المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق
قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: " وقد دل على ذلك إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفكرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن " (١).
ومشيئة الله وإرادته كونية وشرعية:
أما الكونية: فهي المشيئة العامة، ومثالها قول نوح - ﵇ - لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هود: ٣٤، فهذه إرادة كونية يتعين فيا وقوع ما أرداه الله تعالى، سواء أحبه، أم كرهه.
وأما الشرعية: فهي بمعنى المحبة للمراد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ النساء: ٢٧ (٢).
خالف في هذه المرتبة: المعتزلة ومن وافقهم فقالوا: أفعال العباد حادثة بمشيئتهم والله - ﷿ - لم يردها، فلا تعلق له بها (٣).
المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، أي: أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فلا يقع شيء في هذا الكون إلا والله خالقه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
_________________
(١) شفاء العليل (ص ٤٣).
(٢) فهذه إرادة شرعية تتعلق بما أحبه الله تعالى وطلبه سواء وقع أم لم يقع، ولا يتعين فيها وقوع المراد، وعلى هذا يمكن أن نقول إن المعاصي ليست مرادة لله سبحانه شرعًا، وإن كانت مرادة له كونًا وقدرًا. وللعبد مشيئة في تركها وفي فعلها فلا يحتج بمشيئة الله تعالى على فعلها، كما قال الله تعالى حاكيا قوله المشركين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ النحل: ٣٥، أما الإرادة الكونية فهي مرادة له سبحانه؛ لأنها واقعة بمشيئة الله. ينظر: شرح العقيدة الواسطية لاين عثيمين (ص ٥٤٤).
(٣) قال القاضي عبد الجبار: " فصل في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي، فإن الإرادة فعل من الأفعال، ومتى تعلقت بالقبيح فتجب لا محالة، وكونه تعالى عدلًا يقتضي أن تنفى عنه هذه الإرادة". شرح الأصول الخمسة (ص ٤٣١).
[ ٥١٧ ]
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ غافر: ٦٢، ومن أدلة ذلك من السنة قوله - ﷺ -: (إن الله يصنع كل صانع وصنعته) (١)، قال الإمام البخاري - ﵀ -: " فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة" (٢).
والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، فأفعال العباد إذًا تسند إلى العباد فعلًا وتسند إلى الله خالقًا (٣)، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٨ - ٢٩.
وخالف في هذه المرتبة ثلاث طوائف:
١. الجبرية: قالوا إن العبد مجبور على فعله، فالله - ﷿ - هو الفاعل لفعل العبد، كما أنه هو الخالق له، فلا فعل ولا علم لأحدٍ غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال: زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكون فاعلين أو مستطيعين لذلك (٤).
٢. المعتزلة: نفوا تعلق أعمال العباد بالله - ﷿ - وأنكروا أن يكون الله خالقًا لها وأن تكون تحت مشيئته، وإنما يحدثها العبد استقلالًا (٥).
٣. الأشاعرة: أرادوا أن يوفقوا بين القولين السابقين فجاءوا بنظرية الكسب التي تكون في مآلها جبرًا محضًا، فقالوا: للعبد قدرة حادثة غير مؤثرة في الفعل لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على أثر واحدٍ، وإنما أجرى الله العادة بخلق مقدروها مقارنًا لها (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتابه خلق أفعال العباد (ص ٧٣)، وابن منده في التوحيد (٢/ ٣٩)، ووصححه ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٥٠٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٦٣٦): على شرط مسلم.
(٢) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٥).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩).
(٤) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ١٩٤)، الملل والنحل (١/ ١١٠).
(٥) ينظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي (ص ٣٣٢).
(٦) ينظر: شفاء العليل (ص ٩٢)، المواقف للإيجي (ص ٣١٢).
[ ٥١٨ ]
وهذه المرتبة والتي قبلها -أي المشيئة- هما محل النزاع بين أهل السنة والجماعة ومن خالفهم من الطوائف (١).
وبعد: فهذه هي المراتب، وإن شئت فقل الأركان التي يدور عليها رحى الإيمان بالقدر ذكرها الإمام ابن القيم، وأفاض في الكلام عليها والاستدلال لها فأفاد وأجاد - ﵀ - (٢)، كما أوضح هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في العقيدة الواسطية (٣)، بل إن كتب العقيدة اهتمت بمسائل القدر أيما اهتمام، وأطالت في ذكره، والحديث عنه، كالإبانة لابن بطة (٤)، والشريعة للآجري (٥)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٦)، والحجة في بيان المحجة للأصبهاني (٧)، وغيرها.
ثالثًا: بيان أهمية الإيمان بالقضاء والقدر:
دل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وإجماع سلف الأمة على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من أصول الإيمان الستة، التي لا يتم إسلام العبد ولا إيمانه إلا بها، كما دلت على ذلك آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة مستفيضة بل متواترة عن الرسول الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
كما يعتبر موضوع القضاء والقدر من المواضيع المهمة لتعلقه بحياة الإنسان، فما من إنسان يعيش في هذه الحياة، ويسير في مناكبها على أي ديانة كان، وفي أي اتجاه اتجه في حياته العملية أو العقدية أو غيرها؛ إلا وقضية القضاء والقدر عنده من القضايا التي تشغل باله في كل وقت. ومن هنا كان للإيمان بالقضاء والقدر أهمية عظمى، تبرز فيما يلي:
_________________
(١) ينظر: شرح الطحاوية (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٧)، معارج القبول (٣/ ٩٢٨)، المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص ٨٠٩).
(٢) ينظر: شفاء العليل (ص ٢٩ - ٦٥)، وسطية أهل السنة بين الفرق (٣٦٣ - ٣٦٦).
(٣) تكلم شيخ الإسلام عن القدر في مواضع عديدة في كتابه هذا.
(٤) (١/ ٤٠٦) وما بعدها.
(٥) (٢/ ٧٠٢) وما بعدها.
(٦) (٤/ ٦٩٠) وما بعدها.
(٧) (٢/ ١٣) وما بعدها.
[ ٥١٩ ]
١ - الإيمان بالقدر طريق للخلاص من الشرك:
زعم المجوس بأن النور خالق الخير، وأن الظلمة خالقة الشر، كما زعمت القدرية بأن الله لم يخلق أفعال العباد لا الخير ولا الشر، وهؤلاء جميعًا أثبتوا خالقين مع الله - ﷿ -، وهذا شرك.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " اعلم أن أهل البدع من القدرية الجهمية والمجبرة والقدرية النافية لا يحمدون الله ولا يشكرونه، كما أنهم لا يعبدونه، وأما أهل الإلحاد من المتفلسفة والباطنية فهم أبعد عن حمده وشكره، وذلك أن المجبرة حقيقة قولهم أنه ليس برحيم ولا مُنعم، بل ولا إله يستحق أن يعبد ويُحب، بل صدور الإحسان عنه كصدور الإساءة، وإنما هو يفعل بمحض مشيئة ترجح الشيء على مثله لا لمرجِّح، وكل الممكنات عندهم متماثلة، فلا فرق بين أن يريد رحمة الخلق ونفعهم والإحسان إليهم، أو يريد فسادهم وهلاكهم وإضرارهم، يقولون: هذا كله عندهم سواء" (١).
ومنهج أهل السنة العام في باب القدر، هو: الإيمان بأن جميع الكائنات واقعة تحت قدر الله، محكومة بقدره، ليس لها من الأمر شيء، فلا تملك لنفسها -فضلا عن غيرها- جلب نفع أو دفع ضر، وأن الأمور كلها بيد الله، فهو المعطي المانع، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فإذا آمن الإنسان بذلك وأيقن به انبعث إلى إفراد الله بالعبادة وتجنب الشرك بأنواعه، وأخلص الدين لله رب العالمين، ولم يخش إلا الله (٢).
كما أن من منهجهم الإيمان بالقدر خيره وشره، وذلك أن كل ما يكون فقد شاءه الله، وأن الطاعات والمعاصي كلها بقضاء الله وقدره، واعتبار الخير والشر بالنسبة للمقضي المقدر، وأما تقدير الله وقضاؤه فكله خيرٌ كما قال النبي - ﷺ -: «والشر ليس إليك» (٣)، وذلك أن القضاء والتقدير فعل الله، وأفعال الله - ﷿ - كلها خير وحكمة ليس فيها شر (٤).
قال ابن القيم - ﵀ -: " الشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي
_________________
(١) جامع الرسائل (المجموعة الأولى) (١/ ١٠٣).
(٢) ينظر: الإيمان بالقضاء والقدر لمحمد الحمد (ص ١٣)، والقول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (٣/ ١٥٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (٧٧١).
(٤) ينظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص ٨١١).
[ ٥٢٠ ]
المقدر ويكون شرًا بالنسبة إلى محل وخيرًا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرًا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر له من وجه، بل هذا هو الغالب وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار، فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الآلام والأمراض إن كانت شرورًا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل وخير وحكمة ومصلحة" (١).
لذا فإن الإيمان بالقدر على الوجه الصحيح توحيد وخلاص من الشرك؛ لأن ارتباطه مباشرة بالإيمان بالله تعالى، فقد جاء في صفاته سبحانه صفة العلم، والإرادة، والقدرة، والخلق، وعلى هذه الأسس قامت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر (٢).
كما عد العلماء الإيمان بالقضاء والقدر ثمرة من ثمرات الإيمان بالله، فالراضي بالقضاء والقدر راضٍ بالله، والساخط من القدر ساخط على الله، وهذه النكتة في عطف الفعل "تؤمن" لما عد النبي - ﷺ - أركان الإيمان فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) في حديث جبريل المشهور (٣).
كما أن الإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح، وهو الاختيار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه تعالى، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال؛ وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها (٤).
_________________
(١) شفاء العليل (ص ٤٤٣).
(٢) مراتب القدر الأربع هي صفات الله تعالى، لهذا السبب -والله أعلم- لم يُذكر ركن الإيمان بالقدر في كتاب الله تعالى مع بقية أركان الإيمان كما ورد في السنة، لأن الإيمان بالقدر هو إيمان بربوبيته وأسمائه وصفاته.
(٣) ينظر: منهج الحافظ ابن رجل الحنبلي في العقيدة (ص ٦٤٨).
(٤) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٠٤)، القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه (٨٣ - ٨٥)، القضاء والقدر للمحمود (ص ٨٣ - ٨٥).
[ ٥٢١ ]
٢ - الإيمان بالقدر يحقق السعادة الدائمة والاطمئنان الكامل على الحاضر والمستقبل:
إن العبد المؤمن بالقدر خيره وشره يأخذ بالأسباب، ويدع تحقيق الآمال لربه تعالى، فإن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، ولا شك أنه يرضى بقسمة الله تعالى، ويقنع بما أعطاه، بل يفرح، وكل من الشكر والرضا والقناعة والفرح من أثر الإيمان بالقدر وفيها سعادة وطمأنينة، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، فلا يسيطر عليه الفزع، ولا يستبد به الجزع والهلع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ التغابن: ١١؛ لأنه يعلم أن كل شيء بقدر، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فيكون بعيدًا عن الحيرة والتردد، محجبًا عن حياة القلق والاضطراب.
وذلك يحميه أيضًا من كثير من الأمراض النفسية والصراعات العصبية التي أصبحت سمة من سمات هذا العصر الذي نعيش فيه، فالذين لا يؤمنون بالقدر ربما يؤدي بهم الجزع إلى أن يكفروا بالله، وبعضهم يجن، وبعضهم يصبح موسوسًا، وبعضهم يلجأ إلى المخدرات، وبعضهم يقتل نفسه (١).
ومن هنا فإن الإيمان بالقدر يورث السعادة الكاملة والاطمئنان على الحاضر والمستقبل؛
كما يوجب صدق الاعتماد عليه - ﷿ -.
٣ - الإيمان بالقدر يورث القوة والحزم:
الإيمان بالقدر يورث القوة في مواطن اليأس والخطر، والإقدام والشجاعة والبسالة عند ملاقاة الأعداء في الحروب؛ لأن المؤمن بالقدر يعلم أنه لن يموت قبل أجله المقدر له، فلا العيش في النعيم والنوم على الأسرة الموطئة بفرش الحرير تزيد في الأعمار، ولا
_________________
(١) يكثر الانتحار في البلاد التي لا يؤمن أهلها بالقدر كأمريكا والسويد والنرويج، بل إن الأمر وصل ببلاد كالسويد إلى أن يفتحوا مستشفى للانتحار، والعجيب في الأمر أن غالبية المنتحرين ليسوا من الفقراء، بل هم من الطبقة الغنية، بل يقع الانتحار من الأطباء النفسيين الذين يظن بهم أنهم يجلبون السعادة للناس. ينظر: (الانتحار) في ar.wikipedia.org
[ ٥٢٢ ]
الدخول في ساحات القتال ومنازلة الأعداء تقرب من الآجال، وتقصر الأعمار، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ آل عمران: ١٥٤.
كما أن الإيمان بالقدر يورث الثبات على الحق، ومواجهة الباطل، فهو يهب صاحبه ثباتًا ورسوخًا على المنهج الصحيح، شعاره قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ التوبة: ٥١.
[ ٥٢٣ ]
المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.
تمهيد:
جاء الإيمان بالقضاء والقدر في القرآن الكريم واضحًا، وشرحه النبي - ﷺ - أتم الشرح، وتلقاه الصحابة عنه، فكانوا -رضوان الله عليهم- أعظم الناس فهمًا لحقيقة الإيمان بالقدر، فأثر ذلك فيهم أيما تأثير، فكانوا أشجع الناس، وأكرمهم، وأتقاهم.
ثم دبَّ في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها، ودخلت الفلسفات اليونانية، والهندية، وعقائد اليهود المحرفة، والنصارى الزائغة، إلى بلاد المسلمين، فظهرت بدعة القدرية في البصرة ودمشق، ووقع أول شرك في الأمة، وهو نفي القدر.
ومما لا شك فيه: أن باب القدر من علوم الغيب، لذا فقد حار النظار، والعقلاء قديمًا وحديثًا في شأنه، وفي فهم حقيقته، فلم يصلوا إلى اليقين والصواب؛ ذلك لأنهم التمسوا الهدى في غير مظانه، فحاروا، وحيروا، وتعبوا، وأتعبوا، فـ"كثر الاختلاف حول القدر، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر، ودس الشبهات حوله" (١).
وقد وفق الله ﷾ أهل السنة والجماعة لفهم هذا الباب، وذلك لاتباع ما جاء في الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح؛ إذ لا يمكن لأحد أن يفهم هذا الباب على وجه التفصيل فهمًا صحيحًا -إلا كما فهمه أهل السنة والجماعة- سلف هذه الأمة الصالح، وإذا نظرت إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - انتظم العقد في هذا الباب، وظهرت ملامح الوسطية فيه، وسلمت من الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما تجد أن القرآن الكريم والسنة المطهرة ترشدنا إلى أبواب يستطيع العقل البشري أن يجول فيها (٢)، وتنهانا عن أمور يستحيل العقل أن يصل إليها (٣).
_________________
(١) القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه (٨٣ - ٨٥).
(٢) الأمور التي يستطيع العقل البشري أن يجول فيها، ويفهمها من منطق النصوص هي: كالبحث في مراتب القدر، وأقسام التقدير، وخلق أفعال العباد إلى غير ذلك من مباحث القدر.
(٣) الأمور التي نهانا الشرع عن الخوض فيها هي مثل: الخوض في القدر بالباطل وبلا علم ولا دليل، والاعتماد في معرفة القدر على العقل البشري القاصر بعيدًا عن هدي الكتاب والسنة؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك على وجه التفصيل، وكذلك البحث عن الجانب الخفي في القدر الذي هو سر الله في خلقه، وكذلك التنازع في القدر الذي يؤدي إلى اختلاف الناس فيه، وافتراقهم، فهذا مما نهينا عنه. ينظر: فيض القدير (١/ ٣٤٨)، وتحفة الأحوذي (٦/ ٢٧٩)، الوسطية في القرآن الكريم (ص ٣٠٩ - ٣١٠).
[ ٥٢٤ ]
١ - الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر
لذلك فقد أنكر السلف التوليدات الحادثة عند الفرق حول هذا المسألة، وأجازوا الرد عليهم باصطلاحاتهم من باب الضرورة وإقامة الحجة، كما أنكروا ضرب النصوص بعضها ببعض (١)
كما فعل المعتزلة والجبرية ومن وافقهم، وقالوا: بأن الواجب في القدر هو الإمساك عن الكلام والجدل حوله، ورأوا أن الغوص في الكلام على القدر ذريعة الخذلان والحرمان، لا سيما إذا كان من باب التنازع والتخاصم وتحكيم الأهواء ومقاييس البشر (٢).
قال ابن أبي العز - ﵀ -: " وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر، وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع" (٣).
ولهذا كان الأسعد بالدليل والأوفق للحكمة والتعليل أهل السنة والجماعة الطائفة الوسط المقتصدة في اعتقادها، الذين جمعوا بين الأدلة، وسلكوا في طريقهم خير مسلك، فآمنوا بقضاء الله وقدره في مراتبه الأربع، وآمنوا بأن للعبد اختيارًا وقدرة (٤)، ولم يقفوا عند هذا الحد؛ بل تصدى علماء السنة للبدع المتقابلة في باب القدر، وبينوا عوارها، ودحضوا باطلها، وأظهروا الحق، ونشروه.
ويمكن إجمال أسباب انحراف الفرق في الإيمان بالقضاء والقدر إلى الأسباب التالية:
١ - الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر: معلوم أن حكمة الله - ﷿ - في خلقه منها ما هو مدلل عليه، ومنها ما ليس بمعروف، ولذلك إذا جهلت الحكمة، فإن المرء يُسَلم، ولا يعترض، لكن المبتدعة لم يعرفوا حكمة الله - ﷿ - في الأشياء،
_________________
(١) ضرب كتاب الله بعضه ببعض: بأن ينزع المثبت للقدر بآية، والنافي له بأخرى، ويقع التجادل في ذلك. وهذا قد روي أنه وقع في عهد النبي - ﷺ -، وأن النبي - ﷺ - غضب من ذلك ونهى عنه، وهذا من جملة الاختلاف في القرآن، والمراء فيه وقد نهي عن ذلك. ينظر: فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب (ص ١٣٦ - ١٣٨).
(٢) ينظر: القدر في ضوء الكتاب والسنة، د. عبدالرحمن المحمود (١٧ - ١٩)، وشرح الطحاوية (١/ ٣٢٠).
(٣) شرح الطحاوية (١/ ٣٤٠).
(٤) القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣٧٢).
[ ٥٢٥ ]
٢ - قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم
٣ - إحداث ألفاظ ومصطلحات جعلت أصلا في هذا الباب، ثم حمل الكتاب والسنة عليها
ولا حكمته فيما يقدر ويخلق من الخير والشر أو من المخلوقات بعامة، ولما لم يدركوا الحكمة، عارضوا فعل الله - ﷿ - في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم (١).
٢ - قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم: نظر المبتدعة إلى أفعال الرب - ﷿ -، فجعلوا ما هو عدل في تصرفات البشر واجبًا وعدلًا في تصرفات الرب - ﷿ -، وجعلوا ما هو ظلم من تصرفات البشر محرمًا أو منفيًا وظلما في تصرف الرب، فضلوا في هذا الباب؛ لأن الخالق - ﷿ - لا يقاس على المخلوق في أفعاله وفي تدبيراته في ملكوته. وقصدوا بذلك تعظيم الرب وتنزيهه: فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحًا من الأفعال وظلمًا، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقًا لكل شيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بل قالوا: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم، وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا (٢)، وقابلتهم الجهمية الغلاة في الجبر، فأنكروا حكمة الله ورحمته (٣).
٣ - إحداث ألفاظ ومصطلحات جعلت أصلًا في هذا الباب، ثم حمل الكتاب والسنة عليها: مثل لفظ: الاستطاعة -بتفسيرهم- وما يطاق وما لا يطاق، والتكاليف، وأشباه ذلك، ومنها أيضًا -عند الجبرية- الكسب ونحوه، وفسروها بتفسيرات تخصهم، فضلوا في أصلٍ يجب الرجوع فيه إلى الدليل؛ لأن إحداث
_________________
(١) ينظر: تائية شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٥١).
(٢) إذًا: فقد جعلوا الله تعالى معزولًا عن تدبير الكون وتصريفه، حتى لا يشغل نفسه بهذا الناقص؛ وذلك لأن الجزئيات تحتوي على بلاء وشر؛ كالقتل والنهب وغيرها، فيقولون: لو قلنا: إن الله يعلمها، لما نزهنا الله! وهذا من الجهل بالله - ﷿ -، فإنهم أرادوا أن ينزهوا الله بعقولهم، ولم ينزهوه كما نزه نفسه، وقولهم هذا كقول القدرية، لكنهم زادوا على ذلك، فقالوا: لا يعلمها، فأنكروا العلم، وهو المرتبة الأولى من مراتب القدر التي من أنكرها فقد كفر، ولذلك فإن أكثر القدرية لم ينكروا العلم؛ لأنهم لو أنكروه لكفروا، أما الفلاسفة فقد أنكروا العلم، ولكن العلم بالجزئيات، وذلك مداهنة لأهل الإسلام، والله أعلم.
(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٩٩ - ١٠١).
[ ٥٢٦ ]
٤ - التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا
لفظ وإحداث مصطلح لا شك أنه سيترتب عليه أشياء كثيرة. ومن المعلوم أن هذه الأمور الغيبية -كالقدر- الاصطلاح عليها بألفاظ وأسماء لمسميات لم يأت عليها برهان أنه يجعل المرء يؤصل ويقعد بشيء لا أساس له، والعلم بالقرآن والسنة حجة على كل مخالف أحدث المصطلحات؛ لأن إحداث المصطلحات عقلي، واتباع الكتاب والسنة نقلي، ولهذا يغلب النقل العقل الحادث والمصطلح عليه في هذه المسائل (١).
٤ - التسوية بين المشيئة والإرادة (٢) وبين المحبة والرضا: منشأ الغلط في باب القدر (٣) هو اعتقاد أن محبة الله - ﷿ - ورضاه، ومشيئته وإرادته متحدان أو متلازمان (٤)،
وهذا أصل مشترك بين القدرية والمعتزلة والجبرية والجهمية والأشعرية (٥)، واعتقادهم بالتسوية مبنيٌ على صفة المحبة لله - ﷿ - (٦)، فأنكرتها القدرية، بينما غلت فيها الجبرية، ثم بنى كل فريق على ذلك منهجهم في الغلو أو الجفاء في الإيمان بالقضاء والقدر.
_________________
(١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٢٥١ - ٢٥٥).
(٢) وهذه الإرادة التي أثبتوها هي الإرادة الشرعية، وهي التي تتعلق بالأمر والترغيب؛ لأن الإرادة الكونية (المشيئة) -وهي المرتبة الثالثة من مراتب القدر- فقد أنكروها، وزعموا أن العبد مستقل بإرادة فعله، وهو الذي أحدثها، وحملوا نصوص المشيئة على معنى الأمر والتكليف. ينظر: الصفدية (١/ ١٠٦ - ١٠٨).
(٣) كذلك في كثير من مسائل الأسماء والصفات.
(٤) والصواب أن المشيئة والإرادة الكونية العامة لا تلازم بينهما وبين الرضا والمحبة الدينية، وقد دلت الأدلة على التفريق بينهما، وهكذا الحال في الإرادة، فهناك إرادة كونية وهناك إرادة شرعية مرادفة للمحبة والرضا، وهكذا القضاء، فهناك قضاء كوني مرادف للمشيئة العامة والإرادة العامة، وهناك قضاء شرعي مرادف للمحبة وللإرادة الدينية وهكذا الأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات كل منها ينقسم إلى كوني مرادف للمشيئة العامة، وإلى شرعي مرادف للمحبة والرضا، فمن لم يفرق بينهما وقع في الاضطراب والتناقض، وأسعد الناس بمعرفة هذه الفروق والقول بمقتضاها والحكم بموجبها هم السلف ومن تبعهم بإحسان، فجاء مذهبهم في القدر متسقًا مع أدلة الكتاب والسنة منسجمًا مع الفطرة السليمة لا وكس فيه ولا شطط. ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٣٢٤)، منهج الإمام ابن أبي العز الحنفي (ص ٣٢٦).
(٥) ينظر: المعني في أبواب العدل والتوحيد والإنصاف، للباقلاني (٤٤ - ٤٥)، والإرشاد للجويني (ص ٢١١).
(٦) ينظر: منهاج السنة (٣/ ١٨١) (٥/ ٣٢١، ٣٥٩ - ٣٦٠)، مدارج السالكين (١/ ٢٧٥)، المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (١/ ٣١٨).
[ ٥٢٧ ]
٥ - اعتمادهم على مقدمات فاسدة
٥ - اعتمادهم على مقدمات فاسدة: الأساس في مخالفة تلك الفرق للنصوص الشرعية إنما يرجع إلى شبهات عقلية سلموا بها قبل النظر في دلالات النصوص الشرعية، ثم نظروا إلى النصوص الشرعية بعد ذلك وفسروها بما يوافق تلك الشبهات، وبهذا يكون ضلالهم في موقفهم من النصوص الشرعية مضاعفًا، حيث تركوا دلالات تلك النصوص واعتمدوا على شبهات عقلية زعموا أنه لا يمكن اعتبار دلالات النصوص الشرعية معها، ثم عادوا على دلالات النصوص بعد ذلك بالتأويل ودعوى أنها معارضة لما هو معلوم بالضرورة، والاستشهاد بالمتشابه منها على ما ادعوه من المعاني الباطلة، فيما يتعلق بالقدر وأفعال العباد (١).
ومن أجل هذا: انقسم المبتدعة إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان!؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.
_________________
(١) المقدمة التي بنى عليها القدرية والجبرية قولهم فيها، ادعاء أن أفعال العباد لا تكون إلا بقدرة واحدة إما قدرة الله تعالى، وإما قدرة العبد، وأنه يستحيل حصولها بقدرة الرب وقدرة العبد في آن واحد. والحاصل أن من سلم بالشبهة المشتركة بين القدرية والجبرية فلا بد أن يلتزم بقول القدرية وينفي خلق الله تعالى لأفعال العباد، أو يلتزم بقول الجبرية وينفي اختيار العبد وتأثير قدرته في فعله، أو يبقى حائرًا مضطربًا لا يتبين له الحق في هذه المسألة. ينظر: تبصرة الأدلة، لأبي المعين النسفي (٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥)، الخلاف العقدي في باب القدر دراسة تحليلية نقدية لأصول القدرية والجبرية في أفعال العباد، د. عبد الله بن محمد القرني (ص ١٠، ٢٠).
[ ٥٢٨ ]
أحدهما: نفي علم الله تعالى بالأشياء قبل وقوعها
الآخر: نفي خلق الله تعالى لأفعال العباد
المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر.
لقد شغلت قضية القضاء والقدر أذهان الفلاسفة وأتباع الطوائف من أهل الملل من قديم الزمان، وما زالت حتى يومنا هذا، وضلال أهل الأهواء والبدع في هذا الأصل العظيم كضلالهم في باقي الأركان، وهذا ما وضحه الله - ﷾ - في كتابه الكريم من زعم بعضهم بأن الله لا يقدر الأمور، وإنما تسير على حسب جريان الدهر، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ الجاثية: ٢٤.
وكانت البداية لنشأة الاختلاف والكلام في القدر، تدور على أمرين:
أحدهما: نفي علم الله تعالى بالأشياء قبل وقوعها، وبالتالي نفي الكتابة، وهذا التقدير ينكره غلاة القدرية الأوائل، وقد انقرض مذهبهم (١)، كما ينكره الفلاسفة، القائلون: بأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الأشياء على وجه كلي، أي: يعلم الكليات دون الجزئيات (٢).
وقد تأثر اليهود والنصارى بالفلسفة القديمة، وتجد في كتبهم المحرفة ما يفيد إنكار علم الله تعالى (٣).
الآخر: نفي خلق الله تعالى لأفعال العباد، والقول بأنها ليست واقعة بقدره، وأن العباد يخلقون أفعالهم (٤)، فجعلوا لله شريكًا في خلقه، واستدلوا استدلالًا أعور ببعض الآيات،
وأولوا ما عدا
_________________
(١) ينظر: فتح الباري (١/ ١١٩)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٧١).
(٢) قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: " وإذا كان الله بزعمهم لا يعلم الشيء حتى يكون كيف علم في مذهبهم بقيام الساعة والبعث، ولم تقم الساعة بعد ولا تقوم إلا بعد فناء الخلق وارتفاع الدنيا .. ! فإن أقروا لله بعلم قيام الساعة والبعث والحساب، لزمهم أن يقروا له بعلم كل شيء دونها، وإن أنكروا علم الله - ﷿ - بما دونها، لزمهم الإنكار بها وبقيامها، وبالبعث والحساب؛ لأن علمه بالساعة كعلمه بالخلق وأعمالهم سواءً، لا يزيد ولا ينقص، فمن لم يؤمن بأحدهما، لزمه أن لا يؤمن بالآخر، وهي من أوضح الحجج، وأشدها على من رد العلم وأنكره" الرد على الجهمية (ص ٦٩)، وينظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٧) (١٠/ ١٧٩).
(٣) زعم اليهود أن الله تعالى: لا يعلم الغيب، ويحتاج إلى علامات يميز بها بني إسرائيل من غيرهم، فوضع الدم علامة على بيوت بني إسرائيل، ليميزها عن بيوت المصريين حتى لا يهلكهم. أما النصارى فقد جعلوا المخلوق إلهًا، ونفوا عن إلههم أن تكون له إرادة، ومشيئة، وعلم بما يحصل له، أو لمخلوقاته، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا! . ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٢٤٩).
(٤) وهذا المذهب هو الذي تبنته المعتزلة وجعلته أصلًا من أصولها التي قام عليها كيان الاعتزال، وبسبب قولهم به عرفوا بالقدرية، لنفيهم القدر. ينظر: المقالات للأشعري (١/ ٣٣٨)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٧١).
[ ٥٢٩ ]
ذلك مما يخالف مذهبهم، وهذا التقدير ينكره متأخرو القدرية، بينما يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها (١).
ولو ذهبنا نستجلي أقوال الناس في هذه المسألة لوجدنا أنها هي هي، لم تتغير قبل الإسلام أو بعده، فهي ترجع دائمًا إلى ثلاثة أقوال (٢):
١ - قول الجبرية (٣): الذين يقولون: بأن الله هو الخالق للأفعال، بينما الإنسان مجبور على أفعاله.
٢ - قول أهل حرية الإرادة (٤): الذين يقولون: إن الله لا يوصف بأنه يخلق فعل العبد، بل الإنسان مستقل في أفعاله عن خالقه، وأنه هو الذي يخلق أفعاله، وهم يقولون هذا لسببين:
أ-أن فعل العبد فيه الأشياء المشينة مثل: الكفر، والزنا، والسرقة، والقتل .. إلخ، ولو قيل: أن الله هو الذي يخلق هذه الأشياء، لصار في هذا نسبة للأشياء السيئة إلى الله، وهو منزه عنها.
_________________
(١) ينظر: فتح الباري (١/ ١١٩)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٧١). ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٥)، درء التعارض (٩/ ٣٩٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٢٠٠) (٣/ ٤٥٠) (٤/ ٧٧٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤١٩).
(٢) ينظر: القضاء والقدر في الإسلام، د. فاروق الدسوقي (١/ ١ - ٣٨)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. عبد الرحمن المحمود (٣/ ١٣٠٨ - ١٣٣٠)، تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٣) الجبرية هم نفاة الفعل حقيقة من العبد، وإضافته إلى الرب تعالى، وأشهر من يمثلها: الجهمية، والقائلين بالكسب من الأشاعرة، وهم أصناف: منهم الجبرية الخالصة: التي لا تثبت للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا، والجبرية المتوسطة: التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة. ينظر: الملل والنحل (١/ ٧٢)، والتعريفات (ص ٧٤). ينظر: تفصيل مذهبهم في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٣ - ١٠٦)، والملل والنحل (١/ ٨٥ - ٨٦) وما بعدها، والبرهان للسكسكي (ص ٤٢ - ٤٣).
(٤) وهم القدرية وسموا بذلك لتكذيبهم القدر، ومقولتهم قائمة على أن العبد خالق لأفعاله كلها، خيرها وشرها استقلالًا، وأول ما ظهر عنهم هو أن الأمر أنف، أي مستأنف، لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه. وكان أول من تلكم به رجل نصراني يقال له سنسويه البقال، وسماه الأوزاعي سوسن، أسلم ثم عاد فتنصر، فأخذ عنه معبد الجهني البصري وأخذ عنه معبد غيلان ابن مسلم الدمشقي. وقد أطلق السلف رحمهم الله تعالى هذا الاسم على المعتزلة أيضًا، ووصموها به لكونهم نفوا قضاء الله وقدره في معاصي العباد. ينظر: السنة للخلال (ص ٥٢٦ - ٥٢٨)، ومعالم السنن للخطابي (٤/ ٣١٧ - ٣٢٠)، وغريب الحديث للخطابي (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، وشرح النووي لصحيح مسلم (١/ ١٥٣ - ١٥٦)، والبرهان لسكسكي (ص ٥٠).
[ ٥٣٠ ]
ب- أن خلق الفعل من الله يقتضي التفريق بين المكلفين، هذا خلق فعل طاعته، فأدخله الجنة، وهذا خلق فعل معصيته، فأدخله النار، وهذا ظلم؛ لأنه لم يساو بينهم في خلقه وفعله.
والخوض في هذا الباب: طريقة أهل الأهواء والمراء، وهي طريقة وعرة ودحضُ مزلة، مع نهي الشرع عنها أصلًا وفرعًا، كما أنه قدح في فعل الرب سبحانه وتنقص لحكمته، وتحكيم في إرادته بمحض القياس العقلي الناقص، المتضمن لتنقص الشرع وصاحبه.
ويتبين مما سبق أن القدرية النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله تعالى قدرته، وبقولهم إن العباد هم الخالقون لأفعالهم.
٣ - قول أهل الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهم الذين يثبتون القدر السابق، ويقولون أيضًا: إن للإنسان إرادة ومشيئة، ولكنها خاضعة لمشيئة الله، والإنسان وأفعاله مخلوق لله - ﷿ -، وهذا مذهب الأنبياء وأتباعهم؛ لأنه لا يحدث في ملك الله شيء إلا وهو خالق له - ﷾ -.
ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر، وهي:
- أولًا: إرادة تنزيه الله - ﷿ - عن الشر:
منشأ ضلال هؤلاء في البداية هو أنهم أرادوا تنزيه الله - ﷿ - عن الشر، فوقعوا في نفي القدر، وهذا أصل التعطيل ومنشأ التفريط، فقالوا: بأن العبد مستقل بعمله في الإرادة، والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته في ذلك أثر، وقالوا بأن: أفعال العباد ليست مخلوقة لله، وإنما العباد هم الخالقون لها، وقالوا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئته الشاملة، وغلاتهم ينكرون أن يكون الله قد علمها، فيجحدون مشيئته الشاملة، وقدرته النافذة، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم شابهوا المجوس الذين قالوا: إن للكون إلهين: إله النور، وهو
[ ٥٣١ ]
خالق الخير، وإله الظلمة: وهو خالق الشر (١)، ويكفي في الرد عليهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٦.
- ثانيًا: إرادة تنزيه الله - ﷿ - عن الظلم:
أرادت القدرية تنزيه الله - ﷿ - عن الظلم، حتى لا تنتفي عنه صفة العدل، فغلوا في جانب التصديق بالأمر والنهي والوعد والوعيد، ما جرهم إلى الظن بأنه لا يتم هذا إلا بالتكذيب بالقدر (٢)، وزعموا أن هذا مقتضى العدل؛ فأدخلوا إنكار مشيئة الله وخلقه أفعال عباده في فروع أصل العدل الذي أصلوه؛ بل حكموا على أفعاله - ﷿ - بأحكام من جهة النظر إلى الخلق، فجعلوا فعلًا لله - ﷿ - واجبًا عليه بالنسبة للجميع، وجعلوا فعلًا لله - ﷿ - ممتنعًا عليه بالنسبة للجميع، وخلاف القدرية في مسألة الاستطاعة ناشئ عن أنهم قالوا: الواجب على الله - ﷿ - أن يجعل الناس سواء فيما يطيعهم، فكون هذا يوفق، وهذا يخذل، هذا غير سائغ؛ لأنه تفريق فإذا جعلنا الأصل هو أن يكون الناس سواسية (٣)،
فإن هذا قاعدة نبني عليها غيرها من مسائل القدر، وبهذا نشأت أقوال كثيرة محدثة في القدر وخلاف متنوع في المسائل العقلية، وما يجب على الرب - ﷿ -، وما لا يجوز عليه (٤).
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، (٨/ ٢٥٨).
(٢) ينظر: درء التعارض (٨/ ٤٠٥).
(٣) أي أن الناس في فعل الله - ﷿ - سواء: وهو أن العاصي والمطيع، والمؤمن والكافر كلهم أعطوا شيئًا واحدًا، فهذا فعل الخير، وهذا فعل الشر بمحض قدرته. وجعلوا هذا وهذا متساويين في القدرة والآلات؛ فلهذا نفوا خلق الله - ﷿ - للأفعال، وقالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه، لئلا ينتج عنها أن الله ظلم، أدخل الجنة هذا، وأدخل النار ذاك. ونظر أهل السنة إلى أن الله - ﷿ - ساوى بين الناس: في التكليف، في الآلات، في الاستطاعة التي هي قبل الفعل، أما الاستطاعة التي مع الفعل، فلا يحدث الفعل إلا بأسباب، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بتأثير الأسباب بمسبباتها، ولكنه تأثير بقدرة الله - ﷿ -، فلو شاء لسلب هذا التأثير، فلا ينكرون الأسباب وتأثيرها، ولا يعتمدون عليها ويرون استقلال تأثيرها دون الله، ولا يعرضون عنها لعلمهم أن لكل شيء سببًا، فينسب فعل العبد إلى قدرة الرب نسبة مخلوق إلى خالقه، وينسب نفس الفعل إلى قدرة العبد نسبة مسبب إلى سببه، ولا تعارض بين النسبتين. ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٣٤٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧) (٨/ ٥٠٥)، منهاج السنة (٢/ ٢٩٤)، شرح الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٦٩).
(٤) ينظر: مشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (٦٤ - ٦٥).
[ ٥٣٢ ]
وهذه التسوية بين الجميع جعلتهم ينفون أن يكون هناك أمرٌ زائدٌ خص به هذا، أو منع ذاك، فجعلوها جميعًا قبل الفعل، وأما مع الفعل، وفي أثناء الفعل، فعندهم العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وبالتالي فلو جعل هذا مستطيعًا للفعل، وهذا غير مستطيع للفعل، لكان الناس ليسوا سواسية فيما أعطاهم الله - ﷿ -، وبالتالي يترتب على هذا أن هذا ظلم (١).
والحق أن هذا العدل الذي أصلوه معطل لكمال قدرة الرب وعموم مشيئته؛ فهو بعيد عن العدل الذي هو وصف قضائه جل وعلا (٢)؛ لأن جميع أعمال الله - ﷿ - بين الفضل والعدل وليس فيها ظلم إطلاقًا، فإن أعطى وأنعم فبفضله، وإن منع وعذب فبعدله، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ينزه الله عنه، والعدل هو وضع الشيء في موضعه ومن تمام عدله - ﷿ - أن أتقن صنعه، وشرعه، وجزاءه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فهو العدل الكامل في عدله (٣)، بل أعظم من هذا أنه حرم الظلم على نفسه كما في الصحيح (٤)، والعباد قاصرون عن معرفة الحكم في أنفسهم، فكيف بالحكم في أفعال الله - ﷿ - وصفاته وتصرفه في ملكوته؟ ! (٥).
- ثالثًا: اطراد ما التزمه أهل البدع من أصولهم الفاسدة:
لذا نجد أن الخوارج قد نالهم الاختلاف في هذا الركن عن طريق قولهم: بأن مرتكب الكبيرة كافر خالد مخلد في النار، فهم عندما يجعلونه كافرًا -وقد كتبه الله عنده من المؤمنين - خالفوا كتابته ومشيئته، وعندما يجعلونه من أهل النار -وقد جعله الله من أهل الجنة- يؤدي قولهم إلى رد المشيئة والكتابة ضمنًا وتلويحًا لا تصريحًا، وبذلك يقع الخلل عندهم في القضاء والقدر والله أعلم (٦).
_________________
(١) ينظر: شرح الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٥٨).
(٢) ينظر: شفاء العليل (١/ ٢٨٠)، والصواعق المرسلة (٣/ ٩٤٩).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥).
(٤) صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم النظر برقم (٢٥٧٧).
(٥) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٨).
(٦) ينظر: الملل والنحل (١/ ١١٤)، والفرق بين الفرق (٧٢، ٧٣)، والمقالات (١/ ١٦٧).
[ ٥٣٣ ]
كما نلحظ الخلل الكبير الذي وقعت فيه الشيعة، حينما قالوا بعقيدة البداء على الله - ﷿ -، وهذه العقيدة تعارض القضاء والقدر؛ لأن وصفهم الله - ﷿ - بالبداء يستلزم منه وصفه ﷾ بالجهل، وعلى ذلك فلا علم ولا كتابة ولا إرادة ولا خلق، فعن طريق قولهم بالبداء يلزمهم نفي القضاء والقدر ومحو ما كتبه ﷾، أما متأخرو الشيعة فقد قالوا بقول المعتزلة، فبذلك زاد الخلل عندهم في هذا الركن (١)، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: " وأما عمدتهم في النظر والعقليات، فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة، ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر" (٢).
أما المعتزلة فقد وقعت في خلل كبير في هذا الركن من أركان الإيمان، حيث قالوا: بأن الله يفعل المفعولات ويخلق المخلوقات لحكمة مخلوقة منفصلة عنه، فهم أثبتوا الحكمة من أفعال الله تعالى كما أثبتها أهل السنة والجماعة، ولكنهم انحرفوا عن السلف حين أثبتوا لأفعال الله حكمة منفصلة عنه ﷾ لا ترجع إليه، وحصروا هذه الحكمة في المخلوق ثم زعموا أن هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العبد خالقًا لأفعاله، والله ليس خالقًا لها حتى لا تنتفي صفة العدل عنه، ثم تمادوا وقالوا بوجوب فعل الصلاح والأصلح وما تحته من مسائل تعارض وتخالف هذا الركن الجليل من أركان الإيمان، وهم قد شابهوا الخوارج في تخليدهم لمرتكب الكبيرة في النار، فلازم قولهم رد قضاء وقدر الله ﷾ في هذا العاصي، بحيث يجعلونه في أهل النار أن والله قد يكون كتبه في أهل الجنة، كما يوجبون على الله إدخال الطائع الجنة وقد يكون الله - ﷿ - كتبه مع أهل النار، فليزمهم رد القضاء والقدر السابق، ولهم مخالفات أخرى في هذا الركن جاءت عن طريق تماديهم وغلوهم في هذا الباب (٣).
- رابعًا: محاولة إدراك حقيقة القدر بالعقل المجرد، ومخالفتهم للنصوص:
_________________
(١) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٦٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٦٥)، والفرق بين الفرق ص (١٥ - ١٧).
(٢) ينظر: منهاج السنة (١/ ٧٠)، والشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة، لهاشم الحسيني (ص ٢٤٠).
(٣) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٨٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٦٣)، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٦٩)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، تناقض أهل الأهواء (١/ ٣٦٢) وما بعدها.
[ ٥٣٤ ]
تكلف المبتدعة تقديس العقل، فردوا به نصوص الوحي، زاعمين كفاية العقل في إدراك الفرق بين الحسن والقبيح، وبهذا يكون ضلالهم في موقفهم من النصوص الشرعية مضاعفًا، حيث تركوا دلالات تلك النصوص واعتمدوا على شبهات عقلية زعموا أنه لا يمكن اعتبار دلالات النصوص الشرعية معها (١).
يقول ابن قتيبة - ﵀ - (٢) عنهم: " ولما اطرد لهم القول على ما أصلوه، ورأوه حسن الظاهر قريبًا من النفوس، يروق السامعين ويستميل قلوب الغافلين، نظروا في كتاب الله فوجدوه ينقض ما قاسوا، ويبطل ما أسسوا، فطلبوا له التأويلات المستكرهة، والمخارج البعيدة، وجعلوه عويصًا وألغازًا، وإن كانوا لم يقدروا من تلك الحيل على ما يصح في النظر ولا في اللغة" (٣).
فالأساس إذًا في مخالفة تلك الفرق للنصوص الشرعية إنما يرجع إلى شبهات عقلية سلموا بها قبل النظر في دلالات النصوص الشرعية، ثم نظروا إلى النصوص الشرعية بعد ذلك وفسروها بما يوافق تلك الشبهات، وهذا ما لا يُعجز كل مبطل، والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب والحيرة: أنهم رتبوا إثباتهم لتعلق أفعال العباد بقدرة الرب وقدرة العبد على إدراكهم لكيفية الصلة بين القدرتين، لا على مجرد التسليم بما دلت عليه الضرورة من ثبوتهما (٤)،
ومن ثم توهموا أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدسًا منزهًا عن الخطأ، نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (٥).
_________________
(١) ينظر: الخلاف العقدي في باب القدر دراسة تحليلية نقدية لأصول القدرية والجبرية في أفعال العباد، د. عبد الله بن محمد القرني (ص ١٠، ٢٠).
(٢) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، خطيب أهل السنة وأحد أئمة السلف، من مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية وتأويل مشكل القرآن وغيرها، توفي سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦)، شذرات الذهب (٢/ ١٦٩).
(٣) الاختلاف في اللفظ (ص ٢٤)، وينظر الفصل لابن حزم (٣/ ٨٩).
(٤) إذا كان عدم إدراك كيفية العلاقة بين خلق الله لخاصية الأسباب وبين ثبوت تلكك الخاصية للأسباب لا يقدح في التسليم بهذين الأصلين فكذلك ينبغي ألا يقدح عدم إدراكنا لكيفية الصلة بين قدرة الرب وإرادته وبين قدرة العبد وإرادته في عدم التسليم بثبوت تعلقهما بأفعال العباد؛ لأن إثبات تعلقهما بأفعال العباد إنما هو من إثبات العلم بالوجود لا من إثبات العلم بالكيفية. ينظر: الخلاف العقدي في باب القدر (ص ٤٥) وما بعدها.
(٥) ينظر: النفي في باب صفات الله - ﷿ - (ص ٩١ - ٩٢)، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كتابه الكبير: "درء تعارض العقل والنقل" في إبطال هذه الدعوى.
[ ٥٣٥ ]
ومن هذه الشبهات التي ظل بسببها المبتدعة في باب القدر:
أ-قولهم: لو كانت أفعال العباد خلقًا لله لبطل التكليف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولسقطت بعثة الرسل، ولقبحت المساءلة والمحاسبة والمعاقبة؛ لأنه لا يجوز أن ينهى الله عما خلقه، ولا أن يأمر بما يفعله هو؛ إذ لا فائدة من ذلك، كما أنه لا يجوز أن يثيب ويعاقب على فعله (١).
ب- أنه يحسن المدح على الحسن من أفعال الناس والذم على قبيحها دون المدح والذم على حسن الهيئة وضده، أو طول القامة وقصرها، فدل هذا الفرق على أن أفعال العباد محدثة من جهتهم بخلاف الهيئة والصورة فإنها من عند الله (٢).
ت- أنا "نحتاج في هذه الأفعال إلى آلات وقدر وارتفاع الحواجز؛ لأنه إذا أراد الرامي الإصابة فلا بد له من قوس وآلة، وألا يكون بينه وبين المرمى حاجز، وأن يكون عالمًا، وأن يكون قويًا ليبلغ الرمي بشدة اعتماده، ولو كان من فعل الله تعالى لما احتاج إلى ذلك؛ لأنه تعالى فيما يفعله لا يحتاج إلى هذه الأمور، تعالى الله عن ذلك" (٣).
وكل هذا مردود بالكتاب والسنة والإجماع (٤)، بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس بعد الحق إلا الضلال، مع ضرورة التسليم بالشرع والقدر، واستحالة التعارض بينهما (٥).
_________________
(١) ينظر: شرح الأصول الخمسة (٣٣٤ - ٣٣٥).
(٢) ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٣٣٢).
(٣) مختصر أصول الدين للقاضي عبد الجبار (١/ ٢٣٨).
(٤) منهج السلف الصالح جمعوا بين الدليل المنقول، والدليل المعقول، فأدلتهم على إثبات القدر هي أدلة المثبتين له من الجبرية، لكنهم استدلوا بها على وجه العدل، وجمعوا بينها وبين الأدلة التي استدل بها نفاة مشيئة العبد وقدرته، وبهذا نعرف أن كلًا من الجبرية والقدرية نظروا إلى النصوص بعين الأعور الذي لا يبصر إلا من جانب واحد، فهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ينظر: كتاب القول المقيد على كتاب التوحيد، شرح ابن عثيمين (ص ٢٠٩).
(٥) ووجه استحالة التعارض بين الشرع والقدر أن كلًا منهما معلوم من الدين بالضرورة، والضرورة من حيث هي ضرورة لا يمكن أن تكون محتملة أو قابلة للإبطال؛ لأن حقيقة كونها ضرورية أن تكون ثابتة بإطلاق، وما كان كذلك لم يقبل المعارضة بدعوى المناقض؛ لأن ما كان ثابتًا في نفسه يستحيل أن يدل دليل صحيح على عدم ثبوته، وهذه قواعد من المسلمات التي لا يمكن الشك فيها مع تصورها على وجهها. ينظر: الخلاف العقدي في باب القدر (ص ٤٦). وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية عدم التعارض بين هذين الأصلين، وبين أن كلًا منهما أصل ضروري لا يمكن نفيه، وبنى على ذلك الرد على كل من طائفتي القدرية والجبرية في دعوى كل منها أنهم قد أخذوا بما هو مقتضى الضرورة، وأن كلا منهما قد خالف ما ضرورة في حقيقة الأمر، وفي بيان وجه مخالفتهم لهاتين الضرورتين. ينظر: منهاج السنة (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
[ ٥٣٦ ]
المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الإيمان بالقضاء والقدر.
ظَهَر قول مضاد معاكس لقول القدرية، وهو القول بالجبر، والذي يثبت أصحابه القدر بمراتبه، لكنهم سلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إنه مجبور على أفعاله، وأنه لا يقدر منها على شيء؛ لأنها مكتوبة عليه، فلا أثر لإرادته، ولا لقدرته (١)، بل هو كالريشة في مهب الريح، فليس له فعل حقيقة، وليس له تصرف حقيقة، ولا كسب حقيقة، وإنما هذه أمور مجازية، وفعل العبد هو في الحقيقة فعل الله - ﷿ -، لكن أضيف للعبد اقترانًا، ولم يضف إليه حقيقة، وأخرج بعضهم لفظ الكسب، وعللوا به (٢).
وقد سبقهم إبليس فاحتج على الله بالقدر: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ الحجر: ٣٩، فنسب الغواية إلى الله تعالى، وأخذ أهل البدع عنه ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الزخرف: ٢٠، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ النساء: ١٥٥، كما أن هؤلاء الجبرية يسمون بالقدرية المشركية؛ لأنهم شابهوا المشركين في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الأنعام: ١٤٨، فكانت هذه الأقوال السابقة بذرة لزرع القول بالجبر والخوض في القضاء والقدر على حسب الأهواء والآراء.
_________________
(١) وهذا القول خلاف ما يجده العقلاء في أنفسهم؛ لأن كل من يرجع إلى نفسه يفرق بين ما يرد عليه من أمر ضروري لا اختيار له فيه وبين ما يختاره لنفسه ويضيفه لها، فالعاقل يفرق بين حركة ضرورية كحركة المرتعش وحركة المختار، ومن أنكر هذه التفرقة لا يعد من العقلاء، وله ما ورد في القرآن كقول تعالى "يعملون""يكسبون""يفعلون" حجة، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ المدثر: ٣٨، ولو لم يكن للعبد اختيار كان الخطاب معه محالًا والثواب والعقاب عنه ساقطين كالجماد. ينظر: هامش الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني (١/ ٩٨ - ٩٩).
(٢) ينظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٤) وما بعدها، مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٣) وما بعدها، ومدارج السالكين (١/ ١٠٣) وما بعدها، شفاء العليل (ص ٩١) وما بعدها، شرح الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١).
[ ٥٣٧ ]
وهؤلاء في الحقيقة يزعمون: أن الله هو الفاعل الحقيقي لأفعالهم، وهذا كلام ظاهر البطلان، بخلاف ما عليه أهل السنة، الذين يقولون: إن الله هو الخالق، والعبد هو الفاعل، ولذا ترتب على فعله الثواب، والعقاب.
ولا تزال هذه الأقوال تقال على ألسنة طوائف من أهل الأهواء والبدع كالمرجئة-الأشاعرة والجهمية الكلابية-، والجبرية، وغلاة الصوفية (١)، ومن يعتقدون تأثير الكواكب، وغيرهم، وكما أن بدعة القدر ظهرت قديمًا، فهي وما تزال موجودة إلى الآن (٢).
ومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالقضاء والقدر، يأتي من طريقين، هما:
- أولًا: إرادة تنزيه الله - ﷾ - عن العجز الذي رماه به القدرية:
لما ظهر من ينكر علم الله بالجزئيات ومن ينكر مشيئة الله وخلقه، ظهر في المقابل من يثبت لله - ﷿ - خلق المخلوقات وأمر المأمورات لا لعلة ولا لحكمة؛ بل إنه تعالى فعل ذلك لمحض المشيئة والإرادة، وتسويتهم بين محبة الله ومشيئته، ونفيهم تعليل أفعال الله، أو أن تكون له فيها حكمة تعود إليه، نتج عن هذا أن جوزوا عقلًا كل ممكن عليه سبحانه، حتى تعذيب أوليائه وتنعيم أعدائه، وأن يأمر بما لا منفعة فيه، بل ما يكون ضررًا محضًا؛ لأنه تصرف في ملكه، ولا ملك إلا ملكه فيكون الظلم ممتنعًا عنه، وكل ما شاءه الله حسن؛ لأنه يحبه (٣).
وهذا النفي لحكمة الله - ﷾ - دفعهم إلى سلب العباد إرادتهم ومشيئتهم، وإلى القول بأن العبد مجبور على فعله، ولا قدرة له ولا اختيار، في مقابل قدرة الله واختياره، وأن الله وحده هو الخالق لأفعال العباد وأعمالهم، إنما تنسب إليهم مجازًا (٤) كما تنسب إلى الجمادات، كما
_________________
(١) "ممن يزعمون الترقي في مقام الشهود للحقيقة الكونية، والربوبية الشاملة، فيرون كل ما يصدر من العبد من ظلم، وكفر، وفسوق هو طاعة محضة؛ لأنها تجري وفق ما قضاه الله، وقدره، وكل ما قضاه وقدره فهو محبوب لديه، مرضي عنده، فإذا كان قد خالف أمر الشارع بارتكابه هذه المحظورات؛ فقد أطاع إرادة الله، ونفذ مشيئته، فمن أطاع الله في قضائه وقدره هو كمن أطاعه في أمره ونهيه كلاهما قد قام بحق العبودية لله". شرح نونية ابن القيم للهراس (١/ ٣٧٢).
(٢) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٦)، درء التعارض (٨/ ٢٢).
(٤) لا يمكن تكليف من لا ينسب إليه الفعل نسبة حقيقية .. فلا يمكن القول بما تقول به القدرية من نفي خلق الله لأفعال العباد، إلا مع القدح في توحيد الله تعالى، وإثبات مخلوق خارج عن مشيئة الله وقدرته، فيلزم وجود مخلوق لم يخلقه الله، كما لا يمكن القول بما تقول به الجبرية من نفي نسبة أفعال العباد إليهم إلا مع نفي التكليف وإبطال الحكمة من إنزال الكتب وإرسال الرسل والثواب والعقاب. ينظر: منهاج السنة (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، الخلاف العقدي في باب القدر (ص ٤٦).
[ ٥٣٨ ]
يقال: أثمرت الشجرة وطلعت الشمس وغربت واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك، وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضًا جبر، وهذا ما قالت به الأشاعرة (١)
والجهمية (٢).
ومع أن الكلابية يثبتون الحكمة لله - ﷿ - إلا أنهم يجعلونها قديمة، فيزعمون أن الله تعالى لم يزل راضيًا عمن علم أنه سيموت مؤمنًا وإن كان أكثر عمره كافرًا، ولم يزل ساخطًا على من علم أنه سيموت كافرًا، وإن كان أكثر عمره مؤمنًا، وإرادة الله ﷾ لكون الشيء هو الكراهة ألا يكون، ويزعمون أن محبته ورضاه وسخطه وإرادته كل ذلك قديم، وقولهم واضح البطلان حيث يؤدي إلى رد الصفات الاختيارية ورد النصوص من الكتاب والسنة فظهر خلل المرجئة في هذا الموضع (٣).
والخلاصة أن نفي قدرة العبد واختياره، وإخراج أفعاله عن أن تكون أفعالًا له؛ وإنما هو آله محضة، مضطرٌ إلى جميع ما فيه من حركة أو سكون، وأن إضافة الفعل إليه مجازًا، والفاعل الحقيقي هو الله تعالى، كل هذا ترتب عليه مفاسد كثيره، منها:
١ - اعتقادهم أنهم مكرهون على المعاصي، مقهورون على فعل السيئات، من غير اختيار منهم البتة، وبناء على هذا اعتقدوا أنهم إذا عُذبوا على السيئات فإنما يعذبون على ما لا صنع لهم فيه؛ بل يعذبون على فعله هو - ﷾ - عما يقولون- إذ العبد عندهم لا فعل له، وقد بلغ التجرؤ أقصاه عندما تبجح من تبجح بالمدافعة عن إبليس زاعمين
_________________
(١) الأشاعرة يثبتون للعبد قدرة محدثة وكسبًا، ويقصدون بذلك أن الأفعال مستندة إلى الله تعالى خلقًا وإلى العبد كسبًا بإثبات قدرة مقارنة للفعل، ولكن قدرة العبد غير مؤثرة، والمقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وكونه متعلق القدرة الحادثة هو الكسب. والذي أوقعهم في التناقض -نسبة الفعل إلى العبد مع نفي تأثير قدرته فيه- أنهم ظنوا أن التأثير للقدرة في الفعل لا يكون إلا على وجه الإحداث للفعل، وهي الشبهة المشتركة بين القدرية والجبرية، فلا يمكنهم -والأمر كذلك- إلا أن يلتزموا بما التزمت به الجبرية من القول بنفي تأثير قدرة الرب وقدرة العبد، ومن هنا ادعوا أن القدرة الكاسبة غير القدرة المؤثرة، وأن التمانع إنما يكون بين قدرتين مؤثرتين. والسؤال الذي لم يتمكن الأشاعرة من الإجابة عليه، أنهم إذا نفوا التأثير لقدرة العبد في فعله لم يمكنهم التفريق بين قولهم وقول الجبرية، وأنه يلزمهم كل ما يلزم الجبرية مما يتعلق بموقفهم من أساس التكليف، ومن هنا اعترف بعضهم بالجبر وإن حاولوا تبريره بالادعاء أنه ليس مطابقًا لمذهب الجبرية. ينظر: الخلاف العقدي في باب القدر، د. عبد الله القرني (ص ٣٩ - ٤٠).
(٢) ينظر: بيان مخالفة الكوثري لاعتقاد السلف، د. محمد عبد الرحمن الخميس (ص ٨٨)، تناقض أهل الأهواء (١/ ٣٦٤).
(٣) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ١٥٨)، البرهان (ص ٣٤ - ٣٥)، تناقض أهل الأهواء (١/ ٣٦٤).
[ ٥٣٩ ]
أن الله تعالى ظلمه، وأنه أجبره على الحال التي هو فيها، وأنه منعه التوبة ولا حول ولا قوة إلا بالله (١).
٢ - أن البعض منهم تدرج في الأمر فاحتج بالقدر على المعاصي، زاعمًا أن ذلك بإرادة الله ومشيئته وأنه هو الخالق لهذا الفعل.
٣ - قرر بعضهم أن أعمالهم لا توصف بحسن ولا قبح، فتذرع من غلا منهم إلى إنكار الفرق بين المأمور والمحظور، بل إلى أن يروا أفعالهم كلها طاعات لموافقتها القدر.
٤ - صار هذا الانحراف إلى مزلق الجبر ذريعة إلى الانسلاخ من الشرع وطي بساط الأمر والنهي (٢).
ولو صح ما قالوه من أن أفعال كافة العباد اضطرارية لما صح شيء في العقل البتة؛ بل وأبطلت الشرائع وسقطت التكاليف جملة فإنه لا يتصور تعلق الأمر والنهي بأفعال اضطرارية غير اختيارية (٣).
- ثانيًا: الغلو في شهود خصائص الربوبية:
كذلك فالغلو في شهود خصائص الربوبية أدى إلى إيجاب الرضا بكل مقضي؛ وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله - ﷺ -، ولا كلام أحد من السلف ما يدل على أنه يجب أو يستحب الرضا بكل مقضي، ومنشأ ذلك -والله أعلم- هو الغلو في جانب القضاء والقدر، وذلك بشهود ذلك منفصلًا عن الأمر والنهي الذي هو مقتضى توحيد الألوهية (٤).
ومقتضى التسليم بتوحيد الربوبية، هو الإيمان بعموم خلق الله - ﷾ - لجميع المخلوقات، ومنها أفعال العباد، مع الجزم بنسبة أفعال العباد إليهم نسبة حقيقية، لتوقف التكليف على ذلك، إذ
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٠٣)، صراع الملاحدة لعبد الرحمن الميداني (ص ٣٥٤ - ٣٥٨)، تناقض أهل الأهواء (١/ ٣٦٤).
(٢) ينظر: بغية المرتاد (ص ٢٦١)، وشفاء العليل (٢/ ٧٦١)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٢٣٥)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦٨)، وطريق الهجرتين (ص ١٦٨)، مدارج السالكين (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، والمسائل العقيدة المتعلقة بالحسنات والسيئات (١/ ٦٠٤ - ٦٠٦).
(٣) ينظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢).
(٤) ينظر: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد (٢/ ٤٩٨).
[ ٥٤٠ ]
لا يمكن تكليف من لا ينسب إليه الفعل نسبة حقيقية، والإخلال بهذا مفضٍ إلى جعل القدر حجة في باب المعصية، والأمر ليس كذلك، فليس لأحد أن يحتج بالقدر على معاصيه، بل عليه التوبة والاستغفار، وإنما يحتج بالقدر في باب المصائب لا المعائب؛ فليس لأحد حجة على الله (١).
لذا يفرق الإمام ابن القيم بين ما يضاف إلى قدرة الله تعالى وما يضاف إلى قدرة العبد من أفعال العباد، فيقول: " يضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين، قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر وإذا عرف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الرب خلقًا وتكوينًا، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سببًا ومباشرة، فالقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته" (٢).
يتضح لنا مما سبق تفرد منهج أهل السنة بأنه وسط بين هذه البدع المتقابلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " وهم -أي: أهل السنة- وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية" (٣).
_________________
(١) ينظر: الاستقامة (٢/ ٧٨ - ٧٩).
(٢) شفاء العليل، (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩).
(٣) العقيدة الواسطية -ضمن مجموع الفتاوى- (٣/ ١٤١).
[ ٥٤١ ]
المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالقضاء والقدر.
إن المتأمل في كتاب الله -﵎- ليجد فيه عنايةً واضحًا بإثبات قدرة العباد وأن لهم إرادةً واختيارًا، فرتب حصول الخيرات والسرور في الدنيا والآخرة على الأعمال، ورتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع (١).
كما أولى اهتمامًا بإثبات المشيئة العامة لله - ﷿ - وأنه لا يخرج في هذا الكون شيء عن مشيئته وإرادته، وهذا كثير في كتاب الله - ﷾ - أيضًا.
فإذا جمع المسلم بين هذه الآيات تبين له الحق وظهر، وهو أن الله له المشيئة التامة في الخلق، وأن الخلق لهم مشيئة وإرادة تابعة لمشيئة الله - ﷿ - وإرادته؛ لأنه سيدهم وخالقهم، وأمرهم بيده.
ومع كل ما جاء في القرآن الكريم من خبر ذلك وتأكيده، نجد من أصحاب البدع المتقابلة من أفرط أو فرط في باب الإيمان بالقضاء والقدر، لذا فقد اعتنى القرآن الكريم بشبههم، فبينها وقضى عليها بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في هذا الباب:
_________________
(١) ينظر: الجواب الكافي (ص ٣٩ - ٤١).
[ ٥٤٢ ]