[ ١ / ٥٢٩ ]
*نص حديث الباب:
عَنْ عُمَرَبن الخطاب - ﵁ - قَالَ:
كُنْتُ فِي رَكْبٍ أَسِيرُ فِي غَزَاةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَحَلَفْتُ فَقُلْتُ: لَا وَأَبِي، فَسَمِعَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ:
لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ - ﷿ - يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ.
قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا.
* أخرجه البخاري (٦٦٤٧) بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، ومسلم (١٦٤٦) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى.
*أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
١ - الفائدة الأولى: نقض مسائل الجاهلية:
لا شك أن شريعة الإسلام التى بُعث بها النبي - ﷺ - إنما عنت في المقام الأول بهدم علائق الجاهلية في قلوب الناس وأفعاهم وأقوالهم، وهذا دلائله كثيرة في الكتاب والسنة قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة /٥٠)، وقال تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب /٣٣)،
وقال عزوجل (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) (الفتح/٢٦)
* ومن ذلك أيضًا ما ورد في السنة:
في حديث أبي ذر - ﵁- قال:
سَابَبْتُ رَجُلًا
[ ١ / ٥٣١ ]
فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فقال لي النَّبِيُّ ﷺ:
يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. (^١)
وعن عَبْدِ اللهِ بن مسعود - ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». (^٢)
وقد جمع الرسول - ﷺ - ما سبق في حديث ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْلَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، النَّاسُ رَجُلَانِ:
بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللهُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. (^٣)
والأمثلة في هذا الباب كثيرة، ومنها ما ورد في حديث الباب:
فقد كانت عادة العرب القسم بما جل قدره وعظم خطره وكثر نفعه عند الخلق من السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار ونحو ذلك.
ومن هذا الباب فقد كان من الشائع عند أهل الجاهلية الافتخار بالأباء وتعظيمهم، وكم من أمة كفرت بالله -عزوجل - من هذا الباب، قال تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤» (المائدة/١٠٤)
وهذا كثير الذكر في كتاب الله تعالى،
_________________
(١) متفق عليه. أي عيَّره بسبب أمه، وكانت سوداء، فقال له يا ابن السوداء. وقوله ﷺ (فيك جاهلية): أى فيك خصلة من خصال الجاهلية، وهي التفاخر بالآباء.
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه أحمد (٨٧٣٦) والترمذى (٣٢٧٠) قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. عُبِّيَّة الجاهلية: بضم عين مهملة، وكسر موحدة مشددة، وفتح ياء مثناة من تحت مشددة، نَخْوتُها وكبرها وفخرها وتعاظمها. "مؤمن تقي، وفاجر شقي"، أي: الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخير الفاضل، وإن لم يكن حسيبًا في قومه. وفاجر شقي فهو الدنيء، وإن كان في أهله شريفًا رفيعًا. (معالم السنن (٣/ ٦٢٢»
[ ١ / ٥٣٢ ]
كذلك كانوا يكثرون الحلف بالأباء في أيمانهم،
كما ورد في حديث ابْنَ عُمَرَرضي الله عنهما- قَالَ:
كَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ ﷺ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (^١)
* لذا فقد أراد النبي - ﷺ - أن يغلق هذا الباب لحسم المادة وسد الذريعة الموصلة إلى تعظيم الأباء والطواغيت من دون الله - تعالى- فنهاهم عن الحلف بالآباء، كما في حديث الباب، وليس هذا النهى خاصًا عن الحلف بالآباء؛ بل بكل محلوف به سوى الله عزوجل، وإنما خرج الحديث على الغالب فلا مفهوم له.
فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالقسم لا يكون إلا بمعظَّم، فيعم الحكم كل مقسَم به غير الله تعالى.
كما أن النهى خص الحلف بالأباء لأنه هو سبب ورود الحديث، وذلك لما حلف عمر بن الخطاب -﵁- فقال: " وأبي".
*يؤيده:
ما ورد في الروايات الأخرى، فعن عبدالرحمن بن سمرةرضي الله عنه- قال:
قال النبي ﷺ -: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلَا بِآبَائِكُمْ». (^٢)
وفي رواية أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ ". (^٣)
وعن بريدةرضي الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ " (^٤)
قال الخطابي:
هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٤٦)
(٢) أخرجه مسلم (١٦٤٨) أحمد (٢٠٦٢٤) والمراد (بالطواغي) هي الأصنام، وقد سُمي باسم المصدر لطغيان الكفار بعبادته؛ لأنه سبب طغيانهم وكفرهم، وكل ما جاوز الحد في تعظيم أو غيره فقد طغى. فالطغيان المجاوزة للحد ومنه قوله تعالى ﴿لما طغى الماء﴾ أي جاوز الحد. وانظر شرح مسلم للنووى (٦/ ١٢٠) والعين (٤/ ٤٣٥) والتوضيح لابن الملقن (٣٠/ ٢٦٣)
(٣) أخرجه النسائي (٣٧٦٩) وأبو داود (٣٢٤٨) الأنداد: جمع ند، وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره، ويناده، أي: يخالفه، ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله.
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٩٨٠) وأبو داود (٣٢٥٣) والحاكم (٧٨١٦) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٥٣٣ ]
فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله ﷿ وصفاته. (^١)
قال المهلب:
كانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم؛ لينسيهم ذكر كل شيء سواه ويبقي ذكره، لأنه الحق المعبود؛ فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء. (^٢)
٢ - الفائدة الثانية: الحلف بغير الله تعالى، حكمه وحكمته:
* نقول أولًا:
قد دل حديث الباب على نهي الشرع عن الحلف بغير الله تعالى، والحكمة من ذلك هى أن الحلف يقتضى تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله - تعالى - لا شريك له فيها؛ فإنها إزاره والكبرياء رداءه فمن نازعه فيهما قصمه، كما صح في الأحاديث الصحيحة حكاية عنه ﷾، فلا يضاهى به غيره. (^٣)
كذلك قَال تعالى (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)
قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
الأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ، فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ، وَحَيَاتِكَ يَا فُلانَةُ، وَحَيَاتِي. (^٤)
فدل ذلك على أنّ هذه الألفاظ التي ذكرها ابن عبّاس -﵄- تجري على ألسنة
كثيرٍ من النّاس وهي من الشّرك، لكنه شرك أصغر، ويسمّى شرك الألفاظ، ولو لم يقصد بقلبه، وهو من اتّخاذ الأنداد، فالحلف بغير الله - تعالى - من اتّخاذ الأنداد لله ﷾،
لأنّ النّد معناه:
النّظير والشّبيه، فالذي يحلف بغير الله -تعالى- يجعل المحلوف به
_________________
(١) معالم السنن (٢/ ٥٢٠)
(٢) وانظر فتح الباري (١١/ ٣٣٥) رسالة الشرك ومظاهره (ص/٤٠٩) المهلب المذكور هو: المهلب بن أحمد بن أبي صفرة، أسيد بن عبد الله الأسدي الأندلسي المريي، وهو مصنف (شرح صحيح البخاري). وكان أحد الأئمة الفصحاء، الموصوفين بالذكاء، وقد أكثر الإمام ابن حجر النقل عنه في فتح الباري شرح صحيح البخاري، توفي في شوال سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. (سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٥٧٩).
(٣) المجموع للنووي (١٩/ ١١٥) والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ٢٥٥)
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٩٩) وابن حبان (١/ ٦٢) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٥٣٤ ]
نِدًّا لله -تعالى - وشبيهًا لله ﷾. (^١)
* وعن قتيلة- بالتصغير﵂- أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ:
إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا:
وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ شِئْتَ. (^٢)
قال ابن مسعود ﵁:
لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا. (^٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. (^٤)
* أما حكم الحلف بغير الله - تعالى - فهو على تفصيل:
أ) الحالة الأولى:
من أقسم بغير الله -تعالى- معتقدًا في المحلوف به من التعظيم ما لا يعتقده إلا في الله - تعالى-، أو اعتقد لزوم يمينه بغير الله -تعالى- كاعتقاد لزومها بالله فهذا كفر وردة عن دين الله عزوجل، وعليه يُحمل قوله ﷺ:
.
«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشْرَكَ». (^٥)
قال الشوكانى:
وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء المقبورين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك أو الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق.
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٥٠٦)
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٩٣) والنسائي (٣٧٧٣) والحاكم (٧٨١٥) وصححه ابن حجر فى الإِصابة (٤/ ٣٨٩) والنسائي، كما في فتح الباري (١١/ ٥٤٠) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبى.
(٣) أخرجه عبدالرزاق (١٥٩٢٩)، وقال المنذري في " الترغيب " (٥/ ٢٠٩): " ورواته رواة الصحيح "، وقال الهيثمي في " المجمع " (٤/ ١٧٧): " ورجاله رجال الصحيح ". وصححه الألباني في الإرواء (٢٥٦٢)
(٤) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٢٣) والفروع (٤/ ٤٣٣)
(٥) أخرجه أبوداود (٣٢٥١) والترمذى (١٥٣٥) قال الترمذى: هذا حديث حسن. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٥٣٥ ]
وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال:
إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟!
وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟! (^١)
قال سليمان بن عبد الله:
الذي يفعله عبَّاد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبًا. فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. (^٢)
ب) الحالة الثانية:
من أقسم بغير الله -تعالى- معتقدًا في المحلوف به من التعظيم دون ما يعتقده في الله - تعالى- فهذا مما يقع تحت الشرك الأصغر الذى لا يُخرج من الملة.
وإنما سُمَّى شركًا لأن من حلف بغير الله-تعالى- فقد جعل من حلف به كما الله- تعالى - محلوفًا به، وإن لم يكن معظمًا له كتعظيمه لله عزوجل، وهذا مما يعد من شرك الأعمال، ولا يدخل في شرك الاعتقاد. (^٣)
جـ) الحالة الثالثة:
من أقسم بغير الله -تعالى- دون أن يعتقد في المحلوف به تعظيمًا، سواء في ذلك أكان هذا المحلوف به معظَّمًا، كالملائكة والأنبياء والكعبة، أم غير معظم كالأباء والأبناء، وهذه التى وقع فيها الخلاف بين العلماء على قولين:
١) القول الأول:
الكراهة:
وهو قول المالكية وجمهور الشافعية والظاهرية، وهو قول عند
_________________
(١) وانظر نيل الأوطار (٤/ ١٢٠) والزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/ ٣٤٤)
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص/٥١٤) قلت: ولا شك أن كلام الشوكانى وسليمان بن عبد الله يوضح لك الفرق الذى يعسرعلى البعض الوقوف عليه، وهو الفرق بين من يقسم بغير الله -تعالى- معظمًا لمن يقسم به كتعظيمه لله أو أشد وهو الشرك الأكبر، وبين من يقسم بغير الله -تعالى- معظمًا لمن يقسم به دون تعظيمه لله تعالى.
(٣) شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٩٠) وعارضة الاحوذى (٧/ ١٩)
[ ١ / ٥٣٦ ]
اليمين تنعقد بالله وصفاته العلية
الحنفية والحنابلة. (^١)
٢) القول الثانى:
التحريم: وهو المشهور عند الحنفية والحنابلة، وقول أهل الظاهر وهو قول عند المالكية والشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح والله أعلم. (^٢)
يدل عليه:
أ) النهى الذى قد ورد في حديث الباب، حديث عمر بن الخطاب -﵁-:
(من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله)، فهو نهى عن الحلف بغير الله تعالى، والأصل في النهى التحريم.
قال القرطبي:
قوله: (من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله) فظاهر النهي التحريم، ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه. (^٣)
ب) وعن سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَاصٍ -﵁- قَالَ:
حَلَفْت بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ أصْحَابِي: قُلْتَ هُجْرًا، فَأتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْعَهدَ كَانَ قَريبًا، وَحَلَفْتُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رسول اللهِ - ﷺ -: "قُلْ لا إله إِلاَّ الله وَحْدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ اتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًَا، وَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ،
وَلَا تَعُدْ". (^٤)
فقوله " ﷺ -: وَلَا تَعُدْ" نهى عن العودة للحلف بغير الله تعالى، والأصل في النهى التحريم.
٣ - الفائدة الثالثة:
اتفق العلماء أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية،
_________________
(١) الروضة (٤/ ٤٦٦) وابن مفلح في الفروع (٤/ ٤٣٣) وفتح الباري (١١/ ٥٣)
(٢) وانظرمجموع الفتاوى (١/ ٣٣٥) وفتح الباري (١١/ ٥٣١) والمسائل العقدية التى حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٢٢٩)
(٣) المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٦٢١) وانظر "أحاديث يوهم ظاهرها التعارض" (ص/ ٢٣٣)
(٤) أخرجه أحمد (١٥٩٠) وابن حبان (١١٧٨) صححه الشيخ أحمد شاكر، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحهما لأبي إسحاق من رواية إسرائيل.
[ ١ / ٥٣٧ ]
فمن أقسم بالله - تعالى - أو بصفة من صفاته أو بفعل من أفعاله فقد انعقدت ييمينه، فإن حنث فعليه الكفارة، وهذا مما لا خلاف فيه بين علماء الأمصار، إلا ما ذكر عن الشافعى على أصله على من اشترط نية اليمين فى الحالف بالصفات. (^١)
وكان النبي - ﷺ - يقسم بالله وصفاته وأفعاله:
عَنْ أُمِّ العَلَاءِ - ﵁- قَالَتْ:
اشْتَكَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ -﵁- فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
وَمَا يُدْرِيكِ، أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ. (^٢)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر - ﵄- قَالَ:
كَثِيرًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّﷺ - يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ. (^٣)
وعن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
«إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ». (^٤)
وعن أَبُى هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قال:
«يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا». (^٥)
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁- قال:
من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن
_________________
(١) وانظر المحلى (٨/ ٤٣) وإكمال المعلم بفوائد مسلم (٥/ ٤٠١) قال ابن رشد: وأما من منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فضعيف، وسبب اختلافهم هو هل يقتصر بالحديث على ما جاء من تعليق الحكم فيه بالاسم فقط; أو يُعدَّى إلى الصفات والأفعال، لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط جمود كثير، وهو أشبه بمذهب= =أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب، حكاه اللخمي عن محمد بن المواز. وشذت فرقة فمنعت اليمين بالله ﷿، والحديث نص في مخالفة هذا المذهب. بداية المجتهد (١/ ٧١٩)
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٢٩)
(٣) أخرجه البخاري (٦٦١٧)
(٤) أخرجه البخاري (٣١٢٠) ومسلم (٢٩١٨)
(٥) متفق عليه.
[ ١ / ٥٣٨ ]
الحلف بغير الله -تعالى- لا ينعقد به اليمين وكفارة ذلك
كَفَرَ بحرف منه كَفَرَ به أجمع. (^١)
ففي هذه الأحاديث حجة على جواز الحلف بأسماء الله -تعالى - وصفاته وأفعاله، فإذا حنث فقد وجبت عليه الكفارة، ولا نزاع في أصل ذلك وإنما الخلاف في أي صفة تنعقد بها اليمين، والتحقيق أنها مختصة بالتي لا يشاركه فيها غيره كمقلب القلوب. (^٢)
قال ابن الملقن:
أهل السنة أجمعوا على أن صفات الله أسماء له (^٣)، ولا يجوز أن تكون صفات غيره، فالحلف بها كالحلف في أسمائه يجب فيها الكفارة، ألا ترى أنه - ﵇ - كثيرًا ما كان يحلف "لا ومقلب القلوب"، وتقليبه لقلوب عباده صفة من صفاته، ولا يجوز على الشارع أن يحلف بما ليس بيمين؛ لأنه قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله ". (^٤)
قال ابن هبيرة:
أجمعوا على أن اليمين منعقدة بالله وبجميع أسمائه الحسنى وبجميع صفات ذاته، كعزته وجلاله وعلمه وقوته وقدرته. (^٥)
*يؤيده:
أن الحلف بصفات الله -تعالى- كالاستعاذة بها، فإذا كانت الاستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي ﷺ ﴿أعوذ بوجهك﴾ ﴿وأعوذ بكلمات الله التامات﴾ ﴿وأعوذ برضاك من سخطك﴾ ونحو ذلك، فكذلك الحلف، وهذا أمر متقرر عند العلماء. (^٦)
٤ - الفائدة الرابعة:
قد دل حديث الباب على أن الحلف بغير الله -تعالى - منهى عنه، ولا ينعقد به يمين، ووجه الدلالة أن عمر -﵁ - لما قال: لَا وَأَبِي، سَمِعَه رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ:
لَا
_________________
(١) أخرجه مسدد (المطالب ٢/ ٢٣٦) وانظر " ما صح من آثار الصحابة في الفقه " لزكريا بن قادر الباكستاني (٣/ ١١٣٠)
(٢) وانظر فتح الباري شرح صحيح البخاري (١١/ ٧٣٥) وتحفة الأحوذي (٥/ ١٢٠) وتفسير القرطبي (٦/ ١٧٤)
(٣) يقصد المصنف بصفات الله الصفات المعنوية لأن الاشاعرة الذين عبر عنهم في السياق بأهل السنة لا يثبتون غيرها.
(٤) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ٢٩٤)
(٥) وانظرإجماع الأئمة الأربعة واختلافهم (٢/ ٢٣٩) واقتضاء الصراط المستقيم (ص/٥٥٤) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ٢٥٦)
(٦) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٧٣)
[ ١ / ٥٣٩ ]
تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ - ﷿ - يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ "، ولم يأمره بكفارة.
* يؤيده:
ما روي أَبِو هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:
«مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي يَمِينِهِ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَى أُقَامِرُك فَلْيَتَصَدَّقْ» (^١)؛ لأنه لم يذكر فيه الكفارة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لا يُقسَم بمخلوق مطلقًا، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد باتفاق الأئمة، ولا كفارة في الحلف بذلك. (^٢)
وقد ذهب أبوحنيفة إلى القول بوجوب الكفارة في الحلف بما لا يجوز من هذا النوع، وقد تعلَّق بان الله - سبحانه - أوجب على المظاهر الكفارة، وعلل بأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذا منكر من القول وزور. (^٣)
وقول الجمهور هو الراجح؛ وذلك للأحاديث التى استدلوا بها، فلا عبرة لنظر في وجود نص.
*فرع:
اختلف العلماء فمن حلف فقال " إن فعل كذا فهو يهودى أو نصرانى، أو هو بريء من الإسلام "،
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) وانظر مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٤) والتمهيد (٥/ ٥٥٧) والمنتقى شرح الموطإ (٣/ ٢٥٩) وقال أحمد في رواية عنه فقال تنعقد يمين من أقسم بالنبي - ﷺ - خاصة؛ لأنه ﷺ أحد شرطى الشهادة فالحلف به موجب للكفارة كالحلف باسم الله تعالى، والجمهور على خلافه، وقولهم هو الراجح؛ لقول النبي - ﷺ (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت). ولأنه حلف بغير الله - تعالى - فلم توجب الكفارة بالحنث فيه كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كالحلف بإبراهيم ﵇، ولأنه ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم غير الله -تعالى- على اسمه لعدم الشبه وانتفاء المماثلة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق، لا النبي - ﷺ - ولاغيره. ا. هـ وانظر إجماع الأئمة الأربعة (٤/ ٢٧٣) والمغنى (٨/ ٧٠٤) والاستغاثة في الرد على البكري (ص/٢٤٣) والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف (٢٧/ ٤٦٧)
(٣) المبسوط (٨/ ١٣٠) وإكمال المعلم بفوائد مسلم (٥/ ٤٠٠)
[ ١ / ٥٤٠ ]
فذهب المالكية والشافعية إلى أنه ليس بيمين منعقد، ولا كفارة على قائله؛ وعلة ذلك أن الأيمان إنما تنعقد بمن لزمت طاعته وعظمت حرمته، وهذ لا يكون إلا لله تعالى، وعليه ففي هذه الحال يجب عليه أن يستغفر الله، ويقول " لا إله إلا الله ".
في حين أوجب أصحاب الرأي عليه كفارة يمين. وهو قول أحمد وإسحاق، وذلك إذا
أراد قائله اليمين؛ وذلك بناءً على أن الأيمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته، لأن الحلف بالتعظيم كالحلف بترك التعظيم، وذلك أنه كما يجب التعظيم يجب أن لا يترك التعظيم، فكما أن من حلف بوجوب حق الله عليه لزمه، كذلك من حلف بترك وجوبه لزمه. (^١)
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول.
٥ - الفائدة الخامسة: كفارة الحلف بغير الله تعالى:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". (^٢)
*وعن سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَاصٍ -﵁- قَالَ:
حَلَفْت بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ أصْحَابِي: قُلْتَ هُجْرًا، فَأتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْعَهدَ كَانَ قَريبًا، وَحَلَفْتُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رسول اللهِ - ﷺ -: "قُلْ لا إله إِلاَّ الله وَحْدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ اتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًَا، وَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ،
لَا تَعُدْ". (^٣)
وبيان ذلك أن الحلف بغير الله -تعالى- سيئة، والحسنة تمحو السيئة، ولأن من حلف بغير الله -تعالى- معتقدًا في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله - تعالى- أو دون ذلك فقد أشرك غير الله مع الله - تعالى - في تعظيمه بالقسم به، ولهذا سُمَّى شركًا،
_________________
(١) المجموع للنووي (١٩/ ١١٥) وبدائع الصنائع (٤/ ٣١) وبداية المجتهد (١/ ٧٢٢)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه أحمد (١٥٩٠) وابن حبان (١١٧٨) صححه الشيخ أحمد شاكر، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحهما لأبي إسحاق من رواية إسرائيل.
[ ١ / ٥٤١ ]
الرد على إشكال قسم الله -تعالي- بمخلوقاته
لذا فقد وجب علي أن يقول: " لا إله إلا الله "؛ توحيدًا لله - تعالى- وبراءة من الشرك. (^١)
-
* ختامًا: إشكالات والرد عنها:
الإشكال الأول:
قد أقسم الله -تعالى - في كتابه بكثير من مخلوقاته، مثل قوله: ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١]، وقوله: ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم: ١] إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في القرآن،
وقد ورد في حديث الباب أن النبي - ﵊ - قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، فكيف الجواب عن هذا الإشكال؟؟
*نقول:
قبل الرد عن هذا الإشكال لابد أن نقعِّد أصلًا مهمًا في هذا الباب:
فلابد أن نعلم أن الله - تعالى- فعَّال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وليس للعبد أن يسأل الرب عن فعله لم فعله، وإنما الواجب عليه أن يفعل ما يأمره الله -تعالى - به، ممتثلين في ذلك قول الذين﴾ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿.
*ثم الرد عن ذلك من وجوه:
أ) الأول:
قيل أن هذه الأشياء المقسَم بها في كتاب الله -تعالى - فيها إضمار تقديرُه محذوف، وهو الله ﵎، فتقدير الكلام: " ورب النجم، ورب السماء". (^٢)
وهذا جواب مرجوح؛ فالأصل في الكلام عدم التقدير.
ب) الثانى:
قيل أن المقصود بالنهى في حديث الباب إنما هو ألا يُعَظَّمَ مَنْ لَمْ يُعَظِّمِ الشَّرْعُ، بدليل قوله فيه: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وأن هذا من باب الخاص الذي أريد به العام، أجاز الحلف بكل معظم في الشرع. (^٣)
وعليه فلا حرج في القسم بما عظَّمه الشرع، ومن ذلك آيات الله -تعالى - وبديع مخلوقاته.
وهذا جواب مرجوح، يرده ما ورد فى حديث الباب:
" إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ
_________________
(١) المغنى (١٣/ ٤٣٨)
(٢) التمهيد (٥/ ٢٠٣) والفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (٤/ ٢٤٤٢)
(٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ٧١٨)
[ ١ / ٥٤٢ ]
الرد على الإشكال في قوله ﷺ: "أفلح وأبيه "
دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" فحرّم القسم بكل ما سوى الله -تعالى- ولو كان المقسَم به معظمًا في الشرع.
ج) الثالث وهو الراجح، والله أعلم:
أن الله - تعالى - قد أقسم بذات هذه المخلوقات؛ وذلك لحكم بالغة، نذكر منها:
١) التنبيه على دلائل قدرته وعظمته، فهو خالقها وربها.
٢) أن الإقسام بهذه المخلوقات هى دعوة للعباد ليتفكروا في عظمة هذه المخلوقات، ويعلموا أن هذا الخلق دليل من أدلة كثيرة على أنه ﷾ خالقهم لا خالق لهم سواه؛ فيكون المستحق للعبادة وحده. (^١)
قال الشعبي:
الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق.
وقال مطرف بن عبد الله:
إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليُعَجْبَ بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها. (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزته، فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع. (^٣)
*الإشكال الثانى:
قول الرَسُول -ﷺ - للرجل الذى قال له:
" وَاللهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ": " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ "!!
* وقد أجاب العلماء ذلك من وجوه:
١) الأول:
أن لفظة " وأبيه " غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها، وهو إسماعيل بن جعفر بلفظ: «أَفْلَحَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ»، وهذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ: " أفلح
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١١٧) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ٢٥٩)
(٢) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٦/ ٩٧)
(٣) مجموع الفتاوى (١/ ٢٩٠)
[ ١ / ٥٤٣ ]
وأبيه "، لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلًا. (^١)
*وجواب ذلك ما قاله ابن الملقن:
وهذا عجيب، فالزيادة بـ " وأبيه " لا شك في صحتها ولا مرية. (^٢)
قلت:
ومما يؤيد ذلك أنه قد ورد لهذه اللفظة نظائر في في موضعين من الصحيح:
ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ:
" أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ. (^٣)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ، نَعَمْ، وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ». (^٤)
٢) الثانى:
أن ذلك كان قبل النهي عن الحلف يغبر الله تعالى، قاله الماوردي والطحاوى، وقال السبكي أكثر الشرَّاح عليه، ونص ابن عبد البر ابن قدامة على أن لفظة " وأبيه " إن صحت فهى منسوخة. (^٥)
واستدلوا على ذلك بحديث قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ الْجُهَنِيَّةِ -﵂- قَالتْ:
أَتَى حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، فَقَالَ:
" سُبْحَانَ اللهِ " قَالَ: إنَّكُمْ تَقُولُونَ إذَا حَلَفْتُمْ وَالْكَعْبَةِ قَالَ: فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: " إنَّهُ قَدْ قَالَ لِمَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ ". (^٦)
فكان في هذا الحديث ذكر سبب النهي من رسول الله - ﷺ - عن الحلف بغير الله تعالى، وكان في ذلك ما قد دل على أن المتأخر من المعنيين المختلفين اللذين
_________________
(١) التمهيد (٥/ ٥٥٧) وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التّوحيد (ص/٥١٢)
(٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ٢٥٥)
(٣) أخرجه مسلم (١٠٣٢)
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٤٨)
(٥) مشكل الأثار (٢/ ٢٩٤) وفتح الباري (١١/ ٧٤٥) والمغنى (١١/ ١٦٣)
(٦) سبق تخريجه.
[ ١ / ٥٤٤ ]
ذكرناهما في هذا الباب هو النهي عن الحلف بغير الله تعالى لا الإباحة. (^١)
٤) الثالث:
أن فيه إضمار اسم الرب، كأنه قال " ورب أبيه "، ذكره الخطابي. (^٢)
* ويجاب على ذلك:
بأنه خلاف الأصل؛ فالأصل في الكلام عدم التقدير.
٥) الرابع:
أن ذلك خاص بالشارع دون غيره من أمته.
وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، فالأصل العام أن أفعال الرسول - ﷺ - وأقواله هى من باب التشريع، إلا ما خصه الدليل.
٣) الخامس:
أن لفظة " وأبيه " تقع على وجهين:
أحدهما للتعظيم والآخر للتأكيد، فقوله " وأبيه "في الحديث إنما هى من باب التأكيد، فقد كانت هذه كلمة جارية على ألسنتهم من باب التأكيد لا التعظيم، كقوله " ولعمري " (^٣)، والنهي إنما وقع عمن قصد بها التعظيم؛ لأن هذا هو مقصود اليمين الشرعى.
يؤيده:
أن فيه ذكر أبي الأعرابي، ولا يُحلف بأبي الغير تعظيمًا وتوقيرًا. (^٤)
فكانت كلمة "وأبيه " لا يقصد بها القسم، ونظير ذلك ما جرى على لسانهم من قول:
" عقرى حلقى، وثكلتك أمك، وتربت يمينك "، وهذا مما لا شك فيه أن قائله لا يقصد به الدعاء على الشخص المخَاطب بها، وقال به البيهقى والقاضى عياض والقرطبي.
_________________
(١) شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٩٥)
(٢) معالم السنن (١/ ١٥٧)
(٣) عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ، فَرَقَاهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، وَكُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ، ثُمَّ تَفَلَ فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرَهُ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كُلْ؛ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ" (أخرجه أبوداود (٣٤٢٠)، وصححه الألبانى) وقد ورد في المدونة الكبري أن الإمام مالكًا - ﵀ - سئل: أرأيتَ قولة (لعمري) أتكون هذه يمينًا؟ قال: «لا تكون يمينًا». وانظر كشف شبهات الصوفية (ص/١٣٠)
(٤) المجموع للنووي (١٤/ ١١٦) وشرح السنة (١٠/ ٧)
[ ١ / ٥٤٥ ]
قال النووي:
«أفلح وأبيه» ليس حلفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به ومضاهاته به الله ﷾، فهذا هو الجواب المُرضي. (^١)
*ومما يؤيد هذا الجواب:
بأن سياق حديث الباب الوارد عن عمر -﵁ - يدل على أنه كان يحلف؛ لأنه
قال " وأبي "، فقيل له: " لا تحلفوا بآباءكم "، فدل ذلك على الفارق بين كلمتى:
" وأبى، وأبيه ".
* والراجح -والله أعلم - هو المسلك الخامس، فهو أقرب الأقوال للصواب، يليه في القوة المسلك الثانى الذى جنح إلى القول بالنسخ.
وصلى الله على النبي -ﷺ- وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٨٢)، وانظر السُّنن الكبير (١٠/ ٢٩) وإِكمَال المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم (٥/ ٤٠٠)
[ ١ / ٥٤٦ ]