بيان المسلَّمات في شرح
حديث قلت بَعْدَكِ أربع كلمات
[ ١ / ٣٩٩ ]
إثبات صفة الكلام لله تعالى
* نص حديث الباب:
عَنْ جُوَيْرِيَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ".
* تخريج الحديث:
أخرجه مسلم (٢٧٢٦) كتاب " الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار"، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، وأحمد (٢٦٧٥٨)
* نقول:
مذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة الكلام لله ﷿، فهى صفة ثابتة لله -تعالى- بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فإن الله -تعالي - لم يزل ولا يزال متكلمًا إذا شاء، بحرف وصوت، وهي صفة ذاتية فعلية.
*ومن أدلة ذلك من القرآن:
١ - قال تعالى (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء: ١٦٤)
٢ - قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (الأعراف/١٤٣)
[ ١ / ٤٠١ ]
وأما أدلة السنة:
١ - ا لأحاديث القدسية التي يرويها النبي -ﷺفيها دلالة بينَّة على إثبات صفة الكلام لله ﷿، ومن ذلك:
١ - ما رواه أبو هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ". (^١)
*ومن الأحاديث النبوية الدالة على ذلك:
١ - حيث الباب:
فقول النبي ﷺ:
" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ومِدَادَ كَلِمَاتِهِ ".
قد أضاف الكلام إلى الله -عزوجل - إضافة صفة إلى موصوف، فدل ذلك على أنها صفة حقيقة لله تعالى، وذلك على ما يليق به تعالى.
٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ". (^٢)
٣ - وعن جابر بن عبد الله﵄ - قال:
لما قُتل عبد الله -يعني أباه-قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:
" مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا ". (^٣)
٤ - وعن أبي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ". (^٤)
** أما الإجماع:
فقد أجمع السلف على إثبات صفة الكلام لله ﷿.
_________________
(١) رواه أحمد (٧٩٩٩) ومسلم (٢٩٨٥)
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه الترمذي (١٠٣٠)، وانظر صحيح الجامع (٧٩٠٥). وقوله صلي الله عليه وسلم: " كفاحًا: أي مواجهة، ليس بينه وبين الله -تعالى- حجاب ولا رسول.
(٤) متفق عليه.
[ ١ / ٤٠٢ ]
قال ابن القيم:
وقول أتباع الرسل هو إثبات صفة الكلام، وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه وتعالي يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل. (^١)
والعقل يثبت صفة الكلام لله ﷿:
نحن نعلم بالضرورة أن ما يكون متكلمًا أكمل ممن لا يكون كذلك، فإذا كان مجرد إثبات هذه الصفة من الكمال، ومجرد سلبها من النقص؛ وجب ثبوتها لله تعالي. (^٢)
*فوائد مهمة:
١ - الله - تعالى- يتكلم بصوت:
قال تعالى (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الشعراء/١٠)
وجه الدلالة: النداء لا يكون إلا بصوت مسموع.
* ومن السنة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
" يَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ، يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ ". (^٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
إن ما أخبر الله -تعالي - به في كتابه من تكليم موسى، وسماع موسى لكلام الله -تعالى- يدل على أنه كلمه بصوت، فإنه لا يسمع إلا الصوت، وصوته - تعالى- ليس كأصوات شيء من مخلوقاته، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات، فمن شبَّه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (^٤)
وقال ﵀:
قد أخبر الله - تعالى - في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة وسائر الناس. (^٥)
_________________
(١) الصواعق المرسلة (ص/٥٠١)
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٩٠)
(٣) متفق عليه.
(٤) بتصرف يسير من مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣١).
(٥) منهاج السنة النبوية (٥/ ٤٢٣) وممن نص على ذلك: البخاري في خلق أفعال العباد (ص/٩٨) والنووي في رسالته "ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات " (ص/٥٦) وأحمد في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص/٢٨٠)
[ ١ / ٤٠٣ ]
٢) الله - ﷿ - يتكلم بحرف:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ. (^١)
قال ابن قدامة:
ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف. (^٢)
*فإن قيل:
إنَّ إثبات الحرف والصوت في صفة الكلام لله - ﷿ - يلزم منه إثبات المخارج، وهذا مما لا يثبت في حق الله ﷿؟ (^٣)
فالرد أن يقال:
١ - هذا يخالف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الذين أثبتوا الصوت والحرف في صفة كلام الله ﷿.
٢ - من المخلوقات من نطق بصوت وحرف ولم يعلم لها مخارج، فقد تكلمت الجنة والنار والسماوات والأرض والطعام والحجر والجلود، وغيرها، وهذه الأشياء مما لم ينكر أحد كلامها بدعوى أنه لا مخارج لها.
فإذا كان هذا في حق المخلوقات، فكيف في حق الخالق؟!
أما قول القائل: أن المخارج مما لا يثبت في حق الله!!
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٠) وصححه الألباني في (الصَّحِيحَة: ٣٣٢٧).
(٢) وانظر لمعة الاعتقاد (ص/٢١)
(٣) وهذا مما اعترض به البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (ص/٢٩٦) حيث قال: ثم إن كان المتكلم ذا مخارج، سمع كلامه ذا حروف وأصوات، وإن كان المتكلم غير ذي مخارج سمع كلامه غير ذي حروف وأصوات، والباري -جل ثناؤه - ليس بذي مخارج، وكلامه ليس بحرف ولا صوت.
[ ١ / ٤٠٤ ]
نقول: وهذا مما سكت عنه السلف، ولم يتكلموا فيه نفيًا ولا إثباتًا.
فقولنا في مثل هذا المقام أن نتوقف حيث أوقفنا الشرع، وأن يسعنا ما وسع سلفنا، ومن لم يسعه ما وسع السلف فلا وسَّع الله عليه.
قال ابن حجر:
وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنه عهد أنها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان بها، ثم إما التفويض وإما التأويل. (^١)
*وكذا مما اعترض به المخالفون:
١ - أن الصوت لا يثبت في حق الله ﷿، لما فيه من المشابهة، حيث قالوا:
" تعالي الله عن شبه المخلوقين علوًا كبيرًا "
٢ - الأحاديث الواردة في إثبات صفة الصوت لله -﷿- ضعيفة.
، وإن صحت فليست على ظاهرها، بل يراد به صوت الملَك، لا صوت الله. (^٢)
فجوابه:
أما الاعتراض الأول فجوابه:
إذا كان إثبات صفة الكلام لله -﷿- على ما يليق بالله ﷿وهذا مما تقول به- فلماذا لا تثبت لله -﷿ - صفة الصوت على ما يليق بالله
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٦٤٠) فائدة: قوله -﵀في آخر كلامه " إما التفويض وإما التأويل " قلت: بل هو التفويض الذي نكل فيه العلم بالكيفية إلي الله ﷿، وليس تفويض المعني، أما التأويل فإن كان المقصود به صرف اللفظ عن ظاهره فلا، وإن قصد به ما كان تفسيرًا لمعني فنعم، فالصوت في اللغة غير مجهول، والكيف به غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
(٢) نص على ذلك البيهقي في "الأسماء والصفات " (ص/٢٧٩)، وممن ذهب إلى إنكار الصوت والحرف: الغزالي، فقال عن صفة الكلام: فليس بصوتٍ يحدث من انسلال هواء واصطكاك أجرام، ولا حرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان!! أن موسى﵇- سمع كلام اللّه بغير صوت ولا حرف. وكذلك ممن نفى صفة الصوت عن الله عزوجل: ابن حزم الظاهري، حيث قال: " ولا يجوز أن يكون شيء من هذا بصوت أصلًا ". وانظر الأربعين في اصول الدين (ص/٧٧) والفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٤٥)
[ ١ / ٤٠٥ ]
أدلة الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن كلام الله غير مخلوق
﷿، دون أن يلزم من ذلك مشابهة بين الخالق والمخلوق؟!
*أما القول بتضعيف الأحاديث الواردة في إثبات صفة الصوت
فجوابه:
بل هي أحاديث صحيحة قد رواها أصحاب الصحاح، كالبخاري ومسلم، وهما أصح كتابين بعد كتاب الله ﷿ بإجماع الأمة.
أما اعتراضه الثالث فجوابه:
هذا خلاف ظاهر الأحاديث فقد قال صلي الله عليه وسلم:
"يَحْشر اللهُ العبادَ فيناديهم بصوتٍ " فهل يقال في مثل هذا في صوت الملَك؟؟!
ويلزم من القول بنفي الصوت عن كلام الله -﷿- أن الله لم يُسمع أحدًا من ملائكته ورسله كلامه، بل ألهمهم إياه.
الأدلة من الكتاب على أن القرآن كلام الله غير مخلوق:
أولًا: أدلة الكتاب:
١ - قال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦» (التوبة: ٦).
وجه الشاهد: قوله تعالي: " كلام الله":
ووجه الدلالة:
أضاف الكلام إلى نفسه إضافة صفة إلي موصوف، مما يدل على أنَّ كلام الله -ومنه القرآن-هو صفة من صفات الله، وصفاته تعالي غير مخلوقة.
٢ - قال تعالى (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
(الأعراف: ٥٤)
وجه الدلالة:
القاعدة: "الأصل في العطف المغايرة "، فلما عطف الأمر على الخلق، والقرآن من الأمر، بدليل قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: ٥٢)، دل ذلك على أن القرآن كلامه تعالى غير مخلوق. (^١)
_________________
(١) وقد نازع في هذا الدليل القاضي عبد الجبارفي كتابه "تنزيه القرآن" (ص/١٧٣)، وذكر أن ورود الأمر بعد ذكر الخلق لا يدل على أنه غيره، وأن للغة نظائر في ذكر الخاص بعد العام. *ولكن نقول هنا: نعم قد يرد الخاص بعد العام للتأكيد والتنبيه، ولكنَّ هذا خلاف الأصل، فالأصل في الكلام أن العطف للمغايرة، وحمل الكلام على الأصل أولى من حمله على الفرع، سيّما إذا أيَّد هذا الأصل أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن القرآن كلام الله -تعالى- غير مخلوق، فتأمل.
[ ١ / ٤٠٦ ]
قال سفيان بن عيينة:
ما يقول هذه الدويبة؟ يعني بشرا المريسي قالوا:
يا أبا محمد يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب قال الله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ فالخلق: خلق الله، والأمر القرآن. (^١)
قال أبو الحسن الأشعري:
قوله " ألا له الخلق " في جميع الخلق، ثم قال بعد ذكره الخلق " والأمر ": فأبان الأمر من الخلق، وأمرُ الله كلامه، وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق. (^٢)
٣ - قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢» (يس: ٨٢)
وقد احتج سفيان بن عيينة وغيره من السلف على أن كلام الله -تعالى- غير مخلوق بأن الله خلق الأشياء بـ " كن "، فلو كانت " كن " مخلوقة للزم أن يكون خلق مخلوقًا بمخلوق، فيلزم التسلسل الباطل، وذلك أنه إذا لم يخلق إلا بـ " كن " فلو كانت " كن " مخلوقة للزم أن لا يخلق شيئًا، وهو الدور الممتنع. (^٣)
٤ - قال تعالى (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣» (السجدة/١٣)
قوله تعالي: " حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ":
دل على أن كلام الله﷿من الله، فمن زعم أن كلام الله مخلوق؛ فقد زعم أن من الله شيئًا مخلوقًا، ومن قال بذلك فقد كفر.
وقد فسَّره بذلك: سفيان بن عيينه وأحمد بن حنبل، ونعيم بن حمَّاد، والحسن بن الصباح البزار، وعبد العزيز بن يحيى الكناني. (^٤)
_________________
(١) رواه الشريعة للآجري (١١٧) وسنده حسن.
(٢) وانظر الإبانة عن أصول الديانة (ص/٧٢)
(٣) وانظر مجموع الفتاوي (١٦/ ٣٧٨) وخلق أفعال العباد (ص/٣٠)
(٤) ذكره ابن بطه في الإبانة (٥/ ٢١٨) واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٢/ ٣٤٤)
[ ١ / ٤٠٧ ]
٥ - قال تعالى (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ) (الرحمن: ١ - ٣).
فلما جمع في الذكر بين القرآن الذي هو كلامه وصفته، وبين الإنسان الذي هو خلقه ومصنوعه، خص القرآن بالتعليم، والإنسان بالتخليق، فلو كان القرآن مخلوقًا كالإنسان لقال: خلق القرآن والإنسان. (^١)
٦ - قال تعالى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة/١٤٥)، وقال تعالى (فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) (هود/١٤)
سئل الإمام أَحْمَد عمن يقول القرآن مخلوق؟
فقال: كنت لا أكفِّرهم حتى قرأت آياتٍ من القرآن " وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ " (البقرة: ١٢٠)، وقوله " بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العلم " وقوله "
أنزله بعلمه " فالقرآن من علم اللَّه تعالى، ومن زعم أن علم اللَّه - تعالى- مخلوق
فهو كافر. (^٢)
ثانيًا: أدلة السنة:
١ - حديث الباب:
وذلك في قوله ﷺ:
" سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ.
وجه الدلالة:
في الحديث دلالة على أن كلام الله غير مخلوق؛ وذلك حين عطف كلمات الله -تعالى- على مخلوقاته، والأصل في العطف المغايرة، فلو كانت كلمات الله من خلقه لما غاير بينهما.
٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»، ثُمَّ يَقُولُ: «كَانَ أَبُوكُمْ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ»
قَالَ أَبُو دَاود: هَذَا دَلِيلٌ عَلى أَنَّ الْقُرْآنَ لَيس بِمخلُوق. (^٣)
_________________
(١) وانظر الاعتقاد للبيهقي (ص/٨٧)
(٢) وانظر طبقات الحنابلة (ص/١٨) والمحلى بالأثار (١/ ٣٢) وتناقضات الأشاعرة (ص/٨٤)
(٣) رواه أبوداود (٤٧٣٧) وأحمد (٢١١٢) وصححه الألباني.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وجه الدلالة:
استعاذ النبي -صلي الله عليه وسلم -بكلام الله ﷿، فلو كان كلام الله -تعالى- مخلوقًا لما جوَّز الشرع الاستعاذة به، وذلك لإجماع أهل العلماء على أن الاستعادة بالمخلوق شرك.
وكان الإمام أحمد بن حنبل يستدل بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق. (^١)
قال ابن بطة:
فهل يجوز أن يُعوِّذ النبي - ﷺ - بمخلوق، وهل يأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟!! (^٢)
٣ - عن عُبَادَةَ بن الصامت -﵁- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - يَقُولُ:
" إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ ". (^٣)
قد كان الكلام قبل خلق القلم، وإذا كان أول خلق الله من شيء القلم دل على أن
كلامه ليس بمخلوق؛ ولأنه قبل خلق الأشياء. (^٤)
٤ - عن أبي هريرة ﵁ - عن النبي -ﷺقال:
" فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه ". (^٥)
فلو كان كلام الله مخلوقًا لم يكن فضل ما بينه وبين سائر الكلام كفضل الله على خلقه. (^٦)
ثالثًا: الإجماع:
قال أحمد بن حنبل:
- أجمع العلماء والأئمة المتقدِّمون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، هذا الذي أدركت عليه الشيوخ. (^٧)
_________________
(١) ذكره الخطابي في معالم السنن (٣/ ٥٥٧) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص/٢١٦).
(٢) وانظر الإبانة الكبرى (٥/ ٢٦١)
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥) وأبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٢١٥٥) وابن أبي عاصم في السنة (١٠٧) وصححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع (٢٠١٨) والسلسلة الصحيحة (١٣٣)
(٤) انظر الشريعة للآجري (١/ ٢٢٤) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٤٢)
(٥) أخرجه أبو داود (٤٧٣٤) والترمذي (٢٩٢٥) وصححه الترمذي.
(٦) انظر الرد على الجهمية لعثمان الدارمي (ص /١٦٢)
(٧) طبقات الحنابلة (١/ ١٧٢).
[ ١ / ٤٠٩ ]
قال البغوي: وقد مضى سلف الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه وليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلاله وبدعة. (^١)
*تاريخ محنة الأمة:
إنها محنة خلق القرآن، تلك المحنة التي تعرضت لها أمة الإسلام في أواخر عصر التابعين، حين ظهر القول بخلق القرآن علي يد أُناس قد جحدوا ما وصف الله ﷿ به نفسه تعمقًا وتكلفًا، فعدلوا عن وحي الرحمن إلي وحي الشيطان
﴾ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴿(الأنعام: ١٢١)
وتاريخ هذه المحنة يعودإلي عصر التابعين، ففي ذلك العصر بدأ ظهور هذا القول المحدث. (^٢)
ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال بخلق القرآن هو الجعد بن درهم ثم أخذ عنه ذلك جهم بن صفوان ولهم في ذلك أصول.
حيث كانت النسبة لهذا النبت الخبيث تعود إلى الرجل اليهودي لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلي الله عليه وسلم، والذي منه بدأت سلسلة الحطب حيث أخذ عنه هذه العقيدة التالفة ابن أخته طالوت، وأخذها عن طالوت بيان بن سمعان وأخذها عن بيان الجعد بن درهم، وأخذها عن الجعد الجهمُ بن صفوان، وإليه نسبت جماعة الجهمية؛ لأنه
_________________
(١) وانظر شرح السنة (١/ ١٦٨).
(٢) فائدة: وعليه فكل ما ورد من آثار مرفوعة أو موقوفة في هذا الباب فمما لا يصح سنده. ومن ذلك ما ورد مرفوعًا: "القرآنُ كَلامُ اللهِ غيرُ مخلوق" قد ورد من عدة طرق فيها " أبو الدرداء وابن مسعود وجابر "، ولكن لا يصح منها شيء، وأسانيدها مظلمة لا يحتج بها ولا يستشهد بها. قال ابن القيسراني: وهذا مما يعد في منكرات محمد بن حميد الرازي. وكذلك ممن وضعها: محمد السمرقندي الذى كان يحدث بأحاديث مناكير، وقد نص على وضع هذه الأحاديث: البيهقي وابن حجر. وقال السخاوي: وهذا الحديث من جميع طرقه باطل، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات. وانظر الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة (ص/٦٣) وسؤالات حمزة بن يوسف السهمي للدار قطني (ص/٥٨) وذخيرة الحفاظ (ح/٣٣٨٢) وترتيب موضوعات ابن الجوزي للذهبي (ص/١٧) = =*وكذلك فإنه لا يصح عن الصحابة -﵃- شيء في هذا الباب، حيث أنه لم تكن قد ظهرت في عصرهم، إنما ظهرت كما ذكرنا في عصر التابعين.
[ ١ / ٤١٠ ]
هو الذي أشاع مذهبهم المخذول.
ثم نقله عن الجهم بشر بن غيَّاث المريسي، شيخ المعتزلة وأحد من أضل المأمون وجدَّد القول بخلق القرآن.
ثم تقلَّد عن بشر المريسي ذلك المذهب قاضي المحنة أحمد بن أبي دؤاد. (^١)
وقد كان ابن أبي دؤاد مقرَّبًا عند الخليفة المأمون فلبَّس عليه بمقالة خلق القرآن، حتى حملها عليها واستماله إليها. ثم صار قاضيًا عند المعتصم والواثق واشتدت المحنة على علماء الأمة بسبب مقالته تلك.
وكان بسبب ذلك من اضطهاد لعلماء السنة من الحبس والضرب والقتل، فمن العلماء من أجابهم إلى ذلك، ورأى أن هذا موضع إكراه، ومنهم من عرَّض بالقول؛ ليأمن شرهم. (^٢)
ومنهم من ثبت على قول الحق، قول أهل السنة والجماعة، ورأي أن هذا موطن جهاد لا يسوغ النكوص ولا الاستسلام.
_________________
(١) وتأمل في خواتيم أهل البدع كيف تكون؛ أما الجعد بن درهم فقتله أمير الكوفة خالد بن عبد الله القسري، قتله يوم عيد الأضحى، وذلك أن خالدًا خطب الناس فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم؛ فإني مضحٍ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسي تكليمًا، ثم نزل وذبحه. وقد نص الذهبي وابن حجر على شهرة هذه القصة. وانظر مختصر العلو (ص/١٣٣) وخلق أفعال العباد (ص/٨) وأما الجهم بن صفوان فقد قتله سلم بن أحوز نائب أصبهان. ذكر ذلك الذهبي في تاريخ الإسلام (٣/ ٣٨٩) وأما أحمد بن أبي دؤاد فقد ابتلي بالفالج قبل موته بأربع سنين حتى أهلكه الله -تعالى- سنة أربعين ومائتين.
(٢) وكان ممن أجابهم إلي القول بذلك، الإمام علي بن المديني ﵀، فقد كان يقول عن هؤلاء المنتحلين لهذه المقالة: هم كفار ضلال، وكان يكفِّر من يقول بخلق القرآن، بل ويعيد الجُمع إذا صلاَّها خلف المأمون، ولكنه -﵀ - كما قال عنه ابن معين: رجل خاف فقال. = =وقال هوعن نفسه: " خفتُ أن أقتل، وأعلم ضعفي، أني لو ضربت سوطًا لمت، وقال: قوِي أحمد على السياط، ولم أقدر. سير أعلام النبلاء (٩/ ١١٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ٢١٩).
[ ١ / ٤١١ ]
وكان على رأس من ثبتهم الله -﷿- في هذه المحنة هو الإمام أحمد بن حنبل الذي صدع بالحق رغم ضرب السياط والحبس.
لذا قال علي بن المديني: إن الله نصر الدين بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة. (^١)
*وكذلك: فمن الأئمة الذين ثبتوا على القول الحق في هذا الباب:
أبو مسهر عالم دمشق، ونعيم بن حمَّاد عالم مصر، والبويطي فقيه مصر، وعفَّان بن مسلم الصفار محدث العراق، والفضل بن دكين الذي قال يومها: "عنقي أهون عندي من زرِّي هذا"، وأحمد بن نصر الخزاعي.
وطائفة سواهم، وقد مات الإمام البويطي في حبسه مقيدًا في الأغلال؛ لثباته علي الحق، كذلك ثبت الإمام محمد بن نوح حتى مات في السجن، وأماأحمد بن نصر فقد قتله الواثق وصلبه.
لقد أدرك هؤلاء الأئمة - ﵏ - أن القول بخلق القرآن يلزم منه وصف الله بالنقص؛ إذ إن الله -تعالى- ليس متكلمًا، بل خلق كلامًا كسائر ما خلق من مخلوقاته؛ إذن ففي حقيقة قولهم الباطل هو نفي صفة الكلام عن الله ﷿، تعالي الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
لذا رأى هؤلاء الأئمة - ﵏أن الثبات في هذه المحنة هو جهاد في سبيل الله ﷿؛ صيانة للدين وحماية للأمة.
لقد توالى غِيام هذه المحنة في سماء الأمة فى عصر المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، حتى أذن الله -تبارك وتعالي - لهذه المحنة أن ترفع، وذلك حينما تولى الخليفة المتوكل، وكان إمامًا محبًا لعقيدة السلف، فأبطل المحنة وأبطل القول بخلق القرآن.
وقد بويع المتوكل بن المعتصم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وعمره ست وعشرون سنة فاظهر الله -﷿- به السُنة، وكشف تلك الغمة، وأمر العلماء أن يجلسوا
_________________
(١) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨)
[ ١ / ٤١٢ ]
للناس، وان يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية.
وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا.
(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧) (الرعد: ١٧)
أقوال الفرق المخالفة والرد عليهم:
الجهمية والمعتزلة والخوارج:
قالوا:
إن الله - تعالى - يتكلم بكلام يسمع، وبحرف، ومتى شاء، وبما شاء، ولكن ليس كلامه صفة فيه، بل كلامه مخلوق من مخلوقاته بائن منه.
وعليه كلام الله -تعالى- عندهم لا يعد معنى يقوم بذات الله ﷿، بل هو شيء من مخلوقاته كالسماء والأرض والناقة، فكلام الله حروف خلقها الله وسمَّاها كلامًا، كما خلق الناقة وسماها ناقة الله، وكما خلق البيت وسمّاه بيت الله، وإنما نسب الله الكلام إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا.
* وعلى هذا المذهب لا يوصف الله -تعالى- بالكلام في الواقع، وإنما يوصف بأنه خالق الكلام، ومن ثم بنوا على هذا قولهم: إن القرآن مخلوق.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (القصص: ٣٠)
فقالوا:
قوله تعالى: "من الشجرة ":
فيه دلالة أن الله خلق الكلام في الشجرة، فسمعه موسي -﵇منها. (^١)
_________________
(١) فائدة مهمة: = =الجهمية المعطلة نفاة صفة الكلام، هم كفار نوعًا وعينًا، كما أنهم خارجون عن الثنتين وسبعين فرقة، فهم زنادقة كفار بإجماع العلماء. أما المعتزلة: فهم لم ينفوا كلام الله صراحة، بل قالوا: كلم الله موسي ولكن جعلوا كلام الله مخلوقًا، فهذه شبهة قد منعت من تكفيرهم، وإن كان الخلاف قائمًا في جعلهم ضمن فرق الأمة، والراجح. أنهم ضمن فرق الأمة، وذلك لأن التأويل من موانع التكفير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في= =المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية. وانظر منهاج السنة النبوية (٥/ ١٢٣). وهذا يوضح لنا الجمع بين قول أحمد بن حنبل بتكفير من قال بخلق القرآن، مع عدم تكفيره لأعيان المعتزلة القائلين بذلك، وعدم خروجه على المأمون وقتاله إياه.
[ ١ / ٤١٣ ]
*الرد على الجهمية والمعتزلة:
أما قولهم أن الله - تعالى - يتكلم، ولكنَّ كلامه ليس صفة له، بل كلامه مخلوق
فالرد من وجوه:
١ - هل يجوز لمخلوق أن يقول (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، فمن قال ذلك فقد زعم أن غير الله ادعي الربوبية. ولو كان كما قال الجهمي: لكان قول ذلك المخلوق: (يا موسي إن الله رب العالمين فاعبده)
٢ - ولو كان كلام الله -تعالى- قد خلقه في الشجرة فسمعه موسي -﵇ - لترتب على ذلك:
أن كل كلام يمكن أن يكون كلام الله، حتى كلام البشر يمكن أن نقول إنه كلام الله، لأنه مخلوق في الإنسان، بل إن كلام البشر-على قاعدتكم - يكون أشرف من كلام الله؛ لأنه مسموع من البشر الذي فضَّله الله على كثير ممن خلق تفضيلًا، وكلام الله عندكم مسموع من الشجرة.
*أيضًا نقول:
ولو سمع موسى﵇ - كلام الله من غيره -كما تقول المعتزلة-لما كان لموسى ﵇ مزية ولا فضل علي غيره من البشر، لأننا نسمع كلام الله ﷿ على الحقيقة.
*وإذا كانت الشجرة هي التي خلق فيها كلام الله، فسمعه موسي﵇ - منها بزعمكم، للزم من ذلك أن يكون من سمع كلام الله من محمد -صلي الله عليه وسلم - أفضل مرتبة من موسي، لأنه سمعه من شجرة. (^١)
_________________
(١) وانظر درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٤٣٦) والفصل في الملل والنحل (٢/ ٣٧) وشرح السفَّارينية لابن العثيمين (ص/١٧٦)
[ ١ / ٤١٤ ]
* كذلك يقال:
قال تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء/٦٤)
قال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازًا.
فإذا قال تكليما وجب أن يكون كلاما على الحقيقة التي تعقل.
قال القرطبي:
"تكليمًا" مصدر معناه التأكيد، يدل على بطلان من يقول:
خلق لنفسه كلامًا في الشجرة، بل هو الكلام الحقيقي على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا. (^١)
أما قولهم:
كلام الله هو حروف خلقها وسمّاها كلامًا، كما سمَّى الناقة: ناقة الله، والبيت: بيت الله.
فجوابه: أن المضاف إلي الله ﷿ على نوعين:
أ-أعيان ب-معاني
أما الأعيان: فتضاف إلي الله﷿- إما:
(إضافة تشريف أو إضافة ملكية)
وكلا النوعين جمعتهما الآية (ويَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ)
فقوله تعالى (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ) هذه إضافة تشريف، وقوله (فِي أَرْضِ الله) هي إضافة ملكية.
أما المعاني فتضاف إلي الله -﷿على نوعين:
١ - معنى لا يقوم بالله؛ فيكون إضافته إلى الله على سبيل التشريف، كما ورد في الحديث القدسي "مرضتُ فلم تعدني".
٢ - أن يكون المعنى المضاف لله هو معنى يقوم بالله -تعالى- وصفة له:
فتكون إضافته إلى الله -عزوجل- إضافة صفة إلى موصوف، ويدخل في هذا الباب
_________________
(١) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٨) وفتح الباري (١٣/ ٦٧٥)
[ ١ / ٤١٥ ]
إضافة الكلام إلي الله تعالى، كما في قوله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) (التوبة: ٦)
وفي قول النبي ﷺ، كما في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﵄- قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ:
" هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي ". (^١) فقوله صلى لله عليه وسلم: " كَلَامَ رَبِّي":
هو من باب إضافة الكلام إلى الله -تعالى- إضافة صفة إلى موصوف.
وكذلك ما ورد في حديث جَابِرٍ﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ:
«أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ». (^٢)
*ومن الرد عليهم:
أن قولهم في صفة الكلام لله -﷿- قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، هو مناقض لأقوال الأنبياء صلي الله عليهم وسلم أجمعين.
كما أنه خلاف المعقول لأن الكلام صفة للمتكلم، وليس شيئًا قائمًا بنفسه منفصلًا عن المتكلم.
كما أنه لا يُعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإنما قام الكلام بغيره. (^٣)
قال تعالى (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) (الأنعام: ١١٤).
فيه بيان أن القرآن قد أنزله الله سبحانه وتعالي، وليس من مخلوق من المخلوقات، لهذا قال السلف:
منه بدأ، أي: هو الذي تكلم به ولم يبتدأ من غيره، كما أدعته الخلقية.
قال أحمد بن حنبل:
كلام الله من الله، ليس بائنًا منه، وإذا كان المخلوق كلامه
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥١٩٢) والترمذي (٢٩٢٥)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وانظر الصحيحة السلسلة (١٩٤٧)
(٢) أخرجه النسائي (١٣١١)، وصححه الألباني في المشكاة (٩٥٦)
(٣) وانظر لمعة الاعتقاد (ص/١٨) وشرح الطحاوية (ص/١٣٨)
[ ١ / ٤١٦ ]
منه، لا من غيره، دل أن الكلام إنما يقوم بالمتكلم. (^١)
*أما ما استدلوا به من قوله تعالى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠» (القصص/٣٠)
فجوابه أن نقول:
النداء هو الكلام من بعد، فقد سمع موسي -﵇- النداء الذي كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، فيكون معنى "من البيت" لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم؛ إذ لو كان الكلام مخلوقًا من الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. (^٢)
٢ - قول الكلابية والأشاعرة:
أما الكلاَّبية:
فسبب هذه التسمية يعود إلى أول من أشتهر بهذا القول، وهوعبد الله بن سعيد بن كلّاب. (^٣)
أما قولهم في صفة الكلام فإنهم قالوا:
أن الله يتكلم بغير مشيئة، بل كلامه هو معنى قديم لازم قائم بذات الرب كلزوم الحياة والعلم، وأنه لا يُسمع منه على الحقيقة، بل المسموع هو حروف وأصوات مخلوقة منفصلة عن الرب، دالة على ذلك المعني القديم وهو القرآن، وهو غير مخلوق.
*أماالأشاعرة:
فقالوا:
إن كلام الله صفة من صفاته وليس بمخلوق، فكلامه-تعالى- صفة أزلية قائمة بذاته، بغير صوت ولا حرف، وأما اللفظ فهو مخلوق ليدل على ذلك المعنى.
فالكلام النفسي عندهم هو معنى واحد، لا يتجزأ ولا يتبعض، هو الأمر والنهي،
_________________
(١) بتصرف يسير من مجموع الفتاوي (١٢/ ٢٩٧)، وفي كلام أحمد رد على الجهمية والمعتزلة القائلين بأن الله قد خلق كلامه في بعض مخلوقاته، وأن كلامه ليس منه.
(٢) وانظر شرح الطحاوية (ص/١٣٤).
(٣) قال الذهبي: ابن كلاب رأس المتكلمين، وكان يلقّب كلابًا لأن يجر الخصم إلي مذهبه ببلاغته، أراد معارضة من قال بخلق القرآن فقال بقولٍ لم يسبق عليه. سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٥)
[ ١ / ٤١٧ ]
والخبر والاستخبار.
إن عبَّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبَّر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبَّر عنه بالسريانية كان إنجيلًا. (^١)
وقد نص الجوينى والرازي على إثبات الكلام لله على المعنى القائم بالنفس. (^٢)
* فإذا سألت: وما وجهة الأشاعرة فيما ذهبوا إليه؟
*والجواب:
أن الأشاعرة لا يقولون بإثبات الصفات الفعلية، ويجعلون كلام الله هو الكلام النفسي القديم وليس متعلقًا بوقت معين، والقرآن عندهم إنما هو عبارة عن كلام الله.
وبهذا تراهم جمعوا بين متناقضات حين جعلوا القرآن من حيث معناه:
غير مخلوق، ومن حيث حروفه إنما هو من عند مخلوق.
قال أبو العباس ابن تيمية:
أنهم - أى الأشاعرة- لما ناظروا المعتزلة في إثبات الصفات، وأن القرآن ليس بمخلوق، رأوا أن ذلك لا يتم إلا إذا كان القرآن قديمًا، وأنه لا يكون قديمًا إلا إذا كان معني قائمًا بنفس الله كعلمه؛ وذلك لامتناع قيام الأمور الحادثة به، فخالفوا بذلك جمهور المسلمين. (^٣)
فالحاصل أن الأشاعرة والمعتزلة متفقان أن حروف القرآن وألفاظه مخلوقة، أما الأشاعرة فيقولون القرآن هو الكلام النفسي، وهذا قديم غير مخلوق، ويطلق على الألفاظ قرآن إما مجازًا أو اشتراكًا.
والمعتزلة يخالفونهم في ذلك، فلا يثبتون كلامًا نفسيًا، ويقولون الكلام لا يتصور
_________________
(١) وانظر حاشية البيجوري على الجوهرة (ص/١٢٩) وبغية الطالب للتلمساني (ص/٢٢٠) وعقائدالأشاعرة (ص/١٤٧) مصطفى باحو.
(٢) وانظر الإرشاد (ص/١٠٩) والأربعين في أصول الدين (١/ ٢٤٩)
(٣) نظر مجموع الفتاوي (١٢/ ٥٧٩) * فائدة مهمة: تنبه للفرق بين الأشاعرة والكلابية، فإن الكلابية قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله والأشاعرة قالوا: عبارة عن كلام الله، والعبارة أدق من الحكاية، فمعني عبارة: أن معناه طبق الأصل لكلام الله النفسي، وعند الكلابية قالوا بالحكاية؛ لأن الحكاية يكون فيها شيء من السعة، أوسع من العبارة
[ ١ / ٤١٨ ]
من دون اللفظ، وإنما هو العلم والإرادة.
وإذا تحققت من أن الكلام النفسي يؤول ويرجع - ولا بد - إلى العلم والإرادة - أو العلم وحده - كان الخلاف بينهما لفظيًا.
فحقيقة الخلاف اللفظي هو الخلاف الراجع لمجرد اختلاف العبارة، أو هو الخلاف الذي لا ثمرة له، أو هو الخلاف الذي لو اطلع كل مخالف على حقيقة قول مخالفه لما خالفه.
*وقد فطن إلى ذلك المحققون من أهل السنة، وكذا محققوالأشاعرة من المتأخرين، ممن حقق الأقوال وعرف لوازمها. (^١)
*تأمل:
الفرق بين الخلقية كالجهمية والمعتزلة وبين الأشاعرة والكلابية.
حيث أن الخلقية (الجهمية والمعتزلة) يقولون:
لا يقوم بذات الله كلام، ولكنه مخلوق يتعلق بمشيئة الله.
أما الأشاعرة والكلابية فقالوا:
لله كلام هو معني قديم قائم بذاته لا يتعلق بالمشيئة. (^٢)
*الرد على الأشعرية والكلابية:
١ - قولكم هذا مما لم يظهر في الأمة إلا من بعد ظهور ابن كلَّاب، وعنه تقلَّده أبو الحسن الأشعري وسائر أئمة الأشعرية. (^٣)
_________________
(١) من مقال " لم كان القول بخلق القرآن كفرًا؟ " (للشيخ: عمرو بسيوني).
(٢) وعليه فإن الجهمية والمعتزلة خير من الأشاعرة من هذا الوجه؛ حيث علَّقوا صفة الكلام بمشيئة الله، في حين أن الأشاعرة جعلوا كلام الله هو معني قديم لا يتعلق بمشيئة الله ولا إرادته. قال السجزي: " اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والصالحي، والأشعري، وأقرانهم، الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة، وهم معهم، بل أخس حالًا منهم في الباطن. وانظر رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص/١٧)
(٣) تجدر الإشارة هنا إلى أن أبا الحسن الأشعري -﵀قد رجع عن عقيدة الكلابية وألَّف رسائل على عقيدة السلف، وإن كان فيها بعض الشوائب العالقة إثر تركه لعقيدة المعتزلة، ومن ثم تركه لعقيدة الكلابية. ومن هذه المؤلفات التي سار فيها الأشعري على نهج السلف: كتابه الإبانة وكتابه رسالة إلى أهل الثغر، وكتابه مقالات الإسلاميين. ويعد أبو الحسن من متكلمي أهل الإثبات، ومن متكلمة الصفاتية، ويعتبر من أقربهم إلى السنة وأتبعهم لأحمد = = بن حنبل، بل هو أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد، الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وابن الجوزي. وانظر حقيقة البدعة وأحكامها (ص/١٦٦)
[ ١ / ٤١٩ ]
مسألة اللفظية وحكمها
فقولكم بالكلام النفسي قد خالفتم به الكتاب والسنة وإجماع الأمة التي أثبتت لله-تعالى- صفة الكلام بحرف وصوت على الحقيقة، وليس كلامًا نفسيًا أو معنى قائمًا بالنفس كما تزعمون.
٢ - قال تعالى " وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١» (الشورى: ٥١)
فلما فرَّق الله بين التكليم والوحي العام؛ دل ذلك على إبطال القول بأن كلام الله هو معني واحد قائم بذاته.
٣ - قال تعالى (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الشعراء/١٠)
وجه الدلالة:
النداء لا يكون إلا بصوتٍ مسموع باتفاق أهل اللغة وسائر الناس.
* عن عبد الله بن أُنيس -﵁- أن النَّبِيَّ - ﷺ - قال: " يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ:
أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ " (^١)
قلت: وهذا بينٌ جلى أن المتكلم بصوت هو الله تعالى، فما كان ينبغى لملَك من الملائكة أن يقول: " أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ ".
وقد أخبر الله -تعالي -به في كتابه من تكليم موسي، وسمع موسى لكلام الله يدل على أنه كلمه بصوت، فإنه لا يسمع إلا الصوت، وصوته تعالي ليس كأصوات شيء من مخلوقاته، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شئ من الصفات، فمن شبَّه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (^٢)
*أما قولهم بأن صفة الكلام هو المعني القائم بالنفس!!
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) وحسَّنه ابن القيم في الصواعق (١/ ٤٦٧) وابن حجر في الفتح (١/ ٧٤) وانظر صحيح الْأَدَبِ الْمُفْرَد (٥٧٠)
(٢) بتصرف يسير من مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣١)
[ ١ / ٤٢٠ ]
فهذه دعوى يكذبها الشرع واللغة.
أما الشرع: فلأن الله تعالي وصف القرآن بأنه كلمه؛ والأصل أن الصفة حقيقة في موصوفها، وهذا القرآن مسموع وبحروف مما يدل على بطلان دعواكم أن القرآن معني يقوم بالنفس.
أما اللغة: فإنه لا يقال في اللغة للكلام كلام حتى يخرج باللسان، وإنما يذكر الكلام القائم بالنفس كلامًا مفيدًا، فيقال: حديث نفس أو يقول في نفسه.
أما عند الإطلاق: فإن القول والكلام لا يقال إلا لما يسمع ويكون بحروف.
فإن قالوا: قال تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)
فجعل ما في النفس قولًا؟
قلنا: هذه عليكم وليست لكم؛ لأن الله لما أراد حديث النفس قال "ويقولون في أنفسهم"، ولما أراد حديث اللسان قال "بما نقول"، فأطلق ولم يقل " بما يقولون
في أنفسهم "، فحديث النفس لا يسمى قولًا ولا كلامًا إلا مقيدًا.
*فإن قالوا:
قول الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلًا. (^١)
قالوا: فسمَّى ما في الفؤاد من المعاني كلامًا؟؟
فجوابه: أن هذا البيت مما قد تكلم العلماء في صحته رسمًا ونسبًا.
أما نسبًا:
فقد تكلم العلماء في صحة نسبته إلي ديوان الأخطل، فقد قال أبو محمد الخشَّاب نحويُ العراق: فتَّشت شعر الأخطل فما وجدت هذا البيت.
رسمًا:
من حيث تحريف لفظه، حيث إن لفظه الصحيح هو "إن البيان لفي الفؤاد"، قال أبو البيان الدمشقي: أنا رأيته في ديوانه كذلك، فحرَّفه بعض النفاة وقالوا:
_________________
(١) وهذا البيت قد نسبه للأخطل: ابن هشام في "شذور الذهب " (ص/٣٥)، وأبو معين النسفي في "تبصرة الأدلة " (١/ ٢٨٣)، وانظر "شرح العقائد النسفية" (ص/ ١٧٩)
[ ١ / ٤٢١ ]
إن الكلام لفي الفؤاد. (^١)
*ثم نقول:
وعلي فرض صحته ونسبته فإنه لا يجوز أن نستدل به، لأن الأخطل من النصاري؛ هؤلاء الذين ضلوا في معني الكلام حتى زعموا أن عيسى -﵇هو نفس كلمة الله، وأن اللاهوت قد اتحد بالناسوت، وإن قولًا يستشهد له بأقوال النصارى لقول مبني على شفا جرف هار.
قال أبو العز الحنفي:
كما أن معنى البيت غير صحيح، إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلمًا، لقيام الكلام بقلبه، وإن لم ينطق به ولم يُسمع منه. (^٢)
*كذلك يرد دعواهم بأن الكلام هو معنى قائم بالنفس:
" قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا (٤١»
فمع كون زكريا -﵇- قد أشار إليهم، كما في قوله تعالى
(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، فلم يكن ذلك المعني القائم بنفسه الذي عبَّر عنه بالإشارة كلامًا.
وكذلك في قصة مريم ﵍ (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ)، مع كونها قد نذرت الامتناع عن الكلام، (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)
وقد اتفق أهل اللسان على أن الكلام: اسم وفعل وحرف، كما أجمع الفقهاء علي أن من حلف ألا يتكلم لا يحنث بحديث النفس، وإنما يحنث بالكلام. (^٣)
* كذلك يرد دعواهم بأن الكلام هو معنى يقوم بالنفس:
حديث أبي هريرة -﵁ - أن
_________________
(١) ذكر االذهبي أن الشيخ أبا البيان محمد بن محفوظ الدمشقي الشافعي اللغوي، جاءه ابن تميم الذي يدعي الشيخ الأمين، فقال له الشيخ أبو البيان بعد كلام جرى بينهما: ويحك، الحنابلة إذا قيل لهم: ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت؟ قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وأنتم إذ قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى "قائم" في النفس؟ قلتم: قال الأخطل "إن الكلام لفي الفؤاد"، إيش هذا الأخطل؟! نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله، وتركتم الكتاب والسنة! وانظر العلو للعلي الغفار (ص/٢٨٤)
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص/١٤٥)
(٣) مذكرة في أصول الفقه (ص/٢٢٥).
[ ١ / ٤٢٢ ]
النبي - ﷺ - قال:
"إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثت بها أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به ". (^١)
وجه الدلالة:
قد أخبر النبي -صلي الله عليه وسلم- أن الله -تعالى-عفى عن حديث النفس، إلا أن تتكلم، ففَّرق بين حديث النفس وبين كلام اللسان.
كذلك في قوله ﷺ:
"إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ". (^٢)
فقد اتفق العلماء أن من تكلم وهو يصلي عامدًا بطلت صلاته، واتفقوا على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب، لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلَّم بذلك، فعلم إتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. (^٣)
*أما قولهم:
أن الله لا يتكلم بقدرته ولا مشيئته، بل الكلام لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته.
* فالرد عليه:
قوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ وقوله تعالى ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ فإنه وقَّت النداء بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه. (^٤)
وفي حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: " أَلَمْ تَسْمَعُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟. (^٥)
فجعل الكلام موقتًا بظرف محدد.
وباتفاق الأنبياء -﵈ - فإن الله يتكلم، ومن لم يقل إن يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا يقوم بذاته لم يقل إنه يتكلم. وعلى هذا أئمة السنة، كأحمد والبخاري
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم (٥٣٧) وأحمد (٢٣٨١٣)
(٣) وانظر شرح العقيدة الطحاوية (ص/١٤٦)
(٤) انظر مجموع الفتاوي (١٢/ ١٣١)
(٥) أخرجه النسائي (١٥٢٥) وصححه الألباني.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وابن خزيمة وغيرهم متفقون على أن الله -تعالى- يتكلم بمشيئته وقدرته، ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم.
** ثم نقول:
وأصل قولهم أن كلام الله -تعالى-لا يتعلق بالمشيئة فمبناه على دعواهم نفي قيام الحوادث بالله!!!
وجواب ذلك:
أننا لا بد أن نفرق بين أصل صفة الكلام وبين آحاده، فالله﷿- متصف بصفة الكلام من الأزل، فهي صفة ذات له ﷿، لم يزل - سبحانه - ولا يزال متكلمًا.
وأما آحاد الكلام - والذى منه القرآن - فهو بعض كلام الله - ﷿- تكلم به متى شاء، وعليه فصفة الكلام قديمة الجنس، حادثة الآحاد.
قال تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)
فالحداثة إنما هي وصف آحاد الكلام، وليس لأصل الصفة، فتنبَّه.
قال ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: " يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه -ﷺ- أحدث الأخبار بالله " (^١)
أما قولهم: القرآن هو حكاية وعبارة عن كلام الله!!
فجوابه:
أن هذا القول لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين من المتقدمين من الصحابة والتابعين، فدل أن ذلك من البدع المحدثة.
ونقول:
لو كان ما في المصحف عبارة أو حكاية عن كلم الله، وليس هو كلم الله حقيقة؛ لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولما حرم على الجنب قراءة القرآن.
*أما قولهم بالكلام النفسي الذى هو عندهم معنى واحد، هو الأمر والنهي، والخبر والاستخبار!!
فجوابه أن جمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، فإنا إذا عرَّبنا التوراة والإنجيل لم يكن معناهما معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا، وكذلك " ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] ليس هو معنى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٨٥)
[ ١ / ٤٢٤ ]
﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] " ولا معنى آية الكرسي آية الدَين.
وإذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة، فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي.
ورحم الله الإمام العز بن عبد السلام -وهو من كبار أئمة الأشعرية - حيث سئل في مسألة القرآن: كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي، وخبر واستخبار؟
فقال: ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري. (^١)
* ومن التناقض البيِّن:
أنك تري الأشاعرة يقولون بإثبات صفات لله -تعالى- لها معانٍ زائدة عن الذات، مخالفة للجهمية النفاة، ثم تراهم يقولون بأن كلام الله معنى واحد قائم بالذات. (^٢) *وحقيقة الأمر:
أن الكلام الذي تثبته الأشاعرة لله -تعالى- لا حقيقة له؛ ومعناه قريب من معنى العلم؛ إذ أن حديث النفس الذي هو الكلام عندهم هو علم بمعانى معينة، فليس فى النفس إلا معانى معلومة، فآل الكلام إلى العلم.
لذا فقد نص الشيرازى على ذلك بالتصريح دون التلميح، فقال:
"سماعنا كلامه كعلمنا به " (^٣)
قول الكرامية في صفة الكلام:
قالوا: كلام الله صفة له وهو كلام بحرف وصوت، ولكن الله -تعالى-قد تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، فالكلام صفة حادثة له. (^٤)
* الرد على الكرامية:
فقد وصفتم الله -﷿- بصفات البشر، حيث أن المرء لم يكن متكلمًا ثم تكلم، وهذا
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية (ص/١٦٦) والتسعينية (٣/ ٩٥٢) وتناقضات الأشعرية (ص/٦٣)
(٢) وانظر تناقضات الأشاعرة (ص/ ٦٠)
(٣) وانظر الإشارة (ص/٢١٦) وعقائد الأشاعرة (ص/١٥٢)
(٤) ويعود أصل الكرامية إلي محمد بن كرَّام السجستاني، قال عنه ابن حجر: العابد المتكلم شيخ الكرامية، ساقط الحديث على بدعته. قال ابن حبان: خذل حتى التقط من المذاهب أردأها. وقد دعا ابن كرَّام الناس إلى تجسيم معبوده، وزعم أنه جسم له حد ونهاية، بل شابه النصارى في وصف الإله بأنه جوهر، وانظر الفَرق بين الفِرق (ص/١٨٩)
[ ١ / ٤٢٥ ]
نقص في حق الله -﷿ننزه ربنا تبارك وتعالي عنه.
ثم قولوا لنا: ما الفرق بين القول بأن الله -تعالى -تكلم بالقرآن الكريم بعد أن لم يكن متكلما به، والقول بأنه مخلوق؟؟!!
*كما أنه يلزم من قولكم هذا لوازم باطلة منها:
١ - أن الله -تعالى-قد كان ناقصًا في صفاته ثم كمل، تعالي الله عما يقول الظالمون علوًا عظيمًا.
٢ - إن الله -تعالى-تحل فيه الحوادث، ومن تحل فيه الحوادث فهو حادث.
** قول الواقفة في كلام الله ﷿:
وبدعة الوقف هي بدعة تابعة لبدعة خلق القرآن، وأصحابها إنما أظهروا هذا الوقف في كلام الله -تعالى- بعد أن أُستخلف المتوكل علي المسلمين فقمع بدعة خلق القرآن، فاحتال ناس ممن كانوا يعتقدون بقول جهم لترويج بدعتهم، فاخترعوا قولًا لم يفصحوا فيه بخلق القرآن خوفاُ على أنفسهم، فقالوا لا ندري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله.
وهؤلاء قد ذمَّهم السلف على ذلك، وعدُّوا أن من وقف في حكمه على كلام الله-تعالى- فهو جهمي. كما نص على ذلك: أحمد وسفيان بن عيينة، وغيرهما. (^١)
_________________
(١) فائدة مهمة: والذين توقفوا في مسألة خلق القرآن طائفتان: ١) الأولى: كانت تعتقد جزمًا أن القرآن كلام الله -تعالى-غير مخلوق، كما هو اعتقاد السلف، لكنها توقفت وتركت الخوض في هذه النازلة تورعًا وكرهت الدخول فيها باعتبار أنها مسألة محدثة. وهذا مما ذمهم العلماء عليه؛ فليس هذا موطن تورع وسكوت، بل هو موطن الصدع بالحق والجهاد بالعلم. قال ابن قتيبة: ليس في غرائز الناس احتمال الإمساك عن أمر في الدين قد انتشر هذا الانتشار وظهر هذا الظهور، ولو أمسك عقلاؤهم ما أمسك جهلاؤهم، ولو أمسكت الألسنة ما أمسكت القلوب، فالشك لا يداوى بالوقوف، والبدعة لا تدفع إلا بالسنة، وإنما يقوى الباطل أن تبصره وتمسك عنه. وانظر "الاختلاف اللفظ " (ص/٢٤٦) ٢) الثانية: وهم المعنيون بالحديث عنهم، الذين توقفوا عن الخوض في هذه المسألة لأنهم لم يتبين لهم الحق فيها، فهم شكاكة. ذكره الدكتور أحمد حمدان محقق كتاب شرح أصول اعتقاد السنة للالكائي (٢/ ٣٢٣)
[ ١ / ٤٢٦ ]
قال عثمان بن أبي شيبة:
«الواقفة شر من الجهمية بعشرين مرة، هؤلاء شكَّوا في الله». (^١)
**الرد على الواقفة:
١ - وأما قولكم هذا فهو في حقيقته شك في كلام الله ﷿، لأنه ما توقف إلا لما شك في إضافة هذه الصفة إلي الله ﷿ إضافة صفة إلى موصوف، والشك في دين الله كفر؛ وذلك لأن الشك فى الصفة شك فى الموصوف.
*سئل عنهم الإمام أحمد فقال:
هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، فإن لم تقولوا ليس بمخلوق فقولوا مخلوق. ومن يشك في هذا. سبحان الله أفي هذا شك؟! (^٢)
قال الدارمي:
لا ينبغي لمصلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يشك في شئ من صفات الله وكلامه، كما أنكم حين شككتم في ذلك لم تأمنوا أن يكون كلام الله مخلوقًا، فكيف تنسبون من قال بخلق القرآن إلى البدعة، وأنتم في شك من أمرهم. (^٣)
** قول الروافض في القرآن:
هم في ذلك على فرقتين:
١ - هشام بن الحكم وأصحابه: يقولون إن القرآن لا خالق ولا مخلوق، وهو كلام الله كما قاله جعفر بن محمد وسائر أئمة السنة.
٢ - والفرقة الثانية: يزعمون أنه مخلوق محدث لم يكن ثم كان كما تزعم المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من المتأخرين منهم. (^٤)
_________________
(١) الإبانة الكبرى (١/ ٢٩٠)
(٢) وانظر الإبانة عن أصول الديانة (٢/ ٩٨١)
(٣) الرد على الجهمية (ص/١٧٦)
(٤) وقد نقل الطبري في صريح السنة (ص/٢٢) عن جعفر الصادق أنه سئل عن القرآن، فقال: أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، وإنما هو كلام الله ﷿. (أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص/١٠٧) وقال: (صحيح مشهور) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما شيوخ الإمامية فكانوا يقولون: القرآن ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله كما قاله جعفر بن محمد وسائر أئمة السنة، ولكن لا أعرف هل يقولون بدوام كونه متكلما بمشيئته، كما يقوله= = أئمة أهل السنة، أم يقولون: تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، كما تقوله الكرامية وغيرهم. وانظر منهاج السنة النبوية (٢/ ٢٤٧) ومقالات الإسلاميين (ص/٣٢) وشرح السنة (١/ ١٦٩).
[ ١ / ٤٢٧ ]
*تنبيه:
الرد على الروافض في قولهم بخلق القرآن سبق في الرد على المعتزلة والجهمية.
*الرد على الفلاسفة:
وقال الفلاسفة إن القرآن أنه ليس كلام الله ﷿، بل هو محض تخيلات، وعليه فإنه ليس مصدرًا للأحكام الشرعية، على زعمكم.
قال ابن تيمية:
وما ذكروه من حدوث أصوات في نفس الإنسان يسمعها: إما يقظة وإما منامًا، يحصل لآحاد الناس في كثير من الأوقات، وسمع الإنسان للهواتف في نفسه أكثر
من أن يحصى، فإن كان تكليم موسى من هذا الجنس، فآحاد الناس شركاؤه في هذا، فكيف بالأنبياء، فكيف بالمرسلين؟! (^١)
.
** مسألة اللفظية وحكمها:
وهي من المسائل التي تتعلق بهذا المبحث مسألة، حيث ظهر من يقول: أن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة.
وأول من قال بها الحسين بن علي الكرابيسي، فلما علم الإمام أحمد بن حنبل بهذه المقالة أنكرها وأمر بهجر الكرابيسي، بل وقال: اللفظية جهمية.
ومقالة " لفظي بالقرآن مخلوق " جملة مجملة، والقاعدة في الألفاظ المجملة:
"كل كلام مجمل في حق الله، فلا يُقبل مطلقًا ولا يرد مطلقًا "
فإن اللفظ يطلق على معنيين:
أ-المصدر: الذي هو فعل الفاعل، أي التلفظ.
ب-الملفوظ به: وهو القرآن نفسه.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٥/ ٣٣٣)
[ ١ / ٤٢٨ ]
وعليه نقول:
إن قصد قائل لهذه العبارة المعني الأول، الذي هو التلفظ؛ فلا شك أن ألفاظنا بالقرآن وغير القرآن مخلوقة، وإنْ قصد المعني الثاني، فهي عبارة الجهمية والمعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن.
قال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق. (^١)
وقال عبدالله بن أحمد سمعت أبي يقول:
كل من يقصد إلى القرآن بلفظ أو غير ذلك يريد به مخلوق فهو جهمي. (^٢)
فائدة:
واعلم أن الكلمة التي تحتمل التفصيل المذكور آنفًا هو قوله "لفظي بالقرآن مخلوق"، أما إن قال: أقول "القرآن مخلوق" وأقصد حركات القارئ وصوته!!
قلنا:
كان هذا المعني -وإن كان صحيحًا-ليس هو مفهوم كلامه، ولا معني قوله،
_________________
(١) نقله عنه إبراهيم بن سعيد في طبقات الحنابلة (١/ ١٢٠)
(٢) وانظر السنة (ص/ ٦٧) * تنبيه مهم: هذا التقييد في قول أحمد -﵀- في مسألة اللفظية مما قد غفل عنه من قد حكي قوله على الإطلاق. فما قد ورد عن أحمد من الإطلاق بأن اللفظية جهمية فهو محمول على من قصد منهم باللفظ الملفوظ، الذي هو القرآن نفسه، كما نقله عنه ابنه عبد الله والإمام البيهقي، وكذا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي، فقد قال شيخ الإسلام: ولهذا قال أحمد في بعض كلامه: من قال" لفظي بالقرآن مخلوق "، يريد به القرآن فهو جهمي احترازًا عما إذا أراد به فعله وصوته. = = وعليه فما ورد من إطلاقات الإمام أحمد على اللفظية إنهم جهمية فهو محمول على علمه أن هؤلاء إنما أرادوا التستر خلف هذه الكلمة للقول بخلق القرآن. وكذلك يقال فيما ورد عن الإمام أحمد من روايات مطلقة في تكفير اللفظية، فهي هذه الروايات ينبغي حملها على الرواية التي قال فيها: من قال لفظي بالقرآن مخلوق -يريد به القرآن-فهو كافر؛ فإن هذا التقييد قد حفظه عن أحمد ابنه عبد الله. * نقول: وفي الجملة فقد كان الإمام أحمد يغلق الباب فى مسألة اللفظية، لئلا يُتذرع بها الخلقية في فتنتهم، وقد اشتد أحمد كثيرًا على الخلال لما نسب إليه القول بأن " لفظي بالقرآن غير مخلوق "، وأمره بمحوها؛ لأنه كان زمان فتنة، فأراد أحمد قطع الاستشراف في هذه المسألة من باب سد الذرائع. قال الذهبي: كان الإمام أحمد لا يرى الخوض في هذا البحث خوفًا من أن يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولي. وانظر سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٩٠) ودرء التعارض (١/ ٢٥١) وفتح البرية بتلخيص الحموية (ص/٨٢٠) والرسالة الواضحة (ص/٧١٣)
[ ١ / ٤٢٩ ]
فإن المسلمين إذا قالوا: القرآن كلام الله؛ لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم قائمة بذات الله وإذا قالوا:
هذا الكلام حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ لم يريدوا بذلك أن حركات المحدِّث وصوته قامت بذات النبي صلي الله عليه وسلم. (^١)
وخير ما نختم به مسألة اللفظية:
*قال الذهبي:
والقرآن العظيم حروفه وألفاظه كلام رب العالمين غير مخلوق، وتلفظنا به وأصواتنا به من أعمالنا ا لمخلوقة، ولكن لمَّا كان الملفوظ لا يستقل إلا بتلفظنا والمتلو لا يسمع إلا بتلاوة تالٍ صعب فهم المسألة وعسر إفراز اللفظ الذي هو الملفوظ من اللفظ الذي يعني به التلفظ، والخوض في هذا خطر، نسأل الله السلامة في الدين، وفي المسألة بحوث طويلة الكف عنها أولي، وخاصة في هذه الأزمنة المزمنة. (^٢)
*قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكان الأئمة الكبار يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما توقعه من الإشتباه والفتنة، فإذا لم يكن اللفظ منقولًا
ولا معناه معقولًا ظهر الجفاء والأهواء، لذا قال مالك ر حمه الله" إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء". (^٣)
حكم من قال بخلق القرآن:
أما تكفير من قال بخلق القرآن فقد ورد عن سائر أئمة السلف في عصر مالك والثوري ثم عصر ابن المبارك ووكيع ثم عصر الشافعي وعفان والقعنبي ثم عصر أحمد ابن حنبل وعلي بن المديني ثم عصر البخاري وأبي زرعة الرازي ثم عصر محمد بن نصر المروزي والنسائي ومحمد بن جرير وابن خزيمة. (^٤)
_________________
(١) ذكره ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٤٨)
(٢) وانظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠١)
(٣) وانظر درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٥)
(٤) العلو للعلي الغفار (ص/١٧٣)
[ ١ / ٤٣٠ ]
قال عبد الله بن المبارك:
سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عامًا يقولون: من قال بأن القرآن مخلوق، فامرأته طالق ثلاثًا البتة. (^١)
قال سفيان بن عيينه:
من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. (^٢)
*قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي -﵀- يقول:
من قال: القرآن مخلوق فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله ﷿، قال الله ﷿ ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾، ومن قال علم الله مخلوق فهو كافر؛ لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه. (^٣)
*وقد عدَّ اللالكائي أسماء كثيرة من طبقات شتى، ثم قال ﵀:
قالوا كلهم: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. فهؤلاء خمس مائة وخمسون نفسا، أو أكثر، من التابعين، وأتباع التابعين، سوى الصحابة الخيرين، على اختلاف الأعصار، ومضي السنين والأعوام، ونقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر، لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه. (^٤)
*فوائد مهمة:
١ - ما روي مرفوعًا: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر"، لا يصح نسبته للنبي ﷺ. (^٥)
_________________
(١) انظر شرح اعتقاد أهل السنة (٢/ ٣٨٦) وكذلك ممن أفتي بكفر من قال بخلق القرآن الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري.
(٢) أخرجه عبدالله بن أحمد في السنة (ص/٢٨) وسنده حسن.
(٣) وانظر المصدر السابق (ص/١٨)
(٤) شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٤)
(٥) أما روايته مرفوعًا فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٠٧) والسيوطي في اللآلى المصنوعة (١/ ١١) قال الدارقطني: في سنده محمد بن عبيد يكذب ويضع الحديث. وقال الذهبي: روي من وجوه باطلة. قال الشوكاني: في إسناده محمد بن عبد الله بن عامر السمرقندي وضاع. وكذا رواه ابن عدي والخطيب بأسانيد فيها مجاهيل. وانظر اللآلئ المصنوعة (١/ ١١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة (١/ ١٣٤) وترتيب موضوعات ابن الجوزي للذهبي (ص/١٧).
[ ١ / ٤٣١ ]
٢ - كفر من قال بخلق القرآن إنما هو من كفر وشرك التعطيل، والذي يكون متعلقًا بذات المعبود وأسمائه وصفاته، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون وأشباهه، فالشرك والتعطيل متلازمان.
والقول بخلق القرآن كفر ظاهر؛ إذ هو تكذيب لنصوص الوحيين، وإلحاد في أسماء الله وصفاته، وتشبيه الله -تعالى- بخلقه، وهذا كفر محض.
٣ - قول الأئمة بتكفير القائل بخلق القرآن يتوجه على أنه كفر نوع لا كفر عين،
فلا يكفر القائل بهذا حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، فإن أصر بعدها كان كافرًا نوعًا وعينًا.
لذا فالحكم على الأعيان، كالقول إن فلانًا القائل بخلق القرآن كافر؛ فهذا أمر آخر، يحكم به القاضي، أو العالم المتأهل للكلام في ذلك، بناء على صحة إيقاع الوصف على المعين، باستيفائه شروطه، وانتفاء الموانع المؤثرة عنه.
*واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا التفريق بأن الإمام أحمد - وغيره من السلف - لم يكفِّر كل من قال بخلق القرآن، فقال:
إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره. ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام؛ لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة؛ صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة.
وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قومًا معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان؛ ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال:
أ) من كفَّره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه. ب) من لم يكفَّره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه، مع إطلاق قوله بالتكفير على
[ ١ / ٤٣٢ ]
سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. (^١)
*وهذا التفريق السابق بين النوع والعين يفسر لنا ما قد يرد من الإشكال في فعل الإمام أحمد الذى كان يُكفِّر الجهمية، مع كونه كان يصلي خلف أئمة عصره القائلين بخلق القرآن، بل ويدعو ويستغفر لهم ويعتقد إمامتهم وينهى عن الخروج عليهم.
الشبهات التي استدل بها من قال بخلق القرآن، والرد عليها:
١ - الشبهة الأولى: قوله تعالي: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (^٢)
وجه الدلالة:
القرآن شئ، فيدخل في عموم الآية، فالله خالق وما سواه مخلوق.
قال القاضي عبد الجبار:
قوله تعالى " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" يدل على حدوث القرآن، وأنه تعالى خلقه بعموم الآية، ولولا قيام الدلالة على إخراج أفعال العباد منه لوجب دخوله في العموم. (^٣)
الجواب على هذه الشبهة أن يقال:
قوله تعالي: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) هذا من العام الذي يراد به الخاص، ونظير ذلك قوه تعالي عن ملكة سبأ (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣»
(النمل: ٢٣)
مع أنه لم يدخل في ملكها شيء كثير، مثل ملك سليمان ﵇.
كذلك قوله " تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا "، فهذا العموم ليس على ظاهره، فهي لم تدمر السماوات والأرض.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٩).
(٢) نقول: هذه الآية مما استدل به القاضي أحمد بن دؤاد علي قوله بخلق القرآن، وهذا من أعاجيب المعتزلة، وذلك أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالي، وإنما يخلقها العباد، فأخرجوها من عموم الآية، وأدخلوا كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة.
(٣) المغني (٧/ ٩٤) قلت: تأمل كيف أخرج القاضي عبد الجبار خلق الله -تعالى- لأفعال العباد من عموم هذه الآية، رغم أن أدلة الكتاب والسنة والإجماع على خلاف ذلك، ثم تراه يدخل في عمومها خلق القرآن، رغم أن أدلة الكتاب والسنة والإجماع على خلاف ذلك. عجيب والله أمر الهوى إذا ما تلاعب باعتقاد المرء، فعندها لا نملك إلا أن نحمد الله - تعالى - على سلامة العقل، والعافية في الدين.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وعليه نقول: أن قوله تعالى (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إنما يتوجه لكل ما هو قابل لأن يكون مخلوقًا، والقرآن الذي هو كلام الله صفة من صفات الله ﷿ ليس مخلوقًا، لأن الله -﷿- لم يزل ولا يزال متصفًا بصفاته الحسني.
*وكذلك يقال:
أن عموم هذه الآية لا يتناول القرآن؛ لأنه بهذه الآية التي هي من القرآن قد حصل الإعلام بكونه خالقًا لكل شيء، وما حصل به الإعلام لم يكن داخلًا تحت الخبر، ولو أن شخصًا قال: لا أتكلم اليوم كلامًا، إلا كان كذبًا، لم يدخل إخباره تحت ما أخبر به.
وهذا نفسه مذكور في القرآن في قوله تعالي في قصة مريم ﵍
(فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦» (مريم: ٢٦)
به حصل الإخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلًا تحت الخبر، وإلا كان قولها هذا مخالفًا لنذرها. (^١)
*وكذلك يقال:
أرأيتم قوله تعالى (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ) فقد أخبر الله -تعالى- عن نفسه أنه شيء، فهل ترونه -تعالى- داخلًا في عموم قوله (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، فجوابكم سيكون بالنفي؛ لأنه سبحانه هو الخالق، نقول:
فكذلك قولوا في صفاته -ومنها الكلام- أنها غير مخلوقة، فالكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات.
٢ - الشبهة الثانية:
قوله تعالى ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] والذكر هاهنا هو القرآن، وقد وصفه بالحدوث، والحادث لا يكون إلا مخلوقًا!!! (^٢)
_________________
(١) وانظر بدائع الفوائد (٤/ ٢١٨).
(٢) وهذه الآية مما عورض بها الإمام أحمد﵀- في إحدى مناظرات خلق القرآن، وكان ذلك في حضرة المعتصم. *وقد أجيب عن ذلك بأن الذكر ليس هو القرآن، بل هو الرسل بدليل قوله تعالى (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ) [الطلاق: ١٠، ١١] وانظر سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٤٥) والإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية (ص/٤٣٥) والراجح -والله أعلم- أن الذكر المقصود في الآية هو القرآن، والرد ما ذكرناه أعلاه.
[ ١ / ٤٣٤ ]
قال القاضي عبد الجبار:
قوله تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) (الزمر: ٢٣)، وقوله تعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) (الأعراف: ١٨٥)، فلا يجوز أن يوصف بذلك إلا وهو محدث. (^١)
*وجواب ذلك:
أننا لا بد أن نفرق بين أصل صفة الكلام وبين آحاده، فالله﷿- متصف بصفة الكلام من الأزل، فهي صفة ذات له ﷿، لم يزل - سبحانه - ولا يزال متكلمًا.
وأما آحاد الكلام - والذى منه القرآن - فهو بعض كلام الله - ﷿- تكلم به متى شاء، وعليه فصفة الكلام قديمة الجنس، حادثة الآحاد.
فقوله تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)
فالحداثة إنما هي وصف لآحاد الكلام، وليس لأصل الصفة، فتنبَّه.
قال ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -:
" يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه -ﷺ- أحدث الأخبار بالله ". (^٢)
قال الذهبي:
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتيهم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبّهم مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتمعُوْهُ وَهُمْ يَلعبُوْنَ﴾
عنى بحدوثه هو إنزاله إلى الأمة على لسان نبيها ﷺ. (^٣)
٣ - الشبهة الثالثة:
- قوله تعالي: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه «النساء: ١٧١)
فقالوا: بالإجماع فإن عيسى -﵇- مخلوق، فلمَّا كان عيسى -﵇كلمة الله، دل أن كلام الله مخلوق!!
وجواب ذلك:
أن المقصود بقوله تعالي: "وكلمته" هو أن عيسى﵇ - إنما خُلق بكلمة الله، وهي قوله تعالي: "كن"، فإن عيسى -﵇ - لم يُخلق من أبوين كسائر
_________________
(١) المغني (٧/ ٨٩)
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٨٥)
(٣) سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٤٢)
[ ١ / ٤٣٥ ]
الشبهات التي استدل بها من قال بخلق القرآن والرد عليها
الخلق. وإنما كان بكلمة "كن "، وليس هو الكلمة، وإنما أضيف إلى الله على سبيل التشريف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: كن فكان عيسى بكن، وليس عيسى هو الكن، ولكن كان بكن، فالكن من الله قول، وليس الكن من الله مخلوقًا. (^١)
٤ - الشبهة الرابعة:
قالوا:
قال الله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ (الزخرف: ٣)
والجعل في اللغة: هو الخلق، بدلالة قوله تعالي (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (الأنعام: ١) أي خلقها، فالمجعول لا يكون إلا مخلوقًا. (^٢)
*والرد على هذه الشبهة:
قد تعددت استعمالات " الجعل " في لغة العرب، لذا يقول ابن فارس:
" الجيم، والعين، واللام " كلمات غير منقاسة، لا يشبه بعضها بعضًا. (^٣)
فنذكر من معاني الجعل ما يلي:
١ - قد يأتي الجعل بمعنى التسمية والحكم، كما ورد في قوله تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا (١٩» (الزخرف: ١٩)، وقوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) (الأنعام: ١٠٠)
٢ - وقد يأتي الجعل بمعني الخلق، كما في قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقوله تعالى (الْحَمْدُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤١٨) والمتأمل في هذه الآية يدرك كم تجارت الأهواء بأهلها، فبهذه الآية يستدل النصاري على أن عيسى -﵇- من الله؛ لأنه كلمة الله التي هي صفته، وبهذه الآية يستدل الخلقية على أن كلام الله مخلوق؛ لأن عيسى كلمة الله وعيسى مخلوق، وأما أهل الحق فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
(٢) وهذه من الشبهات التى استدل بها القاضي عبد الجبار في "المغني" (٧/ ٨٩)
(٣) مقاييس اللغة (١/ ٤٦٠)
[ ١ / ٤٣٦ ]
لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (الأنعام: ١).
٣ - وقد يأتي الجعل بمعنى التصيير والتقدير، كما في قوله تعالى ﴿فجعلهم جذاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]، وقوله تعالى ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥]، وقول إبراهيم ﵇ (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ) (إبراهيم: ٤٠)
فقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾ إنما يُحمل على المعنى الثالث، فالله -﷿ - قدَّره وصيَّره كلامًا عربيًا لنزوله على العرب، مصداقًا لقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم: ٤)
*فإن قيل:
ولم حملتم قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾ على المعنى الثالث دون الثاني؟
*فالجواب من وجوه:
١ - الأول:
ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماعات أهل السنة أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
٢ - الثاني:
أنَّ "جعل" إذا تعدت إلى مفعول واحد كانت بمعنى " خلق "، وأما إذا تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى خلق، بل كانت بمعني التقديروالتتصيير، مما يبطل دعوى الاستدلال بقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾ أن القرآن مخلوق.
*وما أجمل ما قاله الآلوسي في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾:
والجعل هنا بمعني التصيير، لا بمعنى الخلق المعدَّى لواحد، لأن ذلك يأباه ذوق المقام؛ لأن الكلام لم يسق لتأكيد كونه مخلوقًا، وما كان إنكارهم متوجهًا عليه، بل هو مسوق لإثبات كونه قرآنًا عربيًا، لا يعسر عليهم فهم معانيه. (^١)
-هذا وقد ذكر علماء التفسير كالطبري والقرطبي وابن كثير في تفسير قوله تعالي "إنا جعلناه".
_________________
(١) روح المعاني (١٣/ ٦).
[ ١ / ٤٣٧ ]
قالوا: أنزلناه، وقيل سمَّيناه، وقيل: وصفناه.
٥ - الشبهة الخامسة:
٤ - عن أبي أُمامة﵁- أن النبي -ﷺ - قال:
البقرة وآل عمران تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا ". (^١)
فقالوا: فما كان غمامة أو غياية فلابد أن يكون مخلوقًا.
وكذلك فمما احتج به الجهمية علي الإمام أحمد في قولهم بخلق القرآن: حديث النبي ﷺ:
" إِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِب ". (^٢)
فقالوا: فما كان يأتي ويجئ فلابد أن يكون مخلوقًا.
*والرد على هذه الشبهة:
نقول: أما قولهم أن مجيء سور القرآن يدل علي أنه مخلوق!!
فالجواب عليه من وجوه:
١ - قد ثبت بالكتاب والسنة أن الله -﷿- يجئ ويأتي، فهل يقول أحد بأن الله مخلوق؟! (^٣)
فعلي فرض أن الذي يأتي هو القرآن نفسه، فليس في مجيئه دلالة على أنه مخلوق.
٢ - ثم نقول أن الذي يأتي هو ثواب قراءة القرآن، وثواب قراءة القرآن مخلوق
_________________
(١) رواه مسلم (٨٠٤) وأحمد (٢٢٢٦٧) = =وكان إسماعيل بن عليَّه ممن يذكر هذا الحديث في القول بخلق القرآن ويقول: " يحاجان بلسان "، كما ذكر ذلك الذهبي في السير (٩/ ١١١)، ولكنه تاب ورجع عن قوله بخلق القرآن، وقال: ليس من الله شيء مخلوق، كما ذكر ذلك الذهبي في ميزان الاعتدال (١/ ٢٢٠) واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٤٣٥)، وانظر "الآثار الواردة عن السلفلافي العقيدة" (١/ ٢٩٦)
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٥٠)، وانظر الصحيحة (٢٨٢٩)
(٣) وهذا مما أجاب به أحمد علي الجهمية في استدلالهم بهذا الحديث على خلق القرآن، وانظر مجموع الفتاوي لابن تيمية (٥/ ٣٩٨)
[ ١ / ٤٣٨ ]
باتفاق أئمة الإسلام. (^١)
فإن قلتم: ظاهر الأحاديث هو مجيء البقرة وآل عمران، فلما تؤلون المجيء بأنه مجيء الثواب؟؟
فجوابه:
العجيب في أمركم أنكم -أي المعتزلة القائلون بخلق القرآن- قد أقررتم تأويلكم بأن مجيء الله -﷿- هو مجيء أمره، رغم أنه تأويل بلا قرينة، ثم تنكرون تأويل مجيء البقرة وآل عمران بأنه مجيء الثواب، وهو تأويل صحيح قد دلت القرائن من الكتاب والسنة والإجماع. (^٢)
٦ - الشبهة السادسة:
قولهم: قال تعالي: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).
وصف القرآن بأنه منزل يدل على أنه مخلوق، كما في قوله عن إنزال المطر والحديد والأنعام!!
جوابه:
أما الآيات التي ذكرت إنزال القرآن فهو إنزال مقيد؛ حيث ذكرت أنه إنزال من الله -﷿كما في قوله تعالي: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ)
وهذا بخلاف الإنزال المطلق كما في قوله: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)
ونزيد على ذلك:
أن المنزل إما أن يكون عينًا قائمة بنفسها، وعندها يكون مخلوقًا، لأنه بائن من الله ﷿.
وإما أن يكون وصفًا لا يقوم إلا بغيره، وحينئذ يجب أن يكون من صفات الله،
_________________
(١) انظر المصدر السابق (٥/ ٣٩٩)
(٢) وعلى هذا فمثل تفسير المعتزلة لأحاديث الصفات إنما هو من التأويل الباطل، وذلك لأنهم صرفوا الألفاظ عن ظاهرها بلا قرينة، أما فعل السلف فهو التأويل الصحيح لأنهم يصرفون اللفظ عن ظاهره بالقرائن، لذا فلقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ دقيقًا في قوله: نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ - من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل. ولم يقل بلا تأويل؛ وذلك لأن التأويل يكون سائغًا إذا كان بالقرائن المحتفة، أما التأويل بلا قرينة فهو في حقيقته تحريف، وهو طريقة المتكلمين فقد نقل ابن القيم إجماع غير واحد من السلف على بطلانه.
[ ١ / ٤٣٩ ]
والكلام وصف لا يقوم إلا بغيره، فإذا أضاف الله الكلام إلى نفسه فهو صفة من صفاته، أما أن الحديد فلا يكون صفة لله، فهذا غير معقول وكذا الماء النازل والأنعام، فهذه كلها أعيان قائمة بنفسها. (^١)
تم بحمد الله.
_________________
(١) وانظر شرح العقيدة السفارينية لابن العثيمين (ص/١٨٧).
[ ١ / ٤٤٠ ]