مقدمة
الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة جمعا ودراسة تأليف حياة بن محمد بن جبريل
شكر وتقدير
الحمد لله الموفق لكل خير الواهب للنعم الذي وفقني وأعانني فله الحمد كله، ومنه التوفيق، والسداد،
وبعد: فاعترافا بالفضل لأهله واستجابة لقول الرسول ﷺ: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"١.
أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير لوالدي وأستاذي الجليل فضيلة الدكتور غالب علي العواجي الذي تولى الإشراف على هذا البحث فكان لخبرته الطويلة، ومراسه المتواصل أكبر الأثر في إبراز هذا البحث وإخراجه إلى حيز الوجود، فقد فتح لي صدره الرحب، وغمرني بأخلاقه الكريمة، وجاد علي بتوجيهاته السديدة، وأعطاني من وقته وعلمه الكثيرَ، إذ لم يكن يقتصر - حفظه الله - على ساعات الإشراف الرسمية، بل كان يستقبلني في بيته متى شئت من ليل أو نهار بوجه مشرق ونفس راضية متواضعة، وسرور بالغ فجزاه الله عني وعن جميع زملائي بل وعن العلم وجميع طلابه أحسن الجزاء وأقر عينه في عقبه.
كما أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان للجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ممثلة في القائمين عليها وأخص منهم القائمين على عمادتي كلية
_________________
(١) ١ رواه أبو داود ٥/١٥٧- ١٥٨، والترمذي ٤/٣٣٩، وقال حسن صحيح.
[ ١ / ٧ ]
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.
أما بعد: فإن من رحمة الله تعالى وعظيم لطفه بهذه الأمة أن اختار لهم الإسلام دينا أخرجهم به من الظلمات إلى النور، وجعله الحبل المتين من
_________________
(١) ١ الآية ١٠٢ آل عمران. ٢ الآية ١ النساء. ٣ الآية ٧٠ من سورة الأحزاب، وهذه الخطبة تسمى خطبة الحاجة أخرجها مسلم برقم ٨٦٨.
[ ١ / ٨ ]
تمسك به نجا ومن التزم به سعد، ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكا، ويحشر يوم القيامة أعمى. وقد سعد السلف الصالح لتمسكهم بالإسلام فكانوا سادات أهل الأرض طرا، وخير أمة أخرجت للناس بشهادة الحق ﵎. وقد كانت طريقتهم اتباع تعاليم الإسلام ظاهرا وباطنا، والتزام عقيدته الصافية كما جاءت عن الوحيين لم يسوموا أدلتها تأويلا، ولم يظهروا في ظواهرها تحريفا ولا تعطيلا، ولا تشبيها ولا تمثيلا، بل كلهم بما نطق به الكتاب والسنة مقرون، فامتد الإسلام على أيديهم شرقا وغربًا، ودخلت الأمم على أيديهم في دين الله أفواجا، فأتم الله ما وعد به عباده المؤمنين من التمكين في الأرض والنصر على الأعداء أعواما وأحقابا.
وكلما انقرض جيل أمد الله هذه الأمة بالمجددين الذين يحيون ما اندرس من سنن نبيهم محمد ﷺ رحمة بهذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولقد كان من هؤلاء المجددين على رأس المائة الأولى من الهجرة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سلفيا مجددا، وأثريا متبعا، وقد حرص رحمه الله تعالى أن يولي أمور العقيدة جل اهتمامه، فاتخذ علماء السلف آثاره في بيان العقيدة حججا وأدلة، واستدلوا بها في كتبهم، وفي دروسهم في مواطن كثيرة.
ومن المعلوم أن أشرف العلوم وأولاها بالعناية والاهتمام هو ما يتعلق منها بأمر العقيدة، ولم لا يكون ذلك؟ وقد كان من عظم أمرها أن الله
[ ١ / ٩ ]
﷿ هو الذي تولى بيانها فأنزل الكتب وأرسل الرسل ثم بين أن القصد من خلق الجن والإنس وإيجادهم إنما هو لتوحيده وعبادته.
وإذا كان أمر هذه العقيدة بهذه الدرجة وشرفها بهذه المكانة فما الذي يوصل إلى فهمها ومعرفتها؟ لاشك أن من أهم ما يوصل إلى فهمها ومعرفتها دراسة آثار سلفنا الصالح في بيانها لأنهم"هم السابقون فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم"١، ولقد وُصِفَت آثارهم بأنها هي الدين. قال أحد السلف: "إنما الدين الآثار"٢ وقال آخر: " كانوا يرون أنهم على الطريق ما داموا على الأثر"٣.
أسباب اختيار هذا الموضوع
أولا: من مقاصد اختيار هذا الموضوع الرغبة في إبراز عقيدة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وبيان أن آثاره العقدية هي ما عليه السلف الصالح أهل القرون المفضلة.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ج ٤ ص ٢٠٢-٢٠٣. ٢ انظر: جامع بيان العلم لابن عبد البر ج ١ ص ٧٨٢. ٣ انظر المصدر نفسه ج ١ ص ٧٨٣.
[ ١ / ١٠ ]
الشريعة وكلية الدعوة الكليتين اللتين تخرجت فيهما، فقد قدموا لطلابهم كل ما يعينهم على أداء مهمتهم.
وأشكر فضيلة الدكتور سعود بن عبد العزيز الخلف، والدكتور محمد بن خليفة التميمي اللذين لهما الفضل بعد الله تعالى في قبولي بالجامعة الإسلامية فجزاهما الله عني وعن جميع زملائي أحسن الجزاء وأسأل الله تعالى أن يتقبل منهما تعاونهما وأن يوفقني وإياهما وجميع المسلمين إلى كل خير.
كما أتقدم بالشكر الجزيل والتقدير العظيم لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر الذي له الفضل في الإشارة بالكتابة في هذا الموضوع، فقد أشار حفظه الله على أحد الإخوة في مرحلة الدكتوراه بأن يسجل جهود أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في العقيدة لرسالة الدكتوراه، فرأى مجلس القسم بأن هذا الموضوع يتناسب مع مرحلة الماجستير، فأشار عليّ هذا الأخ الكريم به، فاستحسنته وسارعت في تسجيله، وقد شعرت بفائدته الكبيرة منذ أن بدأت فيه فجزاه الله خير الجزاء.
وأشكر كل من مد إلي يد العون في هذا البحث من إعارة كتاب أو إبداء رأي من كافة زملائي وأساتذتي، وأسأل الله تعالى أن يتقبل من الجميع تعاونهم وأن يوفقنا وإياهم إلى كل خير. وأحمد الله حمد شاكر لنعمائه وأشكره وأثني عليه بما هو أهله لا أحصي ثناء عليه كما هو أثنى
[ ١ / ١١ ]
على نفسه، فله الحمد في الأولى وله الحمد في الآخرة، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
[ ١ / ١٢ ]
ثانيا: لاشك أن جمع آثار هذا الإمام في العقيدة وترتيبها ودراستها دراسة علمية يضيف - إن شاء الله تعالى - مادة خصبة إلى المكتبة السلفية عسى أن يستفيد منها الباحثون عن الحق، والراغبون في الاستنان بسنن السلف الصالح، لاسيما أن شخصية عمر بن عبد العزيز شخصية محببة إلى نفوس أكثر الطوائف، فكما كان لأعماله أثر في نفوس معاصريه وسلوكهم يمكن أن يكون لآثاره العقدية أثر في نفوس كل من يدعي محبته اليوم.
ثالثا: يزعم مبتدعة الخلف أن العقيدة السلفية إنما هي من اختراع شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذ مدرسته من بعده. ولا شك أن دراسة هذه الآثار المروية عن عمر بن عبد العزيز بإنصاف يفند مزاعم هؤلاء ويكشف طويتهم ويبين أن هذه العقيدة إنما هي عقيدة الكتاب والسنة التي نقلها الصحابة والتابعون إلى من بعدهم، وهكذا إلى يوم الدين.
رابعا: من أسباب التوجه إلى العناية بآثار هذا الإمام الثمرة العظيمة التي يجنيها الباحث من فقهه في الدين، وسلوكه العملي بالإضافة إلى ما يرجوه من الأجر والثواب في نشر محاسن هذا الإمام.
[ ١ / ١٤ ]
قال الإمام أحمد: إذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن من وراء ذلك خيرا إن شاء الله"١.
خامسا: لا ريب أن شخصية الخليفة عمر بن عبد العزيز وعهده المبارك كانا ولا يزالان - قديما وحديثا - ميدانا مرغوبا لدى الباحثين ومع ذلك لم يتطرق أحد - حسب علمي- لدراسة آثاره العقدية فأحببت أن أسهم في ذلك.
الدراسات السابقة عن عمر بن عبد العزيز
قبل أن أذكر الخطة والمنهج الذي سرت عليه ينبغي أن أشير إلى بعض الجهود العلمية السابقة التي تناول فيها أصحابها شخصية عمر بن عبد العزيز بالبحث والدراسة. وذكر أهم الكتب التي اعتمدت عليها في إعداد هذا البحث.
فقد حظيت شخصيته رحمه الله تعالى كما حظي غيره من السلف بالدراسة، والعناية في القديم والحديث. وقلما تجد كتاب عقيدة مسندا أو تاريخا أو علم طبقات وتراجم، أو زهد، أو سير سلوك، إلا وتجد لعمر ابن عبد العزيز ذكرا عطرا، وثناء حسنا، ومناقب مذكورة، ومآثر جمة، وقدوة حسنة، ومن أقدم من قام بدراسة أحوال عمر بن عبد العزيز
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٧٤.
[ ١ / ١٥ ]
عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري ت٢١٤هـ. روى كتابه عن شيوخه الذين أسند إليهم مادة الكتاب، وكان شيوخه الذين ذكرهم في سنده يكثرون من ذكر عمر بن عبد العزيز أمام تلاميذهم ويتخولونهم بذلك، وقد تبع ابن عبد الحكم في مؤلفه سبيل الرواية، ولا عجب إذا وجد تكرار لبعض الأخبار، فقد يكررها لاختلاف السند وإن لم يذكره، واختلاف بعض ألفاظها، ولذا تجد أنه يحكي القول في أول كل رواية مما جمعه لأي من شيوخه وهذا الكتاب قد تناول سيرة عمر بن عبد العزيز بشكل مستقل، وتوجد في ثنايا الكتاب مسائل عقدية مهمة أفدت منها في بحثي هذا لأنه راوي ثقة مأمون على ما نقله عن شيوخه. ونصوص هذا الكتاب تدور حول حياة عمر منذ البداية وحتى اليوم الأخير من حياته١.قال النووي واصفا هذا الكتاب: "وقد جمع ابن عبد الحكم في مناقب عمر بن عبد العزيز مجلدا مشتملا على جميل سيرته وحسن طريقته، وفيه من النفائس ما لا يستغني عن معرفته والتأدب به "٢.
_________________
(١) ١ سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه تأليف أبي محمد عبد الله بن عبد الحكم تحقيق أحمد عبيد، دار عالم الكتب الطبعة السادسة عام ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م وطبعة مكتبة وهبة عام ١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م، وطبعة دار الفضيلة بمراجعة وتعليق أحمد عبد التواب عوض. ٢ تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/١٧، ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
[ ١ / ١٦ ]
وممن تناول سيرة عمر بن عبد العزيز الآجري ت٣٦٠هـ صاحب كتاب الشريعة في مؤلفه أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز وسيرته. والكتاب مسند على طريقة المحدثين وهو كتاب مختصر مفيد لم يتناول جميع الأخبار التي دارت حول سيرة عمر بن عبد العزيز، بل اقتصر على فضائله وترجمته مع ذكر أخبار مبالغ فيها. وفيه بعض الآثار التي تتعلق بالعقيدة أفدت منها في بحثي هذا، ويشتمل هذا الكتاب على ما يقرب من خمسة وثلاثين خبرا تناولت جوانب من حياته كما سبق١.
ومن المؤلفين الذين جمعوا أخبار عمر بن عبد العزيز أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ت٥٩٧هـ. وكتابه هذا من أشمل ما كتب عن عمر ابن عبد العزيز فقد استقصى أخباره وجمعها، وبوبها وقلما فاته شيء من أخبار عمر مع بتره الأسانيد أحيانا مما يجعل الاطلاع على موارده من الصعوبة بمكان. وقد تطرق لعقيدة عمر بن عبد العزيز٢ في الباب السادس عشر من الكتاب فذكر عشرة آثار تتعلق بعقيدته في التمسك بالسنة والنهي عن الخصومات في الدين وبيان سمات أهل البدع والحكم على القدرية وبيان أن القول بالقدر بدعة في الدين، وإثبات صفة العلم
_________________
(١) ١ أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز ﵀ وسيرته تحقيق الدكتور عبد الله عبد الرحيم عسيلان الطبعة الثانية عام ١٤١٢هـ - ١٩٨٢م. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٨٦-٨٩ ط. مكتبة دار التراث.
[ ١ / ١٧ ]
لله ﵎ ردا على من ينكرها من القدرية، وقد أفدت من هذا الكتاب في بحثي هذا لأنه من أشمل ما كتب عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى١.
ومن الكتب النفيسة النادرة التي شملت ما يتعلق بعمر بن عبد العزيز كتاب الشيخ الإمام أبي حفص عمر بن محمد الخضر المعروف بالملاء تلميذ ابن الجوزي ت٥٧٠هـ. ويميل محقق الكتاب إلى أنه كان مسودة وأن مؤلفه مات وهو ما زال مسودة٢، ويعد هذا الكتاب من أشمل ما كتب عن عمر بن عبد العزيز أيضا، بل يفوق في حجمه ما كتبه ابن عبد الحكم، وابن الجوزي، وقد تطرق لعقيدة عمر٣، كما فعل شيخه ابن الجوزي وكرر ما ذكره شيخه عن اعتقاد عمر بن عبد العزيز وزاد عليه أثرين أثر في التمسك بسنن رسول الله ﷺ وسنن خلفائه من بعده وآخر في زيادة الإيمان ونقصانه. وقد أفدت من هذا الكتاب لا سيما في توثيق
_________________
(١) ١ سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ط. مكتبة دار التراث تحقيق أحمد شوحان. ٢ انظر الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز الخليفة الخائف الخاشع ص٨ ط. مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى عام ١٤١٦هـ تحقيق وتعليق الدكتور محمد صدقي ابن أحمد البورنو. ٣ انظر المصدر السابق ١/٣٥-٣٨.
[ ١ / ١٨ ]
المعلومات والمتابعات الشيء الكثير في بحثي هذا لشمول الكتاب لكل ما يتعلق بحياة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى١.
وذكر محقق كتاب أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز وسيرته للآجري مؤلفين آخرين ألفا فيما يختص بعمر بن عبد العزيز بشكل مستقل أحدهما هو أحمد بن إبراهيم الدورقي وكتابه هذا اطلع عليه ابن خير الإشبيلي المتوفى سنة ٥٧٥هـ وذكره في الفهرست٢، وأشار إلى أنه في خمسة أجزاء، والكتاب الثاني للشيخ عبد الرؤوف المناوي وأشار إلى أنه توجد منه نسخة بمكتبة برلين٣، ولم أطلع عليهما. وللإمام عبد الله بن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير"كتاب يسمى "المنتقى العزيز في فضائل عمر بن عبد العزيز ٢٤ ورقة"٤.وللإخميني ﵀ كتاب يسمى المنتقى الوجيز من مناقب عمر بن عبد العزيز٥.
_________________
(١) ١ الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز الخليفة الخائف الخاشع لأبي حفص الملاء ط. مؤسسة الرسالة. ٢ انظر فهرست ابن خير ص٢٧٣. ٣ انظر مقدمة تحقيق أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز وسيرته ص٣٣ للدكتور عبد الله عبد الرحيم عسيلان. ٤ انظر فهرس المخطوطات دار الكتب العربية الظاهرية ٢/٦٩٥. ٥ انظر فهرس المخطوطات المصورة بمعهد المخطوطات العربية.
[ ١ / ١٩ ]
هؤلاء الفضلاء هم الذين تناولوا أحوال عمر بن عبد العزيز في القديم بشكل مؤلف مستقل خاص به حسب اطلاعي. وهناك كتب أخرى تناولت أحواله ولكن ليست بشكل مستقل كما فعل المتقدمون. وإنما ذكروا ترجمة عمر ضمن تراجم مشاهير أهل العلم والفضل والزهد ومن هؤلاء: محمد بن سعد صاحب الطبقات ت ٢٣٠هـ. فقد تناول في كتابه الطبقات الكبرى ترجمة وافية لعمر بن عبد العزيز بلغت تسعا وسبعين١ صفحة مع أنه قد فقد من ترجمته ثلاث صفحات أضافها٢ محقق الجزء المفقود، وتوجد في ثنايا ترجمة عمر بن عبد العزيز مسائل عقدية مهمة أفدت منها في بحثي هذا لكون المؤلف يرويها بأسانيده عن عمر ولقرب عهده به وعلو إسناده٣. ومن المؤلفين الذين تناولوا جانبا مهما من أحوال عمر بن عبد العزيز وتتبعوا ما يختص به أبو يوسف يعقوب بن سفيان البسوي ت ٢٧٧هـ في كتابه المعرفة والتاريخ. فقد ذكر أخبار عمر بن عبد العزيز في مؤلفه المتقدم فبلغت اثنتين وخمسين
_________________
(١) ١ انظر الطبقات الكبرى ٥/٣٣٠-٤٠٨ ط. دار الفكر. ٢ انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم دراسة وتحقيق زياد محمد منصور ص٨٩-٩١، ط. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية ط. الأولى عام ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م. ٣ الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ط. دار الفكر ودار صادر بيروت.
[ ١ / ٢٠ ]
صفحة. وتوجد في ثنايا أخبار عمر آثار عقدية أفدت منها في بحثي هذا لعلو إسناد هذا المؤلف ولصدقه وثقة من يروي عنهم هذه الآثار١.ومن الكتب المهمة التي تناولت أحوال عمر بن عبد العزيز تاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري ت ٣١٠هـ. وتوجد منه عدة آثار عقدية أفدت منها في بحثي هذا إفادة لا بأس به٢.ومن الكتب المهمة التي اهتمت بجمع ما يخص أحوال عمر بن عبد العزيز ضمن تاريخ المشاهير من الزهاد والنساك كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصفهاني الحافظ ت ٤٣٠هـ. فقد ترجم لعمر بن عبد العزيز وذكر أحواله وانفرد بذكر رسالته في الرد على القدرية بكاملها كما توجد في ثنايا الترجمة آثار عقدية عدة أفدت منها في بحثي هذا إفادة كبيرة مع نزول سند المؤلف وروايته أحيانا عن الضعفاء والمجهولين مما يجعل دراسة سنده من الصعوبة بمكان، وقد بلغت عدد الصفحات التي كتبها عن أحوال عمر بن عبد العزيز في هذا المؤلف مائة صفحة٣.
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ للبسوي تحقيق الدكتور أكرم العمري ط. مكتبة الدار بالمدينة ط. الأولى عام ١٤١٠هـ. ٢ تاريخ الرسل والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط. دار المعارف بمصر عام ١٩٦٤م. ٣ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني ط. دار الكتاب العربي ط. الرابعة عام ١٤٠٥هـ.
[ ١ / ٢١ ]
ومن المؤلفين الذين اعتنوا بأحوال عمر بن عبد العزيز الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، فقد خصص لعمر بن عبد العزيز قسطا كبيرا في مؤلفه وذكر آثارا عقدية مهمة جدا أفدت منها في بحثي هذا لثقته وسلامة عقيدته وانتقائه للآثار التي ذكرها عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله١. ومن الكتب التي تناول مؤلفوها جانبا شاملا لأحوال عمر بن عبد العزيز كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر ت ٥٧١هـ، فقد ترجم لعمر ابن عبد العزيز ترجمة وافية ضمن مؤلفه هذا بلغت عدد الصفحات مائة وثمانٍ وأربعين صفحة تناول في ثنايا الترجمة بعض الآثار العقدية المهمة وقد أفدت منها في بحثي هذا إفادة لا بأس بها٢. كما توجد في ثنايا التراجم آثار كثيرة استفدت منها كذلك. وتوجد كتب عقدية مسندة حرص مؤلفوها أن يرووا الآثار عن أئمة السلف بأسانيدهم، وقد أفدت فائدة كبيرة منها، ومن أهمها كتاب الشريعة للآجري، حيث ذكر لعمر ابن عبد العزيز آثارا مهمة في سيرته مع القدرية وفي الإيمان وغيره. وقد أفدت من الكتاب في بحثي هذا إفادة كبيرة لأن الكتاب من كتب العقيدة
_________________
(١) ١ البداية والنهاية لابن كثير ط. دار الفكر العربي ط. الأولى سنة ١٣٥١هـ - ١٩٣٣م ٢ تاريخ دمشق لابن عساكر ٤٥/١٢٦-٢٧٤.
[ ١ / ٢٢ ]
السلفية المهمة١. ومنها كتاب الإبانة لابن بطة، وهو على غرار كتاب الشريعة، وقد أفدت منه في بحثي هذا إفادة كبيرة لأنه من كتب أئمة السلف في العقيدة٢. ومن الكتب المهمة التي ألفها أصحابها في خدمة العقيدة الصحيحة وكان لعمر ذكر فيها كتاب القدر للفريابي، وقد أفدت من هذا الكتاب لا سيما في باب القدر والرد على القدرية إفادة كبيرة لعلو إسناد المؤلف وسلامة عقيدته، وانفراده بعدة أثار مهمة مسندة عن عمر بن عبد العزيز٣.ومن كتب العقيدة المفيدة التي أفدت منها في بحثي هذا شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، وقد أفدت منه إفادة عظيمة حيث أورد بسنده عن عمر بن عبد العزيز عدة آثار عقدية انفرد بقسط منها لم أجدها في غيره من الكتب٤. ومن
١ الشريعة للآجري تحقيق الوليد بن محمد نبيه سيف النصر ط. مؤسسة قرطبة ط. الأولى عام ١٤١٧هـ.
٢ الإبانة لابن بطة العكبري المتوفى سنة ٣٨٧هـ ط. دار الراية الرياض عام ١٤١٥هـ.
٣ القدر للفريابي مخطوط برقم (٢٥٧٠) بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ت٤١٨هـ تحقيق أحمد سعد حمدان الغامدي ط. دار طيبة الرياض عام ١٤١٥هـ ط. الثانية.
[ ١ / ٢٣ ]
المؤلفات التي أفدت منها في بحثي هذا ما كتبه ابن أبي الدنيا في رسائله١ الكثيرة المطبوعة التي ذكرت في ثنايا هذا البحث كما أن هناك كتب أخرى أفدت منها سيأتي إن شاء الله ذكرها في ثنايا الأبواب، والفصول، والمباحث، والمطالب وضمن فهرس المراجع. كما أفدت من كتب الزهد مثل الزهد للإمام أحمد وغيره، وأفدت من كتب الإمام الذهبي كسير أعلام النبلاء، وتذكرة الحفاظ، وتاريخ الإسلام، وأفدت كذلك من كتب السنة المعروفة. هذه هي أهم المؤلفات القديمة التي تناولت أحوال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، واستفدت منها.
أما في العصر الحديث فقد أشبع ما يتعلق بأحوال عمر بن عبد العزيز بأبحاث كثيرة تناولت ما يتعلق بحكمه وعدله وزهده وسيرته وسياسته في رد المظالم أسرد ما وقفت عليه فيما يأتي:
الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز، تأليف عبد العزيز سيد الأهل ط. دار العلم الملايين عام ١٩٧٩م. بيروت لبنان ط. السادسة
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان القرشي المتوفى ٢٨١هـ. ومن رسائله كتاب المنامات، وكتاب الشكر لله ﷿، وكتاب ذم الدنيا، وكتاب حسن الظن بالله، وكتاب العقل وفضله، وكتاب الورع وأكثر هذه الكتب من مطبوعات مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان.
[ ١ / ٢٤ ]
عمر بن عبد العزيز، لمحمود زيدان، ط دار الفكر اللبناني عام١٩٩٢ م الأولى.
عمر بن عبد العزيز، تأليف أحمد زكي صفوت ط دار المعارف بمصر ط ٣.
عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين تأليف عبد الستار الشيخ ط دار القلم دمشق ط الأولى عام ١٤١٢ هـ١٩٩٢م.
ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز، للدكتور عماد الدين خليل ط مؤسسة الرسالة ط السابعة عام ١٤٠٧هـ.
خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز، تأليف عبد الرحمن الشرقاوى ط دار الكتاب العربي بيروت عام ١٤٠٧هـ.
٧ - عمر بن عبد العزيز، تأليف أحمد الحناوي ط. دار الصحابة للتراث بطنطا ط. الأولى عام ١٤١٠هـ.
٨ - عمر بن عبد العزيز وتجربته الرائدة في الإصلاح إعداد مركز البحوث بالمجموعة الإعلامية إشراف نبيل بدران ط. طائر العلم للنشر والتوزيع ط. الأولى عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م. هذه هي المؤلفات الخاصة التي وقفت عليها، أما الرسائل الجامعية فهي كالتالي:
١ - قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبد العزيز مجددا ومصلحا، أو التصحيحات المالية لعمر بن عبد العزيز وأثرها في بيت المال وفي الأمة من ٩٩-١٠١ هـ، تأليف الدكتور محمد صدقي ابن أحمد البورنو الغزى
[ ١ / ٢٥ ]
الأستاذ المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ط. مكتبة المعارف بالرياض ط. الأولى ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م وهذا الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه سجلت في كلية الشريعة والقانون بالأزهر
٢- فقه عمر بن عبد العزيز، رسالة دكتوراه قدمت للمعهد العالي للقضاء إعداد محمد بن شقير عام ١٤٠٧ هـ.
٣ – السياسة الإدارية في عهد عمر بن عبد العزيز رسالة دكتوراه قدمت للمعهد العالي للقضاء إعداد مروان علي القدومى عام ١٤٠٢هـ.
٤ - عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، تأليف ماجدة فيصل زكريا ط. مكتبة الطالب الجامعي مكة المكرمة ط. الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م وهذا الكتاب في الأصل كذلك رسالة، ماجستير سجلت بجامعة أم القرى.
٥ – عمر بن عبد العزيز حياته ومنهجه في الدعوة، رسالة ماجستير قدمت لجامعة الإمام إعداد حمود بن دخيل الله عام١٤٠٥ هـ.
٦- الخليفة عمر بن عبد العزيز محتسبا، رسالة ماجستير قدمت لجامعة الإمام فرع المدينة إعداد عثمان عبد الرحيم عام ١٤٠٤هـ.
٧- النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر بن عبد العزيز، رسالة ماجستير قدمت لجامعة أم القرى إعداد محمد مشبب القحطانى ط/جامعة أم القرى عام ١٤١٨هـ.
[ ١ / ٢٦ ]
وهذه المؤلفات الرسائل التي كتبت في عمر بن عبد العزيز على كثرتها وتناولها الزوايا المختلفة عن أحواله إلا أنه من الملاحظ أن إبراز عقيدته الصافية السلفية في رسالة علمية مستقلة لم يتطرق إليه أحد فأحببت فيما يأتي إن شاء الله أن أجمع عقيدته ﵀ في شكل رسالة، يجمع شتات ما تفرق في المراجع من عقيدته المبنية على الكتاب والسنة، ومن المعلوم أن العقيدة هي الأساس، وهي سر نجاح عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. وقد تكلم كثير من المؤلفين حول زهده وعدله، وورعه، لكنهم لم يبرزوا الأساس الذي بنى عليه عدله، وزهده، وورعه ألا وهي العقيدة الصافية النقية التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. وهذه العقيدة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح، وهذا ما تمثله الآثار عنه وقد جمعت ما تشتت منها في مكان واحد، وقارنت ما استطعت مقارنته في هذه الآثار كما سيظهر ذلك أثناء الرسالة.
وتتلخص هذه الرسالة في مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
أما المقدمة: فقد بينت فيها أهمية الموضوع وأسباب اختياره، والدراسات التي السابقة عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى-، والمنهج الذي سلكته والخطة التي سرت عليها.
وأما التمهيد فقد خصصته لتعريف مفردات عنوان الرسالة وتعريف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من حيث سيرته الشخصية، والعلمية،
[ ١ / ٢٧ ]
والسياسية، وأخلاقه المكتسبة، وفضائله، ووفاته رحمه الله تعالى لما لهذا التمهيد من صلة بالآثار الواردة عنه.
أما الباب الأول فهو بعنوان الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في التوحيد ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في توحيد الألوهية
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الدعاء.
المبحث الثاني: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الشكر.
المبحث الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في التوكل.
المبحث الرابع: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الخوف والرجاء.
المبحث الخامس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في التبرك
المبحث السادس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن الشرك ووسائله وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول:- الآثار عن عمر في النهي عن التطير.
المطلب الثاني:- الآثار عن عمر في النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
المطلب الثالث:- الآثار عن عمر في حكم الساحر.
الفصل الثاني: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في أسماء الله الحسنى
وفيه أربعة عشر مبحثا
المبحث الأول: ما أثر عن عمر في اسمه تعالى "الله".
[ ١ / ٢٨ ]
المبحث الثاني: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الرب".
المبحث الثالث: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في أسمائه تعالى "الرحمن، الرحيم، المليك، الخبير".
المبحث الرابع: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الكريم".
المبحث الخامس: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الحي".
المبحث السادس: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الرقيب".
المبحث السابع: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى"الشهيد".
المبحث الثامن: ما أثر عن عمر في اسميه تعالى "الواحد، القهار".
المبحث التاسع: ما أثر عن عمر في اسميه تعالى "العلي العظيم".
المبحث العاشر: ما أثر عن عمر في اسميه تعالى "العفو الغفور".
المبحث الحادي عشر: ما أثر عن عمر في اسميه تعالى "العزيز الحكيم".
المبحث الثاني عشر: ما أثر عن عمر في اسمه تعالى "الوارث".
المبحث الثالث عشر: ما أثر عن عمر في اسمه تعالى "الخالق".
المبحث الرابع عشر: ما أثر عن عمر في اسمه تعالى "العليم".
الفصل الثالث: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في الصفات العلى.
وفيه اثنا عشر مبحثا:
المبحث الأول: ما أثر عن عمر في إثبات صفة النفس لله تعالى.
المبحث الثاني: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الوجه لله تعالى.
المبحث الثالث: ما أثر عن عمر في إثبات صفة العلم لله تعالى
[ ١ / ٢٩ ]
المبحث الرابع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الكبرياء لله تعالى.
المبحث الخامس: ما أثر عن عمر في إثبات صفة القدرة لله تعالى.
المبحث السادس: ما أثر عن عمر في إثبات صفة العلو لله تعالى.
المبحث السابع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة المعية والقرب لله تعالى.
المبحث الثامن: ما أثر عن عمر في إثبات صفة النزول لله تعالى.
المبحث التاسع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة المشيئة والإرادة لله تعالى.
المبحث العاشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الغضب لله تعالى.
المبحث الحادي عشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الرضا لله تعالى.
المبحث الثاني عشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الرحمة لله تعالى.
أما الباب الثاني فقد كان بعنوان: الآثار الواردة عن عمر في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، والقدر، ويشتمل على سبعة فصول:
الفصل الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالملائكة.
الفصل الثاني: الآثار الواردة عن عمر في الإيمان بالكتب.
الفصل الثالث: الآثار الواردة عن عمر في الإيمان بالرسل
الفصل الرابع: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد وفضائل أصحابه وحقوق أهل بيته وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد ﷺ وذكر بعض خصائصه.
[ ١ / ٣٠ ]
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في فضائل الصحابة وموقفه من أهل البيت، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الآثار عن عمر في فضائل الصحابة.
المسألة الثانية: الآثار عن عمر في ترتيب الخلفاء الراشدين.
المسألة الثالثة: موقفه من أهل البيت.
الفصل الخامس: الآثار عن عمر في الإيمان باليوم الآخر وما يقع فيه من أمور وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: الآثار عن عمر في عذاب القبر ونعيمه.
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في الإيمان بالمعاد.
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في الإيمان بالحوض.
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الإيمان بالميزان.
المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الإيمان بالصراط.
المبحث السادس: الآثار عن عمر في الإيمان بالجنة والنار.
المبحث السابع: الآثار عن عمر في الإيمان برؤية المؤمنين ربهم في الجنة.
الفصل السادس: الآثار الواردة عن عمر في الإيمان بالقدر.
تمهيد في تعريف القدر لغة واصطلاحا.
المبحث الأول: الآثار الواردة عن عمر في تقرير الإيمان بالقدر.
المبحث الثاني: الآثار الواردة عن عمر في بيان مراتب القدر.
[ ١ / ٣١ ]
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في النهي عن الخوض في القدر.
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الرضا بالقضاء والقدر.
الفصل السابع: الآثار الواردة عن عمر في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة عنه في تعريف الإيمان.
المبحث الثاني: الآثار الواردة عنه في زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الثالث: الآثار الواردة عن عمر في حكم مرتكب الكبيرة.
المبحث الرابع: الآثار الواردة عن عمر في حكم لعن المعين وتكفيره.
المبحث الخامس: الآثار الواردة عن عمر في الحكم على المعين بالجنة أو النار.
المبحث السادس: الآثار الواردة عن عمر في نواقض الإيمان.
أما الباب الثالث: فهو بعنوان الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- في الاعتصام بالكتاب والسنة، وموقفه من أهل الأهواء والبدع، وأهل الذمة. ويشتمل على تسعة فصول:
الفصل الأول: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة.
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: الآثار عن عمر في وجوب لزوم الجماعة.
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في اتباع الكتاب والسنة.
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في تجريد المتابعة للنبي ﷺ
[ ١ / ٣٢ ]
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الحرص على لزوم السنة والذب عنها.
المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الأمر بالتمسك بما تدل عليه الفطرة.
المبحث السادس: الآثار عن عمر في التمسك بأخبار الآحاد في العقيدة.
المبحث السابع: الآثار عن عمر في الاعتصام بسنة الخلفاء الراشدين.
الفصل الثاني: في النهي عن الأهواء والبدع.
الفصل الثالث: في بيان سمات أهل الأهواء والبدع.
الفصل الرابع: الآثار عن عمر في النهي عن الخصومات في الدين، وحثه على الجدال بالتي هي أحسن.
الفصل الخامس: موقفه من الخوارج وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: موقفه من خروج الخوارج عليه.
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في مناظرة الخوارج.
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في الحكم على الخوارج.
الفصل السادس: موقفه من الشيعة.
الفصل السابع: موقفه من القدرية وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الآثار عن عمر في مناظرة القدرية ومنهجه في ذلك.
المبحث الثاني: رد عمر علي القدرية في رسالته المشهورة.
[ ١ / ٣٣ ]
المبحث الثالث: حكمه فيهم.
الفصل الثامن: الآثار عن عمر في الرد على فرق مختلفة:
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الرد على المرجئة.
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في الرد على الجهمية.
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في الرد على من يزهِّد في العلم الشرعي من الفرق الضالة.
الفصل التاسع: موقفه من أهل الذمة. وفيه تمهيد وفصل واحد.
وأما الخاتمة فقد كانت لبيان أهم ما تبين لي من نتائج دراسة هذه الآثار.
المنهج الذي سلكته في جمع ودراسة هذه الآثار.
يتبين للمطلع على هذا البحث قيامه واشتماله على جانبين:
الأول: جمع جملة من الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى - فيما يتعلق بالعقيدة.
الثاني: التعليق على هذه الآثار بعرضها على الكتاب والسنة.
وقد بذلت في الجانب الأول جهدا مضاعفا حيث جمعت الكتب التي هي مظان لهذه الآثار وتصفحتها بدقة وعناية لاستخراج ما فيها من
[ ١ / ٣٤ ]
الآثار العقدية، ثم رتبت هذه الآثار حسب أهميتها وصحة أسانيدها ثم صنفتها ووضعتها تحت عناوين مناسبة لها. وقد اعتمدت على الروايات المسندة ثم أنتقى من تلك الروايات الرواية التي صححها العلماء وأثبتها في أول كل مبحث إن وجدت إلى ذلك سبيلا ثم أتبعها بالروايات الأخرى، ولاشك أن ذكر جميع الروايات فيه توثيق للمسألة لأن تضافر النقول وكثرتها ينبئ بصحة الرواية وشهرتها. وقد جمعت كل ما وجدته من كلام العلماء حيال الآثار عن عمر - ﵀ - وإذا لم أقف على كلام العلماء في أثر ما فإني أترجم لرجال إسناده وأذكر الترجمة في أول موضع ترد في الرسالة في الغالب. وقد يتكرر الأثر لدلالته على أكثر من مسألة ودخوله في أكثر باب من أبواب العقيدة.
وفيما يخص ابن عبد الحكم، فقد جمع شيوخه في أول كتابه وروى عنهم فاكتفيت بذكر اسمه في كل أثر أنقله عنه مستغنيا بترجمة رجال إسناده في أول أثر أخذته من كتابه.
والجانب الثاني: وهو التعليق، فقد اجتهدت فيه، وبذلت أقصى جهدي لكونه مكملًا للجانب الأول، فعلقت على كل مبحث أثبته، وذلك بعرضه على الكتاب والسنة وما أثر عن السلف الصالح.
وقد عزوت الآيات القرآنية بذكر رقم الآية والسورة في الحاشية، وخرجت الأحاديث النبوية بذكر اسم المصدر والصفحة، والرقم إن وجد، وإذا كان الحديث في الصحيحين فلا أذكر كلام العلماء فيه وأما
[ ١ / ٣٥ ]
إذا كان عند غيرهما فقد حرصت على ذكر أقوال العلماء إن وجدتها وتمكنت من العثور عليها، وعند ما أذكر أي مرجع فإنني أثبت طبعته عند وروده أول مرة، وإذا كان مجزأ لكن أرقام صفحاته متسلسلة فأعتبره في الإحالة كالجزء الواحد. ولم أترجم إلا للأعلام الواردة ضمن أسانيد الآثار الواردة عن عمر - رحمه الله تعالى-، وذلك تفاديا من إثقال البحث بالحواشي إلا في النادر. وفيما يخص المراجع المتكررة كثيرا في الرسالة فقد اكتفيت بذكر اسم المؤلف واسم الكتاب مختصرا مثل "ابن عبد الحكم سيرة عمر" "وابن الجوزي سيرة عمر" "وأبو حفص الملاء" لأن هذا الأخير لم يضع لكتابه اسما خاصا كما يرى محققه فاكتفيت بذكر اسمه اختصارا. وقد قمت بدراسة تمهيدية لبعض الأبواب والفصول والمباحث والمطالب التي أرى أنها تحتاج إلى ذلك. وذيلت البحث بفهارس علمية عدة هي:
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث النبوية.
فهرس الآثار الواردة عن أئمة السلف.
فهرس الألفاظ الغريبة.
فهرس الأماكن المعرفة.
فهرس الأعلام المترجم لهم
[ ١ / ٣٦ ]
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الموضوعات.
وبعد: فهذا جهد مني فما كان فيه من حق وصواب فهو من الله وحده، وما كان فيه من خطأ وضلال فهو مني ومن الشيطان وأستغفر الله الكريم وأتوب إليه
[ ١ / ٣٧ ]
تمهيد:
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: تعريفات عامة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الآثار لغة واصطلاحا.
الأثر لغة:
قال ابن فارس: الهمزة، والثاء، والراء، له ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء١.
والأثر: محركة: بقية الشيء جمع آثار، والآثار الأعلام، والمأثرة: البقية من العلم تؤثر. وآثره، أكرمه٢.
فمعنى الأثر يدور حول بقية الشيء، ورسمه، وظهوره، وهو في الأصل: العلامة والبقية والرواية٣.
أما تعريفه اصطلاحا:
فالأثر عند الفقهاء الخراسانيين هو ما يروى عن الصحابة رضي الله عنهم٤.
_________________
(١) ١ ابن فارس معجم مقاييس اللغة ١/٥٣، ط. دار الجيل بيروت تحقيق عبد السلام هارون ط. الأولى عام ١٤١١هـ. ٢ انظر: المعجم الوسيط ص٥، والقاموس المحيط ص٤٣٦، ط. مؤسسة الرسالة. ٣ ابن حجر العسقلانى: النكت على ابن الصلاح ١/٥١٣، تحقيق فضيلة الشيخ الدكتور ربيع المدخلي. ط الجامعة الإسلامية ط الأولى عام ١٤٠٤هـ. ٤ المصدر السابق ١/٥١٣.
[ ١ / ٤٣ ]
وعند غيرهم أنه لا فرق بين الحديث والأثر، وذهب بعض المتأخرين إلى الفرق بينهما، وهو الصحيح
فالأثر: "هو ما ورد عن الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم"١.
_________________
(١) ١ انظر: العراقي: التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح ص٦٧ ط. دار الفكر. وابن كثير: الباعث الحثيث ص٤٣، والسخاوي: فتح المغيث١/١٢٤تحقيق وتعليق الشيخ علي حسين ط. إدارة البحوث الإسلامية بالجامعة السلفية ببنارس الهند ط. الأولى عام ١٤٠٧هـ.
[ ١ / ٤٤ ]
المبحث الثاني: تعريف العقيدة لغة واصطلاحا
العقيدة لغة:
قال ابن فارس: العين، والقاف، والدال، أصل واحد يدل على شدّ وشدّة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها١.
وعقد الحبل، والبيع، والعهد، يعقده: شده٢.
واعتقد الشيء: اشتد، وصلب، يقال: اعتقد الإخاء بينهما: صدق، وثبت، وعقد فلان الأمر: صدقه، وعقد عليه قلبه، وضميره.
والعقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده٣.
فمادة "عقد" في اللغة تدور حول الثبوت على الشيء، والالتزام به، والتأكد منه والاستيثاق به.
وأما في الاصطلاح فهي:
"العلم بالأحكام الشرعية المكتسب من الأدلة اليقينية ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية ٤.
_________________
(١) ١ ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ٤/٨٦. ٢ الفيروز آبادي: القاموس المحيط ص٣٨٣ ط. مؤسسة الرسالة. ٣ المعجم الوسيط ٢/٦١٤. ٤ البريكان: المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية ص٩ ط الثالثة عام ١٤١٥هـ دار السنة الخبر.
[ ١ / ٤٥ ]
وكلمة العقيدة من الألفاظ المولدة، فلم ترد هذه اللفظة في الكتاب والسنة، وكانت الأئمة السابقون يستعملون ما يدل على هذه اللفظة: كالسنة والشريعة، والإيمان، وأول من تم الوقوف على ذكره لجمعها "عقائد" هو القشيري [ت:٤٣٧] ومن بعده الغزالي [ت٥٠٥] الذي جاء بمفردها عقيدة ١.
_________________
(١) ١ انظر: الآثار عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد من كتاب سير أعلام النبلاء ١/٢٦للدكتور جمال ابن أحمد بن بشير بادي ط. دار الوطن عام ١٤١٦هـ ومعجم المناهي اللفظية ص٢٤٢ للشيخ الدكتور بكر أبو زيد ط. دار ابن الجوزي ط. الأولى عام ١٤١٠هـ.
[ ١ / ٤٦ ]
الفصل الثاني: التعريف بأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: حياته الشخصية.
المبحث الثاني: سيرته العلمية.
المبحث الثالث: سيرته السياسية.
المبحث الرابع: أخلاقه المكتسبة.
المبحث الخامس: فضائله.
المبحث السادس: وفاته.
المبحث الأول: حياته الشخصية.
ويشتمل على الآتي:
أ- نسبه وولادته.
ب- زوجاته وأولاده.
ج- تربية أبنائه.
أ- نسبه وولادته
نسبه من جهة أبيه:
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب الأموي القرشي أمير المؤمنين، كنيته أبو حفص، ويلقب بالأشج١.
أما نسبه من جهة أمه:
فقد روى ابن عبد الحكم في كتابه "سيرة عمر بن عبد العزيز" والآجري في كتابه "أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز وسيرته" أن أمه هي: أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ ٢
ولا بأس من إيراد كلمة يسيرة عن جدته لأمه تتبين منها كرم عنصره، وشرف محتده، وأصله الطيب، ذكر ابن عبد الحكم والآجري عن عبد
_________________
(١) ١ انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥/١١٤، وابن سعد الطبقات ٥/٣٣٠، وابن حبان البستى: مشاهير علماء الأمصار ص١٧٨، عني بتصحيحه م. فلا يشهمر ط. دار الكتب العلمية. ٢ انظر: ابن عبد الحكم سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك وأصحابه ص٢٣-٢٤، والآجري أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز وسيرته ص٤٧-٤٩.
[ ١ / ٥١ ]
الله ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم١ قال: بينما أنا مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يَعُسُّ٢ بالمدينة إذ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء، فقالت لها: يا أمتاه أو ما علمت ما كان من عزمة٣ أمير المؤمنين اليوم. قالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديا، فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء، فقالت لها: يا بنتاه قومي إلى اللبن، فامذقيه بالماء فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه والله ما كنت لأطيعه في الملإ، وأعصيه في الخلاء. وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم عَلِّم الباب واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه، فلما أصبحا قال: يا أسلم امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومَن المقول لها وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أَيِّم لا بعل لها وإذا تيك أمها وإذا ليس لها رجل، فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته، فدعا عمر ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه فقال
١ انظر: ابن عبد الحكم سيرة عمر بن عبد العزيز ص٢٣-٢٤، والآجري أخبار أبي حفص ٤٧-٤٩، وعبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، ضعفه يحيى وأبو زرعة، ووثقه أحمد وغيره، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الحافظ: صدوق فيه لين، انظر ميزان الاعتدال ٢/ ٤٢٥، والمحتد: الأصل انظر: المصباح المنير ص ٢١٤.
٢ العس: نفض الليل عن أهل الريبة. انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٤٢.
٣ معنى عزمه عزما: عقد ضميره على فعله. انظر: المصباح المنير ص١١٥.
[ ١ / ٥٢ ]
عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت عمر بن عبد العزيز١.
ولادته:
تذكر أكثر المصادر التي اعتنت بترجمة عمر بأنه ولد بالمدينة النبوية، وتوجد مصادر أخرى تذكر أنه ولد بمصر وفي حلوان٢. وكما اختلفت المصادر في تعيين مكان ولادته اختلفت في سنة ولادته على عدة أقوال ملخصها ما يلي:
١- أنه ولد في عام ٥٩هـ٣.
٢- أنه ولد في عام ٦١هـ٤.
٣- أنه ولد في عام ٦٢هـ٥.
_________________
(١) ١ الآجري: أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز ص٤٨-٤٩، وابن سعد الطبقات ٥/٣٣١، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص ١٩-٢٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٠. ٢ حلوان: قرية من أعمال مصر، بينها وبين الفسطاط فرسخين من جهة الصعيد. انظر معجم البلدان ٢/٢٩٣. ط. دار الفكر، ط. الثانية ١٩٩٥م. بيروت. ٣ خليفة بن خياط التاريخ ص٢٠٦. ط. مكتبة دار الكتب العلمية، تحقيق د. مصطفى نجيب ود. حكمت فواز. ٤ ابن حبان البستي مشاهير علماء الأمصار ص١٧٨. ٥ ابن جرير الطبري تاريخ الطبري ٥/٤٢٧.
[ ١ / ٥٣ ]
٤- أنه ولد في عام ٦٣هـ ١.
ولعل الراجح في هذه الروايات أنه ولد في عام ٦١هـ، لأنه قول أكثر المؤرخين، ولأنه يؤيده ما يذكر أنه توفي وعمره أربعون سنة حيث توفي عام ١٠١هـ. وقوله: تمت حجة الله على ابن الأربعين٢. قال ابن كثير: ويقال: كان مولده سنة إحدى وستين، وهي التي قتل فيها الحسين ابن علي قاله غير واحد٣ من أهل العلم. والله أعلم.
مكان ولادته:
تذكر بعض المصادر أن عمر بن عبد العزيز ولد بمصر ولعل مستندهم أن والده عبد العزيز بن مروان كان واليا على مصر، ولكن بتتبع مصادر التاريخ يتضح أن هذا القول ضعيف، لأن أباه عبد العزيز بن مروان بن الحكم إنما تولى مصر سنة خمس وستين للهجرة، بعد استيلاء مروان بن الحكم عليها من يد عامل عبد الله بن الزبير ﵄، فولّى عليها ابنه عبد العزيز ولم يعرف لعبد العزيز بن مروان إقامة بمصر قبل ذلك، وإنما كانت إقامته وبني مروان في المدينة حتى أخرجوا منها قبيل موقعة الحرّة، ثم عادوا إليها بعد الموقعة، ثم أخرجوا منها مرة أخرى بعد أن
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣٠. ٢ انظر تاريخ خليفة ص٢٠٦. ٣ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢١٥.
[ ١ / ٥٤ ]
استتب الأمر لابن الزبير، فخرجوا إلى الشام حيث بايع الناس مروان بن الحكم جد عمر بن عبد العزيز١ رحمه الله تعالى.
وقد نشأ عمر في المدينة حسبما جاء في رواية ابن عبد الحكم الذي قال: فلما شب وعقل وهو غلام بعدُ صغير كان يأتي عبد الله بن عمر كثيرًا لمكان أمه منه، ثم يرجع إلى أمه فيقول: "يا أمّه أنا أحب أن أكون مثل خالي" - يريد عبد الله بن عمر- فتؤفف به ثم تقول له: اغرب أنت تكون مثل خالك تكرر عليه ذلك غير مرة. فلما كبر سار أبوه عبد العزيز ابن مروان إلى مصر أميرًا عليها، ثم كتب إلى زوجته أم عاصم أن تقدم عليه وتقدم بولدها، فأتت عمها عبد الله بن عمر فأعلمته بكتاب زوجها عبد العزيز إليها فقال لها: يا ابنة أخي هو زوجك فالحقي به، فلما أرادت الخروج قال لها: خلفي هذا الغلام عندنا -يريد عمر- فإنه أشبهكم بنا أهل البيت فخلفته عنده ولم تخالفه، فلما قدمت على عبد العزيز اعترض ولده فإذا هو لا يرى عمر، قال لها: وأين عمر؟ فأخبرته خبر عبد الله وما سألها من تخليفه عنده لشبهه بهم فسُرَّ بذلك عبد العزيز، وكتب إلى أخيه
_________________
(١) ١ انظر تاريخ الطبري ٨/٣٥، حوادث سنة ٦٥، وتاريخ ولاة مصر ص٤٤ ط. مؤسسة الكتب الثقافية ط. الأولى عام ١٤٠٧هـ.
[ ١ / ٥٥ ]
عبد الملك يخبره بذلك، فكتب عبد الملك أن يجري عليه ألف دينار في كل شهر، ثم قدم عمر على أبيه مسلِّمًا١.
وهكذا تربى عمر رحمه الله تعالى بين أخواله بالمدينة من أسرة عمر ﵁، ولا شك أنه تأثر بهم وبمجتمع الصحابة في المدينة، فقد كان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله بن مسعود يأخذ عنه العلم٢، وقد حفظ القرآن وهو صغير.
قال ابن كثير: وقال نعيم بن حماد: ثنا ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير فبلغ أمه، فأرسلت إليه فقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت، فبكت أمه، وكان قد جمع القرآن وهو صغير٣.
وقد كان أبوه يتفقده ويستفسر عن أخباره، فقد تأخر عن صلاة الجماعة يوما فسأله مؤدبه عن سبب التأخير فقال: كانت مرجلتي٤ تسكن شعري، فقال له: قدمت ذلك على الصلاة؟! وكتب إلى
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٢٤-٢٥. ٢ ابن سعد الطبقات ٥/٣٩٨. ٣ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢١٥. ٤ رجله: سود شعره وزينه وسرحه المعجم الوسيط ج ١ ص ٣٣٢
[ ١ / ٥٦ ]
أبيه - وهو على مصر- يعلمه بذلك، فبعث أبوه رسولا فلم يكلمه حتى حلق رأسه١.
ووالده هذا هو عبد العزيز بن مروان، وقبل أن نواصل الحديث عن عمر لا بأس من إيراد نبذة وجيزة عن حياة والده.
فقد ولد بالمدينة ونشأ، وتربى بها٢، وكان حريصا على جمع أحاديث رسول الله ﷺ روى ابن سعد بسنده عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي، وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريا من أصحاب رسول الله ﷺ قال: فكتب إليه أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله ﷺ من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عنده٣.
قال ابن سعد وقد روى عبد العزيز عن أبي هريرة، وكان ثقة قليل الحديث٤، وكان أبوه مروان قد ولاه مصر فأقره عليها أخوه عبد الملك
_________________
(١) ١ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢١٥. ٢ المصدر السابق ٥/٦٢. ٣ ابن سعد: الطبقات ٣/٤٤٨. وحمص:- بالكسر ثم السكون والصاد مهملة- بلد مشهور قديم، كبير، مسور، وهي بين دمشق وحلب في نصف الطريق. انظر معجم البلدان ٢/٣٠٢. ٤ يمكن حمل قول ابن سعد إنه قليل الحديث على أنه لم يرو عنه كثيرا، ولعل ذلك يعود إلى اشتغاله بأمور الرعية. والله أعلم.
[ ١ / ٥٧ ]
ابن مروان. وكان مروان قد عقد لعبد العزيز ولاية العهد بعد عبد الملك، لكن عبد العزيز تنازل عن ولاية العهد في حياته وتوفي قبل عبد الملك. توفي بمصر في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين١، وقد اكتسى عمر أخلاق والده وزاد عليه بأمور كثيرة٢.
صفاته الخَلْقِيَّة
كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- أسمر، رقيق الوجه، أحسنه، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر نفحة دابة، قد وخطه الشيب.
وقيل في صفته: أنه كان رجلا أبيض دقيق الوجه، جميلا، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر نفحة حافر دابة، فلذلك سمى أشج بني أمية، وكان قد وخطه الشيب٣.
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٢٣٦، وابن كثير البداية والنهاية ٥/٦٢. ٢ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٦٣-٦٤. ٣ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٦٣-٦٤، ابن عساكر: تاريخ دمشق ٥٤/١٣٣، وانظر أبو حفص الملاء ١/١١، وابن الجوزي سيرة عمر ص ١٧٩.
[ ١ / ٥٨ ]
ب- زوجاته وأولاده
نشأ عمر بالمدينة وتخلق بأخلاق أهلها، وتأثر بعلمائها وأكب على أخذ العلم من شيوخها وكان "يقعد مع مشايخ قريش ويتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوجه فاطمة بنت عبد الملك"١. وقد أنجبت له ولدين هما: إسحاق، ويعقوب٢.
كما كان لعمر زوجات عدة غير فاطمة، منهن:
لميس بنت علي بن الحارث الحارثية، وله منها أبناؤه: عبد الله، وبكر، وأم عمار.
ومن زوجاته: أم عثمان بنت شعيب بن زبان الأصبغ، وله منها ولده: إبراهيم.
وذكر ابن سعد أن له أمة تسرى بها وكان له منها أبناؤه: عبد الملك، والوليد، وعاصم، ويزيد، وعبد الله، وعبد العزيز، وزبان، وآمنة، وأم عبد الله٣.
_________________
(١) ١ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢١٦، بتصرف يسير، وابن عساكر ١٣/٢٦٢. ٢ ابن عساكر تاريخ مدينة دمشق (مخطوط) مجلد ١٩ ورقة ٢٤٨أ، وابن سعد الطبقات ٥/٣٣٠. ٣ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣٠.
[ ١ / ٥٩ ]
ج- تربية أبنائه
وردت نصوص من الكتاب والسنة تحث على تربية الأبناء وتنشِئتهم النشأة الصالحة ليكونوا طائعين لله في كل ما أمرهم به، وقد اهتم عمر بن عبد العزيز بتربية أولاده التربية الصحيحة، فلم يرغب عمر أن ينشأ أولاده في ترف ونعيم، فيجرفهم تيار المجون، والدعة عن اكتساب العلوم، فيروي ابن عساكر عن رجاء بن جميل الإيلي أنه قال: "وكان عمر بن عبد العزيز يَبْدى١ ولده عندنا بالمدينة، وكان يأمر قيِّمه عليهم يكسوهم الكرابيس٢، والبتوت٣، وإذا حملهم من منزلهم إلى منزل حملهم على الحمر الأعرابية"٤.
وكان هذا بعد ما أخذوا حظهم من التربية المستقيمة في بيته ثم جعل يتعاهدهم ويكتب إلى مؤدبهم رسائل، ومنها هذه الرسالة الآتية:
"من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى مولاه، أما بعد: فإني اخترتك على علم مني بك لتأديب ولدي، فصرفتهم إليك عن غيرك من موالي، وذي
_________________
(١) ١ يبدى من البداوة وهو خلاف الحضر. وتبدى أقام بها، وتبادى: تشبه بأهلها. انظر معجم مقاييس اللغة ١/٢١٢. ٢ الكرباس: بالكسر ثوب من القطن الأبيض والنسبة: كرابيس وهو فارسي معرب. انظر القاموس المحيط ص٧٣٥. ٣ البت: هو الطيلسان من خز ونحوه وبائعه بتى. القاموس المحيط ص١٨٨. ٤ ابن عساكر: تاريخ دمشق مجلد ١٣ ص١٥١، أ.
[ ١ / ٦٠ ]
الخاصة بي، فحدثهم بالجفاء فهو أمعن لإقدامهم، وترك الصبحة١ فإن عادتها تكسب الغفلة، وقلة الضحك، فإن الضحك كثرته يميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن حضور المعازف واستماع الأغاني، واللهج بها ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب الماء، ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه. وهو حين يفارقها لا يعتقد بما سمعت أذناه على شيء مما ينتفع به، وليفتتح كل غلام منهم بجزء من القرآن يثبت في قراءته. فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض٢، حافيا فرمى سبعة أرشاق٣، ثم انصرف إلى القائلة فإن ابن مسعود ﵁ كان يقول: يابني قيلوا٤ فإن الشياطين لا تقيل"٥.
_________________
(١) ١ الصبحة: بضم الصاد وفتحها الضحى وتصبَّح نام بالغداة، المصباح المنير ص١٢٦ ٢ الغرض: الهدف الذي يرمى إليه والجمع أغراض. المصباح المنير للفيومي ص١٦٩، ط. مكتبة لبنان عام ١٩٩٠م. ٣ الرشق: الرمي والقوم إذا رموا بأجمعهم. المصباح المنير ص٨٧. ٤ القيلولة والقائلة: نوم نصف النهار. معجم مقاييس اللغة ٥/٤٥. ٥ ابن أبي الدنيا: كتاب ذم الملاهي ص٥٠-٥١، ومن طريقه ابن الجوزي سيرة عمر ص٣١٦، وأبو حفص الملاَّء ٢/٦٣١-٦٣٢.
[ ١ / ٦١ ]
فهذه الرسالة تبين المعالم الرئيسة والمبادئ التي يرتكز إليها المؤدب لأولاده وهي بلا شك مستمدة من هدي الرسول ﷺ وهدي السلف الصالح، وقد كتب عمر أيضا إلى أستاذه صالح بن كيسان يأمره بتأديبهم، وكل هذا منه -رحمه الله تعالى- يدل على تمسكه بالكتاب والسنة وتربية أبنائه على حبهما، وحب السلف الصالح، ولم يكن اهتمامه بأولاده مقصورا على ناحية التربية والتعليم وإنما حرص على مراقبة كل تصرف من تصرفاتهم وقاسه بمقياس الإسلام، وقد ذكر ابن الجوزي، وابن عبد الحكم١، أمثلة كثيرة من هذه النوع، وقد أثرت هذه التربية السليمة المبنية على الكتاب والسنة، وآتت ثمارها حيث أصبح ابنه عبد الملك بن عمر مستشاره ومعينه على الحق وعلى اتباع السنة، ذكر ابن الجوزي عن بعض مشيخة أهل الشام أنهم كانوا يرون أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة ما رآه من ابنه عبد الملك٢، وكان عبد الملك هذا يقول لوالده: يا أبت أقم الحق ولو ساعة من نهار٣.
_________________
(١) ١ انظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١١٠و١٢٩، وكذلك ص١٠١، وابن الجوزي سيرة عمر ص٣١٦-٣٣٩. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣١٧. ٣ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣٢٠، وانظر كذلك ص٣٢٢.
[ ١ / ٦٢ ]
وقد توفي عبد الملك في حياة والده، وقد ذكر ابن الجوزي بقية أولاد عمر وأخبارهم بما فيه الكفاية، من ٣١٦-٣٣٩، ويمكن لمن يريد الاستزادة الرجوع إليه.
[ ١ / ٦٣ ]
المبحث الثاني: سيرته العلمية.
ويشتمل على:
أ - إمامته ورفعة مكانته في العلم.
ب- نشره العلم في الأمصار والبوادي.
ج- تدوينه العلم وتثبيته خشية اندراسه بموت حملته.
د - تلاميذه وشيوخه.
هـ - مروياته ونماذج من فقهه.
أ- إمامته ورفعة مكانته في العلم:
أما رفعة مكانته في العلم فقد اتفقت كلمة المترجمين له على أنه أحد أئمة زمانه المليء بأئمة التابعين، فقد أطلق عليه كلُّ من الإمامين: مالك، وسفيان بن عيينة - وهما هما- وصف "إمام": وقال فيه مجاهد - وحسبك به -: "أتيناه نُعلِّمه فما برحنا حتى تعلَّمنا منه"١.
وقال ميمون بن مِهْران - وهو ممن خبَر عمر بن عبد العزيز-: "ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذة". وقال فيه أيضًا: "كان عمر بن عبد العزيز معلِّمَ العلماء"٢.
وذكر الحافظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" حِجاجَ عمر لبعض خوارج الجزيرة، وأخْذَه الغلبة عليهم، ثم قال فيه: "كان أحد الراسخين في العلم ﵀"٣.
وقال الحافظ الذهبي: "كان إمامًا فقيهًا مجتهدًا، عارفًا بالسنن، كبيرَ الشأن، ثبتًا، حافظًا، قانتًا لله أوَّاهًا منيبا يُعَدُّ في حسن السيرة والقيام
_________________
(١) ١ أبو حفص الملاء ٢/٥٠٥-٥٠٦، وابن عساكر تاريخ دمشق ٤٥/١٤٧- ١٤٨، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٤٠٥. ٢ أبو زرعة الدمشقي: تاريخ أبى زرعة ص٢٥٥، وابن عساكر ٤٥/١٤٨. ٣ ابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٦٧، تحقيق أبي الأشبال الزهيري الطبعة الأولى عام ١٤١٤هـ دار ابن الجوزي الدمام.
[ ١ / ٦٧ ]
بالقسط مع جده لأمه عمر، وفي الزهد مع الحسن البصري، وفي العلم مع الزهري، ولكن موته قرُب من موت شيوخه، فلم ينتشر علمه"١.
وكان طلبُه للعلم في مُقْتبل شبابه على شيوخ المدينة النبوية الزاخرة بالأئمة من عيون التابعين، فنهّل من علمهم وأدبهم. .
وكان الذي تولَّى تأديبه من رجالات المدينة النبوية هو صالحَ بن كيسان أحد الثقات الأجلَّة، فرأى صالحٌ من عمر كل خير، حتى قال فيه: "ما خبرت أحدًا اللهُ أعظمُ في صدره من هذا الغلام". ورأى عمر من صالح كلَّ رعاية وتأديب رفيع، فاختاره فيما بعد مؤدّبًا لأولاده٢.وكان شيوخه في العلم والرواية مشاهيرَ علماء المدينة آنذاك، إلا أنه أكثر التَّردد والأخذَ عن أحد فقهائها السبعة الأعلام، وهو عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، ولكثرة تردده إليه واستفادته منه، وصفه العجلي بقوله:"وهو معلِّمُ عمرَ بنِ عبد العزيز"٣.
_________________
(١) ١ الذهبي: تذكرة الحفاظ ص١١٨-١١٩. ٢ ابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٤٠٣. ٣ المصدر السابق ٧/٢٢.
[ ١ / ٦٨ ]
ولقد عبَّر عمر بن عبد العزيز عن إعجابه الكبير بمجلس عبيد الله - وكان أعمى- وكثرة فوائده المنثورة فيه فقال: "لمجلسُ من الأعمى: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحبُّ إليّ من ألف دينار"١.
ولمعرفة عمر بما عند عبيد الله من علم ورأي، كان يقول أيام خلافته: "لو كان عبيد الله حيًا ما صدرتُ إلا عن رأيه"٢. ومن شيوخه أنس بن مالك وسمع منه، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، وعمر بن أبي سلمة المخزومي، والسائب بن يزيد.
وروى عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب وخلق سواهم٣.
وأمدُ إقامة عمر في المدينة النبوية غير معلوم، إلا أنه من الواضح أنه كان أمدًا مديدًا، يسَّر لعمر بن عبد العزيز - إلى جانب ذكائه وحافظته - الاستفادة العظيمة من الأئمة الذين لقيهم، ولقد وصف حاله التي خرج
_________________
(١) ١ الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال ٢/١٢٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٤، وأبو حفص الملاء ١/٤٩. ٢ ابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٢٣، وابن الجوزى: سيرة عمر ص٢٤. ٣ انظر أبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٩، والذهبي: سير أعلام النبلاء ٥/١١٤-١١٥، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٤٠٣.
[ ١ / ٦٩ ]
عليها من المدينة بقوله: "خرجت من المدينة وما من رجل أعلم مني"١، مع أنه ترك فيها سعيد بن المسيب ونظراءه.
وبيّنة هذه الشهادات والأخبار قائمة في كتب العلم، فما من كتاب من كتب السنة، أو الفقه الاستدلالي إلا ويجد القارئ فيها ذكرًا لعمر، من حديث، أو رأي، أو أمر، أو قضاء، ونحوها، وليسهل الأمر على المتتبع فلينظر من هذه الكتب الأبواب التي لها صلة بالخليفة والسلطان، كالزكوات، والصدقات، والمعاقل، والديات، والجهاد، والسّير، ونحوها فإنه واجد فيها الكثير الوفير.
بل لو رجعنا إلى الكتب الصغيرة لأئمة العلم الأقدمين لوجدنا فيها ذكر عمر بن عبد العزيز متكررًا، على سبيل الاحتجاج لرأيهم بقوله وفعله.
من ذلك رسالة الإمام الليث بن سعد إلى الإمام مالك بن أنس ﵄، وهي رسالة قصيرة لا تتجاوز صفحاتهُا عددَ أصابع اليد، وفيها يحتج الليث - مرارًا- لصحة قوله، بقول عمر بن عبد العزيز، على مالك فيما ذهب إليه في بعض مسائله٢.
_________________
(١) ١ ابن كثير البداية والنهاية ٥/١٩٥. ٢ انظر الرسالة الفسوي: في المعرفة والتاريخ ١/٦٨٧-٦٩٥، ومنه نقل ابن القيم في إعلام الموقعين ٣/٩٤-١٠٠.
[ ١ / ٧٠ ]
ويردُ ذِكر عمر بن عبد العزيز في كتب الفقه للمذاهب الأربعة المتبوعة، على سبيل الاحتجاج بمذهبه:
فيستدلُّ الحنفية بصنيعه في كثير من المسائل، حتى لقد جعلوا له وصفًا يتميَّز به عن جدّه لأمه: عمر بن الخطاب ﵁، وأحيانا يُدرجون ذكره معه.
قال الحافظ القرشي ﵀ في "الجواهر المضية": "فائدة: يقول أصحابنا في كتبهم في مسائل الخلاف: "وهو قول عمر الصغير" يريدون به عمر بن عبد العزيز الإمام الخليفة المشهور".
وقال الحافظ الزيلعي ﵀: "يوجد في بعض نسخ"الهداية": "وبذلك قضى العمران" فيحتمل أنه أراد أبا بكر، وعمر، ويؤيده التصريح بهما في النسخة الأخرى، ويحتمل أنه أراد عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وكثيرا ما يفعل أصحابنا ذلك"١.
_________________
(١) ١ انظر الجواهر المضية ٤/٥٥٢، ط. مؤسسة الرسالة ط. الأولى عام ١٤٠٨هـ تحقيق د/ عبد الفتاح محمد الحلو. ونصب الراية ٥/٩٦٩.
[ ١ / ٧١ ]
ويُكثر الشافعية من ذكره في كتبهم، ولذلك ترجم له الإمام النووي ترجمة حافلة في "تهذيب الأسماء واللغات". وقال في أولها: "تكرر في "المختصر" و"المهذب" "١.
وأما المالكية فيكثرون من ذكره في كتبهم أكثر من غيرهم، ومالك إمام المذهب ذكر عمر بن عبد العزيز في "الموطأ" محتجًا بفتواه وقوله في مواضع عديدة في موطئه٢.
وأما الحنابلة فكذلك، يذكرونه كثيرًا، وعمر هو الذي قال فيه الإمام أحمد: "لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز". وكفاه هذا٣.
وكفانا قولُ الإمام أحمد أيضا: "إذا رأيتَ الرجل يحبُّ عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن من وراء ذلك خيرا إن شاء الله"٤.
_________________
(١) ١ النووي: تهذيب الأسماء واللغات ٢/١٧-٢٤. والمختصر، والمهذب، من كتب الشافعية المشهورة ٢ انظر الموطأ الأرقام الآتية: ٣٠٥، ٥٩٢، ٥٩٤، ٦١٤، ٧٥٩، ٨٥٠، ١١٠٧، ١١٧٠، ١٣٨٣، ١٤٢٩، ١٤٣٢، ١٥٦٨، ١٥٧٨، ١٥٨٢، ١٦٥٠، ١٦٦٥، ١٨٦٦. ٣ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢١٤. ٤ ابن الجوزي: سيرة عمر ص٦١.
[ ١ / ٧٢ ]
وقبل الانتقال إلى الحديث عن الأمر الثاني، أودّ أن أعرض لإشكال والإجابة عنه.
قد يقول قائل: إذا كان عمر بن عبد العزيز بهذه المثابة في سعة العلم والإمامة فيه، ويُعْدَل بابن شهاب الزهري، فلم لمْ يشتهر بالعلم هذه الشهرة، ولم يُنقل عنه من العلم ما نُقل عن غيره من الأئمة: كالزهري، ومالك، وابن عيينة وأمثالهم؟!
والجواب عنه: أن العلم تحمُّل وأداء: والتحمُّل هو الأخذ والاستماع، والأداء هو التحديث والإسماع.
وقد يسّر الله تعالى لعمر بن عبد العزيز الجانبَ الأول من العلم، وهو تحملُه وتلقّيه له، ولم يتيسر له الجانب الثاني إلا قليلا. فلما بعث به أبوه إلى المدينة، توفّر على استماع العلم وتحمله، إلى أن خرج من المدينة النبوية ولم يترك فيها أحدًا أعلم منه كما تقدم. ثم شغل بإمارة المدينة، ثم جُمع إليه معها إمارة مكة المكرمة، ثم ألقيت عليه الخلافة بثقلها وأعبائها، فلم يتفرغ لأداء ما تحمّل إلا قليلا.
وعذره في هذا عذر غيره من أئمة السلف
[ ١ / ٧٣ ]
فأبو بكر الصديق ﵁: كان أطولَ الصحابة صحبة لرسول الله ﷺ وأكثرهم ملازمة له، ولم ينقل عنه من الرواية إلا القليل١، وعذره تعجُّل وفاته، وانهماكه في حروب الردة، وأمور الخلافة.
وهكذا كان عمر بن عبد العزيز: كثير التحمل قليل الأداء، ولولا ما شُغل به من أمور المسلمين لنُقل عنه من العلم ما نُقل عن أقرانه الأئمة يضاف إليه: انقضاء أجله في الأربعين من عمره. رحمه الله تعالى، والتنصيص على هذا العذر صريح في قول الحافظ الذهبي السابق: " وفي العلم مع الزهري ولكن موته قرب من موت شيوخه، فلم ينتشر علمه".
ب- نشره العلم في الأمصار والبوادي
وأما نشره العلم في الأمصار والبوادي فذلك في إرساله العلماء إليها ليعلّموا أهلها شرع الله ويفقهوهم فيه.
قال الحافظ الذهبي ﵀ في "تذكرة الحفاظ"، ترجمة نافع مولى ابن عمر: قال عبيد الله بن عمر: بعث عمر بن عبد العزيز نافعا إلى أهل مصر يعلمهم السنن"٢.
_________________
(١) ١ ذكر له السيوطي في تاريخ الخلفاء ص٨٧-٩٤ أربعة أحاديث ومائة حديث، وطبع مسند أبي بكر الصديق للحافظ أبي بكر المروزي، بلغ ترقيم أحاديثه ١٤٢ حديثًا، وفيهما من المكرر الكثير. ٢ الذهبي: تذكرة الحفاظ ١/١٠٠ وأبو زرعة الدمشقي: تاريخ أبي زرعة ص٣٢٢، وابن حجر: تهذيب التهذيب ١/٤٤٢.
[ ١ / ٧٤ ]
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة بكر بن سوادة المصري: "أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل أفريقية ليفقههم"١.
ومن الذين أرسلهم كذلك عبد الرحمن بن رافع التنوخي، قال الدباغ: كان أحد الفقهاء العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز ليفقهوا أهل أفريقيا٢.
ومنهم عبد الله بن يزيد الحبلى، قال الدباغ: بعثه عمر بن عبد العزيز إلى أفريقية ليفقههم فبث فيهم علما كثيرا٣.
ومنهم طلق بن جعبان "أوجابان" الفارسي، قال الدباغ: كان أحد النفر الذين بعث بهم عمر ابن عبد العزيز من فقهاء مصر إلى المغرب٤.
ومنهم سعد بن مسعود التجيببي ذكره الدباغ وقال: سكن القيروان، وبث فيها علما كثيرا٥.
_________________
(١) ١ ابن حجر: تهذيب التهذيب ٦/١٥٥. ٢ الدباغ: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ١/١٩٨وهو: عبد الرحمن بن محمد الأنصاري الأسيدي الدباغ. والكتاب من تصحيح وتعليق إبراهيم شبوح الطبعة الثانية عام ١٣٨٨هـ مطبعة السنة المحمدية مصر. ٣ الدباغ: معالم الإيمان ص١٨٠. ٤ المصدر السابق ١/٢١٥. ٥ المصدر السابق ١/١٨٤.
[ ١ / ٧٥ ]
ومنهم إسماعيل بن عبيد الله الأنصاري ولاءً، سكن القيروان وانتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم١.
ومنهم كذلك إسماعيل بن عبيد الله بن المهاجر المخزومي أسلم عامة البربر على يديه، وكان حريصا على إسلامهم، وكان عمر بن عبد العزيز قد أرسله إليهم ليحكم بينهم ويفقههم في الدين٢.
وعبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني كان قاضيا لعمر بن عبد العزيز في القيروان٣.
ويحتمل أن من هؤلاء العشرة أبا سعيد جعثل بن عاهان بن عمير الرعيني ثم القتباني. قال الدباغ: وهو أحد العشرة التابعين٤، وكذلك حبان بن أبي جبلة القرشي مولى بني عبد الدار. قال الدباغ: وهو أحد العشرة التابعين٥.
ومن أخبار إرساله العلماء إلى البوادي من أجل نشر العلم وتعليم الناس السنة ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن عبد الحكم، وابن
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/١٩٢. ٢ انظر المصدر السابق ١/٢٠٣، وابن حجر: تهذيب التهذيب ١/٢٨٦. ٣ انظر الدباغ: معالم الإيمان ١/٢١٠. ٤ الدباغ: معالم الإيمان ١/٢٠٢. ٥ المصدر السابق ١/٢٠٩.
[ ١ / ٧٦ ]
الجوزي، أن عمر بن عبد العزيز بعث يزيد بن أبي مالك الدمشقي، والحارث بن "يمجد" وقيل: ابن محمد الأشعري يفقهان الناس في البادية وأجرى عليهما رزقا، فأما يزيد فقبل، وأما الحارث فأبى أن يقبل وقال: ما كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجرا، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك، فكتب عمر: إنا لا نعلم بما صنع يزيد بأسا، وأكثر الله فينا مثل الحارث بن يمجد١.
وكان يُردفُ إرساله العلماء بكتب يُرسلها هو إلى الأمصار يعلّمهم فيها السنن والفقه، ويمكن الوقوف على كثير منها في كتابي ابن عبد الحكم، وابن الجوزي في سيرته فلا حاجة إلى الإطالة بذكر بعضها، إنما المفيدُ ذكر كلام الإمام مالك في بيان منهج عمر بن عبد العزيز في هذه الكتب (التعليمية) لعماله ورعيته.
روى ابن عبد البر في "التمهيد" عن ابن وهب قال: "سمعت مالكا يقول: كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يُعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، وأن يعملوا بما عندهم "٢.
_________________
(١) ١ أبو عبيد: الأموال ص٢٧٥- ٢٧٦، تحقيق وتعليق محمد خليل الهراس ط. دار الكتب العلمية الطبعة الأولى عام ١٤١٦هـ. وانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٤١، وابن الجوزي سيرة عمر ص٧٤. ٢ ابن عبد البر: التمهيد ١/٨٠-٨١، تحقيق سعيد أعراب ١٤١١هـ.
[ ١ / ٧٧ ]
فكان ﵀ يستمدُّ علمه - فوق ما اغترفه أول أمره - من معين المدينة النبوية، ويرسل بذلك إلى سائر أمصار الإسلام، فتكون كتبه بمثابة رُسُل توجِّه الرعية.
ومما زاد في نشره العلم أمران:
أ- فرْضُه العطاءَ والمرتبات لمن نصب نفسه للعلم وحبسها عليه، كي لا يهتمُّوا بدنياهم أو يشتغلوا بها عن هذه المهمة.
فروى أبو زرعة الدمشقي عن أبي بكر بن أبي مريم قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى والي حمص: "مُرْ لأهل الصلاح من بيت المال بما يُغْنيهم، لئلا يشغلهم شيء عن تلاوة القرآن وما حملوا من الأحاديث"١.
وذكر له ابن الجوزي كتابا آخر إلى والي حمص كذلك، قال له فيه: "انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، فأعط كلَّ رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه، من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي هذا، وإن خيرَ الخير أعجلُه، والسلام عليك"٢.
_________________
(١) ١ تاريخ أبي زرعة ص٣٢٦. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٩٥.
[ ١ / ٧٨ ]
ب- حضُّه العلماء على "علنيَّة العلم" وأمره إياهم أن يتخذوا المساجد مراكز لتعليم الناس أمور دينهم، وكتب بذلك: "أما بعد: فأمُرْ أهلَ العلم أن ينشروا العلم في مساجدهم، فإن السنة كانت قد أميتت"١.
ج - تدوينه العلم وتثبيته خشية اندراسه بموت حملته:
أما تدوينه العلم وتثبيته فذلك في إرشاداته وأوامره الخاصة والعامة بتدوين السنة عامة، وروايات بعض الصحابة والتابعين خاصة.
فمن إرشاداته: قوله ﵀: "قيّدوا العلم بالكتاب"٢، وهذا يدل على ذهابه إلى ما استقر عليه الأمر من جواز كتابة العلم.
ولم يقف الأمر منه عند حدِّ الإرشاد العام، إنما تعداه إلى الأوامر الخاصة والعامة: فروى البخاري في "صحيحه" كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "انظُر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خِفْتُ دروسَ العلم - أي اندراسه- وذهاب العلماء"٣.
_________________
(١) ١ أسنده الرامهرمزي "المحدث الفاصل" ص٦٠٣، وهو في ابن الجوزي سيرة عمر ص٩٤. ٢ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٠٩، وأصله في الحلية لأبى نعيم ٥/٣٤٢، "أيها الناس قيدوا النعم بالشكر، وقيدوا العلم بالكتاب". ٣ البخاري مع الفتح ١/١٩٤.
[ ١ / ٧٩ ]
وروى الخطيب في "تقييد العلم" بسنده قال:"كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم: أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتُبه، فإني قد خِفْتُ دروس العلم وذهاب أهله"١.
وكذلك وجَّه كتابًا إلى الإمام ابن شهاب الزهري – وغيره - بكتابة السنن.
فروى الحافظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" عن ابن شهاب قال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كلّ أرض له عليه سلطانٌ دفترًا"٢.
وروى الإمام أبو عبيد في "الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها" أن عمر بن عبد العزيز أمر ابن شهاب أن يكتب مصارف الزكاة الثمانية، وكيف يكون تفريقها فيهم، فكتب له كتابًا مطوَّلًا ذكر أبو عبيد جزءا منه في كتابه الأموال٣.
_________________
(١) ١ الخطيب البغدادي: تقييد العلم ص١٠٦. ٢ ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ١/٣٣١. ٣ أبو عبيد: الأموال ص٥٧٣-٥٧٤.
[ ١ / ٨٠ ]
وروى الخطيب في "تقييد العلم" عن عبد الله بن دينار البَهْراني قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه، فإني قد خِفْتُ دروس العلم وذهاب أهله"١.
وأعم الروايات في هذا الصدد عن عمر بن عبد العزيز: رواية أبي نعيم في "تاريخ أصبهان":عن عبد الله بن دينار أيضا قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه واحفظوه، فإني أخاف دروس العلم وذهاب العلماء"٢.
قال الحافظ ابن حجر رحمه في شرحه قول عمر بن عبد العزيز لأبي بكر بن حزم "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه": "يُستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز - وكان على رأس المائة الأولى- من ذهاب العلم بموت العلماء، رأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاء"٣.
ويلاحظ قول الحافظ: "تدوين الحديث النبوي" و"أول من دوَّن الحديث" فهذا هو تاريخ تدوينه، أما مجرد كتابته فقد حصلت في عهد
_________________
(١) ١ الخطيب البغدادي تقييد العلم ١٠٦ ٢ أبو نعيم: أخبار أصبهان ١/٣١٢. ٣ ابن حجر: تهذيب التهذيب ١٢/٣٤.
[ ١ / ٨١ ]
النبي ﷺ فمن بعده، فكان أحدُهم يكتب لنفسه مسموعاته ليُتْقن حفظها، ويرجع إليها عند الحاجة، ولا تتعدّى كتابتُه خاصة مروياته.
ومما تجدُر ملاحظته في تدوين عمر بن عبد العزيز للسنة عدة أمور:
١- حُسْن اختياره لمن يقوم بهذه المهمة العظيمة، وسمت الروايات منهم الزهريَّ وأبا بكر ابن حزم.
أما الزهري: فإمام زمانه، ومرجع علماء عصره، وأشهر من أن يعرَّف.
وأما أبو بكر بن حزم: فهو الذي شهد له الإمام مالك بقوله: "لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم" كما في "التهذيب"١.
٢- أمره بتدوين أحاديث أناس مخصوصين لما امتازوا به وكذلك تدوين أحاديث خاصة لأهميتها.
وتقدم أن بعض المصادر روت أن عمر بن عبد العزيز طلب من ابن حزم تدوين حديث عمر، وحينئذ فيكون قد طلب منه تدوين مرويات عمر بن الخطاب، لما يقصده من تتبعه سيرته وأحواله وأقضيته، وقد روى
_________________
(١) ١ ابن حجر: تهذيب التهذيب ١٢/٣٤.
[ ١ / ٨٢ ]
أبو نعيم في الحلية وغيره خبرًا طويلًا يطلب فيه عمر بن عبد العزيز من سالم بن عبد الله بن عمر أن يكتب إليه بسيرة جده عمر بن الخطاب ﵁ ١.
٣- تنبيهه من يكتبُ له السنة ويدونها، أن يلتزم الثابت الصحيح منها، كما جاء هذا في رواية الإمام أحمد لهذا الخبر حيث قال: أكتب إلي من الحديث بما ثبت عندك عن رسول الله ﷺ وحديث عمرة ٢، وهذا تنبيه مهم في حد ذاته، ويزداد أهمية حينما تلاحظ أن هذه هي أولى مراحلِ التدوين، فإذا لم يُرسم هذا المنهج، كانت المراحل اللاحقة أشدَّ اضطرابا وخللًا فيما تجمعه من السنة النبوية.
وبهذا يتبين أن عمر بن عبد العزيز انتقى الرجال القائمين بهذا العمل العظيم، فأحسن الانتقاء، ورسم لهم بعض النقاط المهمة جدًا، فخصَّ أناسًا يتبعون أحاديثهم، وخصَّ أحاديثَ معينة ذات أهمية خاصة بالنسبة له، وأن يكتبوا ما ثبت عندهم من الحديث الشريف فقط، ولا يكون همُّهم الجمع والإكثار.
_________________
(١) ١ انظر الآجري: أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز ٧١- ٧٣، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٨٥ مع بعض الاختلاف في اللفظ. ٢ أحمد بن حنبل: كتاب العلل ومعرفة الرجال ١/٤٩، ط. المكتبة الإسلامية استانبول تركيا عام ١٩٨٧م تحقيق الأستاذ الدكتور طلعت قوج، والأستاذ الدكتور إسماعيل أوغلي.
[ ١ / ٨٣ ]
وهذا كله يدلُّ على بُعد نظره، ودقة تفكيره، وحسن توفيقه في العلم رحمه الله تعالى، وجزاه الله عن الإسلام والسنة النبوية عظيم الأجر ووافر الثواب١.
د- تلاميذه:
رأينا فيما سبق جهود عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في خدمة السّنة ولا شك أنها تحمّل وأداء، وقد سبق أنه ممن تحمل العلم فأكثر ثم أشغل بالخلافة، ولم يتمكن من الأداء كغيره، ومع ذلك فقد كانت له تلامذة كثيرون لأنه رحمه الله تعالى كان جوادًا بالخير، ولم يبخل بما عنده من علم اكتسبه على تلاميذه أو حتى على جلسائه وعامة رعيته. فروى عنه عدد كثير، وجم غفير، كما أثبتته المصادر من بينهم عدد من شيوخه في حين كتب إليه البعض يستفتونه فأجابهم٢.
أما شيوخه الذين رووا عنه فهم:
١- أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، المدني، الزهري، أحد فقهاء المدينة (ت٩٤هـ) ٣.
_________________
(١) ١ انظر مقدمة محمد عوامة في تحقيق مسند عمر بن عبد العزيز للباغندي من ص٧- ٢٤ بتصرف يسير. ٢ ابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٤٠٣. ٣ الذهبي: تذكرة الحفاظ ١/٦٣، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٤٠٣.
[ ١ / ٨٤ ]
٢- وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي، أعلم أهل زمانه بالقضاء (ت١٢٠هـ) ١.
٣- ومحمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري القرشي المدني حافظ زمانه (ت١٢٤هـ) ٢.
-كما روى عنه جم غفير من علماء عصره من بينهم:
٤- أيوب بن أبي تميمة السختياني العنزي مولاهم الثقة الصدوق الثبت الحجة العدل (١٣٩هـ) ٣.
٥- وإبراهيم بن أبي عبلة شمر بن يقظان بن عبد الله المرتحل الشامي المقدسي الثقة الصدوق (ت١٥٢هـ) .
٦- وعمير بن هانئ العنسي الدارني الإمام التابعي الثقة (ت ١٢٧هـ) ٤.
٧- ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني الثقة العالم الورع أحد علماء السيرة (ت١٢٨هـ) ٥.
_________________
(١) ١ ابن حجر: تهذيب التهذيب ١٢/٣٥-٣٦، والذهبي: تذكرة الحفاظ ص١١٨، و١٠٨-١١٣. ٢ ابن أبى حاتم: الجرح والتعديل ٨/٧١، والذهبي: تذكرة الحفاظ ١/١١٨. ٣ ابن حجر: تهذيب التهذيب ١/١٢٨-١٢٩، والذهبي: سير أعلام النبلاء ٦/٣٢٣- ٣٢٥، وتذكرة الحفاظ ص١١٨. ٤ ابن أبى حاتم: الجرح والتعديل ٦/٣٧٨، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٨/١٢٨. ٥ ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل٩/٢١١-٢١٢،وابن حجر: تهذيب التهذيب١١/٣٤١.
[ ١ / ٨٥ ]
٨- ومحمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى التيمى القرشي، المدني، الإمام، الحافظ، القدوة (ت١٣٠هـ) ١.
٩- وحميد بن أبي حميد الطويل أبو عبيدة البصري مولى طلحة الطلحات الإمام، الحافظ، الثقة (١٤٣هـ) ٢.
١٠- وعمرو بن مهاجر بن أبي مسلم واسمه دينار الأنصاري وهو مولى أسماء بنت زيد (ت١٣٩هـ) ٣.
١١- وعمرو بن ميمون بن مهران الجزري الرقي عامل عمر بن عبد العزيز على خراج الجزيرة كان ثقة صدوقا (١٤٥هـ) ٤.
١٢- والنضر بن عربي أبو روح الباهلي مولاهم الجرزي الحراني، الإمام، الثقة، العالم، المحدث (ت١٦٨هـ) ٥.
_________________
(١) ١ ابن أبى حاتم: الجرح والتعديل ٨/٩٧-٩٨، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٩/٤٠٧-٤٠٩. ٢ ابن أبى حاتم: الجرح والتعديل ٣/٢٢١، والذهبي: تذكرة الحفاظ ١/١٥٢. ٣ ابن حجر: تهذيب التهذيب ٨/٩٠. ٤ ابن حجر: تهذيب التهذيب ٨/٩٠-٩١. ٥ المصدر السابق ١٠/٣٩٦.
[ ١ / ٨٦ ]
كما روى عنه أبناؤه الذين تقدم ذكرهم وزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان١.
وبما سبق ذكره يظهر جليا أن عمر قد أصبح في زمانه مهوى أفئدة طلاب العلم.
روى الحديث فأكثر ونظر في النصوص فاجتهد واستنبط فأخذ عنه الفقهاء، واعتبروا رأيه حجة.
هـ- مرويات عمر بن عبد العزيز
لعمر بن عبد العزيز ﵀ مرويات كثيرة في مسائل متعددة فقد ذكر ابن الجوزي عددا من مروياته، وكذلك روى له أصحاب السنن، وأفرد له الحافظ أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي مسندا يحوي واحدا وستين حديثا والكتاب مطبوع ومتداول ولله الحمد٢.
ومن مروياته حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة انصت -والإمام يخطب - فقد لغوت" رواه
_________________
(١) ١ انظر ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق مجلد ١٩ ورقة ٢٤٧ ب، والذهبي: تذكرة الحفاظ ١/١١٨، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٤٠٣، ط. دار الكتب العلمية ط. الأولى عام ١٤١٥هـ. ٢ انظر الباغندي: مسند أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز طبعة مكتبة الدعوة الطبعة الأولى في ١٥/٥/١٣٩٧هـ تحقيق محمد عوامة.
[ ١ / ٨٧ ]
مسلم١، وحديث: "سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ " رواه النسائي٢.
وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ "كان يقبلها وهو صائم" رواه مسلم٣. وحديث أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وقال: "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن أعطى شيئا فلا يأخذه" رواه مسلم٤.
نماذج من فقهه وما أفتى به
لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فتاوى فقهية بحكم تضلعه من العلم، فقد كانت تعترضه مسائل فقهية يعمل فيها فكره، بالإضافة إلى استشارته العلماء من حوله وتلك المسائل كثيرة ونأخذ منها بعض الأمثلة التي تدل على مدى سعة علمه، فمنها:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٢/٤٥٣ رقم (٨٥١) . ٢ سنن النسائي ١/١٦١، ط. دار الفكر. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٧٧، برقم (١١٠٦) . ٤ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٥٣٥، رقم (١٤٠٦) .
[ ١ / ٨٨ ]
١- نهيه عن الطلاء وهو النبيذ المسكر والمتخذ من غير العنب، قال ابن عون كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام هدى يعني عمر بن عبد العزيز١.
٢- عظم الميتة نجس، فعن أم ولد عمر بن عبد العزيز قالت: "سألني عمر دهنا فأتيته به وبمشط من عظام الفيل، فرده، وقال: "هذه ميتة" قلت: وما جعله ميتة؟ قال: ويحك! من ذبح الفيل٢.
٣- ليس في العسل زكاة، كتب عمر إلى ابن حزم ألا تأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة"٣.
٤- إسقاط الجزية عن الذمي إذا أسلم قبل استحقاقها، فعن عمر بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز في الذي يسلم قبل السنة بيوم قال: لا تؤخذ منه الجزية"٤.
_________________
(١) ١ أبو نعيم: الحلية ٥/٢٥٧،وابن الجوزي سيرة عمر ص٧٤. ٢ ابن سعد: الطبقات ٥/٤٠١، وهذه مسألة خلافية قال الزهري في عظام الموتى من الفيل وغيره: "أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها لا يرون به بأسا" انظر التفصيل في البخاري مع الفتح ١/٣٤٢-٣٤٣، وفقه السنة ١/٢٤. ٣ أبو عبيد: الأموال ص١٩١. ٤ ابن سعد: الطبقات ٥/٣٥٦.
[ ١ / ٨٩ ]
وعن سويد بن حصين، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: "إذا أسلم والجزية في كفة الميزان فلا تؤخذ منه"١.
وهذه الأمثلة هي محل خلاف بين العلماء وقد رأينا من يستند فيها منعا وإباحة إلى ما قرره عمر بن عبد العزيز ﵀ لوثوقهم به وبمعرفته لترجيح الروايات والجمع بين أقوال العلماء وهناك روايات كثيرة لم نذكرها هنا إذ الغرض الإشارة إلى فقه عمر.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٥/٣٥٦، وأبو عبيد: الأموال ص٢٨.
[ ١ / ٩٠ ]
المبحث الثالث في سيرته السياسية:
ويشتمل على الآتي:
أ- ولايته على خناصرة ثم المدينة
ب- تسلمه الخلافة.
جـ- تسخيره الولاية والخلافة لخدمة السنة والعقيدة الصحيحة.
أ- ولاية عمر بن عبد العزيز على خناصرة١.
من المعلوم أن التدرب على أي عمل من الأعمال مما يؤدي إلى إتقانه، والإلمام بجوانبه، ومعرفة دقائقه، وهذا ما وفق فيه عمر بن عبد العزيز فقد كان عبد الملك ابن مروان يحبه ويؤثره أحيانًا على أولاده فبعد وفاة عبد العزيز بن مروان والد عمر ولاَّه٢ عبد الملك بن مروان خناصرة تطييبا لخاطره ولما أراد الله له من التدرب على الأعمال القيادية منذ وقت مبكر من عمره. وقد قيل: إن سليمان بن عبد الملك هو الذي ولاه على خناصرة، لكن الراجح هو القول الأول لأن المؤرخين ذكروا أن عمر بن عبد العزيز كان يلازم سليمان بن عبد الملك ملازمة تامة قال سعيد بن عبد العزيز: "كانت خلافة سليمان بن عبد الملك كأنها خلافة عمر بن عبد العزيز كان إذا أراد شيئًا قال له ما تقول يا أبا حفص؟ " ٣ ولم تشر المصادر التي اعتنت بترجمته وذكر أحواله تاريخ ولايته على خناصرة، ولا المدة التي مكث فيها ولعلها مدة قصيرة، حيث لم تحظ بعناية الذين أرخوا لعمر بن عبد العزيز وأرخوا لذلك العهد من صدر الدولة الأموية.
_________________
(١) ١ خناصرة: بليدة من أعمال حلب تحاذي قِنِّسرين نحو البادية. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ٢/٣٩٠، ط. ارصاد - ط. الثانية عام ١٩٩٥م. ٢ أبو نعيم الحلية ٥/٢٩٩، ط. دار الكتاب العربي ط. الرابعة عام ١٤٠٥هـ. ٣ المصدر السابق ٥/٣٠١، وتاريخ أبي زرعة ص٤٥.
[ ١ / ٩٣ ]
ولايته على المدينة النبوية
لا يخفى أن كل وال من الولاة يحب أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهذا ما فعله الوليد بن عبد الملك حين ولى عمر بن عبد العزيز على المدينة النبوية، وولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة من أهم أعماله قبل أن يلي الخلافة العظمى، ولأهمية الموقع الذي تمتاز به المدينة النبوية حيث كانت عاصمة الدولة الإسلامية أيام الرسول ﷺ وعهد الخلافة الراشدة فقد حرص عمر بن عبد العزيز أن يؤدي للمدينة ما تستحقه من قدسية وما يستحقها أهلها من معاملة طيبة وإيثار، وما يستحقه من أساء إلى أهلها من تأديب وهجران، وقد وُفِّق في ذلك، وسجل له أعمال فيها تذكر على مر الدهور والأزمان.
ذكر ابن سعد أن عمر بن عبد العزيز قدم واليا على المدينة في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين للهجرة، وهو ابن خمس وعشرين سنة ١. ودخل دار جده مروان، ثم بعد ما صلى الظهر دعا عشرة من الفقهاء وهم كما روى ابن سعد في الطبقات قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: "لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليا عليها كتب حاجبه الناس، ثم دخلوا فسلموا عليه، فلما صلى الظهر دعا عشرة نفر من فقهاء البلد: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٥/٣٣١.
[ ١ / ٩٤ ]
عبد الله بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا بلغني. فجزوه خيرا، وافترقوا١.
وكان حريصا على تتبع سنن رسول الله ﷺ في صلاته وفي خطبه في المواسم. روى ابن سعد بسنده أن عمر بن عبد العزيز سأل أنس بن مالك ﵁ عن خطب النبي ﷺ فقال أنس: خطب رسول الله ﷺ بمكة قبل يوم التروية بيوم، وخطب بعرفة يوم عرفة، وخطب بمنى الغد من يوم النحر والغد من يوم النفر٢. وكان عمر في صلاته حينما كان على المدينة يصلي الظهر فيطيل الأوليين منها ويخفف الآخرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل حتى قال أنس بن مالك ﵁ ما صليت وراء أحد أشبه
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٥/٣٣٤. ٢ المصدر نفسه ٥/٣٣١- ٣٣٢.
[ ١ / ٩٥ ]
صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى -يعني عمر بن عبد العزيز-١. وكان عابدًا تقيًا يصوم الاثنين والخميس٢،وكان أهم أعماله بالمدينة توسيع المسجد النبوي، وإدخال حجرة عائشة ﵂ في المسجد بأمر الوليد بن عبد الملك، وقد حرص عمر رحمه الله تعالى أن يمنع العوام من اتخاذ قبر الرسول ﷺ قبلة لهم في صلاتهم، فبنى الحجرة الشريفة بناء هندسيا محكما.
قال ابن أبي زيد القيرواني: "وعمر بن عبد العزيز هو الذي جعل مؤخر القبر محددا بركن، لئلا يستقبل قبر النبي ﷺ فيصلي إليه، جعل ذلك حين انهدم جدار البيت فصار للبيت خمسة أركان"٣.
وقال الحافظ ابن حجر: " لما وسع المسجد جعلت حجرتها - يعني عائشة ﵂- مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة"٤.
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣٢. ٢ المصدر نفسه ٥/٣٣٣. ٣ ابن أبي زيد القيرواني: كتاب الجامع ص١٤١، تحقيق محمد أبو الأجفان، وعثمان بطيخ ط. مؤسسة الرسالة ط. الثالثة عام ١٤٠٦هـ. ٤ البخاري مع الفتح ٣/٢٠٠، وانظر التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة لجمال الدين المطري ص٨٧، تحقيق سعيد عبد الفتاح ط. الأولى عام ١٤١٧هـ الناشر نزار مصطفى الباز مكة المكرمة.
[ ١ / ٩٦ ]
واتفق المؤرخون على أن نهاية مدة ولايته على المدينة كانت عام ثلاثة وتسعين١، وقد ذكروا لعزله عن المدينة روايتين.
أحدهما: أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بأن يضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير، ومن المهم إيراد نبذة يسيرة عن خبيب هذا، فهو خبيب بن عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي، الأسدي، المدني٢، روى عن أبيه وكعب الأحبار، وعائشة أم المؤمنين، وروى عنه ابنه الزبير بن خبيب، وسليمان بن عطاء، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان من أهل العلم والنسك. قال الزبير بن بكار: كان خبيب قد لقي كعب الأحبار ولقي العلماء وقرأ الكتب وكان من النساك٣.
قال الزبير: وأدركت من أصحابنا وغيرهم يذكرون أنه كان يعلم علما كثيرًا لا يعرفون وجهه ولا مذهبه فيه، يشبه ما يدعى الناس من علم النجوم.
قال عمي مصعب بن عبد الله: وحدثت عن مولى لخالته أم هاشم بنت منظور يقال له: يعلى بن عقيبة. قال: كنت أمشي معه وهو يحدث نفسه إذ وقف، ثم قال: سأل قليلا فأعطي كثيرا وسأل كثيرا فأعطي قليلا،
_________________
(١) ١ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥/١١٧، وتاريخ خليفة بن خياط ص١٩٨. ٢ المزي: تهذيب الكمال ٨/٢٢٣. ٣ المصدر السابق ٨/٢٢٤.
[ ١ / ٩٧ ]
فطعنه فأذراه فقتله ثم أقبل عليَّ فقال: قتل عمرو بن سعيد الساعة ثم مضى، فوجد ذلك اليوم الذي قتل فيه عمرو بن سعيد. وله أشباه هذا يذكرونها فالله أعلم ما هي. وكان مع ذلك عالما بقريش، وكان طويل الصلاة قليل الكلام١، قال ابن سعد في الطبقات: وكان خبيب عالما. فبلغ الوليد بن عبد الملك عنه أحاديث كرهها فكتب إلى عامله بالمدينة أن يضربه مائة سوط فضربه مائة سوط وصب عليه قربة من ماء بارد بيتت بالليل، فمكث أياما ثم مات٢، والأحاديث التي كرهها الخليفة منها ما رواه خبيب، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنه ﷺ قال: "إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثون رجلا اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا"٣.
ولا شك أنه حديث ضعيف، فبعد هذه الوقعة استعفى عمر من ولاية المدينة وامتنع من الولاية.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٨/٢٢٤. ٢ ابن سعد: الطبقات الكبرى القسم المتمم لتابعي أهل المدينة تحقيق زياد محمد منصور ص١٠٧. ٣ الحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة ٦/٥٠٧، عن أبي سعيد، وأبي هريرة قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد ذكر طرق أخرى ورد بها هذا الحديث "وهذه الطرق كلها ضعيفة. انظر ابن كثير البداية والنهاية ٤/٢٧٩.
[ ١ / ٩٨ ]
أما الرواية الثانية فهي تذكر أن عمر بن عبد العزيز كان يكره أعمال الحجاج، ويؤوي من يهرب إليه منه، فكتب الحجاج إلى الوليد يخبره بما يلقاه المخالفون له الذين يلجئون إلى عمر من إيوائه لهم، وعدم تمكين الحجاج من عقابهم، ومن هنا نجد أن الوليد بدأ يأمر عمر بأوامر يشدد عليه فيها، بقصد تجربته وطاعته، وحزمه في تنفيذ الأوامر فطلب إليه أولا أن يرسل بعثا من المدينة للجهاد فنفذ عمر هذا الطلب، ثم طلب إليه مرة أخرى أن يضرب خبيب بن عبد الله لروايته المتقدمة، ونفذ أيضا هذا الأمر ولكن يبدو أن الحجاج كان يتابع الأمر بدقة وإصرار على إزالة عمر عن المدينة فما كان من الوليد إلا أن طلبه أخيرا ليأتي إلى الشام فذهب عمر إلى الشام١.
وقد ندم عمر على ما صدر منه من ضرب خبيب، وأعتق ثلاثين عبدًا، وتصدق بصدقة كثيرة، وفرق في آل خبيب مالا عظيما، وأسف على موت خبيب أسفًا منعه من العيش سبعين ليلة حتى أشفى ٢ على التلف٣.
_________________
(١) ١ انظر تاريخ الطبري ٥/٢٥٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص٤٤. ٢ أشفى على الشيء اقترب منه انظر المعجم الوسيط ص٤٨٨ ٣ انظر أبو حفص الملاء ١/١٠٢-١٠٣، وابن الجوز ي سيرة عمر ص٤٤.
[ ١ / ٩٩ ]
ب- توليه الخلافة
كان لتولية عمر بن عبد العزيز على بعض الأماكن في الشام مثل الولاية على خناصرة ثم الولاية على المدينة ومكة بمثابة مقدمات نافعة له لما يريده الله له من حمل الخلافة فقد جعلته هذه المقدمات السابقة متمرسا لحمل الخلافة العظمى، وحتى بعد تركه للولايات لم يكن بعيدا عنها حيث كان مع سليمان بن عبد الملك كالوزير١، فكان لا يصدر إلا عن رأيه ووجد عند سليمان بن عبد الملك ميل إلى العدل وحين حضره الوفاة أشار عليه رجاء بن حيوة٢، بأن يستخلف عمر بعده فقبل ذلك لكنه رأى أنه لابد أن يجعل بعد عمر يزيد بن عبد الملك حتى لا تقع فتنة٣.
_________________
(١) ١ انظر تاريخ أبي زرعة ص٤٥. ٢ رجاء بن حيوة الإمام أبو المقدام، وأبو نصر الكندي الشامي، شيخ أهل الشام وكبير الدولة الأموية كان رجلا فاضلا كثير العلم، وهو الذي أشار على سليمان ابن عبد الملك باستخلاف عمر بن عبد العزيز. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وقد شاخ. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/١١٨. ٣ انظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٥، وابن الجوزي سيرة عمر ص٦٤، وابن سعد في الطبقات ٥/٣٣٤- ٣٣٥.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقد تمت بيعة عمر يوم موت سليمان سنة ٩٩هـ قيل في العاشر من شهر صفر وقيل في العشرين منه١. وقد خطب بعد ذلك وخير الناس في بيعته فكلهم٢ عبروا عن فرحهم بذلك.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ويقال: إنه خطب الناس، فقال في خطبته: أيها الناس إن لي نفسا تواقة، لا تعطي شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة فأعينوني عليها يرحمكم الله٣.
وقد استبشر الناس بخلافته حتى إن بعض فرق الخوارج قالوا: ما ينبغي لنا أن نخرج على هذا الرجل المستقيم٤.
وقد توسع ابن عبد الحكم وابن الجوزي وغيرهما في تفصيل كيفية تولي عمر الخلافة بإسهاب لا داعي هنا لذكره لأن الغرض هو بيان استخلافه وليس ذكر تفاصليها، وملابساتها٥.
_________________
(١) ١ انظر ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٠٦. ٢ انظر: الآجري: أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز وسيرته ص٥٦. ٣ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٠٦. ٤ ابن الجوزي سيرة عمر ص٦٧. ٥ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٣-٣٥، وابن الجوزي سيرة عمر ص٦٢-٧٢، وابن سعد الطبقات ٥/٣٣٥- ٣٤٠، وابن كثير البدابة والنهاية ٥/٢٠٣-٢٠٥.
[ ١ / ١٠١ ]
منزلة عمر بن عبد العزيز في خلافته
أجمع أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا على أن الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر، وعثمان، وعليا ﵃ أجمعين هم الخلفاء الراشدون الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي "١. وقوله ﷺ: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة"٢.
وقوله ﷺ: "ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية "٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اعتمد الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة على هذه الأدلة، واستدل بها كذلك على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه، واشتد إنكاره على من توقف، حتى قال: من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار
_________________
(١) ١ الحديث رواه أحمد في المسند ٤/١٢٦، وأبو داود رقم ٤٦٣٥، ٤/٢٠٨. وقد صححه الألباني انظر ظلال الجنة في تخريج السنة ص٢٩. ٢ أحمد في المسند ٥/٢٢٠-٢٢١، والترمذي وقال:هذا حديث حسن، ٥/٤٣٦، وأبوداود٤ /٢١١ ٣ أحمد في المسند ٣ /١٠٣ وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/١٨٨ – ١٨٩وقال رجاله ثقات وصححه الألباني في السنة لابن أبى عاصم ص ٥٢٠
[ ١ / ١٠٢ ]
أهله، ونهى عن مناكحته، وهذا المروي عن الإمام أحمد متفق عليه بين الفقهاء، وعلماء السنة، وأهل المعرفة " وهو مذهب العامة١.
وقال ابن عبد البر: الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وهم أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ٢.
وهذه النصوص المتقدمة تحصر الخلافة الراشدة في الأربعة الخلفاء بعد النبي ﷺ، لكن نجد أن بعض علماء السلف وغيرهم قد أطلقوا على عمر ابن عبد العزيز "الخليفة الراشد" أو خامس الخلفاء الراشدين، فروي عن سفيان الثوري أنه قال: الأئمة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وما سوى ذلك فهم منتزون"٣.
وعن مجاهد قال: المهادي سبعة: مضى خمسة وبقي اثنان: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز ﵃ ٤.
وقال الشافعي: "الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم٥.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٣٥/١٨-١٩. ٢ جامع بيان العلم ٢/١١٦٨. ٣ جامع بيان العلم وفضله ٢/١١٧٣، وابن الجوزي سيرة عمر ص ٧٤. ومنتزون: قال ابن فارس: نزو النون والزاي والحرف المعتل أصل صحيح يرجع إلى معنى واحد هو الوثبان والارتفاع والسمو معجم مقاييس اللغة ج ٥ ص ٤١٨ ٤ ابن الجوزي سيرة عمر ص٧٧. ٥ آداب الشافعي ومناقبه لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ص١٨٩، ط. الثانية عام ١٤١٣هـ تحقيق عبد الغني عبد الخالق الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.
[ ١ / ١٠٣ ]
وقال ابن كثير: وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل، وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وذكره غير واحد في الأئمة الاثني عشر الذين جاء فيهم الحديث الصحيح: "لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يكون فيهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش"١، ٢.
هذا بعض كلامهم والواقع أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إمام هدى، ولا يمكن أن يقارن بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لما تقدم من الأحاديث، ولعل منهج حكمه شبيه بمنهج الخلفاء الراشدين، ومن هذا الجانب أطلق الأئمة من السلف تشبيهه بالخلفاء الراشدين.
روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه سئل عن عمر بن عبد العزيز هل هو من أهل الجنة فتوقف، وقال: عمر بن عبد العزيز إمام هدى، أو قال: رجل صالح٣.
_________________
(١) ١ الحديث رواه مسلم ٤/٥٢٠- ٥٢٢، برقم (١٨٢١) . ٢ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٢٤. ٣ ابن رشد الجد: البيان والتحصيل ١/٤٧٩.
[ ١ / ١٠٤ ]
وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن قول سفيان الثوري أئمة العدل خمسة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز فقال: هذا باطل - يعني ما ادعي على سفيان - ثم قال: أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاربهم أحد١.
وقال الذهبي: كان عمر بن عبد العزيز إماما، فقيها، مجتهدا، عارفا بالسنن يعد في حسن السيرة، والقيام بالقسط مع جده لأمه عمر "٢،
وقد يكون مستند من عدَّه مع الخلفاء الراشدين ما ذكره البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن حبيب بن سالم٣، عن النعمان بن بشير أن أبا ثعلبة سأله عن حديث رسول الله ﷺ في الأمراء، وكان حذيفة بن اليمان قاعدا معهم، فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله ﷺ "إنكم في النبوة تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء، ثم تكون جبرية تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. قال: فقدم عمر - يعني
_________________
(١) ١ الخلال: في السنة ٢/٤٣٦. ٢ انظر: الذهبي تذكرة الحفاظ ١/١١٨-١١٩. ٣ حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير وكاتبه لا بأس به. تقريب التهذيب ص١٥١.
[ ١ / ١٠٥ ]
عمر بن عبد العزيز - ومعه يزيد بن النعمان فكتبت إليه أذكره الحديث، وكتبت إليه: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين بعد الجبرية، قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسُرَّ به وأعجبه١.
أو لعل العلماء الذين عدوه مع الخلفاء الراشدين إنما يقصدون أنه خليفة راشد في حسن السيرة والقيام بالعدل، كما ذكر ذلك الذهبي في كلامه المتقدم. ومن المعلوم أن الصحابة لا يمكن أن يقاربهم أحد، من غيرهم فضلا عن أن يعَدَّ منهم.
روى أبو بكر الخلال بسنده إلى الإمام أحمد أنه سئل: من أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ قال: من رأى رسول الله ﷺ، وقال رسول الله ﷺ: "خير الناس قرني"٢،٣.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة وأحوال صاحب الشريعة لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ٦/٤٩١، تحقيق عبد المعطي قلعجي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤٠٥هـ. ٢ البخاري مع الفتح ٧/٣، حديث رقم ٣٦٤٩. ٣ الخلال: في السنة ١/٤٣٤-٤٣٥ تحقيق الدكتور عطية الزهراني ط. دار الراية ط. الثانية عام ١٩٩٤م ١٤١٥هـ.
[ ١ / ١٠٦ ]
وروى بسنده أن الأعمش ذُكِرَ له عمر بن عبد العزيز وعدله فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟! قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله١.
ولا شك أن الخلفاء الراشدين هم أفضل الصحابة ولا يمكن أن يلحق شأوهم في العدل في الحكم والإصابة فيه من جاء بعدهم، مهما بلغ من العدل، فالصحيح أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى "قد جاء إلى أمر مظلم فأناره، وإلى سنن قد أميتت فأحياها، ولم يخف في الله لومة لائم، ولا خاف في الله أحدا، فأحيا سننا قد أميتت وشرع شرائع قد درست رحمه الله تعالى"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عمر بن عبد العزيز إنه: "قد أحيا السنة وأمات البدعة، ونشر العدل، وقمع الظلمة من أهل بيته وغيرهم، ورد المظالم التي كان الحجاج بن يوسف وغيره ظلموها للمسلمين، وقمع أهل البدع كالذين كانوا يسبون عليا، وكالخوارج الذين كانوا يكفرون عليا، وعثمان، ومن والاهما،
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/٤٣٧. ٢ انظر المصدر السابق ١/٨٨.
[ ١ / ١٠٧ ]
وكالقدرية مثل غيلان القدري وغيره، وكالشيعة الذين كانوا يثيرون الفتنة بعلمه ودينه وعدله"١.
ج- تسخيره الولاية والخلافة لخدمة السنة والعقيدة الصحيحة
قد سبق أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى تولى إمارة المدينة عدة سنوات ثم أتته الخلافة، وقد وظف هذه الولاية والخلافة لخدمة السنة أحسن توظيف، ففي اليوم الأول من ولايته على المدينة كوَّن عشرة من العلماء الأبرار يحيطون به، وحدد لهم مهام مجلسهم قائلا "ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم" ٢، أما حين تولى الخلافة فقد كتب إلى عماله رسائل طويلة تتجلى فيها روح الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، والتمسك بالسنة في أسلوب الترغيب والترهيب، كما بين بغيته في الخلافة ومنهجه فيها فقال:
"سنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، ليس لأحدٍ تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصربها فهو منصور،
_________________
(١) ١ سؤال في يزيد بن معاوية ص١٤، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد. ٢ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣٤.
[ ١ / ١٠٨ ]
ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاَّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" ١.
فعمر كما اتضح من هذا الأثر سيأخذ بسنن رسول الله ﷺ كلها وسنن خلفائه الراشدين المهديين من بعده، ويوضح كيفية اتباع السنة في خطبه، فيخطب قائلا: "أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بقاض، وإنما أنا منفذ لله، ولست بمبتدع ولكني متبع "٢.
فهو متبع حريص على الاتباع، ولكن سنة من؟ سنة رسول الله ﷺ وخلفائه من بعده، وهذا هو الميزان الحقيقي لاتباع الكتاب والسنة.
ولا شك أن المقصود بالولاية والخلافة إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم٣، ولذا بين في خطبه أنه متبع وليس مبتدعا، متبع للكتاب المنزل المحكم على الرسول ﷺ الذي نسخت شريعته كل الشرائع، فما أحل الله في هذه الشريعة فهو
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠. ٢ المصدر السابق ص٤٠. ٣ انظر مجموع الفتاوى ٢٨/٢٦٢.
[ ١ / ١٠٩ ]
حلال إلى يوم القيامة، وما حرم في هذه الشريعة فهو حرام إلى يوم الدين، ولم يكتف عمر بهذه الخطب البليغة وإنما عقّب ذلك برسائل جامعة يبين فيها تمسكه بالسنة، وحث عماله عليها.
قال ابن عبد الحكم: ولما ولى عمر بن عبد العزيز كتب: أما بعد: "فإني أوصيكم بتقوى لله ولزوم كتابه والاقتداء بسنة نبيه وهديه، فإن الله قد بين ما تأتون، وما تتقون، وأعذر إليكم في الوصية، وأخذ عليكم الحجة حين أنزل عليكم كتابه الحفيظ الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١، قال: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢، وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، فأقيموا فرائضه، واتبعوا سننه، واعملوا بمحكمه، واصبروا أنفسكم عليه، وآمنوا بمتشابهه، فإن الله علمكم ما علمكم، وأولكم يومئذ أقل الناس شوكة، وأوهنه قوة، وأشده فرقة، وأحقره عند من سواهم من الناس مَحْقِرةً، ليس لهم من الله حظ في الهدى
_________________
(١) ١ الآية ٤٢، من سورة فصلت. ٢ الآية ١٠٥ من سورة الإسراء. ٣ الآية ٥٢ من سورة الأعراف.
[ ١ / ١١٠ ]
يرجعون به إليه، مع أن الدنيا ومواضع أموالها وعددها وجماعتها ونكايتها في غيرهم، حتى أراد الله إكرامهم بكتابه ونبيه بعث إليهم محمدًا ﷺ عبد الله ورسوله بالحق بشيرًا، يبشر بالخير الذي لا خير مثله، وينذر الشر الذي لا شر مثله وأخَّره الله لذلك في القرون وسماه على لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا، وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١، فأخر الله ذلك لمحمد ﷺ حين بعثه رحمة للعالمين ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ٢، وأحكم الله في كتابه ما رضي من الأمور، فما جعل من ذلك حلالًا فهو حلال إلى يوم القيامة وما جعل من ذلك حرامًا فهو حرامٌ إلى يوم القيامة. وعلمه سنته ففهمها وعمل بها بين ظَهْرَي أمته، فصلى الصلوات لوقتها كما أمره الله، وعلم مواقيتها التي وقتها الله له فإنه قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ
_________________
(١) ١ الآية ٨١، من سورة آل عمران. ٢ الآية ٤٦ من سورة الأحزاب.
[ ١ / ١١١ ]
اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ١، ودلوك الشمس ميلها بعد نصف النهار، فلما نعت الله في هذه الآية وقت صلاة الظهر والعصر، والمغرب، ثم قال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ ٢، وصلاة العشاء صلاة العتمة، فهذه الصلوات قد جمعها القرآن وبينها محمد ﷺ، ثم فرض رسول الله ﷺ الزكاة على أمر الله في العين والحرث، والماشية وبين مواضع ذلك فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٣، حتى استقامت سنتها في الأخذ حين تؤخذ، وفي القسمة حين تقسم، فعمل بها المسلمون في جزيرة العرب، حتى علموها أو كلّ ذي عقل منهم.
ثم غزا رسول الله ﷺ بنفسه غير مرة، وأغزى الجيوش والسرايا، يقسم إذا كان حاضرًا، ويأمر من تولىَّ أمر جيوشه وسراياه بالذي أمر الله به من
_________________
(١) ١ الآية ٧٨ من سورة الإسراء. ٢ الآية ٥٨ من سورة النور. ٣ الآية ٦٠ من سورة التوبة.
[ ١ / ١١٢ ]
قسم ما أفاء الله عليه وعليهم، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، ثم أمره الله في الحج بما أمره فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٢، ثم أفاء الله على رسوله محمد ﷺ أموال قرى لم يوجَف عليها خيل ولا ركاب، فقال فيها لتكون سنة فيما يفتح الله من القرى بعدها: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣، وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى
_________________
(١) ١ الآية ٤١ من سورة الأنفال. ٢ الآيات ٢٧-٢٨- ٢٩ من سورة الحج. ٣ الآية ٦ من سورة الحشر.
[ ١ / ١١٣ ]
رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١، ثم سمى في هؤلاء الآيات الذي للمسلمين فليس لأحد منهم قسم إلا وهو في هذه الآيات فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٢، وأهل هذه الآية من خرج من بلاده مهاجرا إلى المدينة وليس فيهم الأنصار ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣، وأهل هذه الآية من كان بالمدينة من الأنصار، فإن هجرة رسول الله ﷺ كانت إليهم ثم قال في الآية الثالثة وهي التي جمعت حظ
_________________
(١) ١ الآية رقم ٧ من سورة الحشر. ٢ الآية رقم ٨ من سورة الحشر. ٣ الآية ٧و٨ من سورة الحشر.
[ ١ / ١١٤ ]
من بقي من المسلمين بعد هذين الصنفين الأوَّلين في الإسلام وقسم المال ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١، فهم جماعة من بقي من أهل الإسلام ومن هو داخل فيه بعد الهجرة الأولى حتى تنقضي الدنيا، ففي الذي علمكم الله من كتابه، والذي سن رسول الله ﷺ من السنن التي لم تدع شيئًا من دينكم ولا دنياكم نعمة عظيمة وحق واجب في شكر الله، كما هداكم وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فليس لأحدٍ في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ أمر ولا رأي إلا إنفاذه، والمجاهدة عليه. وأما ما حدث من الأمور التي تبتلى الأئمة بها مما لم يحكمه القرآن ولا سنة النبي ﷺ فإن والي أمر المسلمين وإمام عامتهم، لا يُقَّدم فيها بين يديه، ولا يُقضى فيها دونه، وعلى من دونه رفعُ ذلك إليه، والتسليم لما قضى.
وقد أحببت في كتابي هذا أن تعرفوا الحال التي كنتم عليها قبل نزول كتاب الله وسنة نبيه من الضلالة، والعمى، وضَنك المعيشة، والذي أبدلكم الله من الكرامة والنصر والعافية، والجماعة، وسلب لكم مما كان في يد غيركم مما لم تكونوا لتسلبوه بقوتكم لو وكلكم إلى أنفسكم، كان
_________________
(١) ١ الآية ٩و ١٠ من سورة الحشر.
[ ١ / ١١٥ ]
قد شرط ذلك للمؤمنين، وأعطاهم إياه إذ شرط عليهم شرطه، فقد وفاكم الله ما شرط لكم وهو آخذكم بما اشترط عليكم. قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١، فقد أنجز الله لكم وعده فأنجزوا دين الله في رقابكم أن يكفر كافر بنعمة الله، أو ينسى بلاءه، فيجده على الله هينًا ويطول خلوده فيما لا طاقة له به.
ثم إني أحببت أن يعلم من كان جاهلًا من أمري والذي أنا عليه مما لم أكن أريد به المنطق في يومي هذا، حتى رأيت أن المنطق ببعضه هو أقرب إلى الصلاح في عاجل الأمر وآجله للذي قد أفضى إلي من هذا الأمر وأنا أعلم من كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ، وما سلف عليه أمر الأئمة بين يدي علما من الله علَّمنيه من لم يكن له شغل عنه، وقد كان شغلي والذي كتب الله أن ابتلى به عاملا منه بما عملت، أو قاصرا منه على ما قصرت، فما كان من خير عَلِمْته فبتعليم الله ودلالته، وإلى الله أرغب في بركته، وما كان عندي من غير ذلك من داء الذنوب، فأسأل الله العظيم تجاوزه
_________________
(١) ١ الآية ٥٥ من سورة النور.
[ ١ / ١١٦ ]
عني بمغفرته. فلعمري ما ازددت علمًا بالولاية إلا ازددت لها مخافة، ومنها وجلًا، ولها إعظاما حتى قدر الله لي منها وقدر عليَّ ما قدر، فأنا أشد ما كنت لها استثقالا. ثم أحسن الله حميد أعواني، وعاقبتي، وعاقبة من ولاني أمره، فأصلح أمرهم، وجمع كلمتهم، وبسط علي من نعمه وعليهم ما لم يكن دعائي ولا دعاؤهم ليبلغه، عند الله به ثوابي، وعنده به جزائي من صلاح عامتهم، وأداء حقوقهم إليهم، والعفو عن ذي الذنب منهم.
وقد أعطاني من ذلك وله الحمد في عاجل الدنيا، وجماعة من الشمل وصلاح ذات البين، وسعةٍ في الرزق، ونصر على الأعداء، وكفاية حسنة، حتى أغنى لأهل كل ذي جانب من المسلمين جانبهم، ووسَّع عليهم الرزق. ولا يرى أهل كل ناحية إلا أنهم أفضل قسمًا مما بسط الله لهم من رزقه ونعمه من أهل الناحية الأخرى. فإن تعرفوا نعمة الله عليكم، وتشكروا فضله فأحرص بي على ذلك. وأحبب به إلي. قد يعلم الله كيف دعائي بذلك وكيف حرصي عليه، علانية، وإن يجهل ذلك جاهل أو يقصر عنه رأيه، فإن الذي حرصت عليه أن أحملكم عليه من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ هو حجتي في الدنيا، وبغيتي فيما بعد الموت، ولا تلبسوا ذلك بغيره. وإياكم أن يتشبه في أنفسكم ما حملتكم عليه من كتاب الله وسنة نبيه. وأما ما سوى ذلك من الأمور التي من رأي الناس فإني - لعمري - لولا أن أعمل فيكم ما وليت أمركم، وإن تعملوا به ما نفست الذي أنا فيه من الدنيا علي، أبغض الناس إلي رجل واحد إذا
[ ١ / ١١٧ ]
حجزه الله على ديني أن يفتنني١،ولا كنت أرى المنزل الذي أتى به لمن عسى أن يعمل بغير كتاب الله وسنة نبيه غبطة ولا كرامة، ولا رفعة، ولا الدنيا وما فيها، فمن كان سائلًا عن الذي في نفسي، وعن بغيتي في أمر أمة محمد ﷺ، فإن الذي في نفسي وبغيتي منه والحمد لله رب العالمين أن تتبعوا كتاب الله وسنة نبيه، وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد، ومن عمل بغيرهما فلا كرامة ولا رفعة له في الدنيا والأخرى، وليعلم من عسى أن يُذكر له ذلك أن لعمري أن تموت نفسي أول نفس أحبُّ إلي من أن أحملهم على غير اتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم التي عاش عليهما من عاش، وتوفاه الله عليها حين توفاه، إلا أن يأتي علي من ذلك أمر وأنا حريص على اتباعه، وإن أهون الناس علي تلفًا وحزنًا لمن عسى أن يريد خلاف شيء من تلك السنة، وذلك الأمر الذي رفعنا ونحن بمنزلة الوضيعة، وأكرمنا ونحن بمنزلة الهوان، وأعزنا ونحن بمنزلة الذل، معاذ الله من أن نستبدل بذلك غيره، ومعاذ الله من أن نتقي أحدًا، فإذا تكلمتم في مجالسكم، أو ناجى الرجل أخاه، فليذكر هذا الأمر الذي حضضتكم عليه من إحياء كتاب الله وسنة نبيه، وترك ما خالف ذلك، فإنه ليس بعد الحق إلا الباطل، ولا بعد البصر إلا العمى، وليحذر قوم الضلالة بعد الهدى،
_________________
(١) ١ قال محقق كتاب سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم لما جاء ذكر هذه العبارة: "هذه الجملة والتي قبلها مضطربتان في النسختين، وما اهتديت إلى وجه الصواب فيهما، وربما كان بعض الكلمات قد سقط من الأصل". ص٨٤ حاشية رقم ٨.
[ ١ / ١١٨ ]
والعمى بعد البصر، فإنه قال لقوم صالح: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١، اتبعوا ما تؤمرون به، واجتنبوا ما تنهون عنه، ولا يعرِّض أحدكم بنفسه، فإنه ليس لي في دنياكم والحمد لله رغبة، لا في ما في يديَّ منها، ولا ما في أيديكم، وليس عندي مع ذلك صبر على انتقاص شيء من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولا استبقاء لمن خالف، والحمد لله ولا نعمة عين، ولعمري إن من يعمل ذلك منكم لحقيق أن يظن بامرئ لا حاجة له في دنياكم، ولا صبر له على زيغكم عن دينكم، ولجاجتِكم فيما لا خير لكم فيه أنه جرأ على هراقة دم من انتقص كتاب الله، أو زاغ عن دينه، وسنة نبيه محمد ﷺ.
هذا نحو من الذي قبلي، قد بينته لكم، ولعمري لتخلصن جماعتكم أيها الجند وخياركم مما يكره من الأمور، ولتتبعن أحسن ما توعظون به إن شاء الله. أسأل الله برحمته وسعة فضله، أن يزيد المهتدي هدى، وأن يراجع بالمسيء التوبة في عافية منه، وأن يحكم على من أراد خلاف كتابه وسنة نبيه ﵊ بحكم يغلب به في خاصته، ويعجله له، فإنه على ذلك
_________________
(١) ١ الآية ١٧ من سورة فصلت.
[ ١ / ١١٩ ]
قادر، وأنا إليه فيه راغب، ويحسن عاقبة العامة، ولا يعذبنا بذنب المسيء، والسلام عليكم ورحمة الله"١.
هذا فيما يخص رعيته يبين لهم شدة تمسكه بالسنة وحضه إياهم على التمسك بها وحملهم على اتباع ما فيها، ونهيهم عن اتباع ما خالفها، وهذه الرسالة من عمر إلى العمال بعد توليه الخلافة تعتبر بمثابة خطة يرسمها لعماله مبينا لهم المعالم الرئيسة التي تحدد علاقته بهم وهي اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، وقد بين في هذه الرسالة تمسكه بالعقيدة الصحيحة الصافية، حيث أوصى رعيته بلزوم الكتاب والاقتداء بسنة النبي ﷺ وهديه، وقد حدد لهم ما في نفسه وبغيته وهو أن يتبعوا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأن يجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد.
وقد وضع نصب عينيه كتاب الله - وهو الخليفة العالم - فأحل حلاله وحرم حرامه، ونفذ أوامره، واجتنب نواهيه، وزواجره، واتخذ سنة رسول الله ﷺ منار هداية ونور إرشاد إلى بيان آيات الكتاب.
وقد كان يكتب إلى عماله ويأمرهم بالأخذ بالسنة في الأحكام، ويقول: "إن لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم الله"٢، فروى أبو الحسن محمد
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٥-٧٢، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٨٤- ٢٩٠ باختلاف ألفاظ. ٢ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٣٢.
[ ١ / ١٢٠ ]
ابن الفيض الغساني قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن جدي قال: لما ولاَّني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها، فوجدتها من أكثر البلاد سرقا ونقبا، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلاد، وأسأله أن آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة، أم آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة؟ فكتب إلىَّ أن آخذ الناس بالبينة، وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله.
قال يحيى: ففعلت ذلك، فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد، وأقلها سرقا ونقبا١.
وكان - رحمه الله تعالى - يرجح التحقيق العادل المبني على السنة على التحقيق الصارم الذي ابتدعه الولاة عند تغير الناس. فقد كتب إليه عامله عدي بن أرطأة يستأذنه في تعذيب من اقتطعوا من مال الله، فقال: "من عدي بن أرطأة أما بعد: أصلح الله أمير المؤمنين، فإن قبلي أناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله ﷿ مالا عظيما، لست أرجو استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب، فإن رأى أمير المؤمنين- أصلحه الله - أن يأذن لي في ذلك أفعل".
_________________
(١) ١ كتاب: أخبار وحكايات لأبي الفيض الغساني ص٣١، تحقيق إبراهيم صالح ط. دار البشائر ط. الأولى عام ١٩٩٤م، وابن الجوزي سيرة عمر بن عبد العزيز ص١٢١-١٢٢.
[ ١ / ١٢١ ]
قال: فأجابه:
"أما بعد: فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب الله، وكان رضائي عنك ينجيك من سخط الله ﷿.
فانظر من قامت عليه بينة عدول، فخذه بما قامت عليه به البينة، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به. وأيم الله لأن يلقوا الله ﷿ بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم والسلام"١.
وكان رحمه الله تعالى يستشير أهل السنة في شؤون الدين والدنيا ويأمر عماله أن ينشروا العلم فكتب إليهم: "أما بعد: فأمر أهل العلم أن ينشروه في مساجدهم، فإن السنة كانت قد أميت٢.
وأحب أن يكون عماله من أهل الصلاح والقرآن فكتب إلى عماله:
"إياكم أن تستعملوا على شيء من أعمالنا إلا أهل القرآن. فكتبوا إليه يا أمير المؤمنين، إنا استعملنا أهل القرآن فوجدناهم خونة، فكتب لهم: إياكم أن يبلغني عنكم أنكم استعملتم على شيء من أعمالنا إلا أهل
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٠٥- ١٠٦، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٣. ٢ المصدر السابق ص١١٧.
[ ١ / ١٢٢ ]
القرآن، فإنه إن لم يكن عند أهل القرآن خير فغيرهم أحرى بأن لا يكون عندهم خير١.
وكان يتجنب الإصلاح بالظلم، فروى ابن عبد الحكم أن عمر قال: "من لم يصلحه إلا الغشم فلا يصلح، والله لا أصلح الناس لهلاك ديني"٢.
وكان يستشير الحسن البصري في كل ما يشكل عليه فروى أبو عبيد القاسم بن سلام أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن يسأله: ما بال من مضى من الأئمة قبلنا أقروا المجوس على نكاح الأمهات والبنات؟ - وذكر أشياء من أمرهم قد سماها - قال: فكتب إليه الحسن: "أما بعد: فإنما أنت متبع ولست بمبتدع. والسلام"٣.
وقد كتب إلى الحسن يسأله عن صفات الإمام العادل فأجابه الحسن ببيان صفات الإمام العادل في رسالة بليغة٤.
كما كان يستشير الزهري في أموره كلها ومنها أمره للزهري بتدوين السنة كما تقدم، وأمره أن يكتب له مواضع الصدقة٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٢٤ يعني ابن الجوزي. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٢٤. ٣ الأموال لأبي عبيد ص٤١. ٤ انظر الرسالة في العقد الفريد لابن عبد ربه ١/٥٠-٥٢، ط. دار الكتاب العربي تحقيق أحمد أمين وإبراهيم الأبياري وعبد السلام هارون. ٥ أبو عبيد: الأموال ص٥٧٣.
[ ١ / ١٢٣ ]
ومن الجدير ذكره أنه قد كتب إلى عامله بالمدينة أن اكتب إليَّ بما ثبت عندك عن رسول الله ﷺ وحديث عمرة١.
وكتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يطلب منه أن يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب، وقضائه في أهل القبلة وأهل العهد٢.
وكان عمر رحمه الله تعالى ينتقى من يأخذ عنه السنة فروى الفسوي قال: حدثنا بندار عن عبد الرحمن "ابن مهدي" عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: اكتب لي حديث عمرة، وكان عمر بن عبد العزيز يسألها٣. وذلك لاختصاص عمرة بأحاديث عائشة ﵂ واختصاص عائشة ﵂ بمعرفة أحوال رسول الله ﷺ.
ومن اجتهاده رحمه الله تعالى لرفع السنة وأهلها، وقمع البدع، ومن يروجها مناظراته مع غيلان الدمشقي٤الضال الذي كان ينكر القدر ويقول بأن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد إلا بعد عملهم إياها، وقد اهتم
_________________
(١) ١ أحمد بن حنبل: العلل ١/٧٨.وعمرة هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية أكثرت عن عائشة ﵂ ثقة ماتت قبل المائة وقيل بعدها انظر تقريب التهذيب ص٧٥٠. ٢ الآجري: أخبار أبي حفص ص٧٠. ٣ الفسوي: المعرفة والتاريخ ٢/١٠٨، ومحمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة. ٤ انظر ترجمة غيلان في مبحث الرد على القدرية من هذا البحث.
[ ١ / ١٢٤ ]
ببيان أمر القدر وبيان أركانه، كما بين لعماله أهمية اتباع السنة في هذا الباب، ورد على الذين كتبوا إليه برد علم الله السابق برسالة بليغة وستأتي في الآثار، وكان يستشير العلماء في أمر القدرية ويكتب إلى عماله بحبسهم وضربهم، وقطع ألسنتهم، وقد تبع السنة في معاملة الخوارج حيث كتب إليهم كما كان يفعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ثم ناظرهم وحاربهم، وحين غلب عليهم لم يغنم أموالهم، ولم يقتل جريحهم، وأسيرهم، ومن استعماله الولاية والخلافة في خدمة السنة ما كتبه إلى عماله في النهى عن المنكر والأمر بالمعروف، وكتابه إليهم في اتباع أوامر القرآن وطاعة الله ودعوة الناس إلى الإسلام وبيان مواضع الخمس، والصدقات، والنهي عن الطلاء، وتوحيد المكاييل والموازين، وبيان حكم العشور، والخراج، والجزية، وتحريم المكس، كما كتب إليهم مبينا لهم كيفية العدالة في الحكم، وكيفية تأديب الجاهل، وأمرهم بأن لا يتأثروا بمن حولهم من السفهاء إذا طبقوا السنة، فكان عمر رحمه الله تعالى القدوة في كل ما أمر به. لأنه كان عالما برعيته، عادلًا في قضيته، عاريا من الكبر، متحريا للصواب، رفيقا بالضعيف، غير محاب للقريب ولا جاف للغريب.
[ ١ / ١٢٥ ]
قال ابن عبد الحكم: كتب عمر بن عبد العزيز إلى العمال: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العمال: أما بعد: فإن الله بعث محمدا ﷺ ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١. وإن دين الله الذي بعث به محمدا ﷺ كتابه الذي أنزل عليه أن يطاع الله فيه، ويتبع أمره ويجتنب ما نهى عنه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه. ويحل حلاله ويحرم حرامه، ويعترف بحقه ويحكم بما أنزل فيه، فمن اتبع هدى الله اهتدى ومن صد عنه ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٢.
وإن من طاعة الله التي أنزل في كتابه: أن يدعو الناس إلى الإسلام كافة، وأن يفتح لأهل الإسلام باب الهجرة، وأن توضع الصدقات والأخماس على قضاء الله وفرائضه، وأن يبتغي الناس بأموالهم في البر والبحر لا يمنعون ولا يحبسون.
وأما الإسلام فإن الله بعث محمدا ﷺ إلى الناس كافة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٣. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) ١ التوبة الآية ٣٣. ٢ سورة المائدة ١٢، والممتحنة الآية ١. ٣ سبأ الآية ٢٨.
[ ١ / ١٢٦ ]
إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١. وقال ﵎ فيما يأمر به المؤمنين من شأن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ ٢. فهذا قضاؤه وحكمه، فاتباعه لله طاعة، وتركه معصية لله، فادع إلى الإسلام وأمر به فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. فمن أسلم من نصراني أو يهودي، أو مجوسي من أهل الجزية فخالط عمَّ المسلمين وفارق داره التي كان بها فإن له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه غير أن أرضه وداره إنما هي من فيء الله على المسلمين عامة، ولو كانوا أسلموا عليها قبل أن يفتح الله للمسلمين كانت لهم ولكنها فيء الله على المسلمين عامة.
وأما من كان محاربا فليُدْعَ إلى الإسلام قبل أن يقاتل فإن أسلم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وله ما أسلم عليه من أهل أو مال.
وإن كان من أهل الكتاب فأعطى الجزية وأمسك بيديه فإنا نقبل ذلك منه.
_________________
(١) ١ الأعراف الآية ١٥٨. ٢ التوبة الآية ١١. ٣ فصلت الآية ٣٣.
[ ١ / ١٢٧ ]
وأما الهجرة فإنا نفتحها لمن هاجر من أعرابي فباع ماشيته في الهجرة، وانتقل من دار أعرابيته إلى دار الهجرة، وإلى قتال عدونا، فمن فعل ذلك فله أسوة المهاجرين فيما أفاء الله عليهم، وإن الله نعت المؤمنين عند ذكر الفيء فجعله للفقراء والمهاجرين ﴿الَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ ١. والذين جاءوا من بعدهم ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم﴾ ٢، وقد كان المهاجرون يجاهدون على غير عطاء ولا رزق يجرى عليهم فيوسع الله عليهم، ويعظم الفتح لهم ولمن تأسى بهم، وعمل بصالح سنتهم ممن يحبون من إخوانهم ليوجبن الله له الأجر في الآخرة، وليعظمن له الفتح في الدنيا.
وأما الصدقات فإن الله ﵎ فرضها وسمى أهلها حين طعن فيها أناس وبلغوا فيها تهمة نبيهم فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ٣، فقال الله ﵎ عند ذلك: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ
_________________
(١) ١ الحشر الآية ٩. ٢ الجمعة الآية ٣. ٣ التوبة الآية ٥٨.
[ ١ / ١٢٨ ]
قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١، فبين رسول الله ﷺ صدقة الأموال: الحرث، والمواشي، والذهب، والورق، فتؤخذ الصدقات كما بين رسول الله ﷺ وفرض، لا يظلمون ولا يتعدى عليهم ولا يحابي بها قريب ولا يمنعها أهلها، ثم تجعل إلى مرضيين من أهل الإسلام فيجعلونها حيث أمرهم الله، يحملهم الإمام من ذلك على ما حمل وينزه نفسه من ذلك من أمر قد أكثر فيها على الأئمة.
وأما الخمس فإن من مضى من الأئمة اختلفوا في موضعه، فطعن في ذلك طاعن من الناس وأكثر فيه، ووضع مواضع شتى فنظرنا فإذا هو على سهام الفيء في كتاب الله لم تخالف واحدة من الاثنتين الأخرى، فإذا عمر ابن الخطاب ﵀ قد قضى في الفيء قضاء قد رضي به المسلمون، فرض للناس أعطية وأرزاقا جارية لهم، ورأى أن لن يبلغ بتلك الأبواب ما جمع من ذلك، ورأى أن فيه لليتيم والمسكين وابن السبيل، فرأى أن يلحق الخمس بالفيء وأن يوضع مواضعه التي سمى الله وفرض، ولم يفعل ذلك إلا ليتنزه منه وخيفة التوهم فيه، فاقتدوا بإمام عادل فإن الآيتين
_________________
(١) ١ التوبة الآية ٦٠.
[ ١ / ١٢٩ ]
متفقتان، آية الفيء وآية الخمس، فإن الله قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١.
وكذلك فرض الله الخمس، فنرى أن يجمعا فيجعلا فيئا للمسلمين، ولا يستأثر عليهم ولا يكون ﴿دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُم﴾ ٢.
ونرى أن الحمى يباح للمسلمين عامة، وقد كانت تحمى فتجعل فيها نِعَمُ الصدقات. فيكون في ذلك قوة ونفع لأهل فرائض الصدقات، وأدخل فيها وطعن فيها طاعن من الناس فنرى في ترك حماها والتنزه عنها خيرا إذا كان ذلك من أمرها، وإنما الإمام فيها كرجل من المسلمين، إنما هو الغيث ينزله الله لعباده فهم فيه سواء.
ثم إن الطلاء لا خير فيه للمسلمين، إنما هو الخمر يكنى باسم الطلاء قد جعل الله عنه مندوحة وأشربة كثيرة طيبة، وقد علمت أن ناسا يقولون: قد أحله عمر ﵁ وشربه ناس ممن مضى من خيارنا، وإن عمر إنما أتي منه بشراب طبخ حتى خثر، فقال حين أتى به: أطلاء هذا؟ يعني به طلاء الإبل، فلما ذاقه قال: لا بأس بهذا فأدخل الناس فيه بعد عمر. أما من شربه من صالحيكم فإنهم شربوه قبل أن يتخذ مسكرًا وقد قال رسول
_________________
(١) ١ الحشر الآية ٧. ٢ الحشر الآية ٧.
[ ١ / ١٣٠ ]
الله ﷺ: "حرامٌ كل مسكر على كل مؤمن" ١، فلا أرى أن يتخذ الفاجر البارَّ دلسة، ونرى أن يتنزه المسلمون عنه عامة، وأن يحرموه فإنه من أجمع الأبواب للخطايا وأخوفها عندي أن تصيب المسلمين منه جائحة تعمهم.
وأما البحر فإنا نرى سبيله سبيل البر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢، فأذن فيه أن يتجر فيه من شاء، وأرى أن لا نحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البر والبحر لله جميعا سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله فكيف نحول بين عباد الله وبين معايشهم؟
ثم إن المكيال والميزان نرى فيهما أمورا علم من يأتيها أنها ظلم إنه ليس في المكيال زيغ إلا من تطفيف ولا في الميزان فضل إلا من بخس، فنرى أن تمام مكيال الأرض وميزانها أن يكون واحدا في جميع الأرض كلها.
وأما العشور فنرى أن توضع إلا عن أهل الحرث، فإن أهل الحرث يؤخذون بذلك وإنما أهل الجزية ثلاثة نفر: صاحب أرض يعطي جزيته
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجة في سننه (٢/١١٤٢/رقم٣٣٨٩) من حديث معاوية ﵁ وضعفه الألباني بهذا اللفظ في ضعيف سنن ابن ماجة ص٢٧٤. ٢ الجاثية الآية ١١.
[ ١ / ١٣١ ]
منها، وصانع يخرج جزيته من كسبه، وتاجر يتصرف بماله يعطي جزيته من ذلك وإنما سنتهم واحدة.
فأما المسلمون فإنما عليهم صدقات أموالهم، إذا أدوها في بيت المال كتبت لهم بها البراءة فليس عليهم في عامهم ذلك في أموالهم تباعة.
وأما المكس فإنه البخس الذي نهى الله عنه فقال: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١، غير أنهم كنوه باسم آخر.
ونرى أن لا يتجر إمام، ولا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه فإن الأمير متى يتجر يستأثر، ويصيب أمورا فيها عنت وإن حرص على أن لا يفعل.
ونرى أن لا يباع عمارة الأرض، فإنما يشترى المشتري لنفسه ويقطع لنفسه، فإنما يصيب من ذلك خراب الأرض وظلم أهلها، وأما من كان من عرب أهل الأرض في غير أرضه وجزيته جارية عليه في أرضه، فليس عليه إلا ذلك وعامل أرضه أولى بتبعته.
ونرى أن توضع السخر عن أهل الأرض فإن غايتها أمور يدخل فيها الظلم. ونرى أن ترد المزارع لما جعلت له، فإنما جعلت لأرزاق المسلمين عامة، فإن أمر العامة هو أفضل للنفع وأعظم للبركة.
_________________
(١) ١ سورة هود الآية ٨٥، والشعراء الآية ١٨٣.
[ ١ / ١٣٢ ]
ثم إن مواريث أهل الأرض إنما هي لأوليائهم أو لأهل أرضهم الذين يخرجون الخراج فنرى أن لا يؤخذ منهم شيء إلا أن يكون عاملا فيبعثه الإمام في عمله بالذي يرى عليه من الحق. والسلام عليك١.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأجناد ينصحهم ويبين لهم كيفية تأديب الجهال والعدالة في العقوبة، وعدم التأثر بمن حولهم وأمرهم بالإخلاص لله وحده فقال:
من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى أمراء الأجناد، أما بعد:
"فإنه من بُلي بالسلطان تحضره مكاره كثيرة، وبلايا عظام، إن أغبته يوما فهي حرية أن تحضره في اليوم الآخر، وإنه ليس أحد بأشغل عن نفسه ولا أكثر تعرضا لزيغ من ولي السلطان إلا ما عافى الله ورحم، فاتق الله ما استطعت واذكر منزلك الذي أنت به والذي حملت، فقاتل هواك كما تقاتل عدوك، واصبر نفسك٢ عندما كرهت ابتغاء ما عند الله من حسن ثوابه الذي وعد المتقون فيما بعد الموت،والذي وعدكم على التقوى والصبر من النجاة في عاجل الأمر وآجله.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ٧٨-٨٣، وأبو حفص الملاء ١/٢٧٢-٢٧٧ باختلاف ألفاظ. ٢ لم يتبين لي المعنى ولعل فيه سقطا.
[ ١ / ١٣٣ ]
فإذا حضرك الخصم الجاهل الخرق ممن قدر الله أن يوليك أمره، وأن تبتلى به فرأيت منه سوء رعة١، وسوء سيرة في الحق عليه، والحظ له فسدده ما استطعت وبصره وارفق به وعلمه، فإن اهتدى وأبصر وعلم، كانت نعمة من الله وفضلا، وإن هو لم يبصر ولم يعلم كانت حجة اتخذت بها عليه، فإن رأيت أنه أتى ذنبا استحل فيه عقوبة فلا تعاقبه بغضب من نفسك عليه، ولكن عاقبه وأنت تتحرى الحق في قدر ذنبه بالغا ما بلغ، وإن لم يبلغ ذلك إلا قدر جلدة واحدة تجلده إياها، وإن كان ذنبه فوق ذلك ورأيت عليه من العقوبة في ذلك قتلا فما دونه فأرجعه إلى السجن، ولا يسرعن بك إلى عقوبته حضور من يحضرك، فإنه - لعمري - ربما عاقب الإمام لمحضر جلسائه ولتأديب أهل بلده ولتغامزهم به، وما من إمام له جلساء إلا سيكون ذلك فيهم وما من قوم يسمعون بقضاء إمام إلا سيختلفون فيه على أهوائهم، إلا من رحم الله فإن من رحم الله لا يختلفون في قضاء فإنه قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سوء رعة: الرعاع السفلة من الناس. انظر المصباح المنير ص٨٨. ٢ سورة هود الآية ١١٩.
[ ١ / ١٣٤ ]
وإن استجهلت فتثبت، وإذا نظر إليك ممن حولك ما أنت فاعل بسفيه من رعيتك إن سفه، وأخطأ حظه فاعمد في ذلك للذي ترى أنه أبرّ وأتقى وخير لك غدا فيما بعد الموت، ولا يطربك نظرهم إليك ولا حديثهم، فإنه لا يبقى في أنفسهم حديث أحبوه ولا كرهوه إلا قليلا إلا أبدوه.
فاغتنم كل يوم أخرجك الله فيه سالما، وكل ليلة مضت عليك وأنت فيها كذلك، وأكثر دعاء الله بالعافية لنفسك ولمن ولاك الله أمره، فإن لك في صلاحهم ما ليس لأحد منهم، ولا تبتغ منهم جزاء خير أحسنته إليهم ولا بتسديد سددتهم، ولا تطلب بعمل صالح عملته فيهم جزاء ولا ثوابا ولا مدحة، ولا حظوة، وليكن ذلك لمن لا يعطي الخير ولا يصرف السوء غيره - يعني الله ﷿ - ثم تعاهد صاحب بابك وصاحب حرسك، وعاملك المقيم عندك، والذي تبعث، فلا يعملون في شيء مما تحت يديك بغشم ولا بظلم، وأكثر المسألة عنهم، فمن كان منهم محسنا نفعه ذلك ومن كان منهم مسيئا استبدلت به من هو خير منه.
نسأل الله ربنا برحمته وقدرته على خلقه أن يغفر لنا ذنوبنا وأن ييسر لنا أمورنا، وأن يشرح لنا صدورنا بالبر والتقوى، والعمل فيما يحب ويرضى، وأن يعصمنا من المكاره كلها، وأن يجعلنا من الذين لا يريدون
[ ١ / ١٣٥ ]
علوا في الأرض ولا فسادا، ومن المتقين الذين لهم العاقبة والسلام عليكم ورحمة الله١.
وكتب إلى بعض عماله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان سبب عدم القيام بهما، فقال:
"أما بعد: فإنه لم يظهر المنكر في قوم قط ثم لم ينههم أهل الصلاح منهم إلا أصابهم الله بعذاب من عنده أو بأيدي من يشاء من عباده.
ولا يزال الناس معصومين من العقوبات والنقمات ما قمع فيهم أهل الباطل واستخفي فيهم بالمحارم فلم يظهر من أحد محرّم إلا انتقموا ممن فعله، فإذا ظهرت فيهم المحارم فلم ينههم أهل الصلاح نزلت العقوبات من السماء إلى الأرض (على أهل المعاصي وعلى المداهنين لهم) ولعل أهل الإدهان أن يهلكوا معهم وإن كانوا مخالفين لهم، فإني لم أسمع الله ﵎ فيما نزل من كتابه عند مُثلة أهلك بها أحدا نجى أحدا من أولئك إلا أن يكونوا الناهين عن المنكر، ويسلط الله على أهل تلك المحارم إن هو لم يصبهم بعذاب من عنده أو بأيدي من يشاء من عباده من الخوف والذل، والنقم، فإنه ربما انتقم بالفاجر من الفاجر، وبالظلم من الظالم، ثم صار كلا الفريقين بأعمالهم إلى النار، فنعوذ بالله أن يجعلنا ظالمين أو يجعلنا
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ٦٨- ٧٠، وأبو حفص الملاء ١/٢٦٨-٢٧٠ باختلاف ألفاظ وجزء منه لابن الجوزي سيرة عمر ص١١٨ باختلاف كذلك.
[ ١ / ١٣٦ ]
مداهنين للظالمين. وإنه قد بلغني أنه قد كثر الفجور فيكم، وأمن الفساق في مدائنكم، وجاهروا من المحارم بأمر لا يحب الله من فعله ولا يرضى المداهنة عليه، كان لا يظهر مثله في علانية قوم يرجون لله وقارا، ويخافون منه غِيرًا وهم الأعزون الأكثرون من أهل الفجور، وليس بذلك مضى أمر سلفكم ولا بذلك تمت نعمة الله عليهم، بل كانوا ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار﴾ ١ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ٢، ولعمري إن من الجهاد في سبيل الله الغلظة على أهل محارم الله بالأيدي والألسن والمجاهدة لهم فيه، وإن كانوا الآباء، والأبناء، والعشائر وإنما سبيل الله طاعته.
وقد بلغني أنه بطَّأ بكثير من الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتقاء التلاوم أن يقال: فلان حسن الخلق قليل التكلف، مقبل على نفسه، وما يجعل الله أولئك أحاسنكم أخلاقا بل أولئك أسوأكم أخلاقا.
وما أقبل على نفسه من كان كذلك بل أدبر عنها ولا سلم من الكلفة لها بل وقع فيها: إذ رضي لنفسه من الحال غير ما أمره الله أن يكون عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية ٢٩. ٢ سورة المائدة، الآية ٥٤.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقد ذلت ألسنة كثير من الناس بآية وضعوها في غير موضعها وتأولوا فيها قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١. وصدق الله ﵎، ولا يضرنا ضلالة من ضل إذا اهتدينا ولا ينفعنا هدى من اهتدى إذا ضللنا ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢. وإن ما على أنفسنا وأنفس أولئك مما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يظهروا محرما إلا انتقموا ممن فعله منهم من كنتم ومن كانوا.
وقول من قال: إن لنا في أنفسنا شغلا، ولسنا من الناس في شيء. ولو أن أهل طاعة الله رجع رأيهم إلى ذلك ما عمل لله بطاعة، ولا تناهوا له عن معصية، ولقهر المبطلون المحقين. فصار الناس كالأنعم أو أضل سبيلا. فتسطلوا على الفساق من كنتم ومن كانوا فادفعوا بحقكم باطلهم وببصركم عماهم، فإن الله جعل للأبرار على الفجار سلطانًا مبينا، وإن لم يكونوا ولاة ولا أئمة.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ١٠٥. ٢ سورة الأنعام الآية ١٦٤، والإسراء الآية ١٥، وفاطر الآية ١٨، والزمر الآية ٧.
[ ١ / ١٣٨ ]
ومن ضعف عن ذلك باليد أو اللسان فليرفعه إلى إمامه، فإن ذلك من التعاون على البر والتقوى، قال الله لأهل المعاصي: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ١. ولينتهين الفجار أو ليهيننهم الله بما قال: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٢،٣.
فهذه كتبه المتتابعة التي كتبها إلى عماله يظهر عند كل واحدة منها لونا من كتابات هذا الخليفة العظيم.
فالأول كتاب يظهر فيه صفة الحاكم المنفذ للشرع، والخليفة العادل.
والثاني كتاب يظهر فيه صفة الحاكم الموجه، والمؤدب لعماله، والناصح لهم في أعمالهم وما يجابهون من مشاكل الحكم وتحمل التبعة، وكيف تخدم السنة.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآيتان ٤٥، ٤٦. ٢ سورة الأحزاب، الآية ٦٠. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٣٧- ١٤٠، وأبو حفص الملاء ١/٢٩٤-٢٩٧. وانظر قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبد العزيز لمحمد صدقي البورنو ص ٥٨٥-٥٨٧.
[ ١ / ١٣٩ ]
وأما الكتاب الثالث فهو يبين الخليفة المعلم الداعي إلى الخير والآمر بالمعروف، والقائم بالحجة، الذي له خبرة بأحوال الناس ودوافعهم، وبعلمه يبطل حججهم وبورعه يحذرهم، وينذرهم، وبسلطانه يتوعدهم ويهددهم١. مسخرا الولاية والخلافة لخدمة السنة وأهلها. وقد كان رحمه الله تعالى في ولايته على المدينة النبوية يؤدب أهل الفسق والمجون.
فروى ابن عبد البر عن أسامة بن زيد الليثي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسًا يجزون كل شين الهيئة في شعره لم يفرقه٢.
وكان ﵀ شديدا في حكمه، فكان يؤدب كل من يظهر بمظاهر لا تليق بالإسلام فإذا وجد رجلا يصفف جمته جلده وحلقه٣.
ولم يكن عمر بن عبد العزيز يعجب بالغناء فلذا أمر حين تولى الخلافة بنفي الأحوص إلى دهلك٤، واستمر هناك طوال خلافة عمر.
_________________
(١) ١ انظر قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبد العزيز لمحمد صدقي البورنو ص٢٩٧. ٢ ابن عبد البر: التمهيد ٦/١٧. ٣ الأغاني ١٤/١٦٥ ٤ الأحوص هو عبد الله بن محمد شاعر من الأوس ولد حوالي سنة ٤٠ وتوفى حوالي ١٠٥ الأغاني ج٤ ص ٢٢٤ ودهلك جزيرة في بحر القلزم بينها وبين بر اليمن نحو ثلاثين ميلا. انظر معجم البلدان ٢/٤٩٢.
[ ١ / ١٤٠ ]
ومن خدمته للسنة وتوظيفه الخلافة لخدمتها ما كتبه إلى عماله من النهي عن الحلف، والعصبية القبلية البغيضة، قال ابن عبد الحكم:"كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله حين سمع بأن بعض رعيته يتداعون إلى الحلف فقال: "أما بعد، فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كرم عليه من خلقه، لا يقبل الله دينا غيره، كرَّمه بما أنزل من كتابه الذي فرق به بين الإسلام وبين ما سواه، فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، وقال: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢، فبعث الله محمدًا ﷺ حين بعثه، وأنزل عليه الكتاب حين أنزله، وأنتم معشر العرب فيما قد علمتم من الضلالة والجهالة والجهد، وضنك العيش وتفرُّق الدار، والفتن بينكم عامة، والناس لكم حاقرون مستأثرون عليكم بالدين، وليس من ضلالتهم من شيء إلا وأنتم على مثله، من عاش منكم عاش فيما ذكرت من الجهل والضلالة، ومن مات منكم مات إلى النار. حتى أخذ الله بنواصيكم عما
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآيتان ١٥و١٦. ٢ سورة الإسراء الآية ١٠٥.
[ ١ / ١٤١ ]
كنتم فيه من عبادة الأوثان والتقاطع والتدابر وسوء ذات البين، فأنكر منكركم، وكذَّب مكذبكم، ونبي الله ﵊ يدعو إلى كتاب الله وإلى الإسلام، ثم أسلم معه قليل مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم وأيدهم بنصره، وزرقهم الله من أذن له بالإسلام، والدنيا مقبوضة عنه، والله منجزٌ لرسوله موعوده الذي ليس له خلف، فيراه من يراه بعيدا إلا قليلا من المؤمنين فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١، وقال في بعض ما يعده والمسلمين أن قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ٢، فأنجز الله لنبيه عليه والصلاة والسلام وأهل الإسلام موعودهم الذي وعدهم، فلم يعطكم الله يا أهل الإسلام ما أعطاكم من ذلك إلا بهذا الذي تفلجون به على خصمكم، وبه تقومون شهداء يوم القيامة، ليس لكم نجاة غيره، ولا حجة ولا حرزٌ ولا منعة في الدنيا والآخرة، فإذا أعطاكم الله منه أحسن يوم وعدتموه فارجوا ثواب الله فيما بعد الموت، فإن الله قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية ٣٣، والصف الآية ٩. ٢ سورة النور الآية ٥٥.
[ ١ / ١٤٢ ]
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١، وإني أحذركم هذا القرآن وتباعته فإن تباعته وشروطه قد أصابكم منها أيتها الأمة وقائع من هراقة دماء وخراب ديار، وتفرق جماعات، فانظروا ما زجركم الله عنه في كتابه فازدجروا عنه، فإن أحق ما خيف وعيد الله بقول أو بعمل أو غير ذلك، فإن كان بقول في أمر الله فنعما له، وإن كان بقول في غير ذلك فإنما يُفضي إلى سبيل هلكة، ثم إن ما هاجني على كتابي هذا أمر ذكر لي عن رجال من أهل البادية، ورجال أمروا حديثا، ظاهر جفاؤهم، قليل علمهم بأمر الله اغتروا فيه بالله غرة عظيمة، ونسوا فيه بلاءه نسيانا عظيمًا، وغيَّروا فيه نعمه تغييرًا لم يكن يصلُح لهم أن يبلغوه، وذُكر لي أن رجالًا من أولئك يتحاربون إلى مضر وإلى اليمن، يزعمون أنهم ولاية على من سواهم، وسبحان الله وبحمده ما أبعدهم من شكر نعمة الله، وأقربهم من كل مهلكة مذلة وصُغُر، قاتلهم الله أيةَ منزلةٍ نزلوا، ومن أي أمان خرجوا، أو بأي أمر لصقوا، ولكن قد عرفت أن الشقي بنيته يشقى، وأن النار لم تخلق باطلا، أولم يسمعوا إلى قول الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
_________________
(١) ١ سورة القصص الآية ٨٣. ٢ سورة الحجرات الآية ١٠.
[ ١ / ١٤٣ ]
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ١، وقد ذكر لي مع ذلك أن رجالا يتداعون إلى الحلف، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الحلف وقال: "لا حِلف في الإسلام". قال: "وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة"٢.
فكان يرجوا أحدا من الفريقين حفظ حلفه الفاجر الآثم الذي فيه معصية الله ومعصية رسوله، وقد ترك الإسلام حين انخلع منه وأنا أحذر كل من سمع كتابي هذا، ومن بلغه أن يتخذ غير الإسلام حصنًا، أو دون الله ودون رسوله ودون المؤمنين وليجة، تحذيرًا بعد تحذير، وأذكرهم تذكيرًا بعد تذكير، وأشهد عليهم الذي هو آخذ بناصية كل دابة، والذي هو أقرب إلى كل عبد من حبل الوريد، وإني لم آلُكم بالذي كتبت به إليكم نصحًا، مع أني لو أعلم أن أحدًا من الناس يحرّك شيئا ليؤخذ له به، أو ليدفع عنه، أحرص - والله المستعان - على مذلته من كان: رجلًا أو عشيرة أو قبيلة أو أكثر من ذلك، فادع إلى نصيحتي وما تقدمت إليكم به، فإنه هو الرشد ليس له خفاء، ثم ليكون أهل البر وأهل الإيمان عونًا
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية ٣. ٢ الحديث رواه مسلم برقم ٢٥٣٠ ج ٦ص ٦٥
[ ١ / ١٤٤ ]
بألسنتهم، وإن كثيرًا من الناس لا يعلمون. نسأل الله أن يخلف فيما بيننا بخير خلافة في ديننا وأُلفتنا وذات بيننا والسلام١.
ولما سمع بأن نساءً من أهل السفه يقمن بالنياحة على موتاهن، وتحقق في هذا الأمر، كتب إلى عامله في تلك الجهة ما يأتي:
أما بعد فإنه ذُكر لي أن نساءً من أهل السفة، والجفاء يخرجن (إلى الأسواق) عند موت الميت، ناشراتٍ رؤوسهن يَنُحن نياحة أهل الجاهلية، ولعمري ما رُخِّص للنساء في وضع خُمْرِهِنّ مذ أُمرن أن يضربن بهن على جيوبهن، فانْه عن هذه النياحة نهيا شديدًا، وتقدم إلى صاحب شرطكم فلا يقِرُّ نوحا في دار ولا طريق فإن الله قد أمر المؤمنين عند مصائبهم بخير الأمرين في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢ ٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٣، وأبو حفص الملاء ١/٢٨٠-٢٨٣ باختلاف ألفاظ. ٢ الآيتان ١٥٦-١٥٧ من سورة البقرة. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٣-٩٤. وابن سعد في الطبقات ٥/٣٩٣، وأبو حفص الملاء ١/١٨٣
[ ١ / ١٤٥ ]
المبحث الرابع: أخلاقه رحمه الله تعالى
أ- الزهد:
إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى رجل توَّاق لا ينال شيئًا إلا تاق إلى ما هو أشرف وأعلى مما ناله، فلما وصل إلى الخلافة وهي أعلى منصب دنيوي على الإطلاق تاقت نفسه إلى الآخرة، والعمل بالعدل، فوظَّف الخلافة لنيل سعادة الآخرة، ولا شك أن سلعة الله ﵎ سلعة غالية لا تنال بالتمني وإنما تنال بالأعمال الصالحة الموافقة لما جاء به نبينا محمد ﷺ فالتزم أخلاقا فاضلة منها: الزهد، والورع، والتواضع.
والزهد في الدنيا هي الصفة التي اشتهر بها نظرا للمحيط الذي كان يعيش فيه، والأشخاص الذين عاصرهم، ولا شك أن الزهد المبني على الكتاب والسنة زهد مشروع مرغب فيه، وهو ترك ما لا ينفع في الآخرة١، ومن المعلوم أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قد بذل ما بوسعه لترك كل أمر لا ينفعه في آخرته فلم يفرح بموجود وهي الخلافة، ولم يحزن على مفقود كما في وفاة ابنه البار عبد الملك أحب الناس إليه، وهذا هو تطبيق نص الآية الكريمة قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
_________________
(١) ١ الفوائد لابن القيم ١١٨، ومدارج السالكين ٢/١٢.
[ ١ / ١٤٦ ]
وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ١، ولقد شهد له غيره بالزهد في الدنيا، لأن خير الزهد المشروع أن يترك الإنسان ما هو قادر على تحصيله من متاع الدنيا انشغالا بما هو خير في الآخرة ورغبة فيما عند الله ﷿.
قال مالك بن دينار: "الناس يقولون: مالك بن دينار زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها"٢.
ولقد وصف أحد الذين كتبوا عن عمر في العصر الحديث حاله تلك فقال: "إن عمر بن عبد العزيز قد عفّ عن مال المسلمين مع قدرته على استغلاله وإنفاقه كما يشاء، ولم يكن هناك من يستطيع أن يقول له: لم فعلت ذلك؟ وقد منع نفسه عن التمتع بلذائذ الحياة من عيشة هنية رضية، ومتاع دنيوي، وشهوات مباحة، أو غير مباحة لو أرادها لسعت إليه دون أن يسعى لها، ولأكل أطيب الطعام، ولشرب أفضل الشراب، وللبس ألين وأثمن الثياب، ولركب أفره الدواب، ولتزوج وتسرى أجمل وأحلى، وأشرف النساء والجواري، وكل ذلك تحت يديه ورهن إشارته لو أراد٣، وقد كان قبل خلافته يأخذ حظه من متاع الدنيا المباح، ولكن لما تولى
_________________
(١) ١ سورة الحديد الآية ٢٣. ٢ انظر: حلية الأولياء ٥/٢٥٧، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٥٥. ٣ انظر: قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبد العزيز ص١٤٥، د: محمد صدقي البورنوط مكتبة المعارف الرياض ط. الأولى عام ١٤١٣هـ.
[ ١ / ١٤٧ ]
الخلافة كتب إلى عماله أما بعد: فإن هذا الأمر الذي ولاني الله لو كنت إنما أصبحت ورغبتي فيه مطعم، أو ملبس، أو مركب، أو اتخاذ أزواج، أو اعتقاد أموال لكنت قد بلغ الله بي من ذلك قبل ما ولاني من أفضل ما بلغ بعباده. ولكن أصبحت له خائفا، أعلم أن فيه أمرا عظيما وحسابا شديدا، ومسألة لطيفة عند مجاهدة الخصوم بين يدي الله إلا ما عافى الله ورحم ودفع "١.
قال ابن عبد الحكم: "ولما ولي عمر بن عبد العزيز زهد في الدنيا، ورفض ما كان فيه وترك ألوان الطعام فكان إذا صنع له طعام هيئ على شيء، وغطي، حتى إذا دخل اجتذبه فأكل"٢.
فإذا لا يهمه من الأكل إلا أنه يسد جوعه ويقيم صلبه، ولكن كم كانت نفقته وعياله في اليوم؟ قال سلم بن زياد: "كان عمر ينفق على أهله في غدائه وعشائه كل يوم درهمين"٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨١-٨٢، وأبو حفص الملاَّء ١/١٤٢، وابن سعد الطبقات ٥/٣٨٠، والطبري في التاريخ ٥/٣١٩، وأبو نعيم الحلية ٥/٣١٢. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٣. ٣ المصدر السابق ص٣٨.
[ ١ / ١٤٨ ]
فلعله رحمه الله تعالى كان يتأول ما ورد عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البُرّ ثلاث ليال تباعا" ١.
والواقع أن الزهد الشرعي لا يذم صاحبه، وهذا بخلاف الزهد الذي ابتدعه غلاة الصوفية وغيرهم بحيث لم يلتزموا بحدود الزهد المرغب فيه وهو التوسط في تناول المباحات التي أحلها الله، وأما ما يصل إلى حد الإسراف فهذا منهي عنه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٢، فمن أسرف في تناول كل ما يحلو له فقد جانب الزهد المرغب فيه، ومن بالغ في تقتيره على نفسه بحيث امتنع عن تناول الطيبات، والمباحات بقصد الزهد فقد جانب الصواب أيضا، فإن الرسول الله ﷺ قال في رده على الثلاثة الذين سألوا عن عمله فتقالوها، فأوجب كل واحد منهم على نفسه تحريم شيء من المباحات، فلما علم ﷺ بقولهم غضب، وأخبر بأنه يتزوج النساء، ويصوم ويفطر، ويأكل اللحم. ونصوص أخرى كلها تدل على أن الشخص ينبغي عليه أن يكون معتدلا وسطا في مطعمه وملبسه، وكل شئونه، وما روى عن عمر ﵀
_________________
(١) ١ رواه البخاري برقم٥٤١٦ ومسلم برقم٢٩٧٢. ٢ الآية ٦٧ من سورة الفرقان.
[ ١ / ١٤٩ ]
تعالى من الزهد فإنه يحمل على الزهد المرغب فيه الذي لا إفراط ولا تفريط فيه. فلم يزد في مأكله ما يكفيه لقوته فكان غداؤه وعشاؤه صفحة غليظة فيها خبز قد كسر وصب عليه ماء وملح وزيت، هذا في وقت الصباح. أما في العشاء فنفس القصعة فيها ثريد عدس وبصل، وقد اعتذر خادم عمر من خشونة هذا الطعام، فقال: "لو كان لعمر عشاء غيره لعشاكم منه وما فطره إلا على مثل هذا"١.
وكما زهد عمر في طعامه فكذلك زهد في لباسه فاقتصر على ما يدفع الحر والبرد، ويستر العورة، ولم يكن لباسه لباس شهرة، وقد كان ﷺ يلبس الخشن من الثياب وقد روى عن أبي بردة، قال: أخرجت إلينا عائشة ﵂ كساء ملبد أو إزارًا غليظا وقالت: "قبض رسول الله ﷺ في هذين"٢.
وقد ذُكر أن عمر بن عبد العزيز - بعد خلافته - كان لا يلبس إلا الخشن من الثياب، يحكى رياح بن عبيدة - وكان تاجرا - قال: كنت أتَّجِر فقال لي عمر بن عبد العزيز: "يا رياح اتخذ لي كساءين خزا أتخذ أحدهما محبسا، والآخر شعارا". قال: ففعلت فصنعتهما بالبصرة فلم آل ثم قدمت بهما، فأمر بقبضهما فلما أصبح غدوت عليه فقال لي: "يارياح ما
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٣٥. ٢ مسلم ٥/٢٤٧-٢٤٨ برقم ٢٠٨٠. الملبد الذي ثخن وسطه.
[ ١ / ١٥٠ ]
أجود ثوبيك لولا خشونة فيهما". وكان هذا قبل أن يلي الخلافة، فلما وُلّي قال لي: "يا رياح اتخذ لي من هذه الجباب الهروية عامل قطن فيهن صفر. قال: فاشتريت له ثلاث شقق فقطعت من الثلاث جبتين خشنتين ثم أتيت بهما إليه فقبضهما، فقال لي: "يا رياح ما أجود ثوبيك لولا لين فيهما". فقال رياح: فذكرت قوله الأول وقوله الآخر١.
ويُحكى كذلك أنه أخّر الجمعة يوما عن وقتها الذي كان يصلى فيه فيقال له: أخرت الجمعة اليوم عن وقتها؟ فيقول: "إن الغلام ذهب بالثوب يغسلها فحبس بها". فعرفنا أنه ليس له غيرها.
ويحكى أيضا أنه لم يعد يلبس من الثياب إلا المرقوع حسب ما يرويه سعيد بن سويد: أن عمر بن عبد العزيز صلى بهم الجمعة، وعليه قميص مرقوع الجيب، من بين يديه ومن خلفه فلما فرغ جلس وجلسنا معه، قال: فقال له رجل من القوم، يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست وصنعت. فنكس مليا حتى عرفنا أن ذلك قد ساءه ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند المقدرة٢.
_________________
(١) ١ انظر أبو نعيم في الحلية ٥/٣٢٥، وابن عبد ربه العقد الفريد٤/٤٣٤، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٤٨. ٢ ابن سعد الطبقات ٥/٤٢. وسعيد بن سويد قال البخاري: لا يتابع في حديثه. ميزان الاعتدال ٢/١٤٥.
[ ١ / ١٥١ ]
فعمر رحمه الله تعالى كان زاهدا عن الدنيا حسب الروايات التي سبقت، رغبة فيما عند الله واستهانة بأمر الدنيا لأنها زائلة، وربما يريد من وراء ذلك حثَّ غيره من أهل بيته وعماله على الرغبة عن الدنيا، لأن الرغبة الشديدة فيها قد تؤدي إلى قسوة القلوب، وتبعدها عن تذكر الفقراء والمحتاجين، ولا حرج على المسلم أن يلبس أيّ لباس شاء مما يتناسب معه وهو ما أمر به الرسول ﷺ وفعله، فعن أبي الأحوص عن أبيه قال: دخلت على رسول الله ﷺ فرآني سيء الهيئة فقال: "هل لك من شيء" قال: "نعم من كلٍّ قد آتاني الله". فقال: "إذا كان لك مال فليُرَ عليك"١.
وكان ﵊ يلبس الحلة الجميلة، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: "ما رأيت أحدا من الناس أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ "٢.
ولم يسكن رحمه الله تعالى القصور الشاهقة المفروشة بأنواع المفارش الوثيرة، وإنما كان قدوته وقائده سيد الخلق أجمعين محمد ﷺ الذي لم يضع
_________________
(١) ١ سنن النسائي ٤/١٩٦. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٣/١٠٧٢، ط. المكتب الإسلامي. ٢ الشمائل المحمدية للترمذي ص٣٦، تعليق وإشراف عزت عبيد الدعاس ط. دار الحديث بيروت. الطبعة الثالثة عام ١٤٠٨هـ.
[ ١ / ١٥٢ ]
لبنة على لبنة حتى خرج من الدنيا، وهكذا كان عمر في خلافته رحمه الله تعالى، فقد كانت لعمر مرقاتان يرقى من صحن داره إلى مقر بيته عليهما، فانقلعت إحدى المرقاتين، فأتاها رجل من أهل بيته فأصلحها كراهية أن يشق على عمر، فلما جاء عمر ونظر إليها قال: "من صنع هذا؟ قالوا: فلان. قال: علي به. فلما جاء قال: "ويحك يا فلان أنفست على عمر أن يخرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة؟ والله لولا أن يكون فساد بعد إصلاح لغيرتها إلى ما كانت عليه"١.
وحتى هذه الدار المذكورة إنما ورثها عن والده عبد العزيز بن مروان، وهي الملاصقة للجامع الأموي، ويبدو أنها كانت دارا متواضعة بدليل أن المصادر لم تذكر وصفا لها لكونها كباقي بيوت العامة في ذلك الوقت، ولو أنها كانت أكثر من ذلك لحظيت بوصف المؤرخين لها.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ١٣٦، وانظر عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم ص٥٩، وذكر أبو حفص الملاء أن لعمر بيتا متواضعا يسكن فيه في دير سمعان انظر: أبو حفص الملاء ١/٣٩٤.
[ ١ / ١٥٣ ]
وقد ظل عمر في منزله هذا بعد أن أفضت الخلافة إليه إلا أنه بدلا من زيادة طنافسه وستوره، ورياشه جرده من كل ما فيه منها وحتى ثيابه وعطره باعها، ووضع ثمنها في بيت المال١.
ومن زهده رحمه الله تعالى ترك مظاهر البذْخ والإسراف التي سادت قبله، فكان أول ما أنكره الناس منه أنه لما غُسل سليمان بن عبد الملك وكُفن، وصلي عليه ودُفن، أتي بمراكب الخلافة وهي البراذين، والخيل، وكان لكل دابة سائس فقال عمر: ما هذه؟ فقالوا له: مراكب الخلافة لم تركب من قبل، يركبها الخليفة عند ما يلي، فقال عمر: "ما لي ولها نَحُّوها عني، بغلتي أوفق لي". فأتوه بدابته فركبها، وقفل راجعا بعد ما أمر مزاحما مولاه بضم تلك المراكب والسرادقات والحجر التي لم يجلس فيها أحد قط، والتي جرت العادة أن تضرب للخليفة - أول ما يولَّى- إلى بيت المال٢.
_________________
(١) ١ انظر تهذيب الاسماء واللغات ١/٣٠٧، وابن عبد الحكم ص١٢٤، وابن عساكر مجلد ١٠ ورقة ١٩٤/أ، وانظر عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم ص٥٨، وابن كثير البداية والنهاية ٥/٦٢. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٣، وابن كثير البداية والنهاية ٥/١٩٨.
[ ١ / ١٥٤ ]
ثم أمر بستور دار الخلافة فهتكت وبالبسط فرفعت وأمر ببيعها وأدخل أثمانها في بيت مال المسلمين١، وهكذا فعل بالجواري والعبيد حيث رد الجواري إلى أصحابهن إن كن من اللاتي أخذن بغير حق، ووزع العبيد على العميان وذوي العاهات، وحارب كل مظاهر الترف والبذخ، والإسراف.
ولم يكن عمر ﵀ يسعى هذا السعي الحثيث طلبا للجاه والمنزلة والشهرة وإنما كان يطلب من وراء ذلك كله مرضاة الله ﷿ فقد زهد في الخلافة، فحينما بويع قام على الناس٢ خطيبا فقال:
"أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٢٤، وأبو حفص الملاء ١/١٤٢-١٤٣، وابن سعد الطبقات ٥/٣٤١-٣٤٢. ٢ سبق أن ذكرنا أن عمر كان يقول: إن لي نفسا تواقة ومن ضمنها رغبته في الخلافة وهذه الرغبة يظهر أنها كانت موجودة لديه قبل أن تتحقق له الوصول إلى الخلافة فلما رأى الجد في توليها أحسّ بثقل وعبء القيام بحملها فخير الناس. ٣ الآجري: أخبار أبي حفص ص٥٦.
[ ١ / ١٥٥ ]
فصاح الناس صيحة واحدة، قد اخترناك يا أمير المؤمنين فَلِ أمرنا باليمن والبركة١.
وأما ما قيل عن زهده بالنسبة للنكاح٢ فقد روى ابن عبد الحكم فقال: "وقالت فاطمة زوجته ما اغتسل من جنابة منذ ولي حتى لقي الله غير ثلاث مرات، ويقال: ما اغتسل من جنابة حتى مات"٣. فعلى فرض صحة هذه الرواية عن فاطمة زوجته فإنها تتحدث عما حدث لها معه بعد الخلافة وقد كان لعمر زوجات ثلاث غيرها ذكرناهن فيما سبق، فتَوُجَّهُ هذه الرواية على ما علمته فاطمة عنه ﵀، ولاشك أن الزواج مرغب فيه فإن الرسول ﷺ حث القادرين على الزواج بالتزوج فقال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"٤، وقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " ٥، وعاب ﷺ الذين يتركون النكاح وهم قادرون عليه وبين أن ذلك من الرهبانية المذمومة
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٥٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص٥٨، وابن كثير ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٠٢. ٢ قد يطلق النكاح ويراد به الجماع فلعله زهد عنه لانشغاله بأمور الخلافة والله أعلم. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٥٠. ٤ سنن النسائي ٣/٦٦، ط. دار الفكر عام ١٩٣٠م وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٣٨٦، وقال حسن صحيح. ٥ البخاري مع الفتح ٩/١٠٦رقم (٥١٦٥) .
[ ١ / ١٥٦ ]
التي نهينا عنها١، وعلاوة على هذا فإنه قد ورد عن فاطمة نفسها رواية أخرى ذكرها الفسوي بسنده عن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع القرشي: أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك وقال لها: ألا تخبريني عن عمر؟ فقالت: ما أعلم أنه اغتسل من جنابة، ولا من احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه٢، فصرحت في هذه الرواية على ما علمته منه، فقط ولا يمنعه من أن يتمتع بغيرها من نسائه البواقي، بل قد صرحت بأنه قد اغتسل ثلاث مرات حسب علمها، ومن المعلوم أن عمر بن عبد العزيز من أشد الناس حبا للسنة وتطبيقا لها، والزواج من سنة النبي ﷺ، فيستبعد منه ﵀ أن يترك السنة ويمنع نفسه من المباح الذي أحله الله له، ولا داعي في رأيي لما قام به بعض الباحثين٣ من دفاع عن عمر فيما يخص الرواية السابقة، فإن ترك الزواج وتحريم ذلك لا علاقة له بالزهد الإسلامي الذي جاء به رسولنا محمد ﷺ، وهو دخيل على المجتمع المسلم، وهو مما تفتخر به بعض الفرق المنحرفة عن الإسلام وتدعي أنه من الزهد الإسلامي، ولهم في ذلك حكايات لا يشك من تأملها أنها لا تمت إلى الإسلام بصلة، فمن ذلك أن
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ٩/١٠٤رقم (٥١٦٣) . ٢ الفسوي المعرفة والتاريخ ١/٥٨٤. ٣ انظر قدوة الحكام المصلحين عمر بن عبد العزيز ص١٣٨.
[ ١ / ١٥٧ ]
أحدهم تزوج امرأة فبقيت عنده على الزهد ثلاثين سنة وهي بكر١، كما أن آخر منهم تزوج أربعمائة امرأة ولم يجامع واحدة منهن٢، وآخر تزوج ابنة شيخه فمكثت عنده ثماني عشرة سنة لا يقربها حياءً من والدها، ومات عنها وهي بكر٣.
ولهم في ذلك وصايا عجيبة، وتوجيهات غريبة، فمن أقوالهم:
- من ترك النساء والطعام فلا بد له من ظهور كرامة.
- من تزوج فقد أدخل الدنيا بيته فاحذروا من التزويج.
- لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، وأولاده كأنهم أيتام، ويأوي إلى منازل الكلاب.
- من تعود أفخاذ النساء لا يفلح.
- من تزوج فقد ركن إلى الدنيا ٤.
إلى غير ذلك كثير.
وهذا المفهوم أيضا يخالف الإسلام ومثله باعتباره دين توسط واعتدال، فقد قال النبي ﷺ لمن أراد التبتل وترك الزواج: "فمن رغب عن
_________________
(١) ١ انظر اللمع ص٢٦٤ لأبي نصر السراج. ط. دار الكتب الحديثة القاهرة عام١٩٦٠م. ٢ انظر تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار ص٢٤١. ٣ انظر الأخلاق المتبولية للشعراني ٣/٩٧٩. ٤ انظر الطبقات للشعراني ١ / ٣٤
[ ١ / ١٥٨ ]
سنتي فليس مني" ١. وجملة القول أن هذا الزهد الذي تحدث عنه هذه الفرقة المنحرفة بعيد كل البعد عن الزهد الذي عرفه السلف الصالح ومن سار على نهجهم.
ب - الورع:
ومن أخلاق أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أيضا "الورع"، والورع هو الإمساك عما قد يضر، فتدخل المحرمات، والشبهات لأنها قد تضر، فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه، ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه٢.
فالورع المشروع من نوع التقوى الشرعية، وهو اتقاء ما يكون سببا للذم والعذاب، وهو فعل الواجب وترك المحرم، وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه٣؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأصل في الورع المشتبه قول النبي ﷺ: "الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٩/١٠٤. ٢ انظر مجموع الفتاوى ١٠/٦١٥. ٣ انظر المصدر السابق ٢٠/١٣٧- ١٣٨.
[ ١ / ١٥٩ ]
وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه" ١، وقوله ﷺ: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ٢، وقوله ﷺ في صحيح مسلم في رواية: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس" ٣، وأنه ﷺ رأى على فراشه تمرة فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها" ٤.
وهذه الأدلة كلها تدل على أن على المسلم أن يتورع عن الشبهات قدر استطاعته، وهذا ما فعله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح٤/٢٩٠،برقم (٢٠٥١)، ومسلم ٤/٢٠٧-٢٠٨،برقم (١٥٩٩) ولفظه هناك قريب من اللفظ هنا. ٢ ذكره البخاري تعليقا بصيغة الجزم ٤/٢٩١ باب تفسير المشبهات، وقال حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئا أهون من الورع، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. ورواه الترمذي عن الحسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. انظر سنن الترمذي ٤/٥٧٦-٥٧٧، وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. ٣ مسلم بشرح النووي ٦/٨٦-٨٧، رقم (٢٥٥٣)، ولفظه: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، وليس فيه لفظ: "وإن أفتاك الناس" وإنما ورد ذلك عند الإمام أحمد في مسنده (رقم١٧٥٤٠، ١٧٥٤٥) والدارمي في سننه (رقم ٢٥٣٣) . ٤ البخاري مع الفتح ٤/٢٩٣، رقم (٢٠٥٥) .
[ ١ / ١٦٠ ]
تعالى لا سيما بعد تسلمه الخلافة لأنه رأى أن هذه المشتبهات تشبه الحرام، فقد تكون سببا للوقوع في المحذور المقتضي للعذاب الأليم في الآخرة فتورع عنها.
ومن أمثلة ذلك: أنه رحمه الله تعالى ما كان يقبل أي هدية من عماله أو من أهل الذمة خوفا من أن يكون ذلك من باب الرشوة، فروى ابن الجوزي عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فقال: لو كانت لنا - أو عندنا - شيء من التفاح، فإنه طيب الريح طيب الطعم. فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفاحا.
فلما جاء به الرسول، قال عمر: ما أطيب ريحه وأحسنه، ارفعه يا غلام، فأقرئ فلانا السلام وقل له: إن هديتك قد وقعت منا بموقع بحيث تحب. فقلت يا أمير المؤمنين، ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. قال: ويحك؟ إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية وهي لنا اليوم رشوة١.
وعن ميمون بن مهران قال: أهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاحا وفاكهة فردها وقال: لا أعلم أنكم بعثتم إلى أحد من أهل عملى شيئا"
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٩٧.
[ ١ / ١٦١ ]
قيل له: ألم يكن رسول الله ﷺ يقبل الهدية؟ قال: بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة١.
وعن فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فطلب له فلم يوجد فركب وركبنا معه، فتلقاه غلمان من الديارنة٢ بأطباق منها تفاح فوقف على طبق منها فتناول منه تفاحة فشمها ثم أعادها في الطبق، ثم قال: ادخلوا ديركم، لا أعلم أنكم بعثتم إلى أحد من أصحابي بشيء. قال: فحركت بغلتي فلحقته، فقلت: يا أمير المؤمنين: اشتهيت التفاح، وطلب لك فلم يوجد، ثم أهدي إليك فرددته، ألم يكن رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يقبلون الهدية؟ قال: إنها كانت لرسول الله ﷺ ولأبي بكر، وعمر ﵄ هدية، وللعمال بعدهم رشوة٣.
ويبلغ بعمر الورع أنه لا يرى لنفسه أن تشم رائحة مسك أتته من أموال المسلمين، فروى ابن الجوزي قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن رياح بن عبيدة، وأبي سنان، عن عمر بن عبد العزيز أنه
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص١٩٧. ٢ لعل المقصود بالديارنة: سكان الدير. ٣ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٩٨.
[ ١ / ١٦٢ ]
وضعت بين يديه مِسْكة عظمية فأخذ بأنفه، فقيل يا أمير المؤمنين إنما هو ريح قال: وهل ينتفع منها إلا بريحها١.
وكما تورع في طعامه وشهوته وحتى حواسه التي لا يقدر على دفع ما يدخل فيها إلا بشق الأنفس، تورع أن يرى لنفسه حقا في دواب المسلمين التابعة لبيت مالهم أن يستعملها وإن استعملها أهله بدون معرفة منه دفع الثمن إلى بيت المال، فروى ابن الجوزي، عن رياح بن عبيدة كان عمر بن عبد العزيز يعجبه أن يتأدم بالعسل، فطلب من أهله يوما عسلا، فلم يكن عندهم، فأتوه بعد ذلك بعسل فأكل منه فأعجبه فقال لأهله: من أين لكم هذا؟ قالت امرأته بعثت مولاي بدينارين على بغل البريد فاشتراه لي فقال: أقسمت عليك لما أتيتني به فأتته بعُكَّة٢ فيها عسل، فباعها بثمن يزيد ورد عليها رأس المال وألقى بقيته في بيت مال المسلمين، وقال: أنصبتِ دواب المسلمين في شهوة عمر؟ ٣.
وللمسلم أن يأخذ بالرخص التي أباحها الشرع للحاجة والضرورة، ولكن عمر ﵀ لا يأخذ على نفسه إلا بالعزائم، ففي الشتاء البارد
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٠٠، وابن أبي الدنيا كتاب الورع ص ٧٤ وقال محقق الكتاب إسناد الأثر حسن. ٢ الْعُكَّة: بالضم: آنية السمن، أصغر من القربة. القاموس المحيط ص١٢٢٥. ٣ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٩٦، وانظر ابن أبي الدنيا كتاب الورع ص١٢٤.
[ ١ / ١٦٣ ]
والبرد القارس، احتاج عمر إلى من يسخن له الماء ليوم الجمعة قيل له ياأمير المؤمنين ما عندنا عود حطب. قال: فذهبوا بالقمقم١ إلى مطبخ المسلمين. قال: ثم جاءوا بالقمقم فقالوا هذا القمقم يا أمير المؤمنين وهو يفور فقال: ألم تخبروني أنه ليس عندكم حطب؟ لعلكم ذهبتم به إلى مطبخ المسلمين؟ قالوا: نعم. قال ادعوا لي صاحب المطبخ. فلما جاء قال له: قيل لك هذا قمقم أمير المؤمنين فأوقدت تحته؟ قال لا والله يا أمير المؤمنين ما أوقدت تحته عودا واحدا، وإن هو إلا جمر لو تركته لخمد حتى يصير رمادا. قال بكم أخذت الحطب: قال: بكذا. قال: أدوا إليه ثمنه٢.
واحترز عن استعمال أموال المسلمين العامة فكان يسرج السراج من بيت المال إذا كان في حاجة المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه الخاص به من ماله الخاص٣.
ويحترز عمر ويتورع عن كل شيء مهما قل إذا كان من حق غيره، يتبين لنا ذلك في القصة التالية، فروى الفسوي عن فرات بن مسلم قال:
_________________
(١) ١ القمقم إناء من نحاس أو فخار يستقى به ويستعمل للوضوء وغيره انظر لسان العرب ١٢/٤٩٥. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٩٩، وانظر ابن أبي الدنيا كتاب الورع ص١٢٤، وقال محقق الكتاب إسناد الأثر حسن. ٣ انظر الفسوى: المعرفة والتاريخ ص٥٧٩
[ ١ / ١٦٤ ]
كنت أعرض على عمر بن عبد العزيز كتبي في كل جمعة، فعرضتها عليه فأخذ منها قرطاسا قدر شبر أو أربع أصابع بقي، فكتب فيه حاجة له. فقلت غفل أمير المؤمنين. فلما كان من الغد بعث إلي أن تعال وجئ بكتبك، فجئته بها، فبعثني في حاجة، فلما جئت قال: ما آن لنا أن ننظر كتبك بعد. قلت: لا، إنما نظرت فيها أمس. قال خذها حتى أبعث إليك. فلما فتحت كتبي وجدت قرطاسا قدر قرطاسي الذي أخذ١.
واشتهى يوما اللحم فأرسل غلامه بقطعة يشويها ليأكل فيقيم بذلك أوده، فرجع الغلام بها سريعا، فقال له عمر: "أسرعت بها؟ قال شويتها في نار المطبخ وكان للمسلمين مطبخ يغديهم فيه ويعشيهم. فقال لغلامه: كلها يا بني فإنك زرقتها ولم أرزقها٢. فتورع عن أكلها لأنها شويت في مطبخ المسلمين، وتركها لغلامه ليأكلها، وهو واحد من الرعية، له حق في مطبخ العامة ﵀.
وهناك أمثلة أخرى يذكرها المؤرخون لورع عمر بن عبد العزيز ﵀ كلها تدل على مدى اتصاف هذا الخليفة الراشد بصفة الورع، وحبه له، أملًا فيما عند الله حيث اعتبر أن البعد عن أموال المسلمين حتى
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٧٧. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٩٩-٢٠٠.
[ ١ / ١٦٥ ]
في الأشياء اليسيرة القليلة هو من باب الابتعاد عن الشبهة، فكان بعيدا عن الشبهات احتياطا لدينه. وذلك أن الأمور ثلاثة كما قال هو بنفسه:
١- أمر استبان رشده فاتبعه.
٢- وأمر تبين خطؤه فاجتنبه.
٣- وأمر أشكل عليك فتوقف عنه١.
ومن المهم الإشارة إلى أن شيخ الإسلام قد بين أن الغلط يقع في الورع من ثلاث جهات:
١- أحدها: اعتقاد كثير من الناس أن الورع من باب الترك، فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام، لا في أداء الواجب، وهذا يبتلي به كثير من المتدينة المتورعة، ترى أحدهم يتورع عن الدرهم فيه شبهة: لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين، وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أمورا واجبة عليه إما عينا وإما كفاية وقد تعينت عليه من صلة رحم، وحق جار، ومسكين، وصاحب، ويتيم، وابن سبيل، وحق مسلم وذي سلطان، وذي علم، وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر، وعن الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه، أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى بل جهة التكليف ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ ابن عبد ربه العقد الفريد ٤/٣٩٧.
[ ١ / ١٦٦ ]
وهذا الورع قد يوقع صاحبه في البدع الكبار، فإن ورع الخوارج، والروافض والمعتزلة ١، ونحوهم من هذا الجنس، تورعوا عن الظلم، وعن ما اعتقدوه ظلما من مخالطة الظلمة في زعمهم، حتى تركوا الواجبات الكبار من الجمعة والجماعة، والحج والجهاد، ونصيحة المسلمين، والرحمة لهم، وأهل هذا الورع ممن أنكر عليهم الأئمة، كالأئمة الأربعة، وصار حالهم يذكر في اعتقاد أهل السنة والجماعة.
٢- الجهة الثانية من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب، والمشتبه، وترك المحرم، والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة، وبالعلم، لا بالهوى، وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك مما يقوى تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد، فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى﴾ ٢ وهذا حال أهل الوسوسة في النجاسات: فإنهم من أهل الورع الفاسد المركب من نوع دين، وضعف عقل وعلم، وكذلك ورع قوم يعدون غالب أموال الناس محرمة أو مشتبهة أو كلها، وآل الأمر
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٢٠/١٤٠. ٢ الآية ٢٣ من سورة النجم.
[ ١ / ١٦٧ ]
ببعضهم إلى إحلالها لذي سلطان، لأنه مستحق لها، وإلى أنه لا يقطع بها يد السارق ولا يحكم فيها بالأموال المغصوبة.
وقد أنكر حال هؤلاء الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره، وذم المتنطعين في الورع١، روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ هلك المتنطعون قالها ثلاثا ٢.
وورع أهل البدع كثير منه من هذا الباب:
فيحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة، والفقه في الدين، وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه، كما فعله أهل البدع من الخوارج والروافض، وغيرهم.
٣- الجهة الثالثة: جهة المعارض الراجح:
هذا من الذي قبله، فإن الشيء قد يكون جهة فساده يقتضي تركه فيلحظه المتورع، ولا يلحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح، وبالعكس. فهذا هذا وقد تبين أن من جعل الورع الترك فقط، وأدخل في هذا الورع أفعال قوم ذوي مقاصد صالحة بلا بصيرة من دينهم، وأعرض عما فوّتوه
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٤٠-١٤١. ٢ مسلم بشرح النووي ٦/١٦٨، برقم (٢٦٧٠) .
[ ١ / ١٦٨ ]
بورعهم من الحسنات الراجحة، فإن الذي فاته من دين الإسلام أعظم مما أدركه فإنه قد يعيب أقواما هم إلى النجاة والسعادة أقرب١.
وقد نقلنا بيان هذه الجهات الثلاث بطولها لأهميتها، ولكون أكثر المتورعين الذين عندهم قلة علم، وفقه بالكتاب والسنة، يقعون فيها كلها، أو في بعضها بدون قصد أحيانا، أو سوء فهم أو غير ذلك من المعوقات.
ج - تواضعه
من صفات أمير المؤمنين عمر ﵀ عند تولِّيه الخلافة خلق "التواضع"، ولا شك أن التواضع صفة حميدة، تحبب المرء الذي يتخلق بها إلى الناس، وتعظمه في نفوسهم، وتجعل منه ملء العيون والقلوب، والناس يعشقون قرب المتواضع ويتمنون لقاءه، ويستأنسون بحديثه، ويتفانون في خدمته، ولذا كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز محببا إلى النفوس، وقد حث القرآن الكريم والسنة على التواضع فقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ ٢
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٢٠/١٤١-١٤٢. ٢ الآية ٦٣ من سورة الفرقان.
[ ١ / ١٦٩ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أي يمشون بسكينة ووقار متواضعين " ١.
ومن السنة قوله ﷺ: "إن الله أوحى إليَّ: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد"٢.
وكان السلف الصالح متواضعين لله تعالى أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وقد كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى متخلقا بخلق التواضع، ولين الجانب، حسب الروايات التي نقلت هذه الخصلة الحميدة عنه فمنها:
١- ما رواه ابن سعد بسنده: أن عمر بن عبد العزيز كان إذا سمر في أمر العامة أسرج من بيت مال المسلمين وإذا سمر في أمر نفسه أسرج من مال نفسه. قال فبينما هو ذات ليلة إذ نعس السراج فقام إليه ليصلحه فقيل له: يا أمير المؤمنين إنا نكفيك. فقال: "أنا عمر حين قمت وأنا عمر حين جلست" ٣.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٢/٣٤٠، طبعة دار الكتب العلمية بيروت عام ١٤٠٨هـ. الطبعة الثانية. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٣٢٣، برقم (٢٨٦٥) [٦٤] . ٣ ابن سعد الطبقات ٥/٣٩٩، والفسوى المعرفة والتاريخ ١/٥٧٧-٥٧٨، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٤.
[ ١ / ١٧٠ ]
ومنها ما رواه الفسوي: قال حدثني حرملة، أخبرني وهب، قال: حدثني الليث أن أبا النضر حدثه. قال: دسست إلى عمر بن عبد العزيز بعض أهله، أن قل له، إن فيك كبرًا، وأنه يتكبر. فقيل ذلك، فقال عمر: قل له لبئست ما ظننت إن كنت تراني أتوقى الدينار والدرهم مراقبة الله فأنطلق إلى أعظم الذنوب فأركبه، الكبرياء إنما هو رداء الرحمن، فأنازعه إياه ؟! "١.
ومن تواضعه أنه يخدم نفسه، بل يخدم جميع المسلمين عبيدهم وإمائهم، بل يصل تواضعه إلى أن يخدم جاريته، روى ابن الجوزي قال: حدثنا النضر بن سهيل، عن أبيه، قال: قال عمر بن عبد العزيز لجارية له: ياجارية روِّحيني، فأقبلت تروِّحه، فغلبتها عيناها فنامت، فأخذ المروحة وأقبل يروِّحها، فانتبهت فصاحت، فقال لها عمر: إنما أنت بشر مثلي أصابك من الحرِّ ما أصابني، وأحببت أن أروحك مثل الذي روَّحتني٢.
وكان عمر إذا دخل بيته يخدم أهله كما كان رسول الله ﷺ يفعل، جاءت امرأة من العراق فدخلت على زوجته فاطمة، فجاء عمر فأقبل حتى دخل الدار، فمال إلى بئر في ناحية الدار، فانتزع منها دلاء صبَّها على طين، كان بحضرة البيت، وكان يكثر النظر إلى فاطمة فقالت لها
_________________
(١) ١ الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٥٨١-٥٨٢. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢١٣.
[ ١ / ١٧١ ]
المرأة استتري من هذا الطيان فإني أراه يديم النظر إليك فقالت: ليس هو بطيان هو أمير المؤمنين "١.
ولم يكن - ﵀ - تعالى يحب مظاهر التكبر والاحترام الزائد، والغلو في الأمور، وإنما كان أموره كلها متوسطة، لا إفراط فيها ولا تفريط. ولذلك كان ينهى حراسه أن يقوموا إجلالًا له وأن يبدأوه بالسلام، فروى ابن عبد الحكم قال: وكان عمر ابن عبد العزيز يتقدم إلى الحرس إذا خرج عليهم أن لا يقوموا إليه ويقول لهم: لا تبتدأوني بالسلام إنما السلام علينا لكم٢. كما أذن عمر في إباحة دخول المظلومين عليه بغير إذن٣، ولا طلب، وإنما يكفي المظلوم أن يقوم بالدخول متى وجد فرصة ليتظلم، وليأخذ حقه فالضَّعيف عنده قوي حتى يأخذ حقه، والقوي ضعيف حتى يؤخذ الحق منه.
ولتواضعه لم يكن يستنكف أن يجلس إليه أحد من عبيده، ولا يريد من أحد منهم أن يتهيَّب في الجلوس إليه، يجلس على الأرض، ويأبى أن يتميز على الناس بمركب أو مأكل أو مشرب، أو ملبس، وكان ينكر
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٤٩. ٢ المصدر السابق ص٤٠. ٣ المصدر السابق ص٤١.
[ ١ / ١٧٢ ]
ذاته، دخل عليه رجل فقال له يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك كانت الخلافة لهم زينا وأنت زين الخلافة وإنما مثلك كما قال الشاعر:
وإذا الدر زان حسن وجوه ** كان للدر حسن وجهك زينا.
فأعرض عنه عمر١.
وقال له رجل: جزاك الله عن الإسلام خيرًا فقال: لا بل جزى الله الإسلام عني خيرا.
ودخل عليه رجل وهو في ملإ من الناس، فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: عم بسلامك.٢
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٢٩. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٦.
[ ١ / ١٧٣ ]
المبحث الخامس: فضائله رحمه الله تعالى
الخليفة عمر بن عبد العزيز صاحب فضائل مأثورة ومناقب جمة، ولا شك أنه من فضلاء التابعين الذين نص الحديث الصحيح بأنهم خير القرون بعد الصحابة حيث قال ﵊: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم١ " الحديث، علاوة على هذا فقد انفرد بفضائل من أهمها ما يلي:
١- كونه من الخلفاء العدول، والعدل أساس الملك، وقد مدحه الله في عدة آيات منها ما يأتي:
قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ ٣.
وقال ﵊: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل " ٤.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٧/٣، رقم (٣٦٥١) . ٢ الآية ٨ من سورة الممتحنة. ٣ الآية ٢٩ من سورة الأعراف. ٤ البخاري ٢/١٤٣،رقم (٦٦٠)، ومسلم ٣/٩٩، رقم (١٠٣١) .
[ ١ / ١٧٤ ]
فهذه النصوص تبين لنا أهمية العدل، وبعضها نصت على فضيلة الإمام العادل وقد كان عمر بن عبد العزيز متصفا بالعدل في الرعية حتى مع أهل الملل الأخرى، كما حدث له مع نصارى دمشق بشأن الجامع الأموي١، ولم يقتصر عدله بين رعيته من الناس. فقد كان رحيما محبا للعدل حتى مع الدواب، فقد روى أبو نعيم أنه كان لعمر بن عبد العزيز غلام يعمل على بغلة له، وكان يأتيه كل يوم بدرهم، فجاءه يوما بدرهم ونصف، فقال: من أين لك هذا؟ قال الغلام: نفقت السوق قال لا، ولكنك أتعبت البغل أرحه ثلاثة أيام٢.
ولحرصه على العدل وتطبيق نصوص الكتاب والسنة، والاقتداء بالصحابة رضوان الله عليهم بدأ بنفسه وبأهله فأخرج كل ما بيده من الأموال، وردها إلى بيت المال. وكذلك فعل مع قرابته من بني أمية، ثم رد
_________________
(١) ١ انظر البداية والنهاية ٥/١٦٩، وذلك أن النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز طلبوا منه أن يعقد لهم مجلسا في شأن مكان أخذه منهم الوليد بن عبد الملك، وكان عمر عادلا فأراد أن يرد عليهم ما كان أخذه منهم الوليد فأدخله في الجامع ثم حقق عمر القضية. ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة فخيرهم عمر بين رد ما سألوه وتخريب هذه الكنائس كلها أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفسا للمسلمين بهذه البقعة فاتفقوا بعد ثلاثة أيام على بقاء الكنائس فكتب لهم أمان بها. البداية والنهاية لابن كثير ٥/١٧٠. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٦٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٠١.
[ ١ / ١٧٥ ]
المظالم التي كانت قد أخذت، حتى إنه كان يرد المظلمة بدون شهود إذا تأكد من وجودها، كما تنازل عن فدك لأهل بيت النبي ﷺ، وخرج عن كل الإقطاعات والصفايا وردها إلى بيت المال، وكان يتدرج في هذه الأمور كلها فقد سأله ابنه البار "عبد الملك": لماذا لا يمضى لما يريد من العدل؟ فأجابه عمر: يا بني إنما أُروِّض الناس رياضة الصعب، إني لأريد أن أحيي الأمور من العدل، فأوخر ذلك حتى أخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه.
وكان يؤلف الناس بالعطايا حتى يقبلوا الحق الذي يريده منهم، فعن هشام بن عبد الملك قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئًا١.
والتدرج في الأمور من سنن الله تعالى ثم إنه من سنن رسله عليهم الصلاة والسلام واستعماله هذا التدرج يُعَدُّ من عمق فقهه لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وحسن خلقه وإخلاصه ﵀.
٢- ومن فضائله رحمه الله تعالى ما ذكره بعض أهل العلم من أنه هو المجدد للقرن الأول، وهو المقصود بحديث رسول الله ﷺ: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" ٢.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٣٦- ١٣٧. ٢ سنن أبي داود ٤/٤٨٠، والحاكم في المستدرك ٤/٥٢٢-٥٢٣ وصححه ووافقه الذهبي، وصحح الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني. انظر صحيح سنن أبي داود ٣/٨٠٩.
[ ١ / ١٧٦ ]
ولا شك أن عمر بن عبد العزيز خليق بأن يحمل عليه هذا الحديث، فقد كان عالما عاملا، همه كله وعزمه، وهمته، آناء الليل والنهار إحياء السنن، ونصر صاحبها، وإماتة البدع، ومحدثات الأمور ومحوها، وكسر أهلها باللسان، والسنان، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ولم يسلم بتوفر جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي، وإن كان متصفا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل ١.
٣- ومن فضائله رحمه الله تعالى ما ذكره ابن عبد الحكم أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رؤيا ثم استيقظ وقال: "إن من ولدي رجلا بوجهه أثر يملأ الأرض عدلا"٢.
ولا شك عمر بن الخطاب قد خص بالذكر في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر " ٣.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٣/٢٩٥. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٢٠. ٣ البخاري مع الفتح ٧/٤٢، برقم (٣٦٨٩) .
[ ١ / ١٧٧ ]
قال الحافظ ابن حجر: والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ﷺ من الموافقات التي نزل القرآن مطابقا لها ووقع له بعد النبي ﷺ عدة إصابات"١.
ولعل هذه الرؤيا مما وقع له من إصابات بعد النبي ﷺ وقد وردت هذه الرؤيا عند ابن سعد في الطبقات، فروى بسنده قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي ثم القرشي٢، حدثنا محمد بن عمر بن أبي شميلة٣ عن جويرية بن أسماء٤، عن نافع٥، قال: قال عمر بن الخطاب: ليت شعري من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا٦.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٧/٥١. ٢ ثقة جواد رمى بالقدر ولم يثبت. التقريب ص٣٧٤. ٣ محمد بن عمر بن أبي شميلة لم أجده. ٤ جويرية بن أسماء بن عبيد بن مخارق الضبعي صدوق التقريب ص١٤٣، وانظر الجرح والتعديل ٢/٥٣١. ٥ نافع أبو عبد الله مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور. التقريب ص٥٥٩. هذا الإسناد فيه محمد بن عمر بن أبي شميلة لم أقف له على ترجمة وفيه انقطاع أيضا بين نافع وعمر ﵁. ٦ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣٠.
[ ١ / ١٧٨ ]
وقد جاء عن ابن عمر ﵁ أنه كان يحدث بهذا كثيرا، ولعله مما حفظه عن أبيه عمر فقال ابن سعد: أخبرنا سليمان بن حرب١، قال: حدثنا المبارك بن فضالة٢، عن عبيد الله بن عمر٣، عن نافع، عن ابن عمر: قال: كنت أسمع ابن عمر كثيرا يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا٤.
وقال: أخبرنا يزيد بن هارون عن الماجشون عن عبد الله بن دينار٥، قال: قال ابن عمر: إنا كنا نتحدث أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يلي هذه
_________________
(١) ١ سليمان بن حرب الأزدي الواشحي بمعجمة ثم مهملة البصري قاضي مكة ثقة إمام حافظ. التقريب ص٢٥٠. ٢ المبارك بن فضالة بفتح الفاء وتخفيف المعجمة أبو فضالة البصري صدوق يدلس ويسوى. التقريب ص٥١٩. ٣ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، المدني، أبو عثمان ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع. التقريب ص٣٧٣، قلت: إسناده ضعيف لعنعنة مبارك وهو مدلس من المرتبة الثالثة. ٤ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣١. ٥ يزيد بن هارون بن زازان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي ثقة متقن عابد. تقريب ص ٦٠٦. والماجشون هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون بكسر الجيم بعدها معجمة مضمونة المدني نزيل بغداد مولى آل الهدير ثقة فقيه مصنف. التقريب ص ٣٥٧، وعبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن = المدني مولى ابن عمر ثقة من الرابعة. التقريب ص٣٠٢. رجاله ثقات، وصححه النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٢/١٩.
[ ١ / ١٧٩ ]
الأمة رجل من ولد عمر يسير بسيرة عمر فيها بوجهه شامة قال: فكنا نقول هو بلال بن عبد الله بن عمر، وكانت بوجهه شامة. قال: حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب١.
فيستأنس بما سبق من الآثار أنه رحمه الله تعالى كان مجددا لما توفر فيه من صفات تجعله خليقا بهذا الوصف.
وتوجد نصوص وآثار عن عدة من فضلاء التابعين تجعل عمر بن عبد العزيز هو المهدي المنتظر، فروى ابن سعد قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي٢، قال: أخبرنا عبد الجبار بن أبي معن٣، قال: سمعت سعيد ابن المسيب٤، وسأله رجل فقال: يا أبا محمد من المهدي؟ فقال له سعيد: أدخلت دار مروان؟ قال: لا. قال: فادخل دار مروان تر المهدي! قال: فأذن عمر بن عبد العزيز للناس، فانطلق الرجل حتى دخل دار مروان
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣١. ٢ عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي أبو علي البصري صدوق لم يثبت أن يحيى بن معين ضعفه من التاسعة. مات سنة ٢٠٩. التقريب ص٣٧٣. ٣ عبد الجبار بن أبي معن لم أجده. ٤ سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار. التقريب ص٢٤١.
[ ١ / ١٨٠ ]
فرأى الأمير، والناس مجتمعين، ثم رجع إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا محمد دخلت دار مروان فلم أر أحدا أقول هذا المهدي. فقال له سعيد بن المسيب - وأنا أسمع-: هل رأيت الأشج عمر بن عبد العزيز القاعد على السرير؟ قال: نعم. قال: فهو المهدي١.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثني مسلمة أبو سعيد، قال: سمعت العزرمي يقول: سمعت محمد بن علي يقول: النبي منا، والمهدي من بني عبد شمس، ولا نعلمه إلا عمر بن عبد العزيز، قال: وهذا في خلافة عمر بن عبد العزيز٢.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثني أبو بكر بن الفضل بن المؤتمر العتكي، قال: حدثني أبو يعفور، عن مولى لهند بنت أسماء قال: قلت لمحمد بن علي: إن الناس يزعمون أن فيكم مهديا فقال: إن ذاك كذاك، ولكنه من بنى عبد شمس. قال: كأنه عني عمر بن عبد العزيز٣.
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣٣، فالأثر ضعيف لوجود هذا المجهول عبد الجبار بن أبي معن ومتنه لا يستقيم لأن المهدي المنتظر يكون في آخر الزمان ثم إن المسألة توقيفية لا رأي لأحد فيها. ٢ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣٣. وأحمدبن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي الكوفي ثقة حافظ. تقريب ص٨١. ومسلمة أبو سعيد هو مسلمة بن عُلَيِّ الخشني بضم الخاء وفتح الشين المعجمة ثم نون أبو سعيد الدمشقي البلاطي، متروك من الثامنة. والتقريب ص٥٣١. والعزرمي هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان بن ميسرة العزرمي صدوق له أوهام. التقريب ص٤٩٤، ويمكن أن يكون هو عبد الملك بن أبي سليمان بن يسرة العزرمي صدوق له أوهام. التقريب ص٣٦٣. ومحمد بن علي بن الحسين الباقر ثقة فاضل. التقريب ص٤٩٧. فالأثر ساقط لوجود المتروك ومتنه يحتاج إلى نص عن المعصوم ﷺ. ٣ ابن سعد الطبقات ٥/٣٣٣، ومسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي، أبو عمرو البصري ثقة مأمون مكثر. التقريب ص٥٢٩. وأبو بكر بن الفضل العتكي قال عنه أبوحاتم: شيخ. انظر الجرح والتعديل٩/٣٤١-٣٤٢. وأبو يعفور الثقفي الكوفي لا بأس به. انظر الجرح والتعديل ٩/٤٦٠، ومولى هند بنت أسماء مبهم. فالأثر ضعيف، ويحتاج متنه إلى توقيف.
[ ١ / ١٨١ ]
فلو صحت هذه الآثار عن هؤلاء الفضلاء لأمكن حملها على أن مقصودهم بذلك أن عمر بن عبد العزيز من ضمن الأئمة المهديين الذين جاء الحديث الصحيح بذكرهم، وهو قوله ﷺ: "لا يزال هذا الأمر قائما حتى يلي أمر هذه الأمة اثنا عشر خليفة كلهم من قريش"١.
أما أن يكون المقصود بها أن عمر بن عبد العزيز هو المهدي المنتظر الذي يأتي في آخر الزمان، فهذا مردود، لأن المهدي المنتظر يكون خروجه قريبا مع نزول عيسى ﵇، وهو من ذرية الرسول ﷺ ويكون اسمه موافقا لاسم الرسول ﷺ واسم أبيه، وكذلك أنه يأتي في
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٥٢٠- ٥٢١.
[ ١ / ١٨٢ ]
وقت، والمسلمون بدون حاكم إلى آخر صفاته التي لا تنطبق على عمر بن عبد العزيز اللهم إلا إذا أريد بالمهدي بمعنى المجدد، فهذا لا حرج فيه. والله أعلم.
٤- ومن فضائله رحمه الله تعالى أنه كان مستجاب الدعاء، فروى ابن عبد الحكم أن ابن الريان كان سيافا للوليد بن عبد الملك، فلما ولي عمر الخلافة قال: إني أذكر بأوه١، وتيهه، ثم قال: اللهم إني قد وضعته لك فلا ترفعه" فما رئي شريف قد خمد ذكره مثله حتى لا يذكر٢.
وعمر رحمه الله تعالى لم يدع عليه هنا لأمر شخصي أو خلافي كان قد نشأ بينهما فيما سبق وإنما دعا عليه لتيهه، وتكبره على الخلق، وظلمه، وغشمه، واعتدائه على الناس، وعمر العادل تكره نفسه مثل هذه النفوس فأجاب الله دعاءه. وقد دعا عمر رحمه الله تعالى حين حج فأخبر قبل دخوله إلى مكة بقلة الماء فيها، فدعا عند ذلك فأجاب الله دعاءه. فسقوا وهذا حين كان أميرا على المدينة٣، كما دعا على غيلان القدري حين
_________________
(١) ١ بأْوَه: قال ابن فارس: والهمزة والواو كلمة واحدة: وهو العجب. انظر معجم مقاييس اللغة ١/٣٢٨. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٠. ٣ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٨٣.
[ ١ / ١٨٣ ]
ناظره فقال: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا، وإلا فاصلبه، فصلب بعد في خلافة هشام بن عبد الملك١.
٥- ومن فضائله ﵀ ما روي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنكم في النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء، ثم يكون خلافة على منهاج النبوة تكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء، ثم تكون جبرية تكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة".
قال: فقدم عمر يعني ابن عبد العزيز ومعه يزيد بن النعمان فكتبت إليه أذكره الحديث وكتبت إليه - الكاتب هو حبيب بن سالم أو داود الواسطي - إني أرجوا أن يكون أمير المؤمنين بعد الجبرية قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسُرَّ به وأعجبه٢.
وكذلك من فضائله كثرة الخيرات في خلافته فكانت مدة ولايته ثلاثين شهرا تقريبا وما مات حتى جعل الرجل يأتي بالمال العظيم فيقول:
_________________
(١) ١ انظر الآجرى الشريعة ١/٤٣٨. ٢ البيهقى دلائل النبوة ٦/ ٤٩٢.والحديث أخرجه الطيالسي ج ١ ص ٣٥٠ وقال محقق الكتاب: إسناده حسن انظر مسند الطيالسي تحقيق الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي ط هجر.
[ ١ / ١٨٤ ]
اجعلوا هذا المال حيث ترون في الفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع بماله وقد أغنى عمر الناس١.
وهناك فضائل ذكرها العلماء لعمر بن عبد العزيز وهي مبالغ فيها جدا فلا فائدة في ذكرها لظهور ضعفها وكون أكثرها من الإسرائيليات والمنامات.
وعمر بن عبد العزيز ﵀ كما ظهر مما سبق من المشهود لهم بالفضل والخير وقد ورد في الحديث "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض.."٢.
وقد روى الإمام مسلم بسنده عن سهيل بن أبي صالح أنه كان في عرفة مع أبيه فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه. قال: فقلت لأبي: يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس، فقال: بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر الحديث المتقدم٣.
_________________
(١) ١ البيهقي دلائل النبوة ٦/٤٩٢، وانظر أبو عبيد الأموال ص٥٥٢. ٢ مسلم بشرح النووي ٦/١٤٠ رقم ٢٦٣٧. ٣ مسلم بشرح النووي ٦/١٤١.]
[ ١ / ١٨٥ ]
وقوله ﵊: " أنتم شهداء الله في الأرض " ١، فمن هذين النصين وغيرهما من النصوص نرجو إن شاء الله أن يكون عمر ابن عبد العزيز ممن سبقت لهم الحسنى والله أعلم.
المبحث السادس: وفاته رحمه الله تعالى
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٣/٢٢٨-٢٢٩، ومسلم برقم ٩٤٩.
[ ١ / ١٨٦ ]
يذكر غالب المؤرخين وغيرهم في سبب وفاة عمر بن عبد العزيز بأنه مات مسموما١، بينما ذهب آخرون إلى أن ذلك كان بسبب عزوفه عن مأكل طيب، ومشرب هني، يعوض بنيته ما تفقده من طاقة هائلة في العمل الذي لا يهدأ ليلا ونهارا، فلما أمسكت به علة -لم يحدد المؤرخون ٢ طبيعتها ولا فصلوا القول فيها - تشبثت بجسمه المنهك الضعيف عشرين يوما حتى كانت الوفاة٣.
وتوجد رواية عند أبي حفص الملاء مفادها أن أهل عمرلم يزالوا يراودونه على أخذ بوله ليعتبره الطبيب فيأبى ذلك، حتى أخذوه يوما في طست، وقلبوه في قارورة ونفذوه إلى الطبيب من حيث لا يشعر لمن هو. فأخذ الناس يعرضون عليه قواريرهم ويصف لهم ما يصف، حتى جيء
_________________
(١) ١ انظر ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٣٤، والذهبي سير أعلام النبلاء ٥/١٤٠، والطبري تاريخ الطبري ٥/٥٥٦، وابن عبد ربه العقد الفريد ٤/٤٣٢، وابن الجوزي ص٣٤٠، وأبو حفص الملاء ٢/٦٣٧. ٢ حددها ابن كثير بأنها "السل". انظر البداية والنهاية ٥/٢٣٤، وابن عساكر ٤٥/٢٧٤. ٣ انظر عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم ص٢٥٤، تأليف ماجدة فيصل زكريا ط. مكتبة الطالب الجامعي مكة المكرمة عام ١٤٠٧هـ.
[ ١ / ١٨٧ ]
بقارورة عمر، فلما نظر فيها قال: إني لأرى في هذا الماء عجبا. قال: وما هو العجب؟ قال: إن هذا بول رجل فتت الحزن كبده١.
وتوجد رواية عند ابن سعد وغيره تبين سلامة بوله، فعن عبد المجيد بن سهل قال: لقيت الطبيب وقد خرج من عند عمر بن عبد العزيز فقلت له: رأيت اليوم بوله؟ فقال: ما ببوله بأس إلا الهم بأمر الناس٢، ولما سئلت زوجته عن بدء مرضه قالت: أرى كل ذلك أو جله الخوف٣.
ويبدو أنه لا معارضة بين هذه الأسباب المذكورة فلعلها كلها قد اجتمعت عليه فقد ألزم نفسه حسب الروايات التي وصلت إلينا بأعمال شاقة عليه، وعزف عن المأكل الطيب الذي كان قد تعوده قبل خلافته، ثم شدد على أقربائه من أمراء البيت الأموي، ولم يكن يتحرز كثيرا في مأكله ومشربه، فأصبحت الفرصة سانحة لسقيه السم، وقد فصل بعض المؤرخين كيفية سقيه السم، حيث ذكروا بأن خادمه وضع السم في ظفر إبهامه فلما استقى عمر غمس إبهامه في الماء، ثم سقاه، فمرض عمر مرضه الذي مات فيه٤.
_________________
(١) ١ أبو حفص الملاء ٢/٦٣٩. ٢ ابن سعد الطبقات ٥/٤٠٤. ٣ المصدر السابق ٥/٤٠٤. ٤ العقد الفريد ٤/٤٣٢، والبداية والنهاية ٥/٢٣٤.
[ ١ / ١٨٨ ]
ولعله حين علم بسقيه السم وتيقن بذلك دعا على نفسه بالموت كما سيأتي فروى أبو زرعة الدمشقي أن عمر قال: اللهم إني قد مللتهم، وملوني، فأرحني منهم وأرحهم مني١. كما روى ابن عبد الحكم أن عمر دعا ابن أبي زكريا، وطلب منه أن يدعو له بالموت فدعا له٢.
وهكذا مات في أخريات رجب لسنة إحدى ومائة ولخمس، أو ست، أو عشر بقين من الشهر، وكان موته يوم الجمعة عن أربعين سنة في أصح الأقوال٣.
وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر أو ستة أشهر وعليهن أيام كما كانت خلافة الصديق ﵁ ٤.
ولا شك أن موته كانت خسارة فادحة في حق المسلمين، يظهر ذلك من مواقف الناس حين سمعوا بموته، ومن الرثاء له، واتفاقهم على الحزن عليه والتأسف لفقده. فقد روى أن مسلمة بن عبد الملك نظر إلى عمر بن
_________________
(١) ١ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص٤٦. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٩-١٠١. ٣ ابن سعد الطبقات ٥/٤٠٧-٤٠٨. ٤ انظر البداية والنهاية ٥/٢١٤، وابن سعد الطبقات ٥/٤٠٨.
[ ١ / ١٨٩ ]
عبد العزيز وهو مسجى فقال له: يرحمك الله يا عمر لقد لينت لنا قلوبا قاسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا.
ولما بلغ الحسن البصري موت عمر قال: إنا لله وإنا إليه راجعون يا صاحب كل خير١.
وقال عبد الملك بن عمير: رحمك الله يا عمر، إن كنت لغضيض الطرف، أمين الفرج، جوادًا بالحق، بخيلا بالباطل، تغضب في حين الغضب، وترضى في حين الرضى، وما كنت مزاحا، ولا عَيابًا، ولا مرتابا، ولا بهاتا٢.
وروي أن جماعة من الفقهاء جاءوا إلى فاطمة زوجته فقالوا لها: اعلمي أن الرزية بأمير المؤمنين عمر عامة، والمصيبة به شاملة٣.
وكان رسول عمر بن عبد العزيز إذا وصل إلى البصرة تلقاه الناس بالرحب والسعة، فإنه كان لا يأتي إلا بزيادة عطاء، أو بإنفاذ مال يتفقد أحوال الفقراء، فلما وصل الرسول بموته هرع الناس إليه جريا على
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣٥٣، وأبو حفص الملاء ٢/٦٧٤. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣٥٤، وأبو حفص الملاء ٢/٦٧٤. ٣ ابن سعد الطبقات ٥/٢٧٠، وأبو نعيم فى الحلية ٥/٢٦٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص٣٥٣، وأبو حفص الملاء ٢/٦٧٦.
[ ١ / ١٩٠ ]
عادتهم، فلما أخبر بموته ضج الناس بالبكاء والعويل، وغم ذلك أهل البصرة بأسرهم، وعمت مصيبته١.
وقد رثاه عدة من الشعراء - مع كونه قد أقصاهم وأدّب بعضهم - بقصائد نختار اثنتين منها وهي كما يلي:
فقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:
تنعى النعاة أمير المؤمنين لنا ياخير من حج بيت الله واعتمرا.
حملت أمرا عظيما فاصطبرت له وقمت فيه بأمر الله يا عمرا.
فالشمس كاسفة ليست بطالعة تبكي عليك، نجوم الليل والقمرا٢
وقال كثير عزة يرثي عمر:
لقد كنت للمظلوم عزا وناصرا إذا ما تعيا في الأمور حصونها.
كما كان حصنا لا يرام ممنعا بأشبال أسْد لا يرام عرينها
وليت فما شانتك فينا ولاية ولا أنت فيها كنت ممن يشينها
إلى أن يقول:
سقى ربنا من دير سمعان حفرة بها عمر الخيرات رهنا دفينها
صوابح من مزن ثقال غواديا دوالح دهما ماخضات دجونها٣
_________________
(١) ١ أبو حفص الملاء ٢/٤٧٥. ٢ ديوان جرير ص٢٣٥ ط. دار صادر بيروت. ٣ ديوان كثير ص٢٣٥-٢٣٦، شرح وتحقيق الدكتور رحاب عكاوي ط. دار الفكر العربي بيروت ط. الأولى ١٩٩٦م.
[ ١ / ١٩١ ]
قال ابن كثير: وكانت وفاته بدير سمعان من أرض حمص، وصلى عليه ابن عمه مسلمة بن عبد الملك، وقيل صلى عليه يزيد بن عبد الملك. وقد ذكر المؤرخون أخبارًا مبالغا فيها في كراماته عند وفاته، وقد قال ابن كثير في بعض هذه الأخبار: وفيها غرابة شديدة كما سبق ذكره والله أعلم١.
_________________
(١) ١ ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ١٧٨، و١٧٩.
[ ١ / ١٩٢ ]
الباب الأول: الآثار الواردة عن عمر في التوحيد
الفصل الأول: الأثار الواردة عن عمر في توحيد الألوهية
المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الدعاء
الباب الأول: الآثار الواردة عن عمر في التوحيد.
الفصل الأول: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في توحيد الألوهية
تمهيد:
توحيد الألوهية أساس دين الإسلام، بل هو أساس كل دين سماوي، به أرسل جميع الرسل وأنزلت عليهم جميع الكتب، وهو الذي دعا إليه كل رسول من آدم ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ بل هو الغاية من خلق الجن والإنس. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وكان سلف هذه الأمة ﵏ يهتمون بهذا النوع من التوحيد كما سيتضح لنا ذلك فيما يأتي، وممن كان له إسهام في هذه المسألة عمر بن عبد العزيز الذي كان له أقوال مأثورة ومواقف مشهورة سوف تتضح خلال هذا المبحث الذي يمهد له الآن، وسوف يتضح أنه كان يحرص دائما في كلامه وفي خطبه على بيان هذا الجانب وبيان ما يضاده. وقبل بيان ما أثر عنه أرى أنه من الأهمية بمكان بيان المقصود من توحيد الألوهية عند إطلاقه: فعرف بأنه: "استحقاق الله ﷾ أن يعبد وحده لا شريك له"٢. وعرفه بعض الباحثين بأنه: "توحيد الله بأفعال العباد وهو المعبر عنه بتوحيد الطلب والقصد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ومحبته، وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرهبة، والرغبة منه وإليه
_________________
(١) ١ الآية ٥٦ من سورة الذاريات. ٢ انظر شرح العقيدة الطحاوية بتصرف يسير ١/٢٩، طبعة مؤسسة الرسالة تحقيق د/عبد الله التركي وشعيب الأرناؤوط "ط" "٦" عام ١٤١٤هـ.
[ ١ / ١٩٩ ]
وحده، والتقرب إليه بسائر العبادات البدنية، والمالية دون إشراك أحد أو شيء من خلقه١.
وأما بالنسبة للآثار التي وردت عن هذا الخليفة العادل في توحيد الألوهية بخصوصها فقد كانت مفرقة في بعض أنواع هذا التوحيد فمما ورد عنه آثار في الدعاء والتبرك، والخوف، والرجاء، والتوكل،
_________________
(١) ١ انظر رسالة توحيد الألوهية أساس الإسلام للباحث حامد عبد القادر الأحمدي مطبوع على الآلة الكاتبة ص٧.
[ ١ / ٢٠٠ ]
كتابه أن أمر بالصلاة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين والمؤمنات، وأن رجالا من القصاص قد أحدثوا صلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل ما يصلون على النبي وعلى المؤمنين فإذا أتاك كتابي هذا فمر قصاصكم فليصلوا على النبي ﷺ وليكن فيه إطناب دعائهم وصلاتهم ثم ليصلوا على المؤمنين والمؤمنات، ولينتصروا الله ولتكن مسألتهم عامة للمسلمين وليدعوا ما سوى ذلك ١.
١٠- ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين بن علي٢، عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز، أما بعد: فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ فإذا أتاك
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٠-٨١، وأبو حفص الملاَّء ٢/٤٨٨، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٩. ٢ الحسن بن علي أبو عبد الله الجعفي الكوفي مولاهم روى عنه ابن أبي شيبة، ثقة. انظر الجرح والتعديل ٣/٥٥- ٥٦، وجعفر بن برقان روى عن عكرمة وميمون بن مهران، والزهري، ثقة. قال أبو حاتم: محله الصدق، أحاديثه عن الزهري مضطربة. انظر الجرح والتعديل ٢/٤٧٤- ٤٧٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
أبي١،وأبي خازم٢، على عمر بن عبد العزيز فقال عمر لأبي، يا أبا بكر! ما لي أراك مهمومًا؟، قال: فقال له أبو خازم: لديْن عليه، فقال عمر: أَفُتِح عليك٣ الدعاء؟ فقال: نعم. فقال له عمر: بارك الله لك فيه٤.
٣- ابن أبي الدنيا قال حدثني أبو محمد البزار حدثنا المسيب بن واضح، عن محمد بن الوليد، قال: مر عمر بن عبد العزيز برجل في يده حصاة يلعب بها، وهو يقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقام إليه فقال: بئس الخاطب أنت! ألا ألقيت الحصاة، وأخلصت إلى الله الدعاء٥.
_________________
(١) ١ وأبوه: هو محمد بن المنكدر. ٢ أبو خازم: هو سلمة الأعرج التمار. ٣ في الأصل: "ففتح لك فيه الدعاء" والتصحيح من أبي حفص الملاء ٢/٤٩١. ٤ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٩٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٩١. ٥ ابن أبي الدنيا كتاب الإخلاص والنية ص ٣٨ وأبو نعيم في الحلية ج٥ ص ٢٨٧- ٢٨٨ وابن الجوزي سيرة عمر ص٨٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٧٣، والمسيب بن واضح السلمي الحمصي، قال عنه ابن أبي حاتم: سئل عنه أبي فقال: صدوق، كان يخطئ كثيرا فإذا قيل له لم يقبل. انظر الجرح والتعديل٨/١١١-١١٢، وانظر ميزان الاعتدال ٤/١١٦-١١٧، ولسان الميزان ٦/٤٩و٥٠، وسير أعلام النبلاء ١١/٤٠٣-٤٠٥. ومحمد بن الوليد لم اهتد إليه. ولعله الزبيدى ثقة تقريب ص ٥١١.
[ ١ / ٢٠٢ ]
٤- ابن عبد الحكم١ قال: حدثني أبي عبد الله بن عبد الحكم٢، قال: حدثني مالك ابن أنس٣، والليث بن سعد٤، وسفيان بن عيينة٥،
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعْيَن المصري، الفقيه، ثقة، روى عن أبيه مات سنة ثمان وستين. انظر تهذيب الكمال ١٥/١٩٢، وتقريب التهذيب ص٤٨٨وسير أعلام النبلاء ١٠/٢٢١. ٢ عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث المصري أبو محمد الفقيه، روى عن بكر ابن مضر، وسفيان بن عيينة، وابن لهيعة، وابن وهب، ومالك، وغيرهم. قال الذهبي: وذكروا أنه صنف كتاب مناقب عمر بن عبد العزيز. وقال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق، أنكر عليه ابن معين شيئا. وقد عقب الذهبي على إنكار ابن معين عليه بقوله: لم يثبت قول ابن معين إنه كذاب. ولد سنة ١٥٥هـ وتوفي ٢١٤هـ بمصر. انظر تهذيب الكمال ١٥/١٩١-١٩٢-١٩٣، وسير أعلام النبلاء ١٠/٢٢١-٢٢٢، وتقريب التهذيب ص٣١٠. ٣ مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المتثبتين مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين. انظر تقريب التهذيب ص٥١٦. ٤ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، مات سنة خمس وسبعين. انظر تقريب التهذيب ص٤٦٤، وكان مولده سنة ٩٤هـ. انظر المعرفة والتاريخ ١/١٦٦. ٥ سفيان بن عيينة بن أبي عمران: ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، إمام، حجة، إلا أنه تغير حفظه بآخر، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، مات سنة ثمان وتسعين وله ٩١سنة. انظر تقريب التهذيب ص٢٤٥.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وعبد الله بن لهيعة١، وبكر بن مضر٢، وسليمان بن يزيد الكعبي٣، وعبد الله بن وهب٤، وعبد الرحمن بن القاسم٥، وموسى
_________________
(١) ١ عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن قاضي مصر وعالمها ومحدثها، كان من بحور العلم على لين في حديثه. قال بعض الحفاظ يروى حديثه ويذكر في الشواهد والاعتبارات والملاحم، لا في الأصول. وبعضهم يبالغ في وهنه، ولا ينبغي إهداره، وتتجنب تلك المناكير فإنه عدل في نفسه، وكان صالحا لكنه يدلس عن الضعفاء ثم احترقت كتبه. ولد سنة خمس أو ست وتسعين وتوفي سنة ١٧٤هـ. انظر ميزان الاعتدال ٢/٤٧٥- ٤٨٢، وسير أعلام النبلاء ٨/١١-١٤. ٢ بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصري أبو محمد أو أبو عبد الملك، ثقة ثبت، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين وله نيف وسبعون سنة. انظر تقريب التهذيب ص١٢٧. ٣ سليمان بن يزيد الكعبي أبو المثنى الكعبي الخزاعي روى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعباد بن إسحاق وروى عنه ابن وهب، قال عنه أبو حاتم: منكر الحديث، ليس بقوي، وقال الحافظ: ضعيف. انظر الجرح والتعديل ٤/١٤٩، وتقريب التهذيب ص٦٧٠. ٤ عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ، عابد، مات سنة ٩٧هـ وله اثنتان وسبعون سنة. تقريب التهذيب ص٣٢٨. ٥ عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي - بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف- أبو عبد الله المصري الفقيه، صاحب مالك ثقة من كبار العاشرة، مات سنة ١٩١هـ. انظر تقريب التهذيب ص٤٣٨.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ابن صالح١ وغيرهم ممن لم أسم بجميع ما في هذا الكتاب من أمر عمر ابن عبد العزيز على ما سميت ورسمت، وفسرت، وكل واحد منهم قد أخبرني بطائفة فجمعت ذلك كله٢.
_________________
(١) ١ موسى بن صالح الهمداني الكوفي روى عن ابن أبي ليلى قال ابن أبي حاتم: منكر الحديث. انظر الجرح والتعديل ٨/١٤٧، وميزان الاعتدال ٤/٢٠٧. والسند عند ابن عبد الحكم في ص٢٣ ط. دار عالم الكتب تحقيق أحمد عبيد عام ١٤٠٤هـ الطبعة السادسة. ٢ يرى الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى جواز رواية الحديث عن جماعة ملفقا مجملا فقد قال في حديث الإفك عند ذكر فوائده: "وفي هذا الحديث من الفوائد جواز رواية الحديث عن جماعة ملفقا مجملًا". انظر البخاري مع الفتح ٨/٤٧٩. قلت: إذا جاز ذلك في الحديث الذي يبنى الأحكام عليه فلأن يجوز في الآثار التي يستأنس بها من باب أولى. وعبد الله بن عبد الحكم وثقه أبو زرعة، وغيره ولم يتكلم في حفظه، فمثله يقبل منه في جمع الشيوخ. لكن من المهم الإشارة أن غالب الذين ذكرهم المصنف في هذا السند لم يلتقوا بعمر بن عبد العزيز فكيف رووا عنه؟ فيحتمل أن بعض الآثار عن عمر كانت وجادة وجدوها في كتبه التي كان يرسل بها إلى عماله، وبعض الآثار كانت مشافهة مع الذين التقوا به لكن لشهرتها بين الناس في زمنهم ولعدم بناء حكم مستقل منها أهملوا جانب السند بدليل أن بعض هذه الآثار الموجودة في هذا الكتاب قد جاءت مسندة عنه بطريق متصل صحيح كما سيأتي، وقلما ينفرد ابن عبد الحكم بخبر إلا وجد من تابعه فيه. وسأكتفي بذكر السند هنا فكل أثر أذكر فيه ابن عبد الحكم فقصدي أن سنده قد ذكر في هذه الصفحة في جميع أبواب وفصول، ومباحث هذه الرسالة. وحيث توبع فسأذكر من تابعه أو ما يشهد لأثره إن شاء الله.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ومن ذلك: أن عمر بن عبد العزيز كان يدعو بهذا الدعاء.
"اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما برح بي هذا الدعاء حتى لقد أصبحت ومالي في شيء من الأمور هوى إلا في مواضع القضاء١.
٥- ابن الجوزي قال: حدثني الزبير بن بكار، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر فاغفر لي ما بينهما"٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٧، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٢، عن مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: والبيهقي في القضاء والقدر والرد على من يحتج بالقدر ص٩، تحقيق عبد العزيز الأثري الطبعة الأولى عام ١٤١٦هـ مكتبة السنة مصر، وابن أبي الدنيا في كتاب الرضى عن الله بقضائه والتسليم بأمره ص٥٢، تحقيق ودراسة مصطفي عبد القادر عطا طبعة مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٢، والزبير بن بكار هو ابن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الأسدي أبو عبد الله بن أبي بكر قاضي المدينة ثقة أخطأ السليماني في تضعيفه من صغار العاشرة، مات ٥٦هـ. تقريب التهذيب ص٢١٤، وأخرج الأثر أيضا أبو حفص الملاَّء ١/٣٤٣.
[ ١ / ٢٠٦ ]
٦- ابن أبي الدنيا قال: قال داود بن رشيد: نا الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قال: ما قلب عمر بن عبد العزيز نظره إلى نعمة أنعم الله ﷿ بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمة الله كفرا أو أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثني عليك بها"١.
٧- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر يقول: "يا رب خلقتني وأمرتني ونهيتني، ورغبتني في ثواب ما أمرتني به، ورهبتني عقاب ما نهيتني عنه، وسلطت علي عدوا فأسكنته صدري وأسكنته مجرى دمي، إن أهم بفاحشة شجعني، وإن أهم بطاعة ثبطني لا يغفل إن غفلت ولا ينسى إن نسيت ينصب لي الشهوات، ويتعرض لي في الشبهات، وإلا تصرف عني
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا الشكر لله ﷿ ص٣٢ تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول طبعة مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الأولى بيروت لبنان عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م. وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٢ وانظر كذلك أبو حفص الملاَّء ١/٣٤٣،وابن عساكر ٤٥/٢٢٨.
[ ١ / ٢٠٧ ]
كيده يستزلني، اللهم فاقهر سلطانه علي بسلطانك عليه حتى تخسئه بكثرة ذكري لك فأفوز مع المعصومين بك ولا حول ولا قوة إلا بك"١.
٨- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز في الزلزلة:
أما بعد: فإن هذا الرجف شيء يعاتب الله به العباد، وقد كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا، فمن كان عنده شيء فليصدق٢. قال الله ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٣، وقولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٨، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤١- ٢٤٢، وله غيرها من الأدعية فانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٧- ٩٨. ٢ في الحلية " يتصدق" بدل فليصدق. ٣ الآية ١٤ -١٥ من سورة الأعلى. ٤ الآية ١٣ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقولوا كما قال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢"٣.
٩- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أمراء الأجناد أما بعد: فإن الناس ما اتبعوا كتاب الله نفعهم في دينهم ومعايشهم في الدنيا ومرجعهم إلى الله فيما بعد الموت، وإن الله أمر في كتابه بالصلاة على النبي ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤، صلوات الله على محمد رسول الله والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ثم قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ٥، فقد جمع الله ﵎ في
_________________
(١) ١ الآية ٤٧ من سورة هود. ٢ الآية ٨٧ من سورة الأنبياء. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص ٦٤، وابن الجوزي سيرة عمر ص ١٢٨- ١٢٩، وابن أبي الدنيا كتاب العقوبات ص٣٢، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٥٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٤-٣٠٥. ٤ الآية ٥٦ من سورة الأحزاب. ٥ الآية ١٩ من سورة محمد.
[ ١ / ٢٠٩ ]
كتابه أن أمر بالصلاة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين والمؤمنات، وأن رجالا من القصاص قد أحدثوا صلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل ما يصلون على النبي وعلى المؤمنين فإذا أتاك كتابي هذا فمر قصاصكم فليصلوا على النبي ﷺ وليكن فيه إطناب دعائهم وصلاتهم ثم ليصلوا على المؤمنين والمؤمنات، ولينتصروا الله ولتكن مسألتهم عامة للمسلمين وليدعوا ما سوى ذلك ١.
١٠- ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين بن علي٢، عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز، أما بعد: فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ فإذا أتاك
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٠-٨١، وأبو حفص الملاَّء ٢/٤٨٨، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٩. ٢ الحسن بن علي أبو عبد الله الجعفي الكوفي مولاهم روى عنه ابن أبي شيبة، ثقة. انظر الجرح والتعديل ٣/٥٥- ٥٦، وجعفر بن برقان روى عن عكرمة وميمون بن مهران، والزهري، ثقة. قال أبو حاتم: محله الصدق، أحاديثه عن الزهري مضطربة. انظر الجرح والتعديل ٢/٤٧٤- ٤٧٥.
[ ١ / ٢١٠ ]
كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعون ما سوى ذلك١.
١١- ابن عبد الحكم قال: ولما مرض عمر بن عبد العزيز مرضه الذي مات منه، وقد مات أعوانه، سهل أخوه، وعبد الملك ابنه ومزاحم مولاه، قام حبْوا٢ إلى شن٣ معلق فتوضأ منه فأحسن الوضوء ثم أتى مسجده فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إنك قد قبضت سهلا، وعبد الملك، ومزاحما، - وكانوا أعواني على ما قد علمت - فلم أزدد لك إلا حبًا، ولا فيما عندك إلا رغبة فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. فما قام من مرضه ذلك حتى قبضه الله تعالى فرحمه الله٤.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة في المصنف ٨/٢٤١، وعنه ابن الجوزي في سيرة عمر لكنه بدأ السند بجعفر بن برقان. انظر ابن الجوزى سيرة عمر ص٢٩٠- ٢٩١، والأثر أخرجه الحافظ ابن حجر في الفتح بمعناه ٨/٥٣٤، وحسن إسناده عند إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن له، وقد أخرج الأثر أيضا أبو حفص الملاَّء ٢/٤٨٨، وصححه الألباني في فضل الصلاة على النبي ﷺ للإمام إسماعيل بن إسحاق الجهضمي ص٦٨ ط. المكتب الإسلامي ط. الثالثة ١٣٩٧هـ. ٢ حبوا: حبا الصبي حبوا زحف، والبعير برك وزحف انظر المعجم الوسيط ١/١٥٣. ٣ الشن: القربة الخَلَقُ الصغيرة يكون الماء فيها أبرد من غيرها. المعجم الوسيط١/٤٩٧. ٤ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٠- ١٠١، وانظر الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٦٠١،وانظر ابن رشد الجد البيان والتحصيل ١٧/٤١٣ طبعة دار الغرب الإسلامي.
[ ١ / ٢١١ ]
١٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز:" اللهم إني قد مللتهم وملوني فأرحني منهم، وأرحهم مني، قال: فما عاد إلى المنبر ثانية حتى قبضه الله عز وجل١.
١٣- ابن عبد الحكم قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي زكريا، وكان من صلحاء أهل الشام فقال له ادع الله أن يميتني " فدعا له٢.
١٤- الفسوي قال: حدثنا "عبد الله بن عثمان" قال: قال عبد الله ٣ قال عمر بن عبد العزيز: إني فكّرت في أمري وأمر الناس فلم أر شيئا خيرا من الموت، قال عبد الله - يعني لفساد الناس وما دخلهم - فقال لقاصه "محمد بن قيس": ادع لي بالموت فأبيت وأبي علي قال: فدعوت له وعمر رافع يديه يؤمن على دعائي وهو يبكي "٤.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٩. ٢ المصدر السابق ص٩٩، وعند ابن عساكر رواية أخرى نحوها، انظر تاريخ دمشق ٤٥/٢٤٨. ٣ يعني ابن المبارك، لأنه صرح باسمه في ١/٤٩٠ من المعرفة والتاريخ. ٤ الفسوي المعرفة والتاريخ ١/٥٩١، وعنه ذكره ابن الجوزي في سيرة عمر ص٢٤٠، وفيه زيادة، وذكره أيضا أبو حفص الملاء ٢/٦٤٣.
[ ١ / ٢١٢ ]
١٥- أبو زرعة قال: أخبرني الحارث بن مسكين عن ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يحدث أن عمر بن عبد العزيز قال لبعض من يخلو معه: ادع الله لي بالموت١.
١٦- ابن عبد ربه قال: قال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فكثر بكاؤه ومسألته ربه الموت، فقلت: لم تسأل الموت! وقد صنع الله على يديك خيرا كثيرا، أحيا بك سننا، وأمات بك بدعا، قال: أفلا أكون مثل العبد الصالح حين أقر الله عينه وجمع له أمره قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٢،٣.
_________________
(١) ١ أبوزرعة في التاريخ ص٦٤، طبعة دار عالم الكتب بيروت. وضع حواشيه خليل المنصور الطبعة الأولى عام ١٤١٧هـ، ومن طريقه ابن عساكر ٤٥/٢٤٨. والحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف مولى بني أمية أبو عمرو المصري قاضيها ثقة فقيه. تقريب التهذيب ص١٤٨. ٢ الآية ١٠١ من سورة يوسف. ٣ ابن عبد ربه العقد الفريد ٤/٣٩٦.
[ ١ / ٢١٣ ]
التعليق:
يتبين من الآثار التي تقدم ذكرها عدة مسائل تتعلق بالدعاء وقبل بيان هذه المسائل وإيضاح ما تدل عليه يحسن تعريف الدعاء أولا:
فالدعاء لغة: الطلب والابتهال: يقال: دعوت الله أدعوه دعاء: ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعا الله: طلب منه الخير ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب الشر له١.
والدعاء في الاصطلاح هو: "استدعاء العبد ربه ﷿ العناية واستمداده إياه المعونة"٢.
وقد صح في النصوص أن الدعاء هو العبادة٣، وقد اتفق جميع العقلاء على أن الدعاء نفعه محسوس، وكل إنسان محتاج إليه، لكن أورد بعض الضلال الجهلة سؤالا مفاده: "أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله
_________________
(١) ١ الفيومي المصباح المنير ص٧٤، والمعجم الوسيط ١/٢٨٦. ٢ انظر: الخطابي شأن الدعاء ص٤. ط. دار الثقافة العربية دمشق وبيروت ط. الثالثة عام ١٤١٢هـ. ٣ سنن ابن ماجة ٢/١٢٥٨، ونص الحديث "أن الدعاء هو العبادة ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ " والترمذي ٥/٤٢٦، وقال حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٢١٤ ]
العبد أو لم يسأله. فوهموا واعتقدوا صحة هذا السؤال فتركوا الدعاء، وقالوا لا فائدة فيه. وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون، فلو اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب، فيقال لأحدهم: إن كان الشبع، والري قد قدرا لك فلا بد من وقوعهما أكلت أو لم تأكل، وإن كان الولد قد قدر لك فلا بد منه وطئت الزوجة أو الأمة أو لم تطأهما، وإن لم يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوج والتسرى، وهلم جرا، فهل يقول هذا عاقل أو آدمي؟! بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات أعقل، وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام يل هم أضل سبيلا١ وعلى هذا فالمسألة الأولى التي تدل عليها الآثار السابقة هي: أن كون الدعاء سبب من أسباب وقوع المقدور به والمدعو به هو المأثور عن عمر بن عبد العزيز فقد قال للرجل الذي دعا له بقوله أبقاك الله بأن هذا قد فرغ منه وقضى قضاء مبرما، لكنه طلب من الرجل أن يدعو له بالصلاح، وهذا دليل على أنه يرى أن الدعاء سبب من أسباب وقوع المدعو به كما يتأكد ذلك بقوله لمحمد بن
_________________
(١) ١ انظر: ابن القيم الجواب الكافي ص ١٥. ط. دار الفكر بيروت. وانظر الدعاء ومنزلته من العقيدة لجيلان بن خضر العروسي ١/٣٨١، ط. مكتبة الرشد الرياض عام ١٤١٤هـ.
[ ١ / ٢١٥ ]
المنكدر: "أفتح لك فيه الدعاء؟ " قال ذلك حين رآه مهموما لديْن كان عليه فقال محمد نعم. فقال عمر فقد بارك الله لك فيه.
وهذا المأثور عن عمر بن عبد العزيز هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة والذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١، فإذا لم يكن الدعاء سببا من أسباب وقوع المدعو به لم يكن للأمر بالدعاء في الآية فائدة وهو بلا شك منتف.
وقال ﷺ: "من لم يسأل الله يغضب عليه"٢، وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته فلولم يكن للدعاء فائدة لاستوى الداعي وغيره وهذا خلاف ما دل عليه نص الحديث الشريف.
ومن أقوال السلف الصالح المؤيدة لما أثر عن عمر ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه"٣،
_________________
(١) ١ الآية ٦٠ من سورة غافر. ٢ رواه الترمذي ٥/٤٥٦، وابن ماجه ٢/١٢٥٨، وأحمد ٢/٤٤٢، وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. ٣ ابن القيم: الفوائد ص ١١٠ ط دار الكتب العلمية، والجواب الكافي ص١٦.
[ ١ / ٢١٦ ]
وقول الطحاوي: "والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات"، قال شارحه: "والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار"١.
وقال ابن القيم: "والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن".
وقال: "وله مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه"٢.
والمسألة الثانية هي: أن من شروط الدعاء الإخلاص وحضور القلب. وهذا ما بينه عمر حين نبه الرجل الذي يدعو وهو يلعب بحصاة ويقول: اللهم زوجني من الحور العين فقام إليه وقال بئس الخاطب أنت ألا ألقيت الحصاة، وأخلصت إلى الله في الدعاء.
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٦٧٦. ٢ الجواب الكافي ص ١٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
وهذا الذي أثر عن عمر هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين ﴾ ١، وقال ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢.
وقال ﷺ: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه"٣.
وقد أمر الله تعالى بحضور القلب والخشوع في الذكر، والدعاء فقال سبحانه ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٤.
وأما المسألة الثالثة فهي: أن المشروع في التوسل هو التوسل بالأعمال الصالحة، كما فعل عمر بن عبد العزيز حيث توسل بالتوحيد والطاعة، وطلب الغفران من الله تعالى حين قال: اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من سورة غافر. ٢ الآية ٥ من سورة البينة. ٣ سنن الترمذي ٥/٤٨٣، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ٢٧٦٦. ٤ الآية ٢٠٥ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٢١٨ ]
إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر، فاغفر لي ما بينهما.
ولا شك أن التوسل بالأعمال الصالحة مشروع، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار١، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب الله دعاءهم ويفرج كربتهم وقد توسل المؤمنون بأعمالهم الصالحة من الإيمان وقدموه قبل الدعاء. قال تعالى: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار﴾ ٢، فإنهم قدموا الإيمان قبل الدعاء وأمثال ذلك كثير٣.
ومما يقدم قبل الدعاء الثناء على الله تعالى بتعداد النعم التي أنعمها عليه، والتعوذ، وطلب العصمة من الله تعالى من شر الشيطان الرجيم، فبين عمر أن التوفيق والهداية من الله تعالى. ثم طلب من الله ﵎ أن يعصمه من شر الشيطان. وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن الكريم، وفي الأدعية الصحيحة عن النبي ﷺ فلا نطيل بذكرها.
_________________
(١) ١ انظر: قصتهم في صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٢١٤-٢١٦ رقم ٢٧٤٣. ٢ الآية ١٩٣ من سورة آل عمران. ٣ انظر الفتاوى ١/٣٠٩ بتصرف.
[ ١ / ٢١٩ ]
والمسألة الرابعة: أمره ﵀ الرعية بالالتجاء إلى الله تعالى، والتصدق والاستغفار، والخروج إلى المصلى عند ما حصلت الزلزلة بالشام. وذلك تأسيا بالرسول الله ﷺ فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى في الكسوف وبعد الصلاة خطب الناس وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا لله وكبروا وصلوا وتصدقوا "١.
والمقصود أن مما يشرع له الصلاة والدعاء والتضرع (عند عمر بن عبد العزيز) حدوث بعض الآيات وقد بين ﷺ في أحاديث أخرى أن الزلازل من أمارات الساعة٢ ولا شك أن حدوث الزلزلة مما يوجب التخوف المفضي إلى الخشوع والإنابة، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال رحمه الله تعالى: والزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده كما يخوفهم بالكسوف وغيره من الآيات، والحوادث لها أسباب وحكم، فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من حكمة ذلك "٣.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٢/٥٢٩، رقم ١٠٤٤. ٢ انظر البخاري مع الفتح ٢/٥٢١، رقم ١٠٣٦. ٣ الفتاوى ٢٤/٢٦٤، وانظر كذلك ٣٦/١٦٩.
[ ١ / ٢٢٠ ]
ولعل عمر لاحظ في هذا عموم الأدلة الدالة على التضرع والإنابة، وما يشرع في حالة الخسوف والكسوف.
والمسألة الخامسة: نهيه رحمه الله تعالى عن الابتداع في الدعاء، ويتضح ذلك بنهيه عن الصلاة على غير الأنبياء ﵈، وقد بيّن أن الصلاة خاص بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء، أما من عداهم فيدعى لهم فقط، لأنهم من ضمن المؤمنين والله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ١.
قال ابن القيم روي عن عبد الله ابن عباس ﵄ أنه قال: "لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار "٢.
وقال النووي: أجمعوا على الصلاة على نبينا محمد ﷺ، وكذلك أجمع من يعتد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالا. وأما غير الأنبياء فالجمهور على أنه لا يصلى عليهم ابتداء فلا يقال أبو
_________________
(١) ١ الآية ١٩ من سورة محمد. ٢ انظر جلاء الأفهام لابن القيم ص٢٦٠، ومصنف ابن أبي شيبة ٢/٤٠١ عن ابن عباس ﵄. وفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه ويسلم ص٦٧، وقال الألباني إسناده صحيح.
[ ١ / ٢٢١ ]
بكر ﷺ واختلفوا في هذا المنع. فقال بعض أصحابنا: هو حرام، وقال أكثرهم: مكروه كراهة تنزيه، وذهب كثير منهم إلى أنه خلاف الأولى، وليس مكروها. والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كما أن قولنا ﷿ مخصوص بالله ﷾. فكما لا يقال محمد ﷿ وإن كان عزيزا جليلًا لا يقال: أبو بكر وعمر ﷺ وإن كان معناه صحيحا "١.
والصواب في الصلاة على غير النبي ﷺ التفصيل في ذلك.
فإذا لم يكن على وجه الغلو، ولم يجعل ذلك شعارا لغير الرسول ﷺ، فهذا نوع من الدعاء، وليس في الكتاب والسنة ما يمنع منه وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ٢، وقال النبي ﷺ: "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث" ٣، وفي
_________________
(١) ١ الأذكار للنووي ص١٠٨، وانظر صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٥٠- ١٥١. ٢ الآية ٤٣ من سورة الأحزاب. ٣ البخاري مع الفتح ١/٥٣٨،رقم ٤٤٥،ومسلم بشرح النووي ٢/٢٩٦، رقم ٦٦١.
[ ١ / ٢٢٢ ]
حديث قبض الروح: "صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه"١، وهذا هو المنصوص عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وأما إن جعل الصلاة على غير النبي ﷺ على وجه الغلو كما كانت تفعله الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره فهذا مكروه منهي عنه وهذا هو السبب في قول ابن عباس لا أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
المسألة السادسة: ما أثر عن عمر من الدعاء على نفسه بالموت، فإن حمل ذلك على الدعاء بحسن الخاتمة فلا إشكال، وأما إن حمل على الدعاء بالموت ففيه إشكال لأنه قد ورد في الصحيحين عن الرسول ﷺ أنه نهى عن تمني الموت لضر نزل بالإنسان ونهى عن الدعاء به كما في صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٣٢٧، رقم ٢٨٧٢. ٢ انظر مجموع الفتاوى ٢٢/٤٧٢- ٤٧٣- ٤٧٤، وانظر جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم ص٢٧١ طبعة دار الكتب العلمية الطبعة الأولى عام ١٤٠٥هـ.
[ ١ / ٢٢٣ ]
كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" ١، وحديث أنس أيضا: "لولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تمنوا الموت" لتمنيت" ٢، وحديث خباب: "لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به"٣ وإذا تبين هذا فما أثر عن عمر يمكن حمله على إحدى الحالات الآتية:
الحال الأولى: أن يكون عمر بن عبد العزيز طلب الدعاء له بالموت على الإيمان ودعا به اقتداء بالصالحين قال تعالى مبينا دعاء المؤمنين: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ ٤ وقال ﷿ عن نبيه يوسف ﵇: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٥ فهذا الدعاء من سنن المرسلين وهو من شعار الصالحين، وأيضا د عي به - ﵀ - خوفا من الفتنة في الدين لاسيما عند وفاة أعوانه ابنه عبد الملك ومولاه مزاحم، وأخيه سهل، كما صرح به في دعائه.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٠/١٢٧، رقم ٥٦٧١، ومسلم بشرح النووي ٦/١٧٩، رقم ٢٦٨٠. ٢ صحيح مسلم ٢/١٧٩، رقم ٢٦٨٠. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٢٢٠/٧٢٣٤. ٤ الآية ١٩٣ آل عمران، ومعنى الآية: اجعلنا ممن توفيتهم طائعين لك. ٥ الآية١٠١ يوسف، ومعنى الآية: إذا جاء أجلى توفني مسلما.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الحال الثانية: أن تكون الأحاديث المشعرة بالنهي عن الدعاء بالموت لم تبلغه، وقد كان ﵀ راضيا بقضاء الله وقدره وهو القائل لقد أصبحت ومالي في الأمور هوى إلا في مواضع القضاء.
الحال الثالثة: أن يكون لما علم بسقيه السم، وتيقن ذلك، دعا لنفسه بالموت على الإيمان حتى لا يكون ممن كره لقاء الله تعالى. وخوفا من سوء الخاتمة.
ولا شك أن الدعاء بالموت مطلقا ليست فيه مصلحة ظاهرة لأنها طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد لاسيما لمن يكون مؤمنا فإن استمرار الإيمان من أفضل الأعمال١، لكن إذا نزل هذا وحضر وتيقن المرء بدنو أجله فيستحب له أن لا يكره الموت إذا حضر لئلا يدخل فيمن كره لقاء الله تعالى والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٣/٢٢١ بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٢٥ ]
المبحث الثاني: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الشكر
١٧/١- ابن عبد الحكم قال: وكتب إلى عمر عدي بن أرطأة١ أنه قد أصاب الناس من الخير خير حتى لقد خشيت أن يبطروا. قال فكتب إليه عمر: إن الله ﵎ حين أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النارِ النار رضي من أهل الجنة بأن ﴿َقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ ٢، فمر من قبلك أن يحمدوا الله٣.
١٨/٢- ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: ذكر النعم شكرها٤.
_________________
(١) ١ عدي بن أرطأة الفزاري عامل عمر مقبول. انظر تقريب التهذيب ص٣٨٨. ٢ الآية ٧٤ من سورة الزمر. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٤، وانظر: ابن سعد في الطبقات ٥/٣٨٣، وأبو حفص الملاء ٢/٤٨٩، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٧٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٣. ٤ ابن أبى شيبة في المصنف ٨/٢٤٠، وانظر: ابن أبى الدنيا الشكر لله ﷿ ص٣٠، عن يحيى بن سعيد: "ذكر النعم شكر" وأبو خالد هو سليمان بن حيان الأزدي صدوق يخطئ، ت ٩٠هـ، تقريب التهذيب ص٢٥٠. وأخرج الأثر ابن عساكر ٤٥/٢٢٨،وابن الجوزي سيرة عمر ص ٢٤٧، وهناد السرى في الزهد ٢/٤٠٠.
[ ١ / ٢٢٦ ]
١٩/٣- ابن أبي الدنيا قال: حدثكم أحمد بن سلمان نا عبد الله، نا محمد بن صدران الأزدي، نا عبد الله بن خراش، نا يزيد بن يزيد، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: قيدوا نعم الله ﷿ بالشكر لله تعالى١.
٢٠/٤- ابن أبى الدنيا أيضا قال: قال داود ابن رشيد، نا الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قال: ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره إلى نعمة أنعم الله ﷿ بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا، أو أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثني بها"٢.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا كتاب الشكر لله تعالى ص١٩، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٧. وفي الأثر عبد الله بن خراش - بالخاء المعجمة - ابن خوشب الشيباني أبو جعفر الكوفي، ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار الكذب. انظر تقريب التهذيب ص٣٠١. ٢ المصدر السابق ص٣٢،وقدتقدم الأثر برقم (٦) وداود بن رشيد أبو الفضل البغدادي صدوق. الجرح والتعديل ٣/٤١٢، والوليد بن مسلم هو الدمشقي أبو العباس مولى لبني أمية روى عن الأوزاعي، وابن جابر، ثقة كثير التدليس والتسوية، انظر تقريب التهذيب ص٥٨٤، والجرح والتعديل ٩/٢١٦. وابن جابر هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي روى عنه الوليد بن مسلم ثقة. الجرح والتعديل٥/٢٩٩- ٣٠٠.
[ ١ / ٢٢٧ ]
٢١/٥- ابن أبي الدنيا أيضا قال: حدثني الحسن بن محبوب أخبرنا أبو توبة الربيع ابن نافع، حدثنا أبو ربيعة عن أبيه عن جده قال: كتب عمر ابن عبد العزيز إلى بعض عماله أما بعد: أوصيك بتقوى الله وأحثك على الشكر فيما عندك من نعمته وآتاك من كرامته فإن نعمه يمدها شكره ويقطعها كفره "١.
٢٢/٦- هناد السرى في الزهد قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ذكر النعمة شكرها٢.
٢٣/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا مرثد بن يزيد، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: قيدوا نعمة الله بالشكر لله عز وجل٣.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا ذم الدنيا ص٨١ والحسن بن محبوب بن الحسن القرشي قال عنه أبو حاتم لا بأس به. الجرح والتعديل ٣/٣٨، والربيع بن نافع أبو توبة الحلبي ثقة حجة عابد. تقريب ص٢٠٧، وأبو ربيعة وأبوه وجد هـ لم أجدهم. وذكر هذا الأثر ابن الجوزي سيرة عمر ص ٢٥٤-٢٥٥، وأبو حفص الملاء ٢/٤٦٠-٤٦١. ٢ هناد السرى في الزهد ٢ /٤٠٠ وأبو بكر بن عياش الأسدي الكوفي صدوق ربما غلط ذكره ابن حبان في الثقات، وانظر تهذيب الكمال ٣٣/١٢٩- ١٣٧، ويحيى ابن سعيد ثقة ثبت. تقريب ص٥٩١. ٣ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٧، وانظر ابن أبي الدنيا كتاب الشكر لله ص١٩، ومرثد بن يزيد لم أجده. وأخرج الأثر أبو حفص الملاء ٢/٤٩١.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٢٤/٨- ابن الجوزي قال: وعن عبد الله بن مروان الشامي أن عمر ابن عبد العزيز أتى بعض أهله فقرب إليه طعاما كثيرا فقال عمر: ويحك يا فلان دون هذا ما يسد الجوعة ويذهب سورة النفس، وتقدم فضل ذلك ليوم فقرك وفاقتك. فقال يا أمير المؤمنين إن الله أوسع وأحسن. فقال عمر بن عبد العزيز: فعند ذلك فقد وجب عليك الشكر ثم نهض١.
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تبين أنَّ شكر الخالق ﵎ على نعمه الكثيرة وآلائه الجسيمة مأمور به، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٩، وأبو حفص الملاء ٢/٤٦٩. وعبد الله بن مروان لم أجده. ٢ الآية ١٧٢ من سورة البقرة. ٣ الآية ١٥٢ من سورة البقرة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
والشكر يستلزم المزيد قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ١.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قام حتى تورمت قدماه، فقيل له تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟ "٢، وأمر ﷺ معاذا بأن يقول دبر كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ٣.
وما أثر عن عمر - رحمه الله تعالى- في هذا الجانب يبين منهج السلف في التعامل مع النعم التي ينعمها الخالق على عباده، ولا ريب أن شكر النعم رباط لبقائها والاستزادة منها، فكانوا دائما يلهجون بالشكر إلى الله في كل حين لأنهم يعلمون أن شكر النعمة يؤدي إلى رضى الله ﷿، وأن عدم الشكر يؤدي إلى سخطه. كما بينت الآية التي ذكرناها آنفا، فمن وفقه الله إلى شكر النعم، فقد اعترف لله بفضله وبنعمته وقدرته
_________________
(١) ١ الآية ٧من سورة إبراهيم. ٢ البخاري مع الفتح ٣/١٤، رقم (١١٣٠) ومسلم بشرح النووي ٦/٢٩٦- ٢٩٧رقم (٢٨١٩) . ٣ أخرجه أبو داود ٢/٨٦،والنسائي ٣/٥٣، قال الحافظ ابن حجر وصححه ابن حبان، والحاكم. انظر البخاري مع الفتح ١١/١٣٣.
[ ١ / ٢٣٠ ]
فاستحق بذلك المدح والثناء، ومن غفل عن ذلك فقد استحق اللوم والعقاب.
والشكر مبني على خمس قواعد: قال ابن القيم - مبينا هذه الخمس - وهي: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره١.
ويظهر من الآثار السابقة وغيرها أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- قد استوفي هذه الشروط وهذه القواعد، فخضوعه لخالقه واضح في أمره لعماله بشكر الخالق ﵎، وأما حبه لخالقه فواضح من قوله في مرض موته اللهم إنك قبضت سهلا، وعبد الملك، ومزاحما، وكانوا أعواني على الحق فلم ازدد لك إلا حبا "٢.
وأما اعترافه بنعم ربه فقد أثر عنه في ذلك عدة أثار منها قوله: "ذكر النعم شكرها" وأما ثناؤه لربه فواضح من دعائه حين قال: "أو أنساها فلا أثني عليك بها" وأما عدم استعمال النعم فيما يغضب الله تعالى من المعاصي والآثام فسيرته العطرة مكتظة بالأمثلة الدالة على ذلك، وقد سبق ذكر بعضها.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٢/٢٥٤. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص ١٠٠-١٠١.
[ ١ / ٢٣١ ]
وتوجد فروق بين الحمد والشكر، فالحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد أولم يكن، وأما الشكر فلا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه فالحمد أعم من الشكر فإنه يكون على المحاسن والإحسان وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه لكنه يكون بالقلب واليد، واللسان، كما قيل:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا.
ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ ١.
والحمد إنما يكون بالقلب واللسان فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه والحمد أعم من جهة أسبابه٢.
هذا وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت أنه رأس الشكر فهو أول الشكر.
والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمال هو على نعمته. وهو عبادة له لإلهتيه التي تتضمن حكمته فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر.
_________________
(١) ١ الآية ١٣من سورة سبأ. ٢ انظر مجموع الفتاوى ١١/١٣٣- ١٣٤.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولهذا عظم القرآن أمر الشكر ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر، وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد ففي الفاتحة: الشكر، والتوحيد، والخطب الشرعية لابد من الشكر والتوحيد١
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ١٤/٣١٠- ٣١١.
[ ١ / ٢٣٣ ]
المبحث الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في التوكل
٢٥/١- الذهبي قال: قال معاوية بن يحيى: حدثنا أرطأة، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز لو جعلت على طعامك أمينا لا تغتال، وحرسيا إذا صليت، وتنح عن الطاعون، قال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف يوما دون القيامة فلا تؤمن خوفي١.
٢٦/٢- الذهبي أيضا قال: خالد بن مرداس حدثنا الحكم بن عمر، قال: كان لعمر بن عبد العزيز ثلاثمائة حرسيّ وثلاثمائة شرطي فشهدته يقول لحرسه: إن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله٢.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٥/١٣٩، ومعاوية بن يحيى أبو مطيع الأطرابلسي الشامي روى عن ارطأة بن المنذر. قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو زرعة: ثقة. الجرح والتعديل ٨/٣٨٤. وأرطأة بن المنذر الحمصي، ثقة من السادسة. تقريب ص٩٧. وأخرج الأثر ابن سعد في الطبقات ٥/٣٩٨، وابن عساكر ٤٥/٢٤٩.وهذا الدعاء إن صح عنه فهو محل نظر لأنه لا يجوز للمسلم أن يدعو على نفسه والله أعلم. ٢ سير أعلام النبلاء ٥/١٣٦، وابن عساكر ٤٥ /٢٢٠ وأخرج الأثر أيضا أبو حفص الملاء ٢/٤٤٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص١١٨- ١١٩. وخالد بن مرداس أبو الهيثم السراج روى عن الحكم بن عمرو، وكان ثقة. انظر تاريخ بغداد ٨/٣٠٧، والجرح والتعديل ٣/٣٥٢، والحكم بن عمرو الرعيني روى عن عمر بن عبد العزيز، وقيل ابن عمر قال يحيى ليس بشيء لا يكتب حديثه، وقال النسائي ضعيف. انظر الجرح والتعديل ٣/١١٩- ١٢٣، وميزان الاعتدال١/٥٧٨.
[ ١ / ٢٣٤ ]
٢٧/٣- ابن عبد الحكم في قصة مناظره عمر الخوارج وفيه قال عمر لأصحابه: "ابحثوهما أن لا يكون معهما حديدة"١.
٢٨/٤- ابن عبد الحكم قال: ولما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة نظر مولاه مزاحم إلى القمر فإذا القمر في الدبران٢ قال: فكرهت أن أقول ذلك له فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر فإذا هو بالدبران فقال كأنك أردت أن تعلمني أن القمر بالدبران يامزاحم، إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر ولكنا نخرج بالله الواحد القهار٣.
٢٩/٥- الفسوي قال: حدثنا عبد الله بن عثمان أخبرنا عبد الله٤، قال: عمر بن عبد العزيز لمزاحم مولاه - وكان فاضلا - قال: إن هؤلاء القوم - يعني أهله- أقطعوني ما لم يكن لي أن آخُذه، ولا لهم أن يعطوني، وإني هممت بردها على أربابها، قال: فقال: مزاحم فكيف تصنع بولدك؟
_________________
(١) ١ يقصد بذلك الخارجيين اللذين أمر بإدخالهما عليه ليناظراه. ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١١٣. ٢ الدبران: سيأتي التعريف بها في مطلب النهي عن التطير. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٢، وأبو حفص الملاء ٢/٣٣٦،وابن القيم في مفتاح دار السعادة ص٢٣٥. وسيأتي برقم ٤٢، ورقم ٥٨. ٤ هو ابن المبارك.
[ ١ / ٢٣٥ ]
قال: فخرت دموعه على وجنتيه، قال: فجعل يمسحها بإصبعه الوسطى ويقول: "أكلهم إلى الله "١.
٣٠/٦- ابن عبد الحكم قال: وعهد عمر برسالة مع منصور بن غالب حين بعثه على قتال أهل الحرب وفيها: "وأمره أن يكون عيونه من العرب، وممن يطمئن إلى نصيحته وصدقه من أهل الأرض، فإن الكذوب لا ينفع خبره، وإن صدق في بعضه، وإن الغاش عين عليك وليس بعين لك والسلام٢.
التعليق:
تتضح من الآثار المنقولة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث حرصه على التوكل مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
والتوكل هو الاعتماد على الله، مع الأخذ بالأسباب٣، وهو أصل من أصول التوحيد. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٤، وقال ﷿: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٥٨٦، وأبو حفص الملاء ١/٢٠٩. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٨، وأبو حفص الملاَّء ١/١٩٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٣. ٣ انظر: ابن الأثير النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/٢٢١. ٤ الآية ١٢٣من سورة هود. ٥ الآية ٥٨ من سورة الفرقان.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وفي سنن الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رجل يارسول الله - في أمر ناقته- أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ فقال ﷺ: "إعقلها وتوكل"١.
كما تتضمن المنع من التعلق بالأوهام التي لا حقيقة لها كالتطير، كما نجد في بعض هذه الآثار عدم التفاته إلى الأسباب الظاهرة، ومعلوم أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ مدح المتوكلين على الله تعالى، وبين مزاياهم ودرجاتهم عند الله وأنهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب٢ وقد بيّن ذلك ﷺ عمليا فكان - وهو سيد المتوكلين - يلبس لأمة الحرب،٣ ويمشي في الأسواق للاكتساب حتى قال الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاق﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي - كتاب صفة القيامة - باب٦١رقم٢٥١٧، وحسنه الألباني، انظر صحيح سنن الترمذي ٢/٣٠٩، وصحيح الجامع الصغير برقم ١٠٦٨. ٢ الحديث في صحيح مسلم ١/٤٤٧-٤٤٨-٤٤٩، رقم (٣٧١) . وموضع الشاهد من الحديث قوله "وعلى ربهم يتوكلون". ٣ انظر البخاري مع الفتح ٦ ص ٩٩الحديث رقم٢٩١٥ ٤ الآية ٧ من سورة الفرقان، وانظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٣٥٢.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ومما يجدر توضيحه هنا أن الأسباب تنقسم إلى قسمين:
أ- أسباب مأمور بها كالأكل والشرب، والنكاح، وركوب السفينة لمن احتاج إلى عبور البحر وغير ذلك.
ب- أسباب مباحة مثل كسب ما يتصدق به.
فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل، وقد تولى الحق إيصال العبد بها وأما ترك الأسباب المباحة فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحةً فممدوح، وإلا فهو مذموم١.
والتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويدفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها٢.
وقد كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - متوكلا على الله كما أنه أحيانا لا يركن إلى الأسباب لتمام توكله فمع كونه يبين لحراسه: "أن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا"، نجده لا يطردهم ولا يترك
_________________
(١) ١ انظر مدارج السالكين ٢/١٢١- ١٢٢. ٢ المصدر السابق ٢/١٢٥.
[ ١ / ٢٣٨ ]
الأسباب كليا، فيوجه إليهم الخطاب موضحا تعامله مع الأسباب "من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليحلق بأهله".
هذه هي طريقة السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، توكل على الله حق توكله واعتماد على الأسباب المباحة، والمأمور بها في كل حين ووقت. بخلاف غيرهم ممن يدّعى التوكل وهو متواكل يترك الأسباب ويستجدي الناس ظانا بجهله أن هذا هو التوكل. ولفشو الجهل وسيطرة هؤلاء المغفلين على كثير من المجتمعات المسلمة ظن بعض من لا علم له بأصول العقيدة الإسلامية أن الإسلام هو السبب في كثرة هؤلاء المتطفلين، والإسلام منهم براء، ولا شك أنه لو قدم إلى هؤلاء العقيدة الصحيحة لتقبلوها بقبول حسن.
[ ١ / ٢٣٩ ]
المبحث الرابع: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الخوف والرجاء
٣١/١- ابن سعد قال: أخبرنا عمر بن سعيد قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن عمر بن عبد العزيز استؤمر في البسط على العمال فقال: يلقون الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم١.
٣٢/٢- ابن سعد أيضا قال: أخبرنا علي بن محمد عن يزيد بن عياض ابن جعدبة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن أبي كريمة: إن أحق العباد بإجلال الله والخشية منه من ابتلاه بمثل ما ابتلاني به، ولا أحد أشد حسابا ولا أهون على الله إن عصاه مني فقد ضاق بما أنا فيه ذرعي وخفت أن تكون منزلتي التي أنا بها هلاكا إلا أن يتداركني الله منه برحمة، وقد بلغني أنك تريد الخروج في سبيل الله فأحب يا أخي إذا أخذت موقفك أن تدعو الله أن يرزقني الشهادة فإن حالي شديدة وخطري عظيم، فأسأل الله الذي ابتلاني بما ابتلاني به أن يرحمني ويعفو عني٢.
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٧٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٠٦-١٠٧. وعمر بن سعيد الدمشقي يروي عن سعيد بن عبد العزيز. قال أبو حاتم: كتبت حديثه وطرحته، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مسلم: ضعيف الحديث، مات سنة ٢٢٥هـ. انظر ميزان الاعتدال ٣/١٩٩، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي ثقة. انظر تقريب التهذيب ص٢٣٨، والجرح والتعديل ٦/١١١. ٢ ابن سعد الطبقات ٥/٣٩٤- ٣٩٥. ويزيد بن عياض بن جعدبة بن الليثي يكنى بأبي الحكم، كذبه الإمام مالك، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء ضعيف. انظر الجرح والتعديل ٩/٢٨٣.
[ ١ / ٢٤٠ ]
٣٣/٣- الفسوي قال: حدثنا الربيع بن روح حدثنا حنظلة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، قال: حدثني أبي عن أبيه، قال: قلت لعمر بن عبد العزيز - وقد هلك ابنه وأخوه ومولاه مزاحم في أيام -: يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا أصيب في أيام متوالية بأعظم من مصيبتك، ما رأيت مثل ابنك ابنا ولا مثل أخيك أخا ولا مثل مولاك مولى، قال فنكس ساعة ثم قال لي: كيف قلت يا ربيع؟ فأعدتها عليه. فقال: لا والذي قضى عليهم الموت ما أحب أن شيئا من ذلك كان لم يكن من الذي أرجو من الله فيهم١.
٣٤/٤- ابن عبد الحكم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العمال أما بعد:
_________________
(١) ١ الفسوي المعرفة والتاريخ ١/٦١٠. والربيع بن روْح اللاحوني - بمهملة - الحمصي ثقة من التاسعة. د س. تقريب ص٢٠٦، وحنظلة بن عبد العزيز لم أجده، وعبد العزيز لم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٥/٣٨٢، والربيع بن سبرة بن معبد الجهني روى عن أبيه، وروى عنه الزهري. ولم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل. الجرح والتعديل ٣/٤٦٢. قلت: يحتمل أنه حرملة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة الجهني من أهل ذي المروة روى عن عمه عبد الملك بن الربيع وروى عنه الحكم بن موسى ودحيم، والحميدي، ويعقوب بن حميد، قال أبو محمد: وروى عن أبيه عن جده، قال عنه يحيى بن معين: لا بأس به. الجرح والتعديل ٣/٢٧٤.
[ ١ / ٢٤١ ]
فإن هذا الأمر الذي ولاني الله لو كنت إنما أصبحت ورغبتي فيه مطعم أو ملبس أو مركب أو اتخاذ أزواج أو اعتقاد أموال لكنت قد بلغ بي من ذلك قبل ما ولاني من أفضل ما بلغ بعباده، ولكن أصبحت له خائفا أعلم أن فيه أمرا عظيمًا، وحسابا شديدا، ومسألة لطيفة، عند مجاهدة الخصوم بين يدي الله إلا ما عافي الله ورحم ودفع، وإني آمرك فيما وليتك من عملي وأفضيت إليك من أمري بتقوى الله وأداء الأمانة، واتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، وقلة الالتفات إلى شيء خالف ذلك، ليكون الذي آمرك به في سيرتك، والنظر في نفسك وفي عملك وما تفضي به إلى ربك وما تعمل به فيما بينك وبين الرعية قبلك، وأنت تعلم علما يقينا أنه ليست نجاة ولا حرز إلا أن تنزل بذلك المنزل من طاعة الله، ودع أن ترصد شيئا ليوم ترجوه غدا من الله، وتخاف منه فإنك رأيت عبرا في نفسك وعبرا ما مثلها وعظ مثلنا وكفي ١.
٣٥/٥- ابن الجوزي قال: حدثنا أبو زيد الدمشقي قال: لما ثقل عمر ابن عبد العزيز دعي له طبيب فلما نظر إليه قال الرجل: قد سقي السم، ولا آمن عليه الموت فرفع عمر بصره فقال: ولا تأمن الموت أيضا على من لم يسق السم. قال الطبيب: هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم قد عرفت حين وقع في بطني. قال: فتعالج يا أمير المؤمنين؟ فإني
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨١- ٨٢، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٧٠.
[ ١ / ٢٤٢ ]
أخاف أن تذهب نفسك. فقال ربي خير مذهوب إليه، والله لو علمت أن شفاي عند شحمة أذني، ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته١، اللهم خرْ لعمر في لقائك. قال فلم يلبث أياما حتى مات٢.
٣٦/٦- ابن الجوزي أيضا: وعن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك. السلام عليك: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإني كتبت إليك وأنا دنف ٣ من وجعي وقد علمت أني مسؤول عما وليت يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة. ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئا يقول تعالى فيما يقول: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ٤. فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت ونجوت
_________________
(١) ١ هكذا في الكتاب ولعل الصحيح "فأتناوله". ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣٤٠، وأبو زيد الدمشقي لم أجده. وانظر أبو حفص الملاَّء ٢/٦٣٨- ٦٣٩، وابن عساكر ٤٥/٢٤٩، وابن أبي الدنيا كتاب المحتضرين ص٨٢-٨٣، ط. دار ابن حزم عام ١٤١٧هـ بيروت وهذا الأثر يدل على إحسان عمر الظن بالله وخاصة في مثل هذه الحال وبناء على ذلك فلا يعارض ما سبق من أمره بالبحث عن الخارجيين اللذين أمر بإدخالهما عليه ومن ناحية السند فان الأثر الأول أقوى إسنادا من أثرنا هذا والله أعلم. ٣ دنف الرجل من مرضه براه المرض حتى أشفي على الهلاك لسان العرب٩ /١٠٧ ٤ الآية ٧ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٢٤٣ ]
من الهوان الطويل، وإن سخط علي فياويح نفسي إلى ما أصير، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته وأن يمن علي برضوانه والجنة ١.
٣٧/٧- ابن القاسم عن مالك قال: إن عمر بن عبد العزيز كان رجلا عيشه هذه القطاني، وأنه أكل يوما عدسا، وشرب عليه ماء، ثم استلقى فضرب على بطنه فقال: "بطين بطيئ عن أمر الله يتمنى على الله منازل الأبرار" - شك ابن القاسم في ضرب بطنه عن مالك٢.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣٤٠- ٣٤١، وقتادة هو: ابن دعامة السدوسي البصري روى عن أنس بن مالك. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة وصف بالحفظ والإتقان. انظر الجرح والتعديل ٧/١٣٣- ١٣٤- ١٣٥. والأثر رواه أبو نعيم بسنده حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق السراج الثقفي، ثنا محمد بن الصباح، ثنا عمر بن حفص، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عمر، به. انظر الحلية ٥/٢٧٤- ٢٧٥. ٢ ابن رشد الجد البيان والتحصيل ١٨/٤٧٤- ٤٧٥، تحقيق الدكتور محمد حجي عام ١٤٠٨هـ ط. دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان. وانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٥٠، والفسوى في المعرفة والتاريخ ١/٥٨٥، عن عبد الله بن عثمان، عن ابن المبارك، عن ميمون بن مهران، به. مع بعض الاختلاف في اللفظ.
[ ١ / ٢٤٤ ]
التعليق:
يظهر مما أثر عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- جمعه بين الخوف والرجاء ولا شك أن الجمع بين الخوف والرجاء هو من عقيدة السلف الصالح، وهو توسط المؤمن بين الأمن من مكر الله واليأس من روح الله، فالسلف كانوا يخافون ربهم ويرجون رحمته، وهم سائرون على ما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١.
قال أحد السلف: الخوف والرجاء، كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في الموت٢.
وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ ٣ وبقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية ٥٧ من سورة الإسراء. ٢ مدارج السالكين ٢/٣٧. ٣ الآية ٩ من سورة الزمر. ٤ الآية ١٦ من سورة السجدة.
[ ١ / ٢٤٥ ]
قال شارح الطحاوية: الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنا، والخوف يستلزم الرجاء ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا، وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى فإنك إذا خفته هربت إليه فالخائف هارب من ربه إلى ربه١.
ويجب أن يكون العبد خائفا راجيا، فإن الخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله والرجاء المحمود رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راجٍ لثوابه أو رجل أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله، فهو راجٍ لمغفرته. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني، والرجاء الكاذب٣.
ومما يجدر ذكره هنا أن بعض السلف غلَّبوا جانب الخوف وبعضهم غلَّب جانب الرجاء ولعل الصواب في ذلك أن المسلم يغلب جانب الخوف إذا كان في صحة وعافية ويغلب جانب الرجاء إذا كان في مرض
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٥٦. ٢ الآية ٢١٨ من سورة البقرة. ٣ انظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٥٦.
[ ١ / ٢٤٦ ]
مخوف لقوله ﷺ: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه"١، فأمر ﵊ المسلم بأن يغلب جانب الرجاء عند الموت٢.
ويتضح أن بعض الآثار الواردة عن عمر ولا سيما التي قالها في مرض موته فيها تغليبه جانب الرجاء، وكل ما أثر عنه - رحمه الله تعالى - يدل على طريقة السلف الصالح في عبادتهم لربهم وخوفهم منه ورجائهم فيما عنده وهي الطريقة التي أشار إليها القرآن الكريم حين قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ ٣، فإن الجمع بين الخوف والرجاء هو من أحسن الطرق التي ينبغي أن يسير عليها المسلم، لأن عبادة الله بالخوف فقط كما يفعله الخوارج تؤدي إلى القنوط واليأس، وعبادته بالرجاء فقط يؤدي إلى التكاسل عن العمل كما هو الحال عند المرجئة، وطريقة السلف بخلاف ذلك حيث جمعوا بين الخوف والرجاء٤.
ويتبين من الأثر الأخير ما كان عليه عمر بن عبد العزيز من الخوف لله ﷿، ومخافة التقصير في أمره مع الرجاء فيما عنده من أن يحله محل
_________________
(١) ١ مسلم رقم ٢٨٧٧، ٦/٣٢٩. ٢ انظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٥٨. ٣ الآية ٦٠ من سورة المؤمنون. ٤ انظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٥٨.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الأبرار وهذا هو الواجب أن يكون الرجاء والخوف في قلب الرجل سيين فلا يأمن من عذابه ولا يقنط من رحمته١.
_________________
(١) ١ انظر البيان والتحصيل ١٨/٤٧٤- ٤٧٥.
[ ١ / ٢٤٨ ]
المبحث الخامس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في التبرك.
تمهيد:
أصل البركة في اللغة العربية: "الثبوت واللزوم" فكل شيء ثبت وأقام فقد برك١ وتطلق البركة على النماء والزيادة، والتبريك هو الدعاء للإنسان بالبركة، والتبرك بالشيء طلب البركة بواسطته، والبركة في القرآن والسنة هو ثبوت الخير ودوامه أو كثرة الخير وزيادته أو اجتماعهما معا٢.
والبركة في الاصطلاح هو "ثبوت الخير الإلهي في الشيء"٣، والتبرك هو: طلب حصول الخير بمقاربة ذلك الشيء وملابسته٤.
ولا شك أن التبرك بالشيء له تعلق بالشرع فينقسم إلى قسمين:
أ- تبرك مشروع وهو الذي أذن به الشرع أو أمر به.
ب- وتبرك ممنوع وهو عكس الأول.
وفيما يلي الآثار المروية عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في التبرك:
_________________
(١) ١ انظر معجم مقاييس اللغة ١/٢٢٧- ٢٢٨، ولسان العرب ١/٣٩٦. ٢ انظر التبرك أنواعه وأحكامه ص٣٩. ٣ المفردات ص٤٤ للراغب الأصفهاني. ٤ انظر التبرك أنواعه وأحكامه ص٣٩.
[ ١ / ٢٤٩ ]
٣٨/١- روى البخاري عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: أقبل النبي ﷺ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة وأصحابه ثم قال: "اسقنا ياسهل". فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه. قال: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز فوهبه له"١.
٣٩/٢- الذهبي قال: قال مروان بن محمد، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني أخي عمرو أن عمر بن عبد العزيز كان يلبس برد رسول الله ﷺ ويأخذ قضيبه في يده يوم العيد٢.
٤٠/٣- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن مسلم بن جماز عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله قال: أوصى عمر بن عبد العزيز عند الموت فدعا بشعر من شعر النبي ﷺ وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فخذوا الشعر والأظفار ثم اجعلوه في كفني ففعلوا ذلك٣.
٤١/٤- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، حدثنا هشام بن سعيد، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني أخي عمرو بن مهاجر، قال: كان لعمر بن عبد العزيز بيت يخلو فيه، في ذلك البيت ما ترك رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٠/٩٨- ٩٩، رقم ٥٦٣٧. ٢ سير أعلام النبلاء ٥/١٣٥. ٣ ابن سعد الطبقات ٥/٤٠٦، فالأثر ضعيف لوجود محمد بن عمر لكن ورد عن أنس بن مالك مثل فعل عمر. انظر البخاري مع الفتح ١١/٧٠.
[ ١ / ٢٥٠ ]
فإذا سرير مرمول١ بشريط وقعب٢ يشرب فيه الماء، وجرة٣ مكسورة الرأس يجعل فيها الشيء، ووسادة من أدم محشوة ليف وقطيفة غبراء كأنها من هذه القطف الجرمقانية فيها من وسخ شعر رسول الله ﷺ ثم يقول: "يا قريش هذا تراث من أكرمكم الله ﷿ به وأعزكم يخرج من الدنيا على ما ترون"٤.
_________________
(١) ١ مرمول: منسوج: والمراد أنه سرير قد نسج وجهة بالصوف ولم يكن عليه وطاء سوى الحصير. انظر النهاية ٢/٢٦٥. ٢ القدح الضحم الذي يروى الرجل. انظر القاموس المحيط ص١٦٢. ٣ الجرة: إناء من خزف المعجم الوسيط ص١١٦. ٤ الإمام أحمد بن حنبل الزهد مع زوائد ابنه عبد الله ص١٩، وهشام بن سعيد هو: أبو أحمد الطالقاني، روى عن محمد بن مهاجر الأنصاري، روى عنه أحمد بن حنبل، ثقة. انظر الجرح والتعديل ٩/٦٢- ٦٣. ومحمد بن مهاجر الأنصاري الشامي أخو عمرو، ثقة من السابعة. مات سنة سبعين. بخ م١٤. انظر تقريب التهذيب ص٥٠٩. وعمرو بن المهاجر بن أبي مسلم الأنصاري أبو عبيد الدمشقي ثقة، من الخامسة مات سنة تسع وثلاثين وله أربع - أو خمس- وسبعون سنة. ي د ق. انظر تقريب التهذيب ص٤٢٧. وقد خرج الأثر أبو نعيم في الحلية ٥/٣٢٦- ٣٢٧، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٩- ٤٦٠.
[ ١ / ٢٥١ ]
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- في هذا المبحث أثار تبين تبركه -﵀ - بآثار الرسول ﷺ الباقية في عهده. والتبرك بآثاره ﷺ مما اتفق عليه أهل العلم قاطبة لأنه ﷺ مبارك الأعيان والصفات، وبعد التحاقه بالرفيق الأعلى بقيت بعض الأشياء التي كان يستعملها، كبعض لباسه، ومقتنياته الشخصية، وبقية أظفاره وشعره، والقدح الذي شرب منه، وغير ذلك، فحرص عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- على اقتناء بعض هذه الأشياء تبركا بها، وهذا تبرك مشروع، مع العلم بأننا الآن لا يمكن أن نثبت على وجه الجزم واليقين وجود هذه المقتنيات الخاصة به ﷺ، وقد تبرك عمر بن عبد العزيز بالقدح الذي شرب منه النبي ﷺ وهو تبرك مشروع، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يشربون من القدح الذي شرب منه النبي ﷺ، فأخرج البخاري في صحيحه عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك ﵁ وكان قد انصدع فسلسله بفضة قال أنس: "لقد سقيت في هذا القدح أكثر من كذا وكذا"١.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/٢٥٢.
[ ١ / ٢٥٢ ]
والمقصود أن الصحابة كانوا يتبركون بالشرب في القدح الذي شرب منه النبي ﷺ.
وكذلك اقتناء عمر - رحمه الله تعالى- البردة والقضيب وتبركه بهما من التبرك المشروع لما ورد في الصحيح عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة - ﵂ - كساء ملبدا١ وقالت "في هذا نزع روح النبي ﷺ ٢".
وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفي بها٣.
فهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها كثير تدل على أن رسول الله ﷺ ذاته وما انفصل من جسده من شعر وعرق، ولباس، وما استعمله من
_________________
(١) ١ ملبدا: أي مرقعا، وقيل: الملبد الذي ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبدة. انظر النهاية ٤/٢٢٤. ٢ صحيح مسلم ٥/٢٤٥- ٢٤٦،رقم (٢٠٨٠)، والبخاري مع الفتح ٦/٢١٢، (٣١٠٨) . ٣ صحيح مسلم بشرح النووي٥/٢٣٧/برقم٢٠٦٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
الأواني وغيرها قد جعل الله فيه من البركة ما يستشفي به ويرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة١.
ووصية عمر - رحمه الله تعالى - بأن يجعل في كفنه بعض أشعار رسول الله ﷺ له في ذلك سلف صدق من الصحابة، ففي صحيح البخاري أنه لما حضر بأنس بن مالك الوفاة أوصى بأن يجعل في حنوطة سك٢ كان فيه شعر رسول الله ﷺ وكانت أم سليم قد جمعته وفيه عرقه وشعره صلى الله عليه وسلم٣.
ومن المهم الإشارة إلى أنه قد ذهب بعض الخلف٤ إلى جواز قياس غير النبي ﷺ على النبي ﷺ فيستحب التبرك بآثار الصالحين مثل التمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وهذا خطأ صريح لأن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره ﷺ لا في حياته ولا
_________________
(١) ١ انظر التبرك المشروع والتبرك الممنوع ص٢٩ لعلي نفيع العلياني. ٢ السك: طيب مركب يضاف إلى غيره. انظر الفتح ١١/٧٢. ٣ انظر البخاري مع الفتح ١١/٧٠، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٠٧ ٤ انظر: البخاري مع الفتح ٣/١٣٠، ومسلم بشرح النووي ٥/٣٠٣، فقد ذهب الإمامان ابن حجر، والنووي إلى جواز التبرك بآثار الصالحين ولا شك أن ذلك زلة منهما يغفر الله لهما والقاعدة عند أهل السنة (أن كل واحد منا يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول صلى الله عليه ويسلم) .
[ ١ / ٢٥٤ ]
بعد وفاته ولو كان خيرا لسبقوا إليه فدل على أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم١.
ومما يؤكد اختصاص النبي ﷺ بهذا التبرك أن التابعين رحمهم الله تعالى ومنهم كما سبق عمر بن عبد العزيز قد ساروا على نهج الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الباب فلم ينقل عنهم وقوع التبرك بالصحابة وغيرهم ولا فعله التابعون مع فضلائهم وقادتهم في العلم والدين٢ بل إنهم منعوا ذلك سدا للذريعة كما يرى الشاطبي ﵀ فقد قال في بيان هذه العلة "إن العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه "٣.
فالاقتصار على ما جاء به النص هو سبيل المؤمنين الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد ص١٨٦. ٢ انظر فتح المجيد ص١٠٦ وكتاب الدين الخالص لمحمد صديق حسن ٢/٢٥٠. ٣ الاعتصام للشاطبي ص٧٧ ط. دار الكتب العلمية ط. الثانية ١٤١١هـ بيروت.
[ ١ / ٢٥٥ ]
المبحث السادس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن الشرك ووسائله
المطلب الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن التطير
المبحث السادس الآثار عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن الشرك ووسائله.
المطلب الأول: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز من النهي عن التطير.
٤٢/١- ابن عبد الحكم قال١: ولما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة نظرت فإذا القمر في الدبران فكرهت أن أقول ذلك له فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر فإذا هو بالدبران فقال: كأنك أردت أن تعلمني أن القمر بالدبران، يا مزاحم إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر ولكنا نخرج بالله الواحد القهار٢.
التعليق:
يتبين من هذا الأثر عن عمر نهيه - رحمه الله تعالى- عن التطير، ولا شك أن من حقَّق التوكل على الله ﵎ لا يلتفت إلى الأوهام التي
_________________
(١) ١ القائل مولاه مزاحم. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٢، والدبران: منزلة من ثمانية وعشرين نجما هي أمهات المنازل، والدبران الكوكب الأحمر الذي على أثر الثريا بين يديه كواكب كثيرة مجتمعة، من أدناها إليه كوكبان صغيران يكادان يلتصقان، يقول الأعراب هما كلباه والبواقي غنمه أو نياقه، وسمي بالدبران لأنه دبر الثريا أي خلفها ونوؤه ثلاث ليال وقيل بل هو ليلة وهو غير محمود عندهم. "الأزمنة والأمكنة ص٢٣٤ للمرزوقي الأصفهاني، ط. دار الكتب العلمية عام ١٤١٧هـ. وانظر الخليفة الزاهد لعبد العزيز الأهل ط. دار العلم للملايين بيروت الطبعة السادسة ١٩٧٩م.
[ ١ / ٢٥٩ ]
نسجها الجهال المنجمون حول مقارنة المخلوقات العلوية بعضها مع بعض على إحداث شيء أو منع شيء، أو إعطاء سعادة أو إصابة بنحس، بل لله الأمر جميعا، وكان العرب في الجاهلية يرون أن القمر إذا كان في الدبران فإن السفر في تلك الليلة مشئوم١ وهذا وهم وتطير، والتطير من الشرك لما فيه من تعلق القلب بغير الله تعالى، ولاعتقادهم أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى٢.
ومن المعلوم أن الشمس والقمر، والنجوم مخلوقات مربوبة لا تتصرف بنفسها وإنما يصرفها الله كيف يشاء فمن الخطأ البين والوهم التعلق بالخيالات التي لا حقيقة لها، واعتقاد أن هذه المخلوقات لها تصرف في الكون، وأن اتصال بعضها مع بعض يوجب سعادة أو شقاوة. وهذا ما كان عليه العرب في الجاهلية، ولما جاء الإسلام أبطله ﷺ في غير ما حديث، كما أبطله السلف الصالح رحمهم الله تعالى كما مر في الأثر السابق عن عمر بن عبد العزيز حين قال لمزاحم- لما تطير -: إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار.
_________________
(١) ١ انظر ما كتبه ابن القيم في بيان كراهية المنجمين للسفر والقمر في العقرب، ص٢١٦، مفتاح دار السعادة، وانظر كذلك الأزمنة والأمكنة ص٢٣٤. ٢ انظر تيسير العزيز الحميد ص٤٣٨.
[ ١ / ٢٦٠ ]
فتوكله ﵀ وكمال توحيده بالتوكل جعله لا يعبأ بهذه الأوهام التي تطرأ على نفوس بعض بني آدم أحيانا.
وأصل التطير - وهو التشاؤم بما يراه أو يتعرض له في أثناء الخروج للسفر- أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طارت يمنة تيمن بها واستمر، وإن رآها طارت يسرة تشاءم بها ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير لتطير فيعتمد على طيرانها، فإذا طارت يمنة تيامن، وإن طارت يسرة تشاءم، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك وليس من تيامن الطير، وتياسرها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له إذ لا نطق للطير ولا للدبران ولا للقمر، ولا تمييز فيستدل بفعلهم على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله وكان أكثر أهل الجاهلية يتطيرون ويعتمدون على ذلك ويصح معهم غالبا لتزيين الشيطان ذلك وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين١، ولعل ما مر من محاورة عمر لمولاه مزاحم من هذه البقايا الموروثة عن عرب الجاهلية أو الصائبة، وقد صرحت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن التطير فروى البخاري عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١٠/٢١٢- ٢١٣.
[ ١ / ٢٦١ ]
طيرة " ١، فالمؤمن المتوكل لا يتطير وكلما قوي توكل العبد على ربه وصفت عقيدته ابتعد عن الأوهام، وعن وساوس الشيطان وحبائله فنسأله تعالى حسن التوكل وصفاء العقيدة.
هذا وقد وفي العلامة ابن القيم موضوع التطير والفأل، ووجه الأحاديث الورادة في ذلك في كتابه مفتاح دار السعادة فأجاد وأفاد٢.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٠/٢١٢، رقم (٥٧٥٣) . ٢ انظر مفتاح دار السعادة ص٢١٦.
[ ١ / ٢٦٢ ]
المطلب الثاني: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز من النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
٤٣/١- عبد الرزاق قال: أخبرنا مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى - أو قال: لا يجتمع - دينان بأرض العرب"١.
٤٤/٢- ابن الجوزي قال: حدثنا حصين، أن عمر بن عبد العزيز نهى أن يبنى القبر بآجر وأوصى بذلك٢
_________________
(١) ١ عبد الرزاق في المصنف ١٠/٣٥٩- ٣٦٠. والحديث متفق عليه انظر البخاري مع الفتح ٣/٢٠٠، رقم (١٣٣٠)، عن عائشة - ﵂- ومسلم بشرح النووي ٢/١٨٤، رقم (٢٥٩)، لكن بدون زيادة لا يبقى أو لا يجتمع دينان بأرض العرب، والحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة مرسلا عن عمر بن عبد العزيز، انظر دلائل النبوة ٧/٢٠٤، وإسماعيل بن أبي حكيم القرشي مولاهم المدني ثقة من السادسة، مات سنة ٣٠هـ م د س ق. انظر تقريب التهذيب ص١٠٧. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص ٣٤٦،وابن القيم إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/١٩٦. ط. دار المعرفة.
[ ١ / ٢٦٣ ]
التعليق:
تبين مما سبق ذكره محبة عمر بن عبد العزيز للعقيدة الصحيحة، وبغضه لكل ما يضادها، ولا شك أن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها وتجصيصها من وسائل الشرك الممنوعة، وقد كان ﷺ حريصا على أمته يَعِزُّ عليه ما يشق عليها ويضرها، كما كان حريصا على سد منافذ الشرك ووسائله عن أمته.
وقد كان السلف الصالح مهتمين بهذا الجانب حرصا منهم على اتباع أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ، يتبين ذلك من خلال ما أثر عن عمر بن عبد العزيز وهو نص حديث متفق عليه أرسله عمر ﵀، وقد ورد هذا الحديث بلفظين "قاتل" و"لعن". ومضمون الحديث أنه ﵊ حذر أمته من اتخاذ القبور مساجد وبين أن ذلك من فعل اليهود والنصارى، والمسلم منهي عن الاقتداء بهؤلاء الضلال المغضوب عليهم بنص القرآن، ولا شك أن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها وتجصيصها مما أجمع على منعه سلف الأمة كما مر عن عمر بن عبد العزيز حيث نهى أن يبنى القبر بآجر وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره.
ولما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء المسجد النبوي حين كان عمر عاملا له على المدينة وإدخال حجرات الرسول ﷺ ومنها حجرة عائشة - ﵂ - التي فيها قبر الرسول ﷺ وصاحبيه كان عمر بن عبد العزيز هو الذي جعل مؤخر القبر محددا بركن، لئلا يستقبل قبر النبي ﷺ
[ ١ / ٢٦٤ ]
فيصلى إليه جعل ذلك حين انهدم جدار البيت فبناه على هذا فصار للبيت خمسة أركان١.
قال النووي ﵀: ولما احتاجت الصحابة والتابعون٢ إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون وامتد الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة - ﵂ - مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر، وعمر ﵄ بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ٣.
_________________
(١) ١ انظر الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص١٤١، تحقيق محمد أبو الأجفان، وعثمان بطيخ. طبعة مؤسسة الرسالة الطبعة الثالثة عام ١٤٠٦هـ. وانظر تيسير العزيز الحميد ص٣٢٤. ٢ وفي عبارة النووي ﵀ ما يوهم أن إدخال حجرة عائشة ﵂ في مسجده ﷺ كان من فعل الصحابة والتابعين، والحال أن الأمر ليس كذلك، وإنما حصل هذا من الوليد بن عبد الملك كما مر ذكر ذلك. ٣ انظر النووي على صحيح مسلم ٢/١٨٥- ١٨٦. ٤ انظر البخاري مع الفتح ٣/٢٠٠، رقم (١٣٣٠) .
[ ١ / ٢٦٥ ]
وقال الحافظ ابن حجر: لما وسع المسجد جعلت حجرتها "يعني عائشة" مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة٤.
وقال ابن رشد الجد قال: مالك: وإنما بنى عمر بن عبد العزيز هذا البناء "يعني الحجرة الشريفة" حين كان الناس يصلون إليه، وجعلوه مصلى". ثم علق ابن رشد على قول مالك بقوله: أما الصلاة إلى قبر النبي ﷺ فهو محظور لما جاء عن النبي ﷺ من قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١ فبناه عمر ابن عبد العزيز محددا على هيئة لا يمكن من صلى إلى القبلة استقباله٢.
والمقصود أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قد سد منافذ الشرك بعلمه وحكمته كما تبين من نَقْل من شاهدوا بناء المسجد النبوي في عهد ولايته على المدينة النبوية، ولا شك أن نهي النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا كان خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، بل ربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ٣.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح٣ /٢٠٠ رقم ١٣٣٠ ٢ البيان والتحصيل ١٧/٦٢٥-٦٢٦. ٣ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٨٥.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وقد منع عمر من اتخاذ البناء لقبره وأوصى بذلك مع أنه كان في الزمن الذي فيه العقيدة صافية نقية إذا قورن ذلك الزمان بما بعده، ولكن لفهمه الصحيح لمقاصد السنة ولاتباعه المنهج الصحيح منهج النبي ﷺ وأصحابه وفقه الله تعالى للوصية بأن لا يبنى على قبره خشية أن يتخذ مسجدا فحسم الموقف قبل أن يستفحل، ولا شك أن ما ذهب إليه عمر هو ما يدل عليه الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٣٢-٣٣، رقم (٩٧٠) .
[ ١ / ٢٦٧ ]
المطلب الثالث: الآثار عن عمر في حكم السحر.
٤٥/١- ابن قتيبة قال: حدثني زيد بن أخزم الطائي قال نا عبد الصمد، قال همام عن يحيى بن أبي كثير أن عامل عمان كتب لعمر بن عبد العزيز ﵁ إنا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت فكتب إليه عمر بن عبد العزيز لسنا من الماء في شيء إن قامت البينة وإلا فخل سبيلها١.
٤٦/٢- ابن حزم الظاهري قال: عن يحيى بن أبي كثير قال: أن غلاما لعمر بن عبد العزيز أخذ ساحرة فألقاها في الماء فطفت، فكتب إليه
_________________
(١) ١ ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ص١٢٤-١٢٥. ط. دار الكتاب العربي. وانظر وابن عبد ربه: العقد الفريد ٦/٢٨٧ ط. دار الكتاب العربي بيروت. وزيد بن أخزم -بمعجمتين- الطائي البناني أبو طالب البصري ثقة حافظ، من ١١خ. تقريب ٢٢١. وعبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري مولاهم صدوق ثبت في شعبة من التاسعة. تقريب ص٣٥٦. وهمام بن يحيى بن دينار العوذي البصري ثقة ثبت ربما وهم من السابعة. تقريب ص٥٧٤. ويحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل من الخامسة. تقريب ص٥٩٦. وانظر الجرح والتعديل ٣/٥٥٦، و٦/٥٠،و٩/١٠٧، و٩/١٤١.
[ ١ / ٢٦٨ ]
عمر ابن عبد العزيز أن الله لم يأمرك أن تلقيها في الماء فإن اعترفت فاقتلها١.
٤٧/٣- ابن حزم أيضا قال: وعن ربيعة بن عطاء أن رجلا عبدا سحر جارية عربية، وكانت تتبعه، فرفع إلى عروة بن محمد، وكان عامل عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يبيعه بغير أرضها وأرضه، ثم ادفع ثمنه إليها٢.
التعليق:
السحر لغة: هو كل أمر لطف مأخذه ودق٣واصطلاحا: عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه٤ومن المعلوم أن السحر من الشرك لأنه لا يحصل إلا بالاستعانة بالشياطين، ولا شك في خطورة انتشاره بين الناس، ويتبين من الأثرين الأوليين عن عمر حكم الساحر حيث إنه ﵀ أمر بالتحقق ممن
_________________
(١) ١ ابن حزم: المحلى بالآثار ١١/٣٩٥. ٢ ابن حزم: المحلى بالآثار ١١/٣٩٥. وربيعة بن عطاء بن يعقوب مولى بني سباع روى عن عروة بن محمد، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري. الجرح والتعديل ٣/٤٧٧، وذكره ابن حبان في الثقات، انظر ثقات ابن حبان ج ٦ ص ٣٠٠. ٣ المعجم الوسيط ج ١ ص ٤١٩. ٤ فتح المجيد ص٣١٥ ط وزارة الشئون الإسلامية.
[ ١ / ٢٦٩ ]
يتعاطى السحر فإذا تبين أنه ساحر فحكمه القتل لأنه كافر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ١، وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، وفصل الشافعي رحمه الله تعالى في حكم الساحر حيث بين أننا نسأله ونختبره فإذا كان سحره يستوجب القتل قتل، وإلا نزلناه منزلته التي يستحقها.
والصواب ما عليه الجمهور لدلالة الآية، قال الحافظ ابن حجر: "وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر"٢. والآية التي يشير إليها الحافظ هي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٣، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر"٤. فدل الحديث على أن السحر من الذنوب المهلكات التي تهلك صاحبها إذا لم يتب قبل موته، وهذا الذي
_________________
(١) ١ الآية ١٠٣ من سورة البقرة. ٢ انظر البخاري مع الفتح ١٠/٢٢٤، وانظر تيسير العزيز الحميد ص٣٨٤. ٣ الآية ١٠٣ من سورة البقرة. ٤ البخاري مع الفتح ١٠/٢٣٢، رقم (٥٧٦٤) .
[ ١ / ٢٧٠ ]
أثر عن عمر هو مدلول الآية كما سبق، وقد أثر كذلك عن حفصة، وعمر بن الخطاب، وجندب الخير١.
والمقصود أن السحر من الشرك الذي يضاد التوحيد.
وأما ما روي عن عمر في الأثر الثالث من عدم قتل الساحر الذي سحر جارية عربية وأمره بأن يباع من غير أرضه وأرضها ثم يدفع ثمنه إليها ففي ثبوته عن عمر نظر، لأن ابن حزم الظاهري لم يذكر سنده إلى ربيعة حتى تتبين صحته من عدمها، ثم إن صح الأثر عنه فلا تعارض بينه وبين الأثرين المتقدمين إذ يُحتمل أنه لم يتأكد من سحر هذا العبد ولم يجزم به لعدم وجود الأدلة الكافية على ذلك، فاكتفي ببيعه في غير أرضه وأرضها ودفع ثمنه إليها لأنه هو الخليفة أو لعله اعتقد أن قتله خسارة على أهله لأنه عبد مملوك.
وعلى فرض ثبوته أيضا فقد يكون عمر قد استند إلى ما جاء عن أم المؤمنين عائشة - ﵂ - أنها دبرت جارية، فاشتكت عائشة - ﵂ - فطال شكواها، فقدم إنسان المدينة يتطبب، فذهب بنو أخيها يسألونه عن وجعها فقال: والله إنكم تنعتون نعت امرأة مطبوبة،
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد ص٣٩٢-٣٩٤.
[ ١ / ٢٧١ ]
قال هذه امرأة مسحورة سحرتها جارية لها قالت: نعم١ أردت أن تموتي فأعتق قال: وكانت مدبرة قالت: فبيعوها في أشد العرب ملكة، واجعلوا ثمنها في مثلها٢.
_________________
(١) ١ هذا جواب عن سؤال لم يذكر في الحديث وكان عائشة سألتها هل قول الطبيب صحيح؟ فقالت نعم أردت أن تموتي فاعتق. عن كتاب نواقض الإيمان القولية والفعلية ص٥١٣. ٢ أخرجه أحمد الفتح الرباني ١٤/١٥٩، والحاكم ٤/٢١٩- ٢٢٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٦/١٧٨ رقم ١٧٥٧.
[ ١ / ٢٧٢ ]
الفصل الثاني: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في أسماء الله الحسنى
المبحث الأول: ما أثر عنه في أسمه تعالى "الله"
تمهيد:
تعريف الاسم لغة واصطلاحا وبيان مذهب أهل السنة في أسماء الله تعالى
الاسم لغة: مشتق من السمو، وقيل: أنه مشتق من السمة وهي العلامة١.
والصحيح أنه مشتق من السمو، وهو العلو.
قال الأزهري: ومن قال إن اسما مأخوذ من وَسِمْتُ فهو غلط، لأنه لو كان اسم من سِمْتُه لكان تصغيره، وُسَيْما مثل تصغير عدة وصلة وما أشبههما٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الاسم مشتق من السمو وهو العلو كما قال النحاة البصريون، لأن الاسم يظهر به المسمى ويعلو، فيقال للمسمِّي: سَمِّه أي أظهره وأعله أي أعل ذكره بالاسم الذي يذكر به٣.
_________________
(١) ١ انظر: الفتاوى ٦/٢٠٧، ومعجم مقاييس اللغة ٣/٩٩، تحقيق عبد السلام هارون ط. دار الجيل بيروت عام ١٤١١هـ ط. الأولى. ٢ انظر تهذيب اللغة للأزهري ١٣/١١٧، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني ومراجعة على محمد البجاوي ط. الدار المصرية للطباعة والنشر. ٣ انظر مجموع الفتاوى ٦/٢٠٧- ٢٠٨.
[ ١ / ٢٧٥ ]
أما تعريفه اصطلاحا: فأسماء الله الحسنى هي كلما ته الدالة على ذاته المتضمنة إثبات صفات الكمال له بلا مماثلة وتنزيهه عن صفات النقص والعيب١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها"٢.
وقال أيضا: "أهل الإسلام وأهل السنة يذكرون أسماء الله ويعرفونه ويعبدونه ويحبونه، ويذكرونه، ويظهرون ذكره، فله الأسماء الحسنى كما أخبر بذلك في كتابه وأخبر بذلك في سنة نبيه ﷺ وما ليس له اسم فإنه لا يذكر، ولا يظهر، ولا يعلو ذكره، بل هو كالشيء الخفي الذي لا يعرف، ولذا يقال الاسم دليل على المسمى، وعلم على المسمى، ونحو ذلك.
والملاحدة الذين ينكرون أسماءه وتعرض قلوبهم عن معرفته وعبادته، ومحبته، وذكره، حتى ينسوا ذكره ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلا
_________________
(١) ١ خالد عبد اللطيف: منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى ج٢ ص٣٩١. ٢ شرح العقيدة الأصبهانية ص٥. ٣ الآية ٦٧: سورة التوبة.
[ ١ / ٢٧٦ ]
تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ١، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٢٣.
والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه، وأمر بالتسبيح باسمه، كما أمر بدعائه بأسمائه الحسنى فيدعى بأسمائه الحسنى، ويسبح اسمه، وتسبيح اسمه هو تسبيح له، إذ المقصود بالاسم المسمى، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤، فالله هو المدعو الواحد الذي له الأسماء الحسنى"٥.
ولا شك أن كل قارئ للقرآن الكريم، وللأحاديث النبوية يجد أن الله ﵎ في كتابه قد سمى نفسه بأسماء، وأن رسوله ﷺ قد سمى ربه بأسماء، ومن المعلوم أن السلف الصالح يثبتون لله تعالى من الأسماء ما أثبته
_________________
(١) ١ الآية ١٩ من سورة الحشر. ٢ الآية ٢٠٥ من سورة الأعراف. ٣ انظر: مجموع الفتاوى ٦/٢٠٩. ٤ الآية ١١٠ من سورة الإسراء. ٥ انظر: مجموع الفتاوى ٦/٢١٠.
[ ١ / ٢٧٧ ]
الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ لأنه لا أحد أعلم بالله من الله، ولا أحد أعلم بالله بعد الله من رسوله ﷺ.
وأسماء الله تعالى كلها حسنى، وهي أعلام، وأوصاف، وهي أسماؤه حقيقة دالة على ذاته وصفاته، وهي توقيفية، وغير محصورة بعدد معين، وغير مخلوقة، ولا يجوز الإلحاد فيها.
ولأهل السنة تفاصيل في أسماء الله الحسنى يحسن الرجوع إلى كتبهم في هذا الجانب، لأن الغرض من هذا التمهيد بيان مذهب أهل السنة في الجملة لربط ذلك بما أثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في بيان أسماء الله الحسنى. وهذا ما سيتضح بالآثار المنقولة فيما يأتي:
[ ١ / ٢٧٨ ]
المبحث الأول: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الله".
٤٨/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز رسالة فقال: "أما بعد: إني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو "١.
٤٩/٢- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر بن عبد العزيز يدعو بهذا الدعاء: "اللهم رضني بقضائك وبارك لي في قدرك "٢.
٥٠/٣- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر إلى أهل الأمصار: "إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به العباد "٣.
٥١/٤- ابن عبد الحكم أن عمر خطب وفي آخر خطبته قال: "أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم"٤.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٨، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٧٧. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٧، وأبو حفص الملاَّء ٢/٤٣٣، وابن الجوزي سيرة عمر ص٣١١. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٤، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٦٢، وابن أبي الدنيا كتاب العقوبات. ص٣٢ ٤ نفس المصدر ص٤٠، وأبو حفص الملاَّء ٢/٤٥١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٥- ٢٩٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٣٣، وابن عساكر ورقة ١٤١ب.
[ ١ / ٢٧٩ ]
التعليق:
اسم الله العلم "الله" من الأسماء الحسنى، بل هو أعظم الأسماء الحسنى، لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء، ولأنه أخص الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره تعالى.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١.
"وقد اختلف في اشتقاقه وتصريفه، قال الزجاج: واختلفوا هل هو مشتق أم غير مشتق؟ فذهبت طائفة: إلى أنه مشتق، وذهب جماعة ممن يوثق بعلمه إلى أنه غير مشتق".
والصحيح أنه مشتق لأنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه ".
ومعنى قولنا: "إله" إنما هو الذي يستحق العبادة بحق وهو تعالى المستحق لها دون من سواه. ومن فروع هذا الاسم العظيم "اللهم" قال سيبويه: زادوا الميم في آخره مثقلة عوضا عن حرف النداء في أوله، فلا يجمع بينهما لا يقال: "يا اللهم" لأن العوض والمعوض منه لا يجتمعان، وجرى مجرى الأصوات فبنى لذلك، ولذلك لا يوصف فلا يقال: "اللهم العزيز "٢.
_________________
(١) ١ الآية ٨ سورة طه. ٢ انظر تفسير أسماء الله الحسنى إملاء أبي إسحاق بن إبراهيم بن السري الزجاج ص٢٥- ٢٦، ط. دار الثقافة العربية دمشق الطبعة الخامسة ١٤١٢هـ، واشتقاق أسماء الله للزجاجي ص٣٢، ط. مؤسسة الرسالة بيروت. وبدائع الفوائد ١/٢٠.
[ ١ / ٢٨٠ ]
المبحث الثاني: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الرب".
٥٢/٥- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر يقول: "يارب خلقتني وأمرتني ونهيتني، ورغبتني في ثواب ما أمرتني به " وكان يقول: " يارب انفعني بعقلي "١.
التعليق:
الرب من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ٢.
ومعنى الرب: المصلح للشيء، يقال: رببت الشيء أربه ربا وربابة: إذا أصلحته وقمت عليه، ورب الشيء: مالكه، فالله ﷿ مالك العباد، ومصلحهم ومصلح شئونهم.
ومصدر الرب الربوبية، وكل من ملك شيئا فهو ربه، يقال: هذا رب الدار، ورب الضيعة، ولا يقال: "الرب" معرفا بالألف واللام مطلقا إلا لله ﷿ لأنه مالك كل شيء٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٨، وأبو حفص الملاَّء ٢/٤٧٧. ٢ الآية ١٥ سورة سبأ. ٣ انظر: الزجاجي اشتقاق أسماء الله ص٣٢-٣٣.
[ ١ / ٢٨١ ]
المبحث الثالث: في ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في أسمائه تعالى "الرحمن الرحيم، المليك، اللطيف، الخبير".
٥٣/٦- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا محمد بن الصباح، ثنا عمر بن حفص، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي العهد من بعده: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك سلام عليك فإني أحمد الله إليك الله الذي لا إله إلا هو وقد علمت أني مسئول عما وليت، يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت فعليك بتقوى الله والرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا حتى تلحق باللطيف الخبير"١.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٧٤- ٢٧٥، وابن الجوزي سيرة عمر ص٣٤٠، بنفس السند لكن بتره وبدأ بقتادة، وأبو حامد بن جبلة سيأتي ترجمته في رسالة عمر في الرد على القدرية إن شاء الله تعالى. ومحمد بن إسحاق السراج النيسابوري روى عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وهو صدوق ثقة. انظر الجرح والتعديل ٧/١٩٦، ومحمد بن الصباح لم أجده. وعمر بن حفص أبو حفص الأزدي البصري روى عن أبي حمزة، وسعيد بن أبي عروبة، قال أبو حاتم: منكر الحديث. الجرح والتعديل ٦/١٠٢. وقتادة هو ابن دعامة السدوسي البصري روى عن أنس بن مالك وروى عنه سعيد ابن أبي عروبة حافظ إمام. انظر الجرح والتعديل ٧/١٣٣-١٣٤. وسعيد بن أبي عروبة إمام أهل البصرة في زمانه، أبو النضر مولى بني عدي، واسم أبيه مهران. وله مصنفات لكنه تغير بأخرة ورمي بالقدر. انظر ميزان الاعتدال ٢/١٥١ -١٥٣.
[ ١ / ٢٨٢ ]
التعليق:
هذا الأثر عن عمر يحتوي على عدة أسماء حسنى وردت عن عمر بن عبد العزيز في البسملة، وخلال فقرات من الأثر كما هو واضح، فمن هذه الأسماء الحسنى اسمه تعالى "الرحمن" واسمه "الرحيم"، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١.
والرحمن الرحيم صفتان لله ﷿ مشتقتان من الرحمة فالرحمن فعلان، والرحيم فعيل، روي عن ابن عباس أنه قال: الرحمن ذو الرحمة، والرحيم: الراحم. وقيل: إنه قال: رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة، والرحمن اسم خاص، والرحيم اسم عام، فلذلك قدم الرحمن على الرحيم في البسملة، ولهذا قيل رجل رحيم، ولم يقل: رحمن، ومن علماء اللغة من
_________________
(١) ١ الآية ٣ سورة الفاتحة.
[ ١ / ٢٨٣ ]
يرى أن معناهما واحد. والصواب ما تقدم لأن فعلان أشد مبالغة من فعيل كما يقال غضبان للممتلئ غضبا، وعطشان للممتلئ عطشا، وكذلك الرحمن: ذو النهاية في الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء. وكل اسم كان عن طريق الفعل أشد انعدالا كان في المدح أبلغ فرحمن أشد انعدالا عن طريقة الفعل من رحيم فلذلك كان أبلغ في المدح.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأما الجمع بين الرحمن الرحيم ففيه معنى أحسن وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف، والثاني للفعل. فالأول دال على أن الرحمة صفته والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته".
وقد ورد في الأثر اسم الله تعالى "المليك" وقد جاءت هذه الصيغة لهذا الاسم في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ١ ومعنى هذا الاسم أن الله ﷿ مالك الأشياء ومصرفها على إرادته لا يمتنع عليه منها شيء، لأن المالك في كلام العرب هو المتصرف فيه القادر
_________________
(١) ١ الآية ٥٥ سورة القمر.
[ ١ / ٢٨٤ ]
عليه. والله ﷿ قادر على الأشياء التي خلقها ويخلقها لا يمتنع عليه منها شيء.
وكذلك ورد في الأثر اسم الله "اللطيف"، قال الله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
ومعناه أن الله هو المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون، ومعلوم أنه إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستحق سبيل الرفق دون العنف. فإذا اجتمع الرفق في الفعل، واللطف في العلم تم معنى اللطف، ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى.
وورد في الأثر كذلك اسم الله تعالى "الخبير"، ومعناه أن الله هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيرا٢.
_________________
(١) ١ الآية ١٤ سورة الملك. ٢ انظر اشتقاق أسماء الله تعالى للزجاجي ص٣٩-٤٠، وص٤٣، وبدائع الفوائد ١/٢١. وانظر تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص٤٤- ٤٥، والمقصد الأسنى للغزالي ص٧٤، وص٧٦.
[ ١ / ٢٨٥ ]
المبحث الرابع: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الكريم".
٥٤/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا سهل بن يحيى المروزي قال: أخبرني أبي عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف، واعملوا لآخرتكم فإنه من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، وأصلحوا سرائركم يصلح الله الكريم علانيتكم "١.
التعليق:
الكريم اسم من أسماء الله الحسنى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٦٩، والآ جرى أخبار أبي حفص ص٥٦، وسهل بن يحيى بن محمد روى عن أبيه، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وكان مصاحبا لابن المبارك ولم يذكره أبو حاتم بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٤/٢٠٥. ٢ الآية ٦ سورة الانفطار.
[ ١ / ٢٨٦ ]
ومعناه الجواد المعطى الذي لا ينفد عطاؤه، والله تعالى مسبب كل خير ومسهله فهو أكرم الأكرمين١.
_________________
(١) ١ انظر النهاية في غريب الحديث ٤/١٦٦، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص٥٠.
[ ١ / ٢٨٧ ]
المبحث الخامس: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الحي".
٥٥/٨- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن محمد بن العباس، ثنا سلمة بن شبيب، ثنا سهل بن عاصم، ثنا عبد الله بن عقبة، حدثني علي بن الحسين، قال: كان لعمر بن عبد العزيز صديق، فأخبر أنه قد مات فجاء إلى أهله يعزيهم، فصرخوا في وجهه، فقال لهم عمر: "إن صاحبكم هذا لم يكن يرزقكم، وإن الذي يرزقكم حي لا يموت "١.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٠. عبد الله بن جعفر بن محمد موسى أبو الحسين البزاز كان ثقة. انظر تاريخ بغداد ١٠/١٢٨- ١٢٩، وقد مات سنة ٣٥١هـ. وعبد الله بن محمد بن العباس بن بيان قال الخطيب: فيه نظر. انظر تاريخ بغداد ١٠/١٠٦. ومسلمة بن شبيب أبو عبد الرحمن النيسابوري صدوق. الجرح والتعديل ٤/١٦٤. وسهل بن عاصم السجستاني روى عنه سلمة بن شبيب. قال أبو حاتم: شيخ. الجرح والتعديل ٤/٢٠٢. وعبد الله بن عقبة الليثي روى عن عبد الله بن سلام حديثا لعبد الله بن عمر رواه عنه نافع مولى ابن عمر. ولم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٦/١٧٨- ١٧٩. والأثر أخرجه أبو حفص الملاَّء ٢/٤٥٧، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٥.
[ ١ / ٢٨٨ ]
التعليق:
قال ابن فارس: الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة. وقال الزجاجي: الحي يفيد دوام الوجود. والله تعالى لم يزل موجودا، ولا يزال موجودا. والحي في كلام العرب خلاف الميت فالله ﷿ الحي الباقي الذي لا يجوز عليه الموت ولا الفناء. فالحي اسم من أسماء الله الحسنى. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١.
وحياته تعالى لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة، والسمع، والبصر، وغيرها٢.
_________________
(١) ١ ٢٥٥ سورة البقرة. ٢ انظر: الزجاجى اشتقاق أسماء الله ص١٠٢، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص٥٦، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس٢/١٢٢، والقواعد المثلى لابن عثيمين ص٦.
[ ١ / ٢٨٩ ]
المبحث السادس: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الرقيب".
٥٦/٩- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز إن الله على كل شيء رقيب١ ".
التعليق:
الرقيب اسم من أسماء الله الحسنى، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٢.
ومعنى الرقيب: الحافظ، وهو مما جاء على فعيل بمعنى فاعل بمنزلة شهيد بمعنى شاهد، وعليم بمعنى عالم، ورقيب هنا بمعنى راقب، والرقبة الحفظ٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٩، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٨٠. ٢ الآية ١١٧ سورة المائدة. ٣ انظر: الزجاجى اشتقاق أسماء الله ص١٢٨.
[ ١ / ٢٩٠ ]
المبحث السابع: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الشهيد".
٥٧/١٠- ابن عبد الحكم قال: خطب عمر بن عبد العزيز خطبة وكان مما قال فيها والله على كل شيء شهيد١ ".
التعليق:
الشهيد من الأسماء الحسنى، كما قال تقدم في الآية السابقة.
ومعناه في اللغة الشاهد. وهو فعيل بمعنى فاعل. كما أن العليم بمعنى العالم. والرحيم بمعنى الراحم. والشاهد خلاف الغائب، تقول العرب: "فلان كان شاهدا لهذا الأمر" أي لم يغب عنه. فالله ﷿ لما كانت الأشياء لا تخفي عليه كان شهيدا لها وشاهدا لها أي عالما بها وبحقائقها علم المشاهد لها، لأنه لا تخفي عليه خافية٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٩، وأبو حفص الملاَّء١/٢٨٠. ٢ انظر: الزجاجي اشتقاق أسماء الله ص١٣٢.
[ ١ / ٢٩١ ]
المبحث الثامن: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى"الواحد القهار"
المبحث الثامن: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسميه تعالى "الواحد القهار".
٥٨/١١- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم حين تطير، يامزاحم إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار١.
التعليق:
من أسماء الله الحسنى الواحد القهار، قال الله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٢.
الواحد: وحد يحد حدة، بمعنى بان عن غيره، فالواحد مبني عن انقطاع النظير وعوز المثل٣، لأن معناه في حق الله تعالى أنه لا ثاني له في ذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله، ولفظه يطابق معناه، لتوافقهما في الدلالة على ذات الله ووحدته٤.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٢، وأبو حفص الملاء ٢/٤٣٦. ٢ الآية ٤٨ سورة إبراهيم. ٣ انظر تهذيب اللغة ٥/٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٥. ٤ انظر رسالة أسماء الله الحسنى معانيها وآثارها ص٦٧٠، ٦٧١.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ويقصد عمر رحمه الله تعالى من ذكر هذا الاسم صدق توكله على الواحد الأحد، وعدم الاعتماد على أي شيء آخر ولا شك أن هذا مقام الموحدين١.
وقد ورد في الأثر كذلك اسم الله ﵎ القهار. وهو من الأسماء الحسنى، والقهر في وضع العربية، الرياضة والتذليل، يقال قهر فلان الناقة إذا راضها وذللها والله تعالى قهر المعاندين بما أقام من الآيات والدلالات على وحدانيته. وقهر جبابرة خلقه بعز سلطانه، وقهر الخلق كلهم بالموت.
ويقصد أيضا بذكر هذا الاسم بأن الله تعالى هو القاهر فوق عباده ويجب على الخلق أن يتوكلوا عليه ولا يحيدوا عن ذلك، وأن لا يتعلقوا بما سواه من الأجرام والأفلاك لأنه هو القاهر وما سواه لا يستطيع صرف ضر ولا جلب خير. فهو سبحانه مستو على عرشه قاهر لخلقه فله علو القهر، والغلبة، والعظمة٢.
_________________
(١) ١ انظر: الزجاج تفسير أسماء الله الحسنى ص٥٧. ٢ انظر: المصدر السابق ص٣٨.
[ ١ / ٢٩٣ ]
المبحث التاسع: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى"العلي العظيم"
المبحث التاسع: ما أثرعن عمر بن عبد العزيز في اسميه تعالى "العلي العظيم".
٥٩/١٢- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد رسالة واختتمها بقوله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم١.
التعليق:
العلي من الأسماء الحسنى، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٢. والله هو العالي القاهر وله سبحانه علو القهر، وعلو الغلبة، وعلو الذات. فهو سبحانه مستو على عرشه بائن من خلقه كما أخبر بذلك.
وهذا الاسم غُصَّة في حُلوق الجهمية نفاة العلو لله ﵎ فقد حاولوا تأويله فما تمكنوا فَبُهِتُوا.
والعظيم: هو المستحق لأوصاف العلو والرفعة، والجلال، والعظمة، والتقديس من كل آفة وهذا الاسم من الأسماء التي تتضمن جملة من
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨١. ٢ الآية ٢٥٥ سورة البقرة.
[ ١ / ٢٩٤ ]
الصفات ولا يختص بصفة بعينها ومن ذلك المجيد والصمد، قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله وهو الكبير المتعال. وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح: أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه١.
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ١/٣١٠، والاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة للبيهقي ص٢٣.
[ ١ / ٢٩٥ ]
المبحث العاشر: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى" العفو الغفور"
المبحث العاشر: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسميه تعالى "العفو الغفور".
٦٠/١٣- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء، ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا عنبسة بن سعيد، ثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك في مرض عمر الذي توفي فيه وقال فيها: فإن يعف عني فهو العفو الغفور، وإن يؤاخذني بذنبي فيا ويح نفسي إلى ماذا تصير١.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٧٥. عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عثمان بن المختار أبو المزني الواسطي يعرف بابن السقا روى عنه أبو نعيم الحافظ، وكان فهما حافظا. انظر تاريخ بغداد ١٠/١٣٠. وأحمد بن الحسين بن نصر أبو جعفر الحذاء مولى همذان ثقة. انظر تاريخ بغداد ٤/٩٧- ٩٨، وأحمد بن إبراهيم بن الحسن أصله من دورق، وكان ثقة ثبتا صحيح السماع كثير الحديث. انظر تاريخ بغداد ٤/١٨-١٩. وعنبسة بن سعيد بن أبان القرشي الأموي الكوفي روى عن شريك، وابن المبارك روى عنه أحمد الدورقي. كان من حفاظ أهل الكوفة. انظر الجرح والتعديل ٦/٤٠٠. وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي روى عن مكحول، والزهري روى عنه ابن المبارك، ثقة صدوق. انظر الجرح والتعديل ٥/٣٠٠.
[ ١ / ٢٩٦ ]
التعليق:
العفو والغفور من الأسماء الحسنى، قال الله تعال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ ١
ومعنى العفو أن الله تعالى عفو وغفور عن الذنوب، وتارك العقوبة عليها.
ومعنى الغفور: هو الذي يكثّر المغفرة، فالله تعالى يستر عباده المذنبين ويغفر لهم بعد الستر٢.
_________________
(١) ١ الآية ٦٠ سورة الحج. ٢ انظر الاعتقاد للبيهقي ص٢٣، وتفسير أسماء الله الحسنى ص٦٢.
[ ١ / ٢٩٧ ]
المبحث الحادي عشر: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى"العزيز الحكيم"
المبحث الحادي عشر: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسميه تعالى "العزيز الحكيم".
٦١/١٤- قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، ثنا علي بن عثمان، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عمرو بن ميمون مهران، حدثني ليث بن أبي رقية كاتب عمر بن عبد العزيز في خلافته أن عمر كتب إلى ابنه رسالة وفيها فلله الحمد رب السموات والأرض، رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم١.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٧٧، والآيتان ٣٦-٣٧ من سورة الجاثية. وأخرج الأثر أيضا ابن الجوزي سيرة عمر ص١١١-١١٢، وأبو حفص الملاء ١/٢٦٧. وعبيد الله بن جرير بن جبلة بن أبي رود أبو العباس، وقيل أبو الحسن العتكي البصري، ثقة. توفي سنة ٢٦٢هـ. انظر تاريخ بغداد ١٠/٣٢٥. وعلي بن عثمان بن عبد الحميد لاحق الرقاشي روى عن عبد الواحد بن زياد وغيره ثقة. انظر الجرح والتعديل ٦/١٩٦. وعبد الواحد بن زياد أبو بشر العبدي البصري ثقة. انظر الجرح والتعديل ٦/٢٠. وعمرو بن ميمون بن مهران الجزري ثقة. انظر الجرح والتعديل ٦/٢٥٨. وليث بن أبي رقية كاتب عمر بن عبد العزيز شامي لم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل ٧/١٨٠.
[ ١ / ٢٩٨ ]
التعليق:
العزيز الحكيم من أسماء الله الحسنى قال الله تعال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
العزيز هو المنيع الذي لا يغلب. والعز في كلام العرب يأتي لمعان: فيأتي بمعنى الغلبة وبمعنى الشدة والقوة، وبمعنى نفاسة القدر، ومعنى العزيز على هذا أنه الذي لا يعادله شيء وأنه لا مثل له ولا نظير.
والحكيم هو المحكم لخلق الأشياء، وكون هذا الاسم يأتي مقارنا لاسمه تعالى العزيز إشارة إلى أن عزته تعالى منوطة بحكمته بخلاف العزيز من البشر فاجتماعهما نور على نور٢.
_________________
(١) ١ الآية ٢، سورة فاطر. ٢ انظر: الخطابي شأن الدعاء ص٤٧- ٤٨- ٧٣.
[ ١ / ٢٩٩ ]
المبحث الثاني عشر: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الوارث".
٦٢/١٥- ابن عبد الحكم قال: خطب عمر بن عبد العزيز وذكر بالموت وقال: ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون حتى ترد إلى خير الوارثين١ "
التعليق:
الوارث من الأسماء الحسنى، ويقارب في معناه اسمه تعالى الباقي في معنى الأبدية الدائمة وهو من لوازم اسمه الآخِرِ لأنه تعالى الباقي بعد ذهاب أمد الخلق، وهذا الذي أكدته غير ما آية من القرآن كأية سورة الحجر ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ ٢. وذلك لأن وجود الخلق كان بمشيئة الله وكذلك الأملاك الدنيوية جعل الناس مستخلفين فيها وقد كتب عليهم وعليها الفناء والهلاك فإذا حشروا كان له الحكم والقهر
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٢-٤٣، والفسوى المعرفة والتاريخ ١/٦١٢. ٢ آية ٢٣ سورة الحجر.
[ ١ / ٣٠٠ ]
بالملك كما قال ﷿ ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ١. فتكون له المواريث جميعا٢.
_________________
(١) ١ آية ١٦ سورة غافر. ٢ انظر رسالة الأسماء الحسنى معانيها وأثارها ص٧٠٢، رسالة دكتوراه لم تنشر بعد للدكتور رفيع أووَّنْلا.
[ ١ / ٣٠١ ]
المبحث الثالث عشر: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الخالق".
٦٣/١٦- ابن عبد الحكم قال: وخطب عمر في التقوى فقال: أيها الناس إني لست بخازن ولكني إنما أضع حيث أمرت ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "١.
التعليق:
الخالق من الأسماء الحسنى، قال الله تعال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ ٢.
ومعناه مأخوذ من قول العرب: خلق فلان الأديم إذا قدره للقطع للإصلاح. ورجل خالق أي صانع.
فالخالق يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق. ويدل على الذات وحدها ٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤١، وأبو حفص الملاَّء٢/٤٤٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٥-٢٩٦، وابن عساكر ورقة ٩٥ب. ٢ الآية ٢٤ سورة الحشر. ٣ انظر اشتقاق أسماء الله الحسنى ص١٦٦-١٦٧.
[ ١ / ٣٠٢ ]
المبحث الرابع عشر: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "العليم".
٦٤/١٧- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد ابن إسحاق السراج، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا محمد بن بكر البرساني، ثنا سليم نفيع القرشي، عن خلف أبي الفضل القرشي، عن كتاب عمر بن عبد العزيز إلى المكذبين بالقدر وفيها: ولقد أعظم بالله الجهل من زعم أن العلم كان بعد الخلق بل لم يزل الله وحده بكل شيء عليما، وعلى كل شيء شهيدا قبل أن يخلق وبعد ما خلق "١.
التعليق:
العليم من الأسماء الحسنى قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢. فالله ﷿ هو العالم المحيط علمه بكل شيء بالواجبات، والممتنعات، والممكنات، فيعلم تعالى نفسه الكريمة ونعوته المقدسة، وأوصافه العظيمة. فهو العليم الذي أحاط علمه بالعالم العلوي والسفلي لا يخلو عن علمه
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٦، و٣٤٨، وسيأتي الكلام على السند في فصل الرد على القدرية ٢ الآية ٧٥ سورة الأنفال.
[ ١ / ٣٠٣ ]
مكان ولا زمان ويعلم الغيب والشهادة، والظواهر، والبواطن، والجلي، والخفي، وأحاط علمه بالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفي عليه شيء من الأشياء١.
هذه بعض أسماء الله الحسنى الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وكلها تبين المنهج الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة. وقد قعد أهل السنة قواعد في أسماء الله تعالى يمكن استنتاج بعضها من كلام عمر رحمه الله تعالى فمن هذه القواعد ما يلي:
١- أن أسماء الله تعالى أزلية، قال عمر بن عبد العزيز:" ولقد أعظم بالله الجهل من زعم أن العلم كان بعد الخلق بل لم يزل الله وحده بكل شيء عليما، وعلى كل شيء شهيدا قبل أن يخلق شيئا وبعد ما خلق "٢.
فبين عمر أن الله له لأسماء الحسنى وهي العليم، والشهيد أزلا وهذا معتقد أهل السنة والجماعة كما تقدم.
_________________
(١) ١ انظر شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي القحطاني ص٨٨- ٩٠. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٨.
[ ١ / ٣٠٤ ]
٢- أن أسماء الله تعالى توقيفية، وهذا منهج أهل السنة والجماعة وهو ما تبين بالاستقراء من كلامه حيث لم يذكر حسب اطلاعي إلا أسماء الله الواردة في الكتاب والسنة، وهو الحق إذ لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه الكريم أو على لسان نبيه ﷺ.
٣- أن أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني وهي بالاعتبار الأول - أي أعلام - مترادفة، وبالاعتبار الثاني - أي أنها أوصاف - متباينة، لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فالحي الرحمن الرحيم كلها أسماء لمسمى واحد، لكن معنى الحي غير معنى الرحمن وهكذا١.
وقد خالف معتقد السلف الصالح في توحيد الأسماء الحسنى بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام، فالجهمية أنكرت الأسماء الحسنى وذلك لظنهم أن التوحيد نفي محض، وأن إثبات الأسماء الحسنى إثبات لأعراض حادثة، ولم يثبتوا من الأسماء الحسنى غير اسم الله "القادر والخالق" لأن الجهم لا يسمي أحدًا من المخلوقين قادرا لنفيه استطاعة العباد، ولا يسمى أحدًا
_________________
(١) ١ انظر القواعد المثلى ص٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
خالقا غير الله تعالى، لأن عنده أن كل صفة أو اسم يجوز أن يسمى أو يتصف به غير الله فلا يجوز إطلاقه على الله تعالى١.
وعلى هذا يجب على المسلم الوقوف عند ما ثبت وترك الابتداع، والتحريف، والتأويل المفضي إلى الإلحاد فإن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ انظر منهاج السنة ٢/٥٢٦. ٢ الآية ١٨٠ سورة الأعراف.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الفصل الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الصفات العلى
المبحث الأول: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في إثبات صفة النفس لله تعالى
الفصل الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الصفات العلى
تمهيد:
في تعريف الصفة لغة واصطلاحا وموقف أهل السنة من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة.
الصفة لغة: الصفة أصلها وصف، قال ابن فارس: الواو والصاد، والفاء، أصل واحد، هو تحلية الشيء، ووصفته أصفه وصفا.
والصفة: الأمارة اللازمة للشيء١.
فالصفة إذًا ما قام بالموصوف من نعوت، وتارة يراد به الكلام الذي يوصف به الموصوف، وتارة يراد به المعاني التي دل عليها الكلام، كالعلم والقدرة٢.
فصفات الله تعالى إذًا هي:
"نعوت الكمال القائمة به ﷾".
والصفة غير الذات، وزائدة عليها من حيث مفهومها، وتصورها بيد أنها لا تنفك عن الذات٣.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة ٦/١١٥. ٢ انظر مجموع الفتاوى ٣/٣٣٥. ٣ انظر منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله ٢/٤٠٠، وانظر الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ الدكتور محمد أمان الجامي ﵀ ص ٨٢، ط. الجامعة الإسلامية.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه من نعوت الجلال والكمال إثباتا بلا تمثيل ولا تكييف، وينزهون الله عن صفات النقص ومشابهة خلقه له في صفاته تنزيها بلا تعطيل.
قال ابن عبد البر: "أجمع أهل السنة على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة كلها، والإيمان بها وحملها على الحقيقة، لا على المجاز"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة المفضلة، ومن سلك سبيلهم من الخلف، أن هذه الآيات والأحاديث التي فيها إثبات الصفات تمر كما جاءت، ويؤمن بها، وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل.
وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف منهم - الخطابي- مذهب السلف: أنها تجرى على ظاهرها، مع نفي الكيفية، والتشبيه عنها.
وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله.
فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية. فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية"٢.
_________________
(١) ١ انظر التمهيد لابن عبد البر ٧/١٤٥. ٢ انظر الرسالة المدنية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٢٩-٣٠ تحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان، ط. الأولى عام ١٤٠٨هـ.
[ ١ / ٣١٠ ]
ولأهل السنة والجماعة تفاصيل في الصفات التي يجوز إطلاقها على الباري، وما لا يجوز.
فمما لا يجوز إطلاقه على الباري، وصفه بما هو شر، وإطلاق الصفات المذمومة عليه مطلقا، ويمكن أن يطلق عليه ما يكون في حال المقابلة صفة مدح، كما في قوله تعالى ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ ١، وذلك أن هذه الصفة وغيرها تكون كمالا في حال، ونقصا في حال، فمن هنا فهي ليست جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق. فلا تثبت له إثباتا مطلقا، ولا تنفي عنه نفيا مطلقا فتجوز في الحال التي تكون كمالا، وتمنع في الحال التي تكون نقصا.
واتفق أهل السنة على أنه لا تصغّر صفات الله٢، ولهم تفاصيل كثيرة ليس المجال مجال بحثها، وتفصيلها. وإنما إعطاء نبذة موجزة عنها، وقد كان السلف الصالح ومن سار على نهجهم يثبتون لله تعالى صفاته العلى الواردة في الكتاب والسنة كما تقدم. وكان أمير المؤمنين عمر بن عبد
_________________
(١) ١ الآية ١٤٢ من سورة النساء. ٢ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٣٦٦، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص٢٠.
[ ١ / ٣١١ ]
العزيز الذي هو موضوع البحث عن آثاره العقدية ممن يثبت الصفات العلى، وهذا ما سيتبين بالآثار المنقولة عنه فيما يلي:
[ ١ / ٣١٢ ]
المبحث الأول: ما أثر عن عمر في إثبات صفة النفس لله تعالى
٦٥/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الضحاك ابن عبد الرحمن١ رسالة فقال: أما بعد فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كرم عليه من خلقه لا يقبل دينا غيره٢
التعليق:
إثبات صفة النفس لله ﵎ كما تبين من هذا الأثر عن عمر ابن عبد العزيز هو ما يدل عليه الكتاب والسنة وهو ما عليه السلف الصالح، قال ﷿: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ٣ وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ ٤ وقال ﷺ في ثنائه على ربه: " لا أحصي ثناء عليك
_________________
(١) ١ الضحاك بن عبد الرحمن بن عزرب الشامي. تابعي ثقة. انظر: ميزان الاعتدال ٢/٣٢٤. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٦، وأبو حفص الملاء ١/٢٨٠. ٣ الآية ٢٨، من سورة آل عمران. ٤ الآية ٥٤ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٣١٣ ]
أنت كما أثنيت على نفسك" ١، وفي الحديث القدسي: " إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "٢.
فنفسه تعالى هي ذاته المقدسة، كما تبين ذلك من الكتاب والسنة، وبه قال عامة السلف، ولكن مع ظهور أدلة هذه الصفة وقوتها وعدم قبولها التأويل والتحريف حاولت الجهمية إنكارها. وقالوا: إن الله تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه، وإن نفسه غيره، كما أن خلقه غيره.
وهذا لا يتوهمه ذو لب فضلا عن أن يتكلم به، فإن الله قد بين في محكم تنزيله أنه كتب على نفسه الرحمة، وحذر العباد نفسه، أفيحل لمسلم أن يقول: إن الله حذر العباد غيره؟ ٣.
فنفسه تعالى هي ذاته المتصفة بصفاته وليس المراد بها ذاتا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٥٢، رقم (٤٨٦) . ٢ متفق عليه صحيح مسلم بشرح النووي ٦/١٧٥، برقم (٢٦٧٥)، والبخاري مع الفتح ١٣/٣٨٤، برقم (٧٤٠٥) . ٣ انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص ٨. ٤ انظر مجموع الفتاوى ١٤/١٩٦، و٩/٢٩٢-٢٩٣.
[ ١ / ٣١٤ ]
المبحث الثاني: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في صفة الوجه لله تعالى
المبحث الثاني: ما أثر عن عمر في صفة الوجه لله تعالى.
٦٦/٢- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر إلى الخوارج رسالة وفيها: " وإني أقسم لكم بالله لو كنتم أبكاري من ولدي لدفقت دماءكم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة "١.
التعليق:
صفة الوجه لله ﵎ من الصفات الخبرية الذاتية التي جاء بها الكتاب والسنة، وقال بها سلف الأمة كما تبين آنفا من النقل عن عمر بن عبد العزيز.
فمن الآيات التي ورد فيها إثبات الوجه لله قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ٢، وقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ٣، وغيرهما من الآيات. ومن السنة حديث ابن مسعود ﵁: لما قسم النبي ﷺ
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٥، وابن الجوزي سيرة عمر ص٩٦، وانظر البخاري مع الفتح ١٢/٣١٣. ٢ الآية ٢٧٢، سورة البقرة. ٣ الآية ٢٢ من سورة الرعد.
[ ١ / ٣١٥ ]
الغنائم يوم حنين١ وقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله "٢.
وحديث ابن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حبسوا في الغار فقال كل واحدمنهم: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنَّا ما نحن فيه "٣.
فما على المسلم إلا التسليم لقول الله ﵎ وقول رسوله ﷺ وفهم سلف هذه الأمة لنصوص الصفات، وقد كان سيد الرسل محمد ﷺ يدعو ربه ويلح في الدعاء طالبا النظر إلى وجهه تعالى، فلا يعقل أن يسأل الرسول ربه ما لا يجوز، ففي سؤاله ربه لذة النظر إلى وجهه بقوله:
_________________
(١) ١ حنين: مكان قريب من مكة وقيل: هو واد قبل الطائف، وقيل واد بجنب ذي المجاز. وقال الواقدي: بينه وبين مكة ثلاث ليال، وقيل بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، وقعت فيه معركة حنين المشهورة. انظر معجم البلدان لياقوت ٢/٣١٣. ٢ البخاري مع الفتح ٦/٢٥١، برقم (٣١٥٠)، ومسلم بشرح النووي ٣/١٢٩، برقم (١٠٦٢) . ٣ البخاري مع الفتح ٤/٤٥٠، برقم (٢٢٧٢)، ومسلم بشرح النووي ٦/٢١٥، برقم (٢٧٤٣) .
[ ١ / ٣١٦ ]
"وأسألك لذة النظر إلى وجهك"١ أبين البيان وأوضح الحجج أن لله وجها يتلذذ بالنظر إليه من منَّ الله عليه وتفضل بالنظر إلى وجهه، ولا يتوهم أننا بإثباتنا لله وجها يليق به تشبيه وجه خالقنا ﷿ بوجه أحد من المخلوقين، كما يدعي من نفي صفات الرب جل وعلا وذلك بتفسير قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٢، بزعمه أن الوصف بقوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ إنما هو للرب فالمنعوت بـ"ذو الجلال والإكرام" عنده الرب لا الوجه، وقد رد هذا الدعوى الإمام ابن خزيمة فقال: "هذه دعوى يدعيها جاهل بلغة العرب لأن الله ﷿ قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ فذكر الوجه مضموما في هذا الموضع مرفوعا وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه ولو كان قوله ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ مردود إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة "ذي
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه أحمد ٤/٣٦٤ والنسائي ٣ / ٥٥ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي١/٢٨٠-٢٨١ ٢ الآية ٢٧، من سورة الرحمن.
[ ١ / ٣١٧ ]
الجلال والإكرام" مخفوضا، فذو الجلال والإكرام من نعت الوجه فلذلك رفع ذو١.
ولا شك أن ما وصف به خالق السموات والأرض من الصفات أنه حق لائق بكماله وجلاله لا يجوز أن ينفي خوفا من التشبيه بالخلق وأن ما وصف به الخلق من الصفات حق مناسب لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم"٢.
_________________
(١) ١ انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٢، والرد على الجهمية للدارمي ص١٣٢. ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٦- ٢٧، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀.
[ ١ / ٣١٨ ]
المبحث الثالث: ماأثر عن عمر بن عبد العزيز في إثبات صفة العلم لله تعالى
المبحث الثالث: ما أثر عن عمر في إثبات صفة العلم لله تعالى
٦٧/٣- الآجري قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الهيثم بن عمران قال سمعت عمرو بن مهاجر قال: أقبل غيلان - وهو مولى لآل عثمان وصالح بن سويد إلى عمر بن عبد العزيز فبلغه أنهما ينطقان بالقدر، فدعاهما فقال: أعلم الله نافذ في عباده أم منتقض؟ قالا: نافذ يا أمير المؤمنين. قال: ففيم الكلام؟ فخرجا فلما كان عند مرضه بلغه أنهما قد أسرفا فأرسل إليهما وهو مغضب فقال: ألم يك في سابق علمه حين أمر إبليس بالسجود أنه لا يسجد؟ قال عمرو فأومأت إليهما برأسي أن قولا نعم فقالا نعم، فأمر بإخراجهما١.
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري ١/٤٤٣، والقدر للفريابي ورقة ب٥٦، والفريابي هو: جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض أبو بكر الفريابي قاضي الدينور أحد أوعية العلم وكان ثقة أمينا حجة. انظر ميزان الاعتدال ٤/٣٠٢، والهيثم بن عمران الدمشقي روى عن عمرو بن مهاجر وروى عنه هشام بن عمار لم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٩/٨٢.
[ ١ / ٣١٩ ]
٦٨/٤- وروى أبو داود أن عمر كتب إلى عامله رسالة وفيها: وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء من الأشياء لم يحط به علمه ولم يحصه كتابه ولم ينفذ فيه قدره "١.
٦٩/٥- أبو نعيم الحافظ بسنده إلى كتاب عمر بن عبد العزيز إلى النفر الذين كتبوا إليه، قال فيها: ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعا فما ضل منهم إلا من كان في علم الله ضالا ٢.
التعليق:
العلم صفة ذاتية لله ﵎ والسلف الصالح ومن سار على نهجهم رحمهم الله تعالى يثبتون أن لله تعالى علما وأن علمه أزلي بأزليته وأنه ﷿ علم في الأزل ما سيكون من دقيق وجليل. وهو عالم بكل شيء. وهذا ما قرره عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بقوله: أعلم الله
_________________
(١) ١ أبو داود في السنن ٤/٢٠٢، والآجري في الشريعة ١/٤٤٤- ٤٤٥، والفريابي في القدر ورقة ب ٧٤، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣١-٢٣٢- ٢٣٣، والبيهقي في القضاء والقدر ل ق ٨٩، وصحح الأثر الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٨٧٣. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٧، وسيأتي الكلام على سند هذا الأثر في فصل الرد على القدرية.
[ ١ / ٣٢٠ ]
نافذ في عباده، وقوله: أن يكون شيء لم يحط به علمه " وقد كفر عمر من جحد العلم من القدرية كما سيأتي في مناظرته لغيلان القدري، وثبوت العلم لله ﵎ هو ما نطق به الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ ﴾ ١، وقال ﷿: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣، ومن السنة أدلة كثيرة منها حديث الاستخارة: "اللهم إني استخيرك بعلمك.."٤.
ولا شك أن علمه تعالى من لوازم نفسه المقدسة، وبراهين علمه تعالى ظاهرة مشاهدة في خلقه وفي شرعه، ومعلوم عند كل عاقل أن الخلق يستلزم الإرادة، ولا بد للإرادة من علم بالمراد كما قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٢ الآية ١٦٦ من سورة النساء. ٣ الآية ٩٧ من سورة المائدة. ٤ البخاري مع الفتح ١١/١٨٣، برقم "٦٣٨٢) . ٥ الآية ١٤ من سورة الملك. وانظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان ١٠٣.
[ ١ / ٣٢١ ]
وإثبات صفة العلم لله تعالى هو مذهب السلف والخلف من الأشاعرة والكلابية١ وغيرهم، ومع وضوح أدلة هذه الصفة وكونها من الصفات التي أثبتها العقل والسمع حاول أن ينفيها غيلان القدري وغيره من القدرية الأولى ثم ورث هذا المعتقد الفاسد الجهمية، والمعتزلة فقالت المعتزلة إن علمه تعالى هي ذاته٢، وهذا معلوم بطلانه بضرورة العقل الذي يقد مه المعتزلة. ويفضلونه على النقل فوجود المخلوقات، وظهور تناسبها دليل على علم خالقها فالمعتزلة خالفوا بدائه العقول فالعقول لا تعقل وجود ذات عالمة بغير علم. قال الحافظ ابن خزيمة ﵀: أنكرت الجهمية أن يكون لخالقنا علم مضاف إليه من صفات الذات تعالى الله عما يقول الطاعنون في علم الله علوا كبيرًا، فيقال لهم: خبرونا عمن هو عالم بالأشياء كلها أله علم أم لا؟ فإن قال: الله يعلم السر والنجوى، وهو بكل شيء عليم، قيل له فمن هو عالم بالسر والنجوى وهو بكل شيء عليم أله علم أم لا علم له؟ فلا جواب لهم لهذا السؤال إلا الهرب. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر مثلا كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني ص٤٩، ولمع الأدلة للجويني ص٩٤. والبخاري مع الفتح ١١/١٨٣. ٢ انظر شرح الأصول الخمسة ص١٨٣. ٣ كتاب التوحيد لابن خزيمة تحقيق محمد خليل الهراس ص ١٠، والآية ٢٥٨ من سورة البقرة.
[ ١ / ٣٢٢ ]
المبحث الرابع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الكبرياء لله تعالى.
٧٠/٤- الفسوى قال: حدثنا حرملة أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني الليث أن أبا النضر حدثه، قال: دسست إلى عمر بن عبد العزيز بعض أهله أن قل له إن فيك كبرا وأنه يتكبر: فقيل ذلك فقال عمر: "قل له: لبئس ما ظننت أن كنت تراني أتوقى الدينار والدرهم مراقبة لله فأنطلق إلى أعظم الذنوب فأركبه الكبرياء إنما هو رداء الرحمن فأنازعه إياه"١.
التعليق:
الكبرياء لله تعالى صفة ثابتة بالكتاب والسنة يثبتها السلف على ما يليق بالله تعالى كما اتضح لنا آنفا من كلام عمر بن عبد العزيز، ومن المعلوم أن الكبرياء من صفات الله التي لا يجوز للعباد أن يتصفوا بها فقد
_________________
(١) ١ الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٥٨١- ٥٨٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢١٥، وأبو حفص الملاء ١/١٦٤. وحرملة بن يحيى بن حرملة، أبو حفص التجيبي صدوق، انظر تقريب التهذيب ص١٥٦، وأبو النضر هو راوي قول أنس ما صليت خلف أحد أشبه صلاة برسول الله من هذا الفتى ولم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٩/٤٥٠.
[ ١ / ٣٢٣ ]
توعد الله المتكبرين بجهنم. قال ﷿: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ١، ولذا فقد حرص عمر رحمه الله تعالى أن يبين للسائل أنه لا يجوز له الاتصاف بالتكبر لأن هذه الصفة خاصة بالخالق ﷿، ومن أدلة ثبوت هذه الصفة لله تعالى قوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢، وحديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄: "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته" ٣. فوصف الله تعالى بأن العظمة إزاره والكبرياء رداؤه تثبت كسائر صفاته على ما يليق به ويجب أن يؤمن بها على ما أفاده النص دون تحريف ولا تعطيل٤.
_________________
(١) ١ الآية ٧٢ من سورة الزمر. ٢ الآية ٣٧من سورة الجاثية. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/١٣٣، برقم "٢٦٢٠) . قال النووي "ينازعني يتخلق بذلك" انظر النووي على صحيح مسلم ٦/١٣٣. ٤ شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/١٦١.
[ ١ / ٣٢٤ ]
المبحث الخامس: ما أثر عن عمر في صفة القدرة لله تعالى
٧١/٥- ابن الجوزي قال: حدثنا عيسى بن سليمان عن ضمرة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله "أما بعد: فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله عليك في نفاذ ما يأتي إليهم وبقاء ما يأتي إليك"١.
٧٢/٦- أبو نعيم في رسالة عمر في الرد على القدرية وفيها: فالله أعز في قدرته وأمنع من أن يملك أحدا إبطال علمه "٢.
التعليق:
يتبين من خلال الأثرين السابقين إثبات عمر بن عبد العزيز صفة القدرة لله ﵎ وهي من الصفات التي دل عليها السمع والعقل
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٢٥، وابن كثير البداية النهاية ٥/٢٢٥، وأبو حفص الملاء ١/٢٠٥. رجال السند عيسى بن سليمان يحتمل أنه القرشي الحمصي الفهري يدل حديثه على الصدق. انظر الجرح والتعديل ٦/٢٧٨. وضمرة هو ابن ربيعة الفلسطيني أبو عبد الله الرملي صالح الحديث انظر الجرح والتعديل ٤/٤٦٧. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٧،
[ ١ / ٣٢٥ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقال ﷿: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ ٢، ومن السنة حديث أبي مسعود البدري ﵁ لما ضرب غلامه قال له النبي ﷺ: "اعلم يا أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"٣.
_________________
(١) ١ الآية ٢٠ من سورة البقرة وغيرها. ٢ الآية ٦٥ من سورة الأنعام. ٣ مسلم برقم ١٦٥٩، ٤/٢٩٠.
[ ١ / ٣٢٦ ]
المبحث السادس: ما أثر عن عمر في إثبات صفة العلو لله تعالى
٧٣/٦- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد وفي آخر الرسالة قال: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم١
٧٤/٧- أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن ذكوان حدثنا عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: والذي أكرمك بما أكرمك به من الخلافة قال: فاستتر بيده من السماء وقال: ويحك تدري ما تقول؟ ٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨١. ٢ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص٢٠٩، ط. دار الكتب العلمية عام ١٤١٧هـ ط. الأولى. وعبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان البهراني الدمشقي إمام الجامع صدوق، مات سنة ٤٢ وله نحو ٧٠ سنة، د ق تقريب ص٢٩٥. وانظر الجرح والتعديل ٥/٥. وعبد العزيز ابن أبي السائب هو عبد العزيز بن الوليد بن سليمان بن أبي السائب الدمشقي روى عن أبيه. انظر الجرح والتعديل ٥/٣٩٩، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من عباد أهل الشام. ثقات ابن حبان ٨/٣٩٢- ٣٩٣. ووالده هو الوليد بن سليمان بن أبي السائب الدمشقي الشامي روى عنه ابنه عبد العزيز بن الوليد وهو من ثقات مشيخة دمشق. انظر الجرح والتعديل ٩/٦.
[ ١ / ٣٢٧ ]
٧٥/٨- ابن عبد الحكم قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال فيها: وإن لكم معادا ينزل الله ﵎ للحكم فيه والفصل بينكم "١.
٧٦/٩- ابن أبي الدنيا قال: حدثني الحسن بن الصباح قال: ثنا ميسرة ابن إسماعيل، عن أبي عبد الله الأنطاكي: قال عمر بن عبد العزيز: كانت المساجد على ثلاثة أصناف: فصنف ساكت سالم، وصنف في ذكر الله ﷿، والذكر معروج به وصنف في صلاة والصلاة لها من الله نور ٢.
التعليق:
تتضمن هذه الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز إثبات علو الله ﵎ تصريحا وتلميحا، وإثبات علو الله على خلقه مركوز في الفطر السليمة، وثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٢، وانظر: الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٦١٢. ٢ ابن أبى الدنيا العزلة والانفراد ص٨١-٨٢، تحقيق أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط. دار الوطن الرياض، ط. الأولى عام ١٤١٧هـ. وقال المحقق إسناده ضعيف. والأثر ذكره ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٦٠، وأبو حفص الملاء ٢/٤٨.
[ ١ / ٣٢٨ ]
قال شارح الطحاوية: والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده تقرب من عشرين نوعًا:
أحدها: التصريح بالفوقية مقرونا بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١.
الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٢.
الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٣. وقوله ﷺ: "فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم"٤.
الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ ٥.
الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَي﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية ٥ من سورة النحل. ٢ الآية ١٨ و٦١ من سورة الأنعام. ٣ الآية ٤ من سورة المعارج. ٤ البخاري مع الفتح ٢/٣٣/رقم٥٥٥ ومسلم بشرح النووي ٢/٢٧٢/برقم٦٣٢. ٥ الآية ١٠ من سورة فاطر. ٦ الآية ١٥٨ من سورة النساء. ٧ الآية ٥٥ من سورة آل عمران.
[ ١ / ٣٢٩ ]
السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ١. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٣.
السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله تعالى ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٤، وغيرها من الآيات.
الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّك﴾ ٥، وقوله ﷺ في الكتاب الذي كتبه تعالى على نفسه: "أنه عنده فوق العرش"٦.
التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء كقوله للجارية "أين الله" فقالت: في السماء٧ والسماء يراد به العلو، و"في" بمعنى "على".
_________________
(١) ١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٢ الآية ٢٣ من سورة سبأ. ٣ الآية ٥١ من سورة الشورى. ٤ الآية ١ من سورة الزمر. ٥ الآية ٢٠٦ من سورة الأعراف. ٦ البخاري مع الفتح ٦/٢٨٧، برقم (٣١٩٤) . ٧ مسلم برقم ٥٣٧ وأحمد ج ٥/٤٤٥.
[ ١ / ٣٣٠ ]
العاشر: التصريح بالاستواء مقرونا بأداة "على" مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحبا في الأكثر لأداة "ثم" الدالة على الترتيب والمهلة.
الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى كقوله ﷺ: "إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا "١، والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة، والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع.
الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل.
الثالث عشر: الإشارة إليه حسًّا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به ولما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم. قال لهم أنتم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق
_________________
(١) ١ الحديث رواه مسلم برقم ١٢١٨، ٣/٣٤٠- ٣٤١.
[ ١ / ٣٣١ ]
كل شيء قائلا: "اللهم اشهد"١، فكأنا نشاهد تلك الإصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع اصبعه إليه: "اللهم اشهد" ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين، وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية النصيحة، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين، وحذلقة المتحذلقين والحمد لله رب العالمين.
الرابع عشر: التصريح بلفظ "الأين" كقول أعلم الخلق به وأنصحهم لأمته وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه: "أين الله"٢ في غير موضع.
الخامس عشر: شهادته ﷺ لمن قال: إن ربه في السماء بالإيمان.
السادس عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطّلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه فوق السموات فقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٥/٤٣٨، وابن أبي شيبة ١/٣٤٠، وأبو داود برقم ١٤٨٨، والترمذي برقم ٣٥٥١، وابن ماجة ٣٨٦٥، وصححه ابن حبان ٢٣٩٩، وحسنه الحافظ في الفتح ١١/١٢١. ٢ مسلم برقم ٥٣٧، ٢/٣٨١، وأحمد ٥/٤٤٧.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ١، فمن نفي العلو من الجهمية فهو فرعوني ومن أثبته فهو موسوي محمدي.
السابع عشر: إخباره ﷺ أنه تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة فيصعد إلى ربه، ثم يعود إلى موسى عدة مرات.
الثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له تعالى من الكتاب والسنة وإخبار النبي ﷺ أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، ولا يرونه إلا من فوقهم "٢.
ومع وضوح هذه الأدلة وثبوتها حيث لا مجال للمسلم تجاهها إلا التسليم والإيمان حرفها من خرج عن منهج السلف من المتكلمين ومن تأثر بهم وسلكوا في ردها مسلكين معوجين هما:
١- تأويل هذه الأدلة والزعم بأن ظاهرها غير مراد، وأن إثباتها يؤدي إلى محذور ويكفي في الرد عليهم أن نقول لهم أأنتم أعلم أم الله ورسوله؟
٢- التفويض وهو عندهم أن هذه الصفة ثابتة لكن ثبوتها يقتصر على القول بها لفظا أما المعنى المراد منها فموكول علمه إلى الله ﷾.
_________________
(١) ١ الآيتان ٣٦-٣٧ من سورة غافر. ٢ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/٣٨٠ إلى ٣٨٦.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وهؤلاء المفوضة أساءوا إلى السلف الصالح حيث زعموا أنهم يفوضون١ معاني نصوص الصفات بلا دليل صحيح ويرد عليهم بما ثبت ما نقلناه عن عمر بن عبد العزيز من استتاره بيده من السماء حياءً من الله تعال، ى وإثباته النزول يوم القيامة، ولا شك أن النزول يستلزم العلو عند جميع العقلاء، ولا يمكن حمل ما أثر عن عمر بن عبد العزيز وغيره على أنه وغيره من السلف كانوا يفوضون معاني نصوص الصفات، بأي وجه من الوجوه لأن كلامه رحمه الله تعالى هنا لا يقبل التأويل ولا التفويض. فعلوه تعالى مطلق من كل وجه فله ﷾ علو القهر وعلو القدر، وعلو الذات، ومن أثبت البعض ونفي البعض فقد تناقض ٢.
وعلوه ﷾ ثابت بالعقل من عدة وجوه:
أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين إما أن يكون أحدهما ساريا في الآخر قائما به كالصفات، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من الآخر.
_________________
(١) ١ السلف كانوا يفوضون كيفية الصفات أما معناها فمعلوم لهم ومن زعم انهم يفوضون المعنى والكيفية فقد أبعد النجعة. ٢ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/٣٨٨.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الثاني: أنه لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا عن ذاته والأول باطل، أما أوّلًا فبالاتفاق، وأما ثانيا فلأنه يلزم أن يكون محلا للخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والثاني: يقتضي كون العالم واقعا خارج ذاته، فيكون منفصلا، فتعينت المباينة لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول.
الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول فيكون موجودًا إما داخله وإما خارجه والأول باطل فتعين الثاني فلزمت المباينة.
وعلوه ثابت أيضا بالفطرة فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وهويتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: ياالله إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال وبكى وقال: حيّرني الهمداني حيّرني
[ ١ / ٣٣٥ ]
الهمداني أراد الشيخ: أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه من المعلمين يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو١.
_________________
(١) ١ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/٣٨٩- ٣٩١، وانظر العلو للعلي الغفار للذهبي ص١٨٨- ١٨٩.
[ ١ / ٣٣٦ ]
المبحث السابع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة المعية والقرب لله تعالى.
٧٧/١٠- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الضحاك ابن عبد الرحمن، أما بعد: فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه وفيها: " وأذكرهم تذكيرًا بعد تذكير وأشهد عليهم الذي هو آخذ بناصية كل دابة والذي هو أقرب إلى كل عبد من حبل الوريد "١.
٧٨/١١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أيوب ابن شرحبيل وأهل مصر رسالة وفيها: " ومن يخالف ما نهى عنه نعاقبه في العلانية ويكفينا الله ما أسر، إنه على كل شيء رقيب والله على كل شيء شهيد "٢.
التعليق:
تتضمن الأثران السابقان عن عمر بن عبد العزيز إثبات صفة المعية لله ﵎ وصفة القرب.
ولا شك أن المعية تنقسم إلى قسمين: معية عامة ومعية خاصة.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ٢٩١، و٩٣، وأبو حفص الملاء ١/٢٨٣. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٩- ٩٠، وأبو حفص الملاء ١/٢٨٠.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وهذا المأثور عن عمر هو الحق الذي دل عليه الكتاب فمن أدلة المعية العامة في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم﴾ ١، والمعنى أن الله مع جميع ما خلق يعلم ما هم عليه فلا تخفي عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء بل أحاط كل شيء علما وأحصى كل شيء عددا، ومن أدلة المعية الخاصة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٢، ومما يجدر التنبيه عليه أن معية الله لا توجب المخالطة والممازجة الذاتية لا شرعا ولا لغة بل تمنع ذلك باعتبار إضافتها إلى الله تعالى فإذا كانت معية عامة فمعناها العلم والإطلاع والإحاطة، وإن كانت خاصة فمعناها الحفظ والنصر والتأييد. ولا ينبغي أن نفهم منها أي معنى من المعاني التي لا تليق بالله تعالى٣.
وأما صفة القرب فهي صفة ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ٤ ومن السنة حديث: "من تقرب
_________________
(١) ١ الآية ٤ من سورة الحديد. ٢ الآية ١٢٨ من سورة النحل. ٣ انظر الصفات الإلهية في الكتاب والسنة لمحمد أمان الجامي ص٢٤٠. ٤ الآية١٨٦ البقرة.
[ ١ / ٣٣٨ ]
إلي شبرا تقربت منه ذراعا "١ وأهل السنة والجماعة من السلف وأهل الحديث يعتقدون أن الله ﷿ قريب من عباده حقيقة كما يليق بجلاله وعظمته وهو مستو على عرشه بائن من خلقه،وأنه يتقرب إليهم حقيقة ويدنو منهم حقيقة ولكنهم لا يفسرون كل قرب ورد لفظه في القرآن أو السنة بالقرب الحقيقي، فقد يكون القرب قرب الملائكة، وذلك حسب سياق اللفظ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأما دنوه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواؤه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث والنقل عنهم متواتر٢.
_________________
(١) ١ الحديث رواه البخاري برقم (٧٤٠٥) ومسلم برقم (٢٦٧٥٦) . ٢ الفتاوى٥ /٤٦٦ وانظر: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ٧٥- ٧٦/ط دار الهجرة.
[ ١ / ٣٣٩ ]
المبحث الثامن: ما أثر عن عمر في إثبات صفة النزول لله تعالى يوم القيامة لفصل القضاء.
٧٩/١٢- الفسوى قال: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: خطب عمر بن عبد العزيز هذه الخطبة - وكانت آخر خطبة خطبها - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وأن لكم معادا ينزل الله ليحكم فيكم ويفصل بينكم "١.
_________________
(١) ١ الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٦١١-٦١٢، وانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٧٥، وابن كثير في البداية والنهاية ٥/٢٢٢. وأبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر المصري روى عن معاوية بن يحيى الأطرابلسي، وعبد الرحمن بن القاسم ولم يذكره ابن أبى حاتم بجرح ولا تعديل انظر الجرح والتعديل ٥ /٢٧٤- ٢٧٥. ويعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني روى عنه عبد الرحمن بن أبي الغمر ثقة. انظر الجرح والتعديل ج٩/٢١٠، وأبوه هو: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري روى عنه ابنه يعقوب ثقة. انظر الجرح والتعديل ٥/٢٨١.
[ ١ / ٣٤٠ ]
٨٠/١٣- اللالكائي قال: أخبرنا الحسين قال أخبرنا أحمد قال ثنا بشر قال ثنا عبد الله بن يزيد المقري قال: ثنا حرملة بن عمران قال: حدثني سليمان بن حميد أنه سمع محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار أقبل ﵎ في ظلل من الغمام ومعه الملائكة فيقف على أهل أول درجة من الجنة فيسلم عليهم فيردون عليه وهو قوله: سلام قولا من رب رحيم١.
التعليق:
إن صفة النزول التي قررها عمر بن عبد العزيز في الأثر الأول صفة ثابتة بالكتاب قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٣، وقال
_________________
(١) ١ اللالكائى: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٠٠، قال محقق الكتاب هذا الأثر لا يصح عن عمر بن عبد العزيز ﵀ لأنه من الأمور التي لا يقبل فيها الاجتهاد وإنما مدارها على الوحي ولم يرد فيه نص صحيح وأما سنده ففيه سليمان ابن حميد مجهول الحال. الجرح والتعديل ٤/١٠٦. ٢ الآية ٢٢ من سورة الفجر. ٣ الآية ٢١٠ من سورة البقرة.
[ ١ / ٣٤١ ]
تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك﴾ ١، وثابتة بالسنة قال ﷺ كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: " قال فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم " ٢، وغيرها من الأحاديث والسلف الصالح ومن سار على نهجهم يثبتون هذه الصفة كما يليق بجلال الله وعظمته وأنه تعالى ينزل يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإذا ثبت نزوله يوم القيامة كما يليق بجلاله فمن باب أولى أن يؤمن بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل، لا سيما مع ثبوت الخبر الصادق وقد استدل الإمام إسحاق بن راهويه بنزوله يوم القيامة على نزوله في الدنيا. فروى الذهبي في العلو أن إسحاق بن راهويه حضر مجلس ابن طاهر أمير خراسان فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال نعم. فقال له بعض القواد كيف ينزل؟ فقال: أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل:
_________________
(١) ١ الآية ١٥٨ من سورة الأنعام. ٢ الحديث رواه البخاري برقم (٧٤٣٩) ١٣/٤٢١، ومسلم برقم (٣٠٢) ١/٤٠١.
[ ١ / ٣٤٢ ]
أثبته فوق. فقال: إسحاق قال الله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١ فقال ابن طاهر: هذا ياأبا يعقوب يوم القيامة. قال: ومن يجئ يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ ٢ أما كيف ينزل وهل يخلو منه العرش؟ هذا فيه خلاف بين السلف
قال شيخ الإسلام مبينا الصواب من قول أهل السنة في النزول مع كونه على العرش: "المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه - لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك "٣، هذا مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ.
_________________
(١) ١ الآية ٢٢ من سورة الفجر. ٢ الذهبي: العلو للعلي الغفار ص١٣٢. ٣ انظر: شرح حديث النزول ص٦٦.
[ ١ / ٣٤٣ ]
أما غيرهم من أهل الكلام والتجهم فلم يقدروا كلام الله وكلام رسوله ﷺ في إثبات هذه الصفة فتأولوها بنزول أمره أو نزول رحمته أو نزول الملك١، وهذه كلها تأويلات باطلة مخالفة لنصوص الوحيين.
قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: ويثبت أهل الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان "٢.
_________________
(١) ١ انظر شرح جوهرة التوحيد المسماة تحفة المريد ص٩٣، والمواقف في علم الكلام ص٢٧٣، وشرح المقاصد ٤/١٧٤. ٢ الصابونى عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص٢٣. ط. الأولى عام ١٤١٣هـ تحقيق نبيل بن سابق السبكي.
[ ١ / ٣٤٤ ]
المبحث التاسع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة المشيئة والإرادة لله تعالى
٨١/١٤- الآجري قال: وأخبرنا الفريابي، نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا عبد الله بن إدريس، عن عمر بن ذر، قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله تعالى أن لا يعصَى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة١.
٨٢/١٥- الآجري قال: وحدثني أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: نا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، قال: حدثني شيخ، قال مؤمل: زعموا أنه أبو رجاء الخراساني أن عدي بن أرطأة كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إن قبلنا قوما يقولون: لا قدر فاكتب إلي برأيك، واكتب إلي بالحكم
_________________
(١) ١ الآجرى في الشريعة ١/٤٤٠، ورواه البيهقي في الأسماء والصفات ص٢٢٢، واللالكائي في السنة برقم (١٢٤٥)، وابن بطة في الإبانة برقم (١٨٤٦) ٢/٢٣٨، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة رقم ٩٣٦، وصحح هذا الأثر محقق كتاب الشريعة. وعبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي روى عنه ابن أبي شيبة وغيره ثقة حجة. انظر الجرح والتعديل ٥/٨-٩.
[ ١ / ٣٤٥ ]
فيهم، فكتب إليه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره وفيها: وما يقدر يكن، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن١.
التعليق:
إن مما أثر عن عمر بن عبد العزيز هنا يدل دلالة واضحة على إثبات صفة الإرادة لله تعالى كما يليق بجلاله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى واصفا قول أهل السنة في الإرادة وهو أن الله تعالى لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته٢. وكونه تعالى متصفا بصفة الإرادة هو صريح ما دل عليه الكتاب. قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٣، وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري ١/٤٤٣- ٤٤٥، وأخرجه أبو داود ٤/٢٠٢، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٣٨٥٦. ٢ انظر: مجموع الفتاوى ١٦/٣٠٣. ٣ الآية ١٦ من سورة البروج. ٤ الآية ٨٢ من سورة يس
[ ١ / ٣٤٦ ]
مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ١، وقال ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، وغيرها من الآيات وقد ضل كثير من الطوائف في هذه الصفة وخالفهم التوفيق فالأشاعرة ذهبوا إلى أنه تعالى مريد بإرادة قديمة٣ أزلية واحدة وإنما يتجدد تعلقها بالمراد ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص٤.
وكثير من العقلاء يقول: إن هذا فساده معلوم بالاضطرار حتى قال أبو البركات: ليس في العقلاء من قال بهذا.
وما علم أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلام، وبطلانه من جهات: من جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك، ومن جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها، ومن جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أولا تخصص. بل تجددت نسبة عدمية ليست وجودا
_________________
(١) ١ الآية ١٦ من سورة الإسراء. ٢ الآية ١٨٥ من سورة البقرة. ٣ انظر الإرشاد للجويني ص١٠٢. ٤ انظر: الفتاوى ١٦/٣٠١-٣٠٢.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وهذا ليس بشيء، فلم يتجدد شيء فصارت الحوادث تحدث وتتخصص بلا سبب حادث ولا مخصص، والكرامية وغيرهم يقولون بإرادة واحدة قديمة مثل الأشاعرة لكنهم يقولون تحدث عند تجدد الأفعال إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة، وهؤلاء أقرب من حيث أثبتوا إرادات الأفعال ولكن يلزمهم ما لزم أولئك من حيث أثبتوا حوادث بلا سبب حادث، وتخصيصات بلا مخصص، وجعلوا تلك الإرادة واحدة تتعلق بجميع الإرادات الحادثة، وجعلوها أيضا تخصص لذاتها ولم يجعلوا عند وجود الإرادات الحادثة شيئا حدث حتى تخصص تلك الإرادات الحدوث، وأما المعتزلة والجهمية فإنهم ينفون قيام الإرادة بالله تعالى، ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة أو يفسرونها بنفس الأمر والفعل، أو يقولوا بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين١.
والسبب في هذا هو إنكارهم للأفعال الاختيارية لله ﵎ فلذا قالوا بإرادة قديمة واحدة والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ١٦/٣٠١- ٣٠٢- ٣٠٣.
[ ١ / ٣٤٨ ]
المبحث العاشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الغضب كما يليق لله تعالى
٨٣/١٦- ابن عبد الحكم قال: وخرج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز إلى الحج فأصابهم مطر شديد ورعد برق فقال سليمان: هل رأيت مثل هذا يا أبا حفص؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا في حين رحمته فكيف به في حين غضبه١.
٨٤/١٧- ابن كثير قال: روى ابن أبي الدنيا قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن عطاء بن السائب قال: كان عمر بن عبد العزيز في سفر مع سليمان بن عبد لملك فأصابهم السماء برعد وبرق، وظلمة، وريح شديدة، حتى فزعوا لذلك وجعل عمر بن عبد العزيز يضحك، فقال له سليمان: ما يضحكك يا عمر؟ أما ترى ما نحن فيه؟ فقال له يا أمير المؤمنين هذا آثار رحمته فيها شدائد ما ترى فكيف بآثار سخطه وغضبه٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٠. ٢ ابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٠١، إسحاق بن إسماعيل أبو يعقوب المعروف بالطالقاني سمع جرير بن عبد الحميد وسفيان بن عيينة ثقة. انظر تاريخ بغداد ٦/٣٣٤- ٣٣٧، وجرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه تقريب ص١٣٩، وعطاء بن السائب أبو محمد، ويقال أبو السائب الثقفي صدوق اختلط. تقريب ص٣٩١.
[ ١ / ٣٤٩ ]
٨٥/١٨- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو حامد ثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: "أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله ولزوم طاعته فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه "١.
٨٦/١٩- الدارمي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري ابنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمراء الأجناد: "أما بعد: إني أوصيك بتقوى الله وطاعته والتمسك بأمره، والمعاهدة على ما حملك الله من دينه واستحفظك من كتابه فإن بتقوى الله نجا أولياؤه من سخطه "٢.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٧٨، وابن الجوزي سيرة عمر ص١١٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٦٦-٤٦٧، وفي الأثر إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة الأنصاري مجهول. انظر الجرح والتعديل ٢/١٥٦. ٢ الرد على الجهمية للدارمي ص ١٠٣ تحقيق بدر البدر، وقال إسناده ضعيف لأن إسماعيل بن إبراهيم ضعيف. قلت: لكن معناه صحيح.
[ ١ / ٣٥٠ ]
التعليق:
يتبين من الآثار المتقدمة المأثورة عن عمر بن عبد العزيز إثبات صفة الغضب كما يليق بجلال الله وعظمته وهذه الصفة يثبتها السلف الصالح لدلالة الكتاب والسنة على ذلك قال تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ١، وقوله ﷿: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ٢.
وهناك عدد من آيات الكتاب المبين في إثبات هذه الصفة، ومذهب سائر الأئمة إثباتها كما أن هناك أحاديث تؤكد ما جاء في هؤلاء الآي من وصف الله بالغضب، كما يليق به وإن هذا الغضب يحدث في وقت دون وقت، ومن ذلك ما جاء في حديث الشفاعة الطويل وهو سبحانه يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذارا للناس عند ما يتقدمون إليهم لطلب الشفاعة، فكل واحد منهم يقول: "إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله اذهبوا إلى غيري "٣، إلى آخر الحديث، والحديث يدل دلالة واضحة على إثبات صفة الغضب ومحل
_________________
(١) ١ الآية ٦١ من سورة البقرة. ٢ الآية ٩٣ من سورة النساء. ٣ البخاري مع الفتح ٦/٣٧١، برقم (٣٣٤٠)، ومسلم ١/٤٢٨، برقم (٣٢٧) .
[ ١ / ٣٥١ ]
الشاهد من الحديث: "إن ربي قد غضب اليوم" واللفظ صريح في أن الله يغضب في ذلك اليوم غضبالم يغضب مثله قبل ذلك كما لا يغضب بعده مثله١.
وكذلك حديث كلام الرب لأهل الجنة وهو قوله ﷺ: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يارب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يارب وأي شيء أفضل من ذلك: فيقول أُحِلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا"٢.
وقد حاول المتكلمون إنكار هذه الصفة فركبوا مطيتهم المعروفة بالتأويل، فصرفوا هذه النصوص، وفسروا الغضب بأنه انتقام الله تعالى ممن عصاه، أو إرادته العقوبة لأهل المعاصي ٣.
ويرد عليهم بأن الأصل حمل الكلام على الحقيقة، وبإجماع السلف الصالح ومنهم كما تقدم عمر بن عبد العزيز على إثبات هذه الصفة،
_________________
(١) ١ انظر: الجامي محمد أمان ﵀ الصفات الإلهية ص٢٩٨- ٢٩٩. ٢ البخاري مع الفتح ١١/٤١٥، برقم (٦٥٤٩)، ومسلم ٦/٣٠٠، برقم (٢٨٢٩) . ٣ انظر: الإنصاف للباقلاني ص ٦٢-٦٣.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وبالقاعدة المطردة، وهي أن الكلام في بعض الصفات كالقول في بعض، فإنهم يقولون بأن الله تعالى حي بحياة عليم بعلم مريد بإرادة، ويجعلون ذلك كله حقيقة، فيقال لهم لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال لك،والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت هذه إرادة المخلوق قيل لك وهذا غضب المخلوق١.
فالتسليم لنصوص الوحي واتباع منهج السلف الصالح هو سبيل المؤمنين الذي من اتبعه وصل إلى الحق واليقين، ومن حاد عنه وركب هواه فمسلكه خطير، وطريقه معوج، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٧- ١٨.
[ ١ / ٣٥٣ ]
المبحث الحادي عشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الرضى لله تعالى.
٨٧/٢٠- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الضحاك بن عبد الرحمن أما بعد: فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كرم عليه من خلقه ١.
٨٨/٢١- أبو نعيم بسنده أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي عهده رسالة وفيها فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت٢.
التعليق:
يتبين من الأثرين الواردين عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إثباته صفة الرضى لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وهذا ما دل عليه القرآن والسنة المطهرة قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩١، وأبوحفص الملاء ١/٢٨٠. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٧٤- ٢٧٥، وابن الجوزي سيرة عمر ص٣٤٠، وقد تكلمنا عن سنده في مبحث الأسماء الحسنى.
[ ١ / ٣٥٤ ]
الشَّجَرَةِ﴾ ١، وقال ﷿: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ٢، ومن السنة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة ياأهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ﷿ أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا يارب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا "٣. فالرضا من الله تعالى مطلب كل عابد وغاية كل سالك، فرضى الله عن المؤمنين في دار الكرامة وعدم السخط عليهم بعد الرضى مطلب ليس بعده مطلب، فلا تؤول بدعوى أن الرضى انفعال نفسي، وتغير من حال إلى حال، لأن هذا من لوازم صفات المخلوق المعروفة لنا حقيقة ذاته، وأما بالنسبة لصفات الله تعالى فهذه اللوازم غير لازمة لصفاته، وقياس صفات الخالق على صفات المخلوق قياس فاسد، وقد أجمع السلف الصالح على إثبات هذه الصفة لله ﵎
_________________
(١) ١ الآية ١٨ من سورة الفتح. ٢ الآية ٨ من سورة البينة. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٤٨٧، برقم "٧٥١٨)، ومسلم ٦/٣٠٠، برقم (٢٨٢٩) .
[ ١ / ٣٥٥ ]
المبحث الثاني عشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الرحمة لله تعالى.
٨٩/٢٢- ابن عبد الحكم قال: كان عمر بن عبد العزيز يدعو ويقول: اللهم لا تعطني عطاء يبعدني من رحمتك في الآخرة ١.
٩٠/٢٣- ابن عبد الحكم قال: كان عمر يدعو بهذا الدعاء ويقول: واكفني كل هول دون الجنة حتى تبلغنيها برحمتك يا أرحم الراحمين٢.
التعليق:
إثبات صفة الرحمة لله تعالى هو مذهب أهل السنة والجماعة وهذا ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ كما تقدم سطره في الأثرين اللذين ذكرناهما آنفا، وهو أيضا ما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، وقوله ﷿: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤،
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٨، وأبو حفص الملاء ٢/٤٧٧. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٨، وأبو حفص الملاء ٢/٤٧٦. ٣ الآية ٥ من سورة طه. ٤ الآية ١٥٦ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ومن السنة ما رواه البخاري عن أسامة قال: كان ابن لبعض بنات النبي ﷺ يقضي فأرسلت إليه أن يأتيها فأرسل: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى فلتصبر، ولتحتسب، فأرسلت إليه فأقسمت عليه فقام رسول الله ﷺ وقمت معه، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، فلما دخلنا ناولوا رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تقلقل في صدره حسبته قال كأنها شَنّة فبكى رسول الله ﷺ فقال سعد بن عبادة أتبكي فقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"١.
وحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليصيبن أقواما سفع٢ من النار بذنوب أصابوها عقوبة ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته تعالى يقال لهم الجهنميون" ٣.
وفي هذه النصوص ونحوها كثير أبلغ دليل على ثبوت صفة الرحمة لله تعالى وبذلك يتبين بطلان قول أهل التأويل في هذه الصفة الكريمة من صفات ربنا ﵎ - وقولهم أن الرحمة رقة في القلب وهي تدل
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤، برقم (٧٤٤٨) . ٢ البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤، والسفع: علامة تغير ألوانهم أي يريد أثرًا من النار. انظر النهاية ٢/٣٧٤. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤، برقم (٧٤٥٠) .
[ ١ / ٣٥٧ ]
على الضعف والخور في طبيعة الراحم وتألمه على المرحوم ١ هذا قول باطل بالنسبة إلى صفة الله تعالى وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أن هذا وصف رحمة بعض المخلوقين من النساء ونحوهن، وقد علم التفاوت العظيم بين الخالق تعالى والمخلوقين بالشرع، والعقل، والإجماع، وقد تقرر أن الصفة تتبع الموصوف في الكمال وضده.
الثاني: أن الضعف والخور مذموم وهو نقص وأما الرحمة فممدوحة كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ٢، مع نهيه - تعالى عباده عن الوهن والحزن، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ ٣، وحثهم على الرحمة كما في بعض الأحاديث كقوله ﷺ: "من لا يرحم لا يرحم"٤، وقوله: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" ٥، وقوله: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"٦
_________________
(١) ١ انظر: الإنصاف للباقلاني ٦٢-٦٣ وشرح أسماء الله الحسنى للرازي ٣٤١-٣٤٢ ٢ الآية ١٧ من سورة البلد. ٣ الآية ١٣٩ من سورة آل عمران. ٤ البخاري مع الفتح ١٠/٤٢٦، برقم (٥٩٩٧) . ٥ الحديث رواه الترمذي ٤/٢٥٨، وقال: حسن، والإمام أحمد ٢/٣٠١. ٦ الحديث رواه الترمذي ٤/٢٨٥، وقال حسن صحيح.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ومستحيل أن يقول: "لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي ولما كانت الرحمة في حق كثير من الناس تقارن الضعف والخور ظن من غلط في ذلك أنها كذلك مطلقا.
الثالث: أن أسماء الله تعالى حسنى لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، وصفاته عليا عن النقص أيضا والله تعالى قد تمدح بهذه الأسماء والصفات لأنها تدل على الكمال، فمن المحال أن يلحقها ما يلحق رحمة المخلوق١.
وفي ختام هذا المبحث في موقف عمر بن عبد العزيز من إثبات الصفات أود التنبيه إلى أن التوسع في دراسة تلك الصفات له أماكنه الخاصة به وقد كتبت فيها مؤلفات عديدة ورسائل علمية كثيرة ولم يكن غرضي استقصاء دراسة كل صفة لعدم تعلق موضوعي به. فإن مجال بحثي هو في متابعة ما يقوله عمر فيها وكان موقف عمر منها هو الإثبات، ولم أر له مجادلات ومناظرات مع المخالفين فاكتفيت بإثبات معتقده في الصفة وإثبات الصفة أيضا من كتاب الله وسنة نبيه وفهم السلف.
_________________
(١) ١ انظر شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الله الغنيمان ١/٢٦٢.
[ ١ / ٣٥٩ ]
الباب الثاني: الآثار عن عمر في الإيمان بالملائكة والكتب، والرل، واليوم الآخر، والقدر
الفصل الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بالملائكة
الفصل الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بالملائكة.
تمهيد:
إن الإيمان بالملائكة والكتب من لوازم الإيمان بالرسل المعبر عنه بالنبوات، فلا يؤمن أحد برسل الله ﵎ إلا ويلزمه الإيمان بالملائكة الذين هم الواسطة بين الله وبين رسله، كما يلزمه الإيمان بالكتب التي يأتي بها هؤلاء الرسل لهداية الناس وتبشيرهم وإنذارهم وتهذيب نفوسهم وإرشادهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ولا شك أن الإيمان بالرسل ركن عظيم ودعامة يبنى عليه أساس كل العبادات التي جاء بها الرسل عليهم الصلاة والسلام.
هذا وقد أثر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى آثار تتعلق بالإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، كما ورد عنه آثار في الإيمان بنبينا محمد ﷺ وذكر بعض خصائصه وفضائل أصحابه وأهل بيته يتبين ذلك بما يأتي من الآثار:
[ ١ / ٣٦٣ ]
٩١/١- ابن الجوزي قال: وعن قادم بن مسور قال: قال عمر بن عبد العزيز لما أمر الله ﷿ الملائكة بالسجود لآدم أول من سجد له إسرافيل فأنابه أن كتب القرآن في جبهته١.
٩٢/٢ - ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى منصور ابن غالب حين بعثه على قتال أهل الحرب رسالة وفيها: "واعلموا أن معكم من الله حفظة عليكم يعلمون ما تفعلون في مسيركم ومنزلكم فاستحيوا منهم وأحسنوا صحابتهم ولا تؤذوهم بمعاصي الله "٢.
٩٣/٣ - ابن الجوزي قال: حدثنا حازم قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن في شأن ابنه عبد الملك حين توفي:
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٧٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٩٤، وابن الجوزي أيضا المنتظم ١ /٢٠٣ ط دار الكتب العلمية. وقادم بن مسور لم أجده. والأثر وإن كان شقه الأول صحيح المعنى لكن شقه الذي دل على كتابة القرآن على جبهة إسرافيل يحتاج إلى نقل عن النبي ﷺ لأنه من الأمور الغيبية ولم أطلع على دليل صحيح يؤيد ما دل عليه الشق الثاني من هذا الأثر. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٢- ٣٠٤، وأبو حفص الملاء ١/٢٩٣.
[ ١ / ٣٦٤ ]
أما بعد: فإن الله تبارك اسمه وتعالى جده كتب على خلقه حين خلقهم الموت، وجعل مصيرهم إليه، فقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد الملائكة على حقه "١.
٩٤/٤- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم حين سأله عن شأن غشيته حين سمع بوفاة ابنه عبد الملك ولكني علمت أن ملك الموت قد دخل منزلي فأخذ بضعة مني فراعني ذلك فأصابني ما قد رأيت٢.
٩٥/٥- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا ابن عيينة، عن عمر بن ذر، قال: قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن تكون بدعة لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبدا حتى أعلم ما في وجوه رسل ربي إلي عند الموت، وما أحب أن يهون علي الموت لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن٣.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣٣٠- ٣٣١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٧. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٠، وأبو حفص الملاء ٢/٤٣٤. ٣ أبو نعيم في الحلية ٥/٣١٦، وانظر الزهد، وزوائده للإمام أحمد وابنه عبد الله ص٤١٨. إبراهيم بن محمد بن الحسن البخاري مجهول. انظر الجرح والتعديل ٢/١٣٠، وسفيان بن وكيع بن الجراح لين. انظر الجرح والتعديل ٣/٢٣١- ٢٣٢.
[ ١ / ٣٦٥ ]
٩٦/٦- البلاذري قال روى المدائني عن العباس بن محمد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: أما بعد فانظر من ادعى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه يؤمن بالله وملائكته ١.
التعليق:
هذه الآثار الواردة عن عمر تدل على الإيمان بالملائكة مع ذكر بعض وظائفهم كحفظ أعمال العباد، وقبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم بإذن الله تعالى، وتبشير المؤمنين بالجنة، وكونهم هم الواسطة بين الخلق والخالق عن طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولهم وظائف كثيرة جدا، نقتصر على ما ورد عن عمر في ذلك.
والإيمان بالملائكة هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى خلق عالما سماه الملائكة، "وهم أرواح قائمة في أجسام نورانية قادرة على التمثيل بأنواع مختلفة الشكل بإذنه تعالى مناسبة للحالة التي يأتون فيها"ففي صحيح مسلم عن عائشة - ﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم٢"٣.
_________________
(١) ١ البلاذري كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/١٦٣. ٢ مسلم ٦/٤١٥ رقم (٢٩٩٦) كتاب الزهد باب أحاديث متنوعة. ٣ انظر منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان ص٢١ للشيخ الدكتور علي بن ناصر الفقيهي. ط. الأولى ١٤١٥هـ.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وقد كلف الله العباد الإيمان بهم والتصديق بوجودهم، لأن ذلك من جملة العقائد الإيمانية المذكورة في القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ ١، ومن السنة حديث جبريل المشهور وفيه: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"٢.
وأما ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في ذكر بعض وظائف الملائكة فمنها:
أن الملائكة تحفظ أعمال العباد. وهذا ما ورد في الكتاب العزيز وقال به أهل السنة. قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٣، وقال ﷿: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٤، وقوله ﷿: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ
_________________
(١) ١ الآية ٢٨٥ من سورة البقرة. ٢ الحديث متفق عليه صحيح مسلم بشرح النووي ١/١٣١، برقم (١)، والبخاري مع الفتح ١/١١٥، برقم (٥٠) . ٣ الآيتان ١٧- ١٨ من سورة ق. ٤ الآيتان ١٠- ١٢ من سورة الانفطار.
[ ١ / ٣٦٧ ]
سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ١، فهؤلاء الملائكة مكلفون بمراقبة الإنسان في كل حركاته وسكناته، فإذا تيقن أن جميع أعماله الصادرة عنه مكتوبة عليه علم ماذا ينبغي أن يقوم تجاه مواقف الملائكة معه ووظائفهم المتعلقة به. وهذا ما عناه عمر بقوله فأحسنوا صحابتهم ولا تؤذوهم بمعاصي الله.
ومن وظائف الملائكة المأثورة عن عمر كذلك قبض أرواح بني آدم عند انقضاء آجالهم. وهذا ما جاء في الكتاب العزيز وقال به أهل السنة والجماعة. قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم﴾ ٢.
قال الطحاوي: "ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين"٣. كما أثر عن عمر أن لملك الموت أعوانا، وهذا ما جاء في الكتاب العزيز أيضا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٤، والملائكة مخلوقات مربوبة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وليس لهم من علم الغيب من شيء ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا
_________________
(١) ١ الآية ٨٠ من سورة الزخرف. ٢ الآية ١١ الم السجدة. ٣ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٦١. ٤ الآية ٦١ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٣٦٨ ]
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ١، وهم منقطعون دائما لعبادة الله وطاعة أمره. قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ٢، ولا يحصي عدد الملائكة إلا ربهم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٣، ويجب علينا أن نؤمن بمن سُمي لنا منهم كجبريل وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ومالك. وأما من لم يرد ذكرهم في الكتاب والسنة الصحيحة فنؤمن بهم بصورة إجمالية، ونؤمن بما ذكر من أصنافهم وأفعالهم في القرآن والسنة، وهذا كله ما تدل عليه الآثار السابقة الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. وكل هذه الأمور مما كان لعمر فيها أثر معتقد أهل السنة والجماعة وسائر من ينتسب إلى الإسلام ولم يخالف في وجودهم إلا الملاحدة الذين يزعمون
_________________
(١) ١ الآيتان ٢٧- ٢٨ من سورة الأنبياء. ٢ الآيتان ١٦٥- ١٦٦ من سورة الصافات. ٣ الآية ٣١ من سورة المدثر.
[ ١ / ٣٦٩ ]
أنهم لا يؤمنون إلا بمحسوسات ولا يؤمنون بما وراء ذلك من المغيبات وهؤلاء خارجون عما قررته الشرائع السماوية، ولا عبرة بما يقولونه١.
_________________
(١) ١ انظر: الإيمان أركانه حقيقته ونواقضه للدكتور محمد نعيم ياسين ص ٣٧ -٤٣.
[ ١ / ٣٧٠ ]
الفصل الثاني: الآثار عن عمر في الإيمان بالكتب.
٩٧/١- روى البلاذري قال: قال أبو الحسن المدائني: كتب عمر إلى الخوارج رسالة قال فيها: إلى العصابة الذين خرجوا بزعمهم التماس الحق أما بعد: فإن الله تعالى لم يلبس على العباد أمورهم، ولم يتركهم سدى، ولم يجعلهم في عمياء، فبعث إليهم النذر، وأرسل إليهم الكتب، وبعث محمدا ﷺ بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليه كتابا حفيظا١.
٩٨/٢ ابن عبد الحكم قال: واعملوا بمحكمه واصبروا أنفسكم عليه، وآمنوا بمتشابهه " ٢.
٩٩/٣- ابن عبد الحكم أن عمر قال: " فإن الله قد بين لكم ما تأتون وما تتقون، وأعذر إليكم في الوصية، وأخذ عليكم الحجة حين أنزل كتابه الحفيظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " ٣.
_________________
(١) ١ البلاذرى: كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/٢٠٩-٢١١والعيون والحدائق في أخبار الحقائق ص٤١ لمؤلف مجهول ط مكتبة المثنى بغداد. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٥، وأبو حفص الملاء ١/٢٨٤. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٤، وأبو حفص الملاء ١/٢٨٤، والآية ١٥ من سورة فصلت.
[ ١ / ٣٧١ ]
١٠٠/٤- ابن عبد الحكم قال: قال عمر في شأن القرآن: " وأحكم الله في كتابه ما رضي من الأمور، فما جعل من ذلك حلالا فهو حلال إلى يوم القيامة، وما جعل من ذلك حراما فهو حرام إلى يوم القيامة"١.
١٠١/٥ - ابن عبد الحكم قال: قال عمر: "وإن دين الله الذي بعث به محمد كتابه الذي أنزل عليه أن يطاع الله فيه ويتبع أمره، ويجتنب ما نهى عنه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعترف بحقه، ويحكم بما أنزل فيه، فمن تبع هدى الله فقد اهتدى، ومن صد عنه فقد ضل سواء السبيل "٢.
١٠٢/٦ - عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثنا الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٦، وانظر ابن سعد الطبقات الكبرى ٥/٣٤٠، والفسوى المعرفة والتاريخ ١/٥٧٥. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٣، وأبو حفص الملاء ١/٢٧٢. ٣ الزهد وزوائده للإمام أحمد وابنه عبد الله ص٤١٢، وانظر تفسير ابن جرير الطبري ٣/١٨٣، وانظر كذلك تفسير القرطبي ٣/١٦. الحسين بن الجنيد الدامغاني القومسي لا بأس به. تقريب ص١٦٥، وذكره ابن حبان في الثقات ج ٨ ص ١٩٣. وأبو نعيم هو الفضل بن دكين الكوفي الملائي مشهور بكنيته ثقة ثبت تقريب ص٤٤٦، وعمرو بن عثمان بن عبد الله ابن موهب التيمي مولاهم أبو سعيد الكوفي ثقة من السادسة وسماه شعبة محمدًا، تقريب ص٤٢٤.
[ ١ / ٣٧٢ ]
التعليق:
إن مما ورد عن عمر في هذه الآثار السابقة ليدل على وجوب الإيمان بالكتب جملة وبالقرآن تفصيلا.
والإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء ركن من أركان الإيمان، ولا يتم إيمان المسلم إلا بالإيمان بها وبالكتاب المنزل على نبينا محمد ﷺ وهو القرآن الكريم، وقد بين ذلك عمر رحمه الله تعالى كما في الأثر الأول حيث قال: "وأرسل إليهم الكتب"، والكتب المنزلة على الأنبياء كثيرة ويجب علينا الإيمان بما ذكر منها في القرآن الكريم كالتوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والزبور المنزل على داود، وصحف إبراهيم، وإيماننا إنما هو على أصولها المنزلة على هؤلاء الأنبياء. أما ما يوجد عند أهل الكتاب الآن فإنه محرف مبدل بنص القرآن الكريم، وتدل الآثار كما سبق على أنه يجب علينا الإيمان بالقرآن الكريم على التفصيل. وقد أولى عمر بن عبد العزيز فيما أثر عنه القرآن عناية بالغة حيث أمر بالعمل بمحكم القرآن والإيمان بمتشابهه.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقبل بيان هذا النص الموجز لا بد من التوقف قليلا عند معنى المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح، لما لهذين اللفظين من صلة بموضوع الإيمان بالقرآن.
فالمحكم في اللغة يطلق إطلاقات متعددة، منها ما ذكره ابن منظور حين قال: " والعرب تقول: حكمت وأحكمت وحكّمت بمعنى منعت ورددت، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكما، لأنه يمنع الظالم. قال الأصمعي: أصل الحكومة رد الرجل عن الظلم. قال: ومنه سميت حكمة اللجام، لأنها ترد الدابة، وقال الأزهري: وحكم الشيء وأحكمه كلاهما منعه من الفساد١، إلى غير ذلك من المعاني التي تتفق جميعها في معنى عام - هو المنع.
أما المتشابه: فيطلق في اللغة على المماثلة بين شيئين، والعبارات الواردة في معنى المتشابه لا تعنى أكثر من ذلك.
يقول ابن منظور: "الشبْه والشبه والشبيه المثل والجمع أشباه، وأشبه الشيء ماثله" ٢.
أما في اصطلاح العلماء: فقد وقع بينهم اختلاف كبير، ذكر إمام المفسرين ابن جرير ما لا يقل عن سبعة أقوال، منها:
_________________
(١) ١ لسان العرب ١٢/١٤١- ١٤٣. ٢ المصدر السابق ١٣/٥٠٣.
[ ١ / ٣٧٤ ]
-١المحكم: المعمول بهن وهن الناسخات أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات من الآيات المتروك العمل بهن المنسوخات١.
-٢المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلف ألفاظه.
-٣المحكمات من آي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها ما احتمل من التأويل أوجها.
-٤المحكم ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ واتفق المعاني٢.
-٥المحكم: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت خروج عيسى بن مريم والدجال، وحقيقة نعيم الجنة وغير ذلك٣.
إلى غير هذه الأقوال التي ذكرها ابن جرير رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ جامع البيان في تأويل القرآن ٣/١١٤. ٢ المصدر السابق ٣/١١٦. ٣ انظر المصدر السابق ٣/١١٦.
[ ١ / ٣٧٥ ]
والمقصود: أن المحكم عند عمر بن عبد العزيز في القرآن هو الناسخ لغيره، بدليل قوله: فما جعل من ذلك حلالا فهو حلال إلى يوم القيامة، وما جعل من ذلك حراما فهو حرام إلى يوم القيامة، وهو الذي أمرنا بالعمل به. ولا شك أن العمل بالمأمورات يستلزم الصبر عليها، فلذا قال عمر: واصبروا أنفسكم عليه. ثم قال: وآمنوا بمتشابهه، فما هو المتشابه؟
المتشابه الذي أمرنا بالإيمان به هو المتشابه الحقيقي الذي استأثر الله بعلمه والذي يستوي فيه الراسخون في العلم وغير الراسخين في عدم معرفته، وذلك كحقيقة نعيم الجنة التي تخالف حقيقة نعيم الدنيا، فلا نعلمها نحن في الدنيا كما لا نعلم وقت الساعة، وحقيقة ما سيقع فيها من الحساب والصراط والميزان والحوض والثواب والعقاب، وحقيقة ذات الرب وصفاته سبحانه كاستوائه على عرشه وسمعه وبصره وكلامه، وغير ذلك من الحقائق الغيبية التي أثبتناها له تعالى حقيقة وآمنا بها دون معرفة حقائقها وكيفياتها، ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك شرعا. وهذه المعاني هي المقصودة لعمر بقوله: وآمنوا بمتشابهه١.
تبقى الإشارة إلى أنه قد ورد عن عمر تفصيلات عن الإيمان بالقرآن، منها أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والقرآن فيه تفصيل كل شيء وهو كتاب حفيظ لا يتبدل ولا يتغير
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى من ٤/٣٧٢-٤٠٠، فقد أجاد وأفاد.
[ ١ / ٣٧٦ ]
ولا يحرف كما حرفت غيره من الكتب السابقة، وأن من الإيمان به أن يطاع الله فيه، ويتبع أمره، ويجتنب ما نهى عنه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعترف بحقه، ويحكم بما أنزل فيه.
وبهذا يتبين أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قد أتى على جل ما يتعلق بالإيمان بالكتب، ومن ضمن ذلك الإيمان بالقرآن الكريم الذي هو ناسخ الكتب المتقدمة، وأنه أنزل للأمة المحمدية التي هي آخر الأمم، كما أن نبيها آخر الأنبياء، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة من النواحي العقدية والشرعية إلا وبينها وأوضحها، وفصلها. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١. ولهذا حث عمر الأمة بأن يطاع الله في القرآن ويتبع أمره، ويجتنب نهيه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، فمن عمل بذلك فقد اهتدى بهدي الله.
وعلى ضوء ما ذكره عمر في الإيمان بكتاب الله ﷿ فإننا نجد فئاما كثيرة ضلت في الإيمان بكتاب الله، كالرافضة الذين يدعون أن القرآن ناقص ومحرف، وأن القرآن الكامل مع الغائب الذي سيخرج في آخر الزمان من سرداب سامراء "٢. وكغلاة الصوفية عموما ومنهم
_________________
(١) ١ الآية ٣٨ من سورة الأنعام. ٢ انظر: الأصول من الكافى١ \٢٢٨-٢٣٠ للكلينى ط طهران.
[ ١ / ٣٧٧ ]
التيجانية، وذلك بتفضيلهم أورادهم وأذكارهم - كصلاة الفاتح على القرآن الكريم - حيث قالوا: إن قراءة صلاة الفاتح أفضل من قراءة القرآن ستة آلاف مرة١. وكذلك الفرق الباطنية كلها، وذلك بانحرافهم في تأويل القرآن وإغراقهم في التأويل الباطني وإخراج القرآن عن معانيه وحقائق الصحيحة٢.
_________________
(١) ١ انظر: جواهر المعاني ٢ /١٣٥-١٣٦ ط الحلبى القاهرة ١٩٦٣ /م. ٢ انظر: رسائل إخوان الصفا ٣ /٣٠١ ط دار صادر.
[ ١ / ٣٧٨ ]
الفصل الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالرسل.
١٠٣/١- ابن أبي الدنيا قال: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل "الطالقاني" قال أخبرنا سفيان١، قال: أخبرنا جعفر بن برقان، قال: كتب إلينا عمر ابن عبد العزيز أما بعد:
فإن هذا الرجف شيء يعاقب الله تعالى به العباد، وقد كتبت إلى الأمصار أن يخرجوا من يوم كذا من شهر كذا فمن كان عنده شيء فليصدق فإن الله ﷿ قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٢، وقولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي
_________________
(١) ١ هو سفيان بن عيينة. ٢ الآيتان ١٤- ١٥ من سورة الأعلى. ٣ الآية ٢٣ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٣٧٩ ]
أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقولوا كما قال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢،٣.
١٠٤/٢- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو بكر محمد بن هانئ قال: حدثني أحمد بن شبور، قال: حدثني سليمان بن صالح، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن رجل، عن ابن أبي عبلة، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خطبته: إن كان النبي ﷺ ليخطئ الخطيئة فيقذف في بطن الحوت ولا ينجيه منها إلا التوبة٤.
_________________
(١) ١ الآية ٤٧ من سور هود. ٢ الآية ٨٧ من سورة الأنبياء. ٣ ابن أبى الدنيا: العقوبات ص٣٢-٣٣، وقد مر في الدعاء برقم (٨)، ورواه أبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٤- ٣٠٥، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٤، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٢٨، وأبو حفص الملاء ١/٢٦٢. ٤ ابن أبى الدنيا: العقوبات ص١٢٣. أبو بكر محمد بن هانئ الطائي أبو عمرو، وهو والد أبي بكر الأثرم. انظر تاريخ بغداد ٣/٣٧٠، والجرح والتعديل ٨/١١٧، وأحمد بن شبور لم أجده وإنما وجدت أحمد بن شبويه المروزي أبو الحسن روى عن وكيع وعبد الرزاق. انظر الجرح والتعديل ٢/٥٥. وسليمان بن صالح، ويعرف بسلمويه بن صالح المروزي روى عن عبد الله بن المبارك إمام حافظ، وابن أبي عبلة هو إبراهيم بن أبي عبلة واسمه شمر بن يقظان المرقل العقيلي ثقة. تهذيب الكمال ٢/١٤٠.
[ ١ / ٣٨٠ ]
١٠٥/٣- قال البلاذري: روى المدائني عن العباس بن محمد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: أما بعد فانظر من ادعى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه يؤمن بالله وملائكته ورسله وأن عيسى عبد الله وكلمته ورسوله إذا كان نصرانيا وأن عزيرا عبد الله إذا كان يهوديا فضع عنه الجزية "١.
١٠٦/٤- أبو نعيم في الحلية في رسالة عمر في الرد على القدرية وفيها ولقد حرصت الرسل على هدي الناس جميعا فما اهتدى منهم إلا من هداه الله "٢، ولقد سمى الله رجالا من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييرا، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلا، فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا
_________________
(١) ١ كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/١٦٣. والمدائني هو: علي بن محمد أبو الحسن المدائني الإخباري صاحب التصانيف، وثقه يحيى بن معين انظر ميزان الاعتدال ٣/١٥٣. وأما العباس بن محمد وأبوه فلم أجدهما. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٧.
[ ١ / ٣٨١ ]
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ١"٢.
١٠٧/٥- أبو نعيم في رسالة عمر أيضا قال: وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسي، وهم يوسف بالخطيئة فعصم "٣.
التعليق:
يظهر من الآثار السابقة إيمان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بالرسل الكرام، وقد تناولت الآثار الواردة عنه مسائل في الإيمان بهم كحرصهم على هدي الناس جميعا، وكونهم رجالا. ومشروعية الاقتداء بهم فيما لم يخالف شرعهم شرعنا، كما تتضمن بيان موقفه من عصمتهم من الذنوب.
وأما حرصهم على هدي الناس جميعا فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم هداة مهمتهم إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأول
_________________
(١) ١ الآية ٤٥- ٤٦ من سورة ص. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٧. ٣ المصدر نفسه ٥/٣٥٠.
[ ١ / ٣٨٢ ]
الرسل ﵈ نوح، دعا قومه جهارا ثم أسر إليهم الدعوة إسرارا ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد ولم يتوان ولم ييئس إلا بعد أن أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وهكذا تتابع الرسل في مهمة الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك إلى نبينا ﷺ فقد دعى إلى ربه حتى أتاه اليقين، والقرآن مملوء بذكر مواقف الأنبياء من الدعوة إلى الله والحرص على هدي الناس ودعوتهم إلى العقيدة السليمة بدون مجاملة ولا تردد، وقد بين عمر بن عبد العزيز ﵀ في الآثار السابقة الفرق بين هديين هما:
هدي دلالة وبيان: وهو الذي يملكه الرسل وأتباعهم.
وهدي توفيق وإلهام: وهو الذي لا يقدر عليه إلا الله ﵎. فقال: ولقد حرص الرسل على هدى الناس جميعا فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، وهذا الفرق هو الذي تدل عليه الآيات. قال تعالى في هدي الدلالة والبيان الذي يملكه الرسل وأتباعهم ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، وقال ﷿ في هدي التوفيق والإلهام الذي لا يملكه إلا
_________________
(١) ١ الآية ٥٢ من سورة الشورى.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ ١،٢. وقد بين عمر في تلك الآثار أننا نقتدي بالرسل والأنبياء في الأمور التي لم يخالف فيه شرعهم شرعنا. فأمر رعيته بالدعاء حين ضربت الزلزلة بعض مدنهم اقتداء بالرسل والأنبياء السابقين كآدم ونوح ويونس ﵈، فإن هؤلاء كانوا قد فزعوا إلى ربهم عند نزول الكرب عليهم، وتضرعوا إليه بالدعاء فكشف عنهم ما نزل بهم بدعائهم وتضرعهم وإظهارهم الفاقة والمسكنة لخالقهم العظيم. ولا شك أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يخالف شرعنا،٣ ويظهر كذلك من الآثار أن الرسل والأنبياء ﵈ كلهم كانوا رجالا ولا يوجد نبي ولا رسول أنثى. وهذا ما قاله جمهور أهل العلم استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِم ﴾ ٤، وهذه الآية نص في المسألة وقد ذهب ابن
_________________
(١) ١ الآية ٥٦ من سورة القصص. ٢ انظر شفاء العليل لابن القيم ص١٦٨. ٣ الصواب أن المسالة خلافية وهذا أحد الأقوال فيها انظر تفصيلها في البحر المحيط للزركشى٦ /٣٩-٤٨ ط الثانية الكويت عام ١٤١٣ هـ. ٤ الآية ٧ من سورة الأنبياء.
[ ١ / ٣٨٤ ]
حزم١ وغيره إلى أن الله تعالى قد أوحى إلى مريم وإلى أم موسى، وذكر أن كل من أوحي إليه فهو نبي، ورد عليهم الجمهور بالآية السابقة، والمقصود أن عمر يرى أن الرسل والأنبياء كلهم رجالا يتبين ذلك من قوله رحمه الله تعالى: "ولقد سمى الله رجالا من الرسل".
وهناك مسألة مهمة تتعلق بالإيمان بالرسل ذكرها عمر في آثاره السابقة وهي عصمتهم من الذنوب. فهل الرسل والأنبياء معصومون عن الكبائر والصغائر قبل نبوتهم وبعدها؟ الذي يظهر من الآثار أنهم ليسوا بمعصومين من الصغائر ولكنهم لا يقرُّون عليها، بل ينبهون بالوحي أو بغيره، فيتوبون فور وقوع المعصية، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذه المسألة في الفتاوى فقال: "العصمة ثابتة للأنبياء والرسل فيما يبلغونه عن الله فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين٢، ثم قال: "وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط ".
_________________
(١) ١ انظر الفصل في الملل والنحل والأهواء ٥/١٧-١٩. ٢ انظر مجموع الفتاوى ١٠/٢٩٠.
[ ١ / ٣٨٥ ]
الأشياء إليه لما ابتلي بالذنب أكرم الخلق عليه، وقد ثبت في الصحاح حديث التوبة: "لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا الخ "١.
وأما نسيان آدم ﵇ وهَمُّ يوسف بالخطيئة فإنهما ليسا بقادحين في الرسالة والنبوة. فالإنسان لا يؤخذ بما نسيه، ثم إن آدم ﵇ قد تاب من تلك الحوبة فغفر له بنص القرآن. وأما عزم يوسف فلم يكن عزما مصمما وإنما هم همًا تركه لله فأُثيب عليه حسنة وهو لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه، وهو سبحانه لا يذكر عن أحد من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارا من هذا الهم فعلم أنه لم يفعل ذنبًا"٢.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ١٠/٢٩٢- ٢٩٤، والحديث متفق عليه البخاري مع الفتح ١١/١٠٢، برقم (٦٣٠٨)، والنووي على صحيح مسلم ٦/٢١٨-٢٢١، برقم (٢٦٧٥) . ٢ انظر مجموع الفتاوى ١٥/١١٧.
[ ١ / ٣٨٧ ]
الفصل الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالرسل
والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا، وهذا ما أثر عن عمر رحمه الله تعالى كما سبق. ثم قال ﵀: والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول.
وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليها الأنبياء، فإن القائلين احتجوا بأن التأسي بهم مشروع، وذلك لا يجوز إلا مع تجويز كون الأفعال ذنوبا، ومعلوم أن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أقروا عليه دون ما نهوا عنه ورجعوا عنه، كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه، فأما ما نسخ من الأمر والنهي فلا يجوز جعله مأمورا به ولا منهيا عنه فضلا عن وجوب اتباعه والطاعة فيه، وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال أو أنها ممن عظمت عليه النعمة أقبح أو أنها توجب التنفير أو نحو ذلك من الحجج العقلية، فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع، وإلا فالتوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه. كما قال بعض السلف. كان داود ﵇ بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة. وقال آخر: لو لم تكن التوبة أحب
[ ١ / ٢٨٦ ]
الفصل الرابع: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد ﷺ، وفضائل أصحابه وحقوق أهل بيته
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محد ﷺ وذكر بعض خصائصه
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد ﷺ وذكر بعض خصائصه.
١٠٨/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى العمال رسالة وفيها وأما الإسلام فإن الله بعث محمدًا ﷺ إلى الناس كافة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢،٣.
١٠٩/٢- ابن عبد الحكم أيضا أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة "٤.
_________________
(١) ١ الآية ٢٨ من سورة سبأ. ٢ الآية ١٥٨ من سورة الأعراف. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٣، وأبو حفص الملاء ١/١٩٧. ٤ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠، والفسوي المعرفة والتاريخ ١/٥٧٤- ٥٧٥، والآجري في سيرة أبي حفص عمر بن عبد العزيز ص٦٣، وابن الجوزي سيرة عمر ص٤٥، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٥-٢٩٦، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٦.
[ ١ / ٣٩١ ]
١١٠/٣- ابن عبد الحكم أن عمر كتب رسالة في شأن المسلمين وفيها حتى أراد الله إكرامهم بكتابه ونبيه بعث إليهم محمدا عبد الله ورسوله بالحق بشيرا بالخير الذي لا خير مثله، وينذر الشر الذي لا شر مثله. وأخره الله لذلك في القرون وسماه على لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١، فأخر الله ذلك لمحمد ﷺ حين بعثه رحمة للعالمين "٢.
التعليق:
إن مما دلت عليه الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من الإيمان بنبينا محمد ﷺ وبيان بعض خصائصه ﷺ من كونه بعث إلى الناس كافة وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأن الرسل كانوا مؤمنين به قبل
_________________
(١) ١ الآية ٨١ من سورة آل عمران. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص ٦٦، وأبو حفص الملآء ١/٢٨٤- ٢٨٥.
[ ١ / ٣٩٢ ]
خروجه لهو الحق الذي لا مرية فيه. وقد استدل عمر رحمه الله تعالى على ذلك بآيات الكتاب التي تنص على هذه المسائل. ونضيف إلى بيانه واستدلاله بعض الأدلة من الأحاديث الدالة على ما أثر عنه.
فمن الأحاديث الدالة على أنه ﷺ مبعوث إلى الناس كافة ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله -﵄- أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسًا مما لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"١.
وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة"٢.
قال الحافظ ابن حجر في الجمع بين الحديثين السابقين: وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي. ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يرفع هذا الإشكال من أوله، وظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله،
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح١/٤٣٥ -٤٣٦،برقم (٣٣٥)، ومسلم برقم (٥٢١)،٢/١٧٨. ٢ مسلم بشرح النووي برقم ٥٢٣، ٢/١٧٩.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وهو كذلك ولا يعترض بأن نوحا ﵇ كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه وقد كان مرسلا إليهم، ولأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك، وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: أنت أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية رسالته، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتفصيله ﷾ في عدة آيات على إرسال نوح إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم. واستدل بعضهم بعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١، وقد ثبت أنه أول الرسل وأجيب بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم فأجيب، وهذا جواب حسن لكن لم ينقل أنه نُبِّئَ في زمن نوح غيره. ويحتمل أن يكون الخصوصية لنبينا ﷺ في ذلك بقاء شيء من شريعته إلى يوم القيامة ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في
_________________
(١) ١ الآية ١٥ من سورة الإسراء.
[ ١ / ٣٩٤ ]
زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته. ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس فتمادوا على الشرك فاستحقوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير سورة هود١ قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته. ووجهه ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عاما في حق بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عاما. لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم٢، لكن نبينا ﷺ بعث إلى الناس كافة. قال ﷺ: "لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار"٣.
قال الطحاوي: وكونه ﷺ مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة٤، ورسالته ﷺ رحمة للعالمين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
_________________
(١) ١ انظر المحرر الوجيز ٣/١٦٨- ١٦٩ طبعة دار الكتب العلمية بيروت تحقيق عبد السلام عبد الشافي عام ١٤١٣هـ. ٢ انظر البخاري مع الفتح ١/٤٣٦- ٤٣٧. ٣ مسلم برقم (١٥٣)، من حديث أبي هريرة ١/٣٤١. ٤ شرح العقيدة الطحاوية ١/١٧٠.
[ ١ / ٣٩٥ ]
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١، من خصائصه ﷺ كذلك أنه خاتم الأنبياء والمرسلين. وهذا هو المأثور عن عمر كما سبق بيانه في الأثر الثاني وهو الذي يدل عليه نصوص الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين ﴾ ٢، وقال ﷺ: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"٣.
وقد أكد ﷺ هذه الخصيصة وبينها ووضحها لأهميتها.
فعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: " وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي"٤.
_________________
(١) ١ الآية ١٠٧ من سورة الأنبياء. ٢ الآية ٤٠ من سورة الأحزاب. ٣ البخاري مع الفتح ٦/٥٥٨، برقم (٣٥٣٤)، وصحيح مسلم بشرح النووي ٥/٤٥٠- ٤٥١، برقم (٢٢٨٦) . ٤ أبو داود برقم ٤٢٥٢، وأحمد ٥/٢٧٨، وصحح سنده محققا العقيدة الطحاوية انظر شرح العقيدة الطحاوية ١/١٥٧.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وحديث فضلت على النبيين بست وفيه: " وختم بي النبيون"١.
وقال ﷺ: "إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي"٢.
فصرح ﷺ بأنه خاتم الأنبياء في غير ما حديث كما سبق سطره وضرب لذلك الأمثال وحذر من المتنبئين بعده وقد وقع ذلك فأطفأ الله باطلهم وبقي نور الحق ساطعا وبشر أمته ببقاء طائفة منها إلى قيام الساعة وأسماؤه ﷺ دالة على خاتميته فمنها العاقب، والحاشر، والمقفى، كما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم تأكيد ختم النبوة به ﷺ مثل إجماعهم على قتال المتنبئين وروايتهم لأحاديث الختم وتصريحهم بختم نبوته في أقوالهم وتهكمهم بالمتنبئين وأجمعت الأمة كلها ولله الحمد على التمسك بكونه ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين٣. ونبينا ﷺ وإن كان آخر الأنبياء والمرسلين لكنه اختص بأن جميع الرسل والأنبياء السابقين مقرون بنبوته ورسالته وكلهم قد أخذ عليهم الميثاق على ذلك. قال عمر: "وسماه على
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/٥٥٤، برقم (٣٥٣٢) . ٢ مسلم بشرح النووي ٢/١٧٩، برقم (٥٢٣) . ٣ انظر عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية للدكتور أحمد سعد حمدان الغامدي ص٣٠ - ٥٧ طبعة دار طيبة الرياض.
[ ١ / ٣٩٧ ]
لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم" قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره هذه الآية "يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسي ﵇ لمهما آتي الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاء رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته قال ابن عباس وابن عمه علي بن أبي طالب -﵄-: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدًا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه فالرسول ﷺ خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر لكان هو الواجب الطاعة
_________________
(١) ١ الآية ٨١ من سورة آل عمران.
[ ١ / ٣٩٨ ]
المقدم على الأنبياء كلهم١. وله ﷺ خصائص كثيرة اقتصرنا على الوارد منها عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى تاركين من يريد الاستزادة الرجوع إلى كتب الخصائص والشمائل كما توجد رسائل علمية تحدثت عن خصائصه عليه الصلاة والسلام٢.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ١/٣٧٧- ٣٧٨. ٢ مثل كتاب الشفا للقاضي عياض والشمائل المحمدية لابن كثير وغيره، ودلائل النبوة للبيهقي وغيره، ورسالة حقوق النبي ﷺ على أمته لشيخنا الأستاذ الدكتور محمد بن خليفة التميمي، ورسالة خصائص المصطفى ﷺ بين الغلو الجفاء للصادق محمد إبراهيم وغير ذلك.
[ ١ / ٣٩٩ ]
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في فضائل الصحابة وموقفه من أهل البيت
تمهيد:
الصحابي هو كل من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك١، وأصحاب محمد ﷺ خير القرون وقد تشرفوا بصحبة خير الخلق ﷺ ونطق الكتاب العزيز بفضلهم. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ٧/٣-٤. ٢ الآية ١٠٠ من سورة التوبة. ٣ الآية ٢٩ من سورة الفتح.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١.
ونهى ﷺ عن سبهم وشتمهم وحرم ذلك على أمته، ففي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"٢.
وفضائل أصحاب محمد ﷺ كثيرة ويكفينا أنهم خير القرون، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين - ﵄ - يقول: قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا٣.
فالصحابة كلهم عدول ويجب علينا الترضي عنهم والثناء عليهم وعدم الخوض فيما جرى بينهم بل يذكر محاسنهم ويتحدث بها ويسكت عن بعض ما صدر من بعضهم وهو لا يعد شيئا بجانب ما لهم من المحاسن الكثيرة، فهم على كل حال لم يخرجوا عن نطاق البشرية وليسوا
_________________
(١) ١ الآية ١٠ من سورة الحديد. ٢ صحيح مسلم ٦/٧٢-٧٣ (٢٥٤٠) . ٣ البخاري مع الفتح ٧/٣، برقم (٣٦٥٠)، ومسلم ٦/٦٦، برقم (٢٥٣٣) .
[ ١ / ٤٠٤ ]
بمعصومين فيما اجتهدوا فيه فإن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ فهم كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"٢.
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم٣.
ولا قيمة لمخالفة الروافض والخوارج والنواصب لأهل السنة في هذا الباب، لأن هؤلاء لم يحفظوا وصية رسول الله ﷺ في حق صحابته، وقد تولى كبر مخالفة وصية النبي ﷺ في حق صحابته الروافض. حيث زعموا أن النبي ﷺ نص على علي بن أبي طالب ﵁ في الخلافة نصا قاطعا للعذر
_________________
(١) ١ الآية ١٠ من سورة الحشر. ٢ مسلم بشرح النووي ٦/٧٢-٧٣. ٣ الفتاوى ٣/١٥٢.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وأن عليًا معصوم، ومن خالفه كفر ورتبوا على ذلك تكفير كل الصحابة إلا نفرا قليلا منهم لزعمهم أنهم كتموا النص وبدلوا الدين وأصبحوا يتقربون إلى الله -في زعمهم- بسب الصحابة رضوان الله عليهم ولعنهم ونال أبابكر وعمر وعثمان ﵃ النصيب الأوفر، من ظلمهم وبهتانهم١.
ويلي الروافض في الطعن على الصحابة الخوارج حيث كفروا عثمان وعليا ومن تبعهما وكفروا أهل صفين من الطائفتين٢.
وطعن النواصب على علي بن أبي طالب ﵁ وتنقصوه، وبالغوا في ذلك حتى رموه بالفسق، والظلم، وإرادة الدنيا ثم تعدى بهم الحال والمعتقد الفاسد إلى تنقص بقية أهل البيت وبغضهم وعداوتهم فعليهم من الله ما يستحقون٣، هذا وقد كان لعمر بن عبد العزيز مواقف مشرقة تجاه أصحاب رسول الله ﷺ أبرز فيها فضائلهم وما يجب علينا نحوهم من حبهم واحترامهم والنهي عن الخروج عن إجماعهم، والنهي عن الخوض
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٣/٣٥٦. ٢ المصدر السابق ٣/٣٥٥. ٣ انظر الآثار عن أئمة السلف في أبواب الاعتقاد من كتاب سير أعلام النبلاء للدكتور جمال بادي ٢/٥٨١.
[ ١ / ٤٠٦ ]
فيما شجر بينهم، كما أشاد بأهل البيت ورد عليهم حقوقهم المادية والمعنوية.
يتبين ذلك بالآثار المنقولة عنه في المسائل التالية:
[ ١ / ٤٠٧ ]
المسألة الأولى: الآثار عن عمر في فضائل الصحابة.
١١١ /١ - أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا حبيب بن الحسن ثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عرعرة بن البرنْد، عن حاجب بن خليف البرجمي، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة. فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سن سواهما فإنا نرجئه١.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٨، وانظر جامع العلوم والحكم ص٢٨٨، وحبيب بن الحسن بن داود بن محمد أبو القاسم القزاز روى عنه أبو نعيم، قال الخطيب: ثقة توفي سنة ٣٥٩هـ. انظر تاريخ بغداد ٨/٢٥٣- ٢٥٤، وجعفر بن محمد الفريابي قاضي الدينور روى عنه قتيبة بن سعيد، وخلق كثير بطول ذكرهم. وكان ثقة أمينا. انظر تاريخ بغداد ٧/١٩٩- ٢٠٠، وقتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت. تقريب ص٤٥٤، وتاريخ بغداد ١٢/٤٦٤. وعرعرة بن البرنْد بكسر الموحدة والراء بعدها نون ساكنة السامي بالمهملة الناجي بالنون والجيم أبو عمرو البصري لقبه كزْمان بضم الكاف وسكون الزاي صدوق يهم من الثامنة. تقريب ص٣٨٩، وحاجب بن خليفة البرجمي قال ابن أبي حاتم: روى عن عمر بن عبد العزيز، روى عنه عرعرة بن البرند سمعت أبي يقول ذلك. الجرح والتعديل ٣/٢٨٥.
[ ١ / ٤٠٨ ]
١١٢/٢ - ابن عبد الحكم قال: وذُكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: من عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أما بعد: فقد ابتليت بما ابتليت به من أمر هذه الأمة من غير مشاورة مني ولا إرادة يعلم الله ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فاكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب في أهل القبلة وأهل العهد، فإني سائر بسيرته إن أعانني الله على ذلك والسلام١.
١١٣/٣ - أبو زرعة الدمشقي٢ قال: حدثني آدم حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران. قال الزهري: فكان رأي٣ عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان: ليس على
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٧، وانظر الحلية ٥/٢٨٤ مع اختلاف في بعض الألفاظ وكذا عند ابن الجوزي سيرة عمر ص١٠٨ والآجري في أخبار أبي حفص ﵀ ص٧٠- ٧١، وأبو حفص الملاء ١/٣٩٥- ٣٩٦ مع بعض الاختلاف. ٢ هو عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري بالنون أبو زرعة الدمشقي ثقة حافظ مصنف. تقريب ص٣٤٧. ٣ انظر حول مسألة طلاق السكران في البخاري مع الفتح ٩/٣٩١، ومصنف ابن أبي شيبة ٤/٣٠- ٣١، حيث ذهب الجمهور بوقوعها بينما ذهب الشافعي في رواية إلى أن الطلاق لا يقع قياسا على المعتوه.
[ ١ / ٤٠٩ ]
المجنون ولا السكران طلاق فقال عمر تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده ورد إليه امرأته١.
١١٤/٤ - ابن عبد البر قال: وذكر ابن وهب عن نافع بن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز ﵁: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق وإنهم أئمة يقتدى بهم ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة٢.قال: أبو عمر ﵀ هذا فيما كان طريقه الاجتهاد.
١١٥/٥ - ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها من اهتدى بها فهو
_________________
(١) ١ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/٥٠٩، وانظر مصنف ابن أبي شيبة ٤/٣١، والبخاري مع الفتح ٩/٣٩١، وفيه حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه به. وسيأتي هذا الأثر برقم ١٩٠، و٢٣٢. ٢ جامع بيان العلم ٢/٩٠١- ٩٠٢، قال محقق الكتاب رجاله ثقات وقد علقه المصنف ولعله في كتاب الجامع لابن وهب. انظر الحاشية وقد بحثت في كتاب الجامع المطبوع فلم أجد الأثر.
[ ١ / ٤١٠ ]
مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا١.
١١٦/٦ - عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عون بن عبد الله قال: قال لي عمر بن عبد العزيز أعدلان عندك عمر وابن عمر؟ قال: قلت نعم. قال: إنهما لم يكونا يكبران هذا التكبير٢.
١١٧/٧ - ابن عبد البر قال: أخبرنا عبد الوارث ثنا قاسم، ثنا أحمد بن زهير، ثنا هارون بن معروف، قال: نا ضمرة، عن رجاء بن جميل قال:
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠، وابن بطة في الإبانة ١/٣٥٢، ورقم ٢٣٠- ٢٣١، والآجري في الشريعة ١/١٧٤، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/١١٧٦. كلهم عن مالك بن أنس وأعل بالانقطاع ورواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه ص١٧٣، واللالكائي ١/١٠٦ من طريق يعقوب بن سفيان الفسوي عن سعيد بن أبي مريم عن رشدين بن سعد قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز به، ورشدين ضعيف. انظر التقريب ٢٠٩، وقد صحح هذا الأثر محقق كتاب الشريعة للآجري فقال: والأثر يصح بهذين الطريقين ويقوى بهما. انظر الشريعة ١/١٧٤. وقد أخرجه أيضا قواَّم السنة في الحجة في بيان المحجة ١/١٠٩- ١١٠ وابن كثير في البداية والنهاية ٥ /٢٤٢ وعزاه محقق كتاب المعرفة والتاريخ إلى الجزء المفقود منه. انظر المعرفة والتاريخ ٣/٤٣٦- ٣٤٧. وسيأتي برقم ٢٠٨، ٢١٥، ٢١٨، ٢٢٨، ٢٣٣، ٢٥٢، ٢٦٦، ٣٢٣. ٢ عبد الرزاق في المصنف ٢/٦٦.والتكبير المقصود هنا هو تكبيرات الانتقال انظر المصنف ٢ /٦٦.
[ ١ / ٤١١ ]
اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد ﵄ فجعلا يتذاكران الحديث. قال: فجعل عمر يجيء بالشيء يخالف فيه القاسم. قال: وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه، فقال له عمر: لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم١.
١١٨/٨ - ابن سعد قال: أخبرنا علي بن محمد، عن خالد بن يزيد ابن بشر عن أبيه قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن علي وعثمان، وصفين، وما كان بينهم فقال: تلك دماء كف الله يدي عنها وأنا أكره أن أغمس لساني فيها٢.
١١٩/٩ - ابن عبد البر قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم، ثنا أحمد بن زهير، ثنا الحوطي، ثنا أشعث بن شعبة، قال: سمعت الفزاري قال: سئل عمر بن عبد العزيز، عن قتال أهل صفين فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي لا أريد أن ألطخ بها لساني٣.
١٢٠/١٠ - ابن سعد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا أبو شهاب، عن محمد بن النضر، قال: ذكروا اختلاف أصحاب
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم ٢/٩٠١، وقال المحقق إسناده حسن. ٢ الطبقات ٥/٣٩٤، وعلي بن محمد ويزيد بن بشر لم أجدهما. ٣ جامع بيان العلم ٢/٩٣٤، وقال محقق الكتاب إسناده لا بأس به.
[ ١ / ٤١٢ ]
محمد ﷺ عند عمر بن عبد العزيز فقال: أمر أخرج الله أيديكم منه ما تعملون ألسنتكم فيه١.
١٢١/١١ - أبو بكر الخلال: قال: أخبرنا هلال بن العلاء أبو عمر الرقي قال: حدثني أبو يوسف محمد بن أحمد الرقي، قال: حدثني أبو سلمة الخزاعي، عن جحشفة بن العلاء، قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا سئل عن صفين والجمل قال: أمر أخرج الله يدي منه لا أدخل لساني فيه٢.
١٢٢/١٢ – ابن سعد قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن إسماعيل بن عبد الملك عن عون عن عمر بن عبد العزيز قال: ما يسرني باختلاف أصحاب النبي ﷺ حمر النعم.٣.
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٨٢. وأحمد بن عبد الله بن يونس ثقة. تقريب ص٨١، مات سنة ٢٧هـ. وأبو شهاب هو موسى بن نافع الأسدي صدوق. تقريب ص٥٥٤. ومحمد بن النضر لم أهتد إليه. ٢ الخلال في السنة ١/٤٦١- ٤٦٢ قال محققه في إسناده جحشفة بن العلاء مجهول الحال. انظر الجرح والتعديل ٢/٥٥١. ٣ ابن سعد الطبقات ٥ /٣٨١.
[ ١ / ٤١٣ ]
التعليق:
تدل الآثار المذكورة في هذا المبحث على أن عمر بن عبد العزيز كغيره من السلف الصالح حريص على إبراز فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، ولِمَ لا يكون ذلك! وقد أمر الله ﵎ بالاقتداء بهم والإقرار بفضائلهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢.
فالصحابة الذين نصروا الدين، وآمنوا بالقرآن، وعزروا نبينا محمد ﷺ بأموالهم وأنفسهم، وقام الدين على أكتافهم، وجاهدوا لإقامة دعائم
_________________
(١) ١ الآية ١٥٧ من سورة الأعراف. ٢ الآية ١٨ من سورة الفتح.
[ ١ / ٤١٤ ]
الدين، وحرصوا على إتباع ما جاء به محمد ﷺ هم الفائزون برضوان الله تعالى المفلحون، وقد بشرهم رسول الهدى ﷺ بالنجاح والفلاح في الآخرة قال ﷺ: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" ١، فحبهم إيمان وبغضهم نفاق، وعصيان. وفضائلهم لا تحصى كثرة، وقد بوَّب البخاري ﵀ في جامعه الصحيح بابا بعنوان " فضائل الصحابة "٢، وبوب مسلم٣ لفضائلهم بابًا ذكر عدة أحاديث تدل على فضلهم وعدالتهم، كما ذكر مآثرهم أصحاب السنن والمسانيد وغيرهم، ففضائلهم متواترة. حرص أهل السنة والجماعة على إبرازها وبيانها، ومن هؤلاء عمر بن عبد العزيز الذي يقتدي بهم، ويحرم الخروج عما أجمعوا عليه من الأقوال والأفعال والاعتقادات، بل يعد الأخذ بما سنوا اعتصاما بالكتاب العزيز فمن اقتدى بهم فهو مهتد، ومن استنصر بما سنوا فهو منصور، ومن تبع غير سبيلهم فقد خرج عن سبيل الله ودخل في السبل وعاقبة أمره أن يصلى في جهنم وساءت مصيرا، فمن أخذ بقول أحدهم
_________________
(١) ١ الحديث رواه الترمذي ٥/٦٩٤ رقم ٣٨٦٠ وقال حديث حسن صحيح، وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي ٣/٢٤٠، وأصله في مسلم كما سيأتي قريبا. ٢ انظر البخاري مع الفتح ٧/١٠٦. ٣ مسلم ٥/٥٢٩- ٥٨٠، و٦/٥-٧٩.
[ ١ / ٤١٥ ]
فهو في سعة إذا كان قول هذا الصحابي في الأمور الاجتهادية. ومما يجدر ذكره أن موقف أهل السنة والجماعة عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، وهذا هو الذي أُثر عن عمر. وتكاد أقواله ومواقفه مع من سأله عن هذه المسألة - أن تكون بمثابة قاعدة يسير عليها أهل السنة والجماعة فقوله: "تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أريد أن أغمس لساني فيها" وقوله: "تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني" تُعَدَّان من أوجز الكلام وأوفاه تجاه ما شجر بين الصحابة.
قال البيهقي معلقا على قول عمر: "هذا حسن جميل لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة"٢.
فنقول فيما شجر بين الصحابة: إنه إما أن يكون عمل أحدهم سعيا مشكورا، أو ذنبا مغفورا، أو اجتهادا قد عفي لصاحبه عن الخطأ فيه. فلهذا كان من أصول أهل العلم: أنه لا يمكن أحد من الكلام في هؤلاء بكلام يقدح في عدالتهم وديانتهم بل يعلم أنهم عدول مرضيون وأن هؤلاء ﵃ لاسيما والمنقول عنهم من العظائم كذب مفترى،
_________________
(١) ١ ذكر ذلك عنه الرازي في مناقب الشافعي ص١٣٦. ٢ الحديث أخرجه الترمذي ٥/٦٩٤، ورواه مسلم ٦/٤٧.برقم ٢٤٩٦.
[ ١ / ٤١٦ ]
مثلما كان طائفة من شيعة عثمان يتهمون عليا بأنه أمر بقتل عثمان أو أعان عليه، وكان بعض من تقاتله يظن ذلك به، وكان ذلك من شبههم التي قاتلوا عليًاّ بها. وهي شبهة باطلة وكان علي يحلف - وهو الصادق البار- أني ما قتلت عثمان ولا أعنت على قتله، ويقول: اللهم شتت قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل١، وكانوا يجعلون امتناعه من تسليم قتلة عثمان من شبههم ذلك، ولم يكن ممكنا من أن يعمل كل ما يريده من إقامة الحدود ونحو ذلك لكون الناس مختلفين عليه وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين له في كل ما كان يأمرهم به. فإن التفرق والاختلاف يقوم من أسباب الشر والفساد وتعطيل الأحكام ما يعلمه من يكون من أهل العلم والعارفين بما جاء من النصوص في فضل الجماعة والإسلام٢.
وقال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله تعالى في الرسالة فيما يجب على المسلم اعتقاده تجاه الصحابة. قال: وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب٣.
_________________
(١) ١ ابن كثير البداية والنهاية٤ /٢٥٠. ٢ الفتاوى ٢٧/٤٧٦- ٤٧٧. ٣ الثمر الداني في تقريب المعاني شر ح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص٢٣.
[ ١ / ٤١٧ ]
وقال النووي عند قوله ﷺ إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار١: واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد. ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ، لأنه الاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه. وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم٢.
وقال الحافظ ابن حجر: واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وأن المصيب يؤجر أجرين٣.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم برقم ٢٨٨٨. ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١١. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٣٤.
[ ١ / ٤١٨ ]
هذا وقد كان علي ﵁ رابع الخلفاء الراشدين وترتيب هؤلاء الخلفاء في الفضل كترتيبهم في الخلافة عند أهل السنة، بينما ذهب الرافضة إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر وعثمان والغلو فيه. وقد أثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ما يؤيد ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وهذا هو مضمون الآثار المروية عنه في المسألة التالية.
[ ١ / ٤١٩ ]
المسألة الثانية: الآثار عن عمر في ترتيب الخلفاء الراشدين والمفاضلة بينهم.
١٢٣/١ - الذهبي قال: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر سمع عمير ابن هانئ يقول: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: كيف تقول في رجل رأى سلسلة دليت من السماء فجاء رسول الله فتعلق بها فصعد، ثم جاء أبو بكر فتعلق بها فصعد، ثم جاء عمر فتعلق بها فصعد، ثم جاء عثمان فتعلق بها فانقطعت فلم يزل حتى وصل ثم صعد، ثم جاء الذي رأى هذه الرؤيا فتعلق بها فصعد، فكان خامسهم. قال عمير: فقلت في نفسي هو هو ولكنه كنى عن نفسه.
وعلق الذهبي على هذه الرؤيا بقوله: يحتمل أن يكون الرجل عليا وما أمكن الرأي يفصح به لظهور النصب إذ ذاك١.
١٢٤/٢ - ابن قتيبة قال: أخبرنا محمد بن الزبير الحنظلي قال: أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري رحمهما الله تعالى أسأله إن كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر ﵁ فأتيته فاستوى جالسا وقال: إي
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٥/١٣٩، وتاريخ داريا ص٨٣-٨٤ تحقيق سعيد الأفغاني ط دار الفكر عام ١٤٠٤هـ
[ ١ / ٤٢٠ ]
والذي لا إله إلا هو استخلفه وهو أعلم بالله وأتقى لله من أن يتوثب عليهم لو لم يأمره١.
١٢٥/٣ - أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني أحمد بن أبي الحوارى، قال: حدثنا مروان بن محمد، قال: حدثني صدقة بن خالد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله قال: قال ميمون ابن مهران: كنت أفضل عليّا على عثمان رحمة الله عليهما، فقال لي عمر بن عبد العزيز أيهما أحب إليك رجل أسرع في كذا أو رجل أسرع في المال؟ قال: فرجعت وقلت لا أعود٢.
١٢٦/٤ - الذهبي قال: وروى إسماعيل بن عبيد الله، عن ميمون ابن مهران، قال: كنت أفضل عليّا على عثمان، فقال لي عمر بن عبد العزيز: أيهما أحب إليك، رجل أسرع في الدماء، أو رجل أسرع في المال؟ فرجعت وقلت: لا أعود٣.
_________________
(١) ١ الإمامة والسياسة المنسوب إلى ابن قتيبة ص١٠ تحقيق طه الزيني. ط دار المعرفة. وانظر شرح الطحاوية ٢/٧٠٧ وعزاه إلى الإبانة لابن بطة ولم أجده في الإبانة المحقق. ومحمد الزبير الحنظلي البصري متروك. انظر تقريب التهذيب ص٤٧٨. ٢ تاريخ أبي زرعة ص١٤٥، وأحمد بن أبي الحواري هو: أحمد بن عبد الله بن ميمون ابن العباس بن الحارث التغلبي يكنى أبا الحسن بن أبي الحواري ثقة زاهد. تقريب ص٨١. ومروان بن محمد الطاطري شامي روى عنه أحمد بن أبي الحوارى ثقة. انظر الجرح والتعديل ٨/٢٧٥. وصدقة بن خالد الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي ثقة. تقريب ص٢٧٥. وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي مولاهم الدمشقي أبو عبد الحميد ثقة. تقريب ص١٠٩. وانظر الجرح والتعديل ٢/١٨٢-١٨٣، والأثر أخرجه الذهبي في السير ٥/٧٢. ٣ سير أعلام النبلاء ٥/٧٢.
[ ١ / ٤٢١ ]
التعليق:
اتضح مما سبق نقله عن عمر بن عبد العزيز موقفه من الخلافة، وترتيب الخلفاء الراشدين.
والخلافة هي: "نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا" ١، والخلفاء الراشدون هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضوان الله عليهم أجمعين، وكلهم من العشرة المبشرين بالجنة. وكانت خلافتهم على منهاج النبوة. روى الترمذي وأبو داود عن سفينة أنه ﷺ قال: خلافة النبوة ثلاثون سنة"٢.
والآثار التي رويت عن عمر بن عبد العزيز يؤخذ منها أنه كان يرى أن خلافة الصديق ثبتت بالنص والإجماع. كما يرى أن ترتيب الخلفاء
_________________
(١) ١ مقدمة ابن خلدون ص١٥١. ٢ أبو داود/٤ /٢١١ والترمذي وقال هذا حديث حسن ٤/٤٣٦.
[ ١ / ٤٢٢ ]
الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة، بل قد صرح بذلك في الأثر الأخير حيث قدم عثمان على علي ﵄، وهذا هو موقف أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: "ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم هم الخلفاء الراشدون الذين ذكر النبي ﷺ خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن جهمان عن سفينة-: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" ثم قال: أمسِكْ خلافة أبي بكر سنتين وعمر عشرا وعثمان ثنتي عشرة وعلي ستا، وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول ﷺ ١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا انعقاد خلافة أبي بكر وشرعيتها: خلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها، ورضا الله ورسول الله ﷺ له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله بها وأنها حق. وأن الله أمر بها وقدرها، وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها، لأنه حينئذ يكون طريق ثبوتها العهد. وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضي الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلا على أن الصديق
_________________
(١) ١ عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص٨٦- ٨٧.
[ ١ / ٤٢٣ ]
كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة. فإن ذلك لا يحتاج إلى عهد خاص١.
وقد هم ﷺ أن يكتب لأبي بكر كتابا ثم قال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر "٢. ولعل وجود الشيعة الذين يرون أن الخلافة لعلي وأهل بيته في زمن عمر بن عبد العزيز جعله يكتب إلى الحسن البصري سيد التابعين ليؤكد لهؤلاء الشيعة أن موقفه هو موقف أهل السنة والجماعة، وليس في سؤاله للحسن إن صح ذلك عنه - ولا أظنه يصح - ما يدل أنه كان شاكا في ثبوت خلافة الصديق ﵁. ويحتمل أنه يريد أن يبين لهم أن موقفه هو موقف العلماء في وقته.
وفيما يخص التفضيل بين هؤلاء الخلفاء الراشدين على العموم وبين علي وعثمان على الخصوص فإن أهل السنة والجماعة يرون تقديم عثمان على علي، كما هو المأثور عن عمر بن عبد العزيز، روى البخاري عن
_________________
(١) ١ منهاج السنة ١/١٤٠- ١٤١. ط. دار الكتب العلمية بيروت وبهامشه بيان موافقة المعقول لصريح المنقول. ٢ الحديث رواه مسلم ٥/٥٣٥، برقم (٢٣٨٧) .
[ ١ / ٤٢٤ ]
ابن عمر ﵄ أنه قال: كنا نعد ورسول الله ﷺ حي فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت١.
قال الحافظ ابن حجر: في الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة، وذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان، وممن قال به سفيان الثوري، ويقال إنه رجع عنه، وقاله ابن خزيمة وطائفة قبله وبعده. وقيل: لا يفضل أحدهما على الآخر قاله مالك في المدونة وتبعه جماعة، منهم يحيى القطان، ومن المتأخرين ابن حزم، وحديث الباب حجة الجمهور٢.
وأما ما ذكر في الأثر الأخير من أن عثمان أسرع في المال وأن عليا أسرع في الدماء فعلى فرض صحته وصدوره عن عمر فإن أهل السنة والجماعة وفي مقدمتهم عمر يرون الكف عن الكلام فيما شجر بين الصحابة كما تقدم ذلك مستوفى في المبحث السابق، ولعل مقصد عمر في ذلك أن يزجر ميمون بن مهران فيما كان يذهب إليه من تفضيل علي على عثمان ﵄، ولا يمكن أن يطعن أحد من الصحابة برأي أحد، ولم يأخذ عثمان المال بغير حق، كما لم يسفك علي دم أحد بغير
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ونص الرواية: كنا نخير بين الناس زمن رسول الله ﷺ فنخير أبابكر ثم عمر ثم عثمان ﵃. ٧/١٦، برقم (٣٦٥٥)، وأحمد ٢/١٤. ٢ البخاري مع الفتح ٧/١٦.
[ ١ / ٤٢٥ ]
حق، وإنما قاتل البغاة الذين خرجوا عليه، وهو محق في قتالهم، وتوفي شهيدا حميدًا ﵁ وأرضاه.
ومما هو جدير ذكره هنا أن عليّا من أهل بيت النبي ﷺ ولأهل البيت حقوق ثبتت بالنصوص الصحيحة، وقد علم عمر بن عبد العزيز هذه الحقوق فأداها لأهل بيت النبي ﷺ حين كان أميرا بالمدينة وحين تولى الخلافة بعد ذلك. وهي حقوق مادية ومعنوية، وسيتضح موقفه وما أثر عنه تجاه أهل بيت النبي ﷺ في المبحث الذي يلي هذا التعليق بإذن الله تعالى
[ ١ / ٤٢٦ ]
المسألة الثالثة: موقفه من أهل البيت.
تمهيد:
المراد بأهل البيت عند أهل السنة والجماعة أزواجه ﷺ ﵅ جميعا وأقربائه. قال الراغب الأصفهاني: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أودين أو ما يجرى مجراهما "١، وتعورف في أسرة النبي ﷺ مطلقا ".
وقال ابن منظور وأهل بيت النبي ﷺ أزواجه وبناته وصهره أعني عليا وقيل: نساء النبي ﷺ ٢.
وقد ذكر ابن القيم أن العلماء اختلفوا في تحديد المراد بأهل البيت على أقوال، قال ﵀: واختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال: فقيل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وفيهم ثلاثة أقوال:
أ- أنهم بنو هاشم وبنوا المطلب.
ب - أنهم بنو هاشم خاصة.
ج- أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب.
_________________
(١) ١ المفردات في غريب القرآن ص٢٩. ٢ لسان العرب ١١/٢٩.
[ ١ / ٤٢٧ ]
والقول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة١.
القول الثالث: أن آله أتباعه إلى يوم القيامة.
القول الرابع: أن آله هم الأتقياء من أمته٢.
ثم رجح ﵀ القول الأول وهو أن آله ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة٣.
هذا ويرى الشيعة أن آل النبي ﷺ هم أربعة فقط: علي وفاطمة والحسن والحسين، وقولهم هذا مخالف للنصوص الصحيحة ولا تؤيده اللغة ولا العرف، لأن لفظة أهل البيت وردت في القرآن الكريم في سياق الخطاب لأزواج النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٤.
فنفهم من الآية أن المراد بأهل البيت هن أزواجه ﵊.
_________________
(١) ١ انظر جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص ١٠٩. ٢ المصدر السابق ص١١٠. ٣ انظر المصدر السابق ص١١٠- ١١٩ ط دار الكتب العلمية. ٤ الآية ٢٨ من سورة الأحزاب.
[ ١ / ٤٢٨ ]
هذا ولما لم توجد في زمن عمر واحدة من زوجاته ﷺ وإنما وجد ذريته ﵊ وأكثرهم من أولاد علي وأولاد أولاده فقد عرف لهم عمر رحمه الله تعالى حقوقهم المادية والمعنوية وأداها إليهم مستوفاة كاملة بدون بخس ولا شطط، وسيتبين ما قام به من خلال الآثار الآتية بإذن الله تعالى.
١٢٧/١- أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن الجراح حدثنا جرير عن المغيرة قال: جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدك١ ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيِّمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر وعمر عملا فيها عمله، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لي، فرأيت أمرا منعه رسول الله بنته ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت في عهد رسول الله ﷺ ٢.
_________________
(١) ١ فدك: قرية بالحجاز. قريبة من المدينة قيل بينها وبين المدينة مسيرة يومين أو ثلاثة أفاءها الله على رسوله ﷺ في سنة سبع صلحا. انظر معجم البلدان ٤/٢٣٨. ٢ سنن أبي داود ٣/٣٧٨- ٣٧٩ ط دار الحديث، وانظر سير أعلام النبلاء ٥/١٢٨- ١٢٩، وانظر أيضا ابن الجوزي سيرة عمر ص١٣٦- ١٣٧، وأبو حفص الملاء ١/١٣٨، وابن عساكر ورقة ١٤٢، وابن سعد في الطبقات ٥/٢٨٧.
[ ١ / ٤٢٩ ]
١٢٨/٢- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن بشر بن حميد المزني عن أبيه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي: خذ هذا المال الأربعة آلاف دينار فاقدم بها على أبي بكر بن حزم فقل له فليضم إليه خمسة آلاف أو ستة آلاف حتى يكون عشرة آلاف دينار وأن تأخذ تلك الآلاف من الكتيبة ثم تقسم ذلك على بني هاشم وتسوي بينهم الذكر والأنثى والصغير والكبير سواء، قال: ففعل أبو بكر ١.
١٢٩/٣- ابن سعد قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل قال: حدثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت فاطمة بنت علي بن أبي طالب ذكرت عمر ابن عبد العزيز فأكثرت الترحم عليه، وقالت: دخلت عليه وهو أمير المدينة يومئذ فأخرج عني كل خصي وحرسي، حتى لم يبق في البيت غيري وغيره ثم قال: يا بنت علي والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إلي منكم ولأنتم أحب إلي من أهل بيتي٢.
١٣٠/٤- ابن سعد قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا أبو المليح عن ابن عقيل يعني عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال:
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٩٠، وفي الأثر محمد بن عمر شيخ المصنف متروك. ٢ المصدر السابق ٥/٣٨٨، ومالك بن إسماعيل النهدي ثقة متقن، مات سنة ١٧هـ. تقريب التهذيب ص٥١٦. وجويرية بن أسماء صدوق. تقريب ص١٤٣ مات عام ٧٣هـ.
[ ١ / ٤٣٠ ]
أول مال قسمه عمر بن عبد العزيز لمال بعث به إلينا أهل البيت فأعطى المرأة منا مثل ما يعطي الرجل وأعطى الصبي مثل ما تعطي المرأة، قال: فأصابنا أهل البيت ثلاثة آلاف دينار وكتب لنا: إني إن بقيت لكم أعطيتكم جميع حقوقكم١.
١٣١/٥- أخبرنا علي بن محمد عن لوط بن يحيى الغامدي قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون عليا رحمه الله تعالى فلما ولى عمر أمسك عن ذلك فقال كثير عزة الخزاعي:
وليت فلم تشتم عليا، ولم تخف
ريا، ولم تتبع مقالة مجرم٢.
١٣٢/٦- الفسوى قال: حدثنا سعيد بن عفير حدثني يعقوب عن أبيه أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر بن عبد العزيز إلى المدينة يتأدب بها فكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده فكان عمر يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص علي بن أبي طالب
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٥/٣٩٢، وعبد الله بن جعفر الرقي ثقة تقريب ص٢٩٨، والجرح والتعديل ٥/٢٢. وأبو المليح: هو الحسن بن عمر أو عمر الفزازي ثقة. تقريب ص١٦٥. وعبد الله بن محمد صدوق. تقريب ص٣٢١. ٢ نفس المصدر ٥/٣٩٣- ٣٩٤ = في الأثر لوط بن يحيى أبو مخنف متروك الحديث. انظر الجرح والتعديل ٧/١٨٢.
[ ١ / ٤٣١ ]
فأتاه عمر فقام يصلي وأزر عمر فلم يبرح حتى سلم من ركعتين ثم أقبل على عمر بن عبد العزيز فقال: متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ قال: فعرف عمر ما أراد فقال: معذرة إليك والله لا أعود. قال: فما سمع عمر بن عبد العزيز بعد ذلك ذاكرا عليا إلا بخير١.
١٣٣/٧- ابن الجوزي قال: وعن حسين بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر ابن عبد العزيز فقال قائلون فلان، وقال قائلون فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب رضي الله عنه٢.
التعليق:
إن عمر بن عبد العزيز كغيره من السلف الصالح كان قائما بأداء حقوق أهل بيت النبي ﷺ امتثالا لما أمر به ﷺ "أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي"٣.
_________________
(١) ١ الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٥٦٨، والأغاني ٩/١٥٢، وابن كثير ٥/١٩٣، وابن عساكر ٤٥/١٣٦، والذهبي في السير ٥/١١٧. وفي الأثر من لم أجده وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله والد يعقوب. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٩٢، وأبو حفص الملاء ٢/٤٩٣، وحسن بن صالح ابن حي الهمداني الثوري أبو عبد الله الكوفي فقيه عابد على تشيع فيه، ولد سنة مائة انظر التقريب ص١٦١. ٣ صحيح مسلم ٥/٥٥٤، برقم (٢٤٠٨) .
[ ١ / ٤٣٢ ]
وروى الإمام أحمد والترمذي، وغيرهما عن أم سلمة أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١، لما نزلت أدار النبي ﷺ كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت النبي ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم٣، وآل بيته ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ ٤.
والحقوق التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هي التي حرص عمر بن عبد العزيز ﵀ على أدائها على الوجه المطلوب شرعا فرد على آل رسول الله ﷺ فدك كما قام برد خمس الخمس عليهم كما أطعمهم في الفيء ونهى عن الطعن على أحد منهم حيث أن بعض عمال بني أمية كانوا يستفزون بعض أهل البيت بالطعن عليهم وجعل عمر
_________________
(١) ١ الآية ٣٣ من سورة الأحزاب. ٢ المسند ٦/٢٩٢، والترمذي ٥/٣٠-٣١.وأصله في مسلم ٥/٥٦٦ برقم (٢٤٢٤) . ٣ انظر مجموع الفتاوى ٣/٤٠٧. ٤ انظر مجموع الفتاوى ٣/٤٠٧.
[ ١ / ٤٣٣ ]
مكان الطعن الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ..﴾ ١. وقيل غيرها. وقد بين الإمام الذهبي وشيخ الإسلام ابن تيمية السبب في طعن بعض ولاة بني أمية على بعض أهل البيت وعلى علي ﵁ بالذات فقال الذهبي: "وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء وإما قد ولدوا في الشام على حبه وتربي أولادهم على ذلك. وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة وعدد كثير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النصب نعوذ بالله من الهوى كما قد نشأ جيش علي ﵁ ورعيته إلا الخوارج منهم على حبه والقيام معه وبغض من بغى عليه والتبري منهم وغلا خلق منهم في التشيع. فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليا في الحب، مفرطا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين"٢.
_________________
(١) ١ الآية ٩ من سورة النحل. وقيل جعل مكانه قوله تعالى: الآية ١٠ من سورة الحشر، وانظر: مروح الذهب ٣/١٩٤، والكامل في التاريخ ٥/٤٢، واليعقوبي ٢/٣٠٥. ٢ سير أعلام النبلاء ٣/١٢٨.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"سب علي ﵁ كان شائعا في أتباع معاوية وهو من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها الطائفة الباغية ويدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة "١.
وقد قام عمر رحمه الله تعالى بالاهتمام بحقوق أهل بيت النبي ﷺ وسلّم إليهم حقوقهم المادية والمعنوية، حرصا منه على إتباع ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه وحبا منه لاتباع السلف الصالح الذين أحب أن يقتدى بهم في كل لحظة من لحظات حياته لتكمل له بذلك ما كان يمن به نفسه، وما كان يحرص عليه ويتمناه من العمل بالعدل واتباع السنة والسير على نهج أهل الحق ليصل إلى الثمن الغالي الذي تَتُوق نفسه إلى الوصول إليه، فرحمه الله رحمة واسعة.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٤/٤٣٧.
[ ١ / ٤٣٥ ]
الفصل الخامس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان باليوم الآخر وما يقع فيه من أمور
المبحث الأول: الآثار عن عمر في عذاب القبر ونعيمه
تمهيد:
إن الإيمان باليوم الآخر وما يقع فيه من أمور قد كثر ذكره والتذكير به في الكتاب. قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ١. وقال ﷿ في وصف الكفار: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٢.
وقد بين النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور أهمية الإيمان باليوم الآخر حيث جعله ﷺ أحد أركان الإيمان، فقال في تعريفه للإيمان: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر "٣.
والحديث عن الإيمان باليوم الآخر يشتمل على أمور كثيرة. فكل ما أخبر به الله ورسوله مما يكون بعد الموت، من عذاب القبر ونعيمه، وما يكون من البعث والنشور، وما يكون في يوم القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار. ويلحق العلماء ما يكون قبل ذلك من علامات وأشراط، كل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر. هذا ولما كان الموت والقبر وعذابه أو نعيمه أول منازل الآخرة فيجدر تقديم ما أثر عن عمر ﵀ في هذه
_________________
(١) ١ سورة النمل، الآية ١٣. ٢ سورة هود، الآية ١٩. ٣ أخرجه مسلم ١/١٣١.
[ ١ / ٤٣٩ ]
المسألة على المسائل الأخرى لتكتمل الصورة ولتعم الفائدة ثم يعقب بعدها بالمسائل التي أثرت عنه في الإيمان بهذا اليوم العظيم.
[ ١ / ٤٤٠ ]
المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بعذاب القبر ونعيمه.
١٣٤/١- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: يا فلان قرأت البارحة سورة فيها زيارة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ١، فكم عسى الزائر يلبث عند المزور حتى ينكفئ إما إلى جنة وإما إلى نار٢.
١٣٥/٢ - ابن عبد الحكم قال: خطب عمر بن عبد العزيز الناس فقال: " أيها الناس ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وفي بيوت الميتين وفي دور الظاعنين جيرانا كانوا معكم بالأمس أصبحوا في دور خامدين، بين آمن روحه إلى يوم القيامة وبين معذب روحه إلى يوم القيامة "٣.
_________________
(١) ١ الآيتان ١و٢ من سورة التكاثر. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٢١، وأخرج الأثر ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء ص٣٥٧، وابن الجوزي سيرة عمر ٢٣٠، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣١٧، وأبو حفص الملاء ١/٣٣٦. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١١٧، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٠، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٦٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٩- ٢٦٠ بعضه ببعض اختلاف في اللفظ.
[ ١ / ٤٤١ ]
١٣٦/٣ - ابن عبد الحكم قال: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة فقال: " في كل يوم تشيعون غاديا إلى الله ورائحا قد قضى نحبه وانقضى أجله ثم تغيبونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحباب وخلع الأسلاب وواجه الحساب وسكن التراب مرتهنا بعمله غنيا عما ترك فقيرا إلى ما قدم "١.
التعليق:
إن ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في الآثار السابقة يدل على إثبات عذاب القبر ونعيمه وإثبات عذاب القبر ونعيمه هو معتقد أهل السنة والجماعة، ولا شك أن الإيمان بذلك واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق وهو أن الله تعالى يُحْيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه، ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان٢. وبهذا دلت النصوص من الكتاب والسنة، قال تعالى:
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٢٠ ٤٣، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٩- ٢٦٠، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٠. ٢ انظر التذكرة للقرطبي ص١٣٧. ط. دار الكتب العلمية بيروت ط. الثانية عام ١٤٠٧هـ.
[ ١ / ٤٤٢ ]
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ ١، فقد ثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر٢.
وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ٣.
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا. وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين"٤. وهذا الذي دل عليه الحديث هو ما فهمه الصحابة والتابعون الذين نزل القرآن بلغتهم كما سبق بيان ما نقل عن عمر بن عبد العزيز، وهو أن
_________________
(١) ١ الآية ٢٧ من سورة إبراهيم. ٢ انظر الروح لابن القيم ص١٤٤. ٣ الآية ٤٥ سورة غافر. ٤ البخاري مع الفتح ٣/٢٣٢، برقم (١٣٧٤) .
[ ١ / ٤٤٣ ]
الإيمان بعذاب القبر ونعيمه من الغيب الذي أمرنا بالإيمان به، وأن العبد يرد إليه روحه ويسأله الملائكة وينعم ويعذب في قبره حسب أعماله التي قدمها في الدنيا، ومما يجدر تنبيهه هنا أن ما أثر عن عمر في ذكر أمن الروح وتعذيبه لا يحمل على أنه يرى أن العذاب في القبر إنما هو على الروح فقط دون الجسد لأنه يحتمل أنه أراد بهذا تفسير الحديث "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة"١، ومن المعلوم أن أحكام البرزخ تقع على الأرواح، والأبدان تبع لها، بخلاف ما في الدنيا فإن الأحكام على الأبدان والأرواح تبع لها، ولهذا فقد صح عن السلف الصالح أن العذاب في القبر على الروح والجسد تبع له. وقد تنعم الروح وتعذب وهي منفردة عن البدن أحيانا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العذاب والنعيم في القبر" على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون على الروح منفردة عن البدن.
_________________
(١) ١ الحديث رواه أحمد في المسند ٦/٣٨٦، وابن ماجة ٢/١٤٢.
[ ١ / ٤٤٤ ]
أما قول من يقول إن النعيم والعذاب على الروح فقط، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب فهو قول شاذ ليس من أقوال أهل السنة والجماعة، وإنما تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين١.
وقال الحافظ ابن حجر: قال الجمهور: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه. والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه من إقعاد وغيره، ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب، وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة، بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وألما لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألما أو لذة لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن الله صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم إبقاء عليهم ليتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله. وقد
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٤/٢٨٢-٢٨٤ونقل ذلك عنه السفاريني في لوامع الأنوار البهية ٣/٢٤.
[ ١ / ٤٤٥ ]
ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور كقوله: "إنه ليسمع خفق نعالهم" وقوله: "يضرب بين أذنيه" وقوله: "تختلف أضلاعه" وقوله: "يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق" وقوله: "فيقعدانه" وكل ذلك من صفات الأجساد "١.
فظهر مما تقدم نقله أن العذاب في القبر على الروح والجسد معا، وقد بين عمر في الأثر الثالث أن الميت إنما ينفعه في قبره أو يضره فيه عمله وهو الحق، فيضره معاصي القلب والعين والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد والرجل والبدن كله، كما ينفعه اجتناب الأسباب الموجبة لعذاب القبر٢.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٣/٢٣٥، وانظر الحديث الذي أشار إليه الحافظ في البخاري مع الفتح ٣/٢٣٢-٢٣٣ برقم (١٣٧٤) . ٢ انظر كتاب الروح لابن القيم ص١٣٤- ١٤١، ط دار الكتاب العربي تحقيق ودراسة الدكتور السيد الجميلي. الطبعة الثالثة عام ١٤٠٨هـ.
[ ١ / ٤٤٦ ]
المبحث الثاني: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالمعاد، ونزول الرب لفصل القضاء.
١٣٧/١- ابن عبد الحكم قال: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة فقال: أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله ﵎ للحكم فيه والفصل بينكم "١.
١٣٨/٢- ابن أبي الدنيا قال: حدثني الحسن بن محبوب أخبرنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا أبو ربيعة عن جده قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله، أما بعد: فكأن العباد قد عادوا إلى الله فينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.."٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص ٢٥٩-٢٦٠، والفسوي المعرفة والتاريخ ١/٦١١- ٦١٢، والآجري أخبار أبي حفص ص٦٤وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٩-٤٥٠، وابن أبي الدنيا قصر الأمل ص٦٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٦٦ و٢٩٤. ٢ ابن أبي الدنيا ذم الدنيا ص٨١، والحسن بن محبوب بن الحسن القرشي، قال أبو حاتم: لا بأس به. انظر الجرح والتعديل ٣/٣٨، والربيع بن نافع أبو توبة الحلبي ثقة عابد. تقريب ١/٢٤٦. وأبو ربيعة هو عمر بن ربيعة الإيادي قال عنه يحيى بن معين: كوفي ثقة، وقال أبو حاتم: منكر الحديث. انظر الجرح والتعديل ٧/١٠٧، وقال الحافظ: مقبول من السادسة. تقريب ص٦٣٩. وأبوه هو ربيعة بن يزيد الدمشقي أبو شعيب الإيادي القصير ثقة عابد من الرابعة. تقريب ص٢٠٨. وجده لم أجده.
[ ١ / ٤٤٧ ]
١٣٩/٣- هناد السرى قال: حدثني أبو أسامة عن جرير بن حَازم، قال قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي " اعلم أن أحدا لا يستطيع إنفاذ قضايا ما بين الناس حتى لا يبقى منها شيء، لابد أن تستأخر قضايا ليوم الحساب"١.
١٤٠/٤- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو حاتم الرازي قال: حدثنا موسى بن أيوب، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة، أما بعد: فإني أذكرك ليلة تمخض
_________________
(١) ١ هناد السرى فى الزهد ١/٢٩٩- ٣٠٠، وهناد السَّرى الكوفي ثقة. تقريب ص٥٧٤، وأبو أسامة حماد بن أسامة القرشي ثقة ثبت. تقريب ص١٧٧، وجرير بن حازم بن عبد الله الأزدي ثقة. تقريب ص١٣٨، وأخرج الأثر أيضا ابن الجوزي سيرة عمر ص١١٥، وأبو حفص الملاء ١/٢٥٧.
[ ١ / ٤٤٨ ]
بالساعة وصباحها القيامة فيالها من ليلة وياله من صباح كان على الكافرين عسيرا١.
١٤١/٥- ابن الجوزي قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلي بعض الأجناد أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله ولزوم طاعته فمن كان راغبا في الجنة أو هاربا من النار فالآن في هذه الأيام الخالية، والتوبة مقبولة، والذنب مغفور قبل نفاد الأجل وانقضاء المدة، وفراغ الله ﷿ للثقلين ليدينهم بأعمالهم في موطن لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه الحيلة، تبرز فيه الخفيات، وتبطل فيه الشفاعات، يرده الناس جميعا بأعمالهم، وينصرفون منه أشتاتا إلى منازلهم، فطوبى يومئذ لمن أطاع الله ﷿، وويل يومئذ لمن عصى الله عز وجل٢.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا الرقة والبكاء ص٩٢، وابن الجوزي سيرة عمر ١٢٧، وأبو حفص الملاء ١/٢٦٠، وقال محقق كتاب الرقة والبكاء إسناده لا بأس به. وأبو حاتم الرازي: هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أحد حفاظ الحديث مات سنة ٧٧هـ. انظر تقريب التهذيب ص٤٦٧. وموسى بن أيوب بن عيسى النصيببي أبو عمران الأنطاكي صدوق. انظر تقريب التهذيب ص٥٥٠. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص١١٥- ١١٦، وأبو حفص الملاء ١/٢٦٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٧٥-٢٧٦. عن ليث بن أبي رقية كاتب عمر بن عبد العزيز.
[ ١ / ٤٤٩ ]
١٤٢/٦- ابن أبي الدنيا قال: وحدثني محمد قال: حدثني خالد بن عمرو الأموي قال: حدثنا عبد الأعلى بن أبي عبد الله العنزي، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز خرج يوم الجمعة في ثياب دسمة ووراءه حبشي يمشي فلما انتهى إلى الناس رجع الحبشي، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال: هكذا رحمكما الله حتى صعد المنبر فخطب فقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ١، فقال: وما شأن الشمس؟ ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت﴾ ٢، حتى انتهى إلى ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت﴾ ٣، فبكى "٤.
التعليق:
إن الإيمان بالمعاد والبعث والنشور وأن الله ﵎ يجمع كل الخلائق وبيان الحكمة من ذلك وبيان شدة هذا اليوم على الكفار هو
_________________
(١) ١ الآية ١ من سورة التكوير. ٢ الآية ٢ من سورة التكوير. ٣ الآية ١٢- ١٣ من سورة التكوير. ٤ ابن أبي الدنيا الرقة والبكاء ص٣٩، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٥٧، وابن عساكر ج ٣٣ ص ٤١٦ وابن كثير البداية والنهاية٥ /٢٤٣ والأثر في إسناده خالد بن عمرو الأموي أبو سعيد الكوفي رماه ابن معين بالكذب ونسبه صالح جزره وغيره إلى الوضع. انظر تقريب التهذيب ص١٨٩.
[ ١ / ٤٥٠ ]
مدلول الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى هنا، ولا شك أن الإيمان بالمعاد من أهم العقائد التي تتميز بها الإسلام ١، وقد حاز قصب السبق في هذا المضمار، فجل سور القرآن الكريم تتضمن الإيمان بالمعاد، إما تصريحا وتأكيدا أو تلميحا وإشارة، وقد بين الله ﵎ في كثير من آيات الكتاب وجوب الإيمان بالبعث، وبين في بعضها الرد على من ينكر حشر الأجساد بحجج عقلية لا يمكن للمنكرين إلا الإذعان لها أو المكابرة قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢ وقال ﷿: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٣. وقال في منكري البعث: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٨٩. ٢ الآية ١١ من سورة الروم. ٣ الآيات ١٦ من سورة المؤمنون. ٤ الآيات ٧٧-٧٩ من سورة يس.
[ ١ / ٤٥١ ]
أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ١.
كما ثبت السنة في المطهرة الإيمان بالبعث فعن أبي هريرة ﵁ قال: "ما بين النفختين أربعون، قالوا: أربعون يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة قال: أبيت، ثم ينزل الله من السماء ماءا فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة"٢.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة ولا ولدا"٣.
ومضمون هذه النصوص هو المأثور عن عمر كما سبق بيانه حيث قال: وإن لكم معادا" كما بين في تلك الآثار الحكمة من المعاد فقال: أما
_________________
(١) ١ الآيات من ٣٦- ٤٠ من سورة القيامة. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٣٩٤، برقم (٢٩٥٥) وعجب الذنب: العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب المصدر السابق. ٣ البخاري مع الفتح ٦/٢٨٧، برقم (٣١٩٣) .
[ ١ / ٤٥٢ ]
بعد: فكأن العباد قد عادوا إلى الله فينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. وهذا ما بينه القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ١، وقال ﷿: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٢. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل وخلق الخلق بالحق ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ أي يجازي كُلًاّ بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر"٣.
وقال ﷿ في بيان الحكمة من البعث: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٤. قال شارح الطحاوية معلقا على هذه الآية الكريمة: كيف تقتضي حكمة الخالق المبدع من العدم والمصور في الأرحام من نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم شق السمع والبصر وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع، كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن
_________________
(١) ١ الآية ١٥ من سورة طه. ٢ الآية ٣١ من سورة النجم. ٣ تفسير ابن كثير ٤/٢٥٥. ٤ الآية ١١٥ من سورة المؤمنون.
[ ١ / ٤٥٣ ]
يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. ثم قال ﵀: فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه١.
وبعد قيام الناس من قبورهم ووقوفهم في ساحة القيامة، يشتد الأمر ويعظم الخطب، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ويفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، لأن كُلًا منهم يومئذ شأن يغنيه، وهذا الموقف الرهيب مما يستدعي الخوف والبكاء، فلذا لما تصوره عمر ابن عبد العزيز وذلك بقراءته سورة التكوير، بكى، وأبكى، فالسورة تصور مشهدا من مشاهد القيامة العصيبة، كما أن لهذا اليوم مشاهد أخرى، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرةرضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم" ٢، فإذا اشتد الأمر بالناس في الموقف فزعوا إلى الأنبياء ليزيحوا عنهم الكرب ويدفعوا عنهم الغم، فكل نبي من
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٩٦- ٥٩٧. يشير ﵀ إلى الآية ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا ﴾ ٢ البخاري مع الفتح ١١/٣٩٢، برقم (٦٥٣٢) .
[ ١ / ٤٥٤ ]
آدم إلى عيسى يشير إلى غيره من الأنبياء حتى تصل النوبة إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: "أنا لها أنا لها"، وهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى لنبينا في القرآن. قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ١. فإذا شفع النبي ﷺ لأهل الموقف واستجيب دعاؤه ينزل الرب ﵎، كما يليق بجلاله للقضاء بين الخلائق فتنشر الدواوين وينصب الميزان كما سيأتي.
_________________
(١) ١ الآية ٧٩ من سورة الإسراء، وللنبي ﷺ شفاعات أخرى يثبتها أهل السنة والجماعة بينما أنكرها كثير من فرق الضلال ولم أقف لعمر كلام في هذه الشفاعات فأحيلك أيها القارئ الكريم إلى لوامع الأنوار البهية للسفاريني فقد أجاد وأفاد وغيرها من كتب السلف في العقيدة.
[ ١ / ٤٥٥ ]
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في الإيمان بالميزان.
١٤٣/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أبو عبد الله الأزدي عن الحسن ابن محمد الخزاعي عن رجل من ولد عثمان بن عفان ﵁ أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه:
إن لكل سفر زادا لا محالة، أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عولتي وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغنى والفقر، والموازين فيه منصوبة١.
١٤٤/٢- ابن الجوزي قال: حدثنا شعيب بن صفوان عن الفيض بن عبد الحميد قال: قال عمر بن عبد العزيز: "أوما رأيتم حالات الميت؟ وجهه مفقود، وذكره منسي، وبابه مهجور، كأن لم يخالط إخوان الحفاظ ولم يعمر الديار" واتقوا يوما لا يخفى فيه مثقال ذرة في الموازين٢.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا قصر الأمل ص٥٠-٥١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩١، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٣٤-٢٤٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٥، وأبو عبد الله الأزدي، والحسن بن محمد الخزاعي لم أجدهما. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٥، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٦. وشعيب بن صفوان أبو يحيى الثقفي قال عنه أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر الجرح والتعديل ٤/٣٤٨. والفيض بن عبد الحميد لم أجده.
[ ١ / ٤٥٦ ]
١٤٥/٣- ابن الجوزي قال: حدثني بحدل الشامي عن أبيه وكان صاحبا لعمر بن عبد العزيز قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يتلو على المنبر هذه الآية ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١. حتى ختمها فمال على أحد شقيه يريد أن يقع٢.
التعليق:
إن هذه الآثار الواردة عن عمر ﵀ تدل على أن بعد القيام من الأجداث والذهاب إلى المحشر، ونزول الرب ﵎ لفصل القضاء، ينصب الميزان، وهو ميزان حقيقي، توزن به أعمال العباد، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة. قال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكِفَّتان ويميل بالأعمال. وأنكرت المعتزلة الميزان وغيرهم. وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة، لأن الله أخبر أنه
_________________
(١) ١ الآية ٤٧ من سورة الأنبياء. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٨، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٢، عن علي بن زيد بن جدعان قال شهدت عمر بن عبد العزيز وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٧، أما بحدل الشامي وأبوه فلم أجدهما.
[ ١ / ٤٥٧ ]
يضع الموازين لوزن الأعمال ليري العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين١.
وهذا الميزان دقيق لا يزيد ولا ينقص قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٢.
والميزان غير العدل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه﴾ ٤.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"٥.
وقد اختلف العلماء في الميزان هل هو واحد أم أن الموازين متعددة؟ فذهب بعضهم إلى أنه ميزان واحد، وذهب آخرون إلى أنها موازين متعددة، ولكلا الفريقين ما يستدل به على ما يذهب إليه، وقد أشار إلى
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٥٣٨. ٢ سورة الأنبياء الآية ٤٧. ٣ سورة المؤمنون الآية ١٠٢. ٤ سورة المؤمنون الآية ١٠٣. ٥ البخاري مع الفتح ١٣/٥٣٧، برقم (٧٥٦٣) .
[ ١ / ٤٥٨ ]
هذا العلامة السفاريني فقال: اختلف في الميزان هل هو واحد أو أكثر؟ فالأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال، كفتاه كأطباق السموات والأرض.
وقيل: إنه لكل أمة ميزان، وقال الحسن البصري: لكل واحد من المكلفين ميزان١، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ٢.
وأجيب بأن جمع الموازين في الآية والأحاديث لكثرة من توزن أعمالهم، أو أن ذلك للتفخيم، أو تعدد الأعمال. ويدل على تعدد الأعمال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه﴾ ٣، فالميزان واحد وإنما جمع باعتبار الموزون. ولكن بماذا نجيب عن ما ورد عن عمر في جمع الموازين؟
يجاب بأن الميزان واحد في تلك الآثار وإنما جمعها عمر رحمه الله تعالى في تلك الآثار لتفخيمها٤،لأنه كان شديد التأثر بالآيات التي فيها ذكر أمور الآخرة.
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار البهية ٣/١٨٦. ٢ سورة الأنبياء ٤٧. ٣ سورة المؤمنون الآية ١٠٢- ١٠٣. ٤ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٥٣٨.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وأما الذين ذهبوا إلى أنها موازين متعددة فيظهر أنهم أخذوا بظواهر النصوص التي تدل على تعدد الموازين، وأيًا كان فإن هذه قضية غيبية الأهم فيها الإيمان بوقوع وزن الأعمال والعامل وصحف الأعمال فكل ذلك ممكن في قدرة الله.
هذا وقد اختلف في الموزون ما هو؟ ولم يرد عن عمر رحمه الله تعالى شيء في ذكر الخلاف في الموزون، وإنما ورد عنه مطلق الإيمان بالميزان وكونه يعلق فيوزن فيه الأعمال دقيقها وجليلها وقد وفّى الموضوع حقه العلامة السفاريني في لوامع الأنوار البهية١، وكذلك القرطبي في التذكرة٢، والعلامة مرعي الحنبلي المقدسي٣، رحمهم الله تعالى.
وبعد وزن الأعمال وظهور بعض الفرج للمؤمنين يمر الناس ويشربون من حوض النبي ﷺ، وقد ثبت أن لكل نبي حوضًا، واختلف في مكان الحوض، فالقرطبي يرى أنه في عرصات القيامة٤، بينما استظهر ابن حجر
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار البهية ص١٨٦. ٢ التذكرة للقرطبي ص٣٧٧. ٣ تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان لمرعي الحنبلي المقدسي ص٥٨، تحقيق د/سليمان صالح الخزى. ٤ التذكرة ص٣٦٢.
[ ١ / ٤٦٠ ]
من صنيع البخاري أن الحوض بعد الميزان١، ويمكن الجمع بين القولين بأن ذلك يحمل على تعدد الشرب، كما يحتمل الجمع بأن الشرب من الحوض لقوم قبل الصراط وآخرين بعده بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار حتى يهذبوا منها على الصراط٢.
والإيمان بالحوض هو معتقد أهل السنة والجماعة، لصحة النصوص الواردة في الإيمان به، والإيمان به كذلك هو المأثور عن عمر كما سيأتي.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٤٦٦. ٢ لوامع الأنوار البهية ٣/١٩٦.
[ ١ / ٤٦١ ]
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الإيمان بالحوض.
١٤٦/١- أبو زرعة قال: حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد ابن مسلم عن يحيى بن الحارث عن أبي سلام، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى صاحب دمشق أن سل أبا سلام عما سمع من ثوبان مولى رسول الله ﷺ في الحوض فإن كان يثبته فاحمله على مركبة من البريد١.١٤٧/١- ابن الجوزي قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن العباس بن سالم اللخمي قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي سلام الحبشي يحمل على البريد. فلما قدم عليه قال: لقد شق علي، قال: عمر: ما أردنا ذلك ولكنه بلغني عنك حديث ثوبان في الحوض فأحببت أن أشافهك به، فقال: سمعت ثوبان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن حوضي من عدن٢
_________________
(١) ١ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص١٦٤،وابن كثير البداية والنهاية ٥ /٢٢٦ وعبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي يعرف بدحيم اليتيم روى عن الوليد بن مسلم، ثقة. انظر الجرح والتعديل ٥/٢١١- ٢١٢، والوليد بن مسلم القرشي مولاهم ثقة لكنه كثير التدليس. تقريب ص٥٨٤، ويحيى بن الحارث الذمارى بكسر المعجمة وتخفيف الميم أبو عمرو الشامي القارئ ثقة. تقريب ص٥٨٩. وأبو سلام هو ممطور الأسود الحبشي ثقة يرسل. تقريب ص٥٤٥. وسيأتي الأثر برقم ٢٢٦، و٢٢٧. ٢ عدن: بالتحريك آخره نون مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. انظر معجم البلدان ٤/٨٩.
[ ١ / ٤٦٢ ]
إلى عمان البلقاء١ ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين "٢.
١٤٧/٢- أبو زرعة قال: أخبرني يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثنا محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام: أنه دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: لقد شققت علي يا أمير المؤمنين، قال: ما أردت ذاك ولكن أحببت أن تشافهني بحديث ثوبان في الحوض٣.
_________________
(١) ١ عَمَّان بالفتح ثم التشديد وآخره نون بلد في طرف الشام وكانت قصبة أرض البلقاء. انظر معجم البلدان ٤/١٥١. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣٧، إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي بالنون أبو عتبة الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم من الثامنة. تقريب ص١٠٩. والعباس بن سالم اللخمي الدمشقي ثقة من السادسة. د ت ق. تقريب ص٢٩٤، والحديث صححه الشيخ الألباني في السلسلة برقم ١٠٨٢. وقد أخرج الأثر أبو حفص الملاء ٢/٥٨٤- ٥٨٥. ٣ تاريخ أبي زرعة ص١٦٤، ومن طريقه ابن عساكر٤٥/٢١٦ ويحيى بن صالح الوحاظي الحمصي صدوق. تقريب ص٥٩١. والعباس بن سالم الدمشقي ثقة. تقريب ص٢٩٣.
[ ١ / ٤٦٣ ]
التعليق:
يتبين من الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث الإيمان بالحوض على حقيقته كما جاء في الكتاب والسنة، ولا شك أن الإيمان بالحوض كما جاء في النصوص الصحيحة هو عقيدة أهل السنة والجماعة، استنادا إلى النصوص الصريحة بذلك، فمنها ما ورد في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول يارب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"١.
وأدلة إثبات الحوض في السنة بلغت حد التواتر، وأما بالنسبة للقرآن فإنه لم يرد التصريح به، إلا أن من العلماء من جعل الحوض بمعنى الكوثر، ثم استدل لإثبات الحوض بسورة الكوثر تغليبا لاسم الكوثر على اسم الحوض. والذي يظهر من النصوص ومن كلام العلماء أن الحوض في الموقف والكوثر في الجنة، وبينهما اتصال قوي، حيث يصب من الكوثر إلى الحوض الذي هو في عرصات القيامة٢.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٤٦٣، رقم (٦٥٧٥) . ٢ انظر الحياة الآخرة لشيخنا الدكتور غالب العواجي ٢/١٤٠٩ ط. دار لينة ط. الأولى ١٤١٧هـ مطابع الفاروق الحديثة القاهرة.
[ ١ / ٤٦٤ ]
وقد أولت المعتزلة الأدلة الصحيحة السابقة وأنكروا وجود الحوض، وكذلك الخوارج. قال ابن حجر وأنكرت طائفة من المبتدعة الحوض، وأحالوه على ظاهره، وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله فخرقوا إجماع السلف وفارقوا مذهب الخلف١.
وقد كان السلف يقولون عن منكري الحوض عبارتهم المشهورة: "من كذب به فلا سقاه الله منه"، ولا شك أن حرص عمر رحمه الله تعالى في سماع الحديث من أبي سلام دليل على شدة حبه للعقيدة الصحيحة والتأكد من رواتها، ومشافهتهم حتى يطمئن قلبه ﵀، كما أنه يمكن أن يستدل بعمل عمر هذا على الرد على من ينكر الحوض، حيث شافه من سمع الحديث من ثوبان ﵁ مع شهرة أحاديث الحوض بين الصحابة.
وقد تقدم أن أحاديث الحوض بلغت حد التواتر، وقد وقع الخلاف بين العلماء في تحديد مسافة الحوض، وهو ناشئ عن اختلاف الروايات في تحديده، فقد ورد أن طوله وعرضه مسيرة شهر، وأنه كما بين عدن وعمان، وما بين صنعاء والمدينة، وما بين المدينة وعمان، وما بين أيلة ومكة، وما بين المدينة وبيت المقدس، وغير ذلك. قال بعض العلماء وهذا الاختلاف والاضطراب لا يوجب الضعف، لأنه من اختلاف التقدير
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١١/٤٦٧.
[ ١ / ٤٦٥ ]
والتحديد، لا من الاختلاف في الرواية، لأن ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد اضطرابا، وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة وقد سمعوه في مواطن متعددة، وكان النبي ﷺ يمثل لكل قوم الحوض بحسب ما يعلم المتكلم ويفهم السائل وبحسب ما يسنح له ﷺ من العبارة ويحدد الحوض بحسب ما يفهم الحاضرون من الإشارة١.
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار البهية ٣/٢٠١- ٢٠٢. وانظر الحياة الآخرة ٢/١٤٤٧-١٤٥١.
[ ١ / ٤٦٦ ]
المبحث الخامس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالصراط.
١٤٨/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو سعيد المديني عبد الله بن المسيب، حدثني محمد بن عمر بن سعيد العطار، حدثني زكريا بن منظور، عن عمه، عن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أخ له: يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله، فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي إلى نبيك ﷺ في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج، وإياك أن تغرك الدنيا فإن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له "١.
لتعليق:
إن هذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يدل على الإيمان بالصراط، وذلك أنه بعد الخروج من عرصات القيامة في اليوم
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا ذم الدنيا ص٦١، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٧، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٧. وأبو سعيد المديني عبد الله المسيب القرشي مولاهم مقبول ص٣٢٣ تقريب. ومحمد ابن عمر بن أبي حفص العطار روى عن السدي روى عنه أبو نعيم الفضل بن دكين ولم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٨/١٩. وزكريا بن منظور بن ثعلبة القرظي أبو يحيى ضعيف. انظر تقريب التهذيب ص٢١٦.
[ ١ / ٤٦٧ ]
العصيب يمر الناس على الصراط، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أدق من الشعرة وأحد من السيف، يرده الأولون والآخرون من أتباع الرسل الموحدون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، فتلقى عليهم الظلمة قبل الصراط. وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويُحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم، ويعطي كل مؤمن نوره بقدر عمله يضيء له الطريق فيمرون على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، وكالريح، ومنهم من يرمل رملا حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تَخِرّ يدٌ وتعلق يد، وتخر رجل وتصيب جوانبه النار١.
وقد دل الكتاب والسنة على المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ ٢. قال شارح الطحاوية: واختلف المفسرون في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٣، وفي الصحيح أنه
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص٤٧٠. ٢ الآية ٧٢ من سورة مريم. ٣ سورة مريم الآية ٧٢.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة"، قالت حفصة: فقلت: يارسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ " ١ أشار إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله. فالمؤمنون يمرون فوق النار على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا، فبين ﷺ أن الورود هو الورود على الصراط٢.
والحق أن الورود على النار ورودان: ورود الكفار أهل النار، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك، كما قال تعالى في شأن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ ٣، أي بئس المدخل المدخول.
والورود الثاني: ورود الموحدين وهو مرورهم٤ على الصراط كما سبق وهو ما عناه عمر بن عبد العزيز ﵀ بقوله: "يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي
_________________
(١) ١ مسلم برقم٢٤٩٦/ ٦ / ٤٧. ٢ شر ح الطحاوية ص٤٧١، والحديث رواه مسلم٦ /٤٧٠ برقم٢٤٩٦. ٣ سورة هود ٩٨. ٤ القيامة الكبرى للأشقر ص٢٧٨.
[ ١ / ٤٦٩ ]
إلى نبيك ﷺ في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج " ١.
فعمر في هذا الأثر يذكر أخاه بالمرور على الصراط وهو خاص بالمؤمنين والموحدين من أتباع الرسل وفيهم بعض المنافقين الذين يحبسون ويسقطون في النار، فالورود هنا كما بينه عمر هو المرور على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين في النار جثيا، أعاذنا الله ونجانا من هذا المكان برحمته ولطفه.
_________________
(١) ١ انظر: القيامة الكبرى للأشقر ص٢٧٨.
[ ١ / ٤٧٠ ]
المبحث السادس: الآثار عن عمر في الإيمان بالجنة والنار.
١٤٩/١- أبي الدنيا قال: حدثني محمد قال: حدثني يوسف بن الحكم قال: حدثني عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال: بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء. فلما تجلى عنهم العبر قالت فاطمة بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله: فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه١.
١٥٠/٢- أبي الدنيا حدثني محمد قال: حدثني الحميدي عن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوما ساكتا وأصحابه يتحدثون فقالوا له:
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا الرقة والبكاء ص٧٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٦٩، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢١٣- ٢١٤، وأبو حفص الملاء ١/٣٠٢٣ باختلاف ألفاظ، وأخرجه ابن رجب في التخويف من النار ص٣٤، ط. دار الكتب العلمية الأولى ١٤٠٥هـ. ومحمد بن الحسين البرجلاني روى عن ابن أبي الدنيا وغيره مدحه الإمام أحمد. انظر الجرح والتعديل ٧/٢٢٩، ويوسف بن الحكم وفي الحلية يونس ابن الحكم الإثنين لم أجدهما وكذلك عبد السلام مولى مسلمة.
[ ١ / ٤٧١ ]
مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت مفكرا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها ثم بكى١.
١٥١/٣- وقال أيضا حدثني محمد، قال: حدثنا يونس بن يحيى أبو نباتة، قال: حدثنا ابن أبي ذيب قال: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة وقرأ عنده رجل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ٢، فبكى حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه فقام من مجلسه فدخل بيته وتفرق الناس٣.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا الرقة والبكاء ص٨٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٥٤، وأبو حفص الملاء ١/٣٣٥. والحميدي هو عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري ثقة. تقريب ص٣٠٣. وسفيان هو ابن عيينة ولم يلق عمر بن عبد العزيز. ٢ الآية ١٣ من سورة الفرقان. ٣ ابن أبى الدنيا الرقة والبكاء ٩٥- ٩٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٥٦- ١٥٧، وأبو حفص الملاء ١/٣٢٨- ٣٢٩. ويونس بن يحيى بن نبانة القرشي الأموي أبو نبانة من الثقات تهذيب الكمال ٣٢/٥٤٩- ٥٥١، وابن أبي ذيب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة العامري ثقة. تهذيب الكمال ٢٥/٦٣٠- ٦٤٤.
[ ١ / ٤٧٢ ]
١٥٢/٤- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أبو عبد الله الأزدي عن الحسن ابن محمد الخزاعي عن رجل من ولد عثمان بن عفان ﵄: أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة وأنتم صائرون إلى أحدهما١.
١٥٣/٥- ابن الجوزي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض الأجناد واعلم أنه ليس يضر عبدا صار إلى رضوان الله وإلى الجنة ما أصابه في الدنيا من فقر وبلاء، وأنه لن ينفع عبدا صار إلى سخط الله وإلى النار ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء. وما يجد أهل الجنة من مكروه أصابهم في دنياهم، وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا بها في دنياهم كل شيء من ذلك كأن لم يكن٢.
١٥٤/٦- ابن عبد الحكم قال: وقرأ عمر بن عبد العزيز بالعشاء ذات ليلة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ٣، فلما بلغ ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ ٤، خنقته
_________________
(١) ١ ابن أبى الدنيا قصر الأمل ص٥٠- ٥١، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩١، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٥. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٠- ٢٥١، وأبونعيم فى الحلية ٥/ ٢٧٨- ٢٧٩، وأبو حفص الملاء ١/٢٠٣- ٢٠٤. ٣ الآية ١ من سورة الليل. ٤ الآية ١٤ من سورة الليل.
[ ١ / ٤٧٣ ]
العبرة فلم يستطع أن ينفذها فرجع حتى إذا بلغها خنقته العبرة فلم يستطع أن ينفذها فتركها وقرأ سورة غيرها١.
١٥٥/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا الفضل بن الربيع قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: بلغني أن عاملا لعمربن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر: ياأخي اذكر طول سهر أهل النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء، فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد حتى قدم على عمر فقال له ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك. لا أعود إلى ولاية أبدا حتى ألقى الله تعالى٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٧، وأبو حفص الملاء ١/٣٣٩. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٢٤- ١٢٥، وأبو حفص الملاء ص٢٥٩- ٢٦٠.وابن كثير البداية والنهاية/ ٥ /٢٣٢. والفضل بن الربيع روى عن ابن جريج، قال الذهبي: قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. انظر ميزان الاعتدال ٣/٣٥١، وفضيل بن عياض الزاهد شيخ الحرم وأحد الأثبات مجمع على ثقته وجلالته. قال الذهبي: ولا عبرة بما رواه احمد بن أبي خيثمة. قال: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل بن عياض لأنه روى أحاديث رمي فيها على عثمان ﵁ فمن قطبة وما قطبة حتى يجرح وهو هالك. مات الفضيل سنة سبع وثمانين ومائة هـ. ميزان الاعتدال ٣/٣٦١.
[ ١ / ٤٧٤ ]
التعليق:
يتضح مما سبق من الآثار تقرير عمر بن عبد العزيز بالجنة والنار وإيمانه بوجودهما الآن، ودوامهما، وإثباته نعيم الجنة وعذاب النار. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة، وقال به السلف الصالح، ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر، بل المقصد من الطاعات كلها هو الوصول إلى رضى الله تعالى ودخول الجنة والنجاة من سخطه ومن النار.
"والنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين"١.
وأما الجنة فهي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول ﷺ يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه٢.
وقد خلق الله الجنة والنار وجعل الجنة دار الأبرار والنار دار الفجار قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر: الجنة والنار للأشقر ص١١. ٢ انظر: المصدر السابق ص١١٧. ٣ الآية ١٣-١٤ من سورة الانفطار.
[ ١ / ٤٧٥ ]
والإيمان بهما من أصول الإيمان التي اتفق المسلمون على الإيمان بها، لدلالة القرآن والسنة المطهرة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ومستندهم النصوص الصحيحة الدالة على ذلك. قال تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٤. وقال عن النار ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٥،وقال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ ٦.
وفي الصحيح من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن
_________________
(١) ١ الآية ٧٥- ٧٦ من سورة طه. ٢ الآية ١٩٢ من سورة آل عمران. ٣ آل عمران الآية ١٣٣. ٤ الحديد الآية ٢١. ٥ آل عمران الآية ١٣١. ٦ النبأ الآية ٢١-٢٢.
[ ١ / ٤٧٦ ]
كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة"١.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار"٢.
وقد اتفق أهل الملة الإسلامية على أن لا فناء للنار لا لعذابها ولا للجنة ولا لنعيمها إلا الجهم بن صفوان٣، فإنه قال بفنائهما، لأنهما حادثان، وقد استدل أهل السنة والجماعة على خلود النار بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ٤، وغيرها من الآيات التي فيها تأكيد الخلود بالأبدية، وكذلك الأحاديث، ومنها الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ويقال: ياأهل
_________________
(١) ١ مسلم بشرح النووي ٦/٣٢٣، برقم (٢٨٦٦) . ٢ رواه مسلم برقم (٤٢٦)، ٢/١١٣. ٣ انظر مراتب الإجماع لابن حزم ١٧٣، وهذا الأدلة خارجة عن كون الموحدين لا يخلدون في النار. ٤ الآية ٧٤ من سورة الزخرف.
[ ١ / ٤٧٧ ]
النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١"٢.
ويكون هذا بعد خروج الموحدين من النار.
وذهب المعتزلة والخوارج إلى أن من دخل في النار لا يخرج منها، لكونهم يرون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وهم محجوجون بأحاديث الشفاعة الصحيحة وغيرها.
ويتضح مما سبق أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قد بين ما يتعلق بوجود الجنة والنار ودوامهما وهو ما بينه السلف، كما دلت عليه النصوص الثابتة في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ وأن من خالف هذا المفهوم فإنما هو متبع لهواه وآراءه الفاسدة التي لا تنبني على الأسس الصحيحة، كما أن الذين نفوا وجودهما الآن ودوامهما لا يستطيعون الإتيان بأي حجة صحيحة مقبولة غير ما يستندون إليه من شبهات تأويل الفلاسفة وعلماء الكلام المذموم.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٦/٣١٢- ٣١٣، برقم (٢٨٤٩) . ٢ سورة مريم الآية ٣٩.
[ ١ / ٤٧٨ ]
المبحث السابع: الآثار عن عمر في الإيمان برؤية المؤمنين ربهم في الجنة.
١٥٦/١- الدارمي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري أنبأ إبراهيم ابن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمراء الأجناد: أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله وطاعته والتمسك بأمره والمعاهدة على ما حملك الله من دينه، واستحفظك من كتابه، فإن بتقوى الله نجا أولياؤه من سخطه، وبها تحقق لهم ولايته، وبها وافقوا١ أنبياءه، وبها نضرت وجوههم ونظروا إلى خالقهم٢.
١٥٧/٢- الدارمي أيضا قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد -يعني ابن سلمة- عن علي بن زيد بن جدعان، عن عمارة القرشي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز فأتاه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁
_________________
(١) ١ في الحلية وابن الجوزي، والملاء: "رافقوا" بدل وافقوا. ٢ الرد على الجهمية للدارمي ص١٠٣، والأثر أخرجه ابن الجوزي سيرة عمر ص١١٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٧٨، وأبو حفص الملاء ١/٢٥٤. وسعيد بن أبي مريم المصري هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء أبو محمد المصري ثقة ثبت فقيه من العاشرة، ع تقريب ص٢٣٤، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي مولاهم ضعيف. تقريب ص٨٧. وقد قلب هذا الاسم في الحلية بإسماعيل بن إبراهيم وهو خطأ وكذا عند ابن الجوزي وغيره.
[ ١ / ٤٧٩ ]
فقضى له حوائجه فلما خرج رجع فقال عمر أذكر الشيخ؟ فقال له عمر: ما ردك؟ ألم تقض حوائجك؟ قال: بلى، ولكن ذكرت حديثا حدثناه أبو موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه، مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيدرجونهم حتى يقحموهم النار ثم يأتي ربنا ونحن في مكان رفيع فيقول: من أنتم؟ فنقول نحن المؤمنون فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا فيقول من أين تعلمون أنه ربكم؟ فيقولون: حدثتنا الرسل أو ما أشبه معناه فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، إنه لا عدل له فيتجلى١ لنا ضاحكا، ثم يقول ﵎: أبشروا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا قد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا" فقال عمر لأبي بردة: والله لقد سمعت أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ قال: نعم٢ زاد في ابن الجوزي فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا الحديث٣.
_________________
(١) ١ عند ابن الجوزي فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله ﵎ ص٣٣ سيرة عمر. ٢ الرد على الجهمية للدارمي ص ٩٢ ٣ الرد على الجهمية للدارمي ص٩٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص٣٣، وقال محقق كتاب الرد على الجهمية أخرجه أحمد ٤/٤٠٧- ٤٠٨، والآجري ص٢٦٣، وابن خزيمة ص٢٣٦، مختصرا وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعمارة القرشي نقل الذهبي في الميزان ٣/١٧٨، تضعيفه عن الأزدي وذكر له هذا الحديث من مناكيره وقوله في الحديث: "بدا له" منكر كما ذكر الشيخ الألباني في تعليقه على هذا الحديث في الصحيحة ٢/٣٩٥، ولكن الحديث صحيح دون الشطر المذكور فإن له شاهدا من حديث جابر أخرجه احمد ٣/٣٨٣- ٣٨٤، ومسلم ١/١٧٧- ١٧٨ وأما قوله: "فإنه ليس منكم إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا" فبمعناه رواه أحمد ٤/٣٩١- ٤٠٢، ومسلم ٤/٢١١٩، من طرق عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعا. انظر تعليق بدر البدر على كتاب الرد على الجهمية للدارمي ص٩٢- ٩٣ الحاشية.
[ ١ / ٤٨٠ ]
التعليق:
يظهر مما سبق في هذا المبحث إيمان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى برؤية المؤمنين ربهم في الجنة، وهذه القضية من القضايا التي بحثت من قبل السلف ومن قبل المخالفين لهم من الخلف، وألفت في ذلك المؤلفات الكثيرة، ولا شك أن رؤية الله تعالى في الجنة نعمة من أعظم النعم بعد نعمة التوفيق والهداية. قال تعالى في وصف المؤمنين في ذلك اليوم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقال جل شأنه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
_________________
(١) ١ الآية ٢٢-٢٣ من سورة القيامة.
[ ١ / ٤٨١ ]
ةٌ﴾ ١، وعن صهيب قال: قيل لرسول الله ﷺ هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النارِ النارَ ينادي مناد ياأهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فقالوا: ألم تبيض وجوهنا وتثقل موازيننا وتجرنا من النار. قال: فيكشف الحجاب فينظروا إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿"٢.
وقال ﷾ مبينا عن مصير الكفرة في ذلك اليوم العسير عليهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٣، روي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لما حجب الكفرة عن رؤيته دل على أن المؤمنين يرونه٤، وقد ثبت في السنة الصحيحة رؤية الله تعالى في يوم القيامة، فعن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته " فهذا بيان بليغ وتأكيد عجيب أكده بأن وبالفعل
_________________
(١) ١ الآية ٢٦ من سورة يونس. ٢ مسلم بشرح النووي ١/٣٩٣، برقم (٢٩٧) . ٣ سورة التطفيف الآية ١٥. ٤ انظر شرح العقيدة الطحاوية ١/٢١٢ ورواه البيهقي في مناقب الشافعي ١/٤١٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وَزِيَادَ المضارع المسبوق بالسين وبقوله: "كما ترون هذا القمر" مع إشارته إليه فليس بعد هذا البيان بيان، ولا مزيد على هذه التأكيدات، فمن حاول تأويل رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بعد ما سمع هذا البيان من رسول الله ﷺ فهو يجادل بالباطل ليدحض به الحق١.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: "أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه " ٢،. ولهذه الأدلة القوية أجمع الأمة على الإيمان برؤية الله تعالى في الجنة، واختلفوا في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء. وأنكرت بعض الفرق الضالة رؤية المؤمنين ربهم في الجنة. وفي مقدمتها الجهمية والمعتزلة، والخوارج، والإمامية، وأولت النصوص الدالة على الرؤية وتكلفت في التأويل.
قال الزمخشري في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: أي أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه٣.
_________________
(١) ١ انظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان ٢/١١-١٢، والحديث أخرجه البخاري ١٣/٤١٩، برقم (٧٤٣٤) . ٢ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٣٤، وانظر كذلك ١/٣٩٣- ٣٩٤، برقم (٢٩٩) . ٣ الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري ٤/ ١٦٥. ط دار المعرفة لبنان بيروت.
[ ١ / ٤٨٣ ]
ففسر الرؤية بالانتظار والتوقع، وهذا لا يسلم له، لأن النظر إذا تعدى بنفسه فمعناه التوقع، والانتظار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ١، وإن عدِّي بفي فمعناه: التفكر والاعتبار قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢، وإن عدي بإلى فمعناه: المعاينة بالأبصار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ ٣، فلا دليل له فيما ذهب إليه ٤.
هذا وقد أثبت الأشاعرة رؤية الله تعالى في الجنة لكنهم أنكروا لازمها حيث قالوا: إنه يُرى لا في جهة، وزعموا أن الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها مقابلة المرئي ولا كونه في جهة وحَيز ولا غير ذلك٥.
_________________
(١) ١ الآية ١٣ من سورة الحديد. ٢ الآية ١٨٥ من سورة الأعراف. ٣ الآية ٩٩ من سورة الأنعام. ٤ انظر: شرح كتاب التوحيد ص ١٦٣، وانظر الجنة والنار للأشقر، وشرح الطحاوية ص٢٠٣. ٥ انظر شرح جوهرة التوحيد للقّاني المسماة تحفة المريد للبيجوري ص١١٥، ط دار الكتب العلمية بيرون لبنان ١٤١٤هـ.
[ ١ / ٤٨٤ ]
إذا ثمت خلاف بين السلف والأشاعرة فالسلف الصالح حين أثبتوا الرؤية أثبتوا جهة العلو لله تعالى أيضا لأنها لازمة لها، والأشاعرة نفوها وذلك نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم. لذلك كانت المعتزلة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة كما سبق١.
_________________
(١) ١ انظر البيهقي وموقفه من الإلهيات ص٣١٦ لشيخنا الأستاذ الدكتور أحمد بن عطية الغامدي.
[ ١ / ٤٨٥ ]
الفصل السادس: الآثار الواردة عن عمر في الإيمان بالقدر
المبحث الأول: الآثار الواردة عن عمر في تقرير الإيمان بالقدر
الفصل السادس: الآثار الواردة عن عمر في الإيمان بالقدر.
إن الإيمان بالقدر ودراسته من الأمور الهامة في حياة المسلم، وذلك لكثرة ما فيها من الأمور التي تحتاج إلى تفحص وتبصر، ولوقوع الاختلاف الكثير بين الفرق المخالفة لمنهج السلف الصالح في العقيدة فيما بين تلك الفرق من جهة وفيما بينها وبين المتبعين لمنهج الحق منهج السلف من جهة أخرى. ولا شك أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانوا على الجادة فهم كما وصفهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: " إنهم هم السابقون فقد تكلموا فيه" ويعني في مسألة الإيمان بالقدر:" بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم" وقد بين عمر رحمه الله تعالى من خلال رسائله وخطبه وما كان يكتبه إلى عماله الطريق الحق في الإيمان بالقدر ورد على المنكرين لهذا الركن كله أو لبعض أجزائه مستندا في ذلك كله على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح ﵏. وهذا الفصل الذي نحن بصدد دراسته يعالج الأمور التي أثرت عنه في هذا الباب. وقبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع من المستحسن تعريف القدر لغة واصطلاحا وإيضاح العلاقة بينه وبين القضاء.
[ ١ / ٤٨٩ ]
تعريف القدر لغة واصطلاحا
تعريف القدر لغة:
القدر: محركة: القضاء والحكم، ومبلغ الشيء والجمع أقدار. ويطلق ويراد به الغنى واليسار والقوة.
وإذا وافق الشيء الشيءَ قلت: جاءت قدره، وقدره مماثله.
ويقال: ما له عنده قدْر ولا قدر أي حرمة ووقار١.
والقدر بالفتح لا غير القضاء الذي يقدره الله، وإذا وافق الشيء الشيء قيل جاء على قدر بالفتح٢.
وقال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلا والقول نقلا وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق العلم والإرادة والقول، وقدر الله الشيء بالتشديد قضاه٣.
_________________
(١) ١ انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي ص٥٩٠- ٥٩١، ولسان العرب ١١/٥٥- ٥٦. ٢ المصباح المنير ص١٨٧- ١٨٨. ٣ البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧.
[ ١ / ٤٩٠ ]
هذه هي أهم معاني القدر في اللغة وهناك معان أخرى جانبية تعرضت لها كتب اللغة١، يرجع إليها من يريد الاستزادة.
وإذا كان ما سبق ذكره هو أهم معاني القدر ومنها القضاء، فهل القضاء والقدر في اللغة مترادفان؟
الصحيح أنهما مترابطان فكل منهما قد يأتي بمعنى الآخر في الجملة.
فالقضاء يرجع معناه إلى إحكام الأمر، وإتقانه، وإنفاذه، ومن معانيه الأمر، والحكم، والإعلام، والقدر ترجع معانيه إلى التقدير - والله ﷾ - قد ر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها، وشاءها، وخلقها، وهي مقضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها وهذا هو الترابط بين هاتين الكلمتين في اللغة. يبقى أن نشير إلى أننا كثيرا ما نقرأ ونسمع الإيمان بالقضاء والقدر، مع أننا لا نجد أثرًا لورود اللفظين في الكتاب والسنة مجتمعين، ولا في كلام الصحابة ويبدو أنهما ظهرتا عند ظهور الفرق التي تنكر القدر، ولعل الترابط بينهما الذي ذكرناه آنفا هو السبب في تلازمهما
_________________
(١) ١ انظر: القضاء والقدر في الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه /٢٧ -٢٩ وانظر في كتب اللغة مثلا: في مادة قدر الصحاح للجوهري ٢/٧٨٦، وما بعدها ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/٦٢- ٦٣، ولسان العرب ٥/٧٤ وما بعدها، وتاج العروس ٣/٤٨١ وما بعدها.
[ ١ / ٤٩١ ]
وصدورهما من كلامهم، وكل ما ذكر في اللغة فهو وثيق الصلة بتعريفهما في الاصطلاح.
تعريف القدر في الاصطلاح:
عرف العلماء القدر بعدة تعريفات كلها تدور حول مراتب القدر الأربعة التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى فعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بأنها:
١- "تقدير الله تعالى الأشياء في القدم وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة وكتابته - سبحانه - لذلك ومشيئته له ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقها لها"١.
٢- وعرفها الشيخ ابن عثيمين بأنها: "تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته"٢.
٣- وعرفها العلامة السفاريني بقوله: هو:"ما سبق به العلم وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد وإنه - ﷿ - قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله - ص١٦٢- ١٦٩ وشفاء العليل لابن القيم ص٦٣. ٢ رسائل في العقيدة للشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - ص٣٧.
[ ١ / ٤٩٢ ]
الأزل وعلم - ﷾ - أنها ستقع في أوقات معلومة عنده - تعالى - وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها١.
٤- وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بأن قال: "القدر هو أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته٢.
وإذا جمعت هذه التعريفات كلها يمكن دمج بعضها في بعض لتصبح دالة على تعريف القدر شرعا:
٥- فالقدر شرعا: "تقدير الله للكائنات بأعيانها وأزمانها وخصائصها حسبما سبق به علمه وجرى به قلمه واقتضتها إرادته وحكمته ثم إيجادها حسبما جرى به القلم.
فهذا التعريف الأخير مختصر شامل لمراتب القدر بينما التعريفات السابقة بعضها دقيق ولكنه طويل وبعضها لا يشمل مراتب القدر الأربعة إما بنقص مرتبة الكتابة أو الخلق.
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/٣٤٨. ٢ البخاري مع الفتح ١/١١٨.
[ ١ / ٤٩٣ ]
الفرق بين القضاء والقدر في الاصطلاح:
قيل "المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات﴾ ١، أي خلقهن فالقضاء والقدر أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس، وهو القدر والآخر بمنزلة البناء، وهو القضاء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه٢.
وقيل: إن القضاء هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق.
قال الحافظ ابن حجر: "وقالوا - أي العلماء -: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله٣.
وقيل: إذا اجتمعا افترقا بحيث يصبح لكل واحد منهما مدلول بحسب ما مر في القولين السابقين. وإذا افترقا اجتمعا، بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر٤. قياسا على ما جاء في التفريق بين الإيمان والإسلام والفقير والمسكين، ونحو ذلك ولعل هذا التعريف توفيق بين من يرى
_________________
(١) ١ الآية ١٢ من سورة فصلت. ٢ النهاية لابن الأثير ٤/٧٨. ٣ البخاري مع الفتح ١١/٤٨٦. ٤ انظر الدرر السنية ١/٥١٢، وانظر القضاء والقدر لمحمد بن إبراهيم الحمد ص٢٩.
[ ١ / ٤٩٤ ]
التفرقة بين القضاء والقدر وبين من لا يرى ذلك. والذي يظهر أنه ليس هناك فرق واضح بين القضاء والقدر خصوصا إذا لاحظنا أن لفظتا القضاء والقدر لم ترد مجتمعة في الكتاب والسنة فيحتمل أنها من المترادفات عند من يطلقها جميعا١.
_________________
(١) ١ انظر القضاء والقدر نشأتها عند الفلاسفة والمتكلمين ص ١٠٣ -١٠٥.
[ ١ / ٤٩٥ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيزفي تقرير الإيمان بالقدر
١٥٨/١- قال أبو داود١ رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن كثير قال ثنا سفيان، قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر. ح.
_________________
(١) ١ أبو داود صاحب السنن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني ثقة حافظ مصنف. تقريب ص٢٥٠، ومحمد بن كثير العبدي أبو عبد الله البصري صدوق. انظر الجرح والتعديل ٨/٧٠. وسفيان هو سفيان بن سعيد الثوري ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة مات سنة٦١. تقريب ٢٤٤، والربيع بن سليمان المؤذن ثقة مات سنة ٧٠ هـ. تقريب ص٢٠٦. وأسد بن موسى بن إبراهيم الأموي صدوق يغرب مات سنة ١٢.تقريب ص١٠٤. وحماد بن دُلَيْل مصغر أبو زيد صدوق تقريب ص١٧٨. والنضر هو النضر بن عربي أبو عمر ويقال أبو روح العامري مديني روى عن عمر ابن عبد العزيز وثقه يحيى بن معين، وغيره. انظر الجرح والتعديل ٨/٤٧٥. وقبيصة هو ابن عقبة الكوفي صدوق جليل قال الذهبي: كان هناد إذا ذكر قبيصة بكى وقال الرجل الصالح. انظر ميزان الاعتدال ٣/٣٨٣- ٣٨٤. وأبو رجاء هو الهروى عبد الله بن واقد الحنفي ثقة. انظر تقريب التهذيب ص٣٢٨. وأبو الصلت شيخ لأبي رجاء وهو شهاب خراش الشيباني صدوق يخطئ. انظر التهذيب ص٢٦٩.
[ ١ / ٤٩٦ ]
وثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد ابن دليل، قال: سمعت سفيان الثوري يحدث عن النضر. ح.
وحدثنا هناد بن السري، عن قبيصة، قال: ثنا أبو رجاء، عن أبي الصلت، وهذا لفظ حديث ابن كثير ومعناهم، قال كتب رجل إلى عمر ابن عبد العزيز يسأله عن القدر. فكتب أما بعد: كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير بإذن الله وقعت، ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا، ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم، وفي شعرهم، يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينا وتسليما لربهم، وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء، لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه ومنه تعلموه، ولئن قلتم لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر وكتب
[ ١ / ٤٩٧ ]
الشقاوة وما يقدر يكن، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا١.
١٥٩/٢- ابن الجوزي قال: وهذه رسالة مروية عن عمر بن عبد العزيز في الأول، وجدت أكثر كلماتها لم تضبطها النقلة على الصحة، فانتقيت منها كلمات صالحة: أخبرنا سليمان بن نفيع القرشي٢، عن خلف أبي الفضل٣،القرشي عن كتاَّب٤ عمر بن عبد العزيز إلى نفر كتبوا بالتكذيب بالقدر:
أما بعد: فقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون: "الاعتصام بالسنة نجاة، وسينقص العلم نقصا سريعا٥، ومنه قول عمر بن الخطاب وهو
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٤/٢٠٢- ٢٠٣ وصحيح سنن أبي داود ٣/٨٧٣، والشريعة للآجري ١/٤٤٤- ٤٤٥، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣١- ٢٣٢- ٢٣٣، والبيهقي في القضاء والقدر ل ق ٨٩/ب وصحح هذا الأثر الشيخ ناصر الدين الألباني في صحيح سنن أبي داود. وسيأتي برقم ١٦٠، ١٧٠، ٢٢٤، ٢٣٨، و٣٠٩. ٢ سليمان بن نفيع القرشي لم أجده، وعند أبي نعيم: "سليم". ٣ خلف أبي الفضل القرشي قال الذهبي "عنه": سليم بن نفيع" انظر المقتنى في سرد الكنى للذهبي ٢/١٤. ٤ من كتاب عمر ليث بن أبي رقية. ٥ الأثر ذكره اللالكائي بسنده عن الزهري مع بعض الاختلاف في اللفظ. انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/١٠٦، رقم الأثر ١٣٦، و١٣٧ منه.
[ ١ / ٤٩٨ ]
يعظ: "إنه لا عذر لأحد عَبَدَ الله بعد البينة، بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة. فقد تبينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر١، فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب، تقطعت من يده أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى، وبلغكم أني أقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون، فأنكرتم ذلك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ٣، وزعمتم في قول الله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٤، أن المشيئة في أي ذلك أحببتم فعلتم من ضلال أو هدى؟ والله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥، فبمشيئته شاءوا.
_________________
(١) ١ ذكر هذا الأثر الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه عن الأوزاعي عن عمر ﵁. انظر الفقيه والمتفقه ١/١٤٨. ٢ الآية ١٥ من سورة الدخان. ٣ الآية ٢٨ من سورة الأنعام. ٤ الآية ٢٩ من سورة الكهف. ٥ الآية ٢٩ من سورة التكوير.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وقد حرصت الرسل على هدي الناس جميعا، فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، وحرص إبليس على ضلالتهم جميعا، فما ضل منهم إلا من كان في علم الله ضالا.
وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون الله، وحجزتموها عن المعصية بغير قوة من الله. ومن زعم ذلك منكم، فقد غلا في القول، لأنه لو كان شيء لم يسبق في علم الله وقدره، لكان لله في ملكه شريك تنفذ مشيئته في الخلق دون الله، والله يقول: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ١. وسميتم نفاذ الله٢ في الخلق حيفا، وقد جاء الخبر أن الله ﷿، خلق آدم، فنثر ذريته بين يديه، فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون"٣،٤.
_________________
(١) ١ الآية ٧ من سورة الحجرات، وذكر السيوطي في الإكليل في استنباط التنزيل أن ابن أبي حاتم ذكر هذه الآية بسنده إلى عمر بن عبد العزيز أنه احتج بها في الرد على القدرية. الإكليل ص٢٤١ ط. دار الكتب العلمية ط الثانية عام ١٤٠٥هـ. ولم أجده في تفسير ابن أبي حاتم المطبوع الآن. ٢ عند أبي نعيم "فسميتم نفاذ علم الله في الخلق حيفا " انظر الحلية ٥/٣٥٠. ٣ الخبر رواه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/٤٢٣. ٤ ابن الجوزي سيرة عمر ص٨٨-٨٩، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٦-٣٥٣.
[ ١ / ٥٠٠ ]
التعليق:
إن المأثور عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في رسالتيه السابقتين يبين اهتمامه وتقريره كل ما يبين الإيمان بالقدر الذي هو الركن السادس من أركان الإيمان. كما جاء ذلك في حديث جبريل ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن أبيه عمر ﵄ قال: بينما نحن عند رسول الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ وقال يا محمد أخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ١، قال الحافظ ابن حجر: وإنما أعاد اللفظ وتؤمن عند ذكره القدر ولم يعده في الأركان الخمسة التي سبقته إشارة إلى ما سيقع فيه من الاختلاف فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة "تؤمن" ثم قرره بالإبدال بقوله: خيره وشره، حلوه ومره، ثم زاده تأكيدا بقوله في الرواية الأخيرة "من الله"٢.
وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/١٣١. ٢ البخاري مع الفتح ١/١١٨.
[ ١ / ٥٠١ ]
وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١، قال: النووي رحمه الله تعالى: وفي هذه الآية الكريمة والحديث تصريح بإثبات القدر، وأنه عام في كل شيء فكل ذلك مقدر في الأزل معلوم لله مراد له٢.
والأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على وجوب الإيمان بالقدر كثيرة جدا. منها: قوله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٣، قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: "يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها"٤.
وقال ﷿: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٥، أي كل شيء بقضاء وقدر٦.
_________________
(١) ١ الآيتان ٤٨-٤٩ من سورة القمر. والحديث رواه مسلم ٦/١٥٦ برقم (٢٦٥٦) . ٢ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٦/١٥٦. ٣ الآية ٤٩ من سورة القمر. ٤ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/٢٦٧، ط. مكتبة التراث القاهرة. ٥ الآية ٣٨ من سورة الأحزاب. ٦ تفسير الرازي ٢٥/٢١٣، ط. دار الفكر بيروت عام ١٤١٠هـ.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وقال جل شأنه: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ ١، أي جعلنا الماء في مقر يتمكن فيه وهو الرحم، مؤجلا إلى قدر معلوم قد علمه الله ﷾ وحكم به فقدرنا على ذلك فنعم القادرون نحن، أو فقدرنا ذلك تقديرا فنعم المقدرون له نحن على قراءتين، والقراءة الثانية قدَّرنا بالتشديد، توافق قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ٢.
فهذه الآيات تفيد الإخبار عن قدر الله الشامل لكل شيء، وأخبار القرآن مقطوع بها٣.
ومن النصوص في السنة على وجوب الإيمان بالقدر ما تقدم من حديث جبريل وحديث أبي هريرة وكذلك قوله ﷺ في حديث جابر بن
_________________
(١) ١ الآية ٢١-٢٢ من سورة المرسلات. ٢ الآية ١٩ من سورة عبس. ٣ انظر: تفسير القرآن الجليل للنسفي ٥/٣٠٨، المكتبة الأموية - دمشق مكتبة الغزالي - حماة -مؤسسة الرسالة. وانظر أيضا فتح البيان ١٠/١٩٠-١٩١، وانظر بالنسبة للقراءات وتوجيهها في الآية حجة القراءة لأبي زرعة عبد الرحمن بن زنجله ص٧٤٣-٧٤٤، تحقيق وتعليق سعيد الأفغاني ط. الثانية عام ١٣٩٩هـ. وانظر القضاء والقدر في الكتاب والسنة ص٤٠.
[ ١ / ٥٠٣ ]
عبد الله ﵄: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه"١. وحديث علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع ويؤمن بالقدر"٢.
وحديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر"٣.
فدلت هذه الأحاديث على وجوب الإيمان بالقدر في الجملة وحذرت من لم يؤمن به بالدخول في النار ويمثل ما أثر عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في الرسالتين السابقتين منهج السلف الصالح في الإيمان بالقدر، فالرسالة الأولى التي كتبها إلى عامله تبين أن الإيمان بالقدر ثابت نقلا وعقلا وفطرة. فهو ثابت بكتاب الله تعالى فالصحابة استنبطوا الإيمان به
_________________
(١) ١ رواه الترمذي برقم ٢١٤٤، وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن ميمون وهو منكر الحديث وقد صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٢٧. ٢ رواه الترمذى٤ /٣٩٣ وذكر له طرقا وابن ماجة ١/٣٢، وصححه الألباني. في صحيح سنن ابن ماجة ١ /٢١. ٣ رواه الإمام أحمد ٦/ ٤٤١، وقال الهيثمي وفيه سليمان بن عتبة الدمشقي وثقه أبو حاتم وضعفه ابن معين مجمع الزوائد ٧ /٢٠٣ وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ٦٧٥.
[ ١ / ٥٠٤ ]
وفهموا أركانه وتعلموها من القرآن. وقد ذكره الرسول ﷺ في غير حديث ولا حديثين كما بينا ذلك آنفا. قال عمر: "وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه ومنه تعلموه " والإقرار بالقدر ثابت بالسنة والفطر السليمة، وإجماع الصحابة بل إنكار القدر من أبين البدع الحادثة. وفي إيضاح ذلك يقول عمر: "ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر. لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينا وتسليما " فهذا الأثر يصلح أن يكون قاعدة وأساسا في باب القدر لاشتماله على جل مباحث القدر مع وجازته وبلاغته وهو دليل على ما أعطاه الله تعالى لعمر بن عبد العزيز من الحكمة والبيان والفهم في الدين، وكما دل هذا الأثر على الإيمان بالقدر في الجملة فقد دل أيضا على الإيمان بأركان القدر الأربعة التي لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها كلها.
[ ١ / ٥٠٥ ]
أما رسالته الثانية التي رواها ابن الجوزي بسنده عن كتاب عمر بن عبد العزيز ورواها بكاملها أبو نعيم في الحلية١، فهي واضحة جلية تدل على الإيمان بالقدر وموقف عمر ﵀ من القدرية وجهوده في تقرير الإيمان بالقدر ومنهجه في الرد على القدرية حيث ذكر أقوالهم قولا قولا ثم عقب على كل قول بالرد مع الاعتماد في الرد على النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف. وقد بين رحمه الله تعالى خطورة قول القدرية وضمن ردوده عليهم أعنف العبارات، وكشف مقصد القدرية في مقالاتهم السيئة، وبين لهم ضلالهم في فهم النصوص من الكتاب والسنة، وفي مسائل الهداية والضلالة، وعلم الله السابق لخلقه والمشيئة والإرادة، وأفعال العباد. كما بين مسألة الآجال والأرزاق مبينا قول أهل السنة في ذلك. وسيأتي مزيد بيان لهذه الرسالة في ردوده على القدرية.
وتبين مما أثر عن عمر أن الإيمان بالقدر مما اتفقت الفطر السليمة على الإقرار به، فالعرب في الجاهلية قبل الإسلام مع كونهم يعبدون الأصنام وجد منهم من كان مؤمنا بالقدر، واستفاض ذلك فكانوا يتكلمون به نظما ونثرا. ولما جاء الإسلام أقره فإقرار الإسلام له، دليل على أنه من بعض العقائد السليمة التي بقيت في الجاهلية مثل الاعتراف بتوحيد
_________________
(١) ١ انظر الحلية ٥/٣٤٦- ٣٥٣، وانظر ابن الجوزي سيرة عمر ص٨٨- ٨٩.
[ ١ / ٥٠٦ ]
الربوبية، وفي معرض هذا يقول عمر: لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم ١.
_________________
(١) ١ ذكر اللالكائي رحمه الله تعالى عددا من النثر والنظم من كلام عرب الجاهلية في الإقرار بالقدر فمن النثر الذي ذكره بسنده عن الأصمعي قال: سئل أعرابي عن القدر قال: ذاك علم اختصمت فيه الظنون وغلا فيه المختصمون فالواجب أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه. انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٦٦. ومن النظم من أشعار الجاهلية، قوله: تجرى المقادير على غرز الإبر فما تنفذ الإبرة إلا بقدر وقوله: إن الشقاء على الأشقين مكتوب وقال لبيد: إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل أحمد الله فلا ند له بيديه الخير ما شاء فعل وقال أمية بن أبي الصلت: خلق الليل والنهار فكل مستبين حسابه مقدور وقال غيره: هي المقادير فلمنى أو فذر إن كنت أخطأت فما اخطأ القدر.
[ ١ / ٥٠٧ ]
والإيمان بالقدر مبني على أركان أربعة، دل عليها الكتاب والسنة والمأثور من أقوال السلف الصالح. وقد بينها عمر بن عبد العزيز فيما أثر عنه في المبحث التالي
[ ١ / ٥٠٨ ]
المبحث الثاني: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في بيان مراتب القدر
١٦٠/١- قال أبو داود١: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سفيان، قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر. ح.
وثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد ابن دليل، قال: سمعت سفيان الثوري يحدث عن النضر. ح.
وثنا هناد بن السري عن قبيصة، قال: ثنا أبو رجاء، عن أبي الصلت - وهذا لفظ ابن كثير ومعناهم، قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب أما بعد:
كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير بإذن الله وقعت، ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر. لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة. ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين. وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته يقينا، وتسليما، لربهم وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه ولم
_________________
(١) ١ الأثر مكرر انظر رقم ١٥٨/١.والسبب في تكراره دلالته على تقرير الإيمان بالقدر وبيان مراتبه وتصحيح الأئمة لسنده.
[ ١ / ٥٠٩ ]
يحصه كتابه ولم يمض فيه قدره وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه ومنه تعلموه ولئن قلتم لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا، لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر وكتب الشقاوة وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا١.
١٦١/٢- وذكر الآجرى قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الهيثم بن عمران، قال سمعت عمرو بن مهاجر قال: أقبل غيلان وهو مولى لآل عثمان، وصالح بن سويد إلى عمر بن عبد العزيز فبلغه أنهما ينطقان بالقدر فدعاهما، فقال: أعلم الله نافذ في عباده أم منتقض؟ قالا: بل نافذ ياأمير المؤمنين. قال: ففيم الكلام، فخرجا فلما كان عند مرضه بلغه أنهما قد أسرفا فأرسل إليهما وهو مغضب فقال: ألم يك في سابق علمه حين أمر إبليس بالسجود: أنه لا يسجد؟ قال عمرو فأشرت إليهما برأسي قولا: نعم. فقالا: نعم. فأمر بإخراجهما
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٤/٢٠٢-٢٠٣، والإبانة لابن بطة ٢/٢٣١-٢٣٢-٢٣٣ من الكتاب الثاني والآجري في الشريعة ١/٤٤٤-٤٤٥، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٨-٣٣٩، ذكر ﵀ أول الرسالة ولم يذكر آخرها.
[ ١ / ٥١٠ ]
وبالكتاب إلى الأجناد بخلاف ما قالا فمات عمر ﵁ قبل أن ينفذ تلك الكتب١.
١٦٢/٣- الآجري أيضا قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن حسن الحراني: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي الوليد قال: خرج عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة فخطب كما كان يخطب ثم قال: أيها الناس من عمل منكم خيرا فليحمد الله تعالى، ومن أساء فليستغفر الله ثم إن عاد فليستغفر الله، فإنه لا بد لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم٢.
١٦٣/٤- الآجري قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عمرو بن ذر، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: "لو أراد الله ﷿ أن لا يعصى ما
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/٤٤٣، والفريابى في القدر ورقة ب/٥٦. وقال محقق كتاب الشريعة رجاله ثقات غير الهيثم بن عمران الدمشقي: ترجم له ابن أبي حاتم برواية ثلاثة من الثقات ولم يذكر فيها جرحا ولا تعديلا. الجرح والتعديل ٩/٨٢، وقد وثقه ابن حبان في الثقات ٧/٥٧٧. وسيأتي برقم ٢٩٧. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٤١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٦، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٧، وقال محقق كتاب الشريعة إسناده محتمل للتقوية وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٨/٢٤٠ وفيه عمر بن أبي الوليد بدل عبد الله بن الوليد، وابن عساكر ١/٣٢، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٦، وسيأتي رقم ٣٠٦.
[ ١ / ٥١١ ]
خلق إبليس، وقد فسر ذلك في آية من كتاب الله ﷿ عقلها من عقلها، وجهلها من جهلها: ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١،٢. وزاد في الإبانة لابن بطة: بمضلين إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم"٣.
١٦٤/٦-الفريابي قال: حدثنا جعفر، ثنا عبد الله عمر القواريري، ثنا بشر بن المفضل، عن سليمان التيمي، قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن القدر فقال: ما طار ذباب بين السماء والأرض إلا بقدر، قال: ثم قال للرجل لا تعد تسأل عن القدر٤.
_________________
(١) ١ الآية ١٦١-١٦٢ من سورة الصافات. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٢١، والفريابى في القدر ورقة ب/٥٤، وابن بطة في الإبانة ١/٢٧٢، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٥٥٣، والبغوي في شرح السنة ١/١٤٤، وقال محقق كتاب الشريعة: الأثر صحيح. الشريعة ١/٤٤٣، وسيأتي برقم ٢٨٨، ٢٨٩. ٣ ابن بطة في الإبانة ٢/٦٦. ٤ الفريابى في القدر ورقة ب/٥٦، والآجرى في الشريعة ١/٤٤٢، ٤٤٣، بلفظ مقارب وقال محقق كتاب الشريعة: أثر التيمي عن عمر بن عبد العزيز صحيح رجاله ثقات، ورواه اللالكائي بمعناه رقم (١٢٤٧) وقال الشيخ مقبل هذا الأثر صحيح ١/٤٤٢، وسيأتي برقم ١٦٩.
[ ١ / ٥١٢ ]
١٦٥/٧- الفريابي أيضا: قال حدثنا جعفر، نا هشام بن عمار، ثنا معاوية بن يحيى، ثنا عمرو بن مهاجر، قال استأذن غيلان على عمر بن عبد العزيز فأذن له فقال ويحك يا غيلان ما الذي بلغني عنك أنك تقول، قال: إنما أقول بقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ إلى قوله: ﴿ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ١، فقال عمر: أتم السورة ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢، أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٣، فقال غيلان: ياأمير المؤمنين لقد جئتك جاهلا فعلمتني وأعمى فبصرتني، وضالا فهديتني، فقال: اخرج فلا يبلغني أنك تتكلم في شيء من هذا٤.
_________________
(١) ١ الآية ١-٣ من سورة الإنسان. ٢ الآية ٣٠ من سورة الإنسان. ٣ الآية ٣٠ -٣٣ من سورة البقرة. ٤ الفريابى في القدر ورقة ب/٥٦، الجامعة الإسلامية مخطوطة رقم ٢٥٧٠، وفي التنبيه والرد للملطى زيادة تفسير لهذا الأثر فبعد ما انتهى غيلان من قراءة ما يستدل به قال له عمر: ويحك من ها هنا تأخذ الأمر وتدع به خلق آدم ﵇ ثم قرأ عليه الآيات ٣-٣٣ من سورة البقرة. انظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٧٨. وسيأتي برقم ١٧١، ١٧٤، ٢٩٣،.
[ ١ / ٥١٣ ]
١٦٦/٨- عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة أما بعد: فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان كان من الخطايا التي قدر الله عليك وقدر أن تبتلى بها١.
١٦٧/٩- اللالكائي قال: أخبرنا الحسن بن عثمان قال: أخبرنا أحمد ابن حمدان، قال: ثنا بشر بن موسى، قال: ثنا معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابا فكان فيما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع ما شاء من هدى أو ضلالة٢.
_________________
(١) ١ عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٢ وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٧، واللالكائي ٢/٧٥٣، وعبد الرزاق هوا بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ مصنف شهير. انظر تقريب التهذيب ص٣٥٤. ومعمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت فاضل مات سنة ٥٤. تقريب التهذيب ص٥٤١، وسيأتي برقم ٣٠٥. ٢ اللا لكائى شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٥٢. والفريابى في القدر ورقة ب/٦٦، والمطبوع ص٢٢٧. قال محقق الكتاب: تابعه اللالكائي برقم ١٢٤٦.
[ ١ / ٥١٤ ]
١٦٨/١٠- الدارمي قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن زيد بن رفيع الجزري، عن عمر بن عبد العزيز قال: من أقر بالعلم فقد خصم١.
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى تدل بمجموعها على الإيمان بالقدر، كما تدل على الإيمان بمراتب القدر الأربعة التي اتفق السلف الصالح رحمهم الله تعالى ومن سار على نهجهم على أنه لا يتم الإيمان بالقدر، إلا بالإيمان بها كلها. وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. وكانت القدرية الموجودون في زمن عمر بن عبد العزيز ينكرون العلم والكتابة، وهؤلاء هم الذين تبرأ منهم ابن عمر بقوله: " إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني" وكانوا يقولون: إن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى فعلوا ذلك. فعلمه بعدما فعلوه، ولهذا قالوا: الأمر أنف أي مستأنف٢، وكلام عمر في هذه الآثار التي في هذا المبحث
_________________
(١) ١ الدارمي الرد على الجهمية ص١١٩. وفي الأثر زيد بن رفيع، فيه ضعف. انظر لسان الميزان لابن حجر ٢/٥٠٦. ٢ انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٥٣، والقدر للفريابي لوحة ٥٤والإبانة لابن بطة ١/٢٧٢، والشريعة للآجري ١/٤٤٣.
[ ١ / ٥١٥ ]
واضح كل الوضوح في الرد على هؤلاء القدرية وجلي في إثبات المراتب التي يبنى عليها الإيمان بالقدر.
فأول المراتب هو:
١- مرتبة العلم: والمقصود أن الله ﵎ قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون قبل أن يخلقهم، بعلمه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته، وأنه يعلم أهل الجنة، وأهل النار١. وهذا هو القول الذي دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر الإيمان لابن تيمية ص٣٦٤، وانظر رسالة عمر في الحلية ٥/٣٤٦-٣٥٣ فقد ذكر ذلك بالحرف الواحد. ٢ الآية ٥ من سورة الطلاق. ٣ الآية ٢٢ من سور الحشر. ٤ الآية ٩٨ من سورة طه.
[ ١ / ٥١٦ ]
قال مجيبا الملائكة بعد إخبارهم أنه جاعل في الأرض خليفة واستفهامهم قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، ومن السنة قوله ﷺ لرجل سأله بقوله يارسول الله أعلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال ﷺ: "نعم"، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كل ميسر لما خلق له"٢.
ن ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"٣.
فنصوص الكتاب العزيز والسنة الصحيحة متضافرة على إثبات علم الله تعالى المحيط بكل شيء ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤، وقد كانت القدرية الأولى الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة وامتد بقاؤهم إلى زمن خلافة عمر بن عبد العزيز ينكرون هذه المرتبة كما مر في محاورة عمر لغيلان عن العلم. وكان السلف يكفرون من ينكر هذه المرتبة إذا
_________________
(١) ١ الآية ٣٠ من سورة البقرة. ٢ مسلم برقم ٢٦٤٩، ٦/١٥١، والبخاري بلفظ: أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ انظر البخاري مع الفتح ١١/٤٩١، برقم (٦٥٩٦) . ٣ متفق عليه، البخاري مع الفتح ١١/٤٩٣، برقم (٦٥٩٧) ومسلم ٦/١٦٠-١٦١برقم (٢٦٥٩) ٤ الآية ١٤ من سورة الملك.
[ ١ / ٥١٧ ]
أقيمت عليه الحجة. وقد انقرضت هذه الجماعة التي تنكر علم الله السابق كما ذكر ذلك النووي رحمه الله تعالى ١ ثم تبنت المعتزلة آراء القدرية ولكنهم لم ينكروا ما كان ينكره متقدموهم في رد علم الله السابق بأفعال خلقه حتى تكون منهم. ومع ذلك وافقوهم واعتقدوا أن العباد خالقون لأفعالهم، والآثار المروية عن عمر هنا ترد على القدرية الأولى وعلى المعتزلة. وذلك بإثبات ما جاء في القرآن والسنة من أن العباد لهم مشيئة وإرادة وأن الله خالقهم وخالق أفعالهم وعالم بهم لا تخفى عليه منهم خافية.
والمرتبة الثانية هي:
٢- مرتبة الكتابة: وهي الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء وقد بين عمر ذلك في رسائله وخطبه ففي رسالته إلى عامله يقول: وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينا وتسليما لربهم وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه. ولم يحصه كتابه ٢.
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ١/١٢٩. ٢ انظر سنن أبي داود ٤/٢٠٢-٢٠٣.
[ ١ / ٥١٨ ]
وخطب في يوم جمعة فقال: أيها الناس من عمل منكم خيرا فليحمد الله تعالى ومن أساء فليستغفر الله. ثم إن عاد فليستغفر الله فإنه لا بد لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم١. وخطب يوما فقال في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قرار، دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن٢. وهذا المأثور عن عمر من كتابة الله مقادير الخلائق قبل خلقهم وإحصائه كل ذلك وعلمه جزئيات كل شيء هو ما دل عليه الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٣، وقال ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ٤، وقال رب العزة والجلال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر الشريعة ص٢١٢- ٢١٣. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٤. ٣ الآية ١٢ من سورة يس. ٤ الآية ٢٢ من سورة الحديد. ٥ الآية ٥٨ من سورة الإسراء.
[ ١ / ٥١٩ ]
وقد أجمع أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب كما دلت على ذلك هذه الآيات فأفعاله تعالى وأقواله مكتوبة في اللوح المحفوظ. والآيات فيها رد على القدرية النفاة فإن الله قد علم الأشياء قبل كونها وكتبها في اللوح المحفوظ قبل إيجادها ثم أوجدها على طبق ما كتب.
ومن السنة: قوله ﷺ: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء"١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قلت يارسول الله: إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر"٢.
وقوله ﷺ: "ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وقد كتبت شقية أو سعيدة "٣.
هذه الكتابة في الجملة وإذا خلق الجنين في بطن أمه ونفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله،
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٦/١٥٥، برقم (٢٦٥٣) . ٢ رواه البخاري، البخاري مع الفتح ٩/١١٧، برقم (٥٠٧٦) . ٣ البخاري مع الفتح ٣/٢٢٥، برقم (١٣٦٢)، ومسلم ٦/١٤٩، برقم (٢٦٤٧) .
[ ١ / ٥٢٠ ]
وعمله، وشقي أم سعيد. وقد أشار عمر ﵀ إلى هذا التفصيل في رسالته إلى عامله حيث قال فيها: وكتب الشقاوة ومايقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ١. وهذا الذي أشار إليه عمر هو مضمون حديث رسول الله ﷺ فقد روى البخاري عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق- قال: "إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع: برزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. فوالله إن أحدكم أو الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"٢.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وحكى ابن التين أن عمر بن عبد العزيز لما سمع هذا الحديث أنكره وقال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره الطاعة ثم لا يدخل الجنة انتهى. ثم قال: وتوقف شيخنا ابن الملقن في صحة ذلك عن عمر. وظهر لي أنه إن ثبت عنه حمل على أن راويه حذف منه
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٤/٢٠٢- ٢٠٣. ٢ البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧، رقم (٦٥٩٤)، ومسلم بشرح النووي ٦/١٤٥، برقم (٢٦٤٣) .
[ ١ / ٥٢١ ]
قوله في آخره"فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها "١. أو أكمل الراوي ولكن استبعد عمر وقوعه وإن كان جائزا ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة٢.
وابن التين والحافظ ابن حجر لم يبينا السند عن عمر حتى نحكم عليه بصحة أو ضعف ولم أجد في كلام عمر ﵀ ما يدل على ذلك بعد البحث الطويل، بل المروي عنه رحمه الله تعالى يخالف ذلك، فقد ثبت عنه رحمه الله تعالى قوله: وكتب الشقاوة وما يقدر يكن وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا"٣. فالقائل بأن الشقاوة مكتوبة على العبد لا يعقل أن ينكر أن الشقي قد يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب بشقاوته فيعمل بعمل أهل النار كما أن عمر رحمه الله تعالى كان ينهى نهيا شديدا عن معارضة السنن برأي أو تأويل باطل فقد قال في رسالته ولئن قلتم لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا؟ ثم أجاب: لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم " وأجاب من سأله عن الأهواء عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سوى ذلك" وبين في رسالته التي
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧، ومسلم بشرح النووي ٦/١٤٥. ٢ البخاري مع الفتح ١١/٤٩١. ٣ سنن أبي داود ٤/٢٠٢-٢٠٣.
[ ١ / ٥٢٢ ]
كتبها إلى الذين كتبوا إليه بالتكذيب بالقدر أن الهداية والضلالة والخير الشر، بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء، فقال: هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلهم العذاب فآمنوا وقبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ - أي علم الله الذي قد خلا في خلقه - وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ١،وذلك كان موقعه عندهم أن يهلكوا بغير قبول، بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان، والخير، والشر، بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء في طغيانهم يعمهون"٢.
المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر.
٣- المشيئة: والمقصود بها: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حركة ولا سكون في السموات ولا في الأرض إلا بمشيئته ﷾ فلا يكون في ملكه إلا ما يريد، وقد حرص عمر رحمه الله تعالى
_________________
(١) ١ الآية ٨٤-٨٥ من سورة غافر. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٢.
[ ١ / ٥٢٣ ]
على توضيح هذه المرتبة والرد على من أنكرها كما سيأتي إن شاء الله تعالى - ففي رسالته إلى عامله يقول: وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن " وكان يقول: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس" وناظر غيلان وأفحمه حين بين له خطأه في الاحتجاج بأوائل الآيات من سورة الإنسان فطلب منه أن يقرأ آخر السورة وقال له: ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ .
وكتب إلى ابنه كتابا فكان مما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع ما شاء من هدي أو ضلالة" وهذا الذي أثر عن عمر رحمه الله تعالى هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١.
وقال ﷿: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ
_________________
(١) ١ الآية ٨٢ من سورة يس. ٢ الآية ٣٩ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٥٢٤ ]
كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١، فهذه الآيات تدل على مشيئة الله النافذة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما تدل على قدرته التامة، الشاملة بكل شيء.
ومن السنة قوله ﷺ: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء" ثم قال ﷺ: "يامصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك"٢.
وقال في شأن الجنين: "فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك"٣.
وفي قصة نومهم في الوادي قال ﷺ: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء"٤.
المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر:
٤- الخلق: والمقصود بها: أن الله تعالى هو خالق الخلق وخالق كل شيء فهو الذي خلق الكون وأوجده فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق، ولعمر بن عبد العزيز في تقرير هذه المرتبة أبلغ البيان فقد كتب
_________________
(١) ١ الآية ١١١ من سورة الأنعام. ٢ رواه مسلم ٦/١٥٥. برقم (٢٦٥٤) . ٣ رواه مسلم ٦/١٤٨ برقم ٢٦٤٥. ٤ البخاري مع الفتح. برقم (٥٩٥) ٢/٦٦.
[ ١ / ٥٢٥ ]
في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّك﴾ ١، قال: الذين لا يختلفون خلقهم الله ﷿ للرحمة٢. فهذه الآية تتضمن خلق العباد وأعمالهم.
وكتب إلى عدى بن أرطأة أما بعد: فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان من الخطايا التي قدر الله عليك وقدر أن تبتلى بها٣ وهذا الذي قرره عمر رحمه الله تعالى هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع العقلاء كلهم. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤، وقال ﷿: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وقال ﷺ مجيبا من سأله: أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به
_________________
(١) ١ الآية ١١٨- ١١٩ من سورة هود. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٤، والفريابى في القدر ورقة أ ١٥. ٣ عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٢. ٤ الآية ٦٢ من سورة الزمر. ٥ الآية ٩٦ من سورة الصافات.
[ ١ / ٥٢٦ ]
نبيهم؟ قال: بل شيء قضي عليهم ومضى. قال ففيم العمل؟ قال: "من خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها"١.
قال ابن القيم ﵀ في تقرير هذه المرتبة: وهذا أمر متفق عليه بين الرسل ﵈، وعليه اتفقت الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمة فأخرجت طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين - وهي أشرف ما في العالم - عن ربوبيته وتكوينه ومشيئته بل جعلوهم الخالقين لها ولا تعلق لها بمشيئته ولا تدخل تحت قدرته. وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا، والمصلي مصليا وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا يجعله تعالى٢.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧. ٢ انظر شفاء العليل ص١٠٩.
[ ١ / ٥٢٧ ]
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في النهي عن الخوض في القدر
١٦٩/١- الآجري قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا التيمي قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن القدر؟ فقال: ما جرى ذباب بين اثنين إلا بقدر ثم قال للسائل: لا تعودن تسألني عن مثل هذا١.
١٧٠/٢- وروى أبو داود وغيره بسنده عن عمر أنه كتب إلى عامله كتبت تسألني عن القدر فعلى الخبير بإذن الله سقطت، ما أحدث المسلمون محدثة ولا ابتدعوا بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من أمر القدر، ولقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم ويقولون به في أشعارهم يعزون به أنفسهم عن مصائبهم، ثم جاء الإسلام فلم يزده إلا شدة وقوة. ثم ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين ولا ثلاثة فسمعه المسلمون من رسول الله ﷺ فتكلموا فيه حياة
_________________
(١) ١ الآجرى في الشريعة ١/٤٤٢، والفريابى في القدر ورقة ب ٥٦، وأبو كامل الجحدري هو فضيل بن حسن ثقة حافظ. تقريب التهذيب ص٤٤٧، وبشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي ثقة ثبت عابد. تقريب التهذيب ص١٢٤. والأثر صححه محقق كتاب الشريعة ١/٤٤٢، والتيمي هو سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري ثقة عابد. تقريب ص٢٥٢.
[ ١ / ٥٢٨ ]
رسول الله ﷺ وبعد وفاته يقينا وتصديقا وتسليما لربهم، وتضعيفا لأنفسهم: إن يكون شيء لم يحط به علمه ولم يحصه كتابه ولم ينفذ فيه قدره. فلئن قلتم: قد قال الله ﷿ في كتابه كذا وكذا ولم أنزل الله ﷿ آية كذا وكذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم ثم قالوا بعد ذلك كله كتاب وقدر، وكتب الشقوة، وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا. ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا١.
١٧١/٣- الفريابي: حدثنا جعفر نا هشام بن عمار، ثنا معاوية بن يحيى، ثنا عمرو بن مهاجر، قال: استأذن غيلان على عمر بن عبد العزيز فأذن له فقال ويحك ياغيلان ما الذي بلغني عنك أنك تقول. قال إنما أقول بقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إلى قوله: ﴿ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٢، فقال عمر: أتم السورة ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣،أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي
_________________
(١) ١ الآجرى في الشريعة ص٢١١، واللفظ له وسنن أبي داود ٤/٢٠٢- ٢٠٣. ٢ الآية ١-٣ من سورة الإنسان. ٣ الآية ٣٠ من سورة الإنسان.
[ ١ / ٥٢٩ ]
جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ١، فقال غيلان ياأمير المؤمنين لقد جئتك جاهلا فعلمتني، وأعمى فبصرتني، وضالا فهديتني، فقال اخرج فلا يبلغني أنك تتكلم في شيء من هذا ٢.
١٧٢/٣- عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال عمر بن عبد العزيز: ويلهم - يعني القدرية- أما يقرأون هذه الآيات ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٣، ويلهم أما يقرأون وقرأ حتى بلغ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٤٥.
_________________
(١) ١ الآية ٣٠ -٣٣ من سورة البقرة. ٢ الفريابى في القدر ورقة ب ٥٦، والآجري في الشريعة ١/٤٣٨ بمعناه وقد حسن إسناده محقق كتاب الشريعة. ٣ الآية ١٦٢-١٦٣ الصافات. ٤ الآية ١٧١ - ١٧٣ من سورة الصافات. ٥ عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/٤١٤.
[ ١ / ٥٣٠ ]
١٧٣/٥- ابن سعد قال: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان، عن جعفر بن برقان، قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء فقال: الزم دين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سوى ذلك١.
١٧٤/٦- الفريابي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا التيمي، قال: سئل عمر بن عبد العزيز ﵀ عن القدر؟ فقال: ما طار ذباب بين السماء والأرض إلا بقدر. ثم قال: للرجل لا تعد تسأل عن القدر"٢.
١٧٥/٧- الآجري قال: وأخبرنا الفريابي، قال: نا عبيد الله بن معاذ، قال: نا أبي قال نا محمد بن عمرو الليثي أن الزهري حدثه، قال: دعا عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى غيلان فقال: ياغيلان بلغني أنك تتكلم في القدر. فقال ياأمير المؤمنين إنهم يكذبون علي؟ فقال: يا غيلان اقرأ أول يس فقرأ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى أتى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧٤ وصحح إسناد الأثر النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٢/١٩.وسيأتي برقم ٢٢٥، ٢٣٥، و٣٢٢. ٢ انظر الفريابي في القدر ص١٩٦-١٩٧، والآجري في الشريعة ١/٤٤٢، واللالكائي في السنة برقم ١٢٤٧، وقال محقق كتاب الشريعة الأثر صحيح.
[ ١ / ٥٣١ ]
أشهدك ياأمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول. فقال عمر: اللهم إن كان صادقا فثبته وإن كان كاذبا فاجعله آية للمؤمنين"١.
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث الذي نحن بصدد التعليق عليه تنهي عن الخوض في القدر. وقد وجه العلماء رحمهم الله تعالى الأحاديث الواردة في النهي عن الخوض في القدر مثل حديث: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا"٢. وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للصحابة لما تنازعوا في القدر: "عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه" ٣. بأن المنهي عنه إنما هو الخوض فيها بالباطل وعلى وجه التنازع والاعتراض على الله تعالى لأن التنازع مظنة الاختلاف وهو سبب من أسباب القول فيه بغير الحق. ولا
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/٤٣٨- ٤٣٩، قال محقق الكتاب: إسناده حسن، وعبد الله ابن الإمام في السنة ٢/٤٢٩ مع بعض الاختلاف في اللفظ، وسيأتي برقم ٢٩٢. ٢ رواه الطبراني في المعجم الكبير ٢/٩٣، تحقيق حمدي عبد المجيد ط. الأولى عام ١٩٨٠م وقال الهيثمي "وفيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف" مجمع الزوائد ٧/٢٠٢، وانظر البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧. ٣ رواه الترمذي ٤/٤٤٣، وابن ماجة ١/٣٣، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ١٧٣٢.
[ ١ / ٥٣٢ ]
شك أن ذلك منهي عنه، أما معرفة تفاصيل هذا الركن كما جاء في الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح حتى يتحقق الإيمان ويثمر ثماره المرجوة فلا يدخل في هذا النهي وقد بحث علماء السلف مسألة القدر وبينوا للناس الحق والصواب فيه حتى لا يضلوا، وحتى يكونوا على بصيرة من أمر دينهم.
ويظهر لنا جليا من الآثار السابقة عن عمر أنه إنما منع الخوض في القدر إذا كان ذلك بالباطل كما يفعل غيلان ومن شايعه من القدرية، والمعتزلة. أو كان ذلك في الجانب الخفي من القدر وهو كونه ﷾ أضل وهدى وأمات وأحيا ومنع وأعطى، فمحاولة معرفة سر الله في ذلك لا تجوز لأن الله حجب علمها حتى عن أقرب المقربين فمحاولة معرفته عن طريق العقل القاصر منهي عنه لأنه من القول على الله بغير علم. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ١،٢.
قال النووي: قال أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول. فمن عدل عن
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة الإسراء. ٢ انظر القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه ص١٨- ١٩.
[ ١ / ٥٣٣ ]
التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونه الأستار اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وواجبنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه. وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب١.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٥٠، وانظر البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧.
[ ١ / ٥٣٤ ]
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الرضا بالقضاء
١٧٦/١- ابن سعد قال: حدثنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز قال: ما أصبح لي اليوم في الأمور هوى إلا في مواقع قضاء الله فيها١.
١٧٧/٢- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر بن عبد العزيز يدعو بهذا الدعاء: اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما برح
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧٢، وعارم بن الفضل هو: محمد بن الفضل السدوسي أبو النعمان البصري لقبه عارم ثقة ثبت تغير في آخر عمره من صغار التابعين تقريب ص٥٠٢. وحماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة ثقة عابد..ز وتغير حفظه بآخرة من كبار الثامنة. تقريب ص١٧٨. ويحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني أبو سعيد القاضي ثقة ثبت من الخامسة. تقريب ص٥٩١. والأثر أخرجه ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٧ مع بعض الاختلاف في اللفظ. وأخرجه ابن أبي الدنيا في رسالة الرضا عن الله بقضائه والتسليم بأمره ص٢٦، دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا وأبو حفص الملاء ٢/٤٣٣، والبيهقي في القضاء والقدر ص٩٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٣٠.
[ ١ / ٥٣٥ ]
بي هذا الدعاء حتى لقد أصبحت ومالي في شيء من الأمور هوى إلا في موضع القضاء١.
١٧٨/٣- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن زياد بن أبي حسان، أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك فقال: رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره والحمد لله رب العالمين٢.
١٧٩/٤- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي، قال: حدثنا يعلى بن الحارث المحاربي، قال: حدثني أبي، عن سليمان بن حبيب، قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل عليه هشام الغاز
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٧، وأبو حفص الملاء ٢/٤٣٣، وابن أبي الدنيا في رسالة الرضا عن الله ص٥٢، والبيهقي في القضاء والقدر ص٩٠- ٩١ تحقيق أبي الفداء الأثرى ط. مكتبة السنة. ٢ الزهد وزوائده ص٤٢١، وابن أبي الدنيا رسالة الرضا عن الله ص٧٨، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٦، وأبو حفص الملاء ٢/٤٣١، وابن الجوزي سيرة عمر ٣٠٣. وإسماعيل بن إبراهيم بن زياد بن أبي حسان لعله خطأ فعند ابن أبي الدنيا وأبي نعيم حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرني زياد بن أبي حسان وإسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التميمي ضعيف من الثامنة. تقريب ص١٠٦. وزياد بن أبي حسان النبطي روى عن أنس وعمر بن عبد العزيز قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر الجرح والتعديل ٣/٣٥٠.
[ ١ / ٥٣٦ ]
فعزاه فقال: عمر: وأنا أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي وإحسانه إلي١.
التعليق:
تحث الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على الرضا بالقضاء والمقصود بالرضا بالقضاء القضاء الذي قدره الله على عبده من المصائب التي ليست ذنوبا فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع لكن هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم أصحها أنه مستحب ليس بواجب٢. ولا شك أن الرضا بالقضاء من تمام الإيمان بالقضاء والقدر.
وقد غلط فيه طائفتان أقبح غلط. فقالت القدرية النفاة الرضا بالقضاء، طاعة وقربة، والرضا بالمعاصي لا يجوز، فليست بقضائه وقدره، وقالت
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا رسالة الرضا عن الله اص٧٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٨، و٣٥٧. وأحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي ثقة حافظ مات سنة ٤٦هـ. تقريب ص٧٧، ويعلى بن الحارث المحاربي الكوفي ثقة مات سنة ٦٨هـ. تقريب ص٦٠٩، وأبوه هو الحارث بن حرب المحاربي لم أجده. وسليمان بن حبيب المحاربي أبو أيوب الدارني القاضي بدمشق ثقة من الثالثة. تقريب ص٢٥٠ مات سنة ٢٦هـ. ٢ انظر مجموع الفتاوى ٨/١٩١.
[ ١ / ٥٣٧ ]
غلاة الجبرية الذين طووا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء الله وقدره والرضا بالقضاء قربة وطاعة فنحن نرضى بها ولا نسخطها
ويجاب عن غلط هؤلاء بأن الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني. فالديني يجب الرضا به، وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به. كالمصائب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان: هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي. وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابه، وتقديره، ومشيئته، فالرضا به من تمام الرضاء بالله ربا وإلها وملكا، ومدبرا ١.
وتبين الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى رضاه وتسليمه بقضاء الله وقدره، وقد وثق بما عند الله تعالى وسلم لله الأمر، فلا يندم على ما فات، ولا يفرح بما هو آت مما قدره الله تعالى له، فهو يرضى به على وفق قضاء الله له
_________________
(١) ١ انظر شفاء العليل ص٥٤٥- ٥٤٦.
[ ١ / ٥٣٨ ]
الفصل السابع: الآثار الواردة عن عمر في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل
المبحث الأول: الآثار الواردة عنه في تعريف الإيمان
تمهيد:
تعريف الإيمان لغة: الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن١، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية٢، وهو من الأمن ضد الخوف٣. قال الأزهري: "واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق٤.
والصحيح أنه قد عرف بعدة تعريفات فقيل: هو التصديق٤، وقيل هو الثقة٥، وقيل هو الطمأنينة٦، وقيل هو الإقرار٧.
وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الإيمان اللغوي أنه بمعنى الإقرار ٨، لأنه رأى لفظة أقرّ أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من
غيرها من الألفاظ التي فسر بها الإيمان٩.
تعريف الإيمان اصطلاحا: الإيمان في الاصطلاح: هو قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح يزيد وينقص، وهذا هو الحق الذي يدل عليه نصوص الكتاب والسنة وهو المأثور عن عمر بن عبد العزيز كما يأتي:
_________________
(١) ١ انظر: تهذيب اللغة للأزهري ١٥/٥١٣، ط. دار الكتاب العربي عام ١٩٦٧م. ٢ انظر: الصحاح للجوهري ٥/٢٠٧١. ٣ انظر: المفردات للراغب الاصفهاني ص٣٥، والقاموس المحيط ص١٥١٨. ٤ انظر: تهذيب اللغة ١٥/٥١٥. ٥ انظر: الصحاح للجوهري ٥/٢٠٧١، وتهذيب اللغة ١٥/٥١٦. ٦ انظر: تهذيب اللغة ١٥/٥١٦. ٧ انظر: مجموع الفتاوى ٧/٦٣٨. ٨ انظر: تهذيب اللغة ١٥/٥١٦. ٩ انظر زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للشيخ الدكتور عبد الرزاق العباد البدر ص١٧ ط. دار القلم والكتاب الطبعة الأولى عام ١٤٤٦هـ. ١٩٩٦م. الرياض المملكة العربية السعودية.
[ ١ / ٥٤١ ]
المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في تعريف الإيمان.
١٨٠/١- ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم حدثني عيسى بن عاصم حدثني عدي بن عدي، قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن الإيمان فرائض، وشرائع، وحدودا، وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص١.
_________________
(١) ١ ابن أبى شيبة في الإيمان ص٤٨، والبخاري مع الفتح ١/٤٥، واللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/٩٢٦، برقم ١٥٧٢، والبغوي في شرح السنة ١/٤٠، وابن عساكر ٤٥/٢٠٣، وقوَّام السنة في الحجة في بيان المحجة ٢/١٥٠، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٠، وابن بطة في الإبانة ٢/٨٥٩، والبيهقي في الشعب ١/١٩٧، وأبو حفص الملاء ١/٣٨، والخلال في السنة ٤/٥٧، وصحح إسناده الشيخ الألباني ومحقق كتاب السنة للخلال. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة بن زيد القرشي روى عن الأعمش، وروى عنه عبد الله وعثمان ابنا أبي شيبة، وهو ثقة ثبت. انظر الجرح والتعديل ٣/١٣٢- ١٣٣، وجرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري، والد وهب ثقة. تقريب ص١٣٨. وعيسى بن عاصم الأسدي الكوفي ثقة. تقريب ص٤٣٩. وعدي بن عدي بن عميرة -بفتح المهملة- الكندي أبو فروة الجزري ثقة فقيه عمل لعمر بن عبد العزيز على الموصل من الرابعة مات سنة ١٢٠هـ. تقريب ص٣٨٨. وسيأتي برقم ١٨٢، و٣١٩.
[ ١ / ٥٤٢ ]
١٨١/٢- ابن أبي شيبة أيضا قال: حدثنا عمر بن أيوب عن جعفر بن برقان، قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن عرى الدين وقوائم الإسلام الإيمان بالله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فصلوا الصلاة لوقتها١.
التعليق:
يدل ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على تعريف الإيمان، حيث بين رحمه الله تعالى أن الإيمان فرائض أي: أعمالا مفروضة كالصلاة والحج والصوم، وشرائع أي: عقائد دينية كالإيمان بالله وملائكته، وحدودا أي: منهيات ممنوعة كشرب الخمر والزنا، وسننا أي: مندوبات كإماطة الأذى عن الطريق٢، وغيرها من المندوبات فهذه الأمور كلها من الإيمان.
_________________
(١) ١ ابن أبى شيبة في الإيمان ص٢٣، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٢. وعمر بن أيوب العبدي الموصلي صدوق له أوهام. تقريب ص٤١٠. ٢ انظر البخاري مع الفتح ١/٤٧.
[ ١ / ٥٤٣ ]
وهذا المأثور عن عمر هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح. فالإيمان عند أهل الحق: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان.
فمن الأدلة الدالة على أن الإيمان قول باللسان قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١. وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله"٢.
ومن الأدلة على أن أعمال القلوب من الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ ٣، والوجل من أعمال القلوب. وقد سمى في الآية إيمانا.
ومن الأدلة على أن أعمال الجوارح من الإيمان قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم ﴾ ٤، يبين ذلك سبب نزول الآية حين سئل
_________________
(١) ١ الآية ١٣٦ من سورة البقرة. ٢ البخاري مع الفتح٣/٢٦٢، برقم (١٣٩٩)، ومسلم١/١٦٨- ١٦٩، رقم (٣٢) . ٣ الآية ٢ من سورة الأنفال. ٤ الآية ١٤٣ من سورة البقرة.
[ ١ / ٥٤٤ ]
﵇: أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله ﷿: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ وفي هذا دلالة على أنه تعالى سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانا فإذا ثبت ذلك في الصلاة ثبت ذلك في سائر الطاعات١.
ومن أقوال سلف الأمة في تعريف الإيمان وأنه يشمل الأعمال، والأقوال، والعقائد، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: جمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث وهو المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل وربما قال بعضهم قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع السنة، وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان أي بالجوارح ".
وقال الآجري: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون
_________________
(١) ١ انظر الاعتقاد للبيهقي ص٩٥- ٩٦، وتفسير ابن كثير ١/١٩٢، وسنن الترمذي ٥/١٩٢.
[ ١ / ٥٤٥ ]
عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين١.
ثم روى بأسانيده عن عدد من السلف أن الإيمان قول وعمل٢.
هذا هو القول الصحيح في تعريف الإيمان وقد ضل في هذه المسألة طوائف ويمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين:
قسم يدخلون العمل في الإيمان ويجعلونه شرطا في صحته، وقسم يخرجون العمل من الإيمان وهم أقسام ويجمعهم وصف الإرجاء٣.
أما أهل القسم الأول فهم الخوارج والمعتزلة، يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الإيمان عندهم كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله فمن أخل بالأعمال ذهب إيمانه باتفاق الطائفتين، وهو كافر عند الخوارج وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة٤.
وفساد هذا القول ظاهر فإن نصوص الكتاب والسنة وما أثر عن عمر هنا في تعريف الإيمان وزيادته ونقصانه وما نقل عن غيره من السلف كل
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري ١/٢٧٤. ٢ الشريعة١/٢٨٨. ٣ انظر زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للشيخ الدكتور عبد الرزاق العباد البدر ص٢٦. ٤ انظر مجموع الفتاوى١٣/٤٨،وزيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه ص٢٦.
[ ١ / ٥٤٦ ]
ذلك يدل على تبعض الإيمان وتفاضله وزيادته ونقصانه، وستأتي المسألة في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
وأما أهل القسم الثاني وهم المرجئة فهؤلاء ثلاثة أصناف:
١- صنف يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر المرجئة ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه.
٢- وصنف يقولون: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
٣- وصنف يقولون: هو تصديق القلب وقول اللسان. وهذا المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم١.
وهذه الأقوال فاسدة وأشدها فسادا وخبثا قول الجهمية الغلاة فإن لازم قولهم أن فرعون وإبليس -واليهود وأمثالهم مؤمنون كاملي الإيمان.
ثم يلي قول جهم في الفساد قول الكرامية أن الإيمان هو قول اللسان فقط، ثم يلي هذا القول: قول المرجئة الفقهاء: أن الإيمان اعتقاد في القلب وقول باللسان.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٧/١٩٥.
[ ١ / ٥٤٧ ]
وجميع هذه الأقوال بعيدة عن الحق مجانبة للصواب الوارد في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. ومنهم عمر بن عبد العزيز ﵀ كما سبق في الآثار.
تبقى الإشارة إلى أن الأثر الوارد عن عمر في تعريف الإيمان قد جاء بروايتين "أن الإيمان" "وأن الإسلام" كما عند ابن عبد الحكم، وابن عساكر، فهل الإسلام والإيمان لفظتان مترادفتان؟
اختلف أهل العلم في ذلك فذهب بعضهم إلى أنهما لفظتان مترادفتان، بينما ذهب الآخرون إلى أنهما متغايرتان، والصحيح أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وهذا هو المشهور عند العلماء المحققين حين يذكرون حقيقتهما يقررون أنه في الشرع لهما حالتان:
أ- أن يطلق الإسلام على الافراد غير مقترن بذكر الإيمان فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه، من اعتقاداته وأقواله وأفعاله كقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٣ من سورة المائدة. ٢ الآية ٨٤ من سور آل عمران.
[ ١ / ٥٤٨ ]
ب- أن يطلق الإسلام مقترنا بالإيمان فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ ١.
ووجه الجمع والتفريق بين الإسلام والإيمان حال الاجتماع والافتراق يتضح بتقرير أصل عظيم وهو "أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات والاسم المقرون دال على باقيها.
فإذا يقال: إذا أُفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق، وعليه فهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. فاجتماعهما في الذكر يقتضي افتراقهما في المعنى، وافتراقهما في الذكر يقتضي اجتماعهما في المعنى٢.
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من سورة الحجرات. ٢ انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٢٦.
[ ١ / ٥٤٩ ]
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في زيادة الإيمان ونقصانه.
١٨٢/١- ابن عبد الحكم قال: وقال عمر بن عبد العزيز: إن للإسلام حدودا، وشرائع، وسننا، فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن مت، فما أنا على صحبتكم بحريص١.
١٨٣/٢- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز رسالة وفيها: "أسأل الله برحمته وسعة فضله أن يزيد المهتدي هدى، وأن يرجع بالمسيء التوبة في عافية منه "٢.
١٨٤/٣- ابن سعد قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل إليه عون بن عبد الله٣، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير٤، وعمر بن
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٠، وقد مر في المبحث السابق تخريجه. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٢، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٨٠. ٣ هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي كان ثقة كثير الإرسال. انظر الطبقات ٦/٣١٣. ٤ هو موسى بن أبي كثير الأنصاري من المتكلمين في الإرجاء وغيره. وكان ثقة في الحديث. انظر الطبقات٦/٣٣٩.
[ ١ / ٥٥٠ ]
حمزة١، فكلموه في الإرجاء٢، وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شيء منه٣.
١٨٥/٤- ابن سعد أيضا قال: ممن وفد إلى عمر بن عبد العزيز وكلمه في الإرجاء موسى بن أبي كثير٤.
التعليق:
تبين من الآثار السابقة الواردة عن عمر أن الإيمان يزيد وينقص. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة والآثار عن السلف الصالح. وهذه الأدلة كثيرة يصعب استقصاؤها في هذا المقام وإنما يذكر أمثلة تدل على المقصود. فمنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٥، وقوله ﷿:
_________________
(١) ١ عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني ضعيف. تقريب ص٤١١. ٢ الإرجاء: هو التأخير: وكذلك إعطاء الرجاء، والمرجئة فرقة من الفرق الضالة وهم أصناف عدة. ويتميزون بأنهم يؤخرون الأعمال عن الإيمان، ويعطون الرجاء للفساق أي أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. انظر مقالات الإسلاميين ١/٢١٣-٢٢٥، والملل والنحل للشهرستاني ١/١٨٩-١٩٥، على هامش الفِصَل، والفرق بين الفرق ص٢٠٢. ٣ ابن سعد: في الطبقات ٦/٣١٣. ٤ انظر: ابن سعد في الطبقات ٦/٣٣٩. ٥ الآية ٢ من سورة الأنفال.
[ ١ / ٥٥١ ]
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٢، وغير ذلك من الآيات.
ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"٣، وحديث أبي هريرة أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن" ٤.
ووجه الدلالة من هذا الحديث نفي كمال الإيمان الواجب عمن اقترف هذه المعاصي، وأنه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله، على أحد الأقوال٥.
_________________
(١) ١ الآية ٧٦ من سورة مريم. ٢ الآية ٣١ من سورة المدثر. ٣ أخرجه البخاري ١/٥١،برقم (٩)، ومسلم ١/٢٠٢-٢٠٣برقم (٥٨) واللفظ له. ٤ أخرجه البخاري ٥/١١٩، برقم (٢٤٧٥)، ومسلم ١/٢٣١-٢٣٢ رقم (١٠٠) . ٥ انظر زيادة الإيمان ونقصانه للشيخ الدكتور عبد الرزاق ص٦٨.
[ ١ / ٥٥٢ ]
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له" ١. ووجه الدلالة أن من لا أمانة له يعتبر مؤمنا ناقص الإيمان.
ومن أقوال سلف الأمة قول الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص٢.
وقول معاذ بن جبل ﵁ اجلسوا بنا نؤمن ساعة"٣، وقول عمر بن الخطاب ﵁ لأصحابه هلموا نزداد إيمانا وفي لفظ تعالوا نزداد إيمانا٤.
فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه مما أجمع عليه سلف الأمة لكن أهل البدع زاغوا عن هذا الإجماع. فذهب طوائف من المتكلمين والمرجئة والخوارج، والمعتزلة إلى أن الإيمان لا يزيد وينقص. واستندوا إلى شبه، ولعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان يقصد الرد على بعض هؤلاء الذين يرون عدم زيادة الإيمان ونقصانه بقوله: "فمن استكملهن فقد استكمل الإيمان " ومن لم يستكملهن لم يستكمل الإيمان، فالإيمان عنده رحمه الله تعالى ذو شعب وأجزاء وهو شامل للعبادات البدنية
_________________
(١) ١ الإيمان لابن أبي شيبة ص٥ وصححه الألباني. ٢ البخاري مع الفتح ١/٤٧. ٣ رواه البخاري في صحيحه تعليقا ١/٤٥. ٤ الإيمان لابن أبي شيبة ص٣٦.
[ ١ / ٥٥٣ ]
والقلبية. كما أنه يحتوي على المندوبات والمنهيات. وهذه كلها قابلة للزيادة والنقصان فعمل القلب يزيد وينقص بكثرة النظر في الأدلة ووضوحها. ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهة وكل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها١. ويؤيد الأثر الثاني المروي عن عمر ما سبق تقريره في الأثر الأول حيث عد الإيمان بالله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من الإسلام والإسلام إذا أطلق مفردًا فإنه يدخل فيه ويراد به الإيمان كما سبق بيانه. وهذه الشعب في هذا الأثر هي شعب الإيمان الواردة في حديث وفد عبد القيس كما في الصحيحين أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم بالإيمان بالله ﷿ قال: "أتدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم "٢.
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١/٤٦. ٢ البخاري مع الفتح ١/١٢٩، برقم (٥٣)، ومسلم ١/١٥١، برقم (٢٣) .
[ ١ / ٥٥٤ ]
أما الأثر الثالث فيدل على زيادة الهدى والهدى من الإيمان قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ١.
وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٢، وقوله في أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٣، فالهدى من الإيمان وزيادته دليل على زيادة الإيمان.
وبعد ثبوت هذه الآثار عن عمر رحمه الله تعالى يتحتم الإشارة إلى أن ما رواه ابن سعد في الطبقات أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة جاءه راحلا إليه عون بن عبد الله، وموسى بن أبي كثير، وعمر بن حمزة، فكلموه في الإرجاء وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شيء منه غير صحيح، للأدلة الصحيحة من الآثار المتقدمة التي نقلت عنه ولأن ابن سعد روى هذا الخبر بدون سند، ولأنه استعمل فيه صيغة التمريض "زعموا" وأيضا إن مثل هذا الزعم والادعاء لا يعول عليه لأن رواته
_________________
(١) ١ الآية ٧٦ من سورة مريم. ٢ الآية ١٧ من سورة محمد. ٣ الآية ١٣ من سورة الكهف.
[ ١ / ٥٥٥ ]
متهمون بالإرجاء، ولو سلمنا جدلا بثبوت تلك الرواية فيحتمل أنه وافقهم قبل أن يطلع على خبث هذا المذهب فحين اطلع عليه بدأ يكتب رسائله إلى عماله مبينا لهم حقيقة الإيمان عند السلف، ومضمنا في نفس هذه الرسائل الرد على المبتدعة. وقد ثبت في كتب التراجم أن من بين الذين وفدوا على عمر من تاب١ عن الإرجاء فلعل اللقاء حصل بينهم قبل ذلك. وهذا هو الصحيح لصحة ما نقل عنه من الآثار ولشدته رحمه الله تعالى على جميع المبتدعة كما مر فيما سبق. وسيأتي مزيد بيان لهذه الرواية في مبحث الرد على المرجئة.
هذا ولما كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة يقبل الزيادة والنقصان كان موقفهم مخالفا لموقف الفرق الضالة في مسألة مرتكب الكبيرة المسلم يتبين لنا ذلك فيما يأتي من الآثار عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر سير أعلام النبلاء ٥/١٠٤.
[ ١ / ٥٥٦ ]
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في حكم مرتكب الكبيرة.
١٨٦/١- ابن حزم الظاهري قال: عن يحيى بن أبي كثير أن غلاما لعمر بن عبد العزيز أخذ ساحرة فألقاها في الماء فطفت فكتب إليه عمر ابن عبد العزيز أن الله لم يأمرك أن تلقيها في الماء فإن اعترفت فاقتلها١.
١٨٧/٢- ابن قتيبة قال: حدثني زيد بن أخزم الطائي قال: نا عبد الصمد، قال: نا همام، عن يحيى بن أبي كثير، أن عامل عمان كتب لعمر ابن عبد العزيز ﵁، أنا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت فكتب إليه عمر بن عبد العزيز لسنا من الماء في شيء إن قامت البينة، وإلا فخل سبيلها٢.
١٨٨/٣- وعن ربيعة بن عطاء أن رجلا عبدا سحر جارية عربية. وكانت تتبعه فرفع إلى عروة بن محمد، وكان عامل عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يبيعه بغير أرضها وأرضه ثم ادفع ثمنه إليها٣.
١٨٩/٤- ابن الجوزي قال: حدثنا الصعق بن حزن قال: شهدت قراءة كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة وأهل البصرة.
_________________
(١) ١ ابن حزم: المحلى بالآثار ١١/٣٩٥. ٢ ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ص١٢٥. وسيأتي الأثر برقم ٢٠٤. ٣ ابن حزم: المحلى بالآثار ١١/٣٩٥.
[ ١ / ٥٥٧ ]
أما بعد: فإنه قد كان في الناس من هذا الشراب أمر ساءت فيه رعيتهم وغشوا فيه أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم بلغت بهم الدم الحرام والفرج الحرام والمال الحرام. وقد أصبح جل من يصيب من ذلك الشراب يقول: شربنا شرابا لا بأس به. ولعمري أن ما حمل على هذه الأمور وضاع الحرام لبأس شديد وقد جعل الله عنه مندوحة وسعة من أشربة كثيرة طيبة ليس في الأنفس منها جائحة: الماء العذب الفرات، واللبن، والعسل، والسويق، فمن انتبذ نبيذا فلا ينبذه إلا في أسقية الأدم التي لا زفت فيها. وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عن نبيذ الجر والدباء والظروف المزفتة. وكان يقال: كل مسكر حرام فاستغنوا بما أحل الله عما حرم فإنا من وجدناه يشرب شيئا من هذه بعد ما تقدمنا إليه أوجعناه عقوبة شديدة، ومن استخفى فالله أشد عقوبة وأشد تنكيلا.
وقد أردت بكتابي هذا اتخاذ الحجة عليكم اليوم وفيما بعد اليوم أسأل الله أن يزيد المهتدي منا ومنكم هدى، وأن يراجع بالمسيء منا ومنكم التوبة في يسر وعافية. والسلام١.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٢٦- ١٢٧،وابن كثير البداية والنهاية ٥ /٢٤٤ والصعق بن حزن -بفتح المهلمة وسكون الزاي - ابن قيس البكري البصري أبو عبد الله صدوق يهم وكان زاهدا، من السابعة. بخ م مدس. تقريب ص٢٧٦.
[ ١ / ٥٥٨ ]
١٩٠/٥- أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني آدم حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز طلقت امرأتي وأنا سكران. قال الزهري فكان رأي عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان: ليس على المجنون والسكران طلاق. فقال عمر: تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده ورد إليه امرأته١.
١٩١/٦- الذهبي قال: قال أبو زرعة عبد الأحد بن أبي زرارة القتباني سمعت مالكا يقول: أتى فتيان إلى عمر بن عبد العزيز وقالوا: إن أبانا توفي وترك مالا عند عمنا حميد الأمجي فأحضره عمر فلما دخل قال أنت القائل:
حميد الذي أمج داره
أتاه المشيب على شربها أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع.
وكان كريما فلم ينزع.
قال نعم ما أراني إلا سوف أحدك إنك أقررت بشرب الخمر وأنك لم تنزع عنها "٢.
_________________
(١) ١ أبو زرعة: تاريخ أبي زرعة ١/٥٠٩، وانظر مصنف ابن أبي شيبة ٤/٣١، والبخاري مع الفتح ٩/٣٩١. ٢ سير أعلام النبلاء ٥/١١٨، وابن عبد البر أنس المجالس١ /١٠٧ وابن عساكر ٤٥/ ١٤٢- ١٤٣.
[ ١ / ٥٥٩ ]
التعليق:
يتبين من الآثار السابقة عن عمر أن منهج أهل الحق في مرتكب الكبيرة وسط لا إفراط فيه ولا تفريط فلا يسلبون الفاسق الملي أصل الإيمان ولا يطلقون عليه أنه مؤمن كامل الإيمان، وإنما سيماهم التوسط وهو اتباع الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح فيطلقون عليه اسم المؤمن بإيمانه الفاسق بكبيرته وقد اختلف السلف في حد الكبيرة.
ومن أجمع التعاريف لها "أنها كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما"١.
وموقف عمر بن عبد العزيز ﵀ من مرتكب الكبيرة خلال هذه الآثار المتقدمة هو موقف أهل السنة والجماعة حيث اتسم ﵀ بالحرص على تطبيق النصوص الشرعية فحين كتب إليه عامله في شأن الساحرة والسحر كبيرة من الكبائر لم يأمر بقتلها لأنها ارتكبت هذه الموبقة وإنما أمر عامله أن يتأكد من سحرها، فإذا ثبت أنها ساحرة فما عليه إلا أن يقتلها.
وأما إذا كان سحرها مما لا يوجب القتل فعليه أن يتركها وأن يستعمل معها الوسائل المشروعة لا أن يلقيها في الماء لأن هذا لم يأمر الله
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١١/٦٥٠، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٦٥.
[ ١ / ٥٦٠ ]
﵎ به. كما أمر عامله أن يبيع العبد الساحر للجارية بغير أرضه وأرضها لأنه رحمه الله تعالى ربما رأى أن ما قام به هذا العبد لا يتجاوز التأديب، والتعزير وهو التفريق بين هذا العبد والجارية. وهذا الموقف يبرز موقفه من مرتكب الكبائر حيث لم يكفر هذا العبد ولم يأمر بقتله مع العلم بأن السحر كبيرة وكما أن السحر من الكبائر فكذلك شرب الخمر. والنبيذ المسكر فمنع شرب النبيذ وعلل ذلك بأنه يسكر وكل ما يسكر فهو خمر وكل خمر حرام. ثم بين أن من شرب المسكر يعاقب بالحد الذي أمر الله به، إذا اطلع عليه ولا يكفر بشربه وإنما يعاقب في العلانية. ومن استخفى فالله أشد عقوبة إن شاء وأشد تنكيلا. ولم يفرق بين الرجل الذي طلق زوجته وبين زوجته. وقد كان عازما على ذلك وإنما اكتفى بحده كما عزم على أن يحد الشاعر الذي ذكر في شعره أنه لم ينزع عن شرب الخمر وقد كان يمنع الخلفاء الذين كانوا قبله من قتل الحرورية وكان يقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة١. ونهى عن تكفير أهل القبلة فروى أبو نعيم بسنده عن عمر في رسالته في الرد على القدرية وفيها أهل التوحيد لا تكفروهم ولا تشهدوا عليهم بشرك "٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٢٧-٢٨، وابن الجوزي سيرة عمر ص٥٤. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٣.
[ ١ / ٥٦١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية واصفا موقف أهل السنة من هذه المسألة: "وهم لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال ﷾ في آية القصاص ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوف﴾ ١، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٢.
ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٣، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ
_________________
(١) ١ الآية ١٧٨ من سورة البقرة. ٢ الآيتان ٩-١٠ من سورة الحجرات. ٣ الآية ٩٢ من سورة النساء.
[ ١ / ٥٦٢ ]
زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ١. وقوله ﷺ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن"٢.
ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم٣.
وأدلة الكتاب والسنة دالة على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من ثبوت مطلق الإيمان مع المعصية قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٤، فناداهم باسم الإيمان مع وجود المعصية وهي موالاة الكفار٥.
_________________
(١) ١ الآية ٢ من سورة الأنفال. ٢ البخاري مع الفتح ٥/١١٩، برقم (٢٤٧٥) ومسلم ١/٢٣٢، برقم (١٠٠) . ٣ الفتاوى ٣/١٥١- ١٥٢، والعقيدة الواسطية للفوزان ص١٦٢- ١٦٥. ٤ انظر شرح العقيدة الواسطية ص١٦٤. والآية ١ من سورة الممتحنة. ٥ انظر شرح العقيدة الواسطية ص١٦٤.
[ ١ / ٥٦٣ ]
وقوله ﷺ: "يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان" ١، ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقا٢.
ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين نفاة الوعيد من المرجئة وموجبيه من القدرية. فمن مات على كبيرة عندهم فأمره مفوض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، وإذا عاقبه بذنبه فإنه لا يخلد خلود الكفار بل يخرج من النار ويدخل الجنة٤.
وأما المرجئة فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق الوعيد. وأما الخوارج والمعتزلة فمرتكب الكبيرة كافر حلال الدم والمال عند الخوارج في الدنيا خالد مخلد في النار في الآخرة. وأما عند المعتزلة فحكمه في الدنيا في منزلة بين المنزلتين وأما في الآخرة فهو خالد في النار ولا شك٥ أن ما ذهب إليه المرجئة والمعتزلة والخوارج باطل للأدلة
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/١٠٣، برقم (٤٤) . ٢ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٢٤- ٥٢٥. ٣ الآية ١١٧ من سورة النساء. ٤ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٢٤-٥٢٥. ٥ انظر شرح العقيدة الواسطية ص١٣٠- ١٣١.
[ ١ / ٥٦٤ ]
الصحيحة التي تقدمت فيما سبق، هذا وأهل البدع من الخوارج ومن يرى رأيهم يوجبون لعن أهل الذنوب، وتكفيرهم. وقد كان لعمر بن عبد العزيز مناظرات ومجادلات مع الخوارج في هذه المسألة سيتبين ذلك من خلال الآثار المنقولة عنه فيما يأتي.
[ ١ / ٥٦٥ ]
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في حكم لعن المعين وتكفيره.
١٩٢/١- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الحميد بن عمران، عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى الخوارج الذين خرجوا عليه فكلمتهم فقلت: ما الذي تنقمون عليه؟ قالوا: ما ننقم عليه إلا أنه لا يلعن من كان قبله من أهل بيته فهذه مداهنة منه "١.
١٩٣/٢- ابن عبد البر قال: أخبرنا أحمد بن محمد، ثنا محمد بن عيسى، ثنا بكر بن سهل، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عثمان بن سعيد بن كثير ابن دينار، قال: نا هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، عن أبيه، قال: خرجت علي الحرورية بالموصل٢ فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بمخرجهم فكتب إلي عمر يأمرني بالكف عنهم وأن أدعو رجالا منهم فأجعلهم على
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٥٨، ومحمد بن عمر هو الواقدي متروك مع سعة علمه. تقريب ص٤٩٨. وعبد الله بن عمران أبو الجويرية الأصفر كوفي نزل المدينة، روى عن حماد بن أبي سليمان، وروى عنه معن بن عيسى وحماد بن خالد الخياط ولم يذكر بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٦/١٦. ٢ الموصل: بالفتح وكسر الصاد، المدينة المشهورة وهي مدينة قديمة الأس على طرف دجلة ومقابلها من الجانب الشرقي. انظر معجم البلدان ص٢٢٣.
[ ١ / ٥٦٦ ]
مراكب البريد حتى يقدموا على عمر فيجادلهم فلما قدموا على عمر أمر بنزولهم ثم أدخلهم عليه فجادلهم حتى إذا لم يجد لهم حجة رجعت طائفة منهم ونزعوا عن رأيهم، وأجابوا عمر. وقالت طائفة منهم لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إنه لا يسعكم فيما خرجتم له إلا الصدق، أعلموني هل تبرأتم من فرعون أو لعنتموه أو ذكرتموه في شيء من أموركم؟ قالوا: لا. قال: فكيف وسعكم تركه ولم يصف الله ﷿ عبدا بأخبث من صفته إياه ولا يسعني ترك أهل بيتي ومنهم المحسن والمسيء والمصيب والمخطئ "١.
١٩٤/٣- وروى أيضا وقال: أخبرنا أحمد قال: نا محمد بن عيسى، ثنا بكر بن سهل، ثنا نعيم، ثنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سليم أحد بني ربيعة بن حنظلة بن عدي، قال: "بعثني وعون بن عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت بالجزيرة وفيه قالوا: خالفت أهل بيتك وسميتهم الظلمة فإما أن يكونوا على الباطل، فإن زعمت أنك على الحق وهم على الباطل فالعنهم وتبرأ منهم، فإن فعلت فنحن منك وأنت منا وإن لم تفعل فلست منا ولسنا منك فقال عمر أخبروني عن اللعن أفرض هو على العباد. قالوا: نعم. قال عمر لأحدهما:
_________________
(١) ١ ابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٦٥، وقال محقق الكتاب إسناد الأثر لا بأس به. وسيأتي برقم ٢٦١، و٢٦٨.
[ ١ / ٥٦٧ ]
متى عهدك بلعن فرعون؟ قال: ما لي بذلك منذ زمان، فقال عمر: هذا رأس من رؤوس الكفر ليس له عهد بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعني أن لا ألعن من خالفتهم من أهل بيتي "١.
١٩٥/٤- ابن الجوزي قال: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: دخل الخوارج على عمر فلم يدع لهم حجة إلا كسرها، فقالوا: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إن الله لم يجعلني لعانا ولكن إن أبقى أنا وأنتم فسوف أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء. فأبوا أن يقبلوا ذلك منه. فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق. منذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: منذ كذا وكذا سنة. قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم منه؟ قالوا: لا. قال: فكيف وسعكم تركه؟ ألا يسعني ترك أهل بيتي وقد كان فيهم المحسن والمسيء، والمصيب والمخطئ؟ ٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٦٦، وإسناد الأثر لا بأس به كما قال المحقق،وانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١١٢-١١٤ بألفاظ مقاربة لما هنا. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٩٨- ٩٩. وإبراهيم بن هشام الدمشقي روى عن أبيه وعن سعيد بن عبد العزيز، ضعفه ابن أبي حاتم. انظر الجرح والتعديل ٢/١٤٢- ١٤٣. وأبوه هشام روى عن جده يحيى وهو صالح الحديث. انظر الجرح والتعديل ٩/٧٠. وجده يحيى بن يحيى الغساني قاضي دمشق روى عن سعيد بن المسيب، وروى عنه ابنه هشام وهو ثقة. انظر الجرح والتعديل ٩/١٩٧.
[ ١ / ٥٦٨ ]
١٩٦/٥- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا روح بن عبادة، نا ابن جريج، قال: قال عمر بن عبد العزيز، قال رسول الله ﷺ: "من لم يستحي فهو كافر" ١.
١٩٧/٦- الملطى قال: وقال حسان بن فروخ: سألني عمر بن عبد العزيز عما تقول الأزارقة فأخبرته فقال ما يقولون في الرجم؟ فقلت يكفرون به فقال: الله أكبر كفروا بالله وبرسوله٢.
١٩٨/٧- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا أبو جعفر الخطمي، قال شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له ما تقول في العلم؟ قال: قد نفد العلم. قال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت. وإنك إن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر ٣.
_________________
(١) ١ ابن أبى الدنيا: مكارم الأخلاق ص٤٣، قال محقق الكتاب إسناده ضعيف فيه انقطاع، وابن جريج لم يصرح بالسماع. ٢ الملطى: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٩٦. وسيأتي برقم ٢٠٦، و٢٨٢. ٣ السنة لعبد الله ٢/٤٢٩. وأخرج الأثر الآجري في الشريعةص ٢٢٨،والملطى التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٦٨. وسيأتي برقم ٢٠٥،٢٦٤، ٢٩٥،٣٠٠.
[ ١ / ٥٦٩ ]
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تدور حول تكفير المعين ولعنه أو تكفير المعينين ولعنهم.
واللعن: الطرد والإبعاد، ولعنه كمنعه: طرده وأبعده فهو لعين وملعون١.
واللعن شرعا هو: الطرد، والإبعاد عن رحمة الله.
والتكفير والكفر ضد الإيمان. وكفر نعمة الله وبها كفورا وكفرانا. جحدها وسترها٢.
وأما الكفر شرعا فهو: جحود الإيمان وتغطيته وستره.
وأهل السنة والجماعة لا يخصون أحدا من المسلمين باللعن كما رأينا ذلك عن عمر بن عبد العزيز من خلال الآثار المتقدمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه إما تحريما وإما تنزيها. فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر في قصة "حمار" الذي تكرر منه شرب الخمر وجلده لما لعنه بعض الصحابة قال النبي ﷺ: "لا تلعنوه
_________________
(١) ١ انظر القاموس المحيط ص١٥٨٨. ٢ انظر المصدر السابق ص٦٠٥.
[ ١ / ٥٧٠ ]
فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله" ١، وقال: "لعن المؤمن كقتله"٢، هذا مع أنه قد ثبت عنه ﷺ أنه لعن الخمر وشاربها، فقد لعن عموما شارب الخمر ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين٣.
ومثل هذا نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى، والزاني، والسارق، فلا نشهد بها عامة على معين بأنه من أصحاب النار، لجواز تخلف المقتضى عن المقتضي لمعارض راجح، إما توبة وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وإما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع٤.
هذا ويجوز لعن أهل الذنوب على العموم فروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده"٥، قال: الحافظ: قال ابن بطال: معناه لا ينبغي
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٢/٧٥. برقم (٦٧٨٠) . ٢ رواه أحمد ٤/٣٣. ٣ قلت: ذكر الحافظ ابن حجر رأي من يرى لعن المعين وأيده. انظر البخاري مع الفتح ١٢/٧٦. ٤ الفتاوى ٤/٤٨٤، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ١/٤١٨. ٥ البخاري مع الفتح١٢/٨١، رقم (٦٧٨٣)، وصحيح مسلم بشرح النووي٤/٣٣٤ رقم (١٦٨٧) .
[ ١ / ٥٧١ ]
تعيين أهل المعاصي ومواجهتهم باللعن، وإنما ينبغي أن يلعن في الجملة من فعل ذلك ليكون ردعا لهم وزجرا عن انتهاك شيء منها ولا يكون لمعين لئلا يقنط١.
وقال النووي في قوله ﷺ: "لعن الله السارق" هذا دليل لجواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن للجنس لا لمعين، ولعن الجنس جائز كما قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢، وأما المعين فلا يجوز لعنه. قال القاضي: وأجاز البعض لعن المعين ما لم يحد فإذا حد لم يجز لعنه، فإن الحدود كفارات لأهلها. قال القاضي: وهذا التأويل باطل للأحاديث الصحيحة في النهي عن اللعن، فيجب حمل النهي على المعين ليجمع بين الأحاديث ٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مقررا أن اللعن المطلق لا يستلزم لعن المعين لعن المطلق من العصاة لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق. ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع، فلا يلحق
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٢/٨١. ٢ الآية ١٨ من سورة هود. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٣٣٤.
[ ١ / ٥٧٢ ]
التائب من الذنب باتفاق المسلمين، ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته، ولا يلحق المشفوع له والمغفور له فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة١.
هذا وأهل السنة والجماعة يفرقون بين التكفير المطلق والتكفير المعين فالذي أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة فيقال: من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر ولكن الشخص المعين الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره إطلاقا حتى تجتمع فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها٢ وهذا ما فعله عمر بن عبد العزيز ﵀ مع غيلان المنكر للقدر كما تقدم بيانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة. ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة٣.
ثم يقول ﵀: إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١٠/٣٢٩-٣٣٠. ٢ انظر نواقض الإيمان القولية والعملية ص٥٢. ٣ الفتاوى ١٢/٤٦٦.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وانتفت الموانع. يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه١.
فمنهج أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الضلال في تكفير المعين ولعنه فلا يلعنون إلا من لعنه الله ورسوله كما رأينا رأي عمر بن عبد العزيز في لعن فرعون وفي لعن اليهود، والنصارى حين أرسل عن رسول الله ﷺ حديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد كما تقدم ذلك بينما يرى الخوارج وجوب لعن أصحاب الكبائر لأنهم عندهم كفار خالدون في النار.
فمذهب أهل السنة والجماعة واضح في مسألة لعن المعين وتكفيره فيلعن من لعنه الله ورسوله ويكفر من كفره الله ورسوله. وهناك فرق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي. فالكفر العملي كفر دون كفر يدل على ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة المشهورة فقد ارتكب محظورًا ولكنها كانت في العمل ولم يكن يعتقدها. فلم يكفره الله ولا رسوله ﷺ. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢. فنادى حاطبا باسم الإيمان كما أن الرسول ﷺ منع عمر بن الخطاب ﵁ من
_________________
(١) ١ الفتاوى ١٢/٤٨٧- ٤٨٨. ٢ الآية ١ من سورة الممتحنة.
[ ١ / ٥٧٤ ]
ضرب عنق حاطب ﵁. أما الكفر الاعتقادي المعبر عنه بالنفاق أحيانا فهو كفر مخرج عن الملة ولكننا لم نلزم بمعرفة البواطن فحكمنا ينصب على الظاهر والله تعالى يتولى السرائر.
[ ١ / ٥٧٥ ]
المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الحكم على المعين بالجنة أو النار.
١٩٩/١- اللالكائي قال: وذكر عبد الرحمن قال: ثنا محمد بن أحمد بن عمرو بن عيسى قال: ثنا علي بن موسى البصري قال ثنا سليمان بن عيسى الشجري قال ثنا سهل الحنفي عن مقاتل بن حيان قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: من أين أنت؟ فقلت من أهل بلخ فقال: كم بينك وبين النهر؟ قلت كذا وكذا فرسخا. فقال: هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم؟ قلت لا. قال سيظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم يهلك خلقا من هذه الأمة يدخلهم الله وإياه النار مع الداخلين ١.
٢٠٠/٢- ابن الجوزي قال: قال عباد بن إسحاق، عن الزهري، قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو أن الأمم تخابثت فجاءوا بأخبثها رجلا، وجئنا بالحجاج، لظننا أنا سنغلبهم، وفى رواية: "إذا أتت قوم فارس بأكاسرتها والروم بقياصرتها أتينا بالحجاج فكان عدلا بهم" وإني لأظن كلمة تنجيه
_________________
(١) ١ اللالكائى: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣ /٤٢٥ قال محقق الكتاب يبدو على ظاهر الرواية الوضع لأن عمر توفى قبل خروج الجهم بحوالي ثلاثين سنة تقريبا والغيب لا يعلمه إلا الله الحاشية ج ٣ص ٤٢٥وعبد الرحمن هو عبد الرحمن ابن أبى حاتم، وبقية رجال السند مجهولون.
[ ١ / ٥٧٦ ]
عندي قوله عند الموت: رب اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تغفر لي١.
٢٠١/٣- قال: حدثنا عن إبراهيم بن هشام، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: - يعني عمر بن عبد العزيز- ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل وفى رواية عند ابن عساكر عن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال: قال لي عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بأبي محمد لفتناهم فقال رجل من آل أبي معيط لا تقل ذلك فوالله إن وطأ لكم هذا الأمر الذي أصبحتم فيه غرة فقال عمر: أتحب أن يدخلك الله مدخل الحجاج؟ قال إي والله إني لأحب أن يدخلني الله مد خلا ولا يدخلني مدخلك فقال عمر: أمنوا اللهم أدخله مدخل الحجاج٢.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص١١٢. وابن عساكر تاريخ دمشق ١٢/ ١٩٤ وابن الجوزى أيضا المنتظم ٧/٥. وعباد هو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني نزيل البصرة ويقال له عباد. صدوق رمي بالقدر من السادسة بخ م٤. تقريب ص٣٣٦. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص ١١٢وأبو نعيم في الحلية٥/٣٤٥، وابن عساكر١٢/١٩٤.
[ ١ / ٥٧٧ ]
٢٠٢/٤- قال: حدثنا عبد العزيز عن محمد بن المنكدر، قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، وكان ينفس عليه بكلمة تكلم بها عند موته: اللهم اغفر لي فإنهم زعموا أنك لا تفعل١.
التعليق:
نلمح من الآثار السابقة موقف عمر بن عبد العزيز في الحكم على المعين من أهل القبلة بالجنة أو النار. ولا شك أن أهل السنة والجماعة
لا يشهدون لمعين بالجنة أو بالنار إلا بدليل خاص، ولا يشهدون لهم بمجرد الظن من اندراجهم في العموم، لأنه قد يندرج في العمومين فيستحق الثواب والعقاب لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٢، والعبد إذا اجتمع له سيئات وحسنات فإنه وإن استحق العقاب على سيئاته فإن الله يثيبه على حسناته، ولا يحبط حسنات المؤمن لأجل ما صدر منه، وإنما يقول بحبوط الحسنات كلها بالكبيرة الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار،
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١١٢، وابن كثير البداية والنهاية ٥/١٥٤. وابن أبي الدنيا رسالة حسن الظن بالله ص٧٤،وابن عساكر/١٢ / ١٩٤ وعبد العزيز هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، ثقة فقيه. تقريب ص٣٥٧. ٢ الآيتان ٧-٨ من سورة الزلزلة.
[ ١ / ٥٧٨ ]
وأنهم لا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها وإن صاحب الكبيرة لا يبقى معه من الإيمان شيء. وهذه أقوال فاسدة مخالفة للكتاب والسنة المتواترة وإجماع الصحابة"١.
قال شارح الطحاوية: لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة، أو إنه من أهل النار إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة كالعشرة ﵃، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من يشاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين. ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم. لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء. وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص. وهذا قول كثير من العلماء، وأهل الحديث.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٣٥/٦٨ بتصرف يسير.
[ ١ / ٥٧٩ ]
والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما في الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير فقال النبي ﷺ وجبت. ومر بأخرى فأثنوا عليها بشرّ فقال: وجبت، وفي رواية كرر: وجبت ثلاث مرات. فقال عمر: يا رسول الله ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ: هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض١.
وقال ﷺ: "توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار"، قالوا: بم يارسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"٢. فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار٣.
والذي يترجح هو القول الثاني، الذي ينص على أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء النص فيه،. وأما كون الثناء الحسن الصادر حكمها من النبي ﷺ فيحتمل أن ذلك مما اطلع عليه بالوحي ولا يقاس غيره عليه.
وأما الحديث الثاني توشكون، ففيه أن الثناء الحسن والسيئ من أمارات من يدخل الجنة ومن يدخل النار، ومعروف أن الثناء لوحده أو
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٣/٢٢٨-٢٢٩، برقم (١٣٦٨)، ومسلم ٣/١٨-١٩. رقم (٩٤٩) . ٢ أخرجه ابن ماجة (٤٢٢١)، وأحمد ٣/٤١٦، و٦/٤٦٦. ٣ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٣٧- ٥٣٨.
[ ١ / ٥٨٠ ]
الذم فقط لا يوجبان جنة ولا نارا. وإنما يستأنس بهما بعد وجود الأصل الذي هو الإيمان.
فالقول الصحيح هو القول الثاني الذي تؤيده الأدلة فالمؤمنون الذين جاء النص بدخولهم الجنة يقطع لهم بذلك ويتوقف عن غيرهم إلا بدليل خاص
[ ١ / ٥٨١ ]
المبحث السادس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في نواقض الإيمان.
٢٠٣/١- ابن سعد قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، قال: حدثني أبي، عن سهيل بن أبي صالح، أن عمر بن عبد العزيز قال: لا يقتل أحد في سب أحد إلا في سب نبي١.
٢٠٤/٢- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله ابن أبى عبيدة عن ربيعة بن عطاء عن عمر بن عبد العزيز قال: يستتاب المرتد ثلاثة أيام فإ ن تاب وإلا ضربت عنقه٢.
٢٠٥/٣- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد يعني ابن سلمة حدثنا أبو جعفر الخطمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك يا غيلان ما هذا
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧٩، وانظر: ابن عبد الحكم سيرة عمر ١٤٦وابن عساكر٤٥ /٢٠٧ وإسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس صدوق. انظر تقريب التهذيب ص١٠٨. وأبوه هو عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس، أبو أويس المدني صدوق يهم. انظر تقريب التهذيب ص٣٠٩. وسهيل بن أبي صالح: ذكوان السمان أبو يزيد المدني صدوق تغير حفظه بآخرة. تقريب ص٢٥٩. ٢ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٥١.
[ ١ / ٥٨٢ ]
الذي بلغني عنك؟ قال يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لم أقل. قال: ما تقول في العلم؟ قال: قد نفد العلم. قال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقربه فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر "١.
٢٠٦/٤-الملطى قال: وقال حسان بن فروخ سألني عمر بن عبد العزيز عما تقول الأزارقة٢، فأخبرته فقال: ما يقولون في الرجم؟ فقلت يكفرون به. فقال: الله أكبر كفروا بالله وبرسوله٣.
التعليق:
تدل الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على أربعة نواقض من نواقض الإيمان، وهي: إنكار صفة من صفات الله ﵎ المعلومة من الدين بالضرورة كصفة العلم، أو سب نبي من أنبيائه، أو إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، أو الردة.
وقبل بيان وجه
_________________
(١) ١ عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/٤٢٩، واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٨٩، وسيأتي برقم ٢٩٤، ٣١٨. ٢ الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق الخارجي. ٣ الملطى: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٩٦، وسيأتي رقم ٢٠٦.
[ ١ / ٥٨٣ ]
الاستدلال بهذه الآثار على هذه النواقض ينبغي تعريف النقض لغة واصطلاحا:
فالنقض: هو إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء فهو بمعنى نكث الشيء أو انتشار العقد. والنقض ضد الإبرام، ونقيضك الذي يخالفك.١.
واصطلاحا: أنها اعتقادات، أو أقوال أو أفعال تزيل الإيمان وتقطعه. فهي تقطع الإيمان وتنقضه بينما سائر المعاصي تنقص الإيمان" ٢.
ووجه كون إنكار صفة العلم لله تعالى ناقضا من نواقض الإيمان فلأن ذلك يعد تكذيبا بالوحيين. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب إكفار القدرية في نفيهم كون الشر من خلق الله. وفي دعواهم أن كل فاعل خالق فعل نفسه٤، ولا شك أن نفي العلم عن الله ﵎ والادعاء بأن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد صدورها عنهم وقاحة وجرأة وكيف يعجز عن العلم من علم بالقلم،
_________________
(١) ١ القاموس المحيط ص ٨٤٦ ومعجم مقاييس اللغة ٥ / ٤٧٠-٤٧١. ٢ نواقض الإيمان القولية والعملية ص٤٨- ٤٩٤. ٣ الآية ٢٢-٢٣ من سورة فصلت. ٤ الفتاوى ٦/٣١٨- ٣١٩.
[ ١ / ٥٨٤ ]
وعلم الإنسان ما لم يعلم، كلا ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١ وعلى زعمهم هذا فما فضل ﴿عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ٢، الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٣، على المخلوق الذي لا يعلم شيئا إلا ما علمه الله٤.
ومن نواقض الإيمان المأثورة عن عمر بن عبد العزيز سب النبي ﷺ أو سب الأنبياء ﵇ ولا يخفى أن من آذى رسول الله ﷺ فقد آذى الله تعالى. ولا يصدر السب لنبي من أنبياء الله تعالى من مؤمن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل٥.
والدليل على أن من سب رسول الله ﷺ أو غيره من الأنبياء يعد كفرا أو ناقضا من نواقض الإيمان اعتبارات منها:
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من سورة الملك. ٢ الآية ١٠٩ المائدة. ٣ الآية ٧ طه. ٤ انظر الرد على الجهمية للدارمي ص١١٨. ٥ الصارم المسلول ص٥١٢.
[ ١ / ٥٨٥ ]
أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ١.
ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى قرن أذاه بأذى رسوله ﷺ فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله قد احتمل بهتانا وإثما عظيما. وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة، وأعد له العذاب المهين.
ب - قوله ﵊ من آذى أصحا بي فقد آذاني٢.
ج - أمره ﷺ يوم فتح مكة بقتل ابن خطل فحين أخبر بتعلقه بأستار الكعبة قال: "اقتلوه "٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث: "وهذا مما استفاض نقله بين أهل العلم واتفقوا عليه أن رسول الله ﷺ أهدر دم ابن خطل يوم الفتح فيمن أهدر دمه وأنه قتل٤.
_________________
(١) ١ الآيتان ٥٧-٥٨ من سورة الأحزاب. ٢ الترمذى ٥ / ٣٥٨ رقم ٣٩٥٤ وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ٣ البخاري مع الفتح ٨/١٥، رقم (٤٢٨٦) . وانظر الصارم المسلول ص٤٤. ٤ الصارم المسلول ص١٣٥.
[ ١ / ٥٨٦ ]
فإذا كان حكم من سب نبينا ﷺ القتل فكذلك حكم من سب غيره من الأنبياء لأن الإيمان به إيمان بجميع الأنبياء والرسل، والكفر به كفر بجميعهم. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه﴾ ١، وقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٢، فقد دلت الآيات على أن الكفر بنبي من الأنبياء كفر بجميعهم. وكذلك غيره مما ينزل منزلته كالاستهزاء والسب، والشتم يعتبر ناقضا من نواقض الإيمان، ويعطى حكم أصله الذي هو الكفر. وهذا ما بينه عمر بن عبد العزيز بقوله:" إنه لا يقتل أحد بسب أحد إلا في سب نبي".
ولا شك أن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة ناقض من نواقض الإيمان. وهذا ما أثر عن عمر رحمه الله تعالى في الخوارج الذين أنكروا الرجم كما سبق. وقد خاف عمر بن الخطاب ﵁ من إنكار الرجم من
_________________
(١) ١ البقرة آية ٢٨٥. ٢ الآيتان ١٥٠- ١٥١ من سورة النساء.
[ ١ / ٥٨٧ ]
قبل وبين أنه ضلال، وأن الرجم فريضة أنزلها الله فرجم رسول الله ﷺ ورجم أصحابه فروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل أو الاعتراف. قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده١. قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع ما خشيه عمر فأنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم وبعض المعتزلة. ويحتمل أن يكون عمر قد استند في خوفه من هذا الإنكار إلى توقيف فروى عبد الرزاق عن ابن عباس أن عمر قال: سيجيء قوم يكذبون بالرجم٢، وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب، عن عمر: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم إن يقول قائل لا أجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا " ٣، وفي الحديث إشارة إلى أن عمر استحضر أن أناسا قالوا ذلك فرد عليهم٤.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٢/١٣٧. ٢ المصنف لعبد الرزاق ٧/٣٣٠. ٣ الموطأ ومعه تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ٣/ ٤٢. ٤ انظر البخاري مع الفتح ١٢/١٤٨. وصحيح مسلم بشرح النووي ٤/٣٣٧.
[ ١ / ٥٨٨ ]
والمقصود أن الرجم ثابت في كتاب الله تعالى بالآية المنسوخة قراءة الثابتة حكما١، وإنكار الرجم مع العلم بثبوته ناقض من نواقض الإيمان لأنه إنكار ما علم من الدين بالضرورة. ومن المعلوم أن الإيمان قائم على تصديق حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ ومن أهم هذه الأحكام أحكام الحدود، كالرجم، وغيره. فقد رجم رسول الله ﷺ ماعزا والغامدية وغيرهما. ورجم الصحابة رضوان الله عليهم فإنكار الخوارج هذا الحكم القطعي دليل على مروقهم من الدين واعتمادهم على عقولهم في التعامل مع نصوصه الصحيحة الصريحة أعاذنا الله من الحور بعد الكور وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ومن نواقض الإيمان الردة وقد بين عمر أن من ثبت عنه هذا الناقض فإنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ وهي "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة". وقيل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ الثيب بالثيب الرجم". ٢ الآية ٢١٧ من سورة البقرة.
[ ١ / ٥٨٩ ]
ومن السنة قوله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" وفيه: "والتارك لدينه المفارق للجماعة"١
قال النووي: فأما قوله: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام ٢.
هذا وكون المرتد يستتاب ثلاثة أيام هو قول أكثر أهل العلم٣.
_________________
(١) ١ الحديث متفق عليه البخاري مع الفتح ١٢ /٢٠١ رقم٦٨٧٨ ومسلم٤/٣١٦رقم١٦٧٦ ٢ شرح النووي على صحيح مسلم٤ /٣١٨. ٣ انظر المغنى لابن قدامة ج١٢ /٢٦٤ -٢٦٦.
[ ١ / ٥٩٠ ]