[ ٢ / ٨٧٧ ]
أذلة الكتاب والسنة والإجماع على إثبات عذاب القبر
*نص حديث الباب:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄ - قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّﷺ - بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ:
«إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ:
«لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (١٣٧٨) فى مواضع من صحيحه، منها فى " باب عذاب القبر من الغيبة والبول "، ومسلم (٢٩٢) " باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه "
* أهم الفوائد المستقاة من حديث الباب: الفائدة الأولى:
قد دل حديث الباب على إثبات أصل من الأصول التى قال بها أهل السنة، ونصوا عليها خلافًا لأهل البدع، وهى مسألة عذاب القبر.
قال النووى:
وأما فقه الباب ففيه إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحق خلافا للمعتزلة. (^١)
وهذا الأصل في الإيمان بعذاب القبر، قد دل عليه القرآن والسنة وتظاهرت الأدلة وتواترت من سنة النبي - ﷺ - في الدلالة على أن القبر والبرزخ يكون فيه عذاب ويكون فيه نعيم للإنسان المكلف، على ما يحكم الله - ﷿ - به على الميت.
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٣/ ٢٠٢)
[ ٢ / ٨٧٩ ]
وأصل إيراد هذه المسألة في العقائد إنما جاء لأجل أن الخوارج والجهمية والفلاسفة وأهل الكلام ينكرون عذاب القبر.
ونظير ذلك ما أورده البربهاري في "شرح السنة" من ذكره لمسائل المسح على الخفين؛ وذلك لأن الروافض لم تقل بها، وذكره لمسألة الصلاة فى السراويل ردًا على من كرهها من الهادوية.
* الأيات الدالة على إثبات عذاب القبر:
قوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام: الآية ٩٣)
فقال سبحانه (الْيَوْمَ) يعني يوم إخراج أنفسهم، أي يوم موتهم يجزون عذاب الهون.
قال ابن القيم:
فقول الملائكة «اليوم تجزون عذاب الهون» المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت. (^١)
وقال تعالى في آل فرعون (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: ٤٦) فقال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا). وذلك قبل قيام الساعة؛ فإنه تعالى قال بعدها (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).
قال ابن كثير:
هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور. (^٢)
وقال تعالى عن قوم نوح ﵇: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (نوح/)
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) (ص/٣٧٦)
(٢) وقد نص على مثل ذلك الزمخشرى، وانظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٤٦) والكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٤/ ١٧٠) واعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلى (ص/٦٩)
[ ٢ / ٨٨٠ ]
فدل العطف بالفاء على أن دخولهم النار حصل عقيب إغراقهم، وأنه قبل يوم القيامة. (^١)
وهذه الأدلة القرآنية ربما تأولها المعارض ولم يرها دالة على إثبات عذاب القبر؛ لكن كثرتها وظهور كلام السلف فيها يدل على أنها في عذاب القبر والبرزخ.
وأما الأحاديث الدالة على عذاب القبر أحاديث متواترة، وممن نص على تواترها:
أبوالعباس ابن تيمية وابن القيم والطحاوى وابن عبد البر وابن الملقن، وقد ذكر الكتانى رواة أحاديث عذاب القبر من الصحابة -﵃- فعد اثنين وثلاثين نفسًا، وسمَّى غيره أسماء رواة الصحابة فعد تسعة وأربعين صحابيًا. (^٢)
وقد بوَّب أصحاب الصحاح فى مصنفاتهم أبوابًا فى إثبات عذاب القبر، كما هو فعل البخارى، قال: " باب ما جاء في عذاب القبر "، وفى صحيح مسلم: " باب:
" إثبات عذاب القبر والتعوذ منه ".
قال ابن عبد البر: والآثار في عذاب القبر لا يحوط بها كتاب. (^٣)
وروى الشيخان عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ:
﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] " قَالَ: " نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.
_________________
(١) شرح النونية للهراس (١/ ٤٧)
(٢) وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٥) والروح (ص/٥٢) والتفسير القيم (ص/٣٧٦) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٥١٦) والتمهيد (٢٢/ ٢٤٧) ولقط اللآلئ المتناثرة (ص/٢١٣) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/١٢٦) وشرح الطحاوية (ص/٣٩٩) والصحيح المسند فى عذاب القبر ونعيمه (ص/٩)
(٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٢٢/ ٢٥١)
[ ٢ / ٨٨١ ]
(^١) وورد فى زيادة عند مسلم والنسائي:
يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] " (^٢)
*وعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ:
دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي:
إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا،
وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ:
«صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا» (^٣)، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. (^٤)
في هذا الحديث دليل على أن عذاب القبر تعرفه اليهود، وذلك - والله أعلم - في التوراة؛ لأن مثل هذا لا يدرك بالرأي.
وعنْ مُصْعَبٍ قال: كَانَ سَعْدٌ بن أبى وقاصرضي الله عنه - يَأْمُرُ بِخَمْسٍ، وَيَذْكُرُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِنَّ:
" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا- يَعْنِي فِتْنَةَ الدَّجَّالِ- وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". (^٥)
_________________
(١) متفق عليه. وانظر روائع التفسير (١/ ٥٩٠) والاستيعاب في بيان الأسباب (٢/ ٣٩٠)
(٢) أخرجها مسلم (٢٨٧١) والنسائى (٢٠٥٧) وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول (ص/١٧٢)
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال بعضهم: ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين؛ كالإسماعيلية والنصيرية وسائر القرامطة: من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام وغيرهما؛ فإن أهل الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى. والجهال تظن أنهم من ذرية فاطمة وأنهم من أولياء الله وإنما هو من هذا القبيل. فقد قيل: إن الخيل إذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة ما يذهب بالمغل. (مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٧) *قلت: المَغَل: هو وَجَعُ يصيب الدابة إذا أَكلت الترابَ مَعَ البَقْل، فيأَخذها لِذَلِكَ وجَعٌ فِي بَطْنِهَا. لسان العرب (١١/ ٦٢٦)
(٤) متفق عليه.
(٥) رواه الشيخان.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
* وعن زَيْد بْن ثَابِتٍرضي الله عنه- قَالَ:
بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ:
«مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ " قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ:
«إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ»، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ:
«تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (^١)
* وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍرضي الله عنه - قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ- فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِﷺ- وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ:
" اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، "، ثُمَّ قَالَ:
" إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ﵇ - حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: " أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ ". قَالَ:
" فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ " قَالَ:
" فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا:
مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ:
فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٦٧) وأحمد (٢١٧٠١)
[ ٢ / ٨٨٣ ]
أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ". قَالَ:
" فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ
[ ٢ / ٨٨٤ ]
مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ:
رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ:
مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ،
فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ:
قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ". قَالَ:
" فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ". قَالَ:
" وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ:
رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي ". قَالَ: " وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ:
أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ "، قَالَ:
" فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا،
فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ:
فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ "، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]
فَيَقُولُ اللهُ ﷿: " اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا.
فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟
فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟
فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟
فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ،
فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ:
مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ:
رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ. (^١)
وعن سعيد بن المسيب، قال: "صَلَّيْتُ وراء أبي هريرة على صبيِّ لم يعمل خطيئةَ قطُّ، سمعتُه يقول: "اللهمَّ أعِذْهُ من عذاب القبر". (^٢)
* الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
مذهب سائر المسلمين إثبات الثواب والعقاب في البرزخ - ما بين الموت إلى يوم القيامة - هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة؛ وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع. (^٣)
_________________
(١) أخرجه أبوداود (٤٧٥٣) وأحمد (١٨٥٣٤) وقد صححه ابن القيم فى اجتماع الجيوش الإسلامية (ص/٧٥) وفى إعلام الموقعين (١/ ١٧٨)، وقال رادًا على تضعيف ابن حزم له: " وأما قوله إن الحديث لا يصح لتفرد المنهال بن عمرو وحده به وليس بالقوى!! فهذا من مجازفته رحمة الله، فالحديث صحيح لا شك فيه، وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان، منهم عدى بن ثابت ومحمد بن عقبة ومجاهد ا. هـ، (الروح (ص/٧٦) وكذلك ممن صححه: ابن منده فى الإيمان (رقم/١٠٦٤) وقال: هذا إسناد متصل مشهور، وصححه البيهقى فى " إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين " (ص/٣٩) وقال: هذا حديث كبير صحيح الاسناد. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وفيه فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة، ولم يخرجاه بطوله، وله شواهد على شرطهما يستدل بها على صحته»، ووافقه الذهبى (المستدرك (١/ ٣٧»
(٢) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٩) وفي "إثبات عذاب القبر" (رقم: ١٧٨) وابن أبي زمنين في "أصول السنة" (رقم: ٨٣) وقد روي مرفوعًا، والموقوف أصح. وانظر سلسلة الآثار الصحيحة أو الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين (١/ ٢٧٠)
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢)
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وقال أبو الحسن الأشعري وهو يذكر ما خالف فيه المعتزلة وأهل القدر نهج أهل السنة:
وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذَّبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين. (^١)
وممن نقل هذا الإجماع:
ابن بطة العكبري والأصبهاني الملقب بقوام السنة والطحاوى والبربهاري وغيرهم خلق كثير. (^٢)
* مسألة:
هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن؟
قد ذهب ابن حزم إلى أن فتنة القبر وعذابه والمسألة إنما هي للروح فقط بعد فراقه للجسد، قُبِر أو لم يقبر، وأن الروح لا تعاد إلى البدن عند السؤال،
فالسؤال إنما يقع للروح خاصة، وكذلك سماع الخطاب، وأنكر أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره. (^٣)
ومما استدل به على قوله هذا:
قوله تعالى ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١]
فلو كانت الروح تُرد إلى الجسد فى القبر ذلك للزم أن يموت الإنسان ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان فقط!!
* وكذلك فقد ذهب ابن حزم إلى القول بتضعيف حديث البراء الطويل، فقال ﵀:
ولم يرو أحد أن في عذاب القبر رد الروح إلى الجسد إلا المنهال بن عمرو، وليس بالقوي. (^٤)
* وجواب ذلك:
١ - أما استدلاله بالأية فقد قال أجاب عن ذلك الحافظ ابن رجب فقال:
وهذا ضعيف جدًا، فإن
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/١٤)
(٢) وانظر الإبانة (ص/١٩٧) والحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٨١) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/٣٩٦)
(٣) وانظر الفصل (٤/ ٦٦)
(٤) المحلى (١/ ٢٢)
[ ٢ / ٨٨٦ ]
حياة البرزخ ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليست هي حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتًا تامًا، وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه، ورجوعها إليه،
فإن ذلك يسمى موتًا وحياةً.
كما كان النبي - ﷺ - يقول إذا استيقظ من منامه:
"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور"
وسمَّاه الله تعالى وفاة، لقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
[الزُّمَرِ: ٤٢]
مع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حيًا، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا يوجب أن يصير للميت حياة مطلقة. (^١)
٢ - أما تضعيفه لحديث البراء - ﵁- فقد رددنا عليه فى تخريج الحديث، والذي سبق بيانه قريبًا.
فالصحيح -والله أعلم -هو الذى عليه جمهور أهل السنة أن نعيم القبر وعذابه يحصل للروح والبدن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمة:
مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا فيحصل له معها النعيم والعذاب. (^٢)
* وهذا الذى دلت عليه السنة:
فعَنْ أَنَسٍ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، قال: وَأَمَّا الكَافِرُ- أَوِ المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ:
لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ. (^٣)
وفى حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِﷺ - فِي جِنَازَةِ، فكان مما ذكر: وَإِنَّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ. وَقَالَ: وَتُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ
_________________
(١) روائع التفسير (٢/ ١٠١)
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤)
(٣) متفق عليه.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
فَيُجْلِسَانِهِ، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ قَالَ: ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ: فَيَضْرِبُهُ بِهَا. (^١)
قال أبو العباس ابن تيمية:
فقد صرح الحديث بإعادة الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه، وهذا بيِّن في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين. (^٢)
* المخالفون لأهل السنة فى عذاب القبر:
عذاب القبر حق ثابت وبهذا قال أهل السنة وأكثر الفرق الإسلامية، ولكنَّ الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁.
فعن ابن عباس -﵄ - قال:
خطب عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه وقال:
يا أيها الناس، ألا إنه سيأتي من بعدكم أقوام يكذبون بالرجم وبالدجال، وبعذاب القبر، والشفاعة. (^٣)
قال ابن هانئ للإمام أحمد: وعذاب القبر ومنكر ونكير؟
قال أبو عبد الله: نؤمن بهذا كله، ومن أنكر واحدة من هذه، فهو جهمي. (^٤)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٩)
(٣) السنة للمَرْوَزِي (ص/٩٨)
(٤) وانظر مسائل ابن هانئ (١٨٧٩)
[ ٢ / ٨٨٨ ]
هل أنكر جمهور المعتزلة والأشاعرة عذاب القبر؟
وقال المروذي قال: لنا أبو عبد الله عذاب القبر حق، ما ينكره إلا ضال مضل. (^١)
قال الآجري:
ما أسوأ حال من كذَّب بهذه الأحاديث، لقد ضل ضلالًا بعيدًا، وخسر خسرانًا مبينًا. (^٢)
وقد خالف في ذلك الخوارج وضرار بن عمرو وبشر المريسي وجماعة من متأخرى المعتزلة، فقالوا بنفى عذاب القبر؛ وذلك بناءً على قولهم أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذَّب. (^٣)
قال ابن حزم:
"ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول لصحة الآثار عن رسول الله ﷺ في ذلك". (^٤)
* نقول:
والمخالفون الذين خالفوا أهل السنة في هذا الأصل فنفوا القول بإثبات عذاب القبر قد جاء فساد تأصيلهم فى أنهم قد حكَّموا العقل وردوا عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فقاسوا الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، وحكَّموا العقل فيما جاءت به النصوص في أن هذا يُعقل، وأن هذا لا يُعقل.
فتراهم لا يؤمنون بما يحدث في القبر؛ لأنهم عقلانيون، فيسمّون أدلة الشرع ظنية، فأما أدلة العقل عندهم فهي يقينية، وهم فى ذلك قد نسوا أو قل تناسوا أن عذاب القبر وفتنة القبر أمر غيبي، والأمور الغيبية مجالها الاعتقاد؛ لأنها لا تدرك بالنظائر ولا تدركها العقول؛ بل تحار فيها العقول، فيجب الإيمان بها والتسليم على نحو ما جاء في الخبر الصادق في الوحي.
_________________
(١) طبقات الحنابلة (١/ ٦٢)
(٢) الشريعة (٢/ ١٨٦)
(٣) وانظر مقالات الإسلاميين (٢/ ١١٦) ودراسات فى الفرق الإسلامية (ص/١٧٣)
(٤) وانظر الفصل في الملل والنحل والأهواء (٤/ ٦٦) * تنبيه مهم: وقد نسب أبو الحسن الأشعري في المقالات (٢/ ١١٦) نفي عذاب القبر إلى المعتزلة والخوارج، كما نسبه البغدادي في أصول الدين (ص/ ٢٤٥) إلى الجهمية والضرارية، ونسب الملطي في التنبيه والرد على أهل الأهواء (ص/ ١٢٤) إلى جهم بن صفوان إنكار عذاب القبر ومنكر ونكير. والأرجح بالنسبة للمعتزلة أن جمهورهم على القول بعذاب القبر، كما حكى ذلك عنهم القاضي عبد الجبار فى كتابه "شرح الأصول الخمسة " (ص/٧٣٠)، فقد ذكر: " فصل فى عذاب القبر " وقال بأنه لاخلاف في ذلك بين الأمة، كما أنه قد بيَّن أن ابن الراوندي هو الذي يشنع علي المعتزلة، ويدَّعى أنهم ينكرون عذاب القبر، ثم أورد الأدلة على إثباته من القرآن والسنة. وقال فى كتابه "الاعتزال وطبقات المعتزلة " (ص/١٦٧) ما نصه: " إنما أنكر ذلك أولًا: ضرار بن عمرو، لما كان من أصحاب واصل ظُن ذلك مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر كذلك، بل أكثر شيوخنا يقطعون بعذاب القبر، وإنما ينكرون قول جماعة سنن الجهلة إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك. ا. هـ وكذلك فقد قال الزمخشرى عن سورة الملك: " وتسمى: الواقية، والمنجية، لأنها تقى وتنجي قارئها من عذاب القبر ". وانظر الكشاف (٤/ ٥٧٤) والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٣/ ٧١٢) تحقيق سعود بن عبد العزيز الخلف.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
*ومن شبهاتهم النفاة:
قالوا:
إنا نرى شخص الميت مشاهدة وهو غير معذَّب، وكذلك فإن الميت ربما تفترسه السباع وتأكله!!
وجوابه:
أن هذا هوس؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم، والمدرك للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان، وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره، ولو انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى الإنكار اغترارًا بسكون ظاهر جسمه.
فتعسًا لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالاضافة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما من العجائب. (^١)
* ثم يقال لمن يشكل بعدم تحقق رؤية عذاب القبر بالبصر:
أن الله - عزوجل - يبتلى عباده بالتكاليف الشرعية اختبارًا وامتحانًا لهم، وهذه التكاليف شاملة لباب العلم والعمل:
أ) ففي باب العمل:
يكلفهم بجملة من العبادات الشرعية، والتى منها ما يكون غير معلوم الحكمة، فيجمع لهم بين التكليف بالاستسلام وتكليف القيام بالعمل.
ب) وفي باب العلم:
فقد يختبر الله -تعالى -عباده بالإيمان بالغيبيات التى تتآلت النصوص بإثباتها، فيظهر هنا من يؤمن بالغيب ممن هو منه في شك، إذ لو عاين
_________________
(١) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالى (١١٨)
[ ٢ / ٨٩٢ ]
العباد الغيبيات لزالت حكمه التكليف والإيمان بالغيب، ومن هذا الباب فقدا اقتضت الحكمة أن يكون عذاب القبر خفيًا؛ لأنَّه لو كان أمرًا ظاهرًا لما كان الإيمان به إيمان بالغيب، والإيمان النافع المنجي إنما هو الإيمان بالغيب.
لذا فقد كان أول ما مدح الله تعالى - به أهل الإيمان فى كتابه أنهم يؤمنون بالغيب، فقد قال تعالى (ألم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣» (البقرة: ١ - ٣)
* وأضف الي ذلك أنه قد اقتضت حكمة الله -تعالى- أن لا يكون عذاب القبر ظاهرًا، إذ لو كان ظاهرًا لما تدافن الناس، كما قال ﷺ:
"إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه". (^١)
* وأما قولهم بعدم حدوث عذاب القبر لمن أكله سبع أو حُرق!!
فجوابه:
فذكر العذاب والحاقه بالقبر إنما خرج على الغالب فلا مفهوم له؛ فالمصلوب والمحروق والغريق ومن أكلته السباع لهم من عذاب البرزخ ونعيمه بحسب ما تقتضيه أعمالهم، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما.
وإلا فسيقال من باب الإلزام بعدم بعث من أكلته السباع أو حرق، ومثل هذا مما لم يقل به نفاة القول بعذاب القبر، فكما قيل فى قوله تعالى (قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢» أنه خرج على الغالب، مع إثبات البعث لمن لم يكن له مرقد، كالمحروق ومن أكلته السباع، فكذا يقال بإثبات عذاب القبر ونعيمه لمن لم يُقبر. (^٢)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧١٤٢)
(٢) وقد ورد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ " (متفق عليه).
[ ٢ / ٨٩٣ ]
قال ابن القيم:
ومما ينبغى أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزح، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يُقبر، فلو أكلته السباع أو أُحرق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. (^١)
* ويلخص ما سبق كلام بديع للسمعانى، حيث قال هو لما ذكر أمور الغيب من عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط، قال ﵀:
وهذه أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها،
فإذا سمعنا شيئًا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدَّقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته، وقال تعالى في مثل هذا ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾. (^٢)
* تنبيه وتصحيح:
قد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الله - سبحانه -يعذِّب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، وقالوا بأن سبيل المعذَّبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب. (^٣)
*وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك، وبيَّن أن الأمر على خلاف ذلك، فقال ﵀:
ولا يجوز أن يقال ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه؛ بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم. وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في
_________________
(١) الروح (ص/٥٨)
(٢) الانتصار لأصحاب الحديث (ص/٨٢)
(٣) الروح (ص/ ٥٨)
[ ٢ / ٨٩٤ ]
قبره والتراب لا يتغير، ونحو ذلك.
مع أن هذه المسألة لها بسط يطول وشرح لا تحتمله هذه الورقة والله أعلم. (^١)
* إثبات عذاب القبر عند الأشاعرة:
على الرغم من أن عذاب القبر عند الأشاعرة يعد من باب السمعيات، ومع ذلك تراهم يعلِّقون القول به على عدم استحالة العقل لقبوله، ثم يجعلون الأدلة السمعية تبعًا لذلك القبول العقلى.
يقول الباقلاني:
«ويجب أن يعلم كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ونصب الصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة للعصاة من المؤمنين، كل ذلك حقٌّ وصدقٌ، ويجب الإيمان به، والقطع به؛ لأن جميع ذلك غير مستحيل في العقل». (^٢)
وقد نص على مثل ذلك: الآمدى واللقانى. (^٣)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٦)
(٢) الإنصاف (ص/٥١)
(٣) هداية المريد (ص/١٥٩) وغاية المرام (ص/٣٠١).
[ ٢ / ٨٩٥ ]
قال سفر الحوالى:
فالقوم كما ترى ملتزمون بتقديم العقل وحكمه بالإمكان وعدم الاستحالة، ثم يوردون الأدلة السمعية مؤيدةً وظهيرةً، ومع هذا فالباب عندهم هو باب (السمعيات)!! (^١)
وقد نقض شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التأسيس من أصله، فقال ﵀:
ومن قال: أنا أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابطٌ، فإنه تصديق بالسمع مشروطًا بعدم جنسٍ لا ضابط له ولا منتهى، وما كان مشروطًا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط، فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان. (^٢)
والمعنى:
أن عدم مخالفة العقل أمرٌ غير منضبط، فالعقول تختلف، وأوجه المخالفة تختلف، فإذا علقنا التصديق بثبوت شيء عليها، فقد علقناه على أمرٍ غير منضبط.
وقال ﵀:
لا يجوز أن يخبر الرسل بشيء يعلم بالعقل الصريح امتناعه، بل لا يجوز أن يخبروا بما لا يعلم بالعقل ثبوته فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول، ويجوز أن يكون في بعض ما يخبرون به ما يعجز عقل بعض الناس عن فهمه وتصوره؛ فإن العقول متفاوتة. (^٣)
* الحاصل أن الأصل فى تعامل الأشاعرة مع النصوص الشرعية، وتقسيمها إلى) إلهيات، سمعيات، نبوات) إنما يعود فى الحقيقة على مدى موافقتها للعقل لمن عدمه، على طريقة:
" وما آتاكم العقل فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا "، فيزعمون أن ما خالف العقل فليس بمقبول، ولو جاء به كل منقول!!!
وفى حقيقة الأمر
_________________
(١) منهج الأشاعرة في العقيدة (ص/٥٩)
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٧٧)
(٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٣٣)
[ ٢ / ٨٩٦ ]
أنهم إنما يردُّون ما خالف الرأى، لا ما خالف العقل؛ فإنه ما ورد نص قرآنى، ولا حديث نبوى صحيح إلا وهو يوافق العقل، عَلِمه من عَلِمه وجهِله من جهِله.
*عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ "
وقوله: " وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ " فيه وجهان:
أحدهما:
أن هذا ليس من الكبائر، فيكون المعنى التحذير من الكبائر؛ لأنه إذا وقع العذاب في القبر على ما ليس من الكبائر فكيف بالكبائر؟!
والثاني:
أنه ليس المراد أن هذا ليس بكبير في باب الدين، بل هو كبير في الذنوب وإن كان صغيرًا عندكم، ولكنه كبير عند الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور آية: ١٥)، وليس بكبير على فاعله أن يحترز منه، إذ لا مشقة فى الاحتراز عن البول والنميمة ولاتنزه عنهما، وليس ذلك بالعسير على تاركه.
ومما يؤيد هذا التوجيه:
" لفظ البخارى: " يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ ". (^١)
وهذا الذى مال إليه البخاري، حيث روى حديث الباب في كتاب الأدب في باب:
" النميمة من الكبائر ".
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٥٥)
[ ٢ / ٨٩٧ ]
حديث الباب أحد الأدلة التى تدحض منهج المرجئة والخوارج
* وعلى التأويل يكون الحديث أحد الأدلة التى تدحض منهج المرجئة والخوارج:
أ) أما المرجئة:
فالمرجئة هم المنسوبون إلى الإِرجاء لتأخيرهم الأعمال عن الإِيمان، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وقالوا: لا يضر مع الإِيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإِيمان، وأن الإِيمان لا يتبعض، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإِيمان غير معرض للوعيد، ومذهبهم باطل ترده أدلة الكتاب والسنة.
وحديث الباب حجة عليهم؛ لأنه أبان وقوع العذاب عليهما على فعلهما للكبيرة، رغم وجود أصل الإيمان.
ب) وأما الخوارج:
فهم الوعيدية القائلون بإنفاذ الوعيد، وأن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب منها فهو خالد مخلد في النار.
ففى حديث الباب رد على تكفيرهم بالكبيرة؛ ووجه الشاهد أن الرسول -ﷺ- قد قال لما غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ جريدة: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»، "وقال ﷺ: " فأحببت بشفاعتى أن يرفع ذلك عنهما ما دام القضيبان رطبين " (^١)
* ووجه الدلالة:
أنه لو كان فاعل الكبيرة كافرًا لما جازت له الشفاعة، فالأيات فى نفى الشفاعة عن الكافرين قد تتآلت تترا فى كتاب الله تعالى.
*عودٌ إلى حديث الباب:
قول الراوى: " ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»
قد استدل بعض الحنفية بفعل النبى -ﷺ - حين غرز الجريد فى قبريّ الرجلين على مشروعية هذا الفعل، وأنه يندب زرع الشجر والزرع على المقابر؛ لكونهما يسبحان ما داما رطبين، وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠١٢)
[ ٢ / ٨٩٨ ]
تعالى (وإن من شئ الا يسبح بحمده)، قالوا معناه: وإن من شئ حي، ثم قالوا حياة كل شئ بحسبه. (^١)
قال ابن عابدين:
ويؤخذ من الحديث ندب وضع ذلك للاتباع، ويقاس عليه ما اعتيد في زماننا من وضع أغصان الآس ونحوه. (^٢) وقد نقل السيوطى عمن لم يسمه ما نصه:
" هذا الحديث أصل في غرس الأشجار عند القبور" (^٣)
والراجح -والله أعلم- أن التخفيف عن القبرين إنما حصل ببركة يده الشريفة - ﷺ - وشفاعته لهما.
* يدل عليه:
ما ورد فى حديث جابر -﵁- أن النبي - ﷺ - قال له:
«فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، قَالَ جَابِرٌ:
فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَعَمَّ ذَاكَ؟
قَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ». (^٤)
فقوله ﷺ: " فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا ":
قد دل على أن ذلك مداره على الخصوصية، لحصول شفاعة النبي -ﷺ-
بذات فعله.
*فدل ذلك على أن الحكمة من وضع الجريد وإن لم تظهر في حديث الباب فقد وردت فى حديث جابر ﵁، لأن الظاهر أن القصة واحدة، كما رجح ذلك القرطبى والنووى. (^٥)
حتى ولو قيل بأن الواقعتين مختلفتان، فى حديثى ابن عباس وجابر ﵃، كما
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٣/ ٢٠٢)
(٢) رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٢٤٥)
(٣) شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص/٣٠٥)
(٤) أخرجه مسلم (٣٠١٢) ومعنى (أن يرفه عنهما): أي يخفف.
(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ٥٥٣)
[ ٢ / ٨٩٩ ]
مال إلى ذلك ابن حجر، فإن خير ما يفسر به الحديث هو الحديث، فقد ورد فى حديث جابر -﵁- بيان الحكمة من فعله بغرز الجريد على القبرين، وهى أن حصول التخفيف عن المعذبيَن إنما حصل شفاعة النبي -ﷺ ما دام الغصنان رطبين.
قال القاضى عياض:
وقوله ﵇: " فأحببت بشفاعتى أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين " يفسر مشكل قوله فى الحديث الآخر: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا "، وأن ذلك بدعوته لهما بذلك، فإن كانت القصة واحدة -أى في حديثى ابن عباس وجابر- فقد بيَّن أنه ﷺ دعا لهما وشفع، وإن كانت قصة أخرى فيكون المعنى فيهما واحدًا، والله أعلم. (^١)
قال الخطابي:
وأما غرسه - ﷺ - شق العسيب على القبر وقوله: (ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي -ﷺ- ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه - ﷺ - جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنها، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنىً ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، والله أعلم. (^٢)
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ١٢٠) و(٨/ ٥٧٠)
(٢) معالم السنن (١/ ١٩) قال الشيخ أحمد محمد شاكر معقبًا على كلام الخطابي: وصدق الخطابي وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه خصوصًا في بلاد مصر تقليدًا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحيةً لهم ومجاملةً للأحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدةً من بلاد أوروبا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه الجندي المجهول وضعوا عليها الزهور. = = وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدًا للإفرنج واتباعًا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة بل تراهم أنفسهم يصنعون ذلك في قبور موتاهم. ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافًا خيريةً موقوفٌ ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع في القبور. وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين ولا مستند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا. ذكره الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على سنن الترمذي (١/ ١٠٣)، وانظر قواعد وأسس في السنة والبدعة (حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة (ص/ ١٧٣».
[ ٢ / ٩٠٠ ]
وقال ابن الحاج:
فالجواب عن قوله ﵊ (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) راجع إلى بركة ما وقع من لمسه ﵊ لتلك الجريدة، وقد نص على ذلك الإمام الطرطوشي ﵀ في كتاب " سراج الملوك " له، لما ذكر هذا الحديث فقال عقبه:
وذلك لبركة يده ﵊.
وما نقل عن واحد من الصحابة فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃؛ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه، ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحبًا. (^١)
* وكذا يقال:
أن فعل النبي - ﵊ - بغرزه للجريد على القبرين قد انبنى على علم منه بوحى أن صاحبيهما يعذبان، فيقال لمن فعل مثل هذا الفعل بغرز الجريد أو زرعه على القبر، هل أنت على علم بوقوع العذاب على صاحب القبر؟!!
وقد أورد ابن حجر ردًا على هذا الجواب فقال:
لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عذِّب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة. (^٢)
ولكن يناقش هذا:
بأن الرسول -ﷺلم يفعل ذلك إلا فى قبور مخصوصة قد أطلعه الله -تعالى- على تعذيب أهلها، ولو كان ذلك مشروعًا لفعله فى كل القبور، فلما لم يفعل ذلك إلا فى قبور علم تعذيب أهلها دل ذلك على أن سائر القبور ليس لها ذلك الحكم. (^٣)
* فإن قيل:
قد ذكر البخاري تحت باب الجريد على القبر (٢/ ٩٥):
" وأوصى
_________________
(١) المدخل (٣/ ٢٩٤)
(٢) فتح البارى (١/ ٣٢٠)
(٣) وانظر تعليق ابن باز على الفتح (١/ ٣٢٠) وأحكام المقابر في الشريعة الإسلامية (ص/١٦٩)
[ ٢ / ٩٠١ ]
حكم غرس الجريد عند القبر وبيان الراجح في ذلك
أدلة منع قراءة القرآن للميت عند القبر
بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدان " (^١)
* فجوابه:
أن هذا الفعل ورد على خلاف ما فهمه عامة الصحابة -﵃- والسلف الصالح، إذ أنهم لو فهموا من النص العموم لعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد على القبور. ولو أنهم فعلوا ذلك لاشتهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا.
قال ابن الحاج:
وما نقل عن واحد من الصحابة فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃؛ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه، ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحبًا. (^٢)
وأما فعل بريدة ﵁:
فيحتمل أن يكون أمر أن يجعل في داخل القبر لما في النخلة من البركة؛ لقوله تعالى (كشجرة طيبة)
ويحتمل أنه فعله من باب الاقتداء بالنبي - ﷺ- في وضعه الجريدتين على القبر.
ومما يؤيد الأول:
أنه أوصى أن يوضع " في قبره "، وهى رواية الأكثرين. (^٣)
* تنبيه:
قد انبنى على القول بأن وضع الجريد إنما كان لتسبيحه حال رطوبته القول باستحباب تلاوة قراءة القرآن عند القبر؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد، فتلاوة القرآن من باب أولى!! (^٤)
والراجح -والله أعلم- المنع من ذلك، وهو مَذهَب المالِكيَّة وقَوْلُ أبي حنيفة، وهى أصح الروايتين عن أحمد، واختيارُ أبي العباس ابنِ تيمِيَّة. (^٥)
_________________
(١) أخرجه البخارى معلقًا فى الجنائز باب الجريد على القبر (١/ ٤٠٤) ووصله ابن سعد فى الطبقات (٢٨٢٦) وإسناده صحيح، وانظر تغليق التعليق على صحيح البخاري (٢/ ٤٩٢).
(٢) المدخل (٣/ ٢٩٤)
(٣) وانظر فتح الباري (٢/ ٢٢٣) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (٨/ ١٨٢)
(٤) وممن نقل ذلك: النووى والخطابي وابن دقيق العيد. وانظر شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٠٣) وأعلام الحديث (١/ ٢٧٤) وإحكام الأحكام (١/ ١٠٩) وبشرى الكريم بشرح مسائل التعليم شرح المقدمة الحضرمية (ص/٤٧٤)
(٥) قد نقل المروذي الرواية الصحيحة عن أحمد، أنه قال: القراءة عند القبر بدعة، وقال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن القراءة على القبر؟ قال: القراءة على القبر بدعة. هذِه هي الروايات الصحيحة عن الإمام أحمد، وحكاية رجوعه عنها المروية في كتاب "الروح" ص ١٣ لابن القيم، عن الخلال لا تصح، ففيها مجاهيل.. وانظر "مسائل ابن هانئ" (٩٤٦) والروايتين والوجهين (١/ ٢١٢) والفروع (٢/ ٣٠٥) وأحكام الجنائز وبدعها" (ص/ ١٩٢) = =وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فيفرق بين القراءة حين الدفن، والقراءة الراتبة بعد الدفن، فيقول أن هذه الأخيرة بدعة، لا يعرف لها أصل. مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣١٧)
[ ٢ / ٩٠٢ ]
*ويدل هلى المنع عدة أمور:
١ - قد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان ﵊ بعد الدفن يقف ويقول:
«استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل».
ولو كانت القراءة عند القبر خيرًا وشرعًا لأمر بها النبي - ﷺ - حتى تعلم الأمة ذلك.
٢ - كان النبي -ﷺ- يزور القبور، ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه ﵁، وتعلموها منه، من ذلك:
(السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية).
ولم يثبت عنه ﷺ أنه قرأ سورة من القرآن أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم، ولو كان ذلك مشروعًا لفعله، وبينه لأصحابه؛ رغبةً في الثواب، ورحمةً بالأمة، وأداءً لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة/١٢٨).
فعدم الفعل مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع فيه دلالة على عدم المشروعية. (^١)
_________________
(١) مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١٧/ ٢١٨ - ٢١٩)
[ ٢ / ٩٠٣ ]
٣ - روى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال:
"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ليفر من البيت يقرأ فيه البقرة"
فلولا أن المقبرة لا يقرأ فيها لم يشبه البيت الذي لا يقرأ فيه بالمقبرة.
قال أبو العباس ابن تيمية:
نقل الجماعة عن أحمد كراهة القرآن على القبور، وهو قول جمهور السلف، ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين: إن القراءة عند القبر أفضل، واتخاذ المصاحف عند القبر بدعة، ولو للقراءة ولو نفع الميت لفعله السلف. (^١)
تم بحمد الله.
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٦٢)
[ ٢ / ٩٠٤ ]