[ ٢ / ٨٥٧ ]
* نص الحديث:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" يَا غُلامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ:
احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ "
* تخريج الحديث:
أخرجه أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦) في كتاب صفة القيامة، باب " ٥٩ "، والحاكم (٦٣٠٣)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال ابن رجب: " وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة ". (^١)
*منزلة هذا الحديث:
ولعظم هذا الحديث فقد أفرده الأئمة بالشرح والتصنيف، كما هو فعل الحافظ ابن رجب، فقد أفرده بالكلام على رواياته ومعانيه برسالة سمَّاها: " نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - ﷺ - لابن عباس "، وكذلك فقد ذكره النووي في " الأربعين حديثًا ".
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ص/١٧٤). وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير، عن ابن عباس ﵄، إلا أن الشيخين - ﵄ - لم يخرجا شهاب بن خراش، ولا القداح في الصحيحين، وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا " ا. هـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحديث معروف مشهور. (قاعدة جليلة (ص/٥٥»، وصححه عبدالحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى (٣/ ٣٣٣) والألباني في ظلال الجنة (١/ ١٣٨).
[ ٢ / ٨٥٩ ]
أنواع حفظ أمر الله للعبد
قال ابن رجب:
وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال ابن الجوزى:
تدبرت هذا الحديث، فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه ". (^١)
* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
١ - الفائدة الأولى: قوله: " ﷺ:
" احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ ":
قال النووي:
احفظ أوامره وامتثلها، وانته عن نواهيه، يحفظك في تقلباتك، وفي دنياك، وآخرتك، قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (٩٧» (النحل: ٩٧)
فكل ما يحصل للعبد من البلاء والمصائب، فسببه الرئيس إنما تضييعه لأوامر الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. (^٢)
* وهذه جملة متضمنة لأمر وإخبار:
أما الأول: فهو الأمر:
وهو أمرٌ للعبد أن يقوم بحق الله -تعالى - عليه، وحفظ العبد لأمر الله - تعالى - على نوعين:
أ) حفظ أمر الله القدري:
وذلك بالصبر على الأقدار، فهذه من علامات صدق الإيمان، فعَنْ صُهَيْبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا " (^٣)، فجعل الصبر على القدر لا يحصل إلا للمؤمن.
ب) حفظ أمر الله الشرعى:
وذلك بالقيام بحق الشرع، بامتثال الأوامر واجتناب
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٢)
(٢) شرح الأربعين للنووي (ص/٦٣)
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٩٩)
[ ٢ / ٨٦٠ ]
النواهى.
كما قال تعالى (َالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤» (الأنفال /٧٤)،
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١» (المؤمنون/٦١)
* والذى يتنبه لدلالات ألفاظ القرآن والسنة يجد أنها قد حثت في أبواب الآخرة على الجد والسعى والمبادرة والمسارعة، وأما فى أمور الدنيا فقد جاء الأمر بالتمهّل والإجمال.
*فمن أدلة المبادرة والمسارعة في أمور الآخرة:
قوله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)
وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)
وفى حديث أبي هريرةرضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: " "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا" ". (^١)
فالحديث فيه الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما سيقع من الفتن الشاغلة المتراكمة كتراكم قطع الليل المظلم.
وفي حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله - ﷺ - لما رأى في أصحابه تأخرًا عن الحضور للمسجد قال لهم:
" لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله " (^٢)
* وأما في أمور الدنيا فقد أمر الله - تعالى- فيها بالتؤدة:
فقد قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥» (الملك/١٥)
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
" "أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٨)
(٢) أخرجه مسلم (٤٣٨)
[ ٢ / ٨٦١ ]
الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ" ". (^١)
وفى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- قَالَ:
كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ- فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: " لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ ". (^٢) *
*وأما الثانى: فهو الإخبار:
فقد وردت البشارة لكل عبد قائم بأمر الله -تعالى- إذعانًا وامتثالًا، مسارعة وإقدامًا، بشارة بحفظ الله -عزوجل- له في أصلين:
١ - الأول:
حفظ الله -تعالى- لعباده من مضلات الفتن في دينهم، فيحفظ عليه دينهم حتى يتوفاهم عَلَى الإسلام.
٢ - الثانى:
حفظ الله - تعالى- لعباده من مضايق المحن في دنياهم.
وأما الأصل الأول:
فيدل عليه قوله تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩» (النحل/٩٩)، وقوله تعالى عن يوسف ﵇ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]
قال ابن رجب:
فمن أخلص لله-تعالى- خلَّصه الله -تعالى- من السوء والفحشاء، وعصمه منهما من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أبواب المعاصي المهلكة. (^٣)
كذلك ما جاء بيانه فى حديث الولاية.
وهو ما رواه أَبو هُرَيْرَة -﵁- قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ:
مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ،
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٢١٣٥) والبيهقى (١٠١٨٥)، قال الذهبي: "على شرط مسلم "، وانظر صحيح الجامع (٢٠٨٥)، والإجمال: هو الطلب بقصد واعتدال، مع عدم انشغال القلب.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس (ص/٥٦)
[ ٢ / ٨٦٢ ]
وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. (^١)
*وأما الأصل الثانى:
والذى هو النجاة من محن الدنيا ومضايقها، ومن كل أذى فله موارد كثيرة، قال تعالى (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (الرعد/١١)
قال ابن عباس ﵄:
والمعقبات من الله هم الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله تعالى: خلوا عنه. (^٢)
قال ابن كثير:
للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات. (^٣)
وفى حديث أبى هريرة -﵁- لما قَالَ له الشيطان:
إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^٤)
قال ابن رجب:
ومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله، وقد تأول بعضهم على ذلك قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (التين: ٥ - ٦)
وكان أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهو متمتع بعقله وقوته، فوثب
يومًا من سفينة كان فيها إلى الأرض وثبة شديدة، فعوتب على ذلك، فقال:
هذه جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.
وقال محمد بن المنكدر:
إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها والدويرات التي حولها فما يزالون في حفظ من الله وستر. (^٥)
وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) [الأنبياء: ٤٢]
قال ابن كثير:
أي بدل الرحمن، يمتنُّ ﷾ بنعمته على عبيده وحفظه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، وقد تم شرح هذا الحديث ضمن سلسلة " الأربعون العقدية "، بعنوان "ضوء الثريا شرح حديث من عادى لي وليًا "
(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٦/ ٣٧١)
(٣) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣٧)
(٤) أخرجه البخاري (٣٢٧٥)
(٥) وانظر روائع التفسير (١/ ٥٧٥) ونورالاقتباس في مشكاة وصية النبي -ﷺلابن عباس (ص/٥١)
[ ٢ / ٨٦٣ ]
لهم بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام. (^١)
* نقول:
فبقدر ما تحقق من حفظك لأوامر الله تعالى، بقدر ما يتحقق حفظ الله -تعالى - لك. ونظير ذلك ما قد ورد في قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]،
فإنه بقدر ما تحقق من الامتثال والعبودية، بقدر ما يتحقق لك من الكفاية والهداية. قال الطبري:
يقول تعالى ذكره: (فَلَوْلا أَنَّهُ) يعني يونس (كَانَ مِنَ) المُصَلِّينَ لله قبل البلاء الذي ابتُلي به من العقوبة بالحبس في بطن الحوت (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يقول: لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، يوم يبعث الله فيه خلقه محبوسًا، ولكنه كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله في حال البلاء، فأنقذه ونجَّاه. (^٢)
* حفظ الله - تعالى- لأولياءه:
عن سفينة مولى رسول الله ﷺ، قال:
" ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا منها فطرحني في أجمة فيها أسد، قال: فقلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ،
قال: فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه - أو بكتفه - حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق همهم، فظننت أنه يودعني " (^٣)
*وهنا إشكال:
كيف الجمع بين قوله ﷺ: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ "، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن؟
* وجواب ذلك أن يقال:
أن الحفظ نوعان: " حفظ إيمان، وحفظ أبدان "
فأما حفظ الإيمان:
فهذا هو المراد بحديث الباب، فالعبد إذا ما حفظ الله -تعالى - فى أمره ونهيه فإن الله - تعالى - يحفظ عليه دينه وإيمانه، ويجعل له بصيرة تنجيه من مضلات الفتن وشبهات البدع، قال تعالى
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) (الأنفال/٢٩)، وقال تعالى (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٣٤٤)
(٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٢١/ ١٠٨) وروى عن أنس -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: "أن يونس -﵇ - حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة؟ قالوا: يا رب، أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجِّيه في البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء". في سنده يزيد بن أبان الرقاشى، قال أحمد: "منكر الحديث"، وقال والنسائى: "متروك ". قال الحافظ ابن كثير: " لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة". وانظر تهذيب التهذيب (٦/ ١٩٦) وتفسيرالقرآن العظيم (٧/ ٦٠) وأنيس الساري (٦/ ٤٣٦٥).
(٣) وانظر حلية الأولياء (١/ ٣٦٩)
[ ٢ / ٨٦٤ ]
بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣» (البقرة /٢١٣)
* وأما حفظ الأبدان:
فمثل هذا وإن كان من حيث الأصل العام داخلًا فى حكم القسم الأول، إلا أنه غير ممتنع الوقوع، فخير الحافظين لأمر الله -عزوجل- وهو النبى -ﷺ - لم يسلم من مثل ذلك، ففى يوم أحد قد شُج في وجهه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته.
وكذلك فقد سُحر ﷺ على يد رجل يهودى، فاشتكى فأتاه جبريل -﵇- بالمعوذتين.
ولم يكن لذلك السحر أثر على شأن الوحى والرسالة، بل كان يخيَّل إليه أنه قد صنع شيئًا وما صنعه، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، أي أنه أثَّر على جسده فقط، أما الوحي والتبليغ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
* الحاصل هنا:
أن أصل حفظ الله -تعالى- لأنبيائه وأولياءه إنما هو حفظ لما وقر فى قلوبهم من الإيمان الراسخ والاعتقاد السابغ، وأما ما يتعلق بما قد يصيبهم من بلاء أو أذى في بدن أو نفس أو مال ونحو هذا فهذا غير ممتنع الوقوع.
* وتأمل في قوله تعالى (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢» (يوسف/٣٢)
فقد أكد الفعل الأول الذي هو السجن -وهذا من بلاء الدنيا- بنون التوكيد، وقد وقع بالفعل،
أما حال ذكره للصَغار الذى هو الذل والهوان -وهذا مما لا يحصل لأهل الإيمان - فقد جاء الفعل مصحوبًا بالنون الخفيفة﴾ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿، فلم يقل "وليكوننَّ "، والنون الثقيلة التوكيد بها أشد وأبْلغ؛ لأنَّ زِيادة المبنَى تدلُّ على زيادة المعنى غالبًا.
قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول:
ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. (^١)
_________________
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص/٤٨)
[ ٢ / ٨٦٥ ]
* ولاشك أن البلاء، وإن كان واقعًا ولا بد، فإن حصوله فى أمور الدنيا أهون من حصوله فى أمر الدين، لذا فقد كان من دعائه ﷺ: " وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا " (^١).
وفى مثل هذا المعنى قد قَالَ يوسف ﵇ (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف/٣٣)
* نقول:
حتى ما يقدِّره الله -عزوجل- على أولياءه من المحن والبلاء فإنما يقع لحكم عظيمة، منها:
١ - أن يكون هذا إظهارًا لصدقهم:
فيثبت أهل الإيمان، ويُفضح أهل النفاق، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) (آل عمران/١٦٦ - ١٦٧)
وقال تعالى (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت/١ - ٢ - ٣)
٢ - وقد يكون هذا رفعة لدرجاتهم وتكفيرًا لسيئاتهم:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ - قَالَ:
«مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». (^٢)
* الفائدة الثانية: قوله ﷺ: " احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ.. "
والمعنى: أنه بحفظ حدود الله -تعالى- يُرزق العبد المعية الخاصة، ومعية الله -عزوجل - الخاصة معناها أنه سبحانه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده.
فمن راعى حدود الله - عزوجل - وجد الله معه في كل أحواله، حيث توجه، يحوطه، وينصره، ويحفظه ويوفقه ويسدده ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ".
إنها معية الله -تعالى- لأنبيائه وأوليائه، قال تعالى (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ
_________________
(١) أخرجه الترمذى (٣٥٠٢) وصححه الألبانى فى صَحِيح الْجَامِع (١٢٦٨)
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة/٤٠)، قال تعالى (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥» (الشعراء/١٥)، وقال عزوجل فى خبر موسى ﵇ (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) (الشعراء/٦٢)
*الفائدة الثالثة: " وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ "
وقد أمر الله تعالى بسؤاله، فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]
وفارق بين سؤال الخالق، وسؤال المخلوق:
فأما سؤال الخالق:
فالأصل فيه الإلحاح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ: يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) (^١)
قال ابن حجر:
وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار. (^٢)
قال ابن القيم: " ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء " (^٣)
* وأما سؤال المخلوق:
فإن الأصل فيه المنع، ففى حديث عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّرضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ- فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ ﷺ:
عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. (^٤) وعَنْ ثَوْبَانَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
" مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ "، قَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا. قَالَ: " لَا تَسْأَلِ النَّاسَ "، يَعْنِي شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) فتح الباري (١١/ ١٤١)، وصححه الألبانى فى صحيح الجامع (٦٦٠٣)
(٣) الجواب الكافي (ص/٢٥).
(٤) أخرجه مسلم (١٠٤٣) وأحمد (٢٣٩٩٣)
[ ٢ / ٨٦٧ ]
قَالَ عبد الرحمن بن يزيد: فَكَانَ ثوبان لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، ويَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ، حَتَّى يَنْزِلَ فَيَتَنَاوَلَهُ. (^١)
وعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ. (^٢)
* الفائدة الرابعة: قوله ﷺ:
" وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ ":
وهذه عبادة من أعظم العبادات التي يتوجه بها العبد إلى ربه عزوجل، وقد أمر الله -تعالى- بها عباده، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ (البقرة/ ١٥٣) وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال الله لنبيه - ﷺ -: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
قال ابن رجب: وفي استعانة الله -تعالى - وحده فائدتان:
الأولى: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.
والثانية: أنَّه لا معين له عَلَى مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول. (^٣)
* الفائدة الخامسة:
قوله ﷺ:
" وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ "
وهذه معانى عظيمة النفع لقلب العبد؛ فإن العبد إذا ما امتلأ قلبه يقينًا أن كل ما يصيبه إنما هو مما قدَّره الله -تعالى- وقضاه ازداد تعلقًا بربه وتوكلًا عليه.
فصار القلب متوجهًا بكليته شطر خالقه عزوجل، على اليقين الجازم أن الأولياء وغيرهم من المخلوقين لا يملكون لأنفسم نفعًا ولا ضرًا؛ فضلًا عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأن غيره تعالى غير قادر
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٣٦٦)
(٢) متفق عليه.
(٣) وانظر "نور الاقتباس في شرح وصية النبي - ﷺ - لابن عباس " (٣/ ١٣٣)
[ ٢ / ٨٦٨ ]
على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع.
قال تعالى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]
قوله تعالى (ومن يؤمن بالله): يصدق أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله تعالى له.
﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يوفقه لليقين، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وللقول الحسن فلا يقول إلا ما يرضي الله ﷿، إنا لله وإنا إليه راجعون ويسلم لقضاء الله - تعالى - وقدره.
* ومما صح في تفسير هذه الأية:
قال ابن عباس ﵄:
قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يعني: يهدي قلبه لليقين، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. (^١)
وقال عبد الله بن مسعود ﵁:
«هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ». (^٢)
وعن زَيْد بْن ثَابِتٍرضي الله عنه- أن النَّبِيَّ - ﷺ- قال:
" لَوْ أَنْفَقْتَ جَبَلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَدَخَلْتَ النَّارَ " (^٣)
قال أبو العباس ابن تيمية:
فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من تعلق قلبه بالخلق ونظره إليهم، وتجرد التوحيد في قلبه، وتوكل على الله -تعالى - فهو حسبه. (^٤)
قال ابن رجب:
إن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله -تعالى- له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﷿
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ١١٦) وسنده حسن، وانظرموسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٤/ ٤٩٥)
(٢) ذكره البخاري معلقًا (٨/ ٧١١) ووصله ابن حجر فى التغليق (٤/ ٣٤٢)
(٣) أخرجه أحمد (٢١٥٨٩)، وصححه الألبانى "الظلال " (٢٤٥).
(٤) مجموع الفتاوى (١/ ٩٣)
[ ٢ / ٨٦٩ ]
وإفراده بالطاعة والخوف والرجاء والمحبة والسؤال
والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا، وإفراده بالاستعانة به والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء. (^١)
وقال تعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) «يونس/١٠٧)
فإذا ما مسك ضر فلن يستطيع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم أن يرفعوا هذا الضر عنك، إلا إذا أراده الله تعالى، وإذا أصابك خير قدَّره الله -تعالى- لك فلن يستطيع الخلق كلهم أن يمنعوا هذا الخير، إلا إذا أراد الله تعالى.
ولا شك أن لهذا الاعتقاد متعلقًا وثيقًا بتوحيد الربوبية؛ فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته.
وقال سبحانه ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾
[الإسراء - ٥٦]
فمن دلائل بطلان عبادة من سوى الله - عزوجل - أنهم لا يملكون كشف الضر عن المرء ولا تحويله، فهذا أحد أوجه الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية.
* الفائدة السادسة: قوله ﷺ:
" رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ":
والمعنى:
أن الله -تعالى- قد قضى كل شيء وقدَّره تقديرًا، وأمر بكتابة هذا الذى قدَّره فى اللوح المحفوظ، ويسمى أيضًا أم الكتاب، والكتاب المبين.
قال تعالى ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر/٥٣)، وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٥) بتصرف يسير.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]
وعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ -﵁- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ:
اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ " (^١)
وقد بوَّب الإمام اليخاري -﵀- فى كتاب القدر من صحيحه:
" بَابٌ: جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ "، وذكر تحته ما يلى:
قوله تعالى ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ»)
قلت:
وأما ذكر البخاري لهذه الأية تحت هذا التبويب ففيه دلالة أنه ﵀ يرجَّح أن هذا العلم المقصود فى هذه الأية هو علم الله -تعالى -السابق، فيكون المعنى أن ضلال هذا العبد إنما وقع وفق ما قدَّره الله -عزوجل- فى علمه الأزلى، وأنه لا يستحق إلا ذلك. (^٢)
*وأما حديث أبى هريرةرضي الله عنه- الذى ذكره البخاري هاهنا معلقًا فقد وصله في باب النكاح برقم (٥٠٧٦)، ومناسبته هناك أن أَبِا هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي العَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ»
* وقوله ﷺ لأبي هريرة ﵁: " جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ "، هو معنى ما ورد فى حديث الباب: " رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ":
فهذه كناية عن الفراغ من الأمر الذي سبق به القدر، فكل ما يجري في الوجود فقد سبق به علم الله-تعالى - وكتابه، فقد فُرغ من الكتابة التي أمر الله -تعالى - بها القلم حين خلقه، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥)، وصححه الألبانى في ظلال الجنة (١/ ٤٨) وقد تم شرح هذا الحديث ضمن أحاديث "الأربعون العقدية"، تحت عنوان " بلوغ العَلَم فى شرح حديث أول ما خلق الله القلم "
(٢) ولهذه الأية توجيهان نص عليهما ابن كثير، فقال ﵀: وقوله: ﴿وأضله الله على علم﴾ يحتمل قولين: أحدها: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس. ا. هـ، وأما الطبرى فلم يذكر إلا وجهًا واحدًا، فقال ﵀: خذله عن محجة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي، ولو جاءته كل آية. ا. هـ وانظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٦٨) وجامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٧٦)
[ ٢ / ٨٧١ ]
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِورضي الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ:
"كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ". (^١)
وقوله ﷺ:
(كتب الله مقادير الخلائق): قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، وليس أصل التقدير؛ فإن ذلك أزلي لا أول له.
قال أبو الحسن الأشعرى:
وأجمعوا على أنه تعالى قد قدَّر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون. (^٢)
* وهذا الذى كتب فى اللوح المحفوظ يشتمل على كلمات الله الشرعية والكونية:
أ) أما الكلمات الشرعية:
فمنها التوراة بيمينه لموسى في الألواح، وأنزل على إبراهيم صحفًا وعلى موسى صحفًا، وكذلك القرآن فإنه مكتوب عنده في اللوح المحفوظ، كما قال ﷾ في وصف القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]، وقال تعالى (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) ﴿الواقعة: ٧٧ - ٧٨﴾.
ب) وأما الكلمات الكونية:
وهى كل ما قدَّره الله -تعالى- من أقدار وأعمال وأخبار، كما قال تعالى ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب﴾ (الحج: ٧٠)، وقال تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]
قال ابن كثير:
وكل شيء أحصيناه في إمام مبين أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب. (^٣)
قال ابن قدامة:
لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٣)
(٢) رسالة إلى أهل الثغر (ص/٢٤٧)
(٣) تفسير القرآن العظيم (٦/ ٥٦٨)
[ ٢ / ٨٧٢ ]
الجمع بين قوله ﷺ رفعت الأقلام، وبين ما ظاهره التعارض من الأدلة الأخرى
العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور. (^١)
* وهنا سؤال:
قد دل حديث الباب على أن مقادير الخلائق قد فرغ منها، فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف، لكن قد يشكل على هذا ما قد ورد فى أدلة أخري يعارض ظاهرها هذا الأمر، مثل قوله تعالى:
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد/ ٣٩]، وكذلك ما ورد فى حديث ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما - أَنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - قال:
إِنَّ اللهَ - ﷿ - لَمَّا خَلَقَ آدَمَ، مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ ذَرَارِيَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُ ذُرِّيَّتَهُ عَلَيْهِ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَرُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَمْ عُمْرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا، قَالَ: رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ (^٢)، وقوله ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (^٣)
* وجواب ذلك أن يقال:
أن كل ما هو كائن إلى يوم القيامة قد قدَّره الله -تعالى - وكتبه في اللوح المحفوظ، وهذا الذى سطِّر فى اللوح المحفوظ لا يبدل، ولا يغير، ولا يمحى، وإنما الذي يقبل التغيير والمحو والإثبات، هو ما في صحف الملائكة، كما قال عزوجل (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) ﴿الرعد: ٣٩﴾.
والمعنى:
أن الذى فى أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ لا محو فيه ولا تغيير، وهو من الغيب المطلق الذى لا يطلع عليه ملك مقرَّب ولا نبي مرسل، وأما الذى يسطَّر فى صحف الملائكة فهذا الذى قال تعالى عنه (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)، وكل ما يقع في هذه الصحف من التغيير والإثبات فهو مكتوب في اللوح المحفوظ تفصيله، ونهايته.
*فالحاصل أن القضاء نوعان:
_________________
(١) لمعة الاعتقاد (ص/٢٣)
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٧٠) والترمذى (٣٣٦٨)، وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وانظر صحيح الجامع (٥٢٠٨)
(٣) متفق عليه.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
١ - قضاء مبرم:
فهذا الذى لا تبديل فيه ولا تغيير، وهو المسطر في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب أى أصله.
٢ - قضاء معلَّق:
وهو المراد فى قوله تعالى ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، فالمحو فيه والإثبات يتعلق بأسباب قدَّرها الله عزوجل، ومنها الدعاء وصلة الرحم.
ومثال الأول:
ما ورد عن أُمِّ حَبِيبَةَ -﵂ - أنها قالت:
اللهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّكِ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ. (^١)
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«فَرَغَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ وَرِزْقِهِ وَأَثَرِهِ وَشَقِيٍّ أَمْ سَعيدٍ». (^٢)
*ومثال الثانى:
ما ورد من قول عمر بن الخطاب -﵁ - وهو يطوف بالكعبة:
اللهم إن كنت كتبتَني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذّنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السّعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب. (^٣)
وقال ابن عباس ﵄:
كتابان: كتابٌ يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب. (^٤)
*وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
عن قوله تعالى ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾، هل المحو والإثبات في اللوح المحفوظ، وقد جاء: ﴿جف القلم﴾ فما معنى ذلك في المحو والإثبات؟ وهل الصحيح عندكم أن العمر يزيد بصلة الرحم كما جاء في الحديث؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب ﵁:
الجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٦٣)
(٢) أخرجه أحمد (٢١٧٢٣) وابن حبان (٦١٥٠) وصححه الأرنؤوط.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٦٤)، وحسَّن ابن كثير إسناده فى "مسند الفاروق" (٢/ ٥٤٩)
(٤) جامع البيان في تأويل القرآن (١٦/ ٤٨٠)
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال:
" اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات. (^١)
والأجل أجلان " أجل مطلق " يعلمه الله " وأجل مقيد " وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ ﴿من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه﴾ فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: " إن وصل رحمه زدته كذا وكذا " والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر. (^٢)
* أصل القضاء لا يعارض العمل:
عَنْ جَابِرٍ -﵁ - قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ -﵁- قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَ الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟
قَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ» قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ:
«اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦]، إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] (^٣)
فقد قدَّر الله -تعالى- ترتيب المسبَبَات على الأسباب، ما يجيء لك ولد إلا إذا تزوجت، ولا يعقل أن تقول " إنْ كتب الله لي ولدا فسيأتي ولو لم أتزوج "!، أو تترك طلب الرزق وتقول:
" إنْ كتب الله لي رزقًا سيأتيني وأنا نائم "! نعم قد يكون؛ لكن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٢)
(٢) المصدر السابق (٥/ ٥١٧) ومن أراد الاستزادة في تفصيل هذه المسألة فليراجع: مشكل الأثار (٨/ ٨١) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٤/ ١٠١) والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٥٢٨)
(٣) متفق عليه.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
ليس هذا موجب العقل والفطرة والشرع.
بل موجب العقل والفطرة والشرع أن تسعى في طلب الرزق، ولو توكلت على الله-تعالى - فلا بد لك من الأخذ بالأسباب، وأعظم من ذلك أمر السعادة، فلا تكون السعادة إلا بأسبابها وهي الإيمان والعمل الصالح، ولا يمكن أن يكون الإنسان سعيدًا إلا بالأسباب، فمن تحققت له أسباب السعادة فنعلم بذلك أنه قد سبق علم الله -تعالى- وكتابه بسعادته.
*ولكن مع تقدير الله -تعالى - الأزلى لمنازل أهل السعادة وأهل الشقاء فقد أمر -تعالى- بتحصيل العمل الصالح الذى به تحصل سعادة الدارين، قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩»
فجعل-تعالى- من علامات صدق الدعوى بذل العمل، وإلا فالمدَّعون كثر، لكن لم يزل أهل الصدق إلى قلة.
تم بحمد الله.
[ ٢ / ٨٧٦ ]