[ ١ / ١٦٩ ]
* نَصُّ حديث الباب::
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى -﵉- عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى،
قَالَ مُوسَى:
أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ،
فَقَالَ آدَمُ:
أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»،
قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».
تخريح الحديث:
رواه البخاري (٦٦١٤) بَابُ: تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ، ومسلم (٢٦٥٢) بَابُ: حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى -﵉-. واللفظ لمسلمٍ.
* الفوائد المهمة في حديث الباب:
١ - الفائدة الأولى: كيفية وقوع المناظرة بين آدم وموسى ﵉:
في مطلع الحديث يقول النبي -ﷺ-:
«احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى -﵉- عِنْدَ رَبِّهِمَا»، وقد يقع سؤال يتبادر إلى الذهن، وهو:
كيف وقعت هذه المناظرة بين موسى وآدم
[ ١ / ١٧١ ]
-﵉-؟
** نقول أوّلًا: هذا السؤال في كيفية وقوع المناظرة لا بد أن يسبقه أمر مهم، وهو أننا نسلّم بما جاء عن الله على مراد الله، ونسلّم بما جاء عن رسول الله -ﷺ- على مراد رسول الله -ﷺ-، وذلك على طريقة الراسخين في العلم، قال - تَعالَى -: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، بلا خوضٍ في الغيب.
** ثانيًا: اختلف العلماء في كيفية وقوع هذه المناظرة على أوجُهٍ:
* الوجه الأول:
قيل: إن هذه المناظرة وقعت بين رُوحَيْهِما في السماء:
وقال بذلك: أبو الحسن القابسي، وابن عبد البَرّ.
وهذا لا يَبعُد، خاصّةً أنه ورد في رواية مسلم: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا»، وهذا الحديث ترجم له البخاري بقوله: "بَابُ: تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَىُ عِنْدَ اللَّهِ»، وبناءً على هذا الوجه يكون ذلك من الأمور البَرْزَخِيّة التي تَؤول كيفيّتُها إلى الله - تَعالَى -؛ فإن الحياة البرزخية لا تَجري عليها سُنن الحياة الدنيوية.
* وقد وقع للنبي -ﷺ- نظير لذلك في حادثة الإسراء والمعراج، فقد صلى النبي -ﷺ- بالأنبياء. (^١)
* الوجه الثاني:
قيل: يُحتمل أنَّ ذلك كان في حياة موسى -﵇- وأنه سأل ربَّه أن يُريَه آدمَ -﵇-، فاستجاب الله -تعالى- له ذلك، فوقعت بينهما تلك المناظرة.
_________________
(١) هل كان التقاء النبي -ﷺ- بالأنبياء بأجسادهم مع أرواحهم، أم بأرواحهم دُونَ أجسادهم؟ قولان لأهل العلم قال الحافظ ابن حجر: "وقد استُشْكَلَ رؤيةُ الأنبياء في السماوات مع أنّ أجسادهم مستقرّة في قُبورهم بالأرض، وأُجِيبَ بأنّ: أرواحهم تشكّلت بصُوَر أجسادهم، أو أُحْضِرَتْ أجسادُهم لملاقاة النبي ﷺ تلك الليلةَ، تشريفًا له وتكريمًا" ا. هـ. والراجح -والله أعلم- أنه التقى أرواحَهم متشكِّلةً بصُوَر أجسادهم، باستثناء عيسى -﵇-، حيث رُفع برُوحه وبَدَنه. فالأنبياء -﵈- أبدانهم في قبورهم، وأرواحهم في السماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "رأى أرواحَهم مصوَّرةً في صُوَر أبدانهم". وانظر فتح الباري (٧/ ٢١٠) ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٨).
[ ١ / ١٧٢ ]
ومما يُستدل به لذلك: الرواية الصحيحة التي رواها أبو داود في سننه من حديث عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ». (^١)
** التوجيه الثالث:
إنَّ هذه المناظرة على الحقيقة؛ إمضاءً للحديث على ظاهره، كما رجّحه النووي والقرطبي، وذكرَ ابن الجوزي احتمال التقائهما في البرزخ. (^٢)
لكن نقول ما قاله ابنُ حَجَر:
"وهذا مما يجب الإيمان به؛ لثُبوته عن خبر الصادق وإنْ لم يُطَّلَعْ على كيفيّة الحال، وليس هو بأوّلِ ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نَقِفْ على حقيقة معناه، كعذاب القبر ونعيمه، ومتى ضاقت الحِيَلُ في كشف المُشكِلات لم يَبْقَ إلا التسليمُ". (^٣)
وقال ابن عبد البر:
"مِثل هذا عندي يجب فيه التسليم، ولا يُوقَفُ فيه على التحقيق؛ لأنّا لم نُؤْتَ مِن جِنس هذا العلمِ إلا قَليلًا". (^٤)
* الفائدة الثانية:
في قول موسى﵇- لآدم﵇-: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إلَى الْأَرْضِ».
_________________
(١) طَرْحُ التثريب في شرحِ التقريب (٨/ ٢٤٧).
(٢) إِكمال المُعْلِم بفَوَائِد مسْلم (٨/ ١٣٧)، المِنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (٨/ ٤٥٠).
(٣) فتْح الباري (١١/ ٥٠٧)، وكَشْفُ المُشْكِلِ مِن حديث الصحيحينِ (٣/ ٣٨٣) وقد ذكر الإمام ابن كثيرٍ أن هارُونَ الرشيدَ قد حدَّثَه أبو مُعاويةَ الضَّريرُ يومًا بحديث احتجاج آدمَ وموسى، فقال عمُّ الرشيد: أين التقيا يا أبا معاويةَ؟ فغَضِبَ الرشيد من ذلك غضبًا شديدًا، وقال: أتعترض على الحديث؟! عليَّ بالنَّطْعِ والسَّيْفِ، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، فقال الرشيد: هذه زَنْدَقةٌ! ثم أمرَ بسَجْنِه، وأقسمَ أنْ لا يخرجُ حتى يخبرني مَن ألقى إليه هذا، فأقسمَ عمُّه بالأَيْمان المغلَّظة ما قال هذا له أحدٌ، وإنما كانت هذه الكلمة بادرةً منّي، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها "، فأطلقَه. [البداية والنهاية] (١٠/ ٢١٥).
(٤) التمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد (١٨/ ١٦).
[ ١ / ١٧٣ ]
بيان الراجح في اللوم الذي وقع من موسى لآدم ﵉
*وهنا سؤال مهم:
*هل هذا اللوم الذي وقع من موسى لآدمَ -﵉- كان لومًا على أصل المعصية -التي هي الأكل من الشجرة المحرمة-، أم أنه لامه على ما ترتَّبَ على المعصية -الذي هو مصيبة الخروج من الجنة-؟
والجواب:
أن الذي عليه جمهور العلماء، ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح:
أن اللوم من موسى لآدم -﵉- لم يكن على أصل المعصية، وإنما لامه على ما ترتب على تلك المعصية، وهو مصيبة الخروج من الجنة، ومما يؤيِّد ذلك: جملةٌ من الوجوه:
*الوجه الأول:
تتبُّع روايات الحديث في الصحيحينِ وغيرهما يؤكِّد ذلك:
ففي رواية البخاري: يقول موسى لآدمَ -﵉-: «أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ»،
وكذلك في رواية الصحيحينِ: «أَنْتَ أَبُونا خَيَّبْتَنا، وَأَخْرَجْتَنا مِنَ الْجَنَّةِ»، ولم يقُل مثلًا: "عصيتَ ربَّك، فأخرجتَنا من الجَنّةِ "،
وكذلك في رواية أخرى عند البخاري: «أَنْتَ آدَمُ أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الْجَنّةِ»،
وفي رواية عند مسلم: «قالَ: يا آدَمُ، أَغْوَيْتَ النّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنّةِ»،
وفي رواية أخرى عند مسلم: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ».
*فمن مجموع هذه الروايات ترى أن هذا اللوم الذي توجَّهَ من موسى لآدم -﵉- كان ينصبُّ على مصيبة الخروج من الجنة.
*الوجه الثاني:
قول آدم -﵇-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ؟!»،
ووجه الدلالة: أن آدم -﵇- في رده على موسى -﵇- احتجَّ بقدَر الله - ﵎ -، فلو كان اللوم من موسى لآدم -﵉- على ذات المعصية لَكانَ لازمُ ذلك: أن آدم -﵇- يحتجُّ بالقدر على فعله للمعصية؛ وهذا من البُطْلان بمكانٍ، فإنَّ آحادَ بَنِيهِ من المؤمنينَ لا يحتجّون بالقدر على المعصية، فكيف يَصدُر هذا من
[ ١ / ١٧٤ ]
آدم -﵇-، وهو النبي المكلَّم؟!! (^١)
* قال ابن عبد البَرِّ:
"أجمع العلماء على أنه غير جائز لأحدٍ أن يجعل القدَر حُجّة إذا أتى ما نهاه الله عنه، فيقول: أتلومني على أن قتلتُ وقد سَبَقَ في علم الله أنْ أَقْتُلَ؟!
فهذا ما لا يسوغ لأحد أن يجعله حجة لنفسه! والأمّة مجتمِعةٌ على أنه جائزٌ لومُ مَن أتى ما يُلام عليه من معاصي ربِّه، كما أنهم مُجمعون على حمْد مَن أطاع ربَّه، وأتى مِن الأمور المحمودة ما يُحمد عليه". (^٢)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وموسى﵇- قال لآدم -﵇-: «لِماذا أَخْرَجْتَنا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟»، فلامَهُ على المصيبة التي حَصَلَتْ بسبب فعله، لا لأجْل كونِها ذَنْبًا؛ ولِهذا احتجَّ آدم عليه بالقدر. وأمّا كونُه لأجْل الذنْب كما يَظُنُّه كثيرٌ من الناس فَلَيْسَ بمُرادٍ بالحديث، فإنَّ آدم﵇- كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومُ التائب باتّفاقِ الناسِ، ولأن آدم -﵇- احتج بالقدر، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمينَ وسائر أهل المِلَلِ وسائر العُقلاء". (^٣)
** الوجه الثالث:
إنه مما يؤكد أن آدم -﵇- لم يحتج بالقدر على فعله للمعصية:
أن هذا خلافُ ما ذكرَه القرآن، فإن آدم -﵇- قد اعترف بعِصْيانه، فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ولم يقل مثلًا: "ربِّ أنتَ قدَّرتَ عليَّ ذلك".
** فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعصية جائزًا ونافعًا لَاحتجَّ به آدمُ -﵇- عند
_________________
(١) عن أبى أُمامةَ -﵁- أن رجلًا قال: يا رسول الله، أنبيًّا كان آدمُ؟ قال: «نعمْ، مُكلَّمٌ»، قال: فكَمْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ؟ قال: «عَشَرَةُ قُرُونٍ». أخرجه ابن حبان (٦١٩٠)، والطبراني في الكبير (٧٥٤٥)، واللفظ لابن حبان، وسنده صحيح. وانظر السلسلة الصحيحة (٢٦٦٨).
(٢) الاستذكار (٨/ ٢٦٠).
(٣) وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩)، ورفْع الشُّبهة والغَرَر عمَّن يحتجُّ على فعل المعاصي بالقَدَر (ص/٣٢).
[ ١ / ١٧٥ ]
ربه، فهذا المقامُ كان الأَوْلَى له أن يفعله أَمامَ مُعاتَبةِ موسى له.
وهذا من باب التنزُّل.
** نعمْ، كانت المعصية بقدر الله - تَعالَى -، لا شك في ذلك، قال - تَعالَى -: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال - تَعالَى -: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصّافّات: ٩٦]؛ ولكنْ كان ذلك أيضًا بإرادة آدم -﵇- ومشيئتِه، قال - تَعالَى -: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
* فلمّا تاب آدم -﵇- من معصيته واستغفرَ ربَّه وأنابَ، دلَّ ذلك أنه -﵇- ما احتجَّ بالقدر على المعصية، بَلِ احتج بالقدر على مصيبة الخروج من الجنة، فقال: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ؟».
* لذا نقول: إن آدم -﵇- لم يحتجَّ بالقدر على الذنب، وإنما احتج به على المصيبة، وهذا هو اعتقاد أهل السّنّة، فإنَّ القدَر إنّما يُحتجُّ به على المصائب، ولا يُحتجُّ به على الذنوب والمَعايب.
فالمؤمن مأمورٌ أن يَرْجِعَ إلى القدر عند المصائب، لا عند الذنوب والمعايب، فيصبر على المصائب، ويستغفر من الذنوب والمعايب، كما قال - تَعالَى -:
﴿فَاصبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، فالمرء يدور حاله بين الصبرِ حالَ المصائبِ، والاستغفارِ حالَ المَعايبِ. (^١)
** ومِثل هذا يُسْتَقَى من قول رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: "قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ"؛ فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». (^٢)
وتأمَّلْ في قوله: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ»،
وهذه هي طريقة المُهْتدينَ، على خلاف طريقة الضّالّينَ الذين
_________________
(١) الرسالة التدْمريّة (ص/٢٣٠)، ولوامع الأنوار البَهِيّة (١/ ٣٤٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).
[ ١ / ١٧٦ ]
قَلَبُوا الآية؛ لِذا تراهم يحتجّون بالقدر في حال المعايب، يقولون: هذا بقدَر الله!.
وهنا كلام بديع لشيخ الإسلام ابن تيمية، يقول:
"وأمّا آدم -﵇- فإنه قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، فمَنِ استغفرَ وتاب كان آدميًّا سعيدًا، ومَن أصرَّ واحتجَّ بالقدر كان إبليسيًّا شقيًّا؛ وقد قال - تَعالَى - لإبليس: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ". (^١)
* العبد بين المقدور والمأمور:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وجِماعُ ذلك: أنّهُ لا بُدَّ له في الأمر مِن أصلينِ:
ففي " الأمر ":
عليه الاجتهاد في الامتثال علمًا وعملًا، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعدّيهِ الحدودَ؛ ولِهذا كان من المشروع أن يَختمَ جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي -ﷺ- إذا انصرفَ مِن صلاته استغفرَ ثلاثًا، وقد قال الله - تَعالَى -: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، فقاموا بالليل، وختموه بالاستغفار، وآخرُ سورةٍ نزلت: قولُ الله - تَعالَى -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]، وفي الصحيح: أنه كان -ﷺ- يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأوَّلُ القرآنَ.
وأما في " القدَر ":
فعَلَيْهِ أن يستعين بالله في فعل ما أُمر به، ويتوكلَ عليه، ويدعوَه، ويَرْغَبَ إليه، ويَستعيذَ به، ويكونَ مُفتقرًا إليه في طلب الخير وترْك الشر؛ وعليه أن يصبر على المقدور، ويَعْلَمَ أنّ ما أصابَهُ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخطأَهُ لم يكُن لِيُصِيبَهُ؛ وإذا آذاه الناسُ عَلِمَ أنّ ذلك مقدَّرٌ عليه. وقد جَمَعَ الله -سبحانه- بينَ هذينِ الأصلينِ في مواضعَ، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٧٤).
[ ١ / ١٧٧ ]
نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] " ا. هـ (^١)
** نعود فنقول:
إنَّ آدم -﵇- أعلمُ بالله -تعالى- مِن أن يحتجَّ بالقدر على المعصية؛ فليست هذه طريقةَ المؤمنينَ، فَضْلًا عن النبيّينَ! فالاحتجاج بالقدر على المعصية إنما هي طريقة المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وهي طريقة إبليسَ، كَبيرِهِمُ الذي علَّمَهم الشركَ، إبليس الذي احتج بالقدر على كِبْرِهِ وغِوايَتِهِ، فـ ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].
والاحتجاجُ بالقدر على المعصية: طريقة الجَبْريّة، تِلْكَ الفِرْقةِ الضّالّة، التي جعلت القدَر ذَريعةً للخَوْضِ في الكفر والفُسوق والعِصْيان. (^٢)
* الوجه الرابع:
لو كان هذا اللوم من موسى لآدم -﵉- على المعصية، فأجابَ آدمُ -مَثَلًا-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ» لَكانَ لموسى الحجة على آدم -﵉-، ولَقالَ موسى: يا آدمُ، أتحْتجُّ بالقدر على المعصية؟! لكنْ لمّا انقطعَ موسى -﵇- عن لومه، دلَّ ذلك أن: الحُجة كانت لآدم -﵇-، وهذا الذي نصَّ
_________________
(١) التدْمريّة: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص/٢٢٩).
(٢) لذا فمَنْ فَهِمَ الحديث على هذا الفَهم بأنّ موسى -﵇- قد لام آدم -﵇- على المعصية، فاحتج آدم -﵇- بالقدر على فعله للمعصية، وبناءً على هذا الفهم قد ذهبَ مَن ذهبَ إلى تكذيب الحديث، والطعنِ في أصل ثبوته. ومن أمثال هؤلاء: الضالُّ المُضِلُّ (عدنان إبراهيم)، الذي قال: إن هذا الحديث قد وضعه (بَنُو أُمَيّةَ)؛ وذلك تسويغًا لِما فعلَه معاويةُ بن أبي سفيان -﵁- يومَ أنْ خرجَ في مَوقِعة (صفّين)، ويومَها قال معاويةُ: "ما جئنا إلى صفّين إلّا بقدر الله، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ". * أقول: ولعل القارئ يستقرئ من خلال ذلك: أنّ هذا المدعوّ (عدنان إبراهيم) ما هو إلا شخص رافضيٌّ خبيث، فلقدْ صرَّح أنّ معاوية بن أبي سفيان -﵁- كان يستحلُّ الخمر ورِبا الفَضْلِ. وكمْ طعنَ هذا الضالُّ في أبي بكرٍ وعمرَ وأبي هريرةَ وعائشةَ وأنسٍ -﵃-! ومن أراد الوقوف على أقوال هذا الضالّ في صحابة النبي -ﷺ- فلْيرجعْ إلى مقال "حقيقة الدكتور عدنان إبراهيم المتشيِّع" لـ داود العتيبي.http://www.saaid.net/bahoth/171.htm
[ ١ / ١٧٨ ]
عليه الحديثُ في قول النَّبِيِّ -ﷺ-: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» ثَلَاثًا.
* الوجه الخامس:
أنَّ بابينِ عظيمينِ يمنعانِ أن يكون لوم موسى لآدم -﵉- لومًا على ذات المعصية: باب الأدب، وباب العلم
أمّا باب الأدب:
فإنّ موسى -﵇- آدَبُ مِنْ أنْ يُعَيِّرَ أباه آدمَ -﵇- على معصية قد تاب منها بالفِعْل، فمِثْلُ هذا لا يقع من التلميذ لشيخه؛ فكيفَ بموسى الكَلِيمِ أنْ يلوم أباه على معصيةٍ فَعَلَها، وقد تابَ منها بالفِعْلِ؟!
ولهذا لم يقُل له موسى -﵇-: لماذا أكلتَ من الشجرة؟ وإنما قال له: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟» (^١).
وهذا اللفظ قد رُوي في بعض طرق الحديث، وإنْ لم يكن في جميعها؛ فهو مبيِّنٌ لِما وقعت عليه المَلامة. (^٢)
** أمّا باب العلم:
فإنّ موسى -﵇- أعلمُ بالله -﷿- من أن يلوم آدم -﵇- على معصية قد تاب منها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فأدبُ موسى -﵇- وعلمُه يَمنعانِهِ من أن يفعل ذلك!
*ولو أنّ آدم -﵇- فَهِمَ أنّ اللوم هو على الذنب لَقالَ -مثلًا-: يا موسى، وأيُّ مَلامةٍ عليَّ وأنا قد تُبْتُ بالفِعْلِ؟!
فلمّا احتجَّ بالكتابة لا بالتوبة، دلَّ ذلك على المراد.
* وعَلَيْهِ فلا وَجْهَ لِأَنْ يُلامَ آدمُ -﵇- لا شرعًا، ولا قدَرًا:
لا شرعًا: لأنه قد تاب من ذنبه،
ولا قدَرًا: لأنّ خروجه من الجنة كان بقدَر الله - ﵎ -.
ثم يقال:
ولو أنَّ موسى لَامَ آدم -﵉- على الذنْب لَأجابَهُ: إنني
_________________
(١) وهذه اللفظة قد أخرجها البخاري (٤٧٣٦) ومسلم (٢٦٥٢) وأحمد (٧٣٨٧).
(٢) شِفاء العَليل في مسائل القضاء والقدر والحِكْمة والتعليل (١/ ١٤)، ورفع الشُّبْهة والغَرَر عمن يحتجُّ على فعل المعاصي بالقدر (ص/٣٢).
[ ١ / ١٧٩ ]
الأوجه التى تؤيد أن اللوم من موسى كان علي مصيبة الخروج من الجنة
هل يحتج بالقدر على المعايب؟
أذنبتُ فتُبْتُ، فتابَ اللهُ عليَّ، ولَقالَ له: وأنت يا موسى أيضًا قتلتَ نَفْسًا، وألقيتَ الألواح إلى غير ذلك، إنما احتج موسى بالمصيبة، فحَجَّهُ آدمُ بالقدَر. (^١)
* ولكن أَنَّى لموسى -﵇- أن يلوم أباه آدم -﵇- على أمرٍ وهو نفسُه لم يَسْلَمْ؛ فقد قَتَلَ نفسًا لم يؤمرْ بقتلها، وسألَ اللهَ -تعالى- أن يغفرَ له ذلك، فقال - تَعالَى -: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
قال أبو العَبّاسِ ابنُ تيمية:
"وذلك أنّ موسى لم يكن عَتبُه لآدم لأجْل الذنب؛ فإنّ آدم قد كان تابَ منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكنْ لأجْل المصيبة التي لَحِقَتْهُمْ مِن ذلك. وهُمْ مأمورونَ أن يَنظُروا إلى القدَر في المصائب، وأن يستغفروا مِن المَعايب، كما قال - تَعالَى -: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] ".
** ويقول ﵀:
"الصَّوابُ في قصة آدم وموسى: أنّ موسى لم يَلُمْ آدمَ إلّا مِن جِهَةِ المُصيبة التي أصابته وذُرِّيَّتَهُ بما فَعَلَ، لا لأجْل أنّ تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ؛ ولِهذا قال:
«لِماذا أَخْرَجْتَنا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟»، لم يقل: لماذا خالفتَ الأمر؟ ولماذا عصيتَ؟
والناس مأمورون -عندَ المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم- بالتسليم للقدر، وشُهودِ الربوبية؛ كما قال - تَعالَى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال ابن مسعود أو غيرُه: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيَعلمُ أنّها مِن عند الله، فيَرضى ويسلِّمُ". (^٢)
وهذا هو الراجح في هذه المسألة، والله أعلمُ.
* هناك جواب لابن القيِّم قال فيه:
"وقد يتوجَّهُ جوابٌ آخرُ، وهو أنّ الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في مَوْضِعٍ، ويضرّ في موضعٍ:
فينفع إذا احتجَّ به بعد وقوعِه والتوبةِ منه وتَرك مُعاوَدته كما فعلَ آدمُ، فيكون في ذِكر
_________________
(١) انظر: الاحتجاجُ بالقدر لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٨ - ٢٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٩).
[ ١ / ١٨٠ ]
تحريف أهل البدع لحديث احتجاج آدم وموسى
القدَر إذْ ذاكَ من التوحيد ومعرفة أسماء الرَّبِّ وصفاته
وأمّا الموضعُ الذي يضرُّ الاحتجاج به ففي: الحال، والمستقبَل؛ بأنْ يَرتكب فعلًا محرَّمًا، أو يتركَ واجبًا، فيلومَه عليه لائمٌ، فيحتجَّ بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطلَ بالاحتجاج به حَقًّا، ويَرتكبَ باطلًا، كما احتجَّ به المُصرّون على شركهم وعبادتهم غيرَ الله، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]،
﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] فإذا لامه لائمٌ بعد ذلك قال: كان ما كان بقدَر الله! " ا. هـ (^١)
* ومفاد كلام ابن القيّم:
مشروعيّةُ الاحتجاج بالقدر للتّائب مِن ذنبه، ولنا أن نستأنس في هذا المقام بما ورد في قوله تَعالَى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]؛ فقوله تَعالَى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وقد بُنِيَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعلُه- فيه إشارةٌ إلى أنّ ما وقعوا فيه مِن تخلُّفهم عن رسول الله -ﷺ- وقد تابوا ونَدِموا على ذلك قد وقعَ بقدر الله -﷿-؛ ولِذا فمِنْ عظيم لُطفه ورحمته بهم لم يَقُلْ - تَعالَى -:
"وعلى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تخلَّفوا "، فتَبقى الآيةُ مُوجِعةً لقلوبهم ومؤلمة لأسماعهم.
*ومن فوائد حديث الباب:
** فائدة في قول النبي -ﷺ- في ختام الحديث: «فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى»
وقد عمدَ أهلُ التحريف وسَعَوْا إلى تحريف هذه اللفظة تحريفًا لفظيًّا، ومعنويًا:
** أولًا: التحريف اللفظيّ:
وأصلُ مَن فتحَ هذا البابَ هم اليهود، فلقد أخذوا بنصيبٍ وافرٍ من هذه الصفة لمّا أُمِروا أن يقولوا: "حِطَّة"، فقالوا: "حِنْطَة"، فقد قال الله تَعالَى
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ
_________________
(١) شفاء العليل (ص/١٨).
[ ١ / ١٨١ ]
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٨ - ٥٩]
* وهذا ما فعلَه محرِّفةُ هذه الأمّة في أدلة الشرع التي تخالف أهواءهم، وعلى الطريق السَّقيم نفسِه سارَ أهلُ التحريف من المعتزِلة القدَريّة، فحرَّفوا آياتِ الكتاب وأحاديثَ النبي -ﷺ-؛ وذلك لِلهوى، ولنُصْرة بِدَعهم، وذلك
لأنّ نَصَّ الحديث يخالف أصول مذهبهم في نَفْيهم للقدر. (^١)
* لِذا حرَّفوا قول الله - تَعالَى -: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، كما
روى ذلك أصحاب السِّيَر هذه القصّة التي وقعت لعمرو بنِ عبيدٍ، أحد كِبار المعتزِلة، فقد قَالَ لأبي عمرو ابن العلاء أحد القُرّاء السبعة المعروفين المشهورين: أريد أن تقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بنَصْبِ اسم الله؛ وذلك ليكون موسى هو المتكلم، وليس الله، قال أبو عمرو:
هَبْ أنّي قرأتُ هذه الآية كما تقول، فكيف تصنعُ بقوله - تَعالَى -: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ فبُهِتَ المُعتزليُّ. (^٢)
*وكذلك مما يُنقل عن المعتزلة في هذا الباب:
تحريفهم لقوله - تَعالَى -: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقالوا: إنه من الكَلْم (بسكون اللام)، أي: الجَرْح، ويكون المعنى: جَرَحَ اللهُ موسى بأَظافِرِ المِحَنِ ومَخالِبِ الفِتَنِ.
والذي حملَهم على ذلك هو فرارهم من إثبات صفة الكلام لله؛ فوقعوا في التحريف. (^٣)
قال المتنبِّي:
وكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وآفتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
_________________
(١) وذلك لأن -على ما دل عليه الحديث- آدم -﵇- قد احتج بالقدرعلى ما وقع له من مصيبة الخروج من الجنة بعد أكله من الشجرة التي حرّمها الله -تعالى- عليه وعلى زوجه.
(٢) انظر: الصواعق المرسَلة (٣/ ١٠٣٧)، وشرح الطّحاويّة (ص/١٧٠).
(٣) الكَشّاف (١/ ٣١٤)، ومفاتيح الغيب (١١/ ٨٧).
[ ١ / ١٨٢ ]
* ومن هذا الباب:
ما فعلوه في حديث الاحتجاج، فقد ضبط رواة الحديث من أهل السّنّة لفظةَ "فحَجَّ آدمُ موسى" برفْع لفظة "آدمُ"؛ لأنه هو الفاعل الذي له الحُجّة، فقد غلب آدمُ موسى -﵇- بالحجة، وظَهَرَ عليه بها.
أما المعتزلة القدرية -المنكرون للقدر- فقد حرَّفوا لفظ حديث الباب؛ لأنه صريح في إثبات القدر السابق، وذلك في قول آدم -﵇-:
«أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً»؛ وبِناءً عليه قد عمدوا إلى تحريف الحديث.
* أمّا قولهم بتحريف الحديث فقالوا في ضبط هذه الكلمة: "فحَجَّ آدمَ موسى" بنصْب "آدم"؛ فتكون الحُجّة لموسى!
** وجواب ذلك أنْ:
نأتيَكم بقاصمة الظهر فيما رواه أحمدُ وابنُ بَطّةَ وعبد الرّزّاق وابنُ أبي شَيبةَ بسندٍ صحيحٍ كالشَّمْسِ عنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ الَّذِي أَدْخَلْتَ ذُرِّيَّتَكَ النَّارَ؟ فَقَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ، فَهَلْ وَجَدْتَ أَنِّي أَهْبِطُ؟ قَالَ: نَعَمْ»،
قَالَ: «فَحَجَّهُ آدَمُ». (^١)
لذلك قال أحمدُ بن ثابتٍ الطَّرقيّ:
سَمِعْتُ ابنَ الخاضبة يقولُ: كان مسعود بن ناصر السَّجْزِيّ قَدَريًّا، وسمعته يقرأُ: «فحَجَّ آدمَ مُوسَى» بالنصْب،
فقال الحافظ ابن
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٦٣٥) وعبد الرّزّاق (٢٠٠٦٧)، وابن أبي عاصمٍ في السّنّة (١٤٨)، والدارميُّ في الرد على الجهمية (ص/٨٦)، والآجريّ في الشريعة (ص/ ٣٢٤ - ٣٢٥). وقال الدارَقُطْنِيُّ: "والمحفوظ: حديث الزُّهْرِيِّ عن سعيدٍ (ابن المسيّب)، وحديثُه -أي: الزُّهْرِيِّ- عن أبي سَلَمةَ: ليس بمحفوظٍ عن الزهريّ". [العلل] (٧/ ٢٨٤). وقال الحافظ ابن حَجَر عن هذه الرواية: "قد أخرجها أحمد من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فإنّ رُواتها أئمّةٌ حُفّاظٌ، والزهريُّ من كبار الفقهاء الحُفّاظ، فروايته هي المعتمَدةُ في ذلك". وانظر: فتح الباري (١١/ ٥٠٩)، ومُستخرَج أَبي عوانةَ (٢٠/ ٢٤٦). وقد صحح الأَلبانيُّ إسناد هذا الحديث في ظِلال الجَنّة (١/ ٦٨) رقم/ ١٤٨.
[ ١ / ١٨٣ ]
حَجَرٍ رَدًّا على مسعود السَّجزيّ:
"هو محجوج بالاتفاق قَبْلَهُ على أنّ "آدم" بالرفع على أنه الفاعل، وقد أخرجه أحمدُ من رواية الزُّهْريّ عن أبي سَلَمةَ عن أبي هُريرةَ بلفظِ: «فحَجَّهُ آدَمُ»، وهذا يرفعُ الإشكالَ؛ فإنّ رُواته أئمّةٌ حُفّاظٌ، والزُّهْرِيُّ مِن كبار الفقهاء الحُفّاظ؛ فروايتُه هي المعتمَدةُ في ذلك". (^١)
قال النووي:
"قول النبي -ﷺ-: «فَحَجَّ آدمُ مُوسَى» هكذا الروايةُ في جميع كتب الحديث باتفاق الناقلينَ والرُّواةِ والشُّرّاحِ وأهلِ الغَريب، بِرَفْعِ "آدَمَ"، وهو فاعلٌ، أي: غَلَبَهُ بالحُجّة وظَهَرَ عليه بها". (^٢)
* ثانيًا: التحريف المعنويّ:
وهو تحريف المعنى، مع بقاء اللفظ على ما هو عليه،
والمقصود به: صرْف اللفظ عن ظاهره وما يَفهمه كلُّ عربيٍّ من معناه،
وهو الذي يسميه بعض المتأخرين بالتأويل، وهو أكثرُ خَفاءً من النوع الأول.
وباب التأويل الفاسد وغير المستساغ بابٌ عريضٌ دخلَ منه الزَّنادِقَةُ لِهَدْمِ الإسلام! حيثُ حرَّفوا النصوص، وصَرَفُوهاعن مَعانيها الحقيقية، وحَمَّلُوها من المعاني ما يشتهون، فسَمَّوا التَّحريفَ "تأويلًا"؛ تزيينًا له وزَخْرفةً، لِيُقْبَلَ منهم!
وهذه طريقة إبليسَ الذي حرَّفَ اللفظ عن موضعه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، فسمَّى شجرةَ التحريم "شجرة الخُلْد"!
وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال الله - تَعالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].
والعِبرة بالحقائق والمعاني، وليست بالألفاظ والتراكيب والمَباني، فكَمْ مِن باطلٍ أُقِيمَ على دليلٍ مُزَخْرَفٍ عُورِضَ به دليلُ الحَقِّ !
_________________
(١) سِيَرُ أعلام النُّبَلاءِ (١٤/ ٥٤)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٩).
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٦/ ٢٠٢)، وطرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٤٧).
[ ١ / ١٨٤ ]
* ومن أمثلة هذا التحريف:
١ - تأويل المبتدِعة لآيات الصفات، كتفسيرهم صِفةَ (الغَضَب) بإرادة الانتقام، وتفسيرهم (الرحمة) بإرادة الإنعام، وقولِهم: إنّ المُراد بـ (اليَدَيْنِ) النِّعْمة، أو القُدْرة وغير ذلك.
** ومن هذا الباب ولجَ المُحَرِّفةُ إلى تحريف حديث الباب:
فلمّا عَجزوا عن التحريف اللفظيّ للرِّواية الصحيحة الصريحة جاءُوا إلى التحريف المعنويّ، فقالوا: إنّ الحجة إنما كانت لآدمَ -﵇- لَيْسَ لأنّ الحقَّ كان معه، وإنما كانت له الحُجّةُ لِأُمورٍ:
١ - أنَّ آدم -﵇- كان هو (الأَبَ)، وموسى -﵇- في مَقام (الابن)، فكيف للابن أن يَغلب أباه في الحُجّة؟!
** الرد على ذلك:
فهذا كلام باطل، فإنَّ الحق يؤخذ مِن كل مَن جاء به، ولو كان كافرًا؛ فالله -﵎- ذَكَرَ الحق الذي جاءت به اليهود وجاءت به النصارى، قال - تَعالَى -: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، وكذلك قول الله - تَعالَى -: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، فاللهُ قَبِلَ قولَهم إنّ آباءهم قاموا بذلك، ورَدَّ قولَهم إنّ الله -تعالى- أمرَهم بها؛ بَلْ إنّ النبيّ -ﷺ- قد قَبِلَ الحقَّ مِن الدَّجّالِ في حديث الجسّاسة في صحيح مسلم، حيث قال الدجالُ: "أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ"، وكذلك حديث تعليم آية (الكُرْسِيّ) عندَ النوم، ذَكَرَهُ الشيطانُ للصّاحبِ الجَليلِ أَبي هُريرةَ -﵁-، وأقرَّه الرسولُ ﷺ.
*وعليه نقولُ:
إنّ قولكم "إنّ الحُجّة إنما كانت لآدم -﵇- لأنه هو الأب، وموسى -﵇- هو الابن، وليس للابن أن يَحجَّ أباه" هذا كلام باطل أَلَمْ يَكُنْ إبراهيمُ -﵇- هو الابن، وكانت له الحُجّة على أبيه (آزَرَ)؟!
*قال ابن القَيِّم:
"وهذا الكلامُ لا محصّلَ فيه البَتّةَ؛ فإنّ حجة الله يجب المَصيرُ
[ ١ / ١٨٥ ]
إليها، مع الأب كانت، أو الابنِ، أو العَبْدِ، أو السَّيِّدِ، ولو حَجَّ الرجلُ أباه بحقٍّ وَجَبَ المَصيرُ إلى الحجة". (^١)
٢ - كذلك قالوا في تحريفهم المعنويّ:
إنّ الحجة إنما كانت لآدم -﵇- لأنَّ هذه المناظَرة كانت في دارٍ لا تكليفَ فيها، أي: لم تكن في الدنيا!
وهذا باطلٌ من وجهينِ:
الوجه الأول: انظروا في جواب آدم -﵇-، هل قال مثلًا: "يا موسى، أنتَ قد لُمْتَنِي في غير دار التكليف"؟
والجواب: لا، فلم يتعرّض لذلك، بل استدلَّ بالقدر.
فهل أنتم أعلمُ بالاستدلال الصحيح من آدمَ -﵇-؟
* الوجه الثاني:
لو تنزَّلْنا معكم، فإنّ المَلامةَ في غير دار التكليف لا تمتنعُ، فالله -﷿- يلوم المشركينَ يومَ القيامة، بل إنّ أمّة محمد -ﷺ- تلومُ الأُمَمَ الأخرى التي كَفَرَتْ في عَرَصات القيامة؛ ولَيستْ هي بِدارِ تكليفٍ!
٣ - كذلك قالوا في تحريفهم المعنويّ:
إنّ الحجة كانت لآدم -﵇- لأنّ ذَنبه كان في شريعته، واللوم من موسى -﵇- ليس له وِجْهةٌ؛ لاختلافِ الشرائعِ بَيْنَهما، فليس لموسى أن يلوم غيرَه على شيءٍ ليس من شريعته!
* والجواب:
وهذا كلام باطل؛ فإنّ أمّة محمد -ﷺ- تلوم الأممَ السابقة على ذنوبها في عَرَصات القيامة.
* وخِتامًا:
قالوا: إنّ الحجة إنما كانت لآدم -﵇- لأنّه قد وَصَلَ إلى درجة (اليقين)، وهي درجة عالية من العلم، والمَرْءُ إذا وَصَلَ إليها استوت عندَه المعصيةُ والطاعةُ.
** الجواب:
وهذه طريقة الصُّوفِيّةِ الغُلَاةِ الّذينَ يُسقطون التكاليف عن المَرْءِ إذا
_________________
(١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (١/ ١٤).
[ ١ / ١٨٦ ]
حديث الاحتجاج بين المدرسة الجبرية والمدرسة القدرية
وَصَلَ إلى مَرْحَلَة (اليقين)؛ مستدِلِّينَ بقوله - تَعالَى -: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
وكلامُهم هذا بَيِّنُ البُطْلانِ، وإلّا فَلَوِ استَوَتِ الطاعةُ والمعصيةُ في حقِّ آدمَ -﵇- فلِمَ أخرجَهُ ربُّه من الجنة، وقال عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، ولِمَ قال له ولزوجه: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾؟! (^١)
* بَيْنَ التحريفِ والمُغالاةِ:
كما أنّ المعتزلة القدرية من أصحاب التحريف قد سَلَكوا مَسْلَكَ ردِّ حديث الباب، وذلك لأنهم يَنْفُونَ القَدَرَ، تأتي على الجانب الآخَرِ فِرْقةُ (الجَبْرِيّة)
فتراهم يَطيرون فَرَحًا بحديث الباب؛ فَهْمًا منهم أنّ الحجة كانت لآدم
-﵇-، ليس لأنه احتجَّ بالقدر على المصيبة -كما عليه أهلُ السنة-، بل لأنّ آدم -﵇- احتج بالقدر على المعصية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الإنسان مجبور على أفعاله، فلا إرادةَ له فيها، ولا مشيئة!
* ففي الرد عليهم نقولُ:
أولًا:
إن آدم -﵇- فعلَ ما فعلَ بإرادته، نعمْ، كان الأمرُ بقدر الله، ولكنْ كان لآدم -﵇- إرادةٌ ومشيئةٌ، والدليل في روايةٍ عند مسلم، وفيها: «قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ؟»؛ فثَبَتَ بذلكَ الأمرانِ:
أ) كتابة القدر.
ب) الإرادة والمشيئة لآدمَ ﵇.
* قال ابنُ المُلَقّنِ:
"وأمّا قولُ الجَهْميّة: إنّ الله - تَعالَى - أجبرَ العباد على أفعالهم، وهم مكرَهون على الطاعة والمعصية، واحتجّوا بقول آدمَ: «أتلومُني» إلى آخره- فلا
_________________
(١) وانظر لهذه الأوجُهِ: الفُرْقانُ بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص/١٣٥)، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (١/ ١٤)، ورفع الشبهة والغَرَر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر لمرعي الحنبليّ (١/ ٢٩). وقد قال ابن عبد البَرِّ -﵀- وهو يُشيرُ مِن بَعيدٍ إلى هذه الأوجه الباطلة التي تَذَرَّعَ بها أهلُ البدع لردِّ حديث الباب: " وأمّا أهلُ البدع فيُنكرونه، ويَدفعونه، ويعترضون فيه بدُروبٍ من القول، كَرِهْتُ ذِكْرَ ذلك لأنّ كِتابَنا هذا كِتابُ سُنّةٍ واتّباعٍ، لا كتابُ جِدالٍ وابتداعٍ". وانظر: الاستذكار (٨/ ٢٥٧)
[ ١ / ١٨٧ ]
حُجّةَ لَهُمْ فيه أيضًا؛ لأنّ الموجود بالاعتبار والمشاهَدة خلافُ قولِهم، وذلك أنّ العباد لا يأتون الذنوبَ إلا مُشْتَهِينَ لها، راغبينَ فيها، والإجبارُ عند أهل اللغة: هو اضطرار المَرْءِ إلى الفعل، وإدخالُه فيه، غيرَ راغبٍ فيه، ولا مُحِبٍّ له، كالمسحوبِ على وجهه، والمُرْتَعِشِ من الحُمَّى والفالِجِ". (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"إنَّ القَدَرَ ليس حُجَّةً لأحدٍ على اللهِ، ولا على خَلْقِهِ؛ ولو جازَ لأحدٍ أن يحتجَّ بالقَدَر على ما يفعلُه من السيِّئات لَمْ يُعاقَبِ الظّالِمُ، ولَمْ يُقْتَلِ المُشْرِكُ، ولَمْ يُقَمْ حَدٌّ، ولَمْ يُكَفَّ أَحَدٌ عن ظُلْمِ أحدٍ، وهذا من الفساد في الدين والدنيا المَعلومِ ضَرُورةً". (^٢)
ثانيًا:
إننا لا نسلِّم لَكُمْ أنّ احتجاج آدم -﵇- احتجاجٌ بالقدر على المعصية، وإنما كان احتجاجه على المصيبة التي ترتَّبَ عليها إخراجُ آدمَ -﵇- وذريتِه من الجنة، كما سبقَ ذِكرُه مفصَّلًا.
** ولو تنزّلْنا معكم أنّ آدم﵇- قد احتج بالقدر على المعصية، فهو قد تاب من ذلك، وأنابَ؛ ولِلعاصي أن يحتجَّ بالقدر إذا تاب من معصيته، كما تَبَنَّى ذلك ابنُ القَيِّمِ. (^٣)
* ومما سبق يتبيّنُ أنّ الفِرقتينِ قد تَنازَعُوا الحديثَ بينَ الجُفُوِّ والغُلُوِّ:
أ) أمّا الجبرية:
فجعلوا الحديثَ حجةً لهم على الاحتجاج بالقدر على فعل
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ١٦٥).
(٢) مجموعة الرسائل الكبرى (١/ ٣٥٣).
(٣) قال اللَّيْثُ بن سَعْدٍ: "وإنّما صَحَّتِ الحُجّةُ في هذِه القصة لآدمَ على موسى؛ مِن أجْل أنّ الله قد غفرَ لآدمَ وتاب عليه، فلم يكنْ لموسى أنْ يُعيِّرَه بما قد غفرها الله له؛ ولذلك قال له آدمُ: أنت موسى الذي آتاك اللهُ التوراةَ، وفيها عِلمُ كل شيء، فوجدتَ فيها أنّ الله قد قدّر عليّ المعصية، وقدّر عليّ التوبة منها، وأسقطَ بذلك اللومَ عنّي، أفتلومني أنت، واللهُ لا يلومني؟! وبِمِثْلِ هذا احتجَّ ابن عمر على الذي قال له: إنّ عثمان فرَّ يومَ أُحُدٍ، فقال ابنُ عمرَ: "ما على عثمانَ ذَنْبٌ؛ لأنّ الله قد عفا عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ". وانظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ١٦٣). وقد ذكر ابن عبد البر جوابًا ثالثًا في مسألة اعتذار التائب بالقدر، فقال: "هو خاصٌّ بآدم -﵇- لأنّ الله -﷿- أخبره أنه تاب عليه؛ فيجوز له أن يحتج بالقدر، وأمّا غيرُه فلا يَعلمُ بتوبة الله عليه، فلا يَحتجّ بالقدر". وانظر: الاستذكار (٨/ ٢٥٨)، والقضاء والقدر لعبد الرحمن بن المحمود (ص/٤١١).
[ ١ / ١٨٨ ]
المعاصي، وجعلوا قولَ آدم -﵇-: «كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ» أي: أجبرَني عليه.
ب) أمّا القدرية:
فحرَّفوا الحديث تحريفًا لفظيًّا ومعنويًّا؛ لِيجعلوا الحجةَ لموسى -﵇- في نَفْيِ القَدَرِ السابق.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وهذا الحديثُ ضَلَّتْ فيه طائفتانِ: طائفةٌ كذَّبتْ له لمّا ظَنُّوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عَمَّنْ عصى اللَّهَ لأجْل القدر، وطائفةٌ شرٌّ مِن هؤلاءِ جعلوه حجةً". (^١)
** فرعٌ:
من مسالك أهل البِدَع في رد حديث الباب: الطَّعْنُ في سَنَده:
* قال البركانيّ للجبّائِيّ المُعتزليّ: ما تقولُ في حديثِ أَبي الزِّنادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُريرةَ عن النبي -ﷺ-: «لا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِها وَلا خالَتِها»؟ فقال الجبائي: هو صحيح. قال: فبهذا الإسناد نقل حديث «حَجَّ آدَمُ مُوسَى»، فقال الجبائي: هذا الخبر باطل، فقال البركاني:
"حديثانِ بإسنادٍ واحدٍ، صَحَّحْتَ أَحَدَهُما، وأَبْطَلْتَ الآخَرَ؟! " (^٢)
** والقول بتضعيف الحديث قول مردود باطل
فهذا الحديث ثابت عن النبي -ﷺ- بألفاظ مختلفة، وطرق متكاثِرة، وهو في عُلْيا درجات الصحة، وقد اتفق الإمامانِ البُخاريُّ ومُسلمٌ على إخراجه في صحيحَيْهِما،
_________________
(١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص/١٣٤). وقوله -﵀-: "وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذّبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجْل القدر" هؤلاء هم المعتزلة، فقد كذّبوا بالحديث، وقالوا: إنّ هذا الحديث باطل. قالوا هذا مع أنه في الصحيحينِ، ومتفقٌ على صحته! ثم يقول: "وطائفةٌ شرٌّ مِن هؤلاء، جعلوه حجةً"، أي: إذا كان المعتزلة نُبدِّعُهم ونُضلِّلُهم لأنهم أبطلوا حديثًا واحدًا؛ فالجَبْرِيّةُ سيُبطلون الشريعة كلها، سيبطلون الصلاة والصوم والزكاة، وحُرْمةَ الزنى وحرمةَ شُرْبِ الخمر؛ ولذلك هُمْ شرٌّ من المعتزلة.
(٢) طبقات المعتزلة (ص/٨١).
[ ١ / ١٨٩ ]
كما أقرَّ بصحّته واحتجَّ به أهلُ العلم قاطبةً.
يقول الحافظ ابنُ عبد البَرِّ:
"هذا الحديث -عند جماعة أهل العلم بالحديث- صحيحٌ من جهة الإسناد، وكلُّهم يرويه ويُقِرُّ بصحّته، ويحتجُّ به أهل الحديث والفقه -وهم أهلُ السّنّة- في إثبات قِدَمِ علمِ الله -﷿ ذِكرُه-".
وقد نصَّ بعضُ أهل العلم على تواتُره عن أبي هريرة -﵁-، وأنّه لا يردُّه ولا يعترض عليه إلا مبتدعٌ معانِدٌ يقول الحافظ ابن كَثيرٍ -﵀-:
"ومَن كذَّبَ بهذا الحديث فمُعاندٌ؛ لأنّه متواتِرٌ عن أبى هريرة -﵁-، وناهِيكَ به عَدالةً وحِفْظًا وإتقانًا". (^١)
- قال ابن القيِّم:
"هذا حديث صحيح متّفَقٌ على صحته، لَمْ تَزَلِ الأمّة تتلقّاه بالقَبُول مِن عَهْدِ نبيِّها قَرْنًا بعدَ قَرْنٍ، وتُقابِلُهُ بالتصديق والتسليم، ورواه أهلُ الحديث في كُتبهم، وشَهِدوا به على رسول الله -ﷺ- أنّه قالَهُ؛ فما لِأَجْهَلِ الناسِ بالسّنّةِ وهذا الشَّأْنِ؟! ولَمْ يَزَلْ أهلُ الكلامِ الباطلِ المذمومِ مُوكَّلينَ بِرَدِّ أحاديثِ رسول الله -ﷺ- التي تخالف قواعدَهم الباطلةَ وعقائدَهم الفاسدةَ! ". (^٢)
* وقد ذكرَ ابن منده حديثَ الاحتجاج هذا من عدة روايات وطرق، ثم قال:
"وهذه الأحاديث صِحاحٌ ثابتةٌ، لا مَدْفَعَ لها، ولِهذا الحديثِ طرقٌ عن أبي هريرةَ، منها: أبو سَلَمةَ، ومحمدُ بنُ سِيرينُ، والأَعرجُ، وسعيدُ بنُ المسيّبِ، وغيرُهم". (^٣)
وختامًا:
قد جاء في الحديث: أنّ آدم قال لموسى -﵉-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»
وهنا الإشكال:
فالذي ثبتَ في الصحيح: أنّ الله - تعالى - قدَّرَ مقاديرَ الخَلائقِ قبلَ أن
_________________
(١) الاستذكار (٨/ ٢٥٨)، وقصص الأنبياء (١/ ٣٧).
(٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (١/ ١٤).
(٣) من عقائد السلف (الرد على الجهمية) لابن مَنْدَه (١/ ٢١٥).
[ ١ / ١٩٠ ]
يخلق السماوات والأرض بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وهُنا في حديث الباب يقول آدمُ -﵇-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟» فكيف الردُّ على هذا الإشكال؟؟؟
ردَّ العلماء بعدة أجوبةٍ:
الأول:
أنّ هذه المُدّة -التي هي (أربعون سنة) - إنما كانت بَيْنَ أنْ خُلِقَ آدمُ -﵇من الطين وبين أن نُفِخَ الرُّوحُ فيه.
الثاني:
أنّ هذه المدة يُقصَدُ بها: ما كُتِبَ في التوراة مِن أنّ آدمَ سيُخْرَجُ من الجنة، كما وردَ في الرواية: «فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا».
فإنْ قِيلَ: ما معنى تحديد (أربعين سنةً) في المكتوب، وفي الحديث: «إنَّ اللهَ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»؟
* فالجواب:
أنّ المعلوماتِ كلَّها قد أحاطَ بها العِلمُ القَديمُ قبلَ وُجودِ مخلوقٍ، ولكنَّه كتبَها في زمانٍ؛ فجائزٌ أنْ يكونَ كَتَبَ خطيئةَ آدمَ قبلَ أنْ يخلقَه بأربعينَ عامًا، وجائزٌ أن تكون الإشارة إلى مُدّةِ لُبْثِهِ طِينًا، فإنّه بَقِيَ أربعينَ سنةً طِينًا، فكأنه يقول: "كتبَ عليَّ قبلَ أنْ أَعْصِيَ منذُ سوَّاني طِينًا قبلَ أنْ ينفخَ فيَّ الرُّوح". (^١)
وصلى الله وسلَّمَ على نبينا محمد، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ
تمَّ بحمد الله
_________________
(١) كشف المُشْكِل من حديث الصحيحينِ (٣/ ٣٨٣).
[ ١ / ١٩١ ]