[ ١ / ٣١٥ ]
** نص الحديث **
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟»، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَهَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ ﷺ:
«فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ».
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٧٤٣٧) بَابُ: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ومسلم (١٨٢) بَابُ: مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ.
وهذا حديث يمثل أحد أهم ركائز الاعتقاد في بنيان أهل السنة والجماعة والتى تعد أحد العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع.
لذا فقد حرص كل من كتب في عقيدة أهل السنة والجماعة على ذكر رؤية المؤمنين لربهم تعالى.
قال يزيد بن هارون، وهو أحد رواة هذا الحديث:
من كذَّب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله، حلف غير مرة، وقد عقَّب الطبري قائلًا: وأقول أنا: صدق رسول الله، وصدق يزيد وقال الحق. (^١)
ورؤية الله -عزوجل- ثابتة بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع والعقل، وكما ذكر ابن حجر -﵀- ذلك بقوله:
وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك -أى رؤية الله- في الآخرة
_________________
(١) صريح السنة للطبري (ص/٢٠)
[ ١ / ٣١٧ ]
الأدلة الشرعية والعقلية على إثبات الرؤية
المخالفون لأهل السنة في باب الرؤية
لأهل الإيمان دون غيرهم. (^١)
* قال ابن حزم:
والآية والأحاديث الصحاح مأثورة في رؤية الله -تعالى- يوم القيامة موجبة القبول لتظاهرها وتباعد ديار الناقلين لها، ورؤية الله -﷿- يوم القيامة كرامة للمؤمنين لا حرمنا الله ذلك بفضله. (^٢)
وفيما يلى تبيين ذلك بشيء من التفصيل:
أولًا: أدلة الكتاب على إثبات الرؤية:
١) قال تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]
و"الزيادة " في هذه الأية قد فسرها النبيﷺ- برؤية الله تعالى.
عَنْ صُهَيْبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نُودُوا: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا لَمْ تَرَوْهُ، فَقَالُوا: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ، وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ "، قَالَ: " فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ " ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. (^٣)
٢) قال تعالى﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴿(القيامة: ٢٢/ ٢٣)
عَنْ عِكْرِمَةَ: تَنْظُرُ إِلَى رَبِّهَا ﷿ نَظَرًا. (^٤)
قال ابن القيم: وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث. (^٥)
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٤٢٦)
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣)
(٣) أخرجه مسلم (١٨١) وأحمد (١٨٩٣٥)
(٤) أخرجه الآجري في الشريعة (٥٨٦) وسنده صحيح، وأما ما ورد عن ابن عباس فسنده ضعيف. وكذلك ما ورد مرفوعًا عند أحمد (٥٣١٧) والترمذي (٢٥٥٣) ولفظه (إِنَّ أَكْرَمَ أهل الجنة عَلَى اللَّهِ، مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فهو ضعيف جدًا؛ في سنده ابن أبي فاختة -، ضعفه غير واحد من الأئمة، وفيه كذلك: علي بن الجنيد، قال عنه الدارقطني: متروك.
(٥) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٢٩٦) وقد بوّب البخاري: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ثم ذكر تحته أحاديث الرؤية.
[ ١ / ٣١٨ ]
قال عبدالله بن أحمد:
وجدت في كتاب أبي بخط يده مما يحتج به على الجهمية من القرآن الكريم قوله تعالى
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣». (^١)
فقوله تعالى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هنا عدي النظر بـ (إلى) الدالة على الغاية، وهو نظر صادر من الوجوه، والنظر الصادر من الوجوه يكون بالعين؛ بخلاف النظر الصادر من القلوب؛ فإنه يكون بالبصيرة والتدبر والتفكر؛ فهنا صدر النظر من الوجوه إلى الرب ﷿؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾. (^٢)
٣) قال تعالى﴾ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴿(المطففين/١٥)
قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟
فقال ﵀: " لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير اللهُ الكفارَ بالحجاب، فقال: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. (^٣)
قال الشافعى:
فلما حجبهم في السخط كان هذا دليلًا على أنهم يرونه في الرضا، وبه أدين اللَّه، لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى اللَّه لما عبد اللَّه ﷿. (^٤)
٤) قال تعالى﴾ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴿(الأعراف/١٤٣)
فلما طلب موسى -﵇- رؤية ربه -عزوجل- دل ذلك على جواز أصل حصولها وتحققها، وأن رؤيته -تعالى - ليست ممتنعة في الأصل، وإنما جاء المانع لأمر خارج ألا وهو ضعف أهل الدنيا وعدم تحملهم لذلك الأمر.
وإذا كان الجبل لم
_________________
(١) السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل (ص/٥١٢)
(٢) شرح العقيدة الواسطية لابن العثيمين (ص/٤٤٨)
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٨٠٨)
(٤) أحكام القرآن (ص/٤٠) ومناقب الشافعي (١/ ٤١٩) قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الإمام الشافعي﵀- في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية. تفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٥١) قلت: وقد ثبت مثل هذا الاستدلال بهذه الأية على رؤية الله -تعالى- عن الإمام أحمد فى كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" (ص/١٣٣)، ونقله عنه ابن بطة فى إبانته الكبرى (١/ ١٠٤)
[ ١ / ٣١٩ ]
يثبت لما تجلَّى الله - عزوجل- له، فالبشر أضعف بلا شك. (^١)
*يؤيده:
قد أظهرت الأية - لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد- العلة المانعة من تحقق رؤية موسى -﵇ - لربه -عزوجل- والتى هى ضعف الطبيعة البشرية عن تحمل ذلك؛ وذلك قد اتضح بما وقع للجبل لما تجلى له ربه، أما في الآخرة فالأمر مختلف، والقاعدة تقول:
الأحكام تدور مع علتها وجودًا وعدمًا، توجد بوجودها وتنتفي بزوالها.
٥) قال تعالى (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) (الأحزاب/٤٤) وكذلك قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرالْمُؤْمِنِينَ) (البقرة/٢٢٣)
وكل الأدلة التى أثبتت اللقاء بين الله -تعالى- وبين خلقه فهى من أدلة إثبات الرؤية، كقوله ﷺ ""لَيَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ:
أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ أَلَمْ أَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ (^٢).
* قال أبو العباس أحمد بن يحيي:
أجمع أهل اللغة على أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار. (^٣)
* قال أبو العباس ابن تيمية:
أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾، واحتجوا بآيات " اللقاء "
على من أنكر رؤية الله في الآخرة من الجهمية كالمعتزلة وغيرهم. (^٤)
_________________
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٢٨٦) وقد ذكر ابن القيم سبعة وجوه في الاستدلال بهذه الأية على رؤية الله -عزوجل - فراجعه إن شئت. ومن عجيب التحريف المعنوي لهذه الآية عند نفاة الرؤية ما تأوله الأصم والكعبي، وهم من المعتزلة بقولهم: إن قول موسى " أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ": أي أرني آية أعلمك بها، كما أعلم ما أنظر إليه. فتنتفي الشكوك والشُّبه!! وانظر "شرح العقائد النسفية" (ص/٢٠٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٨)
(٣) ذكره ابن القيم مسندًا ثم قال: وحسبك بهذا الإسناد صحة. وانظر حادي الأرواح (ص/٢٨٨)
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٢)
[ ١ / ٣٢٠ ]
٦) قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) ﴿(المطففين/٣٥)
وجه الدلالة: القاعدة " حذف المفعول يؤذن بالعموم "
بمعني:
أنه لمَّا لم يُذكرْالمنظورإليه، كان هذاعامًا لكل ما يتنعمون بالنظرإليه، ولا شك أن أعلى النعيم فيما يُنظرإليه في الجنة إنما هوالنظرإلى وجه الله تعالى؛ كما قال النبي ﷺ:
" فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿ ". (^١)
وعليه فتبقي الأية في سياق العموم، فمن خصها بشيء دون شيء كان ملزمًا بالمخصِص.
٧) قال تعالى﴾ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴿أه (الأعراف/١٤٣)
وجه الدلالة:
والدليل على أنه ممكن أن يُرى في الآخرة بشرطه في الرؤية ما يمكن من استقرار الجبل ولا يستحيل وقوعه، ولو كان محالًا كون الرؤية لقيدها بما يستحيل وجوده، كما فعل بدخول الكافرين الجنة، قيَّد قبل ذلك بما يستحيل من دخول الجمل سمَّ الخياط. (^٢)
قال أبو الحسن الأشعري:
فإن قال قائل: فلِم لا قلتم إن قول الله تعالى (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) تبعيد للرؤية؟
قيل له:
لو أراد الله -﷿- تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل، وذلك أمر مقدور لله ﷾،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨١)
(٢) أفاده ابن عبدالبر في التمهيد (٧/ ١٥٣) ومن التقوّل الباطل للمعتزلة على هذه الحجة زعمهم أن المراد بقوله تعالى (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) أي: إن استقر مكانه حال تحركه، وهذا ليس بجائز، بل محال، والمعلّق على المحال محال، وهذا بلا شك افتراء واضح المعالم، كامل الأركان، مثال صارخ لمن يعتقد ثم يستدل.
[ ١ / ٣٢١ ]
دل ذلك على أنه جائز أن يُرى الله تعالى.
ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربًا على أخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت:
ولا أصالح قومًا كنت حربَهمُ حتى تعود بياضًا حُلْكَةَ القارِ " (^١)
* ثانيا: الأحاديث النبوية في إثبات الرؤية:
قد ثبت بالنقل المتواتر المعنوي من أحاديث النبي -صلي الله عليه وسلم - ما يفيد ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
فلقد روي ما يزيد عن ثلاثين صحابيًا أحاديث الرؤية، فالنصوص فيها قطعية الثبوت والدلالة؛ لأنها في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.
وأنشدوا في هذا المعني:
مما تواتر حديث من كذب ومن بني لله بيتًا واحتسب
ورؤية وشفاعة والحوض ومسح الخفين وهذي بعض.
* قال ابن كثير:
وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله -﷿- في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام. (^٢)
قال ابن حجر:
جمع الدارقطني طرق الأحاديث الواردة في رؤية الله-تعالى-في الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن القيم في حادي الأرواح فبلغت الثلاثين، وأكثرها جياد. (^٣)
وممن نص على تواتر أحاديث الرؤية من الأئمة:
الذهبي وشيخ الإسلام ابن
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/٤٥)
(٢) تفسير القرآن العظيم (/٢٧٩)
(٣) فتح الباري (١٣/ ٤٣٤)
[ ١ / ٣٢٢ ]
تيمية وابن القيم والآجري، والكتاني صاحب كتاب "المتناثر في نظم المتواتر"، والبيهقي فى كتاب الرؤية. (^١)
وإليك طرفٌ من هذه الأحاديث الصحاح:
١ ما ورد فى حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- من قوله ﷺ:
«هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟، هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ فقَالَ ﷺ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ».
وما أخبر به النبي -ﷺ- من أنَّ المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر فهذا من باب تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي؛ فإن الله -تعالى- لا شبيه له ولا نظير، فإنه ليس المقصود تشبيه الله -تعالى - بالقمر، وإنما تشبيه رؤية الله -﷿ - برؤية القمر، وهذا كقوله ﷺ:
" أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ" (^٢)، ولم يلزم من ذلك أنهم مماثلون في الحقيقة للقمر، وهذا مستقر بأصل العقل، والعرب تارة تذكر التشبيه للصفة، وتارةً تذكر التشبيه للموصوف. (^٣)
٢ - عنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - قَالَ:
إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ، وَلَا حَجْرَاءَ، فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ -﷿ - حَتَّى يَمُوتَ. (^٤)
فقوله ﷺ:
" تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ -﷿ - حَتَّى يَمُوتَ":
دل أن الرؤية ليست منفية على كل حال، فما بعد كلمة "حتى" يغاير في الحكم ما قبلها. ونظير ذلك قوله تعالى (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)
_________________
(١) وانظر الانتقاد الرجيح شرح الاعتقاد الصحيح (ص/١١٩)
(٢) متفق عليه.
(٣) وانظرالتدمرية (ص/٨٧) ولمعة الاعتقاد (ص/٢٢) وشرح الطحاوية ليوسف الغفيص (ص/٧)
(٤) رواه مسلم (٢٩٣١) وأبو داود (٤٣٢٠) وأحمد (٢٢٧٦٤)
[ ١ / ٣٢٣ ]
٣ - وعن عَمَّارِ بْنُ يَاسِرٍ - ﵁ - قال:
كان من دُعَاء النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ. (^١)
قال ابن خزيمة:
ألا يعقل ذوو الحِجَا - يا طلاب العلم - أن النبي - ﷺ - لا يسأل ربه ما لا يجوز كونه، ففي مسألة النبي - ﷺ - ربه لذة النظر إلى وجهه أبين البيان وأوضح الوضوح أن لله - ﷿وجهًا يتلذذ بالنظر إليه. (^٢)
٤ - عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِعَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». (^٣)
٥ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ:
«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ (^٤)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ:
" لا تضامون " يروى بالتخفيف، أي لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيئ الحسن كالهلال، فإنه يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى، وهو سبحانه يتجلى تجليًا ظاهرًا، فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.
وقيل:
" لا تَضامّون ": بالتشديد، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يَتَضَامّ الناس عند رؤية الشيئ الخفي كالهلال (^٥) "
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٣٥١)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح.
(٢) وانظر التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿ (ص/١٣) ومذهب أهل التفويض فى الصفات (ص/٤١٣)
(٣) متفق عليه.
(٤) متفق عليه.
(٥) مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٥).
[ ١ / ٣٢٤ ]
ثالثًا: الإجماع: وقد نقل الإجماع على ذلك جمع كبير من أهل العلم:
* قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، فقالا: " أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: وأنه ﵎ يُرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم. (^١)
قال أبو سعيد الدارمي:
أحاديث الرؤية قد أدركنا عليها مشايخنا، ولم يزل المسلمون يروونها ويؤمنون بها ولا يستنكرونها، ومن أنكرها نسبوه إلي الضلال. (^٢)
- قال ابن جرير الطبري:
الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ يوم القيامة، وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة، فهو: أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبارعن رسول الله ﷺ. (^٣)
*وكذا نقل الإجماع:
الذهبي وابن القيم وابن كثيروأبو الحسن الأشعري والنووي وغيرهم. (^٤)
*رابعًا: دليل العقل على إثبات الرؤية:
يتردد الدليل العقلي على إثبات رؤية الله تعالى بين وجهين، أحدهما أرجح وأقوى دلالة من الآخر:
١) الأول: دليل الوجود:
فالعقل شاهد بذلك؛ فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود، وما كان أكمل وجودًا كان أحق بأن يُرى، فإن الله -تعالى-أحق بأن يُرى من كل ما سواه؛ لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه، إذ المعدوم هو الذى لا يُرى. (^٥)
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٧)
(٢) الرد على الجهمية (ص/١٢٤)
(٣) صريح السنة (ص/٢٠)
(٤) راجع لذلك سير أعلام النبلاء (٢/ ١٦٧) وحادى الأرواح (ص/٣٣٧) وتفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٠٤) والإبانة (١/ ٤٠٢)
(٥) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٠١) وشرح الطحاوية لأبي العز (ص/٢٠٥)
[ ١ / ٣٢٥ ]
* قال أبو الحسن الأشعري:
ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار؛ أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله ﷿، وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما كان الله -﷿- موجودًا مثبتًا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ﷿. (^١)
٢) الثانى: دليل الكمال:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة، فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود، وحينئذ فيكون الله- وله المثل الأعلى- أحقّ بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا، كما لانستطيع التحديق في شعاع
الشمس. (^٢)
* وإنما كان الدليل الثانى هو الأقوى دلالة والأوقع في الحجية العقلية من الأول لأنه ليس كل موجود جائزًا أن يُري؛ فهناك موجودات لا نستطيع رؤيتها، لذا قلنا إن الله -تعالى- إنما أمكننا من رؤيته لكمال ذاته تعالى. (^٣)
المخالفون لأهل السنة في باب الرؤية:
هم أهل البدع الذين أبوا إلا أن يخالفوا نهج أهل السنة في هذا الباب، حيث عمدوا إلى إنكار رؤية الله -تعالى- في الأخرة، بل وجعلوا المثبتين لها قوم مشبهة، وزعموا أن الأثار التي تمسك بها من قال بالنظر إلى وجه الله -تعالى -توجب التشبيه؛ لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة. (^٤)
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/٣٣)
(٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣١)
(٣) المنحة الربانية في أدلة الصفات الإلهية (ص/٧١٧)
(٤) قال الزمخشري: وزعمت المشبِّهة - يقصد بهم أهل السنة- أن الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى، وجاءت بحديث مرقوع- أى مفترى - «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه) ا. هـ وقال كذلك عند تفسيره لقوله تعالى (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) أي: قد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط اللَّه والعذاب السرمد، ونيل رضوان اللَّه والنعيم المخلد! قلت: أشار به إلى عدم الرؤية؛ لأنَّ رؤيةَ اللَّهِ- تعالى- تُعتبرُ غايةً وراءَ النجاةِ مِن سَخطِ اللَّهِ والنجاةِ من النارِ، وهكذا يتم دس الاعتزاليات بين السطور. حيث أنَّ طريقةَ الزمخشريِّ في إثباتِ بدعةِ المعتزلةِ ليست بطريقةِ المتقدِّمين من المعتزلةِ الذين يقولون: هذه الآيةُ تدلُّ على كذا مثلًا. ولكنه يأتي بعبارة ظاهرها السلامة وباطنها مشتمل على ما يُريدُ ذِكره من البِدعِ التي تخْفَى على غيرِ المتخصِّصِ. قال البلقيني: استخرجت من الكشَّاف اعتزالًا بالمناقيش. وانظرالكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ٢٤٣) والإتقان في علوم القرآن (ص/٢٤٤)
[ ١ / ٣٢٦ ]
وممن أنكر رؤية الله -تعالى-من الفرق:
الجهمية والمعتزلة والزيدية والإباضية وجمهورالشيعة.
قال القاضي عبد الجبار:
وأما أهل العدل بأسرهم والخوارج والزيدية وأكثر المرجئة، فإنهم قالوا: لا يجوز أن يُرى الله -تعالى- بالبصر؛ لأنه ذلك يستحيل.
وقال عن أحاديث الرؤية:
أكثرها يتضمن التشبيه، فيجب القطع على أنه ﷺ لم يقله. (^١)
* ما هو حكم من أنكر رؤية الله في الأخرة؟؟
الذي عليه جمهورالسلف أن من جحد رؤية الله -تعالى- في الدار الآخرة فهو كافر؛ لأنه منكر لما تواتر نقله في الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة.
فإن كان المنكر لذلك ممن يجهل العلم بذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر؛ وذلك أنه هذه المسألة بتكاثرهاوتواردها قد بلغت مبلغ القطع الذى لا يحتمل معه أى تأويل أو شبهة.
*عن الفضل بن زياد قال:
سمعت أحمد بن حنبل، وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله تعالى لا يُرى في الآخرة، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال:
من قال بأن الله تعالى لا يُرى
_________________
(١) وانظرالمغنى فى أبواب العدل والتوحيد (٤/ ١٣٩) والأصول العشرة للإباضية (ص/١٩٩) ومختصر التحفة الاثنى عشرية (ص/٩٦) والمعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/١٢٧)
[ ١ / ٣٢٧ ]
في الآخرة فقد كفر، عليه لعنة الله وغضبه، من كان من الناس. (^١)
* قال الآجري:
فإن قال الجهمي: أنا لا أؤمن أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة، قيل له:
كفرتَ بالله العظيم، فإن قال: وما الحجة. قيل: لأنك رددتَ القرآن والسنة وقول الصحابة ﵃، وقول علماء المسلمين، واتبعتَ غير سبيل المؤمنين، وكنت ممَّن قال الله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. (^٢)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أجمعت المعتزلة على أن الله -تعالى- لا يُرى بالأبصار، واختلفت هل يُرى بالقلوب. (^٣)
شبهات نفاة رؤية الله -تعالى- والرد عليها:
استند جمهور الجهمية والمعتزلة في قولهم بنفي الرؤية على جملة من الشبهات العقلية والنقلية، والتى جعلوها مستندًا لهم في القول بنفي الرؤية، بل إنهم تجاوزا هذه المرحلة حتى قالوا بكفر من أثبت الرؤية، كما نقل ذلك عنهم ابن الجوزى وابن عبدالبر وأبوالحسن الأشعري. (^٤)
* ونذكر طرفًا من هذه الشبهات مع الجواب عليها:
١) قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَوَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣» فقال النفاة: قد نفت الأية رؤية الله، فكما أن الله يدرك الأبصارفي الدنيا والأخرة، فكذلك أبصار العباد لا تدركه لا في لدنيا ولا في الأخرة. (^٥)
_________________
(١) الشريعة (٢/ ٩٨٦)
(٢) الشريعة (٢/ ٩٧٦)
(٣) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٢/ ٥٤٤)
(٤) قال ابن عبدالبر: وأهل البدع المخالفون لنا في هذا التأويل يقولون إن من جوَّز مثل هذا -أى رؤية الله -وأمكن عنده فقد كفر. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٥٥)
(٥) وهذه أحد الأدلة التى شغَّب بها القاضي عبدالجبار في كتابه "متشابه القرآن" (ص/٢٥٥)، وانظر "شرح الأصول الخمسة" (ص/٢٣٣)
[ ١ / ٣٢٨ ]
الجواب:
نريد منكم أن تفرَّقوا بين الرؤية والإدراك، فالأمر الذى نفته الأية بلا شك إنما هو الإدراك لا الرؤية، فالله -عزوجل -لا تدركه الأبصار، ولا تحويه ﷿، وهو-عزوجل- يُرى من غير إدراك، كما يقول الرجل:
رأيتُ البحر، مع أنه لم يدركه، لذا فإن الإدراك أخص من مطلق الرؤية، لأن الادراك رؤية خاصة؛ وهي الرؤية علي جهة الإحاطة، كما في قوله تعالي:
(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا) فلم ينف موسي -﵇- الرؤية، وإنمانفي الإدراك. وكذلك قوله تعالى:
﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ ومعلوم أنه لم يخف الرؤية وإنما خاف الإحاطة. (^١).
ونظيرذلك::
الفرق بين العلم بالله والإحاطة به سبحانه، فالذى قال (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّااللَّهُ) هو سبحانه الذى قال (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)
فالله -تعالي-يُري ولا يُدْرك، كما أنه يُعلْم ولا يُحاط به علمًا.
وعليه فمن يستدل على نفى الرؤية بنفي الإدراك فهو ممن يجهل الفرق بين الأمرين.
وكم من عائب قولًا صحيحًا * وآفته من الفهم السقيم.
* يؤيده:
قال ابن القيم:
وتأمل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ " لا " الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يدرك أبدًا وإن رآه المؤمنون، فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق، وكيف نفى الرؤية بـ " لن " فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأن النفي بها لا يتأبد. (^٢)
*بل يقال هنا: أن هذه الأية تصلح لأن تكون دليلًا لأهل السنة:
_________________
(١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (ص/٦٤٨)
(٢) بدائع الفوائد (١/ ٩٦)
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال ابن العثيمين:
نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ولو كان الأعم منتفيًا لوجب نفيه وقيل: لا تراه الأبصار، لأن نفيه يقتضي نفي الأخص ولا عكس، ولأنه لو كان الأعم منتفيًا لكان نفي الأخص إيهامًا وتلبيسًا ينزه عنه كلام الله ﷿. (^١)
ثم يقال:
ولو تنزلنا مع الخصم وقلنا إن الرؤية هى الإدراك -على مستوى فهمهم- فيقال هنا بحمل الرؤية المنفية في هذه الأية على حال الحياة الدنيا. (^٢)
٢) ومن شبهات النفاة:
قوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) قالوا: قوله تعالي: (لن تراني): يفيد نفي الرؤية مطلقًا؛ وذلك لأن " لن " تفيد النفي المؤبد، والنفي خبر، وخبر الله صدق لا يدخله النسخ. (^٣)
الجواب:
قد أجاب أهل العلم على ذلك فقالوا: حرف "لن" يفيد النفي المؤبد، مردود شرعًا ولغة
أما شرعًا:
فإن النفي إذا جاء بـ " لن" فلا يفيد النفى المؤبد؛ وإنما يفيد النفي المؤقت، بدليل قوله تعالي في اليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ
_________________
(١) شرح الواسطية (ص/٤٥٦)
(٢) يعني لو كان الإدراك بمعنى الرؤية لوجب التخصيص في الأية حتي تتفق مع أحاديث الرؤية. وممن ذهب إلى تفسير الإدراك بالرؤية: عائشة ﵂، والدارمي والبيهقي ونعيم بن حماد وابن قتيبة. قال ابن قتيبة وأما قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فليس ناقضًا لقوله ﷺ: "ترون ربكم يوم القيامة "؛ لأنه أراد -جل وعز- بقوله: "لا تدركه الأبصار" في الدنيا. ا. هـ نقول: وإن كان التوجيه الأقوي والأرجح شرعا ولغة هو التوجيه الأول، والله أعلم. أما شرعًا: فلأن النبي -صلي الله عليه وسلم - قد نفي الرؤية في الدنيا بقوله " لن تروا ربكم حتى تموتوا"، فمن باب أولي أن يكون في ذلك تفي للإدراك، لأنه رؤية وزيادة. أما لغة: فقد سبق ذكره. وانظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص/٢٩٨) والرد على الجهمية (ص/١٢٤) وكتاب التوحيد لابن خزيمة بتعليق خليل هراس (ص/١٦٨)
(٣) دراسات فى الفرق الإسلامية (ص/١٧٠)
[ ١ / ٣٣٠ ]
أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) ﴿فنفت الأية عن اليهود أن يتمنوا الموت بقوله تعالى (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)
ومع ذلك فهم يتمنونه في الآخرة، حين يقولون: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف/ ٧٧]، مما دل على أن " لن" ليست للتأبيد.
قلت: وإذا كان النفي مع التأبيد المصرح به كما في قوله تعالي: " وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا"، لم يدل على النفي المؤبد، لأنهم تمنوا الموت بعد ذلك، فكيف يفيده النفي غير المقرون بالتأبيد؟!! فتأمل.
أما لغة:
فإن " لن" لا تفيد النفي المؤبد. قال جمال الدين ابن مالك في " الكافية":
ومن رأي النفي بـ لن مؤبدًا فقوله أردد وسواه فأعضدا
* يؤيده:
لو كانت تفيد النفي المؤبد لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد ورد ذلك في قوله تعالي:
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿. (^١)
* قال ابن القيم:
وتأمل قوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ " لا " الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يُدرَك أبدًا وإن رآه المؤمنون. وكيف نفى الرؤية بـ " لن" فقال:
﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لأن النفي بها لا يتأبد وقد كذَّبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ لن بقوله (وقالوا يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فهذا تمنٍّ للموت.
فلو اقتضت " لن " دوام النفي لتناقض الكلام. (^٢)
* وعند التحقيق نقول:
أن المستقرئ لاستعمالات حرف "لن" يجد أنها تستعمل على المعنيين:
(التأقيت والتأبيد) ومثال المعنى الأول ما ورد في الأية (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)
وقد ترد
_________________
(١) ذكره أبو العز الحنفي في شرحه للطحاوية (ص/٢١٤) قلت: فتأويل الأية: لن أبرح الأرض لعلة، فإذا انتفت فعلت، وكذا يقال في الرؤية: لن تراني لعلة وهي ضعفك، فإذا كان أمر الأخرة تحقق الرؤية.
(٢) بدائع الفوائد (ص/٩٦)
[ ١ / ٣٣١ ]
لن للتأبيد: كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)، وقوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا)
وإنما الذي يحدد أصح الاستعمالين إنما هو السياق مع القرائن الأخري، فالشرع إنما يؤخذ من مجموعه، وقد دلت الأدلة الأخرى بتواترها وتواردها على المراد بـ " لن " في قوله تعالى (لن تراني) هو نفي التأقيت لا التأبيد، فتأمل.
وقد رد أهل السنة على المخالفين المستدلين بهذه الأية على نفي الرؤية من وجوه عديدة تزيد عن تسعة أوجه مبثوثة في كتب أهل السنة، قد تركت ذكرها خشية الإطالة. (^١)
مما يُبين أنها دليل أظهر لمن يثبت الرؤية وليس لمن ينفيها.
وصدق ابن القيم -﵀حين ذكر في مَعرِض كلامه عن إنكار المعتزلة للرؤية يقول:
وبدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي، وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن. (^٢)
** ومن شبهات النفاة:
قالت المعتزلة: قوله تعالي﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴿إنما هو نظر الانتظار، لا نظر الرؤية!!
وقالوا: إنما هو نظر إلي ثواب ربها أي: إلي ثواب ربها ناظرة!! (^٣)، واستدلوا بأن هذا هو تفسير مجاهد للآية. (^٤)
_________________
(١) ومن أراد الوقوف عليها فليراجع: حادي الأرواح (ص/٢٨٧) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/٢١٣) والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٦٤٢)
(٢) المصدر السابق (ص/٩٦)
(٣) نص على ذلك القاضي عبد الجبار في"تنزيه القرآن عن المطاعن" (ص/٤٤٧)، وذكره أبو القاسم البلخي عن الجبَّائي في "كتاب المقالات" (ص/١١١) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٢٤٥)
(٤) حيث فسر مجاهد الأية بقوله "تنتظر الثواب من ربها"، وذكره عنه الطبري في جامع البيان (٢٤/ ٧٢)، والقرطبي في تفسيره، وقال القرطبي: لم يُنقل ذلك إلا عن مجاهد. وقد تلقف القاضي عبد الجبار قول مجاهد فطار به، وقال: "إذا صح ذلك فالصحيح عندنا أنه النظر إلى ثوابه ". وانظر الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠٨) والمغني في أبواب التوحيد والعدل (٤/ ٢١٢) و"مجاهد المفسِّروالتفسير" (ص/٥٣٦)
[ ١ / ٣٣٢ ]
الجواب أن يقال:
النظر له استعمالات متعددة، فمنها:
١) أن يتعدى بنفسه، ومعناه: التوقف والانتظار، كقوله ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (الحديد: ١٣)
والمقصود: انتظرونا وأمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، وهذا يقوله المنافقون للمؤمنين يوم القيامة.
٢) أن يتعدي بـ (في) كان معناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، يعني: يعتبروا ويتفكروا.
٣) أن يتعدى بـ (إلى) فمعناه: نظر العين، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، انظروا يعني: بالعين. فهذا النظر بمعنى الإبصار
فلا يجوز أن يكون الله -﷿- عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.
ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، فإذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم.
وإذا فسدت الأقسام لم يبق إلا أن يكون المقصود بالأية أنه نظر رؤية العين.
*كما أن تفسير الأية بأنه انتظار للثواب مخالف لظاهر النص:
*قال ابن حزم:
وقال بعضهم ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ معناه إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة،
وهذا فاسد جدًا؛ لأنه لا يقال في اللغة نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته، وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع؛ لأن من فعل غير ذلك أفسد الحقائق كلها والشرائع كلها والمعقول كله. (^١)
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣) وانظرالاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد (ص/١٢٢)
[ ١ / ٣٣٣ ]
قال ابن القيم:
ما أطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بم يخالف ظاهره؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادرًا خارجًا عن نظائره.
ونظير هذا إطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى، هكذا ترون ربكم، تنظرون إلى ربكم، ﴿إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٣]، ولم يجئ في موضع واحد ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره. (^١)
أما ما نقل عن مجاهد فجوابه ما قاله ابن عبد البر:
قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي -ﷺوأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم ﷺ. وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ. (^٢)
*وما أجمل ما قاله الدارمي في مناقشة المخالفين، حيث قال:
فكيف ألزمتم أنفسكم اتباع المشتبه من آثار مجاهد وحده، وتركتم الصحيح المنصوص من آثار الرسول -ﷺ- وأصحابه ونظراء مجاهد من التابعين، إلا من ريبة وشذوذ عن الحق، والذي يريد الشذوذ عن الحق، يتبع الشاذ من قول العلماء، ويتعلق بزلاتهم، والذي يؤم الحق في نفسه يتبع المشهور من قول جماعتهم، وينقلب مع جمهورهم، فهما آيتان بينتان يستدل بهما على اتباع الرجل، وعلى ابتداعه. (^٣)
ومن جملة الشبهات التي استدل بها نفاة الرؤية قالوا:
القول بإثبات الرؤية يلزم منه إثبات الجهة لله، وإثبات الجهة يلزم منه التجسيم، وهذا منتفٍ في حق الله. (^٤)
_________________
(١) الصواعق المرسلة (١/ ٦٣)
(٢) التمهيد (٧/ ١٥٧)
(٣) الرد على الجهمية (ص/١٢٤)
(٤) فقد نص القاضي عبد الجبار في كتابه "تنزيه القرآن عن المطاعن" (ص/٤٤٧) على أن الرؤية هي تقليب العين نحو الشيء طلبًا لرؤيته، وذلك لا يصح إلا في الأجسام، أي أنه لا يُرى إلا ما كان جسمًا!! ومن هذا الباب حكم المعتزلة بكفر من أثبت الرؤية، كما نقل ذلك عنهم ابن الجوزى وابن عبدالبر وأبو الحسن الأشعري. قال ابن عبدالبر: وأهل البدع المخالفون لنا في هذا التأويل يقولون إن من جوَّز مثل هذا -أى رؤية الله - وأمكن عنده فقد كفر. التمهيد (٧/ ١٥٥)
[ ١ / ٣٣٤ ]
والجواب أن يقال:
أما قولكم بنفي الجهة عن الله ﷿؛ فيقال:
١ - لفظة "جهة " في حق الله -تعالي- من الألفاظ المجملة، والقاعدة هنا إن
"الألفاظ المجملة في حق الله، لا نثبتها مطلقًا ولا ننفيها مطلقًا، بل نثبتها حال الكمال وننفيها حال النقص".
أ- فإن فُهِم من لفظة الجهة الله، أن لله -تعالى-مكانًا ما يظله أو يقله، فهذا المعنى ننفيه عن الله تعالي، لأنه عندها يكون صفة نقص في حقه تعالي؛ فالله -﷿- هو الباطن الذي ليس دونه شئ، وهوالظاهر الذي ليس فوقه شئ. كرسيه قد وسع السماوات والأرض، والكرسي إلى عرشه كحلقة في فلاة، فما أدراكم بذاته تعالى؟!
ب- وإن فُهم من الجهة لله أن الله -﷿- مستوٍ علي عرشه بائنٌ من خلقه، ليس حالّا في شيء من مخلوقاته، فهذا معني نقول به، ولم لا نقول به وقد تواردت وتواترت النصوص الشرعية على إثباته.
** أما قولهم: إثبات الجهة يلزم منه الجسمية!!
فجوابه:
أن لفظة الجسمية في حق الله -تعالي - مما لم يرد به نص من كتاب أو سنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم؛ بل النفي والإثبات بدعة في الشرع. (^١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٣٥)
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقال ﵀:
لم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا، فليس لأحد أن يبتدع اسمًا مجملًا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلّق به دين المسلمين. (^١)
** أما قولكم أن إثبات الرؤية يلزم منه إثبات الجهة الله تعالي!!!
فإن كان وصف الجهة في حق الله -تعالى- على المعنى اللائق الذي سبق أن فَصَّلنَاه فنحن نقول بإثبات الرؤية على هذا المعنى.
وما زال السلف يثبتون أحاديث الرؤية، ولا يقولون كيف، فحرام على العقول أن تكيّف أو تمثل.
قال الذهبي:
المبالغة في إثبات الصفات وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف -﷿- لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه، فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة نقر بها، ونعتقد أنها حق ولا نمثلها أصلا ولا نتشكلها. (^٢)
*ومن شبهاتهم في نفي الرؤية:
قالوا:
الرؤية التي ذكرت في الأحاديث إنما يُقصد بها العلم، ونظير ذلك قوله تعالى:
﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴿(الفجر: ٦) أي: ألم تعلم. (^٣)
_________________
(١) المصدر السابق (١٧/ ٣١٨)
(٢) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٧) وكلام الإمام الذهبي -﵀وإن كان يقصد به المشبَّهة، فإن الجهمية المعطلة ما عطّلوا الصفات إلا لما اعتقدوا نوع مشابهة بين الخالق والمخلوق، ففروا من التشبيه إلي التعطيل، فكانوا كما قيل كالمستجير من النار بالرمضاء.
(٣) فمذهب المعتزلة نفي رؤية الله -﷿- بالأبصار، وتأويل الرؤية في قوله ﷺ: "سترون ربكم" بالعلم، يقول القاضي عبد الجبار في ذلك: "ثم نتناوله - أي حديث سترون ربكم - نحن على وجه يوافق دلالة العقل فنقول: المراد به سترون ربكم= =يوم القيامة أي ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر" انظر: "شرح الأصول الخمسة (ص/ ٢٣٢، ٢٧٠) المقالات (١/ ٢٨٩".
[ ١ / ٣٣٦ ]
فجوابه:
فإنه يستحيل، لأنا نعلمه في الدنيا أيضا؛ فأي فائدة في هذا الخبر إذا كان الأمر في يوم القيامة وفي الدنيا واحدًا؟؟!. (^١)
* كذلك:
فإن لفظة "رأى" تارة تكون قلبية وتارة تكون بصرية، والقرائن هي التي تُخلّص أحد المعاني وترجحه، وأي بيان وقرينة فوق قوله: "ترون ربكم كما ترون الشمس "، فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟! وهل يخفي مثل هذا إلا على من أعمي الله قلبه؟!! (^٢)
* ومن شبهاتهم على نفي الرؤية:
قالوا: أحاديث الرؤية هي من أخبار الآحاد التى لا تفيد العلم في أبواب العقائد. (^٣)
فجوابه من وجوه:
1) قد سلف لنا ذكر ما يؤيد أن أحاديث الرؤية إنما هي من الأحاديث المتواترة، وذكرنا أقوال العلماء فى ذلك.
2) وإن قلنا - تنزلنًا- بأن أحاديث الرؤية من الآحاد فالصحيح أن خبر الواحد يفيد العلم النظري إذا احتفت به القرائن، سواء في ذلك ما ورد منها في العقائد أو العبادات. وهذا ما اختاره ابن تيمية وابن حجر وابن الصلاح والآمدي وابن القيم وغيرهم. (^4)
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (ص/300)
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص/211)
(٣) وممن نص على ذلك: القاضى عبد الجبارفى "المغنى فى أبواب العدل والتوحيد " (4/ 225) والرازي في أساس التقديس (ص/168) والباقلانى في تمهيد الأوئل (1/ 266) وابن فورك في مشكل الحديث (1/ 270) وانظر المعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/134) والمنحة الإلهية في الصفات الربانية (ص/282)
(٤) وقد ذكرنا أدلة ذلك في رسالتنا "البيان الأثيث في قواعد علم الحديث"، عند الكلام على قاعدة (خبر الآحاد حجة في الاعتقاد).
[ ١ / ٣٣٧ ]
* قال ابن حجر:
وقد يقع فيها -أي الآحاد-ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، كأن يخرِّج الخبر الشيخان في صحيحهما، أو يكون مشهورًا وله طرق سالمة من ضعف الرواة والعلل. (^١)
٣) من اللوازم الباطلة لهذا القول:
نسبة أمر الأمة جميعها إلى الخطأ؛ فقد أجمع أهل الإسلام على رواية الأحاديث في صفات الله -﷿- وفي مسائل القدر والرؤية والإيمان والشفاعة والحوض، فإذا قلنا إن خبر الواحد لا يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبارعلى الخطأ، وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بما لا يفيد أحدا شيئًا ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه. (^٢)
* ثم نقول:
التفريق في القبول بين الخبريات والعمليات بناءً على التواتر من عدمه قول محدث شغَّب بها أهل البدع لرد أصول الاعتقاد التى لا توافق أهواءهم.
* قال السمعانى:
قولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم وهذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار وطلب الدليل من النظر والاعتبار. وهذا شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار.
والخبر إذا صح عن رسول الله -ﷺ - ورواه الثقات، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، هذا قول عامة أهل الحديث. (^٣)
_________________
(١) نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (ص/٥٤) ومعني قوله العلم النظري: أي الذي يحتاج إلي قرائن لتقوي صحه ثبوته، بعكس العلم اليقيني الذي يفيده الخبر المتواتر. ومثال ذلك: حديث الأعمال بالنيات، فهذا من خير الآحاد التي احتفت به القرآئن التي دلت علي صحته وأوجبت العمل والعلم به، ومن هذه القرآئن بل وأقواها كونه في الصحيحين، وقد تلقته الأمة بالقبول، كما أنه برواية الثقات الأثبات بعضهم عن بعض.
(٢) الانتصارلأصحاب الحديث (ص/٣٧)
(٣) المصدر السابق (ص/٣٦)
[ ١ / ٣٣٨ ]
قول الأشاعرة في مسألة الرؤية:
وأما الأشاعرة فأرادوا الخروج من جلباب المعتزلة، ليقولوا بإثبات الرؤية؛ وكذلك أرادوا ألا يقولوا بقول أهل السنة بإثبات علو الله -تعالى- على عرشه، فقالوا:
إن الله -تعالى- يُري، ولكن لا في جهة؛ لأن الجهة -على زعمهم- من لوازم الأجسام.
قال صاحب الجوهرة:
" ومنه أن يُنظر بالأبصار لكن بلا كيفٍ ولا انحصار".
وعليه فقد جعل الأشاعرةُ أهلَ السنة مجسِّمة من هذا الباب. (^١)
قال الغزالي:
أما الحشوية -وهو يقصد أهل السنة - فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية، وأما المعتزلة فقد نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، وخالفوا به قواطع الشرع، وظنوا أن في إثباتها إثبات الجهة.
فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا، والحشوية أثبتوا الجهة احترازًا من التعطيل فشبهوا، فوفق الله -سبحانه- أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا وعرفوا أن الجهة منقية لأنها للجسمية تابعة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم؛ فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها، وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية. (^٢)
_________________
(١) لذا فقد فسَّر الأشاعرة: " لا تضامّون " بالتشديد بأن معناه: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى عن جهة. الاعتقاد للبيهقي (ص/٥١).
(٢) وانظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٤٧) وشرح العقائد النسفية (ص/٢٠٦) قلت: قال اللقاني شارح "جوهرة التوحيد": والمشبهة -يقصد أهل السنة- على تجويز الرؤية في مكان؛ لاعتقادهم بالجسمية، فتعالى الله على قولهم علوًا كبيرًا!! وقد ورد في أبيات الجوهرة: " ومنه أن ينظر بالأبصار لكن بلا كيف ولا انحصار". وقوله: (بلا انحصار: أي بلا جهة ولا حد) وقد ذكر محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق في كتابه "مباحث في علم التوحيد" هذا القول ونسبه لأهل السنة، وإنما قصد بذلك الأشاعرة، فقال: وأهل السنة يثبتون الرؤية بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة. وانظر هداية المريد شرح جوهرة التوحيد (ص/٦٨) وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص/٣٢٢)
[ ١ / ٣٣٩ ]
* تأمل:
كيف يشنع الغزالي على أهل السنة فيصفهم بالحشوية والمشبهة لإثباتهم رؤية الله - تعالى- في الآخرة.
وعلى منواله قد نسج الزمخشري الذى تفوَّه بسب أهل السنة بفاحش اللفظ، حيث قال:
" ثم تعجب من المتسمّين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة -يقصد إثبات رؤية الله- مذهبًا، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم! والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
لجماعةٌ سمُّوا هواهم سنّة جماعة حُمُرٌ لَعَمْري موْكَفة
قد شبّهوه بخلقه فتخوّفوا شَنَع الورى فتستّروا بالبلكفه. (^١)
* وفى تفسيرهم لحديث " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، .. " قالوا بما بوافق مذهبهم القائل بنفي الجهة مع إثبات الرؤية، كما قال بذلك البيهقي، وشيخه ابن فورك، وغيرهما، حيث فسَّروا " تضامّون ": بالتشديد بأن معناه:
لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، ومعناه:
لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى
عن جهة!! (^٢)
* الرد على قول الأشاعرة:
١) أولًا:
قول الأشاعرة في الرؤية هو قول محدث مخالف للكتاب والسنة
_________________
(١) الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ١٥٦) وقوله: موكفة: أى موضوع عليها الاكاف وهى البردعة؛ مبالغة في التشبيه. قد شبهوه: أى الله -﷿- بخلقه حيث قالوا: إنه يرى بالعين، فخافوا تشنيع الناس عليهم فتستروا " بالبلكفه " أى أنهم قالوا: إنه يُرى بلا كيف.
(٢) الاعتقاد للبيهقي (ص/٥١)
[ ١ / ٣٤٠ ]
وإجماع الأمة، فمجموع أدلة الشرع أثبتت لله -تعالى- كلا الأمرين إثبات العلو والمباينة، وإثبات الرؤية، وقد قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
وأما السنة:
قوله ﷺ: «سترون ربكم كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»،:
أنَّ الشرع ورد بثبوت الرؤية لله - تعالى - بالأبصار فحُمِلَ ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، لأنه لا يُتصورأن يكون هناك موجود مرئي في غير جهة، وذلك لا يقتضي تحديدًا ولا تجسيمًا لله تعالى، كما لا يقتضي العلم به تحديدًا له ولا تجسيمًا.
وأما الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
وقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- عند علماء الحديث، وجمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عيانًا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل. (^١)
٢) ثانيًا:
لا شك أن التناقض البيِّن في قول الأشاعرة هو أكبر دليل على سقوط هذا القول فقد وقعوا في التناقض، وانفردوا بقول لم يقل به أنس قبلهم ولا جآن.
فالعقل فضلًا عن النقل يرفض مثل هذا الجمع بين النقيضين؛ فكيف يُعقل أن تثبت رؤية بغير مقابلة، ولهذا قيل فيهم:
"من أنكر الجهة وأثبت الرؤية فقد أضحك الناسَ على عقله".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
جمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عيانًا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل، ولا ريب أن جمهورالعقلاء من مثبتي الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول الأشاعرة معلوم الفساد بالضرورة؛ ولهذا يذكر الرازي أن جميع فرق الأمة تخالفهم في ذلك. (^٢)
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٤١)
(٢) المصدر السابق (٣/ ٣٤٣)
[ ١ / ٣٤١ ]
قال الإمام أبو العز الحنفي:
وهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يُرى لا في جهة، فليراجع عقله!!
فإما أن يكون مكابرًا لعقله أو في عقله شيء، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟!! (^١)
قال ابن رشد:
وأما الأشاعرة فراموا الجمع بين الاعتقادين، انتفاء الجسمية وجواز الرؤية فعسر ذلك عليهم ولجأوا إلى حجج سوفسطائية مموهة كاذبة.
وقال أيضًا:
ولولا النشأ على هذه الأقاويل وتعظيم القائلين بها لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة. (^٢)
يقول ابن القيم:
إذْ رُؤيَةٌ لَا فِي مُقَابَلَةٍ مِنَ الرَّ ائِى مُحَالٌ لَيْسَ فِي الإِمْكَانِ
وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا سِوَى ذَا كَانَ دَعـ وَاهُ مُكَابَرَةً عَلَى الأَذْهَانِ. (^٣)
* وتأمل:
" فلكل مقدمة باطلة نتائج عنها معبرة "، فها هو الرازى قد أورد أثني عشر سؤالًا هي حجة على الأشاعرة في إثبات الرؤية، واعترف بالعجز عن الجواب عنها. (^٤)
٣) ثالثًا:
أن شيوخ الأشاعرة المتقدمون يثبتون لله -عزوجل- العلو، ولم يُحفظ عنهم إثبات رؤية بلا جهة، فهل يقال إن شيوخ الأشاعرة مجسمة؟!! (^٥)
٤) رابعًا:
إن المتأمل لقول الأشاعرة في هذا الباب يصل إلى حقيقة الرؤية التى قالوا بها، والتى اعترف بها المنصفون منهم لا المكابرون: أن الرؤية ما هى إلا نوع
_________________
(١) شرح الطحاوية (ص/٢٢٠)
(٢) الكشف عن مناهج الأدلة (ص/٧٧ - ٨١) وانظر المنحة الربانية (ص/٧٢٥)
(٣) متن القصيدة النونية (ص/٨٣)
(٤) وانظر " الأربعون في أصول الدين" (١/ ٢٩٥)
(٥) وانظر " دراسة نقدية لمنظومة الجوهرة " (ص/٣٦٢)
[ ١ / ٣٤٢ ]
إدراك وكشف وزيادة استيضاح لذات الله عزوجل. (^١)
لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي. (^٢)
* وفي ذلك يقول ابن القيم:
ولذاك قال محققٌ منكم لأهل الاعتزال مقالة بأمان
ما بيننا خلف وبينكم لذي التحقيق في معنى فيا إخواني
شدوا بأجمعنا لنحمل حملة نذر المجسم في أذل هوان
إذ قال إن إلهنا حقا يُرى يوم المعاد كما يُرى القمران. (^٣)
* فلعلك لاحظت أن إثبات الأشاعرة للرؤية ونفي لازمها إنما هو نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم.
لذلك كان المعتزلة أكثر منطقية مع أنفسهم
_________________
(١) قال الآمدي: وبما حققناه يندفع ما يهول به الخصوم -يقصد أهل السنة-ويعتمدون عليه ويستندون في الإلزام اليه وهو قولهم إن الرؤية تستدعى المقابلة، والمقابة تستدعى الجهة والجهة توجب كونه جوهرا أو عرضًا، فإنهم لم يبنوا ذلك إلا على فاسد أصولهم في أن الأدراك بالبصر لا يكون إلا بانبعاث الأشعة من العين، وذلك كله قد ابطلناه وبيَّنا أنه ليس الإدراك إلا نوع من العلوم يخلقه الله -تعالى - في البصرا. هـ وقد أكد الرازي في "نهاية العقول" على أن حقيقة الرؤية هي مزيد كشف، وضرب من التخيل. وانظر غاية المرام درء تعارض العقل والنقل في علم الكلام (ص/١٦٨) والاقتصاد في الاعتقاد (ص/٦٦) ومقالات في تناقضات الأشاعرة (ص/١٣٨)
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٠) وقد اعترف الرازي بأن الخلاف في مسألة الرؤية مع المعتزلة خلاف قريب من الخلاف اللفظي، وهكذا كان سمت المتأخرين من الأشاعرة تراهم يسعون سعيًا حثيثًا لإذابة الخلاف بينهم وبين المعتزلة، وتراهم يسارعون فيهم، أذلة على المعتزلة أشدة على أهل السنة، لا يتورعون عن وصف أئمة أهل السنة بالمجسمة والحشوية والصفاتية والحمير والخصوم والحنابلة والوهابية،. قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يصفهم: وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم، وقدَّموهم على أهل السنة والإثبات وخالفوا أوليهم. الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٧٢)
(٣) القصيدة النونية (ص/٨٤)
[ ١ / ٣٤٣ ]
حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارًا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة. (^١)
وصدق من قال:
" الأشاعرة لُحاء سنة، ومخ اعتزال "
ومن المسائل المتعلقة بهذا البحث؛ مسألة مهمة:
أهم الأسباب الجالبة لرؤية الله -تعالى- في الآخرة؟؟
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ:
«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ (^٢)
فقوله صلي الله عليه وسلم: "فافعلوا":
يقتضي أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء هذه الرؤية، ويقتضي أن المحافظة سبب لهذه الرؤية. ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال، فهما أفضل الصلوات فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى. (^٣)
* قال الدارقطني:
يزورون ربهم -تبارك وتعالي- ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فينظرون إليه وينظر إليهم، وذلك قوله "قال تعالى (ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا). (^٤)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والرسول -ﷺ- قد جعل صلاتي الغداة والعشي سببًا " للرؤية " وصلاة الجمعة سببًا " للرؤية " في وقتها؛ مع ما في الصلاة من مناسبة الرؤية كان العلم بمجموع هذه الأمور يفيد ظنا قويا أن هاتين الصلاتين سبب للرؤية في وقتهما في الآخرة والله أعلم بحقيقة الحال. (^٥)
_________________
(١) البيهقي وموقفه من الإلهيات (ص/٣٩١)
(٢) متفق عليه. وقد بؤب له البخاري بقوله: فضل صلاة الفجر، مما يدل على أن المحافظة على صلاة الفجر من أهم الأسباب التي يُرزق بها المرء رؤية الله في الأخرة.
(٣) مجموع الفتاوي (٦/ ٤٢٣) وفتح الباري (ج ٢ / ص ٣٢٩)
(٤) رؤية الله (ص/١٦٩)
(٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٢٦)
[ ١ / ٣٤٤ ]
*قال ابن رجب:
ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانًا، فتتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته، وسماع كلامه، ولا سيما في أوقات الصلوات في الدنيا، كالجمع والأعياد، والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين: بكرة وعشيا في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر. (^١)
ذكر ما صح في رؤية الله -تعالي - تكون في الآخرة يوم الجمعة:
عن ابن عباس -﵄- أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال:
"إن أهل الجنة يرون ربهم -تعالي- في كل يوم جمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدوًا " (^٢)
وعن أنسرضي الله عنه- مرفوعًا:
إذا كان يوم الجمعة تجلي الله -تعالي- لأهل الجنة، فينظرون إلي وجهه ﷿، فَلَيْسَ هُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَشْوَقَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا نَظَرًا إِلَى رَبِّهِمْ ﷿ وَكَرَامَتِهِ، وَلِذَلِكَ دُعِيَ يَوْمَ الْمَزِيدِ. (^٣)
* قال عبد الله بن مسعود ﵁:
سارعوا إلى الجمعة؛ فإن الله -﷿- يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيكونون في الدنو منه على مقدار مسارعتهم في الدنيا إلى الجمعة. .
قال أبوعبيدة بن عبد الله بن مسعود:
فكان عبد الله لا يسبقه أحد إلى الجمعة، فجاء يومًا وقد سبقه رجلان، فقال: (رجلان وأنا الثالث، إن شاء الله يبارك في الثالث). (^٤)
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (ص/٢٠١)
(٢) أخرجه ابن بطة في الإبانة (ح/٣٠) وقال محققه: حسن لغيره. قلت: يشهد له أثر ابن مسعودرضي الله عنه- الأتي بعده، الموقوف وله حكم الرفع.
(٣) أخرجه الأجري في الشريعة (ح/٦١٢) والطبراني في الأوسط (٢٠٨٤) قال ابن القيم في حادي الأرواح (ص/٣١٣) وهذا حديث عظيم الشان، رواه أئمة السنة وتلقوه بالقبول، وجمَّل به الشافعي مسنده. وقال الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٦١): حسن لغيره.
(٤) أخرجه الدارقطني في "رؤية الله" (ح/١٦٦) وابن بطة في الإبانة (ح/٣١) وصححه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٣) ثم قال ﵀: وهذا الذي أخبر به ابن مسعود -﵁- أمر قد أخذه عن النبي ﷺ، ولا يجوز أن يكون أخذه عن أهل الكتاب؛ لوجوه: (أحدها) أن الصحابة -﵃قد نهوا عن تصديق أهل الكتاب فيما يخبرونهم به: فمن المحال أن يحدث ابن مسعود -﵁بما أخبر به اليهود على سبيل التعليم ويبني عليه حكما. (الثاني): أن ابن مسعود - ﵁ - خصوصًا كان من أشد الصحابة - ﵃ - إنكارًا لمن يأخذ من أحاديث أهل الكتاب. (الثالث) أن الجمعة لم تشرع إلا لنا، والتبكير فيها ليس إلا في شريعتنا، فيبعد مثل أخذ هذا عن الأنبياء المتقدمين ويبعد أن اليهودي يحدث بمثل هذه الفضيلة لهذه الأمة وهم الموصوفون بكتمان العلم والبخل به وحسد هذه الأمة. وانظرمجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٥) ومسالك أهل السنة فيما أشكل من نصوص العقيدة (٢/ ٢٧١)
[ ١ / ٣٤٥ ]
رؤية الكافرين لربهم يوم القيامة، والراجح في ذلك
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر جملة من لأحاديث فى رؤية المؤمنين لربهم -تعالى- يوم الجمعة:
وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر؛ بل قد يقتضي القطع بها، وأيضا فقد روي عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، ومثل هذا لا يُقال بالرأي؛ وإنما يقال بالتوقيف. (^١)
قال ابن القيم:
أوما سمعت بشأنهم يوم المزيـ د وأنه شأن عظيم الشان
هو يوم جمعتنا ويوم زيارة الـ رحمان وقت صلاتنا وأذان
والسابقون إلى الصلاة هم الألى فازوا بذاك السبق بالإحسان
سبق بسبق والمؤخر ههنا متأخر في ذلك الميدان
والأقربون إلى الإمام فهم أولو الزلفى هناك فها هنا قربان. (^٢)
ومن فروع هذا المبحث: رؤية الكافرين لربهم يوم القيامة:
* من المسائل التى وقع فيها الخلاف بين أهل السنة:
مسألة رؤية الله - تعالى- في
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٣)
(٢) القصيدة النونية (ب/٣٤٧)
[ ١ / ٣٤٦ ]
العرصات، هل هي حاصلة لجميع الناس، بمن فيهم من الكافرين والمنافقين، أم هي للمؤمنين خاصة؟؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
رؤية حاصلة يوم القيامة لجميع أهل الموقف، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واختاره ابن حزم، وأدلة هذا القول:
١) قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الإنسان/٦)
فالأية ذكرت لفظ الإنسان، فيعم كل على عرصات يوم القيامة، واللقاء يدل على الرؤية والمعاينة.
* قال أبو العباس أحمد بن يحيي:
أجمع أهل اللغة على أن اللقاء لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار. (^١)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾. (^٢)
*ومن أدلة السنة.
قال الرسول ﷺ:
"لَيَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ أَلَمْ أَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: فَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي (^٣).
فهذا الحديث قد ذكر اللقاء الدال على الرؤية، والحديث في سياق لقاء العبد الكافر الذى أنكر البعث والحساب.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وهذا حديث صحيح. وفيه أن الكافر والمنافق يلقى ربه. ويقال: ظاهره أن الخلق جميعهم يرون ربهم. (^٤)
_________________
(١) ذكره ابن القيم مسندًا ثم قال: وحسبك بهذا الإسناد صحة. وانظر المصدر السابق (ص/٢٨٨)
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٢)
(٣) متفق عليه.
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩١)
[ ١ / ٣٤٧ ]
٢) عن أبي هريرة -﵁ أن النبيﷺ - قال:
يجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ ربنا. (^١)
ففيه دلالة: على رؤية الناس جميعهم لله تعالى في العرصات، وذلك قبل التمييز.
٣) عن أبي سعيد الخدري - ﵁- قال: سئل النبي - ﷺ - هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فذكر الحديث، وفيه تساقط اليهود والنصارى في النار، ثم قال " حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ العَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا. (^٢)
فقوله ﷺ: (في أدنى صورة من التي رأوه فيها):
فيه دلالة على أن جميع أهل الموقف قد رأوه في صورته قبل التمييز وسقوط اليهود والنصارى في النار.
* قال ابن القيم:
دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة. (^٣)
القول الثاني:
أن رؤية الله - عزوجل إنما - هي للمؤمنين والمنافقين فقط، وقال به أبو بكر ابن خزيمة، ورجحه ابن العثميين، واستدلوا بما يلي:
١ - قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
وجه الدلالة: ثبت بالسنة رؤية المؤمنين والمنافقين، فتبين بذلك أن هذه الآية في حق الكفار لا غير.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) حادى الأرواح (ص/٢٨٨)
[ ١ / ٣٤٨ ]
*قال ابن خزيمة معقبًا على الأية:
أراد الكفار الذين كانوا يكذبون بيوم الدين، بضمائرهم، فينكرون ذلك بألسنتهم، دون المنافقين الذين كانوا يكذبون بضمائرهم ويقرون بألسنتهم بيوم الدين. (^١)
٢ - حديث جابررضي الله عنه - مرفوعًا:
ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُنَافِقًا، أَوْ مُؤْمِنًا نُورًا، فيتجلى لهم يضحك، قال فينطلق بهم ويتبعونه، ويُعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نورا. . (^٢)
٣ - القول الثالث:
بأن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر للكفر ولا المسرّ له، وهذا الذي عليه أكثر المتأخرين وجمهور أصحاب الإمام أحمد وهو قول الجمهور، ورجحه النووي، واستدلوا بما يلي:
١ - قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
٢ - الرؤية أعظم النعيم، فلا حظ فيها للكافرين من المعلنين أو المسرّين. (^٣)
والراجح هو القول الأول:
أن الكفار والمنافقين يرون ربهم؛ وهي رؤية تعريف وتوبيخ وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان - وليست رؤية كرامة ولا نعيم.
فإن اللقاء ينقسم إلى: لقاء على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب، فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء.
_________________
(١) التوحيد (ص/٤٢٨)
(٢) أخرجه مسلم (١٩١)
(٣) كما تري من الأقوال التى ذكرناها أعلاه يتبين لنا أن هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل السنة، لذا فما ادعاه القاضي أبو يعلى من إجماع السلف على نفي رؤية الكافرين لربهم فهذا إجماع فيه نظر. قال شيخ الإسلام: فأما " مسألة رؤية الكفار " فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها - فيما بلغنا - بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم من العلماء وتكلم فيها آخرون فاختلفوا فيها على " ثلاثة أقوال " مع أني ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها؛ إذ في الفرق الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة. مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٦)
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقد سئل أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج: كيف القدوم على الله؟ فقال:
المحسن كالغائب يقدم على مولاه، وأما المسئ كالآبق يقدم به على مولاه.
أما استدلال المخالف بقوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
فجوابه: فهذا الحجب إنما يكون بعد المحاسبة، فإنه قد يقال "حجبت فلانا عنى"،
وإن كان قد تقدَّم الحجب نوع رؤية، وهذا حجب عام متصل، وبهذا الحجب يحصل الفرق بينهم وبين المؤمنين. (^١)
فإن قيل: قد قال تعالى (ولا ينظر إليهم)؟!
فجوابه: أن هذا تأويله: نفي نظر الرحمة والتكريم؛ لا مطلق النظر، أرأيت قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) مع قوله تعالى (وقفوهم إنهم مسئولون).
فالمنفي في السؤال هو سؤال الاستعتاب كما في قوله (ولاهم يستعتبون).
وإنما يسئلون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين). (^2)
- أما استدلالهم بحديث تجلّي الله ضاحكًا للمؤمنين والمنافقين؟!
فجوابه:
فهذا واقع بعد إتيان الله -تعالى- لأهل الموقف جميعهم في صورته، كما سبق ذكره كما في قوله (فيأتيهم في أدنى صورة من التي رأوه فيها).
* أما ما ذكره الإمام ابن خزيمة بأن الاستدلال على إثبات رؤية الكفار بثبوت اللقاء لا يصح، لأن اللقاء غير الرؤية؟!
فجوابه:
نعم اللقاء غير الرؤية، ولكن اللقاء مستلزم للرؤية، فلا يقال لقي فلان
_________________
(١) مجموع الفتاوى (6/ 503)
(٢) قاله الحسن البصري. وانظر الجامع لأحكام القرآن (6/ 478) قلت: يؤيد هذا الجمع ما ذكره ابن تيمية: أن القرآن والسنة يدلان على أن الله يكلم الكفار تكليم توبيخ وتقريع وتبكيت، لا تعليم تقريب وتكريم ورحمة. وقيل في الجمع وجه آخر: أن المنفى إنما هو سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة، أى قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها.، ذكره ابن القيم في طريق الهجرتين (ص/424) وهو قول ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٣٥٠ ]
فلانا إلا إذا تقابلا ورأى أحدهما الآخر. (^١)
وقد نقلنا آنفا الإجماع الذي نقله ابن القيم على أن اللقاء متي نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية.
*ختامًا: رؤية النساء لربهم في الجنة:
الصحيح من أقوال أهل العلم في ذلك هو أن النساء يرين الله -﷿- في الجنة، والدليل على ذلك عموم النصوص؛ فإن النصوص التي في إثبات الرؤية مثل:
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، تدل على دخول المؤمنات في الجنة في هذه الرؤية؛ لأن العموم يشملهنَّ.
وأما قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، وإن كان قد ورد الذين بصيغة المذكر، فتدخل النساء أيضًا؛ إن مسألة دخول النساء في عموم النصوص الواردة بصيغة الذكور، مسألة معروفة ومشهورة عند أهل العلم، وهناك نصوص تدل على دخولهن في العموم، ومن ذلك قول الله ﷾ عن مريم في سورة التحريم: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
والقانتين: جمع مذكر سالم لقانت، فجعلها داخلة في عموم جمع المذكر السالم.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الدليل على أنهن يرينه أن النصوص المخبرة بالرؤية في الآخرة للمؤمنين تشمل النساء لفظًا ومعنى، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي إخراجهن من ذلك فيجب القول بالدليل السالم عن المعارض المقاوم. (^٢)
* وقال ﵀:
وأما حديث ابن مسعود ففي جميع طرقه - مرفوعها وموقوفها -التصريح أن النساء يرين ربهم في الأعياد؛ وإسناد حديث ابن مسعود أجود من جميع
_________________
(١) ذكره خليل هراس في تعليقاته على كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص/١٦٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٣٠)
[ ١ / ٣٥١ ]
أسانيد هذا الباب. (^١)
وفي ختام الكلام
*أقوال العلماء في فيما يستحقه من أنكر الرؤية:
قال أبو عبد الله الماجشون - وهو من أقران مالك - في كلام له:
فورب السماء والأرض ليجعل الله رؤيته يوم القيامة للمخلصين ثوابًا، فتنضر بها وجوههم دون المجرمين، وتفلج بها حجتهم علي الجاحدين: جهم وشيعته، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، لا يرونه كما زعموا أنه لا يُري. (^٢)
قال ابن القيم:
اتفق الأنبياء وجميع الصحابة والأئمة على رؤية الله ﷿، وأنكرها أهل البدع المارقون من الجهمية والفرعونية والرافضة والباطنية، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون. (^٣)
ذكر الخطيب البغدادي أن بشر المريسي لما مات لم يشهد جنازته من أهل العلم إلا عبيد الشونيزي، فلما رجع من الجنازة أقبل عليه أهل السنة والجماعة، قالوا:
يا عدو الله تنتحل السنة وتشهد جنازة المريسي؟!
قال: أنظروني حتى أخبركم، لما وضع في موضع الجنائز قمت في الصف، فقلت:
اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون.
اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذّبه اليوم في قبره عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين.
اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة.
اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحدًا من خلقك يوم القيامة.
قال: فسكتوا عنه وضحكوا. (^٤)
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٤٠١)
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٠)
(٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٢٨٥)
(٤) تاريخ بغداد (٥/ ٧٣١)
[ ١ / ٣٥٢ ]
وأقول:
فسيعلم هؤلاء النفر الذين أنكروا رؤية المؤمنين لربهم - عزوجل- في الآخرة خطأهم وبطلان قولهم، وذلك حين يعلمون علم اليقين حصول رؤية المؤمنين لربهم، وصدق الله: (يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) (الأعراف/٥٣).
وستعلم حين ينكشف البيان أفرس تحتك أم أتان.
أما نحن الذين نوقن علم اليقين برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فنسأل الله- تعالى- أن يرزقنا عين اليقين فينضر وجوهنا بالنظر إلى وجه الكريم.
فاللهم كما نضّرت وجوه عبادك المؤمنين في الدنيا بسماع حديث النبي -ﷺ - ونقله والعمل بها، فنضر وجوهنا في الآخرة بالنظر إلى وجهك الكريم.
وصلى الله على النبي ﷺ.
[ ١ / ٣٥٣ ]