ولم أجد من أخرجه عن الشعبي. ويشهد له ما أخرج أبو داود في السنن (٥/ ٣٩٦ رقم ٤٩٩٩)، والترمذي (٤/ ٤٥٥ رقم ٢٧٣٩) عن أبي موسى -﵁- قال: كان اليهود تعاطس عند النبي -ﷺ- رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله، فكان يقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وانظر أيضًا تصحيح الألباني له في إرواء الغليل (٥/ ١١٩). قال العظيم آبادي في عون المعبود (١٣/ ٢٥٧): أي ولا يقول لهم: يرحمكم الله؛ لأن الرحمة مختصة بالمؤمنين، بل يدعو لهم بما يصلح بالهم من الهداية والتوفيق للإيمان".
[ ٢ / ٧٢٠ ]
المطلب الرابع: ما جاء في غيبتهم
٤٧٥ - حدثنا أبو معن قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن محمد بن سيرين أنه كان يكره أن يُغتاب النصراني (^١).
٤٧٦ - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا طوق بن وهب قال: نقهت من مرض مرضته فدخلت على محمد ابن سيرين فرأى من حالي فقال: ما يمنعك من فلان الطبيب النصراني؟ ثم قال: فلان أطب منه، ثم قال: استغفر الله اغتبتُه (^٢).
٤٧٧ - سألت إسحاق عن غيبة أهل البدع؟ قال: ليست لهم حرمة، وذكر عن ابن المبارك قال: ليس لهم غيبة، ولكن أكره أن يُعوِّد الرجل
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٩). الإسناد فيه معاذ بن هشام الدستوائي: وهو صدوق ربما وهم تقدم. ويشهد له ما بعده. ولم أجد من أخرجه.
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٩). وأخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٣١٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٢١٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٦١ - ٦٢)، وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٤٢).
[ ٢ / ٧٢١ ]
لسانه، وكذلك أهل الشرك، وذكر عن ابن سيرين كراهيته (^١).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣١٧). التعليق: أما غيبة الكافر ففيها تفصيل: فإن كانت غيبة الكافر في أمور خَلقية كعور أو عرج أو نحوه فهذا لا يجوز، لأنه استهزاء بخلق الله تعالى، وأما إن كانت الغيبة من أجل بيان أخلاقه السيئة ليحذرها الناس أو نحو ذلك فلا بأس. وأما إن كان من أهل الحرب فغيبته مستحبة لأمر النبي -ﷺ- حسان بن ثابت أن يهجوَ المشركين. أخرجه البخاري (٤١٢٣). قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/ ٢٣): «وسئل الغزالي في فتاويه عن غيبة الكافر. فقال: هي في حق المسلم محذورة لثلاث علل: الإيذاء وتنقيص خلق الله، فإن الله خالق لأفعال العباد، وتضييع الوقت بما لا يعني. قال: والأولى: تقتضي التحريم، والثانية: الكراهة، والثالثة: خلاف الأولى. وأما الذمي: فكالمسلم فيما يرجع إلى المنع من الإيذاء؛ لأن الشرع عصم عِرضه ودمه وماله. وقد روى ابن حبان في صحيحه (١١/ ٢٣٨) أن النبي -ﷺ- قال: "من سمَّع يهوديًا أو نصرانيًا فله النار"، ومعنى سمَّعه: أي أسمعه بما يؤذيه، ولا كلام بعد هذا أي لظهور دلالته على الحرمة. قال الغزالي: وأما الحربي فليس بمحرم على الأولى، ويكره على الثانية والثالثة، =
[ ٢ / ٧٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما المبتدع فإن كفر فكالحربي وإلا فكالمسلم، وأما ذكره ببدعته ليس مكروهًا. وقال ابن المنذر في قوله -ﷺ-: "ذكرك أخاك بما يكره" فيه دليل على أن من ليس أخاك من اليهود والنصارى أو سائر أهل الملل، أو من أخرجته بدعة ابتدعها إلى غير دين الإسلام لا غيبة له».
[ ٢ / ٧٢٣ ]
المبحث الثالث:
ما جاء في ذراري المشركين
[ ٢ / ٧٢٥ ]
المبحث الثالث: ما جاء في ذراري المشركين
٤٧٨ - قال إسحاق: ولا يشهد أحدكم لصبي يموت أني أشهد أن هذا في الجنة. قال: وسُئل ابن عباس عن الولدان أفي الجنة هم؟ قال حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر (^١) (^٢).
_________________
(١) وهو ما قصه الله علينا في القرآن في سورة الكهف قال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]، فكان جواب الخضر لموسى ﵉ ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٠). أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٧/ ٢٣٧٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠١)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، ومن طريق الحاكم أخرجه أيضا البيهقي في القضاء والقدر (٣/ ٩٠٦ - ٩٠٧). التعليق: اختلف العلماء ﵏ في حكم أطفال المشركين يوم القيامة. فمنهم من قال: هم في الجنة. وقال بعضهم: هم في النار تبعا لآبائهم. وقال بعضهم: هم خدام أهل الجنة. وقال بعضهم: هم تحت المشيئة. ومنهم من قال: أخهم يمتحنون في عرصات القيامة. =
[ ٢ / ٧٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وتوقف آخرون وأرجؤوا أمرهم إلى الله تعالى. انظر فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣١٢ - ٣١٣)، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ١٢٧ - ١٣٦)، وأحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/ ١٠٨٦ - ١١٣٧)، وطريق الهجرتين له (ص ٥٧١ - ٥٨٧). وقد بين ابن القيم أنه ليس معنى قوله -ﷺ-: "الله أعلم بما كانوا عاملين "التوقف وعدم الحكم لهم بجنة أو نار، بل إنما معنى الحديث "الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا، فهو ﷾ يعلم القابل منهم للهدى، العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر، المؤثر له لو عاش، لكن لا يدل هذا على أنه يجزيهم بمجرد علمه، فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم ". طريق الهجرتين (ص ٥٧٢). والأظهر أن أطفال المشركين يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصا دخل النار. فهناك يظهر منهم ما علمه الله، ويجزيهم على ما ظهر من العلم، وهو إيمانهم وكفرهم، لا على مجرد العلم. وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ومن وافقهما. قال شيخ الإسلام: "وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنزل جميع الأحاديث. مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٧)، وانظر المصدر نفسه (٤/ ٢٤٦، ٣٠٣، ٣١٢ - ١٨/ ١٤٢)، والصفدية له (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، وإعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١١٣٧ - ١١٣٨)، وطريق الهجرتين له (ص ٥٨٧).
[ ٢ / ٧٢٨ ]
المبحث الرابع:
ما جاء في وسوسة القلوب
[ ٢ / ٧٢٩ ]
المبحث الرابع: ما جاء في وسوسة القلوب
٤٧٩ - سمعت إسحاق يقول في حديث النبي -ﷺ- وأصحابه والتابعين في الوسوسة أنه محض الإيمان أو صريح الإيمان. قال إسحاق: إذا أنفى الوسوسة عن نفسه فنفيه محض الإيمان ليس الوسوسة محض الإيمان، ولكن نفيه، وأما الوسوسة إذا وقع في القلب فلم ينفه فهو الهلاك. قال: وأما ما روي عن أصحاب النبي -ﷺ- أنهم كانوا إذا فقدوا الوسوسة عدوه نقصًا، فليس أن يكونوا عدوًا فقد الوسوسة نقصًا، ولكن كانوا إذا أصابهم ذلك نفوهًا عن أنفسهم فإذا لم يصيبهم ذلك عدوه نقصًا، لأن نفي ذلك عندهم فضيلة عندهم أو كما قال (^١).
٤٨٠ - حدثنا أبو سهل بشر بن معاذ قال: حدثنا يوسف بن عطية قال: حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك أن بعض أصحاب النبي -ﷺ- شكوا إليه ما يجدون من هذه الوساوس في صدورهم. قال: فقال النبي -ﷺ-: "كيف أنتم وربكم؟ قالوا: لا نشك في ربنا، وليقع أحدنا من السماء فيتقطع أحب إليه من أن يتكلم بما في صدره، فقال
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥١).
[ ٢ / ٧٣١ ]
النبي -ﷺ-: الله أكبر الله أكبر ذاك محض الإيمان (^١). قال أبو سهل: قلت للعتبي (^٢): إن عبد الرحمن (كك ٢) وأثنى عليه خيرًا ما عنى بقوله ذلك محض الإيمان؟ فقال: عنى به الخوف الذي شكوه إلى النبي ﷺ- من الذي وجدوه في صدورهم ذلك محض الإيمان (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف: يوسف بن عطية الصفار: متروك. التقريب (ص ٥٤٠). وأخرج نحوه أحمد بن حنبل في المسند (٦/ ١٠٦)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ح ١٣٢).
(٢) لم يتبين لي من هو.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥١). لم أجد من أخرجه. التعليق: لقد خلق الله تعالى إبليس، وأخبرنا أنه عدو لبني آدم، يصدهم عن الدين، ويوقعهم في الشكوك والآثام، فطرق إغوائه كثيرة خطيرة، ومنها ما أعطاه الله من القدرة على الوسوسة في قلوب الناس، فينكد عليهم أمرهم ويفسد عليهم دينهم. وقد ورد في القراَن الكريم صور عديدة تبين وسوسة الشيطان لبني آدم منها: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وقال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ =
[ ٢ / ٧٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = [الأعراف: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى [طه:١٢٠]. وقال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ٤ - ٦]. والوسوسة تكون تارة من النفس. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦]. وقد جاء في السنة معالجة كثير من صور الوسوسة التي يحدثها الشيطان على الناس ليوقعهم في الشك في الدين. فمن ذلك: ما جاء عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه، فليستعذ باللّه ولينته". رواه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤). وعن أبي هريرة -﵁- قال: جاء ناس من أصحاب النبي -ﷺ- فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال ذاك صريح الإيمان". رواه مسلم (١٣٢). وعن عئمان بن أبي العاص -﵁- أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله -ﷺ- ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا، فقال: ففعلت =
[ ٢ / ٧٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذلك فأذهبه الله عني". رواه مسلم (٢٢٠٣). وأنفع علاج في دفع الوسوسة: الإِقبال على ذكر الله تعالى والإِكثار منه، فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس، وتأخر وبعُد، ولأن الوسواس إنما يُبتلى به من كمل إيمانه، فإن اللصّ لا يقصد بيتًا خربًا. انظر الأذكار للنووي (ص ٢٢٦). قال ابن القيم في إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان (١/ ١٨١): "أن القرآن شفاء لما في الصدور، يُذهب ما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس، والشهوات، والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أثَّره فيها الشيطان، فأمر أن يطرُد مادة الداء، ويُخلي منه القلب؛ ليصادف الدواء محلًا خاليًا، فيتمكن منه، ويؤثر فيه، كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحم ومُضادٍّ له؛ فينجع فيه".
[ ٢ / ٧٣٤ ]
المبحث الخامس
ما جاء في حكم تارك الصلاة
[ ٢ / ٧٣٥ ]
المبحث الخامس: ما جاء فى حكم تارك الصلاة
٤٨١ - حدثنا قال: حدثني أبي، حدثنا وكيع، نا هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن ابن عباس دخل على عمر، وقال مرة: دخلت مع ابن عباس على عمر بعدما طُعن فقال: الصلاة. قال نعم، ولا حظ في الإسلام لامرئ أضاع الصلاة، فصلى، والجرح يَثعُب (^١) دمًا (^٢).
٤٨٢ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرني بقية بن الوليد، عن زياد بن أبي حميد (^٣)، عن مكحول فيمن يقول: الصلاة من عند الله ولا أصليها، والزكاة من عند الله ولا أوديها. قال: يستتاب فإن تاب وإلا
_________________
(١) أي: يجري. النهاية لابن الأثير (١/ ٢١٣).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (١/ ١٩٢ - رقم ٢٣٩). وأخرجه الإمام مالك في الموطأ (كتاب الطهارة، باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف ١/ ٤٤ ح ١٠١)، والدارقطني في السنن (كتاب الطهارة، باب جواز الصلاة مع خروج الدم السائل ٢/ ٥٢)، والبيهقي في السنن (كتاب الحيض، باب ما يفعل من غلبه الدم من رعاف أو جرح ١/ ٣٥٧) وغيرهم. وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٢٢٥).
(٣) جاء في اتحاف المهرة للبوصيري والمطالب العالية لابن حجر "إياد بن أبي حميد".
[ ٢ / ٧٣٧ ]
قتل (^١).
٤٨٣ - قال: إسحاق: وقال ابن المبارك ووكيع في ترك الصلاة متعمدًا، فأحدهما يقول: هو أن يترك الظهر إلى وقت العصر متعمدًا. وقال الَاخر: هو أن يترك الظهر إلى المغرب، والمغرب إلى الفجر (^٢).
٤٨٤ - حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا مروان بن محمد قال: حدثنا أبو مسلم الفزاري (^٣) قال: سمعت الأوزاعي وسُئل عن رجل قال: أنا أعلم أن الصلاة حق ولا أصلي؟ قال: يعرض على السيف، فإن
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٧٥). الإسناد ضعيف: فيه زياد بن أبي حميد: مجهول. وبقية بن الوليد: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء وقد تقدم. وأورده البوصيري في اتحاف الخيرة المهرة بز وائد المسانيد العشرة (٣/ ١٦٦)، وعزاه إلى إسحاق بن راهويه، وقال: إياد بن أبي حميد: مجهول. وأورده أيضا ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (٨/ ٥٩٨ رقم ٦٦٤).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٧٥). وأخرج نحوه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٦ - ٩٢٧).
(٣) سلمة بن العيار الدمشقي، ثقة. التقريب (ص ١٨٨).
[ ٢ / ٧٣٨ ]
صلى وإلا قُتل (^١). وقال (^٢): وسمعت سعيد بن عبد العزيز (^٣) سُئل عنه قال: يحبس ويضرب حتى يصلي (^٤).
٤٨٥ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والكف عن أهل القبلة لا تكفر أحدًا منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيروي الحديث كما جاء وكما روي وتصدق به وتقبله، وتعلم أنه كما روي نحو ترك الصلاة (^٥) (٦).
_________________
(١) أورد حكم الأوزاعي في تارك الصلاة ابن القيم في كتابه الصلاة وحكم تاركها (ص ٢٩).
(٢) القائل أبو مسلم الفزاري.
(٣) سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي، ثقة، إمام، سواه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مسهر، لكنه اختلط في آخر أمره، مات سنة (١٦٧) وقيل بعدها. التقريب (ص ١٧٩).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٧٥). إسناده حسن: لأجل أحمد بن الأزهر وهو صدوق تقدم في الأثر (٢٩٧). ولم أجد من أخرج قول سعيد بن عبد العزيز.
(٥) وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه (٨٢) عن جابر -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". وما أخرجه الترمذي (٤/ ٣٦٦ رقم ٢٦٢١) وغيره عن بريدة بن الحصيب أن النبي -ﷺ- قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".
(٦) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٧). التعليق: من المعلوم أن مكانة الصلاة في الإسلام عظيمة، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وقد أمر الله تعالى بها في مواضع عدة من كتابه العزيز، وكذا رسوله -ﷺ- في السنة المطهرة. =
[ ٢ / ٧٣٩ ]
_________________
(١) = = وقد اتفق السلف والخلف على أن من تركها جاحدًا لفرضيتها فهو كافر خارج من ملة الإسلام. وإنما وقع الخلاف في من تركها تهاونًا مع إقراره بوجوبها هل يكفر أم لا؟ قال النووي في شرح مسلم (٢/ ٢٥٧): "وأما تارك الصلاة فإن كان منكرًا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، خارج من ملة الإسلام إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه، وإن كان تركه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه: فذهب مالك والشافعي رحمهما الله والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب فإن تاب وإلا قتلناه حدًا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر وهو مروي عن علي بن أبي طالب -﵁- وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل ﵀. وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه. =
[ ٢ / ٧٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي رضوان الله عليه. وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي رحمهما الله أنه لا يكفر، ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي". والخلاف بين العلماء في هذه المسألة موجود، وتاركها على خطر عظيم، ويخشى عليه الكفر. ولست بصدد ذكر أقوالهم وحجة كل قول، ولكن أحيل القارئ إلى مظان هذا الموضوع: وهي كتاب تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (٢/ ٨٧٣ - ١٠١٧)، وبداية المجتهد لابن رشد (٢/ ١١٠ - ١١٤)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٣٥١ - ٣٥٩)، وكتاب الصلاة وحكم تاركها لابن القيم، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٢٧، ٤٠١)، ورسالة حكم تارك الصلاة للألباني، ورسالة في حكم تارك الصلاة للشيخ محمد بن صالح العثيمين.
[ ٢ / ٧٤١ ]
المبحث السادس:
ما جاء في الرؤيا
[ ٢ / ٧٤٣ ]
المبحث السادس: ما جاء في الرؤيا
٤٨٦ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والرؤيا من الله وهي حق إذا رأى صاحبها شيئًا في منامه مما ليس هو ضغث (^١) فقصها على عالم وصَدَق فيها وأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح ولم يحرف فالرؤيا وتأويلها حينئذ حق، وقد كانت الرؤيا من النبيين وحيًا، فأي جاهل بأجهل ممن يطعن في الرؤيا، ويزعم أنها ليست بشيء (^٢)، وقد روي عن النبي -ﷺ-: "إن رؤيا المؤمن كلام يكلم الرب عبده" (^٣) وقال -ﷺ-: "الرؤيا
_________________
(١) الضِّغْثُ: الحُلْم الذي لا تأْويل له ولا خير فيه، والجمع أَضْغاثٌ. لسان العرب (٢/ ١٦٣).
(٢) يريد قول النظامية من المعتزلة أتباع إبراهيم بن سيار النظام، حيث يزعمون أنها مجرد خواطر. انظر مقالات الإسلاميين (ص ٢٤٠).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٤٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٤): "رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه". وانظر فتح الباري (١٢/ ٣٥٤)، وضعفه الألباني في ظلال الجنة.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
من الله" (^١). وبالله التوفيق (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (كتاب الطب، باب النفث في الرقية ح ٥٧٤٧)، ومسلم (كتاب الرؤيا، ح ٢٢٦١) بلفظ: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فلينفث حين يستيقظ ثلاث مرات، ويتعوذ من شرها، فإنها لا تضره".
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦١). التعليق: لقد جاء إثبات الرؤيا المنامية في القرآن العزيز وفي السنة النبوية. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [سورة يوسف: ٤٣]. ومن السنة: قوله -ﷺ-: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". رواه البخاري (٦٩٨٧)، ومسلم (٢٢٦٤). وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات. قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة". رواه البخاري (٦٩٩٠). وعن عوف بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من =
[ ٢ / ٧٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الشيطان؛ ليُحزن بها ابن آدم. ومنها ما يهُمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه. ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٨٥ رقم ٣٩٠٧) وانظر السلسلة الصحيحة (١٨٧٠). والرؤيا الصالحة تعتبر وحيا من الله تعالى، وجزءا من النبوة باعتبار ما فيها من الأخبار والبشائر، ولكنها لا تعتبر من ناحية التشريع والأحكام، فلا يبنى عليها حكم شرعي، ولا يثبت بها حق. قال النووي في شرح مسلم (١/ ٧٤ - ٧٥) -بعد أن ذكر كلام القاضي عياض في أن المنام لا تبطل بسببه سنة ثبتت، ولا تثبت به سنة لم تثبت- قال: "وكذا قاله غيره من أصحابنا، وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع، وليس هذا الذي ذكرناه مخالفا لقوله ﷺ: "من رآني في المنام فقد رآني" فان معنى الحديث: أن رؤيته صحيحة وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق". وأما عن رؤى الكفار التي قد تقع فيقول القرطبي في التفسير (١١/ ٢٥١ - ٢٥٢): "إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءًا من النبوة؛ فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها؟ وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يُرضى دينُه منامات صحيحة صادقة؛ كمنام رؤيا الملِك الذي رأى سبع بقرات، ومنام =
[ ٢ / ٧٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الفتييْن في السجن، وقد ترجم البخاري: باب رؤيا أهل السجن. فالجواب: أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات، لا تكون من الوحي ولا من النبوة؛ إذ ليس كل من صَدَقَ في حديث عن غيبٍ يكون خبرُه ذلك نبوةً وأن الكاهن وغيرَه قد يخبر بكلمة الحق فيَصْدُق، لكن ذلك على النُّدور والقِلة، فكذلك رؤيا هؤلاء. قال المهلب: إنما ترجمَ البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تُضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمنِ إليها؛ إذ ليس كلّ ما يصحُّ له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءا من النبوة".
[ ٢ / ٧٤٨ ]