[ ٢ / ٧٩٥ ]
** نص حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وفي رواية: " قَدَّرَ اللهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ"؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»
تخريح الحديث:
أخرجه مسلم (٢٦٦٤) " باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله "، والإمام أحمد في المسند (٨٧٩١)
* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
١ - معنى المؤمن القوى:
وقوة المؤمن تتمثل في حرصه على القيام لدين الله -تعالى- اعتقادًا وقولًا وعملًا، فتراه قلما صادف بابًا من أبواب الشريعة إلا وقد ولجه ليضرب فيه بسهم.
فالقوة في طلب الحق والقيام به مطلب شرعى، قال تعالى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم: ١٢]، والله وصف أصحاب النبي -ﷺ- بأنهم: " أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا " [الفتح: ٢٩]، والجلَد على الطاعة، والصبر على ذلك كله من القوة التي يحبها الله تعالى.
قال القرطبي:
أي المؤمن القوي البدن والنفس، الماضي العزيمة، الَّذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
[ ٢ / ٧٩٧ ]
معنى المؤمن القوي وعلاماته
والصبر على ما يصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدين وتنهض به كلمة المسلمين فهو الأفضل والأكمل. (^١)
فالإشارة بالقوة ها هنا إلى العزم والحزم والإحتياط، لا إلى قوة البدن.
وهذا المعنى هو ما نص الشاعر في قوله:
لَيْسَ الشجاع الَّذِي يحمي كتيبته يَوْم النزال ونار الْحَرْب تشتعل
لَكِن فَتى غض طرفًا أَو ثنى بصرًا عَن الْحَرَام، فَذَاك الْفَارِس البطل. (^٢)
وقال الطيبيّ:
قيل: أراد بالمؤمن القويّ: الذي قوي في إيمانه، وصَلُب في إيقانه بحيث لا يرى الأسباب، ووَثِق بمسبِّب الأسباب، والمؤمن الضعيف بخلافه، وهو أدنى مراتب الإيمان. قال: ويمكن أن يُذهَب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله: "احرص على ما ينفعك" بيانًا للقويّ، وقوله: "ولا تعجز" بيانًا للضعيف. (^٣)
* ومن علامات المؤمن القوى:
أن يكون قوّامًا لله -عزوجل- ولرسوله ﷺ، حافظًا لأمر الله تعالى، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) (النساء: ١٣٥)
وكما فى قوله ﷺ.:
" احفظ الله يحفظك " (^٤)، وحفظ أمر الله - تعالى - على نوعين:
أ) حفظ أمر الله القدري:
وذلك بالصبر على الأقدار، فهذه من علامات صدق الإيمان، فعَنْ صُهَيْبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ
_________________
(١) وانظر المفهم (٦/ ٦٨٢) وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٥٥٢)
(٢) ذم الهوى لابن الجوزى (ص/ ١٤٣)
(٣) الكاشف عن حقائق السنن (١٠/ ٣٣٣٤)
(٤) أخرجه أحمد (٢٦٦٩) والترمذي (٢٥١٦) وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا ". (^١)
فجعل الصبر على القدر لا يحصل إلا للمؤمن.
ب) حفظ أمر الله الشرعى:
وذلك بالقيام بحق الشرع، بامتثال الأوامر واجتناب النواهى.
كما قال تعالى (َالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤» (الأنفال /٧٤)
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١» (المؤمنون/٦١).
* والذى يتنبه لدلالات ألفاظ القرآن والسنة يجد أنها قد حثت في أبواب الآخرة على الجد والسعي والمبادرة، وأما فى أمور الدنيا فقد جاء الأمر بالتمهل والإجمال.
قال الله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)
وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)
وفى حديث أبي هريرةرضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال:
«بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». (^٢)
فالحديث فيه الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما سيقع من الفتن الشاغلة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم.
وفي حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله - ﷺ - لما رأى في أصحابه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٩٩)
(٢) أخرجه مسلم (١١٨)
[ ٢ / ٧٩٩ ]
تأخرًا عن الحضور للمسجد قال لهم:
" لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله " (^١)
* وأما في أمور الدنيا فقد أمر الله - تعالى- فيها بالتؤدة:
فقد قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥» (الملك/١٥)
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
(" إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ". (^٢)
وفى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- قَالَ:
كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: " لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ ". (^٣)
* عودٌ إلى قوله ﷺ:
" الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ":
* وهنا قد يرد إشكال:
قد ورد في حديث الباب ما يُفهم منه ذم المؤمن الضعيف، فظاهره قد يعارض في الفهم ما رواه حَارِثَةُ بْنَ وَهْبٍ - ﵁- عن النَّبِيَّ - ﷺ- أنه قَالَ:
«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ ﷺ:
«كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» ". (^٤)
قال زين الدين المناوي:
وعند التأمل لا تدافع؛ إذ المراد بمدح الضعف لين الجانب ورقة القلب والانكسار بمشاهدة جلال الجبار، وبذم الضعف ضعف العزيمة في القيام بحق الواحد القهار، على أنه لم يقل هنا أنهم ينصرون بقوة الضعفاء، وإنما مراده بدعائهم أو بإخلاصهم. (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٣٨)
(٢) أخرجه الحاكم (٢١٣٥) والبيهقى (١٠١٨٥)، انظر صحيح الجامع (٢٠٨٥)، والإجمال: هو الطلب بقصد واعتدال، مع عدم انشغال القلب.
(٣) أخرجه الترمذى (٢٣٤٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) متفق عليه.
(٥) فيض القدير شرح الجامع الصغير (١/ ٨٢)
[ ٢ / ٨٠٠ ]
* قلت:
وقد ورد في حديث البخاري «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» (^١)، وفى رواية له
عند النسائي «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ». (^٢)
وفيها زيادة فائدة وهى أن ضعفهم ليس ضغفًا في الإيمان، بدلالة وقوع النصر للأمة قد حصل بدعواتهم وصلاتهم؛ لصفاء ضمائرهم وقلة تعلقهم بزخرف الدنيا فيغلب عليهم الإخلاص في العبادة ويستجاب دعاؤهم.
* وأما قوله ﷺ: " وفي كلٍ خيرٌ":
فمعناه في كُلٍّ مِنَ الْقَوِيِّ والضعيف خير؛ لاشتراكهما في أصل الإيمان، مع ما يأتي به الضعيف من العبادات. (^٣)
قال ابن العثيمين:
قال ﵊: (وفي كل خير) لئلا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.
وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن يتكلم الإنسان كلامًا يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله ﵎:
(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: ١٠)
ومن ذلك قوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (الأنبياء: ٧٩)
لما كان هذا يوهم أن داود -تعالى-عنده نقص، قال تعالى (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا). (^٤)
* وأما قوله ﷺ:
" احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ ":
وهذه من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٩٦)
(٢) أخرجه النسائي (٣١٧٨)
(٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٤٦٧)
(٤) شرح الصالحين (٢/ ٨٧)
[ ٢ / ٨٠١ ]
جوامع الكلم التى أوتيها الرسول ﷺ، فهى جملة جامعة بين أصلين مهمين، وهى حسن تعلّق القلب بالله تعالى، مع سعي الجوراح في الأخذ بالأسباب المادية فقوله ﷺ: «استعن بالله»: هذا هو التوكل.
وقوله ﷺ: «وَلَا تَعْجَزْ ": وهذا هو الأخذ بالأسباب. (^١)
فسعي المرء حرصًا على ما ينفعه في أمر معاشه لا ينسّيه أن يكون حال سعيه مستعينًا بالله تعالى.
قال أبو العباس ابن تيمية:
في قوله ﷺ " ﴿احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ﴾ أمر بالتسبَّب المأمور به وهو الحرص على المنافع، وأمر مع ذلك بالتوكل، وهو الاستعانة بالله تعالى، فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين، ونهى عن العجز الذي هو ضد الكيس. (^٢)
وقال ﵀:
لا تعجز عن مأمور ولا تجزع من مقدور، والإنسان بين أمرين:
أمر أُمِر بفعله فعليه أن يفعله ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز، وأمر أصيب به من غير فعله فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه؛ ولهذا قال بعض العقلاء ابن المقفع أو غيره الأمر أمران: أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه. (^٣)
قال ابن القيم:
«التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة؛ فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة. (^٤)
ومن ترك الاستعانة بالله - تعالى-
_________________
(١) وقد ذكرنا في شرح حديث " السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب " أدلة الكتاب والسنة على أنه لا تعارض بين التوكل والأخذ بالأسباب، وأنه لا تعارض بينهما بحال. مما يغنى عن إعادة ذكره هنا.
(٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨٢)
(٣) المصدر السابق (١٦/ ٣٩)
(٤) مدارج السالكين (٢/ ١١٤)
[ ٢ / ٨٠٢ ]
واستعان بغيره وكله الله -تعالى- إلى من استعان به فصار مخذولًا.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: " لا تستعن بغيرِ اللَّهِ فيكِلَكَ اللَّهُ إليهِ ". (^١)
وفي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ:
كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ دَعَوَاتٍ لَا يَدَعُهُنَّ:
كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ ". (^٢)
"قال العلامة السِعدى:
وقد جمع النبي - ﷺ - في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة، ولا يتم الدين إلا بهما بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما؛ لأن قوله: "احرص على ما ينفعك" أمر بكل سبب ديني ودنيوي بل أمر بالجد والاجتهاد فيه، والحرص عليه نية وهمة وفعلًا وتدبيرًا.
وقوله: "واستعن بالله" إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح، ودفع المضار مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك.
فالمتبع للرسول - ﷺ - يتعين أن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته. (^٣)
*فرع:
فإن الاستعانة معناها طلب العون، والاستعانة على أقسام:
١) القسم الأول: الاستعانة التوحيدية التعبدّية:
وهى طلب العون من الله - تعالى - فيما لا يقدر عليه إلا الله، وثبت عن النبيﷺ - أنه قال لابن عباس ﵄:
«إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». (^٤)
وهذه التى نسأل الله -تعالى- إياها في كل صلاة فى قولنا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
_________________
(١) روائع التفسير (١/ ٧٤)
(٢) متفق عليه.
(٣) بهجة قلوب الأبرار (ص/٣٧)
(٤) أخرجه الترمذى (٢٥١٦) وأحمد (١/ ٣٠٨) وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
نَسْتَعِينُ (٥» (الفاتحة/٥)، وهى أية عظيمة جامعة لنوعيى التوحيد: فقولنا " إيَّاكَ نَعْبُدُ " مبنية على توحيد الألوهية، وقولنا " وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " مبنية على توحيد الربوبيّة.
قال الشنقيطى:
قوله: (إياك نعبد) فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة; لأن غيره ليس بيده الأمر، وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيَّنًا واضحًا في آيات أخر، كقوله: (فاعبده وتوكل عليه)، وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). (^١)
* وقد ورد عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ، فإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي). (^٢)
وقد بيَّن ذلك ابن رجب معنى قوله تعالى (هذا بيني وبين عبدي)، فقال:
فالعبادة حق الله -تعالى-على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك
كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده، لأن العبادة حق الله على عبده، والإعانة من الله فضل من الله على عبده. (^٣)
قال ابن كثير:
قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله ﷿. (^٤)
وهنا فوائد:
١) الأولى:
قد خص الله -تعالى - الاستعانة بالذكر رغم أنها داخلة في معنى
_________________
(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ ٣٥)
(٢) أخرجه مسلم (٣٩٥)
(٣) روائع التفسير (١/ ٦٩)
(٤) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٥)
[ ٢ / ٨٠٤ ]
العبادة، وما ذلك إلا لأهميتها، فالقاعدة "أن ذكر الخاص بعد العام إنما يكون للتأكيد "، وذلك نظير قوله تعالى (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨» (البقرة/٩٨)، وقوله النبي ﷺ:
"إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَة، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ". (^١)
٢) الثانية:
قوله تعالى: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فيه بيان أن الاستعانة التوحيدية لا تكون إلا بالله تعالى، ووجه الدلالة أن في الأية أسلوب الحصر، وذلك من خلال تقديم ما حقه التأخير، فلم يقل " أعبد إيَّاك"، وذلك لأن " تقديم المعمول من صيغ الحصر ".
، ونظير ذلك قوله تعالى ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ وهذا أبلغ في الحصر، وقوله تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) ففيه تقديم ما حقه التأخير لبيان حصر الملْك لله - تعالى - دون غيره.
٢ - القسم الثاني: الاستعانة المباحة:
وهى الاستعانة بالمخلوق، وهذه لا تشرع إلا بشروط ثلاثة:
أن يكون المستعان به: " حيًا، حاضرًا، قادرًا "، فذكر الحي احترازًا من الاستعانة بالميت، وذكر الحاضر احترازًا من الاستعانة بالغائب، وذكر القادر احترازًا من الاستعانة بالمخلوق على أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
فإذا ما انتفى واحد من هذه الشرط الثلاثة صارت الاستعانة شركية، ومما يدل على مشروعية الاستعانة المباحة قوله ﷺ:
" وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ". (^٢)
ومن هذا الباب ما ورد عن أبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ﵁- أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٤٢)
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩)
[ ٢ / ٨٠٥ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ:
"وَاللهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ"، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ ". (^١)
٣ - القسم الثالث: الاستعانة الشركية:
لما كانت الاستعانة عبادة من أعظم العبادت التى يتوجه بها العبد إلى ربه عزوجل، فقد صار صرفها لغير الله -تعالى- من الشرك المخرج من الملة، فالقاعدة هنا:
" أن كل ما ثبت بالكتاب أو السنة أنه عبادة فصرفه لله -تعالى - توحيد، وصرفه لغير الله شرك ".
وذلك يتمثل في الاستعانة بالغائب أو الميت أو بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا من الشرك في الربوبية.
قال ابن عبد الهادي:
ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به، كان هذا شركًا محرَّمًا بإجماع المسلمين. (^٢)
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:
إن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله، والاستمداد طلب المدد بالقلب، واللسان، والأركان ولا بد، وهذه الأعمال هي أنواع العبادة، فإذا كانت لله -تعالى-وحده فقد آلَّهه العبد، فإذا صرف لغير الله - تعالى- صار مألوهًا. (^٣)
* وكم من فئامٍ من الناس في هذه الأمة أشركوا بالله -تعالى- لما قاموا بالاستعانة بغير الله -تعالى - في الأمور التي تختص فيها الاستعانة به سبحانه، بحجة التوسل بهؤلاء الأشخاص والأموات إلى الله جل شأنه.
ومن هذا ما كان يفعله بعض مشركي العرب إذا نزل واديًا مقفرًا، فتراه يتقرَّب إلى سيد القوم من الجن في ذلك الوادي، ليقيَه الضُّرَّ، فيكون تعظيمًا للجن، وهو شرك لكون الاستعانة - بما لا يقدر عليه إلا الله - عبادة لغير الله سبحانه.
قال تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) (الجن: ٦)
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٥٩)
(٢) الصارم المنكي (ص/٣٤٦)
(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٤١٦)
[ ٢ / ٨٠٦ ]
أدلة المجوزون للاستعانة الشركية، والرد عليها
قال الطبري:
يقول تعالى ذكره مخبرًا أنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا منازلهم. (^١)
قال القرطبي: ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك. (^٢)
وكذلك ما يفعله السحرة من الاستعانة بالأرواح الأرضية - وهم الجن والشياطين،
وهو ما يُعرف بالعزائم والتسخير وكتب السحر مملوءة من الأقسام والعزائم على الجن بساداتهم الذين يعظمونهم، فدل هذا على أن السحر يكون من الاستعانة بالشياطين، وليس كما يدَّعى ابن سينا وغيره أن السحر من قبيل القوى النفسانية، فهو قول باطل.
* شبهة الجواب عليها:
قد استدل المجوِّزون للاستعانة الشركية ببعض الآيات القرآنية التي هي ليست في محل النزاع: مثل قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) قالوا: أمرنا الله بالاستعانة بالأعراض!!!
*ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بجواز الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين، بل هذه الآية من أقوى الأدلة على وجوب الالتجاء إلى الله والاستغاثة به عند الملمَّات، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، إذ الصلاة والصبر من أعظم الأعمال الصالحات التي يتوسل بها إلى الله -تعالى-عند الكربات، فقد كان النبي - ﷺ- إذا حزبه أمر توسل إلى الله بالصلاة.
بل الآية من قبيل قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)؛ فكما أن المراد منها الاعمال الصالحة على تفسير السلف من الأثر والرأي، هكذا هنا المراد من هذه الآية: التوسل بالأعمال الصالحة. (^٣)
_________________
(١) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٣/ ٦٥٤)
(٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠) والتحصين من كيد الشياطين (ص/٣٢)
(٣) الشرك في القديم والحديث (٢/ ١٢٥٥) قال صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: وقد بَلَغَنِي بيقين عن بعض من يتعاطى القراءة وهو من الجَهَلَة، ليس من أهل العلم ولا من طلبة العلم ممن فَتَحَ هذا الباب فسَيْطَرَ عليه الجن وهو لا يعلم في هذا، وأصبح يأمرونه بأشياء وينهونه عن أشياء، وربما أَذَلُّوهُ في بعض الأمور، فَسَدُّ الذريعة في هذا واجبٌ ولا يجوز التساهل به. ا. هـ وانظر الآداب الشرعية (١٩٨/ ١) وإتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٧٠٩) والتوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/٩٢)
[ ٢ / ٨٠٧ ]
* فرع: مسألة الاستعانة بالجن المسلم:
وأما هذه المسألة فقد يفهم جواز ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ذكر مثل هذا، ووضع جملة من الضوابط لذلك. يقول ﵀:
" ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له، فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له "،
وقال ﵀:
" ومنهم من يستخدمهم - أي الجن - في أمور مباحة إما إحضار ماله، أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك معصوم، أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك، فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ببعض في ذلك ".
ومن الضوابط التى حددها لذلك:
" يعني يستعين بهم فيما يقدرون عليه، كون السبب مباحًا، ألا تفضي هذه الاستعانة إلى محرم، أن يكون المستعين بالجنى من الموحدين الصالحين، وعلى معرفة التوحيد وما يضاده. (^١)
* الراجح في ذلك -والله أعلم-هو المنع، وهذا عليه جماهير أهل العلم؛ وذلك لأمور:
١ - أن هذا الأمر داخل في الاستمتاع الذي حرَّمه الله ﷿، كما في قوله ﷿:
﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فجاء على سبيل الذم على ما فعلوه.
فاستمتاع الإنس بالجن محرَّم على أي نحو كان، ولم يرد الدليل بالاستثناء ولا
_________________
(١) ويراجع لذلك مجموع الفتاوى (١١/ ٣٠٧) و(١٣/ ٨٧) والنبوات (١/ ٢٧٨)
[ ٢ / ٨٠٨ ]
حكم الاستعانة بالجن المسلم، والراجح فى ذلك
بالتخصيص، فبقاء الأمر على عمومه بما يشمل الجميع، فهذا هو الأصل وهو المتَعَيِّن.
قال صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
الاستعانة بالجن من أسباب إغراء الإنسي بالتوسل إلى الجني، وبرفعة مقامه وبالاستمتاع به، وقد قال جل وعلا ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]
ويحصل الاستمتاع من الإنسي بالجني بأن يخدمه الجني، وقد يكون مع ذلك الاستمتاع ذبح من الإنسي للجني، وتقرب بأنواع العبادات؛ ولهذا نقول:
إن تلك الاستعانة بجميع أنواعها لا تجوز، فمنها ما هو شرك - كالاستعانة بشياطين الجن- يعني: الكفار منهم - ومنها ما هو وسيلة إلى الشرك، كالاستعانة بمسلمي الجن. (^١)
٢ - أن الجن في زمن النبوة كان منهم من لقي النبي ﷺ، واستمع إليه، وأسلم معه، ومعلوم أن عندهم من القدرات والإمكانات التي أعطاهم إياها الله - تعالى- ما ليس لغيرهم؛ وقد مضى زمن النبوة وزمن الصحابة ﵃، ولم يجر فيه الاستعانة بالجن - حتى المسلم منها - فكان هذا الأمر بمثابة إجماع منهم على عدم مشروعيته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فلم يستخدم الجن أصلًا - أي رسول الله ﷺ - لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلَّغهم الرسالة، وبايعهم كما فعل بالإنسى. (^٢)
٣ - قد ورد في قول النبي -ﷺ- لأبى هريرة ﵁:
«صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» (^٣)
فالأصل في الشياطين الكذب، فلا يؤمن كذب من يزعم منهم أنه مسلم
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص/٦١٥)
(٢) مجموع فتاوى (١٣/ ٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٧٥)
[ ٢ / ٨٠٩ ]
أو صالح؛ فهم يوقعون العداوة بين الناس في كذبهم.
لذا ولكثرة الكذب فى هذا الباب فقد أغلقه الشرع مع الدجالين والعرَّافين من الإنس، قال ﷺ: " من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ". (^١)
وقال ﷺ: "من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ". (^٢)
٤ - أن الأصل فى ذلك هو سد الذريعة وحسم المادة؛ فقد تؤدي الاستعانة بالجن إلى حصول خلل في العقيدة؛ فترى المستعين يلجأ إليهم ويتعلق بهم تعلقًا يبعده عن الخالق ﷾، الواقع والتجربة شاهدان على ذلك. (^٣)
والمتتبع لحال كثير من الرقاة والمعالجين بالقرآن يرى كم الدجل والشركيات التى وقعوا فيها في هذا الباب.
قال أحمد في الرجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصرع بالرقى والعزائم، أو يزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم، ومنهم من يخدمه؛ قال:
ما أحب لأحد أن يفعله، تركه أحب إليَّ. (^٤)
وهذا يراد به التحريم، كما هو المعلوم من نصوص الإمام أحمد وألفاظه.
*تنبيهات:
١ - أما ما يُنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية من تجويز ذلك فهو محمول -والله أعلم- على ما إذا فعلوا شيئًا من غير أن يطلب منهم، أو أخبروا الشخص وهو قادر على أن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٣٠)
(٢) أخرجه أحمد (٩٥٣٢) وأبوداود (٣٩٠٤)، وانظر صحيح الجامع (٥٩٣٩)
(٣) قال صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: وقد بَلَغَنِي بيقين عن بعض من يتعاطى القراءة وهو من الجَهَلَة، ليس من أهل العلم ولا من طلبة العلم ممن فَتَحَ هذا الباب فسَيْطَرَ عليه الجن وهو لا يعلم في هذا، وأصبح يأمرونه بأشياء وينهونه عن أشياء، وربما أَذَلُّوهُ في بعض الأمور، فَسَدُّ الذريعة في هذا واجبٌ ولا يجوز التساهل به.
(٤) وانظر الآداب الشرعية (١٩٨/ ١)
[ ٢ / ٨١٠ ]
يعرف صدقهم من كذبهم، فهذا هو المحتمل، وليس أن يطلب منهم قضاء الحاجات.
٢ - إذا جاءت الخدمة من الجني بدون اتفاق وعهد فلا حرج فيها؛ لأنه قد تكون من الكرامة للإنسان. (^١)
* عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ: " وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ":
، وفيه من الفوائد أنه إذا وقع بعد حرصه على طلب ما ينفعه خلاف مطلوبه،
لا ينبغي له التأسّف، وقول: " لو أني فعلتُ كذا كان كذا " تسخّطًا لقدر الله
تعالى، بل الواجب أن يستسلم لقضائه وقدره، ولا يتسخّط؛ لأن الله -﷾- أعلمُ بمصالح عباده، فربما يكون عكس ما حرص عليه خيرًا إما في الدنيا، وإما في الآخرة، قال الله -﷿-: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]،
بل الواجب عليه حينئذ أن يقول: "قدّر الله، وما شاء فعل".
والحاصل:
أن نزول المكروه الدنيوي على العبد المؤمن خير له؛ لأنه
إنما أصابه بما كسب من المخالفات، كما قال الله -﷾ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]
ثم إن هذا الذي أصابه إما أن يكون تكفيرًا لِمَا اقترفه من السيئات، وهذا مطلب عظيم، وإما أن يكون رفعًا لدرجاته، وهذا أعلى وأغلى، والله تعالى أعلم. (^٢)
**عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ: " وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر
_________________
(١) ويراجع في هذه المسألة: إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٧٠٩) والتوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/٩٢)
(٢) البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (٤١/ ٥٤٧)
[ ٢ / ٨١١ ]
الله وما شاء الله فعل ":
فقد أرشد النبي - ﷺ - إلى تفويض الأمر إلى قدر الله بعد فعل الأسباب التي يحصل بها المطلوب ثم يتخلف.
وإنما هذا من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعايب، ونظير ذلك ما قاله آدم -﵇- لما احتج بقدر الله -تعالى-على المصيبة التي حصلت له ولبنيه وهي الإخراج من الجنة، فقال لموسى ﵇:
" أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة" (^١)
*عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ: " فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ":
قد ورد في حديث الباب النهى عن استعمال كلمة " لو"؛ لأنها تفتح على المرء بابًا من خطرات الشيطان التى يؤلم بها القلب ويحسره على ضياع ما فات، مما يضيّع على المرء مرتبة فاضلة وهى الاستسلام لقدر الله -تعالى- النافذ.
لذا فقد ورد النهى عن استعمال كلمة "لو" فى هذا المقام.
* وهنا يرد إشكال:
قد ورد في جملة من النصوص الشرعية ما يعرض في الظاهر النهى الوارد في حديث الباب عن كلمة "لو"، كما ورد فى قولَه ﷺ:
«لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ»، وقوله ﷺ:
" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي "
*والجواب من وجوه:
الأول قد ذكره النووي فقال:
وقد جاء من استعمال لو في الماضي، قوله ﷺ: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي "، وغير ذلك فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهي تنزيه لا تحريم. فأما من قاله تأسّفًا على مافات من طاعة الله تعالى، أو ماهو متعذّر عليه من ذلك ونحو هذا فلا بأس به،
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث، والله أعلم. (^١)
الوجه الثاني:
أن قول النبي -ﷺ - في الصحيح: (لا يقولنَّ أحدُكم: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) فمحمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَو أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ثم ردَّ الله قولهم، وبيَّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُل فَادرَءُوا عَن أَنفُسِكُمُ المَوتَ إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾. (^٢)
* وقد ذكر الشيخ ابن العثيمين تفصيلًا في هذا الباب، فقال أن استعمال "لو" تأتي على وجوه:
الوجه الأول:
أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرَّم، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول ﷺ، وقالوا:
لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر.
الثاني:
أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرَّم أيضا، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: ١٥٦)
أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا; فهم يعترضون على قدر الله.
الثالث:
أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضا; لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه; لأن الندم يكسب النفس حزنا وانقباضا، والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط، قال ﷺ:
" احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٩/ ١١٣)
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٦٣٨) والشرك في القديم والحديث (١/ ٦٢١)
[ ٢ / ٨١٣ ]
أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا; فإن لو تفتح عمل الشيطان ".
مثال ذلك:
رجل حرص أن يشتري شيئا يظن أن فيه ربحا فخسر، فقال: لو أني ما اشتريته ما حصل لي خسارة; فهذا ندم وتحسر، ويقع كثيرًا، وقد نهي عنه.
الرابع:
أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية; كقول المشركين ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، وهذا باطل.
الخامس:
أن تستعمل في التمني، وحكمه حسب المتمنى: إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ في قصة النفر الأربعة قال أحدهم:
" لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان " فهذا تمنى خيرًا، وقال الثاني:
"لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان "، فهذا تمنى شرًا. فقال النبي ﷺ في الأول: " فهو بنيته، فأجرهما سواء "وقال في الثاني:
" فهو بنيته، فوزرهما سواء ". (^١)
تم بحمد الله.
_________________
(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٣٦٢)
[ ٢ / ٨١٤ ]