[ ٢ / ١١٣٥ ]
* نص حديث الباب:
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟
أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ:
بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "، فَيَقُولُ:
احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَقَالَ:
إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ "، قَالَ: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ».
* تخريج الحديث:
أخرجه أحمد (٦٩٩٤) والترمذي (٢٦٣٩) والحاكم (٩)، وابن حبان في " صحيحه " (٢٢٥)
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وقال الحاكم: " صحيح لم يخرَّج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم "، وقال الذهبي: " هذا على شرط مسلم"، وصححه الألباني في
"الصحيحة " (ح: ١٣٥)
وحديث البطاقة حديث صحيح متعدد الطرق، وقد أفرده الحافظ حمزة بن محمد الكناني بجزء أسماه "مجلس البطاقة "، ومما ذكره في هذ الرسالة قوله عن هذا الحديث:
[ ٢ / ١١٣٧ ]
" ولا أعلمه روى هذا الحديث غير الليث بن سعد، وهو من أحسن الحديث ". (^١)
* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:
إثبات الميزان:
والميزان ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
أما أدلة القرآن:
قال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧» (الأنبياء: ٤٧»، وقال تعالى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩» (القارعة: ٦ - ٩)
وقال تعالى (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣» (المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣)
* وأما السنة:
قد بلغت أحاديث الميزان مبلغ التواتر، كما نص على ذلك أبو عبد الله الكتَّاني والسفَّاريني والبيجوري.
قال السفَّاريني:
فقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي، ذو كفَّتين ولسان، وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر. (^٢)
ولا شك أن حديث الباب قاطع الدلالة على إثبات الميزان يوم القيامة، حيث جاء فيه أن السجلات توضع في كفَّة، والبطاقة في الكفَّة الأخرى.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺقَالَ:
"يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ". (^٣)
_________________
(١) وانظر " مجلس البطاقة " (ص/٣٤) وقد تعقَّب السيوطي قول الكناني: " ولا أعلمه روى هذا الحديث غير الليث الخ، فقال: "وأخرجه الترمذي أيضًا عن قتيبة عن ابن لهيعة عن عامر بن يحيى نحوه، وبه يرد قول حمزة، ما رواه غير الليث". وانظر "تدريب الراوي" (٢/ ٥٦٠)
(٢) وانظر لوامع الأنوار (٢/ ١٨٥) ونظم المتناثر (ص/٢٣١) وتحفة المريد (ص/٤٩٢)
(٣) أخرجه البخاري (٧٤١١).
[ ٢ / ١١٣٨ ]
* وعَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: " بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدَاهُ ". (^١)
*وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍورضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" خَلَّتَانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ، أَلَا وَهُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ:
يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا "، قَالَ عبد الله:
فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ، قَالَ ﷺ:
"فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي المِيزَانِ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ تُسَبِّحُهُ وَتُكَبِّرُهُ وَتَحْمَدُهُ مِائَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي المِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ"؟ قَالُوا: فَكَيْفَ لَا نُحْصِيهَا؟ قَالَ:
" يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَنْفَتِلَ، فَلَعَلَّهُ أَلَّا يَفْعَلَ، وَيَأْتِيهِ وَهُوَ فِي مَضْجَعِهِ، فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ حَتَّى يَنَامَ ". (^٢)
الإجماع:
قال أبو إسحاق الزجَّاج:
أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان، وكفَّتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة". (^٣)
قال ابن بطة:
اتفق أهل العلم بالأخبار، والعلماء والزَّهاد والعبَّاد في جميع
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥٦٦٢) وابن حبان (٨٣٣) والحاكم (١٨٨٥)، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرَّجاه». وصححه الأرنؤوط، وقال: "رجاله ثقات رجال الصحيح، والمولى الذي لم يسمَّ هو أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ "
(٢) أخرجه أحمد (٦٩١٠) والترمذي (٣٤١٠) وأبوداود (٥٠٦٥) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
(٣) فتح الباري (١٣/ ٧٦٢)
[ ٢ / ١١٣٩ ]
الأمصار أن الإيمان بذلك -أي بالميزان- واجب لازم. (^١)
قال زهير بن عبَّاد:
كل من أدركتُ من المشايخ: مالك وسفيان وفضيل وعيسى بن يونس، وابن المبارك ووكيع بن الجراح كانوا يقولون: الميزان حق. (^٢)
قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁:
يجاء بالناس يوم القيامة إلى الميزان فيجادلون عنده أشد الجدال. (^٣)
قال الإمام أحمد:
قال اللَّه ﷿: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] فهو في كتاب اللَّه تعالى، فمَنْ ردَّ على النبي -ﷺ- ردَّ على اللَّه تعالى. (^٤)
* المخالفون لأهل السنة في إثبات الميزان:
عمد أهل التحريف والتعطيل، وهم من كل حدب ينسلون، إلى المخالفة في هذا الأصل، بالنفي الصريح تارة، وبالتحريف تارة أخرى، فتراهم يردُّون أصلًا ثابتًا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويسيرون على خطى خيط هو أوهى من خيط العنكبوت، أشبه بسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
فقد أنكر الخوارج والإباضية وبعض المعتزلة الميزان؛ وذلك لأن الأعمال أعراض، والأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بنفسها، وقد نُقل عن مجاهد وقتادة والضحاَّك تفسير الميزان بالعدل. (^٥)
_________________
(١) الشرح والإبانة (ص/١٥٠)
(٢) أصول السنة لابن زمنين (ص/٩٣)
(٣) وانظر رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤١٨٥) وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" (١٠٧٧) وسنده حسن.
(٤) انظر "شرح أصول الاعتقاد" (٢٢١١)
(٥) وانظر تفسير الرازي (٢٢/ ١٧٦) والعقائد النسفية (ص/٢٥٠) والجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٩٣)
[ ٢ / ١١٤٠ ]
*وكذلك فمما أورده نفاة حقيقة الميزان:
تحريف قول النبي ﷺ: " وَبِيَدِهِ المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ "، فقالوا:
إنما أراد بذلك الإشارة إلى العدل والفضل، وأنه إذا بسط نعمه وفضله لم ينقص مما في يديه شيء بأنْ يعجزه، وإذا أعدل بحق ملكه لهم فيهم خفض ورفع وبسط وقبض.
وقالوا عن قوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) (الحديد: ٢٥):
فالميزان هو العدل بين العباد الذي أرسل الله -تعالى- به الرسل، وهل سمعتم أحدًا من الرسل أرسله تاجرًا ممسكًا للميزان؟! (^١)
* الرد على نفاة إثبات الميزان:
لا شك أن ما تأوَّله النفاة للنصوص الواردة في الميزان بأنه العدل هو تأويل منبوذ فاسد، ومخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الميزان هو ميزان حقيقي حسي، وله كفَّتان حسيِّتان، ويدل على ذلك ما يلي:
١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍورضي الله عنه- أن النبيَ -ﷺ- قال:
" إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا - ﷺلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ:
آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ؛ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ
_________________
(١) وانظر" مشكل الحديث وبيانه" (ص/٤٣٧) وأصول الدين (ص/٢٤٥) والأصول العشرة عند الإباضية (ص/٢٠٨) *تنبيه: ومن التجوّز هنا نسبة نفي الميزان إلى المعتزلة بإطلاق، كما فعله الإيجي في المواقف (ص/٣٨٤) ومرعي الحنبلي في " تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان" (ص/٢٤)؛ فقد ذكر القاضي عبد الجبار في " تنزيه القرآن عن المطاعن " (ص/٤٧٩) الخلاف في ذلك عند المعتزلة عند تفسيره لسورة "الأنبياء"، ثم رجَّح هو القول بالميزان في تفسيره لسورة "القارعة"، وكذلك قال به الخوارزمي، وقال: "قد قال به أصحابنا". وانظر "العقود الذهبية" (٢/ ٥٤)
[ ٢ / ١١٤١ ]
شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ ". (^١)
٢ - وعَنْ سَلْمَانَ - ﵁- قَالَ:
" يُوضَعُ الصِّرَاطُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ حَدٌّ كَحَدِّ الْمُوسَى قَالَ: وَيُوضَعُ الْمِيزَانُ، وَلَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّتِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ لَوَسِعَتْهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا لِمَنْ تَزِنُ بِهَذَا؟ فَيَقُولُ: لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ". (^٢)
* فمن وجوه الدلالات من هذه الأثار على إثبات الميزان الحسي الحقيقي:
١ - الوجه الأول:
ذكر الكفِّة في صفة الميزان دال على أنه ميزان حقيقي، وليس هو العدل كما زعم النفاة.
قال القرطبي:
وروي عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما يقول هذا الكلام في وزن هذا، وفي وزنه أي يعادله ويساويه، وإن لم يكن هناك وزن،
وهذا القول مجاز وليس بشيء، وإن كان شائعًا في اللغة؛ للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي، ووصفه بكفَّتين ولسان، وإن كل كفة منهما طباق السماوات والأرض. (^٣)
قال فخر الدين الرازي:
حمل هذا اللفظ -أي الميزان-على مجرد العدل مجاز، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيَّما وقد جاءت
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦٥٨٣) والبخاري في "الأدب المفرد" (٥٤٨) والحاكم (١٥٤)، قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد"، وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وانظر "صحيح الأدب المفرد" (ص/٢٠٦)
(٢) أخرجه الآجري في الشريعة (٩٤٩) واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة "، وهذا وإن كان موقوفًا، فإن له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، على أنه قد ورد من طريق آخر مرفوع رواه الحاكم (٨٧٣٩) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، ونقل ذلك عنه المنذري في الترغيب (ح/٥٣٠٩) وأقره. وقال الألباني في"صحيح الترغيب" (٣/ ٤٤٦) [صحيح لغيره]
(٣) التذكرة (ص/٢٧٩)
[ ٢ / ١١٤٢ ]
الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب. (^١)
قال ابن القيم:
أفما تُصدِّق أَن أَعمال العبادِ تحطُّ يَوْم الْعرضِ فِي الْمِيزَان
وكذاك تثقلُ تَارَة وتخف أخـ رى ذَاك فِي الْقُرْآن ذُو تبيان
وَله لِسَان كفَّتاهُ تُقِيمُهُ والكفَّتانِ إليه ناظرتان
مَا ذَاك أمرًا معنويًا، بل هُوَ المحسوسُ حَقًا عِنْد ذِي الإيمان. (^٢)
٢ - الوجه الثاني:
ذكر الثقل والخفة فيما يوزن من الأعمال أو الأشخاص لا يحتمل أي تأويل يصرف الميزان عن الحقيقة المعهودة في الذهن، والتي هى كونه ميزانًا حقيقيًا.
٣ - الوجه الثالث:
إثبات الميزان الذي له كفَّتان هو أمر ثابت بالإجماع الذي نقله الإمام الزجَّاج، كما أنه لم يقل به الزجَّاج وحده، بل هذا ما عليه جماهير أئمة الإسلام.
* ثم يقال هنا:
وإن دلت بعض السياقات التي وردت فيها كلمة الميزان على تفسيره بالعدل، كقوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (٤٧» (الأنبياء: ٤٧)، وقوله تعالى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) (الأعراف: ٨)، وقوله تعالى في الأنبياء ﵈ (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) (الحديد: ٢٥)
فمثل هذا لا يمنع أن يكون هذا الميزان على الحقيقة؛ وذلك لما ورد في الأدلة الأخرى التي بيَّنت صفة الميزان على التفصيل، بما لا يدع مجالًا لصرف النصوص عن ظاهرها صرفًا يعود عليها التعطيل.
قال القرطبي:
قال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه - أي على
_________________
(١) مفاتيح الغيب (٢٢/ ١٧٧)
(٢) الكافية الشافية (٢/ ٧٧٩)
[ ٢ / ١١٤٣ ]
العدل- لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد؛ لأنه رد لما جاء به الصادق. (^١)
* وكذلك يقال:
أن تأويل الميزان في جميع مواضعه التي ذكر فيها بأنه العدل هو في الحقيقة تأويل مخالف لإجماع الأمة.
قال القشيري:
وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصًا. (^٢)
* فإن قيل: أليس تأويل الميزان بالعدل يستقيم لغة؟
فالرد أن يقال:
بلى، ولكن هذا من التفسير بالمآل واللازم، فلا شك أن إقامة الميزان ورؤية العبد لأعماله على الميزان ترجح أو تخف يزيده يقينًا أنه لم يظلم شيئًا، ولكنَّ حمل الميزان على معنى العدل وتفسيره به إنما يكون عند تعذّر الحمل على الظاهر، وهنا قد أتت الأدلة الشرعية بخيلها ورَجلها تؤيد تفسير الميزان على معناه الحقيقي، فصار تأويله على المعنى اللغوي منابذًا للأدلة الشرعية.
قال الأزهري بعد ذكره للمعاني اللغوية لكلمة الميزان:
هذا كله في باب اللغة، والاحتجاج سائغ، إلا أن الأولى من هذا أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح، فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفَّتان، من حيث ينقل أهل الثقة، فينبغي أن يقبل ذلك. (^٣)
* وأما قولهم: " الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها، فكيف توزن
_________________
(١) التذكرة (ص/٢٨٠)
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٠٧)
(٣) تهذيب اللغة (١٣/ ٢٥٧)
[ ٢ / ١١٤٤ ]
الأعمال وهي لا توصف بثقل ولا خفة؟
*فالجواب:
أن مثل هذا قد يقبل في موازين البشر، أما إذا كان الأمر في حق الله - تعالى- فليس للعقل أن يحكم بالاستحالة على ما يقع في مقدور الله تعالى.
فإذا جاء النص بثبوت وزن الأعراض فلا يسعنا إلا الإذعان والإقرار.
فليس بالممتنع على قدرة الله -تعالى- أن ينشئ من الأعراض أجسامًا، ولهذا نظائر كثيرة، ونذكر منها ما يلي:
١ - ما ورد في حديث مجئ الموت في صورة كبش يوم القيامة:
عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ:
هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ ". (^١)
٢ - عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
" " يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَأَظْمَأْتُ هَوَاجِرَكَ ". (^٢)
٣ - وفي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍرضي الله عنه- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ- فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، ، وفيه أن المؤمن يمثل له عمله الصالح في صورة حسية، قال ﷺ:
" وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي "
وكذلك قال ﷺ في حق الكافر:
" يَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ،
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٦) وابن ماجه (٣٧٨١) قال في الزوائد (إسناده صحيح، رجاله ثقات)، وقال الأرنؤوط: " إسناده حسن في المتابعات والشواهد "
[ ٢ / ١١٤٥ ]
فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ ". (^١)
قال ابن حجر:
والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسَّد، أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن. (^٢)
* لذا يقال هنا:
غاية ما تشبَّث به النفاة في هذا الباب إنما هو مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم، من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كلٌ ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم، وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها، بل كل فريق يدَّعي على العقل ما يطابق هواه. (^٣)
* تنبيهان:
١ - الأول:
غاية ما ورد في صفة الميزان هو ما سبق ذكره، من كونه ذا كفَّتين ولسان، على ما ورد به النص والإجماع، ولا يزاد على ذلك من تفصيلات لم يأتِ بها نص صحيح، كالقول بأنه مخلوق من درة بيضاء، وما شابه ذلك.
قال صديق حسن خان:
وأما ماهية جرمه -أي الميزان - من أي الجوهر، وأنه موجود الآن، أو سيوجد فنمسك عن تعيينه. (^٤)
٢ - الثاني:
ما ورد من أدلة في إثبات كفَّتي الميزان، مثل أثر سلمان -﵁- وغيره رد على ابن حزم الذي أثبت ميزانًا أقرب ما يكون إلى أصول أهل التفويض، حيث قال:
لم يأتِ عنه ﵇ شيء يصح في صفة الميزان، ولا ندري كيف تلك الموازين،
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (١٦٧٦)
(٢) فتح الباري (١٣/ ٧٦٢)
(٣) انظر فتحُ البيان في مقاصد القرآن (٤/ ٣٠٥) وفتح القدير (٢/ ٢٤٣)
(٤) انظر فتحُ البيان في مقاصد القرآن (٨/ ٣٣٤)
[ ٢ / ١١٤٦ ]
وأما من قال بما لا يدري أن ذلك الميزان ذو كفتين فإنما قاله قياسًا على موازين الدنيا، وقد أخطأ في قياسه!! (^١)
٢ - الفائدة الثانية: ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة:
القول الأول: الذي يوزن هو الشخص نفسه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:
" إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. (^٢)
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مِمَّ تَضْحَكُونَ؟
قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ ". (^٣)
* الثاني: أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال:
وهو قول جمهور المفسرين، وقال به ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما. (^٤)
_________________
(١) وانظر "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (٢/ ٣٧٠) وقد نسج على المنوال ذاته محمد رشيد رضا الذي أثبت ميزانًا عارٍ عن الكيفية، فقال في رده على الزجَّاج الذي نقل الإجماع على ثبوت الميزان بكفتين: " وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولسانًا، فلا تغتر بقول الزجاج أن هذا مما أجمع عليه أهل السنة، فإن كثيرًا من المصنِّفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيَّما غير الحفَّاظ المتقنين، والزجاج ليس منهم، ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم، وإن لم يعرف له أصل من السلف، ولا اتفق عليه الخلف منهم، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت!! وانظر تفسير المنار (٨/ ٣٢٢)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه أحمد (٣٩٩١) وابن حبان (٧٠٦٩)، وصححه الشيخ أحمد شاكر، وحسَّنه الألباني في الإرواء تحت حديث (٦٥) * وفي هذه الأثار رد على دعوى ابن حزم أن ميزان الآخرة لا يوزن فيه الأجسام، وإنما هو للأعراض والنيات. " الدرة" (ص/٣٩٣)
(٤) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥) ولوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٧) وتحفة المريد (ص/٢٩٣)
[ ٢ / ١١٤٧ ]
ويدل عليه ما يلي:
١ - ظاهر قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦» (القارعة: ٦)
٢ - حديث الباب: وفيه أن البطاقة التي كتب فيه شهادة أنه " لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله" قد ثقلت في الميزان.
قال مرعي الحنبلي:
نثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون إنما هو صحائف الأعمال، وعلى هذا فكيف يثقل وزن هذه الصحف؟ فهل العبرة في الوزن تفاوت أجرام الصحف، أو بالكتابة التي فيها؟
وعلى كلا التقديرين، فمشكل بحديث البطاقة، فسبحان العالم بكل شيء. (^١)
* والراجح -والله أعلم- أن الذي يوزن هو الصحائف والأعمال نفسها والأشخاص، وأما أدلة وزن الصحائف والمرء نفسه فقد ذكرناها، وأما أدلة وزن الأعمال نفسها فنذكر منها:
١ - ما رواه أبو هُرَيْرَةَ -﵁ - قَالَ: قال رسول اللهِ ﷺ:
«كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ». (^٢)
٢ - وروى أَبو الدَّرْدَاءِ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ:
" مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَن ". (^٣)
٣ - وعن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ". (^٤)
_________________
(١) وانظر "البرهان في إثبات حقيقة الميزان" (ص/٣٤)
(٢) متفق عليه، وقد بوَّب له البخاري: " باب قول الله تعالى ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن ".
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٥١٧) والترمذي (٢٠٠٢) وأبوداود (٤٧٩٩)، وقال الترمذي: "حَسن صَحِيح"
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٣)
[ ٢ / ١١٤٨ ]
*وهنا سؤال يطرح نفسه:
ما الحكمة من نصب الموازين، مع كونه عزوجل وسع علمه أعمال العباد ومآلاتهم؟
* والجواب على ذلك من وجوه:
١ - الأول:
ظهور سنة الابتلاء في باب الغيبيات، فيعلم من يؤمن بالميزان، رغم كونه لم يره، ممن هو منه في شك. فقد سقط في هذا الاختبار فئام من العقلانيين والمتكلمين الذين اتخذوا منهج التعطيل والتحريف سبيلًا دون التسليم والإثبات، فبئس للظالمين بدلًا.
٢ - الثاني:
أن يزداد المرء يقينًا أن الله -تعالى- لم يظلمه شيئًا، وذلك حين يبصر الإنسان أعماله التى أقر بها توضع في كفَّة الميزان، وهذا المعنى هو ما سطرَّه قوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧» (الأنبياء: ٤٧)
قال الطبري:
فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله -تعالى- عن الميزان، وخبر رسوله - ﷺ - عنه وِجْهَته، وقال: أوَ بالله -تعالى-حاجة إلى وزن الأشياء، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده؟
قيل له:
وزن ذلك نظيرُ إثباته إياه في أمِّ الكتاب واستنساخه ذلك في الكتب، من غير حاجة به إليه، ومن غير خوف من نسيانه، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده، بل ليكون ذلك حجة على خلقه، كما قال جل ثناؤه في تنزيله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) [سورة الجاثية: ٢٨ - ٢٩] الآية.
فكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان، حجة عليهم ولهم، إما بالتقصير في طاعته والتضييع، وإما بالتكميل والتتميم. (^١)
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٢/ ٣١٢)
[ ٢ / ١١٤٩ ]
قال أبو العز الحنفي:
ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة، كما أخبر الشارع، لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقّال والفوَّال!!
وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله -تعالى- لهم يوم القيامة وزنًا.
ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه؟! (^١)
* أقول:
ومهما تبارى العلماء في بيان الحِكَم التي من أجلها تنصب الموازين يوم القيامة، فغاية أقوالهم هي اجتهادات بنيت على إعمال النظر، فهي تحتمل الصواب والخطأ، وتبقى الحكمة الإلهية من نصب الموازين في علم الله عزوجل، (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى)، عَلِمها من عَلِمها وجهلها من جهلها، مع اليقين الجازم أنه الله -تعالى- لا يفعل إلا لحكمة "سبحانك ربنا وسعت كل شيء حكمة وعلمًا".
* ومن الفوائد التي تتعلق بحديث الباب: " أحكام الموازنة يوم القيامة":
وهنا نذكر مسألتين: " الأولى: تعيين أصحاب الأعراف، الثانية: حكم من مات على الشرك الأصغر "
١ - أما المسألة الأولى: تعيين أصحاب الأعراف:
فقد ورد في تعيينهم أقوال كثيرة، تقرب من أربعة وعشرين قولًا، نذكر من أهمها ما يلي: (^٢)
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص/٤١٢)
(٢) وقد توسَّع العلماء في ذكر هذه الأقوال، فذكر القرطبي في "التذكرة" (ص/٢٧٩) اثني عشر قولًا، وذكر مرعي الحنبلي في رسالة مستقلة لهذه المسألة سمَّاها "تحقيق الخلاف في أصحاب الأعراف" ذكر ستة عشر قولًا.
[ ٢ / ١١٥٠ ]
١ - القول الأول: هم مساكين أهل الجنة:
وينسب هذا القول لابن مسعود وكعب الأحبار، وذكره ابن وهب عن ابن عباس ﵁.
وقد روى الطبري عن ابن عباس﵂- قال:
"الأعراف"، سور بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بَدَا لله أن يعافيهم، انْطُلِق بهم إلى نهر يقال له: "الحياة"، فأُلقوا فيه، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمنُ فقال:
تمنَّوا ما شئتم، قال: فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم، قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمَّون "مساكين الجنة ". (^١)
* ولكن يردُّ هذا الوجه:
أن سنده لم يثبت مرفوعًا ولا موقوفًا، بل أخرجه أصحاب التفاسير بسند صحيح من قول عبد الله بن الحارث، وهو تابعي لا يعوّل عليه في مثل هذه المسائل الغيبية.
كما أن أهل الجنة ليس فيهم مساكين، بل الذي ثبت على خلاف ذلك، فقد قال تعالى عن أهل الجنة من قولهم (الحمدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥» (فاطر: ٣٤ - ٣٥)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
«مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ». (^٢)
٢ - القول الثاني:
أنهم الشهداء، وهذا القول عزاه الشوكاني إلى القشيري. (^٣)
٣ - القول الثالث:
أنهم قوم كانوا قد قُتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا،
_________________
(١) قال ابن كثير: ورد عن عبد الله بن الحارث من قوله، وهذا أصح. وانظر تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٥٦) وجامع البيان في تأويل القرآن (٨/ ١٩٣) قلت: أثر عبد الله بن الحارث في سنده حبيب بن أبي ثابت وقد عنعنعه، وقد رماه ابن خزيمة وابن حبان بالتدليس.
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٣٦)
(٣) وانظر التذكرة بأمور الآخرة (ص/٢٨٤) وفتح القدير (٢/ ١٩٨)
[ ٢ / ١١٥١ ]
فتعاَدل عقوقهم واستشهادهم، قاله شرحبيل بن سعد؛ لما روى أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ، -عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ؟ فَقَالَ:
" قَوْمٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُمْ عُصَاةٌ لِآبَائِهِمْ، فَمَنَعَتْهُمُ الشَّهَادَةُ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ، ومَنَعَتْهُمُ الْمَعْصِيَةُ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى سُوَرٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى تَذُوبَ شُحُومُهُمْ وتَذْبُلَ لُحُومُهُمْ، حَتَّى يَفْرُغَ اللَّهُ مِنْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ تَغَمَّدَهُمْ بِرَحْمَةِ مِنْهُ، فَأُدْخِلُوا الْجَنَّةَ ". (^١)
* ولكن هنا يقال:
أما القول الثاني فلا دليل عليه، وأما القول الثالث فالحديث الوارد فيه لا يصح.
٤ - القول الرابع:
أنهم رجال من ملائكة موكَّلون بهذا السور الذي بين الجنة والنار، يميِّزون بين المؤمنين والكافرين قبل إدخالهم الجنة والنار.
وهذا القول قال به أبو مجلز لاحق بن حميد، وقد صحح ابن كثير صحة نسبة هذا القول إلى أبي مجلز. (^٢)
*ويجاب عن ذلك من وجوه:
١ - الوجه الأول: ما نص عليه ابن كثير بقوله:
" وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين، وهو غريب من قوله، وخلاف الظاهر من السياق ". (^٣)
وإنما عدَّه غريبًا عنه لتسميته الملائكة رجالًا، وهم لا يوصفون بذكورة ولا
_________________
(١) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط (٣٠٥٣)، قال الهيثمي في" مجمع الزوائد " (١١٠١٣): فيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف ". وقال زين الدين العراقي في " تخريج أحاديث الإحياء " (١٣٦٦): " فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف، ورواه الطبراني من رواية أبي معشر عن يحيى بن شبل عن عمر بن عبد الرحمن المدني عن أبيه مختصرًا، وأبو معشر نجيح السندي ضعيف، ويحيى بن شبل لا يُعرف ".
(٢) وانظر زاد المسير (٣/ ٢٠٦) وفتح القدير (٢/ ٢٦٤)
(٣) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٥٨)
[ ٢ / ١١٥٢ ]
أنوثة، ولقد نعى الله -تعالى- على المشركين الذين زعموا أن الملائكة إناثًا، فقد قال تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩» (الزحرف: ١٩)
٢ - الوجه الثاني:
إخباره تعالى عن أصحاب الأعراف أنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة، والملائكة غير محجوبين عنها، كيف والحيلولة بين الطامع وطمعه تعذيب له، ولا عذاب يومئذٍ على ملَك. (^١)
٤ - القول الخامس:
أنهم قوم قد استوت حسناتهم وسيئاتهم، فجُعلوا هناك إلى أن يقضي الله -تعالى- فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.
ويعزى هذا القول إلى ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس ﵃، وقال به الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير وابن القيم، وهو قول جمهور العلماء. (^٢)
قال حُذَيْفَةَ ﵁:
" أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمُ النَّارَ، وَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ، قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ، قَالَ: «قُومُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ". (^٣)
وقال ابن عباس ﵁:
أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم. (^٤)
قال ابن كثير:
اختلفت عبارات المفسِّرين في أصحاب الأعراف مَن هم، وكلها
_________________
(١) الحبائك في أخبار الملائك (ص/٢٦٥)
(٢) وانظر طريق الهجرتين (ص/٤٣٩) وزاد المسير (٣/ ٢٠٥) وتفسير المنار (٨/ ٣٨٥)
(٣) أخرجه الحاكم (٣٢٤٧) والبيهقي في البعث والنشور (١٠١)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، وقال الذهبي: "على شرط البخاري ومسلم"، وصحح إسناده مشهور سلمان في تحقيقه لرسالة " تحقيق الخلاف في أصحاب الأعراف" (ص/٣٥)
(٤) جامع البيان (٨/ ١٩١).
[ ٢ / ١١٥٣ ]
قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود ﵃، وغير واحد من السلف والخلف، ﵏. (^١)
قال ابن القيم:
الثابت عن الصحابة -﵃- هو القول بأن أصحاب الأعراف هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها، وآثار الصحابة فى ذلك المعتمدة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله-تعالى- ومراده منه. (^٢)
*وأما القول الخامس:
فإن غاية ما فيه هو أقوال موقوفة، وقد اختلف فى تفسير الصحابى هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين، والثانى هو الصواب، ولا نقول على رسول الله -ﷺما لم نعلم أنه قاله. * ومما يُضعف هذا القول أنّ من توسَّط في العلم والعمل ليس لهم أي ميّزة حتّى يهنّئ ويسلّم على أصحاب الجنة، ويندّد ويوبّخ أصحاب النار، والعلم عند الله.
*والراجح - والله أعلم - أن أمر تعيين أصحاب الأعراف من الصعوبة بمكان؛ ذلك أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة صفتهم على سبيل التحديد، وعليه فلم يثبت في الباب ما يكون قاطعًا للنزاع والخلاف.
وأما استنباطات العلماء، فهي تفتقر إلى دليل صحيح، بغض النظر عن كون تلك الأقوال المنسوبة إلى قائليها تصح نسبتها إليهم أم لا.
وإذا علم هذا فإنه لم يبق لنا من مستند إلا ما جاء في القرآن، فنثبت ما أثبته في حقهم ولا نتعداه، فإن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لا مجال للجزم برأي فيها دون نص ثابت عن رسول الله ﷺ. (^٣)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٥٩)
(٢) طريق الهجرتين (ص/٤٤١) بتصرف يسير.
(٣) الحياة الآخرة (٣/ ١٣٨٩)
[ ٢ / ١١٥٤ ]
حكم من مات على الشرك الأصغر
قال القرطبي:
نقف عن التعيين؛ لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم. (^١)
*ومعلوم أن قاعدة شيح المفسِّرين الإمام الطبري أنه إذا اختلف في تفسير آية وللصحابة -﵃- فيها قول ولمن بعدهم قول، فإنه يؤخذ بمذهب الصحابة ﵃، إلا أنه لما ذكر تفسيرهم لأهل الأعراف فقد توقَّف فيهم، وهذا موجبه أنه لم يصح عند ابن جرير شيء من هذه الروايات عن الصحابة ﵃.
*أضف إلى ذلك أن الذي في الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف هو الإيمان بالموازنة، ولكنَّ الإيمان بالشئ المجمل لا يستلزم العلم به مفصَّلًا، بل مرد ذلك إلى عدل الله -تعالى- ورحمته وحكمته. * المسألة الثانية: حكم من مات على الشرك الأصغر:
اختلف العلماء فيمن مات على الشرك الأصغر دون توبة منه:
هل يكون هذا الشرك الأصغر داخلًا تحت المشيئة الواردة في قوله تعالى (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فيكون مثله في ذلك كمثل من مات مصرًَّا على كبيرة من الكبائر مثلًا؟
أم يقال أن الشرك الأصغر داخل تحت قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ)، فلابد وأن يدخل في الموازنة، وإن كان مآل صاحبه إلى الجنة، وبهذا يفترق عن الشرك الأكبر.
فالكل متفق على أنَّ صاحب الشرك الأصغر لا يُخلَّد في النار، وإنما موطن النزاع:
هل هو تحت المشيئة، فيقال قد يُغفر له فلا يدخل النار أصلًا، أم أنه لا بد وأن يُعاقب صاحبه جزمًا؟
قولان لأهل العلم:
١ - القول الأول:
أن من مات على الشرك الأصغر دون توبة منه لا يكون داخلًا تحت المشيئة، بل لابد وأن يدخل في الموازنة.
ودليل ذلك من الكتاب قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٣٦)
[ ٢ / ١١٥٥ ]
لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: ٤٨)
وجه الاستدلال من الآية:
أن قوله: "لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ":
(يُشركَ) فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، فأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، هذا المصدر إن قدَّرناه نكرة صار (إشراكًا به)، كانت هذه النكرة في سياق النفي المتقدِّم في قوله ﴿لا يغفر﴾، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، كما هو مقرر في بابه من علم الأصول، فيكون تقدير الكلام: " إن الله لا يغفر أيّ إشراكٍ به "، فيدخل الشرك الأصغر في هذا العموم، وعليه يستحق صاحبه العذاب، فلا تشمله المشيئة التي في آخر الآية.
قالوا:
فهذا يدل على أن الشرك الذي نفت الآية مغفرته هو الشرك الأكبر والأصغر، لكن مع الفرق في المآل، فصاحب الشرك الأكبر مخلَّد في النار، وأما صاحب الشرك الأصغر فهو داخلٌ في الموازنة، ثم مآله إلى الجنة.
*ومعنى الموازنة:
١ - أن من غلبت حسانته على سيئاته فإنه لا يعذَّب على الشرك الأصغر، بل ينقص من حسناته بقدر ما يمحى به هذا الشرك فيدخل الجنة، وهذا لا بد فيه من حسنات عظام حتى ترجح حسانته على سيئاته، والتي فيها شرك أصغر.
٢ - وأما إن غلبت سيئاته، والتي فيها الشرك الأصغر، ولم تفِ الحسنات لتكفير هذا الشرك الأصغر، فلا بد أن يعذَّب على هذا الشرك، ثم يكون مآله إلى الجنة خالدًا فيها، بعد وقوع التطهير له بالعذاب، فالجنة لا تدخلها إلا النفس المؤمنة الطاهرة من شوائب الشرك كما جاء في الخبر. والله اعلم.
* ومن أدلة السنة:
١ - ما رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟، فَقَالَ:
" مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا
[ ٢ / ١١٥٦ ]
دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ". (^١)
ووجه الدلالة ظاهر في قوله ﷺ: " منْ مات يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا":
فهي من أعم العمومات، وهي نكرة في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق؛ أي أنَّ مطلق الشرك يوجب دخول النار، فيدخل فيه الأصغر.
٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا». (^٢)
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر علماء الدعوة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأعظم الذنوب عند الله -تعالى- الشرك به، وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والشرك منه جليل ودقيق، وخفي وجلي. (^٣)
ويقول بعبارة أصرح من السابقة:
" وقد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن، وإن كان صاحب الشرك -أي الأصغر- يموت مسلمًا، لكن شركه لا يغفر له، بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة ". (^٤)
٢ - القول الثاني:
أن صاحب الشرك الأصغر يدخل تحت المشيئة؛ ويكون تأويل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) (النساء: ٤٨)، أن قوله "أن يشرك": المكوّن من أن والفعل المضارع، فتقوم هي والفعل الوارد بعدها مقام المصدر من حيث المعنى، ويقدَّر معرفةً (الإشراك به)، فينصرف لفظ الإشراك إلى الشرك المعهود ذكره في القرآن وهو الأكبر فتكون (ال) للعهد
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم (١٩٩)
(٣) جامع الرسائل (٢/ ٢٥٤)
(٤) الرد على البكري (تلخيص كتاب الاستغاثة) (ص /١٤٦)،
[ ٢ / ١١٥٧ ]
الذكري، وعليه يكون الشرك الذي نص عليه في الآية بأنه لا يُغفر هو الشرك الأكبر، ويبقى الشرك الأصغر داخلًا تحت عموم المشيئة.
* يؤيده:
أننا وجدنا بالاستقراء أنّ الشرك الوارد في أكثر النصوص عند الإطلاق يراد بالشرك فيها الشرك الأكبر، دون الأصغر، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥» (الزمر: ٦٥)، وقال تعالى (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: ٧٢)
فهذه مواطن لا يراد بها الشرك الأصغر بالإجماع؛ لأن حبوط العمل وتحريم دخول الجنة إنما يكون لمن مات على الشرك الأكبر.
* يؤيده:
أنّا وجدنا أنّ الشرك الأصغر يخالف الشرك الأكبر في كثير من الأحكام؛ منها:
١ - أنّ الشرك الأكبر يُخرج من الملة، أمّا الشرك الأصغر فلا يخرج من الملة.
٢ - أنّ الشرك الأكبر موجِب للخلود في النار لمن مات عليه، أمّا الشرك الأصغر فليس موجبًا للخلود في النار لمن مات عليه، حتى لو دخل النار فإنه يُخرَج منها.
٣ - أنّ الشرك الأكبر لا يدخل تحت الموازنة، فمن مات على الشرك الأكبر فليس له عمل صالح حتى يدخل تحت الموازنة، بخلاف الشرك الأصغر فإنه يدخل تحت الموازنة بالاتفاق، حتى الذين يقولون إنه لا يُغفر ولا يدخل تحت المشيئة يقولون يوضَع في الميزان.
*إذن وجدنا أنّ الشرك الأصغر يخالف الشرك الأكبر في أكثر أحكامه، ولم تبق إلا هذه المسألة، وهي مسألة محتمِلة بالنسبة للآية؛ فلأن تُلحَق ببقية المسائل أولى من أن تلحق بالشرك الأكبر في
مسألة واحدة.
*وهذا هو الراجح، والله أعلم، ويجاب عن أدلة القول الأول من وجوه:
١ - الوجه الأول:
أنَّ آيتي (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) وردتا في سياق الكلام
[ ٢ / ١١٥٨ ]
على أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، وهؤلاء شركهم أكبر، فناسب أن يكون الحديث في عدم المغفرة عن الشرك الأكبر، لا الأصغر.
٢ - الوجه الثاني:
لو تنزَّلنا أن قوله تعالى (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) دالٌ على عموم نوعيّ الشرك، فهذا من العام الذي أريد به الخصوص، فيكون المراد بهذا العموم خصوص الشرك الأكبر دون غيره، وأما ما دون الشرك الأكبر، فإنه داخل تحت المشيئة.
* وأما الجواب على ما استدلوا به من قوله ﷺ:
"من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار "
فيقال: لا يلزم منه الجزم بدخول صاحب الشرك الأصغر النار، وإلا للزم مثله في قوله ﷺ:
"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ". (^١)
فوعيد الله -تعالى- بإدخال النار أقوامًا هو من حيث العموم لا الأعيان؛ والله -تعالى- يُنجز وعده، وأما وعيده فإنْ شاء أنجزه، وإنْ شاء تركه.
* ثم يقال:
ومما يرجّح دخول الشرك الأصغر تحت المشيئة أن يصدر من خواص الأمة؛ إذ لا يسلم منه غالبًا إلاَّ من عصمه الله تعالى، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لذا فالقول بعدم دخوله تحت المشيئة مما يوقع عموم الأمة في الحرج الشديد.
* ثم يقال:
إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد ذكر تفصيلًا آخر، فقد قال:
والشرك نوعان: أكبر وأصغر: فمَنْ خلص منهما وجبت له الجنة، ومَنْ مات على الشرك الأكبر وجبت له النار، ومَنْ خلص من الأكبر وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة، ومَنْ خلص من الشرك الأكبر ولكن كبُرَ شركه
_________________
(١) أخرجه أبوداود (٤٩١٤) وصححه الألباني.
[ ٢ / ١١٥٩ ]
الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار.
فالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر، أو كان كثيرًا أصغر؛ فالأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به، والخلاص من الأكبر ومن أكثر الأصغر - الذي يجعل السيئات راجحة على الحسنات - فصاحبه ناجٍ، ومن نجا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ورجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة. (^١)
فواضح من كلامه -رحمه الله تعالى- أنَّ الشرك الأصغر منه الكثير الذي إنْ رجحت به السيئات دخل صاحبه النار، وإن كان يسيرًا وكانت حسنة التوحيد بإخلاص وصدق وعبودية ورجحت حسناته دخل الجنة؛ فالمغفرة وعدمها مبنية على رجحان الحسنات أو السيئات، ويؤثر في ذلك كثرة الشرك الأصغر أو قلته.
ويقول ابن القيم:
فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلَّظة ونجاسة مُخَفَّفَة، فالمغلَّظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى، فإن الله -تعالى- لا يغفر أن يشرك به، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء. (^٢)
وقال: "الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ". (^٣)
* تنبيه مهم:
المسألة وإن كانت خلافية بين أهل السنة، فإن هذا يوجب الخوف من الشرك على جميع أقسامه، كبيره وصغيره، فيخشى المرء أن يقع في الشرك الأصغر من حيث لا يدري، كيسير الرياء والحلف بغير الله، إن لم يقصد قائله تعظيم غير الله -تعالى- كتعظيم الله تعالى، أو تعليق التمائم، وقول الرجل "ما شاء الله وشئتَ"، وكذلك نسبة المطر إلى النوء على سبيل السببية، وغير ذلك. (^٤)
_________________
(١) وانظر " تفسيرآيات أَشكلت على كثير من العلماء" (ص/٣٦٤)
(٢) وانظر إغاثة اللهفان (١/ ٩٨) والجواب الكافي (ص /١٧٧)
(٣) مدارج السالكين (١/ ٣٣٩)
(٤) قد وضع الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي -﵀- ضابطًا للشرك الأصغر بما يلي: " كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر، من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة "، وانظر القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/ ٤٣)
[ ٢ / ١١٦٠ ]
وإذا كان الخليل الأول الذي هدَّم الأصنام على روؤس أصحابها يخشى الفتنة على نفسه فيدعو ربه قائلًا ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، فمن يأمن الفتنة بعد إبراهيم ﵇؟!
* وختامًا: فقد طاشت السجلات:
ترى يا صاحب البطاقة حدِّثنا: أيُ إخلاصٍ هذا الذي وافيتَ به ربك عزوجل، أي يقينٍ، أي صدقٍ في شهادتك حتى تطيح بهذه السجلات الذي بلغت تسعة وتسعين سجلاًّ، مائة إلا واحدًا؟!
ما الذي وقرَّ في قلبك حتى يرجح عند ربك؟!
فكم من أناس وافوا ربهم بالشهادة، ولكنَّ سيئاتهم قد رجحت فدخلوا النار، حتى أدركتهم شفاعة الشافعين.
قال أبو العباس ابن تيمية عن صاحب البطاقة:
فهذه حال من قالها -أي الشهادتين- بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولم يترجّح قولهم على سيئاتهم، كما ترجَّح قول صاحب البطاقة. (^١)
وقال ﵀:
فهذا لما اقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص والصفاء وحسن النية؛ إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت في الصورة الظاهرة فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتًا عظيمًا، ومثل هذا الحديث الذي في حديث: المرأة البغيّ التي سقت كلبًا فغفر الله -تعالى- لها؛ فهذا لما حصل في قلبها من حسن النية والرحمة. (^٢)
قال ابن رجب:
فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه،
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٢٠)
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٣٥)
[ ٢ / ١١٦١ ]
أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلًا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات. (^١)
تم بحمد الله.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١٧)
[ ٢ / ١١٦٢ ]