الباب الثالث: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة وموقفه من أهل الأهواء والبدع وأهل الذمة
الفصل الأول: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة
المبحث الأول: الأثار عن عمر في وجوب لزوم الجماعة
الباب الثالث: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة وموقفه من أهل الأهواء والبدع وأهل الذمة.
وفيه تسعة فصول: الفصل الأول: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة.
وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: الآثار عن عمر في وجوب لزوم الجماعة.
٢٠٧/١- ابن الجوزي قال: قال ابن مهدي: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة"١.
٢٠٨/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سنّ رسول الله صلىالله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا٢.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٨٦، والإمام أحمد في الزهد ص٤٠٨-٤١٠، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٣٥، والدارمي في السنن ١/٩١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٨، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٣٢، وأبو حفص الملاء ١/٣٥-٣٦) وسيأتي برقم ٢٣٤، ٢٤٦، ٢٤٧، و٢٨٧. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠، وقد تقدم تخريجه برقم١١٥.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
٢٠٩/٣- ابن عبد الحكم أن عمر كتب رسالة إلى الخوارج وفيها: أقسم بالله لو كنتم أبكاري من أولادي ورغبتم عما فرشنا للعامة فيما ولينا لدفقت دماءكم أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة "١.
التعليق:
تدل الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على لزوم الجماعة وترك التفرق. ولاشك أن ميزة أهل السنة والجماعة كونهم متفقين غير متفرقين ولذا تجد التوافق العجيب بينهم وإن باعدت بينهم الديار والأزمان، لأن مصدر تلقي العقيدة عندهم كتاب الله وسنة نبيه صلىالله عليه وسلم ولأن الاجتماع على الحق هو مطلبهم وغايتهم، فمن اهتدى بمنهجهم هُدي ومن استبصر بها بصر، وقد أمرنا الله ﵎ بالاجتماع وترك التفرق قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢، وبرأ الله نبيه صلىالله عليه وسلم ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٥. وابن الجوزي سيرة عمر ص٩٦، وابن حجر في الفتح ١٢/٣٠٣، وابن عبد البر في التمهيد ٢٣/٣٣٦. وسيأتي برقم ٢٦٥. ٢ الآية ١٠٣، آل عمران. ٣ الآية ٣٢ الروم.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
وقال ﷺ: "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"١.
ولزوم جماعة المسلمين والحرص على الحق هو ديدن أهل السنة والجماعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في بيان أهمية هذا الأصل-: "وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله جميعا، وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلىالله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة٢.
وإذا كان الاجتماع على الحق وأهله بهذه المنزلة فمن هم الجماعة المعنية بهذه المنزلة الرفيعة والنجاح الموفور في الدنيا والآخرة؟
قال الشاطبي رحمه الله تعالى- في بيان هذه الجماعة-: "اختلف الناس في معنى الجماعة على خمسة أقوال:
أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام.
الثاني: جماعة أئمة العلماء المجتهدين.
الثالث: جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر.
الرابع: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٤/٣٧٥- ٣٧٦، رقم (١٧١٥) . ٢ مجموع الفتاوى ٢٢/٣٥٩.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
الخامس: الجماعة هي الصحابة على الخصوص١.
وهذا ما كان يراه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كما تبين من الآثار وكما ذكر ذلك عنه الشاطبي٢،ويدل على هذا أن إجماعهم حجة، والتمسك بسنتهم والسير على نهجهم من أسمَى المطالب، فالمتمسك بما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان هم الجماعة في أي زمان وفي أي مكان، ومن خالف ما عليه أصحاب محمد صلىالله عليه وسلم فهو خارج عن الجماعة، لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٣.
وقد حذر الرسول صلىالله عليه وسلم أصحابه من مخالفة سبيل المؤمنين والخروج عن جماعتهم، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية" ٤. وروى الترمذي من حديث الحارث بن الحارث الأشعري فذكر حديثا طويلا وفيه: " وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع والطاعة، والجهاد،
_________________
(١) ١ انظر الاعتصام للشاطبي ص٤٤٨- ٤٥١. ٢ المصدر السابق ص٤٤٨ -٤٥١. ٣ الآية ١١٥ من سورة النساء. ٤ البخاري مع الفتح ١٣/٥،رقم (٧٠٥٣)،ومسلم ٤/٥٤٩،رقم ١٨٤٩ واللفظ له.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"١
ويتبين مما أثر عن عمر أنه كان يقصد بالعامة في تلك الآثار: "الجماعة" بدليل وصفه من خرج عنها بالضلال، ووصفه من تركها بأنه قد اتبع غير سبيل المؤمنين وهو من الهالكين، كما بين للخوارج أنهم لو كانوا أولاده من صلبه ثم خرجوا عن جماعة المسلمين وإمامهم لدق رقابهم قربة لله تعالى.
وهذا منه رحمه الله تعالى تطبيق لنص الحديث الشريف كما في صحيح مسلم أنه صلىالله عليه وسلم قال: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"٢.
وكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يحثون على لزوم الجماعة ويحذرون من الخروج عليها حرصا منهم على اتباع الكتاب والسنة، وتقديرا للعواقب، وتجنبا للفتنة ودرءا للمفسدة وحقنا لدماء المسلمين، وهذه كلها يجب على المسلم مراعاتها.
قال الآجري رحمه الله تعالى: "إن المؤمن العاقل يحتاط لدينه فالفتن على وجوه كثيرة، قد مضى منها فتن عظيمة نجا منها أقوام، وهلك فيها
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٣١٦. ٢ مسلم ٤/٥٥٠ رقم (١٨٥٢) .
[ ٢ / ٥٩٩ ]
أقوام باتباعهم الهوى، وإيثارهم للدنيا فمن أراد الله تعالى به خيرًا فتح له باب الدعاء والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه وحفظ لسانه وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة والسواد الأعظم "١.
ويبدو مما تقدم أن الراجح في الجماعة التي يراها عمر أنهم هم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن سار على نهجهم، واقتفى آثارهم، وهذا هو الحق، لأن تلك الأقوال كلها تصدق على الصحابة، وتصدق على من سار على نهجهم.
ومن المهم ذكره هنا أن هذه الجماعة التي يقصدها عمر باقية إن شاء الله تعالى إلى قيام الساعة روى البخاري عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله "٢.قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - مبينا أمر هذه الجماعة وهذه الطائفة-: "ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أوّلًا فأوّلًا، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله"٣.
_________________
(١) ١ انظر الآجري في الشريعة ص٥١-٥٢. ٢ البخاري مع الفتح ١٣/٤٤٢، رقم ٧٤٥٩. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٢٩٥.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة عنه في اتباع الكتاب والسنة
٢١٠/١- ابن عبد الحكم قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز كتب: أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله ولزوم كتابه والاقتداء بسنة نبيه وهديه١، وليس لأحد في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلىالله عليه وسلم أمر ولا رأي إلا إنفاذه والمجاهدة عليه٢ فإن الذي في نفسي وبغيتي في أمر أمة محمد صلىالله عليه وسلم أن تتبعوا كتاب الله وسنة نبيه صلىالله عليه وسلم وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد، من عمل بغيرهما فلا كرامة ولا رفعة له في الدنيا والأخرى، وليعلم من عسى أن يذكر له ذلك، ولعمري لأن تموت نفسي في أول نفس أحب إلى من أن أحملهم على غير اتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم التي عاش عليها من عاش وتوفاه الله عليها حين توفاه - إلا أن يأتي علي وأنا حريص على اتباعه - وإن أهون الناس علي تلفًا وحزَنًا لمن عسى أن يريد خلاف شيء من تلك السنة "٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٥، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٨٤. ٢ المصدر السابق ص٦٨، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٨٧. ٣ انظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧١، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٩٠.
[ ٢ / ٦٠١ ]
٢١١/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز إن الله فرض فرائض وسن سننا من أخذ بها لحق ومن تركها١ محق٢.
٢١٢/٣- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو، حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي٣.
٢١٣/٤- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى هؤلاء العصابة الذين خرجوا، أما بعد: فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ "٤.
٢١٤/٥- ابن سعد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله ابن يونس الثقفي عن سيار أبي الحكم قال: لما وُلي عمر بن عبد العزيز خرج إلى المسجد فصعد المنبر وحمد الله فأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإنه ليس بعد نبيكم نبي ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا إن ما
_________________
(١) ١ محق: محق الشيء محقا: نقصه وأهلكه وأباده ويقال: محق الله العلم اذهب بركته وأبطله ومحاه انظرالمعجم الوسيط ص٨٥٦. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٩. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٣٠. وانظر ابن عساكر ٤٥/١٩٩. ٤ المصدر السابق ص٧٥، وانظر الطبري تاريخ الأمم والملوك ٦/٥٥٥.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
أحل الله حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله حرام إلى يوم القيامة، ألا إني لست بقاض ولكني منفذ ألا إني لست بمبتدع ولكني متبع١.
٢١٥/٦- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله صلىالله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام٢ بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها٣، قال عبد الله بن عبد الحكم فسمعت مالكا يقول: وأعجبني عزم عمر في ذلك.
التعليق:
إن الآثار التي وردت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في هذا المبحث تحث على اتباع الكتاب والسنة ولزومهما، وبذل الجهد والطاقة في تطبيقهما، وإن أدى ذلك إلى قطع الأعضاء وإزهاق النفس، كما تبين
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٤٠، طبعة دار الفكر. وابن عبد الحكم في سيرة عمر ص٤٠، والفسوي المعرفة والتاريخ١/٥٧٤-٥٧٥، وابن كثير البداية والنهاية ٥/٢٢٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص٥٦، وابن عساكر تاريخ مدينة دمشق مجلد ٥/٧٥، والآجري أخبار أبي حفص ص٦٣. ٢ في جميع المصادر "تصديق" بدل "اعتصام". ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠، وتقدم تخريجه برقم ١١٥.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
المنهج الذي يسير عليه عمر في دعوة أهل البدع إلى الالتزام بالكتاب والسنة.
ولا شك أن ما ذهب إليه هنا من اتباع الكتاب والسنة والتحاكم إليهما في موارد النزاع وتحكيمهما في كل صغير وكبير، والرضا بذلك، والانقياد إليه، هو أصل الدين وأساسه، ومن الواجبات عند كل مسلم أن يقر بأن أصول الدين الإسلامي وفروعه لا تعلم إلا من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وبهذا كله جاءت النصوص والأدلة وعليه قامت البراهين والشواهد. قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١، وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٦٥ من سورة النساء، وانظر الآثار عن أئمة السلف في أبواب الاعتقاد من كتاب سير أعلام النبلاء للدكتور جمال بادي ١/١١٥. ٢ الآية ٥١ من سورة النور.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وقال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ١.
وقد خطب رسول الله صلىالله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: "ياأيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي"٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى"٣.
ومن آثار السلف الصالح في ذلك ما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلىالله عليه وسلم "٤.
فاتباع الكتاب والسنة من الأمور التي اتفق عليها سلف هذه الأمة وهي أعظم نعمة أنعم الله بها عليهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة فكان من
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة الأحزاب. ٢ أخرجه مالك في الموطأ ٣/٩٣، والحاكم ١/٩٣. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٢٤٩. رقم (٧٢٨٠) . ٤ المصدر السابق ١٣/٢٤٩.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قطُّ أن يعارض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول صلىالله عليه وسلم جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعى إليه هدي إلى صراط مستقيم، فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدي به وسنة رسول الله صلىالله عليه وسلم تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه "١.
وعندما ضعف اتباع الكتاب والسنة عند أهل الأهواء والبدع، وقعوا في حيرة من أمرهم، واستبدلوا باتباع الكتاب والسنة اتباع الفلاسفة الوثنيين، والهنود وغيرهم من أهل الضلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية "وإنما اختلف أهل الكلام لما أعرضوا عن الكتاب والسنة، فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف، وهكذا طريق العبادة عامة ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب الاعراض عن الطريق المشروع فيقعون في البدع فيقع فيهم الخلاف٢.
وقال الحافظ ابن حجر - مبينا حيرة المتكلمين، وتعنتهم، ونبذهم الكتاب والسنة، وراء ظهورهم فقال -: واشتد إنكار السلف لذلك
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١٣/٢٨- ٢٩. ٢ مجموع الفتاوى ١٩/٢٧٤.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
"يعني علم الكلام" وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه الكتاب والسنة وتوسعوا فيه، ومعلوم أنه لم يكن في عهد النبي صلىالله عليه وسلم وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء، وقد توسع من تأخر عن القرون الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو كان مستكرها، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن منه بد فليكتف بقدر الحاجة ويجعل الأول المقصود بالأصالة. والله الموفق١.
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٢٥٣.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في تجريد المتابعة للنبي ﷺ.
٢١٦/١- ابن أبي شيبة قال: محمد بن بشر قال: حدثنا عبيد الله بن الوليد عن عبيد بن الحسن، قال: قالت الخوارج لعمر بن عبد العزيز: تريد أن تسير فينا بسيرة عمر بن الخطاب؟ فقال: ما لهم قاتلهم الله؟! والله ما زدت أن أتخذ رسول الله إماما١.
٢١٧/٢- البلاذري: قال: كتب عمر بن عبد العزيز: " مروا أهل الصلاح يتذاكروا السنن في مجالسهم ومساجدهم وأسواقهم"٢.
٢١٨/٣- محمد بن نصر المروزي قال: قال الأوزاعي قال عمر بن عبد العزيز: لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنها هدى٣.
_________________
(١) ١ ابن أبى شيبة في المصنف ٨/٧٣٩. ومحمد بن بشر العبدي أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ. تقريب ص٤٦٩، وانظر الجرح والتعديل ٧/٢١٠، وعبيد الله بن الوليد ضعيف. تقريب ص٣٧٥، والجرح والتعديل ٥/٣٣٦، وعبيد الحسن المزني أو الثعلبي أبو الحسن الكوفي ثقة من الخامسة. تقريب ص٣٧٦. ٢ البلاذرى كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨ /١٦٠ ٣ محمد بن نصر المروزي في السنة ص/٣١ ط مؤسسة الكتب الثقافية ط١ بيروت ١٤٠٨هـ
[ ٢ / ٦٠٨ ]
٢١٩/٤- ابن عبد البر قال: حدثنا عبد الوارث، نا قاسم نا أحمد بن زهير، نا الحوطي، نا إسماعيل بن عياش، عن سوادة بن زياد، وعمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس أنه: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تدل على تجريد المتابعة للنبي صلىالله عليه وسلم وتجريد المتابعة له صلىالله عليه وسلم هي الشرط الثاني من شروط قبول الأعمال عند الله تعالى، وهي حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "فلا يكون العبد متحققا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ إلا بأصلين عظيمين: أحدهما متابعة الرسول ﷺ، والثاني: الإخلاص للمعبود"٢.
وهذا الذي أثر عن عمر رحمه الله تعالى تدل عليه الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة وأقوال السلف الصالح. فمن الآيات الدالة على
_________________
(١) ١ ابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ١/٧٨١، ومحمد بن نصر المروزي في السنة ٣١، وابن بطة الإبانة الكبرى ١/٢٦٢- ٢٦٣، والآجري في الشريعة ١/١٨٢، وقال محقق كتاب الشريعة إسناده صحيح رجاله ثقات. ٢ ابن القيم مدارج السالكين ١/٩٥، طبعة دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الثانية عام ١٤٠٨هـ.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
تجريد المتابعة للنبي ﷺ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ ١، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢. ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٣.
ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على تجريد المتابعة للنبي ﷺ حديث عائشة - ﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد" ٤، وفي رواية: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٥، وحديث أنس بن مالك ﵁ في قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما ذكر لهم
_________________
(١) ١ الآية ٣١ من سورة آل عمران. ٢ الآية ٦٥ من سورة النساء. ٣ الآية ٢١ من سورة الأحزاب. ٤ مسلم بشرح النووي ٤/٣٧٩، رقم (١٧١٨)، والبخاري ٥/٣٠١ رقم (٩٦٩٧) واللفظ لمسلم. ٥ لفظ مسلم انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٣٨٠.
[ ٢ / ٦١٠ ]
ذلك فكأنهم تقالُّوها فلما سمع النبي ﷺ بما أزمعوا عليه قال لهم: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
ومما أثر عن السلف الصالح في تجريد المتابعة للنبي صلىالله عليه وسلم ما تقدم ذكره من الآثار عن عمر بن عبد العزيز، وقول أبي الدرداء ﵁: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"٢، وعن الأوزاعي٣ ﵀ قال: كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله٤.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حقيقة المتابعة للنبي ﷺ: "فمحمد ﷺ أرسل إلى كل أحد، من الإنس والجن كتابيهم وغير كتابيهم في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة في عقائده وحقائقه، وطرائقه، وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا شريعة إلا
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٩/١٠٤، رقم (٥٠٦٣) . ٢ رواه اللالكائي ١/٩٩، رقم ١١٤، و١١٥ عن أبي الدرداء ﵁. ٣ هو عبد الرحمن بن عمرو ابن أبي عمرو الأوزاعي، الفقيه ثقة جليل مات سنة سبع وخمسين. تقريب ص٣٤٧. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٧١ رقم الأثر ٤٨، والحلية ٦/١٤٢.
[ ٢ / ٦١١ ]
شريعته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته، وولايته إلا بمتابعته ظاهرًا وباطنا في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، في أقوال القلب، وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه، وأقوال اللسان، وأعمال الجوارح"١.
فمتابعته ﷺ واتباعه في أمره ونهيه والاقتصار على ذلك هو سبيل المؤمنين وطريق الموحدين الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/٤٣٠- ٤٣١، وانظر الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد.
[ ٢ / ٦١٢ ]
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الحرص على لزوم السنة والذب عنها.
٢٢٠/١- ابن عبد الحكم قال: قال: سليمان بن داود الخولاني١، أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: يا ليتني قد عملت فيكم بكتاب الله، وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج روحي٢.
٢٢١/٢- الفسوي قال: حدثنا ابن بكير قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد العزيز، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبيد الله بن عاصم خال عمر بن عبد العزيز أنه قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز حين استخلف قال: وجاءه الناس من كل مكان قال: فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: والله لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق ما أحببت أن أعيش فواقا٣.
_________________
(١) ١ سليمان بن داود الخولاني أبو داود الدمشقي سكن داريَّا صدوق من السابعة. تقريب ص٢٥١. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٣٠ وأبو حفص الملاَّء ١/١٧٠، وابن سعد في الطبقات ٥/٣٤٣ ببعض اختلاف في الألفاظ. ٣ الفسوى في المعرفة والتاريخ ١/٥٧٤، وانظر ابن سعد في الطبقات ٥/٢٥٣، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص٥٥. وابن بكير هو: يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك من كبار العاشرة. تقريب ص٥٩٢. وعبد العزيز هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون روى عنه الليث بن سعد ثقة. انظر الجرح والتعديل ٥/٣٨٦. وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ثقة ثبت. تقريب ص٣٧٣. وعبد الله بن عبيد الله بن عاصم مقبول من الرابعة. تقريب ص٣١٢. وفواقا: الوقت بين الحلبتين - والوقت بين قبضتي الحالب للضرع - وما يعود فيجتمع من اللبن بعد ذهابه برضاع أو حلاب. المعجم الوسيط ص٧٠٦.
[ ٢ / ٦١٣ ]
٢٢٢/٣- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: ألا لا سلامة لامرئ في خلاف السنة ١.
٢٢٣/٤- ابن سعد قال: أخبرنا سعيد بن عامر، عن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له: فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيرًا٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٢. ٢ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٤٣، وانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٣٠، ومحمد ابن نصر المروزي في السنة ص ٣٠، وأبو حفص الملاَّء ١/١٧٠ ببعض اختلاف في اللفظ. وابن عساكر ٤٥/١٩٩. وسعيد بن عامر الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة أبو محمد البصري، ثقة صالح، وقال أبو حاتم: ربما وهم من التاسعة. تقريب ص٢٣٧. وحزم بن أبي حزم القطعي - بضم القاف وفتح الطاء - أبو عبد الله البصري صدوق يهم من السابعة مات سنة ٧٥هـ خ. تقريب ص١٥٧.
[ ٢ / ٦١٤ ]
٢٢٤/٥- الآجري قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: نا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، قال: حدثني شيخ - قال مؤمل: زعموا أنه أبو رجاء الخراساني - أن عدي بن أرطأة كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إن قبلنا قوما يقولون: لا قدر، فاكتب إلي برأيك، واكتب إلي بالحكم فيهم فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عدي بن أرطأة. أما بعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه وترك ما أحدث المحدثون مما قد جرت سنته وكفوا مؤنته. فعليكم بلزوم السنة فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق "١.
_________________
(١) ١ الآجرى في الشريعة ١/٤٤٣-٤٤٤، وسنن أبي داود ٤/٢٠٢.، والإمام أحمد في الزهد ص٤١٦. وأبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي القطان ثقة. انظر تاريخ بغداد ١٠/١٠٥. وأبو موسى محمد بن المثنى العنزي ثقة. انظر الجرح والتعديل ٨/٩٥. ومؤمل بن إسماعيل أبو عبد الرحمن مولى آل عمر بن الخطاب بصري وثقه يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ يكتب حديثه. انظر الجرح والتعديل ٨/٣٧٤. وسفيان الثوري ثقة حافظ إمام فقيه. تقريب ٢٤٤. وأبو رجاء الخراساني هو عبد الله بن واقد بن الحارث بن عبد الله الحنفي أبو رجاء الهروي الخراساني ثقة موصوف بخصال الخير من السابعة. تقريب ص٣٢٨. وعدي بن أرطأة الفزاري عامل عمر بن عبد العزيز مقبول من الرابعة. تقريب ص٣٨٨. والأثر صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٣٨٥٦) كما صححه محقق كتاب الشريعة انظر الحاشية ١/٤٤٣.
[ ٢ / ٦١٥ ]
التعليق:
يظهر مما سبق نقله عن عمر بن عبد العزيز أنه كان من أحرص الناس على لزوم السنة والتمسك بها والذب عنها، بل إنه قد وظَّف الخلافة لخدمة السنة. وهذا المنقول عنه هو ما عليه السلف الصالح، والآثار المروية عنهم كثيرة جدًا في هذه المسألة فمنها:
قول أبي بكر الصديق ﵁: "لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ"١.
_________________
(١) ١ الإبانة لابن بطة ٢/٢٤٦.
[ ٢ / ٦١٦ ]
وقول ابن عباس ﵄: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر"١.
وقول الأوزاعي لمخلد بن الحسين: "يا أبا محمد إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فلا تظنن غيره ولا تقولن غيره، فإن محمدا إنما كان مبلغا عن ربه"٢.
ومنها رسالة أسد بن موسى، قال ابن وضاح وكتب أسد بن موسى إلى أسد بن الفرات رسالة وفيها: وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك، إن حدث بك حدث فيكونوا أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفا من نبيك ﷺ فأحْيِ كتاب الله وسنة رسوله فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه "٣.
ويكفي في بيان حرص عمر على العمل بالسنة قوله: "لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق ما أحببت أن أعيش فواقا".
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله ٢/١٩٦، والفقيه والمتفقه ١/١٤٥. ٢ الفقيه والمتفقه ١/١٤٩. ٣ ما جاء في البدع لابن وضاح القرطبي ص٣٦ تحقيق بدر البدر.
[ ٢ / ٦١٧ ]
ومن تتبع سيرة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في حرصهم على لزوم السنة والذب عنها والدفاع عنها لوجد بغيته المقصودة وما أثر عن عمر في هذا المبحث يشفي الغليل وينير السبيل والله الموفق.
[ ٢ / ٦١٨ ]
المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الأمر بالتمسك بما عليه الفطرة
المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الأمر بالتمسك بما تدل عليه الفطرة.
٢٢٥/١- ابن سعد: قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة، قال: أخبرنا سفيان، عن جعفر بن برقان، قال: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن شيء من الأهواء فقال: الزم دين الصبي في الكُتّاب والأعرابي، والْهَ عما سوى ذلك١.
التعليق:
إن هذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يُلْمَحُ منه أنه يرى أن العباد مخلوقون على الدين القويم، وأن الانحراف عنه طارئ وحادث، وهذا ما دل عليه القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧٤. والدارمي في السنن ١/٧٠٣، وابن بطة في الإبانة ١/٣٤٣، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة برقم ٢٥٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص٨٦، وأبو حفص الملاء ١/٣٥، الفريابي في القدر ص٢١٨، وقد صحح إسناد هذا الأثر النووي، في تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٢. ٢ الآية ٣٠ من سورة الروم.
[ ٢ / ٦١٩ ]
ودلت عليه السنة الصحيحة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء١ هل تحسون فيها من جدعاء"٢ ثم يقول أبو هريرة ﵁ -: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم٣.
فالفطرة السليمة تقر بخالقها وتحبه وتتذلل له وتخلص له الدين وفيها قوة موجبة لذلك، وكذلك تقر بشرعه وتؤثر هذا الشرع على غيره. فهي تعرف هذا الشرع وتشعر به مجملا ومفصلا بعض التفصيل، فجاءت
_________________
(١) ١ جمعاء: أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها فلا جدع ولا كي. النهاية في غريب الحديث، والأثر ١/٢٩٦ طبعة دار الفكر تحقيق طه أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناسي. ٢ جدعاء: أي مقطوعة الأطراف أو واحدها. ومعنى الحديث أن المولود يولد في نوع من الجبلة وهي فطرة الله تعالى وكونه متهيئا لقبول الحق طبعا وطوعا لو خلته شياطين الإنس والجن وما يختار لم يختر غيرها فضرب لذلك بالجمعاء والجدعاء مثلا. يعني إن البهيمة تولد مجتمعة الخلق سوية الأطراف سليمة من الجدع لولا تعرض الناس إليها لبقيت كما ولدت سليمة. النهاية في غريب الحديث والأثر ١/٢٤٧. ٣ البخاري مع الفتح٣/٢١٩، رقم (١٣٥٨)، ومسلم ٦/١٥٧-١٥٨رقم (٢٦٥٨)
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الرسل تذكرها بذلك وتنبهها عليه وتفصله لها وتبينه، وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة المانعة من اقتضائها أثرها١.
ولا شك أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يُلَمِّح بقوله: الزم دين الصبي الذي في الكُتّاب والأعرابي والْهَ عمّا سوى ذلك تلك الفطرة السليمة التي لم تدنسها الأهواء ويؤيد ذلك ما مثل به رحمه الله تعالى من دين الصبي الذي بدأ يتعلم في الكتاب وهو بلا شك على فطرته السليمة، فلو سئل مثلا عن علو الله ﵎ لأجاب بالإثبات، وكذلك الأعرابي السليم الفطرة، فلو سئل عن ربه لأجاب بأنه تعالى عال على خلقه، فأمر رحمه الله تعالى من سأله عن الأهواء بأن يلتزم الفطرة، وأن لا يتدخل في متاهات أهل الأهواء الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
والذي نَلْمَحُهُ عن أثر عمر هنا هو أرجح الأقوال في معنى الفطرة المقصودة في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فقد اختلف العلماء في المراد بالفطرة في هذه الآية إلى عدة أقوال٢، ذكرها الإمام ابن
_________________
(١) ١ انظر شفاء العليل ص٦٢٩- ٦٣٠. ٢ انظر هذه الأقوال بتوسع في عقيدة الإمام ابن عبد البر في التوحيد والإيمان عرضا ونقدا تأليف سليمان صالح الغصن ط. دار العاصمة. ص٤٢٦- ٤٤٨.
[ ٢ / ٦٢١ ]
عبد البر في التمهيد١، كما ناقشها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم٢، ثم رجح شيخ الإسلام وابن القيم القول بأن الفطرة هي الدين الذي ولد عليه الإنسان وهو دين الإسلام الحنيف، ولا يعني هذا أن الطفل يولد وهو عارف بالدين وإنما المقصود أن الطفل يولد على نوع من الجبلة ويكون متهيئا لقبول الحق طبعا وطوعا لو خلته شياطين الإنس والجن وما يختار لم يختر غير الإسلام، وهذا ما يلمح عن أثر عمر رحمه الله تعالى بقوله" الزم دين الصبي الذي في الكُّتاب والأعرابي". لأن الصبي والأعرابي بعيدان عن تنطع أهل الأهواء متمسكان بما ولدا عليه من الفطرة السليمة. وقد بدأ الصبي يتعلم، وهو أمر ينمي فطرته ويرشدها.
ولا شك أن الأدلة السابقة من الكتاب والسنة وهذا الأثر الوارد عن عمر ﵀ كل ذلك يعتبر ردًا على المتكلمين ومن انتحل مذهبهم في معرفة الله وأن أول واجب على المسلم هو النظر، قال الإيجي: " النظر في معرفة الله تعالى واجب إجماعا"٣، أو أن أول ما أوجب الله على المسلم
_________________
(١) ١ انظر التمهيد ١٨/٩٤. ٢ انظر درء تعارض العقل والنقل ٨/٣٦٧، وشفاء العليل من ص٥٥٩- ٦٠٠. ٣ المواقف في علم الكلام لعضد الدين القاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ص٢٨ طبعة عالم الكتب بيروت.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
هو: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى"١، أو القصد إلى النظر الصحيح٢، أو أن أول الواجبات هو الشك لأن النظر بعده"٣، إلى ما هنالك من سفسطة أهل الكلام، ولا يعني هذا أن السلف الصالح يحرمون النظر مطلقًا وإنما يجيزون النظر في الشيء الذي لا يحصل العلم به إلا بالنظر. فيجب النظر في مسائل النزاع التي لا يعلم الحق فيها إلا بالنظر فإذا أراد معرفة الحق فيها وجب عليه النظر. فالنظر يجب في حال دون حال وفي شخص دون شخص. فوجوبه من العوارض التي تجب على بعض الناس في بعض الأحوال لا من اللوازم العامة٤. فالعلم بمعرفة الله ضروري، ولو كان نظريا لكان على الرسل أول ما يدعون إلى النظر،
_________________
(١) ١ انظر شرح الأصول الخمسة ص٣٩ لعبد الجبار الهمداني تعليق أحمد بن الحسين بن أبي هاشم تحقيق وتقديم الدكتور عبد الكريم عثمان طبعة مكتبة وهبة ط. الثانية ١٤٠٨هـ. ٢ انظر الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني ص٢٥ تحقيق أسعد تميم طبعة مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الأولى عام ١٤٠٥هـ بيروت لبنان. ٣ انظر شرح المقاصد لمسعود بن عمر بن عبد الله الشهير بسعد الدين التفتازاني ص٢٧٠ تحقيق وتعليق الدكتور عبد الرحمن عميرة طبعة عالم الكتب الطبعة الأولى عام ١٤٠٩هـ. ٤ انظر مجموعة الرسائل الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢/٣٤٧- ٣٤٩.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وهذا مما علم فساده من دين الإسلام فإن كل كافر إذا أراد الدخول في دين الإسلام أول ما يؤمن بالشهادة فلو قال: أنا أقر بالخالق لم يكن بذلك مسلما، ولو قال: أنا أعرف الله أنه رب العالمين ورازقهم ومدبرهم لم يصر بذلك مسلما، فمعرفة الله فطرية حاصلة لجمهور الخلق١.
والمقصود أن معرفة الله تعالى فطرية بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ حيث فسرت الفطرة بالدين في الآية وكذلك في الحديث حيث قال ﵊: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه" ولم يقل عليه الصلاة يمسلمانه لأن الطفل مولود على الإسلام، والمتكلمون أو جبوا النظر والاستدلال بطريق خاص وضعوه ومنعوا حصول المعرفة للخالق ﷾ قبل النظر في الآيات الكونية والنفسية، ومن باب أولى لا يكون فيها ميل إلى عبادة الله ﷿ أو محبته أو تعظيمه. فالقلوب ليست مفطورة على المعرفة وإنما المعرفة تنشأ بالاستدلال، وهذا الخلط والبعد عن الصواب ناتج عن عدم إدراكهم أن المعرفة ثابتة في القلوب، وأنها مما فطر عليها الخلق وأن البحث عنها إنما هو من باب تحصيل الحاصل وأن الأنبياء إنماجاءوا بدعوة الناس إلى العبادة، ولم يدعوهم إلى المعرفة ولا إلى وسائلها
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل الكبرى ٢/٣٤٨.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
أو مقدماتها، وأن ما كان من ذلك فإنما لزيادة المعرفة، وتوضيحها لا إلى تحصيلها وتأسيسها. والسلف الصالح مجمعون على أن العباد مفطورون على معرفة خالقهم وأن إتمام معرفتهم أو تصحيحها لا يحتاج إلى غير طرق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهو ما جاءوا بتقريره وتأكيده١.
_________________
(١) ١ انظر: فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها للدكتور أحمد سعد حمدان الغامدي ص٢٠٢-٢٠٣ الطبعة الأولى عام ١٤١٥هـ طبعة دار طيبة الرياض
[ ٢ / ٦٢٥ ]
المبحث السادس: الآثار عن عمر في التمسك بأخبار الآحاد في العقيدة.
٢٢٦/١- أبو زرعة قال: وحدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن الحارث، عن أبي سلام، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى صاحب دمشق، أن سل أبا سلام عما سمع من ثوبان - مولى رسول الله ﷺ - في الحوض، فإن كان يثبته فاحمله على مركبة من البريد١.
٢٢٧/٢- وقال: أخبرني يحيى بن صالح الوحاظي قال: حدثنا محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلاَّم أنه دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: لقد شققت عليَّ يا أمير المؤمنين، قال: ما أردت ذاك، ولكن أحببت أن تشافهني بحديث ثوبان في الحوض٢.
٢٢٨/٣- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من
_________________
(١) ١ أبو زرعة في التاريخ ص١٦٤. ٢ المصدر السابق ص١٦٤. وقد تقدم في الإيمان بالحوض.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا١.
قال عبد الله بن عبد الحكم فسمعت مالكا يقول وأعجبني عزم عمر في ذلك.
التعليق:
يتبين مما أثر عن عمر رحمه الله تعالى فيما تقدم من الآثار أخذه بأخبار الآحاد في العقيدة، حيث اكتفى بخبر أبي سلام فقط، مع أنه وحده. كما تبين آنفًا، وكما تبين أيضا في تلك الآثار منهج أهل السنة والجماعة في التثبت في الأحاديث. ويتضح في الأثر الثالث منها تمسكه ﵀ بأخبار الآحاد في العقيدة وذلك في قوله: "سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله" فلم يفرق رحمه الله تعالى بين السنة الآحادية، وغيرها من السنن كما لم يفرق بين هذه السنن سواء كانت في باب الاعتقاد أو العبادات أو المعاملات وإنما بين أن الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا النظر في أمر خالفها، وبين أن الأخذ بها هو سبيل المؤمنين من حاد عنه تولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، ولا شك أن الأخذ بأخبار الآحاد
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠ وقد تقدم تخريجه برقم ١١٥.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
في العقيدة هو مذهب السلف الصالح حيث تلقوا أحاديث الصفات والعقائد ودوّنوها في مؤلفاتهم موقنين بصحتها، عالمين يقينا بأن رسول الله ﷺ جاء بها كما جاء بالصلاة والزكاة، والتوحيد كصنيع الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه١، وغيره من أئمة السلف، وذلك لأن الذين نقلوا هذه الأحاديث الآحادية في العقيدة هم الذين نقلوا لنا جميع علوم الشريعة فيلزم من رد بعض أخبارهم وقبول البعض التفريق بين متماثلين، وإلحاق الطعن بالصحابة والسلف وعدم الثقة بأخبارهم مع ما عرف من ورعهم وتثبتهم، وتحريهم للصدق، إلى غير ذلك مما ينافي سوء الظن بهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرا من أهل الكلام أو
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٢٣١- ٢٤٤ وأخبار الآحاد في الحديث النبوي حجيتها مفادها والعمل بموجبها للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين عضو الإفتاء بالمملكة ص١٢٤ ط. دار عالم الفوائد عام ١٤١٦هـ.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك وهو قول الأشعرية "١.
وخبر الواحد الذي نقصده ضمن كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى السابق هو خبر الواحد الصحيح المحفوف بالقرائن وهو يفيد العلم بلا شك عند عامة السلف. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى:" إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلىالله عليه وسلم ورواه الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم. هذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية، والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول"٢.
وقد استدل المثبتون لأخبار الآحاد في العقيدة بأدلة كثيرة جدا منها:
١- أننا نعلم يقينا أن النبي صلىالله عليه وسلم كان يبعث أفرادا من الصحابة إلى مختلف البلاد ليعلموا الناس دينهم كما أرسل عليا، ومعاذا، وأبا موسى إلى اليمن في نوبات مختلفة. ونعلم يقينا أيضا أن أهم شيء في الدين إنما
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٣/٣٥١، ٣٥٢. ٢ نقله عنه السيوطي في صون المنطق ص١٦٠- ١٦١.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
هو العقيدة فهي أول شيء كان أولئك الرسل يدعون الناس إليه، وقد كان كل منهم أرسل منفردا فلو كانت أخبار الآحاد لا تثبت بها العقائد لكان عمل رسول الله ﷺ في غير موضعه وحاشاه، فظهر بطلان هذا القول وثبت وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد١.
٢- أن القول بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة مخالف لجميع أدلة الكتاب والسنة التي نحتج بها نحن، والقائلون بعدم كون السنة الآحادية ليست حجة في العقيدة، وذلك لعمومها وشمولها لما جاء به رسول الله ﷺ عن ربه سواء كان عقيدة أو حكما فتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص وذلك باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل٢.
٣- قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٣، أي لا تتبعه ولا تعمل به، ومن المعلوم أن المسلمين لم يزالوا من عهد الصحابة يقْفون أخبار الآحاد ويعملون بها ويثبتون بها الأمور الغيبية والحقائق الاعتقادية مثل بدء الخلق وأشراط الساعة، بل يثبتون بها لله تعالى الصفات فلو
_________________
(١) ١ انظر وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة للألباني ط. دار العلم ص١٠- ١٢. ٢ انظر المصدر السابق ص٨، وانظر الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للألباني ص٤٥ ط. الدار السلفية، ط. الثالثة عام ١٤٠٠هـ. ٣ الآية ٣٦ من سورة الإسراء.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
كانت لا تفيد علما ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قَفَوْا ما ليس لهم به علم، وهذا مما لا يقوله مسلم١.
وقد ذكر العلماء قديما وحديثا حججا كثيرة في الأخذ والاحتجاج بأخبار الآحاد في العقيدة منهم فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وفضيلة الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر وغيرهم كثير.
_________________
(١) ١ الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام ص٥٠.
[ ٢ / ٦٣١ ]
المبحث السابع: الآثار عن عمر في الاعتصام بسنة الخلفاء الراشدين.
٢٢٩/١- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا جعفر ابن محمد الفريابي، حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عرعرة بن البرنْد، عن حاجب بن خليف البرجمي، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله ﷺ وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سن سواهما فإنا نرجئه١.
٢٣٠/٢- ابن عبد الحكم قال: وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: من عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أما بعد: فقد ابتليت بما ابتليت به من أمر هذه الأمة من غير مشاورة مني، ولا إرادة يعلم الله ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا، فاكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب في أهل القبلة وأهل العهد، فإني سائر بسيرته، إن أعانني الله على ذلك والسلام٢.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٨، وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص٢٨٨، وقد تقدم الأثر مع ترجمة لرجال سنده برقم ١١١. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٧، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ص٢٨٤، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٠٨، والآجري أخبار أبي حفص ص٧٠-٧١، وأبو حفص الملاَّء ١/٣٩٥- ٣٩٦ مع بعض الاختلاف في الألفاظ.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
٢٣١/٣- عبد الرزاق قال: عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عون بن عبد الله، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز أعدلان عندك عمر وابن عمر؟ قال: قلت نعم. قال: إنهما لم يكونا يكبران هذا التكبير١.
٢٣٢/٤- أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني آدم حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران، قال الزهري، فكان رأي عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان (عن أبيه): ليس على المجنون ولا السكران طلاق، فقال عمر: تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده وردَّ إليه امرأته٢.
٢٣٣/٥- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة
_________________
(١) ١ عبد الرزاق في المصنف ٢/٦٦. ٢ أبو زرعة في التاريخ ١/٥٠٩، وانظر ابن أبي شيبة في المصنف ٤/٣١، والبخاري مع الفتح ٩/٣٩١، وآدم هو آدم بن أبي إياس: عبد الرحمن العسقلاني ثقة عابد مات سنة ٢١هـ تقريب ص٨٦. وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، ثقة فاضل مات سنة ٥٨هـ. تقريب ص٤٩٣. والزهري هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري القرشي أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه مات سنة ٢٥هـ. تقريب ص٥٠٦.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها، واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولىّ وأصلاه جهنم وساءت مصيرا١.
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تبين اعتصامه ﵀ بسنة الخلفاء الراشدين وقد أمرنا رسول الله ﷺ بالتمسك بسنته وبسنتهم عند حدوث الاختلاف فقال: "اتقوا الله وعليكم بالسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠ وقد تقدم تخريجه برقم ١١٥. ٢ الحديث أخرجه الترمذي ٥/٤٤، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في المقدمة ١/١٥-١٦، والدارمي ١/٤٤-٤٥، وابن أبي عاصم في السنة ص٢٩، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة للألباني ط المكتب الإسلامي الطبعة الثالثة عام ١٤١٣هـ وصححه الألباني وقال: إسناده صحيح رجاله ثقات.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي، عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر "١.
هذا وقد اختلف العلماء في اجتماع الخلفاء الأربعة هل هو إجماع أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد٢، وهذا فيما يتعلق بالأحكام.
أما العقائد فيتضح من الآثار السابقة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه يرى وجوب الأخذ بسنة الخلفاء الراشدين ويحرم الخروج عما أجمعوا عليه، ولا ريب أنه يقصد بسنتهم ما يتعلق بالاعتقاد لأنه أصل الدين، "ولأن الصحابة قد تنازعوا في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموا
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ٥/٦١٠، ومسند أحمد ٥/٣٨٥، وانظر جامع العلوم والحكم ص٢٨٧، وابن ماجة في المقدمة ١/٣٧، وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٢٠٠. ٢ انظر ابن القيم إعلام الموقعين ٤/١١٨- ١٥٦ فقد فصّل في هذه المسألة بما فيه الكفاية. وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٢٨٧.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
أدلتها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا، وأجروها على سنن واحد، لم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه"١. ولذا يرى عمر إجماعهم حجة وهو الحق، فهم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.
أما ما يتعلق بالأحكام فيظهر مما أثر عن عمر أنه كان يعتصم بسنتهم كذلك، ويرجع إلى أقوالهم عند النزاع، وهذا ما دل عليه الحديث الشريف: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " فعض عمر على سننهم بالنواجذ، وأخذ بها في الحكم على أهل القبلة وأهل العهد، كما أخذ بها في العبادات، والمعاملات، وقد أولى الخليفة الأول والثاني أبابكر وعمر جل اهتمامه، وعدَّ الأخذ بسنتهم أخذًا بسنة الرسول ﷺ كما أخذ بسنة الخليفة الثالث فور سماعه وطبَّق تلك السنة، واعتصم بسنة الخليفة الرابع في معاملة الخوارج حيث ناظرهم وكتب إليهم فلما
_________________
(١) ١ انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ١/٤٩.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
تمادوا حاربهم، وقضى على أموالهم وذراريهم وأسراهم بقضاء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه١، بل يرى عمر أن من خرج عن سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين ﵃ فهو خارج عن سبيل المؤمنين، وهو من الفرقة الهالكة، وكل ما سنه الخلفاء الراشدون فإنه من سنته ﷺ لأنهم إنما سنوه بأمره ولا يكون في الدين واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلا ما حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ولا مكروها إلا ما كرهه ولا مباحا إلا ما أباحه٢.
واتباع سنة الخلفاء الراشدين في العقائد والأحكام هو ما عليه السلف الصالح وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر معاملته مع الخوارج في طبقات ابن سعد ٥/٣٥٧- ٣٥٨. ٢ انظر مجموع الفتاوى ١/٢٨٢. ٣ الآية ١١٥ من سورة النساء.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
الفصل الثاني: الآثار عن عمر في التحذير من الأهواء والبدع.
تمهيد:
البدعة لغة: بدع الشي يبدعه بدعا، وابتدأه: أنشأه وبدأه، وبدع الركية: استنبطها وأحدثها. وركي بديع: حديثه الحفر.
والبدع: الشيء الذي يكون أوّلًا، وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ١ أي ما كنت أول من أرسل قد أرسل قبلي رسل.
والبدعة: الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال٢.
إذا: فالبدعة لغة تطلق على الأمر المخترع على غير مثال سابق، وأما تعريف البدعة اصطلاحا: فهي: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه٣.
والبدع على قسمين:
_________________
(١) ١ الآية ٩ من سورة الأحقاف. ٢ لسان العرب ١/٣٤١-٣٤٢ وانظر معجم مقاييس اللغة ١/٢٠٩- ٢١٠. ٣ الاعتصام ١/٣٦.
[ ٢ / ٦٤١ ]
القسم الأول: بدعة حقيقية وهي ما استحدث في الدين أصلا ووصفا وذلك كالطواف حول القبور، وإسراجها ونحو ذلك.
القسم الثاني: بدعة إضافية وهي ما استحدث في الدين بوصفه دون أصله وذلك كالذكر الجماعي بصوت واحد فإن أصل مشروعية الذكر جاء الشرع بها ولكنه على هذه الصفة لم يرد شرعا١.
والبدع بنوعيها مذمومة شرعا قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٢ وقوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ٣ وقد حذر ﷺ من البدع لخطرها على الدين فقال: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٤.
وأوضح أن المبتدع مغير للدين محروم من الشرب من حوضه فقال ﷺ: "أنا فرطكم على الحوض وليختلجن رجال دوني فأقول: ربي أصحابي فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"٥.
_________________
(١) ١ انظر: المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية ص٣٦٠. ٢ مسلم ٤/٣٧٩ رقم ١٧١٨. ٣ الحديث أخرجه الترمذي ٥/٤٤، وأبو داود ٥/١٣-١٥، والدارمي ١/٤٤-٤٥، وأحمد ٤/١٢٦- ١٢٧. ٤ سنن الترمذي ٥/٤٤ وقال حسن صحيح. ٥ البخاري مع الفتح ١١/٤٦٣ رقم ٦٥٧٥.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
والبدعة ناقضة لركنية المتابعة في العمل لكونها مخالفة للسنة النبوية المطهرة، فيكون العمل الذي فقد هذا الشرط مردودا على صاحبه كما تكمن خطورة الابتداع في كونه استدراكا على الشريعة وافتياتا عليها ومخالفة صريحة لأوامر رسول الله ﷺ الذي حث أمته على التمسك بسنته وحذرهم من الإحداث والابتداع في الدين.
ومن خطورة الابتداع في الدين أيضا كونه اتباعا للهوى ومعاندة للشرع فلذا نرى السلف الصالح ﵏ يحذرون من اتباع الهوى لأنه يجر إلى البدع١ هذا وقد أثرت عن عمر بن عبد العزيز آثار في النهي عن اتباع الهوى والابتداع في الدين. والتحذير من اتباع أهل الأهواء، فمن ذلك ما رواه:
٢٣٤/١- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثنا داود بن عمرو، حدثنا ابن المبارك، أخبرني الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة٢.
_________________
(١) ١ انظر: مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية ص٦٣ تأليف د. إبراهيم البريكان ط. دار السنة الخبر عام ١٤١٥هـ. ٢ الزهد وزوائده ص٤٠٨،وقد سبق تخريجه برقم٢٠٧. وداود بن عمرو ثقة انظر تقريب التهذيب ص١٩٩.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
٢٣٥/٢- ابن سعد قال: حدثنا قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري عن جعفر بن برقان قال: إن عمر بن عبد العزيز قال لرجل، وسأله عن الأهواء فقال: عليك بدين الصبي الذي في الكتاب، والأعرابي واله عما سوى ذلك١.
٢٣٦/٣- البلاذري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: أمت كل بدعة وأحي كل سنة من سنن الإسلام وشريعة من شرائعه ولا تأخذنك في الله لومة لائم٢.
٢٣٧/٤- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: فمن كان سائلا عن الذي في نفسي، وعن بغيتي في أمر أمة محمد ﷺ، فإن الذي في نفسي وبغيتي منه والحمد لله رب العالمين أن تتبعوا كتاب الله، وسنة نبيه، وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد "٣.
٢٣٨/٥- الآجري قال: وحدثني أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: نا أبو موسى محمد بن المثنى قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، قال: حدثني شيخ، قال مؤمل: زعموا
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٧٤،، وقد تقدم تخريجه برقم ٢٢٥. ٢ البلاذرى كتاب جمل من أنساب الأشراف٨ /١٥٦. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧١.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
أنه أبو رجاء الخراساني أن عدي بن أرطأة كتب إلى عمر بن عبد العزيز: أن قبلنا قوما يقولون: لا قدر فاكتب إلى برأيك
فكتب عمر: أما بعد: " فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد جرت سنته، وكفوا مؤنته، "١.
٢٣٩/٦- ابن عبد الحكم أن عمر بن عبد العزيز قال: " والله لولا أن أنعش سنة، أو أسير بحق، ما أحببت أن أعيش فواقا"٢.
٢٤٠/٧- عبد الرزاق الصنعاني قال: أخبرنا معمر بن راشد أن عمر ابن عبد العزيز قال: قد أفلح من عصم من الهوى، والغضب، والطمع٣.
٢٤١/٨- الإمام الشافعي قال: سمعت عبد الله بن مؤمل المخزومي يحدث عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن عن عمر بن عبد العزيز قال: لم
_________________
(١) ١ الآجرى في الشريعة ١/٤٤٣- ٤٤٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٨، وسنن أبي داود ٤/٢٠٢- ٢٠٣، وقد تقدم في الإيمان بالقدر بسند آخر. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٢،وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٧، والفسوي المعرفة والتاريخ ١/٥٧٤، وابن سعد في الطبقات ٥/٣٤٣، وابن الجوزي سيرة عمر ص٧٢. وابن عساكر تاريخ دمشق ٤٥/١٩٩. ٣ عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٦،وابن كثير البداية والنهاية٥./٢٣٦.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا١.
٢٤٢/٩- الخطيب البغدادي قال: أخبرنا التنوخي، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن البهلول التنوخي حدثني أبي حدثنا أبو الحسن المثنى بن جامع، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا فرج بن فضالة، عن كليب بن ميمون، عن ميمون بن مهران، قال: أوصاني عمر بن عبد العزيز فقال: يا ميمون لا تخل بامرأة لا تحل لك وإن أقرأتها القرآن، ولا تتبع السلطان وإن رأيت أنك تأمره بمعروف وتنهاه عن منكر، ولا تجالس ذا هوى فيلقي في نفسك شيئا يسخط الله به عليك٢.
_________________
(١) ١ الإمام الشافعي في السنن له ٢/٥٢ تحقيق الدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر، ط. دار القبلة للثقافة جدة عام ١٤٠٩هـ قال: والأثر أسنده ابن ماجة ١/٢١، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال المحقق إسناده ضعيف، وله شاهد عن عروة بن الزبير، أما سند الشافعي ففيه شيخه مؤمل ضعيف، لكن الأثر بإسناده وشاهده يتقوى. انظر حاشية السنن للشافعي ٢/٥٢، وقد ذكر هذا الأثر أيضا السيوطي في صون المنطق والكلام ص٣٧، عن عمر بن عبد العزيز به. ٢ الخطيب البغدادي تاريخ بغداد ١٣/١٧٣، وانظر ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٩وفي الأثر فرج بن فضالة التنوخي ضعيف. انظر تقريب التهذيب ص٤٤٤.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
التعليق:
يظهر من الآثار السابقة المأثورة عن عمر النهي عن اتباع الهوى والابتداع في الدين وهو ما جاءت النصوص الصحيحة وأقوال السلف بالنهي عنه قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ١.
وقال ﷿ مبينا أن اتباع الهوى ضد اتباع النص فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٢.
ومن السنة قوله ﷺ: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"٣.
ومن أقوال السلف ما روى عن ابن عمر ﵄: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة٤.
وعن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ قال: سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن فجادلوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله٥.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية:١٥. ٢ سورة القصص آية ٥٠. ٣ صحيح مسلم ٢/٥٩٢. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢١٤. ٥ المصدر السابق ١/١٢٣.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
فهذه النصوص من الكتاب والسنة وأئمة السلف تحذرنا من اتباع الهوى والابتداع في الدين، ويظهر فيما سبق من الآثار المنقولة عن عمر ابن عبد العزيز ﵀ الحرص الشديد في رد البدع والأهواء المضلة، فالتناجي في أمور الدين خارج جماعة المسلمين سمة من سمات أهل البدع ولله در عمر فقد وُفِّق في هذه الجملة المأثورة التي تعد كأنها من الإلهام. "إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة"
وهذه السمة سمة بارزة لأهل الأهواء والبدع في كل الأزمان والأوقات، وكما علم أن الأهواء المضلة مردودة بالكتاب والسنة فقد بين عمر رحمه الله تعالى أنها مردودة بالفطر السليمة التي لم تدنس بأفكار المنحرفين فقد أجاب من سأله عن شيء من الأهواء بقوله "عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سوى ذلك".
هذا ولأصحاب الديانات الأخرى كاليهود، والنصارى، وغيرهم، ممن بدلوا دينهم، وحرفوا كتبهم أراء فاسدة متأصلة في نفوسهم، ولهؤلاء يد في ترويج البدع والأهواء، والآراء الباطلة التي ورثوها عن آبائهم فوُجِد في كثير منهم بعد دخولهم في الإسلام واندماجهم في المسلمين، آراء ضارة على الإسلام والمسلمين فكان عمر ﵀ يحذر من ذلك بقوله:
[ ٢ / ٦٤٨ ]
لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا" وهذا صحيح فإن ابن سبأ يهودي وهو رأس الروافض وهو السبب في خروج الخوارج كما أن كثيرا من زعماء الفرق الضالة كالجهمية، والمعتزلة، والمرجئة من أبناء الديانات الأخرى المندمجين في المجتمع الإسلامي بعد الفتوحات الإسلامية. وهذه الآثار المروية عن عمر يظهر منها أن عمر قد أدى ما عليه من النصيحة لدين الله بهذه العبارات الرائعة التي يحذر فيها من اتباع الهوى وإحداث البدع التي أساس كل الشرور، والخروج عن الدين الصحيح ولقد أكثر العلماء فيما كتبوه محذرين عن البدع ومضارها الكثيرة على الفرد والمجتمع، مثل ما كتبه الملطي في كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، وابن وضاح القرطبي في كتابه كتاب فيه ما جاء في البدع، وكتاب الحوادث والبدع للطرطوشي وكتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامه، والاعتصام للشاطبي، والأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي وفي عصرنا وجدت مؤلفات عدة ورسائل جامعية عالجت موضوع البدعة وأحكامها١.
_________________
(١) ١ مثل: البدعة وأحكامها للدكتور سعيد بن ناصر، وموقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي. وتنبيه أولى الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لشيخنا الدكتور صالح بن سعد السحيمي حفظه الله.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
الفصل الثالث: الآثار عن عمر في بيان سمات أهل الأهواء والبدع.
تمهيد:
كان عمر على جانب من الذكاء والفطنة، وكان له فراسة قلما تخطئ وقد أثر عنه مواقف كثيرة في هذا المجال وقد ورد "اتقوا فراسة المؤمن"١، وقد شابه في هذا جده الأعلى عمر بن الخطاب رضي اله عنه وفيما يتعلق بأهل الأهواء والبدع وردت له بعض المواقف التي سنذكر أهمها فيما يلي:
٢٤٦/١- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثنا عبد الله حدثنا بيان، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا بشر بن الحارث، قال: سمعت عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عمن حدثه قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما انتجى قوم في دينهم دون جماعتهم إلا كانوا على تأسيس ضلالة٢.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ٥/٢٧٨-٢٧٩ وضعفه الألباني. انظر ضعيف سنن الترمذي ص٣٨٧. ٢ الزهد وزوائده ص٤١٠، وقد تقدم بسند آخر.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
٢٤٧/٢- وحدثنا عبد الله، حدثنا داود بن عمر، وحدثنا ابن المبارك، أخبرني الأوزاعي، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة١.
٢٤٨/٣- وحدثنا عبد الله حدثني حسين بن الجنيد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن عثمان، قال سمعت عمر بن عبد العزيز قال: " انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٢٣.
٢٤٩/٤- ابن عبد الحكم في رسالة عمر إلى الخوارج وفيها وأذكركم بالله أن تشبهوا علينا كتاب الله وسنة نبيه ونحن ندعوكم إليهما "٤.
٢٥٠/٥- ابن عبد الحكم قال: قال عمر: " فمن كان سائلا عن الذي في نفسي. وعن بغيتي في أمر محمد ﷺ فإن الذي في نفسي وبغيتي
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص٤٠٨. ٢ الآية ٧ من سورة آل عمران. ٣ الزهد وزوائد هـ ص٤١٢ وقد تقدم في الإيمان بالقرآن. ٤ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٠.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
منه والحمد لله رب العالمين أن تتبعوا كتاب الله وسنة نبيه، وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد١.
٢٥١/٦- ابن عبد الحكم أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد رسالة وفيها وما من قوم يسمعون بقضاء إمام إلا سيختلفون فيه على أهوائهم إلا من رحم الله فإن من رحم الله لا يختلفون في قضائه فإنه قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٢،٣.
٢٥٢/٧- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز:" سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا٤.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٧١. ٢ الآية ١١٨- ١١٩ سورة هود. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٤، والقدر للفريابي ص٧٠. ٤ المصدر السابق ص٤٠. وقد مر برقم ١١٥.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
٢٥٣/٨- ابن سعد قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز من جعله دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل١.
٢٥٤/٩- ابن عبد الحكم قال: وقال عثمان بن كثير بن دينار٢، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله وفيها وقد ذلت ألسنة كثير من الناس بآية وضعوها غير موضعها، وتأولوا فيها قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ٣،٤.
التعليق:
يتبين من الآثار السابقة المأثورة عن عمر رحمه الله تعالى أن لأهل البدع والأهواء علامات عدة وسمات بينة ذكرها الله ﷾ في كتابه وبينها ﷺ في سنته، وحذر منها السلف الصالح ﵏، وقد
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧١. والفريابي في القدر ص٢١٨. وسيأتي برقم ٢٥٦، و٣٢٤. ٢ عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم أبو عمرو الحمصي ثقة عابد من التاسعة. تقريب ص٣٨٣. مات سنة ٢٠٩هـ. ٣ الآية ١٠٥ من سورة المائدة. ٤ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٤٣، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٩٦.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
حظي عمر بن عبد العزيز ﵀ ببيان جملة من هذه العلامات، وهو من توفيق الله له فمن علامات أهل البدع التي أثرت عن عمر ﵀ أنهم يحبون السرية بتعاليمهم والتخفي بها عن العامة، خوفا أن تنكشف تلك الأسرار، ولا يريدون إظهارها إلا في الوقت الذي يشاءون، إذ إنهم لو كانوا يعتقدون أنهم على صواب، لما تستروا عليها، وهذا طريق إلى التفريق بين كلمة المسلمين الذي هو إحدى سمات أهل البدع -وقد حذر عمر من هذا المسلك فقال: "إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم بشيء دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة، قال أحد العلماء المعاصرين: وكل أمر في الدين يسر به أصحابه من دون بقية المؤمنين، وبمعزل عن أهل العلم، والفقه في الدين فإنه ينتهي بأصحابه إلى الأهواء، من حيث لا يشعرون، والتاريخ شاهد بذلك. فإن البدع إنما ابتدأت همسا، وأحيانا بقصد الغيرة على الدين والنصح للإسلام ثم يؤول إلى العزلة عن الجماعة وتنافر القلوب، وغرس الغل على المخالفين، وهكذا يحدث الافتراق. كما يحصل في عصرنا هذا لدى بعض المنتسبين إلى الحركات الإسلامية المعاصرة هداهم الله وبصرنا وإياهم الحق١. ومن المعلوم أن الخروج عن الجماعة واستحداث الفرقة سمة من سمات أهل البدع. وقد حذرنا الله
_________________
(١) ١ الأهواء والفرق والبدع عبر تاريخ الإسلام ص١٦٨-١٦٩، تأليف الدكتور ناصر عبد الكريم العقل ط. دار الرياض طبعة الثانية عام ١٤١٧هـ.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
﵎ من الفرقة، وأمرنا بلزوم الجماعة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ ١،وقال ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ ٢.
وأمر ﷺ بلزوم الجماعة، وحذر من الفرقة فقال: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا فعليكم بسنتي "٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صفات الفرقة الناجية وهي التي خلا أصحابها من الافتراق، والاختلاف، وأن غيرها من الفرق الباقية، من فرق الاختلاف والتفرق، فقال: "وصفت الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم".
"وأما الفرق الأخرى، فإنهم أهل الشذوذ، والتفرق، والبدع، والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة، وشعار هذه الفرق
_________________
(١) ١ الآية ١٥٩ من سورة الأنعام. ٢ الآية ١٠٣ من سورة آل عمران. ٣ الحديث تقدم تخريجه ٦٣٤.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
مفارقة الكتاب والسنة، والإجماع. فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"١.
ومن علامات أهل البدع المأثورة عن عمر بن عبد العزيز اتباع المتشابه وهو مطية يركبها أهل البدع وذلك بتقليب الأدلة وتفسيرها بما يوافق هواهم مدعين أن تلك النصوص تؤيدهم فيما يذهبون إليه في باطلهم. وهو مسلك يخالف ما عليه أهل الحق في موقفهم من النصوص المتشابهة والمحكمة. قال عمر: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وقد أخبرنا الله ﵎ بأن أهل البدع يتصفون باتباع المتشابه في قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾ ٢.
وروى البخاري عن عائشة - ﵂- أنها قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ
_________________
(١) ١ الفتاوى ٣/٣٤٥-٣٤٦. ٢ الآية ٧ من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١، قالت: فقال رسول الله ﷺ: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم"٢.
ومما أثر عن عمر بن عبد العزيز من سمات أهل البدع اتباع الهوى حيث قال: وما من قوم يسمعون بقضاء إمام إلا سيختلفون فيه على أهوائهم إلا من رحم الله فإن من رحم الله لا يختلفون في قضائه فإنه قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ .
واتباع الهوى من أبرز سمات أهل البدع. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣.
وقال ﷺ: "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك
_________________
(١) ١ الآية ٧ من سورة آل عمران. ٢ البخاري مع الفتح ٨/٢٠٩، رقم (٤٥٤٧)، وقد تكلمنا عن معنى المحكم والمتشابه في مبحث الإيمان بالقرآن. ٣ الآية ٢٣ من سورة الجاثية.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
الأهواء كما تجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله"١.
فالهوى لازم لأهل البدع ولا ينفك عنهم بحال من الأحوال كما هو المشاهد والملموس عن كثب نسأل الله تعالى السلامة والثبات على الحق.
ومن علامات أهل البدع الواردة عن عمر سمة معارضة السنة بالقرآن وهذه صفة من صفات الخوارج وغيرهم من أهل البدع، والأهواء فيبين عمر رحمه الله تعالى معرضا بهؤلاء بأن ما سن رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده يعتبر الأخذ به اعتصاما بكتاب الله وأنه لا يسوغ لأحد تبديل تلك السنن أو تغييرها أو النظر في أمر خالفها. ولا شك أن ما حرمه الرسول ﷺ في سنته فهو مثل ما حرمه الله في كتابه قال ﵇: "ليوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا
_________________
(١) ١ رواه أبو داود بهذااللفظ٤ /١٩٨ وأحمد في المسند٤ /١٠٢ وروى ابن ماجة جزءا منه٢ / ١٣٢١ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/١٢٧. الكلب: الذي يكلب بلحوم الناس، يأخذه شبه جنون فإذا عقر إنسانا كلب، فيقال رجل كلب، ورجال كلبي انظر معجم مقاييس اللغة ٥/١٣٣.
[ ٢ / ٦٦١ ]
فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ فهو مثل ما حرم الله"١.
فالزعم بأن الاكتفاء بالقرآن هو المطلوب من المسلم سمة تميز بها أهل الأهواء والبدع من الخوارج ومن شايعهم في القديم والحديث: ومن علامات أهل البدع التي نوه بها عمر بن عبد العزيز الخصومات في الدين لتأييد الباطل والجدل العقيم الذي لا فائدة من ورائه ترجى. فحذر عمر من هذه الخصلة وبين أنها سمة من سمات أهل البدع فقال: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل وفي روية أكثر الشك وكأني به رحمه الله تعالى يحذر جهمًا رأس الجهمية فيما وقع فيه، ذكر الإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية أنه بلغه أن جهما عدو الله كان من أهل خراسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى فلقي أناسا من المشركين يقال السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له ألست تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم. فقالوا له: فهل رأيت إلهك. قال: لا. قالوا:
_________________
(١) ١ الحديث رواه أبو داود ٥/١٦٠-١٢، وابن ماجة في المقدمة ١/٩-١٠، وأحمد ٢/٣٦٧، و٤/١٣١-١٣٢، و٦/٨، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٣٣٩.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
فهل سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فشممت له رائحة. قال: لا. قالوا: فوجدت له حسا. قال: لا. فوجدت له مجسا. قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل حجة الزنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا في بعض خلقه تكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائبة من الأبصار.
فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال: ألست تزعم أن فيك روحا. قال: نعم. فقال: هل رأيت روحك. قال: لا. قال: فسمعت كلامه. قال: لا. قال: فوجدت له حسا. قال: لا. قال: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٢، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ٣، فبنى أصل كلامه على هذه الآيات
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة الشورى. ٢ الآية ٣ من سورة الأنعام. ٣ الآية ١٠٣ من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرًا وكان من المشبهة. فأضل بكلامه بشرا كثيرا "١.
وما وقع جهم فيما وقع فيه إلا بسبب الخصومة فيما لا علم له به فضل وأضل والخصومات في الدين، وفي القرآن، مذمومة في الجملة. وقد تجوز بشروط ستذكر فيما يأتي وقد حذر السلف الصالح من الخصومات، قال معاوية بن قرة وكان أبوه ممن أتى النبي ﷺ: إياكم وهذه الخصومات فإنها تحبط الأعمال٢.
قال رجل للحكم ابن عتيبة ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات٣. ومن هنا فإنه يجب على المسلم أن لا يسترسل في النظر في شبهات أهل الأهواء ومجادلاتهم لئلا يعلق بذهنه شيء من ذلك، وقد كان السلف يحذرون من مجالسة أصحاب البدع، ولا يكلمونهم بل ولا يردون السلام عليهم خصوصا من عرف منهم بعناده واستكباره عن الحق، وهذا هو الطريق الأسلم لأن ما تحرره أصحاب الشبهات إنما هو
_________________
(١) ١ الرد على الجهمية للإمام احمد ص١٠٢-١٠٤ تحقيق عبد الرحمن عميرة ط. ٢ المصدر نفسه ص٦٩. ٣ المصدر نفسه ص٦٩.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
رجم بالغيب، وتجاوز لحدود العقل، والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ١.
ومن سمات أهل البدع الواردة عن عمر التأويل الفاسد لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ التي لا توافق أهواءهم، ولا شك أن التأويل مسلك خطير ركبه الباطنية والمتصوفة، والزنادقة، وأهل الكلام، وهو موروث عن اليهود حيث أمروا بأن يقولوا حطة فقالوا حنطة. والتأويل الفاسد هو الذي أفسد الدين، والدنيا وهو الذي ركبه اليهود والنصارى، وحرفوا به نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله، أن نفعل مثلهم. وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية، فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل الحسين ﵁، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد٢.
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة الإسراء. ٢ انظر شرح العقيدة الطحاوية ١/٢٠٨- ٢٠٩.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
الفصل الرابع: الآثار عن عمر في النهي عن الخصومات في الدين وحثه على الجدال بالتي هي أحسن.
تمهيد:
الجدال والمراء، والخصومة كلمات مترادفة١، ومن علماء اللغة من يرى أن الخصومة أعم من الجدال والمراء٢.
والجدل محركة اللدد في الخصومة: والقدرة عليها٣.
قال ابن فارس: "جدل" الجيم والدال واللام أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد الخصومة، ومراجعة الكلام"٤.
والجدال لإحقاق الحق وإبطال الباطل، من آكد الواجبات قام به الأنبياء، والمرسلون. وقد ورد لفظ الجدال وما تصرف منه في القرآن "٢٩مرة" وبلفظ "الحجة" وما تصرف منها "٢٧" مرة وبلفظ "السلطان" "٣٣" مرة، وبلفظ "البرهان" "٨" مرات كما يوجد في السنة القولية والفعلية،
_________________
(١) ١ انظر النهاية في غريب الحديث ١/٢٤٨. ٢ انظر: القاموس المحيط ص١٤٢٤- ١٤٢٥. ٣ المصدر السابق ص١٢٦١. ٤ معجم مقاييس اللغة ١/٤٣٣.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
والتقريرية في عامة أبواب التوحيد، والشريعة، وقائع كثيرة يرد بها النبي ﷺ ما ليس حقا١، وقد يذم الجدال إذا كان عن جهل أو كان لرد الحق أو لنصرة الباطل، أو كان فيما نهى الله ورسوله عنه، كالجدال في المتشابه أو الحق بعد ما تبين، وقد كان السلف الصالح يمنعون من الجدال المذموم ويقومون بالجدال بالتي هي أحسن وهذا ما أثر عن عمر بن عبد العزيز حيث منع كما سيأتي من الجدال المذموم. وناظر وجادل بالتي هي أحسن، وهاكم تلك الآثار الواردة عنه في ذلك.
٢٥٦/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد ابن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل"٢.
_________________
(١) ١ انظر: الرد على المخالف ص٢٥-٢٦ للشيخ الدكتور بكر أبو زيد ضمن مجلد الردود ط. دار العاصمة ط. الأولى ١٤١٤هـ. ٢ ابن أبي الدنيا كتاب الصمت وآداب اللسان ص١١٦، وأخرج الأثر ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧١، وأحمد في الزهد ص٣٠٢، واللالكائي في السنة ١/١٤٤، والدارمي في السنن ١/٩١، والفريابي في القدر ورقة أ/٦٤. وقال محقق كتاب الصمت رجاله ثقات الحاشية ص١١٦.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
٢٥٧/٢- ابن أبي الدنيا أيضا قال: حدثني علي بن الحسين عن إبراهيم بن مهدي، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: إذا سمعت المراء فأقصر١.
٢٥٨/٣- ابن الجوزي قال: حدثنا بشر بن عبد الله بن بشار أن عمر ابن عبد العزيز قال: "احذروا المراء فإنه لا تؤمن فتنة ولا تفهم حكمته"٢.
٢٥٩/٤- عبد الرزاق قال: وعن معمر أن عمر بن عبد العزيز قال: قد أفلح من عصم من المراء والغضب، والطمع٣.
٢٦٠/٥- ابن عبد الحكم قال: وقال ميمون بن مهران: سألني عمر ابن عبد العزيز على فريضة فأجبته فيها فضرب على فخذي ثم قال: ويحك يا ميمون بن مهران، إني وجدت لقيا الرجال تلقيحا لألبابهم٤.
_________________
(١) ١ كتاب الصمت وآداب اللسان ص١٠١، وقال محقق الكتاب رجال الأثر موثقون. انظر ص١٠١. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٩٣، وانظر أبو نعيم في الحلية ٥/٣٢٥، وبشر بن عبد الله بن يسار كما في التقريب صدوق، كان من حرس عمر بن عبد العزيز. انظر التقريب ص١٢٣. ٣ عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٩١. ٤ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٩- ١١٠، وابن الجوزي ص٢٩٥، و٢٩٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٠، وابن أبي الدنيا رسالة العقل وفضله ص٢٤، ط. مؤسسة الكتب الثقافية تحقيق يسرى عبد الغني عبد الله.
[ ٢ / ٦٧١ ]
٢٦١/٦- ابن عبد الحكم أيضا قال: بعث عمر بن عبد العزيز محمد ابن الزبير الحنظلي١ إلى شوذب الحروري٢، وأصحابه حين خرجوا بالجزيرة٣، قال: فكتب معنا إليهم كتابا، فأتيناهم فأبلغناهم رسالته وكتابه، فبعثوا معنا رجلين منهم أحدهما من بني شيبان والآخر في حبشية، وهو أشد الرجلين حجة ولسانا. فقدمنا بهما إلى عمر بن عبد العزيز وهو بخناصره فصعدنا إليه في غرفة فيها ابنه عبد الملك وكاتبه مزاحم، فأعلمناه مكانهما فقال: ابحثوهما إن لا يكون معهما حديدة، ثم أدخلوهما ففعلنا، فلما دخلا، قالا: السلام عليكم ثم جلسا، فقال لهما عمر: أخبراني ما أخرجكما مخرجكما هذا؟ وأي شيء نقمتم علينا؟ فقال الذي في حبشية: والله ما نقمنا عليك في سيرتك فإنك لتجرى العدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فأنت منا ونحن منك، وإن منعتنا فلست منا ولسنا منك. قال عمر: وما هو؟ قال: رأيتك خالفت أعمال أهل بيتك
_________________
(١) ١ محمد بن الزبير الحنظلي البصري متروك من السادسة. مدس، تقريب التهذيب ص٤٧٨. ٢ شوذب هو بسطام اليشكري خرج سنة ١٠٠هـ في ثمانين رجلا. انظر تاريخ ابن الأثير ٤/١١٥. ٣ الجزيرة: هي التي بين دجلة والفرات، وتشتمل على ديار بكر ومضر. انظر معجم البلدان ٢/١٣٤.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وسلكت غير طريقهم وسميتها مظالم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال، فابرأ منهم والعنهم، فهو الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق. قال: فتكلم عمر عند ذلك فقال: إني قد عرفت أو ظننت أنكم لم تخرجوا لطلب الدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها. وأنا سائلكم عن أمر فبالله لتصدقاني عنه فيما بلغه علمكما. قالا: نفعل. قال: أرأيتم أبابكر وعمر أليسا من أسلافكم وممن تقولون وتشهدون لهما بالنجاة؟ قالا: بلى. فقال: هل تعلمون أن العرب ارتدت بعد رسول الله ﷺ فقاتلهم أبو بكر فسفك الدماء، وسبي الذراري، وأخذ الأموال؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمان أن عمر لما قام بعده رد تلك السبايا إلى عشائرهم؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أبو بكر من عمر أو عمر من أبي بكر؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأون من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: أخبراني عن أهل النهروان أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: بلى. قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يخيفوا آمنا، ولم يسفكوا دما، ولم يأخذوا مالا؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع عبد الله ابن وهب الراسبي١ استعرضوا الناس فقتلوهم، وعرضوا لعبد الله بن
_________________
(١) ١ عبد الله بن وهب الراسبي أحد رؤساء الخوارج.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
خباب١ صاحب النبي ﷺ فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صبحوا حيا من العرب يقال لهم بنوا قطيعة فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء، والولدان حتى جعلوا يلقون الأطفال في قدور الأقط وهي تفور بهم قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أهل الكوفة من أهل البصرة، أو أهل البصرة من أهل الكوفة؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأون من طائفة منهما. قالا: لا. قال عمر: أخبراني أرأيتم الدين واحد أم اثنين؟ قالا: بل واحد. قال: فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني؟ قالا: لا. قال: فكيف وسعكم أن توليتم أبابكر وعمر وتولى كل واحد منهما صاحبه وقد اختلفت سيرتهما؟ أم كيف وسع أهل الكوفة أن تولوا أهل البصرة وأهل البصرة أهل الكوفة وقد اختلفوا في أعظم الأشياء: في الدماء والفروج، والأموال. ولا يسعني بزعمكما إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم، فإن كان لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لابد منها فأخبرني عنك أيها المتكلم متى عهدك بلعن أهل فرعون، ويقال: بلعن هامان؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: ويحك فيسعك ترك لعن فرعون، ولا يسعني بزعمك إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم؟ ويحكم إنكم قوم جهال. أردتم أمرا فأخطأتموه، فأنتم تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله ﷺ وتردون عليهم ما قبل منهم ويأمن
١ عبد الله بن خباب كان عاملا لعلي ﵁ حليف بني زهرة. يقال: له رؤية. كان ثقة من كبار التابعين قتله الحرورية سنة ٣٨هـ. تقريب التهذيب ص٣٠١.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده. قالا: ما نحن كذلك. قال: بلى، تقرون بذلك الآن. هل علمتم أن رسول الله ﷺ بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن فعل ذلك حقن دمه وأمن عنده، وكان أسوة المسلمين ومن أبى ذلك جاهده؟ قالا: بلى. قال: أفلستم أنتم اليوم تبرأون ممن يخلع الأوثان وممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وتلعنونه وتقتلونه وتستحلون دمه وتلقون من يأبى ذلك من سائر الأمم من اليهود والنصارى فتحرمون دمه ويأمن عندكم؟ فقال الذي في حبشية: ما رأيت حجة أبين ولا أقرب مأخذا من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنني برئ ممن خالفك. وقال للشيباني فأنت ما تقول؟ قال: ما أحسن ما قلت وأحسن ما وصفت ولكن أكره أن أفتات على المسلمين بأمر لا أدري ما حجتهم فيه حتى أرجع إليهم فلعل عندهم حجة لا أعرفها. قال: فأنت أعلم. قال: فأمر للحبشي بعطائه وأقام عنده خمس عشرة ليلة ثم مات ولحق الشيباني بقومه فقتل معهم١.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١١٢- ١١٥، وانظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر فقد رواه بسندين له وقال محقق الكتاب حاكما على السندين بأنهما لا بأس بهما ٢/٩٦٥-٩٦٧. وقد أخرج الأثر أيضا المسعودي في مروج الذهب ٢/١٧٥- ١٧٨، وابن الجوزي ص ٩٨-٩٩، وأبو حفص الملاَّء ٢/٥٠٠-٥٠٣. وابن عبد ربه في العقد الفريد ٢/٣٣٩-٣٩٥، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٤/١٥٥-١٥٦.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
٢٦٢/٧- ابن عبد الحكم قال: ودخل رجلان من الخوارج على عمر ابن عبد العزيز فقالا: السلام عليك يا إنسان، فقال وعليكما السلام يا إنسانان. قالا: طاعة الله أحق ما اتبعت. قال: من جهل ذلك ضل. قالا: الأموال لا تكون دولة بين الأغنياء. قال: قد حرموها. قالا: مال الله يقسم على أهله. قال: الله بين في كتابه تفصيل ذلك. قالا: تقام الصلاة لوقتها. قال: هو من حقها. قالا: إقامة الصفوف في الصلوات. قال: هو من تمام السنة. قالا: إنما بعثنا إليك. قال: بلغا ولا تهابا. قالا: ضع الحق بين الناس. قال: الله أمر به قبلكما. قالا: لا حكم إلا لله. قال: كلمة حق إن لم تبتغوا بها باطلا. قالا: ائتمن الأمناء. قال: هم أعواني. قالا: احذر الخيانة. قال: السارق محذور، قالا: فالخمر ولحم الخنزير. قال: أهل الشرك أحق به. قالا: فمن دخل في الإسلام فقد أمن. قال: لولا الإسلام ما أمنا. قالا: أهل عهود رسول الله ﷺ. قال: لهم عهودهم. قالا: لا تكلفهم فوق طاقتهم. قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١، قالا: خرب الكنائس.
_________________
(١) ١ الآية ٢٨٦ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
قال: هي من صلاح رعيتي. قالا: ذكرنا بالقرآن. قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه﴾ ١، قالا: تردنا على دواب البريد. قال: لا هو من مال الله لا نطيبه لكما. قالا: فليس معنا نفقة. قال: أنتما إذن إبنا سبيل علي نفقتكما٢.
٢٦٣/٨- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا محمد بن سلمة، أنبانا خصيف، قال: قال عمر ﵁ لغيلان: ألست تقر بالعلم؟ قال: بلى. قال: فما تريد مع أن الله ﷿ يقول: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٣.
٢٦٤/٩- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا أبو جعفر الخطمي، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك ياغيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لم
_________________
(١) ١ الآية ٢٨١ من سورة البقرة. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٤٧ ولم أجد هذه المناظرة في مصدر آخر. ٣ عبد الله في السنة ٢/٤٢٨- ٤٢٩، وسيأتي تخريجه والآيات ١٦٠-١٦١-١٦٢- من سورة الصافات.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
أقل. قال: ما تقول في العلم؟ قال: قد نفذ العلم. قال: فأنت مخصوم اذهب الآن فقل ما شئت ويحك ياغيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت. وإنك أن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر. ثم قال: تقرأ ياسين قال: نعم. قال: إقرأ يس والقرآن الحكيم: فقرأ يس والقرآن الحكيم إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١، قال: كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين. قال: زد فقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٢، قال: قال عمر ﵀: قل: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، قال: كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط، وإني
_________________
(١) ١ الآيات من ١-٧ من سورة يس. ٢ الآيتان ٨-٩ من سورة يس. ٣ الآيتان ٩-١٠ من سورة يس.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
لأعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبدًا قال: اذهب. فلما تولى قال: اللهم إن كان كاذبا فيما قال فأذقه حر السلاح ١.
التعليق:
يتبين من الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا الفصل نهيه عن المراء العقيم، وحثه وقيامه بالجدال بالتي هي أحسن. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة وهو ما فهمه السلف الصالح من النصوص، فالجدال والمراء في حد ذاته قد يكون بحق، وقد يكون بغير حق، وقد يكون مرغبا فيه، وقد يكون منهيا عنه.
فمن الأدلة على جواز الجدال بالحق قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢، وقوله ﷿: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٣.
ومن الأدلة على الجدال الممنوع قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ عبد الله في السنة ٢/٤٢٩، والآجري في الشريعة ١/٤٣٨-٤٣٩ وقال محقق كتاب الشريعة إسناده حسن. ٢ الآية ٤٦ من سورة العنكبوت. ٣ الآية ١٢٥ من سورة النحل. ٤ الآية ٤ من سورة غافر.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وعلى هذه النصوص النيرة تنزل الآثار الواردة عن عمر في منع الجدال والخصومة والقيام به، والحث عليه، فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محمودًا، وإن كان في مدافعة الحق وكان جدالا بغير علم كان مذموما منهيا عنه١.
قال ابن عبد البر بعد ذكره مناظرة عمر بن عبد العزيز للخوارج: "هذا عمر بن عبد العزيز ﵀ وهو ممن جاء عنه التغليظ في النهي عن الجدال، وهو القائل: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل، فلما اضطر وعرف الفلج في قوله ورجى أن يهدي الله به لزمه البيان وجادل وكان أحد الراسخين في العلم رحمه الله٢.
وعلى ضوء ما تقرر ذكره تحمل النصوص العامة في الكتاب والسنة وأقوال السلف في النهي عن الجدال مثل قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ ٣.
وقال ﷿: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ص٢٣٥، والنووي على صحيح مسلم ٦/١٦٧. ٢ جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٦٧. ٣ سورة غافر آية ٤. ٤ سورة الشورى آية ٣٥.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
ومن السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" ١. وفي صحيح الجامع قوله ﷺ: "ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"٢.
ومن أقوال السلف قول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: "أدركنا الناس وهم على الجملة يعني لا يتكلمون ولا يخاصمون"٣.
وعن الإمام أحمد قال: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء وترك المراء والجدال في الدين٤.
فظهر من خلال ما سبق ذم الجدال والخصومات بوجه عام، إلا أنه مخصوص وليس على عمومه على الإطلاق، لأن الأمر قد جاء بإباحة
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٨/٨٨، رقم (٤٥٢٣)، ومسلم ٦/١٦٧، برقم (٢٦٦٨) . ٢ الحديث رواه الترمذى ٥/٣٧٩ وقال هذا حديث حسن صحيح وأحمد في المسند ٥/٢٥٢ وابن ماجة في المقدمة ١/١٩ وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٤٧٧، و٥٥٠٩. ٣ ابن بطة: الإبانة الكبرى ٢/٥٢٩ تحقيق رضا نعسان معطى ط. دار الراية. ٤ أخرجه اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة ١/١٧٦.
[ ٢ / ٦٨١ ]
بعض صور المجادلة والثناء عليها، وعلى أهلها في بعض النصوص من الكتاب والسنة وهو المأثور عن عمر بن عبد العزيز كما تقدم من نقل بعض الآثار عنه فمن نصوص القرآن التي تأمر بالجدال بالتي هي أحسن قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١.
وقد أخبرنا الحق ﵎ عن بعض صور محاجة إبراهيم ﵇ ومناظرته لقومه على سبيل التقرير له والثناء عليه بها كما في قوله جل شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ٢.
وورد في القرآن الكريم ذكر محاجة إبراهيم لأبيه وقومه كما في سورة الأنبياء٣، ومحاجة موسى ﵇ لفرعون كما في سورة الشعراء٤، وغيرها، والآيات في قصص مناظرات أنبياء الله لأقوامهم ومحاجاتهم لهم
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ١٢٥. ٢ الآية ١٥٨ من سورة البقرة. ٣ انظر الآيات ٥٢-٥٦، و٦٣- ٦٧ من سورة الأنبياء. ٤ انظر الآيات ٢٣-٣٠ من سورة الشعراء.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
كثيرة. وفي السنة حديث محاجاة موسى لآدم الثابت في الصحيحين١ وقد وقعت المناظرات بين السلف أنفسهم في كثير من المسائل والأحكام كمناظرة علي وابن عباس للخوارج، ومناظرة الأوزاعي قدريا طلب المناظرة٢، ومناظرة الإمام أحمد للجهمية٣.
والذي يتلخص من كلام أهل العلم في الفرق بين الجدال المأمور به والمنهي عنه أن الجدال المأمور به هو الذي يقصد به إثبات الحق أو دفع الباطل أو للتعليم والاستيضاح فيما يشكل على الإنسان من المسائل.
وأما الجدال المذموم فهي ما كانت لرد الحق أو لنصرة الباطل أو كانت فيما نهى الله ورسوله عن المجادلة فيه، كالمجادلة في المتشابه وفي الحق بعد ما تبين أو كانت لحظ النفس كإظهار العلم والفطنة والذكاء مراءاة للناس وطلبا لثنائهم أو لغير ذلك من المقاصد المذمومة كالعناد والتعصب للرأي٤.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٥٠٥ رقم ٦٦١٤. ٢ انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٩٤-٧٩٥. ٣ انظر الرد على الجهمية والزنادقة ص١١٤-١٢٩. ٤ انظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع ٢/٦٠٣ تأليف الدكتور إبراهيم الرحيلي.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
والمهم أن الآثار المنقولة عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن المراء والجدال والأخرى التي تفيد إباحته بل تصرح بجوازه وقيامه بمناظرة الخوارج والقدرية وغيرهم إنما هي في ضوء ما صرحت به نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف رحمهم الله تعالى. فقد كان عمر حاكما عالما عاملا بما علم فجمع بين النصوص وتوسط في الأمور كلها ومنع من الخصومات في الدين إذا كان ذلك يؤدي إلى نصرة الباطل وإظهاره في صورة تحببه إلى النفوس والقلوب وجادل بالعلم على بصيرة من أمره فلم يترك لمبطل سبيلا ولا لمؤوّل طريقا فجمع بين الحسنيين، وقد تبين من خلال الآثار المنقولة عنه أن الجدال والمراء ليس مذموما على الإطلاق، وإنما الممنوع منه ما تقدم بيانه، والمحمود منه ما قام به هو من مجادلة الخوارج وغيرهم كالشيعة والقدرية.
وقد بين علماء السلف في مؤلفاتهم في القديم والحديث هذه المسألة واستوفوا الحجج ووجهوا ما استشكل من الأدلة مثل ما قام به ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله ١، والخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه٢، وشيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة والفتاوى وغيرها. ومن المعاصرين الشيخ الدكتور بكر أبو زيد في كتابه "الرد على
_________________
(١) ١ في باب إتيان المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة ٢/٩٥٣-٩٧٤. ٢ في باب ذكر ما تعلق به من أنكر المجادلة وإبطاله ص٢٣٠-٢٣٥.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
المخالف"، والدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي في كتابه "موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع" وغيرهم كثير
[ ٢ / ٦٨٥ ]
الفصل الخامس: موقفه من الخوارج
المبحث الأول: موقفه من خروج الخوارج عليه
تمهيد:
قبل الدخول في ذكر الآثار عن عمر بن عبد العزيز في موقفه من الخوارج، أرى أنه من المناسب تعريف الخوارج وذكر أهم فرقهم وما ورد في ذمهم من الأحاديث ثم بعد ذلك ذكر الآثار عن عمر إن شاء الله تعالى.
تعريف بالخوارج:
اختلف العلماء في تعريف الخوارج فعرفهم أبو الحسن الأشعري تعريفا خاصا حيث بين أن اسم الخارجي يقع على تلك الطائفة التي خرجت على رابع الخلفاء الراشدين وأن ذلك هو العلة في تسميتهم بهذا الاسم. فقال ﵀: "والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب لما حكم"١
وأما الشهرستاني فعرفهم تعريفا عاما فاعتبر الخروج على الإمام الذي اجتمعت الكلمة على إمامته الشرعية خروجا في أي زمان فقال: "كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان"٢.
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ١/٢٠٧ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. ٢ الملل والنحل ١/١١٤.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
وقال الحافظ ابن حجر معرفا الخوارج: والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرأوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم، فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة١.
فالخوارج إذًا هم أولئك الذين خرجوا على علي ﵁ بعد قبوله التحكيم ويلحق بهم كل من خرج على أئمة المسلمين الشرعيين، وكفرهم بالمعاصي. ولهم عدة ألقاب غير لقب الخوارج، كالحرورية، والشراة، والمارقة، والمحكمة، وهم يرضون بعض هذه الألقاب باعتبار ويرفضونها باعتبار آخر.
وأما بداية انتشارهم وظهورهم فقد كانت بعد حصول الاتفاق على التحكيم بين علي ومعاوية ﵄ سنة سبع وثلاثين كما حكى ذلك الطبري٢ وغيره من المؤرخين.
ومن أهم فرق الخوارج المحكمة الأولى الذين انفصلوا عن جيش علي ﵁ وهم الذين أعلنوا شعار: لا حكم إلا لله. قال أبو الحسين الملطي واصفا ما بلغوا إليه من ظلم وإجرام، فأما الفرقة الأولى من الخوارج، فهم المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم في الأسواق فيجتمع الناس في غفلة فينادون: لا حكم إلا لله، ويضعون سيوفهم فيمن يلحقون من الناس، فلا
_________________
(١) ١ هدي الساري مقدمة البخاري مع الفتح ص٤٥٩. ٢ انظر الطبري تاريخ الأمم والملوك ٥/٥٧، وابن كثير البداية والنهاية ٧/٣١٢.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
يزالون يقتلون حتى يقتلوا. وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع حتى يقتل أو يقتل فكان الناس منهم على وجل وفتنة١.
ومن فرقهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق الحنفي. قال الأشعري: وهو أول من أحدث الخلاف بينهم٢، ومن غرائب هذه الفرقة كونهم يرون قتل الأطفال لأن حكمهم حكم آبائهم بزعمهم متأولين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ٣.
ومن فرقهم النجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي ومن عقائدهم العذر بالجهل في الأحكام٤، فمن استحل شيئا عن طريق الاجتهاد مما لعله محرم فمعذور٥.
ومن فرق الخوارج فيما يذكره علماء الفرق الإباضية ولهم وجود وامتداد إلى الآن في عمان وزنجبار، وفي المغرب الإسلامي، ومن فرق الخوارج الصفرية، وهم أتباع عبد الله بن صفار التميمي على الأرجح.
_________________
(١) ١ التنبيه والرد على أهل الأهواء ص٦٢. ٢ مقالات الإسلاميين ١/١٦٨. ٣ الآية ٢٧ من سورة نوح. ٤ مقالات الإسلاميين ١/١٧٤- ١٧٥. ٥ المصدر السابق ١/١٧٤- ١٧٥.
[ ٢ / ٦٩١ ]
هذه هي أهم فرق الخوارج. قال الأشعري: وأصل قول الخوارج إنما هو قول الأزارقة، والإباضية، والصفرية، والنجدية، وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية، والنجدية فإنما تفرعوا من الصفرية١.
وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة عن النبي ﷺ في ذم الخوارج المارقة وصفوا فيها بأوصاف ذميمة شنيعة جعلتهم في أخبث المنازل فمن هذه الأحاديث ما ورد في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم -أو حناجرهم- يمرقون من الدين مروق السهم من الرميَّة فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء"٢.
وفي الصحيح أيضا عن سهل بن حنيف قال: سمعت النبي ﷺ يقول: وأهوى بيده قبل العراق: "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية"٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/١٨٣. ٢ البخاري مع الفتح ١٢/٢٨٣، برقم (٦٩٣١)، ومسلم بشرح النووي ٣/١٣٤، رقم (١٠٦٥) . ٣ البخاري مع الفتح ١٢/٢٩٠، برقم (٦٩٣٢) .
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وروى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"١.
ففي هذه الأحاديث الثلاثة وغيرها مما لم نذكره ذم واضح لفرقة الخوارج فقد وصفهم النبي ﷺ بأنهم طائفة مارقة وأنهم يبالغون في الصلاة وقراءة القرآن لكنهم لا يقومون بحقوق الإسلام بل يمرقون منه وأنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرد النطق به، وأنهم أصحاب عقول رديئة وضعيفة، وأنهم عند ما يقرؤون القرآن يظنونه لشدة ما بلغوا إليه من سوء الفهم أنه لهم وهو عليهم٢.
هذا وكان لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى مواقف مشهورة وأقوال مأثورة في التعامل مع الخوارج ومناظرتهم ودحض شبههم بالحجة وآرائهم بالدليل وإيضاح الحق لهم بدليله حبا منه للسنة واتباعا للسلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٢/٢٨٣، (٦٩٣٠) . ٢ انظر: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة للدكتور ناصر بن علي الشيخ ٣/١١٨١، ط. مكتبة الرشد الرياض الطبعة الثانية عام ١٤١٥هـ.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
المبحث الأول: موقفه من خروج الخوارج عليه
٢٦٥/١- ابن عبد البر قال: حدثنا نعيم، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير، حدثنا هشام بن يحيى الغساني، عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه في الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة ولا على أحد من أهل الذمة، ولا يتناولون أحدا، ولا قطع سبيل من سبل المسلمين فليذهبوا حيث شاءوا، وإن كان رأيهم القتال فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرجوا رغبة عن جماعة المسلمين لأرقت دماءهم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة١.
٢٦٦/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا٢.
٢٦٧/٣- ابن عبد الحكم أيضا قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج رسالة وفيها أقسم بالله لو كنتم أبكاري من أولادي ورغبتم
_________________
(١) ١ ابن عبد البر في التمهيد ٢٣/٣٣٦، وانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٥ مع بعض الاختلاف في اللفظ، وابن الجوزي سيرة عمر ص٩٩، وقد تقدم. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠ وقد تقدم تخريجه برقم ١١٥.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
عما فرشنا للعامة فيما ولينا لدفقت دماءكم أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة فإنه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١، فهذا النصح إن أحببتم وإن تستغشوني فقديما ما استغش الناصحون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته٢.
التعليق:
يتبين من الآثار السابقة منهج عمر بن عبد العزيز في التعامل مع الخوارج، فمع خروجهم عليه وهو الخليفة الحق لم يحركهم، وإنما كتب إليهم وحذرهم من الخروج عن الجماعة الذين هم أهل الحق وقد أمر الله ﵎ بالاجتماع ونهى عن التفرق وأمر بلزوم الجماعة ونهى عن الخروج عنها وجعل إجماع هذه الأمة حجة فإذا اجتمعوا على أمير وجب طاعته وحرم الخروج عليه ما لم يأمر بمعصية ولم يظهر كفرا بواحا، وحذر نبي الهدى محمد ﷺ عن الخروج على الأئمة وأمر بطاعتهم في المنشط والمكره في غير معصية الله تعالى. روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "من رآى من أميره شيئا يكرهه
_________________
(١) ١ الآية ٨٣ من سورة القصص. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٥، وابن الجوزي سيرة عمر ص٩٩-١٠٠ باختلاف ألفاظ.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية"١.
وقد نهى السلف الصالح عن الخروج على أئمة الجور فقد سئل الحسن البصري عن قتال الحجاج بعد أن ذكروا له ظلمه وسفكه للدماء وأخذه للأموال. فقال: أرى أن لا تقاتلوه فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين٢.
وخطب في الناس قائلا: "ياأيها الناس إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم السكينة والتضرع"٣.
والآثار المروية عن عمر بن عبد العزيز هنا تبين منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الخوارج الذين هم من أوائل الفرق ظهورا في الإسلام فمع خروجهم عليه وهو الخليفة الحق لم يحركهم، ولم يرسل عليهم الحملة تلو الحملة. وإنما عاملهم معاملة أتاحت لهم الفرصة في الرجوع إلى الحق مستنا بسنن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في معاملة
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٣/١٢١، برقم (٧١٤٣) . ٢ ابن سعد الطبقات ٧/١٢٠. ٣ المصدر السابق ٧/١٢١.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
الخوارج حين خرجوا عليه. وهذا التصرف من عمر رحمه الله تعالى هو ما تدل عليه الأحاديث الصحيحة روى مسلم عن عرفجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"١.
قال النووي في الحديث الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدرًا٢، وروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا"٣.
قال الحافظ ابن حجر: "في الحديث دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه، لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتله وقتاله والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما"٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٥٥٠، رقم (١٨٥٢) . ٢ المصدر السابق ٥/٥٥٠. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٢٣، برقم (٧٠٧٠) . ٤ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٢٤.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
إذا فتصرف عمر ﵀ إزاء الخوارج تصرف بالحق مستنده النصوص الصحيحة وأعمال سلف الأمة وبعد أن حذر الخوارج من الخروج عليه اتبع خطوة أخرى وهي طلب المناظرة والمحاججة حتى لا يضيع فرصة لحقن دماء المسلمين وهذا هو مضمون المبحث التالي إن شاء الله تعالى
[ ٢ / ٦٩٨ ]
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في مناظرة الخوارج.
ذكرنا فيما سبق موقف عمر من الخوارج الخارجين عليه عموما ويتبين من هذا المبحث موقفه من الذين كتبوا إليه وكتب إليهم طالبا المناظرة معهم، إذا كانوا مستعدين لذلك، وقد وجد من بعضهم آذانا صاغية حسب الروايات التي بلغتنا وفي هذا ما يرويه ابن عبد الحكم وغيره مما يأتي:
٢٦٧/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى هذه العصابة، أما بعد: أوصيكم بتقوى الله فإنه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ١.
أمابعد: فقد بلغني كتابكم والذي كتبتم فيه إلى يحيى بن يحيى، وسليمان بن داود، والذي أتى إليهما وإن الله ﵎ يقول:
_________________
(١) ١ الآيتان ٢-٣ من سورة الطلاق.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢. وقال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ٣.
وإني أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأدعوكم أن تدعوا ما كانت تهراق عليه الدماء قبل يومكم هذا في غير قوة ولا تشنيع. وأذكركم بالله أن تشبهوا علينا كتاب الله وسنة نبيه ونحن ندعوكم إليهما. هذه نصيحة منا نصحنا لكم فإن تقبلوها فذلك بغيتنا، وإن تردوها على من جاء بها فقديما ما استغش الناصحون، ثم لم نر ذلك وضع شيئا من حق الله، وقد قال العبد الصالح لقومه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ
_________________
(١) ١ الآية ٧ من سورة الصف. ٢ الآيتان ١٢٥ من سورة النحل. ٣ الآية ٣٥ من سورة محمد.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ١، وقال الله ﷿: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢،٣.
٢٦٨/٢-البلاذرى: قال كتب عمر كتابا إلى الخوارج فلما قرأوها قالوا: نوجه رجلين يكلمانه فان أجابنا فذاك وإن أبى كان الله من ورائه فأرسلوا مولى لبنى شيبان يقال له عاصم ورجلا من بنى يشكر من أنفسهم فلما دخلا عليه قالا: السلام عليكم وجلسا، فقال لهما عمر: أخبراني ما أخرجكما مخرجكما هذا؟ وأي شيء نقمتم علينا؟ فقال عاصم وكان حبشيا: ما نقمنا عليك في سيرتك لتحري العدل والإحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر أعن رضى من المسلمين ومشورة أم ابتززتم إمرتهم؟ قال ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم على مشيئتهم وعهد إلي رجل عهدا لم أساله الله قط لا في سر ولا علانية فقمت به ولم ينكره علي أحد ولم يكرهه غيركم وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس فأنزلوني ذلك الرجل فإن خالفت الحق وزغت عنه فلا طاعة لي
_________________
(١) ١ الآية ٣ من سورة هود. ٢ الآية ١٠٨ من سورة يوسف. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٩-٨٠. وابن الجوزي سيرة عمر ص٩٩ ببعض اختلاف في اللفظ.
[ ٢ / ٧٠١ ]
عليكم قالا: بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فأنت منا ونحن منك، وإن منعتنا فلست منا ولسنا منك. قال عمر: وما هو؟ قال: رأيتك خالفت أعمال أهل بيتك وسلكت غير طريقهم وسميتها مظالم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فابرأ منهم والعنهم، فهو الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق قال: فتكلم عمر عند ذلك فقال: إني قد عرفت أو ظننت أنكم لم تخرجوا لطلب الدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها. وأنا سائلكم عن أمر فبالله لتصدقاني عنه فيما بلغه علمكما. قالا: نفعل. قال: أرأيتم أبابكر وعمر أليسا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهما بالنجاة؟ قالا: بلى. فقال: هل تعلمون أن العرب ارتدت بعد رسول الله ﷺ فقاتلهم أبو بكر فسفك الدماء، وسبي الذراري، وأخذ الأموال؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن عمر لما قام بعده رد تلك السبايا إلى عشائرهم؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أبو بكر من عمر أو عمر من أبي بكر؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأؤن من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: أخبراني عن أهل النهروان أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: بلى. قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يخيفوا آمنا، ولم يسفكوا دما، ولم يأخذوا مالا؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع
[ ٢ / ٧٠٢ ]
عبد الله بن وهب الراسبي١ استعرضوا الناس فقتلوهم، وعرضوا لعبد الله ابن خباب٢ صاحب النبي ﷺ فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صبحوا حيا من العرب يقال لهم بنوا قطيعة فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء، والولدان حتى جعلوا يلقون الأطفال في قدور الأقط وهي تفور بهم قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أهل الكوفة من أهل البصرة، أو أهل البصرة من أهل الكوفة؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأون من طائفة منهما. قالا: لا. قال عمر: أخبراني أرأيتم الدين واحدا أم اثنين؟ قالا: بل واحد. قال: فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني؟ قالا: لا. قال: فكيف وسعكم أن توليتم أبابكر وعمر وتولى كل واحد منهما صاحبه وقد اختلفت سيرتهما؟ أم كيف وسع أهل الكوفة أن تولوا أهل البصرة وأهل البصرة أهل الكوفة وقد اختلفوا في أعظم الأشياء: في الدماء والفروج، والأموال. ولا يسعني بزعمكما إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم، فإن كان لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لابد منها فأخبرني عنك أيها المتكلم متى عهدك بلعن أهل فرعون، ويقال: بلعن هامان؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: ويحك فيسعك ترك لعن فرعون، ولا يسعني بزعمك إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم؟ ويحك إنكم قوم جهال. أردتم أمرا فأخطأتموه، فأنتم تقبلون من
_________________
(١) ١ تقدم ترجمته أثر رقم ٢٦١. ٢ تقدم ترجمته أثر رقم ٢٦١.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
الناس ما رد عليهم رسول الله ﷺ وتردون عليهم ما قبل منهم ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده. قالا: ما نحن كذلك. قال: بلى، تقرون بذلك الآن. هل علمتم أن رسول الله ﷺ بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن فعل ذلك حقن دمه وأمن عنده، وكان أسوة المسلمين ومن أبى ذلك جاهده؟ قالا: بلى. قال: أفلستم أنتم اليوم تبرأون ممن يخلع الأوثان وممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وتلعنونه وتقتلونه وتستحلون دمه وتلقون من يأبى ذلك من سائر الأمم من اليهود والنصارى فتحرمون دمه ويأمن عندكم؟ فقال الحبشي: ما رأيت حجة أبين ولا أقرب مأخذا من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنني برئ ممن خالفك. وقال للشيباني فأنت ما تقول؟ قال: ما أحسن ما قلت وأحسن ما وصفت ولكن أكره أن أفتات على المسلمين بأمر لا أدري ما حجتهم فيه حتى أرجع إليهم فلعل عندهم حجة لا أعرفها. قال: فأنت أعلم. قال: فأمر للحبشي بعطائه وأقام عنده خمس عشرة ليلة ثم مات ولحق الشيباني بقومه فقتل معهم١.
_________________
(١) ١ البلاذرى:كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨ /٢١١ - ٢١٥ وانظر: ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١١٢- ١١٥ باختلاف ألفاظ، وانظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر فقد رواه بسندين له وقال محقق الكتاب حاكما على السندين بأنهما لا بأس بهما باختصار ألفاظ مما هنا ٢/٩٦٥-٩٦٧. وقد أخرج الأثر أيضا المسعودي في مروج الذهب ٢/١٧٥- ١٧٨، وابن الجوزي سيرة عمر ص٩٨-٩٩، وأبو حفص الملاَّء ٢/٥٠٠-٥٠٣. وقد تقدم تخريج طرف منه برقم ٢٦١.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
٢٦٩/٣- ابن عبد الحكم قال: ودخل رجلان من الخوارج على عمر ابن عبد العزيز فقالا: السلام عليك يا إنسان، قال: وعليكما السلام يا إنسانان. قالا: وقد تقدم برقم (٢٦٢) .
٢٧٠/٤- ابن الجوزي قال: حدثنا أرطأة بن المنذر قال: سمعت أبا عون يقول: دخل ناس من الحرورية على عمر بن عبد العزيز فذاكروه شيئا، فأشار إليه بعض جلسائه أن يرعبهم، ويتغير عليهم فلم يزل عمر بن عبد العزيز يرفق بهم حتى أخذ عليهم ورضوا منه أن يرزقهم ويكسوهم ما بقي. فخرجوا على ذلك فلما خرجوا ضرب عمر ركبة رجل يليه من أصحابه، فقال: يا فلان إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك دون الكي فلا تكوينه أبدًا١.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٨١ ولم أجد هذه المحاورة في مصدر آخر.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
٢٧١/٥- ابن الجوزي أيضا قال: وعن الوليد بن مسلم قال: قال الأوزاعي: لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إليه رجل من الشراة يقال له عمرو بأبيات:
قل للمولى على الإسلام مؤتنفا وقد يرى أنه رث القوى واهي
إذ رابه معشر عدوه مأكلة بنخوة الملك والإسراف والباه
إنا شرينا بدين الله أنفسنا نبغي بذاك إليه أعظم الجاه
ينهىالولاةبحدالسيف عن سرف كفى بذاك لهم عن زاجر ناهي
وإن قصدت سبيل الحق يا عمرا آخاك في الله أمثالي وأشباهي
وإن لحقت بقوم كنت واعظهم في جور سيرتهم فالحكم لله
قال: فأجابه عمر بن عبد العزيز:
ياأيها الرجل المهدي نصيحته إن المحاسن والتوفيق بالله
إن كان أمر من السلطان تنكره فماعرى الدين والإسلام بالواهي
هذا الكتاب كتاب الله نقرؤه مصدق الوحي فينا آمر ناهي
فقد يزل الذي يبقى الهدى رهقا عند الشريعة وهو العالم الواهي
الملك ياعمرو ملك الله خالقنا والحكم ياعمرو مردود إلى الله
قال: فأتاه فبايعه ولم يخرج عليه١.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٨٢-٢٨٣، ولم أجد هذا الأبْيات في مصدر آخر.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
٢٧٢/٦- ابن جرير الطبري قال: وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى١، أن الذي خرج على عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شوذب واسمه بِسطام من بني يشكر فكان مخرجه بجوخَى٢ في ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة.
فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دما، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلا صليبا حازما فوجهه إليهم، ووجه معه جندا. وأوصه بما أمرتك به. فعقد عبد الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين من أهل الكوفة، وأمره بما أمره به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخْرجه، فقدم كتاب عمر عليه. وقد قدم عليه محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يحركه، ولا يهيجه فكان في كتاب عمر إليه: إنه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه، ولست بأولى بذلك مني. فهلم أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك، فلم يحرك بسطام شيئا وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثت إليك رجلين
_________________
(١) ١ معمر بن المثنى أبو عبيدة التيمي مولاهم. صدوق إخباري وقد رمي برأي الخوارج. تقريب ص٥٤١. ٢ جوخي -بضم والكسر وقد يفتح- اسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد بالجانب الشرقي منه. انظر معجم البلدان ٢/١٧٩.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
يدارسانك ويناظرانك. قال أبو عبيدة: الرجلين اللذين بعثهما شوذب إلى عمر مخدوج مولى بني شيبان، والآخر من صليبة بني يشكر -قال: فيقال: أرسل نفرا فيهم هذان، فأرسل إليهم عمر: أن اختاروا رجلين، فاختاروهما، فدخلا عليه فناظراه، فقالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ قال: صيره غيري، قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك، ثم وكلته إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت أدَّيت الأمانة إلى من ائتمن قال: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده، وخاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم وفي أيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيد، فدسوا إليه من سقاه سما، فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلا ثلاثا حتى مات١.
٢٧٣/٧- روى البلاذري فقال: كتب عمر إلى الخوارج فقال: إلى العصاة الذين خرجوا بزعمهم التماس الحق أما بعد: فإن الله تعالى لم يلبس على العباد أمورهم، ولم يتركهم سدى، ولم يجعلهم في عمياء، فبعث إليهم النذر، وأرسل إليهم الكتب، وبعث محمد ﷺ بشيرا ونذيرا وأنزل عليه كتابا حفيظا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قد علم ما تأتون وما تتقون فأوصيكم بتقوى الله وشكر نعمه والاعتصام بحبله والتوكل عليه فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا
_________________
(١) ١ ابن جرير الطبري: تاريخ الطبري ٥/٥٥٥-٥٥٦. وفي الأثر زيادات يشك في صحتها لكون أبي عبيدة يرى رأي الخوارج. والله أعلم.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
ويرزقه. وقد بلغني كتابكم وما دعوتموني إليه ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام وقد خاب من دعى إلى الحق فلم يجب وذكرتم نعم الله على عباده وما أمرهم به من الطاعة فلله الحجة البالغة وسألتموني أن أحكم بالعدل وأقوم بالقسط وفي الحق مقنع وفوز نجاة لمن عمل به ولكل نبأ مستقر فلكم الذي سألتم وبالله التوفيق، وسألتموني رد من كان في صدر هذه الأمة من الأئمة إلا ما كان من حكم أبي بكر وعمر وعلي قبل الحكمين ومن كان بعدهم من الأئمة كانوا أقرب عهدًا برسول الله ﷺ وأصحابه والله يشهد على أحكامهم ويعلمها، وسألتموني الإذن لكم في قدوم طائفة منكم علي فمن أحب ذلك فليقدم علي آمنا لا أحجبه ولا أبسط إليه يدا وأني أدعوكم إلى الله تعالى ورسوله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإنابة إلى أمر الله تعالى فأذكركم أن لا تخالفوا أمر الله تعالى وكتابه وسنة نبيه فقد بين لكم الهدي وأراكم البينات، فاقبلوا أمر الله وإياكم والبدع، والغلو في الدين، والسؤال عما كفيتموه. فقد سبق فيه من الله تعالى ما قد سمعتموه من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ١، فهذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة فإن تقبلوا يقبل الله تعالى منكم وإن تعرضوا فإن الله أمامكم ومن ورائكم فمن
_________________
(١) ١ الآية ١٠١ من سورة المائدة.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
ذا يعجز الله وشر الدواب عند الله الصم، البكم، وقلتم لا حكم إلا لله، فالحكم لله العظيم، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١،٢.
التعليق:
يتضح من الآثار السابقة مناظرات عمر بن عبد العزيز مع الخوارج، وقد سلك معهم في هذه المناظرات السابقة المسلك الصحيح الذي تبعه سلفنا الصالح كابن عباس، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيرهما من أئمة السلف حين ناظروا الخوارج٣، وبينوا لهم شبههم التي تعلقوا بها، ويبدو من الآثار السابقة أن عمر بن عبد العزيز قد طمع في رجوع هؤلاء الخوارج وقد دحض شبههم التي يظنونها أدلة ولاشك " أن الخوارج إنما أتاهم الخطأ والغلط من سوء فهمهم للقرآن ومقصودهم اتباع القرآن ظاهرا وباطنا، ولكنهم كما قال عمر ﵀ قوم جهال يردون من الناس ما قبله الرسول منهم، ويأمن عندهم الخائف الكافر، ويخاف عندهم
_________________
(١) ١ الآية ٥٠ من سورة المائدة. ٢ البلاذرى: كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/٢١٢-٢١٥، والعيون والحدائق لمؤلف مجهول ص٤١-٤٢ من خلافة الوليد بن عبد الملك إلى خلافة المعتصم "ط" مكتبة المثنى ببغداد. ٣ انظر: مناظراتهم هذه في: البداية والنهاية ٤/٣٠٥-٣٠٨، و٣١١-٣١٧.
[ ٢ / ٧١٠ ]
المؤمن، وقد بينوا في المناظرة ضيق أفقهم حيث أوجبوا لعن أهل الذنوب ثم حصروا الموالاة والمعاداة عليه، وقد دحض عمر هذه الشبهة، ثم بين لهم المنهج الصحيح الذي كان يدعو إليه محمد ﷺ وأصحابه وهو أن الرسول ﷺ بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن فعل ذلك حقن دمه، وأمن عنده، وكان أسوة المسلمين، ومن أبى ذلك جاهده؟ فهذا هو المنهج الصحيح في دعوة الناس إلى الإسلام، وليس اللعن، والبراءة لكل من ارتكب كبيرة سواء كان خطئا أو عمدا، ولذا اقتنع الحبشي وقال: ما رأيت حجة أبين ولا أقرب مأخذا من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق، وأنني بريء ممن خالفك.
ويتبين من المناظرات بَيْن عمر والخوارج أنه لم يترك لهم شبهة إلا كسرها وبين زيفها، وكشف عوارها، ويبدو أن بعض الخوارج يحملون قلوبا عميا، وآذانا صما، ونفوسا شريرة، أبعدتهم عن الحق، وصدتهم عن الهدى، وظنوا أن ما معهم هو الحق، وتأولوا القرآن على ما تميله نفوسهم، وقد بذل عمر جهده في مناظرتهم. هذا وقد بين عمر رحمه الله تعالى في مناظرته للخوارج عدة سمات اتصفوا بها ومنها:
[ ٢ / ٧١١ ]
١- الجهل: قال عمر ويحكم إنكم قوم جهال، وهذه سمة للخوارج بلا شك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه عن الخوارج: "فهم جهال فارقوا السنة والجماعة عن جهل"١.
٢- ومن سماتهم تضليلهم لأئمة الهدى وجماعة المسلمين ولعل عمر يقصدهم بقوله سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله " قال شيخ الإسلام واصفا صفاتهم: "فهؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجيين عن السنة من الرافضة ونحوهم ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا ثم يرتبون على الكفر أحكاما ابتدعوها٢.
٣- ومن علامات الخوارج التكفير بالمعاصي وإلحاق أهلها المسلمين بالكفار في الأحكام، والدار، والمعاملة، والقتال، واستحلال دماء المسلمين بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٤- ومن سماتهم قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان كما وصفهم بذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٣/٤٦٤. ٢ الفتاوى ٢٨/٤٩٧.
[ ٢ / ٧١٢ ]
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في الحكم على الخوارج
رأينا فيما سبق موقفه من مناظرة الخوارج، وسيتبين مما يأتي موقفه من الحكم عليهم. وقد اتسم موقفه في المناظرة ببيان الحق بدليله مع إحساس العزة من نفسه من غير كبر. وقد حكم على الخوارج بعد ما يئس من رجوعهم إلى الحق، والانضمام إلى أهله، بعد ما استعمل كل ما عنده من وسيلة شرعية لإقناعهم وهذا ما سيتبين بالآثار التالية.
_________________
(١) ٢٧٣/١- ابن الجوزي قال: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: بلغني أن ناسا من الحرورية جمعوا بناحية من الموصل فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز أعلمه بذلك فكتب إلي يأمرني أن أرسل إلي منهم رجالا من أهل الجدل وأعطهم رهنا وخذ منهم رهنا واحملهم على مراكب البريد إلي. ففعلت ذلك، فقدموا عليه، فلم يدع لهم حجة إلا كسرها فقالوا لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك، وتلعنهم وتتبرأ منهم. فقال عمر: إن الله لم يجعلني لعانا، ولكن إن أبقى أنا وأنتم فسوف أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء. فأبوا أن يقبلوا ذلك منه فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق. منذ كم دنتم بهذا الدين؟ قالوا: منذ كذا وكذا سنة. قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم منه. قالوا: لا. قال: فكيف وسعكم تركه؟ ألا يسعني ترك أهل بيتي وقد كان فيهم المحسن والمسيء، والمصيب، والمخطئ؟ قالوا: قد بلغنا ما هاهنا
[ ٢ / ٧١٣ ]
فكتب إلي عمر: أن خذ من في أيديهم من رهنك، يعني ودع من في يدك من رهنهم، وإن كان رأي القوم أن يسيحوا في البلاد على غير فساد على أهل الذمة ولا تناول أحد من الأمة فليذهبوا حيث شاءوا، وإن هم تناولوا أحدا من المسلمين وأهل الذمة فحاكمهم إلى الله١.
قال ابن الجوزي: وكتب إليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العصابة الذين خرجوا:
أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإن الله يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢، وإني أذكركم الله أن تفعلوا كفعل كبرائكم ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ٣
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٩٨-٩٩، وابن عبد البر في التمهيد ٢٣/٣٣٦. ٢ الآية ١٢٥ من سورة النحل. ٣ الآية ٤٧ من سورة الأنفال وأولها (ولا تكونوا) .
[ ٢ / ٧١٤ ]
أفبذنبي تخرجون من دينكم وتسفكون الدماء وتنتهكون المحارم؟ ولو كانت ذنوب أبي بكر وعمر مخرجة رعيتهما من دينهم كانت لهما ذنوب، فقد كانت آباؤكم في جماعتهم، فلم ينزعوا فما ينزعكم على المسلمين، وأنتم بضعة وأربعون رجلا!! وإني أقسم لكم بالله لو كنتم أبكاري من ولدي فوليتم عما أدعوكم إليه من الحق لدفقت دماءكم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة، فهذا النصح فإن استغششتموني فقديما ما استغش الناصحون.
قال ابن الجوزي: فأبوا إلا القتال وحلقوا رؤوسهم، وساروا إلى يحيى ابن يحيى. فأتاهم كتاب عمر، ويحيى بن يحيى مواقعهم للقتال: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يحيى بن يحيى أما بعد: فإني ذكرت آية في كتاب الله ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١، وإن من العدوان قتل النساء، والصبيان، فلا تقتلن امرأة ولا صبيا، ولا تقتلن أسيرا، ولا تطلبن هاربا ولا تجهزن على جريح إن شاء الله٢.
٢٧٤/٢- ابن سعد: قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: خرجت حرورية بالعراق في خلافة
_________________
(١) ١ الآية ١٩٠ من سورة البقرة، و٨٧ من سورة المائدة. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٩٨- ١٠٠.
[ ٢ / ٧١٥ ]
عمر بن عبد العزيز وأنا يومئذ بالعراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد عامل العراق، فلما انتهى أمرهم إلى عمر كتب إلى عبد الحميد يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ فلما أعذر في دعائهم كتب إليه أن قاتلهم فإن الله وله الحمد لم يجعل لهم سلفا يحتجون به علينا. فبعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية، فلما بلغ ذلك عمر بعث إليهم مسلمة بن عبد الملك من أهل الشام وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء، وقد بعثت إليك مسلمة ابن عبد الملك فخل بينه وبينهم. فلقيهم مسلمة في أهل الشام فلم ينشبوا أن أظهره الله عليهم"١.
٢٧٥/٣- ابن سعد أيضا قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الحميد بن عمران، عن عبد الله بن عتبة، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى الخوارج الذين خرجوا عليه فكلمتهم فقلت: ما الذي تنقمون عليه؟ قالوا: ما ننقم عليه إلا أنه لا يلعن من كان قبله من أهل بيته، فهذه مداهنة منه. قال: فكف عمر عن قتالهم حتى أخذوا الأموال
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٥٨، وفي الأثر محمد بن عمر شيخ ابن سعد، وهو على سعة علمه متروك. انظر تقريب التهذيب ص٤٩٨
[ ٢ / ٧١٦ ]
وقطعوا السبيل فكتب إليه عبد الحميد بذلك فكتب إليه عمر: أما إذا أخذوا الأموال وأخافوا السبيل فقاتلهم فإنهم رجس١.
٢٧٦/٤- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن عون بن عبد الله، قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن يدعى الخوارج٢.
٢٧٧/٥- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني خازم بن حسين، قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله في الخوارج، فإن أظفرك الله بهم وأدالك عليهم فرد ما أصبت من متاعهم إلى أهليهم٣.
٢٧٨/٦- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، عن أبي بكر بن حزم، عن المنذر بن عبيد، قال: حضرت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد: ومن أخذت من أسراء الخوارج فاحبسه حتى يحدث خيرا، قال: فلقد مات عمر بن عبد العزيز وفي حبسه منهم عدة٤.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٥/٣٥٨، وفي الأثر أيضا محمد بن عمر متروك. ٢ المصدر نفسه ٥/٣٥٨، في الأثر شيخ المصنف وكذا الأثرين التاليين. ٣ المصدر نفسه ٥/٣٥٨. ٤ المصدر نفسه ٥/٣٥٨.
[ ٢ / ٧١٧ ]
٢٧٩/٧- ابن أبي شيبة قال: حدثنا جرير، عن مغيرة١، قال: خاصم عمر بن عبد العزيز الخوارج فرجع من رجع منهم، وأبت طائفة أن يرجعوا فأرسل عمر رجلا على خيل وأمره أن ينزل حيث يرحلون ولا يحركهم ولا يهيجهم، فإن قتلوا وأفسدوا في الأرض فاسط عليهم وقاتلهم، وإن هم لم يقتلوا ولم يفسدوا في الأرض فدعهم يسيرون٢.
٢٨٠/٨- ابن أبي شيبة أيضا قال: حدثنا حميد، عن حسن، عن أبيه، قال: أشهد أن كتاب عمر بن عبد العزيز قرئ علينا: إن سفكوا الدم الحرام وقطعوا السبيل فتبرأ في كتابه من الحرورية وأمر بقتالهم٣؟
٢٨١/٩- الملطى قال: وقال مزاحم بن زفر: كنا بسمرقند وعليها محمد بن المهلب، فخرج علينا يوم الجمعة رجل حروري فضرب رجلا من بني عجل بالسيف فأخذ، فدعا محمد بن المهلب الضحاك بن مزاحم فسأله، فقال: أرى أن تحبسه حتى ينظر ما يصنع المضروب ثم تقصه منه. فحبسه وكاتب إلى يزيد المهلب، فكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك
_________________
(١) ١ مغيرة هو: مغيرة بن مقسم، إمام ثقة، روى عن جرير وغيره. انظر ميزان الاعتدال ٤/١٦٥. ٢ ابن أبى شيبة المصنف ٨/٧٣٥. ٣ المصدر السابق ٨/٧٣٦.
[ ٢ / ٧١٨ ]
فوافق الكتاب موت سليمان بن عبد الملك واستخلاف عمر بن عبد العزيز، فعرض عليه الكتاب فكتب:
أما بعد: فانظر الحروري فإن المضرب مات من ضربته فدعه لأوليائه يقتلونه، وإن كان بريئا فقصه منه، ثم احبسه محبسا قريبا من أهله حتى يموت من هواه الخبيث١.
٢٨٢/١٠-الملطي أيضا: قال: قال حسان بن فروخ: سألني عمر بن عبد العزيز عما تقول الأزارقة فأخبرته فقال: ما يقولون في الرجم؟ فقلت يكفرون به فقال الله أكبر كفروا بالله وبرسوله٢.
التعليق:
يظهر من خلال هذه الآثار السابقة حرص عمر بن عبد العزيز على حقن دماء المسلمين وحبه للتمسك بالكتاب والسنة وآثار السلف الصالح مستنيرا بما أخذوا به من السنة في معاملة الخوارج من مناظرة ومحاجة كما فعل أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ فحين خرج عليه الخوارج أرسل إليهم عبد الله بن عباس ﵄ فناظرهم ورجع منهم طائفة ثم بين لهم بأن لا يسفكوا دما وأن لا يخيفوا آمنا فما استفادوا من ذلك
_________________
(١) ١ الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٩٣- ١٩٤.وأبو حفص الملاء ١/٣١٣. ٢ نفس المصدر ص١٩٦.
[ ٢ / ٧١٩ ]
فسفكوا الدماء وخوَّفوا الآمنين فعند ذلك حاربهم١، وهذا ما فعله عمر ابن عبد العزيز فقد تبع هذا المنهج الذي سار عليه علي بن أبي طالب ﵁ فلما بالغ في الإعذار والإنذار قدر الاستطاعة وهدى الله تعالى من أراد له الهداية لم يتوان عن محاربتهم لأنهم رجس.
والآثار التي حذر فيها الخوارج من الخروج على الأئمة توقف الناس أمام الحق الذي يراه عمر وهو أنه ليس لكل أحد أن يقول في كتاب الله بما يريد ادعاء بالحكم بكتاب الله - وهي صفة للخوارج والمنحرفين الذين يدعون الأخذ بكتاب الله ويخالفون ما سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده - بل يعتبر عمر هنا أن الأخذ بتلك السنن هو الاعتصام بكتاب الله وهو القوة على دين الله وأنه لا يسوغ لأحد تبديلها وتغييرها أو النظر في أمر خالفها ٢.
فعمر سيأخذ بالسنن التي أمر بها الكتاب والسنة وعمل بها الخلفاء الراشدون ليقطع بهذا لكل من تسول له نفسه الخروج عن هذه السنن سواء كان من الخوارج الجهلة الذين ضلوا الطريق أو غيرهم.
فاجتهد ﵀ أن يرد الخوارج إلى الحق والصواب بالحجة والإقناع لعلمه بأنه لا يحل دم امرئ مسلم بغير حق. فما تخرج عليه فرقة من فرق
_________________
(١) ١ انظر العقد الفريد ٤/٣٨٣. ٢ انظر قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبد العزيز ص١١٥- ١١٦.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
الخوارج حتى يكتب إلى ولاته الكتب محذرا فيها من البدء بالعدوان وأن لا يحركوهم حتى يسفكوا دما ويفسدوا في الأرض، كما يكتب إلى الخوارج أيضا ليرسلوا إليه من يناظره ويجادله ويناقشه في الوصول إلى الحق، فلما أعذرهم وتبين للناس ضيق أفقهم في الجدال وتعصبهم المقيت، وأبوا إلا القتال وحلقوا رؤوسهم وتمادوا ومع ذلك فلم يأمر بقتالهم إلا بعد أن سفكوا الدم وأخذوا الأموال وقطعوا السبيل، فحينذاك أمر بقتالهم، ولكنه مع ذلك لا ينسى أنهم مسلمون، وإن كانوا معتدين، فيكتب إلى واليه بحكم البغاة أن لا يقتل أسيرا ولا يجهز على جريح ولا يقتل النساء والصبيان.
وهذه هي سنة رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ﵁ في معاملة الخوارج. روى البيهقي في معرفة السنن والآثار عن الشافعي قال: بلغنا أن علي بن أبي طالب ﵁ بينا هو يخطب إذ سمع تحكيما من ناحية المسجد لا حكم إلا لله. فقال: علي بن أبي طالب ﵁: لا حكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث. لا نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بالقتال١.
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار للبيهقي ٦/٢٨٧.
[ ٢ / ٧٢١ ]
وزاد الحافظ ابن حجر في الفتح: ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا١.
وروى البيهقي أن عليا ﵁ كان لا يأخذ سلبا وإن كان يباشر القتال بنفسه وأنه كان لا يجهز على جريح، ولا يقتل مدبرا، وأمر أصحابه بأن لا يتبعوا مدبرا، ولا يحهزوا على جريح، ولا يغنموا مالا، وذلك لأن أموالهم لا تغنم، لأن الله تعالى إنما جعل الغنيمة في أموال الكافرين ولم يجعلها في أموال المصلين ولا يحل مال المسلم إلا بطيب نفس منه لقوله ﷺ "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"٢. وهذا هو الذي فعله عمر مع الخوارج كما سبق رسمه في الآثار.
هذا، ولعل الحكم على الخوارج يختلف باختلاف جرمهم وشناعة أقوالهم فمن أنكر منهم شيئا معلوما من الدين بالضرورة كالأزارقة الذين أنكروا الرجم فقد أثر عن عمر تكفيرهم.
هذا وللعلماء قولان بالنسبة للحكم على الخوارج:
١- أنهم كفار.
٢- أنهم فساق مبتدعون بغاة.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٢/٢٨٤. ٢ معرفة السنن والآثار ٦/٢٨٢.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
وقد استند الذين كفروهم على ما ورد من أحاديث المروق المشهورة التي تصفهم بأوصاف تصدق على بعض فرقهم كإنكارهم بعض الأمور المعروفة من الدين بالضرورة فلذا كفر عمر بن عبد العزيز الأزارقة حين أنكروا الرجم ووصف من خرج عن طريقة السلف بالدخول في النار.
أما الذين فسقوهم فاستندوا على أن الحكم بالكفر على أحد غير هين لكثرة النصوص التي تحذر من ذلك إلا من ظهر الكفر من قوله أو فعله فلا مانع حينئذ من تكفيره بعد إقامة الحجة عليه، وهذا ما نلاحظه عند عمر بن عبد العزيز في تعامله معهم حيث لم يعاملهم معاملة الكفار كما سبق نقله عنه.
ولاشك أن الصحيح في ذلك أن يقال في حق كل فرقة ما تستحقه من الحكم حسب قربها أو بعدها عن الدين وهذا ما فعله عمر رحمه الله تعالى فلم يطلق على الخوارج حكما حتى ناقشهم وجادلهم وبين لهم الحق ولم يكفرهم إلا بعد صدور أقوال الكفر منهم ﵀ رحمة واسعة.
والخلاصة: أن موقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من الخوارج كان قويا وحازما مع الحرص على تطبيق السنة كما كان يناظرهم ويعلمهم، ويقاتلهم إذا حدث منهم قتال أو بغى أو قطعوا السبيل. وتعرضوا لمصالح المسلمين كما سبق بيانه في الآثار.
ورغم شدته وموقفه من الخوارج، وقتاله إياهم إلا أنه لا يكفرهم إلا إذا أنكروا أمرًا معلوما من الدين بالضرورة كإنكار الرجم وهذا هو
[ ٢ / ٧٢٣ ]
موقف السلف الصالح جميعا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين "١.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٧/٢١٧-٢١٨.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
الفصل السادس: موقفه من الشيعة
تمهيد:
كلمة الشيعة في اللغة يراد بها: الاتباع، والأنصار، والأعوان، والخاصة١.
وفي الاصطلاح هو اسم لكل من فضل عليًّا على الخلفاء الراشدين قبله ﵃ جميعا ورأى أن أهل بيته أحق بالخلافة٢.
وقد ظهر الشيعة بعد معركة صفين حين انشق الخوارج وتحزبوا في النهروان فظهر في مقابلهم اتباع وأنصار علي ﵁ حيث بدأت فكرة التشيع تشتد شيئًا فشيئًا.
وللشيعة أسماء عدة كالرافضة والزيدية إضافة إلى الاسم العلم لهم، الشيعة. هذا بغض النظر عن صدق هذا الاسم عليهم أو عدم صدقه لأنه لا تأثير للأسماء في الحقيقة والواقع.
والشيعة فرق عديدة منهم الغلاة الذين خرجوا عن الإسلام وهم يدعونه ويدعون التشيع، ومنهم دون ذلك ومؤسس مذهبهم هذا هو عبد الله بن سبأ كان يهوديا من اليمن فادعى الإسلام.
وأهم فرقهم هي: الكيسانية، والسبئية، والزيدية، والرافضة.
_________________
(١) ١ انظر تهذيب اللغة ٣/٦١، وتاج العروس ٥/٤٠٥. ٢ انظر مقالات الإسلاميين ص/٦٥ والملل والنحل ١٤٤ - ١٤٥.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
والأخيرة هذه - هي الواجهة البارزة في عصرنا الحاضر للتشيع، ومن الطبيعي جدا أن يحصل الخلاف بين الشيعة شأنهم شأن بقية الفرق أهل الأهواء فما داموا قد خرجوا عن النهج الذي ارتضاه الله لعباده، واستندوا إلى عقولهم وأهوائهم فلا بد أن نتوقع الخلاف خصوصا حينما يكون الخلاف مرادا لذاته.
وقد علم عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فرق الشيعة - كما سيأتي - وقام بزجرهم بخطبه ورسائله محذرا عن الفرقة، والخروج عما كان عليه الصحابة وآمرا بالاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة، وترك الابتداع في الدين الذي هو أبرز سمات شعار فرقة الشيعة الرافضة إلى أن أتاه أجله فرحمه الله رحمة واسعة.
٢٨٣/١- الذهبي قال: قال الزبير بن بكار: قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صلاح بني هاشم وفسادهم بحب كُثَير١، فمن أحبه منهم فهو فاسد، ومن أبغضه فهو صالح لأنه كان خشبيا يؤمن بالرجعة٢.
_________________
(١) ١ هو أبو صخر كثير بن عبد الرحمن الخزاعي من فحول الشعراء كان شيعيا خشبيا يقول بالتناسخ ويؤمن بالرجعة تيم بعزة وشبب بها توفى سنة ١٠٧ انظر سير أعلام النبلاء /٥/١٥٢. ٢ الذهبي تاريخ الإسلام ٧/٢٢٩، تحقيق الدكتور عبد السلام تدمري ط. دار الكتاب العربي، والأغاني ج ٩ / ١٩ وابن عساكر ٥٠/١٠٩-١١٠.والخشبية اسم لفرقة من الشيعة سموا بذلك لقولهم: إنا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم فقاتلوا بالخشب. انظر منهاج السنة ج ١/٣٦.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
٢٨٤/٢- ابن عبد ربه في العقد الفريد: قال أتى عمر بن عبد العزيز كتاب من عامله على الكوفة يخبره بسوء طاعة أهلها فوقع عليها عمر "لا تطلب طاعة من خذل عليا ﵁ وكان إماما مرضيا"١.
٢٨٥/٣- قال الأزدي: قرأت في التاريخ، أن عمر بن عبد العزيز قال: قد ناظرت الناس وكلمتهم وإني لأحب أن أكلم الشيعة فشخص إليه أبو جعفر محمد بن علي ومعه زرارة بن أعين٢، فقال: أخبرني عن مقعدك هذا الذي قعدته أبإرث من رسول الله ﷺ؟ قال: لا. قال: فبوصية منه. قال: لا. فبإجماع من المسلمين أو لأحد ولاية منك. قال: لا. فلما نهض أبو جعفر قال له زرارة ما تقول فيه، قال: هو خير ممن كان قبله وفلان خير منه٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد ربه في العقد الفريد /٤ /١٩٨ وانظر: ابن عساكر تاريخ دمشق ج ٤/٥٦-٦٦. ٢ زرارة بن أعين: اسمه عبد ربه وزرارة لقبه وهو شيباني كوفي يترفض قال سفيان الثوري: لم ير أبا جعفر وقيل روى عنه مات سنة ١٥٠ انظر: الضعفاء الكبير للعقيلي/٢/٩٦-٩٧ ولسان الميزان٢ /٥٥١. ٣ الأزدي: تاريخ الموصل ص٥. تحقيق د. علي حبيبة القاهرة ١٣٨٧هـ ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر ثقة فاضل. تقريب ٤٩٧ مات سنة بضع عشرة. وذكر ابن عساكر أن عمر بن عبد العزيز أوفده إليه حين تولى الخلافة يستشيره في بعض أموره انظر: ابن عساكر تاريخ دمشق٥٤ /٢٦٨.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
٢٨٦/٤- ابن عبد البر قال: حدثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن الفضل، نا محمد بن جرير، نا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثني عبد الله ابن يوسف، عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن طلحة بن أشعث، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز إلى العراق فقال: أقرئهم ولا تستقرئهم وحدثهم ولا تسمع منهم، وعلمهم ولا تتعلم منهم١.
٢٨٧/٥- الدارمي قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، قال: قال عمر بن عبد العزيز إذا رأيت قوما ينتاجون بأمر دون عامتهم فهم على تأسيس الضلالة٢.
التعليق:
إن مما أنعم الله به على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بُعد النظر، والإصابة في القول، فأقواله رحمه الله تعالى تنم عن هبة خصه الله بها، فقوله إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة، يُعتبر قاعدة تدلنا على أخص سمة يتميز بها أهل الأهواء والبدع، وهي التناجي في أمور الدين بخفية، والخروج عن جماعة المسلمين الذين هم سلف هذه الأمة. وقد حاز الشيعة قصب السبق في هذا الجانب حيث وجد عندهم من البدع ما لم يوجد عند غيرهم من الفرق المنتسبة
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: جامع بيان العلم ٢/١٠٩٧، وقال المحقق: إسناده ضعيف. ٢ الدارمي في السنن ١/٩١.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
إلى الإسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهؤلاء - يشير إلى الروافض - جمعوا هذه الثلاثة١ وزادوا عليها فإنهم خارجون عن الطاعة يقتلون المؤمن، والمعاهد، ولا يرون لأحد من ولاة المسلمين طاعة، سواء كان عدلًا أو فاسقًا إلا لمن لا وجود له وهم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوي الأنساب، وهي العصبية للدين الفاسد فإن في قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين من أولياء الله مستقدمهم ومستأخرهم وأمثلهم عندهم الذي لا يلعن ولا يستغفر
وهؤلاء أشد الناس حرصا على تفريق جماعة المسلمين فإنهم لا يقرون لولي أمر بطاعة سواء كان عدلا أو فاسقا، ولا يطيعونه لا في طاعة ولا في غيرها، بل أعظم أصولهم عند التكفير، واللعن، والسب لخيار ولاة الأمور كالخلفاء الراشدين، والعلماء المسلمين، ومشايخهم، لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذي لا وجود له فما آمن بالله ورسوله٢.
ولكون الشيعة يؤمنون بالإمام المعصوم وبأن عليًّا ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ بالنص نراهم عندما ناظروا عمر بن عبد العزيز - إن صحت ثبوت تلك المناظرة - أصروا على مبادئهم وهي الإشارة بأن الولاية لا
_________________
(١) ١ يشير إلى ما سيأتي ﵀. ٢ الفتاوى ٢٨/٤٨٧- ٤٨٩.
[ ٢ / ٧٣١ ]
تنال إلا بإرث من رسول الله ﷺ أو بوصية منه، أو بإجماع المسلمين. وهذه الدعاوي كلها من اختلاق وافتراء عبد الله بن سبأ اليهودي. قال أبو الحسن الأشعري في المقالات: وأجمعوا على أن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بن أبي طالب ﵁ باسمه، وأظهر ذلك، وأعلنه. وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي ﷺ، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف، وأنها قرابة، وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول إنه ليس بإمام وأبطلوا جميعا الاجتهاد في الأحكام، وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس. وزعموا أن عليا رضوان الله عليه كان مصيبا في جميع أحواله، وأنه لم يخطئ في شيء من أمور الدين إلا الكاملية أصحاب أبي كامل فإنهم أكفروا الناس بترك الاقتداء به وأكفروا عليّا بترك الطلب "١.
وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يعرف معتقدات هذه الفرقة الضالة، التي تكتم عقيدتها بالتقية، حيث تتظاهر بأنها تنقاد للأئمة وتؤدي الواجبات في الظاهر، بينما تعتقد في الباطن خلاف ذلك ومن العجيب أن يوجد بين المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن من يرى أن هناك من يرجع من الأموات قبل يوم القيامة كما هو معتقد فرقة من فرق الغلاة الشيعة الذين يرون أنه لا يجوز القتال بالسيوف وغيرها من الأسلحة الفتاكة إلا مع
_________________
(١) ١ انظر المقالات ١/٨٩.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
وجود الإمام المعصوم. أما في حال غيبته فيقتصرون على القتال بالخشب فقط. ومن خلال أفراد هذه الفرقة عرف عمر بن عبد العزيز أن من تحبه من بني هاشم فهو فاسد لأن أفرادها وعوامها لا يحبون إلا من يوافقهم في ضلالاتهم وأهوائهم، وأما من تكرهه من بني هاشم فهو صالح لأنه لا يمكن للمسلم العاقل أن يعتقد مثل هذه الاعتقادات الباطلة، وقد بين الأشعري ﵀ أن هذا المعتقد كان يقول به عبد الله بن سبأ مؤسس معتقد الغلاة فقال ﵀ الصنف الرابع عشر من أصناف الغالية وهم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون أن عليا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة، فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. وذكروا عنه أنه قال لعلي رضي الله تعالى عنه: أنت أنت! والسبئية يقولون بالرجعة وأن الأموات يرجعون إلى الدنيا "١.
ومعرفة عمر بن عبد العزيز بعقيدة كُثيرِّ الشاعر يؤيدها ما يروى أن كثيرا عزة له أبيات يثبت فيها عقيدته الفاسدة في الغلو في أهل البيت مثل قوله:
١- ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء
٢- علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
٣- فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/٩٢.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
٤- وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء
٥- تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء١
ومثل قوله:
١- إلا قل للوصي فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما
٢- أضر بمعشر والوك منا وسموك الخليفة والإماما.
٣- وعادوا فيك أهل الأرض طرا مقامك عندهم ستين عاما
٤- وما ذاق ابن خولة طعم موت ولا وارت له أرض عظاما
٥- لقد أمسى بمجرى شعب رضوى تراجعه الملائكة الكلاما
٦- وإن له لرزقا كل يوم وأشربة يعل بها الطعاما
قال الذهبي - ﵀ - قال الزبير بن بكار عن كُثير: كان شيعيا يقول بتناسخ الأرواح ويقرأ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ٣ قال: وكان خشبيا يؤمن بالرجعة، يعني رجعة علي ﵁ إلى الدنيا٤.
ولم يهتم عمر رحمه الله تعالى بالرد على ما كان يراه كُثَير وغيره من الشيعة كما اهتم بالرد على القدرية والخوارج لأن القول بالرجعة لا يقر
_________________
(١) ١ الفرق بين الفرق ص٢٨، وديوانه ص١٨-١٩.وابن عساكر٥٤ /٣٢٢. ٢ الفرق بين الفرق ص٢٩، وديوانه ص٢٥٤، وقيل إن الأبيات للسيد الحميري. انظر الأغاني ٨/٣٠. ٣ سورة الانفطار الآية ٨. ٤ تاريخ الإسلام ٧/٢٢٧.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
به جميع العقلاء، ويؤمن المسلمون برجعة واحدة تكون في يوم القيامة حين يجمع الخالق الخلائق لفصل القضاء كما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة فلتفاهة هذا القول ولكون العقل السليم يمج مثل هذه الترهات ولدلالة الكتاب والسنة على بطلان هذه الدعوى، لم يهتم عمر رحمه الله تعالى بالرد على هؤلاء. قال تعالى ردا على من تمنى الرجعة إلى الدنيا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ١، ومدلول هذه الآية هو اعتقاد جميع المسلمين ولم يقل بخلاف هذا أحد لا سلف الأمة ولا أحد من أهل البيت الذين يزعم الشيعة أنهم له تبع.
وقد ورد في السنة المطهرة ما يوضح معنى هذه الآية ويوضح صراحة أنه لا رجعة إلى الدنيا بعد الموت: فعن طلحة بن خراش قال: سمعت جابرا يقول: لقيني رسول الله ﷺ فقال: "يا جابر، ما لي أراك منكسرا؟ " فقلت: يارسول الله استشهد أبي قتل يوم أحد، وترك عيالا ودينا، قال: "أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ " قال: قلت بلى يارسول الله. قال: "ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك وكلمه كفافا٢ فقال:
_________________
(١) ١ الآية ٩٩- ١٠٠ المؤمنون. ٢ أي مواجهة بغير حجاب.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ياعبدي تمن علي أعطك، قال: يارب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب ﷿: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون"١، فالحديث صريح في منع القول بوقوع الرجعة فضلا عن أن تكون عقيدة إسلامية يجب اعتقادها.
وكذلك لم يرد على كثير كونه خشبيا والسبب في هذه التسمية أن هذه الفرقة كما قيل كانوا يقاتلون بالخشب ولا يجيزون القتال بالسيف وغيره إلا تحت راية إمام معصوم من آل البيت كما سبق بيانه٢.
هذا وللمخالطة والمجالسة تأثير قوي يعرفه كل عاقل وقد كان في زمان عمر شيعة وهم كذبة أصحاب خرافة ودجل كما رأينا فيما سبق فلم ير عمر أن يؤخذ عنهم العلم ويتلمذ عليهم خوفا من تأثير بدعتهم وتمويههم على من تتلمذ عندهم وإنما أمر أن يفتح عليهم ما يكرهونه من العلم الصحيح المبني على الكتاب والسنة حرصا منه على هداية هذه الفرقة الضالة وقطعا للعذر عليهم وقياما بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله فرحمه الله رحمة واسعة. مع سعة معرفته بمبادئ الشيعة الضالة التي كانت منتشرة في عهده وقبل عهده ولهذا كان ﵀ يعالج هذا الجانب ما استطاع إليه سبيلا. مثله مثل غيره من علماء السلف في ذلك الوقت.
_________________
(١) ١ رواه الترمذى ٥ /٢٣٠ -٢٣١ وقال حسن غريب من هذا الوجه وابن ماجة في المقدمة ١ /٦٨ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/٣٨. ٢ الفصل في الملل والنحل لابن حزم ٤/ ١٨٥.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
الفصل السابع: موقفه من القدرية
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الرد على القدرية ومنهجه في ذلك
تمهيد:
مذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر وغيره ما دل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته، ولا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو قادر على كل شيء، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم قدر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة، وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون.
وهم متفقون على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به منهيون عما نهاهم الله عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده، ووعيده، الذي نطق به
[ ٢ / ٧٣٩ ]
الكتاب والسنة، ومتفقون على أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه، ولا محرم فعله بل لله الحجة البالغة على عباده.
وهم متفقون أيضا على أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله١. فليست مشيئتهم مستقلة بل مقيدة بمشيئة الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا تشَاؤُونَ إلاَّ أَن يَّشَاءَ اللهُ﴾ .
وقد انحرف عن هذا المذهب السليم والمعتقد الصحيح القدرية والجبرية، وقد عاصر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى القدرية الغلاة فسلك معهم منهج الكتاب والسنة فناظرهم وكتب إليهم مبينا لهم المذهب الصحيح بتأن وروية، واستدلال بآي الكتاب العزيز فجاءت الآثار الواردة عنه نبراسا مضيئا لمن يريد اتباع السلف الصالح، وهذه الآثار الواردة عنه تعتبر مناظرة وردا على القدرية بأصنافها٢، وعلى الجبرية كذلك.
والمكذبون بالقدر يعتمدون على شبه واهية، وبعضهم لم يعلم الحقيقة من خبث هذا المذهب الفاسد، وقد كان بدايتهم منذ عهد أواخر
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٤٩- ٤٥٠، و٤٥٨- ٤٥٩. ٢ قسم شيخ الإسلام ابن تيمية القدرية إلى ثلاثة أصناف: أ- قدرية إبليسية، ب- قدرية مشركة، ج- قدرية مجوسية. انظر التدمرية ص٩١.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
الصحابة ﵃، فتبرأ منهم ابن عمر وغيره من الصحابة، وقد امتد بقاؤهم إلى عهد عمر بن عبد العزيز وكانوا بداية المعتزلة ومن أشهر هؤلاء المكذبين بالقدر غيلان بن مسلم الدمشقي كان أصله قبطيا فأسلم أجداده وكانوا من موالي عثمان بن عفان رضي الله عنه١، وكان غيلان قدريا مرجئا جامعا بين السيئتين كتب إلى عمر بن عبد العزيز رسالة كما ذكر صاحب المنية والأمل٢ وستأتي، فولاّه عمر دار الضرب بدمشق واستمر فيها إلى أن عرف عمر بمذهبه فناداه وحبسه، وناظره فتاب ثم ناداه فناظره فتاب وهكذا تكررت المناظرات بينهما إلى أن أوصى عمر إلى أمراء أجناده بتنفيذ حكم الله فيه، ولكن توفي عمر قبل أن تصل هذه الوصية إليهم كما ناظر عمر غيره ممن وفد عليه كما سيأتي بيانه خلال الآثار القادمة، وقد كان غيلان من بلغاء الكتاب، وقد نافق عمر حين ناظره - ولعله لم يستطع أن يتخلص من سلطان عقائده الموروثة فقد كان القبط من أهل الكتاب النصارى، وكان النصارى مختلفين في القدر فمنهم من كان يرى أن الإنسان حر مختار في عمله، ومنهم فئة جبرية، ترى أن كل
_________________
(١) ١ انظر المنية والأمل ص١٥. ٢ المصدر السابق ص١٥.
[ ٢ / ٧٤١ ]
شيء مقدور على الإنسان حتى في أعماله الاختيارية١، ولعل عمر يقصد غيلان وغيره بقوله: "لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا".
وقد أورد اللالكائي بسنده عن الأوزاعي أن أول من نطق في القدر سَوْسَنْ بالعراق كان نصرانيا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد، وأخذ غيلان القدري عن معبد٢. وكان غيلان متلوِّنًا في دينه متهمًا فيه، فقد روى ابن عساكر عن يحيى بن مسلم قال: أتيت بيت المقدس للصلاة فيه فلقيت رجلا فقال: هل لك في إخوان لك؟ قلت: نعم. قال فبت الليلة، فإذا أصبحت لقيتك، فلما أصبح لقيني فقال: هل رأيت الليلة في منامك شيئًا. قلت: لا، إلا خيرا، قال: فصنع بي ذلك ثلاث ليال ثم قال: انطلق فانطلقت معه حتى أدخلني سربا فيه غيلان والحارث الكذاب في أصحاب له ورجل يقول لغيلان: يا أبا مروان ما فعلت الصحيفة التي كنا نقرأها بالأمس. قال: عرج بها إلى السماء، فأحكمت ثم أهبطت. فقلت: إنا لله
_________________
(١) ١ انظر: القضاء والقدر لأبي الوفاء محمد درويش ص١٠. ط. دار القاسم ط. الأولى عام ١٤١٦هـ. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٨٢٧.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
ما كنت أرى أني أبقى حتى أسمع بهذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم١ وفيما يلي الآثار الواردة عن عمر في الرد على القدرية ومنهجه في ذلك.
٢٨٨/١- الآجري: قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: أخبرنا علي بن ثابت، عن عمر بن ذر، قال: "جلسنا إلى عمر ابن عبد العزيز ﵁ فتكلم منا متكلم فعظم الله ﷿ وذكر بآياته فلما فرغ تكلم عمر بن عبد العزيز فحمد الله وأثنى عليه وشهد شهادة الحق، وقال للمتكلم: إن الله ﷿ كما ذكرت وعظمت ولكن الله ﷿ لو أراد أن لا يعصى ما خلق إبليس وقد بين ذلك في آية من القرآن علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٢، قال: ومعنا رجل يرى رأي القدرية، فنفعه الله ﷿ بقول عمر بن عبد العزيز ورجع عما كان يقول فكان أشد الناس بعد ذلك على القدرية٣.
_________________
(١) ١ انظر تاريخ دمشق ٤٨/١٩١. ٢ الآيات ١٦١- ١٦٣ من سورة الصافات. ٣ الآجرى في الشريعة ١/٤٤٢، وقال محقق كتاب الشريعة إسناده لا بأس به ورواه ابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٨، والملطى: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٨١ والفريابى في القدر مخطوط ورقة "أ" ٥٥.وابن عساكر٤٥/١٤-١٥.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
٢٨٩/٢- الآجري أيضا قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا ابن إدريس، عن عمر بن ذرّ قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز خمسة، موسى بن أبي كثير، ودثار النهدي، ويزيد الفقير، والصلب بن بهرام، وعمر بن ذر، فقال إن كان أمركم واحدا فليتكلم متكلمكم، فتكلم موسى بن أبي كثير وكان أخوف ما يتخوف عليه أن يكون عرض بشيء من أمر القدر. قال: فعرض له عمر بن عبد العزيز فحمد الله ﷿ وأثنى عليه ثم قال: لو أراد الله ﷿ أن لا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله ﷿ علمه من علمه وجهله من جهله ثم تلا هذه الآية ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١، ثم: لو أراد الله ﷿ حمل خلقه من حقه على قدر عظمته لم يطق ذلك أرض ولا سماء لا ماء ولا جبل ولكنه رضي من عباده بالتخفيف٢.
٢٨٧ /٣- ابن جرير الطبري قال: حدثنا بن حميد ثنا يعقوب عن جعفر عن العشرة الذين دخلوا على عمر بن عبد العزيز وكانوا متكلمين
_________________
(١) ١ الآيات ١٦١- ١٦٣ من سورة الصافات. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٤١- ٤٤٢، وقال المحقق: إسناده صحيح، والفريابى في القدر ورقة ب٥٤.وابن عساكر ج ١٥/٤٥.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
كلهم ثم إن عمر بن عبد العزيز تكلم بشيء فظننا أنه تكلم بشيء رد به ما كان في أيدينا فقال لنا هل تعرفون تفسير هذه الآية؟ ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١ قال: إنكم والآلهة التي تعبدونها لستم با لذي تفتنون عليها إلا من قضيت عليه أنه يصلى الجحيم٢.
٢٨٨/٤ - الآجري أيضا قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الجبار الحمصي قال: حدثنا محمد بن حمير عن محمد بن مهاجر، عن أخيه عمرو بن مهاجر، قال: بلغ عمر بن عبد العزيز أن غيلان بن مسلم يقول في القدر فبعث إليه فحجبه أياما ثم أدخله عليه فقال: غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال عمرو بن مهاجر: فأشرت إليه أن لا يقول شيئا، قال: فقال: نعم يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ قال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٣، قال: إقرأ
_________________
(١) ١ الآيات ١٦١- ١٦٣ من سورة الصافات. ٢ ابن جرير في التفسير ٢٣ /٧٠. ٣ الآيات ١-٣ من سورة الإنسان.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
آخر السورة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيما﴾ ١، ثم قال: ما تقول يا غيلان؟ قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني وأصم فأسمعتني وضالا فهديتني "٢.
٢٨٩/٥- اللالكائي قال: أخبرنا الحسن بن عثمان قال: ثنا أحمد بن محمد بن زياد، قال: ثنا عبد الله بن روح، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا حيان ابن عبيد الله التميمي، عن أبيه، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز ﵀ وقد أدخل عليه غيلان. فقال ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك. ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك، أيا غيلان أحقا ما أبلغ عنك؟ فسكت. فقال: هات فإنك آمن فإن يك الذي تدعو الناس إليه حقا فأحق من دعا إليه الناس نحن هات فأسكت قليلا.
فقال عمر: ويحك فإنك آمن وأمره أن يجلس فجلس.
_________________
(١) ١ الآيات ٣٠-٣١ من سورة الإنسان. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٣٨، والفريابى في القدر ورقة أ/٥١، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٦، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٨/١٩٦، وقال محقق كتاب الشريعة: رجاله ثقات وهو صحيح أو حسن. انظر الشريعة ١/٤٣٨ الحاشية.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
فتكلم بلسان ذلق فقال: إن الله لا يوصف إلا بالعدل ولم يكلف نفسا إلا وسعها ولا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها، ولم يكلف المسافر صلاة المقيم، ولم يكلف الله المريض عمل الصحيح، ولم يكلف الفقير مثل صدقة الغني، ولم يكلف الناس إلا ما جعل إليه السبيل، وأعطاهم المشيئة فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ ١، وقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٢.
فلما فرغ من كلام كثير قال له في آخر كلامه: يا غيلان ما تقول في قول الله: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
أنت تزعم يا غيلان - ذكر كلاما كثيرا سقط من الكتاب -.
_________________
(١) ١ الآية ٢٩ سورة الكهف. ٢ الآية ٤٠ سورة فصلت. ٣ الآيات من ١-١٠ من سورة يس.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
فأسكت غيلان لا يجيبه. وجعل عمر يسأله وغيلان يرفع بصره إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة وانتفخت أوداجه١. فقال: ما يمنعك أن تتكلم وقد جعلت لك الأمان؟ فقال غيلان: استغفر الله وأتوب إليه يا أمير المؤمنين ادع الله لي بالمغفرة. فقال: اللهم إن كان عبدك صادقا فوفقه وسدده وإن كان كاذبا أعطاني بلسانه ما ليس في قلبه بعد أن أنصفته وجعلت له الأمان فسلط عليه من يمثل به٢.
_________________
(١) ١ الأوداج: عروق تكتنف الحلقوم. اللسان ٢/٣٩٧. ٢ اللالكائى: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٩١-٧٩٢. وهذا الأثر مما تفرد به اللالكائي. والحسن بن عثمان بن بكر بن جابر، أبو محمد العطار كان ثقة صالحا دينا. انظر تاريخ بغداد ٧/٣٦٥. وأحمد بن محمد بن زياد بن أيوب أبو علي وثقه محمد بن الحسين الأزدي الحافظ، ومحمد بن الحسين بن بكير. انظر تاريخ بغداد ٥/٩-١٠، وعبد الله روح بن عبد الله سمع شبابة بن سوار قال الدارقطني لا بأس به. انظر تاريخ بغداد ٩/٤٥٤ن وشبابة بن سوار الفزاري أبو عمرو ثقة كان يرى الإرجاء وقيل رجع عنه. انظر تاريخ بغداد ٩/٢٩٥- ٢٩٩ن وحيان بن عبد الله التميمي يحتمل أنه حيان بن عبيد الله بن زهير أبو زهير العدوي. قال البخاري روى عن أبيه وعنه موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم "وهما دون شبابة في الحفظ قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات انظر التاريخ الكبير ٣/٥٨، والجرح والتعديل ٣/٢٤٦، والثقات ٦/٢٣٠، وأبوه لم أهتد إليه.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
٢٩٠/٦- الآجري قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن عمرو الليثي أن الزهري حدثه قال: "دعا عمر بن عبد العزيز غيلان فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم في القدر، فقال: يا أمير المؤمنين إنهم يكذبون علي؟ فقال يا غيلان، إقرأ أول "يس" فقرأ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١، فقال غيلان: يا أمير المؤمنين، والله لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم أشهدك يا أمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول فقال عمر: اللهم إن كان صادقا فثبته وإن كان كاذبا فاجعله آية للمؤمنين"٢.
٢٩١/٧- الفريابي: قال: حدثنا جعفر، نا هشام بن عمار، ثنا معاوية ابن يحيى، ثنا عمرو بن مهاجر، قال استأذن غيلان على عمر بن عبد العزيز فأذن له فقال ويحك يا غيلان ما الذي بلغني عنك إنك تقول. قال:
_________________
(١) ١ الآيات ١-١٠ سورة يس. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٣٩، والفريابي في القدر ورقة أ/٥١، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٥، وتاريخ ابن عساكر ٤٨/١٩٧ و١٩٨، وقال محقق كتاب الشريعة إسناده حسن.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
إنما أقول بقول الله ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ١ فقال عمر أتم السورة، ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ويحك يا غيلان أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَك الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢، فقال غيلان: يا أمير المؤمنين لقد جئتك جاهلا فعلمتني وأعمى فبصرتني، وضالا فهديتني. فقال: اخرج فلا يبلغني أنك تتكلم في شيء من هذا٣.
٢٩٢/٩- ابن بطة قال: حدثنا أبو علي محمد بن يوسف قال: حدثنا عبد الرحمن بن خلف قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن أبي جعفر، عن محمد بن كعب أو غيره، أن عمر بن عبد العزيز قيل له: "إن غيلان يقول في القدر كذا وكذا فقال: يا غيلان: ما تقول في القدر فتعوذ
_________________
(١) ١ الآيات ١-٣ من سورة الإنسان. ٢ الآيات ٣٠-٣٢ من سورة البقرة. ٣ الفريابى في القدر ورقة ب/٥٦، والمطبوع ص١٩٨، وحسن إسناده المحقق. وتاريخ ابن عساكر ٤٨/١٩٤.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
ثم قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ١.
قال: فقال عمر: القول فيه طويل عريض ما تقول في العلم؟ قال: قد علم الله ما هو كائن، قال: "أما والله لو لم تقلها لضربت عنقك"٢.
٢٩٣/١٠- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد - يعني ابن سلمة - حدثنا أبو جعفر الحظمي، قال شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك ياغيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لم أقل. قال: ما تقول في العلم. قال: قد نفد العلم. قال: فأنت مخصوم اذهب الآن فقل ما شئت، ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت وإن جحدته كفرت، وإنك أن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر ثم قال تقرأ يس؟ قال: نعم. فقال: إقرأ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ فقرأ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا
_________________
(١) ١ الآيات ١- ٣ من سورة الإنسان. ٢ ابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٦-٢٣٧، وتاريخ ابن عساكر ٤٨/١٩٤، ولم يتبين الراوي عن عمر.
[ ٢ / ٧٥١ ]
يُؤْمِنُونَ﴾ قال: قف، كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين، قال: زد فقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١، قال كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط وإني لأعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبدا. قال: اذهب "٢.
٢٩٤ /١١- عبد الله بن الإمام أحمد أيضا قال: حدثني أبي، نا محمد ابن سلمة، أنبأنا خصيف، قال: قال عمر ﵀ لغيلان ألست تقر بالعلم؟ قال: بلى. قال: فما تريد مع أن الله ﷿ يقول: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٣،٤.
_________________
(١) ١ الآيات من ١-١٠ سورة يس. ٢ عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/٤٢٩، والفريابي في القدر ورقة أ/٥١، والملطي في التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٧٧- ١٧٨، وتاريخ ابن عساكر ٤٨/٢٠٨. ٣ الآيتان من ١٦١- ١٦٣ سورة الصافات. ٤ عبد الله في السنة ٢/٤٢٨-٤٢٩ والفريابي في القدر ورقة ب/٥٨، وقال محقق كتاب السنة في سنده خصيف بن عبد الرحمن صدوق سيئ الحفظ. انظر تقريب التهذيب ص١٩٣.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
٢٩٥/١٢- الآجري قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الهيثم بن عمران، قال: سمعت عمرو بن مهاجر، قال: أقبل غيلان وهو مولى لآل عثمان وصالح بن سويد إلى عمر بن عبد العزيز فبلغه أنهما ينطقان بالقدر فدعاهما فقال: أعلم الله نافذ في عباده أم منتقض؟ قالا: بل نافذ ياأمير المؤمنين. قال: ففيم الكلام؟ فخرجا فلما كان عند مرضه بلغه أنهما قد١ أشرفا، فأرسل إليهما وهو مغضب فقال: ألم يك في سابق علمه حين أمر إبليس بالسجود أنه لا يسجد؟ قال عمرو: فأومأت إليهما برأسي: قولا نعم، فقال: نعم. فأمر بإخراجهما وبالكتاب إلى الأجناد بخلاف ما قالا فمات عمر ﵀ قبل أن ينفذ تلك الكتب٢.
٢٩٦/١٢- ابن عبد البر قال: ورُوي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري: إن الله لا يطالب خلقه بما قضى عليهم وقدر، ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه وأمر فطالب نفسك من حيث يطالب ربك. والسلام٣.
_________________
(١) ١ في الشريعة "قد اشرق" والتصحيح من كتاب القدر للفريابي. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٤٣، والفريابي في القدر ورقة ب/٥٦. ٣ ابن عبد البر في التمهيد ١٨/١٨، وابن بطال في شرح البخاري ج ١٠ ص ٣٠١-٣٠٢.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
٢٩٧-١٣- ابن سعد قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثني الحارث بن عبيد قال حدثنا مطر الوراق عن رجاء بن حيوة قال: قال عمر بن عبد العزيز لمكحول إياك أن تقول في القدر ما يقول هؤلاء يعنى غيلان وأصحابه.١.
٢٩٨/١٤- ابن بطة قال حدثني أبو صالح قال حدثنا أبوا لأحوص قال: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي قال: كتب غيلان إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد يا أمير المؤمنين فهل رأيت عليما حكيما أمر قوما بشيء ثم حال بينهم وبينه ويعذبهم عليه قال: فكتب إليه عمر أما بعد: فهل رأيت قادرا قاهرا يعلم ما يكون خلف لنفسه عدوا وهو يقدر على هلاكه قال: فبطلت الرسالة الأولى. ٢.
٢٩٩/١٥- عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال حوثرة وحدثنا حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطمي قال قيل لعمر بن عبد العزيز ﵀ إن غيلان يقول في القدر كذا وكذا فمر به فقال: أخبرني عن العلم؟ فقال سبحان الله قد علم الله كل نفس ما هي عاملة وإلى ما هي صائرة فقال
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٨٦. ٢ ابن بطة فىالإبانة٢/٢٧٩ رقم١٩١١.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
عمر بن عبد العزيز: والذي نفسي بيده لو قلت غير هذا لضربت عنقك اذهب الآن فاجهد جهدك،١.
٣٠٠/١٦- أبو نعيم قال: حدثنا أبي، وأبو محمد بن حيان، قالا: ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا موسى بن عامر، ثنا الوليد بن مسلم، قال: قال عبد الله بن العلاء: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبة واحدة يرددها، يفتتحها بسبع كلمات: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له ".
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ثم يوصي بتقوى الله ويتكلم، ثم يختم خطبته الأخيرة بقراءة هؤلاء الآيات ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِم ﴾ ٢ إلى تمام العشر. قال عبد الله بن العلاء: لم يدع قراءة ذلك مدة مقامي قبله"٣.
_________________
(١) ١ عبد الله في السنة ٢ /٣٨٦. ٢ الآية ٥٣ من سورة الزمر. ٣ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٢، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٩، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٩. وإبراهيم بن محمد الحسن البخاري روى عن أبيه روى عنه خالد بن أحمد أبو الهيثم البخاري لم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل: انظر الجرح والتعديل ٢/١٣٠. وموسى بن عامر المري أبو عامر الدمشقي صاحب الوليد بن مسلم صدوق صحيح الكتب. انظر ميزان الاعتدال ٤/٢٠٩. وعبد الله بن العلاء بن زبر أبو زبر الشامي الدمشقي روى عن عمر بن عبد العزيز، قال عنه يحيى بن معين: ليس به بأس. انظر الجرح والتعديل ٥/٢٨.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
٣٠١/ ١٧- الفريابي قال: ثنا أبو مروان عبد الملك بن حبيب المصيصي، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابا وكان في أول ما كتب: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع فيها ما شاء من هدى وضلالة١.
٣٠٢-/١٨ - عبد الرزاق في المصنف قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة، أما بعد: إن
_________________
(١) ١ الفريابي في القدر ورقة ب٦٦، ومن طريقه اللالكائي في السنة ٢/٧٥٢، وعبد الملك بن حبيب المصيصي أبو مروان البزار مقبول مات في حدود الأربعين. تقريب التهذيب ص٣٦٢. وأبو إسحاق الفزاري هو إبراهيم بن محمد بن الحارث الإمام ثقة حافظ له تصانيف مات سنة خمس وثمانين وقيل بعدها. تقريب ص٩٢.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
استعمالك سعد بن مسعود على عمان من الخطايا التي قدر الله عليك وقدر أن تبتلى بها١.
٣٠٣/١٩- الآجري قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن حسن الحراني، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروى، قال: حدثنا عبد الله بن أبي الوليد، قال: خرج عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة فخطب كما كان يخطب ثم قال: أيها الناس من عمل منكم خيرا فليحمد الله تعالى ومن أساء فليستغفر الله ثم إن عاد فليستغفر الله، فإنه لا بد لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم٢.
٣٠٤/٢٠ الفريابي قال: ثنا محمد بن مصغي، ثنا بقية، ثنا المسعودي، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز بلغه عن رجل له سرق٣ أنه قارف السرقة. قال: فقال عمر: من خلقه الله لأمر فهو أهل لما خلقه الله له"٤.
_________________
(١) ١ عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٢، واللالكائي ٢/٧٥٣، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/٤٢٥، وصحح إسناده محقق كتاب السنة. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٤١، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٧، وابن عساكر ١/٣٢، وقال محقق كتاب الشريعة إسناده محتمل للتقوية. ٣ هكذا في المخطوطة ولعله زيادة. ٤ الفريابي في القدر ورقة أ٦٩. ومحمد بن مصغى بن بهلول الحمصي القرشي صدوق له أوهام، وكان يدلس مات سنة أربع وأربعين. تقريب ص٥٠٧. وبقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي أبو محمد، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء مات سنة سبع وتسعين. انظر تقريب التهذيب ص١٢٦.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
٣٠٥/٢١- الآجري قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو المنذر عنبسة بن يحيى المروزي حدثنا أبو داود الحفري عن أبي رجاء قال: كتب عامل لعمر بن عبد العزيز إليه يسأله عن القدر فكتب، أما بعد: وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا "١.
التعليق:
إن القول بالقدر بدعة حدثت في أواخر عهد الصحابة كما تقدم في التمهيد، وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى له مواقف مشرقة في بيان المعتقد الصحيح في مسألة الإيمان بالقدر، وجهود عظيمة وحرص شديد في رد بدع القائلين بالقدر. والآثار التي مر نقلها تدل على سيرته مع القدرية، وتبين أنه حين تولى الخلافة جاءته وفود كثيرة تهنئه وتخطب أمامه، وقد عَرَّض رجل من ضمن هؤلاء في خطبته بشيء من القول بالقدر، فبين له عمر بأن لله ﷾ إرادتان هما:
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/٤٤٥.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
١- إرادة كونية قدرية لا تتخلف ومثالها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ١ فقال عمر: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس ثم استشهد بالآيات ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٢ وهذه الإرادة ترادف المشيئة.
٢- وإرادة دينية شرعية ومثالها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ﴾ ٤ ثم بين لهم عمر أن هذا الذي ذكره موجود في القرآن الكريم علمه من علمه وجهله من جهله، والعذر بالجهل مع قيام الحجة ووضوحه لا يفيد من يتمسك به، والتكاليف التي فرضها الله على العباد خفيفة عليهم لأن الله لو كلف خلقه على قدر عظمته لم يطق ذلك سماء ولا أرض ولا ماء ولا جبل، ولكنه خفف عنهم ورضي بذلك فرضاه بمعنى الإرادة
_________________
(١) ١ الآية ١٦ من سورة الإسراء. ٢ الآيات من ١٦١- ١٦٣ من سورة الصافات. ٣ الآية ١٨٥ من سورة البقرة. ٤ الآية ١٢٥ من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
الدينية التي يدل عليها قول الحق ﵎ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١.
فدين الله يسر لا عسر فيه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وهذا الذي أثر عن عمر ﵀ هو الحق الذي دل عليه الكتاب وسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الإرادة على نوعين:
أحدهما: الإرادة الكونية، الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة في مثل قوله ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجا﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُم﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّه﴾ ٥
_________________
(١) ١ الآية ١٨٥ من سورة البقرة. ٢ الآية ١٢٥ من سورة الأنعام. ٣ الآية ٣٤ من سورة هود. ٤ الآية ٢٥٣ من سورة البقرة. ٥ الآية ٣٩ من سورة الكهف.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وأمثال ذلك وهذه الإرادة مدلول اللام في قوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ١.
قال السلف: خلق فريقا للاختلاف، وفريقا للرحمة، ولما كانت الرحمة هنا الإرادة. وهناك إرادة كونية وقع المراد بها فقوم اختلفوا وقوم رحموا.
وأما النوع الثاني: فهو الإرادة الدينية الشرعية: وهي محبة المراد ورضاه، ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاؤهم بالحسنى كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ
_________________
(١) ١ الآية ١١٩ من سورة هود. ٢ الآية ١٨٥ من سورة البقرة. ٣ الآية ٦ من سورة المائدة.
[ ٢ / ٧٦١ ]
اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ١. فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة ٢.
فحينما بين عمر لهؤلاء الحق الذي يدل عليه القرآن نفع الله به ذلك الرجل الذي كان يرى رأي القدرية وتاب من هذه البدعة وأصبح شديدا على من يقول بالقدر، وقد ناظر عمر غيلان الذي اشتهر بالقول بالقدر كما في الآثار السابقة. وقبل ذكر المناظرات التي جرت بين غيلان القدري وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نشير إلى أن غيلان كان قد كتب إلى عمر رسالة رواها صاحب المنية والأمل نوردها هنا ليتضح مدى جهود عمر في الرد على القدرية، ولنظهر مضمون ما كان يدعو إليه غيلان الضال. قال صاحب المنية والأمل: كتب غيلان إلى عمر بن عبد العزيز كتابا قال فيه: "أبصرت يا عمر وما كدت ونظرت وما كدت أعلم يا عمر أنك أدركت من الإسلام خلقًا باليا ورسْمًا عافيا، فيا ميت بين الأموات لا ترى أثرا فتتبع ولا تسمع صوتا فتنتفع طفا أمر السنة وظهرت البدعة أخيف العالم فلا يتكلم ولا يعطى الجاهل فيسأل. وربما نجت الأمة بالإمام وربما هلكت بالإمام فانظر أي الإمامين أنت فإنه تعالى يقول: ﴿وَ
_________________
(١) ١ الآيات ٢٦- ٢٨ من سورة النساء. ٢ الفتاوى ٨/١٨٨.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ ١. فهذا إمام هدى ومن اتبعه شريكان وأما الآخر فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ ٢، ولن تجد داعيا يقول تعالوا إلى النار إذًا لا يتبعه أحد ولكن الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي الله فهل وجدت ياعمر حكيما يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذب على ما قضى، أو يقضي ما يعذب عليه أم هل وجدت رشيدا يدعو إلى الهدى ثم يضل عنه، أم هل وجدت رحيما يكلف العباد فوق الطاقة أو يعذبهم على الطاعة، أم هل وجدت عدلا يحمل الناس على الظلم والتظالم، وهل وجدت صادقا يحمل الناس على الكذب أو التكاذب بينهم كفى ببيان هذا بيانا وبالعمى عنه عمى " في كلام كثير ٣.
وهذه الرسالة من غيلان إلى عمر تبين الأفكار التي كان يقول بها القدرية وهي باختصار كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
_________________
(١) ١ الآية ٧٣ من سورة الأنبياء. ٢ الآية ٤١ من سورة القصص. ٣ المنية والأمل ص١٥-١٦ وهو شرح كتاب الملل والنحل لأحمد بن يحيى المرتضى اعتنى بتصحيحه توماارنلد طبعة دار صادر بيروت ومطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن سنة ١٣١٦هـ.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
"وأصل بدعتهم كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله، والإيمان بأمره ونهيه، ووعده، ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع، وكانوا قد آمنوا بدين الله وأمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه ولا يطيعه، وظنوا أيضا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يعلم أنه يفسد. وكانوا يقولون: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة وهو تعالى لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئا من أفعال العباد"١.
ويبدو أن غيلان قد أصر على أفكاره الخاطئة، وقد ناظره عمر واستتابه فيما كان يذهب إليه من القول بالقدر عدة مرات، والنصوص التي بين أيدينا لا تفيدنا الترتيب الزمني على وجه الدقة واليقين، وذلك لاختلافها في الألفاظ والمدلولات، ولعل عمر لما سمع وتأكد من إنكار غيلان القدر، حجبه وحبسه في السجن أياما، ثم أمر بإدخاله عليه ليرى ما موقفه مما نسب إليه، فاستفسره بقوله: "غيلان ما هذا الذي بلغني عنك، وكان صاحب حرس عمر يعلم ما يكنه غيلان من القول بالقدر، فأشار عليه بأن لا يقول شيئا ولكنه أصر على القول بما كان يدعو إليه فقال
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٣/٣٦- ٣٧.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
بكل جرأة: نعم يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ قال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ﴾ الآيات مستدلا بها على أن الإنسان هو الذي إذا شاء اهتدى وإذا شاء ضل، فألجمه عمر جوابا بقوله إقرأ آخر السورة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.
وبعد هذا الجواب المفحم، والحجة الدامغة، لا مفر لغيلان إلا النفاق، وإظهار التوبة والإصرار على القول بالقدر، فقال له عمر ما تقول يا غيلان؟ قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالا فهديتني، وكأن عمر يحس بأن هذه الكلمات المعسولة لا تنم عن الواقع بشيء فعلق على عبارات غيلان بقوله: اللهم إن كان عبدك صادقا وإلا فاصلبه٢.
ولكن لم ينته غيلان عن قوله، ولعل المعاملة الحسنة التي لقيها من عمر شجعته على القول بالقدر فيدخل على عمر مرة أخرى فيوبخه عمر بقوله ويحك ياغيلان أراني أبلغ عنك ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك، أيا غيلان
_________________
(١) ١ الآيتان ٣٠- ٣١ من سورة الإنسان. ٢ انظر الشريعة ص٢٠٩.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
أحقا ما أبلغ عنك؟ قال الراوي فسكت لأنه كان يعرف ما حصل له في المرة السابقة ولكن عمر ﵀ يطمئنه حبا له في الهداية والاستقامة فقال له: هات فإنك آمن فإن يك الذي تدعو الناس إليه حقا فأحق من دعا إليه الناس نحن، هات. فأسكت غيلان قليلا ثم رد ما كان قد كتبه إلى عمر سابقا من أن الله لا يوصف إلا بالعدل ولا يكلف نفسا إلا وسعها وإلا ما آتاها وأن العباد لهم مشيئة مستقلة لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ ١،ولأن الله يقول: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ ٢، فتركه عمر حتى انتهى ثم أمره بقراءة بداية سورة يس الآيات التي تبين مشيئة الله وقدرته النافذة وأن كل شيء لا يخرج عن قدرته وإرادته ومشيئته حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، وبعد قراءة هذه الآيات التي تدل على أن الله هو الهادي وهو المضل إذا شاء وليس للعباد مشيئة مستقلة خارجة عن مشيئة الله.. ولا شك أن الحق يزهق الباطل فيسكت غيلان بخبث ولكن عمر يلح عليه لإظهار
_________________
(١) ١ الآية ٢٩ من سورة الكهف. ٢ الآية ٤٠ من سورة فصلت. ٣ الآيات ١-١٠ من سورة يس.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
الحجة قائلا: "ياغيلان ما يمنعك أن تتكلم وقد جعلت لك الأمان وانتهت هذه الجلسة بإظهار التوبة من غيلان ولكنه لا ينتهي عن القول بالقدر فيدعوه عمر موبخا ومنذرا فيتظاهر بالتوبة ثم يدعوه مرة أخرى فيسأله بقوله ما تقول في العلم. فيجيب غيلان: قد نفذ العلم. فيحذره عمر بقوله: فأنت مخصوم اذهب الآن فقل ما شئت، ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت وإن جحدته كفرت وإنك إن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر. وفي مرض موته يكتب إلى أمراء الأجناد بخلاف ما أقربه غيلان عنده ولكن تلك الكتب لم تنفذ حتى مات ﵀ رحمة واسعة.
ويتبين من الآثار السابقة أيضًا منهج عمر بن عبد العزيز في الرد على القدرية وذلك بسؤالهم عن علم الله فإذا أقروا به خصموا وإن حجدوه كفروا. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد قال كثير من أئمة السلف ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا فقد كفروا. يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا لأن ما
[ ٢ / ٧٦٧ ]
أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه"١. ولعل عمر بن عبد العزيز أول من نهج هذا النهج في سؤال القدرية عن العلم، ثم صار هذا المنهج منهجا لأهل السنة والجماعة بعده وقد استدل ﵀ في ردوده على غيلان بآيات صريحة في الرد على المكذبين بالقدر وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٢. قال ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآيات يقول تعالى: فإنكم أيها المشركون بالله وما تعبدون من الآلهة والأوثان ما أنتم عليه بفاتنين أي بمضلين أحدا إلا من سبق في علمي أنه صال الجحيم٣.
وقد بيّن عمر ﵀ في خطبه ورسائله أن الله ﵎ هو الهادي وهو المضل. وهذا ما جاء في الكتاب العزيز. قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤. وغيرها من الآيات وقد كانت القدرية تنكر أن يكون الله تعالى هو الهادي وهو الفاتن وإنما العبد
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٣٠. ٢ الآيات ١٦١-١٦٣ من سورة الصافات. ٣ جامع البيان للطبري ٢٣/١٠٩. ٤ الآية ٣٩ من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
هو الذي يهدي نفسه إذا شاء ويضلها إذا شاء فلعل رسائل عمر وخطبه في الجمع من الردود على هؤلاء المبتدعة، وسواء قصدهم عمر بخطبه أو ألقاها بدون قصد الرد عليهم تبقى ردودًا قوية على كل من انحرف في باب القدر عن منهج الكتاب والسنة، وذلك أن تحقيق الحق إبطال للباطل فإذا جاء الحق زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، وقد بين عمر أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى مقدرة له مكتوبة على عباده وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١، وقال ﷺ: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس "٢. وقد كانت القدرية تقول إن الله لا يخلق أفعال العباد، ولا يكتبها في اللوح المحفوظ، وإن الأمر أنف أي مستأنف لم يعلمه الله قبل وقوعه فرد عليهم عمر بما سبق سطره مما أثر عنه حيث بين لعامله ولرعيته أن أعمال العباد مخلوقة مقدرة مكتوبة عليهم وهي من الابتلاء على العباد، فمن حاد عن ذلك وزعم أن أعماله خارجة عن مشيئة الله غير مقدرة له فقد ضل عن الرشد، وتاه عن السبيل.
وقد بين عمر أيضا أن العبد إذا أذنب فعليه أن يتوب ويستغفر الله تعالى ولا يحتج على الله بالقدر ولا يقول أي ذنب لي وقد قدر علي هذا
_________________
(١) ١ الآية ٩٦ من سورة الصافات. ٢ رواه مسلم برقم ٢٦٥٥.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
الذنب، بل يعلم أنه هو المذنب العاصي الفاعل للذنب، وإن كان ذلك كله بقضاء الله وقدره، ومشيئته، إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته وخلقه١.
كما رد عمر على القدرية القائلين بأن العبد له مشيئة مستقلة يستطيع بها رد علم الله فبين أن العبد له قدرة ومشيئة، ولكنها تابعة لمشيئة الله تعالى ومن المهم هنا أن نذكر أن ردود عمر على القدرية ردود على الجبرية كذلك، وذلك ببيانه أن الإيمان بالقدر يجعل الإنسان متوسطا في أموره فلا يزعم أن أموره كلها بيده ولا يجعلها كلها مسلوبة عنه فهو يطلب ويهرب، ويعبد، ويدعو، وهو بالقدر موقن.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٨/٢٣٧.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
المبحث الثاني: رد عمر على القدرية في رسالته المشهورة
٣٠٩/١- قال أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو حامد بن جبلة١، ثنا محمد ابن إسحاق السراج٢، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام٣، ثنا محمد بن بكر البرساني٤، ثنا سليم بن نفيع القرشي٥، عن خلف أبي الفضل القرشي٦، عن كتاب عمر بن عبد العزيز إلى النفر الذين كتبوا إلي بما لم يكن لهم بحق في رد كتاب الله تعالى وتكذيبهم بأقداره النافذة في علمه
_________________
(١) ١ أبو حامد هو أحمد بن محمد عبد الله بن جبلة سمع منه أبو نعيم فأكثر وهو نيسابوري توفي عام ٣٧٤هـ وقد سمع من السراج، وابن خزيمة وطبقتهم. انظر: التقييد لرواة السنن والمسانيد لابن نقطة ١/١٥٧ ط. دار الحديث. وتاريخ الإسلام للذهبي ٢٦/٥٥٢. ٢ والسراج هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي مولاهم ثقة ثبت توفي ٣١٣هـ انظر تاريخ بغداد ١/٢٥٢. ٣ أبو الأشعث هو أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي، ثقة توفي عام ٢٥٣ هـ. تاريخ بغداد ٥/١٦٢- ١٦٦. ٤ هو محمد بكر البرساني البصري وثقه يحيى بن معين مات عام ٢٠٣هـ. انظر تاريخ بغداد ٢/٩٢- ٩٣. ٥ سليم بن نفيع القرشي لم أجده بعد طول بحث. ٦ خلف أبي الفضل القرشي قال الذهبي في المقتنى في سرد الكنى عنه: سليم بن نفيع انظر المقتنى ٢/١٤.
[ ٢ / ٧٧١ ]
السابق الذي لا حد له إلا إليه، وليس لشيء منه مخرج، وطعنهم في دين الله وسنة رسوله القائمة في أمته.
أما بعد: فإنكم كتبتم إلي بما كنتم تسترون منه قبل اليوم في رد علم الله والخروج منه إلى ما كان رسول الله ﷺ يتخوف على أمته من التكذيب بالقدر وقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وسيقبض العلم قبضا سريعا١، وقول عمر بن الخطاب ﵁ - وهو يعظ الناس -: "إنه لا عذر لأحد عند الله بعد البينة بضلالة ركبها حسبها هدى ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، قد تبينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر، فمن رغب عن أنباء النبوة، وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى"٢.
_________________
(١) ١ أخرج هذا الأثر اللالكائي عن الزهري: بلغنا عن رجال من أهل العلم انهم كانوا يقولون: انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ١/١٠٦، رقم الأثر ١٣٦- و١٣٧ ورقم ١٥ ص٦٢ منه. ٢ ذكر هذا الأثر الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه تحت عنوان باب تعظيم السنن والحث على التمسك بها والتسليم لها والانقياد إليها وترك الاعتراض عنها بسنده عن الأوزاعي أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: انظر الفقيه والمتفقه ١/١٤٨ وانظر السنة لمحمد بن نصر المر وز ي ص٣١ فقد ذكر هذا الأثر معزوا إلى عمر بن عبد العزيز.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
وإنكم ذكرتم أنه بلغكم أني أقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، فأنكرتم ذلك علي وقلتم: إنه ليس يكون ذلك من الله في علم حتى يكون ذاك من الخلق عملا، فكيف ذلك كما قلتم؟ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ ١، يعني عائدين في الكفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢، فزعمتم بجهلكم في قول الله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٣، أن المشيئة في أي ذلك أحببتم فعلتم من ضلالة أو هدى. والله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، فبمشيئة الله لهم شاءوا ولو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئا قولا ولا عملا، لأن الله لم يملك العباد ما بيده، ولم يفوض إليهم ما يمنعه من رسله. فقد حرصت الرسل على هدي الناس جميعا، فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعا فما ضل منهم إلا من كان في علم الله
_________________
(١) ١ الآية ١٥ من سورة الدخان. ٢ الآية ٢٨ من سورة الأنعام. ٣ الآية ٢٩ من سورة الكهف. ٤ الآية ٢٩ من سورة التكوير.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
ضالا. وزعمتم بجهلكم أن علم الله ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته ولا بالذي صدهم عما تركوه من طاعته ولكنه بزعمكم كما علم الله أنهم سيعملون بمعصيته كذلك علم أنهم سيستطيعون تركها فجعلتم علم الله لغوا، تقولون لو شاء العبد لعمل بطاعة الله وإن كان في علم الله أنه غير عامل بها، ولو شاء ترك معصيته وإن كان في علم الله أنه غير تارك لها، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علما، وإن شئتم رددتموه وكان جهلا، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علما ليس في علم الله وقطعتم به علم الله عنكم، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضا وكان يقول: إن الله لم يجعل فضله ورحمته هملا بغير قسم منه ولا اختيار، ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه١.
فأنتم تقرون في العلم بأمر وتنقضونه في آخر والله تعالى يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ٢، فالخلق
_________________
(١) ١ قول ابن عباس ﵄ أورده اللالكائي بسنده عن الزهري، عن ابن عباس قال: القدر نظام التوحيد فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضا للتوحيد ومن وحد الله وآمن بالقدر كان العروة الوثقى لا انفصام لها. انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٤/٧٤٢ رقم الأثر ١٢٢٤، وانظر: السنة لعبد الله ٢/٤٢٢. ٢ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
صائرون إلى علم الله تعالى ونازلون عليه وليس بينه شيء هو كائن حجاب تحجبه عنه ولا يحول دونه إنه عليم حكيم.
وقلتم لو شاء الله لم يفرض بعمل بغير ما أخبر الله في كتابه عن قوم ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، وأنه قال: ﴿ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١، فأخبر أنهم عاملون قبل أن يعملوا، وأخبر أنه معذبهم قبل أن يخلقوا. وتقولون أنتم: إنهم لو شاءوا خرجوا من علم الله في عذابه إلى ما لم يعلم من رحمته لهم، ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب الله برد، ولقد سمى الله تعالى رجالا من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييرا، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلا، فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٤٨ من سورة هود، ونص الآية: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وفي آية أخرى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ لقمان آية رقم ٢٤. ٢ الآيتان ٤٤- ٤٥ من سورة ص.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
فالله أعز في قدرته وأمنع من أن يملك أحدا١ إبطال علمه في شيء من ذلك، فهو مسمى لهم بوحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو أن يشرك في خلقه أحدا، أو يدخل في رحمته من قد أخرجه منها أو يخرج منها من قد أدخله فيها، ولقد أعظم بالله الجهل من زعم أن العلم كان بعد الخلق بل لم يزل الله وحده بكل شيء عليما وعلى كل شيء شهيدا، قبل أن يخلق شيئا، وبعد ما خلق لم ينقص علمه في بدئهم، ولم يزد بعد أعمالهم، ولا بجوائحه٢ التي قطع بها دابر ظلمهم ولا يملك إبليس هدي نفسه ولا ضلالة غيره، وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم الله في خلقه وإهمال عبادته وكتاب الله قائم ينقض بدعتكم وإفراط قذفكم، ولقد علمتم أن الله بعث رسوله والناس يومئذ أهل شرك فمن أراد الله له الهدى لم تَحُلْ ضلالته التي كان فيها دون إرادة الله له، ومن لم يرد الله له الهدى تركه في الكفر ضالا، فكانت ضلالته أولى به من هداه فزعمتم أن الله أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية وأن الله خلو من أن يكون يختص أحدا برحمته، ويحجز أحدا عن معصيته، وزعمتم أن الشيء الذي بقدر إنما هو عندكم اليسر والرخاء، والنعمة، وأخرجتم منه
_________________
(١) ١ هكذا في المخطوط والمطبوع، ولعله: أحدٌ. ٢ تصحيح من المخطوط وفي المطبوعة بحوائجه وهو خطأ. انظر: ٥/٣٤٨ الحلية، والجوائح: المصائب.\
[ ٢ / ٧٧٦ ]
الأعمال وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون الله. وأنكم الذين حجزتموها عن المعصية بغير قوة من الله ولا إذن منه. فمن زعم ذلك فقد غلا في القول لأنه لو كان شيء لم يسبق في علم الله وقدره لكان لله في ملكه شريك ينفذ مشيئته في الخلق من دون الله والله ﷾ يقول: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١، وهم له قبل ذلك كارهون ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ٢، وهم له قبل ذلك محبون، وما كانوا على شيء من ذلك لأنفسهم بقادرين ثم أخبر بما سبق لمحمد ﷺ من الصلاة عليه والمغفرة له ولأصحابه فقال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٤، فلولا علمه ما
_________________
(١) ١ الآية ٧ من سورة الحجرات وذكر السيوطي في الإكليل في استنباط التنزيل أن ابن أبي حاتم ذكر هذه الآية بسنده إلى عمر بن عبد العزيز أنه احتج بها في الرد على القدرية. انظر: الإكليل ص٢٤١ ط. دار الكتب العلمية الطبعة الثانية عام ١٤٠٥هـ. وقد راجعت تفسير ابن أبي حاتم المطبوع فلم أجد ما ذكره السيوطي. ٢ الآية ٧ من سورة الحجرات. ٣ الآية ٢٩ من سورة الفتح. ٤ الآية ٢ من سورة الفتح.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
غفرها الله له قبل أن يعملها، وفضلا سبق لهم من الله قبل أن يخلقوا ورضوانا عنهم قبل أن يؤمنوا، ثم أخبر بما هم عاملون آمنون قبل أن يعملوا وقال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ١، فتقولون أنتم إنهم قد كانوا ملكوا رد ما أخبر الله عنهم أنهم عاملون، وأن إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله: فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولا، ولا يكون لوحي الله فيما اختار تصديقا، بل لله الحجة البالغة. وفي قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢، فسبق لهم العفو من الله فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم وقلتم: لو شاءوا خرجوا من علم الله في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا فمن زعم ذلك فقد غلا وكذب، ولقد ذكر الله بشرا كثيرا، وهم يومئذ في أصلاب الرجال وأرحام النساء فقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ ٣، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
_________________
(١) ١ الآية ٢٩ من سورة الفتح. ٢ الآية ٦٨ من سورة الأنفال. ٣ الآية ٣ من سورة الجمعة.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ١، فسبقت لهم الرحمة من الله قبل أن يخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة ممن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعوا لهم، ولقد علم العالمون بالله أن الله لا يشاء أمرا فتَحُول مشيئة غيره دون بلاغ ما شاء. ولقد شاء لقوم الهدى فلم يُضِلّهم أحد. وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا وقال لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٢، وموسى في سابق علمه أنه يكون لفرعون عدوا وحزنا فقال تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ٣، فتقولون أنتم لو شاء فرعون كان لموسى وليا وناصرا والله تعالى يقول: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٤، وقلتم لو شاء فرعون لامتنع من الغرق والله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ٥، مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين، كما
_________________
(١) ١ الآية ١٠ من سورة الحشر. ٢ الآية ٤٣-٤٤ من سورة طه. ٣ الآية ٦ من سورة القصص. ٤ الآية ٨ من سورة القصص. ٥ الآية ٢٤ من سورة الدخان.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ١، فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلى بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون مذموما مدحورا وصار إلى ذلك لما ابتلي به من السجود لآدم فتلقى آدم التوبة فرحم، وتلقى إبليس اللعنة فغوى ثم أهبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوما متوبا عليه وأهبط إبليس بنظرته مدحورا مذموما مسخوطا عليه، وقلتم أنتم أن إبليس وأولياءه من الجن قد كانوا ملكوا رد علم الله والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، حتى لا ينفذ علم إلا بعد مشيئتهم فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في رد علم الله؟؟؟ فإن الله ﷿ لم يشهدكم خلق أنفسكم فكيف يحيط جهلكم بعلمه، وعلم الله ليس بمقصر عن شيء هو كائن، ولا يسبق علمه في شيء فيقدر أحد على رده، فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شيء إلى شيء هو كائن لكانت مواقعكم عنده، ولقد علمت الملائكة قبل خلق آدم ما هو كائن من العباد في الأرض من الفساد وسفك الدماء، فيها وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم الله الفساد وسفك الدماء. وما قالوا تخرصا
_________________
(١) ١ الآية ٣٠ من سورة البقرة. ٢ الآية ٨٤- ٨٥ من سورة ص.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
إلا بتعليم الحكيم لهم، فظن ذلك منهم وقد أنطقهم به فأنكرتم أن الله أزاغ قوما قبل أن يزيغوا وأضل قوما قبل أن يضلوا وهذا فيما لا يشك فيه المؤمنون بالله أن الله قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم، وبرهم من فاجرهم، وكيف يستطيع عبد هو عند الله مؤمن أن يكون كافرا أو هو عند الله كافر أن يكون مؤمنا والله تعالى يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ١، فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبدا إلا بإذن الله ثم آخرون اتخذوا من بعد الهدى عجلا جسدًا فضلوا به فعفى عنهم، لعلهم يشكرون فصاروا من أمة قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، ثم ضلت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة فإذا هم خامدون، فنفذوا إلى ما سبق لهم أن صالحا رسولهم وأن الناقة فتنة لهم وأنه مميتهم كفارا فعقروها، وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة ابتلي فعصى فلم يرحم، وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسي، وهم يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كانت تغني شيئا فيما كان من ذلك حتى لا
_________________
(١) ١ الآية ١٢٢ من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٧٨١ ]
يكون؟ أو تغني فيما لم يكن حتى يكون؟ فتعرف لكم بذلك حجة، بل الله أعز مما تصفون وأقدر وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وإنما علمه بزعمكم حافظ وأن المشيئة في الأعمال إليكم إن شئتم أحببتم الإيمان فكنتم من أهل الجنة ثم جعلتم بجهلكم حديث رسول الله ﷺ الذي جاء به أهل السنة وهو مصدق للكتاب المنزل أنه من ذنب مضاه١، ذنبا خبيثا في قول النبي ﷺ حين سأله عمر: "رأيت ما نعمل أشيء قد فرغ منه؟ أم شيء نأتنفه" فقال ﷺ: "بل شيء قد فرغ منه"٢. فطعنتم بالتكذيب له، وتعليم من الله في علمه إذ قلتم إن كنا لا نستطيع الخروج منه فهو الجبر، والجبر٣ عندكم الحيف، فسميتم نفاذ علم الله في الخلق حيفا وقد جاء الخبر: "إن الله خلق آدم فنثر ذريته في يده فكتب
_________________
(١) ١ لم يتبين لي المعنى ولعله يعني "مضى منه وانتهى". ٢ الحديث رواه ابن وهب في كتاب القدر له وصححه المحقق للكتاب انظر ص١١١ القدر لابن وهب تحقيق الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن العثيم ط. دار السلطان للنشر والتوزيع واللالكائي ٤/٦٠٠، وعبد الرزاق في المصنف ١١/١١١، والترمذي بلفظ آخر ٣/١٩٦. ٣ الجبر: قد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل في إطلاق هذه اللفظة فأجاد فأفاد ١/٦٦-٧٢ فارجع إليه فإنه مفيد.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
أهل الجنة وما هم عاملون وكتب أهل النار وما هم عاملون"١، وقال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس اتهموا آراءكم على دينكم فوالذي نفسي بيده لقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع رد أمر رسول الله ﷺ لرددناه والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلا أسهل بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا٢.
ثم أنتم بجهلكم قد أظهرتم دعوة حق على تأويل باطل تدعون الناس إلى رد علم الله فقلتم الحسنة من الله والسيئة من أنفسنا، وقال أئمتكم وهم أهل السنة: الحسنة من الله في علم قد سبق، والسيئة من أنفسنا في علم قد سبق، فقلتم لا يكون ذلك حتى يكون بدؤها من أنفسنا كما بدء السيئات من أنفسنا، وهذا رد للكتاب منكم ونقض للدين، وقد قال ابن عباس حين نجم القول بالقدر هذا أول شرك هذه الأمة، والله ما ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا، كما أخرجوه من أن يكون قدر شرا٣. فأنتم تزعمون بجهلكم أن من كان في علم الله ضالا
_________________
(١) ١ الحديث أو الأثر رواه ابن وهب في كتاب القدر عن أبي قلابة بلفظ مقارب. انظر القدر لابن وهب ص٨٢. ورواه عبد الله بن الإمام في السنة ٢/٤٢٣ بنفس اللفظ الموجود هنا والآجري في الشريعة ص٢٠٠. ٢ الأثر رواه البخاري مع الفتح ٦/٢٨١ برقم (٣١٨١) . ٣ الأثر رواه اللالكائي ٤/٦٩١.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
فاهتدى فهو بما ملك من ذلك حتى كان في هداه ما لم يكن الله علمه فيه، وأن من شرح صدره للإسلام فهو بما فوض إليه قبل أن يشرحه الله له، وأنه إن كان مؤمنا فكفر فهو مما شاء لنفسه وملك من ذلك لها وكانت مشيئته في كفره أنفذ من مشيئة الله في إيمانه بل أشهد أنه من عمل حسنة فبغير معونة كانت من نفسه عليها وأن من عمل سيئة فبغير حجة كانت له فيها وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وأن لو أراد الله أن يهدي الناس جميعا لنفذ أمره فيمن ضل حتى يكون مهتديا، فقلتم بمشيئته شاء لكم تفويض الحسنات إليكم وتفويض السيئات ألقي عنكم سابق علمه في أعمالكم، وجعل مشيئته تبعا لمشيئتكم، ويحكم فوالله ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما آتاهم بقوة حتى نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، فهل رأيتموه أمضى مشيئته لمن كان في ضلالته حين أراد هداه حتى صار إلى أن أدخله بالسيف إلى الإسلام كرها بموضع علمه بذلك فيه أم هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلهم العذاب فآمنوا وقبل منهم ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ ١، أي
_________________
(١) ١ الآية ٨٤- ٨٥ من سورة غافر.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
علم الله الذي قد خلا في خلقه ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ وذلك كان موقفهم عنده أن يهلكوا بغير قبول، بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان، والخير والشر، بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء في طغيانهم يعمهون، كذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ١، وقال ﵇: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ٢ أي أن الإيمان والإسلام بيدك وأن عبادة من عبد الأصنام بيدك فأنكرتم ذلك وجعلتموه ملكا بأيديكم دون مشيئة الله ﷿.
وقلتم في القتل إنه بغير أجل، وقد سماه الله لكم في كتابه فقال ليحيى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ ٣، فلم يمت يحيى إلا بالقتل وهو موت كما مات من قتل منهم شهيدا أو قتل عمدا أو قتل خطأ كمن مات بمرض أو فجأة، كل ذلك موت بأجل توفاه، ورزق استكمله وأثر بلغه، ومضجع برز إليه ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ
_________________
(١) ١ الآية ٣٥ من سورة إبراهيم. ٢ الآية ١٢٨ من سورة البقرة. ٣ الآية ١٥ من سورة مريم.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ١، ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته ولا موضع قدم إلا وطأته، ولا مثقال حبة من رزق إلا استكملته، ولا مضجع بحيث كان إلا برزت إليه، يصدق ذلك قول الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ ٢، فأخبر الله سبحانه بعذابهم بالقتل في الدنيا، والآخرة بالنار، وهم أحياء بمكة. وتقولون أنتم أنهم قد كانوا ملكوا رد علم الله في العذابين اللذين أخبر الله ورسوله أنهما نازلان بهم وقال تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْي﴾ ٣، يعني القتل يوم بدر ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٤، فانظروا إلى ما أرداكم فيه رأيكم، وكتابا سبق في علمه بشقائكم إن لم يرحمكم ثم قول رسول الله ﷺ: "بنى الإسلام على ثلاثة أعمال، الجهاد ماض منذ يوم بعث الله رسوله إلى يوم القيامة فيه عصابة من المؤمنين يقاتلون الدجال لا
_________________
(١) ١ الآية ١٤٥ من سورة آل عمران. ٢ الآية ١٢ من سورة آل عمران. ٣ الآية ٩ من سورة الحج. ٤ الآية ٩ من سورة الحج.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
ينقض ذلك جور جائر، ولا عدل من عدل"١، والثانية: أهل التوحيد لا تكفروهم ولا تشهدوا عليهم بشرك، والثالثة: المقادير كلها خيرها وشرها من قدر الله فنقضتم من الإسلام جهاده، ونقضتم شهادتكم على أمتكم بالكفر، وبرئتم منهم ببدعتكم، وكذبتم بالمقادير كلها والآجال والأعمال والأرزاق، فما بقيت في أيديكم خصلة ينبني الإسلام عليها إلا نقضتموها وخرجتم منها٢.
التعليق:
إن هذه الرسالة المروية عن عمر تُفَصّل الرد على القدرية الذين كتبوا إليه برد علم الله السابق والتكذيب بأقداره النافذة وقد بين رحمه الله تعالى ضلال القدرية في فهم علم الله السابق وفي فهم الهداية والإضلال، وفي أفعال العباد، وفي فهم المشيئة وهي بلا شك رسالة بليغة وافية بالمقصود يظهر منها منهج السلف الصالح في بيان الحق بدليله مع الاعتماد على الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح وهي دليل على ما أعطاه الله لعمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى من قوة البيان، والصدع بالحق، والإصابة
_________________
(١) ١ الحديث، رواه أبو داود في سننه في باب دوام الجهاد وصححه الألباني. انظر سنن أبي داود ٢/٤٧١. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٦- ٣٥٣، وابن الجوزي سيرة عمر ٨٨- ٨٩، وهذه الرسالة رواها أبو نعيم من تاريخ السراج وهو مفقود.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
في القول، وهذه الرسالة وإن كان سندها إلى عمر بن عبد العزيز لا يصل إلى درجة الصحة لكن معناها صحيح ثابت وهى رسالة مشهورة عنه ذكرها عنه غير واحد من أهل العلم ومنهم أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي قال في كتابه أصول الدين:
"ومن أهل السنة من التابعين عمر بن عبد العزيز وله رسالة بليغة في الرد على القدرية"١.
وقال ابن الجوزي واصفا هذه الرسالة التي نحن بصدد التعليق عليها "وهذه رسالة مروية عن عمر بن عبد العزيز في الأول، وجدت أكثر كلماتها لم تضبطها النقلة على الصحة، فانتقيت منها كلمات صالحة"٢، ثم ذكر جزءا مما أورده أبو نعيم٣ رحمه الله تعالى.
وكذلك ذكرها الدكتور محمود الطحان من المعاصرين ضمن الرسائل التي وردبها الخطيب البغدادي مدينة دمشق حين خرج إليها في بحثه
_________________
(١) ١ انظر: كتاب أصول الدين لعبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي ص٣٠٧ ط. دار المدينة للطباعة والنشر بيروت عن طبعة مدرسة الإلهيات بدار الفنون التركية باستانبول ط. الأولى عام ١٣٤٦هـ ١٩٢٧م. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٨٨. ٣ انظر ابن الجوزي سيرة عمر ص٨٨- ٨٩. وقد تقدم إثبات كلامه في الإيمان بالقدر.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
"الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث" برقم (١٤٢) وهو ضمن مجموعة تحت رقم (١٨) موجودة بالمكتبة الظاهرية١.
ثم إن أكثر المسائل الموجودة في هذه الرسالة قد جاءت عن عمر بطرق مسندة صحيحة مما يعضدها ويقويها ويوثقها، وتُفَصل هذه الرسالة الرد على القدرية في نفيهم علم الله السابق حيث بين عمر رحمه الله تعالى في مقدمة الرسالة أن هؤلاء المكذبين بالقدر لا يعذرون بجهلهم بذلك لأن عمر بن الخطاب يقول: إنه لا عذر لأحد عند الله بعد البينة بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، قد تبينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر٢، ثم ذكر بعد المقدمة نص السؤال الذي وجهته إليه القدرية في نفي علم الله السابق، وهو أن عمر كما بلغهم يقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، فأنكروا ذلك عليه وقالوا لا يعلم الله أعمال العباد إلا بعد وقوعها، فرد عليهم عمر بأن الله تعالى يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون مستدلا بآيات من القرآن الكريم وتحتوي الرسالة كذلك على بيان عمر ضلال القدرية في فهم
_________________
(١) ١ انظر: الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث ص٢٨٨ ط. دار القرآن الكريم ط. الأولى ١٤٠١هـ تأليف د. محمود الطحان. ٢ انظر حول مسألة العذر بالجهل رسالة "الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه" تأليف عبد الرزاق بن طاهر بن أحمد معاش ط. دار الوطن ط"١" عام ١٤١٧هـ.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
المشيئة حيث توهموا بأن للعباد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله تعالى فرد عليهم بأن مشيئة العباد تابعة لمشيئة الله بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
وقد رد على هؤلاء القدرية في جوانب متعددة تتعلق بضلالهم في فهم علم الله تعالى حيث جعلوا علم الله لغوا لأنهم جعلوا أنفسهم هي الخالقة المحدثة للحسنات والسيئات، وجعلوا نعمة الله الدينية على المؤمن والكافر سواء، وأنه لم يعط العبد إلا قدرة واحدة تصلح للضدين، وليس بيد الله هداية خص بها المؤمن، أو تطلب منه بقول العبد ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢، وأن علمه تعالى لا يتعلق بهداية ضال ولا إضلال مهتد٣.
وقد أكثر رحمه الله تعالى في الرد على المكذبين بالقدر بآيات كثيرة ولوضوح هذه الرسالة وبلاغتها وسلاسة أسلوبها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وقوة ما فيها من الحجج المقنعة في الرد على المكذبين بعلم الله السابق وصفت واشتهرت بأنها رسالة بليغة في الرد على القدرية، وقد اشتملت على إيضاح مسائل كثيرة لها صلة بالانحراف في باب القدر،
_________________
(١) ١ الآية ٢٩ من سورة التكوير. ٢ الآية رقم ٦ من سورة الفاتحة. ٣ انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٤٤.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
كنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى وأزلية الأسماء الحسنى وعلم الله بأهل الجنة وأهل النار واستخراج ذرية آدم من ظهره قبل خلقهم وتقسيمهم إلى قسمين قسم إلى الجنة وقسم إلى النار، وكتابة ذلك كله. كما بين فيها ردهم ونفيهم للأحاديث الصحيحة إذا لم توافق مذهبهم وتأويلهم إياها تأويلا باطلا.
وبين عمر كذلك ضلال القدرية في فهم الاستطاعة حيث جعلوا الاستطاعة قبل الفعل وهي صالحة للضدين عندهم، ولا تقارن الفعل أبدا. ومن المهم إيضاح الصحيح من مسألة الاستطاعة لصلتها بمحتويات الرسالة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " وفصل الخطاب، أن الاستطاعة جاءت في كتاب الله على نوعين:
١- الاستطاعة المشترطة للفعل، وهي مناط الأمر والنهي كقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ
_________________
(١) ١ الآية ٩٧ من سورة آل عمران. ٢ الآية ١٦ من سورة التغابن.
[ ٢ / ٧٩١ ]
الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١. وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ٢، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾ ٣، وقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب"٤.
فإن الاستطاعة في هذه النصوص لو كانت لا توجد إلا مع الفعل لوجب ألا يجب الحج إلا على من حج، ولا يجب صيام شهرين إلا على من صام، ولا القيام في الصلاة إلا على من قام، وكان المعنى: على الذين يصومون الشهر طعام مسكين، والآية إنما أنزلت لما كانوا مخيرين بين الصيام، والإطعام في شهر رمضان٥.
٢- الاستطاعة التي يكون معها الفعل، قد يقال هي المقترنة بالفعل الموجبة له - وهي النوع الثاني- وقد ذكروا فيها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ
_________________
(١) ١ الآية ٣٥ من سورة النساء. ٢ الآية ٤ من سورة المجادلة. ٣ الآية ١٨٤ من سورة البقرة. ٤ الحديث رواه البخاري ٢/٥٨٧، برقم ١١١٧. ٥ مجموع الفتاوى ٨/٢٩٠.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ٢. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٣.
فإن الاستطاعة المنفية هنا -سواء كان نفيها خبرا أو ابتداء- ليست هي الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي والوعد والوعيد، والحمد، والذم، والثواب والعقاب، ومعلوم أن هؤلاء في هذه الحال مأمورون منهيون، موعودون متوعدون، فعلم أن المنفية هنا ليست المشروطة في الأمر والنهي المذكورة في قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٤.
فاعتقدت القدرية أن الاستطاعة المشترطة للفعل تكفي في حصول الفعل، وأن العبد يحدث مشيئته وهو مستغن عن الله حين الفعل فأخطأوا
_________________
(١) ١ الآية ١٠١ من سورة الكهف. ٢ الآية ٢٠ من سورة هود. ٣ الآيتان ٨-٩ من سورة يس. ٤ مجموع الفتاوى ٨/٢٩١، والآية ١٦ من سورة التغابن.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
خطأً قبيحا، فإن العبد له مشيئة وهي تابعة لمشيئة الله تعالى كما ذكر الله في عدة مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١، وقوله ﷿: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ ٢، وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. والواقع أن الخطأ في هذه المسألة ناشئ عن عدم التفريق بين الاستطاعتين فالاستطاعة المشترطة للفعل هي الاستطاعة الشرعية وهي التي عليها مناط الأمر والنهي، والثواب، والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس٤.
أما الاستطاعة المقارنة للفعل الموجبة له فهي الاستطاعة الكونية، وهي التي عليها مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل٥، فعدم تفريقهم بين هاتين الاستطاعتين أوقعهم فيما وقعوا فيه فجعلوا الاستطاعة
_________________
(١) ١ الآيتان ٥٥- ٥٦ من سورة المدثر. ٢ الآيتان ٢٩-٣٠ من سورة الإنسان. ٣ الآيتان ٢٨- ٢٩ من سورة التكوير. ٤ انظر مجموع الفتاوى ٨/٣٧٢- ٣٧٣. ٥ انظر: مجموع الفتاوى ٨/٣٧٣.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
قبل الفعل وجعلوها صالحة للضدين، ولا تقارن الفعل أبدا١. وبين عمر كذلك ضلال القدرية في فهم الآجال والأرزاق حيث قالوا إن المقتول لم يمت بأجله، وأن الله تعالى وقت لهم الأرزاق والآجال لوقت معلوم فمن قتل قتيلا فقد أعجله عن أجله ورزقه لغير أجله، وبقي له من الرزق ما لم يستوفه ولم يستكمله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا٢. فرد عليهم عمر بقوله: " وقلتم في القتل إنه بغير أجل، وقد سماه لكم في كتابه فقال ليحيى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ ٣، فلم يمت يحيى إلا بالقتل وهو موت كما مات من قتل منهم شهيدا، أو قتل عمدا، أو قتل خطأً كمن مات بمرض أو فجأة كل ذلك بأجل توفاه، ورزق استكمله، وأثر بلغه، ومضجع برز إليه ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ٤، ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته، ولا موضع قدم
_________________
(١) ١ انظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٨٦. ٢ انظر المصدر السابق ص١٨٦. ٣ الآية ١٥ من سورة مريم. ٤ الآية ١٤٥ من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
المبحث الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الحكم على القدرية
٣١٠/١- مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك١، أنه قال: كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز فقال ما رأيك في هؤلاء القدرية فقلت: رأيي أن تستتيبهم فإن قبلوا وإلا عرضتهم على السيف فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي. قال مالك: وذلك رأيي٢.
٣١١/٢- الآجري قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا إسحاق بن موسى٣، حدثنا أبو ضمرة أنيس بن عياض٤، قال: حدثني أبو سهيل
_________________
(١) ١ هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي التميمي أبو سهيل المدني ثقة من الرابعة مات سنة ١٤٠هـ، ع. انظر التقريب ص٥٥٨. ٢ الإمام مالك في الموطأ ٣/٩٣ وانظر الآجري في الشريعة ١/٤٣٧، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٣، والفريابي في القدر ورقة ب/ ٥٠، واللالكائي ٢/٦٨٦، وعبد الله في السنة ٢/٤٣١، وابن أبي عاصم في السنة ص٨٨، وصححه الشيخ الألباني. ٣ هو إسحاق بن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي أبو موسى المدني قاضي نيسابور ثقة متقن مات سنة ٢٤٤ من العاشرة م ت س ق. التقريب ص١٠٣. ٤ أنيس بن عياض وقيل أنس بن عياض بن ضمرة أو عبد الرحمن الليثي أبو ضمرة المدني ثقة من الثامنة مات سنة مائتين وله تسعون عاما. ع تقريب ص١١٥.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
نافع بن مالك بن أبي عامر أنه قال: "قال لي عمر بن عبد العزيز من فيه إلى أذني: ما تقول في الذين يقولون: لا قدر؟ قلت: أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. قال عمر: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلا هذه الآية الواحدة لكفت: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١،٢.
٣١٢/٣- الآجري أيضا قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا إسحاق بن سيار النصيبي٣، قال: حدثنا عبد الله بن صالح٤، حدثني معاوية٥-يعني
_________________
(١) ١ الآيات ١٦١-١٦٣ من سورة الصافات. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٣١، وعبد الله في السنة ٢/٤٣١، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٢٣، والفريابي في القدر ص١٨٠-١٨١، وقال محقق الكتاب: إسناده صحيح. ٣ إسحاق بن سيار بن محمد بن مسلم النصيبي أبو يعقوب كان صدوقا ثقة. الجرح والتعديل ٢/٢٢٣. ٤ عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة من العاشرة مات سنة ٢٢٢ وله ٨٥ سنة. خت دت ق. التقريب ص٣٠٨، وانظر الجرح والتعديل ٥/٨٦ وما بعدها. ٥ معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي أبو عمرو وأبو عبد الرحمن قاضي الأندلس صدوق له أوهام من السابعة مات سنة ٥٨ وقيل بعد السبعين ومائة. رم٤. التقريب ص٥٣٨، وانظر الجرح والتعديل ٨/٣٨٢.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
ابن صالح، عن حكيم بن عمير١، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: "إن قوما ينكرون القدر شيئا فقال عمر: "بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا". فقال قائل: هيهات هيهات يا أمير المؤمنين، لقد اتخذوه دينا يدعون إليه الناس ففزع لها عمر فقال: أولئك أهل أن تسل ألسنتهم من أقفيتهم سلًاّ، هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار٢.
٣١٣/٤- الآجري في الشريعة في جواب عمر لعامله: "كتبت تسألني عن الحكم فيهم، فمن أتيت به منهم فأوجعه ضربا واستودعه الحبس، فإن تاب من رأيه السوء وإلا فاضرب عنقه"٣.
٣١٤/٥- ابن بطة قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا ابن عرفة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن حكيم بن عمر، قال: قال عمر
_________________
(١) ١ حكيم بن عمير بن الأحوص أبو الأحوص الحمصي صدوق يهم من الثالثة. د ق. التقريب ص١٧٧، وانظر الجرح والتعديل ٣/٢٠٦. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٤٠، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٩، والفريابى في القدر ص٥٣، وقال محقق كتاب الشريعة الأثر صحيح بالسند الذي يأتي بعده. انظر الشريعة ١/٤٤٠. ٣ الآجري في الشريعة ١/٤٤٥، وهذه الزيادة مما انفرد به الآجري.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
ابن عبد العزيز: ينبغي لأهل القدر أن يوعز إليهم فيما أحدثوا من القدر، فإن كَفُّوا وإلا سُلت ألسنتهم من أقفيتهم استلالا١.
٣١٥/٦- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا إسماعيل، حدثني أبو محزوم، عن سيار، قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀ في أصحاب القدر: "فإن تابوا وإلا نفوا من ديار المسلمين"٢.
٣١٥/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة -وكان عامله في البصرة-: "أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاستتب القدرية مما دخلوا فيه فإن تابوا فخل سبيلهم وإلا فانفهم من ديار المسلمين"٣.
٣١٧/٨- ابن سعد: قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل نافع بن مالك، قال: تلا عمر بن عبد
_________________
(١) ١ ابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٤، والفريابى في القدر ورقة أ/٥٣، والآجري في الشريعة ٤٤٠، وقال محقق الشريعة: أثر حكيم بن عمر صحيح بما بعده. ٢ عبد الله في السنة ٢/٤٣٠، وانظر ابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٧، واللالكائي ٢/٦٨٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص٨٥. ٣ ابن الجوزي سيرة عمر ص٨٥، وانظر عبد الله في السنة ٢/٤٣٠، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٧، واللالكائي ٢/٦٨٦.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
العزيز: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١. فقال لي يا أبا سهيل ما تركت هذه الآية للقدرية حجة، الرأي فيهم ما هو؟ قال: قلت: "أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. قال: ذاك الرأي ذاك الرأي"٢.
٣١٨/٩- ابن بطة قال: حدثنا أبو علي محمد بن يوسف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن خلف، قال: نا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن أبي جعفر، عن محمد بن كعب أو غيره أن عمر بن عبد العزيز قيل له: "إن غيلان يقول في القدر كذا وكذا". فقال: "يا غيلان: ما تقول في القدر فتعوذ، ثم قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ حتى قرأ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٣. قال: فقال عمر: القول فيه
_________________
(١) ١ الآيات ١٦١- ١٦٣ من سورة الصافات. ٢ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٨٤. والفريابى في القدر ص١٨٠. قال محقق كتاب القدر: إسناد الأثر حسن. وابن الجوزي سيرة عمر ص٨٥، وانظر عبد الله في السنة ٢/٤٣٠، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٧، واللالكائي ٢/٦٨٦. ٣ سورة الإنسان الآيات ١-٣.
[ ٢ / ٨٠١ ]
طويل عريض، ما تقول في العلم؟ قال: قد علم الله ما هو كائن. قال: أما والله لو لم تقلها لضربت عنقك"١.
التعليق:
الحكم على أهل الأهواء والبدع يتوقف على البدعة التي ارتكبوها فإن كانت بدعة مكفرة يكفر صاحبها إذا استوفى جميع الشروط، وعدمت الموانع، وإن كانت بدعة مفسقة يفسق صاحبها ويعزر بحبس أو نفي حتى يموت من هواه الخبيث، والآثار التي نقلت عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث توضح الحكم على القدرية الذين كانوا ينكرون علم الله السابق لخلقه كما تبين ذلك فيما سبق. وقد سلك عمر رحمه الله تعالى في الحكم على هؤلاء المبتدعة طريق الحق الذي تدل عليه النصوص الصحيحة وما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم.
ففي الصحيحين، أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"٢. قال النووي: فأما قوله: "والتارك لدينه المفارق للجماعة"، فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي
_________________
(١) ١ ابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٦-٢٣٧. ٢ البخاري مع الفتح ١٢/٢٠١، برقم (٦٨٧٨) ومسلم ٤/٣١٦، برقم (١٦٧٦) .
[ ٢ / ٨٠٢ ]
ردة كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، قال العلماء: ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي، أو غيرهما. وكذا الخوارج١.
وقد جاءت نصوص كثيرة تخص القدرية بالذم والتهديد والتخويف. فعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مكذب بقدر ولا مدمن خمر"٢.
وروى ابن أبي عاصم في السنة وغيره عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله تعالى إن مرضوا فلا تعودوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم"٣.
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٣١٨. ٢ كتاب السنة لابن أبي عاصم ص١٤١ والحديث حسنه الألباني وأخرجه أحمد ٦/٤٤١. ٣ كتاب السنة لابن أبي عاصم ص١٤٤، والحديث حسنه الشيخ الألباني. انظر ظلال الجنة في تخريج السنة في حاشية السنة ص١٤٤ للشيخ الألباني ط. المكتب الإسلامي عام ١٤١٣هـ.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
وعن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: الاستسقاء بالأنواء، وحيف السلطان، والتكذيب بالقدر"١.
وهذه النصوص الصحيحة التي تقدمت وغيرها تدل على أن المكذبين بالقدر على خطر عظيم. وهناك نصوص كثيرة يذكرها علماء الفرق في ذم القدرية بخصوصهم، وبيان الحكم عليهم، إلا أنها نصوص لم تسلم من القدح فلو صحت لكانت كافية في الحكم عليهم، ولضعفها وكلام العلماء حولها لا أرى التطويل بذكرها هنا. وقد صرحت الأحاديث التي تقدمت بذم القدرية حيث صرحت بأنهم لا يدخلون الجنة وأنهم مجوس هذه الأمة لا يسلم عليهم ولا يعاد مرضاهم ولا يصلى على موتاهم وقد خاف ﷺ من هذه البدعة وحذر منها حيث قال: "أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: " ومنها: "والتكذيب بالقدر" ولما كانت بدعة القدرية من أبين البدع إلا أن مدارك الناس تختلف في فهم أحكام الله تعالى وللإعذار إلى القدرية وغيرهم حرص عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن يسأل غيره في الحكم فيهم - وعمر بلا شك من مجتهدي العلماء - ولكن حبا في الإعذار سأل نافع بن مالك عم الإمام مالك بن أنس فأفتاه بأن
_________________
(١) ١ السنة لابن أبي عاصم ص١٤٢، والحديث صححه الألباني. انظر ظلال الجنة ص١٤٢.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
يستتيبهم فإن تابوا وإلا أقيم عليهم الحد. كما كتب إلى عماله بأن يسيروا على هذا المنهج حيث أمرهم بأن يبينوا للقدرية خطأهم برفق حتى يرجعوا كما نوَّع العقوبات التي أمر بإنزالها عليهم إذا لم يتوبوا بعد البيان، فأمر بسل ألسنتهم من أقفيتهم، أو نفيهم من ديار المسلمين، وبين عمر أن إنكار القدر ضلال وجهل عظيم لأنه لو لم تكن إلا هذه الآية -يشير بها إلى آية سورة الصافات- لكفت ثم قرأ ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١. كما استتاب غيلان عدة مرات كما مر في مبحث مناظرته للقدرية -وكان منهجه في استتابه غيلان سؤاله عن علم الله، وكان غيلان يجيب بإثبات علم الله وقد بيَّن عمر لغيلان أنه لولا إقراره بالعلم لضرب عنقه كما بين له أن الإقرار بالعلم إقرار بلازمه وهو مشيئة الله لأعمال العباد كلها وخلقه لها، وأن إنكار علم الله كفر، يدخل من قال به في عداد المرتدين كما أمر عمر بضرب المكذبين بالقدر وحبسهم وقد حبس غيلان عدة أيام ثم أدخله عليه كما سبق، وهذه العقوبات التي حكم بها عمر على المكذبين بالقدر. بعد إقامة الحجة عليهم كما هو واضح، هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان معاملة أئمة المسلمين للمبتدعة والحكم عليهم
_________________
(١) ١ الآيات ١٦١-١٦٣ من سورة الصافات.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
"العقوبة قبل الحجة ليست مشروعة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١، ولهذا قال الفقهاء إن الإمام يراسل المبتدعة فإن ذكروا شبهة بينها، وإن ذكروا مظلمة أزالها كما أرسل عليّ ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به ثم بعد موته نقض غيلان القدري التوبة فصلب"٢.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن القدرية الذين ينكرون علم الله السابق كفار، فقال في بيان ذلك، "وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها: فهذا حق لا ريب فيه، وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار. وهذا العلم والكتاب: هو القدر الذي ينكره غالية القدرية ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار كفرهم الأئمة كالشافعي، وأحمد وغيرهما٣.
_________________
(١) ١ الآية ١٥ من سورة الإسراء. ٢ مجموع الفتاوى ٣٠/٢٤٠. ٣ مجموع الفتاوى ٢/١٥٢.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
وقال ﵀ في موضع آخر: "ولم يكفر أحمد الخوارج والقدرية إذا أقروا بالعلم وأنكروا خلق الأفعال وعموم المشيئة، لكن حُكِي عنه في تكفيرهم روايتان١.
وقال ابن رجب: "وقد قال كثير من أئمة السلف ناظِروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن الله قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية، فقد خصموا، لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه، وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء. وأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام"٢.
وقد بين العلماء أن القدرية النفاة لعلم الله السابق قد انقرضوا لشدة ما أنكر عليهم السلف وأفتوا بقتلهم إن لم يرجعوا ونتيجة لهذا الإنكار الشديد من جانب السلف، ولقباحة ورداءة هذا المعتقد أيضا تراجع تراجعا سريعا، حتى لم يعد له وجود، وأيضا لا يخفى ما يترتب على هذا
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/٥٠٧. ٢ جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٣٠- ٣١.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
الفصل الثامن: الآثار عن عمر في الرد على فرق مختلفة
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الرد على المرجئة
الفصل الثامن: الآثار عن عمر في الرد على فرق مختلفة: المبحث الأول: الآثار عن عمر في الرد على المرجئة
تمهيد في تعريف المرجئة لغة واصطلاحًا:
الإرجاء يطلق على عدة معان منها: الأمل، والناحية، والتأخير، وقد يهمز وقد لا يهمز. قال ابن فارس: رجى: الراء والجيم والحرف المعتل أصلان متباينان يدل أحدهما على الأمل، والآخر على ناحية الشيء١.
فالأول: الرجاء، وهو الأمل، يقال: رجوت الأمر أرجوه، رجاءً٢.
وأما الثاني: فهو الرجا مقصور، الناحية من البئر، وكل ناحية رجا. قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ ٣. وأما المهموز فإنه يدل على التأخير، يقال: أرجأت الشيء: أخرته ومنه سميت المرجئة٤، هذا في اللغة. وأما تعريف الإرجاء في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في ذلك نوجز كلامهم فيما يلي:
١- الإرجاء في الاصطلاح مأخوذ من معناه اللغوي -أي بمعنى التأخير والإمهال، وهو إرجاء العمل عن درجة الإيمان، وجعله منزلة ثانية بالنسبة
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة ٢/٤٩٤. ٢ المصدر السابق ٢/٤٩٤. ٣ الآية ١٧ من سورة الحاقة. ٤ انظر معجم مقاييس اللغة ٢/٤٩٥.
[ ٢ / ٨١١ ]
للإيمان، لا أنه جزء منه، وأن الإيمان يتناول الأعمال على سبيل المجاز - لو سلمنا بوجوده - بينما هو حقيقة في مجرد التصديق، وقد يطلق وصف الإرجاء على القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
ويشمل جميع من أخر العمل عن النية والتصديق١.
٢- وذهب آخرون إلى أن الإرجاء يراد به تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة فلا يقضى عليه بحكم ما٢.
٣- وبعضهم ربط الإرجاء بما جرى في شأن علي ﵁ من تأخيره في المفاضلة بين الصحابة إلى الدرجة الرابعة٣، ولا شك أن هذا الترتيب هو الصواب كما سبق بيانه - أو إرجاء أمر علي وعثمان إلى الله تعالى حيث لا يشهدون عليهما بإيمان، ولا غيره".
"والواقع أن إطلاق اسم الإرجاء على كل من يقول عن الإيمان أنه قول أو تصديق بلا عمل، أو القول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ص١٣٧، والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص٥٧، والفرق بين الفرق ص١٥١. ٢ الملل والنحل ص١٣٧. ٣ المصدر السابق ص١٣٧.
[ ٢ / ٨١٢ ]
تنفع مع الكفر طاعة هو الأغلب في عرف العلماء حينما يطلقون حكم الإرجاء على أحد بل هو المقصود بالإرجاء"١.
هذا وقد جاءت عن عمر بن عبد العزيز آثار خاصة تدل على زيادة الإيمان وإدخال الأعمال فيه. والمرجئة لا يرون هذا فهذه الآثار تعتبر ردا عليهم، لاسيما وأن أهل العلم قد ذكروا هذه الآثار في معرض ردودهم على المرجئة. كما وردعنه - رحمه الله تعالى - التحذير عن البدع كلها ولا بدعة أظهر من بدعة الإرجاء. وهاهي الآثار الواردة عنه في هذا المبحث.
٣١٩/١- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: "إن للإسلام حدودا وشرائع، وسننا فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فإن أَعِش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص٢.
_________________
(١) ١ انظر: فرق معاصرة لشيخنا الدكتور غالب بن علي العواجي ٢/٧٤٧، وانظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص٥٧، والفرق بين الفرق ص١٥١. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠ وقد تقدم تخريجه برقم ١٨٠.
[ ٢ / ٨١٣ ]
٣٢٠/٢- محمد بن نصر المر وزي قال: حدثنا أبو حفص الباهلي، ثنا شريح بن النعمان ثنا المعافى، ثنا الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا عذ ر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنها هدى١.
٣٢١/٣- ابن سعد قال: أخبرنا سعيد بن عارم عن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له: "فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيرا٢.
التعليق:
يتبين من الآثار السابقة أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان حريصا على رد البدع كلها. حتى ولو أدى ذلك إلى أن يضحي بأعضائه كلها، وقد بين في تلك الآثار القول الصحيح في الإيمان وأنه يشمل العبادات كلها. وأولى عناية خاصة بشعبه، ووعد بأنه إن عاش فسيحمل رعيته عليها، ففي هذا المأثور عنه بيان للقول الصحيح في الإيمان كما أن فيه الرد على بدعة الإرجاء، لأن إحقاق الحق إبطال للباطل، وهذا المأثور عنه هو الحق الثابت عنه في مسألة الإيمان.
_________________
(١) ١ محمد بن نصر المروزي في السنة٣١ ط مؤسسة الكتب الثقافية ط الأولى عام١٤٠٨ هـ. ٢ ابن سعد في الطبقات٥/٣٤٣وقدتقدم تخريجه برقم٢٢٣.
[ ٢ / ٨١٤ ]
وأما ما رواه ابن سعد في الطبقات أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة جاءه راحلا إليه عون بن عبد الله وموسى بن أبى كثير وعمر بن حمزة وفى بعض المراجع عمر بن ذر فكلموه في الإرجاء وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شئ منه١ فهذا لا يثبت عنه لما يلي:
- لأن ابن سعد رواه بدون سند فهو إذا منقطع.
- ولأنه استعمل فيه صيغة التمريض " زعموا".
- وأيضا إن مثل هذا الزعم والادعاء لا يعول عليه لأن رواته متهمون بالإرجاء.
هذا وعلى فرض تسليم تلك الرواية فقد ثبت في كتب التراجم أن عون بن عبد الله قد تاب عن الإرجاء. وقد روى ذلك اللالكائي بسنده عن نوفل الهذلي عن أبيه قال: "كان عون بن عبد الله بن مسعود من آدب أهل المدينة وأفقههم وكان مرجئا ثم رجع فأنشد يقول:
لأول ما نفارق غير شك نفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من أهل جور وليس المؤمنون بجائرينا
وقالوا مؤمن دمه حلال وقد حرمت دماء المؤمنينا٢
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٦ /٣٣٩ والذهبي: سير أعلام النبلاء ٥ /١٠٤. ٢ اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٥/١٠٧٧ وابن عساكر٤٧/٦٥.
[ ٢ / ٨١٥ ]
فثبت أن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قد رجع عن القول بالإرجاء ولعل قوله بالإرجاء كان قبل اتصاله بعمر رحمه الله تعالى اتصالا وثيقا وكونه من المقربين عنده.
وأما "عمر بن حمزة "- وعند الذهبي في السير - "عمر بن ذر القاص" فقد كان ثقة بليغا إلا أنه كان يرى الإرجاء وكان لين القول فيه.١.
وأما "موسى بن أبي كثير الوشاء أبو الصباح الكوفي"،فهو صدوق لكن ذكر في ترجمته أنه يروي عن المشاهير المناكير فلما كثر ذلك بطل الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات، ولا ريب أن الادعاء السابق في كون عمر بن عبد العزيز قد وافقهم في الإرجاء ولم يخالفهم في شيء من ذلك، مما خالف فيه الثقات فيبطل الاحتجاج بتلك الدعوى. قال يحيى بن معين: كان موسى بن أبى كثير مرجئا.٢.
فظهر بما تقدم أن عون بن عبد الله قد رجع عن الإرجاء. وأن عمر بن ذر كان إرجاؤه خفيفا، وقد كان في بدء الأمر يراد به بعض إطلاقاته، وأما موسى بن أبي كثير فلا يسلم له زعمه، ولا شك أن عمر ﵀ من السلف الصالح، والمرجئة بخلاف هذا الوصف بعد أن خرجوا عن الحق. هم ومن سار على طريقتهم في مفهوم الإيمان مثل المعتزلة،
_________________
(١) ١ ابن عساكر١٩ /٤٥. ٢ الذهبي: ميزان الاعتدال٤/٢١٨.
[ ٢ / ٨١٦ ]
والخوارج الذين يرون أن العمل جزء لا يتجزأ من حقيقة الإيمان بحيث إذا ذهب بعضه ذهب كله. وقد تقدم ذكر بعض الردود على هذه الرواية الموجودة عند ابن سعد في مبحث زيادة الإيمان ونقصانه بما أغنى عن إعادته هنا.
[ ٢ / ٨١٧ ]
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في الرد على الجهمية.
تمهيد:
الجهمية: نسبة إلى الجهم بن صفوان، لأنه هو الذي أظهر هذا المذهب ودعا إليه وجادل من أجله، وتوسع في مسائله، وأصلُه، من مدينة بلخ ثم انتقل منها إلى سمرقند وترمذ، ثم انتقل إلى الكوفة، ثم رجع إلى خراسان، وفي الكوفة التقى بشيخه الجعد بن درهم، وقد خرج على بني أمية فأسر ثم قتل، وهو من كبار المعطلة.
وملخص ما كان يدعو إليه: أنه كان ينكر أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة ولا يسمى الله باسم من الأسماء التي يسمى بها خلقه وكان يقول: لا أقول إن الله شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء١.
ويسمى الله تعالى باسم المحيي والمميت، والموجد، والفاعل، والخالق، لأن هذه الصفات لا تطلق على العبيد.
ويسميه القادر لأن العبد عنده ليس بقادر، ولا فاعل بناءً على مذهبه في أفعال العباد، إذ كان رأس الجهمية الجبرية٢.
أما الصفات فينفيها جميعا لأن إثباتها يقتضي التشبيه بزعمه.
_________________
(١) ١ الأشعري: مقالات الإسلاميين ص٢٥٩. ٢ انظر: الملل والنحل ص٨٦، ودرء التعارض ١/٢٧٦.
[ ٢ / ٨١٨ ]
والإيمان عنده: المعرفة بالله فقط. والكفر هو: الجهل فقط١، وزعم أن الجنة والنار تفنيان وهذه الأقاويل كلها ظاهرة البطلان.
هذا وما يأتي من الآثار عن عمر تعتبر ردودا عامة على الجهمية وقد أوردها علماء السلف ضمن ردودهم عليهم كالإمام أحمد، والدارمي، وغيرهما من علماء السلف وهي كما يلي:
٣٢٢/١- الفريابي قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان عن جعفر بن برقان، قال: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن بعض الأهواء فقال: انظر دين الأعرابي والغلام في الكتاب فاتبعه واله عما سوى ذلك٢.
٣٢٣/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ص٣٣٨. ٢ الفريابي في القدر لوحة أ ٦٣. ومعاوية بن هشام القصار أبو الحسن الكوفي، ويقال معاوية بن أبي العباس صدوق له أوهام. تقريب التهذيب ص٥٣٨،وقد تقدم الأثر في باب التمسك بما تدل عليه الفطرة.
[ ٢ / ٨١٩ ]
تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
قال عبد الله بن عبد الحكم فسمعت مالكا يقول: وأعجبني عزم عمر في ذلك١.
٣٢٤/٣- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد ابن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: من جعل دينه غرضا٢ للخصومات أكثر التنقل٣،٤.
٣٢٥/٤- اللالكائي قال: وذكر عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن أحمد ابن عمرو بن عيسى قال: ثنا عيسى بن عمرو البصري، قال: ثنا سليمان ابن عيسى الشجري، قال: ثنا سهل الحنفي، عن مقاتل بن حيان، قال:
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠، وقد تقدم تخريجه برقم ١١٥. ٢ الغرض: الهدف الذي يرمى إليه. انظر المعجم الوسيط ص٩٧٧. ٣ عند الفريابي "أكثر الشك" وعند اللالكائي: "يكثر التحول". ٤ ابن أبى الدنيا: كتاب الصمت ص١١٦، وقال المحقق رجاله ثقات، وأخرجه أحمد في الزهد ص٤٢٣، وابن سعد في الطبقات ٥/٣٧١، واللالكائي ١/١٤٤، والفريابي في القدر لوحة أ ٦٣، والآجري في الشريعة ١/١٨٩، وابن بطة في الإبانة ٢/٥٠٣-٥٠٤، والدارمي في السنن ١/٩١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله رقم "١٧٧٠" وذكره الإمام أحمد في الرد على الجهمية ص٦٩. وقد تقدم في فصل النهي عن الخصومات في الدين.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من أهل بلخ١، فقال: كم بينك وبين النهر؟ قلت: كذا وكذا فرسخا. فقال: هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم؟ قلت: لا. قال: سيظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم يهلك خلقا من هذه الأمة، يدخلهم الله وإياه النار مع الداخلين٢.
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث آثار عامة أوردها علماء السلف في ردهم على الجهمية، ولاشك أنها تعتبر ردا على جميع المبتدعة، وذلك في أمره ﵀ بالتمسك بما تدل عليه الفطرة من إثبات ما للخالق من صفات الكمال ونعوت الجلال، كإثبات الفوقية والعلو، وغير ذلك مما تدل عليه الفطرة السليمة. وكذلك أمره بالنهي عن
_________________
(١) ١ بلخ: - بفتح الباء وسكون اللام- مدينة مشهورة بخراسان. انظر معجم البلدان ١/٤٧٩. ٢ اللالكائى شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٢٥، وقال محقق الكتاب: ويبدو على ظاهر الرواية الوضع لأن عمر توفي قبل خروج الجهم بحوالي ثلاثين سنة تقريبا والغيب لا يعلمه إلا الله، وقد تقدم الأثر في مبحث الحكم على المعين بالجنة أو النار. وعبد الرحمن هو عبد الرحمن بن أبي حاتم.
[ ٢ / ٨٢١ ]
الخصومات في الدين بغير علم، ولم يقع جهم فيما وقع فيه إلا بسبب الخصومات فيما لا علم له به، فضل وأضل.
وقد تقدم شيء من ذلك في بيان سمات أهل البدع، وقد كان السلف الصالح يستدلون بما أثر عن عمر بن عبد العزيز في الأخذ بسنن رسول الله ﷺ، وسنن الخلفاء الراشدين من بعده في ردهم على الجهمية مثلما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتوى الحموية حيث ذكر أن أبا القاسم الأزجي روى بإسناده عن مطرف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع١ أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز ويذكر الأثر الثاني من المبحث السابق: "سن رسول الله وولاة الأمر من بعده " وقال الشاطبي ﵀ متحدثا عن هذا الأثر: "إنه كلام مختصر جمع أصولا حسنة من السنة منها قطع مادة الابتداع جملة. ومنها المدح لمتبع السنة وذم لمن خالفها ومنها أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله فقد جمع كلام عمر أصولا حسنة وفوا ئد مهمة٢.
وقد أورد الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية" أثر عمر بن عبد العزيز "من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل"٣.
_________________
(١) ١ الفتوى الحموية ص٢٤ ط. السلفية. ٢ انظر: الاعتصام ٦٨-٦٩. ٣ الرد على الجهمية للإمام أحمد ص٦٩.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وأما الأثر الأخير وهو ما ذكره اللالكائي من سؤال عمر بن عبد العزيز عن خروج جهم بن صفوان فإن محقق كتاب السنة للالكائي قد بين ضعفه١، والأثر على ضعفه لا يتفق أيضا مع عقيدة أهل السنة والجماعة حيث ذكر فيها الإخبار بالمغيبات، والحكم على المعين بالنار، وقد سبق بيان موقف أهل السنة والجماعة في مسألة الحكم على المعين بالجنة أو النار، حيث تبين أن الصواب في ذلك هو إيكال علم الخلق إلى الخالق.
ومذهب الجهمية يعرف قبحه كل من سلمت فطرته، ولا يحتاج إلى حشد الأدلة الضعيفة ومنها تلك الرواية.
ومن المهم الإشارة إلى أن علماء السلف رحمهم الله تعالى أطلقوا على كل من ينكر أسماء الله تعالى وصفاته لقب الجهمية سواء أنكرها كلها أو أنكر بعضها أو أنكر الصفات وأثبت الأسماء كالمعتزلة، فالسلف رحمهم الله تعالى أطلقوا هذا الاسم على هؤلاء لخروجهم عما دل عليه الكتاب والسنة وفهمه السلف الصالح منهما.
_________________
(١) ١ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٢٥ حيث قال حفظه الله يبدو على ظاهر الرواية الوضع لأن عمر توفي قبل خروج الجهم بحوالي ثلاثين سنة والغيب لا يعلمه إلا الله، وقد تقدم.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
المبحث الثالث: موقف عمر بن عبد العزيز ممن يُزهّد في العلم الشرعي من الفرق الضالة.
٣٢٦/١- ابن عبد البر قال: حدثنا عبد الوارث، نا قاسم، نا أحمد بن زهير، نا أبو الفتح البخاري نصر بن المغيرة، قال: قال سفيان بن عيينة، قال عمر بن عبد العزيز: "من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح١.
٣٢٧/٢- الدارمي قال: أخبرنا مروان بن محمد، ثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة إنه من تعبد بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، ومن جعل دينه غرضا للخصومة كثر تنقله"٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: جامع بيان العلم ١/١٣١، وقال محقق الكتاب رجاله ثقات وهو منقطع بين ابن عيينة وعمر بن عبد العزيز، وأخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه ١/١٩، وله شاهد من كلام ضرار بن عمرو أخرجه الخطيب بإسناد حسن ١/١١٩. ٢ الدارمي في السنن ١/٩١. مروان بن محمد الطاطرى شامي روى عن سعيد بن عبد العزيز ومالك بن أنس ثقة. انظر الجرح والتعديل ٨/٢٧٥، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي أبو محمد روى عن الزهري ومكحول وروى عنه الثوري والوليد بن مسلم ثقة. انظر الجرح والتعديل ٤/٤٢-٤٣، وتقريب التهذيب ص٢٣٨.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
٣٢٨/٣- قال البخاري رحمه الله تعالى باب كيف يقبض العلم، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ولتفشوا العلم. ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا ثم قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار بذلك -يعني حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله ذهاب العلماء ١.
التعليق:
العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة فضله عظيم وخطبه ومنزلته رفيعة وقد أمر الله نبيه محمدا ﷺ بطلب الاستزادة منه قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ٢،وأهل العلم هم ورثة الأنبياء وأعلام الأمة وهم شهداء الله في الأرض ودرجاتهم رفيعة عالية قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٣، والعلم والعمل قرينان لكن لا بد أن يتقدم
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/١٩٤.ومحمد بن نصر المروزي في السنة ص ٣١. ٢ الآية ١١٤ من سورة طه. ٣ الآية ١١ من سورة المجادلة.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
العلم على العمل. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بابا بعنوان: باب العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١، فبدأ بالعلم٢، قال الحافظ: قال ابن المنير: أراد البخاري به أن العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعتبران إلا به. فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: "أن العلم لا ينفع إلا بالعمل" تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه٣، والجهل بعلم الكتاب والسنة خطره عظيم وضرره كثير، وكثرة الجهل بعلم الشريعة من علامات الساعة ولهذا أمر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بتدوين الحديث النبوي وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ فقط. فلما خاف عمر بن عبد العزيز وكان واليا للمسلمين على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أن في تدوينه ضبطا له وإبقاء٤. وحذر من عبادة الله تعالى بالجهل الذي هو سبب هلاك الأمم الماضية وهذه الأمة. فسجل كلمته المشهورة المأثورة من تعبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح فالذي يعبد الله تعالى وهو
_________________
(١) ١ الآية ١٩ من سورة محمد. ٢ البخاري مع الفتح ١/١٥٩. ٣ المصدر السابق ١/١٦٠. ٤ انظر المصدر السابق ١/١٩٤.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
جاهل بعلم الكتاب والسنة لا شك أنه يقع في الخرافات التي تحل في النفوس محل العلم والاعتقاد الصحيح فيضعف نور الإيمان وتنتشر الخرافات ويقوي أمر التحزب الباطل وقد عاب الله تعالى في كتابه الكريم الجهل وأخبر أن سبب ترك الناس لدين الله وتفرقهم فيه إنما هو الجهل. قال تعالى في شأن موسى وقومه حين وصل بهم الجهل إلى أن طلبوا من موسى أن ينصب لهم إلها قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١، وآيات كثيرة في القرآن الكريم فيها ذم الجهل والدعوة إلى العلم والمعرفة وكذا في السنة النبوية أحاديث كثيرة في ذم الجهل والتحذير منه. قال ﷺ: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"٢.
وقد نشأ عن الجهل الغلو في تعظيم بعض المخلوقين تعظيما خارجا عن هدي الإسلام كما نرى في الصوفية حيث جعلوا مرتبة أوليائهم فوق مرتبة الأنبياء وقدَّسوهم ونسجوا أساطير من صنع خيالهم حول هؤلاء الأولياء الأبدال بزعمهم. وإذا شئت أن تأكد من هذا فراجع طبقات
_________________
(١) ١ الأعراف/ ١٣٨. ٢ البخاري مع الفتح ١/١٩٤، رقم (١٠٠)، ومسلم ١/١٧٠، برقم (٢٦٧٣) .
[ ٢ / ٨٢٧ ]
الصوفية للشعراني، ورماح حزب الرحيم المعوجة للفوتى، وجواهر المعاني لعلي خرازم، وغيرها لترى العجب العجاب، ولتعرف مدى خطر التعبد بغير علم كيف يجر المسلم إلى الإلحاد والشرك والكفر وقد ذكر ابن الجوزي في تلبيس إبليس أن الصوفية ينكرون على من تشاغل بالعلم فقال: "لما انقسم هؤلاء بين متكاسل عن طلب العلم وبين ظان أن العلم هو ما يقع في النفوس من ثمرات التعبد وسموا ذلك العلم: العلم الباطن نهوا عن التشاغل بالعلم الظاهر ثم روى ﵀ بسنده عن جعفر الخلدي قال: لو تركني الصوفية لجئتكم بإسناد الدنيا لقد مضيت إلى عباس الدوري وأنا حدث فكتبت عنه مجلسا واحدا وخرجت من عنده فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية فقال: إيش هذا معك؟ فأريته إياه فقال ويحك تدع علم الخرق وتأخذ علم الورق، ثم خرق الأوراق فدخل كلامه في قلبي فلم أعد إلى عباس، ثم روى أيضا عن الحسين بن أحمد الصفار قال: كان بيدي محبرة فقال الشبلي غيب سوادك عني يكفيني سواد قلبي١.
هذا وبعض المتصوفة في العصر الحديث يشنعون على طلاب العلم ولا سيما الذين يعتنون بالمسائل وأدلتها من الكتاب والسنة بل يحاربون ذلك ويسمون هذا العلم شغبا وجدلا وخصاما. ويقولون: إن العلم كهذا
_________________
(١) ١ تلبيس إبليس ص٣٩٩.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
يصرف الإنسان عن العمل ويقولون: إن إبليس كان علمه من هذا القبيل أي من قبيل المسائل والأدلة ويجعلون قول إبليس ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ١، من قبيل العلم بالمسائل، مع أنه ليس إلا معارضة النص بالقياس. ويقولون: إن إبليس كان أعلم من في الأرض بل حتى ممن في عالم الملكوت وزيادة عليه فقد كان معلم الملكوت ولكن علمه وكثرة علمه هذا أداه إلى الضلال مع أن الله جل وعلا يقول في إبليس ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢، فهم يضللون العلم بالمسائل والعلم بالأدلة وأهلها٣.
وقد عد السيوطي رحمه الله تعالى الاشتغال بنوافل العبادات مع الجهل وترك حمل العلم من البدع٤.
ولا شك أن العلم الشرعي هو العلم الذي تعبدنا الله به لأنه هو المأخوذ عن الله ﷿ وعن أنبيائه ورسله ومن المعلوم أن الله تعالى لا يقبل أي عمل إلا إذا كان موافقا لما أمر به لأن العلم إذا لم يكن شرعيا
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٢ من سورة الأعراف. ٢ الآية رقم ٣٤ من سورة البقرة. ٣ انظر القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ ص١٩٩-٢٠٠. ٤ الأمر بالإتباع والنهي عن الابتداع ص٨٤.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
من الله تعالى كان وضعيا من استحسانات البشر ومفاهيمهم القاصرة وما يذكر من تزهيد أقطاب التصوف وغيرهم عن العلم الشرعي فإنما هو دليل على تلاعب الشيطان بهم. واتباعهم لهوى أنفسهم يتمثل هذا في قولهم يعيبون على أهل الشريعة: "أخذتم علمكم ميتا عن ميت حدثني فلان أين هو؟ قالوا: مات. عن فلان أين هو؟ قالوا: مات. فعلمنا عن الحي القيوم يقول أحدنا: حدثني قلبي عن ربي" ١ وغير ذلك من عباراتهم التي يعيبون بها العلوم الشرعية والذين يسمون أصحابها بأصحاب القراطيس. تنفيرا عنهم وترغيبا فيما ابتدعوه في الدين بجهلهم الذي يزعمون أنه يعتمدون فيه على العلم اللدني الذي يتباهون بحصولهم عليه كذبا وافتراء وزخرفا من القول غرورا.
_________________
(١) ١ انظر الرسائل والمسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية٤ – ٥ /٢٦٥.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
الفصل التاسع: موقفه من أهل الذمة
تمهيد:
قد سبق أن ذكرنا موقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من أهل الأهواء والبدع، وسنذكر الآن موقفه من أهل الذمة وهم:- أهل الأديان الأخرى غير الإسلام المعاهدين على دفع الجزية للمسلمين.
أما موقفه من أهل الحرب؛ فقد كان متبعا منهج الرسول ﷺ ومنهج خلفائه الراشدين حيث كتب إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام كما فعل الرسول ﷺ مع فارس والروم، ووعدهم عمر بأن يملكهم بلادهم ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وكانت سيرته قد بلغتهم فأسلم "جيشبة بن زاهر" والملوك، وتسموا له بأسماء العرب وبقي ملوك السند مسلمين على بلادهم أيام عمر ويزيد بن عبد الملك ١.
كما كتب إلى ملك الروم قيصر يدعوه إلى الإسلام٢. أما ما يخص أهل الذمة الموجودين تحت سلطته فيتضح موقفه منهم فيما أثر عنه من الآثار الآتية:
_________________
(١) ١ انظر:ابن الأثير الكامل في التاريخ ٤/١٦٠، ط. دار الكتاب العربي بيروت ط. السادسة عام ١٤٠٦هـ. ٢ انظر: ابن عساكر تاريخ دمشق ج٣٣ ص ٤١٩ وابن كثير البداية والنهاية ج ٥ ص٢٣٠.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
٣٢٩/١- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن القاسم، عن عياش بن سليم، عن عمر بن عبد العزيز في الذمي يوصي بالكنيسة يوقف وقفا من ماله للنصارى أو لليهود. قال: يجوز ذلك١.
٣٣٠/٢- وقال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني سويد، عن حصين، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن أسلم والجزية في كفة الميزان فلا تؤخذ منه٢.
٣٣١/٣- وقال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمر بن محمد، عن عمرو بن المهاجر، عن عمر بن عبد العزيز، في الذمي يسلم قبل السنة بيوم، قال: لا تؤخذ منه الجزية٣.
٣٣٢/٤- أبو عبيد القاسم بن سلاَّم قال: حدثني سعيد بن أبي مريم، عن عبد الله بن عمر العمري، عن سهيل بن أبي صالح، عن رجل من الأنصار، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن - وهو بالعراق - أن أخرج للناس أعطياتهم فكتب إليه عبد الحميد إني قد أخرجت للناس أعطياتهم، وقد بقي في بيت المال مال. فكتب إليه: أن انظر كل من أدان في غير سفه ولا سرف فاقض عنه، قال قد قضيت
_________________
(١) ١ ابن سعد الطبقات ٥/٣٥٦، وفي إسناد الأثر شيخ المصنف متروك. ٢ المصدر السابق ٥/٣٥٦. ٣ المصدر السابق ٥/٣٥٦.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
عنهم وبقي في بيت المال مال فكتب إليه أن زوج كل شاب يريد الزواج، فكتب إليه: إني قد زوجت كل من وجدت، وقد بقي في بيت مال المسلمين مال. فكتب إليه بعد مخرج هذا: أن انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه، فأسلفه ما يقوي به على عمل أرضه، فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين١.
٣٣٣/٥- وقال: حدثنا حفص بن غياث، عن أبي بن عبد الله، قال: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز: "لا تهدموا كنيسة ولا بيت نار، صولحوا عليه، ولا تحدثوا كنيسة ولا بيت نار، ولا تحدوا شفرة، على رأس بهيمة، ولا تجمعوا بين صلاتين إلا من عذر"٢.
٣٣٤/٦- ابن عبد الحكم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله:
أما بعد: فإن المشركين نجس حين جعلهم الله جند الشيطان، وجعلهم ﴿الأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
_________________
(١) ١ أبو عبيد في الأموال ص٢٦٥، وفي الأثر عبد الله بن عمر العمري ضعيف عابد. تقريب التهذيب ص٣١٤. والرجل الأنصاري لم اهتد إليه، وقد أخرج الأثر ابن عساكر ٤٥/٢١٣، عن طريق أبي عبيد به. ٢ أبو عبيد في الأموال ص١٠٣-١٠٤.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
صُنْعًا﴾ ١، فأولئك لعمري ممن تجب عليهم باجتهادهم لعنة الله ولعنة اللاعنين. وإن المسلمين كانوا فيما مضى إذا قدموا بلدة فيها أهل الشرك يستعينون بهم لعلمهم بالجباية، والكتابة، والتدبير، فكانت لهم في ذلك مدة فقد قضاها الله بأمير المؤمنين فلا أعلم كاتبا، ولا عاملا، في شيء من عملك على غير دين الإسلام إلا عزلته واستبدل مكانه رجلا مسلما، فإن محق أعمالهم محق أديانهم. فإن أولى بهم إنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله بها من الذل والصغار، فافعل ذلك واكتب إلي كيف فعلت. وانظر فلا يركبن نصراني على سرج وليركبوا بالأكف، ولا تركبن امرأة من نسائهم راحلة، وليكن مركبها على إكاف٢ ولا يفحجوا على الدواب، وليدخلوا أرجلهم من جانب واحد، وتقدم في ذلك إلى عمالك حيث كانوا، واكتب إليهم كتابا في ذلك بالتشديد واكفنيه، ولا قوة إلا بالله٣.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٠٣-١٠٤ من سورة الكهف. ٢ إكاف: البرذعة وهو الذي يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه كالسرج للفرس. المعجم الوسيط ص (٤٨) . ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٤٠، وأبو حفص الملاء ١/٤٠٤-٤٠٥، وأبو يوسف في الخراج ص١٢٧، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٢٥.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
٣٣٥/٧- ابن عبد الحكم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: أن لا يمشين نصراني إلا مفروق الناصية، ولا يلبس قباء١، ولا يمشي إلا بزنار٢ من جلود، ولا يلبس طيلسانا٣، ولا سراويل ذات خدمة، ولا نعلا لها عذبة٤، ولا يوجدن في بيته سلاح إلا انتهب٥.
٣٣٦/٨- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد ابن إسحاق، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أن عمر كتب: أن امنعوا اليهود، والنصارى من دخول مساجد المسلمين، واتبع نهيه قول الله ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٦"٧
٣٣٧/٩- أبو يوسف القاضي قال: حدثني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله:
_________________
(١) ١ ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص ويتمنطق به. المعجم الوسيط (٧١٣) . ٢ الزنار: حزام يشده النصراني على وسطه، المعجم الوسيط ص (٤٠٣) . ٣ الطيلسان: ضرب من الأوشحة، يلبس على الكتف أو يحيط بالبدن خالٍ عن التفصيل والخياطة. المعجم الوسيط ص (٥٦١) . ٤ هو: جعل شراك النعل من خلفها، انظر المعجم الوسيط ص (٥٨٩) . ٥ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٤٠. ٦ الآية ٢٨ من سورة التوبة. ٧ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٢٥-٣٢٦.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
أما بعد: فلا تدعن صليبا ظاهرا، إلا كسر، ومحق، ولا يركبن يهودي ولا نصراني على سرج، وليركب على إكاف، ولا تركبن امرأة من نسائهم على رحالة، وليكن ركوبها على إكاف، وتقدم في ذلك تقدما بليغا، وامنع من قبلك فلا يلبس نصراني قباء، ولا ثوب خز ولا عصب، وقد ذكر لي أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا المناطق على أوساطهم، واتخذوا الجمام والوفر١، وتركوا التقصيص، ولعمري لئن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك لضعف، وعجز، ومصانعة، وإنهم حين يراجعون ذلك ليعلموا ما أنت فانظر كل شيء نهيت عنه فاحسم عنه من فعله والسلام٢.
التعليق:
هذه الآثار تدل على مدى سعة فكر عمر بن عبد العزيز وفقهه وعلى التسامح الذي أشاعه بين الناس من ناحية موقفه من أهل الذمة حيث أنه
_________________
(١) ١ هو الشعر المجتمع على الرأس، أو ما جاوز شحمة الأذن، المعجم الوسيط ص (١٠٤٦) . ٢ أبو يوسف في الخراج ص ٢٧-٢٨. وأبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة المتوفى ١٨٣هـ انظر مقدمة كتاب الخراج ط. دار المعرفة بيروت. وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي صدوق يخطئ ورمي بالقدر. تقريب ص٣٣٧، وأبوه ثابت بن ثوبان العنسي، ثقة. تقريب ص١٣٢.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
كان يعاملهم بالرفق، وعدم إرهاقهم بما يشق عليهم ترغيبا لهم في الإسلام، وكذلك أيضا قد عف عن ما في أيديهم. وكان همه الإسلام أولا، لا الجزية، وإثراء بيت المال، فقد أمر عماله أن يضعوا الجزية عن الذمي إذا أسلم حتى ولو كانت تلك الجزية في الميزان، وقد عوضه الله بخير عميم فامتلأت خزائنه بالمال لحسن نيته حيث كان ينفق المال بسخاء للمحتاجين، على اختلافهم فيساعد من يحتاج من المزارعين الذميين ما يتقوون به على الاستفادة من أراضيهم، وغير ذلك من الأعمال التي تذكر له تأسيا برسول الله ﷺ، وخلفائه ﵃، وهذا دلالة على أن من ترك شيئًا لله عوضه الله بخير منه. ولهذا أصبح عمر ﵀ مثال الحاكم العابد، والزاهد، العفيف. وقد أمرنا الله ﵎ بأن نعامل أهل الكتاب معاملة حسنة لا سيما الذين لم يقاتلونا في الدين فقال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآية ٨ من سورة الممتحنة.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
فهذه الآية تأمرنا بالرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، واكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة١.
وأما ما يخص أهل الذمة القادرين على أداء الجزية فقد أمرهم بأن لا يتشبهوا بالمسلمين في اللباس، والمركب، والهيئة، ويؤخذ عليهم عهدا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الرمانة من خشب، وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية، ولا يحذوا على حذو المسلمين، وتمنع نساؤهم من ركوب الرحائل، ويمنعوا من أن يحدثوا بناء بيعة أو كنيسة في المدينة إلا ما كانوا صولحوا عليه، وصاروا ذمة، وهي بيعة لهم أو كنيسة. فما كان كذلك تركت لهم ولم تهدم، وكذلك بيوت النيران، ويتركون يسكنون في أمصار المسلمين وأسواقهم يبيعون، ويشترون، ولا يبيعون خمرا ولا خنزيرا، ولا يظهرون الصلبان في الأمصار٢، وهذا ما أمر به عمر رحمه الله تعالى تأسيا بعمر بن الخطاب ﵁ ويبدو من الآثار الواردة عن عمر أنه وجد أن أهل الذمة في زمنه قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
١- قسم قد حُمِّلوا ما لا يطيقون دفعه من قبل بعض العمال فأزال عنهم هذا الظلم
_________________
(١) ١ انظر القرافى: في الفروق ٣/١٥. ٢ انظر أبو يوسف في الخراج ص١٢٧.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
٢- وقسم قد خرجوا عن الحدود المرسومة لهم بعهودهم فتطاولوا على المسلمين، وتلبسوا بحالات تشبهوا فيها بالمسلمين في أزيائهم ومراكبهم، فرأى عمر أن في ذلك خروجا منهم عن مكانتهم بحسب الشروط الواردة في عهودهم.
٣- وقسم قد وَلّوا مناصب هامة في جبابة الزكاة، والفيء، والمواريث، فرأى عمر أن هذا خروج عن العهد الذي عليهم وهو دفع الجزية عن يد وهم صاغرون. فأعادهم إلى عهدهم ومكانهم. فعمر رحمه الله تعالى يعزل من لا يثق في عقيدته، وقد كانت معاملته مع أهل الذمة مضرب المثل في العدالة. وقد تقدم في فضائله شيء من ذلك. ولم يأمر أهل الذمة بأن يلبسوا لباسا خاصا إلا لحرصه عليهم من أن يصيبهم مكروه ولو خطئا، لأن المسلمين مطالبون بفرائض وواجبات عليهم أن يؤدوها، ولم يكن هناك ما يحدد الهوية فإن لم يتميز الأشخاص بملابسهم وهيآتهم لوقع اللبس، كمن يقف مثلا خارج المسجد والصلاة تصلى وهو يلبس ملابس المسلمين فلا شك أن ذلك يوجب المساءلة والاتهام أما إذا كان يلبس ملابس أهل الذمة فلا يتهم١ ويمكن أن يكون ذلك من باب التصغير لهم والتحقير لعلهم يسلمون أو يبقوا مكسورين والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: البورنو قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبد العزيز ص٥٥٢.
[ ٢ / ٨٤١ ]
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه
١- وبعد: فقد تناولنا من خلال التمهيد والأبواب الثلاثة المتقدمة الآثار الواردة عن عمر في العقيدة، فكان التمهيد مخصصا بالتعريفات؛ تعريف مفردات عنوان الرسالة، وتعريف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وتبين منها أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قد ولد بالمدينة النبوية عام ٦١هـ ونشأ وتربى فيها وأخذ عن علمائها وفقهائها السبعة وبذل جهدًا كبيرًا في تدوين السنة وإحيائها، وإماتة البدع، ومحو آثارها. وقد أُمِّر على المدينة، وحمدت سيرته، وجعل بطانته العلماء الأبرار ثم نحي عنها وسافر إلى الشام ثم ولي الخلافة وكان رحمه الله تعالى صاحب فضائل جمة، ومناقب مشهورة، وتوجد مبالغات في بعض ما ينسب له من الفضائل. وقد تأثر بجده عمر بن الخطاب ﵁ واقتدى بسيرته في الحكم، ويكاد علماء السلف يجمعون على أنه هو المجدد للقرن الأول، وقد سخر ولايته لخدمة السنة، والعقيدة الصحيحة، وبذل جهدًا كبيرًا وكتب رسائل عديدة طويلة كتبها إلى عماله في ذلك، وقد كانت وفاته خسارة فادحة للمسلمين في عام ١٠١هـ في أخريات رجب عن أربعين عاما على أصح الأقوال.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
٢- وكان ﵀ على طريقة السلف الصالح في الحرص على الدعاء والاهتمام بآدابه، وشروطه والنهي عن الابتداع فيه، وكان يرى جواز التبرك بمقتنيات الرسول ﷺ فقط.
٣- وتبين من خلال الآثار المنقولة عنه حرصه الشديد على إظهار الشكر لله تعالى وتوسطه بين الخوف والرجاء، وكان ينهى عن التطير ويأمر بالتوكل ويأخذ بالأسباب المباحة كما كان ينهى عن اتخاذ القبور مساجد. ويأمر بقتل الساحر إذا ثبت سحره.
٤- إن عمر رحمه الله تعالى كان على منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأنها توقيفية، وأزلية.
٥- وكان عمر رحمه الله تعالى على طريقة السلف في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل وخصائص النبي ﷺ وفضائل أصحابه، وحقوق أهل بيته.
٦- وتبين من خلال الآثار الواردة عنه الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وأنهما على الروح، والجسد معًا. كما تبين منها الإيمان بالمعاد، والحوض، والميزان، والصراط، والجنة والنار، ورؤية المؤمنين ربهم في الجنة.
٧- وكان يحرص على إيضاح مسائل الإيمان بالقدر وذكر أركانه، ويزجر عن الخوض فيه بالعقل المجرد، ويحث على التسليم لما قضى الله وقدر.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
٨- وقد تبين من تلك الآثار موقف عمر من زيادة الإيمان ونقصانه، وكونه يشمل الأعمال، والأقوال، والاعتقادات، وموقفه من مرتكب الكبيرة، وتكفير المعين، ولعنه، والحكم عليه أوله بالجنة أو النار، وبيان بعض نوا قض الإيمان كالردة، وإنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة وغيرهما. وأنه كان في كل ذلك على نهج السلف.
٩- وتبين أن الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة، وتجريد المتابعة للنبي ﷺ والحض على لزوم السنة، والذب عنها والتمسك بما تدل عليه أخبار الآحاد، وما تدل عليه الفطرة من منهج عمر في العقيدة.
١٠- إن عمر كان يعتصم بسنة الخلفاء الراشدين، ويحذر من الأهواء كلها والبدع، وكان يبين سمات أهلها، ويحذر الناس من الاتصاف بها، ويحذر من الخصومات إذا كانت عن جهل أو في ما نهى الله ورسوله عنه أو كانت بباطل، ويحث على الجدال بالتي هي أحسن؛ كما جاء في القرآن، وقد كان رحمه الله تعالى مجتهدا في إيضاح الحق، عالمًا، عاملًا. وله مواقف مشهورة ومشكورة تجاه أهل الأهواء والبدع.
١١- إن موقف عمر رحمه الله تعالى من أهل البدع من الخوارج، والشيعة، والقدرية، والجهمية، والمرجئة وغيرهم من أهل الأهواء والبدع هو موقف السلف الصالح حيث ناظر الخوارج، وبين لهم خطأهم ثم حاربهم، وحذر الناس من مبادئ الشيعة، كما ناظر القدرية وسألهم عن علم الله تعالى فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا به كفروا، ثم بين له
[ ٢ / ٨٤٧ ]
خطأهم في فهم النصوص. ثم حكم عليهم، كما حكم على غيرهم من فرق الضلال، كالذين يعبدون الله بغير علم من الفرق الضالة.
١٢- إن موقفه من أهل الذمة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وعمل به السلف الصالح من الإحسان إليهم، وعدم إرهاقهم عنتا، وتسليفهم ما يحتاجون إليه من مال، وإنفاذ ما تصدقوا به على ذويهم، وحثهم على الدخول في الإسلام ماديا، ومعنويا، وغير ذلك من الإحسان إليهم. وأن هذا كان له تأثير عظيم في نفوس أهل الذمة ودخولهم في الإسلام.
هذا ما تيسر التنبيه عليه حيث اكتفيت بذكر أهم ما ينبغي الوقوف عليه من الآثار الواردة عن هذا الخليفة العابد، الزاهد، وأرجو الله ﷿ أن أكون قد أسهمت إسهاما نافعا في بيان هذا الجانب من حياة عمر بن عبد العزيز. والكمال لله تعالى.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
مصادر ومراجع
فهرس المصادر والمراجع
المصادر المخطوطة
القدر للفريابي مخطوط بالجامعة الإسلامية برقم (٢٥٧٠) .
تاريخ دمشق لابن عساكر مخطوط بالجامعة الإسلامية جـ ١٣، وجـ ١٩.
المصادر المطبوعة
الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد من كتاب سير أعلام النبلاء إعداد الدكتور جمال بادي بن أحمد بشير ط. دار الوطن الرياض ط. الأولى عام ١٤١٦هـ.
آداب الشافعي ومناقبه للإمام الجليل عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة ط. الثانية عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.
أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز ﵀ وسيرته للآجري تحقيق الدكتور عبد الله عبد الرحيم عسيلان، الطبعة الثانية عام ١٤١٢هـ - ١٩٨٢م.
أخبار الآحاد في الحديث النبوي حجيتها مفادها والعمل بموجبها للشيخ عبد الرحمن بن جبرين ط. دار عالم الفوائد عام ١٤١٦هـ
[ ٢ / ٩٠٩ ]
الأخلاق المتبولية لعبد الوهاب الشعراني تحقيق د/منيع عبد الحليم محمود ط. دار التراث العربي القاهرة. عام ١٩٧٤م.
الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار ﷺ للنووي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
الأسماء الحسنى معانيها وآثارها رسالة دكتوراه لم تنشر بعد للدكتور رفيع اوَّنْلا النجيري حفظه الله.
أصول الدين لعبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي ط. دار المدينة للطباعة والنشر بيروت وطبعة مدرسة الإلهيات بدار الفنون التركية باستانبول ط، الأولى عام ١٣٤٦هـ ١٩٢٨م استانبول.
الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني تحقيق إبراهيم الأبياري ط. دار الشعب مصر عام ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م.
الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا ط. دار الكتب العلمية ط. الأولى عام ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م بيروت لبنان.
الأهواء والفرق والبدع عبر تاريخ الإسلام مسيرة ركب الشيطان النشأة والأسباب تأليف د/ناصر عبد الكريم العقل ط. دار الوطن الرياض ط. الثانية عام ١٤١٧
[ ٢ / ٩١٠ ]
الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لابن بطة العكبري تحقيق ودراسة رضا بن نعسان معطي ط. دار الراية الرياض ط. الثانية عام ١٩٩٤م - ١٤١٥هـ.
الإبانة لابن بطة كتاب القدر الثاني تحقيق ودراسة د/عثمان عبد الله الأثيوبي ط. دار الراية الرياض عام ١٤١٥هـ.
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل تأليف محمد ناصر الدين الألباني ط. المكتب الإسلامي ط. الأولى عام ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م بيروت ودمشق.
الاعتصام للشاطبي ضبطه وصححه الأستاذ أحمد عبد الشافي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الثانية عام ١٤١١هـ - ١٩٩١م.
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن قيم الجوزية ط. دار المعرفة بيروت لبنان.
الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به للباقلاني تحقيق عماد الدين أحمد حيدر ط. عالم الكتب بيروت عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م. ط. الأولى.
الإيمان أركانه، حقيقته، نواقضه للدكتور محمد نعيم ياسين ط. الأولى عام ١٣٩٨هـ.
الإيمان بالقضاء والقدر تأليف محمد بن إبراهيم الحمد ط. دار الوطن ط. الثانية عام ١٤١٦هـ.
[ ٢ / ٩١١ ]
الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية خرج أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني ط. المكتب الإسلامي بيروت لبنان عام ط. الثانية عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
اشتقاق أسماء الله الحسنى لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي تحقيق الدكتور عبد الحسين المبارك ط. مؤسسة الرسالة بيروت ط. الثانية عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.
الاعتصام للشاطبي ط. دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان.
الاعتقاد على مذهب السلف وأهل السنة والجماعة للبيهقي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.
الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.
الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي تحقيق سيف الدين أحمد الكاتب ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الثانية عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.
باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل لأحمد بن يحيى بن المرتضى اعتنى بتصحيحه توماارنلد ط. دار صادر بيروت عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن عام ١٣١٦هـ.
[ ٢ / ٩١٢ ]
الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير الدمشقي تأليف أحمد محمد شاكر ط. دار الفكر.
بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ضبط نصه وخرج آياته أحمد عبد السلام مكتبة الباز ط. الأولى عام ١٤١٤هـ ١٩٩٤م دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
البداية والنهاية لابن كثير ط. الأولى عام ١٣٥١هـ - ١٩٣٣م ط. دار الفكر العربي الجزرة جـ، م، ع.
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة لأبي الوليد ابن رشد القرطبي وضمنه المستخرجة من الاسمعة المعروفة بالعتبية لمحمد العتبي القرطبي تحقيق الدكتور محمد حجي ط. دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. ط. الثانية.
البيهقي وموقفه من الإلهيات للشيخ الدكتور أحمد بن عطية الغامدي ط. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية عام ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م ط. الثانية.
تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ط. دار الكتاب العربي بيروت لبنان عن طبعة كردستان العلمية عام ١٣٢٦هـ.
[ ٢ / ٩١٣ ]
تاج العروس من جواهر القاموس تأليف السيد محمد مرتضى الزبيدي تحقيق عبد الستار أحمد فراج بإشراف إبراهيم الترزي ط. دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان عام ١٣٨٥هـ - ١٩٦٥م.
تاريخ أبي زرعة الدمشقي تحقيق شكر الله نعمة الله القوجاني مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.
تاريخ أبي زرعة الدمشقي وضع حواشيه خليل المنصور ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م ط. الأولى.
تاريخ الإسلام للذهبي تحقيق د/بشار عواد معروف والشيخ شعيب الأرناؤوط ود/ مهدي عباس ط. مؤسسة الرسالة ط. الأولى عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
تاريخ الخلفاء للسيوطي تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ط. الأولى مطبعة السعادة بمصر عام ١٣٧١هـ - ١٩٥٢م.
تاريخ الخلفاء للسيوطي ط. مطبعة الفجالة الجديدة الرابعة عام ١٣٨٩هـ.
تاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط. دار المعارف بمصر عام ١٩٦٤م.
تاريخ الموصل للشيخ أبي زكريا يزيد بن محمد الأزدي تحقيق د/ علي حبيبة ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر القاهرة عام ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م.
[ ٢ / ٩١٤ ]
تاريخ اليعقوبي ط. دار صادر بيروت لبنان عام ١٣٧٩هـ - ١٩٦٠م.
تاريخ بغداد أو مدينة السلام للحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي الناشر دار الكتاب العربي بيروت لبنان.
تاريخ خليفة بن خياط العصفري ط. مكتبة دار الكتب العلمية تحقيق د/ مصطفى نجيب ود/ حكمت فواز.
تاريخ داريا للقاضي عبد الجبار الخولاني حققه وقدم له سعيد الأفغاني ط. دار الفكر دمشق تصوير عام ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م.
تاريخ قضاة مصر ومعه تسمية قضاتها لأبي عمر محمد بن يوسف الكندي المصري ط. مؤسسة الكتب الثقافية بيروت ط. الأولى عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
تاريخ مدينة دمشق تصنيف الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المعروف بابن عساكر دراسة وتحقيق محب الدين أبي سعيد عمر غرامة العمروي ط. دار الفكر ط. الأولى عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.
التبرك أنواعه وأحكامه تأليف الدكتور ناصر عبد الرحمن بن محمد الجديع الناشر مكتبة الرشد الرياض عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م الطبعة الثالثة.
التبرك المشروع والممنوع للدكتور علي بن نفيع العلياني ط دار الوطن للنشر الرياض ط. الأولى عام ١٤١١هـ.
[ ٢ / ٩١٥ ]
التجانية لعلي بن محمد الدخيل الله ط. دار طيبة الرياض عام ١٤٠١هـ.
تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان لمرعي الحنبلي المقدسي تحقيق د/سليمان صالح الخزي، ط. الأولى مطبعة المدني القاهرة عام ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.
التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار لابن رجب الحنبلي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٣م ط. الأولى
تذكرة الحفاظ للذهبي ط. دار إحياء التراث العربي.
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الثانية عام ١٤٠٧م - ١٩٨٧م.
تفسير أسماء الله الحسنى إملاء أبي إسحاق إبراهيم السري الزجاج تحقيق أحمد يوسف الدقاق ط. دار الثقافية العربية دمشق ط. الخامسة ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.
تفسير الطبري المسمى جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ط. دار المكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.
تفسير القرآن الجليل للنسفي ط. المكتبة الأموية -دمشق- مكتبة الغزالي – حماة - مؤسسة الرسالة.
[ ٢ / ٩١٦ ]
تفسير القرآن العظيم لابن كثير الدمشقي ط. مكتبة دار التراث القاهرة ٢٢ شارع الجمهورية.
التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي ط. دار إحياء التراث العربي بيروت.
تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني قدم له دراسة وافية وقابله محمد عوامة ط. دار الرشيد سوريا حلب ط. الرابعة عام ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م
التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد لابن نقطة ط. دار الحديث عام ١٤٠٧هـ ١٩٨٦م بيروت لبنان.
التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح ط. دار الفكر.
تلبيس إبليس لابن الجوزي دراسة وتحقيق الدكتور السيد الجميلي ط. دار الريان للتراث ودار المعارف.
التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة للسيوطي ط. دار الثقة للنشر والتوزيع عام ١٤١٠هـ ١٩٩٠م. مكة المكرمة تحقيق عبد الحميد شاحونة.
تنبيه أولى الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار تأليف الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي ط. الأولى عام ١٤١٠هـ - ١٩٨٩م الناشر دار ابن حزم الرياض
[ ٢ / ٩١٧ ]
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي تحقيق يمان بن سعد الدين المياديني ط. رمادي للنشر ط. الأولى عام ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م الدمام.
تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك للسيوطي ط. المكتبة الثقافية بيروت لبنان عام ١٩٨٤م.
تهذيب الأسماء واللغات للنووي طبعة دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني تحقيق وتعليق مصطفى عبد القادر عطا ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.
تهذيب الكمال في أسماء الرجال لجمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي تحقيق بشار عواد معروف ط. مؤسسة الرسالة بيروت لبنان ط. الثانية عام ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.
تهذيب اللغة للأزهري محمد بن أحمد ط. دار الكتاب العربي عام ١٩٦٧م.
توحيد الألوهية أساس الإسلام للشيخ حامد عبد القادر الأحمدي مطبوع على الآلة الكاتبة.
[ ٢ / ٩١٨ ]
تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد تأليف الشيخ سليمان ابن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ ط. المكتب الإسلامي بيروت عام ١٣٩٠هـ - ١٩٧٠م.
الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي بتحقيق وشرح أحمد شاكر ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم لابن رجب الحنبلي تحقيق الدكتور يوسف البقاعي ط. المكتبة العصرية صيدا بيروت ط. الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ط. دار الكتب المصرية القاهرة عام ١٣٧٢هـ- ١٩٥٢م.
الجرح والتعديل لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عن طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند الطبعة الأولى.
جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن قيم الجوزية ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.
الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه تأليف عبد الرزاق بن طاهر ط. دار الوطن الرياض ط. الأولى عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.
الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي المسمى الداء والدواء لابن قيم الجوزية ط دار الفكر بيروت لبنان.
[ ٢ / ٩١٩ ]
جواهر المعاني في فيض أبي العباس التجاني تأليف علي حرازم برادة مطبعة الحلبي عام ١٩٦٣م.
حجة القراءات لأبي زرعة عبد الرحمن بن زنجلة تحقيق وتعليق سعيد الأفغاني ط. الثانية عام ١٣٩٩هـ ١٩٧٩م مؤسسة الرسالة بيروت.
الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة لقوام السنة إسماعيل ابن محمد التيمي الأصبهاني تحقيق الشيخ الدكتور محمد ربيع المدخلي ومحمد محمود أبو رحيم ط. دار الراية الرياض ط. الأولى عام ١٤١١هـ - ١٩٩٠م.
الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ط. الدار السلفية.
حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا دراسة وتحقيق عبد الحميد شانوحة ط. مؤسسة الكتب الثقافية ط. الأولى عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م بيروت.
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ط. دار الكتاب العربي ط. الرابعة عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.
الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار للشيخ الدكتور غالب بن علي العواجي ط. دار لينة دمنهور مصر عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م. ط. الأولى
[ ٢ / ٩٢٠ ]
خامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز تأليف عبد الرحمن الشرقاوي ط. دار الكتاب العربي بيروت ط. الأولى عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز تأليف عبد العزيز سيد الأهل ط. دار العلم للملايين بيروت ط. السادسة ١٩٧٩م.
درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ط. الأولى عام ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م.
الدرر السنية في الأجوبة النجدية -جمعها عبد الرحمن بن قاسم العاصمي القحطاني النجدي/ الطبعة الثانية عام ١٣٨٥هـ - ١٩٦٥م المكتب الإسلامي بيروت لبنان.
الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية تأليف جيلان بن خضر العروسي ط. مكتبة الرشد الرياض عام ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م.
الدين الخالص تأليف السيد محمد صديق حسن خان القنوجي / مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر القاهرة.
ذم الدنيا لابن أبي الدنيا دراسة وتحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا مؤسسة الكتب الثقافية بيروت عام ط. الأولى عام١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.
ذم الملاهي لابن أبي الدنيا تحقيق ودراسة عبد المنعم سليم ط. الأولى عام ١٤١٦هـ ط. مكتبة ابن تيمية القاهرة.
[ ٢ / ٩٢١ ]
الرد على الجهمية تأليف عثمان بن سعيد الدارمي تحقيق بدر البدر ط. الدار السلفية ط. الأولى عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م الصفاة الكويت.
الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل تحقيق وتعليق الدكتور عبد الرحمن عميرة ط. دار اللواء ط. الثانية عام ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م الرياض.
الرد على المخالف ضمن مجلد الردود للشيخ الدكتور بكر عبد الله أبو زيد ط. دار العاصمة للنشر والتوزيع الرياض عام ١٤١٤هـ.
الرضا عن الله بقضائه والتسليم بأمره تأليف أبي بكر عبد الله بن محمد القرشي المعروف بابن أبي الدنيا دراسة وتحقيق عبد القادر عطا ط. مؤسسة الكتب الثقافية بيروت ط. الأولى عام١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.
الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا تحقيق محمد خير رمضان يوسف ط. مكتبة العبيكان الرياض عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م ط. الأولى.
الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا تحقيق وتعليق مسعد عبد الحميد محمد السعدني ط. مكتبة القرآن القاهرة.
رماح حزب الرحيم علي نحور حزب الرجيم لعمر بن سعيد الفوتى القاهرة مطبعة الحلبي عام ١٩٦٣م بحاشية جواهر المعاني.
الروح لابن القيم ط. دار الكتاب العربي تحقيق ودراسة الدكتور السيد الجميلي ط. الثالثة عام ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م بيروت لبنان.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
الزهد للإمام أحمد بن حنبل دراسة وتحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول ط. دار الكتاب العربي ط. الأولى عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م. بيروت لبنان.
الزهد لهناد بن السرى الكوفي حققه وخرج أحاديثه عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي ط. دار الخلفاء للكتاب الإسلامي ط. الأولى عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٥م الكويت.
الزهر النضر في نبإ الخضر لابن حجر الحافظ شرحه وعلق عليه سمير حسين حلبي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م ط. الأولى.
زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه بقلم الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد ط. مكتبة دار العلم والكتاب ط. الأولى ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م الرياض.
سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ط. الأولى المكتب الإسلامي بيروت.
السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل تحقيق ودراسة الدكتور محمد سعيد سالم القحطاني ط. رمادي للنشر الدمام ط. الثالثة عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
سنن أبي داود للحافظ المصنف أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي ط. دار الحديث حمص سورية ط. الأولى عام ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م اعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس.
سنن أبي داود تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ط. المكتبة العصرية صيدا بيروت.
سنن ابن ماجة للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ط. دار الريان للتراث حقق نصوصه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي.
سنن الدارمي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
سنن النسائي للحافظ أحمد بن شعيب النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي ط. دار الفكر ط. الأولى عام ١٣٤٨هـ - ١٩٣٠م.
السنن للشافعي تحقيق الدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر ط. دار القبلة للثقافة جدة عام ١٤٠٩هـ.
سير أعلام النبلاء للذهبي ط. مؤسسة الرسالة بيروت ط. السابعة عام ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.
سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه تأليف أبي محمد عبد الله بن عبد الحكم، تحقيق أحمد عبيد ط. دار عالم الكتب ط. السادسة عام ١٤٠٤هـ - ١٩٩٤م. وطبعة
[ ٢ / ٩٢٤ ]
مكتبة وهبة عام ١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م وط. دار الفضيلة بمراجعة وتعليق أحمد عبد التواب عوض.
سيرة عمر بن عبد العزيز لعبد الرحمن بن الجوزي ط. مكتبة دار التراث تحقيق أحمد شوحان
سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ضبطه وشرحه وعلق عليه الأستاذ نعيم زرزور ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م.
شأن الدعاء لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي الحافظ تحقيق أحمد يوسف الدقاق ط. دار الثقافية العربية دمشق الطبعة الثالثة عام ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.
شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة للشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني ط. الرابعة ١٤١٥هـ.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان الغامدي ط. دار طيبة الرياض ط. الثالثة عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.
شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار الهمذاني تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان الناشر مكتبة وهبة عام ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م.
شرح السنة لمحي السنة البغوي تحقيق شعيب الأرناؤوط ط. المكتب الإسلامي بيروت ط. الأولى عام ١٣٩٠هـ - ١٩٧١م.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
شرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق: حسين محمد مخلوف الناشر: دار الكتب الإسلامية.
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي الدمشقي تحقيق الدكتور عبد الله عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة ط. السادسة عام ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م. بيروت.
شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية تأليف الشيخ الدكتور صالح بن فوزان عبد الله الفوزان ط. مكتبة المعارف الطبعة السادسة عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.
شرح المقاصد لمسعود بن عمر الشهير بسعد الدين التفتازاني تحقيق وتعليق الدكتور عبد الرحمن عميرة ط. دار عالم الكتب بيروت ط. الأولى عام ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.
شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم اللقاني المسماة تحفة المريد لإبراهيم بن محمد البيجوري ط. دار الكتب العملية ط. الأولى ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م بيروت لبنان.
شرح حديث النزول لشيخ الإسلام ابن تيمية منشورات المكتب الإسلامي ط. السادسة عام ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م.
شرح ديوان كثير عزة تحقيق الدكتور رحاب عكاوي ط. دار الفكر العربي بيروت ط. الأولى عام ١٩٩٦م.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
الشريعة للآجري تحقيق الوليد بن محمد بن نبيه سيف النصر، طبعة مؤسسة قرطبة الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.
الشريعة للآجري تحقيق محمد حامد الفقي الطبعة الأولى ١٣٦٩هـ - ١٩٥٠م. مطبعة السنة المحمدية بمصر.
شعب الإيمان للإمام البيهقي تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول ط. دار الكتب العلمية ط. الأولى عام ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ط. دار التراث القاهرة.
الشكر لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد القرشي تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول.
الشمائل المحمدية للترمذي تعليق وإشراف عزت عبيد الدعاس ط. دار الحديث بيروت لبنان ط. الثالثة عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية ط. دار الكتب العلمية تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد عام ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م. بيروت لبنان.
الصحاح تاج اللغة العربية تأليف إسماعيل بن حماد الجوهري تحقيق أحمد عبد الغفور عطا ط. دار العلم للملايين بيروت لبنان عام ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م ط. الثالثة.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
صحيح الجامع الصغير محمد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي.
صحيح سنن أبي داود باختصار السند صحح أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت ط. الأولى عام ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.
صحيح سنن ابن ماجة باختصار السند تأليف محمد ناصر الدين الألباني ط. الثالثة ط. المكتب الإسلامي بيروت عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
صحيح سنن الترمذي باختصار السند بقلم محمد ناصر دالين الألباني ط. المكتب الإسلامي بيروت لبنان عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
صحيح سنن النسائي باختصار السند صحح أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني ط. المكتب الإسلامي ط. الأولى عام١٤٠٩هـ -١٩٨٩م.
صحيح مسلم بشرح النووي ط. دار الخير إعداد مجموعة أساتذة مختصين بإشراف علي عبد الحميد أبو الخير ط. الأولى عام ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م دار الخير دمشق وبيروت.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه للشيخ الدكتور محمد أمان الجامي ط. الجامعة الإسلامية عام ١٤١٣هـ.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للسيوطي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي تحقيق محمود محمد الطناحي، وعبد الفتاح محمد الحلو. ط الأولى ط. عيسى البابي الحلبي وشركاه عام ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م.
الطبقات الكبرى لابن سعد القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم، دراسة وتحقيق زياد محمد منصور ط. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية ط. الأولى ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.
الطبقات الكبرى لابن سعد ط. دار الفكر ودار صادر بيروت.
العزلة والانفراد لابن أبي الدنيا تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان ط. دار الوطن ط. الأولى عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م الرياض.
العقد الفريد تأليف أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي شرحه وضبطه ورتب فهارسه، أحمد أمين، إبراهيم الابياري، عبد السلام هارون قدم له الدكتور عمر عبد السلام تدمري طبعة دار الكتاب العربي بيروت.
العقوبات لابن أبي الدنيا تحقيق محمد خير رمضان يوسف ط. دار ابن حزم بيروت لبنان عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م ط. الأولى.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام (تأليف الدكتور ناصر بن علي عائض حسن الشيخ ط. مكتبة الرشد ط. الثانية عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.
عقيدة الإمام ابن عبد البر في التوحيد والإيمان عرضا ونقدا تأليف سليمان بن صالح عبد العزيز الغصن ط. دار العاصمة الرياض ط. الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.
عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني حققها وخرج أحاديثها نبيل بن سابق السبكي ط. الأولى عام ١٤١٣هـ دار طيبة الرياض.
العقيدة في الله للدكتور عمر سليمان الأشقر ط. مكتبة الفلاح ط. الخامسة عام ١٩٨٤م الكويت.
العلو للعلي الغفار للذهبي ضبط وتقديم وتحليل عبد الرحمن محمد عثمان ط. دار الفكر ط. الثانية عام ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م.
عمر بن عبد العزيز تأليف أحمد الحناوي ط. دار الصحابة للتراث بطنطا ط. الأولى عام ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.
عمر بن عبد العزيز تأليف أحمد زكي صفوت ط. دار المعارف بمصر ط. الثالثة عام ١٩٦٦م القاهرة.
عمر بن عبد العزيز تأليف محمود زيدان ومراجعة أحمد حطيط ط. دار الفكر اللباني، ط. الأولى عام ١٩٩٢م بيروت لبنان.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
عمر بن عبد العزيز وتجربته الرائدة في الإصلاح إعداد مركز البحوث بالمجموعة الإعلامية إشراف نبيل بدران ط. طائر العلم للنشر والتوزيع ط. الأولى عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.
عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم تأليف ماجدة فيصل زكريا ط. مكتبة الطالب الجامعي مكة المكرمة.
عوارف المعارف لعمر بن سعيد محمد السهروردي بيروت ط. دار الكتاب العربي ط. الثانية عام ١٤٠٣هـ.
عون المعبود شرح سنن أبي داود ضبط وتحقيق عبد الرحمان عثمان الناشر المكتبة السلفية بالمدنية النبوية ط. الثانية عام ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م.
فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني ط. دار المعرفة بيروت لبنان.
فتح البيان في مقاصد القرآن تأليف محمد صديق خان مطبعة العاصمة القاهرة.
الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ومعه كتاب بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني كلاهما تأليف أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي ط. الأولى دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان.
[ ٢ / ٩٣١ ]
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد تأليف الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بتحقيق محمد حامد الفقي ط. مكتبة السنة المحمدية ط. السابعة عام ١٣٧٧هـ - ١٩٥٧م.
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للسخاوي تحقيق وتعليق الشيخ علي حسن ط. إدارة البحوث الإسلامية بالجامعة السلفية ببنارس الهند ط. الأولى عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ط. الرابعة عام ١٤٠١هـ المطبعة السلفية القاهرة.
الفرق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.
فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام ومدى موقف الإسلام منها إعداد الشيخ الدكتور غالب بن علي العواجي ط. دار لينة مصر عام ١٤١٤هـ
الفروق لشهاب الدين القرافي المالكي ط. دار عالم الكتب بيروت.
الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهري ط. دار المعرفة بيروت لبنان عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.
فضل الصلاة على النبي ﷺ تأليف الإمام إسماعيل بن إسحاق الجهضمي تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ط. المكتب الإسلامي بيروت ط. الثالثة عام ١٣٩٧هـ - ١٩٧٧م.
[ ٢ / ٩٣٢ ]
فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها للدكتور أحمد سعد حمدان الغامدي ط. الأولى ط. دار طيبة الرياض عام ١٤١٥هـ.
الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠م ط. الثانية.
قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبد العزيز تأليف محمد صدقي البورنو الغزي ط. مكتبة المعارف الرياض ط. الأولى عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م.
قصر الأمل لابن أبي الدنيا تحقيق محمد خير رمضان يوسف ط. دار ابن حزم ط. الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م بيروت لبنان.
القضاء والقدر تأليف أبي الوفاء محمد درويش ط. دار القاسم ط. الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٥ م الرياض.
القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه تأليف الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود ط. دار النشر الدولي الرياض ط. الأولى عام ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م.
القضاء والقدر والرد على من يحتج بالقدر للبيهقي تحقيق أبي الفداء الأثري ط. مكتبة السنة ط. الأولى عام ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م مصر.
القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للشيخ محمد الصالح العثيمين ط. دار عالم الكتب ط. الأولى عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.
[ ٢ / ٩٣٣ ]
القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ تأليف الشيخ حمود بن عبد الله بن حمود التويجري ط. دار الصميعي ط. الأولى عام ١٤١٤هـ الرياض.
كتاب إخبار وحكايات تأليف أبي الحسن محمد بن الفيض الغساني عني بتحقيقه إبراهيم صالح ط. دار البشائر ط. الأولى عام ١٩٩٤م.
كتاب الأزمنة والأمكنة لأحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني ضبطه وخرج أحاديثه خليل المنصور ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.
كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ط. دار الكتب العلمية عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م بيروت لبنان.
كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلاّم تحقيق وتعليق محمد خليل هراس ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م ط. الأولى.
كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لإمام الحرمين عبد الملك الجويني تحقيق أسعد تميم ط. مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م الأولى.
كتاب الإيمان لابن أبي شيبة تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ط. المكتب الإسلامي ط. الثانية عام ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م بيروت لبنان.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمالاته ودرجاته لأبي عبيد القاسم بن سلام تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ط. المكتب الإسلامي بيروت ط. الثانية عام ١٤١٣هـ - ١٩٨٣م.
كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿ للحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة راجعه وعلق عليه محمد خليل هراس ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م.
كتاب الثقات للحافظ محمد بن حبان البستي التميمي ط. مؤسسة الكتب الثقافية ط. الأولى عام ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م حيدر آباد الدكن الهند.
كتاب الجامع لابن أبي زيد القيرواني تحقيق محمد أبو الاجفان وعثمان بطيخ ط. مؤسسة الرسالة ومؤسسة الكتب العتيقة تونس ط. الثالثة عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٥م. بيروت وتونس
الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز الخليفة الخائف الخاشع تأليف الإمام أبي حفص عمر بن محمد الخضر المعروف بالملاّء تحقيق وتعليق الشيخ الدكتور صدقي البورنو ط. مؤسسة الرسالة بيروت ط. الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
كتاب الحوادث والبدع لابي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي طبعه وعلق عليه على بن حسن بن علي عبد الحميد الحلبي الأثري ط. دار ابن الجوزي الدمام ط. الثانية عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.
كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ط. دار المعرفة بيروت لبنان عن طبعة بولاق عام ١٣٠٢هـ.
كتاب السنة للحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة بقلم محمد ناصر الدين الألباني الطبعة الثانية ط. المكتب الإسلامي عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م بيروت.
كتاب القدر للفريابي تحقيق عبد الله بن أحمد المنصور الطبعة الأولى عام ١٤١٨هـ ١٩٩٧م مطبعة أضواء السلف الرياض.
كتاب القدر وما ورد في ذلك من الآثار لعبد الله بن وهب القرشي تحقيق ودراسة وتخريج د/ عبد العزيز عبد الرحمن العثيم ط. دار السلطان للنشر والتوزيع ط. الأولى عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.
كتاب المحتضرين لابن أبي الدنيا تحقيق محمد خير رمضان يوسف ط. دار ابن حزم بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.
كتاب المنامات لابن أبي الدنيا دراسة وتحقيق عبد القادر أحمد عطا ط. مؤسسة الكتب الثقافية بيروت ط. الأولى عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.
كتاب الورع لابن أبي الدنيا تحقيق وتعليق محمد حمد الحمود ط. الدار السلفية ط. الأولى عام ١٩٨٨م - ١٤٠٨هـ الكويت.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني تحقيق عماد الدين حيدر ط. مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان ط. الثالثة عام ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م.
كتاب جمل من أنساب الأشراف صنفه الإمام أحمد بن يحيى البلاذري تحقيق د/ سهيل زكار، ود/ رياض زركلي ط. دار الفكر ط. الأولى عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م بيروت لبنان.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري ط. دار المعرفة بيروت لبنان بدون تاريخ الطبع.
لسان العرب لابن منظور محمد بن مكرم الأفريقي المصري ط. دار صادر بيروت لبنان.
لسان الميزان للحافظ ابن حجر ط. دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م، ومنشورات الأعلمي للمطبوعات الثانية عام ١٩٧١م ١٣٩٠هـ.
لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة لعبد الملك الجويني إمام الحرمين تقديم وتحقيق د/فوقية حسين محمود ط. دار عالم الكتب د. الثانية عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
اللمع لأبي نصر السراج الطوسي تحقيق عبد الحليم محمود وغيره القاهرة دار الكتب الحديثة عام ١٩٦٠م.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
لوامع الأنوار البهية وسواطع الاسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية تأليف العلامة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني ط. المكتب الإسلامي بيروت عام ط. الثانية عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.
ما جاء في البدع لمحمد بن وضاح القرطبي تحقيق بدر البدر ط. دار الصميعي الرياض ط. الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.
متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار المعتزلي الهمذاني تحقيق الدكتور عدنان زرزور دار التراث عام ١٩٦٩م القاهرة.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي الطبعة الثانية ١٩٦٧م - دار الكتاب العربي- لبنان.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي وساعد ابنه محمد وفقه الله.
مجموعة الرسائل الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ط. دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان.
مجموعة الرسائل والمسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.
المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي ط. دار الفكر بيروت عام ١٣٩١هـ.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز لابن عطية القاضي عبد الحق الأندلسي تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م ط. الأولى.
المحلى بالآثار لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي ط. إدارة الطباعة المنيرية بتحقيق محمد منير الدمشقي عام ١٣٥٢هـ مصر.
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم واختصار محمد الموصلي ط. دار الندوة الجديدة بيروت لبنان عام ١٩٨٤م - ١٤٠٥هـ.
مدارج السالكين لابن القيم ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الثانية عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة تأليف الدكتور إبراهيم بن محمد البريكان ط. دار السنة الخبر ط. الثالثة عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.
مروج الذهب ومعادن الجوهر لعلي بن الحسين المسعودي ط. دار الكتاب اللبناني بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م.
المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين تأليف الدكتور محمد العروسي عبد القادر ط. دار حافظ للنشر والتوزيع جدة ط. الأولى عام ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة تأليف الدكتور عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمدي ط. دار طيبة ط. الثانية عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.
مسند أبي بكر الصديق لأبي بكر المروزي ط. المكتب الإسلامي.
مسند أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز للباغندي أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي خرج أحاديثه وعلق عليه محمد عوَّامة ط. مكتبة دار الدعوة سورية حلب، عام ١٣٩٧هـ الطبعة الأولى.
مسند الإمام أحمد بن حنبل وبهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ط. المكتب الإسلامي ط. الثانية عام ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م.
مشاهير علماء الأمصار لابن حبان البستي عني بتصحيحه فلايشهر ط. دار الكتب العلمية.
المصنف في الأحاديث والآثار للحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام ط. دار الفكر ط. الأولى عام ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.
المصنف للحافظ الكبير عبد الرزاق بن همام الصنعاني تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي منشورات المجلس العلمي ٣٩.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان لعبد الرحمن بن محمد الأنصاري الأسيدي الدباغ تصحيح وتعليق إبراهيم شبوح ط. الثانية عام ١٣٨٨هـ مطبعة السنة المحمدية مصر.
معجم البلدان لياقوت الحموي ط. دار الفكر ودار صادر بيروت ط. الثانية عام ١٩٩٥م.
المعجم الكبير للطبراني تحقيق حمدي عبد المجيد ط. الأولى ١٩٨٠م مطبعة الوطن العربي - بغداد.
المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين مكتبة بريل ليدن عام ١٩٣٦م.
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وضعه محمد فؤاد عبد الباقي ط. دار الفكر عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
معجم المناهي اللفظية للشيخ الدكتور بكر عبد الله أبو زيد ط. دار ابن الجوزي الدمام عام ١٤١٠هـ.
المعجم الوسيط قام بإخراجه إبراهيم مصطفى وحامد عبد القادر، وأحمد حسن الزيادة، ومحمد علي النجار، ط. دار الدعوة استانبول تركيا عام ١٤١٠هـ - ١٩٨٩م.
معجم مقاييس اللغة لابن الحسين أحمد بن فارس بن زكريا تحقيق عبد السلام محمد هارون طبعة دار الجيل بيروت الطبعة الأولى عام ١٤١١هـ - ١٩٩١م.
[ ٢ / ٩٤١ ]
معرفة السنن والآثار عن الإمام الشافعي للبيهقي تحقيق سيد كسروى حسن ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.
معرفة السنن والآثار لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي دارالوعي ط. الأولى القاهرة عام ١٤١٢هـ - ١٩٩١م.
المعرفة والتاريخ للبسوي تحقيق الدكتور أكرم العمري ط. مكتبة الدار بالمدينة ط. الأولى عام ١٤١٠هـ.
مفتاح دار السعادة تأليف ابن قيم الجوزية شمس الدين ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
مفردات القرآن للراغب الأصفهاني تحقيق نديم مرعشلي ط. دار الفكر- دار الكتاب العربي بيروت عام ١٣٩٢هـ.
مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ط. الثانية عام ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م.
المقتنى في سرد الكنى للذهبي تحقيق محمد صالح عبد العزيز المراد ط. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
مقدمات في الأهواء والافتراق والبدع، تأليف الدكتور ناصر عبد الكريم العقل ط. دار الوطن ط. الثانية عام ١٤١٥هـ الرياض.
[ ٢ / ٩٤٢ ]
مقدمة ابن خلدون للعلامة عبد الرحمن بن خلدون ط. مكتبة دار الباز ودار الكتب العلمية عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م بيروت لبنان.
المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى لأبي حامد الغزالي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا تحقيق مجدي السيد إبراهيم ط. مكتبة القرآن القاهرة عام ١٩٩٠م.
ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز ط. مؤسسة الرسالة ط. السابعة عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م بيروت لبنان.
الملل والنحل لمحمد عبد الكريم الشهرستاني صححه وعلق عليه الأستاذ أحمد فهمي محمد ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م ط. الأولى.
مناقب الشافعي للبيهقي أحمد بن الحسين ط. دار التراث عام ١٣٩١هـ.
منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى تأليف خالد عبد اللطيف بن محمد نور ط. مكتبة الغرباء الأثرية المدينة النبوية ط. الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.
[ ٢ / ٩٤٣ ]
منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان للشيخ الدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي ط. الأولى عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م.
منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ط. دار الفتح، الشارقة ط. الأولى عام ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م الإمارات العربية المتحدة.
المواقف في علم الكلام لعبد الرحمن الإيجي ط. دار عالم الكتب بيروت لبنان.
موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع تأليف الشيخ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي ط. مكتبة الغرباء الأثرية ط. الأولى عام ١٤١٥هـ المدينة النبوية.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي تحقيق علي محمد البجاوي ط. دار الفكر
نصب الراية لأحاديث الهداية للإمام الحافظ عبد الله بن يوسف الزيلعي ط. الثانية ط. المكتب الإسلامي دمشق وبيروت عام ١٣٩٣هـ.
النكت على ابن الصلاح لابن حجر تحقيق فضيلة الشيخ الدكتور ربيع المدخلي ط. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية ط. الأولى عام ١٤٠٤هـ.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير تحقيق محمود محمد الطناجي ط. الأولى عام ١٣٩٣هـ - ١٩٦٣م ط. دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه.
نواقض الإيمان القولية والعملية تأليف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ط. دار الوطن الرياض ط. الثانية عام ١٤١٥هـ.
هواتف الجان لابن أبي الدنيا تحقيق محمد الزغلي ط. المكتب الإسلامي ط، الأولى عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.
اليوم الآخر الجنة والنار للدكتور عمر سليمان الأشقر ط. دار النفائس الأردن ط. السادسة عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.
اليوم الآخر القيامة الكبرى للدكتور عمر سليمان الأشقر ط. دار النفائس الأردن ط. السادسة عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.
[ ٢ / ٩٤٥ ]