وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.
الفصل الثاني: الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.
الفصل الثالث: الآيات الواردة في الإيمان بالرسل.
الفصل الرابع: الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر.
الفصل الخامس: الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر.
[ ٣٥٤ ]
الفصل الأول: الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.
الفصل ١ الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف الملائكة.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في الملائكة.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في الإيمان بالملائكة.
[ ٣٥٥ ]
تمهيد في تعريف الملائكة:
الإيمان بالملائكة أصلٌ من أصول الاعتقاد، لا يتم إيمان العبد حتى يقر بهم، ويؤمن بوجودهم، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥، ويصَدِّق بكلِّ ما جاء به الوحي من أسمائهم وأوصافهم وأعمالهم، وأنهم خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه.
وكتاب الله مملوء من ذكرهم، بل لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحًا، أو تلويحًا، أو إشارة، وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، بل لم تخل جميع الديانات وكتبها من ذكر الملائكة؛ لأنه لا يؤمن أحد بوحي الله إلى رسله إلا ويؤمن بالملائكة الحاملة لهذه الرسالة، ولهذا كان الإيمان بالملائكة - ﵈ - أحد الأصول الستة التي هي أركان الإيمان (١).
لذا كان لهذا الفصل -الإيمان بالملائكة-تعلق واضح وصلة عميقة بجميع أركان الإيمان، فلا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة؛ لأنهم يبلغون وحي الله إلى خلقه.
قال ابن سعدي (٢) - ﵀ -: "الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة وقد وصفهم الله بأكمل الصفات" (٣).
ولذلك قُدم ذكر الملائكة على ذكر الكتاب والنبيين، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ البقرة: ١٧٧، فالملائكة هم الذين يأتون إلى الأنبياء بالكتب، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾
_________________
(١) ينظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٣١)، وشرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٣٧).
(٢) هو: العلامة الفقيه المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي، ولد ونشأ في عنيزة أحدى محافظات القصيم، واشتغل بالعلم حتى فاق الأقران، توفي - ﵀ - سنة (١٣٧٦ هـ)، وله مؤلفات عدة منها: تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن، والقواعد الحسان، وتيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، والقول السديد في شرح كتاب التوحيد. ينظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله البسام (٣/ ٢١٨)، الأعلام (٣/ ٣٤٠).
(٣) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن (ص ٢٩).
[ ٣٥٦ ]
الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥، فيلزم من إنكار الملائكة إنكار الوحي والنبوة، وذلك يستلزم إنكار اليوم الآخر (١).
وحقيقة الملائكة، وكيفية خلقهم، وتفصيلات أحوالهم؛ من عوالم الغيب التي استأثر الله - ﷿ - بها، -لذا فإن الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب الذي هو صفة من صفات المؤمنين المتقين كما قال سبحانه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ البقرة: ٢ - ٣، بل إن أركان الإيمان الستة كلُّها غيب-، ولا يمكن أن يُعلم الغيب إلا من طريق الوحي؛ لذلك انحصر طريق معرفتهم -﵈- في الوحيين الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج " (٢).
عليه فوجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه أدنى شك، ومن هنا كان إنكار وجودهم كفرًا بنص القرآن الكريم، فقد قال - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦ (٣).
لذلك فإن الإيمان بالملائكة وما يدخل تحته يكاد ألا يكون فيه موضع خلاف بين أهل السنة وغيرهم، فالقول فيه متفق عليه تماما بين غالبية الفرق المنتسبة للإِسلام، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون" (٤).
ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بالتعريف وبيان الأهمية.
أ-التعريف بالملائكة:
_________________
(١) ينظر: تفسير المنار، لمحمد رشيد بن علي رضا (٢/ ٩٢).
(٢) درء التعارض (٦/ ١٠٧).
(٣) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٥١)، و(٤) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، لابن تيمية (ص ٢٣٢).
[ ٣٥٧ ]
الملائكة: جمع مَلَك، قال ابن فارس (١):
" الميم واللام والكاف أصل صحيح يدل على قوة في الشيء وصحة" (٢). اختلف اللغويون في اشتقاقه من عدمه، ثم اختلف القائلون بالاشتقاق في أصل مادة الاشتقاق (٣).
والقول باشتقاقه، وأن أصله من الألوكة: وهي الرسالة، أصوب من جهة اللغة والمعنى.
يقول الحافظ ابن جرير - ﵀ -: " الملائكة: جمع ملاك -بغير الهمزة-، وهذا أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: ملك من الملائكة فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة؛ لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده" (٤).
قال الكسائي (٥): "أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوك، وهي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل: مَلكَ. فلما جمعوه ردّوها إليه فقالوا: ملائكة وملائك" (٦).
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "والملك في اللغة: حامل الألوكة وهي الرسالة" (٧).
وإنما سميت الرسالة ألوكة ومألكة؛ لأنها تُؤْلَكُ في الفم، من قولهم: يأْلُكُ اللجام ويعلُكُه (٨).
_________________
(١) هو: أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد القزويني، أبو الحسين، الإمام اللغوي، ولد بقزوين حوالي ٣٠٦/ ٣٠٨ هـ، له مصنفات منها: معجم مقاييس اللغة، ومجمل اللغة، توفي سنة ٣٩٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ١٠٣)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٣/ ١٣٢)، الوافي بالوفيات للصفدي (٧/ ١٨١).
(٢) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢) مادة (ملَكَ).
(٣) ينظر: تهذيب اللغة (١/ ١٨٤)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٣٢) مادة (ألك)، والصحاح (٤/ ١٦١١)، والقاموس المحيط (ص ١٢٠٣)، تفسير جامع البيان للطبري (١/ ٤٤٤ - ٤٤٧).
(٤) تفسير جامع البيان لابن جرير الطبري (١/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٥) أبو الحسن، علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، شيخ القراءة والعربية، أحد القراء السبعة، له عدة تصانيف منها: معاني القرآن، وكتاب في القراءات، ومختصر في النحو، مات بالري، وفي تاريخ موته أقوال أصحها أنه مات سنة ١٨٩ هـ. ينظر ترجمته في: بغية الوعاة (٢/ ١٦٢ - ١٦٥)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٣٩٩ - ٤٠٣)، السير (٩/ ١٣١ - ١٣٤).
(٦) لسان العرب (١٠/ ٤٩٦)، وينظر: القاموس المحيط (ص ١٢٠٣)، الصحاح (٤/ ١٦١١)، تفسير الطبري (١/ ٤٤٤ - ٤٤٧).
(٧) النبوات (ص ٢٥٧).
(٨) ينظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ١٣٣) مادة (ألك).
[ ٣٥٨ ]
وعليه فالإيمان بالملائكة
أما الملائكة في التعريف الشرعي فهم:
عالم غيبي خلقهم الله - ﷿ - من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه، مربوبون مُسخرون، عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملُّون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية من شيء (١).
وعرَّفها بعضهم بأنهم: أجسام نورانية (٢) علوية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة، وشأنها الطاعات، ومسكنها السموات هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه، وأمناؤه على وحيه، يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة لعدم دليل على ذلك، ولا يعلم عددهم إلا الله ﷾ (٣).
ونسب ابن حجر في فتح الباري إلى الجمهور القول بأن الملائكة: " أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكُّل بأشكالٍ مختلفة مسكنها السموات خلقت من النور" (٤).
ب- معنى الإيمان بالملائكة:
وعليه فالإيمان بالملائكة: يتضمن التصديق والاعتقاد الجازم بما أخبر الله تعالى عن ملائكته، وإنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله إياها في كتابه وسنة نبيه - ﷺ - دون زيادة أو نقصان (٥).
_________________
(١) ينظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٤٧)، وأعلام السنة المنشورة (ص ٧٨)، وشرح ثلاثة الأصول للعثيمين (ص ٩٠)، وعالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر (ص ١٣) وما بعدها.
(٢) والتعريف بأن الملائكة أجسام نورانية أدق وأصح إذ إن الشرع وصفها بأنها مخلوقات نورانية، والوقوف عند النص أولى، أخرج مسلم في كتاب الزهد والرقائق باب في أحاديث متفرقة، برقم (٢٩٩٦): أن النبي - ﷺ - قال: (خلقت الملائكة من نور).
(٣) ينظر: فتح الباري (٦/ ٤٥٠)، وروح المعاني للألوسي (١/ ٢١٨).
(٤) فتح الباري (٦/ ٣٥٣)، منهاج السنة (٢/ ٥٣٣).
(٥) ينظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٢٧)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٠٥ - ٤٠٧)، وفتح الباري (٦/ ٤٥١).
[ ٣٥٩ ]