ج) لا يجوز إنكارهم شرعًا ولا عقلًا، فهم عالم ظهرت آثاره، بحيث اضطر الملاحدة القدماء المنكرون لهم إلى الاعتراف بقوة غيبية سموها (قوى الشر)، كما سموا
[ ٩٠ ]
الملائكة (قوى الخير)، مع إنكارهم لهم أيضًا.
والمنكر لهؤلاء وهؤلاء مكذب لله القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، والقائل لرسوله ﵇: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ .
فالمنكر لهم منكر لقول الله، معترض للحكم بالردة من الإسلام بعد قيام الحجة عليه بتفهيمه لذلك.
ثم إن إنكارهم رجعية قديمة كما ذكرنا.
[ ٩١ ]
حكم التشرِيع
إن ما أمر به الشارع من قول وفعل فيه مصلحة لبدن ابن آدم خاصة؛ فضلًا عن المنافع الأخرى، والأجور المضاعفة عند الله، وعلى الأخص الصلاة.
وما نهى عنه الشارع؛ ففيه أضرار بالجسم زيادة على أضراره الأخرى في المجتمع، وما فيه من الإثم والعقوبات، وعلى الأخص الحقد والكراهية والحسد والشك.
وإستعمال الأشربة المسكرة والمخدرة بأصنافها المتنوعة، حتى المفتر منها. فقد أثبت الطب الحديث بالتشريح والنظارات المكبرة جدًا، أن في الجسم مواد كثيرة متنوعة، ما تدفع عنه ما يعرض له من أدواء وجراثيم، مثل الكريات البيض التي تتصادم مع الجراثيم الوبائية فتقتلها أو تبتلعها وغيرها من مواد إضافية ومفرزات كيماوية، يحملها الدم ويتحول بعضها من سائل خفيف إلى شبه نسيج من الخيطان، يتجمع حول الجرح الحادث ليضيق مساحته، ويجعله يلتئم بسرعة، وهذا
[ ٩٣ ]
يسمى في عرف الطب الحديث "ينبر يتوجين"، إلى غير ذلك مما بثه الله للدفاع الداخلي في جسم الآدمي عما يطرأ عليه.
لكن هذه الوسائل الدقيقة العظيمة المفعول في مقاومة الأدواء، تتأثر جدًا بما يلتبس به الإنسان من حقد ملتهب، وكراهية متبرمة، وحسد وغضب ينشأ منهما، وبتأثرها لها لا تستطيع على مقاومة عوارض الأدواء، فيستفحل المرض في البدن، حتى قد يعود خطرًا بضعف تلك الأشياء عن المقاومة، بسبب تلك الذنوب.
وإن المشروبات التي فيها كحول مسكرة أو مخدرة أو مفترة، يكون لها أسوء التأثير قي شل حركة تلك المواد عن مقاومة الأمراض، زيادة على ما تنقله معها من الأدواء المضرة. فإذا تواصل هجوم الأدواء على البدن، مع إنعدام المُدافع فيه لها، استفحل المرض وامتدت جذوره الفاتكة.
فالله لم يحرم على عباده إلى الخبائث التي ينتج عنها الإضرار ماديًا ومعنويًا، أدبيًا وروحيًا. الخبائث التي تضرهم في دينهم ودنياهم، بسلب صحة أبدانهم وقلوبهم وأرواحهم العزيزة، فهو الرحمن الرحيم العليم الحكيم لا إله إلا هو.
وما أمر به عباده، فكله خير ونعمة وشفاء ورحمة ومنفعة مادية وأدبية لأموالهم وأفهامهم، ومعنوية لأبدانهم وأرواحهم.
[ ٩٤ ]
فالتوحيد الذي هو أصل الأصول، له تأثير عظيم في ضبط الصحة وحمايتها، ومدافعة أكثر ما يطرؤ عليها من أمراض.
إذ سبب الأمراض في الغالب مخالفة أوامر الله في إسراف بأكل أو شرب وإقتراف معصية تحدث أوجاعًا في القلب أو البدن، كالزنا واللواط أو إطلاق النظر إلى ما لا يحل، والتولع بعشقه، ثم التحسر على صعوبته أو عدم تحصيله، أو الهيام به، مما يتأثر به القلب، ليشقى هو والبدن جميعًا، ويصاب بعلل شتى قد يكون من بعضها السل أو السرطان، وقد تزداد الآلام إذا انضم إلى ذلك صرف المال ولم يحصل المطلوب، فتزداد الحسرة وتتفاقم الأمراض، أو بما يولع به نفسه من المشروبات المسكرة والمخدرة التي يسترسل فيها طالبًا الشفاء ببعضها من بعض والتعلل بها بفقدان الإحساس عما يجده من الحسرات على عدم تحصيل مطلوبه من مال أو رغبة أو معشوق، كالمسترسل في المعاصي، لما يجد فيها في صدره من الضيق والهم والغم، الذي يجعله يعاودها لعله يشفي غليله، كما قال شاعر هذا النوع:
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
فإن التوحيد الصحيح الخالص يقوي القلب على فعل الخير ويشرح الصدر ويجعل الإنسان متوجهًا إلى الله، متعلقًا به في جميع أموره، منصرفًا إليه بالحب والتعظيم
[ ٩٥ ]
والخوف والرجاء والإجلال والطاعة والإنقياد والتوكل والإنابة، ودوام ذكر الله محبة وخضوعًا، فيمتلئ القلب من محبته وتعظيمه، بحيث لا يكون فيه فراغ لغير حب الله وما نزل من الحق، بل يكون الله أحب إليه مما سواه وأجل مما سواه ولا يرى اللذة والنعيم والسرور إلا بذلك، فيكون هذا القلب الذي هو ملك الأعضاء قد استكمل ملوكيته ومعنويته من الحياة والعلم وقوة الجنان ونفاذ البصيرة وكمال الرغبة إلى الله والاعتماد إليه والالتذاذ بذكره وتلاوة كتابه، فيكون القرآن ربيعًا لذلك القلب يرتع في حكمه ومواعظه وتوجيهاته أعظم مما ترتع الأجسام في الربيع الخصب، فيكون شفاء لهمه وغمه ومسليًا له يستغني به عما سواه، فلا يألف إلا الطاعات المزكية لنفسه المرغمة لعدوه من شياطين الجن والإنس، ولا يكون فيه هوى مخالفًا لما في كتاب ربه فيسلم من الأمراض التي تنشأ غالبًا من المعاصي كما قدمنا، ثم يتحصن عنها ويحتمي منها بطاعة الله، فبتحقيق مقتضيات التوحيد ينفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والابتهاج، ويستنير القلب بنور الله الذي يكون له فرقانًا يفرق بين الحق والباطل والصحيح والسقيم فيكون نشيطًا في طاعة الله، قويًا في أمره، معظمًا لشعائره، غيورًا على دينه وحرماته، مسارعًا لمرضاته، مبتعدًا عن المخالفات التي ينشأ منها الإثم والحرج، مجتنبًا معاصيه، محاذرًا منها.
عالمًا أن الهوى من أكبر أدواء النفوس، ومخالفته من أعظم أدويتها، ولا يسلم
[ ٩٦ ]
من اتباع الهوى ويحظى بمخالفته إلا من استمسك بالعروة الوثقى بسلوك جميع ما يقتضيه توحيد الألوهية والربوبية فكان له القرآن هاديًا والرسول ﷺ قائدًا، فلم يتبع نفسه هواها، ولم يستجب لشيء من همسات شياطين الجن والإنس أو نداءاتهم، بل يحصر استجابته في كل شيء لدعوة الله وندائه، متيقنًا أنه لا يدعوه أو يناديه إلا لما يحييه الحياة المعنوية الطيبة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ .
عارفًا أن الله أقامه في الدنيا مقام جهاد متواصل بجميع أنواع الجهاد، جهاد النفس والهوى، وجهاد شياطين الجن والإنس الذين يغزونه بالباطل، ويوحون زخرف القول ويزينون له ما يخالف وحي مولاه مما يفسد قلبه ويفسد حياته.
ثم جهاد أعداء الله الذين يقعدون بكل سبيل يوعدون ويصدون عن سبيل الله، جهادًا متنوعًا متواصلًا يقمعهم به عن الوصول إلى غاياتهم الدنيئة، التي يخدعون الناس فيها بشتى الأسماء والألقاب.
جازمًا أن من أقام نفسه هذه المقام وأشغلها في ذلك يحصل على الحياة الطيبة النافعة في الدارين، ويكون من جند الرحمن المنصورين وحزبه المفلحين، وأن من انعكس فلم يستعمل نفسه في طاعة الله والجهاد في سبيله فتح على نفسه أبواب الشر فغلبه هواه واستهوته الشياطين وانقضت عليه شياطين الإنس والجن من كل جانب فكسبوا نفسه
[ ٩٧ ]
العزيزة كسبًا رخيصًا وكان من حزب الشيطان ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
فهكذا يصير الإنسان في حياته لا محالة ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
والنفس إن لم يشغلها صاحبها بالحق، ويصنها بوحي الرحمن الرحيم، شغلته بالباطل، وسلكت به خطوات كل شيطان رجيم، لهذا كان الإنسان لا بد له من الإيمان بالغيب وإستشعار عظمة الله والخوف الشديد من
هجوم الموت الذي ما بعده إلا دقة الساعة الكبرى يوم الفزع الأكبر، ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى، فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ .
فالإيمان بالغيب هو مصدر الهداية والرشد والسعادة، لأنه يجعل من ضمير الإنسان رقيبًا باطنيًا يراقبه في كل عمل ويخوفه من عقوبات الله العاجلة والآجلة، فيكون من ناحية على خوف ووجل من سوء المصير ومغبة التقصير فيراقب الله تمامًا، مسارعًا لمرضاته، يبذل النفس والنفيس لتنفيذ أوامره في كلماته الحسنى التي تضمنها القرآن، فينشغل جسمه وقلبه بأعمال الخير والهداية عن أعمال الشر والغواية،
[ ٩٨ ]
فتنفتح له أبواب الخير والسعادة بالمقاصد الحسنة والأعمال الصالحة، وتنغلق عنه أبواب الشرور باستدامة ذكر الله ومراقبته والاستحياء منه حق الحياء ومواصلة التوبة والاستغفار.
قال ثابت بن قره: (راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الأنام، وراحة اللسان في قلة الكلام، والذنوب للقلب بمنزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته ولا بد. والضعيف لا يقوى على مقاومة العوارض) .
وقال عبد الله بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
ومن أعظم أمراض القلوب "فتنة الشبهات" التي يقوم بها شياطين الجن والإنس في كل زمان ومكان ليلبسوا بها على الناس دينهم ويشككوهم في خالقهم، بل في جميع أمور الغيب، ويولعونهم بحب الجنس والوطن والمادة، فيحلوا المذاهب المادية والمبادئ القومية الجنسية والوطنية محل الروحانيات التي بها سلامة الصدور وشفاء القلوب، ويشغلونهم بالمطربات الشيطانية ولهو الحديث عن ذكر الله
[ ٩٩ ]
وما نزل من الحق، لتكون قلوبهم متأهلة للافتتان بالشهوات.
وإذا جثمت على المجتمع فتنة الشبهات مع فتنة الشهوات فقد شقي وضل عن سواء السبيل، وهم يمهدون بالأولى للأخرى ليحدثوا الفراغ. عن جميع أنواع الحق الذي تقتضيه عبادة الله، فيشغلوه بالباطل كل على حسبه من ذلك الفراغ والعياذ بالله.
فالإنسان - ولو كان مسلمًا - كلما ضعفت في قلبه محبة الله ومراقبته، وضعفت فيه الغيرة على دين الله ومحارمه مالت نفسه إلى ما تألفها وتشتهيها من ملذات الحياة الدنيا، دون مبالاة بحكم الله فيها، أو بسوء نتائجها، لأنه بحصول ذلك يندفع إليها اندفاعًا لا شعوريًا يقضي به وطره، ويشغل به فراغه، الذي حدث له. فإن حصل له شيء من التوفيق ينيب به إلى الله، انجبر الصدع الذي نابه من طائق الشيطان، وإن لم يحصل له ذلك استمر في طريق الغي والهوى الذي ينسيه الله، فيعاقبه الله بأن ينسيه نفسه فيكون منهومًا بإشباع شهواته التي لا تنقضي، واتباع هواه الذي لا يقبل معذرة ولا تسويقًا، فيجعل قي قلبه الجشع والتلهف على ما يهواه، ثم الحسرة والغيظ على عدم نيله، مما يجره إلى مسكر ومخدر يغطي عقله ويريح شعوره المتبلبل،
[ ١٠٠ ]
وقد يندفع إلى أنواع المشروبات يقصد بها التقوي على نهمته ناسيًا أنها استنزاف عاجل يطيح بقوته عن قريب، وقد يشرب القبيح المكروه عنده من أنواع الدخان يتسلى به عن وساوس خاطره ووهج صدره، ويعاود أنواع المعاصي للاستشفاء بها عما قبلها، أو عن آثار ما قبلها وهكذا.
وكل ما حصل ويحصل للناس من التمادي في الإثم والفساد وشرب ما لا يليق لهم شربه، إنما هو ناتج من ضعف القيام بعبودية الله وتحقيق محبته وتعظيمه، وضعف إستقبال القلب لذكر الله وما نزل من الحق، وعدم الفرحة الصحيحة بكتاب الله الذي أنزله شفاءً للقلوب وعزًا وفخرًا للنفوس المؤمنة، التي نعرف قيمتها بين الأمم بما هيأها الله للخيرية واصطفاها لحمل الرسالة وأداء الأمانة وإصلاح الأرض بنور الله وتطهيرها من كل كفر وظلم وفسق وفجور.
فمن عرف قيمته، وقام بواجبه، ورعى أمانته حق رعايتها، وحمل رسالته الإلهية الثقيلة، شمخت نفسه بها وترفع عن الدنايا والسفاسف، وربأ بنفسه وأهاب بها من النزول إلى مستوى الطغام والتشبه بالبهائم في نيل الشهوات.
إذ كيف يتدنى بنفسه إلى فعل ما ينهى الناس عنه وإقتراف خيانة الله أو ترك ما يأمر الناس بفعله. إذًا لا يكون صحيحًا حامل رسالة، ولا صادقًا مع الله، ولا شريفًا في
[ ١٠١ ]
نفسه، بل يكون كاذبًا دنيئًا متلاعبًا، ولذا قال الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ .
فالذي يعرف قيمته، وما اختاره الله له؛ واصطفاه وخوله وحباه من جميع النعم والكرامات، يكون مشغولًا بأمرين عظيمين جدًا:
أحدهما: أن يكون مشغوفًا غاية الشغف بحب من أنعم عليه بنعمة الإيجاد والأحاسيس والقوى، وتفضل عليه بسائر نعمه وفضله وجوده وإحسانه الدائم المتواصل، ويكون ذاكرًا له ذكرًا صحيحًا من أعماق قلبه، متفكرًا في آياته وآلائه وعظمته وجلاله، سابحًا في بحر معرفته، والتلذذ بذكر أسمائه الحسنى، والفرح بقراءة كتابه العزيز.
بحيث يمتلئ قلبه من محبته وتعظيمه، والاطمئنان لوعده، والابتهاج والسرور بذكره جل وعلا. فلا يكون فيه فراغ لغير ذلك تشغله به شياطين الجن والإنس من لهو الحديث والخزعبلات والمجون، فإذا كان قلبه على ما ذكرنا سعى للقيام بشكر الله شكرًا عمليًا وذلك بحسن التصرف في نعمه بأن يستعملها فيما يرضيه لا بشيء مما يسخطه، وأن يكون ممتثلًا لأوامره، مسارعًا في طاعاته، مجتنبًا نواهيه، حافظًا لحدوده، غيورًا على دينه وحرماته، معظمًا لرسوله، مقتديًا به في كل ما يأتي ويذر، وأن يقوم بجميع أنواع الجهاد المستطاعة لقمع المفتري على الله ورسوله، وتوقير دينه، وإعلاء كلمته.
فهذا هو الشكر
[ ١٠٢ ]
الواجب المطلوب ليس الشكر باللسان الذي يشترك فيه كل الناس بأقوالهم الجوفاء.
ثانيهما: أن ينشغل بحمل رسالته التي اختاره الله لها واصطفاه لحملها، مقدرًا ما هيأه الله له من هذه الوظيفة الشريفة، فيتشرف بكتاب الله، ويفرح به فرحة عظيمة لا تشبهها أي فرحة بأي نيل يناله، لأن القلب السليم يعرف أنه مهما نال من مُتَع الدنيا وخزائنها، فاتحاف الله له بالقرآن أعظم فائدة له من ذلك.
إذ فيه الشفاء والنور لقلبه والصيانة لجوارحه والعز والسؤدد والتفوق على غيره في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فهو مصدر عزه وسعادته، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .
فبقوة فرحته وتشرفه بالقرآن ومحبة منزله جل وعلا واستشعار عظمته، يتلوه حق تلاوته بالتدبر الصحيح، مستغنيًا بهدايته عما سواها، ساعيًا في تنفيذ أوامر الله وأحكامه، قائمًا حق القيام بحمل هذه الرسالة الشريفة حملًا صحيحًا بتطبيق العمل الذي يكون به أسوة حسنة للناس أولًا، ثم بالدعوة والتبليغ والدفع به إلى الأمام ثانيًا.
كيلا يسبقه أهل الدعوات الأخرى ويغلبوه على حمل رسالة مولاه، فينشغل غاية الإنشغال بأداء وظيفته الشريفة التي
[ ١٠٣ ]
اصطفاه الله لها، فلا يكون في قلبه فراغ ولا في أوقاته مجال أبدًا لغير ذلك ومع هذا فلا يتبرم أو يضجر لما يخالطه من المحبة واللذة والغبطة والسرور في ذلك، متيقنًا أن العزة والسؤدد والسعادة الكاملة والحياة الطيبة في الدارين إنما هي بتحقيق طاعة الله والقيام بواجب مولاه وجندية مولاه وحفظ حدود مولاه راجيًا رحمته خائفًا من عذابه المتنوع.
وبإنشغال المؤمن بهذين الأصلين ومقتضياتهما مما قدمناه يكون قد طهر قلبه مما سوى الله، وملك جوارحه واستعملها في طاعة الله، وضبط أوقاته واستغرقها في خدمة وظائف الله بغاية الحب والسرور والاغتباط.
ومن كانت هذه حاله فلا تساوره الهموم والأحزان، ولا يعتريه السخط والملل، لأنه متنعم بما يجعله معتزًا، متشرفٌ بما يسلكه متوكلٌ على الله، مستعين به، راضٍ عن محبوبه جل وعلا، صابرٌ على بلائه جازمٌ أنه تربية لنفسه وسبكٌ لضميره أحسن وأحكم من تربية المخلوق للمخلوق الذي يصطفيه في مهمات الدفاع عن مبادئه وكيانه.
وإذا كان على هذه الحال فلا يمكن أن يلهو باللعب والطرب أو ينشغل بلهو الحديث عن مهماته العظيمة ووظائفه الشريفة، ولا أن يأكل أو يشرب ما يضر ببدنه أو يخامر عقله أو يفتر نفسه أو يخدر جسمه والمفترات، كالقات والشمة والتمباك والحشيشة
[ ١٠٤ ]
والمشروبات الأخرى، المسكرة منها أو المفترة أو المنعشة، ونحوها مما يتعاطاه المترفون أو الفارغون أو مبلبلو الخواطر الذين ما تطمئن قلوبهم ولا تأنس بذكر الله ولم تشتغل بواجبها مما ذكرنا آنفًا.
فكل ما يعتري النفوس من تناول هذه الأشياء أو الولوع بعشق المحبوبات لديها ناشء بسبب ذلك.
فإن المحب لله يشتغل بمقتضيات محبته ولوازمها مستلذ بمحبته أعظم من كل لذة تحصل بمحبة أي معشوق في الدنيا كما أنه يكون مندفعًا ومنهمكًا بالأعمال التي ينال بها القرب من محبوبه ورضاه.
فأهل الإيمان بعد تجريد توحيد قلوبهم لله وإقبالهم عليه دون ما سواه، يكونون حنفاء لله مخلصين له لا يحبون شيئًا إلا في الله ولله، ولا يتوكلون إلا عليه ولا يرجون أو يخافون إلا إياه ولا يسألون إلا منه ولا يوالون أو يعادون إلا فيه ومن أجله، فلا يكون للهوى عليهم سبيل، أو يكون منهم إلتفات إليه، إن حاربوه وطلقوه، لأنهم قد ثبت عنهم إرادة ما سوى الله بإرادته، ومحبة ما سواه بمحبته، وخوف ما سواه بخوفه، ورجاء ما سواه برجائه.
فبذلك حققوا عبوديتهم لله ومحوا الهوى الذي يتخذ آلها من دونه.
فلم يعتريهم في سائر سلوكهم شيء مما يزاحم الألوهية
[ ١٠٥ ]
ويفتح للشياطين عليهم منفذًا ومجالًا، لأنهم قد صدقوا بقلوبهم وجوارحهم في محاربة الشياطين بسلاح وحي الله وتحصنوا منهم بقربه وطاعته ومحبته، فانتعشت قواهم الروحية والمعنوية بقوة إيمانهم ويقينهم وحبهم لربهم وأنسهم به وانشغالهم الدائب في طاعته واشتداد شوقهم إليه ورضاهم بما يصدر منه وعنه لفرط حبهم وحسن مقابلتهم للنعمة والمعروف.
قال ابن القيم ﵀: (ومن غلظ طبعه وكثفت نفسه عن فهم هذا والتصديق به فلينظر حال كبير - أو كثير - من عشاق الصور الذين قد امتلأت قلوبهم بحب ما يعشقونه من - جميل وجمال - جاه أو مال أو علم وقد شاهد الناس من ذلك عجائب في أنفسهم وفي غيرهم)، انتهى بتصرف يسير هو ما بين الخطوط توضيحًا مني.
ولا شك أن ما يتأثر به القلوب والأرواح تنفعل به طبيعة البدن من كل شيء وفي كل شيء. وإذا كان القلب خرابًا من قلة التوحيد والتوكل والتقوى والخشية من الله والتوجه إليه، أو خرابًا من عدم ذلك بالكلية فإنه يكون مقفرًا من روح الله أعزل من ذكره وأسلحة وحيه وحصانة حبه وقربه، فإنه يكون مصروعًا بشتى أنواع الصرع، صرع الهوى والشياطين وأكثر الناس صرعى من ذلك لا يفيقون من سكر الهوى الذي بواسطته صرعتهم الأرواح الخبيثة
[ ١٠٦ ]
وأسرتهم الشهوات واستعبدتهم ففيهم الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند معاينة الموت إن لم يتداركه الله بلطفه وتوفيقه فيستشفي بشفاء الوحي ويصحو بقوارعه ويفيق فينيب إلى ربه فحينئذ يعرف حاله وينظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينًا وشمالًا على اختلاف طبقاتهم وشدة انهماكهم فمنهم من أطبق به الجنون ومنهم من يفيق أحيانًا وتصرعه شهواته وأطماعه وأغراضه أحيانًا فإذا أفاق أبصر الحق أو بعضه فعمل بعمل أهل العقل واليقين وإذا انتابته أغراضه وانصرع بها عمل ما يتلقه ويشقيه في الدنيا والآخرة.
فلهذا تجد أهل المخالفات للشريعة يعملون ما يخالف العقل الصريح والذوق السليم بحيث لو شرع وفرض عليهم وحثهم الوعاظ على فعله لاستنكروه وقالوا هذا خرافة - هذا فعل وحشي - فلو أمروا مثلًا بالزنى لقالوا:
كيف ذلك وجميع بنات آدم أخوات لنا وعلى الأخص المسلمات؟ كيف يكون الإنسان كالحيوان ينزوا على أخته ثم يعقبه الآخر؟ أين العفة؟ أين الصيانة؟ أين المصونة؟
ولكن سكر الهوى وصرع الشيطان يدفعانه إلى عكس الحقيقة فيتعشق الخبيث النجس مقتديًا بالجعل من حيث لا يشعر.
وكذلك لو فرض عليه شرب أي نوع من أنواع الخمر
[ ١٠٧ ]
لقال في حال عقله الصريح: كيف أشرب ما يذهب عقلي ويزيل عني الميزة الإنسانية ويلحقني بالبهائم؟
ولو قيل له تناول الحشيشة أو الأفيون الترياق أو القات وما شاكله من المخدرات والمفترات، لامتعض من ذلك وقال: كيف أتناول ما يخدر جسمي ويبلدني ويذهب برجولتي ومنزلتي إلى مستوى البهائم؟!
كما لو قيل لذي العقل الصريح والقلب الذي لم يتأثر بأمراض الغفلة والإعراض عن الله: إن شرب الدخان مفترض عليك من سيجارة إلى حشيشة ونحوها، لقال: الله أكبر، كيف أضع الدخان في صدري؟! كيف أدخله إلى أعماق بدني؟! هذه ليست بشريعة حكيم مفكر. هذا عمل وحشي وتشريع خامل جاهل. كيف أنفق الدراهم في شراء هذه الأشياء التي تضر بصحتي وتجعل نفسي رهينة لها أسيرة لتناولها؟! هذا سفه وخبال. لأي شيء أعشقه وأدفع له عزيز مالي وثمرة كدي وكدحي؟! هل أعشقه وأرغب فيه لطيب ريحه أو لحسن طعمه أو لالتذاذ بمنظره أو التقوي بتناوله؟! كل هذا مفقود وعكسه موجود. الخمر طعمها مر، وريحها عفن نتن والأشياء المخدرة كذلك في سوء
[ ١٠٨ ]
المنظر والمخبر خبيثة الريح والطعم والضرر على العقل والروح والبدن والخسارة في المال وكذلك الدخان بسائر أنواعه، لا أربح منه إلا خراب الأسنان وكثرة السعال وخبث الريح وضعف البدن والقوى وإضاعة المال وإيذاء من يكرهه من الإخوان بإفساد الجو اللطيف عليهم. ومن يؤذ إخوانه فلا خير فيه.
هكذا منطق العقل الصريح المستقيم والذوق السليم.
كما أنهما يناديان على كل خصلة حرمها الشارع بقبحها في العاجل وسوء عواقبها ونتائجها في المستقبل من غش وخداع وتطفيف ونصب وتلصص وإغتيال وفحش وشتم وغير ذلك.
لأن الجرائم ليست فطرية تولد مع الإنسان. وإنما هي عوارض وقتية تسنح له ويرتكبها لحاجة تضغط عليه أو تأثير بيئة أو سوء توجيه.
أما الذي يولد مع الإنسان فهي فطرة الله التي فطر بني الإنسان عليها من الخيارة والعدالة والاتجاه إلى الله، ثم ما ينميه الله بها من شريعته المزكية لنفوسهم المنورة لقلوبهم فيما يبعثه من رسل وينزله من كتب.
فإذا غلبتهم نفوسهم بما ذكرنا واجتالتهم الشياطين فسدت فطرتهم وسرجت عقولهم فانحرفوا إلى الأعمال والسجايا والتقاليد التي لا ترضاها العقول السليمة الفطرية المتجهة إل فاطرها القائمة بشكره وذكره.
[ ١٠٩ ]
وإذا سلموا من ذلك وكان الحكم للعقل الصريح حكم بما ذكرناه آنفا، مؤيدًا لما جاءت به الشريعةـ ثم إذا تشرفت العقول والأرواح بتقبل شريعة الله حصل لها الكمال المطلق الصحيح الذي تزكوا به النفوس ويحصل به الفرقان من نور هداية الله ومدده وتوفيقه فتبصر الحقائق على ما هي عليه لأنها تكون على بينة من ربها بهدايته لها إلى الصراط المستقيم وإمدادها بالعلم والحكمة فتندفع إلى الطاعات وتنزجر عن المحظورات على بصيرة وعن حب وتعظيم لله وخوف كامل ومراقبة صحيحة، فنتجوا تلك العقول من الصرع الحسي والمعنوي وتتحرر من رق الهوى والشهوات وعبودية الأشخاص والمذاهب المادية فأولئك أهل لتلك الحياة الطيبة التي لا يتعاطون فيها ما يضرهم في دينهم ودنياهم، زد على هذا، ما يربحونه من اتباع الشريعة والتأدب بآدابها والتزام فرائض الله وحفظ حدوده مما يضمن لهم السعادة في الدارين.
وقد قدمنا أن جميع ما أمر به الله من قول وفعل من سائر العبادات فيه مصلحة لبدن ابن آدم وعقله وروحه؛ فضلًا عن مزيد الثواب ورفعة الدرجات عند الله، فضلًا عما يكسبونه في الدنيا من السؤود والنصر والعزة والسلطان، ولتأت من ذلك على أمثلة فنقول:
١) منها "الصلاة"، إذا قام إليها الإنسان عن حب
[ ١١٠ ]
وتعظيم لله، ورغبة فيما عنده، وتشرف واعتزاز بمقابلته جل وعلا، فوقف أمام ربه مالك الملك وقفة أخشع وأخضع من وقفته أمام حاكم من حكام الدنيا فصلاها وهو حاضر القلب متلذذٌ بالحظوة والوقوف بين يدي الله الملك العلام متشرفٌ بذلك أعظم مما يتشرف ويفرح لو حظي بمقابلة حاكم عظيم.
فهذا ينطبع بحب الله وتعظيمه في تكرر هذه الوقفات الجليلة أعظم مما ينطبع حاشية السلطان المكثرون من الاتصال به، فتندفع جوارحه إلى طاعة الله ويرهب من معصيته ويقوم بتنفيذ أحكامه وتطبيق حدوده في كتابه والانتصار لدينه وقمع المفتري عليه وبغض المنحرف عنه.
فلهذا كانت الصلاة من أعظم الأدوية للقلوب والمروحات لها وللأبدان فشأنها في تفريح القلب وتقويته وابتهاجه أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه واستعمال جميع بدنه وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حقه منها واشتغاله عن التعلق بالمخلوق وملابسته ومجاورته وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وحصول راحته من أعدائه الشياطين حالة الصلاة، مما تكون به من أكبر الأدوية والمفرحات وأجلّ الأغذية الملائمة للقلوب الصحيحة فقط.
وأما القلوب المريضة المعتلة فهي كالأبدان المريضة لا تناسبها الأغذية الفاضلة ولا تستطيب الحلو كما قال الشاعر:
[ ١١١ ]
ومن يك ذا فم مريض يجد مرًا به العذب الفرات
فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدهما، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب وطاردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب ومبيضة للوجه ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق ودافعة للظلم وناصرة للمظلوم وقامعة لإخلاط الشهوات، حافظة للنعمة دافعة للنقمة ومنزلة للرحمة وكاشفة للغمة، ونافعة من كثير من أوجاع البطن، لأنها رياضة للنفس والبدن جميعًا تشتمل على حركات وأوضاع مختلفة تتحرك معها أغلب المفاصل وينغمز معها أكثر الأعضاء الباطنة كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النفس والغذاء، زيادة على ما يجري فيها من إنشراح الصدر وقوة النفس والروح المعنوي الذي تقوى به الطبيعة، مما لا يقدر الملاحدة على إنكاره إلا حين المكابرة.
والصلاة من أعظم وسائل الراحة والصبر، وهي مجلبة للرزق حافظة للصحة الحسية والمعنوية دافعة للأذى مطردة للأدواء - أدواء الشبهات والشهوات - مقوية للقلب مفرحة للنفس الزكية، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن.
وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، لا سيما إذا
[ ١١٢ ]
أعطيت حقها في التكميل ظاهرًا وباطنًا. فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة واستجلبت مصالحهما بمثل الصلاة لأنها صلة بين العبد وربه وعلى قدر صلة العبد بربه تنفتح له الخيرات وتنقطع عنه الشرور أو تقل.
وما أبتلي رجلان بعاهة أو مصيبة أو مرض إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم.
والمؤمنون حقيقة يجدون فيها الراحة والمتعة والسرور كما كان ﷺ يقول لبلال: (أرحنا بالصلاة)، ويقول: (جعلت قرة عيني في الصلاة) .
فالمؤمنون تقر أعينهم بالمثول بين يدي مولاهم في الصلاة أعظم مما تقر عيون أهل الدنيا بمقابلة حكامهم والحظوة منهم ولهذا كان علامة الإيمان المسارعة إلى الصلاة وعلامة صحة القلب وسلامته من أمراض الفتنة فرحته بالصلاة وتلذذه بطول إقامتها دون أن يخطر بباله الخروج منها وعلى العكس مريض القلب الذي إن صلاها فصلاته تشبه العادة يأتي بها من غير وعي وإحساس ويرتقب انتهاءها والخروج منها بسرعة حتى أن كثيرًا من الناس يشكو الإمام الذي يطيل الصلاة ويهجر مسجده إلى غيره فمثل هذا لا ينتفع بصلاته إلا قليلًا.
أما الأول فهو الذي تؤتي صلاته ثمارها الطيبة ونتائجها
[ ١١٣ ]
الحسنة التي يتأثر بها في سلوكه لقوة صلته بالله وازدياد محبته وتعظيمه ومراقبته.
فمن هنا كانت الصلاة تأمر صاحبها بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتجعل قلبه متقدًا بالغيرة لدين الله والغضب لحرماته وحدوده فتندفع قواه وجوارحه لحمل رسالته وقمع المفتري عليه والقيام بإصلاح ما أفسده المبطلون في كل مكان شعورًا منه بأداء وظيفة الله في الأرض فيكون من ورثة نبي الله ﵊ لا من ورثة أعدائه.
٢) أما "الصبر" فهو نصف الإيمان. لأنه ماهية مركبة من صبر وشكر كما قال بعض السلف مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ .
والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وهو ثلاثة أنواع:
١) صبر على فرائض الله فلا يضيعها أبدًا.
٢) وصبر عن محارمه فلا يرتكبها أو ينتهكها.
٣) وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها.
وأركان الصبر ثلاثة:
١) حبس النفس على المكروه.
٢) وتحمل الأذى في سبيله.
[ ١١٤ ]
٣) انتظار الفرج.
ومن استكمل أنواع الصبر وأركانه فقد استكمل الصبر وكانت عاقبته الحصول على لذة الدنيا والآخرة، والفوز والظفر بما هو موعود فيهما، قال ابن القيم ما معناه: ولا يصل أحد إلى مقصوده إلا على جسر الصبر، كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط.
وقد قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ا: (خير عيش أدركناه بالصبر) .
وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر وناشئة عنه، وإذا تأملت النقصان المكتسب أيضًا وجدته من عدم الصبر، وكذا فإن صحة القلوب والأبدان والأرواح ترجع إلى الصبر، وكثرة أسقام القلب والبدن تنشأ من انعدام الصبر.
ولو لم تكن في الصبر إلا أن معية الله مع أهله لكفى فإن الله مع الصابرين يؤيدهم ويقويهم ويثبتهم ويؤنسهم، ولا يدعهم في الطريق وحدهم، ولا يكلهم إلى أنفسهم ويتركهم لطاقاتهم المحدودة ما داموا متوكلين عليه حاملين لواءه، ويجلي هذا قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقوله ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ . وقول الرسول ﷺ: (إن النصر مع الصبر) .
[ ١١٥ ]
وكرر الله ذكر الصبر والأمر به وحسن نتائجه في القرآن الكريم لأن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي يقتضيه حمل الرسالة والاستقامة على الطريق بين شتى النزعات والدوافع المختلفة، وضخامة المجهود الذي يقتضيه القيام على دعوة الله، والدفع بدينه إلى الأمام بين شتى الصراعات الفكرية والدموية، فلا بد من الصبر والمصابرة في هذا كله.
وصبر المؤمن على طاعات الله ثم صبره في كف نفسه عن معاصيه يقويه في الصبر على جهاد أعداء الله، وعلى كيدهم والكيد لهم، ثم المرابطة على بطء النصر والمرابطة لارتجائه.
ولئلا يضعف الصبر بطول المدة وكثرة المشقة أرشد الله عباده إلى الزاد والمدد الروحي فقرن الصلاة إلى الصبر وقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾، فهي المدد الروحي الذي لا ينقطع، والزاد المعنوي الذي لا ينضب ولا ينفد، ويزداد القلب قوة يستسهل بها الصعاب، ويقرب عليه بها البعيد فتجدد طاقاتهم، ويمتد حبل صبرهم، وتكسبهم هذه الصلاة كمال الرضى والثقة واليقين، كما في يوم (الخندق) و(حنين) وغيرهما، ولهذا كان يكثر منها رسول الله ﷺ كلما حز به أمر، وكان مطلوبًا من كل مسلم أن يأمر أهله بالصلاة كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، وقال ﷺ: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع
[ ١١٦ ]
سنين، واضربوهم على تركها لعشر )، وكان قيام الليل وتلاوة القرآن فيه مفتاحًا للقلوب، وطاقة للجوارح، كما قال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ .
هذا وقد أظهر الطب الحديث فائدة عظيمة للصلاة، وهي أن الدماغ ينتفع إنتفاعًا كبيرًا بالصلاة ذات الخشوع، كما قرر ذلك فطاحل الأطباء في هذا العصر، وهذا من بعض الأسباب التي يرجع إليها قوة تفكير أساطين الصحابة الكرام، وسلامة عقولهم، ونفوذ بصيرتهم، وقوة جنانهم، وصلابة عودهم، فكانوا بذلك معجزة بين الأمم فلم يخلفهم مثلهم إلا قليل نادر.
ولا شك أن الذين يتجهون بكل حب وتعظيم إلى القوة المطلقة إلى ذي الحول والطول جل وعلا، ويخرون للأذقان سجدًا لعزته وسلطانه وشكرًا لنعمته وإحسانه، ولا شك أنهم يكونون موصولي السبب بجنابه العظيم فيستمدون منه جميع قواهم كما قال ﷺ في الحديث القدسي عن ربه تعالى (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) وقال أيضًا: (فبي يسمع، وبي يبصر، بي يبطش الخ) وأحاديث كثيرة في هذا المعنى. فالصلاة من أكبر العوامل التي تربي
[ ١١٧ ]
الشخصية وتجعلها ربانية التصور، وربانية الشعور والوعي، وربانية السلوك والتصرف.
ثم إن في الصلاة منفعة عظيمة، وعلاجًا واقيًا وشافيًا من شر ما يصاب به الإنسان في حياته الاجتماعية وهو الشح والجبن الذي نبه الله عليه ورسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ . وقال ﷺ: (شر ما أوتي العبد شح هالع أو جبن خالع) .
فالشح يبذر الهلع والفقر في القلب، ويجعل صاحبه فقير القلب مهما استغنى كما وصفه النبي ﷺ: (بأنه كالذي يشرب ماء البحر)، فإنه لا يروى بل يزداد عطشه وغلبته.
وأما الجبن فإنه يروث الخوف والذعر الذي يتزايد بصاحبه، حتى يكون عند المصائب والحروب كالذي يغشى عليه من الموت، وفي الأمن والرخاء حديد البصر ذلق اللسان، مثل المنافقين المعوقين الذين فضحهم الله في سورة الأحزاب.
وقد يكون الجبان كسولًا. عادم الإرادة ولهذا ورد في الحديث تعليم النبي ﷺ لأبي أمامة أن يدعو بهذه الدعوات: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل وضلع الدين وقهر الرجال)، فإنها ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان مزدوجان، فالهم والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان،
[ ١١٨ ]
وضلع الدين وقهر الرجال أخوان.
والمصلي الصحيح الذي يقيم الصلاة حق إقامتها ينجيه الله ويعيده من هذه الأمور لكثرة ما يسبّحه ويستغفره، ويوحده ويحمده، ويعترف بذنبه وبعبوديته لربه، وقد قال الله تعالى عن نبيه يونس ﵇: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وللصلاة وشروطها فوائد ومزايا، وحكم بالغة غير ما ذكرته لا أحب الإطالة بذكرها هنا لأني أفردت لها رسالة مستقلة ولله الحمد والمنة.
[ ١١٩ ]
جواب سؤال: الأَخذ بالأسباب وعلاقة ذلك بالإيمان بالغيب
مما لا شك فيه أن الغيبيات نوع من المخرج السهل من الضيق والأزمات، بدلًا من تعميق التفكير في الأسباب والمسببات، وهو الطريق الصحيح للخروج من الضيق والأزمات.
ولقد مرت الأمة الإسلامية في فترات صعبة كثيرة، وكانت تخرج من الضيق والأزمات بالتفكير المستنير لاجتياز تلك الأزمات، بمعرفة الأسباب والمسببات، وبالتالي التفكير في الأسباب والمسببات.
ولكنها في العصر الهابط وما بعده اختلط عليها التفكير من جراء الغشاوات التي غشت العقول وحرفت الأفكار، فغشا فيها نوع من الغيبيات أقعدها عن التفكير المستنير، فلجأت للغيبيات وسلكت طريق المخرج السهل، فأدى ذلك إلى عدم وجود القدرة لديها لاجتياز الفترات الصعبة، فازدادت الصعوبات وطالت مدة الفترات الصعبة، فوقعت في المحذور إلى أن انهارت.
واختيار المرء للمخرج السهل طبيعي في الإنسان من حيث هو إنسان، ولذلك فإن سلوك المخرج السهل، أيا
[ ١٢١ ]
كان، سواء أكان الغيبيات أو غيرها، إلا أن الغيبيات أشد خطرًا على بني الإنسان من أي شيء آخر.
ولذلك فإن اللجوء إليها يصيب المقتل ويكون مدمرًا للإنسان.
والثغرة التي يدخل منها اللجوء إلى الغيبيات لدى المسلمين؛ هي الإيمان بالقضاء والقدر، واليقين بأن الله هو الذي يخلق كل شيء ويفعل كل شيء. فكان المخرج السهل أن يتكل المرء على المقدر ذلك إن الأمر مقدر، وأن الله هو الفعال، فلتكن مشيئة الله، وليكن ما أراده الله.
هكذا بكل بساطة يجري القعود عن التفكير بالأسباب والمسببات ويستسلم للأقدار.
والحقيقة هي أن الله كما قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، قد قال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وكما قال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾، وقد قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .
والحقيقة كذلك هي: إن الله أراد بنا أشياء وأراد منا أشياء، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به، فنحن لم نطلع على قدر الله لأنه مطوي عنا، فلا نعلمه ولا يمكن أن نعلمه، وأما ما أراده
[ ١٢٢ ]
منا فقد أمرنا بالقيام به، أراد منا حمل الدعوة إلى الكفار وإن كان يعلم أنهم لن يؤمنوا وأراد منا قتال الكفار وقتال البغاة وإن كان يعلم أننا سنهزم أمامهم. وأراد منا أن نكون دولة واحدة ولو في الأرض كلها وإن كان يعلم أن المسلمين سيكونون دولًا متعددة، وإن البقعة الصغيرة ستكون عدة دول. وأراد منا أن نكون أشداء على الكفار رحماء بيننا، وإن كان يعلم أن بأسننا بيننا سيكون شديدًا.
قال ﵊: (سألت الله ثلاثا: فأجابني باثنتين، ولم يجبني في الثالثة: سألته أن لا يهلك أمتي بالطاعون فأجابني، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنين - القحط - فأجابني، وسألته أن لا يجعل بأس أمتي بينها شديدًا فلم يجبني) .
فالله حين يأمرنا بشيء لا يعني إنه لم يقدر علينا ضده، وحين ينهانا عن شيء لا يعني إنه لم يكتب علينا خلافه، فنحن لسنا مأمورين بما قدره لنا أو كتبه علينا، وإنما مأمورون بتنفيذ ما يأمرنا به، بغض النظر عما هو مقدر لنا ومكتوب علينا.
والغيبيات هي الاستسلام لما نزعم أنه مقدر علينا ومكتوب لنا، وعدم القيام بما أمرنا به من الله. ذلك أن الاستسلام أسهل من تنفيذ الأوامر، والمرء بطبيعته يختار الأسهل الأهون على الأشد الأصعب.
لهذا يختار الاستسلام على الاضطلاع بالأشق الأصعب،
[ ١٢٣ ]
ويتخذ الإيمان بالقدر تكئة لهذا الاختيار.
إن الله أمرنا بالإيمان بالقدر خيره وشره، ولكنه لم يعلمنا بما قدره لنا وكتبه علينا. بل أمرنا بأوامر ظاهرة ونهانا عن نواه معينة، أعلمنا بها، وبينها لنا، فخلط الإيمان بما أمرنا أن نؤمن به، بالأوامر التي أمرنا بتنفيذها، هو الذي يلبس علينا وجه العمل وكيفية السير.
لذلك كان هذا الخلط هو الذي تتسرب إلينا منه الغيبيات، وهو الذي يسهل اتخاذ هذه الغيبيات تكئة لاختيار الأسهل الأهون على الأشق الأصعب. لذلك كان هذا الخلط هو الذي يأتي منه خطر الاستسلام، وخطر القعود عن الأعمال.
صحيح أن الله هو الفعال لما يريد، الخالق لكل شيء، ولكن الله جعل لهذا الكون نواميس يسير عليها وجعل للأشياء قوانين تتشكل بحسبها وتتحول أو تبقى وفق هذه القوانين.
وهو وإن كان قادرًا على خرق هذه النواميس، وتلك القوانين، ولكنه لا يخرقها إلا لنبي، ولا ينقضها إلا لرسول.
فالإيمان بأن الله قادر على نصر المؤمنين على الكافرين، لا يعني إنه سينصر المؤمنين وهم لا يأخذون بأسباب النصر، لأن النصر بدون الأخذ بأسبابه مستحيل، وقدرة الله لا تتعلق بالمستحيل، فكون الله قادر على الشيء لا يعني أن الفرد أو الجماعة أو الأمة قادرة عليه.
فقدرة الله هي صفة خاصة به، وقدرة العبد خاصة به، ولا علاقة لها
[ ١٢٤ ]
بقدرة الله.
فالخلط بين قدرة الله والإيمان بها، وقدرة العبد وقيامه بما أمره الله هو الذي يعمل على القعود، وهو الذي يحذر الأمم والشعوب.
إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي يقر بأنه ناصر من ينصره، وهذا نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فالإيمان به فرض، وإنكاره كفر، ما في ذلك شك، ولكن خلط هذا الإيمان بالعمل يقعد من ينصر الله عن العمل لأنه سينصره حتمًا.
فمن ينصر الله قد أمره الله بالعمل، ومع أنه أعلمه بأنه سينصره ولكنه في نفس الوقت أمره بالعمل، فاعتماده على وعد الله، وعدم قيامه بالعمل، هو عصيان الله وليس نصرًا له.
فقعوده عن العمل ينفي عنه إنه ينصر الله، ولذلك فإن عدم النصر لمن يدعي أنه ينصر الله ولا يعمل، لا يعني أن الله قد أخلف وعده، بل يعني أن الرجل بعدم قيامه بما أمر الله من اتخاذ أسباب بالنصر، فقد عصى الله فخرج عن كونه ينصر الله، لأن نصر الله هو القيام بأوامره واجتناب نواهيه، ولذلك فإن الله لن ينصره، ما دام لم ينصر الله بالقيام بما أمره به من الأعمال.
فالخلط بين الإيمان بما أمر بالإيمان به، وبين القيام بما أمره الله به من الأعمال، يؤدي إلى الحرمان مما وعده الله به من جراء القعود وعدم العمل.
وإقامة دولة أي دولة، في جماعة أي جماعة، لها قوانين ونواميس، وهي أن تتقبل تلك الجماعة أو الفئة الأقوى فيها
[ ١٢٥ ]
للمفاهيم والمقاييس والقناعات التي تقوم عليها تلك الدولة، وما لم تتقبل تلك المفاهيم والمقاييس والقناعات لا يمكن أن تقوم فيها الدولة. ولو تسلط عليها متسلطون، وتولى السلطة فيها أقوياء.
فالأصل في إقامة الدولة هو تقبل الجماعة أو الفئة الأقوى لتلك المفاهيم والمقاييس والقناعات فالخطوة الأولى هي المفاهيم - والمقاييس والقناعات - هذه هي نواميس الجماعات، وهذه هي قوانين الحكم والسلطان.
فهذه القوانين مشاهدة منظورة، فمحاولة تجاهلها، وأخذ السلطة بالقوة والقهر، لا يمكن أن يوجد الدولة، وإن كان يمكن أن يوجد المتسلطين إلى حين.
وإزالة الدولة المستعمرة عن البلاد التي تستعمرها، لها قوانين ونواميس، وهي أن تكون لدى من يعملون لإزالتها، القوة المادية التي تتغلب على قواها المادية، والقوة الفكرية التي تمكنها من إدراك الأحابيل وإدراك معنى القوة المادية.
فما لم توجد القوة الفكرية والقوة المادية لا يمكن إزالة الدولة المستعمرة، وانتفاضات الأمم مهما عظمت لا يمكن أن تزيل الاستعمار ولو كان عدوًا لله، لذلك لا بد من معرفة قوانين ونواميس الله في التسلط والاستعمار.
وهكذا كل شيء في الوجود. فالله تعالى، قد خلق الوجود، وخلق له قوانين، وخلق الناس وخلق لعيشهم قوانين. وأمرهم بأوامر ونهاهم عن نواه، فيجب أن لا
[ ١٢٦ ]
يخلطوا إيمانهم به، بما أمرهم ونهاهم أي أن لا يخلطوا ما أمرهم بالإيمان به من الأمور، بما أمرهم بالقيام به من الأعمال، فهذا الخلط هو الذي يسبب الغيبة ويتخذ تكئة للجوء إليها.
فهو لم يأمرهم بالعمل على أنه قادر على خرق القوانين والنواميس، وهو أمرهم بالإيمان بوجود الجنة والنار، ووعدهم بالرحمة والغفران، ولكنه لم يأمرهم بالعمل بالجنة والنار ولا بالعمل بما وعدهم. بل أمرهم بالعمل بما يدخل الجنة ويقي من النار. وأمرهم بعدم الاعتماد على رحمته فهو رحيم، ولكنه كذلك منتقم، يعاقب العاصي ويثيب الطائع.
فيجب أن لا يخلطوا بين ما أمرهم بالإيمان به، وما أمرهم بالعمل فيه. لذلك يجب أن يفرقوا بين ما أمرهم بالإيمان به، وما أمرهم بالعمل فيه.
فالغيبيات كلها تأتي من الخلط بين ما يجب التصديق به تصديقًا جازمًا، وبين ما يجب القيام به من الأعمال فإذا لم يوجد هذا الخلط لم توجد الغيبيات، لذلك يجب التفريق بين ما يجب الإيمان به وما يجب العمل به وما لم يحصل هذا التفريق ويتقي الخلط فإنه ستظل الغيبيات تتسرب إلى النفوس وستظل الناس تتخذ الغيبيات تكئة للخروج إلى الأسهل الأهون في الضيق والأزمات، ولا سيما في الفترات الصعبة من الحياة.
٥ من صفر، سنة ١٣٩٤ هـ
٢٧ / ٢ / ١٩٧٤ م
[ ١٢٧ ]