[ ١ / ٨٣ ]
نَصُّ حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:
«مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ»
أخرجه أحمد (٩٥٣٢) والترمذي (١٣٥) وأبو داود (٣٩٠٤). (^١)
* الفوائد المتعلِّقة بحديث الباب:
الفائدة الأولى: الفرق بين العَرَّاف والكاهِن:
وقع نوعُ خلافٍ بين العلماء في التفريق بينهما، ولكن الحاصل: أنَّ العَرَّاف هو من يسعى للوصول إلى بعض الأمور الغائبة، كشيء مسروق أو شيء غائب، مستخدِمًا
_________________
(١) وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٩٦٨) والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٤٩٦) والحاكم (١٥)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرطهما جميعًا"، ووافقه الذهبي، وقد أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨٤٨٢) من طريق جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵄- مرفوعًا، وقال: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، خلا عقبة بن سنان، وهو ثقة". اهـ.، وقال ابن كثير: "إسناده صحيح " وقال أحمد شاكر: "وهذا إسناد صحيح متصل". وانظر تفسير القرآن العظيم (١/ ١٩٩) وصَحِيح الْجَامِع (٥٩٣٩) والسلسلة الصَّحِيحَة (٣٣٨٧)، وصَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب (٣٠٤٤). * وللحديث طرق أخرى بأسانيد موقوفة، فقد رواه ابن الجعد (١٩٥٤)، وابن أبي شيبة (٢٣٥١٥) عن علىٍّ وابن مسعود -﵃- موقوفًا، وهو وإن كان موقوفًا فإنَّ له حكم الرفع؛ فمثل هذا لا يقال بالاجتهاد. قال ابن حجر: "ورد في ذم الكهانة: ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة رَفَعَه: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، وله شاهد من حديث جابر وعمران بن حصين، أخرجهما البزار بسندينِ جيدين، وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسند جيد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي". فتح الباري (١٠/ ٢١٧).
[ ١ / ٨٥ ]
في ذلك الحدسَ والتخمين، مثل: قراءة الكَفّ والفنجان، أو رسم الخَطّ على الرِّمال.
وأما الكاهن فهو الذي يستطلع الأمور الغيبية من الغيب النِّسْبيّ؛ وذلك عن طريق مُسْتَرِقِي السمع
من الجِنّ الذين يأتون الكُهّانَ بالأخبار.
- قال الخطابي:
"الكاهن إنما يَتَعاطى الخبرَ عن الكوائن في مستقبَل الزمان، ويدّعي معرفة الأسرار، والعَرّاف هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضّالّة، ونحوهما من الأمور". (^١)
الفائدة الثانية: قصة الْكُهَّان:
كان الكُهَّان منتشرينَ في جزيرة العرب قبل البعثة النبوية، وكان لكلِ كاهنٍ رَئِيٌّ من الجن يأتيه بالخبر من السماء، وقد ذكرَ الله -تعالى- عن الجن قولهم: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨ - ٩]، فإذا ما أوحى الله -تعالى- لملائكته الأمرَ من الوحي صَعِدَ الجنُّ ليَسْتَرِقُوا أخبارَ السماء؛ فتُرسَلُ عليهم الشُّهُبُ لتُحرقهم، فمن لم تُصِبْه الشهبُ ألقى إلى الكاهن الكلمةَ من الصِّدْقِ، فيَزيد عليها الكاهنُ مئة كَذْبةٍ، كما قال -﷿-: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣]، فالجن يُلقون إلى الكَهَنة ما يسمعون من الملائكة عند استراق السمع، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الكهنة ﴿كَاذِبُونَ﴾؛ لأنهم كانوا يَخْلِطون ما يستمعون بِكذبٍ كثيرٍ. (^٢)
وقد ورد في حديث النبي -ﷺ-: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ». (^٣)
** قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"قد عَلِم الخاصّةُ والعامّة بالتجرِبة والتواتُر أنَّ
_________________
(١) وانظر معالم السنن (٣/ ١٠٤) والنهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢١٥).
(٢) فتح الرحمن في تفسير القرآن لمجير الدين المقدسي (٥/ ١٠٧).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢١٣) ومسلم (٢٢٢٨).
[ ١ / ٨٦ ]
الأحكام التي يحكُم بها المنجِّمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق، والمنجِّمون قد خاطبتُهم بدِمشق، وحضرَ عندي رؤساؤهم، وبيَّنتُ فسادَ صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها، وقال رئيسٌ منهم: واللهِ إنّا نَكذب مئة كَذْبةٍ حتى نصدق في كلمة". (^١)
قال القُرطُبيّ:
"كان الجن يَقعُدون مَقاعِدَ لاستماع أخبار السماء، وهُمْ المَرَدةُ من الجن؛ كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يُلقوها إلى الكَهَنة، فحرسَها الله بالشهب المُحْرِقة، فقالت الجن حينَئذٍ: ﴿ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] ". (^٢)
- وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢) *فائدة: من الجن من استرق السمع في بدء بعثة النبي -ﷺ- حتى أخبر الكهانَ بخبر البعثة النبوية، وقد ورد في قصة إسلام الصحابي سَواد بن قارِب الدَّوْسِيّ -﵁- الذي كان كاهنًا في الجاهلية أن سبب إسلامه أن تابعه من الجن أخبره ببعثة النبي -ﷺ-، ودعاه إلى اتّباعه، وذلك في قصة طويلة قصَّها على عمرَ ﵁- في خلافته، حيث قال: "كنت كاهنًا في الجاهليّة، فبَيْنا أنا نائم إذ أتاني نَجِيِّي فضربَني برجله، ثم قال: يا سواد بن قارب، اسمعْ أقُلْ لك. قلتُ: هاتِ، قال: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وأَرْجاسِها وَرَحْلِها الْعِيسَ بِأَحْلاسِها تَهْوِي إلى مَكّةَ تَبْغِي الْهُدَى ما مُؤْمِنُوها مِثْلَ أنجاسها فارْحَلْ إلى الصّفوة من هاشم واسم بعينيك إلى رأسها قال سواد -﵁-: فَأَصْبَحْتُ فَاقْتَعَدْتُ بَعِيرًا لِي حَتَّى أَتَيْتُ مَكَّةَ، فَإِذَا رَسولُ اللَّه -ﷺ- قَدْ ظَهَرَ، قَالَ: فَأَخبَرْتُه الْخَبَرَ وَبَايَعْتُهُ". قال ابن حجر: وأصل هذه القصّة في صحيح البخاريّ من طريق سالم عن أبيه. وانظر الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ١٨٣) وتجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٤٨) والوافي بالوَفَيات (١٦/ ٣٥).
[ ١ / ٨٧ ]
- قال قَتادةُ: "خُلقت النجوم لثلاثٍ:
١ - زينة للسماء. ٢ - وهداية للناس. ٣ - ورُجومًا للشياطينِ". (^١)
** ووردَ بيانُ ذلك مفصَّلًا في رواية أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ:
«إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ، فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ». (^٢)
* وفي رواية عائشةَ -﵂- أن النبي -ﷺ- قال:
«الملائكة تتحدث في العَنانِ -والعَنانُ: الغَمامُ- بالأَمْرِ يكونُ في الأرضِ، فتستمعُ الشياطينُ، فتَقَرُّها في أُذُنِ الكاهِنِ كَما تُقَرُّ القارُورةُ، فيَزيدون معها مئةَ كَذْبةٍ». (^٣)
** ومثال ذلك في قصة ابن صَيّادٍ:
عن ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَقالَ لَهُ النبيُّ -ﷺ-: «تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ، وَقَالَ:
«آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ»، فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تَرَى؟»، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ. وَمَا تَرَى؟» قَالَ:
أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا -أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقًا-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لُبِسَ عَلَيْهِ، دَعُوهُ»،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا (٤/ ١٠٧)، ووصلَه ابن حجر في التغليق (٣/ ٤٧٩).
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٨٨).
[ ١ / ٨٨ ]
هل استمر إستراق الجن للسمع بعد البعثة النبوية؟
ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا»، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَالَ: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» (^١)؛ فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». (^٢)
مما سبق يَتبين أنَّ:
الجن كانوا قبل البعثة النبوية يسترِقون السمع. وقد اختلف العلماء في استراق الجن للسمع بعد مبعث الرسول -ﷺ-:
١ - فقال قوم: إن استراق الجن لأخبار السماء قد زال بمبعث الرسول -ﷺ-، ولذلك زالت الكِهانة.
٢ - وقال آخرون: إن استراقهم باقٍ بعد مبعثه -﵊-.
_________________
(١) قال صاحب المطالع: "الدُّخُّ" لغة في الدُّخان، لم يستطع ابن صياد أن يُتم الكلمة، ولم يهتد من الآية إلا لهذين الحرفين على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن، أو من هواجس النفس؛ ولهذا قَالَ له: «اخسأ فلن تعدو قدرك». وهي كلمة زجرٍ وطرد، وهي مهموزة، تقول منه: خَسَأْتُ الكَلْبَ، ومنه: قوله -تعالى-: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٠/ ٩٠).
(٢) متفق عليه. قول ابن صياد "الدُّخُّ" أراد أن يقول "الدُّخان" فلم يستطع ولم يهتد إلى ذلك. وقوله -ﷺ-: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»، أي: لن تُجاوز قدرَك أن تعلم الغيب من قِبل الوحي ولا من قبيل الإلهام. قال القاضي عياض: "وأصح الأقوال في قوله "الدُّخُّ": أنه لم يهتد من الآية التى أضمرها له -﵇- إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهّان؛ إذ إنما يلقي الشيطان إليهم بقدر ما يختطف قبل أن يدركه الشهابُ، ويدل عليه: قولُه «اخسأ فلن تعدو قدرك»، أي: ابْعُدْ كاهنًا منخرصًا، فلن تعدو قدر هذا الصنف من الاهتداء إلى بعض الشيء، وما لا يتبين منه حقيقة" (إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم (٨/ ٤٧٢». وقوله -ﷺ-: «إن يكنه فلن تسلط عليه» أي: إن كان هذا هو الدجال، فلست أنت الذي يقتله، وإنما يقتله عيسى بن مريم -﵇-. وامتحان النبي -ﷺ- لابن صياد، وقوله -ﷺ- لعمرَ: «إن يكنه فلن تسلط عليه» يدل على أن النبي -ﷺ- كان متوقفًا في أمره لأنه لم يُوحَ إليه أنه الدجال ولا غيره. والخلاف في كون ابن صياد هو المسيح الدجال أو هو دجال من الدجاجلة خلافٌ عريضٌ، والله أعلم.
[ ١ / ٨٩ ]
* والقول الراجح -والله أعلم-: أن استراقهم باقٍ بعد بعثة الرسول -﵊-، وكذلك رميُهم بالشهب كان واقعًا قبل مبعث الرسول -ﷺ-، ولكنه لم يكن في الشدة مثل ما كان بعد بعثته؛ وهو ما رجحه ابنُ كَثير والقُرطبيّ وغيرهم.
** ومما يدل على ذلك:
١) قوله -تعالى-: ﴿ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩].
قال ابن كَثير معلقًا على الآية السابقة: "وقد كانت الكواكب يُرمى بها قبلَ ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان". (^١)
وقال القُرطُبيّ: "والقول بالرمي أصحُّ؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨]. وهذا إخبار عن الجن أنه زِيدَ في حَرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم". (^٢)
٢) وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ:
أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:
«مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ». قَالَ: «فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ، فَمَا جَاءُوا
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٢٤١).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٣).
[ ١ / ٩٠ ]
أحوال وأحكام إتيان العرافين والكهان
بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ». (^١)
فدل الحديث أنّ سعي الجن لاستراق السمع ورمْيَهم بالشهب لم ينقطع بالبعثة النبوية.
٣ - الفائدة الثالثة: إتيان الكُهَّان والعَرّافينَ:
نقول: الأصل العام الذي ورد في هذا الباب هو النهي عن إتيان الكهّان.
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ». (^٢)
وهذا النهي الأصل فيه التحريم، فهؤلاء الكهان -فيما عُلم بشهادة الامتحان- قومٌ لهم أذهان حادّة، ونفوس شِرِّيرة، وطَبائعُ ناريّة، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات. ويختلف الحكم في ذلك بحسب حال من أتى العرَّافين والكَهَنة، وذلك على حالات:
١) الحالة الأولى:
أن يأتى رجلٌ الكاهنَ ليكشف كذبه وتدليسه وتزييفه؛ فهذا أمر مستحب من باب قوله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقول النبي -ﷺ-: «من رأى منكم منكرًا فلْيغيِّره»، فهذه الحالة مستحبة، بل قد تكون واجبة إذا ما انتشر فساد الكهان والعرّافين في بلدٍ ما، فأمَّهم الناسُ من كل مكان، فصاروا فتنة في بلاد المسلمين.
** ومما يدل على مشروعية ذلك-مع الأدلة العامة-: أن النبي -ﷺ- قد أتى ابن صيَّاد ليبيِّن كذبه وتدليسه، وقد سبق قريبًا رواية الحديث.
** وكذلك كان يفعل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مناقشته ومناظرته للبطائحية، والرفاعية، وغيرهم، وقال لهم لما دخلوا في النار، وزعموا أن أجسادهم لا تحترق
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧).
[ ١ / ٩١ ]
وكانوا قد طَلَوْا أجسادهم بالدهن: اغسلوها ثم ادخلوها لو كنتم صادقين، فبيّن عوارهم، وكشفَ دجلهم وباطِلهم أمام الناس مجتمعينَ.
** فمن كان عنده من العلم ما يمكّنه من نصح هؤلاء العرَّافين والدجالين، فتَواصَلَ معهم، أو أتاهم في أماكنهم لينكر عليهم ويبين لهم حكم الشرع فيما يفعلون- لم يكن ذلك إتيانًا محرمًا؛ بل هو مشروع مأمور به في حق القادر عليه، إما وجوبًا، وإما استحبابًا، أيًّا كانت وسيلة التواصل معهم.
٢) الحالة الثانية:
أن يأتي رجلٌ الكاهنَ فيسأله عن شيء مجرد السؤال، دون أن يصدقه؛ فهذا محرم وكبيرة من الكبائر، وقد رتب عليها الشرع وعيدًا كبيرًا.
روى مسلم عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^١)، وهذا وعيد شديد، فالجرم العظيم الذي وقع فيه هذا الذي ذهب إلى العرَّاف قد عادل ثواب الصلاة في أربعين صباحًا، فأسقطَه، وذلك مع كون الصلاة صحيحة. (^٢)
** إذن فمعنى قولهﷺ-: «لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ»:
أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجْزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها المرء على وجهها الكامل ترتَّبَ عليها أمران:
الأول: سقوط المطالبة، وبراءة الذمة.
الثانى: ترتُّب الأجر عليها.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٣٠).
(٢) قوله -ﷺ-: «لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا» قال المناوي: "وخَصَّ الصلاةَ لكونها عِمادَ الدين؛ فصومُه كذلك" فيض القدير (٦/ ٢٢) قلتُ: وظاهر النص قصْر ذلك على الصلاة، والله أعلم.
[ ١ / ٩٢ ]
فالأول لا يكون إلا بتوافر الشروط، والثانى لا يكون إلا بانتفاء الموانع. (^١)
ففي هذا الحديث قد أتى المرء بشروط الصلاة، فقُبلت منه، وبرئت بها الذِّمّة، وسقط بها الطلب يومَ القيامة، فلا يطالَب بها يوم القيامة مطالَبةَ مَن تركَ الصلاة (^٢)، لكن -مع استيفائه للشروط- قد قام المانع من تحقق الثواب عليها، ألا وهو سؤاله للعرَّاف.
** قال النووي:
"وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجْزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، فالواجبات إذا أُتِيَ بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب؛ ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادةُ صلواتِ أربعينَ ليلةً؛ فوجبَ تأويله، والله أعلم". (^٣)
قال ابن القيم:
وصلاة من أتى عرافًا فصدَّقه فإن البعض قد حقق أن صلاته لا تقبل، ومع هذا فلا يؤمر؛ لأن عدم قبول صلاته إنما هو في حصول الثواب، لا في
_________________
(١) فائدة: ما ورد في العبادات من نفي القَبول هل يلزم منه نفيُ الصحة؟ للعلماء فيه قولان: الأول- أن القبول والصحة متلازمان؛ وعليه فإنه إذا نُفي أحدهما انتفى الآخر. الثاني- أن القبول والصحة مختلفان؛ وعليه فإنّ القبول أخصُّ من الصحة، إذ كل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولًا، فيكون القبول هو الثواب؛ ومثاله: قوله -ﷺ-: «من أتى عرافًا لم تُقبل له صلاة». والصحيح في ذلك التفصيل: قَدْ يأتَي نَفْيُ الْقَبُول فِي الشَّرْعِ تَارَةً بِمَعْنَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ)، فنفي قبول صلاة المُحْدِث -مثلًا- ليس كنفي قبول صلاة مَن أتى عرّافًا؛ فالأول هو نفي للصحة، ولازمُ ذلك هو: نفْي القبول، وأما الثاني فهو نفي لقبول العمل، أي: لثوابه المترتب عليه. - ويمكن للتفريق بينهما أن يقال: إن المانع إذا كان متعلقًا بذات الفعل -كالحدث مع الصلاة- عادَ نفي القبول على نفي الصحة، وأما إذا عاد المانع لأمرٍ خارجٍ - كصلاة مَن أتى العرافَ- عادَ نفيُ القبول على نفي الثواب دُونَ الإجزاء.
(٢) وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: إذا كان لا أجر له، فلمَ تُطالِبونه بأداء الصلاة في الأربعين يومًا؟؟!! نقول: بل لا بد من فعلها؛ ليَسقُطَ بها الطلب بين يدي الله تعالى.
(٣) شرح النووي على مسلم بتصرُّفٍ يسير (٧/ ٣٩٢).
[ ١ / ٩٣ ]
سقوطها من ذمتهم. (^١)
لذا فإن مذهب أهل السنة أن السيئات لا تُبطل الحسنات، ولا يُحبطها شئ إلا الكفرُ، وأن المراد بمعاقبته بترك قبول صلاته، هو قبول الرِّضا، وتضعيف الأجر، لا قَبول الأداء وسقوط العهدة. (^٢)
وتأملْ: إذا كان هذا حال السائل، فكيف بحال المسئول؟!!!
٣) الحالة الثالثة:
أن يأتيَ الكاهنَ فيسأله، ويصدقه بما أخبر به؛ فهذا كفر بالله -﷿- لأنه قد صدَّقه في دعوى علمه الغيبَ؛ والتصديق لدعوى علم الغيب تكذيب لقول الله-تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، ولهذا جاء في حديث الباب: «من أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول فقد كفرَ بما أنزل على محمدﷺ-». (^٣)
قال الإمام البدر العينتابي (٨٥٥ هـ) في شرح حديث المفاتيح: "مَن ادّعى أنه يعلم
_________________
(١) المنار المنيف (ص/١٥)
(٢) إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم (٧/ ١٥٤) والمُفْهِم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣/ ٢١٥)
(٣) هذه الرواية قد سبق تخريجها أولَ الرسالة، وفيها زيادة لفظة "فصدَّقَه"، وهي ليست مروية عند مسلم في الصحيح، ولكن قد عَزاها لصحيح مسلم بعضُ كتب أهل العلم قديمًا، منها: كتاب الترغيب والترهيب للمُنذري، ورياض الصالحين للنووي، ومنتقى الأخبار لابن تيمية الجَدّ، وفتاوى الرملي، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي، وغذاء الألباب للسفاريني، وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد رد الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد عبد الوهاب على جَدِّه -مؤلف كتاب التوحيد- نسبتَها لمسلم في [تيسير العزيز الحميد] (ص: ٣٤٧)، فقال: "هذا الحديث رواه مسلم كما قال المصنف، ولفظه: حدثنا محمد بن المثنَّى العنْزي، ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله -في نسخة: عبد الله- عن نافع عن صفية عن بعض أزواج النبي -ﷺ- عن النبي -ﷺ- قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا وليلةً» - هكذا رواه، وليس فيه: "فصدَّقَه". اهـ. * وزيادة "فصدَّقَه" ثابتة في غير صحيح مسلم، فقد رواها الإمام أحمد بلفظ «من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا». وقال الأرناؤوط والألباني: "إسناده صحيح على شرط مسلم". اهـ.
[ ١ / ٩٤ ]
أقسام الغيب والأحكام المتعلقة به
شيئًا من هذه الخمس-مفاتيح الغيب-فقد كفر بالقرآن العظيم". (^١)
والقاعدة. هنا: "كل من اعتقد في غير الله ما لا يُعتقد إلا في الله فقد وقعَ في الكفر الأكبر".
واعلم أنَّ الغيب على قسمين:
١) القسم الأول: الغيب المطلق (متعلِّق بالخالق):
وهو الغيب الذي يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا مما قد استأْثَرَ اللهُ -﷿- به لنفسه، ولم يخبر به أحدًا من خلقه.
قال-تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال-تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
فلما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله، كانت جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب-غيرَ الوحي-من. الضلال. المبين. (^٢)
*ومن ذلك:
قوله -تعالى- لنبيه ﷺ ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وكذلك قوله ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
** عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ» (^٣).
** وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
"مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا
_________________
(١) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القُبورية (٢/ ٩٢٨).
(٢) أضواء البيان (٢/ ١٩٧).
(٣) أخرجه البخاري (٤٦٩٧).
[ ١ / ٩٥ ]
مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» (^١).
** وفي حديث جبريل -﵇- لما سأل النبيَّ -ﷺ- عن الساعة، قال النبي -ﷺ-: «ما المسئولُ عنها بأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ». وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن الملائكة لا يعلمون متى الساعةُ.
** ولما سمع النَّبِيُّ -ﷺ- جاريةً تقول: "وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدِ" قَالَ لها -ﷺ-: «دَعِي هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ؛ ما يَعلمُ ما في غَدٍ إلا اللهُ» (^٢).
٢) القسم الثاني- الغيب النسبي) متعلق بالمخلوق):
وهو الذي يتعلق بالمخلوق، أي: يعلمه بعض المخلوقين ولا يعلمه بعضهم، فيكون بالنسبة لك غيبًا، وبالنسبة لغيرك معلومًا، فهذا إنما يُسمى غيبٌ بالنسبة للجاهل به الذي لا يعلمه، وليس بغيبٍ للذي يَعلمه. ** ومثال ذلك: في قول عيسى -﵇- لقومه: ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].
** والآيات في ذلك كثيرة، ومنها ما يلي:
الحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن لم يَعلم بها، لذلك قال الله -تعالى- للنبي -ﷺ-: ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقوله -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وفي قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
وبهذا يتبين أن النبي -ﷺ- لم يكن يعلم الغيب علمًا كليًّا، وإنما كان يعلمه علمًا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤٣١٨)، وانظر الصحيحة (١٩٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٧٩) والترمذي (١٠٩٠).
[ ١ / ٩٦ ]
جزئيًّا في حدود ما أطلعَه الله - تعالى- عليه.
فالله يوحي إلى الرسل ما يشاء، كما أوحى إلى نبينا -ﷺ- أشياء كثيرة من أمر الآخرة وأمر القيامة وأمر الجنة والنار، وما يكون في آخر الزمان من الدجال ونزول المسيح، وهدم الكعبة، ويأجوج ومأجوج، وغير ذلك مما يكون في آخر الزمان، كل هذا من علم الغيب أوحى الله إلى نبيه -ﷺ-، فعلمنا إياه وصار معلومًا للناس، وهكذا ما يعلمه الناس من أمور الغيب عند وقوعه.
** وفي قصة موت سليمان -﵇- قال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]. (^١)
قال قَتادةُ: " لو كان أحدٌ يَعلم الغيب لَعَلِمَ الجنُّ حيثُ مات سليمان -﵇- فلَبِثَتْ تَعملُ حَوْلًا في أشدِّ العذاب، وهم لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خَرَّ تبيَّنتِ الجنُّ أنْ لو كانت تعلم الغيبَ ما لَبِثوا في العذاب المُهين، وكانت الجن تقول مثل ذلك، أنها كانت تعلم الغيب، تعلم ما في غدٍ؛ فابتلاهم الله بذلك". (^٢)
* ومن خلال ما سبق مِن ذِكر أقسام الغيب، يكون حُكم من ادَّعى علم الغيب
_________________
(١) قال العلامة الآلوسي: "وفي الآية دليل على أن الغيب لا يختص بالأمور المستقبَلة، بل يشمل الأمور الواقعة التي هي غائبة عن الشخص أيضا" [روح المعاني] (٢٢٩/ ١١). ** ومن القصص التي تتعلق بمسألة الغيب النسبي: ما وقع مع بعض الصالحين، لما دخل على بعض الأمراء وعنده عرّاف يقول للناس: خذوا ما شئتم من الحصى في أيديكم وأنا أعرف كم، فيأخذ الناس الحصى ويخبئونه عن ذلك الرجل، فيَعُدّونه، ثم يقول ذلك العرافُ: في يدك كذا من الحصى عدد كذا، ويكون كلامه صحيحًا، فلما جاء ذلك الرجلُ الصالح قال: أنا أتحداه أن يعرف ما في يدي، فأخذ قبضة من الحصى، فلم يَعُدَّها، قال: كم بِيَدي؟ قال: كذا، فعَدَّها، فإذا هي بخلاف ما قال العرافُ. فقالوا له: كيف فعلتَ؟! قال: أنتم عددتم لَمّا قبضتم الحصى، فَعَدَّ معكم القَرينُ فأَخبرَه، وأنا لم أَعُدَّ، فلم يَعُدَّ معي القَرينُ، فلم يستطع أن يعرف!
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١٦٥٣٦)، وانظر الشرك في القديم والحديث (ص/٤٧٢).
[ ١ / ٩٧ ]
ومَن صدَّقه في ذلك على تفصيل:
١) من ادَّعى علم الغيب المطلق فقد كفرَ؛ لأنه مكذب لله -﷿-، قال الله -تعالى-:
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وإذا كان الله -﷿- قد حجبَ عن نبيه -ﷺ- علم الغيب، فهل أنتم تعلمونه؟!
كذلك فإن علم الغيب هو من اختصاص الله -﷿-، فمن ادّعى معرفته فقد جعل نفسه شريكًا لله-تعالى-في ذلك!
** كذلك يقال هنا:
"لمَّا تَمَدَّحَ -سُبحانَه- بعلم الغيب واستأثَرَ به دُونَ خَلْقِه، كان فيه دليلٌ على أنه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعَهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعلَه معجزة لهم، ودلالة صادقة على نُبوّتهم، وليس المنجِّم ومَن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير- ممن ارتضاه من رسول فيُطلعه على ما يشاء من غيبه؛ بل هو كافر بالله، مفترٍ عليه بحدسه وتخمينه وكذبه". (^١)
** ومن اعتقد في منجم أو رَمَّال أنه يعلم الغيب فهو مشرك بالله؛ وذلك لأنه اعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله -﷿-.
* قال السعدي:
"فإن الله -تعالى- هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكِهانة أو عِرافة أو غيرهما، أو صدّقَ من ادّعى ذلك، فقد جعل لله شريكًا فيما هو مِن خصائصه، وقد كذَّب اللهَ ورسولَه". (^٢)
فالذي أُنزِل على محمد هو قول الله -تعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وهذا من أقوى طرق الحَصْر; لأن فيه النفي والإثبات; فالذي
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٨).
(٢) القول السديد (ص/١٠٠).
[ ١ / ٩٨ ]
صور معاصرة لما يدعيه الكهان في هذا الزمان
يصدق الكاهن في علم الغيب وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا اللهُ فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة؛ وإن كان جاهلًا ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب فكُفرُه كفرٌ دونَ كفرٍ. (^١)
٢ - أما من ما ادَّعى علم الغيب النسبي:
كحال الكهّان والعرَّافين الذين يدَّعون معرفة الأمور الواقعة بين الخلق وغيرها، فإنهم لا يصلون إلى ذلك إلا إذا تقرَّبوا للجن بالعبادات والذبح والنذر وغيرها من الطرق الشركية.
يقول الشيخ السِعدي:
"كثير من الكِهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله". (^٢)
** ومن الصور المعاصرة لِما يسلكه مَن يدعي علم الغيب:
ما يفعلونه عن طريق " قراءة الكف" أو "النظر في الفنجان" أو "رسم الخط على الرمال" أو "قراءة الأبراج" كبرج الثور وبرج العقرب وغيرها، ويزعمون بأن من وُلد في برج الثور مثلًا سيحدث له كذا، ويسافر إلى بلاد كذا، ونحوه مما فيه ادعاء علم الغيب. (^٣)
*وممَّا يُلبِّسون به على العامة:
ترى طائفة من المنجِّمين المعاصرين الذين يستخبرون عن تواريخ مواليد الناس لربط ذلك بالأبراج، زعمًا منهم وُجودَ علاقة تأثير بين الأحوال الفلكية والحوادث
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٥٣٩).
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/٨٤).
(٣) البروج: هي منازل الشمس، وهي اثنا عشر برجًا أقسمَ الله بها بقوله -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وهي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسُّنْبُلة والمِيزان والعَقْرَب والقَوْس والجَدْي والدَّلو والحوت؛ وهي أشهرٌ عاديّة، ولا يعلم ما يحدث فيها إلا اللهُ-تعالى-، فمَن ادّعى أنه يحدث في برج الثور كذا أو في برج العقرب كذا فهو ممن يدعي علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
[ ١ / ٩٩ ]
حكم مطالعة الأبراج علي مواقع التواصل وغيرها
الأرضية. وما هؤلاء إلا ضرب من الكهانة، اختلفت أشكالهم وتوافقت مَشارِبُهم. وكثير من المسلمين قد تعلَّقت قلوبهم بمثل هذه الأمور، ولا شك أنّ من ادَّعى علم الطالع، أو ادّعى العلم بقراءة الكف- كاهن عرَّاف مكذِّب لله ورسوله.
وغالب حال هؤلاء من الكهَّان والمنجِّمين يأتون بأخبار الناس من خلال استخدامهم للجن الذين يأتونهم بالأخبار التى تتعلق بالغيب النسبي.
قال -تعالى-: ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]، والمعنى: تمتَّعَ كل من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفعَ به. فالجنّي يستمتع بطاعة الإنسي له وتعظيمه واستعاذته به، فيفعل الإنسي ما يُمليه عليه الجني من إهانة القرآن وكتابته بالدم ونحو ذلك. والإنسي يستمتع بخدمة الجِنّي له ببعض شهواته، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، فيأتيه بالأخبار الغائبة عن بعض الناس.
** فلْيحذرِ المرء من هذه الأفعال التى تُحبط عمله من حيث لا يدري!
* فمن طالعَ هذه الأبراج التى تنتشر على المجلات أو مواقع الشبكة العنكبوتية فقد وقع بين واحد من هذه المحظورات:
أ) اعتقاد التأثير:
أن يعتقد أن النجوم والأفلاك والكواكب تؤثر في الخَلق وأفعالهم، والاعتقاد بأنّ برجًا معينًا من النجوم هو الذي يجلب الحظ أو النّحس؛ فهذا اعتقادٌ شركيّ مخرج من الملة، ومُعتقِد ذلك مشرك؛ فقد جعل مع الله -تعالى- من يخلق أفعال العباد، واعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله.
ب) اعتقاد السببية:
بأن يعتقد بوجود عَلاقة سببية بين ما يقع له من خير أو شر وبين مواقع الأبراج واختلاف توقيتاتها الزمنية، وصاحب هذا الاعتقاد واقع في الشرك الأصغر؛ فكل من اتخذ سببًا لم يشرعه الله -﷿- ورسوله -ﷺ- سببًا فقد وقع في الشرك الأصغر، قال
[ ١ / ١٠٠ ]
-تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
**قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"والله -سبحانه- قد جعل في النجوم من المنافع لعباده وسخرها لهم ومن منافعها الظاهرة ما يجعله -سبحانه- بالشمس من الحَرِّ والبرد والليل والنهار، وإنضاج الثمار، وخلق الحيوان والنبات والمعادن، وكذلك ما يجعله بها من الترطيب والتيبيس وغير ذلك من الأمور المشهورة، كما جعل في النار الإشراق والإحراق، وفي الماء التطهير والسقي، فمن قال من أهل الكلام إنّ الله يفعل هذه الأمور عِنْدَها لا بها، فعِبارتُه مخالفة لكتاب الله-تعالى-والأمور المشهورة، كمن زعمَ أنها مستقلة بالفعل هو شرك مخالف للعقل والدين". (^١)
جـ) وإما أن يكون قد فعل ذلك من باب التسلية:
فيقع تحت قول النَّبِيِّ -ﷺ-: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^٢).
ووالذي نفسي بيده فإن من ادّعى أنه يفعل ذلك من باب التسلّي فسَيَجِدُ تأثيرًا لما قرأَ على قلبه -ولا مَحالةَ- فالقلوب ضعيفة.
وتعظم الفتنة حينما يتوافق ما قرأَه مع ما قدّرَه الله-تعالى-: في بعض الأحيان قد يَصْدُقُ كلامُ الأبراج، ويكون هذا الأمر فتنة وامتحانًا، وليس دليلًا على صدقهم ولا على إبطال الشرع؛ فإن الدجال الأكبر يقول للسماء: أَمطري، فتُمطر، وللأرض: أَنبتي، فتُنبت، وللخَرِبة: أَخرجي كنوزك، فتُخرج كنوزها، تتبعه، ويقتل رجلًا ثم يمشي بين شِقَّيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فيقوم، ومع هذا فهو دجال، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وقال: "يكون لأحدهم القرينُ من الشياطين يخبره
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦٧).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ١٠١ ]
بكثير من المغيَّبات بما يستَرِقُه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب".
فالواجب عدم التعلُّقِ بقول هؤلاء، فَمَنْ تَعَلَّقَ بأقوالهم وَكَلَهُ اللهُ إليهم، وحَرَمَهُ مِن توفيقه وهدايته!
د) وإما أن يكون قد فعل ذلك مصدِّقًا لكلام الكاهن أو العرَّاف:
فيكون قد وقعَ تحت قوله -ﷺ-: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (^١).
* وهذا الكفر يختلف بحسب حال السائل:
أ) إن اعتقد أن الكاهن على علم بالغيب المطلق، فقد وقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة.
ب) وإن اعتقد أن الكاهن على علم بالغيب النسبي، فقد وقع في الكفر الأصغر.
* ثم يقال أيضًا:
من التناقض البيِّن: الاعتقاد أنّ لمواليد كلّ برج صفاتٍ وخصائصَ متماثلة متفقة؛ فإنّه يولد في كلّ
ساعة الآلاف من البشر في العالم، ولم يَثبُت أنّ هؤلاء يحملون الصفاتِ نفسَها، فكيف يستقيم كلام المنجِّمين باتفاق خصائص مواليد الشهر نفسه أو البرج نفسه؟!
* قال الشيخ علي الملا القاري:
"ومما يدل على فساد قولهم: أن يقال لهم: أخبرونا عن مولودَيْنِ وُلدا في وقت واحد؛ أليس يجب تساويهما في كل وجه، ولا تمييز بينهما في الصورة والقَدّ والمَنظر، وحتى لا تصيب أحدًا نكبةٌ إلا أصابَ الآخرَ، وحتى لا يفعل هذا شيئًا إلا والآخرُ يفعل مِثلَه؟ وليس في العالَمِ اثنانِ هذه صفتُهما". (^٢)
* وكذلك ظهر اختلاف المنجّمين في الأبراج التي يبنون عليها أحكامهم من عدّة وجوه؛ منها: أعداد البروج، وأسماؤها، ومدّة كلّ منها، ودلالاتها على خصائص
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) وانظر مِرْقاة المفاتيح (٧/ ٢٩١١).
[ ١ / ١٠٢ ]
المولودينَ فيها، وغير ذلك.
وقد ذكر أحد علماء الفلك أن مسألة الأبراج تعبر عن حقيقة واحدة فقط، وهي كمية الغباء الموجودة عند المنجِّمين؛ وذلك لأن عدد الأبراج اثْنَا عَشَرَ بُرجًا، يبدأون دائمًا ببرج الحمل، وينتهون ببرج الحوت.
وفي الواقع أن الشمس كانت في برج الحمل، وذلك قبل الميلاد بنحو ألف سنة؛ والآنَ الشمس واقعة في برج الحوت؛ فجماعة المنجمين لا يعلمون هذا الموضوع، فهل سينجِّم المنجِّمون بناءً على ما كان قبل ألف سنة أم بعد ذلك؟!!
**وقال: إن الصِّحافة العالمية المرموقة -على حَدِّ تعبيره- تَخجل من وضع صفحة مثل (حظك اليوم)، إنما نجد ذلك في الصحافة المتخلفة أو في الكتب المتخلفة فحسْب.
* فرع: حكم تعلّم "علم التنجيم ":
تعريف "علم التنجيم":
التنجيم هو أحد أقسام الكِهانة؛ ولذا يسمي بعضهم المنجِّم كاهنًا.
وقد اتخذ المنجِّمون علم النجوم وسيلةً لادّعاء علم الغيب وادعاء علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان كأوقات هبوب الرياح ومجيء الأمطار وتغير الأسعار وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تُدرَك بمعرفتها مسير الكواكب والنجوم. (^١)
** وأما حكم تعلم هذا النوع من العلوم فهو على قسمين:
١ - القسم الأول: علم التأثير.
٢ - القسم الثاني: "علم التسيير".
١) أما القسم الأول:
فهو ما يُبنى على ادعاء علم الغيب وربط الأشياء وتأثيرها
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٢)، ومعالم السنن (٤/ ٢٢٩).
[ ١ / ١٠٣ ]
بالتنجيم، والاستدلال بالأحوال الفلكية على الأحداث الأرضية، وهو ما يسمى "علم التأثير"، فهو محرَّم، وهو ضَرْبٌ من السحر، عن ابن عباس﵄قال:
قال رسول اللهﷺ-: «مَن اقتبسَ عِلمًا مِن النجومِ اقتبسَ شُعْبَةً مِن السِّحْرِ، زادَ ما زادَ». (^١)
وقد نصَّ الرافعي والنووي وغيرهما على أن تعلّم السحر وتعليمه حرام، ودرجاته متفاوتة، وهذا إن لم يحتج في تعليمه إلى اعتقادٍ هو كُفرٌ، وأما فِعله فيحرم إجماعًا، ومن اعتقد إباحتَه كفرَ، ولا يظهر السحر إلا على فاسق.
فهذا القسم يحرم تعلمه؛ لأنه ينبني على دعوى علم الغيب، وهذا من الكفر المخرج من الملة. (^٢)
*فالمحرَّم من علم النجوم إنما هو ما يزعم به أصحابه الاستدلالَ على الحوادث الأرضية، فيستدل مثلًا باقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا؛ وهذه أمور بيِّنة البطلان،
فإن الأحوال الفلكية لا عَلاقة بينها وبين الحوادث الأرضية، كما أن قيام المنجّم بالاستدلال على الحوادث والوقائع عن طريق حركات النجوم هو من جنس الاستقسام بالأزلام، وقد قال-تعالى-في ذكره للمحرَّمات: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وقد ورد في حديث الصحيحينِ، حديث زيد بن خالد عن النبيﷺمرفوعًا:
«مَن قال: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلكَ كافرٌ بي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ». (^٣)
فمثل هذا النوع من علم النجوم قد حرّم الشرع تداوُلَه وأخْذ الأجرة عليه:
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ -﵁- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٠٠)، وأبو داود (٣٩٠٥)، وصححه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٣)، والنووي في رياض الصالحين ح (١٦٧٣)، وانظر الصحيحة (٧٩٣).
(٢) وانظر نواقض الإيمان القولية والعملية (ص/٥١٤)، وتنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين (ص/١٩١)، وتيسير العزيز الحميد (ص/٤٢٢).
(٣) متفق عليه.
[ ١ / ١٠٤ ]
الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (^١)
وحُلْوان الكاهن:
هو ما يُعطاه على كهانته. وقد نقل البغوي والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريمه؛ لنهيه -ﷺ- عنه.
** قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"لا يجوز للإمام أن يعطيَ أحدًا لأجْل منفعةٍ محرمةٍ، كعَطِيّة العرَّافين من الكهان والمنجِّمين ونحوهم". (^٢)
وقال -﵀- ذامًّا هؤلاء المنجِّمين:
"فإنّ هؤلاء المَلاعينَ يقولون الإثم ويأكلون السُّحْت بإجماع المسلمين، وثبتَ عن النبي -ﷺ- برواية الصِّدِّيق عنه أنه قال: «إنّ الناس إذا رَأَوُا الْمُنْكَرَ ولم يُغيِّروه أَوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابٍ منهُ»؛ وأيُّ منكرٍ أنكرُ مِن عملِ هؤلاء الأَخابثِ، سُوسِ المُلْكِ، وأعداءِ الرُّسُلِ، وأَفْراخ الصابِئة عُبّادِ الكَواكِبِ؟!! ". (^٣)
قال الماوردي:
"ويَمنع المُحْتَسِبُ مَن يكتسب بالكِهانة واللهو، ويؤدِّب عليه الآخِذ والمُعطي". (^٤)
قال ضياء الدين القرشي:
"وأما المنجِّمون فقد وردت أحاديث دالة على النهي عن الاشتغال بهذا العلم، وهو ليس علمًا يُعتمد فيه على شيء، بل جعلوه أُحْبُولةً لأخذ الرزق؛ وحينئذ يؤخذ عليهم ألا يجلسوا في دَرْبٍ، ولا زقاق، فإنّ معظم من يجلس عندهم النِّسْوانُ، وقد صار في هذا الزمان يجلس عند هؤلاء الكتاب
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٦٧). و"حُلوان الكاهن " هو ما يعطاه على كهانته، يقال منه: حَلَوْتُهُ حُلْوانًا إذا أعطيتَه. قال الهروي وغيره: أصلُه من الحَلاوة، شُبِّه بالشيء الحُلْو من حيث إنه يأخذه سهلًا بلا كُلْفة ولا مقابلة مشقة، يقال: حَلَوْتُه إذا أطعمتَه الحُلْوَ، كما يقال: عَسَلْتُهُ إذا أطعمتَه العَسَلَ. وانظر المُعْلِم بفوائد مسلم (٢/ ٢٩١)، والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٠/ ٢٣٢).
(٢) السياسة الشرعية (ص/٤٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٥).
(٤) الأحكام السلطانية (ص/٣٧٣).
[ ١ / ١٠٥ ]
والمنجَّمين مَن لا له حاجة عندهم من الشباب وغيرهم، وليس لهم قصد سوى حضور امرأة تكشف نَجْمها أو تكتب رسالة أو حاجة لها، فيُشاكلها ويتمكن من الحديث معها بسبب جلوسه وجلوسها، ويؤدي ذلك إلى أشياء لا يَليق ذِكرُها؛ ولو وجد أحدًا يفعل ذلك عُزِّرَ ليَرتَدِعَ به غيرُه". (^١)
٢) القسم الثانى:
ما يُحتاج إليه لمعرفة ما يُدرَك بالمشاهدة كمعرفة ظِلّ الشمس وجِهَةِ القِبْلة ونحو ذلك؛ فلا يدخل تحت النهي، وهو ما يسمى "علم التسيير".
وقد رخَّصَ في تعلُّم المنازل أحمدُ وإسحاقُ، وروى ابن المنذر عن مجاهد:
"أنه كان لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل منازل القمر".
*قال ابن رجب:
"المأذون في تعلمه: علم التسيير، لا علم التأثير؛ فإنه باطلٌ محرَّمٌ قليلُه وكثيرُه، وأما علم التسيير فيُتعلم ما يُحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائزٌ عند الجمهور". (^٢)
قال ابن بطة:
وأمر النجوم على وجهين:
فأحدهما واجب علمه والعمل به، فأما ما يجب علمه والعمل به فهو أن يتعلم من النجوم ما يهتدي به في ظلمات البر والبحر، ويعرف به القبلة والصلاة والطرقات، فبهذا العلم من النجوم نطق الكتاب ومضت السنة.
وأما ما لا يجوز النظر فيه
_________________
(١) معالم القُرْبة في طلب الحِسْبة (ص/١٨٣) وقوله: "جعلوه أُحْبُولة لأخذ الرزق": الأُحْبُولة: مفرد حَبائِلُ، والأحبول: المِصْيَدة، يقال: أَوْقَعَتْهُ في أَحابِيلِها: في شِراك حُبّها [المعجم الوسيط (١/ ١٥٣)]. ** والذي يُطالع كتب التاريخ يجد مدى شغف الكثير من الملوك والأمراء قديمًا بتقريب المنجِّمين منهم؛ وذلك لسؤالهم عما سيقع لهم من أمور الولاية. ومن عجيب ما وردَ في هذا الأمر: ما حكاه أحمد بن علي القلقشندي في ذكره لخلافة هارون الرشيد، حيث قال عنه: "ومن عجيب أمرِه: أنه لما اشتد به المرض أُحضر المنجِّمون فنظروا في مولده فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنَفةً بعد ذلك، فلم يَعِشْ بعدَ قولِهم غيرَ عشرةَ أيامٍ؛ فسُبْحانَ المستأْثِرِ بعلم الغيب! " وانظر مآثر الإنافة في مَعالم الخلافة (ص/٢٢٥).
(٢) وانظر لذلك: فتح الباري شرح صحيح البخاري (٣/ ٦٩)، والزواجر للهيتمي (٢/ ١٩٣).
[ ١ / ١٠٦ ]
والتصديق به، ويجب علينا الإمساك عنه من علم النجوم فهو أن لا يحكم للنجوم بفعل، ولا يقضي لها بحدوث أمره كما يدعي الجاهلون من علم الغيوب بعلم النجوم، ولا قوة إلا بالله. (^١)
قال البربهاري:
وأقلَّ النظر في النجوم، إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة، واَلْهَ عمَّا سوى ذلك، فإنه يدعو إلى الزندقة. (^٢)
* وعلى هذا يقال:
ما يُنقل عن أحوال الطقس كلَّ يوم: ليس من ادَّعاء علم الغيب؛ بل هي من علم الشهادة؛ لأنَّ الأقمار الصناعية تصور السحاب وحركة المنخفِضات والمرتفِعات والرياح، وليس في ذلك شبهٌ بدعوى علم الغيب؛ فهو يستند إلى أمورٍ حسّيّة. (^٣)
تم بحمد الله
_________________
(١) الإبانة الكبرى (١٢٨٢)
(٢) شرح السنة (ص/٣٨٤)
(٣) وجاء في بحثٍ عن ذلك كتبَه الدكتور عبد الشكور العروسي الأستاذ بقسم العقيدة- كلية الدعوة وأصول الدين- جامعة أُمّ القُرى، قال فيه: "فإنْ قِيلَ: إذا كان الخَلق لا يعلمون ما يُستقبَلُ من الحوادث، فكيف استطاع الفَلَكِيُّونَ معرفة تواريخ الكسوف وساعاته، واستطاع مراقبو أحوال الطقس عن طريق المَراصد الجَوِّيّة الإخبارَ بأخباره قبل حدوثه؛ قِيلَ: إنّ ذلك من التجارِب البشرية المتكررة التي مكّنت العلماء الذين يقومون بالرصد المتواصل مِن توقُّع تلك الحوادث على سبيل التوقُّع والظن، لا على سبيل العلم واليقين، فكما يَستنتج أحدُنا تقابُلَ قطارينِ في نقطة معينة إذا كان انطلاقهما في وقت واحد وسرعة واحدة سائرًا كلٌّ منهما في الاتجاه المواجه للآخَر، فكذلك توقُّع الفلكيّينَ مرور القمر بين الأرض والشمس في موضع معين في ساعة معينة لا يدل على علم الغيب، وإنما هو توقعٌ مبنيٌّ على التجارِب والملاحظات المتواصلة والاختبارات المتكررة؛ وهذا مما لا يُجزَم بحدوثه ووقوعه، والعلم بالشيء هو الجزم بما هو عليه، أو بما سيقع لا مَحالةَ؛ فلْيُتأمَّلْ". اهـ
[ ١ / ١٠٧ ]