[ ١ / ٥٤٧ ]
*نص حديث الباب:
* عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ - أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ - فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ:
أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ،
قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ
[ ١ / ٥٤٩ ]
السَّائِلِ» قَالَ:
فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ:
«أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»
*تخريج حديث الباب:
أخرجه البخاري (٥٠) كِتَابُ الْإِيمَانَ بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ.
ومسلم (٩) كِتَابُ الْإِيمَانَ بَابُ: معرفة الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، والقَدَرِ وَعَلَامَةِ السَّاعَةِ. (^١)
*أهمية حديث الباب:
لا شك أن هذا الحديث يعد أصلًا من أصول هذا الدين وعمادًا من أعمدته التى تنير درب السالكين في مدارجهم لشرائع دين الإسلام.
قال القاضى عياض:
وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه، وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاث ألفنا كتابنا الذى سمَّيناه بـ"المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان "، إذ لا يشذ شئ من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات
_________________
(١) وقد ذكرنا في حديث الباب لفظ الإمام مسلم ﵀؛ فهو من أتم وأكمل المواضع التى جمعت ألفاظ حديث جبريل ﵇. وهذا مما خص الله -تعالى- به مسلمًا عن غيره من أصحاب الحديث. قال ابن حجر: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل؛ وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير بقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق عن النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه وحفظت منهم أكثر من عشرين إمامًا ممن صنف المستخرج على مسلم فسبحان المعطي الوَّهاب. تهذيب التهذيب (٥/ ٤٢٦)
[ ١ / ٥٥٠ ]
والمكروهات عن أقسامه الثلاث. (^١)
قال النووي:
واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعًا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام. (^٢)
قال القرطبي:
فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم الكتاب؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن. (^٣)
* شرح فوائد حديث الباب:
تبدأ قصة حديث الباب لما توجه يحيى بن يعمر وصاحبه حميد عبدالرحمن إلى عبدالله بن عمررضي الله عنهما- يسألانه عن فتنة من الفتن الى أطلت برأسها في أواخر عصر الصحابة ﵃، وهى فتتنة القول بنفي القدر، وأن الله -تعالى - لم يخلق أفعال العباد.
وهذا هو معنى قول يحْيَى بْنِ يَعْمَرَ في أول حديث الباب:
" كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ " (^٤)، أى أنه تكلم في القدر نفيًا له،، وقول الراوى: " يزعمون أنَّ الأمرَ أُنف "، أي:
مستأنف لم يسبق لله - تعالى - فيه علم، وقد عُرف أصحاب هذه البدعة فيما بعد باسم " القدرية "؛ وسمُّوا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه.
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٢٠٤) ورسالة " المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان " للقاضى عياض قد ذكرها ابنه، وقال: إنه لم يكملها، ويغلب على الظن أنها مفقودة، فلم أجد لها ذكرًا فى غير هذين الموضعين. الديباج المذهَّب في معرفة أعيان علماء المذهب (٢/ ٤٩)
(٢) صحيح مسلم شرح النووي (١/ ١٩٤)
(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ١٥٢)
(٤) يحيى بن يعمر أبوسليمان العدواني الفقيه، العلامة، أحد قرَّاء البصرة، وقاضي مرو. حدَّث عن: عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعدة. وقرأ القرآن على: أبي الأسود الدؤلي. قيل: إنه كان أول من نقَّط المصاحف، وذلك قبل أن يوجد تشكيل الكتابة بمدة طويلة، وكان ذا لسان وفصاحة، توفي قبل التسعين. وانظروفيات الأعيان (٦/ ١٧٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٢)
[ ١ / ٥٥١ ]
وأهل السنة والجماعة على أن الله -تعالى - يعلم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه، وقدرته، وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة ﵃.
وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها.
قال القرطبي:
قد انقرض هذا المذهب، ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين، والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مذهب باطل، مع كونه أخف من المذهب الأول.
وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد، فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سلم القدري بالعلم خصم. يعني يقال له:
أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟، فإن منع، وافق قول أهل السنة، وإن أجاز، لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك. (^١)
وحديث الباب يفيد أن معبدًا هو أول من قال بالقدربالبصرة، وتكاد المصادر التى ترجمت لمعبد أن تُجمع على ذلك، وأن معبدًا قد تشَّرب ذلك المنهج الضال من رجل من أهل البصرة كان نصرانيًا، فأسلم، ثم تنصَّر يقال له: سيسويه أو سوسن، وهو من أبناء المجوس، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وابن الأثير وأبوحاتم وغيرهم.
وكان من حسنات الخليفة عبد الملك بن مروان أنه أمر بقتل معبد الجهنى. (^٢)
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١٧٢)
(٢) ومعبد الجهني هذا بخلاف الصحابي معبد بن خالد الجُهني، أبو زرعة. الذى له صحبة ورواية، كما نص على ذلك ابن أبي حاتم. قال ابن حجر: وقيل: هو هو، وهذا باطل، فإن القدري وافق هذا الصحابي في اسم أبيه ونسبه، واختلف في اسم أبيه، فقيل خالد مثل الصحابي، وقيل عبد اللَّه بن عويم، وقيل عبد بن عكيم. انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٤) والبداية والنهاية (٩/ ٣٤) وتاريخ الإسلام (٢/ ١٠٠٦) والإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ١٣٠)
[ ١ / ٥٥٢ ]
أقسام التبرؤ في الشرع
*عود إلى حديث الباب:
قَال ابن عمر ﵄:
" فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بالقدر" بِالْقَدَر"
هنا قد تبرأ ابن عمر -﵄- من هؤلاء الضآلين الذين خاضوا في تلك البدعة الكفرية، والتبرؤ يأتى في الشرع على نوعين:
١ - تبرؤ من الشخص:
وهذا كما يقع من الأنبياء والمؤمنين حينما يتبرؤن من المشركين، وقد وردت سورة كاملة باسم "سورة التوبة " أو كما هى مشهورة باسم "سورة براءة "، في التبرؤ من أعيان المشركين، قال تعالى (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) (التوبة/٢)
وكذلك الخليل إبراهيم -﵇- لما تبرأ من أبيه وقومه، كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) (الزخرف/٢٦)، فهذا تبرؤ من الشخص لمفارقته أهل الإيمان بالكلية.
وكذلك يقال في قول الله تعالى ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء/٢١٦)
٢ - تبرؤ من الفعل:
وهذا يكون فيمن فعل فعلًا فيه مخالفة شرعية، لكنها لا تُخرجه من دائرة الإسلام، فالتبرؤ هنا يكون من فعله لا من شخصه، ولهذا أمثلة كثيرة:
أ) لما بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ -﵁إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، فلما علم النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ» (^١)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١٨٩)
[ ١ / ٥٥٣ ]
فهنا قد تبرأ الرسول -﵊ - مما صنع خالد ومن عمله ﵁، دون شخص خالد، وذلك لأن خالدًا كان متأولًا معذورًا عند الله تعالى، ولم يكن ذلك منه معصية تعمد فعلها، بل محض خطأ أداه إليه اجتهاده، ومما يدل على ذلك أن النبي - ﷺ - لم يعزله بعد ذلك عن قيادة الجيش.
ب) عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ ". (^١)
* وهنا يقال:
إن قول ابن عمر - ﵄ - في هؤلاء الذين قالوا بنفي القدر «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي» يبين أن التبرؤ هنا إنما هو من القسم الأول؛ يدل عليه قوله: «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»
فمثل هذا المعنى قد ورد في الكتاب والسنة فى حق الكافرين.
فمن الكتاب قول تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ)، قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة/٣٦)
وقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: ٤٧)
ومن السنة:
ما ورد في حديث أنَسَ بْنَ مَالِكٍ﵁- أنِّ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ:
" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي ". (^٢)
_________________
(١) متفق عليه. السالقة، والصالقة لغتان، وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة.
(٢) متفق عليه. وقد دلت الأدلة الشرعية وإجماع الأمة على كفر القدرية من نفاة علم الله تعالى.
[ ١ / ٥٥٤ ]
*عود إلى حديث الباب:
قول. عُمَرُبْنُ. الْخَطَّابِ. رضى. الله. عنه:
" بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ "
ومن الفوائد هنا أن جبريل -﵇ - قد جاء إلى النَّبِيِّ - ﷺ - في صورة بشرية، حتى قد رأه الصحابة - ﵃- بأعينهم، فظنوا أنه رجل من خارج المدينة، ولكن الذى جعلهم يستغربون أمره أنه شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، ولا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من صحابة النبي ﷺ.
والملائكة مخلوقات نورانية له أجنحة، قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١» (فاطر/١)
وعن عبدالله بن مسعود -﵁- قال: رأى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - جبريلَ في صورتِه على السِّدرةِ لهُ ستُّمائةِ جَناحٍ. (^١)
*وفي حديث الباب قد أتى جبريل -﵇- إلى النبي - ﷺ - في صورة بشرية، ومجئ الملائكة في الصورة البشرية قد ورد في غير ما موضع في الكتاب والسنة، كما في قصة إبراهيم ﵇، قال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (الذاريات /٢٥)، وكذلك في قصة لوط ﵇، كما قال تعالى (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (الحجر/٦٢).
وفي قصة مريم ﵍، قال تعالى (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (مريم /١٧) وورد كذلك في قصة الأبرص والأقرع والأعمى، والأمثلة كثيرة.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ٥٥٥ ]
وقد كان جبريل -﵇- كثيرًا ما يأتى النبيَّ - ﷺ - في صورة الصحابي الجليل دحية الكلبى ﵁:
ففى حديث أُمّ سَلَمَةَ -﵂- أن جبريل -﵇ - جعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا؟» أَوْ كَمَا قَالَ، قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، فَلَمَّا قَامَ، قَالَتْ:
وَاللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ. (^١).
*عودٌ إلى حديث الباب:
قَالَ جبريل: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ
وهنا فوائد: الفائدة الأولى:
١) قول جبريل -﵇- " يا مُحَمَّد "، حيث ناداه باسمه المجرد، وإنما فعل ذلك لأنه أراد التعمية على السامعين، فصنع صنيع الأعراب. (^٢)
٢) * الفائدة الثانية:
شهادة " أن لا إله إلا الله ": تشمل على أنواع التوحيد الثلاثة " توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات ".
فهي تدل على توحيد الألوهية بدلالة المطابقة، لأن معنى " لا إله إلا الله ": أي لا معبود بحق إلا الله.
وهى تدل على التوحيد ربوبية بدلالة التضمن؛ لأنَّ مَن عبد الله -تعالى- ولم يشركْ به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.
_________________
(١) متفق عليه. ودحية الكلبي هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي، صاحب النبي -ﷺ- ورسوله بكتابه إلى عظيم بصرى، ليوصله إلى هرقل. أسلم دحية قبل بدر، ولم يشهدها، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان يشبه بجبريل، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُوْلُ: (يَأْتِيْنِي جِبْرِيْلُ فِي صُوْرَةِ دِحْيَةَ، وَكَانَ دِحْيَةُ جَمِيْلًا) أورده الحافظ في الإصابة عن النسائي، وصحح إسناده. قال الذهبي: لا ريب أن دحية كان أجمل الصحابة الموجودين بالمدينة، وهو معروف، فلذا كان جبريل ربما نزل في صورته. وقد شهد دحية اليرموك، وقد نزل دمشق وسكن المنزّة، وعاش إلى خلافة معاوية. وانظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٥٠) والإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٣٢١)
(٢) النكت على صحيح البخاري (٢/ ٩)
[ ١ / ٥٥٦ ]
وقد ورد هذا المعنى في أول أمر في القرأن في قوله تعالى (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١» (البقرة/٢١) فالذى انفرد بالخلق هو المستحق للعبادة دون غيره.
قال ابن القيم:
والإلهية التى دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هى العبادة والتأليه، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذى أقر به المشركون، فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلوهية. (^١)
ومعنى كلام ابن القيِّم أنَّ الله - تعالى - احتجَّ على المشركين بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية والعبادة لا العكس، فتبيَّن بذلك أنَّ توحيد الربوبية والأسماء والصفات وحده لا يكفي لإدخال صاحبه في الإسلام، ولا يُنقذه من النار، ولا يعصم مالَه ودمه إلاَّ بتوحيد الألوهية والعبادة.
*وكذلك فإن شهادة " أن لا إله إلا الله ":
تدل على توحيد الأسماء والصفات بدلالة المطابقة، لشمولها على اسم الله عزوجل، ودلالة التضمن لأن الأدلة الشرعية قد دلت على إثبات الأسماء والتى تتضمن صفات الله تعالى، قال تعالى (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء/١١٠) فاسم " الله " يتضمن صفة الألوهية، والله مألوه أي معبود تحبه القلوب وتأله.
* الفائدة الثالثة:
قوله ﷺ " أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ "
وهكذا التوحيد الصحيح إنما ينبني على ركنين: " ركن النفي، ركن الإثبات". نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى، وإثبات الألوهية لله وحده لا شريك له، فالنفي المحض ليس بتوحيد، والإثبات المحض ليس بتوحيد، حتى يجمع بينهما.
والذي يستقرئ أدلة الكتاب والسنة يقف على هذا المعنى:
_________________
(١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٥)
[ ١ / ٥٥٧ ]
فمن الكتاب:
قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف/٢٧)، وكذلك قوله تعالى (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧» (الشعراء/٧٧)
وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل/٣٦)
وقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (النساء/٣٦)، وما من نبي إلا دعا قومه قائلًا (يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف/٥٩)
لذا فقد جاءت بعثة النبي -ﷺ- لتحقيق هذا الأصل، فعَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (^١)
ولَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ:
" يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ". (^٢)
فالمشركون الذين بُعث فيهم النبي - ﷺ- لم يشفع لهم ما حققوه من طرف خفي في باب توحيد الربوبية؛ (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)؛ وذلك لأنهم أهدروا توحيد الألوهية في إشراكهم بالله -عزوجل -بعبادة الطواغيت والأصنام وقالوا﴾ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴿فهم لم يعتقدوا في اللات والعزّى أنها تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت، وإنما جاء شركهم أنهم أشركوها في الدعاء والعبادة، كما قال تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥» (العنكبوت/٦٥)، وتبع ذلك إشراكهم فى توحيد الأسماء والصفات،
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٥٥٨ ]
وذلك لما اشتقوا من أسماء الله -تعالى - أسماءً لآلهتهم، فاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.
* عودٌ إلى حديث الباب:
قال ﷺ: " وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ":
وهذا هو الشق الثانى من الشهادة، أن تشهد أن محمدًا نبي الله ورسوله إلى العالمين، إنسهم وجنهم، المبشر به في التوراة والإنجيل، ونذكر من أدلة ذلك ما يلى:
قال تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح/٢٩)، وقال تعالى (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) (سبأ/٢٨)، وقال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (الأعراف/ ١٥٧)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ:
«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^١)
وعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵄ - فقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ؟
قَالَ: " أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا ". (^٢)
*وشهادة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رسول الله تقتضى طاعته فيما أمر ونهى؛ لأن طاعته من
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٣) باب وجوب إيمان أهل الكتاب برسالة الإسلام.
(٢) أخرجه البخاري (٢١٢٥)
[ ١ / ٥٥٩ ]
طاعة الله عزوجل، قال تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء/٨٠)
وعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي مَا هَذَا، عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ لَيْسَ هَذَا فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللهُ. (^١)
لذا فإن الشهادتين تشتملان على نوعين من التوحيد:
أ) توحيد العبادة:
وهذا لله -عزوجل- وحده لا شريك له، فلا معبود بحق إلا الله تعالى.
ب) توحيد الاتباع: وهذا للنبي - ﷺ - دون غيره، فلا متبوع بحق إلا رسول الله. * عودٌ إلى حديث الباب:
قال ﷺ: " وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًًا ".
فهذه التى ذكرها النبي - ﷺ - بعد الشهادتين هى أركان الإسلام.
وأما الصلاة فهى ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، والخلاف في حكم تاركها كسلًا خلاف عريض، وهذا إن دل إنما يدل على عظم هذا الركن.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁ - في حديث الإسراء المشهور، وفيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧١٧٤) وأبوداود (٤٦٠٤)، وانظر السلسلة الصحيحة (ح/ ٨٨٢) ومن فوائد هذا الحديث: قال الطيبي: في تكرير كلمة " ألا " توبيخ وتقريع، نشأ من غضب عظيم على من ترك السنة والعمل بالحديث استغناء بالكتاب، فكيف بمن رجح الراي على الحديث؟!! أ. هـ قوله ﷺ: " مُتَّكِئًا شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ ": أى على سريره، وفي ذلك إشارة إلى منشأ جهله وعدم اطلاعه على السنن، فرد كلام النبي - ﷺ - بقلة نظره، ودوام غفلته بتعهد الاتكاء والرقاد. وقال القاري: يعني الذي لزم البيت، وقعد عن طلب العلم، فهذه الصفة للترفه والدعة، كما هو عادة المتكبر المتجبر القليل الاهتمام بأمر الدين. وانظرعون المعبود (٧/ ٣٥) وتحفة الأحوذي (٦/ ٤٦٣)
[ ١ / ٥٦٠ ]
ﷺ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ.. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً) (^١) فكان فرض الصلاة حين عرج النبي -ﷺ - وذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات.
وفرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فلما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة أقرت صلاة السفر، وزيدت في صلاة الفجر، فصارت الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والعشاء أربعًا، وبقيت الفجر على ركعتين لأنه يطول فيها القراءة، وبقيت المغرب على ثلاث لأنها وتر النهار. (^٢)
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَرضي الله عنها- قَالَتْ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ». (^٣)
*وأما الزكاة:
فهى قرينة الصلاة في الكتاب والسنة، قال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
[البقرة: ٤٣]
وقال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة/١٠٣)
عَنِ ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (^٤)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ:
دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) وقد ذهب جماعة من أهل العلم أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة وإنما كانت ركعتان بالغداة وركعتان بالعشى يشهد لذلك قول الله تعالى: "واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا "سورة المزمل وقوله تعالى: "وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار" سورة غافر ثم قوله تعالى: "أرأيت الذى ينهى عبدا إذا صلى" سورة العلق.
(٣) متفق عليه.
(٤) متفق عليه.
[ ١ / ٥٦١ ]
دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قَالَ:
«تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا». (^١)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﷺ - قَالَ:
لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁:
وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا، وفي رواية " عَنَاقًا " (^٢) كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. (^٣)
وتطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو، والزكاة أمر مقطوع به في الشرع يُستغنى عن تكلف الاحتجاج له وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعه وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر.
*وتعريفها في الشرع:
إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مطلبي ثم لها ركن وهو الإخلاص وشرط هو السبب وهو ملك النصاب الحولي.
وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية، ولها حكم وهو سقوط الواجب في الدنيا وحصول الثواب في الأخرى، وحكمة وهي التطهير من الأدناس
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٩٧) بَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، ومسلم (١٤)
(٢) قوله (عناقا): هى الأنثى من ولد المعز التي لم تبلغ سنة. وأما رواية "عقالًا": فقد ذهب كثير من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير.
(٣) متفق عليه.
[ ١ / ٥٦٢ ]
ورفع الدرجة. (^١)
* ومما ورد في الترهيب من ترك الزكاة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ، وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. (^٢)
*وأما الصوم:
فقد فرضه الله -تعالى- في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وصام الرسول - ﷺ - تسعة رمضانات.
وقد فرض الله - تعالى- الصيام على ثلاث مراحل:
الأولى:
في السنة الأولى من الهجرة كان الفرض على المسلم هو صيام عاشوراء فقط، وذلك قبل فرض صيام رمضان، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄- قَالَ: «صَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ» (^٣).
الثانية:
في السنة الثانية من الهجرة فُرض رمضان، وكان فيها التخيير بين الصيام وبين الإطعام، لمن لا يريد الصيام، حتى نزل الحكم بفرضية الصوم على كل مستطيع، ولكن كان هذا الإلزام بالصيام على هيئة خاصة، نذكرها في المرحلة الثالثة.
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ:
" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا ". (^٤)
_________________
(١) تحفة الأحوذى (٣/ ١٩٥) وفتح الباري (٣/ ٢٦٢)
(٢) أخرجه مسلم (٩٨٧)
(٣) متفق عليه.
(٤) متفق عليه. وقوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية) المعنى الذين يستطيعون الصوم ويفطرون بدون عذر عليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا، وكان هذا أول ما فرض الصوم إذ كان المسلمون مخيرين بين الصوم والفدية، فلما نزل قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ نُسخ هذا الحكم، وأصبح الصوم هو المحتم على المستطيع.
[ ١ / ٥٦٣ ]
الثالثة:
إذا كان الرجل صائمًا وحضر الإفطار ونام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، يعني إذا غربت الشمس فإنه يحل له أن يفطر، ولكن إذا ناموا قبل الأكل فإنه يلزمه الإمساك إلى مغيب الشمس من الغد.
فعَنِ البَرَاءِ - ﵁ - قَالَ:
" كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ:
خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. (^١)
وعبادة الصوم من أجل وأعظم العبادات التى يتقرب بها العبد إلى ربه عزوجل، ولو لم يأت في فضل الصوم إلا قوله تعالى " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " (^٢) لكفى.
*ومما ورد في الترهيب من ترك الصوم:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
" بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ ثُمَّ انْطَلَقَا بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟، قَالَا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ. (^٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨١٦)، والترمذى (٢٩٦٨)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه ابن خزيمة (١٩٨٦) والحاكم (١٥٦٨)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم.
[ ١ / ٥٦٤ ]
قال الذهبي:
وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا غرض أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكُّون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال. (^١)
* ثم قال ﷺ: " وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ":
قال تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧» (آل عمران/٩٧)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ:
خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ " (^٢)
والحج من أجلِّ وأعظم العبادات التى تجمع بين الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، ولو لم يأت في فضل الحج إلا حديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - الذى قَالَ فيها: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٣) لكفى.
وقد انعقد إجماع الأمَّة على كون الحجِّ فرضًا على كلِّ مسلمٍ قادرٍ مرَّةً واحدةً في حياته، وأنَّ فرضيته ممَّا هو معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة؛ أي يكفُر من أنكره وجحده.
وقد فرض الله -تعالى - الحج كان في السنة التاسعة لما نزل قوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
_________________
(١) الكبائر (ص/٤٤)
(٢) أخرجه مسلم (١٣٣٧)
(٣) متفق عليه. قال القاضى: هذا من قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾. والرفث: الفحش فى القول، وقيل: الجماع، قال الله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾. وقيل: هو كناية عن الجماع، وقيل: الرفث: التصريح بذكر الجماع، قال الأزهرى: هى كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وكان ابن عباس يخصه بما خوطب به النساء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: و(الرفث) هو الجماع وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث فلهذا ميز بينه وبين الفسوق. وأما سائر المحظورات: كاللباس والطيب فإنه وإن كان يأثم بها فلا تفسد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين. إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٤٦٢) (٢٦/ ١٠٨)
[ ١ / ٥٦٥ ]
أركان التوحيد وأصوله
حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وقد حج النبي -ﷺ - حجة واحدة هى حجة الوداع، وهى التي لم يحج من المدينة منذ هاجر إليها غيرها، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة، وقد وردت أحداث هذه الحجة مفصلة في حديث جابر ﵁. (^١)
* فإن قيل:
إذا كان الحج قد فُرض -على الراجح - في العام التاسع، فلِمَ أخرّ النبي - ﷺ - حجه للعام العاشر؟؟؟
*فالرد من وجوه:
قيل: لأن العام التاسع كان عام الوفود، فلما أذعنت العرب وصاروا يأتون أفواجا إلى رسول الله - ﷺ - في المدينة فكان ﷺ في المدينة ليلتقي هؤلاء الوفود ليعلمهم دينهم ﵊.
وقيل: أنه في السنة التاسعة حج المشركون مع المسلمين فأراد النبي - ﷺ - أن يكون حجه خالصًا للمسلمين؛ ولهذا أذن في التاسعة ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. (^٢)
* عود إلى حديث الباب:
قَالَ جبريل: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ ﷺ:
«أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»
* أما الإيمان بالله فهو الاعتقاد الجازم بوجوده ﷾، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، والعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد.
_________________
(١) قال النووى: حديث جابر حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم. قال القاضي: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنَّف فيه ابن المنذر جزءً وخرَّج من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، لو تقصّى لزيد على هذا القدر قريب منه. شرح النووي على مسلم (٤/ ٤٢٩)
(٢) شرح حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ (ص/٨٠)
[ ١ / ٥٦٦ ]
أقسام الإيمان بالله تعالى
وأما الإيمان بالله فيتضمن أربعة أمور:
١ - الأمر الأول: الإيمان بوجود الله تعالى:
وهذا أمر فطري، فإن كل مولود يولد وهو عارف بربه، وهو مفطور على معرفة الله تعالى؛ لذا فهذا الأمر لا يحتاج إلى سرد الأدلة وحشد البراهين.
والمستقرء لكتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - ﷺ - لا يرى الإكثار من الحديث عن إثبات وجود الله ﷿، وإنما يجد عامة الأيات والأحاديث إنما تدعو إلى الإيمان بالله تعالى.
فالإيمان بوجود الله -تعالى- أمر مركوز في الفطر السليمة، فلم يؤثر عن أمة من الأمم إنكارها لوجود الله تعالى، إلا ما نسب إلى فرعون، والدهرية.
حتى من أنكر وجود الله تعالى، فهذا فقط جحود في الظاهر، فهو مغلوب بإقراره بوجود الله في الباطن؛ كما ذكر الله - تعالى -عن فرعون وقومه في تعاملهم مع آيات الله سبحانه: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ (النمل: ١٤)، وقال تعالى حاكيًا عن موسى -﵇ - في مناظرته لفرعون (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) (الإسراء/١٠٢)
وأما في عصرنا فقد كثر الملاحدة والمشككون بسبب طغيان الحضارة المادية الجارفة، فكثر لأجل ذلك السعي إلى الاستدلال على وجود الباري سبحانه، فنذكر طرفًا من أدلة وجود الله تعالى، والتى منها:
١ - الفطرة السليمة:
وهذا ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع:
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]
وعن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ:
«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
[ ١ / ٥٦٧ ]
[الروم: ٣٠] الآيَةَ. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أهل الفطرة كلهم متفقون على الإقرار بالصانع، وأنه فوق العالم، وأنهم حين دعائه يتوجهون إلى فوق بقلوبهم وعيونهم وأيديهم. (^٢)
٢ - ما هو مشاهد من النظام المحكم الحكيم في حركة المخلوقات لهو أبين الأدلة على وجود الله تعالى، قال تعالى (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠» (يس/٤٠)، وقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ
الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢» (الأنبياء/٢٢) (^٣)
٣ - ما نسمع ونشاهد من إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين ما يدل دلالة قاطعة على وجوده ﷾؛ فإن الداعي يشعر بحاجته وفقره إلى ربه وخالقه، فإذا ألمَّ بالانسان ضرأو وقع في محنة شديدة لا يبقى في ظنه رجاء المعاونة من أحد، فهو بأصل خلقته يتضرع إلى من يخلصه منها، ويجد نفسه يفزع إلى خالقه ويستغيث به، وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالافتقار إلى الصانع المدبر.
فرجوع الإنسان الى ربه -تعالى- عند الشدائد دليل على أنه يقر بالفطرة بربه ﷾. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٦٨)
(٣) وفي المناظرة المشهورة بين أبى حنيفة وبعض الملاحدة، وقد تعمد أبو حنيفة أن يتأخر عليهم وقت عقد تلك المناظرة، فلما دخل عليهم قالوا له: لماذا تأخرت؟!! فقال أبوحنيفة: لما أردت أن أجاوز النهر لأصل إلى بيت الأمير لم أجد مركبًا يحملني، فانطلقتْ صاعقة عظيمة فضربت شجرة بجانبي فقسمت الشجرة إلى نصفين، فانطلقت قطعة حديد فدخلت هذا الغصن وتحول إلى فأس، ثم أقبل هذا الفأس وجعل يضرب في الشجرة التى انقسمت حتى صنع منها مركبًا صغيرًا فركبت فيه حتى وصلت إليكم. فقالوا: قارب كامل يوجد صدفة؟!! فقال لهم: سبحان الله! أنتم تقولون إن السموات والأرض والجبال والبحار والإنسان والحيوانات والشمس والقمر والنجوم كل هذا وجد صدفة، ولا تصدقوني بأن قاربًا واحدا وُجد صدفة!!
[ ١ / ٥٦٨ ]
أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. (^١)
٢ - الأمر الثاني:
الإيمان بربوبية الله تعالى:
وهو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتقدير والتدبير، فهو فعل الرب تجاه العبد.
قال الله ﷿ (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤» (النمل/٦٤)
وقال تعالى (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١» (يونس/٣١) وهذا القسم من أقسام الإيمان ممَّا أقرّ به عامة الخلق، إلا من شذ من البشر، قال تعالى
﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) ﴿(العنكبوت/٦١)، وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)
(الزخرف/٧٨)
٣ - الأمر الثالث: الإيمان بألوهية الله تعالى
وألوهية الله -تعالى- هي إفراد الله ﷾ بالعبادة والإلوهية، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وقد سبق أن تحدثنا عن توحيد الألوهية.
٤ - الأمر الرابع:
توحيد الأسماء والصفات أو معرفة الله بأسمائه وصفاته، وذلك بإثبات صفات الله - تعالى - وأسمائه على الوجه الذي يليق به ﷾، وبنفي مشابهته ومماثلته للمخلوقات، كما قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيه رد على المشبهة، وهو نفي للتشبيه والتمثيل،
_________________
(١) وقد نشرت " مجلة المختار" المترجمة عن مجلة "ريدر دايجست" مقالة أيام الحرب لشاب من جنود المظلات يروي قصته فيقول: "إنه نشأ في بيت ليس فيه من يذكر الله أو يصلي، ودرس في مدارس ليس فيها دروس للدين، ولا مدرس متدين، نشأ نشأة علمانية مادية، أي مثل نشأة الحيوانات التي لا تعرف إلا الأكل والشرب والنكاح، ولكنه لما = =هبط أول مرة، ورأى نفسه ساقطًا في الفضاء قبل أن تنفتح المظلة جعل يقول: يا الله، يا رب، ويدعو من قلبه وهو يتعجب من أين جاه هذا الإيمان؟!!
[ ١ / ٥٦٩ ]
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فيه رد على المعطلة النفاة، وهو دليل على الإثبات أيضًا.
قال ابن القيم:
وشرف العلم تابع لشرف معلومه، ولا ريب أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيُّوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين الموصوف بالكمال كله المنزَّه عن كل عيب ونقص وعن كل تمثيل وتشبيه في كماله.
ولا ريب أن العلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر المعلومات، وكما أن العلم به أجل العلوم وأشرفها فهو أصلها كلها. (^١) * أقول:
وقد خلَّط أناس وتخبطوا في هذا الباب من العلم الشريف، ما بين مشبهه ومعطل ومكيِّف ومفوض ومحرَّف، وهدى الله -تعالى- الذين أمنوا لما أُختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
فأثبتوا ما أثبته الله لنفسه من غير تمثيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل، وفي شرح هذه الكلمات الأربع التى سطرها شيخ الإسلام ابن تيمية قد سُطِّرت المطولات والمختصرات، وتم الرد فيها على أهل الزيغ والشبهات.
* عود إلى حديث الباب:
قَوله ﷺ لما سئل عن الإيمان:
«أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»
وأما الإيمان بالملائكة:
فهذا ركن من أركان الإيمان، فمن أنكرهم ولم يؤمن بهم فقد كفر، قال تعالى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء/١٣٦) (^٢)
وهم خلق من خلق الله تعالى، خلقهم الله من نور، عَنْ عَائِشَةَرضي الله عنها- قَالَتْ:
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٨٦)
(٢) وقد أنكرت الفلاسفة وجودَ الملائكة والجنّ، وعبّروا عنهما بالقوّة التخييليّة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من أقوال الملاحدة المتفلسفة الذين يجعلون " الملائكة " قوى النفس الصالحة، " والشياطين " قوى النفس الخبيثة. مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦)
[ ١ / ٥٧٠ ]
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». (^١)
ومما ورد في صفة خلق الملائكة أن خلقتهم عظيمة ولهم أجنحة، قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١» (فاطر/١)
وعن عبدالله بن مسعود -﵁- قال: رأى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - جبريلَ في صورتِه على السِّدرةِ لهُ ستُّمائةِ جَناحٍ. (^٢)
وقال النبي -ﷺ - في وصف جبريل: (لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) (^٣)
وقد وصف النبي -ﷺ - أحد حملة العرش كما في الحديث الذى رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِرضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
"أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ). (^٤)
وهم جند من جنود الله، قادرون على التمثل بأمثال الأشياء، والتشكل بأشكال جسمانية، كما سبق بيانه أول هذه الرسالة، وهم مربوبون مسخَّرون، عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملُّون ولا يتعبون، قال تعالى (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠» (الأنبياء/٢٠)
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
(إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٩٦)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم (١٧٧)
(٤) أخرجه أبوداود (٤٧٤٢) وصححه ابن حجر.
[ ١ / ٥٧١ ]
تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا). (^١)
*ومما صح به الدليل في وظائفهم وأسمائهم:
وللملائكة أعمال ومهمات معينة كلفهم بها الله -تعالى- ينفذونها، فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل موكل بالمطر، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومالك خازن النار، والملكان اللذان يأتيان في القبر، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير. ومن الملائكة الذين صرح القرآن بأسمائهم هاروت وماروت، قال تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) (البقرة/١٠٢)
وقد اشتهر على ألسنة الناس أن اسم ملك الموت عزرائيل، وهذه التسمية لم ترد في حديث صحيح، وقد ذكره الله - تعالى - بوظيفته لا باسمه، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ (السجدة: ١١)
وكذلك قد اشتهر على ألسنة الناس أن اسم "رضوان" خازن الجنة، وهذه التسمية لم ترد في حديث صحيح.
*وأما الإيمان بالكتب:
فمن أركان عقيدة المسلم أن يؤمن بالقرآن الذى أنزله الله -تعالى- على محمد ﷺ، وكذلك يؤمن بجميع الكتب التى أُنزلت على الأنبياء السابقين.
قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء/١٣٦) وقال سبحانه ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥]
ومن الكتب التي ثبتت تسميتها في القرآن الكريم:
_________________
(١) أخرجه الترمذى (٢٣١٢) وابن ماجه (٤١٩٠)، انظر الصَّحِيحَة (ح/ ١٧٢٢) الأطيط: نقيض صوت المحامل والرحال إذا ثقل عليها الركبان. لسان العرب - (ج ٧ / ص ٢٥٦)
[ ١ / ٥٧٢ ]
١ - التوراة المنزلة على موسى ﵇. قال تعالى) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) [المائدة: ٤٤].
٢ - الإنجيل المنزل على عيسى ﵇. قال تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) [المائدة: ٤٦].
٣ - الزبور المنزل على داود ﵇. قال تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [النساء: ١٦٣]
٤ - صحف إبراهيم ﵇. قال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [الأعلى: ١٨ - ١٩].
٥ - القرآن العزيز الذي أنزل على نبينا محمد ﷺ. قال تعالى: (طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: ١ - ٢)
ومما خص الله -تعالى- به القرآن دون غيره من الكتب المنزلة أنه تعالى قد تكفل بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرَ: ٩]
لذا فمن ادَّعى أن القرأن قد ناله تحريف فهذا كافر مكذب لما أخبر الله -تعالى - بحفظه له. وقد نقل الإجماع على كفر من ادَّعى ذلك جماعة من أهل العلم.
قال ابن قدامة:
ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن من جحد آية أو كلمة متفقا عليها أو حرفا متفقا عليه أنه كافر. (^١)
_________________
(١) حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة (ص/٣٣) وقد نص ابن حزم على أن الإمامية كلها قديما وحديثا على القول بأن القرآن مبدل، زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير، وبدل منه كثير. ثم قال ﵀: والقول بأن بين اللوحين تبديلًا كفر صحيح وتكذيب لرسول الله ﷺ. انظر الفصل (٣/ ١١٤) وقد كثرت التهم على الشيعة الامامية بالقول والاعتقاد بأنة القرآن الكريم محرَّف؛ وذلك لقرائن عدة منها: ١) المصحف الموجود لديهم واسمه " مصحف فاطمة ": ويروي الكُليني في كتابه الكافي في صفحة ٥٧ طبعة ١٢٧٨ هـ عن أبي بصير أي "جعفر الصادق": "وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍، قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه حرف واحد من قرآنكم". وينكر بعض الشيعة المعاصرون " مصحف فاطمة " لكن هذا موجودة في كتبهم ولم يتبرأ منها علماؤهم على رؤوس الأشهاد وبين الشيعة أنفسهم، مما يوحي أن هذا الإنكار هو من باب التقية التي يطبقونها مع الفرق الإسلامية الأخرى مثل التظاهر بأداء بعض العبادات علانية ومخالفتها سرًا. وانظرالموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (ص/٥٥) ٢) ما ألفه المحدّث الشيعي حسين النوري الطبرسي في ذلك المعنى وسمَّاه " كتاب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب "، وإن كان علمائهم يتبرأون من ذلك الكتاب، يقول بعض المعاصرين من علماء الشيعة الإثني عشريَّة أنَّه «لو سلمنا أنَّ الشيخ النوري يعتقد بنقصان القرآن، فهو قوله، لا قول الطائفة، قول الواحد لا ينسب إلى الطائفة»
[ ١ / ٥٧٣ ]
وكذلك جعل الله -تعالى- القرآن مهيمنًا على سائر الكتب، قال تعالى (وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة/٤٨)
قال ابن كثير:
والمهيمن هو الأمين والشاهد والحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره. (^١)
*إشكال والرد عليه:
يقول الله تعالى (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) (المائدة/٦٨)
أخبر الله - تعالى -عن أهل الكتاب أنهم ليسو على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل، ومعلوم أن القرآن نسخ الكتب السابقة، والخطاب كان موجهًا في الآية لمن هم في زمن النبي ﷺ.
*والرد عليه من وجوه:
١) أن التوراة والإنجيل اللذين أمر الله -تعالى - أهل الكتاب باتباعهما قد نصا على نبوءة النبي ﷺ، كما قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (الأعراف/١٥٧)، وقال تعالى (وَإِذْ
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٢٨)
[ ١ / ٥٧٤ ]
الإيمان بالرسل واليوم الآخر
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف/٦)
لذا فإن اتباعهما للتوراة والإنجيل - على زعمهم - يوجب عليهم اتباع الرسول - ﷺ- والدخول في شريعته.
ثم يقال إن قوله تعالى "وما أنزل إليكم من ربكم"، فهو القرآن الكريم، فهم ليسوا على شئ حتى يقيموا التوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح والقرآن المنزل، وهذا كله لا يمكن بلوغه إلا بالقرآن المصدَّق المهيمن على سائر الكتب.
قال ابن حزم:
وَأما قَول الله عزوجل ﴿يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ فَحق لامرية فِيهِ، وَهَكَذَا نقُول وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى إِقَامَتهَا أبدا لرفع مَا أسقطوا مِنْهَا فليسوا على شَيْء إِلَّا بِالْإِيمَان بِمُحَمد ﷺ، فيكونوا حِينَئِذٍ مقيمين للتوراة وَالْإِنْجِيل، كلهم يُؤمنُونَ حِينَئِذٍ بِمَا أنزل الله مِنْهُمَا وُجِد أَو عُدِم، ويكذبون بِمَا بُدِّل فيهمَا مِمَّا لم ينزله الله تَعَالَى فيهمَا وَهَذِه هِيَ إقامتهما حَقًا فلاح صدق قَوْلنَا مُوَافقا لنَصّ الْآيَة بِلَا تَأْوِيل. وأما قوله تعالى ﴿وليحكمْ أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ فحق على ظاهره؛ لأن الله -تعالى- أنزل فيه الإيمان بمحمد ﷺ، واتباع دينه ولا يكونون أبدا حاكمين بما أنزل الله تعالى فيه إلا باتباعهم دين محمد ﷺ. (^١)
*وأما الإيمان بالرسل:
فمن أركان عقيدة المسلم أن تؤمن بالرسل والأنبياء السابقين، قال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة/٢٨٥)
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا
_________________
(١) الفصل (١/ ٢٤٠)
[ ١ / ٥٧٥ ]
مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء/١٥٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والمسلمون آمنوا بالأنبياء كلهم، ولم يفرقوا بين أحد منهم؛ فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، ومن سب نبيًا من الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء. (^١)
ولذا فمن كذَّب رسولًا من رسل الله -تعالى- فقد كذَّب كل الرسل، يدل عليه قوله تعالى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء/١٠٥)، فأوقع التكذيب على المرسلين، وهم لم يكذبوا إلا الرسول المرسل إليهم؛ لأن من كذَّب رسولًا فقد كذَّب الرسل، لأن كل رسول يأمر بتصديق غيره من الرسل، ولكونهم متفقين في الدعوة إلى الله عزوجل. (^٢)
* يؤيده:
ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- أَنَّهُ قَالَ:
«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَا يُؤْمِنُ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». (^٣)
وهذا لمن أبين الأدلة القاطعة على وجوب اتباع النبي ﷺ، وأن شرعته ناسخة لما سبقها من الشرائع.
فلو فُرض أنه وُجد اليوم نصرانى يشهد بوحدانية الله -تعالى - وبشرية المسيح عيسى الرسول ﵇، فلن يطأ الجنة حتى ينضوي تحت لواء وشريعة النبي ﷺ.
* ومن الإيمان بالرسل أن نؤمن بأن الله - ﷾ - بعث رسلًا لا يحصيهم إلاّ هو سبحانه، وأن تؤمن بمن سمَّاه الله منهم، قال تعالى (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (النساء/١٦٤)
فقوله تعالى (وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: خلقًا آخرين لم يُذكروا في القرآن.
_________________
(١) وانظرالصفدية (ص/٣١١) ونواقض الإيمان (ص/١٧٨)
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ١١٩) وفتح القدير (٣/ ١٧٦)
(٣) أخرجه مسلم (١٥٣) وأحمد (٨٢٠٣)
[ ١ / ٥٧٦ ]
ودل الإجمالُ في ذكر "الملائكة والكتب والرسل" في حديث الباب عَلى الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل، إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به عَلى التعْيين.
قد اختلف أهل العلم في عدد الأنبياء والمرسلين، وذلك بحسب ما ثبت عندهم من الأحاديث الوارد فيها ذِكر عددهم، فمن حسَّنها أو صححها فقد قال بمقتضاها، ومن ضعَّفها فقد قال بأن العدد لا يُعرف إلا بالوحي فيُتوقف في إثبات العدد. (^١)
* وقد فاضل الله -تعالى- بين رسله وأنبيائه، كما قال تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة/٢٥٣)، وقال تعالى (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) (الإسراء/٥٥)
فجعل الخُلة لإبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وجعل محمدًا -ﷺ- خير النبيين والرسل. فعن أَبُى هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (^٢)
فإن قيل:
قال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) (البقرة/٢٨٥) فنهى عن التفريق بين الرسل!!
فالرد عليه:
عندنا أمران: التفريق والتفضيل، فالنهى الوارد هنا إنما هو عن
_________________
(١) وقد ورد عن أبي ذررضي الله عنه- أنه قال: قلت: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمِ الْمُرْسَلُونَ؟ قَالَ: "ثَلَاثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا "، وَقَالَ مَرَّةً: "خَمْسَةَ عَشَرَ ". أخرجه أحمد (٢١٥٤٦) ، وهو حديث ضعيف جدًّا، إسناده ضعيف جدًا لجهالة عبيد بن الخشخاش، ولضعف أبي عمر الدمشقي، وقال الدارقطني: المسعودي عن أبي عمر الدمشقي متروك. المسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة. وأخرجه ابنُ حبان في صحيحه (٣٦١)، وفيه إبراهيم بن هشام الغسَّاني، قال الذهبي عنه: متروك، بل قال أبو حاتم: كذّاب، ومن هنا فقد حكم ابن الجوزي على الحديث بأنه موضوع مكذوب. ذكره شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الذي ذكره أحمد، وذكره محمد بن نصر، وغيرهما، يبين أنهم لم يعلموا عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم. وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٤٠٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٧٨)
[ ١ / ٥٧٧ ]
التفريق بين الرسل في أصل الإيمان بهم، فالواجب على المسلم أن يؤمن بكل الرسل والأنبياء، ولا يكن كحال اليهود والنصارى الذين قال الله تعالى عنهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) (النساء/١٥١)، وأما التفضيل فهذا مما سوَّغه الشرع في غير ما دليل.
*فإن قيل:
روى ابن عباسرضي الله عنهما- عن النبي - ﷺ - قال:
" لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " (^١)
*فجوابه:
أن هذا النهى متوجه إلى من قال ذلك على سبيل التنقّص من نبى الله يونس ﵇. فالتفضيل بين الأنبياء يكون محرمًا إذا تضمن التنقص لبعضهم أو الازدراء ببعضهم، وإلا فالتفضيل والمفاضلة بينهم منصوص عليها في القرآن: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة/٢٥٣].
وإنما خص بالذكر يونس -﵇ - لقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ) وهو يونس بن متى، ﵇، أي:
ولا تشابهه في الحال، التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبًا لربه عزوجل.
*فإن قيل:
قد روى أَنَس بْن مَالِكٍ - ﵁- أنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇». (^٢)
فالرد عليه:
أن هذا قد قاله النبي - ﷺ - تواضعًا منه، وإلا فهو ﷺ أفضل الرسل وأفضل الخلق على الإطلاق.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٦٩)
[ ١ / ٥٧٨ ]
أويقال أن كان قبل أن يُوحى إليه أنه خير الخلق أجمعين.
* عود إلى حديث الباب:
قَالَ ﷺ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»
وأماالإيمان بالْيَوْمِ الْآخِرِ فهو أحد أركان الإيمان الستة التي ينبني عليها إيمان العبد، وتستقيم بها عقيدته، ولا يصح بدونها دينه. فهو ركن من أركان الإيمان، فَرْضٌ الإيمان به، ولا يصح إيمانُ أحد ولا إسلامه حتى يؤمن باليوم الآخر، فمن أنكر البعث أو اليوم الآخر فإنه كافر.
قال تعالى (وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) (الرعد/٥)
قال السفَّارينى:
اعلم أن المعاد الجسماني حق واقع وصدق صادق دل عليه النقل الصحيح ولم يمنعه العقل فوجب الإيمان به، والتصديق بموجبه لأنه جاء في السماع الصحيح المنقول ودل عليه عند الجمهور صريح المعقول، وهذا مما يجب اعتقاده ويكفر منكره، وقد أنكره الطبائعيون والدهرية والملحدة وفيه تكذيب للنقل الصريح والعقل الصحيح على ما قرره المحققون من أهل الملة. (^١)
* وأول ما يكون في اليوم الآخر هو البعث، الذي هو إعادة الناس وإحياؤهم بعد تفرق أشلائهم وأجزائهم، وبعد صيرورتهم ترابًا ورفاتًا، هذا أول ما يكون في ذلك اليوم.
قال تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة/١٧٧)
وعَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ:
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٥٧)
[ ١ / ٥٧٩ ]
الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ، وَالِدَاهُ " وَقَالَ: " بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ مَنْ لَقِيَ اللهَ مُسْتَيْقِنًا بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ: يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْحِسَابِ " (^١)
*وقد جعل الله -تعالى- الكفر باليوم الآخر نظير الكفر به سبحانه، فقال عزوجل (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا) [النساء: ١٣٦]
بل إن المتتبع لنصوص القرآن يجد أن الآيات الذى جاءت لإثبات البعث بعد الموت أكثر من تلك التي وردت في إثبت وجود الرب؛ وسبب ذلك إنما هو كثرة المنكرين للبعث مقارنة بمن أنكر وجود الرب عزوجل؛ فإن الإقرار بالرب أمر فطري في بني آدم، فكلهم يقرُّون بالرب فطرة، إلا من عاند، كفرعون والنمرود.
*ولاشك أن الإيمان باليوم الآخر له ثمرات عظيمة، وأعظمها على الإطلاق أنه يدفع صاحبه دفعًا إلى ملازمة العمل الصالح وحسن الامتثال لأوامر الشرع، لذا فالمستقرئ لأدلة الشرع يرى أن الكثير من الأدلة الشرعية قد ربطت بين الامتثال والإيمان باليوم الآخر.
*فمن أدلة القرآن:
قال تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب/٢١)
*ومن أدلة السنة:
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَرضي الله عنها -قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ:
«لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ» (^٢)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ". (^٣)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥٦٦٢) وابن حبان (٨٣٣)، وانظرالصحيحة (١٢٠٤).
(٢) أخرجه البخارى (٥٣٤٢)
(٣) أخرجه مسلم (١٣٣٩)
[ ١ / ٥٨٠ ]
فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (^١)
*والإيمان باليوم الآخر يتضمن كل ما يكون ذلك اليوم بمشاهده المتلاحقة المتتابعة، من قيام الساعة والبعث من القبور، حين يأمر الله - تعالى - إسرافيل -﵇ - بالنفخ في الصور النفخة الثانية، ويبعث الله ﵎ الموتى من القبور.
ثم يُحشرالناس إلى أرض الموقف، ثم العرض والسؤال وتطاير الصحف، وأخذ كتب الأعمال والحساب والميزان، ثم المرور على الصراط: وهو جسر منصوب فوق جهنم يمر عليه جميع الناس، ورود الحوض، ثم الجنة والنار.
ونفي شيء من هذه المشاهد هو إنكار للقرآن ومتواتر السنة وإجماع الأمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأما طوائف من الكفار وغيرهم من الصابئة والفلاسفة ومن وافقهم فيقرون بحشر الأرواح فقط، وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط. وطوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية، فلا يقرون: لا بمعاد الأرواح، ولا الأجساد. وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة فإنهم يحرِّفون الكلم عن مواضعه، ويقولون هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية ومثل المتفلسفة الصابئة، هؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان . (^٢)
قال القاضي عياض:
" وكذلك من أنكر الجنة أو النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة فهو كافر بإجماع؛ للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا، وكذلك من اعترف بذلك، ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٤) وانظر شرح منظومة الإيمان للبشير المراكشي (ص/٢٠٤)
[ ١ / ٥٨١ ]
والثواب والعقاب معنى غير ظاهره، وإنها لذَّات روحانية، ومعان باطنة. (^١)
* عود إلى حديث الباب:
قَالَ ﷺ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»
وأما الإيمان بالقدر وهو الركن السادس من أركان الإيمان، وهذا ركن من الأركان التى يمتاز بها أهل السنة عن أهل البدع، والمخالفون في هذا الباب من أوائل أهل البدع الذين ظهروا في صدر الإسلام.
وقد ذكرنا في أول شرحنا لهذا الحديث أن مناسبته إنما جاءت لما خرجت نابتة سوء تخوض جهلًا وتنطق كفرًا بنفى القدر وأن الأمر أُنُف، فتصدَّى لها أهل العلم من سلف الأمة من الصحابة -﵃- والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الناس هذا.
وأما معنى الإيمان بالقضاء والقدر ومراتبه، وما يتعلق بهذا الباب من شبهات والرد عليه فقد سبق ذكره مفصلًا عند شرحنا للحديث الرابع من هذا الكتاب، حديث "بلوغ العَلَم شرح حديث أول ما خلق الله القلم"، بما يغني عن إعادته.
* عودٌ إلى حديث الباب:
قَالَ جبريل ﵇: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ؟
قَالَ النبي ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
والمرتبة الثالثة من مراتب الدين هى الإحسان، وهذه المرتبة لها ركنان وهما:
أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه ذروة مراتب الدين وأعلاها، وهو تمام الإخلاص.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
قوله ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)، وهذا يدفع إلى العمل، ويشعر بمراقبة الله --تعالى- ومعيته مع الإنسان؛ فإن رؤية الله -تعالى- لما تعذَّرت في الحياة الدنيا فعلى المرء أن يستشعر هذا المعنى مما يجعله يزداد إقبالًا ومحبة لربه تعالى.
_________________
(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٦١٥)
[ ١ / ٥٨٢ ]
قال النووي:
وهذا مقام المشاهدة، فمن قدر أن يشاهد الملك استحى أن يلتفت إلى غيره في الصلاة وأن يشغل قلبه بغيره. (^١)
قوله ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»:
كما قال تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]
ولهذه المرتبة ثمرات عظيمة ومنها أن الشخص إذا ما استحضر مراقبة الله -تعالى- له فإنه يزداد لله -تعالى- خشية ورهبة، مما يحمله على زجر النفس عن المعصية وحملها على الطاعة، قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن /٤٦)، وقال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (عبس/٤١)
قال عبد الرحمن بن قاسم:
هذا القدر من الحديث أصل من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد العلم، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ، فإن إحسان العبادة: هو الإخلاص فيها، والخضوع، وفراغ البال حال التلبس بها، ومراقبة المعبود، وأشار في الجواب إلى حالتين:
أرفعهما: أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه، والثانية: أن يستحضر الحق - تعالى - مطلعًا عليه، يرى كل ما يعمل. (^٢)
* عود إلى حديث الباب:
قَالَ جبريل ﵇: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْسَاعة؟
قَالَ النبي ﷺ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» معنى قوله: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أن علم الساعة استوى الخلق فيه، حتى الملائكة والرسل لا يعلمون ذلك، وإنما هو مستأثر عند الله جل وعلا، لا يعلم وقتها إلا الله تعالى.
فهى من علم الله - ﷿ - الخاص به الذي لم يطلع عليه أحد،
_________________
(١) شرح الأربعين (ص/٢٢)
(٢) حاشية عبد الرحمن بن قاسم على الأصول الثلاثة (ص/١١٨)
[ ١ / ٥٨٣ ]
قال تعالى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] فهي واقعة، ولكن وقت وقوعها غير معلوم.
وقال تعالى (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) (الأحزاب/٦٣)
وسبب السؤال عن الساعة زجر الناس عن السؤال عنها، فإنهم أكثروا السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يسألك الناس عن الساعة﴾، فلما أجيبوا بأنه لا يعلمها إلا الله -سبحانه- كفوا؛ لأن معنى: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ": لا علم لى ولا لك ولا لأحد به. (^١)
قَالَ جبريل ﵇: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟، قَالَ ﷺ:
«أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»،
وقوله ﷺ: (أن تلد الأمةُ ربتَها):
اختلف العلماء في معنى ذلك عَلى سبعة أوجه، لكنها متداخلة، وتلخص على أربعة أقوال:
القول الأول:
قال الخطابي: معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنّه ولد سيدها، قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين.
واعترض الحافظ ابن حجر على ذلك فقال:
لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاء الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع مالم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة.
القول الثاني:
إن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك.
_________________
(١) وانظر صحيح مسلم وشرحه المسمى " إكمال إكمال المعلم " (١/ ٦٩) لمحمد بن خلفة الوشتاني الأبي المتوفى (٨٢٧ - ٨٢٨ هـ)
[ ١ / ٥٨٤ ]
القول الثالث:
قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرًا من غير سيدها بوطء شبهةٍ، أو رقيقًا بنكاح، أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أوابنتها.
القول الرابع:
أن يكثر العقوق في الأولاد فيُعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة
بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أوالمراد بالرب المربي فيكون حقيقة.
والراجح - والله أعلم -القول الرابع، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر، وقال بعد أن ذكر الترجيح:
ولأن المقام يدل على المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور. بحيث يصير المربى مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: (أن تصير الحفاة ملوك الأرض) (^١).
*ثم قال النبي ﷺ:
" وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ " فهذه هى العلامة الثانية، وهى كون البدو رعاء الشاء - رعاة الغنم والإبل- أهل تمدن يتطاولون في البنيان، أي: يتنافسون في البناء وحسنه وارتفاعه، وهذا حصل في مراحل متعددة من تاريخ المسلمين.
قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ ﷺ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»
* فوائد فى الختام:
الفائدة الأولى:
هل يستدل بحديث الباب على أن أعمال الجوارح ليست من الإيمان، لأنه ذكرها في معرض السؤال عن الإسلام؟؟؟
والجواب:
قد جعل النبي - ﷺ - الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا
_________________
(١) انظر فتح الباري (١/ ١٦٢) وصحيح مسلم شرح النووي (١/ ١٧٧)
[ ١ / ٥٨٥ ]
لما بطن من الاعتقاد، وليس ذَلِكَ؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذَلِكَ تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولهذا قَالَ - ﷺ -: "أتاكم جبريل يعلمكم دينكم". والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا، يدل عليه قوله ﷾: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥]
فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل. (^١)
ثم يقال هنا:
كما فُسر الإيمان بالإعتقاد في حديث جبريل -﵇ - فقد فُسر بالعمل، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة:
قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤» (الأنفال /٤)
وقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥» (الحجرات/١٥)
وفي حديث وَفْد عَبْدِ القَيْسِ، فقد قَالَ لهم النبي ﷺ:
«أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». (^٢)
قال الخطابي:
فضم هذه الأعمال إلى كلمة الشهادة وجعلها كلها إيمانًا، وهذا يبين لك أن اسم الإيمان قد يدخل على الإسلام واسم الإسلام يدخل على
_________________
(١) وانظر شرح السنة (١/ ٥٩) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢/ ٤٥٧)
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٥٨٦ ]
الإيمان، وذلك لأن معنى الإيمان التصديق ومعنى الإسلام الاستسلام، وقد يتحقق معنى القول بفعل الجوارح ثم يتحقق الفعل ويصح بتصديق القلب نية وعزيمة، وجماع ذلك كله الدين، وهو معنى قوله جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. (^١)
ودفعًا لِتوهّم التعارض بين حديث جبريل وحديث وفد عبد القيس، فقد جمع السلف بينهما - على أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا. وإذا افترقا اجتمعا. فالإيمان والإسلام إذا ذُكرا مجتمعَين، كما في حديث جبريل، فإنه يراد من كل منهما غير ما يراد من الآخر، فيراد من الإيمان ما في القلب، من الإيمان بالله وملائكته إلى آخر ما ذُكر في الحديث. ويراد بالإسلام الشهادتان بتوابعهما من الأعمال الظاهرة. وإذا ذُكر أحدهما مجردًا عن الآخر دخل الآخر فيه، كما في حديث وفد عبد القيس.
فما يسمى إسلامًا يسمى إيمانًا، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، فإذا ذُكر أحدهما دخل فيه الآخر.
فلا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهرإلا بإيمان باطن، وأن الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه. (^٢)
وخلاصة ما سبق أن يقال:
والإسلام والإيمان إذا ذكرا جميعا فالإسلام معناه الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة، أعمال القلوب، وما يقوم به من التصديق والعلم، ولا بد من الإسلام والإيمان جميعا، الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة؛ لقوله ﷺ: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب»، فإن ذكرا جميعا صار لكل واحد معنى خاص به، وإذا ذكر واحد منهما دخل فيه الآخر، إذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان؛ لأنه لا يصح إسلام
_________________
(١) معالم السنن (٣/ ٥٣٨)
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ١٣٨) والإيمان بين السلف والمتكلمين (ص/٣٧)
[ ١ / ٥٨٧ ]
بدون إيمان، ولا يصح إيمان بدون إسلام، لا بد من الاثنين، فهما متلازمان، ولهذا يقولون: إن الإسلام والإيمان من الأسماء التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا انفردت اجتمعت، أي: يدخل بعضها في بعض لأنهما متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر. (^١) تم بحمد الله.
_________________
(١) شرح الأصول الثلاثة لصالح الفوزان (ص/٢٣٣)
[ ١ / ٥٨٨ ]