[ ٢ / ٧٠١ ]
*نص الحديث:
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ -﵁- أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: "إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ".
قَالَ: لَا بَلْ ادْعُ اللَّهَ لِي. " فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي، وَتُشَفِّعُنِي فِيهِ، وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ " فَفَعَلَ الرَّجُلُ، فَبَرَأَ.
* تخريج الحديث:
أخرجه أحمد (١٧٢٤١) والترمذى (٣٥٧٨) والحاكم (١١٨٠) وابن خزيمه (١٢١٩)، واللفظ لأحمد.
قال الترمذى: هذا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وقال الطبراني بعد ذكر طرقه في " المعجم الصغير ":
" والحديث صحيح "، ونقله عنه المنذري في " الترغيب " (٣/ ٦٧).
وقد صححه أيضًا البيهقي وأبو عبد الله المقدسي، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (١/ ٢٦٥ وما بعدها) محتجًا به على مشروعية التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته.
وقال البيهقي: "ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شبعة".. قال شعيب الأرنؤوط: " إسناده صحيح، رجاله ثقات ".
وصححه
[ ٢ / ٧٠٣ ]
الألبانى في صحيح الجامع (١٢٧٩)، وفي صحيح الترمذي برقم (٢٨٣٢). (^١)
*أولًا: المعنى العام لحديث الباب:
يروي الصاحب الجليل عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ -﵁- أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي،
فأراد هذا الرجل الضرير من النبي - ﷺ - أن يدعو له الله -تعالى- أن يرد إليه بصره.
فقالَ ﷺ: "إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ".
والمعنى: أن النبي - ﷺ - قد خيَّره بين أمرين، أحدهما فاضل، والآخر مفضول:
* فأما المفضول:
فأن يدعو له النبي - ﷺبرد بصره، فيتعجل رفع البلاء في الحياة الدنيا.
* وأما الفاضل:
فهو الصبر على هذا البلاء، الذى هو فقد البصر، فلاشك في فضيلة الصبر على هذا البلاء، كما وردت النصوص الدالة على ذلك، ففي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ:
" إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ " يُرِيدُ: عَيْنَيْهِ. (^٢) وفي روايه أَبِي أُمَامَةَ - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
" يَقُولُ الله: يا ابن آدم! أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْكَ.
_________________
(١) والحديث تُكُلِّم فيه لأجل قول الترمذي: " لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر، وليس الخطمي "، وهو خطأ ففي نسخة أحمد شاكر إثبات الترمذي أنه الخطمي، وكذلك في تحفة الأشراف "ح/ ٩٧٦٠"، وهذا يوافق قول جمهور العلماء أنه الخطمي. وممن قال بذلك النسائي في عمل اليوم والليلة "ح/٩٥٩"، والإمام أحمد الذى نسبه في إحدى روايات الحديث بأنه الخطمي، ونسبه في أخرى فقال: المدني، كما في المسند (٤/ ١٣٨) وكذلك فقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا جعفر هو الخطمي، لا الرازي، وتبعه على ذلك المحققون من العلماء " (مجموع الفتاوى ١/ ٢٦٦) وقال الشيخ الألباني: والصواب أنه الخطمي، وهكذا نسبه أحمد في رواية له (٤/ ١٣٨) وسمَّاه في أخرى (أبو جعفر المدني) وكذلك سمَّاه الحاكم، والخطمي هذا لا الرازي هو المدني. وقد ورد هكذا في (المعجم الصغير) للطبراني وفي طبعة بولاق من سنن الترمذي أيضا، ويؤكد ذلك بشكل قاطع أن الخطمي هذا هو الذي يروي عن عمارة بن غُزَيَّة، ويروي عنه شعبة، كما في إسناده عند أحمد والترمذى، وهو صدوق. وعلى هذا فالإسناد جيد لا شبهة فيه ". انظر مجموع الفتاوى (١/ ٢٦٦) والتعليق على المعجم الكبير (٩/ ١٧) والتوسل وأحكامه (ص/ ٨٢)
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٥٣) وأحمد (١٢٥٩٥)
[ ٢ / ٧٠٤ ]
أقسام التوسل وأحكامه
فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ، لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ". (^١)
* نعود فنقول:
أن الرجل لما خيَّره الرسول - ﷺ - بين الصبر على هذا البلاء لتكون له البشارة بالجنة، أو تعجيل إجابة الدعاء له برد بصره، فقد اختار الأمر الثاني، وهو أن يدعو له النبي - ﷺ - برد البصر؛ لذا أمره ﷺ يتوضأ، وأن يصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء:
" اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي، وتشفعني فيه، وتشفعه فيَّ ".
وهذا في حقيقته توسل من هذا الرجل إلى الله -تعالى- بدعاء الرسول ﷺ وهذا يجرنا إلى الفائدة الثانية.
*أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب: الفائدة الأولى: أقسام التوسل:
ينقسم التوسل إلى أقسام ثلاثة:﴾ مشروع، محذور، مختلف فيه ﴿أولًا: التوسل المشروع وأقسامه:
لا شك أن الشرع قد رغَّب في اتخاذ السبل التى تقرب العبد من ربه، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة/٣٥)، وقال عزوجل مبيِّنًا حال عباده الصادقين (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) (الإسراء/٥٧)، وقد أبانت أدلة الشرع أنواع التوسل المشروع، وهى كما يلى:
الأول: التوسل بأسماء الله -تعالى- وصفاته وأفعاله:
ومن أدلة هذا القسم من القرآن:
ما حكاه الله-تعالى- عن سليمان ﵇ في قوله (ربِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل/١٩)
فقد توسل -﵇- في دعائه بصفة من صفات الله تعالى، وهي صفة الرحمة.
_________________
(١) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٣٥) وانظر صحيح الأدب المفرد (ح/٤١٥)
[ ٢ / ٧٠٥ ]
*ومن أدلة السنة:
وعن مِحْجَنَ بْنِ الْأَدْرَعِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، إِذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ ". (^١)
* وعن أنس - ﵁- أَنّ النبي - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو:
" اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! ". فَقَالَ - ﷺ -: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ». (^٢) * وعَنْ جَابِرٍ - ﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ: " إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، (^٣)
فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. (^٤)
* قال عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵄:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو فيقول: " اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي. (^٥)
* قال أبو الأحوص: سمعت عبد الله بن مسعود -﵁يدعو بهذا الدعاء:
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِنِعْمَتِكَ السَّابِغَةِ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ، وَبَلائِكَ الَّذِي أَبْتلَيْتَنِي، وَبفَضْلِكَ الَّذِي
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٩٩٥) والنسائي (١٣٠١) وأبوداود (٩٨٥)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(٢) أخرجه أبوداود (١٤٩٥) والترمذي (٣٥٤٢) والحاكم (١/ ٥٠٤) وحسنه الترمذى، وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي. وانظر السلسلة الصحيحة (٣٤١١)
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٨٢)
(٤) مدارج السالكين (٢/ ١٢٢)
(٥) أخرجه أحمد (١٨٣٢٥) والحاكم (١/ ٥٢٤) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وانظرصحيح الجامع الصغير وزياداته (١٣٠١)
[ ٢ / ٧٠٦ ]
أَفْضَلْتَ عَلَيَّ أَنْ تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. اللهُمَّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ بفَضْلِكَ وبِمَنِّكَ وَرَحْمَتِكَ. (^١)
قال ابن القيم:
فتح الله -تعالى- باب الدعاء رغبًا ورهبًا ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها، ولهذا كان أفضل الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]. (^٢)
* وورد في حديث فضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ -﵁- أن النبي -ﷺ - لما سَمِعَ رجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ ﷿، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَال ﷺ: " عَجِلَ هَذَا "، ثُمَّ دَعَاهُ -ﷺ - فقَالَ لَهُ:
" إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ. (^٣)
قال الصنعانى: قوله ﷺ: " عجل هذا":
أي بدعائه قبل تقديم الأمرين، فلم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ، وفيه دليل على تقديم الوسائل بين يدي المسائل وهي نظير ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، حيث قدَّم الوسيلة وهي العبادة، على طلب الاستعانة. (^٤)
الثانى: التوسل بالعمل الصالح:
وذلك أن يدعو المسلم ربه -تعالى- متوسلًا بعمل صالح بين يدى دعائه، ومن أدلة هذا القسم من القرآن:
قال تعالى (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران/١٦)
وقال تعالى
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير [٨٩١٧]، وذكره صاحب " الصحيح المسند من آثار الصحابة في الزهد والرقائق والأخلاق والأدب " (٢/ ١٥)، ثم قال: هذا توسل بأفعال الله ﷿ فلا إشكال فيه فقوله بـ [نعمتك] يعني [إنعامك] كقوله تعالى: ﴿أن أشكر نعمتك التي أنعمت﴾، وبمثل هذا وجَّه شيخ الإسلام حديث: " اللهم إني أسألك بحق السائلين "، على فرض صحته، أن حق السائلين إجابة الله لهم، فعاد إلى كونه توسلًا بصفات الله ﷿. انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/١٠٣)
(٢) الصواعق المرسلة (٣/ ٩١١)
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٩٣٧) وأبوداود (١٤٨١) والترمذي (٣٤٧٧) وقال الترمذى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي..
(٤) سبل السلام (١/ ٢٨٦)
[ ٢ / ٧٠٧ ]
حاكيًا عن حال المؤمنين (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٥٣)
* ومن أدلة السنة:
وفي الصحيحين من حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، )
فقاموا يتوسلون إلى الله -تعالى- بأصدق أعمالهم الصالحة، فتوسل الأول ببره بوالديه، وتوسل الثانى بما ذكره من القيام عن المرأة خوفًا من الله تعالى، وتوسل الثالث بأمانته مع أجير كان يعمل عنده، وقال كل واحد منهم:
"اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ "، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ". (^١)
* وعن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ:
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"، قَالَ: فَقَالَ:
" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى" (^٢)
_________________
(١) متفق عليه. وقد استدل الإمام الشوكانى بحديث أصحاب الغار على مشروعية التوسل بأهل الفضل والعلم في حياتهم وبعد مماتهم، بأن يقول القائل: " اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني "، باعتبار ما قام به من العلم. *والجواب من وجوه:
(٢) أن الحديث بأدنى نظر فيه يُقطع بأنه أجنبي عن المسألة؛ فالثلاثة قد توسلوا إلى الله -تعالى-بأعمالهم الصالحة التي قاموا بها بأنفسهم، ولم يتوسلوا بالصالحين ولا بأعمالهم. فأين وجه الدلالة من الدليل على المراد من التقرير؟!! وإذا فسد الاستدلال بطل المستدل عليه.
(٣) أنا لا نسلم أن الفاضل إذا كان فضله بالأعمال كان التوسل به توسلًا بالأعمال الصالحة، لم لا يجوز أن يكون التوسل به توسلًا بذاته؟ بل هو الظاهر؛ فإن حقيقة التوسل بالشيء التوسل بذاته، والتوسل بالأعمال أمر خارج زائد على الحقيقة، ولا يصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمانع. وانظر صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص/٢٠٢) و"الدر النضيد شرح وتعليق مدحت آل فراج" (ص/١٠٠)
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٩٥٢) وأبو داود (١٤٩٤) والترمذي (٣٤٧٥) وصححه الألبانى في"صحيح أبي داود" (١٣٤١)
[ ٢ / ٧٠٨ ]
*وكان ابن مسعود -﵁- يقول في السحر: "اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي" (^١)
* ومن ذلك أن تتوسل إلى الله -تعالى- بالإيمان به -تعالى - ومحبته وطاعته، ونتوسل كذلك بالإيمان برسوله -ﷺ - به، وموالاته واتباع سنته، فهذا أعظم القرب والوسائل إلى الله تعالى، بل ما تقرب أحد إلى الله - ﷿ - بأعظم من طاعته وطاعة رسوله - ﷺ.
٣ - الثالث: التوسل بدعاء الصالحين:
وذلك أن تسأل شخصًا أن يدعو لك بأمر ما، ثم تدعو الله -تعالى - متوسلًا إليه بدعاء هذا الشخص، ومن أدلة هذا النوع:
أ) ما ورد في حديث الباب، حيث دعا الرجل الضرير ربه -تعالى- متوسلًا إليه بدعاء النبي ﷺ.
ب) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ -﵁ - كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ:
«اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. (^٢)
ج) قال سليم ابن عامر الخبَائري:
قحطت السماء، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فقال معاوية ﵁: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم. (^٣)
*ثانيًا: التوسل المحذور:
وهو التوسل الشركى التى ورد في الأدلة الشرعية التحذير منه، والذى كان
نهجًا عند المشركين، الذين ضل سعيهم في باب التوسل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
_________________
(١) وانظر تفسير ابن جرير (١٢/ ٦٤) وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٢٣٥)
(٢) أخرجه البخاري (١٠١٠) باب: سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا.
(٣) أورده الذهبي في تاريخ الإسلام (٢/ ١٧٨)، قال الألباني في " التوسل" (ص/٤١): إسناده صحيح.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
* فمن أمثلة ذلك:
ما ورد في قوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر/٣)
فهؤلاء قد تقرَّبوا بصنوف العبادات لأصنامهم زعمًا منهم أن ذلك ممّا يتوسل به إلى الله تعالى.
ولكنَّ الله -تعالى- قد أبطل هذا الزعم، بل وحكم على مدعيه بالكذب والكفر، فقال تعالى في ختام الأية (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر/٣)
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]
فدل ذلك على أن التوسُّل والتقرُّب باتِّخاذ شفعاء ووسائط من دون الله -تعالى- يتزلفون إليها بصنوف العبادات هو عَيْن الشرك الذى بُعث النبي - ﷺ - لمحوه.
ولا يؤثر فى الحكم الشرعى هنا الدعوى بأن هذه وسيلة لإجابة الدعوات، أو أن هذه قربة إلى الله تعالى، فإنَّ العبرة في الأحكام بالمقاصد والمعاني، وليست بالألفاظ والمباني، ودليل هذه القاعدة هو قوله تعالى:
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (يونس/ ١٨)
فقد سمَّوا ما يفعلونه من القربات لغير الله -تعالى- شفاعة، والله -تعالى - قد سمَّاها عبادة لما عكفوا عليه من الأصنام.
ثم قال تعالى آخر الأية (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) فهو تنزيه لله - تعالى -وعلوُّ عمَّا يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب.
*ثم نقول:
وما فعله المشركون مع أصنامهم عبر القرون الماضية بدعوى اتخاذ الوسائط والشفعاء لم ينته بعد، فقد تولى الراية من بعدهم المتصوفة القبورية، فقالوا ما قاله الأولون، مع اختلاف يسير في بعض الهيئات الظاهرة، فصار الصنم قبرًا يُطاف حوله ويُنذر ويُذبح له، فإذا سألتم قالوا: " هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ "، وقالوا:
[ ٢ / ٧١٠ ]
" هؤلاء يقَرِّبونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى ".
* فإذا ما أُنكر عليهم عارضوك بالحجج والبراهين، فقالوا: ألم يقل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴿؟؟
* فالجواب:
بلى، ولكنَّ أمر الله -تعالى- باتخاذ الوسيلة إليه فى هذه الأية محمول على المعنى العام؛ فالمراد بالوسيلة في الأية:
هو التقرب إلى الله بالطاعة والعمل بما يرضيه، وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين، كما حكاه ابن كثير.
قال الطبري:
قوله تعالى " وابتغوا إليه الوسيلة ": واطلبوا القربة إليه، بالعمل بما يرضيه، وقد حكاه الطبري عن أبى وائل وقتادة والحسن وعطاء ومجاهد وابن زيد، وغيرهم. (^١)
* ثم يقال:
ولو حُمل أمر الله -تعالى- باتخاذ الوسيلة إليه فى هذه الأية على المعنى الخاص، الذى هو التوسل، فهو أمر مجمل قد وضحته أدلة الشرع في الكتاب والسنة، كما تم بيانه في أقسام التوسل المشروع.
فالفرق واسع والبون شاسع بين من يرجو الله -تعالى- فى قضاء حاجة ما متوسلًا في ذلك باسم أو صفة لله تعالى، أو بقربة من قرب العبادات، أو بدعاء أحد الصالحين، وبين من يصرف العبادات لغير الله -تعالى- بدعوى أنها وسيلة تزلف إلى الله ﷿.
فحال هؤلاء المدَّعين لا يختلف كثيرًا عمَّن قال الله - تعالى - فيهم﴾ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ..﴾ (الأعراف: ٢٨)
فهم بزعمهم الباطل قد وقعوا في شركيات اتّخاذ الوسائط من الأولياء، وقالوا:
" الله أمرنا بها "، متأولون في ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْشرك، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالتوحيد، قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
_________________
(١) انظر تفسير القرآن العظيم (٣/ ٩٦) وجامع البيان في تأويل القرآن (١٠/ ٢٩٠)
[ ٢ / ٧١١ ]
الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾
(الأنعام/١٦٣)، وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف/١٩٤).
وقال تعالى (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (١٤» (فاطر/١٣ - ١٤)
ولكنكم لا تفقهون، وبالأهواء تسيرون.
* وكذلك قالوا:
حديث عثمان بن حُنيف -﵁- قد دل على مشروعية الاستشفاع بالموتى لقضاء الحاجات وتفريج الكروبات!!
وكانوا قد ركنوا في ذلك إلى ما ورد في حديث الباب من قول الرجل الضرير في دعاءه:
" يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي "!!
* وهنا نقول:
انظر كيف يتبجح روَّاد الأضرحة والمقامات، فتراهم يستدلون بحديث الباب على زعمهم وأهواءهم، فانظر كيف تصف ألسنتهم الكذب " أنَّ لهم الحجة "، لا جرم أنهم خاطئون، وأنهم مفرطون.
فحديث عثمان بن حُنيف - ﵁ - الذى ورد في حديث الباب قد ورد فيه توسل الرجل إلى الله -تعالى - بدعاء النبيﷺ- له، وهذا يتضح من سياق قوله:
" ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي "، وقوله: " اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ "، وعليه فقول الرجل في دعاءه: " يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي": أى أتوجه بدعائك إلى ربي، فهو توسل بدعاء النبيﷺ- حال حياته.
* ففارق بين التوسل إلى الله -تعالى - بدعاء الحى، كما هو في حديث الباب، فهذه قربة إلى الله تعالى؛ فإنه يسأل الله تعالى، لكن يجعل ذلك بوسيلة أحد، وبين الاستشفاع إلى الله -تعالى - بالموتى عند القبور والمقامات، بدعوى (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)!!
*فمن سوَّى بين الأمرين فحاله كحال من قال (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)
*وأما ما ورد من زيادة للحديث جاء فيها: " فإن كان لك حاجة فافعل مثل
[ ٢ / ٧١٢ ]
حكم طلب شفاعته ﷺ بعد موته
ذلك"، فهذه كذلك مما قد استدل بها من يرى مشروعية التوسل بالذات.
ولكنها زيادة ضعيفة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال الألبانى:
وقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" (ص/١٠٢) بتفرَّد حمَّاد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث، وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، فمخالفة حمَّاد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة، ولعل حمادًا روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ. (^١)
* فرع:
وأما عن حكم مسألة طلب شفاعته ﷺ بعد موته، وطلب الشفاعة بشكل عام من الموتى، فقد فصَّل فيها العلماء بين حالين:
أ) سؤال الميت الشفاعة بغير حضرة قبره من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وعلة ذلك بأن فيه ادعاء علم الغيب للميت، وأن سمعه وسع الخلائق، وهذا كفر بالإجماع، والقاعدة هنا:
" وكل من اعتقد في غير الله ما لا يُعتقد إلا فى الله فقد وقع في الشرك الأكبر "
ب) سؤال الميت الشفاعة في حضرة قبره فهذه مسألة تدور أقوال العلماء فيها بين الحكم على فاعلها بالشرك الأصغر، والحكم على ذلك بالبدعة المفضية إلى الوقوع في الشرك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبيﷺ - لم يشرع هذا لأمته، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل
_________________
(١) التوسل أنواعه وأحكامه (ص/٨٢)
[ ٢ / ٧١٣ ]
هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن يقول للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما تقول النصارى لمريم وغيرها. فهذا أيضًا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة. (^٢)
قال ابن عبد الهادي المقدسي:
"أما دعاؤه هو ﷺ، وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته، فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين - لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ـ". (^٣)
قال الشيخ ابن عثيمين في تعليق له على كتاب اقتضاء الصراط المستقيم:
سؤال الميت أن يسأل الله أو سؤال قضاء الحاجة بينهما فرق:
إذا سأل قضاء الحاجة فهذا شرك أكبر.
وإذا سأل أن يسأل الله فهذا بدعة وضلالة، لأن الميت إذا مات انقطع عمله، والدعاء من عمله، فكيف تسأله ما لا يمكن فإذا جئت إلى ميت وقلت: ادع الله لي، فإنه لن يدعو الله لك، ومن ذلك تقول عند قبر النبي ﷺ:
اشفع لي، فإن هذا عمل محرم، وبدعة منكرة.
*ثالثًا: التوسل المختلف فيه:
التوسل بالأنبياء والصالحين، بذواتهم أو جاههم ونحو ذلك.
وهذا منقول عن أحمد وابن الصلاح والشوكانى، ومنصوص عليه فى كثير من كتب المذاهب الفقهية؛ وذلك استدلالًا بأدلة كثيرة، ومنها حديث الباب. (^٤)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٦١)
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٣١٧)
(٣) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص/١٣٦)
(٤) انظر مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح (ص/٢٠٧) والمدخل لابن الحاج (١/ ٢٥٤) وشرح مشكل الوسيط (١/ ٩٩) والأذكار للنووي (ص/١٧٨) والفروع لابن مفلح (٢/ ١٥٩) والدر النضيد (ص/١١٢)
[ ٢ / ٧١٤ ]
*وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام العز بن عبد السلام قوله:
" لا يجوز أن يتوسل إلى الله بأحد من خلقه إلا برسول الله ﷺ، إن صح حديث الأعمى "، فعلَّق القول بهذا على صحة حديث الباب. (^١)
*ويمكننا القول بأن الأدلة الواردة في مشروعية التوسل بذات النبي - ﷺ - على وجه الخصوص، أو ذوات الصالحين على وجه العموم تنقسم إلى قسمين:
أدلة صحيحة ولكنها غير صريحة في الدلالة على المشروعية، وأدلة صريحة في المشروعية لكنها لا تصح من حيث إسنادها.
والراجح -والله اعلم- هو عدم مشروعية هذا القسم من أقسام التوسل، وهذا الذى عليه جماهير أهل العلم، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وصنَّف في ذلك رسالته " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " فأفاد فيها وأجاد، وأمتع فيها وأقنع.
* وإليكم أدلة المجوزين والرد عليها:
قالوا: حديث الباب:
قد قال الرجل فى دعائه: "اللَّهُمَّ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ "، فهذا يدل على أنه توسل إلى الله - تعالى- بذات النبي ﷺ "!! (^٢)
* وجواب ذلك:
أن قول الرجل فى دعائه: " اللَّهُمَّ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ " يحتمل أمرين:
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٣١٠) قال الشيخ ربيع المدخلى: راجعت فتاوي العز بن عبد السلام فلم أجد فيه ماذكره شيخ الإسلام، ووجدت في (ص/١٢٦) منه إجابة على سؤال عن الإقسام على الله بمعظم من خلقه في دعائه، كالنبي ﷺ، والولي، والملك، هل يكره ذلك أو لا؟ فأجاب بقوله: "أما مسألة الدعاء، فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله - ﷺ - علَّم بعض الناس الدعاء، فقال: في أقواله: " قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة"، وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورًا على رسول الله ﷺ؛ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء، والملائكة؛ لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به تنبيهًا على علو درجته ومرتبته". فلتراجع المسألة التي أشار إليها شيخ الإسلام. ا. هـ
(٢) تحفة الأحوذي (١٠/ ٢٥)
[ ٢ / ٧١٥ ]
الأول: أتوجه إليك بجاه وذات نبيك، على زعم من يستدل بالحديث على مشروعية التوسل بجاه النبي ﷺ.
الثانى: " أتوجه إليك بدعاء نبيك "، وهو القول الراجح، والذى جعله راجحًا على الوجه الأول ما يلى:
١) لو كان توسل الرجل الضرير إلى الله - تعالى- بذات النبي -ﷺ- لما تكلَّف المشقة بالإتيان إلى النبي ﷺ، بل كان يفعل ذلك في بيته.
٢) قد ورد في ألفاظ الحديث ما يبطل الدعوى أن توسل الرجل كان بجاه النبي ﷺ، كما فى قول الرجل: " ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي "، وإصراره على ذلك بقوله: (فادع) ففى ذلك التصريح بطلبه الدعاء من النبي ﷺ، وكذلك في قول النبي ﷺ: " وإن شئتَ دعوتُ " (^١)
٣) قول الرجل " تُشَفِّعُنِي فِيهِ، وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ "، فقوله " تُشَفِّعُهُ فِيَّ ":
فيه سؤال الرجل ربه - ﵎- أن يقبل دعاء النبي - ﷺ - وشفاعته له.
وهذا مما ييعد جدًا حمله على التوسل بذاته ﷺ، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته ﷺ فيَّ، أي اقبل دعائه فيَّ أن ترد عليَّ بصري.
وقوله " تُشَفِّعُنِي فِيهِ ": أي اقبل دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ، أي دعاءه في أن ترد عليَّ بصري.
قال المناوي:
سأل الله -تعالى- أولًا أن يأذن لنبيه أن يشفع له، ثم أقبل على النبي - صلى اله عليه وسلم- ملتمسًا شفاعته له، ثم كر مقبلًا على ربه أن يقبل شفاعته. والباء في بنبيك للتعدية، وفي بك للاستعانة.
وقوله: "اللهم فشفّعهُ فيّ " أي: اقبل شفاعته في حقي، والعطف
_________________
(١) ومن التحريف الذى عمد إليه الشيخ الغماري قوله في "المصباح" (٢٤): (قوله ﷺ: " وإن شئتَ دعوتُ ": أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره).
[ ٢ / ٧١٦ ]
على مقدر، أي: اجعله شفيعًا لي فشفّعه " (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقوله في دعائه " اللهم فشفعه فيَّ " دل ذلك على أن معنى قوله: " أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد " أي بدعائه وشفاعته. (^٢)
٤) لو كان توسل الرجل الضرير بجاه النبي - ﷺ - لرأينا الجمع الغفير من الأكِفّاء بعد حياة النبي - ﷺ - يتوسلون بذات النبي - ﷺ - طلبًا للشفاء. فلما تركوا ذلك مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع دل على عدم المشروعية.
٥) ومما يؤيده:
أن الرجل الضرير قد توسل بدعاء النبيﷺ- له، وليس بجاهه؛ أن علماء السير قد ذكروا هذه الحادثة في باب معجزات النبي ﷺ، ومن هؤلاء:
القاضي عياض في كتابه " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (ص/٣١٦)، والبيهقي في " دلائل النبوة " (٦/ ١٦)
٦) كذلك يقال:
إن حمل الحديث على أن الرجل قد توسل بدعاء النبي -ﷺ - هو الموافق لفهم الصحابة ﵃؛ فهكذا قد فهمه عمربن الخطاب - ﵁ - يوم استسقى بالعباس - ﵁ - عام الرمادة، وهكذا فهمه معاوية بن سفيان - ﵁ - يوم استسقى بيزيد بن الأسود الجُرَشى. (^٣) وحمل النص على فهم الصحابة - ﵃ - وإجماعهم مقدَّم على حمله على فهم من سواهم.
* قالوا:
قد روى البخاري عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - ﵁ - قوله:
«اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ
_________________
(١) وانظر فيض القدير (٣/ ١٣٧٦) وغاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٤٠٠)
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٢٥)
(٣) قد استسقى معاوية بن أبي سفيان بيزيد بن الأسود الجُرَشى، وقال: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا. يا يزيد، ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ودعا، ودَعْوا، فسقوا " وهذا قد عزاه الحافظ له ولأبي زرعة الرازي في تاريخه وصحح إسناده في " الإصابة " (٣/ ٦٧٣)، ورواه الفسوي في المعرفة والتاريخ "٢/ ٣٨٠، ٣٨١" وابن سعد في الطبقات "٧/ ٤٤٤"، وأبو زرعة في تاريخ دمشق "١/ ٦٠٢". قال الحافظ العسقلاني: رواه أبو زرعة الدمشقي ويعقوب بن سفيان في تاريخهما بسند صحيح. وقال الألباني في " التوسل أنواعه وأحكامه " (ص/٤١): " رواه ابن عساكر في تاريخه بسند صحيح ".
[ ٢ / ٧١٧ ]
إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» (^١)
فأخبر أن الصحابة -﵃- قد توسلوا بجاه النبي - ﷺ، وكذلك قد توسل عمر بن الخطاب بِجاه العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵄. * والجواب:
أولًا:
أن المجمل في رواية البخاري من قول عمر بن الخطاب ﵁:
«اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، » قد بينته الأحاديث الأخرى،
كما في حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁- أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ المِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، فَقَالَ:
«اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا» (^٢)
فيتضح بذلك أن الإجمال في قول عمر بن الخطاب ﵁:
" إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا " قد جاء مبينًا في حديث أنس ﵁، فدل ذلك على أن توسل الصحابة -﵃- إنما كان بدعاء النبي ﷺ، وليس بذاته أو جاهه كما يدَّعى من جوَّز ذلك.
* ثم يقال:
لو كان توسل الرجل الضرير بذات النبي - ﷺ- لما انقطع ذلك بموته؛ ولما غفل الصحابة - ﵃- عن مثل هذا الأمر، وقد مر بهم من الفتن ما يضاهي قطع الليل المظلم، من قحط واقتتال ودماء، بل قد عدل عمر بن الخطاب -﵁- عام الرمادة عن ذلك إلى التوسل بدعاء العباس ﵁، مع أن الأمر المجمع عليه هو علو وسبق جاه النبي - ﷺ- على دعاء العباس ﵁.
وقد وافقه جمهور الصحابة - ﵃ - على ذلك فكان ذلك منهم كالإجماع على عدم الجواز؛ وهذا من أظهر الإجماعات الإقرارية.
فإن تركهم له مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع لهو أقوى الأدلة على المنع.
فدل هذا على أن التوسل المشروع
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠١٠)
(٢) أخرجه البخاري (١٠١٣) باب إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم.
[ ٢ / ٧١٨ ]
عندهم هو التوسل بدعائه، وبشفاعته، لا السؤال بذاته، ولا بجاهه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فعدول عمر والصحابة عن هذا إلى هذا وما يشرع من الدعاء وينفع عمَّا لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير الخير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه. (^١)
قال الألوسي:
لو كان التوسل به ﵊ بعد انتقاله من هذه الدار لما عدلوا إلى غيره، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أدنى مساغ لذلك. (^٢)
* وتأمل لترى جماهير الصحابة -﵃ - يوافقون عمر بن الخطاب على اجتهاده حين عدل عن التوسل بجاه النبي - ﷺ - إلى التوسل بدعاء العباس ﵁، دون أن يخرج منهم ولو واحد ليراجع عمر في ذلك، فهل تراهم سكتوا عن اظهار الحق خشية من عمر؟
فهل هذا ظنك فيهم؟ وقد نزل فيهم قول الله تعالى (لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ) (^٣) * وانظر إلى حال الصحابة -﵃- يوم أن تقدم أبُو بَكْرٍ -﵁فصلى بالناس، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ. (^٤)
الشاهد أن الصحابة - ﵃ - ما استساغوا تقديم أحد - ولو كان صديق الأمة - على
_________________
(١) الاستغاثة في الرد على البكري (ص/١٠٨)
(٢) روح المعاني (٣/ ٢٩٦)
(٣) قال الحسن البصرى عن قول تعالى ﴿فَسوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ [﵃]. تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٣٥)
(٤) متفق عليه.
[ ٢ / ٧١٩ ]
الرسول ﷺ، فكيف لهم أن يقرّوا عمر بن الخطاب - ﵁- أن يقدِّم أحدًا - ولو كان العباس - على جاه الرسول - ﷺ- إذا كان ذلك مشروعًا؟!!
* قالوا:
إنَّ فعْل عمر حين توسل بالعباس ليس لعدم مشروعية التوسل بجاه الرسول - ﷺ؛ بل لأجل بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، ولرعاية حق قرابته من النبي ﷺ، دل على ذلك قول العباس في دعائه: " وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك "!!
* والرد على ذلك:
قد ذكرنا قريبًا أن الإجمال الوارد في قول عمر بن الخطاب ﵁:
" إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا " قد جاء مبينًا في حديث أنس ﵁، مما دل على أن توسل الصحابة - ﵃- إنما كان بدعاء النبي ﷺ.
وعليه فترك الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب - ﵃- التوسل بالنبي - ﷺ - إنما كان لموته، لا غير.
وعليه فقول العباس في دعائه:
: " وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك "، ليس بيانًا لسبب العدول عن التوسل بالنبي ﷺ إلى العباس، على ما جركم إليه فهمكم، بل لبيان سبب وقوع الاختيار على العباس -﵁- دون غيره من الناس ليكون هو المتوسَل بدعائه عند الصحابة ﵃.
* وأما الزعم العجيب أنَّ عمر -﵁- حين توسل بالعباس -﵁- لأجل بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل فيقال:
لك أن تتصور أن عمربن الخطاب -﵁- يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعًا وعطشًا لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سُمَّي ذاك العام بعام الرمادة، إضافة عن عظم المسئولية الملقاة على عاتقه وهو الراعى المسئول عن الأمة.
كل ذلك ثم يَرِد في خاطره تلك الأطروحة الفلسفية في هذا الظرف العصيب، فيدع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي ﷺ، لو كان ذلك جائزًا
[ ٢ / ٧٢٠ ]
ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل!!
* إن الشاهد والمعلوم أن الإنسان إذ حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذ كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله - تعالى - وحده في أوقات العسر،
كما قال ﵎: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥» (العنكبوت: ٦٥)
فنعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الملمات والمضايق، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر.
* ثانيًا نقول:
أن المجمل في رواية البخاري من قول عمر بن الخطاب ﵁:
" وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا "، قد ورد مبينًا عند عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ، اسْتَسْقَى بِالْمُصَلَّى، فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ، وفى رواية " يا أبا الفضل؛ قمْ فادع ". (^١)
فدل ذلك على أن قول عمر بن الخطاب ﵁:
" وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا "، أى نتوسل إليك بدعاءه.
قال ابن حجر:
فتبين بهذا أن في القصة المذكورة أن العباس كان مسئولًا، وأنه ينزل منزلة الإمام إذا أمره الإمام. (^٢)
* شبهة أخرى:
عَنْ مَالِكِ الدَّارِ- وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ عَلَى الطَّعَامِ- قَالَ:
أَصَابَ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٩١٣)، وكان مما دعا به العباس ﵁: " اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال "
(٢) فتح الباري (٢/ ٧٠٤)
[ ٢ / ٧٢١ ]
النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ الحديث. (^١)
* والرد على ذلك من وجوه:
الأول:
هذا الأثر منكر يغلب عليه الوضع، وقد أُعلَّ بعلل متعددة، نذكر منها:
١) جهالة الرَّجل الذي أتى إلى قبر النبيِّ ﷺ.
وما ورد من تسميته ببلال بن الحارث المُزَني، وعدُّه من الصحابة، فلا يصح؛ لأنه من رواية سيف بن عمر التميمي، وقد قال عنه ابن حبان:
يروي الموضوعات عن الأثبات، وكان يضع الحديث. (^٢)
٢) جهالة مالك الدار؛ لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط،، وقد أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢١٣) ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول.
وقال الحافظ المنذري في "الترغيب" (٢/ ٤١ - ٤٢) ومالك الدار لا أعرفه). وكذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٢٥) والألبانى. (^٣)
الثانى:
على فرض صحة هذا الأثر فلا يكون حجة لمن جوَّز التوسل بالنبي -ﷺ- بعد موته وذلك لنكارة متنه؛ وذلك لأن مثل هذا الأمر لم يفعله أحد من الصحابة
_________________
(١) أخرجه البيهقى في دلائل النبوة (٧/ ٤٧) وابن أبي شيبة في المصنف (٣٢٠٠٢)
(٢) هو سيف بن عمر التميمي البرجمي، ويقال السعدي ويقال الضبعي ويقال الأسدي الكوفي، قال عنه أبو حاتم: " متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي"، وقال أبو داود: " ليس بشيء "، وقال النسائي، والدارقطني ضعيف وقال ابن عدي بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها. قال الحاكم اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط. وانظر المجروحين (١/ ٣٤٥) والميزان (٢/ ٢٥٦) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٩٦)
(٣) وانظر مسند الفاروق عمر بن الخطاب لابن كثير بتحقيق إمام بن علي بن إمام (١/ ٣١٩) والتوسل: أنواعه وأحكامه (ص/١١٨)
[ ٢ / ٧٢٢ ]
- ﵃- رغم ما مر بهم من فتن كقطع الليل المظلم، من قحط واقتتال ودماء، فتركهم له مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع لهو أقوى الأدلة على المنع.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة:
وأصحاب رسول الله - ﷺ - قد أجدبوا مرَّات، ودَهَتهم نوائب غير ذلك، فهلاَّ جاؤوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبيِّ ﷺ؟! (^١)
* ثم يقال:
كيف يُستدل بأثر ينبنى على فعلٍ لرجل مجهول، وهو من أتى القبر الشريف متوسلًا بالنبي ﷺ، ونترك سنة الفاروق عمررضي الله عنه - الذى لنا فيه سنة متبعة بنص حديث النبي ﷺ؟!!
ففى عام الرمادة سنة ثمان عشرة لما وقعت المجاعة بالمسلمين في المدينة قد عدل عمر بن الخطاب - ﵁- عن التوسل بالنبي ﷺ، وتوسل بدعاء عمه العباس ﵁.
* أضف إلى ذلك:
أنها رؤيا منام، والرؤى لا تُبنى عليها أحكام شرعية، اللهم إلا رؤى الأنبياء، فإنها وحي، كما هو مقرَّر عند أهل العلم.
قال الدَّميري:
ولو قال شخص: رأيتُ النبيَّ ﷺ في النوم، وأخبرني أن الليلة أول رمضان!! لا يصح الصوم بهذا لصاحب المنام ولا لغيره بالإجماع، كما قاله القاضي عياض، وذلك لاختلال ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية. (^٢)
* ومن شبهاتهم:
قالوا: إن النبي - ﷺ - حيُّ في قبره، فلذلك نحن نتوسل به ليشفع لنا عند ربنا!! (^٣)
والجواب:
الذى عليه أهل السنة أن النبي - ﷺ - قد مات كما يموت آحاد البشر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ (الأنبياء:
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٩٧):
(٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٢٧٤):
(٣) وقد كتب فى ذلك عبد الله الصديق الغماري مقالًا بعنوان " نبي الله - ﷺ- حي في قبره " والتوسل بالحي لا خلاف عليه فتوسلوا به "، وهو مقتبس من مجلة: " المسلم " (ص ١٢ - ١٦) *وكذلك قد نافح عن ذلك في كتابه "إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي ".
[ ٢ / ٧٢٣ ]
٣٤)، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (الزمر: ٣٠) - إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله -تعالى - قد توفاه إليه.
ولأن الصحابة - ﵃ - قد غسَّلوه وكفَّنوه وصلَّوا عليه ودفنوه، ولو كان حيًا حياته الدنيوية ما فعلوا به ما يفعل بغيره من الأموات.
وهو الآن حيُّ في قبره حياة برزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله ﷾، وليست من جنس حياة أهل الدنيا، ولا تخضع لقوانينها، ومن الخطأ المبين قياس حياة الأنبياء في البرزخ على حياتهم في الدنيا، وهذا قياس باطل مخالف للكتاب والسنة والواقع.
نعم، الأنبياء أحياء في قبورهم، وأجسادهم لا تبلى، والنص والإجماع منعقد على هذا كما حكاه غير واحد، منهم ابن حزم والسخاوي وغيرهم.
فليس هذا هو محل الخلاف، وإنما محل الخلاف بيننا وبينكم في كيفية هذه الحياة، فالذى عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع أنها حياة برزخية غيبية، لها كيفية لا يعلمها إلا الله تعالى.
وفي الختام: " نقاط مهمة ":
الأولى:
قد ثبت عنه ﷺ أنه قال:
" ما تركتُ شيئًا يُقربكم إلى الله إلا أمرتكم به " (^١)، فلو كان التقرُّب بجاه النبي -ﷺ - قربة من القرب التى يُتوصل بها إلى الله تعالى، فلِمَ ترك النبي - ﷺ- الأمر بها؟؟!!
الثانية:
هل مسألة التوسل بالجاه علمها الصحابة -﵃- أم لا؟
فإن كانو قد علموه، فلِمَ لم يعملوا به مع ما ألّم بهم من الملمَّات والمضايق؟!
وإن كانوا لم يعلموه ولم يهتدوا إليه وهم خير قرون الأمة علمًا وعملًا، فهل فُتح لكم من سبل
_________________
(١) أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١٦٤٧)، وذكره ابن كثير في تفسيره بصيغة الجزم دون أن يعلَّق عليه واستشهد بالحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه - وانظر تفسير القرآن العظيم (٥/ ١٤٣) ومجموع الفتاوى (٥/ ١٥٦) والسلسلة الصحيحة (ح/ ٢٨٦٦)
[ ٢ / ٧٢٤ ]
الخير والتوفيق ما لم يفتح عليهم؟!!
الثالثة:
ثبت بالأدلة الشرعية أن التوسل عبادة؛ وذلك أن الله - تعالى- قد أمر به، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]، والله لا يأمر إلا بما يحب.
فلما كان التوسل عبادة، وكان الأصل فى العبادات التوقيف، صار من ادعى مشروعية التوسل بالجاه مطالبًا بالدليل الصريح الصحيح، وإلا كان قائلًا على الله -تعالى- بغيرعلم، وهذا من سبل الشيطان، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة ١٦٨ - ١٦٩)
* الرابعة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم، ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم تكن نفس ذواتهم سببًا يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولًا عن النبي ﷺ نقلًا صحيحًا، ولامشهورًا عن
السلف، ولاريب أن لهم عند الله الجاه العظيم - كما قال تعالى في حق موسى وعيسى ﵉، وقد تقدم ذكر ذلك - لكن مالهم عند الله من المنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا لهم، فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل. (^١)
* الخامسة:
العجب مما تراه من هؤلاء الذين يدندنون حول العواطف ودغدغة المشاعر الخاوية عن الأصول العلمية ومشكاة النبوة، فيتهمون أهل السنة الذين لا يجوِّزون التوسل بجاه النبي - ﷺ - بأنهم ما قدروا النبي - ﷺ - حق قدره، وما أحبوه حق
_________________
(١) وانظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٢٩٩) ومنهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص/١٨٤) والرد على شبهات المستعينين بغير الله (ص/٩٢)
[ ٢ / ٧٢٥ ]
محبته، إلى غير ذلك من التهم. (^١)
ومثل هذا لا يملُّون من ذكره في نازلة، كالاحتفال بالمولد النبوى وتجويز الاستغاثة بالرسول ﷺ، فكل من عارضهم فهو عندهم مجروح في محبته وولاءه للنبي ﷺ.
ولا شك أن هذه طريقة المفلسين الذين يراهنون على مشاعر العامة لكسبهم في صفهم.
ولاشك أنه ما وطيء الثري أناس أحبوا الرسول - ﷺ- أمثال الصحابة ﵃، ومع ذلك فما وجدنا واحدًا منهم يفعل ما يفعله هؤلاء المدَّعون، فالمحبون حقًا هم المتبعون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
اتخاذ مولد النبي - ﷺ - عيدًا مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف - ﵃ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا. ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. (^٢)
السادسة:
لا يقال ببدعية من ذهب إلى القول بالتوسل بجاه النبي ﷺ، بل المسألة خلافية لا يبدَّع فيها المخالف.
قال شيخ لإسلام ابن تيمية:
وأما القسم الثالث مما يسمى " توسلًا " فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي - ﷺ - شيئًا يحتج به أهل العلم، وهو
_________________
(١) كما افترى مثل ذلك محمد سعيد البوطي في كتابه "فقه السيرة" (ص ٣٥٤) فقال ما نصه: (فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﷺ، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته ﵌ بعد وفاته)
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٢٣)
[ ٢ / ٧٢٦ ]
السؤال بالأنبياء والصالحين، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي - ﷺ - شيئًا ثابتًا لا في الإقسام أو السؤال به. وإن كان في العلماء من سوَّغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه، فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله. (^١) قال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق:
ونحن وإن قلنا بالمنع من التوسل به ﷺ بهذا اللفظ أو نحوه لما نعتقده من أصحية المنع، فنحن مع ذلك لا نشدد في ذلك على من فعله مستدلا بالحديث فضلًا عن أن نكفره. (^٢)
السابعة:
ما ادعاه السبكى من القول بأن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- لم يسبقه أحد إلى القول بإنكار التوسل بجاه النبي -ﷺ - يرده ما ورد عن أبي حنيفة من قوله بالمنع من ذلك، فقد كره أبو حنيفة قول " بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك "؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق تعالى. (^٣)
وقال المرتضى الزبيدى: وقد كره أبوحنيفة وصاحباه أن يقول الرجل:
" أسالك بحق فلان ". (^٤)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
قولهم: أسألك بجاه نبينا أو بحقه، فإن هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله، ولم يكن مشهورًا بينهم، ولا فيه سنة عن النبي ﷺ، بل السنة تدل على النهى عنه كما نقل ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. (^٥)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٦)
(٢) وانظرالمنارة (ص/٥٠) والتوسل بالصالحين بين المجيزين والمانعين (ص/٧٠)
(٣) وانظر رد المحتار على الدر المختار (٦/ ٣٩٧) ودرر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٢١)
(٤) اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (٢/ ٢٨٥)
(٥) وانظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٣٠٩) والعجيب أن كاتب رسالة "مفاهيم يجب أن تصحح" قد ادعى أن شيخ الإسلام يجوِّز التوسل بالنبي ﷺ، ونقل عنه ما نصه: أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك من ما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين [الفتاوى الكبرى ١/ ١٤٠] وهذا في الحقيقة تحريف وتبديل، وبتر لكلام شيخ الإسلام؛ ليوهم أنه ساوى بين التوسل بدعائه وشفاعته ﷺ حيًا وميتًا.؛ فقد قال شيخ الإسلام بعد قوله الذي نقله الكاتب: "وكان الصحابة -﵃- يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به" اهـ. فهذا التفسير للإجمال السابق لابد من ذكره ونقله، وفيه أن التوسل به في حياته يكون بدعائه لمن طلب منه الدعاء. وانظر هذه مفاهيمنا (ص/٧٨)
[ ٢ / ٧٢٧ ]
* الثامنة:
قد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل قوله بالتوسل بالنبي ﷺ، قال في منسكه الذي رواه عنه المروزي ما نصه:
وسل الله حاجتك متوسلًا إليه بنبيهﷺ- تُقْضَ من الله ﷿. (^١)
وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وأفاض في توجيه هذا الكلام، وحمل التوسل الذي يجيزه الإمام أحمد على الإقسام على الله - تعالى - بذات النبي ﷺ. (^٢)
تم بحمد الله.
_________________
(١) وذكر معناه برهان الدين بن مفلح في المبدع (٢/ ٢٠٤) وقريب منه ما في الإقناع للحجاوي (١/ ٢٠٨) والفروع لشمس الدين ابن مفلح (٢/ ١٥٩) وغيرهم.
(٢) وهذا الذى رجحه شيخ الإسلام إنما هو باعتبار أن الإمام أحمد قد ورد عنه في الإقسام على الله - تعالى - بالنبي ﷺ روايتان: رواية بالمنع، وهي الموافقة لمذهب الجمهور. ورواية بالجواز، وهي المخالفة لمذهب الجمهور. وعلى رواية الجواز حمل شيخ الإسلام قوله بجواز التوسل إلى الله - تعالى بنبيه - ﵌. . قد استفاض شيخ الإسلام في مناقشة تلك الرواية القائلة بجواز الإقسام، وبين أنها على خلاف الحق، وأن الأدلة الشرعية قاضية بالمنع، وأن الصحابة -﵃- لم تكن تعرفه، ونقل عن أهل العلم تحريم هذا الصنيع، الذى هو" القسم على الله بمخلوق ". وانظر الرد على الأخنائي (ص ١٦٨) وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/١٢٢)
[ ٢ / ٧٢٨ ]