[ ١ / ٥٥ ]
*نَصُّ الحديث:
عن أبي واقِدٍ اللَّيْثِيّ -﵁- قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيَنُوطُونَ بِها أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَها: ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ! إنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]،
لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».
*تخريج الحديث:
قال المُزَنِيّ: حدَّثَنا الشافعيُّ، قالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ثُمَّ ساقَ الحديثَ (^١).
وأخرجه أحمد في المُسنَد (٢١٨٩٧)، والمروزي في السُّنّة (٣٧)، والتِّرْمِذِيّ في باب الفِتَن (٢١٨٠)، وقالَ: "حَسَن صحيح"، والنَّسائيّ في التفسير مِن سُنَنه الكُبرى (١١١٢١)، وابن أَبي عاصمٍ في السُّنّة (٧٦)، وصححه الأَلبانيّ في [ظِلال الجَنّة] (٧٦)، وقال شُعَيبٌ الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شَرْطِ مُسلمٍ". (^٢)
_________________
(١) السُّنن المأثورة للشافعي (١/ ٣٣٨).
(٢) تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (١١/ ١١٢)، جامع الأصول (١٠/ ٣٤)، وصحيح مَوارد الظمآن (١٥٤٠).
[ ١ / ٥٧ ]
*غَريب الحديث:
قول الراوي: "خرجْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ إلى حُنَيْنٍ": (حُنَين) هي مَوْضِعٌ بَيْنَ الطّائفِ ومَكّةَ، وقعتْ فيه مَعْرَكة "حُنين" المشهورةُ.
قوله: "يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ": قال الحَمَوِيّ:
"شجرة خضراءُ عظيمة، كانت الجاهلية تأتيها كُلَّ سَنةٍ؛ تعظيمًا لها، فتُعلِّقُ عليها أسلحتها، وتَذبحُ عندَها، وكانت قريبةً من مكةَ.
وذُكِرَ هذا من كلام ياقوت الحموي أيضًا أنهم كانوا إذا أتَوْا يَحُجُّون يُعلّقون أَرْدِيَتَهم عليها، ويدخلون الحَرَم بغير أَرديةٍ؛ تعظيمًا للبيت؛ ولذلك سُمّيت ذاتَ أنواط، أو نقول: سُميت أنواطًا، يقال: ناطَ الشيءَ، يَنُوطُهُ، إذا عَلَّقَهُ". (^١)
*قوله ﷺ: «إِنَّهَا السُّنَنُ»: جَمْعُ سُنّة، و(السُّنّة) لغةً: الطَّريقة، حَسَنةً كانت أو سيّئةً، والمراد هنا: طريقة أهل الأهواء والبِدَع التي ابتدعوها مِن تِلقاءِ أنفُسهم بعد أنبيائهم، مِن تغيير دينهم، وتحريف كتابهم، كما أتى على بَني إسرائيل، حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ. (^٢)
المعنى العامّ لحديث الباب:
قوله أبي واقِدٍ اللَّيْثِيّ -﵁-:
"خرجْنا مع رسول الله -ﷺ- يومَ حُنينٍ ونَحْنُ حديثو عهدٍ بكفرٍ":
يقصد بذلك مَن خرجَ معَ النبي ﷺ يومَ حُنين من الصحابة -﵃الذين أسلموا بعدَ فتح مكةَ، وكانوا يُطلَقُ عليهم "مُسْلِمةُ الفَتْحِ"؛ فخرجوا مع النبي -ﷺفي غَزْوَة حُنين.
قال الراوي: "وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا": والعُكُوفُ للشّيء هو مُلازَمَتُه، كما في قول الله سبحانه عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ
_________________
(١) مُعْجَم البلدان (١/ ٢٧٣).
(٢) تحفة الأحوذي (٥ / ص ٤٧٢).
[ ١ / ٥٨ ]
لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢].
قال الراوي: "ويَنُوطُونَ عَلَيْها أَسْلِحَتَهُمْ" أيْ: يعلِّقون عليها أسلحتهم.
"فقلنا: يا رسولَ الله، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ" أي:
اجعلْ لنا شجرةً نُعلِّق عليها أسلحتنا، كما لهم شجرةٌ يُعلِّقون عليها؛ فالمشركون كانوا يفعلون ذلك طلبًا للبَرَكة من هذه الأشجار؛ لتزداد الأسلحة قوةً -مثلًا- فلا تنكسرَ حالَ النِّزالِ في المَعارك.
فقال هَؤلاءِ الذين أسلموا حديثًا للنبي ﷺ:
"اجعلْ لنا ذاتَ أَنواطٍ" أي: لِنُعلّقَ عليها أسلحتنا. ومعنى "أناط الشيءَ": علَّقَه.
فقال النبي ﷺ: «سُبْحانَ اللهِ»، وفي روايةٍ قال: «اللهُ أَكبرُ، قُلْتُم كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى».
*هذا الحديث فيه جُملةٌ من الفوائدِ:
الفائدة الأولى: * حُسن المَقْصِد يحتاج إلى حُسن العَمَل*
وهذه القاعدة من الأهميّة بمَكانٍ، أي: إن النية الصحيحة السليمة وَحْدَها لا تكفي لإصلاح العمل الفاسد، بَلِ النية السليمة تحتاج -كذلك- إلى صحة العمل، الذي هو عمل الجَوارح.
نَعَمْ، الأعمال بالنّيّات، ولكنَّ النية الصحيحة حتى يُقْبَلَ ما يترتّبُ عليها ويكونَ عليها الثوابُ- لا بُدّ أن يقترن بها عمل صالح موافقٌ لأصول الشرع؛ ولذلك قال ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]
فنهى الله -﵎- عن الشرك -شرك النيات، وشرك الأفعال- وأمرَ بإصلاح النية، ولم يقتصر على ذلك، بل قال: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، والعمل الصالح لا يكون صالحًا إلا إذا كان موافقًا للكتاب وسنة النبي ﷺ.
* قال ابن كَثيرٍ:
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابَه وجزاءه الصالحَ
[ ١ / ٥٩ ]
فوائد وفروع على مسألة العذر بالجهل
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ ما كان موافقًا لشرع الله، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وهو الذي يُراد به وَجْهُ الله وَحْدَه لا شريكَ له؛ وهَذانِ رُكْنا العملِ المتقبَّلِ: لا بد أن يكون خالصًا لله، صَوابًا على شريعة رسول الله ﷺ. (^١)
* وتأمَّلْ:
قد نهى النبيُّ -ﷺ- أصحابهرضي الله عنه- وأمّته عن الصلاة بالمساجد التي بها قبور مع علمه ﷺ أن أصحابه إذا دخلوا مسجدًا -ولو فيه ألف قبرٍ- يُصلّون لله تعالى، وهو على يقينٍ مِن ذلك، ويَعلم حُسن نيّتِهم، ولكنه ﷺ ما اكتفى بحُسن النية، ولكنْ أمرَهم بحُسن العمل، وذلك بِتَرْكِ الصلاة في المساجد التي بها قبور.
*أما عن عَلاقة هذه القاعدة بحديث الباب:
فإنَّ هؤلاء النَّفَرَ الذينَ كانوا حُدَثاءَ عهدٍ بكفرٍ- كان مَقصِدُهم مقصدًا حسنًا، فهم لم يَقصدوا شجرةً يتبرّكون بها ويتمسّحون بها كما فعلَه المشركون الذين تعلّقت قلوبهم بالشجرة حتى عكفوا لها وأناطوا بها أسلحتهم طلبًا للبَرَكة من ذات الشجرة؛ فلم يكن هَؤلاءِ الصَّحْبُ الكِرامُ قاصدينَ ذلك، بل كانت نيتهم نية حسنة، فهم ما أرادوا إلا شجرةً يعلّقون بها أسلحتهم للبركة، ويجلسون عندها للبركة؛ ومع ذلك فإن النبي -ﷺما اكتفى بحسن النية، بل قد سوَّى طلبهم بطلب من قال: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]
٢ - الفائدة الثانية، وهي مسألة العذر بالجهل:
أولًا: نقول:
قال الله -﵎-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فما دُونَ الشرك فذلك كلُّه تحتَ المشيئة، قد يُغفر، وقد لا يُغفر، أما الشرك فهو خَطٌّ أحمرُ، فلو أتى المشركُ ربَّه -﵎- بقُرابِ الأَرضِ ذَهَبًا وفِضّةً لم يُقبَلْ منه! ولكنَّ العلماء قالوا: إن هناك أعذارًا إذا ما تَلَبَّسَ بها المَرْءُ ثُمَّ وقعَ في الشرك
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٠٥).
[ ١ / ٦٠ ]
أدلة العذر بالخطأ في مسائل التكفير
من الأعذار المانعة من التكفير التأويل السائغ
فإنها تَرفع عنه وَصْفَ الشرك (تَرْفعُه عن الشخص، لا عن الفعل نفسِه).
*ومن هذه الأعذار:
*الجهل، والتأويل، والخطَأ، والنِّسْيان * فمن وقعَ في شرك وكان جاهلًا أو مخطئًا أو ناسيًا أو متأوِّلًا- فهذه الأعذار تُسقط عنه حُكم الشرك، وهذا من حيث العَيْنُ لا النَّوْعُ، وهذا معنى مسألة العذر بالجهل.
* من أدلة العذر بالخطأ:
(١) قال تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥]
(٢) قد ورد في حديث الرجُل الذي كان في فَلاةٍ، وكان على دابّةٍ عليها طعام وشراب، وفقدَ دابته بما عليها، فجلس ينتظر الموت، وإذ به يرى ناقته التي عليها الطعام والشراب أمام عينيه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. (^١)
فهذا الرجل قد أخطأ من شدّة الفرح، حتى أنه قد نطق كفرًا، ولكنه لم يكفر بذلك؛ لِكَونه لم يُرِدْهُ، ولم يَقُلْه قاصدًا حقيقة مَعْناهُ، بل في حالة كان فيها كالغافل والذّاهل والنّاسي الذي لا يؤاخَذ بما يصدُر مِنْهُ. (^٢)
*وكذلك من هذه الأعذار: التأويل:
والتأويل مِن معانيه: تفسير النصوص الشرعية على غير مَدلولها الشرعي الصحيح.
* ويدل عليه:
قوله تعالى) وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) (النحل: ١٠٦)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) فتْح الباري (١١/ ١٠٨)، وإعلام الموقِّعين (٣/ ٦٣).
[ ١ / ٦١ ]
قال ابن الوزير:
فقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ولكنْ من شرح بالكفر صدرًا﴾ يؤيد أن المتأولين غير كفار؛ لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعًا أو ظنًا أو تجويزًا أو احتمالًا.
وقد يشهد لهم بذلك كلام أمير المؤمنين ﵇ وهو الصادق المصدوق في المشهور عنه حيث سئل عن كفر الخوارج، فقال: " من الكفر فروا "، فكذلك جميع أهل التأويل من أهل الملة وإن وقعوا في أفحش البدع والجهل فقد علم منهم أن حالهم في ذلك هي حال الخوارج. (^١)
* يؤيده: قوله ﷺ:
«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ».
قال أبو سُليمانَ الخَطّابيُّ:
"فيه دلالة على أن هذه الفِرَق كلَّها غيرُ خارجة من الدين؛ إذ النبي -ﷺ- جعلَهم كلَّهم من أمّته. وفيه: أن المتأوِّل لا يخرج من الملة، وإنْ أخطأ في تأوُّله" اهـ - (^٢)
وقد كان الإمام أحمد مع قوله بكفر من قال بخلق القرآن، كان لا يكفِّر الأعيان لكونه يراهم متأولين.
قال أبو العباس ابن تيمية:
ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفِّروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة.
وقد نُقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قومًا معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل.
_________________
(١) إيثار الحق على الخلق (ص/٤٣٧)
(٢) معالم السنن (٣/ ٥١٠).
[ ١ / ٦٢ ]
فيقال: من كفَّره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه هذه مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. (^١)
وقال ﵀:
فالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- ترحَّم عليهم واستغفر لهم؛ لعلمه بأنهم لمن يتبين لهم أنهم مكذِّبون للرسول ﷺ، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلَّدوا من قال لهم ذلك. (^٢)
ويقرر ابن حزم العذر بمثل هذا التأويل قائلًا:
" ومن بلغه الأمر عن رسول اللهﷺ - من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأوَّل في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة فى ذلك فعاند فلا تأويل بعد قيام الحجة. (^٣)
*وهنا فائدة: في ضوابط التأويل التى يُعذر بها المرء:
١ - الضابط الأول:
يُشترط كونُه من التأويل السائغ، وهو ما لا يعود على الدين بالإبطال، ويكون مقبولًا في لغة العرب، ويكون قاله قاصدًا أن يصيب الحقَّ، وقالَه وفْق قواعد العلم؛ ومِثل هؤلاء لهم أعذارٌ في وُقوعهم في التأويل.
فلا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار. (^٤)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٩)
(٢) المصدر السابق (٢٣/ ٣٤٩)
(٣) الدرة فيما يجب اعتقاده (ص/٤١٤)
(٤) إيثار الحق على الخلق (ص/٤١٥)
[ ١ / ٦٣ ]
قال الشيخ ابن العثيمين وهو يبين التأويل السائغ من غيره:
إنكار شيء من أسماء الله -تعالى- أو صفاته نوعان:
النوع الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسمًا من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة.
النوع الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها وهذا نوعان:
الأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر.
الثاني:
أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية فهذا موجب للكفر، لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيبًا، مثل أن يقول: ليس لله -تعالى- يد حقيقة، ولا بمعنى النعمة، أو القوة، فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيًا مطلقًا فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر، لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية فهو منكر مكذب.
لكن إن قال: المراد باليد النعمة أو القوة فلا يكفر؛ لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة. (^١)
٢ - الضابط الثانى:
يشترط في ذلك التأويل أن لا يكون في أصل الدين الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وقبول شريعته؛ لأن هذا الأصل الذي هو الشهادتان لا يمكن تحقيقه مع حصول الشبهة فيه، ولهذا أجمع العلماء، على كفر الباطنية - مثلًا وأنهم لا يعذرون بالتأويل؛ لأن حقيقة مذهبهم الكفر بالله تعالى، وتمام عبادة الله وحده، وإسقاط شرائع الاسلام. (^٢)
*وهنا الإشكال:
قد يقول قائل: إن المناط في قيام الحجة على المعين مطلقًا هو
_________________
(١) فتاوى أركان الإسلام (ص/٩٢)
(٢) وانظر رسالة ضوابط التكفير (ص/٣٦٩) ونواقض الإيمان (ص/٧٨)
[ ١ / ٦٤ ]
مجرد بلوغها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عنده شبهة أو لا يكون. ومقتضى ذلك ألَّا يعذر أحد بالشبهة بعد بلوغ الحجة الرسالية.
ويستند من يقول هذا القول إلى أن الله -تعالى-قد حكم بالكفر على من وصفهم بأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعلمون، وأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ونحو ذلك.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الإسراء: ٤٦)، وقول الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢ - ٢٣).
وقوله تعالي: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾
(الأعراف: ١٧٩)
والجواب أن هذا لا يعارض إعذار المتأول، ويتبين ذلك بوجهين:
الأول:
أن هناك فرقًا بين فهم الدلالة وفهم الهداية. فليس كل من بلغته الحجة وفهمها يهتدي بها.
لكنَّ الله -تعالى- قد جعل فهم الدلالة شرطًا في تكليف عموم الناس مؤمنهم وكافرهم، ولم يجعل فهم الهداية والتوفيق إلا لمن أراد لهم ذلك، وهو محض فضل من الله تعالي، أو بفضل منه جزاء لمن سعي في طلب الهدي.
فالفهم المشروط في قيام حجة الله -تعالى- على العباد غير الفهم الذي هو مقتضى هداية الله - تعالى -وتوفيقه، والشبهة التي تتعلق بفهم الحجة غير الشبهة التي هي لعدم الهداية ولو بلغت الحجة، وهذا فرق ظاهر.
يبين ذلك أن الآيات التي قد يستدل بها من لا يفرق بين هذين الأمرين كلها فيما
[ ١ / ٦٥ ]
الجهل من الأعذار المانعة من التكفير
يتعلق بنفي العلم والفهم والعقل الذي هو مقتضى الهداية.
ولذلك فإن الله -تعالى- كما نفى عمن حكم بكفرهم في تلك الأيات العلم والفهم، فقد نفى عنهم أنهم يسمعون أو يبصرون. ومعلوم أن السمع والبصر المنفي هنا هو مقتضى الهداية لا أنهم صم لا يسمعون شيئًا عميٌ لا يرون شيئًا.
فكذلك العقل والفهم المنفي عنهم هو مقتضى الهداية والتوفيق، لا أنهم مجانين لا يعرفون شيئًا ولا يفهمون ما يقال لهم. (^١)
* ومن الأعذار في مسألة التكفير:
مسألة الجهل:
فالجهل بالحكم الشرعي أحد الأعذار التى يسقط بها حكم تكفير العين:
* فمن أدلة الكتاب على ذلك:
قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) (التوبة: ١١٥)، وقال تعالى (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) (النساء: ١٦٥)
* ومن أدلة السنة:
١ - حديث الرجل الذي شك في قدرة الله -تعالى- على أن يجمعَه بعدَ حَرْقه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:
" قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي البَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللَّهُ البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ " (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"فهذا رجل شكَّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّي، بل
_________________
(١) ضوابط التكفير عند أهل السنة لعلي القرني (ص/٢٤٢)
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٦٦ ]
اعتقدَ أنه لا يُعادُ -وهذا كفرٌ باتفاق المسلمينَ- لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف اللهَ أن يُعاقبَه؛ فغفر له بذلك. والمتأوِّل من أهل الاجتهاد، الحَريصُ على متابعة الرسول: أَوْلَى بالمغفرة مِن مِثل هذا". (^١)
قال ابن قتيبة:
وهذا رجل مؤمن بالله تعالى، مقر به، خائف منه، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أُحرق وذرِّي الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله -تعالى- له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه وجهله بهذه الصفة من صفاته. (^٢)
٢ - حديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ومنهم: « رَجُلٌ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ» (^٣).
٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ- أَنَّهُ قَالَ:
«لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^٤).
قال يَحيَى بنَ حاطِبٍ: توُفِّىَ حاطِبٌ وكانَت له أمَةٌ نُوبيَّةٌ قَد صَلَّت وصامَت وهِىَ أعجَميَّةٌ لَم تَفقَهْ، فلَم تَرُعْه إلا بحَبَلِها، فذَهَبَ إلَى عُمَرَ - ﵁ - فحَدَّثَه فأفزَعَه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢١).
(٢) وانظرتأويل مختلف الحديث (ص/١٣٦) ونواقض الإيمان لعبدالعزيز بن عبد اللطيف (ص/٦٤)
(٣) أخرجه أحمد (١٦٣٤٥) والبيهقي في "الاعتقاد" (١٦٩) وقال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح"، ونقله ابن كثير في تفسيره (الإسراء: ١٥) ولم يتعقبه، وصححه ابن حزم في الفصل (٣/ ١٣١). وقال الأرنؤوط: إسناده حسَن. وانظر [صَحِيحُ الْجَامِعِ: ٨٨١] قلت: والفَتْرَةُ: ما بين كل نَبِيَّيْنِ من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة. وأَهْل الْفَتْرَةِ: الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهم الدَّعْوَة. ومذهب أهل جمهور السنة أنهم يختبرون في العرصات، ويرى الأشاعرة أن أهل الفترة ناجون، وإن عبدوا الأصنام. وانظر "تحفة المريد" (ص/٦٨)
(٤) أخرجه أحمد (٨٦٠٩)، ومسلم (١٥٣).
[ ١ / ٦٧ ]
ذَلِكَ. فأرسَلَ إلَيها عُمَرُ - ﵁ - فقالَ: أحَبَلتِ؟ فقالَت: نَعَم، مِن مَرغوشٍ بدِرهَمَينِ، فإِذا هِىَ تَستَهِلُّ بذَلِكَ لا تَكتُمُه، قال: وصادَفَ عَليًّا وعُثمانَ وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ ﵃، فقالَ: أشيروا عليَّ. وكانَ عثمانُ - ﵁ - جالِسًا فاضطَجَعَ، فقالَ عليٌّ وعَبدُ الرَّحمَنِ ﵄: قَد وقَعَ عَلَيها الحَدُّ، فقالَ: أشِرْ عليَّ يا عثمانُ. فقالَ: قَد أشارَ عَلَيكَ أخَواكَ.
قال: أشِرْ عليَّ أنتَ، قال: أُراها تَستَهِلُّ به كأنَّها لا تَعلَمُه، ولَيسَ الحَدُّ إلا على مَن عَلِمَه، فقالَ: صَدَقتَ، والَّذِى نَفسِى بيَدِه ما الحَدُّ إلا على مَن عَلِمَه. فجَلَدَها عُمَرُ - ﵁ - مِائَةً، وغَرَّبَها عامًا. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"لهذا كنتُ أقولُ للجَهْميّة من الحُلوليّة والنُّفاةِ الذينَ نَفَوْا أن الله تعالى فوقَ العرش -لمّا وقعتْ مِحنتُهم-: أنا لو وافقتُكم كنتُ كافرًا؛ لأني أعلمُ أن قولكم كفرٌ، وأنتم عِندِي لا تَكفُرونَ؛ لأنكم جُهّالٌ". (^٢)
وقال ﵀:
"فإنّا -بعدَ معرفةِ ما جاء به الرسولُ- نَعلمُ بالضَّرورة أنه لم يشرع لأمّته أن تدعوَ أحَدًا من الأموات، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمّته السجود لميتٍ ولا لغير ميتٍ، ونحو ذلك؛ بل نَعلمُ أن ذلك من الشرك الذي حرّمه الله -تعالى- ورسولُه؛ لكنْ لِغَلَبةِ الجهل وقِلّة العلم بآثار الرسالة في كثيرٍ من المتأخرينَ لم يُمْكِنْ تكفيرُهم بذلك، حتى يَتبيَّنَ لهم ما جاء به الرسولُ ﷺ" (^٣).
قال ابن القَيِّم:
"وأما كُفرُ الجهل مع عدم قيام الحُجّة وعدمِ التمكُّن من
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقى (١٧٠٦٥) باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات. وانظر ضوابط التكفير (ص/٢٤٠)
(٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٢٦). وليس المقصود بالحلولية هنا من يقول بعقيدة الحلول والاتحاد، وإنما المراد بهم الجهمية الذين ينفون علو الله -تعالى- على عرشه.
(٣) الرد على البكري (٢/ ٧٣١).
[ ١ / ٦٨ ]
مَعرفتها- فهذا الذي نفى اللهُ التعذيبَ عنه حتى تَقُومَ حُجّةُ الرسلِ". (^١)
قال الذهبي:
وقد كان سادة الصحابة -﵃- بالحبشة، وينزل الواجب والتحريم على النبيﷺ- فلا يبْلغهم تحريمه إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأشهر معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، فكذا يعذر بالجهل كل من لم يعلم حتى يسمع النص. والله تعالى أعلم. (^٢)
قال محمد بن عبد الوَهّاب:
"وإذا كُنّا لا نُكفّر مَن عبدَ الصَّنَمَ الذي على قبر "عبد القادر"، والصَّنَمَ الذي على قبر "أحمدَ البدويِّ" وأمثالهما لأجْلِ جهلِهم وعدمِ مَن يُنبّهُهُم ". (^٣)
*عَودٌ إلى حديث الباب:
فهؤلاءِ جَمْعٌ من الصحابة -﵃- كانوا حُدَثاءَ عهدٍ بكفرٍ، وكان التبرُّك بالأشجار والأحجار والأصنام مما تَوارثُوهُ عن الجاهليّة، فكان عُذرُهم في هذا المَطلَبِ إنما هو الجهل الناشئ عن حداثة العهد بالإسلام، فطلبوا أمرًا من الشرك بمَكانٍ، والصحابي يذكُر عُذرًا في سياق الكلام، حيث قال: "ونحنُ حدثاءُ عهدٍ بكفرٍ "، فعذرَهم النبي ﷺ في ذلك؛ لجهْلهم، لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفرٍ.
قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"اتفق الأئمة على أنّ مَن نشأَ بباديةٍ بعيدةٍ عن أهل العلم والإيمان، وكان حديثَ العهد بالإسلام، فأنكرَ شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المُتواترة- فإنه لا يُحكم بكفره حتى يَعرِفَ ما جاء به الرسولُ". (^٤)
* فهذا يُفيد أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كُفر وهو لا يَدري، فنُبِّهَ على ذلك، فتاب مِن ساعتِه- أنه لا يكفُر كما فعلَ بنو إسرائيل والذين سألوا النبيَّ ﷺ. (^٥)
_________________
(١) طريق الهِجرتينِ (ص/٦١١)، وضوابط تكفير المُعَيَّن (ص/ ٥٧).
(٢) الكبائر (ص/٢٥)
(٣) الدرر السّنيّة (١/ ٦٦).
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧).
(٥) كشف الشبهات (ص/٩١)، والتكفير وضوابطه للسقار (ص/٦٩).
[ ١ / ٦٩ ]
مسألة العذر بالجهل ليست على إطلاقها
* فرع:
مسألة العذر بالجهل ليست على إطلاقها، فليس كلُّ جاهلٍ معذورًا بجهله، بل المسألة تختلف بحسب حال الجاهل، وحال المجهول:
أ) بحسب حال الجاهل:
فالشخص الذي نشأ في باديةٍ ليس فيها عِلمٌ منتشر، أو كان حديثَ عهدٍ بالإسلام كأصحاب حديث الباب، أو قد يكون سعى في طلب العلم فجانَبَهُ الصَّوابُ؛ فهذا الشخص يكون معذورًا بجهله، بخلاف شخصٍ آخرَ فرَّطَ في العلم الشرعي، أو يأتيه الدليلُ فيُعانِدُ ويُجادلُ فيه أو يُعْرِضُ عنه؛ كقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]؛ فالحُكم في هَذَيْنِ مختلفٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
" وهذا العذر لا يكون عذرًا إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصَّر فيها لم يكن معذورًا. (^١)
ب) بحسب حال المجهول:
وهي القضية التي وقع فيها الجهل، فمعنى قولنا "بحسب المجهول": أننا نفرِّق بين قضية خَفِيةٍ وقضية ظاهرة؛ فإنّ وُقوع الجهل -مثلًا- في قضية خفية، أو في قضية هي محلُّ نزاعٍ بين العلماء أو قضيةٍ تحتاج إلى إمْعانِ النَّظَر، فقال المخالِف قولًا من الكفر فليس هذا كمَنْ كفرَ بمسألة هي معلومةٌ من الدِّين بالضَّرورة.
قال النووى:
فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنى والخمر ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٨٠).
[ ١ / ٧٠ ]
الفارق بين فهم الحجة وقيام الحجة
إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه.
فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدا لا يرث وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة. (^١)
ومن نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية في التفريق بين المسائل الجَلِيّة والخَفِيّة:
قولُه -﵀-:
" في المقالات الخفية قد يقال: إنه فيها مخطئ ضالّ، لم تقُم عليه الحجة التي يكفُر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائفَ منهم في الأمور الظاهرة التي تَعلَم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، مثل:
أمْره بالصلوات الخمس، ومثل معاداته لليهود والنصارى، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك، ثم تجد كثيرًا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين. (^٢)
قال الشافعى:
وعلم عامة هو ما لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله -تعالى- على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرَّم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا، وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع". (^٣)
* لكن نقول:
إذا كان الجهل عذرًا في عدم وصف الشخص الذي فعلَ كفرًا، فإنّ المراد بالجهل هُنا هو:
عدم بلوغ الحُجة، وليس عدم فَهم الحجة.
فإنْ قِيلَ: وما الفارق بينهما؟
قلنا:
أما قيام الحجة فهو أن تَصِلَه الأدلة الشرعية بِلُغةٍ يَفهمُها مِثْلُه، وبلسان
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٢٠٥)
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٤).
(٣) الرسالة (ص/٣٥٧)
[ ١ / ٧١ ]
قومه؛ فهُنا شَرطانِ في تحقُّق قيام الحجة: بُلوغها مع فَهمها بلسان قومه (وهو الفَهْمُ اللُّغَوِيّ): قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]
وقال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]
وإذا كان كذلك فإنّ فَهْمَ اللسان هذا لا بُدَّ منه، أي:
إذا أتاك رجلٌ أَعجميٌّ فكلّمتَه بالحُجة الرِّساليّة باللغة العربية؛ فمِثلُ هذا لم تقُم عليه الحجة، وذلك لأنه لم يَفْهَمْ منها كَلِمةً، فلا تكون الحُجة قد قامت عليه حتّى يَبُلَغَه بما يَفهمُه بلسان قومه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]
*وأما فَهْمُ الحجة: فليس من شرط قيام الحجة أن يَفهمَ الحُجة فَهْمَ مَن أراد الله -تعالى- هِدايتَه وفَهْمَ التفقُّه المؤدي إلى الإذعان والانقياد - كفَهم أبي بكرٍ وعُمرَ والصحابة ﵃؛ لأنه لو قيل: إن قيام الحجة لا يتم إلا بفَهمها على هذا المعنى لَصار لا يكفر إلا مَن عانَدَ!
واللهُ -﷿- قد بيّنَ في القرآن أن الكافرينَ قد قامت عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله تعالى:
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]
فنَصَّ الله -تعالى- أنهم يستمعون سَماعَ مَن يَفهمُ المعنى ويَعقِلُه، لكنّهم لم يَفهموا الأدلة الشرعية فَهْمَ مَن أراد الله -جلّ وعلا- هدايتَه. (^١)
ولعلَّهم صُدُّوا عن السبيلِ، ومُنِعُوا الفَهْمَ؛ إمّا لِكِبْرِهم عن قَبول الحق، أو
_________________
(١) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٧/ ٢٢٠)، والنبذة الشريفة لحمد بن ناصر التميمي (ص/١١٧)، والجهل بمسائل الاعتقاد (ص/١٨٣).
[ ١ / ٧٢ ]
لتقليدهم الآباءَ والأَسْلافَ، أو لغير ذلكَ، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
ففارِقٌ بين الفَهم والعلم؛ قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
قال ابن القيم:
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم، فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعًا تقوم به عليهم حجته، فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم. (^١)
قال الشيخ السِعدي: والسمع الذي نفاه الله -تعالى- عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب، وأما سمع الحجة، فقد قامت حجة الله -تعالى- عليهم بما سمعوه من آياته، وإنما لم يسمعهم السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيرا يصلحون به لسماع آياته. (^٢)
قال عبد اللَّطيف بنُ حَسَن آل الشيخ في سياق كلامه عن قيام الحُجة: "وإنما يُشترط فَهْمُ المُراد للمتكلِّم والمَقصود من الخطاب، لا أنّه حقٌّ؛ فَذاكَ طَوْرٌ ثانٍ. هذا هو المُستفادُ مِن نَصِّ الكتاب والسنة". (^٣)
وقال -﵀-: "وينبغي أن يُعْلَمَ الفَرْقُ بين قيام الحجة وفَهْمِ الحجة؛ فإنّ مَن بلغتْه دعوةُ الرسل فقد قامت عليه الحجة إذا كان على وجهٍ يُمكنُ معه العلمُ، ولا يُشترطُ في قيام الحجة أن يَفهم عن الله ورسوله ما يفهمُه أهلُ الإيمان والقَبول والانقياد لِما جاء به الرسولُ؛ فافْهَمْ هذا يُكْشَفْ عنكَ شُبُهاتٌ كثيرةٌ في مسألة قيام الحجة.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ
_________________
(١) شفاء العليل (ص/٩٧)
(٢) تيسير الكريم الرحمن (٣/ ١٥٥)
(٣) وانظر: مِصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام (١/ ٢٠٦)، والجهل بمسائل الاعتقاد (ص/١٨٧).
[ ١ / ٧٣ ]
قولهم ﴿اجعل لنا ذات أنواط﴾ هل هذا الطلب شرك أكبر أم شرك أصغر؟
غِشَاوَة﴾ [البقرة: ٧] " (^١).
إذَنْ فالفرقُ بين قيام الحجة وفهم الحجة:
هو ما نقوله في الفرق بين هداية التوفيق وهداية البيان؛ فقيام الحجة الرسالية على أَيْدِي الرسل وأَتْباعهم هي هداية البيان، قال تعالى لنبيّه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وأما فَهْمُ الحجة والاقتناعُ بها فهذا من هداية التوفيق والإلهام، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (^٢)؛ فالفَهمُ هذا مِنّةٌ من الله تعالى، وقد قال الرسول ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدين» (^٣)
* فرع: قولهم في الحديث:
"اجعلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما أنّ لهم ذات أنواط" هل هذا الطلب شركٌ أصغرُ أم شركٌ أكبرُ؟
*قَبْلَ الإجابة عن هذا السؤال نريد أن نبين أن التبرُّك بالأحجار والأشجار قد يكون شركًا أكبرَ، وقد يكون شركًا أصغرَ:
أ) أمّا الحالات التى يكون فيها التبرك شركًا أكبرِ:
فكمَنْ يَعمدُ إلى شجر أو قبر أو حَجَر، فيلتمس البركة من ذات الحجر، كما كان فِعل مُشركي العرب، فكانوا يلتمسون البركة من أصنامهم. ولا فرق بين مَن يلتمس البركة من ذات الصنم -وهو شركٌ أكبر- ومَن يلتمس
_________________
(١) كشف الشُّبهتينِ (ص/٩١) لسليمان بن سحمان. ومعنى قوله: "إذا كان على وجه يمكن معه العلم": ألا يكون عديم العقل والتمييز كالصغير والمجنون، أو يكون ممن لا يفهم الخطاب ولم يَحضُر ترجمان يُتَرْجِمُ له.
(٢) فتأملوا في قوله ﷺ في الخوارج: «أينما لَقِيتموهم فاقْتلوهم»، وقوله: «شر قَتْلَى تحتَ أَدِيمِ السماءِ» مع كَوْنهم في عصر الصحابة، ويحقر الصحابةُ ﵃ عباداتهم إلى عباداتهم، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلوّ والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بَلَغَتْهم الحجة، ولكن لم يفهموها؛ لذلك لمّا ناظرهم ابن عباس رجع الكثير منهم عن أقوالهم.
(٣) متفق عليه.
[ ١ / ٧٤ ]
البركة من مقبور؛ هو يعتقد أن البركة تأتي من ذات القبر أو من ذات الصنم أو من ذات الشجر؛ فهذا شرك أكبرُ لأنه تعلق بغير الله سبحانه في حُصول البركة، وعُبّاد الأوثان إنما كانوا يطلبون البركة منها؛ فالتبرك بقُبور الصالحين كالتبرك باللّاتِ، والتبرك بالأشجار والأحجار كالتبرك بالعُزَّى ومَناةَ.
** قال ابن القَيِّم:
"فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعُكوفُ حَوْلَها- اتخاذَ إلهٍ مع الله -تعالى- مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها؛ فما الظَّنُّ بالعُكوف حولَ القبر، والدعاء به، ودعائه، والدعاء عنده؟! فأيُّ نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهلُ الشرك والبدعة يعلمون! ". (^١)
*وتأملوا: لما طلبوا شجرة يعلقون عليها الأسلحة -كما في حديث الباب- وسمَّوْا ذلك "ذاتَ أنواط" سمّاه الرسول ﷺ شِركًا، فقال: «قلتم كما قالت بنو إسرائيل: اجعلْ لنا إلهًا»
فدل ذلك على أن (العبرة في الأحكام: بالمقاصد والمعاني، وليست بالألفاظ والمَباني).
* قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:
الاعتبار في الأحكام: بالمعاني، لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبيُّ ﷺ طلبهم كطلب بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونِهم سمَّوْها "ذاتَ أنواط"؛ فالمشرِك مشرِك وإنْ سمَّى شركَه ما سمّاه؛ كمن يُسمِّي دعاء الأموات والذبحَ والنذرَ لهم ونحوَ ذلك- تعظيمًا ومَحَبّةً؛ فإنّ ذلك هو الشركُ وإنْ سمّاه ما سمّاه". (^٢)
*إذَنْ الحالة الأولى التي يكون فيها التبرك شركًا أكبر:
أن يعتقد أن ذات القبر أو ذات الحجر أو ذات الشجرة هو مصدرٌ ومحلٌّ للبركة. وفي حديث الباب التنبيهُ على حُرمة ما يُفعل عند القبور من دعاء أصحابها
_________________
(١) إغاثة اللهفان مِن مَصايد الشيطان (ص/٢٠٥).
(٢) فتْح المَجيد شرْح كتاب التوحيد (١/ ١٤٠).
[ ١ / ٧٥ ]
أهم ضوابط التبرك المشروع
صفة التبارك لله -﷿- وأدلتها
والاستغاثة بهم والذبح والنذر لهم؛ وهذا أعظمُ وأكبرُ مِن فِعل الذين اتخذوا أحبارهم ورُهبانهم أربابًا من دون الله، وأقبحُ من فعل الذين قالوا: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط".
*الحالات التي يكون فيها التبرك شركًا أصغر:
ويكون ذلك فيمن يعتقد أن البركة من الله ﵎، لكنه يعتقد وجود أسباب البركة في أشياءَ مما ليس عليه دليلٌ: كمَوْضِعِ القبر الفُلانيّ، أو بُقْعةٍ معيَّنةٍ؛ لأن القاعدة تقول:
"كلُّ من اتخذ سببًا لم يُشرِّعْه اللهُ سببًا -لا شرعًا ولا قَدَرًا- فقد وقعَ في الشرك الأصغرِ".
* وهنا سؤال:
الحاج حين يستلم الحَجَرَ الأَسودَ، هل يعتقد أن الحجر مصدر للبركة بذاته، أم يعتقد أن المسح على الحجر سبب للبركة؟
*والجواب:
من التمس الحجر الأسود معتقدًا أن الحجر مصدر للبركة بذاته- فهذا من الشرك الأكبر؛ وأما من كان يعتقد أن المسح على الحجر سببٌ للبركة- فهذا من الشرك الأصغر؛ لِذا فالصحيحُ: أنه ينتوي في ذلك الاقتداءَ بفعل النبي ﷺ، وهو الذي بيَّنه عُمَرُ - ﵁-:
" لمَّا قَبَّلَ الْحَجَرَ قَالَ: "أَمَا وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (^١)
فدلَّ ذلك على أن النية التي ينتويها مَن مَسَحَ على الحجر هي الاسْتِنان بسُنة النبي ﷺ، ولا شك أن ذات اتباع السنة من آكد أسباب حصول البركة.
*إذَن.. نقول:
التبرك بالأشياء له ضوابطُ ثلاثةٌ:
١) الاعتقاد أن البركة من الله -﷿- في أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله؛ فمِن صفات الله الذاتية الفعلية: صفة التَّبارُك: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ٧٦ ]
قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]، وفي حديث أَيُّوبَ -﵇-:
«لا غِنى لي عن بركتِكَ» (^١).
وكذلك يجعل الله البركة فيما شاء من مخلوقاته؛ قال تعالى حاكيًا عن المَسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]. (^٢)
٢) الأشياء التي جعل الله -تعالى- فيها البركة لا تُعرف إلا بأدلة الشرع.
٣) الأشياء التي جعل الله -تعالى- فيها البركة لا تُستعمل إلا على الوصف الذي دَلَّتْ عليه أدلة الشرع.
* نعود. للسؤال:
عندما قال بعضُ الصحابة -﵃- للنبي ﷺ:
"اجعل لنا ذات أنواط كما أن لهم ذات أنواط" هل هذا من الشرك الأكبر أم من الشرك الأصغر؟
من العلماء من قال: إنّ طلبهم هذا من الشرك الأكبر، ولكنْ عذرَهم الرسولُ ﷺ؛ لحَداثة عهدهم بالإسلام (^٣).
لكن الراجح -واللهُ أعلم- أن هذا مِن الشرك الأصغر؛ وذلك لأُمورٍ:
١ - الأمر الأول:
أنهم طلبوا ولم يَفعلوا، وقد نص العلماء على أنهم طلبوا مُجَرَّدَ المُشابَهة في أن تكون لهم شجرةٌ يَنوطون بها السِّلاحَ يستمِدُّون بها النَّصرَ، لا منها؛ بسبب ما ينزل من البركة عليها مِن قِبَلِ اللهِ؛ ونَظيرُ ذلك:
ما وردَ في حديث النَّوْءِ «مُطرنا بنوء كذا»، أي: بسبب الكوكب، وليس منه؛ ففارقٌ بين نِسبة المطر إلى الكوكب على سبيل السببية، ونِسبة المطر إلى الكوكب على سبيل الخَلْق والإيجاد؛ فالأول شرك أصغرُ، والثاني شرك أكبرُ في باب الرُّبوبيّة؛ ولذلك سألوا النبي ﷺ ذلك، فقالوا:
"اجعلْ لنا ذات أنواط"، فهُمْ ما ادَّعَوْا
_________________
(١) رواه البُخاريّ (٣٣٩١).
(٢) فارقٌ بين "المبارِك" و"المبارك": الأولى بكسر الراء، فهو الله تعالى، يجعل البركة فيمن شاء من مخلوقاته، أما بفتح الراء فهو الشيء تَحلّ فيه البَرَكة.
(٣) وهذا ما نحا إليه من المُعاصِرين أئمّة، منهم: ابن باز [شرح كتاب التوحيد]، ومحمد بن عبدالوهاب في [كشف الشبهات]، وعبدالرحمن بن حسن في شرحه لكتاب التوحيد.
[ ١ / ٧٧ ]
فيها هذا مِن قِبَلِ أنفُسهم، ولكن أرادوا أن يكون ذلك من الله عن طريق نبيّه ﷺ.
٢ - الأمر الثاني:
أن المحذور الذي وقعوا فيه هو مُشابَهتُهم للمشركين، كما فى قول النبيُّ ﷺ -:
«قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة﴾»
فالكاف في لغة العرب تفيد التشبيه لا المُماثَلة، ومن المعلوم أن المشبَّه يُشْبِهُ المشبَّه بِهِ في بعض الأَوْجُه دُونَ بَقيتها.
قال ابن القيم:
ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه وهذا كقوله: "مدمن الخمر كعابد وثن ". (^١)
قال الشاطبي:
قوله ﵇: هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها». . . " الحديث.
فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بنفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه، والله أعلم. (^٢)
*ونظير ذلك: قوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر» (^٣)
ومن المعلوم أن التشبيه هنا في وصف الرؤية، وليس وَصْفِ المَرْئِيّ بِحالٍ.
*لذا نقول:
إن النبي -ﷺ- أراد أن يقطع مادّة المشابَهة من أصلها؛ فإنّ بَني إسرائيل طلبوا مشابهة المشركين ولكن في الشرك الأكبر، وأما من طلب ذلك النبيﷺ- فمع كون طلبهم من الشرك الأصغر لكنه قد يَؤول إلى الشرك الأكبر مع طُول الزمان؛ لأن الشرك الأصغر بَرِيدُ الشرك الأكبر.
وأوّلُ شركٍ وقعَ على وجه الأرض كان بدايته تصوير الأصنام على صُوَرِ الصالحينَ، ثم لما تنسَّخ العلم عُبِدَتْ؛ فكان تصوير الأصنام ذَرِيعةً إلى الشرك الأكبر.
* وكذلك فقد حُرِّم في شريعتنا بناء المساجد على القبور أيضًا لهذا المعنى، لأنها
_________________
(١) عدة الصابرين (ص/١١١)
(٢) الاعتصام (٢/ ٧٥٢)
(٣) متفق عليه.
[ ١ / ٧٨ ]
تَؤول بأصحابها إلى الشرك الأكبر.
وقد نص الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن ساق الحديث في كتاب التوحيد، باب "مَن تبرَّكَ بشجر أو حجر ونحوِهما": "فيه مَسائلُ:
أن الشرك فيه أكبرُ وأصغرُ؛ لأنهم لم يرتدُّوا بهذا" اهـ.
قلتُ: فهذا نصٌّ من الشيخ أن القوم طلبوا الشرك الأصغر. (^١)
*فإن قيل:
فإنْ كان سؤالهم من الشرك الأصغر، فلِمَ قال ﷺ: «قلتم كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾»؟
فالجواب عن ذلك:
أن ذلك مِن قَبِيلِ الاستدلال بالآيات التي نزلت في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، كما قال حُذَيْفةُ -﵁- لمّا رأى رجلًا في عَضُدِه خَيْطٌ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]،
أو يقال:
إن ذلك مِن باب ما يَؤول إليه الأمرُ، كما في قوله -ﷺللرجل الذي قال له: "ما شاء اللهُ وشِئْتَ"، فقال ﷺ: «أجعلتَني للهِ نِدًّا؟»
وهذا من باب ما يَؤول إليه الأمرُ. (^٢)
قال الشّاطِبِيّ:
"قول النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمّتي بما أخذ القرونُ مِن قَبلِها» يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به في الأعيان أو الأشباه. والذي يدل على الثاني (أي: الأشباه): قولُه لمن قال: "اجعل لنا ذات أنواط":
«هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجعل لنا إلهًا﴾»؛ فإنَّ اتخاذ ذات أنواط يُشْبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بعينه؛ فلذلك لا يَلزم في الاعتبار بالمنصوص عليه أن يكون ما لم يُنَصَّ عليه مِثْلَه من كل وجهٍ، والله أعلم". (^٣)
_________________
(١) وانظر: كتاب العُذْر بالجهل تحتَ المِجْهر الشرعيّ لأبي يوسف آل فراج (ص/٢٤٤).
(٢) فالكلام قد يطلق: باعتبار ما كان عليه، كقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦]، وباعتبار ما سيؤول إليه، كما في حديث النَّبِيّ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ»
(٣) بتصرُّفٍ يسيرٍ من [الاعْتِصَام] (٣/ ١٨٩).
[ ١ / ٧٩ ]
*قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"قوله ﷺ: «قلتم كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنها السُّنن لتركبُنَّ سنن من كان قبلكم»، فأنكرَ النبيُّ ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحَهم؛ فكيف بما هو أعظمُ من ذلك مِن مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟!! " (^١).
** ونختم فوائد هذا الحديث بذكر صفة تتعلق بحديث الباب، وهي صفة التَّبارُك لله تعالى:
صفةٌ ذاتيّةٌ. وفعلية لله ﷿.
وقولنا: "تَبارَكَ اللهُ" أي: تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ وتَعالَى وتَعاظَمَ. لا تكونُ هذه الصِّفةُ لغيرِه، أي: تَطَهَّرَ. والقُدْسُ: الطُّهْر. (^٢)
ثابتةٌ. بالكتاب. والسّنّة:
·الدليل. من. الكتاب: الكتاب:
١ - قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣].
٢ - قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١].
·الدليل من السنة:
حَديث أبي هُرَيْرَةَ -﵁- مرفوعًا:
«بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى -وَعِزَّتِكَ- وَلَكِنْ لا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». (^٣)
قال ابن القَيِّم ﵀: "وأما صفتُه تبارك فمُخْتصّةٌ به تعالى كما أطلقَها على.
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم لمُخالَفة أصحاب الجَحيم (٢/ ١٥٧).
(٢) لِسان العَرَب (١٠/ ٣٩٥ برك).
(٣) أخرجه البخاري (٢٧٩).
[ ١ / ٨٠ ]
نَفْسِه ". (^١)
وقال -﵀- بعد أن ذكرَ عِدّةَ تفسيراتٍ لمعنى "تَبارَك":
"وقال الحُسينُ بنُ الفَضْلِ: تبارَك في ذاته، وبارَكَ مَن شاءَ مِن خَلْقِه. وهذا أحسنُ الأقوالِ، فتبارُكُه -سُبحانَه- وصْفُ ذاتٍ له، وصِفَةُ فِعلٍ ". (^٢)
** أنواع البركة:
البركة نوعان:
أ) النوع الأول: بركةٌ هي فِعله ﷾، والفعلُ منها: بارَكَ. ويَتَعدَّى بنفسه تارةً، وبالحرف "عَلَى" تارةً، وبالحرف "فِي" تارةً. والمفعول منه: مُبارَكٌ، وهو: ما جُعل كذلك، فكان مبارَكًا كما يَجعلُه تعالى.
ب) النوع. الثاني:
بركةٌ تُضاف إليه إضافةَ الرحمةِ والعِزّةِ، والفِعل منها: تَبارَكَ؛ ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يَصلُحُ إلا له -﷿-، فهو سُبحانَه المُبارِك، وعَبْدُه ورسولُه: المُبارَك، كما قال المَسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١]؛ فمَن بارك الله فيه وعليه فهو المُبارَك. وأما صفته تعالى فمختصّة به تعالى، كما أطلقها على نفسه بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. (^٣)
تم بحمد الله
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ١٨٥).
(٢) جلاء الأفهام (ص/١٦٧)، وانظر: صفات الله في الكتاب والسنة (ص/١٨٢).
(٣) مختصر الأسئلة والأجوبة على العقيدة الواسطية لعبد المحسن السلمان (ص/٦٧).
[ ١ / ٨١ ]
المجلس الثالث